الدين والأخلاق
(1)بسم الله الرحمن الرحيم
(2)العتبة العباسية المقدسة
المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية
(3)رقم الإيداع في دار الكتب والوثائق ببغداد (2572) لسنة 2024 م
الدين والأخلاق (دراسات دينيّة معاصرة - 13)
تأليف: مجموعة باحثين
إعداد: محمد حسين كياني
إشراف: السيّد محسن الموسوي
الناشر: العتبة العبّاسيّة المقدّسة /المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة
الطبعة: الأولىٰ، 2024 م
www.iicss.iq
islamic.css@gmail.com
(4)المحتويات
مقدّمة المركز 7
مسالك تهذيب الأخلاق / العلّامة السیّد محمّد حسین الطباطبائي 9
مناشئ الأحكام الأخلاقيّة / المرجع الديني الشيخ عبد الله الجوادي الآملي 31
الأخلاق الوحيانیة/ المرجع الديني الشيخ عبد الله الجوادي الآملي 59
النظريّة الأخلاقيّة في الإسلام / الشیخ محمد تقي المصباح الیزدي 75
الطبيعة الأخلاقية للدين / محسن جوادي 115
العلاقة بين الدين والأخلاق في القرآن الكريم / عبد الحسين خسرو پناه 143
الأخلاق الدينيّة والواقعيّة الأخلاقيّة / محمد لغنهاوزن 175
نظرية الأخلاق العرفانيّة / محمد فنائي إشكوري 209
النسبة بين الفقه والأخلاق في تعاليم الإمام الرضا؟ع؟ / أحمد باكتجي 237
العلاقة بين الدين والأخلاق / الشیخ محمد تقي المصباح اليزدي 261
النسبة بين الدين والأخلاق من وجهة نظر الشهيد المطهري / محسن جوادي 291
كيفيّة العلاقة الابتنائيّة المتبادلة بين الأخلاق والدين وبنيتها / حسن معلّمي 311
العلاقة بين الدين والأخلاق على المستويات الأربعة / مريم لاريجاني 337
الصلة بين الدين والأخلاق / أبو الفضل ساجدي 357
مناقشة القول بتعارض الدين والأخلاق ونقده / حميد رضا شاكرين 399
النسبة بين التجربة الدينيّة والتجربة الاخلاقيّة من وجهة نظر الشهيد مطهري / علي شيرواني 427
(5)سلسلة «دراسات دينية معاصرة»، تسعى إلى التطرق إلى بعض من أهم الأسئلة والتحديات التي يواجهها المجتمع والإنسان المعاصر وعلاقتها بالتراث والمعارف الدينية. مسألة الأخلاق وعلاقتها بالدين هي واحدة من المواضيع التي تحتل مكانة بارزة في هذه القائمة بناءً على أهميتها وأولويتها.
في زماننا، تجاوزت الأضرار الأخلاقية والأمراض النفسية والاجتماعية في مختلف المجالات حدود الأزمات وجعلت الإنسان المعاصر يعاني من حالة من الشلل والاضطراب في التفكير والإصلاح.
الإنسان الحديث، من خلال تجاهله وفقدانه لمصادر المعارف الإنسانية والأخلاقية الأصيلة في الدين، أصبح عرضة للعواصف والدمار النفسي، وقام بدفن رأسماله الأصيل الفطري تحت ركام الإهمال والغفلة. في الوقت الحالي، الإنسان كائن مضطرب ومعزول فقد نسي ميثاقه ومأواه الروحي ويجد نفسه أكثر انغماسًا في مستنقعات الهلاك كلما ضرب بيديه ورجليه. ولا يوجد طريق للنجاة إلا من خلال العودة إلى الذات والاستماع إلى نداء الضمير ورسل الحقيقة.
في هذه المجموعة من الأبحاث، تم التطرق إلى مواضيع مثل أصول وأسس الأحكام الأخلاقية، الأخلاق المستندة إلى الوحي الإلهي، نظام الأخلاق في القرآن الكريم، العلاقة بين الأخلاق والفقه والشريعة، التجربة الدينية والتجربة الأخلاقية، الطبيعة الأخلاقية للدين، نظرية الأخلاق العرفانية، الأخلاق الدينية والواقعية الأخلاقية، ونقد نظرية تضاد الدين والأخلاق.
(7)نأمل أن تكون هذه المجموعة خطوة صغيرة نحو توضيح بعض الأسئلة الأساسية في موضوع الأخلاق وعلاقتها بالدين والمعارف الدينية.
وختامًا نشكر جميع الباحثين والكتاب الذين شاركونا في هذه المجموعة بأعمالهم، وكذلك الزملاء الذين تولوا تحرير وإعداد هذه المجموعة من البداية حتى النهاية، ونخصّ منهم بالذكر فضيلة الدكتور محمد حسين كياني إذ تولى أمر المتابعة والتدقيق العلمي الكفوء في تدوين هذه المجموعة من المقالات، وسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني رئيس المركز، حيث كنا ولا نزال نحظى بدعمه وإرشاداته العلمية المؤثرة. ونشكر كذلك فضيلة الدكتور أحمد قطبي، والسيد محمّد رضا الطباطبائي، على ما قدّماه من المقترحات والقيام بالمراحل التنفيذية لهذه الدراسة. على أمل إحياء قلوب المؤمنين والمجتمع البشري بمعين رحمة المعارف الإلهية والأعمال الصالحة، وإعداد الأرضية الخصبة لإقامة المجتمع المثالي والفاضل الذي ينعم بالحياة الطيّبة بحق محمد وآله الأطهار ؟عهم؟.
السيّد محسن الموسوي
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية - فرع قم
(8)
والفقر وإن الطمع يوجب ذلة النفس المنيعة وإن العلم يوجب إقبال العامة والعزة والوجاهة والأنس عند الخاصة وإن العلم بصر يتقي به الإنسان كل مكروه ويدرك كل محبوب وإن الجهل عمى وإن العلم يحفظك وأنت تحفظ المال وإن الشجاعة ثبات يمنع النفس عن التلون والحمد من الناس على أي تقدير سواء غلب الإنسان أو غلب عليه بخلاف الجبن والتهور وإن العدالة راحة النفس عن الهمم المؤذية وهي الحياة بعد الموت ببقاء الاسم وحسن الذكر وجميل الثناء والمحبة في القلوب.
وهذا هو المسلك المعهود الذي رتب عليه علم الأخلاق والمأثور من بحث الأقدمين من يونان وغيرهم فيه.
ولم يستعمل القرآن هذا المسلك الذي بناؤه على انتخاب الممدوح عند عامة الناس عن المذموم عندهم والأخذ بما يستحسنه الاجتماع وترك ما يستقبحه، نعم ربما جرى عليه كلامه تعالى فيما يرجع بالحقيقة إلى ثواب أخروي أو عقاب أخروي كقوله تعالى: ﴿وحَيْثُ ما كُنْتُمْ فَوَلُّوا وُجُوهَكُمْ شَطْرَهُ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ﴾.
دعا سبحانه إلى العزم والثبات وعلله بقوله: لئلا يكون وكقوله تعالى: ﴿وَ لا تَنازَعُوا فَتَفْشَلُوا وتَذْهَبَ رِيحُكُمْ واصْبِرُوا﴾، دعا سبحانه إلى الصبر وعلله بأن تركه وإيجاد النزاع يوجب الفشل وذهاب الريح وجرأة العدو وقوله تعالى ﴿وَ لَمَنْ صَبَرَ وغَفَرَ إِنَّ ذلِكَ لَمِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾، دعا إلى الصبر والعفو وعلله بالعزم والإعظام.
المسلك الثاني: الغايات الأخروية وقد كثر ذكرها في كلامه تعالى كقوله سبحانه ﴿إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وأَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّة﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّما يُوَفَّى الصَّابِرُونَ
أَجْرَهُمْ بِغَيْرِ حِسابٍ﴾ وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذابٌ أَلِيمٌ﴾: وقوله تعالى: ﴿اللَّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُوا يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ والَّذِينَ كَفَرُوا أَوْلِياؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُمْ مِنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُماتِ﴾: وأمثالها كثيرة على اختلاف فنونها.
ويلحق بهذا القسم نوع آخر من الآيات كقوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ فِي الْأَرْضِ ولا فِي أَنْفُسِكُمْ إِلَّا فِي كِتابٍ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَبْرَأَها إِنَّ ذلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ﴾ فإن الآية دعت إلى ترك الأسى والفرح بأن الذي أصابكم ما كان ليخطئكم وما أخطأكم ما كان ليصيبكم لاستناد الحوادث إلى قضاء مقضي وقدر مقدر، فالأسى والفرح لغو لا ينبغي صدوره من مؤمن يؤمن بالله الذي بيده أزمة الأمور كما يشير إليه قوله تعالى: ﴿ما أَصابَ مِنْ مُصِيبَةٍ إِلَّا بِإِذْنِ اللَّهِ ومَنْ يُؤْمِنْ بِاللَّهِ يَهْدِ قَلْبَهُ﴾ فهذا القسم من الآيات أيضا نظير القسم السابق الذي يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالغايات الشريفة الأخروية وهي كمالات حقيقية غير ظنية يتسبب فيه إلى إصلاح الأخلاق بالمبادئ السابقة الحقيقية من القدر والقضاء والتخلق بأخلاق الله والتذكر بأسماء الله الحسنى وصفاته العليا ونحو ذلك.
فإن قلت: التسبب بمثل القضاء والقدر يوجب بطلان أحكام هذه النشأة الاختيارية وفي ذلك بطلان الأخلاق الفاضلة واختلال نظام هذه النشأة الطبيعية، فإنه لو جاز الاستناد في إصلاح صفة الصبر والثبات وترك الفرح والأسى كما استفيد من الآية السابقة إلى كون الحوادث مكتوبة في لوح محفوظ ومقضية بقضاء محتوم أمكن الاستناد إلى ذلك في ترك طلب الرزق وكسب كل كمال مطلوب والاتقاء عن
كل رذيلة خلقية وغير ذلك، فيجوز حينئذ أن نقعد عن طلب الرزق والدفاع عن الحق ونحو ذلك بأن الذي سيقع منه مقضي مكتوب وكذا يجوز أن نترك السعي في كسب كل كمال وترك كل نقص بالاستناد التي حتم القضاء وحقيقة الكتاب وفي ذلك بطلان كل كمال.
قلت: قد ذكرنا في البحث عن القضاء، ما يتضح به الجواب عن هذا الإشكال، فقد ذكرنا ثم أن الأفعال الإنسانية من أجزاء علل الحوادث ومن المعلوم أن المعاليل والمسببات يتوقف وجودها على وجود أسبابها وأجزاء أسبابها، فقول القائل: إن الشبع إما مقضي الوجود وإما مقضي العدم وعلى كل حال فلا تأثير للأكل غلط فاحش، فإن الشبع فرض تحققه في الخارج لا يستقيم إلا بعد فرض تحقق الأكل الاختياري الذي هو أحد أجزاء علله، فمن الخطإ أن يفرض الإنسان معلولا من المعاليل، ثم يحكم بإلغاء علله أو شيء من أجزاء علله.
فغير جائز أن يبطل الإنسان حكم الاختيار الذي عليه مدار حياته الدنيوية وإليه تنتسب سعادته وشقاؤه وهو أحد أجزاء علل الحوادث التي تلحق وجوده من أفعاله أو الأحوال والملكات الحاصلة من أفعاله، غير أنه كما لا يجوز له إخراج إرادته واختياره من زمرة العلل وإبطال حكمه في التأثير، كذلك لا يجوز له أن يحكم بكون اختياره سببا وحيدا وعلة تامة إليه تستند الحوادث، من غير أن يشاركه شيء آخر من أجزاء العالم والعلل الموجودة فيه التي في رأسها الإرادة الإلهية فإنه يتفرع عليه كثير من الصفات المذمومة كالعجب والكبر والبخل والفرح والأسى والغم ونحو ذلك.
يقول الجاهل: أنا الذي فعلت كذا وتركت كذا فيعجب بنفسه أو يستكبر على غيره أو يبخل بماله- وهو جاهل بأن بقية الأسباب الخارجة عن اختياره الناقص وهي ألوف وألوف لو لم يمهد له الأمر لم يسد اختياره شيئا ولا أغنى عن شيء- يقول الجاهل: لو أني فعلت كذا لما تضررت بكذا، أو لما فات عني كذا وهو جاهل
(12)بأن هذا الفوت أو الموت يستند عدمه- أعني الربح أو العافية، أو الحياة- إلى ألوف وألوف من العلل يكفي في انعدامها- أعني في تحقق الفوات أو الموت- انعدام واحد منها وإن كان اختياره موجودا، على أن نفس اختيار الإنسان مستند إلى علل كثيرة خارجة عن اختيار الإنسان فالاختيار لا يكون بالاختيار.
فإذا عرفت ما ذكرنا وهو حقيقة قرآنية يعطيها التعليم الإلهي كما مر، ثم تدبرت في الآيات الشريفة التي في المورد وجدت أن القرآن يستند إلى القضاء المحتوم والكتاب المحفوظ في إصلاح بعض الأخلاق دون بعض.
فما كان من الأفعال أو الأحوال والملكات يوجب استنادها إلى القضاء والقدر إبطال حكم الاختيار فإن القرآن لا يستند إليه، بل يدفعه كل الدفع كقوله تعالى: ﴿وَ إِذا فَعَلُوا فاحِشَةً قالُوا وَجَدْنا عَلَيْها آباءَنا واللَّهُ أَمَرَنا بِها قُلْ إِنَّ اللَّهَ لا يَأْمُرُ بِالْفَحْشاءِ أَ تَقُولُونَ عَلَى اللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ﴾.
و ما كان منها يوجب سلب استنادها إلى القضاء إثبات استقلال اختيار الإنسان في التأثير وكونه سببا تاما غير محتاج في التأثير ومستغنيا عن غيره، فإنه يثبت استناده إلى القضاء ويهدي الإنسان إلى مستقيم الصراط الذي لا يخطئ بسالكه، حتى ينتفي عنه رذائل الصفات التي تتبعه كإسناد الحوادث إلى القضاء كي لا يفرح الإنسان بما وجده جهلا ولا يحزن بما فقده جهلا كما في قوله تعالى: ﴿وَ آتُوهُمْ مِنْ مالِ اللَّهِ الَّذِي آتاكُمْ﴾، فإنه يدعو إلى الجود بإسناد المال إلى إيتاء الله تعالى وكما في قوله تعالى: ﴿وَ مِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، فإنه يندب إلى الإنفاق بالاستناد إلى أنه من رزق الله تعالى وكما في قوله تعالى: ﴿فَلَعَلَّكَ باخِعٌ نَفْسَكَ عَلى آثارِهِمْ إِنْ لَمْ يُؤْمِنُوا بِهذَا الْحَدِيثِ أَسَفاً إِنَّا جَعَلْنا ما عَلَى
الْأَرْضِ زِينَةً لَها لِنَبْلُوَهُمْ أَيُّهُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾، نهى رسوله ص عن الحزن والغم استنادا إلى أن كفرهم ليس غلبة منهم على الله سبحانه بل ما على الأرض من شيء أمور مجعولة عليها للابتلاء والامتحان إلى غير ذلك.
وهذا المسلك أعني الطريقة الثانية في إصلاح الأخلاق طريقة الأنبياء ومنه شيء كثير في القرآن وفيما ينقل إلينا من الكتب السماوية.
المسلك الثالث: وهاهنا مسلك ثالث مخصوص بالقرآن الكريم لا يوجد في شيء مما نقل إلينا من الكتب السماوية وتعاليم الأنبياء الماضين سلام الله عليهم أجمعين ولا في المعارف المأثورة من الحكماء الإلهيين وهو تربية الإنسان وصفا وعلما باستعمال علوم ومعارف لا يبقى معها موضوع الرذائل وبعبارة أخرى إزالة الأوصاف الرذيلة بالرفع لا بالدفع.
و ذلك كما أن كل فعل يراد به غير الله سبحانه فالغاية المطلوبة منه إما عزة في المطلوب يطمع فيها، أو قوة يخاف منها ويحذر عنها، لكن الله سبحانه يقول: ﴿إِنَّ الْعِزَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ ويقول: ﴿أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعاً﴾ والتحقق بهذا العلم الحق لا يبقى موضوعا لرياء ولا سمعة ولا خوف من غير الله ولا رجاء لغيره ولا ركون إلى غيره، فهاتان القضيتان إذا صارتا معلومتين للإنسان تغسلان كل ذميمة وصفا أو فعلا عن الإنسان وتحليان نفسه بحلية ما يقابلها من الصفات الكريمة الإلهية من التقوى بالله والتعزز بالله وغيرهما من مناعة وكبرياء واستغناء وهيبة إلهية ربانية.
و أيضا قد تكرر في كلامه تعالى: أن الملك لله وأن له ملك السماوات والأرض وأن له ما في السماوات والأرض وقد مر بيانه مرارا وحقيقة هذا الملك كما هو ظاهر
لا تبقى لشيء من الموجودات استقلالا دونه واستغناء عنه بوجه من الوجوه فلا شيء إلا وهو سبحانه المالك لذاته ولكل ما لذاته وإيمان الإنسان بهذا الملك وتحققه به يوجب سقوط جميع الأشياء ذاتا ووصفا وفعلا عنده عن درجة الاستقلال، فهذا الإنسان لا يمكنه أن يريد غير وجهه تعالى ولا أن يخضع لشيء، أو يخاف أو يرجو شيئا، أو يلتذ أو يبتهج بشيء، أو يركن إلى شيء أو يتوكل على شيء أو يسلم لشيء أو يفوض إلى شيء، غير وجهه تعالى وبالجملة لا يريد ولا يطلب شيئا إلا وجهه الحق الباقي بعد فناء كل شيء ولا يعرض إعراضا ولا يهرب إلا عن الباطل الذي هو غيره الذي لا يرى لوجوده وقعا ولا يعبأ به قبال الحق الذي هو وجود باريه جل شأنه.
وكذلك قوله تعالى: ﴿اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ لَهُ الْأَسْماءُ الْحُسْنى﴾ وقوله: ﴿ذلِكُمُ اللَّهُ رَبُّكُمْ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ خالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾ وقوله: ﴿الَّذِي أَحْسَنَ كُلَّ شيء خَلَقَهُ﴾ وقوله: ﴿وَ عَنَتِ الْوُجُوهُ لِلْحَيِّ الْقَيُّومِ﴾ وقوله: ﴿كُلٌّ لَهُ قانِتُونَ﴾وقوله﴿وَ قَضى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ﴾ وقوله: ﴿أَ ولَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلى كُلِّ شيء شَهِيدٌ) وقوله: ﴿أَلا إِنَّهُ بِكُلِ شيء مُحِيطٌ﴾ وقوله: (وَ أَنَّ إِلى رَبِّكَ الْمُنْتَهى﴾ .
ومن هذا الباب الآيات التي نحن فيها وهي قوله تعالى: ﴿وَ بَشِّرِ الصَّابِرِينَ الَّذِينَ إِذا
أَصابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قالُوا إِنَّا لِلَّهِ وإِنَّا إِلَيْهِ راجِعُونَ﴾ إلى آخرها فإن هذه الآيات وأمثالها مشتملة على معارف خاصة إلهية ذات نتائج خاصة حقيقية لا تشابه تربيتها نوع التربية التي يقصدها حكيم أخلاقي في فنه ولا نوع التربية التي سنها الأنبياء في شرائعهم، فإن المسلك الأول كما عرفت مبني على العقائد العامة الاجتماعية في الحسن والقبح والمسلك الثاني مبني على العقائد العامة الدينية في التكاليف العبودية ومجازاتها وهذا المسلك الثالث مبني على التوحيد الخالص الكامل الذي يختص به الإسلام على مشرعه وآله أفضل الصلاة هذا.
فإن تعجب فعجب قول بعض المستشرقين من علماء الغرب في تاريخه الذي يبحث فيه عن تمدن الإسلام وحاصله: أن الذي يجب للباحث أن يعتني به هو البحث عن شئون المدنية التي بسطتها الدعوة الدينية الإسلامية بين الناس من متبعيها والمزايا والخصائص التي خلفها وورثها فيهم من تقدم الحضارة وتعالي المدنية وأما المعارف الدينية التي يشتمل عليها الإسلام فهي مواد أخلاقية يشترك فيها جميع النبوات ويدعو إليها جميع الأنبياء هذا.
و أنت بالإحاطة بما قدمناه من البيان تعرف سقوط نظره وخبط رأيه فإن النتيجة فرع لمقدمتها والآثار الخارجية المترتبة على التربية إنما هي مواليد ونتائج لنوع العلوم والمعارف التي تلقاها المتعلم المتربي وليسا سواء قول يدعو إلى حق نازل وكمال متوسط وقول يدعو إلى محض الحق وأقصى الكمال وهذا حال هذا المسلك الثالث، فأول المسالك يدعو إلى الحق الاجتماعي وثانيها يدعو إلى الحق الواقعي والكمال الحقيقي الذي فيه سعادة الإنسان في حياته الآخرة وثالثها يدعو إلى الحق الذي هو الله ويبني تربيته على أن الله سبحانه واحد لا شريك له وينتج العبودية المحضة وكم بين المسالك من فرق!
وقد أهدى هذا المسلك إلى الاجتماع الإنساني جما غفيرا من العباد الصالحين والعلماء الربانيين والأولياء المقربين رجالا ونساء وكفى بذلك شرفا للدين.
على أن هذا المسلك ربما يفترق عن المسلكين الآخرين بحسب النتائج، فإن بناءه على الحب العبودي وإيثار جانب الرب على جانب العبد ومن المعلوم أن الحب والوله والتيم ربما يدل الإنسان المحب على أمور لا يستصوبه العقل الاجتماعي الذي هو ملاك الأخلاق الاجتماعية، أو الفهم العام العادي الذي هو أساس التكاليف العامة الدينية، فللعقل أحكام وللحب أحكام.
* * *
علم الأخلاق: (وهو الفن الباحث عن الملكات الإنسانية المتعلّقة بقواه النباتية والحيوانية والإنسانية، وتميّز الفضائل منها من الرذائل؛ ليستكمل الإنسان التحلّي والاتصاف بها سعادته العلمية، فيصدر عنه من الأفعال ما يجلب الحمد العام والثناء الجميل من المجتمع الإنساني)، يظفر ببحثه أنّ الأخلاق الإنسانية تنتهي إلى قوى عامة ثلاثة فيه، هي الباعثة للنفس على اتخاذ العلوم العملية التي تستند وتنتهي إليها أفعال النوع وتهيئتها وتعبيتها عنده، وهي القوى الثلاث: الشهوية والغضبية والنطقية الفكرية، فإنّ جميع الأعمال والأفعال الصادرة عن الإنسان إمّا من قبيل الأفعال المنسوبة إلى جلب المنفعة كالأكل والشرب واللبس وغيرها، وإمّا من الأفعال المنسوبة إلى دفع المضرة كدفاع الإنسان عن نفسه وعرضه وماله ونحو ذلك، وهذه الأفعال هي الصادرة عن المبدأ الغضبي كما أنّ القسم السابق عليها صادر عن المبدأ الشهوي، وإمّا من الأعمال المنسوبة إلى التصور والتصديق الفكري، كتأليف القياس وإقامة الحجة وغير ذلك، وهذه الأفعال صادرةٌ عن القوة النطقية الفكرية، ولما كانت ذات الإنسان كالمؤلّفة المركّبة من هذه القوى الثلاث التي باتّحادها وحصول الوحدة التركيبية منها يصدر أفعال خاصة نوعية، ويبلغ الإنسان
(17)سعادته التي من أجلها جعل هذا التركيب، فمن الواجب لهذا النوع ألّا يدع قوّةً من هذه القوى الثلاث تسلك مسلك الإفراط أو التفريط، وتميل عن حاق الوسط إلى طرفي الزيادة والنقيصة، فإنّ في ذلك خروج جزء المركّب عن المقدار المأخوذ منه في جعل أصل التركيب وفي ذلك خروج المركّب عن كونه ذاك المركب، ولازمه بطلان غاية التركيب التي هي سعادة النوع.
وحد الاعتدال في القوة الشهوية ـ وهي استعمالها على ما ينبغي كمًّا وكيفًا ـ يسمّى عفّة، والجانبان في الإفراط والتفريط الشَرَه والخمود، وحد الاعتدال في القوة الغضبية هي الشجاعة، والجانبان التهور والجبن، وحد الاعتدال في القوة الفكرية تسمى حكمة، والجانبان الجربزة والبلادة، وتحصل في النفس من اجتماع هذه الملكات ملكةٌ رابعةٌ هي كالمزاج من الممتزج، وهي التي تُسمّى عدالة، وهي إعطاء كلّ ذي حقٍّ من القوى حقّه، ووضعه في موضعه الذي ينبغي له، والجانبان فيها الظلم والانظلام.
فهذه أصول الأخلاق الفاضلة أعني: العفّة والشجاعة والحكمة والعدالة، ولكلٍّ منها فروعٌ ناشئةٌ منها راجعة بحسب التحليل إليها، نسبتها إلى الأصول المذكورة كنسبة النوع إلى الجنس، كالجود والسخاء، والقناعة والشكر، والصبر والشهامة والجرأة والحياء، والغيرة والنصيحة، والكرامة والتواضع، وغيرها، هي فروع الأخلاق الفاضلة المضبوطة في كتب الأخلاق (وهاك شجرة تُبيّن أصولها وتفرّع فروعها) وعلم الأخلاق يُبيّن حد كلّ واحدٍ منها، ويميّزها من جانبيها في الإفراط والتفريط، ثم يبيّن أنّها حسنةٌ جميلةٌ، ثم يشير إلى كيفية اتّخاذها ملَكةً في النفس من طريقي العلم والعمل أعني الإذعان بأنّها حسنةٌ جميلة، وتكرار العمل بها حتى تصير هيئةً راسخةً في النفس.
مثاله أنْ يقال: إنّ الجبن إنّما يحصل من تمكّن الخوف من النفس، والخوف إنّما
(18)يكون من أمرٍ ممكن الوقوع وعدم الوقوع، والمساوي الطرفين يقبح ترجيح أحد طرفيه على الآخر من غير مرجّح والإنسان العاقل لا ينبغي له ذلك فلا ينبغي للإنسان أنْ يخاف.
فإذا لقّنَ الإنسان نفسه هذا القول، ثم كرّر الإقدام والورود في المخاوف والمهاول؛ زالت عنه رذيلة الخوف، وهكذا الأمر في غيره من الرذائل والفضائل.
فهذا ما يقتضيه المسلك الأول على ما تقدّم في البيان وخلاصته إصلاح النفس وتعديل ملكاتها لغرض الصفة المحمودة والثناء الجميل.
ونظيره ما يقتضيه المسلك الثاني، وهو مسلك الأنبياء وأرباب الشرائع، وإنّما التفاوت من حيث الغرض والغاية، فإنّ غاية الاستكمال الخلقي في المسلك الأول الفضيلة المحمودة عند الناس والثناء الجميل منهم، وغايته في المسلك الثاني السعادة الحقيقية للإنسان وهو استكمال الإيمان بالله وآياته، والخبر الأخروي وهي سعادة وكمال في الواقع لا عند الناس فقط، ومع ذلك فالمسلكان يشتركان في أنّ الغاية القصوى والغرض فيها الفضيلة الإنسانية من حيث العمل.
وأما المسلك الثالث المتقدّم بيانه فيفارق الأولين بأنّ الغرض فيه ابتغاء وجه الله لا اقتناء الفضيلة الإنسانية؛ ولذلك ربّما اختلفت المقاصد التي فيه مع ما في المسلكين الأولين، فربما كان الاعتدال الخُلُقي فيه غير الاعتدال الذي فيهما، وعلى هذا القياس، بيان ذلك: أنّ العبد إذا أخذ إيمانه في الاشتداد والإزدياد انجذبت نفسه إلى التفكير في ناحية ربّه، واستحضار أسمائه الحسنى، وصفاته الجميلة المنزّهة عن النقص والشين، ولا تزال تزيد نفسه انجذابًا، وتترقّى مراقبةً حتى صار يعبد الله كأنّه يراه وأنّ ربّه يراه، ويتجلّى له في مجالي الجذبة والمراقبة والحبّ، فيأخذ الحبّ في الاشتداد؛ لأنّ الإنسان مفطورٌ على حبّ الجميل، وقد قال تعالى: ﴿وَ الَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾، وصار يتبع الرسول في جميع حركاته وسكناته.
لأنّ حب الشيء يوجب حبّ آثاره، والرسول من آثاره وآياته كما أنّ العالم أيضا آثاره وآياته تعالى، ولا يزال يشتدّ هذا الحبّ ثم يشتدّ حتى ينقطع إليه من كلّ شيء، ولا يحبّ إلّا ربّه، ولا يخضع قلبه إلّا لوجهه فإنّ هذا العبد لا يعثر بشيء، ولا يقف على شيء وعنده شيء من الجمال والحسن إلّا وجد أنّ ما عنده أنموذجٌ يحكي ما عنده من كمالٍ لا ينفد، وجمالٍ لا يتناهى، وحُسنٍ لا يُحدّ، فله الحسن والجمال والكمال والبهاء، وكلّ ما كان لغيره فهو له؛ لأنّ كلّ ما سواه آيةٌ له ليس له إلّا ذلك، والآية لا نفسيّة لها، وإنّما هي حكايةٌ تحكي صاحبها وهذا العبد قد استولى سلطان الحبّ على قلبه، ولا يزال يستولي، ولا ينظر إلى شيء إلّا لأنّه آيةٌ من آيات ربّه، وبالجملة فينقطع حبّه عن كلّ شيء إلى ربّه، فلا يحب شيئا إلّا لله سبحانه وفي الله سبحانه.
وحينئذٍ يتبدّل نحو إدراكه وعمله فلا يرى شيئًا إلا ويرى الله سبحانه قبله ومعه، وتسقط الأشياء عنده من حيز الاستقلال فما عنده من صور العلم والإدراك غير ما عند الناس؛ لأنّهم إنما ينظرون إلى كلّ شيء من وراء حجاب الاستقلال بخلافه، هذا من جهة العلم، وكذلك الأمر من جهة العمل فإنّه إذا كان لا يحبّ إلّا لله فلا يريد شيئًا إلّا لله وابتغاء وجهه الكريم، ولا يطلب ولا يقصد ولا يرجو ولا يخاف، ولا يختار، ولا يترك، ولا ييأس، ولا يستوحش، ولا يرضى، ولا يسخط إلّا لله وفي الله فيختلف أغراضه مع ما للناس من الأغراض وتتبدّل غاية أفعاله، فإنّه قد كان إلى هذا الحين يختار الفعل ويقصد الكمال؛ لأنّه فضيلة إنسانية، ويحذر الفعل أو الخلق لأنّه رذيلة إنسانية.
وأما الآن فإنّما يريد وجه ربّه، ولا همَّ له في فضيلة ولا رذيلة، ولا شغل له بثناءٍ جميل، وذكرٍ محمود، ولا التفات له إلى دنيا أو آخرة أو جنة أو نار، وإنّما همّه ربّه، وزاده ذلّ عبوديّته، ودليله حبّه.
(20)روتْ لـي أَحــاديـثَ الغــرامِ صبـابةٌ * بإســـنادِها عـــنْ جـيـرةِ العَــلَمِ الفـردِ
وحـدّثـنـي مـرُّ النـسـيمِ عـن الصِّـبـا * عن الدّوحِ عن واديالغَضا عن رُبَى نَجدِ
عَنِ الدَّمْعِ عَن عَيني القَرِيح عَنِ الجوَى * عَــنِ الحزْنِ عَنْ قَلْبِي الجرِيح عَنِ الوَجْدِ
بِـأنَّ غَــــرَامِـي وَ الهَــوَى قَدْ تحالَــفَا * علـى تَـلَــفي حَـتَّـى أوَسَّـــدَ في لَحْـدِي
وهذا البيان الذي أوردناه وإنْ آثرنا فيه الإجمال والاختصار، لكنك إنْ أجدت فيه التأمّل وجدته كافيًا في المطلوب، وتبيّن أنّ هذا المسلك الثالث يرتفع فيه موضوع الفضيلة والرذيلة، ويتبدّل فيه الغاية والغرض أعني الفضيلة الإنسانية إلى غرضٍ واحد، وهو وجه الله، وربما اختلف نظر هذا المسلك مع غيره فصار ما هو معدودٌ في غيره فضيلة رذيلةً فيه وبالعكس.
بقي هنا شيء وهو أنّ هاهنا نظريةً أخرى في الأخلاق تُغاير ما تَقدّم، وربّما عُدّت مسلكًا آخر، وهي أنّ الأخلاق تختلف أصولًا وفروعًا باختلاف الاجتماعات المدنية لاختلاف الحسن والقبح من غير أنْ يرجع إلى أصلٍ ثابتٍ قائمٍ على ساق، وقد اُدّعي أنّها نتيجة النظرية المعروفة بنظرية التحوّل والتكامل في المادة.
قالوا: إنّ الاجتماع الإنساني مولودُ جميعِ الاحتياجات الوجودية التي يريد الإنسان أنْ يرفعها بالاجتماع، ويتوسّل بذلك، إلى بقاء وجود الاجتماع الذي يراه بقاء وجود شخصه، وحيث إنّ الطبيعة محكومةٌ لقانون التحوّل والتكامل كان الاجتماع أيضًا متغيّرًا في نفسه، ومتوجّهًا في كلّ حين إلى ما هو أكمل وأرقى، والحسن والقبح ـ وهما موافقة العمل لغاية الاجتماع أعني الكمال وعدم موافقته له ـ لا معنى لبقائهما على حالٍ واحد، وجمودهما على نهجٍ فارد، فلا حسن مطلقًا، ولا قبح مطلقًا، بل هما دائمًا نسبيّان مختلفان باختلاف الاجتماعات بحسب الأمكنة والأزمنة، وإذا كان الحسن والقبح نسبيّين متحوّلين وجب التغير في الأخلاق، والتبدّل في الفضائل والرذائل ومن هنا يستنتج أنّ الأخلاق تابعةٌ للمرام القومي الذي هو
(21)وسيلةٌ إلى نيل الكمال المدني والغاية الاجتماعية، لتبعية الحسن والقبح لذلك، فما كان به التقدّم والوصول إلى الغاية والغرض كان هو الفضيلة وفيه الحسن، وما كان يدعو إلى الوقوف والارتجاع كان هو الرذيلة، وعلى هذا فربّما كان الكذب والافتراء والفحشاء والشقاوة والقساوة والسرقة والوقاحة حسنةً وفضيلةً إذا وقعت في طريق المرام الاجتماعي، والصدق والعفة والرحمة رذيلةً قبيحةً إذا أوجب الحرمان عن المطلوب. هذه خلاصة هذه النظرية العجيبة التي ذهب إليها الاشتراكيون من الماديين، والنظرية غير حديثة، على ما زعموا؛ فقد كان الكلبيون من قدماء اليونان، على ما ينقل على هذه المسلك، وكذا المزدكيون (و هم أتباع مزدك الذي ظهر بإيران على عهد كسرى ودعا إلى الاشتراك) كان عملهم على ذلك، ويعهد من بعض القبائل الوحشية بإفريقيا وغيرهم.
وكيف كان فهو مسلكٌ فاسدٌ، والحجّة التي أقيمت على هذه النظرية فاسدةٌ من حيث البناء والمبنى معًا.
توضيح ذلك: أنّا نجد كلّ موجودٍ من هذه الموجودات العينيّة الخارجية يصحب شخصيةً تلازمه، ويلزمها ألّا يكون الموجود بسببه عين الموجود الآخر ويفارقه في الوجود، كما أنّ وجود زيد يصحب شخصيةً ونوعَ وحدةٍ لا يمكن معها أنْ يكون عين عمرو، فزيدٌ شخصٌ واحد، وعمرو شخصٌ آخر، وهما شخصان اثنان، لا شخصٌ واحد، فهذه حقيقة لا شكّ فيها (وهذا غير ما نقول: إنّ عالم المادة موجودٌ ذو حقيقةٍ واحدةٍ شخصيةٍ، فلا ينبغي أنْ يشتبه الأمر).
وينتج ذلك: أنّ الوجود الخارجي عين الشخصيّة، لكن المفاهيم الذهنيّة تخالف الموجود الخارجي في هذا الحكم؛ فإنّ المعنى كيف ما كان يجوز العقل أنْ يصدق على أكثر من مصداقٍ واحدٍ كمفهوم الإنسان ومفهوم الإنسان الطويل، ومفهوم هذا الإنسان القائم أمامنا، وأما تقسيم المنطقيين المفهوم إلى الكلي والجزئي، وكذا
(22)تقسيمهم الجزئي إلى الإضافي والحقيقي فإنّما هو تقسيم بالإضافة والنسبة، إمّا نسبة أحد المفهومين إلى الآخر وإمّا نسبته إلى الخارج، وهذا الوصف الذي في المفاهيم ـ وهو جواز الانطباق على أكثر من واحد ـ ربما نسميه بالإطلاق كما نسمي مقابله بالشخصية أو الوحدة.
ثم الموجود الخارجي (ونعني به الموجود المادي خاصة) لما كان واقعًا تحت قانون التغير والحركة العمومية كان لا محالة ذا امتدادٍ منقسمًا إلى حدود وقطعات، كلّ قطعةٍ منها تغاير القطعة الأخرى ممّا تقدّم عليها أو تأخّر عنها، ومع ذلك فهي مرتبطةٌ بها بوجودها، إذ لو لا ذلك لم يصدق معنى التغيّر والتبدّل؛ لأنّ أحد شيئين إذا عُدِم من أصله، والآخر وجِدَ من أصله لم يكن ذلك تبدّل هذا من ذاك، بل التبدّل الذي يلازم كلّ حركة إنّما يتحقّق بوجود قدرٍ مشتركٍ في الحالين جميعًا.
ومن هنا يظهر أنّ الحركة أمرٌ واحدٌ بشخصه يتكثر بحسب الإضافة إلى الحدود، فيتعين بكل نسبة قطعة تغاير القطعة الأخرى، وأما نفس الحركة فسيلان وجريان واحد شخصي، ونحن ربما سمّينا هذا الوصف في الحركة إطلاقًا في مقابل النسب التي لها إلى كلّ حدٍّ حدّ، فنقول: الحركة المطلقة بمعنى قطع النظر عن إضافتها إلى الحدود.
ومن هنا يظهر أنّ المطلق بالمعنى الثاني أمرٌ واقعيٌّ موجود في الخارج، بخلاف المطلق بالمعنى الأول؛ فإنّ الإطلاق بهذا المعنى وصفٌ ذهنيٌّ لموجودٍ ذهني، هذا.
ثم إنّا لا نشكّ أنّ الإنسان موجودٌ طبيعيٌّ ذو أفرادٍ وأحكامٍ وخواصّ، وأنّ الذي توجده الخلقة هو الفرد من أفراد الإنسان دون مجموع الأفراد، أعني الاجتماع الإنساني إلا أنّ الخلقة لما أحسّت بنقص وجوده، واحتياجه إلى استكمالات لا تتمّ له وحدة، جهّزه بأدواتٍ وقوى تلائم سعيه للاستكمال في ظرف الاجتماع وضمن الأفراد المجتمعين، فطبيعة الإنسان الفرد مقصود للخلقة أولًا وبالذات، والاجتماع مقصود لها ثانيًا وبالتبع.
(23)وأمّا حقيقة أمر الإنساني مع هذا الاجتماع الذي تقتضيه وتتحرّك إليه الطبيعة الإنسانية (إنْ صحّ إطلاق الاقتضاء والعلية والتحرّك في مورد الاجتماع حقيقة) فإنّ الفرد من الإنسان موجودٌ شخصيٌّ واحدٌ بالمعنى الذي تقدم من شخصيته ووحدته، وهو مع ذلك واقع في الحركة، متبدّل متحوّل إلى الكمال، ومن هنا كانت كلّ قطعة من قطعات وجوده المتبدّل مغايرةً لغيرها من القطعات، وهو مع ذلك ذو طبيعةٍ سيّالةٍ مطلقةٍ محفوظةٍ في مراحل التغيّرات واحدة شخصيّة، وهذه الطبيعة الموجودة في الفرد محفوظةٌ بالتوالد والتناسل واشتقاق الفرد من الفرد ـ وهي التي نعبّر عنها بالطبيعة النوعيّة ـ فإنّها محفوظةٌ بالأفراد وإنْ تبدّلت وعرض لها الفساد والكون، بمثل البيان الذي مرَّ في خصوص الطبيعة الفردية، فالطبيعة الشخصية موجودةٌ متوجِّهةٌ إلى الكمال الفردي، والطبيعة النوعيّة موجودةٌ مطلقةٌ متوجِّهةٌ إلى الكمال.
وهذا الاستكمال النوعي لا شكّ في وجوده وتحقّقه في نظام الطبيعة، وهو الذي نعتمد عليه في قولنا: إنّ النوع الإنساني مثلًا متوجِّه إلى الكمال، وإنّ الإنسان اليوم أكمل وجودًا من الإنسان الأولى، وكذا ما تحكم به فرضية تحوّل الأنواع، فلو لا أنّ هناك طبيعةً نوعيةً خارجيةً محفوظةً في الأفراد أو الأنواع مثلا لم يكن هذا الكلام إلّا كلامًا شعريًا.
والكلام في الاجتماع الشخصي القائم بين أفراد قومٍ أو في عصرٍ أو في محيط، ونوع الاجتماع القائم بنوع الإنسان المستمر باستمراره والمتحوّل بتحوّله (لو صحّ أنّ الاجتماع كالإنسان المجتمع حال خارجي لطبيعة خارجية!) نظير القول في طبيعة الإنسان الشخصية والنوعية في التقييد والإطلاق.
فالاجتماع متحرّكٌ متبدّلٌ بحركة الإنسان، وتبدّله وله وحدة من بادئ الحركة إلى أين توجّه بوجودٍ مطلق ـ وهذا الواحد المتغير بواسطة نسبته وإضافته إلى كلّ حدٍّ حدّ تصير قطعةً قطعة، وكلّ قطعة شخصٍ واحدٍ من أشخاص الاجتماع، وأشخاص الاجتماع مستندة في وجودها إلى أشخاص الإنسان، كما أنّ مطلق الاجتماع بالمعنى
(24)الذي تقدّم مستندٌ إلى مطلق الطبيعة الإنسانية، فإنّ حكم الشخص شخص الحكم وفرده، وحكم المطلق مطلق الحكم (لا كلي الحكم، فلسنا نعني الإطلاق المفهومي فلا تغفل) ونحن لا نشكّ أنّ الفرد من الإنسان وهو واحدٌ له حكمٌ واحدٌ باقٍ ببقائه، إلا أنّه متبدّل بتبدّلاتٍ جزئيةٍ بتبع التبدّلات الطارئة على موضوعه الذي هو الإنسان فمن أحكام الإنسان الطبيعي أنّه يتغذّى ويفعل بالإرادة ويحسّ ويتفكّر ـ وهو موجود مع الإنسان وباقٍ ـ ببقائه وإنْ تبدّل طبق تبدّله في نفسه، وكذلك الكلام في أحكام مطلق الإنسان الموجود بوجود أفراده.
ولمّا كان الاجتماع من أحكام الطبيعة الإنسانية وخواصّها فمطلق الاجتماع (نعني به الاجتماع المستمر الذي أوجدته الطبيعة الإنسانية المستمرة من حين وجد الإنسان الفرد إلى يومنا هذا) من خواص النوع الإنساني المطلق، موجود معه باقٍ ببقائه، وأحكام الاجتماع التي أوجدها واقتضاها هي مع الاجتماع موجودةٌ بوجوده، باقية ببقائه، وإنْ تبدّلت بتبدّلاتٍ جزئيةٍ مع انحفاظ الأصل مثل نوعها، وحينئذٍ صحّ لنا أنْ نقول: إنّ هناك أحكامًا اجتماعيةً باقيةً غير متغيرة، كوجود مطلق الحسن والقبح، كما أنّ نفس الاجتماع المطلق كذلك، بمعنى أنّ الاجتماع لا ينقلب إلى غير الاجتماع كالانفراد وإنْ تبدّل اجتماعٌ خاصٌّ إلى آخر خاصّ، والحسن المطلق والخاصّ كالاجتماع المطلق والخاصّ بعينه.
ثم إنّا نرى أنّ الفرد من الإنسان يحتاج في وجوده وبقائه إلى كمالاتٍ ومنافع يجب له أنْ يجتلبها ويضمها إلى نفسه، والدليل على هذا الوجوب احتياجه في جهات وجوده وتجهيز الخلقة له بما يقوى به على ذلك، كجهاز التغذّي وجهاز التناسل مثلًا، فعلى الإنسان أنْ يقدم عليه، وليس له أن لا يقدم قطعًا بالتفريط فإنّه يناقض دليل الوجوب الذي ذكرناه، وليس له أنْ يقدم في باب من أبواب الحاجة بما يزيد على اللازم بالإفراط، مثل أن يأكل حتى يموت، أو يمرض، أو يتعطّل عن سائر قواه
(25)الفعّالة، بل عليه أنْ يتوسّط في جلب كلّ كمالٍ أو منفعة، وهذا التوسّط هي العفّة، وطرفاه الشره والخمود، وكذلك نرى الفرد في وجوده وبقائه متوسّطًا بين نواقص وأضداد ومضار لوجوده يجب عليه أنْ يدفعها، والدليل عليه الاحتياج والتجهيز في نفسه فيجب عليه المقاومة والدفاع على ما ينبغي من التوسّط، من غير إفراط يضادّ سائر تجهيزاته أو تفريط يضادّ الاحتياج والتجهيز المربوطين، وهذا التوسّط هي الشجاعة، وطرفاها التهوّر والجبن ونظير الكلام جارٍ في العلم ومقابليه أعني الجربزة والبلادة، وفي العدالة ومقابليها وهما الظلم والانظلام.
فهذه أربع مَلَكاتٍ وفضائل يستدعيه الطبيعة الفردية المجهّزة بأدواتها: العفّة والشجاعة، والحكمة، والعدالة ـ وهي كلّها حسنة ـ لأنّ معنى الحسن الملاءمة لغاية الشيء وكماله وسعادته، وهي جميعًا ملاءمةٌ مناسبةٌ لسعادة الفرد بالدليل الذي تقدّم ذكره، ومقابلاتها رذائل قبيحة، وإذا كان الفرد من الإنسان بطبيعته وفي نفسه على هذا الوصف فهو في ظرف الاجتماع أيضًا على هذا الوصف، وكيف يمكن أنْ يبطل الاجتماع ـ وهو من أحكام هذه الطبيعة ـ سائر أحكامها الوجودية؟ وهل هو إلّا تناقض الطبيعة الواحدة، وليس حقيقة الاجتماع إلّا تعاون الأفراد في تسهيل الطريق إلى استكمال طبائعهم وبلوغها إلى غاية أمنيتها؟.
وإذا كان الفرد من الإنسان في نفسه وفي ظرف الاجتماع على هذا الوصف، فنوع الإنسان في اجتماعه النوعي أيضًا كذلك، فنوع الإنسان في اجتماعه يستكمل بالدفاع بقدر ما لا يفسد الاجتماع وباجتلاب المنافع بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعلم بقدر ما لا يفسد الاجتماع، وبالعدالة الاجتماعية ـ وهي إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه، وبلوغه حظه الذي يليق به دون الظلم والانظلام ـ وكل هذه الخصال الأربع فضائل بحكم الاجتماع المطلق يقضي الاجتماع الإنساني بحسنها المطلق ويَعدُّ مقابلاتها رذائل ويقضي بقبحها.
(26)فقد تبين بهذا البيان: أنّ في الاجتماع المستمر الإنساني حسنًا وقبحًا لا يخلو عنهما قط، وأنّ أصول الأخلاق الأربعة فضائل حسنةٌ دائمًا، ومقابلاتها رذائل قبيحة دائمًا، والطبيعة الإنسانية الاجتماعية تقضي بذلك، وإذا كان الأمر في الأصول على هذا النحو فالفروع المنتهية بحسب التحليل إليها حكمها في القبول ذلك، وإنْ كان ربما يقع اختلافٌ ما في مصاديقها من جهة الانطباق على ما سنشير إليه.
إذا عرفت ما ذكرنا ظهر لك وجه سقوط ما نقلنا من قولهم من أمر الأخلاق وهاك بيانه.
أمّا قولهم: إنّ الحسن والقبح المطلقين غير موجودين، بل الموجود منهما النسبي من الحسن والقبح وهو متغيّرٌ مختلفٌ باختلاف المناطق والأزمنة والاجتماعات، فهو مغالطةٌ ناشئةٌ من الخلط بين الإطلاق المفهومي بمعنى الكلية والإطلاق الوجودي بمعنى استمرار الوجود، فالحسن والقبح المطلقان الكليان غير موجودين في الخارج لوصف الكلية والإطلاق، لكنهما ليسا هما الموجبين لما نقصده من النتيجة، وأمّا الحسن والقبح المطلقان المستمران بمعنى استمرارهما حكمين للاجتماع ما دام الاجتماع مستمرًّا باستمرار الطبيعة فهما كذلك، فإنّ غاية الاجتماع سعادة النوع، ولا يمكن موافقة جميع الأفعال الممكنة والمفروضة للاجتماع كيف ما، فرض فهناك أفعالٌ موافقةٌ ومخالفةٌ دائما فهناك حسنٌ وقبحٌ دائمًا.
وعلى هذا فكيف يمكن أنْ يفرض اجتماع كيف ما فرض ولا يعتقد أهله أنّ من الواجب أنْ يعطى كلّ ذي حقٍّ حقّه أو أنّ جلب المنافع بقدر ما ينبغي واجب أو أنّ الدفاع عن مصالح الاجتماع بقدر ما ينبغي لازمٌ أو أنّ العلم الذي يتميز به منافع الإنسان من غيرها فضيلةٌ حسنة؟ وهذه هي العدالة والعفّة، والشجاعة، والحكمة التي ذكرنا أنّ الاجتماع الإنساني كيف ما فرض لا يحكم إلّا بحسنها وكونها فضائل إنسانية، وكذا كيف يتيسر لاجتماع ألّا يحكم بوجوب الانقباض والانفعال عن
(27)التظاهر بالقبيح الشنيع، وهو الحياء من شعب العفّة أو لا يحكم بوجوب السخط وتغيّر النفس في هتك المقدسات وهضم الحقوق، وهو الغيرة من شعب الشجاعة، أو لا يحكم بوجوب الاقتصار على ما للإنسان من الحقوق الاجتماعية، وهو القناعة أو لا يحكم بوجوب حفظ النفس في موقعها الاجتماعي من غير دحض الناس وتحقيرهم بالاستكبار والبغي بغير الحقّ، وهو التواضع؟ وهكذا الأمر في كلّ واحد،ٍ واحدٍ من فروع الفضائل.
وأمّا ما يزعمونه من اختلاف الأنظار في الاجتماعات المختلفة في خصوص الفضائل، وصيرورة الخلق الواحد فضيلةً عند قومٍ رذيلةً عند آخرين في أمثلة جزئية فليس من جهة اختلاف النظر في الحكم الاجتماعي بأنْ يعتقد قومٌ بوجوب اتباع الفضيلة الحسنة، وآخرون بعدم وجوبه بل من جهة الاختلاف في انطباق الحكم على المصداق وعدم انطباقه مثل أنّ الاجتماعات التي كانت تديرها الحكومات المستبدّة كانت ترى لعرش الملك الاختيار التام في أنْ يفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وليس ذلك لسوء ظنّهم بالعدالة بل لاعتقادهم بأنّه من حقوق السلطنة والملك؛ فلم يكن ذلك ظلمًا من مقام السلطنة بل إيفاء بحقوقه الحقّة بزعمهم.
ومثل أنّ العلم كان يُعيّر به الملوك في بعض الاجتماعات، كما يحكى عن ملّة فرنسا في القرون الوسطى، ولم يكن ذلك لتحقيرهم فضيلة العلم، بل لزعمهم أنّ العلم بالسياسة وفنون إدارة الحكومة يضادّ المشاغل السلطانية.
ومثل أنّ عفّة النساء بمعنى حفظ البضع من غير الزوج، وكذا الحياء من النساء وكذا الغيرة من رجالهن، وكذا عدّة من الفضائل كالقناعة والتواضع، أخلاقٌ لا يذعن بفضلها في بعض الاجتماعات، لكن ذلك منهم لأنّ اجتماعهم الخاصّ لا يعدّها مصاديق للعفّة والحياء والغيرة والقناعة والتواضع، لا لأنّ هذه الفضائل ليست فضائل عندهم.
والدليل على ذلك وجود أصلها عندهم، فهم يمدحون عفّة الحاكم في حكمه
(28)والقاضي في قضائه، ويمدحون الاستحياء من مخالفة القوانين، ويمدحون الغيرة للدفاع عن الاستقلال والحضارة وعن جميع مقدّساتهم، ويمدحون القناعة بما عينه القانون من الحقوق لهم، ويمدحون التواضع لأئمّتهم وهداتهم في الاجتماع.
وأمّا قولهم: بدوران الأخلاق في حسنها مدار موافقتها لغاية المرام الاجتماعي واستنتاجهم ذلك من دوران حسنها مدار موافقة غاية الاجتماع، ففيه مغالطةٌ واضحةٌ فإنّ المراد بالاجتماع الهيئة الحاصلة من عمل مجموع القوانين التي قررتها الطبيعة بين الأفراد المجتمعين، ولا محالة تكون موصلة إلى سعادتهم لو لا الإخلال بانتظامها وجريها، ولا محالة لها أحكام: من الحسن والقبح والفضيلة والرذيلة، والمراد بالمرام مجموع الفرضيات التي وضعت لإيجاد اجتماع على هيئة جديدة بتحميلها على الأفراد المجتمعين، أعني أنّ الاجتماع والمرام الاجتماعي متغايران بالفعلية والقوة، والتحقّق وفرض التحقّق، فكيف يصير حكم أحدهما عين حكم الآخر، وكيف يكون الحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة التي عينها الاجتماع العام باقتضاء من الطبيعة الإنسانية متبدّلة إلى ما حكم به المرام الذي ليس إلّا فرضًا من فارض؟
ولو قيل: أنْ لا حكم للاجتماع العام الطبيعي من نفسه بل الحكم للمرام، وخاصة إذا كانت فرضيةً متلائمةً لسعادة الأفراد عاد الكلام السابق في الحسن والقبح، والفضيلة والرذيلة، وأنّها تنتهي بالآخرة إلى اقتضاءٍ مستمرٍّ من الطبيعة.
على أنّ هاهنا محذورًا آخر، وهو أنّ الحسن والقبح وسائر الأحكام الاجتماعية ـ وهي التي تعتمد عليها الحجة الاجتماعية وتتألف منها الاستدلالات ـ لو كانت تابعةً للمرام، ومن الممكن بل الواقع تحقّق مرامات مختلفة متناقضة متباينة أدّى ذلك إلى ارتفاع الحجّة المشتركة المقبولة عند عامة الاجتماعات، ولم يكن التقدّم والنجاح حينئذٍ إلّا للقدرة والتحكّم، وكيف يمكن أنْ يقال: إنّ الطبيعة الإنسانية ساقت أفرادها إلى حياةٍ اجتماعيةٍ لا تفاهم بين أجزائها ولا حكم يجمعها إلّا حكم مبطل لنفس الاجتماع؟ وهل هذا إلا تناقض شنيع في حكم الطبيعة واقتضائها الوجودي؟
(29)المرجع الدیني الشيخ عبد الله الجوادي الآملي
علينا أنْ نرى ما هي مناشئ الأخلاق التي تنطوي على كلّ هذا التأثير العميق في تغيير حقيقة الإنسان وبناء شخصيته؟
إنّ الإنسان في حقيقته كائنٌ مفكّرٌ ومختار، ومن الواضح بداهة أنّ الأمر الاعتباري لا يمكنه أنْ يعمل على تكوين حقيقةٍ خارجيةٍ، بيد أنّ الأمر الاعتباري يؤخذ بعدّة وسائط من الأمر الحقيقي؛ إنّ الأمر الاعتباري يُشكّل أرضيةً لظهور الحقائق الاعتبارية؛ بمعنى أنّه كما أنّ أحداث العالم ـ التي هي أمورٌ حقيقيةٌ وتكوينية ـ تترك تأثيرها في النباتات والحيوانات وغيرها، ويقوم كلّ واحدٍ من هذه الأمور بأداء دوره في ضوء الحوادث الخارجية، يعمل الإنسان بدوره على تنظيم أموره في ضوء أحداث الخارج، وأنّ لأموره الاعتبارية منشأ حقيقيًا وتكوينيًا.
حيث إنّ الإنسان كائنٌ مدرِكٌ، ويمارس أعماله في ضوء الاختيار والإرادة؛ فإنّه يعمل في حدود فهمه على تنظيم أفعاله على أساس الواجبات والمحرّمات؛ ولكن حيث لا يكون لديه إدراك فإنّه يتصوّر نفسه حرًّا؛ كأنْ يقول ـ مثلًا ـ يتعيّن عَلَيّ
أنْ ألبس ثيابًا صوفيةً دافئةً في فصل الشتاء كي لا أصاب بالزكام، ويجب عَلَيّ أن أرتدي ثيابًا خفيفةً في فصل الصيف كي لا أعاني من شدّة الحرّ؛ كما يحدث لديه الأمر ذاته عندما يشعر بالجوع أو الشبع. وبذلك فإنّ الإنسان يتّخذ في الفصول المتنوّعة قراراتٍ مختلفة، وتكون لديه ضرورات ومحظورات متنوّعة، ولديه مثل هذه الواجبات والمحرّمات حتى في اليوم والليلة؛ وذلك لأنّ الأحداث ليست على وتيرةٍ واحدة؛ فتارةً يعيش الشخص لحظةً من لحظات العمل، وتارةً أخرى يعيش لحظات استراحته واستجمامه.
إنّ هذه الواجبات والمحرّمات إنّما تنشأ من كيفية تعاطي الإنسان مع الحوادث. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الإنسان يعمل على تنظيم الواجبات والمحرّمات على أساس العلاقات التي يراها بين نفسه وبين عالم التكوين. فأنْ يقول مثلًا: (يجب عَلَيّ أنْ أقوم بكذا) هو في حدّ ذاته يُعبّر عن مسؤولية وتوصية أخلاقية. وأما عندما يقول: «إنّي لو فعلت كذا لترتّب على ذلك كذا، ولو لم أفعل كذا لما ترتّب على ذلك كذا» لن يكون هذا أمرًا أخلاقيًا.
إنّ للطبيب ـ على سبيل المثال ـ نوعين من النصائح والتوصيات؛ النوع الأول: من حيث كونه طبيبًا، فيقدّم توصياتٍ ووصفاتٍ طبية، والنوع الآخر: من حيث كونه إنسانًا تربويًا، فيقدّم في مثل هذه الحالة توصياتٍ إرشادية.
إنّ الطبيب من حيث يمتلك علومًا تجريبية، إنّما يُخبر عن الوجود والعدم، والموجود والمعدوم؛ وليس عن الواجبات والمحرّمات. فيقول مثلًا: لو أنّ المريض تناول هذا الدواء، فإنّ حالته الصحية سوف تتحسّن، وإنْ لم يتناوله فإنّ حالته سوف تزداد سوءًا ويصبح مرضه مزمنًا أو يموت، ويكون الحديث هنا هو حديث عن علم الطب والوجود والعدم، ويعود البحث من جهة إلى الحكمة النظرية، بيد
(32)أنّ الطبيب من حيث إنّه يقدّم فتوى طبية، فإنّ كلامه لا ينطوي على أيّ وصفةٍ أو توصيةٍ أخلاقية؛ ومن حيث إنّه إنسانٌ معلّم ومعالج، فإنّه يقول للمريض: لكي تضمن سلامتك، عليك أنْ تقوم بكذا، ولكي تنجو من الخطر عليك أنْ تجتنب أكل هذا الطعم، وإنّ هذا الوجود والحظر، إرشاد أخلاقي ينشأ من الطبيب، ووصفة طبية تصدر من المعالِج إلى المعالَج.
وكما أنّ الأعمال الطبية تعود إلى الوجود والعدم وإلى الواجب والمحرّم، فإنّ ما يتعلّق بروح الإنسان هو الآخر مرض له علاجٌ وطبٌّ أيضًا؛ إلا أنّ منظومته وأجهزته أوسع من منظومة العلوم الطبية.
إنّ للروح حقيقة لا تكون جميع الأمور بالنسبة إليها على وتيرةٍ واحدة؛ فإنّ بعض الأعمال تهلكها إلى الأبد، وبعض الأمور يمنحها حياةً أبدية؛ وبعض الأفعال تمرضها وبعضها الآخر يشفيها؛ ولكن حيث تكون غير محسوسة، فإنّها تُعدّ في بعض الأحيان أمرًا اعتباريًا، وإلّا فإنّ ذات الوجود والعدم والواجب والحرام الذي يكون للطبيب، يكون بنفسه موجودًا عند علماء الأخلاق أيضًا.
إنّ علماء الأخلاق على اطلاعٍ ودرايةٍ بالحكمة النظرية وبالحكمة العملية أيضًا، ويتكلّمون حول الوجود والعدم كما يتكلّمون حول الواجبات والمحرّمات أيضًا؛ فإنّهم يقولون مثلًا: لو أنّ شخصًا أو مجتمعًا يُبتلى بهذا الخلق، فإنّ نهايته وسقوطه سوف يكون حتميًا، وإنّ هذا المجتمع سوف يضمحل، قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ﴾.
ولو أنّ مجتمعًا تحلّى بالفضائل الأخلاقية، فإنّه سوف يكتسب قداسةً ويكتب له البقاء والثبات. وهذا كلامٌ عن الوجود والعدم، كما أنّ لهم كلامًا عن الواجب والمحرّم أيضًا؛ إذ يقولون: يجب على المجتمع أنْ يكون هكذا، كي يحصل على
السعادة. ولكي يكون مرفّهًا في الدنيا، وسعيدًا في الآخرة. وكذلك يجب على المجتمع ألا يكون هكذا كي لا يشقى، ولا يحيق به الخسران في الدنيا والآخرة.
كما أنّ الحسن والقبح الطبي لا يكون على أساس المزاج والذوق، بل يقوم على أساس العلم والعلّة، كذلك فإنّ حُسن وقبح المسائل الأخلاقية بدوره يقوم على أساس تجرّد الروح والحقيقة، وليس على أساس المزاج والذوق، وحيث إنّه يقوم على أساس الحقيقة والواقع، فإنّه يقبل البرهان، كما ستأتي الإشارة إليه ضمن الأبحاث القادمة؛ وأمّا «المباحات والأشياء المحللة فهي تقبل المزاجية والذوقية؛ من ذلك ـ
مثلًا ـ أنّ الشخص الذي يتمتع بكامل الصحة، إذا جلس على المائدة وَوضِعَ أمامه عددٌ من الأطباق الشهية، فإنّه يكون حرًّا في اختيار الطعام الذي يشتهيه. وإذا كان الطعام سليمًا، ولم يكن فيه ضررٌ عليه، فإنه سوف يتناول أيّ واحدٍ من هذه الأطباق على أساس ذوقه ومزاجه، أو إذا كانت هناك أنواع من ألوان الثياب، ولم يكن في أيّ واحدٍ منها ما يضرّه، فإنّه سوف يكون حرًّا في اختيار لون الثوب ونوعه على أساس ذوقه ومزاجه، فإنّ الإنسان حرٌّ في «منطقة الفراغ».
وهكذا الأمر في مسائل الحلال والحرام أيضًا. فإذا كان الشيء الحلال موجودًا على عدّة أشكال، فسوف يكون هذا الشيء من موارد الاختيار والحرية؛ وأمّا بين الواجب والحرام، فلا يكون هناك كلامٌ عن الانتخاب والحرية؛ وذلك لأنّ الإنسان في مثل هذه الموارد وإنْ كان يتمتع بالحرية التكوينية، ولكنه لا يتمتع بالحرية من الناحية التشريعية، ولا شكّ في أنّ واحدًا منهما سوف يكون مضرًّا بحاله، والآخر مفيدًا بالنسبة إليه؛ وذلك لأنّ جميع الأمور بالنسبة إلى روح الإنسان المجرّدة ليست على وتيرةٍ واحدة. ومن هنا يرد طرح مسألة الحُسن والقبح والخير والشرّ وما إلى ذلك، وإنّ المطلع على علاقة هذه الأعمال بروح الإنسان، يقدّم بوصف الوجوب والحظر أمرًا أخلاقيًا، وبوصف الوجود والعدم تقريرًا نظريًا.
إنّ هذين الطريقين ـ ونعني بهما: الوجوب والحظر، والوجود والعدم ـ مشهودان ومحسوسان في القرآن الكريم وسنّة المعصومين عليهمالسلام بشكل كامل. فإنّهم قد حذّروا من طريق الوجود والعدم تلويحًا وأنذروا ضمنًا، وقالوا: إنّ القيام بهذا الفعل عاقبته الهلاك والشقاء، والقيام بذلك الفعل عاقبته الحياة والسعادة الأبدية، كما قاموا مباشرةً بالتحريم أو الوجوب (الواجب والحرام) مباشرةً أيضًا؛ وبذلك فإنّنا نجد في الأدلّة النقلية ـ الأعم من القرآن الكريم والروايات الشريفة ـ ذات الأمرين
(35)الذين يقوم بهما الطبيب أيضًا؛ ومن هنا تنشأ الأصول الكلية والعامّة للأخلاق، وحيث إنّ هذه الأصول ليست خاصّةً لشخص بعينه، وإنّ هذه الفطرة موجودةٌ لدى الجميع؛ إذ يقول تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). فإنّ هذه الأصول سوف تصبح علمًا، وبالتالي فإنّها سوف تشتمل على قضايا ومبانٍ ومبادئ، كما أنّ فلسفة الأخلاق سوف تكون قابلةً للتعليل والتوجيه أيضًا. في حين لو كانت الأخلاق قضيةً شخصيةً لما أمكن الاستدلال عليها ـ لأنّها ليست علمًا ولا برهانية ـ ولا يمكن أنْ نذكر لها فلسفةً أيضًا.
وعلى هذا الأساس فإنّ كلية الأصول والقضايا التي يتمّ طرحها في متن علم الأخلاق، تُعدّ من جهةٍ رؤيةً تُلقى من الخارج على علم الأخلاق بوصفه فلسفة الأخلاق، ومن جهةٍ أخرى تدلّ على أنّ الأخلاق ليست أمرًا شخصيًا، بل هي أمرٌ كلي له موقعٌ ثابتٌ ومستقر؛ إذ لا يمكن افتراض القضايا الكلية من دون موقعٍ ثابتٍ ومجرّد.
لو كانت الأخلاق أمرًا شخصيًا، ولم يكن لها موقعٌ ثابتٌ ومجرّدٌ وخالد، لما أمكن لنا أنْ نبيّن لها أصولًا وقضايا كليةً من الداخل، ولما أمكن أنْ نذكر لها فلسفةً وبراهين كليةً من الخارج.
هناك من يقول: إنّ العلوم البرهانية هي تلك التي يمكن إثباتها بالقياسات المنطقية والمقدمات التجريبية وما إلى ذلك، وحيث إنّ الأخلاق ليست كذلك؛ إذن لا تكون برهانية. في حين أنّ الأخلاق برهانيةٌ شأنها في ذلك شأن العلوم التجريبية، بيد أنّ أصحاب هذا الرأي يقولون بأنّ الأخلاق تقف عند حدود الذوق. إنّ هؤلاء لا يعرفون
الإنسان بشكلٍ جيّد، ولا علم لهم بصلة الإنسان وارتباطه مع عالم الحاضر والمستقبل.
سبق أنْ أشرنا إلى أنّ الطبيب من حيث كونه صاحب علمٍ تجريبي، يخبر عن الوجود والعدم، ومن حيث كونه معالجًا فإنّه يتحدّث عن الواجب والمحرّم، وتكون لديه وصفاتٌ وتوصياتٌ أخلاقية، وإنّ ما يقوله الطبيب ـ بطبيعة الحال ـ إنّما هو نتيجة لتجربته. إنّ الأخلاق التي تشكل مصدرًا ومادّةً لسلامة الروح أو مرضها، تُعدّ جزءًا من العلوم التجريبية التي كشف الوحي النقاب عنها وقال: إنّ عالم الوجود والخالق، لن يُسعد الذين يعيشون من طريق الظلم والفساد الأخلاقي، وإنّ عاقبة الظلم وأكل الربا وأخذ الرشا وسوء التربية، هي هلاك الأفراد وسقوط الأسر وانهيار المجتمع. إنّ هذه الأمور مسائل تجريبيةٌ كشفت الروايات الإسلامية النقاب عنها، وقد عبّر الله سبحانه وتعالى عن بيان أصولها الكلية، بقوله:
ـ (فَسِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُكَذِّبِينَ).
ـ (قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ).
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الحجر: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ). إنّ على الذين يعرفون المناطق الأثرية أنْ يلقوا نظرةً على المنطقتين اللتين كانتا مزدهرتين على الطريق الرئيس بين الحجاز والشام، وقد دمّرناهما معًا: (وَإِنَّهُمَا لَبِإِمَامٍ مُبِينٍ).
وهكذا نجد أنّ الله يقول أولًا بصيغة الجمع: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآَيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ)، ثم يقول
بعد ذلك: (إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ)، حيث يرد ذكر (الآية) بصيغة المفرد؛ بمعنى أنّها بالنسبة إلى المؤمنين آية أو معجزة، وأما بالنسبة إلى (المتوسّمين) فتظهر هناك آياتٌ وعلاماتٌ أثريةٌ كثيرة. وهذا النوع من التعبيرات ليس قليلًا في القرآن الكريم.
نحن لم نذهب إلى عالم البرزخ، كيما نطلع عليه ويحصل لنا علم به بوساطة المشاهدة عيانًا، ولا «أولئك الذين ذهبوا إليه وحصل لديهم علم به قد عادوا إلينا ليخبرونا بما وجدوا»، ولكن الذي خلق تلك النشأة، وكذلك أولياء الله الجامعين بين الدنيا والآخرة، ولديهم الآن كثيرٌ من المشاهدات البرزخية، قد أخبرونا مرارًا وقالوا لنا: إنّ الفضائل الأخلاقية تنفعنا عند الموت والبرزخ وفي القبر وفي يوم القيامة، وإنّ الرذائل الأخلاقية تضرّنا، وهذا بدوره يُشكّل نوعًا من التجربة والتواتر؛ بمعنى أنّ الذين اطّلعوا على البرزخ والموت، قد أخبرونا على نحو التواتر كيف تظهر الرذائل الأخلاقية هناك، وكيف تتجلّى الفضائل الأخلاقية.
وبطبيعة الحال لو أننا عددنا التجربة والتواتر من الأمور الخاصة بالمختبرات، فإنّ الأخلاق لن تكون جزءًا من العلوم التجريية تمامًا، ولكن لو عددنا تجربةَ كلّ شيء بما يتناسب وذلك الشيء، وعددنا الروح مثل الجسم بل وأقوى منه، وقلنا لها ـ كما نقول للجسم ـ بصحةٍ ومرضٍ وحياةٍ وموتٍ ونريد بذلك الموت في المفهوم القرآني الذي يعني الافتقار إلى الكمال، وليس الزوال التام بطبيعة الحال، فعندها سوف تكون المسائل الأخلاقية جزءًا من المسائل التجريبية. وعلى هذا الأساس يمكن الاستعانة بالمقدمات التجريبية وكذلك بالتواتر، بل وفوق ذلك يمكن الاستفادة
من العلوم المتعارفة، من أجل البرهنة والاستدلال على المسائل الأخلاقية الأعم من العقائد والملَكات ونتائج الأعمال، وإثبات ذلك أيضًا.
صحيح أنّه يجب علينا أنْ نعمل على التعريف بما هو صانع للمجتمعات الإنسانية، وأنّ نتجنب المصطلحات العلمية، بيد أنّ عدم الإجابة عن الشبهات القاطعة للطريق، يؤدّي إلى فقدان الأخلاق وعلم الأخلاق لتأثيرهما. ومن هنا لكي تشق المسائل الأخلاقية طريقها إلى المجتمع وتجد لنفسها مكانًا فيه، لا يخلو بيان بعض الشبهات والمصطلحات العلمية والإجابة عنه من فائدة، وعليه سوف نشير في هذا الشأن إلى بعض النقاط على النحو الآتي:
النقطة الأولى هي أنّ مسألة الوجوب، والحرمة، والإباحة، التي يتم التعبير عنها في بعض الموارد بالضرورة، والامتناع، والإمكان، لها جامعٌ انتزاعيٌّ ومفهوميٌّ يستعمل في جميع العلوم؛ بمعنى أنّها من المشترك المعنوي دون المشترك اللفظي، ولكنّها تنقسم ـ على أساس مصطلحات العلوم المتنوّعة ـ إلى أقسامٍ مختلفة.
إنّ كلّ واحدٍ من العلوم النظرية والعملية يُفسّر عنوان الضرورة والإمكان والامتناع في ضوء مفاهيمها ومصطلحاتها الخاصّة؛ وبطبيعة الحال فإنّها تنظر إلى هذين المصطلحين المذكورين بمنزلة المشترك اللفظي؛ بمعنى أنّ الوجوب في الحكمة النظرية والوجوب في الحكمة العملية، مشتركٌ لفظي؛ إذ ليس هناك في المرحلة الثانية ـ خلافًا للمرحلة الأولى التي كانت تشتمل على نوعٍ من الجامع الانتزاعي وكانت تندرج فيه ـ أيّ جهة اشتراكٍ بين هذين العلمين ومصطلحاتهما؛ بمعنى أنّ الضرورة والإمكان والامتناع التي يستخدمها الحكيم والطبيب وعالم الرياضيات
(39)وأيّ عالمٍ آخر يكون صاحب رؤية في العلوم النظرية، تختلف عن الضرورة والإمكان والامتناع الذي يُستعمل في الحكمة العملية؛ وفي الوقت نفسه فإنّها تشكل مشتركًا لفظيًا بين العلوم المذكورة، وربما يحدث بسبب هذا الاشتراك اللفظي في بعض الأحيان خلطٌ وخطأ، ويتم استعمال كلّ واحدٍ منها في موضع الآخر، ويدخل ذلك في قناة المغالطة، ويكون منشأ تلك المغالطة هو الاشتراك اللفظي.
إنّ الضرورة والإمكان والامتناع، أو الوجوب والحرمة والإباحة، وإنْ كان يتمّ تعبئتها في المحمول وتكون جزءًا منه أحيانًا، إلا أنّها في الأصل موضوعة لـ(جهة القضية)؛ وذلك لأنّ للقضية موضوعًا ومحمولًا، وإنّ وجود العلاقة والارتباط بين الموضوع والمحمول وكيفيته، إنّما يتمّ تعيينه بوساطة جهات القضية، وما إذا كان الارتباط قائمًا أم لا، وإنْ كان هناك من ارتباطٍ فهل هو ضعيف أو قوي؟ وعليه فإنّ جهة الضرورة والإمكان والامتناع إنّما هي لبيان كيفية ارتباط المحمول بالموضوع.
من الواضح أنّ هذه الأمور تُعدّ في القضايا النظرية جهاتٍ للقضية. يقول الفيلسوف والحكيم الإلهي: إنّ الله والمعاد والروح والوحي والرسالة والنبوة موجودةٌ وهي حقّ بالضرورة. وبطبيعة الحال تكون تارةً على نحو الضرورة ذاتية، وتارةً أزلية، وتارةً وصفية، وتارةً أخرى شيئًا آخر، وفي بعض الأمور تكون جهة القضية هي الإمكان أيضًا.
إنّ كلّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة يمثّل جهةً في قضية خاصّة، يوجد في الحكمة العملية أيضًا، فإنّ الشيء الفلاني ـ على سبيل المثال ـ إما حسن حتمًا أو ضرورة ويجب القيام به، وإمّا هو حتمًا وضرورةً ليس حسنًا ويجب اجتنابه وتركه. وأمّا في الحكمة العملية فيتم التعبير عن الضرورة والإمكان والامتناع اصطلاحًا بالوجوب والإباحة والحرمة.
(40)إنّ الاختلاف بين الامتناع والضرورة في الحكمة النظرية والحكمة العملية، يكمن في أنّ الامتناع والضرورة في الحكمة النظرية لا يقبلان التخلّف، أمّا في الحكمة العملية يقبلان التخلّف؛ وذلك لأنّ معنى الضرورة في الحكمة النظرية هو أنّ هذا الأمر قطعيٌّ شاء من شاء وأبى من أبى، إلا أنّ مفهوم الضرورة في الحكمة العملية، هو أنّه يجب القيام بهذا الأمر حتمًا، ولكن حيث يكون الإنسان كائنًا مختارًا ومريدًا، فمن الممكن أنْ يتخلّف سواء في مورد الوجوب أم في مورد عدم الوجوب أيضًا، إلا أنّ الضرورة والامتناع الموجود في الحكمة النظرية فهو غير قابلٍ للتخلّف.
وعليه فإنّنا في النقطة الثالثة نصل إلى هذه النتيجة، وهي أنّ كلتا المجموعتين، وهما: العلوم والحكمة النظرية، وكذلك العلوم والحكمة العملية، تستفيد من هذه الأمور بوصفها من جهات القضايا المرتبطة بها، مع فارق أنّ القضية في العلوم النظرية قضيةٌ حقًّا، ولها خبرٌ وموضوعٌ ومحمولٌ وجهة، وأمّا في الأمور العملية فإنّ القضية في الحقيقة ليست قضية، وإنّما هي إنشاء، وإنْ كانت تبدو على شكل خبرٍ وقضية؛ كأنْ يقال على سبيل المثال: «إنّ الصلاة واجبة»؛ إنّ هذه الجملة وإنْ كانت جملةً خبريةً وعلى شكل قضية، ولكنها في روحها وجوهرها إنشاء؛ بمعنى أنّه «تجب إقامة الصلاة»، عندما يقوم شخصٌ بتقرير هذا الإنشاء، فإنّه يقول: «إنّ الدين يحكم بأنّ الصلاة واجبة»؛ فيكون هناك إخبارٌ بالإنشاء، بيد أنّ هذا الخبر نفسه قضيةٌ خارج البحث؛ وأمّا المُخبَر به وهو (وجوب الصلاة) حكم إنشائي، والحكم الإنشائي ليس قضيةً لكي تكون له جهة، ولكن له صورة القضية، وبطبيعة الحال فإنّ هذا الحكم الإنشائي نفسه الذي يربط الحكم بالموضوع ويثبته له، متنوّع؛ فتارةً يكون على شكل وجوب، وتارةً على شكل حرمة، وتارةً أخرى على شكل إباحة.
(41)إنّ العلوم النظرية كما تنطوي على اختلافاتٍ عميقةٍ عن العلوم العملية، في معنى الضرورة والإمكان والامتناع، بمعنى الوجوب والحرمة والإباحة، فإنّ هناك اختلافاتٍ عميقةً أخرى بين هذين الحقلين من العلوم تعود إلى الكميّة. وبعبارةٍ أوضح: لقد جاء في علم المنطق أن القضايا الموجّهة ـ الأعم من البسيطة والمركّبة ـ تنقسم إلى ثلاثة عشر قسمًا (وبطبيعة الحال فإنّ هذا الحصر ليس حصرًا عقليًا، وقد يُضاف إلى هذه الأقسام أقسام أُخر أيضًا) بيد أنّ جذور جميع الأقسام المذكورة، عبارةٌ عن ثلاثة أقسام، وهي: الضرورة والإمكان والامتناع؛ إلا أنّ جذور الجهات في العلوم العملية خمسة أقسام.
إنّ من بين الاختلافات الأساسية بين الحكمة النظرية والعملية، وكذلك بين الأمور الاعتبارية والواقعية وبين الواجب والحرام والإباحة الحقيقية والتكوينية والواجب والحرام والمباح الاعتباري، هو أنّ جهة القضية في العلوم النظرية لا تزيد على ثلاثة أقسام؛ بمعنى أنّ الشيء إمّا حتميّ الوقوع، وإما حتميّ العدم، وإما لا هو حتميّ الوقوع ولا حتميّ العدم. وأمّا في العلوم العملية فإنّ جهات القضايا تصل إلى خمسة أقسام. وفي القوانين والحقوق يوجد هناك قسمان فقط، وهما: إنّ هذا الأمر يجب فعله، وهذا الأمر يحرم فعله، ولا وجود للمباح في البين. وأمّا المسائل الأخلاقية فهي ـ مثل المسائل الفقهية ـ تهتمّ بالوجوب والحرمة والإباحة أيضًا.
إنّ التعاليم الأخلاقية تقول للشخص المتخلّق: يجب عليك القيام بهذا الفعل حتمًا، ويجب عليك ترك ذلك الفعل حتمًا، وأنت مختار بين فعل وترك هذا الأمر الثالث، وأمّا قوانين بلدٍ ما أو المسائل الحقوقية فيه؛ فإنّها لا تتعرّض إلى شيءٍ من مواد المباحات؛ وذلك لأنّ الإنسان حرٌّ في هذه المساحة. وأمّا المسائل الأخلاقية فإنّها لكي تعمل على بيان الحدود وتفصيلها، فإنّها تبحث الواجبات من جهة، والمحرّمات من
(42)جهةٍ ثانية، والمباحات من جهةٍ ثالثة. ومن هنا فإنّ مسألة المباحات مطروحةٌ في الفقه والأخلاق، ولكنها غير مطروحةٍ في المسائل الحقوقية؛ بمعنى أنّه ليس من اللازم والضروري ذكر مادّة في الحقوق والقوانين تتحدث عن إباحة شيءٍ ما.
وبالإضافة إلى مسألة الوجوب والحرمة والإباحة في الفقه والأخلاق، التي هي مثل الضرورة والامتناع والإمكان في العلوم النظرية، هناك قسمان آخران يتمّ ذكرهما في الفقه والأخلاق، ولا يتمّ ذكرهما في العلوم النظرية، وهما: الاستحباب والكراهة. ليس هناك مستحبٌّ أو مكروهٌ في العلوم النظرية، بمعنى أنّ هذا الفعل من الأفضل القيام به، أو أنّ ذلك الفعل من الأفضل عدم القيام به؛ وذلك لأنّه لا يوجد في العلوم النظرية أيّ شيءٍ بالأولوية، كما لا يفنى شيء بالأولوية؛ بل ما لم يبلغ الشيء مرحلة الوجود أو العدم بشكلٍ كامل، فإنّه لن يوجد ولن ينعدم، مع اختلاف أنّ ضرورة الوجود إنّما تكون عندما يكتب الوجود لجميع أجزائها وعللها وعندما يكتب التحقق لجميع شرائطها، وضرورة العدم تكون بعدم وجودٍ واحدٍ من هذه الأمور، ومن هنا قيل: «الشيء ما لم يجب لم يوجد، وما لم يمتنع لم يُعدم».
وعلى هذا الأساس لا يكون هناك للأولوية دور في العلوم النظرية؛ وإنْ أدخل بعضهم الأولوية في العلوم النظرية أيضًا، وقال: إذا كانت مسألة الإيجاد والإعدام في نظام العلّة والمعلول ضرورية، كان لازم ذلك أنْ يكون الفاعل الأول موجَبًا (بالفتح) وليس مختارًا. بيد أنّ الحقّ هو ما تم بيانه بقولهم: «لا يوجد الشيء بأولوية».
إنّ الذي يتمّ طرحه وبيانه في العلوم النظرية، هو: الوجوب القطعي، والحرمة القطعية، والإباحة بين الطرفين، بمعنى طرفي الإمكان. ولكن في العلوم العملية ـ أي: في الفقه والأخلاق ـ تكون القضايا على خمسة أقسام، وهي: الوجوب والحرمة والاستحباب والكراهة والإباحة؛ وذلك لأنّ منشأ هذه الأمور هو إرادة الإنسان
وتكليفه؛ إذ عليه إمّا أنْ يقوم بها حتمًا (الوجوب)، وإمّا إذا قام بها كان ذلك منه حسنًا ولكن ليس من الواجب عليه فعلها (الاستحباب)، وإمّا يجب عليه تركها حتمًا (الحرمة)، وإمّا إذا تركها كان ذلك منه حسنًا، ولكن لا يجب عليه تركها (الكراهة)، وإمّا يتساوى الأمران فيها تمامًا (الإباحة).
إنّ المنشأ ـ بمعنى الدليل والعلة على ظهور الواجبات والمحرّمات ـ يختلف من وجهة المنظّرين، إذ توجد في البين مسألتان، وهما:
المسألة الأولى: من أيّ شيءٍ أو من أين نأخذ الواجب والمحرّم، وما هي صلة ذلك بالوجود والعدم الذين هما من الواجب والمحرّم النظري؟
المسألة الثانية: ما هو العامل الحاسم في الواجبات والمحرّمات؟ إنّ الذين يمتلكون عقلية وتفكيرًا (أشعريًا)، ويعملون على عزل العقل في تشخيص الحُسن والقبح ـ ويعدّون أنفسهم في الوقت نفسه من أصحاب الحقّ ـ كما قال بعض الأشاعرة من أمثال الشهرستاني في كتاب (نهاية الإقدام) في معرض الحديث عن أنفسهم: «قال أهل الحق» أو «قالت طائفة الحق»، يظنون أنّ العقل معزولٌ في هذه الأحكام، وليس له أيّ دورٍ في هذه الأمور. فهم يرون في الحقيقة أنّ العقل معزولٌ في أمرين بنحوٍ كامل:
الأمر الأول: إنّ العقل ليس له أيّ حكمٍ بشأن الذات المقدّسة لله سبحانه وتعالى، من قبيل: ما الذي يجب على الله فعله، وما الذي يتعيّن عليه أن يجتنبه، وما هو الشيء الذي يكون مباحًا له، وما هو الشيء الذي يجب عليه.
الأمر الآخر: إنّ العقل لا يمتلك أيّ حكمٍ بشأن عباد الله سبحانه أبدًا. مع
فارق أنّ الله ليس مسؤولًا عقلًا ونقلًا، في حين أنّ عباد الله غير مسؤولين عقلًا، ولكنهم مسؤولون شرعًا، ولولا الشرع لما كان لدى العقل أيّ حكمٍ للإنسان فيما يجب عليه فعله وما يجب عليه تركه، ومتى يكون حرًّا. وأمّا الشرع فإنّه يعمل على تحديد مساحة الواجبات والمحرّمات والمستحبات، بمعنى أنّه يعمل على بيان دائرة الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة والإباحة.
لقد أثبت الشرع بعض الأحكام والقوانين لعباد الله، وإنّ هذا الشرع نفسه قد أعلن ـ بزعم الأشاعرة ـ أنّ الله سبحانه وتعالى غير مسؤول؛ وذلك لقوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ). وقد فسّر هؤلاء هذه الآية في ضوء مبناهم الخاص وعلى وفق مزاجهم، وقالوا: إنّ كل ما يقوم به الله خير. وبطبيعة الحال فإنّ الإمامية والمعتزلة يفسّرون هذه الآية بحيث لا تتنافى مع حكم العقل في تشخيص الحُسن والقبح العقلي، ويقولون: إنّ المعنى هو أنّ الإنسان عندما يسأل عن شيء فإنّ سؤاله لا يخلو، إمّا أنْ يكون بمعنى الاستفهام وإمّا بمعنى الاستجواب.
والسؤال بمعنى الاستفهام لا يخلو من محور العلل الماديّة الأربع: الماديّة، والصورية، والفاعلية، والغائية. يسأل الإنسان أحيانًا ويقول: ما هذا؟ أي ما هي مادته الأولية؟ وتارةً أخرى يسأل ويقول: ما هذا؟ ويعني بذلك: كيف وعلى أيّ هيئة تمّ صنعه؟ وتارةً يسأل عن مبدئه الفاعلي ويقول: من هو صانعه؟ وتارةً أخرى يسأل عن المبدأ الغائي لهذا الشيء ويقول: لأيّ غاية تمّ صنع هذا الشيء؟
وأما إذا كان هناك موجودٌ منزّه عن هذه العلل الأربعة، فإنّ الاستفهام عنها في مورده لن يكون له معنى؛ فإنْ لم يكن للموجود مادّة وصورة، وكان فاعلًا
محضًا، فلا يمكن السؤال بشأنه عن المادّة والصورة، كما لا يمكن القول: من الذي أوجده؟ وإذا كان الموجود هو الغاية والهدف بالذات، ولا يمكن افتراض هدف وغاية خارجه (حيث الهدف هو الكمال، وهو كمال غير محدود، وليس خارجه شيء ليكون هو الهدف والغاية؛ فسوف يكون هو العلة الغائية للعالم لا محالة، ولن تكون العلة خارجة عنه)، لن يكون للسؤال عن العلة الغائية موقعًا من الإعراب. وعليه يرد قوله تعالى: (لَا يُسْأَلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْأَلُونَ).
وأما السؤال بمعنى الاستجواب، فهو ممتنع أيضًا؛ وذلك لأنّ الاستجواب إنّما هو من مهام القاضي، وهناك في الاستجواب ثلاثة أركان، وهي: القانون، والتنفيذ، والتطبيق. ولو أنّ شخصًا عمد إلى وضع قانون ما، فإنّه نفسه أو الآخرون يسوف يكونون محكومين لذلك القانون ويجب عليهم تنفيذه، ويجب أنْ يكون هناك جهازٌ ثالثٌ ليعمل على تطبيق ما تم تنفيذه على القوانين المصادق عليها، وإذا ثبت أنّ التنفيذ لا يتطابق معها، فإنّهم سيعملون على استجواب المنفذين. وأمّا إذا لم يكن الشخص محكومًا للقانون بل كان حاكمًا عليه وهو الوهّاب والقهّار، فإنّه لن يخضع للاستجواب أبدًا، وهو الذات المقدّسة لله سبحانه وتعالى، وحيث إن جميع القوانين من فعله وصنعه، فإنّه وأيّ فاعلٍ آخر لا ينضوي تحت فعله ليكون مقهورًا له.
وبناءً على هذا، فإنّ الله لن يخضع للسؤال والاستجواب أبدًا. وبطبيعة الحال فإنّ العقل يعمل في هذه الأمور على نحو الاستقلال، ويُدرك الحُسن والقبح، ويعلم أنّ الله سبحانه وتعالى عليمٌ محضٌ وقديرٌ صرف، وإنّ عدله وحكمته مطلقةٌ ولا متناهية وغير محدودة؛ ولكنّه لا يقول إنّ الله لا يجب أنْ يفعل هذا الأمر، وإنّما يقول: إنّ الله لا يفعل هذا الأمر يقينًا، أو يقول بشأن الواجبات: إن الله يفعل ذلك يقينًا، ولكنه لا يقول: يجب على الله ألّا يفعل ذلك؛ فمثلًا: إنّ العقل لا يقول: إنّ الله يجب ألا يلقي الأنبياء والأولياء والمؤمنين في جهنم، بنحو يكون للعقل حكومةٌ عليه، وإنّما يقول:
(46)إنّ الله العادل لا يخلف وعده يقينًا، وإنّه سوف يدخلهم إلى الجنة حتمًا، ولا يلقيهم في النار قطعًا، وهذا هو معنى ما يقوله الإمامية في كلامهم، إذ يقولون: (يجب عن الله) وهو الحقّ، وليس: (يجب على الله) الذي يقوله المعتزلة وهو باطل. كما أنّ ما يقوله المعتزلة بشأن الممتنعات في قولهم: (يمتنع على الله) باطل، وما يذكره الشيعة الإمامية في قولهم: (يمتنع عن الله) حق.
وأمّا الأشاعرة فيقولون: كما أنّ خلف الوعيد ممكنٌ على الله، كذلك فإن خلف الوعد ممكنٌ بالنسبة إليه أيضًا؛ وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى لا يُسأل. وذلك لأنّهم ينكرون حُسن وقبح المستقلات العقلية. ومن هنا فإنّه في الأبحاث الأصولية أو الفقهية عندما تتمّ إقامة البراهين على المسألة المذكورة، نجد أنّ العدلية والإمامية وأمثالهم من الذين يقولون بالحُسن والقبح العقلي، يقولون بدلالة الكتاب والسُّنّة والإجماع والعقل على هذه المسألة، بيد أنّ الأشاعرة يقولون في تلك المسألة بدلالة الكتاب والسُّنّة والإجماع عليها، ولا يأتون على ذكر العقل.
إنّ الأشاعرة يقولون في الحكمة النظرية بجواز الترجيح بلا مرجّح، وعلى هذا الأساس عندما يكون أصل العمل عندهم في الحكمة النظرية والرؤية الكونية قائمًا على جواز الترجيح بلا مرجّح، فإنّهم لا يقولون بشأن بعض الأشياء إنّها لا يمكن أنْ تتحقق، وإنّ ذلك الشيء لا ينبغي أنْ يُفعل؛ إذ من الممكن أنْ يتساوى الشيئان من جميع الجهات، ولكن يكون أحدهما واجبًا والآخر مباحًا، أو يكون أحدهما واجبًا والآخر حرامًا، وإنّ هذه المسألة تشمل العلوم العملية أيضًا، ولا تختص بالعلوم النظرية فقط.
وعلى هذا الأساس يتعين عليهم القول في المسائل الأصولية والفقهية: نحن نقول لدليل العقل إنّ هذا الشيء حجة، وهذا الشيء ليس بحجّة؛ وذلك لأنّ الذي يجعل الحجيّة في الأصول هو الله، وحيث يجوز الترجيح بلا مرجّح، فلو رأينا بعض
(47)الأمور حجّةً وبعضها الآخر ليس بحجّة، لا يكون السبب في ذلك هو أنّ للعقل هنا حكمًا بنحوٍ مستقل، بل ليس في البين سوى تعبّد بحت؛ إذ من الممكن حقًا أنْ يكون ذلك الحجة وهذا الذي ليس بحجة متساويين، ولكن على أساس جواز الترجيح بلا مرجّح، يجعل الشارع أحدهما حجةً ولا يجعل الآخر حجة، وكذلك في المسائل الفقهية أيضًا، من الممكن ـ مثلًا ـ أنْ تتساوى جميع الأسماك في البحار حقيقة ولا يكون هناك فرق بينها، ولكن الشارع يحرّم بعضها ولا يحرّم بعضها الآخر؛ لأنّ الترجيح بلا مرجّح جائز، وبذلك تكون جميع الأحكام الوضعية والتكليفية على هذه الشاكلة. والغرض هو أنّه في ضوء التفكير الشيعي يكون العقل معزولًا سواء في العلوم النظرية أم في العلوم العقلية.
إنّ المدار والمعيار والمحور في الفرق بين الواجبات والمحرّمات والمباحات الحقيقية أو الاعتبارية هو التكليف، وليس الشعور والإدراك والإرادة. لا ينبغي القول: حيث يكون الموقع هو موقع الإدراك والشعور والإرادة، إذًا يكون الموقع هو موقع الحرام والمباح الاعتباري، وحيث لا يكون الموقع موقع الشعور والإدراك والإرادة، لا يكون هناك متسّعٌ لغير الضرورة والإمكان والامتناع الفلسفي والنظري؛ وذلك لأنّ كثيرًا من الموجودات التي يكون لها إدراك وعلم وإرادة وشعور، تكون مشمولةً للوجبات والمحرمات والإباحات الاعتبارية. إنّ العلوم الاعتبارية مثل الأخلاق والفقه، حيث الأخلاق تنضوي من بعض الجهات تحت القوانين الفقهية، تقع في دائرة المكلّفين، دون دائرة العلماء والمدركين وأصحاب الشعور. قد يكون للموجود شعور ويكون مدركًا، ولا يكون محكومًا للقوانين الأخلاقية، من قبيل الذات المقدّسة لله سبحانه وتعالى وكذلك بعض الملائكة والمجرّدات؛ وذلك لأنّ هذه الموجودات تعمل بوساطة الإرادة والشعور، دون أنْ تكون مشمولةً للأحكام
(48)الفقهية، من قبيل: الواجب والمستحب والحرام والمكروه والمباح.
وعليه فإنّ معيار ومحور الفرق بين الواجب والمحرّم الاعتباري والحقيقي ليس هو مجرّد الإدراك والشعور والإرادة، بل المدار هو التكليف. إذا كان الكائن مثل الإنسان يعمل في ضوء الإدراك والشعور والإرادة وكان مكلَّفًا، فسوف يكون محكومًا للقوانين الأخلاقية والفقهية، ويجب بحث هذه المسائل بشأن سيرته، وأمّا إذا لم يكن الموجود مكلَّفًا ولم تكن له جنةٌ أو نارٌ، فلا يتم طرح هذا النوع من المسائل الاعتبارية بشأنه قطعًا. فلو كان كائن مثل الملاك حيث يكون مسؤولًا تجاه الله تكوينًا ولا يكون مكلَّفًا؛ بمعنى أنه لا تجري القوانين الاعتبارية والجنة والنار في مورده، فإنّه لا يكون هناك موقع لمسائل العلوم العملية من قبيل: الفقه والحقوق والأخلاق أيضًا.
يجب أخذ الواجبات والمحرّمات الأخلاقية من الواجبات والمحرّمات الأولية. إنّ كلّ علمٍ إنّما يأخذ نظرياته من الضروريات المتناسبة معه. وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق والفقه بدورهما إذا كانا نظريين، فإنّهما يحصلان على واجباتهما ومحرّماتهما من الواجبات والمحرّمات الأولية والبديهية، ولكن لا يمكن القول من هذه الناحية: إنّ هناك وجودًا في عالم الخارج بعنوان الواجب، وإن هناك عدمًا في عالم الخارج بعنوان الممتنع، بنحوِ يكون منشأ لظهور الواجب والحرام في العلوم العملية، بل إنّ بعض مبادئ الحكمة العملية بديهي وبعضها الآخر نظري. إنّ جميع الواجبات النظرية تنتهي إلى واجبٍ بديهيّ لا تأخذه من شيء؛ لأنّه بديهيٌّ في حدّ ذاته؛ وأمّا العلاقة بين الوجود والوجوب فليست منفكّةً عن بعضها كثيرًا.
ليس الأمر كما لو كان يجب أنْ يكون هناك حاجز من الأسلاك الشائكة بين الواجب والحرام وبين الوجود والعدم؛ بحيث لا يكون هناك أيّ ارتباط بينهما. بيد أنّه ليس هناك حكيم يدّعي أنّ بالإمكان أنْ يكون لدينا قياس كلتا مقدمتيه (وجود)
(49)بيد أنّ نتيجته تكون عبارةً عن (وجوب)، أو بعكس ذلك يكون لدينا قياس تكون كلتا مقدمتيه وجوبًا، وتكون نتيجته عبارة عن وجود. وإنّ الذين قالوا: هناك علاقة بينهما، لم يدّعوا أكثر من جواز تأليف قياس تكون إحدى مقدمتيه عبارةً عن وجود ومقدمته الأخرى عبارةً عن وجوب، وبهذا المقدار تقوم هناك علاقةٌ منطقيةٌ بينهما.
حيث إنّ الحكمة العملية والأخلاق فرع عن الرؤية الكونية، وإنّ مقدّمة القياس التي تعود إلى الوجود عبارةٌ عن (أشرف المقدمتين)، والمقدّمة التي تعود إلى الواجب هي (أخسّ المقدمتين)، والنتيجة على الدوام تابعةٌ لـ (أخسّ المقدمتين). وعليه لو كان لدينا قياسٌ وكانت إحدى مقدمتيه عبارةً عن وجود، ومقدمته الأخرى عبارةً عن وجوب فسوف تكون نتيجته عبارةً عن وجوب ولن تكون عبارةً عن وجود. فلو قلنا مثلًا: (إنّ الله ولي النعمة، خالق ومنعم) حيث تُعدّ إحدى المقدّمتين في قياس، تكون المقدّمة الأخرى عبارة عن: (يجب شكر ولي النعمة، ويجب الخضوع أمام الخالق)، ومن مجموع هذا الوجوب الأخلاقي، وذلك الوجود النظري، يُستنتج وجوب أخلاقي، وهو عبارة عن: (إذًا يجب شكر الله والخضوع أمامه).
إنّ هذا النوع من القياسات التي تكون إحدى المقدمتين فيه مقدمة نظرية (وجود)، والمقدمة الأخرى مقدمة عملية (وجوب)، ليس له من وجود في القرآن الكريم؛ فمثلًا من مجموع مقدمتين قرآنيتين، من قبيل: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ)، و(كَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا)؛ إذ الأولى تعود إلى الوجود، والثانية تعود إلى الوجوب تقريبًا، لا نحصل على نتيجة وجوبية.
هناك شبهة في مسألة استنتاج الواجبات والمحرّمات الأخلاقية من الوجودات والمعدومات، وسوف نعمل في البداية على بيانها بالتفصيل من خلال ذكر الشروط الأربعة لإنتاج القياس، ثم نعمل على بيان أصل الإشكال، لنجيب عنه بعد ذلك. فنقول إنّ شروط إنتاج القياس على النحو الآتي:
الشرط الأول: يجب أنْ تقوم هناك علاقةٌ طبيعيةٌ ومنطقيةٌ بين النتيجة والمقدمتين؛ فيجب أنْ تكون هناك (سنخية) بين المقدمتين والنتيجة من الناحية الكمية بمعنى: الكلية والجزئية. وعلى هذا الأساس لا يمكن أنْ نستنبط أيّ نتيجةٍ نريدها من أيّ مقدمة، وإنّما المقدّمات الكلية تتمخض عن نتيجةٍ كلية، والمقدّمات الجزئية لن تتمخض عن نتيجةٍ كليةٍ أبدًا، حتى لو كانت بعض المقدّمات كليةً وبعضها الآخر جزئية، فسوف تكون النتيجة جزئيةً أيضًا ولن تكون كليةً أبدًا. [النتيجة تتبع أخسّ المقدمات].
الشرط الثاني: يجب أنْ يكون هناك تناسب بين النتيجة والمقدّمتين من الناحية الكيفية، بمعنى السلب والإيجاب في القضية أيضًا. وعلى هذا الأساس لا يمكن أنْ نحصل من المقدّمات الإيجابية على نتيجةٍ سلبية، ولا يمكن أنْ نحصل من المقدّمات السلبية على نتيجةٍ إيجابية.
الشرط الثالث: يجب أنْ يكون هناك تناسبٌ بين النتيجة والمقدمتين بلحاظ الجهة أيضًا، وعلى هذا الأساس لا يمكن أنْ نحصل من المقدمات الإمكانية على نتيجةٍ ضرورية.
الشرط الرابع: أنْ يكون هناك تناسبٌ بين النتيجة والمقدمتين من جهة صناعة القياس ومادته، وعليه فمن غير الممكن أنْ نستنبط نتيجةً قطعيةً من مقدّماتٍ ظنيّة.
وعلى هذا الأساس يجب أنْ يكون هناك تناسبٌ قطعيٌّ بين نتيجة القياس وبين مقدماته من الناحية الكميّة والكيفيّة والجهة وصناعة القياس. ومن هذه الناحية لا فرق بين المنطق التجريبي وبين المنطق العقلي، ولا فرق بين مبنى الذين يحصرون
(51)الموجود بنشأة التجربة وينكرون ما وراء الطبيعة ويرفضون المقدّمات والقياسات العقلية المحضة وبين الذين يتمتعون برؤيةٍ أوسع ويؤمنون بنشأة الطبيعة وما وراء الطبيعة والأصول التجريبية والعقلية.
وعلى هذا الأساس يتمّ طرح شبهة، وهي أننا إذا أردنا أنْ نستنتج الواجبات والمحرّمات من الوجودات والأعدام، سوف يكون هناك انفكاك وانفصال بين النتيجة والمقدمة بلحاظ القضية وبلحاظ المفردات أيضًا. إنّ الانفصال في كل القضية يكون بأنْ تكون المقدّمات من القضايا الحقيقة، ولكن النتيجة لا تكون قضية حقيقة؛ لأنّها ليست خبرًا وإنّما هي إنشاء، ولا تناسب بين الخبر والإنشاء؛ وعلى هذا الأساس لا يُستنبط من المقدمتين الخبريتين نتيجةٌ إنشائيةٌ شبيهةٌ بالجملة الخبرية وليست خبرًا حقيقة؛ وذلك لأنّ الإنشائيات شبيهة بالجمل الخبرية وليست قضايا خبريةً أبدًا.
إنّ التنافر الآخر الموجود بين النتيجة ومقدمتيها، يقع في خصوص المفردات؛ وذلك لأنّ موضوع ومحمول المقدمتين اللتين يتمّ تنظيمهما على أساس الوجودات، عبارةٌ عن حقائق خارجية وواقعيات عينيّة، وأمّا موضوع ومحمول النتيجة التي هي عبارة عن وجوب، فهي مسألةٌ اعتباريةٌ وليست واقعية؛ وعليه لا يكون هناك تناسب وتناغم بين النتيجة والمقدّمات، لا بلحاظ المفردات ولا بلحاظ القضية.
وفي ضوء هذه الشبهة قالوا: سواء قبلنا بالأصول التجريبية، أم قبلنا بالأصول العقلية أيضًا، يجب علينا عدّ الأخلاق عبارةً عن مسائل اعتبارية بحتة، وأنْ نعدّها من قبيل: التقاليد والعادات والآداب الاجتماعية والعاطفية. وبطبيعة الحال فإنّ التقاليد مختلفة؛ فبعضها مرحلي وموضعي وبعضها الآخر شامل، وُتسمّى التقاليد الشاملة بـ(الأخلاق)، من قبيل: قبح الكذب والخيانة والظلم، وحُسن الصدق والأمانة والعدل.
(52)يجب القول في معرض الإجابة عن هذه الشبهة: إنّ الذين يستدلّون في المسائل الأخلاقية، لا يصلون من مقدّمتين متنافرتين إلى نتيجةٍ غير متناسبةٍ معهما أبدًا؛ بل في جميع الموارد يكون القياس مركّبًا أو بسيطًا وتكون بعض مقدماته مطويّة، وبالتالي إذا أصبح الاستدلال أخلاقيًا، فسوف تكون جميع أو بعض مقدماته أخلاقية، ولا يمكن أنْ يُستنتج وجود من وجوبين، كما لا يُستنتج وجوب من وجودين. وإنّ الذين يستدلّون على المسائل الأخلاقية، يقولون: (إنّ هذا الفعل حسن، وكلّ فعلٍ حسن يجب القيام به؛ إذًا يجب القيام بهذا الفعل). حيث يكون القياس في هذا النوع من الموارد مركبًا من مقدماتٍ اعتباريةٍ ونتيجةٍ اعتبارية، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى نقطتين، وهما:
1. كما يوجد هناك في المسائل التجريبية في نشأة الطبيعة خيرٌ وشرٌّ ونفعٌ وضرّ، كذلك فإنّها توجد في مسائل ما وراء الطبيعة والتجربة أيضًا. ففي المسائل التجريبية يشعر الإنسان المدرِك بالنار وحرارتها، ويرى بالتجربة أنّ النار تحرق يده أو ثيابه وغيرها، وبالإضافة إلى ذلك فإنّ الشخص يمتلك وجوبًا تجريبيًا بالإضافة إلى هذا الحس التجريبي، وهو عبارةٌ عن: (يجب اجتناب الأمور الضارّة؛ إذن يجب اجتناب النار).
إنّ هذا النفع والضرّ والخير والشرّ الموجود في المسائل الحسّية والتجريبية، موجودٌ في المسائل الأخلاقية أيضًا. إنّ الإنسان في أوائل أمره بالإضافة إلى (أوّل الأوائل) بمعنى استحالة جمع النقيضين ورفعهما، والذي يتمّ إدراكه بالعقل دون
الحسّ، يدرك كثيرًا من الأمور لاحقًا تحت عنوان المسائل البديهية. فهو يدرك أنّ النار تحرق أو أنّ سمّ الأفعى والعقرب يهلك، ويجب عليه تجنب الاحتراق والهلاك.
وعلى كل حال فإنّ الإنسان يمتلك هذا الفهم والإدراك حتى في المسائل الأخلاقية ايضًا، فتراه يقول مثلًا: إنّ النظم مفيدٌ وخير لحياتي، ويجب تطبيقه في الحياة، أو أنّ الفوضى والهرج والمرج مضرّ وشرّ لحياتي، ويجب اجتناب هذا الشر. إنّه يدرك هذا الحُسن والقبح بنوع من التنبّه والفهم والإدراك، وإنّ هذا الإدراك من المسائل الابتدائية للواجبات والمحرّمات؛ بمعنى أنّه كما يكون لدينا وجود وعدم أوّلي، كذلك لدينا وجوب وحرام بديهي وأوّلي أيضًا، نأخذ منه المسائل النظرية للواجبات والمحرّمات؛ كأن ندرك في مواجهة النار مثلًا أمرين على نحوٍ بديهيّ ومحسوس، أحدهما الوجود النظري، والآخر الوجوب الاعتباري.
وعلى هذا الأساس فإنّ القائل بالمذهب التجريبي، وإنْ كان يتماهى مع أصحاب المذاهب العقلية في بعض المسائل، إلا أنّه لا يدرك مسائل ما وراء الطبيعة من الروح وفضائلها ورذائلها، ومسائل البرزخ والمعاد، ولقاء الله، والقرب إلى الله أو البُعد عن الله، ونتيجة لذلك فإنّ مسألة الخير والشرّ فيما يتعلّق بالروح والقبر والبرزخ وما إلى ذلك لا تكون مطروحةً بالنسبة إليه. وعندما لا يكون الخير والشر مطروحًا، لن يكون النفع والضرّ مطروحًا بالنسبة إليه أيضًا؛ وذلك لأنّ النفع والضر يرتبط بالطريق، وإنّما يكتسب معناه ومفهومه عبر الارتباط والتواصل مع الهدف الذي هو الخير والشر، وهنا يكمن الحدّ الفاصل بين العالم التجريبي أو الفيلسوف الملحد وبين الفيلسوف الموحّد.
2. سبق أنْ أشرنا إلى أنّ البحث في المسائل الأخلاقية هو مثل البحث عن المسائل الطبية، من العلوم التجريبية؛ بمعنى أنّه كما أنّ للطبيب بحث وجود وبحث وجوب، ويقول مثلًا: (إنّ هذا الطعام يضرّ بالجهاز الهضمي)، وهذه القضية من أجزاء العلوم
التجريبية، ويقول للمريض: (لا تتناول هذا الطعام) الذي هو عبارة عن وجوب دستوري ويُعدّ جزءًا من العلوم الإنسانية، وهو يستنبطه من قياسٍ تجريبيّ ملفّق. كذلك فإنّ عالِم الأخلاق يقول: إنّ الروح وقواها أبدية، وإنّ ارتكاب هذه المعصية يضرّها، وهذا النوع من القضايا من أجزاء الحكمة النظرية. ويقول أيضًا: يجب اجتناب الشيء المضر واتقاؤه، وهو أمرٌ أخلاقي، ويستنتجه من قياسٍ ملفّق. قال تعالى في القرآن الكريم: (وَنُنَزِّلُ مِنَ الْقُرْآَنِ مَا هُوَ شِفَاءٌ وَرَحْمَةٌ لِلْمُؤْمِنِينَ). بمعنى أنّ عبارة «القرآن شفاء الأوجاع» تعمل على توظيف مقدماتٍ تلفيقية، وتؤلّف من الموعظة والتذكرة قياسًا مركّبًا، وتكون إحدى مقدمتيه عبارةً عن الوجود ومقدمته الأخرى عبارة عن الوجوب.
إنّ القرآن الكريم كما يشتمل على رؤيةٍ كونية، فهو بالإضافة إلى ذلك كتاب تذكرة أيضًا. وإنّ ما ورد في بعض الأدعية من قولهم عليهمالسلام: «يا من كتابه تذكرة للمتقين»، إنّما يأتي من هذا الباب، وقد عرّف القرآن الكريم بدوره عن نفسه بأنه تذكرةٌ وموعظةٌ أيضًا، كما نجد ذلك في قوله تعالى:
ـ (فَذَكِّرْ بِالْقُرْآَنِ مَنْ يَخَافُ وَعِيدِ).
ـ (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ).
ـ (وَلَقَدْ تَرَكْنَاهَا آَيَةً فَهَلْ مِنْ مُدَّكِرٍ).
إنّ القرآن الكريم في جميع الموارد التي يروم فيها أنْ يكون تذكرةً فإنّه إما أنْ يعمل على بيان كلتا المقدمتين، أو يعمل على إبقاء الوجوب مطويًّا. كأنْ يقول مثلًا: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)؛ بمعنى: ألا يعلم الإنسان أن الله يراه؟ إذ يتمّ ضمّ مقدّمةٍ مطويّةٍ إلى هذه المقدّمة، ثم يتمّ استنباط دستور أخلاقي منها. وفي هذه الجملة تمثّل عبارة (الله يرى) وجودًا. والمقدّمة الأخرى المطوية والتي يدركها العقل هي: (إنّ الله إذا كان يرى الإنسان، فيجب على هذا الإنسان ألّا يطغى في حضرته). أو عندما يقول الله سبحانه وتعالى مثلًا: (إِنَّ رَبَّكَ لَبِالْمِرْصَادِ)، إنّ الله بالمرصاد؛ بمعنى: أنّ الله يراكم وإنْ كنتم لا ترونه. أو يقول الله تعالى، حكاية عن الشيطان في القرآن الكريم: (لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ)، بمعنى: إنّي أكمن لهم. إنّ هذا الكلام ليس عبارةً عن تقرير للوجود العلمي البحت، بل يشتمل على مقدمةٍ مطويةٍ، وهي: يجب أنْ يكون هناك إلهٌ يرصد، ويجب عدم التمرّد على هذه الإله، أو يجب عدم الغفلة عن الشيطان الجالس للإنسان بالمرصاد؛ وبذلك تنضمّ مقدّمات الوجوب إلى مقدمات الوجود، وعندها يكون القياس المذكور منتجًا.
كما يستفيد القرآن من هذا الأسلوب نفسه في بيان المسائل الاعتقادية أيضًا؛ بمعنى أنّه يدعو إلى الاعتقاد وإلى الإيمان، وأنّ هذه الدعوة جزءٌ من الوجوب، فنجد أنّ الله سبحانه وتعالى يقول مثلًا: (أَلَمْ نَجْعَلْ لَهُ عَيْنَيْنِ * وَلِسَانًا وَشَفَتَيْنِ* وَهَدَيْنَاهُ النَّجْدَيْنِ). ألا يكفي نظام الخلق هذا ـ المشهود في المنظومة الداخلية والخارجية للإنسان ـ لهدايته وإرشاده إلى هذه الغاية، وهي أنّ هناك إله؟ بمعنى أنّه عندما يكون الأمر كذلك؛ إذًا آمنوا. إنّ عبارة (آمنوا) مسألة وجوب وهي أخلاقية. وحيث إن
الأخلاق تبدأ من الإيمان، ومن هنا يتمّ طرح مفهوم الشرك بوصفه معصيةً كبيرة.
وقال الله سبحانه وتعالى في سورة القيامة بشأن المعاد: (أَلَمْ يَكُ نُطْفَةً مِنْ مَنِيٍّ يُمْنَى * ثُمَّ كَانَ عَلَقَةً فَخَلَقَ فَسَوَّى * فَجَعَلَ مِنْهُ الزَّوْجَيْنِ الذَّكَرَ وَالْأُنْثَى * أَلَيْسَ ذَلِكَ بِقَادِرٍ عَلَى أَنْ يُحْيِيَ الْمَوْتَى). بمعنى: أليس الله الذي خلق من قطرة ماءٍ تبدو جميع أجزائها متشابهة، فصنع من بعض أجزائها عينين، ومن بعضها أذنين، ومن بعضها أنفًا، ومن بعضها عقلًا أو منشأ للتفكير، ومن بعضها قلبًا، ومن ذلك كلّه خلق الذكر والأنثى؛ فهل الذي خلق هذه الأمور كلّها من هذه القطرة يعجز عن إعادة خلق الموتى وإعادتهم إلى الحياة؟ بمعنى أنّ عليكم حتمًا وقطعًا أنْ تؤمنوا بالمعاد، وأنْ تحذروا من إنكاره. ومن هنا كان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يقول بعد تلاوة هذه الآيات الأخيرة من سورة القيامة: «سبحانك اللهم وبلى»، بمعنى: آمنا.
لا يخلو موضع من القرآن الكريم من مطلب علمي بحت لا يقترن بوعد للإيمان ووعيد للشرك. إنّ القرآن الكريم كتاب هداية، وليس علمًا بحتًا مثل الكتب الفلسفية والكلامية. ومن هنا فإنّ الكتب الفلسفية والكلامية لا تنطوي على وجوب وحرمة، ولا على مثل عبارة: (آمنوا، وإنْ لم تؤمنوا يكون جزاؤكم جهنم، وإنْ تؤمنوا يكون جزاؤكم الجنة)؛ وذلك لأنّ محتواها هو العلم فقط. كما أنّ الفقه لا شأن له بالعقائد أيضًا، وإنّما يكتفي بالقول بأنّ هذا الشيء واجب، وهذا الشيء ليس بواجب. وأما الأخلاق فتقول: إذا لم تقم بهذا العمل، فسوف تترتب عليه عواقب. وهذا من الواجب وغير الواجب، وليس من الوجود والعدم. وعلى هذا الأساس يمكن حلّ ذلك الإشكال القائل بعدم التناسب بين الإنشاء والخبر، كما يمكن حل عدم الانسجام بين مفردات القضايا التي تمّ أخذها في القياس وبين المفردات المأخوذة في النتيجة أيضًا.
إنّ لعلم الأخلاق ـ مثل علم الفقه والحقوق وسائر العلوم الدينية ـ متنًا وشرحًا، وإنّ متنه يتمّ بيانه بوساطة القرآن والحديث، كما يتمّ بيان شرحه من طريق النصوص الدينية نفسها بمساعدة العقل والسنة وسيرة الأولياء الصالحين. وكما يقوم الفقيه بشرح نصّ آيةٍ من آيات الأحكام، أو حديث في المسائل الفقهية، من خلال الاستعانة بالشواهد العقلية والنقلية، كذلك هو حال المسائل الأخلاقية أيضًا. فلو تحدّثت آيةٌ أو روايةٌ عن مسألةٍ أخلاقية، يتمّ شرح ذلك النصّ الأخلاقي مع بيان الشبهات المثارة حوله والردّ عليها عبر الاستعانة بسائر الآيات والسُّنّة والبراهين العقلية وسيرة وسنة المعصومين عليهمالسلام.
إنّ علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق ـ على الرغم من اختلافهما ـ يشتركان في هذه الجهة، وهي أنّهما علمٌ برهانيٌّ واستدلاليّ؛ إذ إنّ مجرّد نقل الحديث وترجمته وإنْ انطوى على موعظة، إلّا أنّ مردوه العلمي والفلسفي قليل جدًا. ومن هنا فإنّه في فن تهذيب الروح، بالإضافة إلى استعانة الباحث في فنّ الأخلاق ببعض النصوص الأصلية، يضطر إلى شرحها بوساطة الشواهد العقلية والنقلية أيضًا.
المرجع الديني الشيخ الجوادي الآملي
ينماز النظام الأخلاقي الإسلامي عن الأنظمة الأخلاقية الأخرى من جهات عدّة، من أبرزها الاختلاف في البعد الفاعلي. عدّت الأنظمة الأخرى بعض الأمور من أمثال العقل، الفطرة، الطبيعة وأسباب أخرى، دخيلةً في وجود القضايا الأخلاقية؛ إلّا أنّ العلماء المتدينين أجمعوا على مصدرية الوحي للأخلاق الإسلامية. يمكن الحصول على مواد علم الأخلاق من خلال مبادئ خاصة تعود بشكل مباشر إلى مصادر الوحي. وقد اجتمعت هذه العناصر الثلاثة (المواد، المبادئ، والمصدر) مع بعضهما بنحوٍ لو لم تستند مادةٌ واحدةٌ من مواد الأخلاق إلى مبدأ يعود إلى مصدر الوحي، لأدّى الأمر إلى عدم إطلاق عنوان (الأخلاق الإسلامية) على تلك الأخلاق. يتعرض المقال الحالي لتوضيح مضمون الأخلاق الإسلامية وانميازها عن المدارس الأخلاقية الأخرى.
يمتلك علم الأخلاق الهام - كعلوم الفقه والحقوق والقانون - ثلاثة عناصر محورية: المواد، والمبادئ، والمصادر. أمّا سبب احتياج هذه العلوم للعناصر الثلاثة
أنّها من سنخ الأعمال ـ مع أنّها ذات مصادر علميّة ـ والمسألة العملية يجب أنْ تكون جزئيةً ومحدودةً وواضحة؛ لأنّ الكلي والمطلق والمبهم لا يمكن أنْ يكون معيارًا للعمل. وعلى هذا الأساس يجب أنْ تقدم العلوم المتقدمة على شكل موادّ منضبطةٍ ومنظمةٍ ويجب أنْ تعتمد كلّ مادّةٍ على مبدأ تندرج تحته حيث ينطبق المبدأ الذي هو قانون حاكمٌ وجامعٌ على المادة؛ فلا يكون اندراج الفرع تحت الأصل مشكوكًا فيه، ولا يمكن أنْ يكون انطباق الأصل على الفرع مدعاةً للترديد. ويستنبط كلّ مبدأ من مصدرٍ خاصٍّ حيث يعود المبدأ بعد التحليل إلى المصدر، فيترعرع المبدأ تحت المصدر من خلال تعليلٍ خاصّ.
تنماز مواد علم الأخلاق الخاص ــ كما العلوم الأخرى ــ بأنّها تُستفاد من مبادئ خاصةٍ، وينماز المبدأ أيضًا بأنّه يُستخرج من مصادر خاصّة.
إنّ السبب الذي يدفع لإطلاق الوحي على علم الأخلاق أنّ المواد الجزئية لهذا العلم تُستخرج من مصادر خاصّة حيث تكون مصادر المبادئ وحيانية؛ بنحو لو لم يجرِ إرجاع مادّةٍ من مواد الأخلاق وأمثالها إلى مبادئ معينةٍ تعود إلى مصدر الوحي، عند ذلك لن تكون الأخلاق المذكورة وحيانية. فيما يأتي نشير إلى نقاط أساسيّة عدة.
صحيح أنّ الأخلاق من جملة العلوم العملية، إلا أنّها لا يمكن أنْ تكون من دون العلم؛ لأنّ عنوان عمل الإنسان الذي هو موجودٌ مفكّرٌ ومختار، يختلف عن عنوان أصل الفعل الذي يستخدم لمطلق العمل. إنّ العمل الذي يؤدّيه الإنسان المفكّر والحرّ يكون بعد تقييم وجه الحقّ والباطل أو النافع والضار فيه. إنّ تشخيص الخير
(60)والشرّ فيه هو على عاتق قوى الإنسان العلمية، وأما تحقّقه العيني بنحوٍ يكون له وجودٌ خارجي، فهو على عاتق قواه العملية. وقوى الإنسان الحرّ العلمية والعملية قد تكون ضعيفةً، وقد تكون قويةً، كما أنّها قد تكون مستقيمةً وقد تكون معوجة. إنّ النبوغ أو البلادة ـ التي تتعلّق بقواه الإدراكية ـ والفروقات الأخرى ـ ذات العلاقة باختلاف قواه الجاذبة والدافعة ـ كلّها ترتبط بالقوة نفسها، وليس بالأوصاف النفسانية التي تُطرح في الأخلاق. وهناك طرق عدّة ليس المجال لذكرها في هذا المقال تتعلّق بحفظ كمال القوة عند الوجدان والحصول عليها عند الفقدان.
الهدف الأساس هنا، الإشارة السريعة للاختلاف بين القوى العلمية والعملية لنفس الإنسان المفكّر والحرّ وبين أوصافه النفسانيّة. قد يكون الشخص عادلًا من حيث الفعل ـ فهو لا يقترف الذنب عمداًـ لكنّه قد لا يكون كذلك من ناحية قوّة الإتيان بالعمل. الإنسان البليد أو الجبان أو الحريص قد يكون عادلًا من حيث الفعل وفي الفقه الأصغر عند قياسه بجمع مال مباح وحلال من خلال تراكم الأعمال إذ إنّه يؤدّي الحقوق الإلهية وحقوق الناس؛ إلّا أنّه لا يكون عادلًا في الفقه الأكبر بلحاظ قوة العمل؛ لأنّ العدل في الفقه الأكبر هو أنْ تكون قوى الشخص العلمية والعملية كلها في حدّ الاستواء ومن دون عيب الإفراط ونقص التفريط. والغرض من القول إنّ عدل القوى هو ما يُطرح في الفلسفة والعدل في الأخلاق هو وصف وفعل، وهذا ما يعالجه هذا المقال.
إنّ علم الأخلاق هو من شُعب الحكمة العملية والحكمة العملية كالحكمة النظرية على عاتق العقل النظري أو من يتولى الحصول على العلوم المختلفة بلحاظ أنّ الأخلاق من سنخ الحكمة والمعرفة. واختلاف المعلومات ومنها الحقيقة الخارجية التي يكون العلم بها من نوع العلم بالكون وعدمه، ومنها الأمر الاعتباري التي
(61)يكون العلم بها من سنخ الوجوب وعدمه. لن يكون مؤثرًا من هذه الناحية. الحكم في هذا الاصطلاح هي ما يدركه العقل النظري مطلقًا ووظيفتها التصور، التصديق، الجزم وأمثال ذلك، وأمّا الأوصاف والأعمال فهي مطلقًا على عاتق العقل العملي وتتولى مسؤولية الإرادة، الانتخاب، العزم، القصد، النية والإخلاص. وإذا كان هذا الاصطلاح غير رائجٍ بين أصحاب الفلسفة وأصحاب علم الأخلاق، إلّا أنّه يطابق الحديث المعروف: «قُلتُ له ما العقل؟ قال: ما عبد به الرحمن واكتسب به الجنان»، إذ يتولّى العقل العملي العمل، وليس العلم بالحكمة العملية.
تستفاد مواد علم الأخلاق من خلال مبادئ معينة، من قبيل الخير والشرّ، الحسن والقبح، العدل والظلم، والصدق والكذب، والاستقلال والتبعية، والحرية والعبودية و.... وأهمها العدل والظلم. إنّ معنى كلّ واحدةٍ من العنوانين واضح؛ لأنّ العدل عند الجميع عبارةٌ عن وضع كلّ شيء موضعه، والظلم هو تجاوز كلّ شخص عن حدّه: « العدل يضع الأمور مواضعها».
إنّ مفهومَي العدل والظلم واضحان؛ ولكن ليس من السهل معرفة كنه وحقيقة المفهومين عند العقل. العقل بمنزلة مصباح يضيء شعاعًا محدّدًا وينتشر نوره في تلك الأرجاء، العقل يدرك الكون بمقدار ما يشاهده، وأمّا ما هو أعلى من ذلك فيتضح من خلال الوحي. هناك كثيرٌ من الأمور التي تبقى مجهولةً للعقل ولا بدّ من اللجوء في معرفتها إلى الوحي، ومن جملة ذلك حقيقة العدل والجور؛ لأنّ أماكن ومواضع
الأشياء والأشخاص والأجناس والقبائل والمجموعات المختلفة، ليس واضحًا. هل يستوي مكان الشراب والخل أو الخنزير والنعجة؟ هل تتساوى منزلة الرجل والمرأة في الأمور المالية وغير المالية كافة؟
إنّ الشخص الوحيد الذي يدرك أماكن الأشياء والأشخاص هو خالقها، والطريق الوحيد للوصول إلى قانون الله هو الوحي الإلهي. لا يمكن لأيّ شخصٍ الاطلاع على حكم خالق الأشياء والأشخاص الخاص من دون الاطلاع على الوحي الذي خصص للكاملين من الناس والمعصومين. من هنا يصبح المصدر الوحياني ضروريًا للمبادئ الأخلاقية، وإلّا فالإنسان غير المعصوم وغير الكامل يضع الأشياء والأشخاص على أساس وهمه وخياله ـ في الفكر ـ وعلى أساس شهوته وغضبه ـ في الدافعية ـ ويظن أنّ تنظيم الأمور بهذا النحو يجري على مدار العدل والتعدي عنه يدور مدار الظلم.
إنّ قسمًا كبيرًا من مسائل حقوق الإنسان التي تتولاها المنظمات الدولية، قد سقطت في هذا التهافت بين القول والفعل؛ لأنّ عددًا من مدافعي حقوق الإنسان، يتحدثون بنحوٍ عادل إلاّ أنّهم ظالمون من ناحية الفكر والعمل. هؤلاء تنطلق ألسنتهم للحديث بالعدل الذي لا يعني شيئًا سوى الظلم؛ لأنّهم وضعوا الأشياء ظلمًا وتعاطوا مع حقوق الأشخاص جورًا إلّا أنّهم ظنوا أنّ رعاية هذا القانون الظالم هو العدل والظلم حسب ظنهم هو تجاوزه. فقد اعتبروا على سبيل المثال أن من العدل تشريد أمّةٍ مظلومةٍ، ومن الظلم أنْ تنهض الأمّة للدفاع عن أرضها.
إنّ السّر وراء حصرية المصدر الأساس لمبادئ العلوم الأخلاقية والفقهية والحقوقية والقانونية بالوحي أنّ المصادر العدة لعلم المعرفة البشري، الأعم من التجربة الحسية، والتجربة المجتزئة، والتجريد الفلسفي والكلامي، والتجريد
(63)الفلسفي والكلامي، والتجريد الخالص في العرفان النظري والشهود العرفاني الذي يمكن خلاصته في العلم الحصولي والحضوري، ذلك كلّه هو من سنخ علم معرفة القانون وليس وضع القانون.
بعبارةٍ أخرى، إنّ الإنسان وكذلك الموجودات الممكنة لم تتمكن من خلق ذات أيّ موجودٍ على الإطلاق، ولم تخلق العوارض الذاتية والمفارقة ولم تؤدِ دور الارتباط بين العرض والجوهر وبين العارض والمعروض. وعلى هذا الأساس ليس لها أيّ دورٍ في التقنين، نعم ينحصر دورها في معرفة القانون فقط أمّا التقنين فهو حقّ حصريّ لخالق الأشياء والأشخاص؛ لأنّ المُقنن يجب أنْ يمتلك إحاطةً ومعرفةً بالأمور كافة ليتمكن من وضع قانون جامع.
إنّ الذي يتأتى من قانون الملازمة أو (كلّ ما حكم به العقل حكم به الشرع وبالعكس) ـ بعد امتلاك تصوّرٍ صحيحٍ لهاتين القاعدتين وفرض صحتهما في الجملة وليس بالجملة ـ هو في إطار معرفة القانون فقط والتلازم بين العقل والنقل، وليس في إطار التقنين الخاص بخالق الكون. وتتحقق المسألة الآتية بأدنى مستويات الترديد وهي أنّ التوحيد هو التقنين بالمعنى الجامع في الأخلاق والفقه والحقوق، وأنّ وضع القوانين كافة هو بيد الذات الإلهية المتعالية، وأمّا وضع أيّ قانونٍ من جهة الإنسان فهو ( هباء منثور).
الخلاصة أنّ:
التقنين بمعناه الجامع، حق حصري لخالق الإنسان والكون وخالق الربط بينهما.
معرفة القانون الموضوع تحصل عن طريق الوحي الإلهي للكاملين والمعصومين عليهمالسلام من البشر.
البرهان العقلي ـ الأعم من التجربي وغير التجربي ـ وكذلك الدليل النقلي المعتبر ذلك كلّه هو سراج ينير ذاك الصراط المستقيم، والسراج لا يصنع جادةً ولا يهندسها
(64)وللدين بمعناه الجامع ـ الذي هو صراط الحق المستقيم ـ مهندسٌ وصانعٌ واحدٌ وهو الله. والأنبياءعليهمالسلام هم أشخاص معصومون يعرفون القانون وليسوا مقننين: (إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ) أما تفويض بعض الأحكام للمعصومين )عليهم السلام( الذي يحصل من خلال الإلهام فهو ذو معنى خاصٍّ يتناسب مع التوحيد الربوبي وحصرية التقنين بالله تعالى.
الشهود العرفاني كالعلم البرهاني الحصولي، ليس له دور أكبر من معرفة القانون. إنّ مشاهدة الحق والصدق والعدل والخير لا تعني على الإطلاق وضعها العيني. وعلى هذا الأساس وبلحاظ الرؤية الكونية لم يكن أيّ شخصٍ حقيقي أو حقوقي مقننًا ولن يكون كذلك. الله تعالى هو المقنن الوحيد والمعصوم، هو الإنسان العارف بالقانون بنحوٍ مباشرٍ، ومن دون وساطة، وأمّا الآخرون فيعرفونه عن طريق العقل والنقل ويفهمون الحكم الموحى به إلى الرسول.
إنّ القوانين الأخلاقية التي تُعرض في قالب موادّ مستخرجة من مبادئ خاصة، يجب أنْ تعتمد من جهتين على الحقائق العينية؛ الأولى من جهة معرفة المصدر حيث يجب أنْ تستند المبادئ الأخلاقية إلى مصدرٍ وحيانيّ مرتبطة بالموجودات التكوينية في نظام الخلق برباط وثيق. والثانية من جهة التلازم بين تكامل الموجود العيني وأشكال الكمال الخارجي. وتوضيح ذلك أنّ:
الإنسان موجودٌ عينيّ وتكوينيّ ولن يكون اعتباريًا، وهذا الموجود عيني، متكامل وحيوي ولم يكن، ولن يكون موجودًا جامدًا وراكدًا. وتكامل الموجود الحقيقي وحيوية الموجود العيني هو بتحصيل الكمال العيني والوجود الحقيقي، وليس الاعتباري.
القوانين الفقهية والأخلاقية والحقوقية والقانونية تتشكل بأجمعها من وجوبات وعدم وجوبات اعتبارية. إّن عناوين المالكية، والرئاسة والمرؤوسة ليس لها وجود خارجي على الإطلاق. كما أنّ الحلية والحرمة أو الصحة والبطلان، وبعضها أحكام تكليفية والآخر أحكام وضعية، تقع جميعها في دائرة اعتبار الواقع وليس العينية الخارجية.
لو لم تكن القوانين الأخلاقية وأمثالها وحيانيةً وإذا لم تستند إلى معايير عينية من قبيل المصالح والمفاسد الخارجية، عند ذلك لن يبقى أيّ سبيلٍ لإثبات ارتباطها بالواقع العيني. وفي النتيجة لن يكون هناك أيّ طريقٍ لتكامل المجتمع البشري الحقيقي؛ لأنّ خيال البشر العاديين وأوهامهم وكذلك غضبهم وشهواتهم وهي أمور تهيء أرضية الأمر والنهي، لا يدعو أيّ منها إلى الطمأنينة ولا تؤدّي إلى العلم بالارتباط بين قوانين الموضوع والواقع العيني. ومن خلال هذا الطريق فقط يمكن إثبات ضرورة استناد مبادئ المواد الأخلاقية والقوانين إلى الحقائق الخارجية.
إنّ القوانين الأخلاقية كالقواعد الفقهية والحقوقية والقانونية ترتبط بالحقائق العينيّة عند اعتمادها على الوحي؛ لأنّ الإنسان مسافرٌ ينتقل من الدنيا إلى القبر، ومن هناك إلى القيامة، ومن ثم إلى ساحة الثواب أو العقاب أي الجنة أو النار. إنّ كل ما يحصل في المحطات القادمة كلّها موجوداتٌ عينيةٌ، وكل ما يحصل في مراحل هجرته، هو تلك الثمار اللذيذة والمرة من تلك الشجرة التي زرعها ورواها بأخلاقه وأعماله. لا يمكن إجبار الشخص بأيّ شيءٍ خارج عن عقيدته وخُلقه وعمله. وعلى هذا الأساس فإنّ مواد علم الأخلاق الوحيانية، وكما أنّها مسبوقةٌ بالحقائق العينية أي المعايير الواقعية من قبيل المصالح والمفاسد، فهي مخلوقةٌ أيضًا بالحقائق الخارجية، أي القبر والجنة والنار وجمعيها موجودةٌ في حاق الخارج. إذا كانت المواظبة على تعاليم الطبيب أو تركها تظهر في هوية الإنسان ـ من قبيل السلامة أو المرض وهو الموجود الخارجي، فكيف يكون الأمر مع الشيء الموجود خارج إطار البدن.
(66)ترتبط الأخلاق الوحيانيّة من بُعد آخر بالحقيقة العينيّة. يحصل الإنسان في بداية ولادته على هوية تكون الروح أعلى مراتبها والبدن أدناها. إنّ هذين الموجودين الجارين يشكلان حقيقةً واحدةً ثم تصل الثنائية الابتدائية إلى التثليث النهائي. تمتلك كلمة خُلق (بالضم) وكلمة خَلق (بالفتح) معنىً مشتركًا وهو الخلق، الأول في الظاهر والآخر في الباطن؛ لأنّ خُلق (بالضم) لا يقصد منه ظهور الأوصاف النفسانية فقط، بل يتناسب مع ذلك، فيخلق البدن البرزخي بمقدار وهيئة وأعضاء وجوارح، والإنسان المتخلّق يمتلك روحًا عالية وبدنًا ماديًا ضعيفًا، والبدن البرزخي المتوسّط يرافقه في رحلاته أثناء النوم ويحشر في القبر مع البدن البرزخي. ويعيش في المعاد ببدنه الأصلي والدنيوي.
وعلى هذا الأساس، يتحوّل الإنسان ذو البُعدين (الروح والبدن المادي) في البداية إلى إنسانٍ ذي أبعادٍ ثلاثةٍ (الروح، والبدن البرزخي، والبدن المادي). إنّ جمال البدن المتوسّط وقبحه، مرهونُ حُسن خُلقه أو سوئه، ويكون تعلّق الروح بذاك البدن البرزخي والمثالي مستمرًا ودائمًا، على الرغم من ظهورها عند النوم فقط؛ وهذا يعني أنّ اتصال الروح بذاك البدن المثالي الذي يظهر في الرؤيا، أمرٌ حقيقي؛ مع العلم أنّ أصل وجود ذاك البدن البرزخي واقعي أيضًا (وليس اعتباري).
الخلاصة، أنّ البدن البرزخي الذي يظهر في الرؤيا ليس اعتباريًا على الإطلاق كما أنّ علاقته بروح الإنسان ليست مقطعية، فالبدن البرزخي قد يكون مشهودًا عند بعض الأشخاص من أصحاب البصر. الفارق المهم بين البدن البرزخي والبدن المادي ـ بغض النظر عن مثاليته أو ماديته ـ هو في الظهور والخفاء.
يشكل الجزء المهم من الأخلاق إصلاح القوى العملية واستخدامها بشكل
(67)صحيح ومن هنا فالعمل الصحيح يستعين بالعلم الصادق ويتولّى هذا العلم القوى العلمية؛ لذلك لم يبحثوا عنه بشكل مباشر. ولتوضيح انفصال القوتين عن بعضهما وإمكان سلامتهما، واعتلالهما أو سلامة أحدهما واعتلال الآخر، يدفعنا للاستعانة بتمثيل من صور القوى الخارجية الأربعة لتتضح من خلال ذلك حالات القوى الباطنية الأربعة المراد تمثيلها. يمتلك الإنسان جزأين منفصلين عن بعضهما من ناحية القوى الظاهرية، فهو يمتلك عينين وأذنين يهيء بوساطتهما الإدراك الخارجي؛ فيرى بالعين ويسمع بالأذن ويمتلك أيديًا وأرجلًا يؤدي بها حركات خارجية؛ فهو يأخذ ويلقي بإحداها ويتحرّك بالأخرى. ومن هنا فالصور الأربعة للجوارح عبارة عن: قوى الإدراك أو قوى التحريك وهي: إما أنْ يكونا سالمين وإما أن يكونا معتلين، وإما أن تكون قوة الإدراك سالمةً وقوة التحريك معتلةً، وإمّا أن تكون قوة التحريك سالمةً وقوة الإدراك معتلة.
إذا شعر الشخص بخطر، كما لو شاهد عقربًا أو أفعى، فإذا كانت كلتا قوتيه سالمتين تحرّك بسرعة وابتعد عن العقرب أو الأفعى أو أنّه يقوم بإبعادهما، ومن ثمَّ يبقى سالمًا. أما في الحالة الثانية فهو لن يشعر بالخطر ولن يمتلك القدرة على الفرار. أما في الحالة الثالثة، فهو وإنْ شعر بالخطر، لكنّه لا يمتلك القدرة على النجاة منهما.
وفي الحالة الرابعة فهو وإنْ كان يمتلك القدرة على الحركة، ولكن لأنّه لا يشعر بالخطر فلن يدرك الاتجاه الذي سيفر إليه، لا بل قد تكون جهوده عبارةً عن الاقتراب من الخطر. فلو أنّ شخصًا رأى الحية والعقرب على سبيل المثال وكانت يداه ورجلاه عاجزتين عن الحركة، فإنّه سيتعرض لسمومهما، ومع ذلك لا يمكن الاعتراض عليه وسؤاله عن عدم الابتعاد رغم أحساسه بالخطر، كما لا ينبغي الإضافة على قدراته العلمية وتزويده بالنظارة أو المنظار أو التلسكوب أو الميكروسكوب، لأنّ هذا الشخص لا يعاني من أيّ إشكالٍ إدراكي، بل مشكلته الوحيدة أنّ أعضاءه لا تتحرّك والعلاج هو محاولة فكّ قيوده.
(68)يمتلك الإنسان في داخله قوّتين منفصلين عن بعضهما، تتولّى إحداهما الفكر والثانية الدافعية. يجري الحديث عن الأولى تحت عنوان العقل النظري وعن الثانية تحت عنوان العقل العملي. ويكون الإنسان على أربع صور بناءً على هاتين القوتين: أنْ تكون قوّتاه هاتان سالمتين، أو تكونا معتلّتين، أو أن تكون قوته العلمية سالمةً وقوته العملية معتلةً، وأخيرًا أنْ تكون قوته العملية سالمةً والعلمية معتلة.
في الحالة الأولى تكون بعض المفاهيم من أمثال العدل والظلم، والخير والشر، والضرر والنفع، والحسن والقبح، والحق والباطل، والصدق والكذب، واضحةً لديه؛ فيميل نحو الكمال ويبتعد عن الانحراف. يُعرف هذا الإنسان الكامل بعنوان (العالم العادل). وفي الحالة الثانية، يكون الخير والشر غير معلومين لديه، ولا يتمكّن من التوجّه نحو الحقّ والانحراف عن الباطل حيث يُعرف هذا الشخص بعنوان (الجاهل المتهتك). أما في الحالة الثالثة وإنْ كان الحسن والقبح معلومًا، إلّا أنّ القوة الموكلة بالإرادة والعزم والتصميم والإخلاص تكون معطلةً، ويكون هذا الشخص العالم ملوّثًا ويطلق عليه (العالِم الفاسق)، كما لا يمكن توجيه الاعتراض العلمي إليه وسؤاله: لماذا فعلت هذا ألم تكن تعلم؟ لأنّ مشكلته هي في تعطّل عنصر الإرادة والعزم العملي، وليس الجزم العلمي. أما في الحالة الرابعة وإنْ كانت قدرة اتّخاذ القرارات وقوة الإرادة سالمة، فإنّه قد يقترب تارةً من الحقّ وقد يبتعد تارةً أخرى عنه؛ وذلك لجهله العلمي بالحقّ والباطل. ويُعبّر عن هذا الشخص بالناسك قليل الإدراك المُعرّض لخطر الخداع.
إنّ الذي نقُل عن الإمام علي عليهالسلام عندما قال: «كم من عقلٍ أسيرٍ تحت هوى أمير». يُراد به تعطّل قوى العمل الصحيح؛ على الرغم من أنّ الشخص الهائم قد يكون عاجزًا عن الإدراك الصحيح. تحاول الأخلاق الوحيانية تقسيم القوى العلمية والعملية الباطنية هذا من جهة، وعلاج أمراضهما من جهةٍ ثانية، ودعم
وتقوية السالم منها من جهةٍ ثالثةٍ، والاستفادة الصحية من القوى السالمة والمفيدة من جهةٍ رابعةٍ لتترتّب بعد ذلك المراحل اللاحقة عليها. ومن هنا فهي تتضمن الخصائص اللازمة لتكامل الأخلاق الإلهية الإنسانية.
إنّ رعاية القواعد الأخلاقية قد تكون عند بعض الناس بمنزلة الحال وعند بعضهم الآخر بمنزلة المَلَكة، وتكون للأوحدي من المتخلّقين بالأخلاق الإلهية بمنزلة الفصل المُقوِّم؛ بنحوٍ يكون هذا الأخير قد انتقل من رتبة العرض المفارق إلى رتبة العرض الذاتي، ثم عَبَر عن تلك المرحلة فتجذّرت في هوية الشخص المتخلّق بنحوٍ يؤدّي عدم وجود الخصوصية الأخلاقية إلى عدم ثبات واستقرار أصل هوية الشخص. إنّ هذا الإنسان الكامل ينماز بامتلاكه وضعًا أخلاقيًا وعملًا أخلاقيًا أيضًا، نشأ كلاهما من تلك الهوية ولا يمكن عدّ وصفه الأخلاقي مساويًا لوجوده، فضلًا عن أنّه لا يمكن أنْ يكون أعلى منه، لا الوصف المزبور والفعل المذكور وإنْ كانا موجودين كاملين، إلّا أنّهما أثران للهوية المتخلّقة، والأثر لا يكون أعلى من المؤثر ولا مساويًا له، بل كلّ مؤثرٍ يكون أعلى من أثره: «فاعل الخير خير منه».
لمّا كان الخُلُق الحسن أثرًا كماليًّا للإنسان صاحب الأخلاق، وكلّ أثرٍ مقهور للمؤثِّر؛ لذلك عَبّر القرآن الكريم عن أخلاق خاتم النبوة بكلمة (على): (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ )، أي أنّك مسلّطٌ على الخُلُق العظيم، والخُلُق العظيم تحت سيطرتك. وهذا التعبير الإلهي يصدق على بعض أهل الإيمان المستفيدين من الفيض الخاص والفوز الإلهي: (فَهُوَ عَلَى نُورٍ مِنْ رَبِّهِ)، أي أنّ النور وصفٌ وفعلٌ أُسند إليه من
جانب الله تعالى، فهو كالمركّب الذي يتحرّك بإرادته. أمّا الاختلاف بين الكمال الذاتي والكمال الوضعي والفعلي فهو في درجة الوجود، أي أنّهما يشتركان في مفهومٍ واحد، إلّا أنّ مصداقهما الأعلى فهو في داخل هوية الإنسان المتخلّق بالأخلاق الإلهية ومصداقهما المتوسّط والأدنى هما في حدّ وضعه وفعله. إنّ الاشتراك المفهومي مقبولٌ على مبدأ التشكيك في الحقيقة الواحدة، ولا حاجة للغرق في أوحال الاشتراك اللفظي، لكن لا يمكن أنْ يُطرح هنا موضوع الجوهر والعرض للشيء الواحد من خلال إرجاع أشكال الكمال الحقيقي إلى سنخ الوجود؛ لأنّ أيّ من مصاديق الخُلُق الكمالي الثلاثة (الذاتي، الوضعي، الفعلي) ليس ذا ماهية، ولا يندرج تحت أيّ مقولةٍ من المقولات المعروفة؛ لأنّها جميعًا تعبّر عن حقيقة الوجود وهي كحقيقة الوجود منزَّهة عن الماهية، وبريئة من مقولتي الجوهر والعرض.
يشير تمثّل الإنسان المتخلّق أو تجسّده وتجسّمه بصورته الخلقية إلى أنّ الخُلُق المذكور هو من سنخ الوجود وليس الماهية. مع العلم أنّهم يعدّونه في الحكمة العملية الرائجة من الكيفيات النفسانية وهو من سنخ الماهية بناءً على الحكمة النظرية المتداولة، ومع ذلك فهناك عددٌ من الشواهد التي تبيّن أنّ الخُلُق الكريم والعظيم والحسن كحقيقة العلم من سنخ الوجود وليس الماهية.
الأخلاق من جملة العلوم الجزئية التي تندرج تحت علمٍ كلّيّ وجامعٍ هو الفلسفة، والمقصود من ذلك الأخلاق النظرية التي تكون في رديف العلوم الحصولية والاستدلالية وهي تقع تحت مجموعة الرؤية الكونية، ويقابل ذلك الأخلاق العملية التي هي سيرٌ وسلوكٌ خارجيٌّ، ويحصل الوصف الأخلاقي فيها بوساطة الفعل الأخلاقي، وتظهر من خلال السير الجوهري للصيرورة الخلقية التي عرضناها في النقطة التاسعة.
ويمكن البحث بنحوٍ مستقلٍّ عن الاختلاف بين الأخلاق العملية والعرفان العملي والشهودي. أمّا خلاصة الأخلاق العملية فهي تحصيل الزاد وخلاصة العرفان
(71)العملي فهي شهود المقصد والوصول إلى المقصد حيث يكون تهيئة الزاد من المقدمات.
ويجب الالتفات إلى نقطةٍ مهمةٍ وهي أنّ فعّالية الأخلاق في تدبير الأمور، إصلاح الفرد والمجتمع، وإيجاد الاستقلال والحرية للأمة، والوصول إلى كافة الكمالات السياسية والثقافية والاقتصادية والاجتماعية ذلك كلّه مرهونٌ لاستناد مبادئها إلى المصادر الوحيانية؛ لأنّ الإنسان الكامل يمتلك المبادئ كافة بلحاظ أنّه كونه جامعًا وهو يرتبط بالمقصد بالأخص النهائي برباط وثيق؛ إلّا أنّ ذلك لن يكون محلًّا لاستفادة المجتمع البشري.
أمر القرآن الكريم صاحب الخُلق العظيم الاهتمام بالأشخاص التابعين وتعليمهم قوانين الارتقاء وتعاليمه وآدابه: (وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِمَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ). كما أنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كما سائر الأنبياء ينبغي عليه حفظ أصل الرفقة مع السائرين نحو الحقّ وإنْ لا ينفصل عنهم: (وَ مَنْ يُطِعِ اللَّهَ وَ الرَّسُولَ فَأُولئِكَ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ مِنَ النَّبِيِّينَ وَ الصِّدِّيقِينَ وَ الشُّهَداءِ وَ الصَّالِحِينَ وَ حَسُنَ أُولئِكَ رَفِيقاً).
أمّا مجال الرفقة بين الأنبياء والأشخاص العاديين فهو الأخلاق العملية وليس العرفان الشهودي؛ لأنّ الذوات القدسية موجودةٌ مع بعضها بعضًا في دائرة العرفان العملي الذي هو الحضور في بلاط المقصود، والأشخاص الاعتياديون قليلًا ما يصلون إلى ذاك المقام المنيع. وإذا وصل بعض الأفراد النادرين أمثال الحارثة بن مالك إلى مقام الإحسان ـ وهو مقام كان وليس قممه ـ فإنّ ذلك بسبب التأسي بأسوة العرفاء الواصلين والاقتداء بقدوة المتخلّقين؛ على الرغم من أنّ المرتبة الخاصّة للرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم تصحّح ذلك حيث قال: «لي مع الله حالات لا يسعني فيها ملكٌ مقرَّبٌ ولا نبيٌّ مرسل».
خلاصة الكلام:
إنّ علم الكلام النظري يدور حول معرفة الزاد، ومعرفة كيفية توسيع الزاد وطرق استكشاف الراحلة. يسعى السير والسلوك في الأخلاق العملية لتحصيل الزاد العملي، وتهيئة الزاد في الخارج والحفاظ العيني عليه، ومن ثَمّ تهيئة الراحلة والحفاظ الخارجي عليها.
يبحث العرفان النظري حول معرفة المقصد وإدراكه، والعرفان العملي والشهودي هو الخطوات في وادي الفناء عند مقام الواحد الأحد والبقاء بعد الفناء فيه؛ من هنا لا يمكن إنكار ضرورة الاهتمام بالعلم النظري والعملي للأخلاق الوحيانية؛ لأنّ الأخلاق هي الضمانة لإجراء الأحكام الفقهية والحقوقية والقانونية، وأمّا إذا احتوى القانون على نقصٍ وإذا وجد فيه عيب، فالأخلاق الوحيانية هي التي بإمكانها جبران الفراغ أو تصحيحه.
يبتني علم الأخلاق على مبادئ علمية وعملية متعدّدة، ومنشأ تلك المبادئ هو الذات الإلهية المقدّسة ومصدرها إرادته ومشيئته السارية والجارية. وتكون الأخلاق الإسلامية وحيانية بلحاظ عجز العقل عن وضع قوانين جامعة؛ لأنّ نقصه واضحٌ في ذلك، ولعلّ أفضل برهان على هذا الأمر كلامٌ أمير البيان حيث قال: «غاية العقل الإقرار بالجهل». وما ظنّ بعضهم من أنّ الأوصاف الأخلاقية من الأمور الاعتبارية، فغير صحيح؛ لأنّ هذه الأوصاف قد امتزجت بالحقائق العينية والخارجية. إنّ الحقيقة الإنسانية مركّبة من روحٍ وجسمٍ مادّي والخلقيات الإنسانية هي من الملكات النفسانية حيث تتجلّى تلك الملكات في الظاهر الجسماني. الأخلاق أمرٌ نفسانيٌّ ومعيارٌ الشخصية الإنسانية ويمكن بوساطتها الوصول إلى
رتبة العدنية ومقام الخلة؛ وقد جاء الحديث حول مقام إبراهيم عليهالسلام أنّه وصل إلى مقام الخلة، وأصبح خليلًا لله لامتلاكه صفتين أخلاقيتين: عدم الحاجة إلى غير الله وإطعام الفقراء والإحسان إليهم.
(74)
الشیخ محمد تقي المصباح الیزدي
قبل أنْ نبحث في بيان خصائص وكيفية النظام الأخلاقي في الإسلام، يجب علينا أنْ نشير ـ وإنْ على نحوٍ عابر ـ إلى بعض الشرائط التي يجب أنْ تشتمل عليها النظرية الأخلاقية المعقولة. وبطبيعة الحال فقد سبق لنا أنْ تعرّفنا بالتفصيل ـ سواء في كتاب فلسفة الأخلاق، أم في هذا الكتاب ـ على كلّ واحدٍ من المسائل التي سنأتي على بحثها في هذه المقالة. وعليه فإنّنا في الحقيقة سوف نستفيد منها هنا بوصفها نتيجةً للأبحاث السابقة.
إنّ الجزأين الأساسين والأصليين في كلّ قضيّة ـ بما في ذلك القضايا الأخلاقية ـ والتي لا يشكك أيّ شخصٍ في جزئيتهما، هما: الموضوع والمحمول. إنّ موضوع القضية الأخلاقية، هي الأفعال الاختيارية للإنسان، ولكن لا بشكل عام وكلي، بل من جهة وقوعها تحت واحدٍ من العنوانات الانتزاعية الخاصّة. وبعبارة أدق: إنّ موضوع القضية الأخلاقية عبارةٌ عن تلك الطائفة من العنوانات الانتزاعية التي تصدق على الأفعال الاختيارية للإنسان، من قبيل: العدل، والظلم، والصدق،
والكذب. وعلى هذا الأساس فإنّ الفعل الاختياري من حيث إنّه يشتمل على ماهية خاصّة، لا يقع موضوعًا للقضية الأخلاقية، بل يجب أنْ يكون معنونًا بعنوان انتزاعي حتمًا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العدالة ليست ماهيةً خارجيةً وحقيقةً عينيةً وماهوية، بل هي عنوانٌ يُنتزع ـ على سبيل المثال ـ من الموقف الصحيح، والقيام بفعلٍ صائبٍ ورعاية حقوق الآخرين. كما أنّ الظلم والتقوى والفسق والفجور والحق والباطل، كلّها ليست من الحقائق العينية والماهوية، بل إنّ ذهننا ينتزع هذه المفاهيم من خلال ملاحظته الخاصة للمفاهيم الأولية، وإلّا فإنّ المفاهيم العينية والماهوية التي تنطبع في الذهن من الأعيان الخارجية مباشرة، من قبيل: التكلّم والمشي والأكل والشرب وأمثال ذلك، لا تقع موضوعًا للأحكام الأخلاقية أبدًا. إنّ هذه الطائفة من المفاهيم إنّما تكون بديلًا لموضوع القضايا الأخلاقية وتقع مشمولةً لحكمها فيما إذا كانت مصداقًا لأحد العنوانات الانتزاعية المذكورة آنفًا.
كما أنّ المفاهيم التي تقع في ناحية محمول القضايا الأخلاقية، من قبيل: مفهوم الوجوب، ومفهوم الحرمة، ومفهوم الحسن، ومفهوم القبيح وما إلى ذلك، تحكي في الواقع عن الضرورة بالقياس. إنّ هذه الطائفة من المفاهيم لا تشتمل على ناحية ماهوية، كما أنّها ليست من الحقائق التي تحصّل مباشرةً من طريق إدراكاتنا الحسية، بل هي من نوعٌ المفاهيم الفلسفية والمعقولات الثانية؛ بمعنى أنّ ذهننا يعمل على انتزاعها من خلال نشاطه الخاص حول التأثير الإيجابي أو السلبي لموضوع القضية في الوصول إلى الأهداف الأخلاقية.
إنّ من بين أهم الأبحاث ـ بل هو الأهم على الإطلاق ـ في فلسفة الأخلاق، مسألة القول بإنشائية أو إخبارية حقيقة العبارات الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: الواقعية وغير الواقعية في الأخلاق. وقد سبق لنا أنْ بحثنا هذا الموضوع في كتاب فلسفة الأخلاق بالتفصيل، وعمدنا هناك إلى بحث آراء مختلف فلاسفة الأخلاق ونقدها. وهناك بالنظر إلى التحليلات الدقيقة التي قمنا بها في باب المفاهيم الأخلاقية، ومن بينها مفهوما (الوجوب والحرمة)، ومفهوما (الحسن والقبح)، وصلنا إلى الرأي القائل: بأنّ القضايا والأحكام الأخلاقية وإنْ كان يمكن بيانها في كثيرٍ من الموارد على نحوٍ إنشائي وفي إطار الوجوب والحرمة، والأمر والنهي، إلا أنّ الأحكام الأخلاقية هي حقيقة من سنخ العبارات الخبرية، وتخبر عن حقائق واقعية وذاتية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ حقيقة الأحكام والعبارات الأخلاقية، لا تختلف ـ من حيث الحكاية والكشف عن الواقع ـ عن الأحكام والعبارات التجريبية والرياضية، وكما نعدّ قضايا العلوم التجريبية حاكيةً عن واقعيات وحقائق خارجية، كذلك القضايا الأخلاقية هي الأخرى كاشفةٌ عن حقيقةٍ واقعية، غاية ما هنالك أنّها تختلف في القيود الخاصة التي تؤخذ في الحكم الأخلاقي. وبالتالي فإنّ الأحكام والقضايا الأخلاقية تقبل الاتصاف بالصدق والكذب. وعلى هذا الأساس يجب أنْ يكون هناك معيارٌ نأخذه بنظر الاعتبار لصدقها وكذبها.
إنّ إثبات المحمول للموضوع في القضية الأخلاقية، إنّما يكون على الدوام بوساطة كبرى كلية، وهي أنّ القيام بفعلٍ يؤدي إلى النتيجة المطلوبة يُعدّ أمرًا ضروريًا لتحصيل النتيجة المطلوبة. كما يجب اجتناب الفعل الذي يؤدّي إلى النتيجة غير المطلوبة أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ الأحكام الأخلاقية في حدّ ذاتها ومن تلقائها لا تثبت من دون ملاحظة هذه الكبرى الكلية. ولا تعدّ بديهيةً أوليّة.
إنّ تطبيق هذه الكبرى الكلية على المصاديق، حيث يكون القيام بالفعل ـ الذي يؤدّي إلى النتيجة المطلوبة ـ ضروريًا من أجل تحصيل هذه النتيجة، قد يتحقّق في بعض الموارد بوساطة العقل ومن خلال التحليلات الذهنية والعقلية، وفي مثل هذه الحالة لن يكون الحكم الأخلاقي بحاجة إلى الأمور ما وراء العقلية أبدًا. وهذه الأمور تمثّل المصداق البارز للمستقلّات العقلية في باب الأحكام الأخلاقية. وفي بعض الأحيان يحتاج تطبيق تلك الكبرى الكلية على المصاديق إلى تجربة خارجية. بمعنى أنّ العقل بمساعدة التجربة يعمل على تطبيق تلك الكبرى البديهية على مصاديقها الخاصة. وتارةً أخرى يكون الأمر بحيث لا يتمكن العقل من تحديد مصداق تلك الكبرى الكلية حتى بمساعدة التجربة، وفي هذا النوع من الموارد تمسّ الحاجة إلى الوحي والهداية الإلهية من أجل العثور على مصداق للأحكام الأخلاقية.
إنّ مصداق النتيجة المطلوبة والمنظورة في الكبرى الكلية، سوف يكون في الحقيقة والواقع هو الكمال الحقيقي للإنسان، إذ عند تعرّفنا عليه سوف ندرك أنّه ملازمٌ لسعادة الإنسان أيضًا. بمعنى أنّ السعادة الحقيقية للإنسان لا تنفكّ عن كماله
(78)الحقيقي. وعلى كلّ حال يجب أنْ تكون النتيجة عبارةً عن الكمال الحقيقي والسعادة الحقيقية للإنسان.
إنّ القيمة الأخلاقية تابعةٌ للتأثير الذي يتركه الفعل الأخلاقي على تحصيل تلك النتيجة المطلوبة، بمعنى الكمال والسعادة الحقيقية للإنسان. فإنْ كان له تأثيرٌ إيجابي، سوف تكون للفعل الأخلاقي قيمةٌ إيجابية. وبعبارةٍ أخرى: سوف يُعدّ فضيلة. وإنْ كان له نتيجةٌ سلبية، بمعنى أنْ يحول دون كمال الإنسان، سوف تكون له قيمةٌ سلبيةٌ، وسوف يُعدّ رذيلة. ولو افترضنا أنّ العمل لم يكن ينطوي على نتيجةٍ إيجابيةٍ ولا سلبية؛ بمعنى أنّه لم يكن يقرّب الإنسان من كماله الحقيقي وسعادته الواقعية، ولم يكن يُبعده عنها، ففي مثل هذه الحالة سوف تكون قيمته صفرًا. وبعبارةٍ أخرى: سوف يكون فاقدًا للقيمة أو تكون له قيمةٌ خُلبيّةٌ وحياديّة.
إنّ القيمة الأخلاقية إنّما تتحقّق في ضوء الانتخاب الحرّ والواعي، فهو خاصٌ بالكائنات التي تكون لها دوافع متضادّةٌ ومتعارضةٌ، بنحوٍ يتمّ العمل على ترجيح بعض الدوافع على بعضها الآخر في ضوء تأثيرها في الوصول إلى الكمال المطلوب والمنشود. وعلى هذا الأساس لو تمّ القيام بعملٍ عن غفلة ودون الالتفات إلى تأثيره في الكمال المطلوب، لن تكون لذلك العمل قيمة. إنّ أعمال الإنسان إنّما تكتسب قيمةً أخلاقيةً فيما لو قام الإنسان من خلالها بالحكم على رغباته وتطلعاته المتعارضة، واختار من بينها الطريق الأنسب بهداية وإرشاد من العقل. فمن خلال الأبحاث الذكية والشاملة، سوف يتضح له أيّ واحدٍ من رغباته يشتمل على المطلوبية الأكبر بالنسبة إليه، ويقع اختياره عليه. وبطبيعة الحال ـ كما تبيّن في معرض دراسة المدارس
(79)الأخلاقية ـ فإنّ المدارس المتنوّعة تختلف فيما بينها بشأن كيفية المعيار الذي يجب الحكم على أساسه بين الرغبات والمطالب المتعارضة إلى حدٍّ كبير. ونحن نعتقد في البين أنّ المدارس الأخلاقية الغربية لم يتمكن أيّ منها من تقديم معيارٍ معقولٍ ومقبولٍ وشاملٍ للقيام بهذا الحكم والتقييم.
إنّ القيَم الأخلاقية تختلف فيما بينها من حيث المرتبة. بمعنى أنّ بعض الأعمال يوصل الإنسان إلى الهدف المطلوب والغاية المنشودة بنحوٍ سريع، ويكون لها تأثيرٌ كبيرٌ وشديدٌ في الوصول إلى الأهداف والغايات، وأمّا بعض الأعمال الأخرى فلها تأثيرٌ ضعيفٌ وبطيءٌ في هذا الاتجاه. وعلى كلّ حالٍ فإنّ أفعالنا تختلف من جهة الارتباط بالكمال المطلوب في الشدّة والضعف وفي القرب والبعد.
إنّ تشخيص الكمال المطلوب، وكذلك تحديد طريق الوصول إلى هذا الكمال المنشود، قد يختلف من شخصٍ إلى آخر. وإنّ هذا الاختلاف في التشخيصات يؤدّي إلى الاختلاف بشأن الأفعال الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: على الرغم من القبول بجميع الكلام المتقدّم آنفًا، يبقى هناك على ما يبدو نوعان من الاختلاف في النظريات الأخلاقية المنطقية، أحدهما: الاختلاف في تشخيص الكمال المطلوب، والآخر: الاختلاف في طريق الوصول إلى الكمال المطلوب؛ بمعنى أنّ الشخصين على الرغم من اتفاقهما في تشخيص هدف الأخلاق والكمال المطلوب، ولكنهما قد يختلفان في معرفة الطريق الذي يوصل الإنسان إلى ذلك الكمال. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الاختلافات الأخلاقية لا تشكل بالضرورة دليلًا على نسبية الأخلاق والقيَم الأخلاقية. بل إنّ منشأ هذه الاختلافات في الحقيقة إمّا هو عدم المعرفة الصحيحة
(80)بالكمال المطلوب والنقص في الرؤية الكونية الشاملة، وإمّا عدم الإدراك الصحيح للعلاقة بين الأفعال الاختيارية للإنسان وبين كماله المطلوب.
وعلى هذا الأساس لو أردنا القضاء على الاختلافات الأخلاقية في المجتمعات الإنسانية، وأنْ يكون لجميع الأفراد والمجتمعات إدراكٌ مشتركٌ لحُسن الأمور وقبحها، فإنّه ضمن وجوب العمل على تصحيح إدراك الأشخاص للكمال المطلوب، يجب اللجوء إلى أحضان الشرع والخطاب الإلهي. إذ على الرغم من قدرة العقل وحده في كشف العلاقة بن الأفعال الاختيارية ونتائجها في كثيرٍ من المسائل، ولكن هناك في الوقت نفسه كثيرًا من المسائل الأخرى التي يعجز العقل عن إدراكها واكتشافها بمفرده. وهنا تتجلّى الحاجة إلى هداية وإرشاد من الوحي والسماء. وإنّ الشرع المقدّس من خلال البيان الذي يقدّمه عن العلاقة بين هذا النوع من الأفعال وبين الكمال المطلوب، يمدّ يد العون إلى العقل وينتشله من وحل الجهل، ويساعده على اكتشاف العلاقات الكامنة والخافية.
إنّ من بين النتائج التي حصلنا عليها من الأبحاث السابقة، وأشرنا إليها في النقطة المتقدّمة، هي أنّ الأخلاق ليست مسألةً منفصلةً ومنبتّةً عن العقيدة، بل إنّ هناك علاقةً وثيقةً ودقيقةً وعميقةً بين الاعتقاد وبين النظريات الأخلاقية. توضيح ذلك أنّه كما سبق أنْ رأينا فإنّ الاختلاف في تشخيص الكمال المطلوب له تأثيرٌ جادٌّ في بلورة النظريات الأخلاقية، ويُعدّ واحدًا من الأسباب والعلل الأصلية في ظهور الاختلافات الأخلاقية. ومن الواضح أنّ معرفة الكمال المنشود للإنسان مسألةٌ فلسفيةٌ وهي ترتبط بنوع العقيدة التي يعتنقها الأشخاص.
كانت هذه هي المسائل التي تقدّم بحثها في الفصول السابقة بالتفصيل، ويمكن التعبير عنها بوصفها نتائج للأبحاث السابقة. وعند تقديم أيّ نظريةٍ أخلاقيةٍ لا يمكن لنا أنْ نغفل عن هذه النتائج.
(81)إنّ كل واحدةٍ من النظريات التي تمّ إبداؤها في فلسفة الأخلاق، تقوم على أسسٍ وأصولٍ موضوعةٍ خاصّة، وإنّ الانتقادات التي تمّ إيراها عليها، إنّما هي في الحقيقة والواقع تمثّل نقدًا لهذه الأصول الموضوعة. والنظرية التي نقبل بها والتي تقع موردًا لتأييد وتأكيد الآيات والروايات، تقوم بطبيعة الحال على أسسٍ موضوعيةٍ خاصّة. إنّ الأصول الأهمّ التي تقوم عليها هذه النظرية عبارةٌ عن أربعة عشر أصلًا، وبعضها يرتبط بالحقل المعرفي والأبستمولوجي، وبعضها يرتبط بالحقل الوجودي والأنطولوجي، وبعضها الآخر يرتبط بالحقل النفسي الفلسفي والبُعد النفسي التجريبي. ولكن قبل أنْ نتعرّض إلى بيان هذه الأصول، لا بدّ من التذكير بهذه النقطة وهي أنّه عندما يتم الحديث والقول بأنّ نظرية ما هي مورد قبول الإسلام، علينا ألّا نتوقع بيانها في الكتاب والسُّنّة بشكلٍ صريحٍ، وعلى نحوٍ دقيقٍ وبشكلٍ فني. من ذلك أنّ قانون العلية ـ على سبيل المثال ـ يُستفاد من القرآن الكريم، ولكن لا بذلك الشكل المذكور في الكتب الفلسفية. ولكي نثبت أنّ قانونًا ما مورد قبول القرآن الكريم، يكفي أنْ نشير إلى بعض الموارد والمصاديق الواردة في القرآن الكريم، والتي لا يمكن القبول بها إلّا في ضوء القول بقانون العلية. وفي سائر العلوم ـ ومن بينها علم الأخلاق وفلسفة الأخلاق ـ عندما ننسب شيئًا ما إلى الإسلام، لا يعني ذلك أنّه قد وقع موردًا للبحث في القرآن أو الروايات بشكله الفني والدقيق. بل بمعنى أنّنا في ضوء الأصول التي يقدّمها لنا القرآن، يمكن لنا أنْ نكتشف تلك المطالب من تضاعيف الآيات والروايات، وننسبها لذلك بشكل صحيح إلى القرآن الكريم.
مع أخذ هذه النقطة بنظر الاعتبار، ندخل الآن في بيان الأصول والمباني النظرية الأخلاقية للإسلام، من خلال الاستناد إلى الآيات والروايات:
(82)إنّ الأصل الضروري الأول في تبيين النظام الأخلاقي في الإسلام ـ والذي يرتبط في الحقيقة بالبُعد المعرفي والأبستمولوجي ـ هو أنّ القيَم الأخلاقية تقوم على الحقائق العينية. إنّ المفاهيم التي يرد استعمالها في الأخلاق بوصفها من المفاهيم القيَميّة، ليست مستقلةً عن المفاهيم النظرية والعينية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الأيديولوجيا تقوم على العقيدة والرؤية الكونية والفلسفية الشاملة.
بعد القبول والقول بهذا الأصل تبطل كثيرٌ من النظريات الأخلاقية من تلقائها. وهي النظريات القائمة على أنّ المفاهيم الأخلاقية من المفاهيم التي يدركها العقل العملي مباشرة، وليس لها أيّ صلةٍ بالواقعيات العينية، أو أنّها مفاهيم إنشائية لا تعبّر عن الواقعيات والحقائق الخارجية، وأنّها تتحقّق بوساطة أمر ونهيّ الآمر والناهي الأعم من أنْ يكون هذا الآمر والناهي هو الله أو العقل أو الإجماع أو أيّ مصدر آخر.
إنّ الأصل الضروري الثاني في بيان النظام الأخلاقي في الإسلام ـ والذي هو أصلٌ فلسفيٌ يرتبط بالبعد الوجودي والأنطولوجي ـ هو أنّ العلاقة بين العلة والمعلول من قبيل علاقة الضرورة بالقياس. إنّ كلّ علة تحتوي بالنسبة إلى معلولها على هذه الضرورة، وإنّ افتراض ضرورة المعلول يستلزم افتراض ضرورة العلة. وإنّ العلاقة بين الأفعال الاختيارية للإنسان والنتائج الحاصلة منها، تعدّ من مصاديق هذا النوع من العلاقة. بمعنى أنّ نتائج الأفعال الاختيارية معلولةٌ لفعل اختياري، وإنّ الفعل الاختياري يحتوي بالنسبة لها على ضرورة بالقياس. وإنّ الواجبات والمحرّمات الأخلاقية إنّما هي تعبيراتٌ عن هذه الضرورة بالقياس.
(83)إنّ الأصل الثالث من أصول النظام الأخلاقي في الإسلام ـ والذي يرتبط بالبُعد النفسي الفلسفي ـ هو أنّ الإنسان بالإضافة إلى الجسد والبدن المادي يمتلك نفسًا وروحًا قابلةً للاستقلال والبقاء. بمعنى أنّ الإنسان ليس مجرّد هذا الجسد المادّي. بل هو يمتلك روحًا يمكنها أنْ تبقى إلى الأبد. وبعد القول بهذا الأصل، تتخذ حياة الإنسان بعدًا لامتناهيًا، وبالتالي لا ينبغي له أبدًا أنْ يحصر تداعيات أعماله في الحدود الضيّقة من الحياة الماديّة؛ بل عليه أنْ ينظر إلى تأثيرها في سعادته وشقاوته الأبدية أيضًا. وعلى هذا الأساس فقد تم ـ في مقام نقد بعض المدارس الأخلاقية ـ تجاهل الحياة الأخروية بوصفها واحدةً من أهم نقاط ضعفها.
إنّ للروح أصالةً في وجود الإنسان، وإنّ المراد من هذا الأصل ـ الذي يرتبط بالأبحاث النفسية الفلسفية ـ هو أنّ قوام إنسانية الإنسان يكون بروحه. فلولا وجود الروح في جسد الإنسان لما أصبح هذا الإنسان إنسانًا. وما دامت الروح موجودة كانت إنسانية الإنسان باقية. وعلى حدّ التعبير الفلسفي: (شيئية الشيء بصورته لا بمادته). وعليه فإنّ إنسانية الإنسان إنّما تكون بالروح التي تعدّ في المصطلح الفلسفي (صورة) الإنسان.
إنّ الروح قابلةٌ للتكامل. فإنْ كان الشخص من القائلين بتجرّد الروح، فإنّه يكون قائلًا بقابليتها للبقاء أيضًا، ولكن لا يحصل أيّ تغييرٍ في ذاتها، وهذا الأمر بدوره لا يمكن لنظريتنا الأخلاقية أنْ تقبل بها. فنحن نعتقد أنّ الروح في ذاتها قابلةٌ للتكامل. وهذا بدوره يؤخذ من أصل فلسفي وهو أنّ وجود الحركة الجوهرية عبارةٌ
(84)عن اشتداد في الروح. وإنّ هذه الحركة ـ بطبيعة الحال ـ إنّما تتحقق في ظلّ التعلّق بالجسد، ولكن هذه الروح على كلّ حالٍ تتكامل بدورها أيضًا، وجوهر النفس يصبح كاملًا.
إنّ التكامل الذي تشهده الروح إنّما هو بتأثيرٍ من الأفعال الاختيارية لها. إذ قلنا أنّ بذور الاتجاه نحو الكمال موجودةٌ في ذات الروح. وإنّ هذا الاتجاه هو الذي يتجلّى على شكل الإرادة. وعليه فإنّ الذي يرتبط بذات النفس إنّما ينشأ من هذه الإرادة، وإنّ ما تحصّل عليه من أنواع الكمال، إنّما تحصّل عليه في ضوء هذه الإرادة. وعلاوةً على ذلك فإنّ الأفعال التي لا ترتبط بإرادة الإنسان واختياره ووعيه، لا تكون في الواقع من أفعال الروح. وبعبارةٍ أخرى: إنّها ليست أفعال الإنسان بما هو إنسان، وإنّما هي أفعاله بما هو جسمٌ نامٍ وجسمٌ حيّ وما إلى ذلك. وإنّما الأفعال التي يمكن عدّها أفعال الإنسان بما هو إنسان إذا كانت ناشئةً من وعي الإنسان وإرادته. وعلى كلّ حالٍ فإنّ تكامل الروح إنّما يحصل في ظلّ أفعاله الاختيارية.
إنّ الروح تنطوي على حبّ للذات، ولكنه ليس حبًّا ساكنًا وخامدًا، وإنّما هو حبٌّ حيويٌ ومتحرّك. وبعبارة أخرى هناك في ذات الروح ميلٌ نحو التكامل. إنّ الإنسان لا يحبّ ذاته فحسب، بل وهناك في ذاته موَران وتوثّب نحو التكامل. وإنّ حبّ الكمال من شؤون حبّ الذات؛ بيد أنّه حبّ ذات في حالةٍ من التكامل، وليس حبًّا للذات يظهر في مقطعٍ زمني خاص. فحيث إنّ الإنسان يحبّ كماله، فإنّه يريد إنجاز عمل معيّن. إنّ هذه الإرادة في الواقع تعدّ تبلورًا لذلك الحبّ الذاتي لنفسه وكماله.
(85)إنّ حركة وحيوية الروح تنطلق نحو اللانهاية. بمعنى أنّ هذا الميل الموجود في صقع الروح نحو الكمال لا يقف عند أي حدّ، بل يمكننا القول إنّ ذات الروح عبارة عن حيويةٍ وحركةٍ نحو اللانهاية. وفي الأساس فإنّ النفس عبارةٌ عن كائنٍ يميل في صلب ذاته إلى التوجّه نحو الكمال المطلق واللامتناهي. وبطبيعة الحال قد لا تعرف الروح كمالها، ولكن يوجد هذا الاتجاه في صقع وجود الإنسان على كلّ حال، حيث يريد على الدوام الحصول على كمالٍ أكثر، ولا يقنع من ذلك بحدٍّ معيّن.
إنّ للروح مراتبَ طوليةً وشؤونًا عرضية. بمعنى أنّ النفس على الرغم من كونها موجودًا واحدًا بسيطًا، بيد أنّها عبارةٌ عن وجودٍ ذي مراتب. وإنّ المراتب التي يذكرها الفلاسفة للروح عادةً هي: المرتبة الحسية، والمرتبة الخيالية، والمرتبة العقلية. بيد أنّنا لا نستند إلى عدد هذه المراتب. ونقول على نحو الإجمال: إنّ للنفس مراتب، ولها في الحدّ الأدنى في بعض مراتبها شؤون مختلفة. وربما في جميع المراتب ـ من قبيل مرتبة الحسّ على سبيل المثال ـ لا يقتصر شأن النفس على المبصرات فحسب، بل هناك المسموعات والمشمومات وسائر الأشياء الأخرى التي تتعلّق بها مختلف الحواس أيضًا. إنّ الروح في مرتبة الحس ليس لها شأن واحد فقط، بل هناك تعدّدية في مراتب الروح؛ فمن حيث الشدّة والضعف هناك مرتبةٌ وجوديةٌ، وتعدديةٌ في شؤون كلّ مرتبةٍ حيث تقع هذه الشؤون في عرض بعضها، ولا توجد بينها شدّة وضعف. فالمبصرات والمسموعات ـ على سبيل المثال ـ لا تقوم بينها علاقة طولية من قبيل العلية والمعلولية؛ وإنّما تقع في عرض بعضها. إنّ اللذات التي تحصل للروح في كلّ مرتبةٍ من المراتب كثيرةٌ ومتنوّعةٌ جدًا. وإنّ الكمالات التي تحصل لها هي الأخرى متنوّعةٌ بتنوّع متعلقاتها.
(86)إنّ كيفية ظهور الفعل الاختياري يكون على النحو الآتي: حيث يحصل للروح في واحدةٍ من المراتب توجّهٌ إلى واحدٍ من شؤونها، وهذا التوجه إمّا أنْ يحصل من تلقائه ومن ناحية الروح نفسها، وإمّا بفعل المحرّكات الخارجية والعوامل الخارجية الجاذبة. وهي في النفوس الضعيفة عادةً من القسم الثاني. إنّ هذه العوامل الخارجية تشمل الفعل والانفعالات الجسدية كما تشمل المحرّكات الخارجية أيضًا. وذلك بأنْ تعمل بعض المتغيّرات الحاصلة في البدن أحيانًا على توجيه النفس إلى شيء؛ كأنْ يؤدّي الجوع ـ مثلًا ـ إلى توجّه النفس نحو الطعام. أو يؤدّي ترشّح بعض الهرمونات إلى توجّه النفس إلى بعض الأمور. وهذه أسباب وعوامل جسدية وبدنية. وتارةً تؤدّي المحرّكات الخارجية إلى توجّه النفس نحو شيء؛ كأن يُسمع صوت، أو يشعّ ضوء، أو تفوح رائحة، وهي على كلّ حال من الأمور الخارجية التي تجذب توجّه النفس نحو شيء. عندما تتوجّه النفس إلى مرتبةٍ ما، وتنجذب في تلك المرتبة إلى شأن من شؤونها، فإنّ ذلك الاتجاه الخاصّ الذي يكون للنفس بالنسبة إلى كمالاتها يتبلور في ذلك الشأن الخاصّ. بمعنى أنّه في تلك اللحظة تتوق نفسه إلى تحصيل الكمال الخاص بذلك الشأن. فعندما يلفت انتباهه مشهدٌ جميل، ففي تلك الحالة يصبح طالبًا لإلقاء نظرةٍ على ذلك المشهد؛ لأنّه يمثّل كمالًا للقوّة الباصرة، أو عندما يجوع، سوف يطلب كمالًا يتحقق للنفس في مرتبة الحيوانية من طريق تناول الطعام. وعليه فإنّ توجّه النفس إلى كلّ شأنٍ من شؤونها هو الذي يشكل دافعًا وحافزًا إلى القيام بفعل، إذ يؤدّي ذلك الفعل إلى حصول كمالٍ يرتبط بذلك الشأن.
وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأمور المعنوية أيضًا. وذلك لأنّ الإنسان العادي لا يستطيع الحصول في وقتٍ واحدٍ على جميع الكمالات المرتبطة بمختلف شؤونه. فيقع بينها تزاحمٌ وتضادٌّ من الناحية العملية. وعلى فرض أنّ تتمكن النفس من التوجّه
(87)والالتفات في وقتٍ واحدٍ إلى عدّة أشياء، ولكنّها لا تستطيع الوفاء بها وإشباعها بأجمعها. فهو سواء شاء أم أبى سوف يختار من بين الاتجاهات المختلفة والشؤون المتفاوتة بعضها، ويسعى إلى إشباعه وإرضائه ويتجاهل الأمور الأخرى. وبالنظر إلى اتساع رقعة الشؤون المختلفة للنفس، والعلاقات الكثيرة التي تعمل على تشكيل هذه الشؤون النفسية، وكذلك العلاقات الفردية والاجتماعية للروابط القائمة بينها، وكذلك التعارضات الواقعة بينها، واختيار ما هو الأصلح والأقرب إلى الكمال الحقيقي للنفس، يصبح الأمر أكثر إشكالًا وتعقيدًا. إنّ إدراك الإنسان العادي لتنظيم معادلة من شأنها أنْ تحدّد ـ على كلّ حال ـ ما هو العمل الأصلح وما هو شكل ذلك العمل وخصائصه، أمرٌ خارج عن حدود طاقة الأشخاص العاديين، ومن هنا فإنّنا نذهب إلى الاعتقاد بأنّ كثيرًا من القيَم الأخلاقية يجب أنْ يتمّ بيانها من قبل الوحي؛ لأنّ عقل الإنسان لا يستطيع وحده أنْ يعمل على تنظيم هذه المعادلة بشكل دقيق.
وعلى كلّ حال فإنّ من بين الأصول الموضوعة في الأخلاق الإسلامية، هي أنّ الإنسان عندما يلتفت إلى نفسه، يمكنه تنظيم أموره في الاتجاه إلى الله أو في الاتجاه المعاكس، ولن يصل إلى مرحلة القرب إلّا من خلال تنظيم سلوكه في إطار التوجّه إلى الله سبحانه وتعالى. فحيث إنّ منشأ فعل الإنسان عبارةٌ عن إرادته، والإرادة لا يمكن أنْ تكون من دون إدراك، فإنّ الإنسان العابد حيث يعبد الله إذا كان إدراكه بالنسبة إلى الله والحصول على مرضاته فسوف ينطوي فعله على دافعٍ إلهي، وسوف تكون جهة عبادته إلهيةً. وبطبيعة الحال فإنّ قلب الإنسان هو الذي يحدّد جهة حركته، وإنّ التفات الروح هو الذي يعمل على توجيه الأفعال، ومن هنا كانت النيّة تؤدّي دورًا أساسيًا في النظام القيَمي للإسلام.
ذكرنا أنّ كلّ فعلٍ اختياري ينشأ من توجّهٍ خاصٍّ للنفس، ويستوجب كمالًا للنفس في مرتبةٍ وشأنٍ خاصّ، وأنّ هذه الكمالات التي تحصل للنفس إنّما هي بالنسبة إلى ذلك الشأن الكمالي. والمراد هنا ـ بطبيعة الحال ـ هو الكمال في مفهومه الفلسفي. بيد أنّ هذه الكمالات ليست مؤثرةً على الدوام في تكامل جوهر النفس من حيث إنّها تشتمل على مراتب أعلى أيضًا. من ذلك مثلًا أنّ تناول الطعام يعمل على تلبية وضمان شأن من المرتبة المادية للنفس يرتبط بتناول الطعام، ويمكن لنا أنْ نعدّ ذلك كمالًا للنفس في هذه المرتبة المتعلّقة بالبدن والمرتبطة بهذا الشأن. بيد أنّ هذا كمالٌ نسبي. ولا تصبح هذه الكمالات كمالًا حقيقيًا للنفس إلّا إذا تركت تأثيرها على جوهر النفس في كليتها وما تشتمل عليه من المراتب المختلفة؛ بمعنى أنّ يكون هناك كمالٌ نسبيٌّ في هذه المرتبة وهذا الشأن لكي يتحقّق للنفس تكامل من حيث إنّها كائنٌ واحدٌ ذو مراتب.
وبطبيعة الحال فإنّ ما يرتبط بالمراتب النازلة من النفس، إذا صار موردًا للاهتمام الأصيل، فإنّ النفس سوف تتنزّل إلى تلك المرتبة. وعليه فقد كانت نتيجة هذا الأصل هي أنّ الكمالات النسبية المرتبطة بالقوى النازلة للنفس، إنّما تُعدّ كمالًا حقيقيًا للإنسان إذا ساعدت على سير النفس نحو اللانهاية، ولا تحملها على التوقف عند مرتبةٍ من المراتب.
إنّ الأعمال التي يتمّ القيام بها بوساطة الجسم والبدن، لا شكّ في أنّها حيث تنشأ من إرادة الإنسان واختياره يحصل لها ارتباط بالنفس، وعندما تريد النفس أنْ تقوم بشيءٍ عن وعي وإدراك، وتحرّك الجسم سعيًا وراء تحقيق ذلك الشيء، فإنّ هذا
(89)النشاط البدني سوف يرتبط بالنفس أيضًا من طريق توجّه النفس والتفاتها. وإذا أدّى هذا النشاط البدني إلى كمال للنفس، فسوف يكون من طريق توجّه النفس إلى البدن وإلى هذا النشاط. وفي الحقيقة فإنّ الأعمال التي تصدر عن الجسم إذا كانت إراديةً واختياريةً فإنّها ترتبط بالنفس حيث إنّ منشأ هذه الإرادة هو توجّه النفس إلى ذلك الشأن وذلك الكمال الذي تحقق بالنسبة إليها. وعليه فإنّ الأعمال الجسدية إنّما تكون مستوجبةً للكمال حيث تتحقق من مسار الإرادة وتوجّه النفس. نستنتج من هذا الأصل أنّ الأفعال الأخلاقية التي يكون موضوعها الأفعال الاختيارية للإنسان وتكون الإرادة مأخوذةً فيها إنّما تستوجب كمال النفس من مسار هذه الإرادة. بمعنى أنّ روح الأفعال الاختيارية هي النيّة. إنّ دافع النفس نحو القيام بهذا الفعل شيء ينبثق من ذات النفس. وإنّ التوجّه الذي تحصل عليه النفس ويصبح دافعًا وحافزًا لتوظيف الجسم واستخدامه ليقوم بعمل ما، هو الذي يضفي قيمة على ذلك الفعل. ويجعل ذلك الفعل مؤثّرًا ليتحقق الكمال بالنسبة إلى النفس. فلولا الإرادة ولولا توجه النفس إلى هذا الفعل البدني، لن يؤدّي أي نشاطٍ بدني إلى كمال النفس. وإنّ هذا الأصل يعمل على بيان كيف يمكن للنية أنْ تكون مؤثّرةً في الفعل الأخلاقي، ولا سيّما من جهة أنّه يستوجب كمال النفس أيضًا. إنّ الارتباط بين الكمال والنفس الإنسانية وتكامل النفس من طريق الأفعال الاختيارية، إنّما يمكن بيانه من طريق الالتفات إلى هذا الأصل.
إنّ الفعل الذي ينبثق عن إرادة الإنسان واختياره، سوف يكون الدافع والحافز إليه نابعًا من ذات النفس. وحيث يكون الحافز منبثقًا عن ذات النفس؛ فإنّ كيفيته وكميّته وشكله وخصائصه المكانية والزمانية وسائر مواصفات الفعل سوف تكون تابعةً للدافع والحافز أيضًا. وفي الواقع فإنّ الحافز والدافع نحو العمل هو الذي يحدّد
(90)الشكل الخاص لذلك العمل. وعليه حيث يكون الحافز والدافع هو جوهر العمل وروحه، يكون الحافز عنصرًا جوهريًا وحاسمًا في تحديد شكل العمل وخصائصه. وعليه لا يمكن لنا القيام ـ في ضوء هذا الأصل ـ بالعمل لأيّ دافعٍ أو حافزٍ ما. إنّ لكلّ حافزٍ خاصّ صلةً خاصّةً بنوع العمل وكميّته وكيفيّته الخاصة، فعلى سبيل المثال إنّ الدافع إلى ضمانة سلامة الجسم من طريق التغذية لا يقتضي أنْ يعمل الإنسان على تناول الحصى أو قراءة الكتب، بل يقتضي منه أنْ يختار طعامًا مناسبًا. كما أنّ كميّة وكيفية هذا العمل تابعةٌ لذلك الحافز أيضًا. فكلما كان الحافز أقوى وأشدّ وكان متّصفًا بخصائص وصفاتٍ خاصّة، فإنّ ذلك سوف يتجلّى في شكل أو إطار العمل. بيد أنّ النقطة الجديرة بالاهتمام والتأمّل هي أنّ العمل قد يتحقّق في بعض الأحيان بدوافع مختلفة. ومن هنا فإنّه على الرغم من أنّ الحافز والدافع هو الذي يعمل على تحديد شكل العمل وكميّته وكيفيته، بيد أنّ هذا لا يعني أنّ كلّ دافعٍ يقتضي شكلًا واحدًا من العمل، كما أنّ شكل العمل لا ينبثق من مجرّد حافزٍ ودافعٍ واحدٍ فقط. وعلى كلّ حال هناك تناسبٌ بين الدافع وبين خصوصيات العمل. فلا يصدر كلّ عملٍ من كلّ حافز. كما لا يمكن القيام بكلّ فعلٍ بأيّ نيّةٍ من النوايا.
إنّ الأعمال تحتوي في بعض الأحيان على عدّة دوافع طولية. وقد ذكرنا في الأصل السابق أنّ العمل قد يقوم على عدّة دوافع على نحو البدل. فتارةً يتحقق العمل بدافعٍ واحدٍ وفي وقتٍ آخر بدافعٍ مختلف، أو أنْ يقوم به شخصٌ بدافعٍ خاصّ بينما يقوم به شخصٌ آخر بدافعٍ آخر. والذي نريد قوله في هذا الأصل هو أنّ العمل قد يستند إلى عددٍ من الدوافع الطولية، وإنّ الذي يضفي قيمةً على العمل في مثل هذه الحالة ويعدد قيمته هو الدافع الأصلي. بمعنى أنّ الذي كان محطًّا لاهتمام النفس ابتداءً وأصالةً، والذي بسببه يظهر دافعٌ آخر في ضوئه، أو يتمّ توظيف قوّةٍ خاصّةٍ
(91)من أجله. وعليه فإنّ التوجّه الأصيل للنفس هو الذي يضفي على العمل قيمته الخاصة. لنفترض أنّ شخصًا إنّما يطلب العلم لكسب المال وإشباع البطن. وعليه يكون المحرّك له منذ البداية نحو هذا العمل هو الحصول على النقود. وإنّما يحصل على النقود لكي يُشبع بطنه. وإنّ الذي يكون مورد اهتمام النفس منذ البداية وتسعى النفس بالأصالة إلى تحصيله هو إشباع البطن. فحتى لو أدّى هذا الدافع إلى القيام بتحقيقاتٍ عميقةٍ جدًا في مختلف حقول العلوم الإسلامية وعلم التوحيد، فسوف تكون قيمته تابعةً لذلك الدافع الأول، بمعنى أنّ قيمته لن تتجاوز إشباع البطن؛ بمعنى أنّ قيمته سوف تبقى في حدود القيمة الحيوانية. وعليه يكون تحديد القيمة للعمل ـ حيث تكون هناك عدّة دوافع طولية للعمل ـ تابعًا للدافع الأصلي. وبعبارةٍ أخرى: إنّ التابع هو ذلك الشيء الذي يكون محطّ اهتمام النفس بالأصالة، وبسببه ومن أجله تظهر الدوافع اللاحقة للعمل.
في ضوء هذه الأصول الأربعة عشر، يمكن بيان معيار القيمة على أساس النظرية الأخلاقية للإسلام على النحو الآتي: إنّ القيمة الأخلاقية للفعل الاختياري للإنسان تابعةٌ للتأثير الذي يتركه هذا الفعل في وصول الإنسان إلى كماله الحقيقي والإنساني. وعليه فإنّ كلّ أمرٍ سوف تكون له من القيمة بمقدار تأثيره في ذلك الكمال. فإنْ كان له تأثيرٌ سلبيٌّ سوف تكون قيمته سلبية، وإنْ كان له تأثيرٌ إيجابيٌّ سوف تكون قيمته إيجابيةً أيضًا، وأما إذا لم يكن له تأثيرٌ سلبيٌّ ولا إيجابيٌّ فسوف تكون قيمته صفرًا، أو يحتوي على قيمةٍ خُلّبيةٍ وعقيمة.
(92)
والآن حان الدور لكي نعمل على بيان العناصر والمكوّنات الأصلية للنظرية الأخلاقية في الإسلام على نحو الاختصار. يمكن القول بنحوٍ عام إنّ النظرية الأخلاقية في الإسلام تحتوي على ستة عناصر ومكوّنات أصلية:
1. إنّ ملاك قيمة كلّ فعلٍ يتعيّن على أساس نوع تأثيره في كمال النفس.
2. إنّ كلّ فعلٍ يكون له التأثير الأكبر في أعلى درجات كمال الإنسان، سوف ينطوي على القيمة الأخلاقية الأعلى. بمعنى أنّ كلّ عملٍ يستوجب التقرّب من الله بشكل أكبر، ويأتي للإنسان بالمرتبة الأعلى من القرب إلى الله سبحانه وتعالى، سوف يحظى بقيمةٍ أكبر.
3. إنّ كلّ عملٍ يكون له التأثير الأكبر في إبعاد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى، سوف يكون من أحطّ القيَم، ومن أسوأ أنواع الرذائل.
4. لو افترضنا وجود نقطةٍ بين القطبين المذكورين في الفقرتين أعلاه (2 و3)؛ بحيث تكون نسبتها إلى هذين القطبين متساوية؛ بمعنى ألّا يكون لها تأثيرٌ في تحريك الإنسان نحو الله، ولا يكون لها دورٌ في إبعاد الإنسان عن الله سبحانه وتعالى، فسوف تكون هذه النقطة بلا قيمة؛ بمعنى أنّ قيمتها سوف تكون صفرًا، وتكون قيمتها من الناحية الأخلاقية عقيمةً وخُلّبية. وتوجد هناك العديد من المراتب بين هذين القطبين، وهي تبدأ من الصفر إلى الأعلى في جهة الإيجاب، ومن الصفر إلى الأدنى في جهة السلب.
5. إنّ القيَم الأخلاقية تابعةٌ في الأصل إلى النيّة، ولكن حيث تكون للنية في أغلب الموارد سنخيةٌ مع نوع أو عدّة أنواع من الأفعال، فإنّ شكل ذلك الفعل وحجمه وكميّته وكيفيته سوف يتناسب مع تلك النيّة. وعليه سوف تكون للنيّة ـ بطبيعة الحال ـ تناسب معها. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العمل الأخلاقي يجب أنْ يكون
عملًا صالحًا في حدّ ذاته؛ بمعنى أنْ ينطوي على شأنية واستحقاق إيصال الإنسان إلى الكمال، كما يجب أنْ ينطوي على نيّةٍ صحيحةٍ ليعود كماله إلى النفس. وعليه فإنّ تعيين القيَم الأخلاقية يجب أنْ يستند إلى أمرين، وهما: صلاحية الفعل بما هو فعل، وصلاحية الفعل بما هو صادر عن الفاعل. بمعنى أنْ ينطوي على حُسنٍ فعليّ وعلى حُسنٍ فاعليّ أيضًا. فإنْ كان الفعل يشتمل على حُسنٍ فعليّ ولم ينطوِ على حُسنٍ فاعليّ، لن يكون في القيام به كمالٌ للنفس. وبالحسن الفاعلي الصفري لا يمكن العمل على تحقيق كلّ فعل؛ لأنّ النيّة إنّما تكون صحيحة إذا كانت تقتضي شيئًا مسانخًا لها، وقد سبق أنْ ذكرنا أنّ الفعل الذي لا ينطوي على حُسنٍ فعلي، لن تكون له سنخيةٌ مع النيّة الحسنة. إلا في الموارد الاستثنائية جدًا والتي قد تقع بفعل الخطأ، من قبيل الموارد التي ورد الكلام عنها في علم الأصول تحت عنوان الحُسن الانقيادي. بمعنى الشخص الذي يروم القيام بعملٍ حسن، ولكنه يخطئ على مستوى التطبيق والعمل، ولهذه الأمور حسابات استثنائية. بيد أنّ الذي يجب أنْ يقع محورًا للبحث هو العمل الذي يتمّ القيام به عن وعي وطبقًا للإرادة. وعليه فإنّ الملاك والمعيار هو المجموع من الحُسن الفعلي والحُسن الفاعلي. وأمّا الحُسن الفعلي فهو يقع في طول الحُسن الفاعلي. ولكن يجب على كلّ حالٍ أخذ الحُسن الفعلي بنظر الاعتبار أيضًا.
6. لقد تمّ في الإسلام تحديد نصاب للقيَم. وبطبيعة الحال فإّننا إنّما نستطيع تعيين معادلة دقيقة للقيَم إذا كانت لدينا إحاطةٌ بتأثيرات جميع الأفعال في الشؤون الفرديّة والاجتماعية للإنسان، وكنّا على علمٍ بالتأثيرات التي يتركها هذا العمل الخاصّ في جميع شؤون حياة الإنسان. وهذا الأمر ليس ميسورًا بالنسبة لنا. ولهذا السبب يجب أنْ نتعرّف في كثيرٍ من الموارد ـ وربما أغلب الموارد ـ على حُسن الأفعال وقبحها من طريق الوحي. وهذا الأمر يرتبط بمقام الإثبات دون مقام الثبوت بطبيعة الحال. هناك فرقٌ بين كلام الأشعري الذي كان يقول: ما لم يكن هناك أمرٌ ونهيٌ لن يكون
هناك حُسنٌ وقبح، وبين النظرية التي نقول فيها: في كثيرٍ من الموارد يجب أنْ نتعرّف على الحُسن والقبح من طريق بيان الشارع. حيث يكون دور الوحي هنا في مقام الإثبات وليس في مقام الثبوت. نحن إذا أردنا أنْ نتعرّف على حُسن الأفعال وقبحها، سوف نحتاج في كثيرٍ من الموارد إلى بيان الشارع، بيد أنّ الحُسن والقبح عبارةٌ عن علقةٍ ذاتية. وهي عبارةٌ عن علقةٍ سببيةٍ ومسبّبية بين الفعل ونتيجته. إنّ هذه العلاقة ليست قابلةً للجعل والوضع، إلّا أنّ معرفتنا لهذه العلاقة تحتاج إلى الوحي.
وإنّ الذي نحصل عليه من بيانات الشارع بنحوٍ عام، هو أنّ للقيَم الأخلاقية نصابًا لا يكون ما هو أقلّ منه مقبولًا من وجهة نظر الإسلام. بمعنى أنّ الأفعال التي لها التأثير التام في كمال الإنسان هي الأفعال التي تشتمل على الشرائط الآتية: يجب أنْ تنبثق عن الإيمان بالله ويوم القيامة، وأنْ يتمّ امتثالها في إطار التكاليف الشرعية. فلو أنّ عملًا لم ينبثق عن الإيمان بالله، أو لم يكن للإيمان بالله أيّ تأثيرٍ في امتثاله، فإنّه لن يستوجب كمالًا بالنسبة إلى النفس أبدًا. ولو لم ينشأ عن الإيمان بيوم القيامة، فهو بطبيعة الحال لن ينشأ عن الإيمان بالله أيضًا، إلّا في موارد الخطأ والاشتباه، وهذا بدوره لن يكون بمقدوره أنْ يكون له تأثيرٌ في كمال الإنسان، وإذا كان ناشئًا من الإيمان بيد أنّ إطار العمل لا يتمّ انتخابه بشكل صحيح، ولم يتم القيام بإطار العمل على الطريقة التي أمر بها الشارع، فإنّه سوف يشتمل على حُسنٍ فاعلي، ولكنه لن يحتوي على حُسنٍ فعلي. وهذا بدوره لن ينطوي على تأثيره الحقيقي لا سيّما إذا كان عن تقصير.
وهناك أمور لا تحتوي على هذه الخصائص، وهي تخالف القوالب التي حدّدها الشارع، ولا تنطوي على دوافع سلبية أيضًا، بمعنى أنّها لا تنطلق من عداوة للدين والحقّ وأولياء الحقّ أيضًا. ودوافعها تفوق حدّ الحيوانية، ولا تقتصر على توفير الشؤون الجسدية والمادية والشهوانية، وتنطوي أحيانًا على دوافع عاطفية، من قبيل
(95)التضحيات وأنواع الإيثار التي يقوم بها بعض الأشخاص من غير المسلمين من منطلق الدوافع العاطفية والإنسانية. والسخاء الذي يتّصفون به وما إلى ذلك. إنّ هذه الأمور لا ترتبط بالبطن والشهوة. إنّها تنطوي على دافعٍ يفوق الحيوانية، ولكنها ليست من أجل الله؛ لأنّها لا تنطلق من الإيمان بالله. كما أنّ السخاء ليس مخالفًا لتعاليم الشرع، وفي ظلّ هذه الشرائط يمكن أنْ يشتمل على قيمةٍ قريبةٍ من حدّ النصاب؛ من حيث إنّه يُعدّ النفس من أجل الاقتراب من ذلك الكمال والاستفادة منه. صحيح أنّه لا يُوجِد كمالًا ثابتًا للنفس، إلا أنّه يجعل النفس مستعدةً وقريبةً منه جدًا، وتكون لها قيمةٌ قريبةٌ من حدّ النصاب. وعلى هذا الأساس ورد الثناء على عدالة أو شجاعة بعض الأشخاص، بل وهناك روايات تقول إنّ الله سبحانه وتعالى سوف يُرفع العذاب عنهم يوم القيامة، من أمثال حاتم الطائي. ولكن لأنّهم لم يبلغوا حد النصاب فإنّ ذلك لا يستوجب دخولهم إلى الجنة. وإنّ علامة حدّ النصاب هو أنّه يضمن السعادة الأبدية، وإنّ علامة القرب من حدّ النصاب أنّه يرفع العذاب. وهذا يؤدّي إلى خفض أو رفع العذاب، ولكنّه لا يوجب الدخول في دار السعادة. فهو يوصل إلى الحدود، ولا يضمن اجتيازها.
لو عملنا تمامًا على تطبيق النقاط الإيجابية التي كانت موجودةً في كلّ واحدةٍ من المدارس المذكورة آنفًا على هذه النظرية، فسوف نجد أنّ نقاطها الإيجابية موجودةٌ هنا، بالإضافة إلى النقاط الأخرى التي كان ينبغي مراعاتها ولم يقوموا بذلك. ومن ناحية أخرى تلاحظون أنّ هذه النظرية تقوم على أصول الرؤية الكونية للإسلام. فلو حذفنا أصول الرؤية الكونية للإسلام، لن يبقَ أيّ موضعٍ لهذه النظرية. إنّ جميع الأصول الإسلامية تؤثّر في بلورة هذه النظرية.
(96)
على الرغم من التعرّف في الأبحاث السابقة على مصداق ومعنى الكمال النهائي من وجهة نظر الإسلام على نحو الإجمال، ولكن يبدو أنّه يحتاج إلى المزيد من التوضيح في هذا الشأن. إنّ القرآن الكريم يرى أنّ الكمال النهائي للإنسان يكمن في القرب من الله. وعندما نحلل القرب نجد أنّ المراد منه ليس هو القرب المكاني أو الزماني؛ إذ لن يكون هناك ارتباطٌ زمانيّ أو مكانيّ للإنسان مع الله سبحانه وتعالى أبدًا. فإنّ هذا الارتباط إنّما يقوم بين الموجودين الجسمانيين فقط، وهما الموجودان اللذان يتحققان في ظرف الزمان والمكان. وأمّا إذا كان أحد الطرفين خارجًا عن ظرف الزمان والمكان، فلن يحصل الارتباط الزماني والمكاني بينه وبين الأمر الآخر.
كما أنّ هذا القرب ليس أمرًا اعتباريًا وشكليًا محضًا، بل له منشأ تكويني. بمعنى أنّه لا يمكن اعتبار أنّ الشخص الفلاني مقرّب من الله إلا إذا كان لهذا القرب منشأ تكويني. وإلّا كان لازم ذلك أنْ تكون الأخلاق تابعةً للاعتبارات والعقود البحتة. لا شكّ في أنّ هذا القرب إنّما هو قرب وجودي، وهي العلاقة والارتباط الذي يحصل بين الله وبين الإنسان تكوينًا، ولكن ما هي كيفية هذا الارتباط؟ فهل هو من نوع علاقة العلية أم هو من نوع آخر؟ إنّ علاقة العليّة تستوجب القرب التكويني بين الله وجميع الكائنات. إنّ لله سبحانه وتعالى إحاطةً وجوديةً على جميع مخلوقاته، ولا يمكن لأي شيءٍ أنْ يبتعد عنه، قال تعالى: (وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ وَنَعْلَمُ مَا تُوَسْوِسُ بِهِ نَفْسُهُ وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). بيد أنّ هذا لا يمكن أنْ يكون هو الملاك في التقييم؛ لأنّه ليس بالشيء المكتسب. إذًا ما هو المراد من هذا القرب؟ هل هو ارتباطٌ علميّ ذهنيّ بمعنى أنّ كلّ شخصٍ تكون معرفته بالله سبحانه وتعالى أكبر، ويعلم بقضايا أكثر وأصدق بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى سوف يكون هو الأقرب
من الله؟ وقد يبدو هذا الأمر من خلال نظرية المشائين. إلا أنّ هذه النظرية لا تتفق مع التعاليم الإسلامية. كما يمكن مناقشتها من الناحية العقلية أيضًا، فإنّ مجرّد أنْ يكتسب الإنسان المفاهيم الذهنية لا ينهض ذلك دليلًا على كماله. وبطبيعة الحال قد تنطوي على كمالٍ نسبيّ بالنسبة إلى أولئك الأشخاص الذين يفتقرون إلى هذه المفاهيم، ولكن لا يمكن عدّ ذلك كمالًا نهائيًا للإنسان.
ونحصل ممّا ورد في الكتاب والسُّنّة ــ ويمكن تحليله فلسفيًا وعقليًا أيضًا ــ أنّ روح الإنسان تكتسب بفعل الأعمال الخاصّة علاقةً وجوديةً أقوى مع الله سبحانه وتعالى، وهذا أمرٌ حقيقيّ وتكوينيّ ولكنه اكتسابي. بفعل هذه العلاقة يصبح ذات جوهر نفس الإنسان أكمل، وكلّما زاد كمال النفس، سوف تصبح لذّاتها أكبر. وهذا هو المعنى الذي سبق لنا أنْ أشرنا إليه وهو أنّ هناك تلازمًا بين الكمال والسعادة؛ فحيث هو كمال النفس، والنفس كائن مجرّد، فإنّها تعثر على كمالها، وحيث إنّ الكمال بالنسبة إلى النفس من أنسب الأشياء وأكثرها ملاءمة، فإنّها تحصل على اللذة الأكبر من كمالها. فإذا تحقق كمالٌ ثابتٌ للنفس، فسوف تحصل لذةٌ ثابتةٌ للنفس أيضًا وهي التي تسمّى بالسعادة. وعلى كلّ حال لو أردنا تحديد هذا النوع من العلاقة الوجودية بلغةٍ فنيّةٍ، وجب علينا القول إنّها من قبيل: العلم الحضوري.
وأمّا كيف وبأيّ وسيلةٍ يمكن العمل على تقوية هذه العلاقة؟ فهو أمرٌ بالغ التعقيد. والجواب الكلي عن هذا السؤال هو أنّ تقوية هذه العلاقة إنّما يتم فقط وفقط بوساطة العمل بتعاليم الشرع، فإنّ جميع الأوامر الشرعية قد نزلت من أجل هذه الغاية النهائية، وتم إبلاغها إلى البشر، وبطبيعة الحال هناك أهداف متوسطةٌ ونازلةٌ أيضًا، بيد أنّ الغاية النهائية لجميع هذه الأمور هو هذا الشيء.
وعليه يمكن لنا في حقل تشخيص الكمال النهائي أنْ نظهر هذا الأمر وهو أنّ الكمال النهائي للإنسان يكمن في تقوية ارتباطه الوجودي مع الله سبحانه وتعالى،
(98)بمعنى أنْ يصبح العلم الحضوري للنفس بالله تعالى أقوى وأشد. وكلما كان يتمتع بشدة وقوّة وظهور وجودي أكبر، فإنّ الإنسان سوف يكون أقرب إلى الله.
لكي نحصل على المزيد من الاطلاع على هذه النظرية، من المناسب أنْ نقدّم المزيد من الشرح والتوضيح حول القرب ومعانيه واستعمالاته المختلفة. إنّ مفردة القرب تستعمل في اللغة بمعنى الدنوّ والاقتراب من الشيء. ويرد استعماله الابتدائي في مورد المحسوسات، ولكن بعد تجريد المعنى المادي يمكن استعماله في المعنويات والمجرّدات أيضًا. بيد أنّه عندما يرد استعمال هذه المفردة في مورد نوع الارتباط بين الإنسان وبين الله، ويتمّ الحديث عن القرب الإلهي في هذه العلاقة، لا يكون المراد هو المعنى الجسماني والمادي لها قطعًا، بمعنى أنّه لا يمكن أنْ نفترض وجود مكان في العالم بوصفه مكانًا لوجود الله سبحانه وتعالى؛ فلا يمكن القول ـ مثلًا ـ إنّ الذين يذهبون إلى مكّة المكرّمة هم الأقرب إلى الله؛ إذ من الممكن لشخص أنْ يلتصق بجدار الكعبة ويكون هو الأقرب من غيره إلى بيت الله، ولكنه في الوقت نفسه يكون أبعد ما يكون عن الله سبحانه وتعالى. كما أنّ المعنى الاعتباري والتعاقدي للقرب غير مراد هنا أيضًا؛ بمعنى أنّه لا يمكن أنْ يكون المراد من القرب الإلهي هو القرب الزماني أو القرابة الأسرية؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى منزّهٌ عن جميع هذه النِسب.
وبنحوٍ عام يمكن بيان مفهوم (القرب) من خلال التفكيك والفصل بين معانيه الثلاثة المختلفة، وتحديد المعنى المراد في هذا الشأن. ويبدو أنّ للقرب ثلاثة معانٍ: اعتبارية، وفلسفية، وأخلاقية.
من الشائع في عرفنا أنْ نقول أحيانًا: إنّ الشخص الفلاني له صلةٌ قريبةٌ من الرئيس الفلاني، أو إنّ فلانًا من أقارب فلان المسؤول، فما هو المقصود من هذا القرب؟ فهل المراد هو أنّه يجلس إلى جواره، أو أنّ مكان سكناه وعيشه قريب من مكان سكنى الرئيس وعيشه، أم المقصود هو شيء آخر؟ إنّ المراد من القرب هنا هو أنّ الارتباط بينهما من القرب، بنحوٍ إنّه لو طلب من الرئيس شيئًا، فإنّه لا يرفضه ويُلبي طلبه. إنّ القرب بهذا المعنى يمكن تصوّره في مورد الله تعالى أيضًا، ويبدو كافيًا للذين يمتلكون مستوى متوسّطًا من المعرفة. إنّ تصوير القرب في ضوء هذا المعنى عبارة عن: أنّه لو تمكّن شخصٌ من الوصول إلى مرحلة القرب الإلهي بوساطة سلوكه الاختياري، فسوف يُصبح من المقرّبين من الله سبحانه وتعالى. وإنّ كلّ طلبٍ يتقدّم به إلى الله فإنّ الله يستجيب له، ويكون بحسب المصلح المعروف: (مُستجاب الدعوة). بيد أنّ المعنى العميق والدقيق للقرب أبعد من ذلك بكثير، وإنّ استجابة الدعاء إنّما هي مجرّد شعاع من القرب الحقيقي، يُضاف إلى ذلك أنّ القرب بهذا المعنى لا يشتمل من تلقائه على دلالة على التكامل الروحي.
وفي العرف العام يتمّ تصوّر الاقتراب من الله بوساطة الطاعة مثل اقتراب العبد من سيّده في الأمور المادية. فلو استمع عبدٌ إلى أوامر سيّده ومولاه وأطاعه بشكل كامل، وأثار إعجاب رئيسه أو مولاه وأحبّه ورضي عنه، عندها يُقال: إنّ الموظف قد اقترب من الرئيس؛ بمعنى أنّ الرضا الذي لم يكن موجودًا لدى الرئيس في السابق، يكون الموظف قد حصل عليه من خلال الطاعة؛ ولذلك فإنّهم يتصوّرون أنّهم من خلال إطاعة الأوامر الإلهية يكونون قد أوجدوا حالة الرضا عند الله سبحانه وتعالى. إنّ هذا التصوّر السطحي في مورد الله سبحانه وتعالى خاطئ تمامًا.
وما أروع بيان هذه الحقيقة في دعاء الإمام الحسين عليهالسلام في يوم عرفة؛ إذ يقول:
«إلهي تقدّس رضاك أنْ يكون له علّة منك فكيف يكون له علّة منّي». إنّ الاعتقاد بأن العبد يُرضي الله بعمله يعني أنّ العبد يترك أثرًا في الله، وبذلك يكون لدى العبد علة بالنسبة إلى الله، وأنّه يستقل في هذه العلية، وإنّ ما يقوم به يؤدّي إلى رضا الله، ولولا ما قام به العبد، لما حصل الرضا لله سبحانه وتعالى. إنّ هذا التصوّر ينشأ من أنّهم يظنون أنّ رضا الله حالةٌ نفسيةٌ عارضةٌ كتلك التي تحدث لدى الإنسان، في حين أنّ مرضاة الله ومحبّته حالةٌ ذاتيةٌ له. فليس الأمر بنحو إنّ الله يحبّ شيئًا في يومٍ ما، ثم يتغيّر رأيه في يومٍ آخر ولا يعود يحبّ ذلك الشيء بل يبغضه ويمقته. فليس الأمر كما لو أنّ أفعال العباد تؤثّر في الله وتدفعه إلى السرور أو الغضب وما إلى ذلك؛ فلا ينبغي قياس الله على الإنسان. وعلى كلّ حال لا يمكن للإنسان أنْ يكون هو العلة في إيجاد تغيير في الله وحمله على الرضا. إنّ جميع هذه التغييرات إنّما تكون في متعلّق رضاه، وليس في أصل الرضا، بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى منذ الأزل وإلى الأبد يحبّ الصفة والعمل والسلوك الحسن في ذات شرائطه. إنّ الموجود الذي يكون تارةً صالحًا ويكون طالحًا تارةً أخرى، يحب الله صلاحه أبدًا ولا يرضى عن سوئه وطلاحه أزلًا وأبدًا. إنّ هذه الصفة ثابتةٌ ولا تتغيّر، وإنّ الذي يتغيّر إنّما هو متعلّق الحبّ والبغض والرضا والغضب، وإنّ القبح والذنب والجرم والخيانة إنّما تتحقق في ظرف محدود، وأمّا بغض الله له فهو أزليٌّ وأبديّ».
جاء في القرآن الكريم في بيان قرب الله سبحانه وتعالى من الإنسان، قوله: (وَنَحْنُ أَقْرَبُ إِلَيْهِ مِنْ حَبْلِ الْوَرِيدِ). ليس هناك من شيءٍ لحياة الإنسان أقرب إليه من
وريده، فلو قام شخص بفصل حبل الوريد عن الإنسان، سوف يعمل في الحقيقة على وضع حدٍّ لحياة الإنسان الدنيوية، ولن يعود بمقدوره مواصلة الحياة. ومع ذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى يقول: «نحن أقرب إلى الإنسان من هذا الوريد». إنّ هذه الآية الكريمة تتحدّث عن العلاقة والصلة الوثيقة بين الخالق والمخلوق أو العلة والمعلول، وتعمل على بيان الارتباط الوجودي لكلّ مخلوق بخالقه وبارئه. إنّ أقرب علاقةٍ يمكن تصورها بين الأشياء والأفراد هي العلاقة التي تقوم بين الخالق والمخلوق. إنّ انفصال المعلول عن العلة يساوي انعدام المعلول. ومن هنا قال الفلاسفة: إنّ المعلول بالنسبة إلى علته المفيضة أو فاعله المفيد أو علّته الإيجادية، هو عين الربط. بل إنّ وجوده هو عين التبعية والارتباط. لا أنْ يكون للمعلول وجودٌ مستقل، وأنّ ذلك الوجود هو التابع للعلّة.
وعليه فإنّ هذا المفهوم بدوره يُعدّ واحدًا من معاني القرب، ولكن لو سأل شخصٌ وقال: هل المراد من وصول الإنسان إلى الكمال ومقام القرب هو هذا المعنى الفلسفي؟ سوف يكون الجواب هو النفي أيضًا؛ وذلك لأنّ هذا النوع من القرب دائمٌ وثابتٌ لجميع الناس، وأنّ جميع المخلوقات الإلهية قائمةٌ بإرادة الله ولا يمكنها أنْ تنفصل عنه.
لو دققنا النظر فسوف نجد أنّ القرب بالمعنيين الآنفين ـ وهما: القرب الاعتباري، والقرب الفلسفي ـ لا ربط له بعمل الأشخاص وإدراكهم ومعرفتهم؛ فإنّ لله سبحانه وتعالى هذا الارتباط القريب ذاته حتى مع الجمادات أيضًا. إنّ وجود جميع الممكنات ـ شاءت أم أبت، وعلمت أم جهلت ـ تابعٌ لإرادة الله. وأمّا المراد من
القرب مورد البحث، فهو القرب الذي يكون لعلم الإنسان وإرادته دور أساسي في تحقيقه. بمعنى أنّه القرب الذي يكون نتيجةً ومعلولًا لعلم الإنسان ومعرفته وإرادته. وعلى هذا الأساس فإنّ الناس بحكم ما يتمتعون به من الاختيار والإرادة الحرّة لا يصلون بأجمعهم إلى تلك المرحلة، ولا يختارون سلوك طريق الوصول إلى الله والقرب منه.
كما سبق أنْ أشرنا فإنّ المراد من قرب الإنسان من الله ليس هو القرب الجسدي والمادي، بل هو القرب الروحي والمعنوي. بمعنى أنّ روح الإنسان هي التي تقترب من الله. ولا بدّ من العلم ـ بطبيعة الحال ـ بأنّ الروح على الرغم من جميع مظاهرها وما تنطوي عليه من الآثار، وعلى الرغم من إدراكها لوجودها بالعلم الحضوري، ما تزال تُعدّ واحدةً من أكثر الأمور المجهولة بين موجودات العالم. وفي الوقت نفسه فإنّ ما هو الثابت والمسلّم هو أنّ العلم والإدراك يُعدّ واحدًا من خصائص الروح. إنّ الروح موجودٌ يُعدّ وجوده عين العلم والإدراك، ومن هنا فإنّ الروح (عالمة بذاتها). وعلى هذا الأساس فإنّ معنى تكامل الروح، هو تكامل علم الإنسان وإدراكه، وإنّ تكامل الروح يعني تقوية علم الإنسان بذاته. ومن ناحية أخرى فإنّ الضعف الروحي يعني ضعف العلم الذاتي. فحيث تكون الروح من سنخ العلم، فإنّ كمالها وضعفها يعني كمال وضعف العلم والمعرفة الذاتية. ومن ناحية أخرى عندما ندرك أنّ وجود كلّ مخلوق قائمٌ وتابعٌ لخالقه ولا ينفكّ عنه، وفي هذه الحالة لو عثر المخلوق على ذاته بشكل صحيح، فسوف يدرك هذه الحقيقة بالعلم الحضوري، وهذا الأمر هو التبعيّة لله سبحانه وتعالى.
وعلى هذا الأساس فإنّ لعلم الإنسان وإدراكه لذاته من المراحل والمراتب، بحيث يستحيل عليه تصوّرها. وعليه فإنّ القرب الذي يصل إليه الإنسان المتكامل إنّما هو عبارةٌ عن الإدراك العميق لارتباطه مع الله سبحانه وتعالى. إنّ تكامل الروح
(103)هو الخلاص من الشوائب واكتساب الصفاء والشفافية. لو نظرتم إلى جسمٍ شفّافٍ جدًا، فإنّكم تشكّون أحيانًا في وجوده؛ بمعنى أنّ هذا الجسم قد بلغ حدًّا من الشفافية بحيث أنّه لا يُجسّد سوى الشيء الذي يقع وراءه، وأما هو في حدّ ذاته فلا يُعدّ شيئًا، ولا يكون له من دور سوى الإظهار والحكاية. إنّ إدراك الإنسان لذاته يبلغ في بعض الأحيان حدًّا بحيث يرى نفسه عين الربط، وأنّه ليس له وجود من نفسه، ولا يقول لنفسه بوجود منفصل عن ذلك المصدر، وإنّ كلّ ما لديه إنّما هو منه وبإرادته، وأنّه إنّما يتحرّك ويدرك ويعيش بحوله وقوّته. إنّ التكامل الروحي هو الوصول إلى مرحلة العثور والوجود، وليس مجرّد العلم فقط، بل يدرك تبعيته وارتباطه حضورًا وشهودًا. وعلى كلّ حالٍ ما هي التسمية التي يمكن وضعها لمثل هذه المرتبة؟ ربما لا يمكن العثور على تمسية لهذا المقام أفضل من عنوان (القرب إلى الله)، أو (القرب عند الله). والنتيجة هي أنّ الإنسان يصل إلى مرحلةٍ من الإدراك الذاتي لنفسه بنحوٍ لا يعود يرى وساطةً وحجابًا بينه وبين الله سبحانه وتعالى. وبعبارةٍ أخرى: يحصل على قربٍ من الله. وفي هذه الحالة تكون أداة النظر وكلّ ما يراه من الله سبحانه وتعالى، ولا يجد أيّ استقلالٍ لنفسه، وهذا هو معنى القرب الحقيقي.
إنّ الإنسان الذي يصل إلى هذا المقام، تصبح عينه عين الله، وسمعه سمع الله، وتصبح إرادته إرادة إلهية أيضًا. وإنّ كلّ علمٍ ولذّةٍ وكمالٍ وبهجةٍ وسرورٍ إنّما يكون هناك. فإنْ يبحث الإنسان عن اللذة والسرور والسعادة، فإنّما هو يبحث عن ذلك المقام؛ غاية ما هنالك أنّه يخطئ الطريق؛ ولذلك تراه لا يقنع مهما أصاب من اللذات والقوى والجمال؛ وإنّما يسعى إلى طلب المزيد، وكلّما صعد إلى الأعلى رام درجةً أعلى وأعلى، وكلّما ارتفع يجد نفسه دون المستوى المطلوب، وهكذا يُدرك في نهاية المطاف أنّ جميع المراتب التي بلغها محدودةٌ وفانية، وأنّها ليست سوى أفخاخٍ تحول دون وصوله إلى السعادة، وكان عليه في الأساس أنْ يبحث عن السعادة في مكانٍ
(104)آخر. إنّ الإنسان طالبٌ للمطلق، وباحثٌ عن المطلق، وإنّ الجمال والمال والسلطة والرئاسة الدنيوية لن تقنعه أبدًا.
لماذا تعمل طاعة الله سبحانه وتعالى في الأمور الدينية وفي الحياة على إيجاد القيَم الأخلاقية. وبعبارةٍ أخرى: تستوجب القرب من الله عزّ وجل؟
«كم هي نسبة المسلمين الذين يعبدون الله سبحانه وتعالى من أجل الوصول إلى القرب منه؟ الحقيقة هي أنّ الذين يعبدون الله من أجل (القرب) قليلون جدًا. وفي الأساس فإنّ من بين السنن الإلهية الحاكمة على الوجود هي أنّ عدد الوجودات الكاملة بالقياس إلى الوجودات الناقصة قليل جدًا. فمن بين ملايين البشر قد لا نحصل إلّا على عبقري واحد. إنّ الذين يتمتّعون بمثل هذه المعرفة والكمال والهمّة، ويأخذون مرضاة الله بنظر الاعتبار فقط، عددهم قليل جدًا، ولكن كما سبق أنْ ذكرنا فإنّ القيَم في الإسلام لها مراتب ومراحل متعددة، وإنّ الذي يعبد الله من أجل الحصول على الجنة وما فيها من الثمار والأنهار وما إلى ذلك، سوف يكون له من القيمة بهذا المقدار؛ وذلك لأنّه سوف يغضّ الطرف عن الكثير من ملذات الدنيا، من أجل الحصول على اللذات في الآخرة».
وأمّا بالنسبة إلى معرفة الطريق الذي يوصل الإنسان إلى هذا الكمال، فإنّ تفصيل هذا الطريق يجب الحصول عليه من طريق الوحي، بيد أنّ الذي يمكن بيانه بوصفه تحليلًا عقليًا وبشكل عام هو أنّ كلّ ما من شأنه أنْ يُبعد الإنسان عن الاستقلال
وعبادة الذات وعن الشرك بالله، يقع في طريق الحصول على هذا الكمال. إنّ الذي يستوجب عدم حصول الإنسان على علاقته الوجودية بالله سبحانه وتعالى بشكل صحيح، ويجعل علمه الحضوري بالله سبحانه ضعيفًا، هو منحه الاستقلال لغير الله والاهتمام بغير الله ومنحه وجودًا مؤثرًا على نحو الاستقلال، وأول هذه الأمور هو الإنسان نفسه.
ما دمنا نرى استقلالًا لكلّ موجودٍ غير الله، فإنّ ذلك الوجود الذي نراه مستقلًّا سوف يشكل حجابًا بيننا وبين الله سبحانه وتعالى. ولا فرق في ذلك بين ما إذا رأينا هذا الاستقلال للملائكة أو للأنبياء. وعليه فإنّ الكمال الحقيقي هو القرب إلى الله. والطريق الكلي إلى ذلك هو العبادة، وإنّما خلقنا الله سبحانه لكي نسلك هذا الطريق حتى نصل إلى تلك الغاية.
ومن الواضح ـ بطبيعة الحال ـ أنّه لو أراد شخص أنْ يقترب من الله ويقوم بواجب العبودية له، فعليه من دون شك أنْ يتعرّف على الله أولًا؛ وعليه فإنّ القيمة الحقيقية للإنسان لا تحصل من دون معرفة الله، وإنّ العلم والمعرفة بالله سبحانه وتعالى شرطٌ لازمٌ لتحقق الكمال الأخلاقي، بيد أنّه ليس شرطًا كافيًا، وإنّما يجب أنْ يتحلّى المرء بالإيمان القلبي أيضًا، وفي الإيمان يتمّ لحاظ نوعٍ من الاختيار والإرادة. إنّ على الإنسان أنْ يُسلم قلبه إلى الله طوعًا. إنّ هذه حالةٌ قلبيةٌ تظهر على القلب وليست جبريةً واضطراريةً مئة بالمئة. يمكن أنْ نفترض إنسانًا له علم بالله، وليس لديه إيمان في الوقت نفسه، بمعنى أنّه لم يتخذ قراره بتسليم أمره إلى الله، ويذعن بإلوهية الله (عزّ وجل).
سؤال: في ضوء هذه النظرية ألا يمكن تصوّر أيّ قيمةٍ أخلاقيةٍ للأعمال التي يقوم بها الأشخاص الذين لا يؤمنون بالله والقيامة؟
يمكن للأفعال الاختيارية للإنسان أنْ تساعد على تحصيل الكمال الحقيقي
(106)للإنسان. بمعنى أنّه قد لا يكون لدى الإنسان اعتقادٌ بالله ويوم القيامة، ولكن لديه عقائد وتوجهات تقرّبه من الاعتقاد بالله، أو تعمل في الحدّ الأدنى على إزالة الموانع وتقلل من القيَم السلبية.
إنّ النظام القيَمي والأخلاقي في الإسلام هو نظامٌ عامٌ وكليٌّ وشامل. لو أنّ كلّ محقّقٍ أجرى دراسةً بسيطةً بين الكتب الأخلاقية، سوف يُدرك جيدًا أنّ دائرة القيَم في كثيرٍ من المدارس ضيقةٌ ومحدودةٌ للغاية، وأنّها تنحصر بنحوٍ رئيسٍ بالقيَم الأخلاقية التي يتمّ بيانها في البيئة الاجتماعية. ففي كثيرٍ من المدارس إمّا لا يتمّ بحث ارتباط الإنسان بالله، وإمّا تذكر جميع القيَم في ارتباط الإنسان بالله حصرًا، وتعدّ الارتباط بالآخرين مخالفًا للقيَم. وأمّا في الإسلام فيتمّ أخذ جميع العلاقات والروابط المناسبة والمفيدة بنظر الاعتبار، فإنّ ارتباط الإنسان بالله، وبالخلق، وبالأسرة، والمجتمع، وحتى العلاقات الدولية تحظى بقيَمٍ ثابتةٍ ومحدّدة، بمعنى أنّه ليست هناك أيّ مسألةٍ من مسائل حياة الإنسان إلّا وهي تقع تحت تغطية القيَم الأخلاقية في الإسلام. فعندما يخوض الإنسان حربًا ضدّ عدوّه اللدود، أي حيث لا يوجد أيّ موضعٍ للقيَم الأخلاقية من قبل جميع الأعراف الدولية، نجد الإسلام مشتملًا على أحكامٍ وقوانين وقيَمٍ أخلاقيةٍ في هذا الشأن. فلو قاتلتم حتى النفس الأخير، وفي اللحظة الأخيرة حيث يصل العدو إلى نهايته المحتومة، لو أنّ شخصًا من الأعداء قد أودعك في حالة احتضاره أمانةً لكي توصلها إلى أحد وقبلت أمانته، لن يحقّ لك أنْ تخون الأمانة تحت أيّ ذريعةٍ من الذرائع.
إنّما يُطلق مصطلح (النظام) على مجموعةٍ ما، فيما لو كان هناك ارتباطٌ وانسجامٌ بين جميع أجزائها وعناصرها، ويكون لها بأجمعها هدفًا واحدًا. ونحن لا نرى مثل هذا الانسجام والترابط الداخلي في كثيرٍ من المدارس الأخلاقية؛ ففي كثيرٍ من الأنظمة ـ على سبيل المثال ـ يتمّ عدُّ بعض المتغيّرات من قبيل: الثراء، والعلم، والبطولة وأمثال ذلك بوصفها قيمة، في حين لا نرى بينها ارتباطًا وانسجامًا، وإنّما هي مجرّد مجموعةٍ مختلقة. ومن ناحية أخرى فإنّ بيان القيَم الجديدة ونبذ سائر القيَم بشكل متواصل، والتغيير والتحوّل المستمر والدائم في هذه المدارس، يكشف عن هذه الحقيقة، وهي أنّ مجموعتها القيمية بالإضافة إلى عدم توفّرها على التناغم والانسجام، تعاني من افتقارها إلى الملاك المنطقي والمعقول أيضًا، بل هي تابعةٌ لأهواء ونزوات الناس. وأما بين القيَم الإسلامية فهناك من الارتباط المعقول والمنطقي بحيث يمكن رسم هذه المجموعة على شكل شجرةٍ أصلها ثابتٌ وراسخٌ وجذعها متينٌ وفروعها وارفة، وإنّ لهذه الدوحة أفنانًا أصليةً وفرعية، واتجاه حركتها بأجمعها نحو الأعلى.
إنّ الخصوصية الثالثة من خصائص النظام الأخلاقي في الإسلام، قابليته للبيان والاستدلال. وقد صرّح كثيرٌ من المنظرين في المدارس الأخلاقية الأخرى أنّ مجموعتهم القيَميّة لا تحظى بالدعامة الفلسفية، بل ويذهبون فوق ذلك إلى القول بأنّها لا تفتقر إلى الدعامة الفلسفية فحسب، بل ولا يمكن لها أنْ تكون كذلك أيضًا، وأنّهم في الأساس يضعون القيَم في قبال التعقّل. إنّ حقل القيَم يقوم على أساس العواطف والمشاعر الإنسانية وهي مقولة منفصلة عن الاستدلال والعقل. إنّ القيم تقع في قبال الواقعيات، وليس هناك من صلةٍ بين الحالة القيَميّة والحالة الواقعية.
واليوم تعدّ مسألة ما إذا كانت القيَم مرتبطةً بالواقعيات أم لا؟ مثارَ جدلٍ حيوي
(108)في المحافل العلمية المختصة بعلم الأخلاق. تكمن أهميّة هذا البحث في أنّ التفسير العقلاني للقيَم إنّما يُصبح ممكنًا فيما لو أمكن لنا اكتشاف العلاقة والارتباط بين القيَم والواقعيات؛ وذلك لأنّ العقل إنّما يدرك الواقعيات فقط. وعليه لو كانت القيَم مجرّد تابع للاعتبار والتواضع لن تقوم هناك أيّ علاقةٍ منطقيّةٍ بينها، ولن يمكن لأيّ دليلٍ عقلي أنْ يعمل على إثباتها. إذ لا يمكن تفسير رغبة وميل الفرد أو مجموعة من أفراد المجتمع بالدليل العقلي؛ فلا يمكن على سبيل المثال أنْ نفسّر بالدليل العقلي سبب حبّ الإنسان للأزهار. إنّ الصداقة والرغبة والميل والهيام، من الأمور التي لا يمكن تفسيرها وشرحها بالبيان العقلاني؛ إذ لا يمكن الاستدلال العقلي على أمرٍ ما إلّا إذا كان قائمًا على سلسلة من العلل والمعلولات؛ فإذا لم تكن هناك علاقةٌ عليّةٌ ومعلوليةٌ بين ظاهرتين، لا يمكن لنا أنْ نقيم بينهما علاقةً منطقيةً وعقلية.
علينا أنْ نرى ما هو السلوك الخاص الذي نحتاج إليه من أجل الوصول إلى الهدف. وعلى هذا الأساس فإنّ العلاقة والارتباط بين أفعال الإنسان وغاياته إنّما يمكن بيانها على أساس قانون العلية، بمعنى أنّ العقل يقول: إذا أردت أنْ تصل إلى هذا الهدف يتعيّن عليك القيام بهذا الفعل، فلو لم تكن مثل هذه العلاقة قائمةً بين الأفعال والأهداف، لن يكون بالإمكان بيان الأهداف بوساطة التفسير العقلاني، وإنّما يمكن تعيينها في ضوء الميل والحبّ والرغبة.
وعليه حيث يعترف الإسلام بوجود الاحتياجات الفطرية لدى الإنسان، ويرى من جهة أخرى أنّ الأفعال الأخلاقية تقع وساطةً لوصول الإنسان إلى تلك الأهداف، يمكن لنا أنْ نكتشف الارتباط العقلاني بين الأهداف والأفعال، ومن هذه الناحية يمكن تفسير النظام القيَمي والأخلاقي للإسلام على أساس البيان العقلاني والفلسفي. وعلى الرغم من أنّه لا يمكن حصر هذه الخصوصية بالنظام الأخلاقي في الإسلام فقط، ولكنه يعدّ واحدًا من خصائصه البارزة.
(109)
كما شهدنا في معرض بحث ودراسة المذاهب الأخلاقية، فإنّ من بين الانتقادات التي اعتبرناها واردةً على جميع المدارس الأخلاقية تقريبًا، هي أنّها قد تعرّضت إلى بُعدٍ واحدٍ من الأبعاد الوجودية للإنسان فقط، وتجاهلت سائر الأبعاد الأخرى أو غفلت عنها. من ذلك على سبيل المثال أنّ نظرية اللذّة ـ الأعم من اللذّة التي دعا إليها أريستبوس القورينائي أو تلك التي نادى بها إبيقور ـ قد استندت إلى بُعدٍ واحدٍ من أبعاد الاحتياجات الوجودية للإنسان فقط، وذكرته بوصفه معيارًا للقيَم الأخلاقية. ومن ناحية أخرى هناك نظريات من قبيل: الانفعالية، والنفعية، والوجدانية والسلطوية ونظائرها كانت تؤكد على أبعادٍ أخرى من الأبعاد الوجودية للإنسان بوصفها معيارًا وملاكًا للقيمة. ولكن لو أمعنا النظر فسوف ندرك أنّ النظام الأخلاقي في الإسلام بمحورية الله سبحانه وتعالى قد اشتمل على المحاسن والخصائص الإيجابية لجميع تلك المذاهب في موضعٍ واحد. بمعنى أنّ المدرسة الأخلاقية في الإسلام قد اهتمّت بمبدأ اللذّة وميل الإنسان إلى اللذة، كما اهتمّت في الوقت نفسه بعاطفته تجاه الآخرين، وأخذت بنظر الاعتبار جميع المطالب الإنسانية الأخرى أيضًا. بمعنى لو أنّ شخصًا تمكّن في هذه المدرسة الأخلاقية من الوصول إلى الهدف النهائي والغاية القصوى في الأخلاق الإسلامية، وهي القرب الإلهي، فسوف يكون قد حصل على أسمى أنواع اللذة وأنقاها أيضًا.
إنّ أعلى أنواع اللذة وأشملها هي اللذّة الأخروية التي لا يُكتب لها التحقق إلّا في ظلّ إطاعة الله سبحانه وتعالى وعبادته. وعليه ليس الأمر كما لو أنّ النظام القيَمي والأخلاقي في الإسلام ينكر أصل اللذة بوصفها معيارًا من الأساس. فقد تحدّث القرآن الكريم في كثيرٍ من آياته عن موضوع اللذّة في إطار دعوة الناس إلى القيَم
(110)الإسلامية، كما في قوله تعالى: (وَفِيهَا مَا تَشْتَهِيهِ الْأَنْفُسُ وَتَلَذُّ الْأَعْيُنُ). وبالنسبة إلى الذين يحظون بمقامٍ ومنزلةٍ معنويةٍ أعلى وأسمى، يتم بيان مسألة اللذة ومرضاة الله سبحانه وتعالى بقوله: (وَرِضْوَانٌ مِنَ اللَّهِ أَكْبَرُ). كما تمّ الاهتمام في النظام الأخلاقي للإسلام بأصل المنفعة العامّة، الأعم من المنفعة المادية والمعنوية أيضًا.
إنّ من بين الخصائص الأخرى للنظام الأخلاقي في الإسلام هو الاهتمام بالحُسن الفعلي والحُسن الفاعلي في سلوك الإنسان. غالبًا ما يكون معيار الحكم في المدارس الأخلاقية فيما يتعلّق باشتمال العمل على قيمة أو عدم اشتماله على ذلك، عبارةً عن العمل نفسه وما يترتب عليه من النتائج، دون أنْ يكون هناك أيّ دورٍ لارتباط ذلك الفعل بفاعله أو النيّة التي يضمرها الفاعل عند قيامه بذلك الفعل. وبعبارةٍ أخرى: إنّ معيار الحكم هو الحُسن الفعلي فقط، دون أنْ يكون هناك أيّ دورٍ لقصد ونية الفاعل في هذا المورد. وأمّا من وجهة نظر الإسلام فإنّ معيار القيمة لا ينحصر بالحُسن الفعلي فقط، وإنّما يجب أخذ الحُسن الفاعلي بنظر الاعتبار أيضًا. ولذلك يرد التعبير في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم بلفظ «آمنوا» (الحُسن الفاعلي)، مقرونًا بلفظ «وعملوا الصالحات» (الحُسن الفعلي)، بلحاظ أنّ قيمة العمل والسلوك لا تنشأ إلا من اجتماع هذين الأمرين معًا. ففي البداية يجب أنْ يتحقق الإيمان لكي يتبلور الدافع والحافز إلى العمل الصالح، وأنْ يصدر العمل الصالح عن المؤمن لكي يتمكن من إيصاله إلى السعادة والفلاح. إنّ العمل الصالح الذي يصدر عن الشخص غير المؤمن لن يشتمل على دافعٍ إلهي، وغاية ما يترتب عليه هو الاشتهار والحصول على شعبية بين الناس، وهذا هو سقف الأجر الذي يحصل عليه بإزاء أتعابه.
وبطبيعة الحال فقد تمّ بيان مسألة النيّة والدافع القلبي إلى حدٍّ ما في المدرسة الأخلاقية لإيمانويل كانط أيضًا، إلا أنّه قد عدّ أن الحُسن الفاعلي إنّما يأتي كتلبيةٍ واستجابةٍ لنداء الضمير والوجدان وإطاعة أوامر العقل فقط، في حين أنّ الإسلام يرى أنّ ملاك قيمة الأعمال إنّما يكمن في الارتباط القلبي للفاعل بالذات الإلهية الأزلية.
إنّ من بين الخصائص الأخرى للنظام الأخلاقي في الإسلام، هي أنّ القيَم ذات مراحل ومراتب، في حين أنّ كثيرًا من المدارس الأخلاقية الأخرى إنّما ترى القيمة ذات مرحلةٍ ومرتبةٍ واحدة لا أكثر. بمعنى أنّ الأمر في كل عملٍ أو سلوكٍ دائرٌ على أنّ هذا العمل يشتمل على قيمةٍ أو هو عديم القيمة. ففي مدرسة إيمانويل كانط ـ على سبيل المثال ـ إذا كان العمل منطلقًا من إطاعة حكم العقل ونداء الوجدان والضمير، كان ذلك العمل متصفًا بالقيمة الأخلاقية، وأمّا إذا اقترن حكم العقل بإرضاء العواطف، فلن يعود مشتملًا على قيمة؛ ومن هنا فإنّ تضحية الأم في سبيل إنقاذ ولدها، حيث تنطوي على إشباع لغريزة الأمومة وعواطفه، فلا تكون هذه التضحية عملًا قيّمًا. في حين أنّ كلّ واحدٍ من هذه الأفعال يشتمل في الدين الإسلامي على مرحلةٍ من مراحل القيَم ومراتبها.
وعلى هذا الأساس فإنّ الإسلام يقول بوجود مراحل ومراتب للقيَم. وإنّ الوصول إلى بعض هذه المراحل والمراتب متاحٌ لعامّة الناس، وأمّا بلوغ المراحل والمراتب العليا والأعلى فهي غير متاحةٍ لجميع الناس، وكلّما سار هذا المنحنى نحو الأعلى، فسوف نجد أعداد الواصلين إلى تلك المراتب والمراحل آخذةً بالتراجع والتناقص.
إنّ مراتب القيَم الأخلاقية في مدرسة الإسلام تشتمل على طيفٍ واسعٍ من القيَم، بحيث يمكن أنْ نعدّ لها ما لا نهاية له من المراتب والمراحل، في حين أنّ القيَم في سائر المدارس الأخرى لا تزيد على مجموعتين، فهي إمّا في الحدّ الأعلى جدًا
(112)والمحدود وإمّا في حدٍّ واسعٍ ومتساوٍ بالنسبة إلى الجميع. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ العطف على اليتيم ومساعدة المسكين والتبسّم في وجه الإنسان، يُعدّ مرحلةً من مراحل القيَم يمكن للجميع أنْ يحصل عليها، وضربة الإمام علي عليهالسلام لرأس الكفر عمرو بن عبد وُدّ في غزوة الخندق تمثل مرحلةً ومرتبةً أخرى من مراتب القيم تفوق جميع عبادة الجن والإنس.
(113)
محسن جوادي
إنّ الدين والأخلاق مفهومان وحقيقتان كتب لهما النمو والازدهار في صلب الحياة الإنسانية. فكلتا الحقيقتين محترمةٌ ومقدّسةٌ في عين الإنسان، ولا يمكن له التغاضي عنهما بسهولة. إنّ تجربة القيَم الأخلاقية، بمعنى الإحساس القائل بأنّ بعض أفعال الإنسان جديرةٌ بالمدح والاتباع وبعضها الآخر جديرٌ بالذم والمنع والتحريم، وهي تشكّل على الدوام جزءًا من تجارب الإنسان، وإنّ أيّ نوع ٍمن أنواع الأنثروبولوجيا التي تعمل على تجاهل هذا الشعور وهذه التجربة الأخلاقية، إنّما تدلّ في الواقع على أنّها لم تدرك ماهية الإنسان وحقيقته. وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق التي لا تعدو أنْ تكون جزءًا من التأمّل والتدبّر في هذه الأفعال الحسنة والأفعال القبيحة، جزءٌ لا يتجزأ من حياة الإنسان. ومن هنا فإنّ الدين ـ الذي يتعاطى مع المشاعر الملهبة للقلوب بمهابة حضور الله في جميع نقاط عالم الطبيعة وما وراء الطبيعة ـ يُسجل حضوره في ساحة الأعمال والنشاطات الإنسانية على شكل شريعةٍ وقوانين من وحي السماء.
(115)إن الدين ـ الذي يمتدّ به القدم إلى المرحلة الأولى من خلق الإنسان ـ قد كان وما يزال يُشكّل جزءًا مهمًا من حياة الإنسان، بل وهو يؤثر في جميع مفاصل حياته، ولم يكن شيئًا يستطيع الإنسان أنْ يمرّ به مرور الكرام ويواصل حياته دون أنْ يحمل هواجسه.
إنّ بحث الدين والأخلاق عبارةٌ عن دراسة أنواع الارتباط الذي يمكن أنْ تنطوي عليه هاتان الظاهرتان. والمسألة الأصلية في البين هي: هل الأخلاق ثمرة دوحة الدين؟ أم أنّ الدين شجرةٌ ضاربةٌ بجذورها في عمق الأخلاق وتتغذّى عليها وتشرب من معينها؟ أم أنّ الارتباط بينهما أعقد من أنْ ينتهي إلى تبعية كلّ واحدٍ منهما إلى الآخر، وأنّهما يرفدان حياة الإنسان في ارتباطٍ متبادلٍ ومن خلال التخاطب والتحاور فيما يتعلّق بازدهار الإنسان وتكامله؟ إنّ موضوع هذه المقالة هو شرحٌ وبيانٌ إجماليٌّ لهذا التعاون والتحاور. وبطبيعة الحال فإنّه بالنظر إلى أنّ مسألة العلاقة بين الدين والأخلاق تقع هنا موردًا للبحث من الناحية النظرية للموضوع، فإنّ الخوض في الارتباط التاريخي بينهما وما الذي قدّمه الدين إلى الأخلاق في حقل التاريخ، وكيف تبرعمت الأخلاق وازدهرت في فضاء التعهّد الإيماني حتى اشتدّ جذعها واستقامت أغصانها، وكذلك العكس أيضًا؛ بمعنى: كيف شكّلت الأخلاق أرضيةً مناسبةً للإقبال على الدين والإيمان، وإنّ الإشارة إلى موارد ومصاديق ذلك في التاريخ، وإنْ كانت ممتعةً وجذابة، إلّا أنّها خارجةٌ عن بحثنا الراهن الذي يتعرّض إلى بحث الارتباط بين الدين والأخلاق من خارج التحقق التاريخي لها.
فيما يتعلّق ببحث الارتباط بين مقولتين يتمّ البدء في العادة بتعريف كلّ واحدٍ منهما وتحليله بنحوٍ دقيق. بيد أنّ هذا النوع من البداية فيما يتعلّق بشأن الدين والأخلاق
(116)ينطوي على كثيرٍ من العقبات والتعقيدات؛ وذلك لأنّها تؤدّي بنا إلى البحث عن المسائل الشائكة، من قبيل: ماهية القيَم الأخلاقية، وتعيين وبيان الأجزاء المقوّمة للدين. ومن هنا يمكن لنا أنْ نكتفي بالتعريف الإجمالي لكلّ واحدٍ منهما وهو التعريف المأخوذ من الفهم العام والمتعارف بين الناس، تجنبًا لهذه المشكلة.
إنّ الدين يُعرف عادةً بوصفه عبارةً عن مجموعةٍ ذات قسمين من العناصر المعرفية، من قبيل: الاعتقاد بالله والمعاد وتحليل الصفات الإلهية، والعناصرة التعليمية والهادية لسلوك الإنسان، من قبيل: الأمر بالصلاح والصدق والتراحم وما إلى ذلك.
والأخلاق بدورها مجموعةٌ من المفاهيم والمسائل المرتبطة بكيفية الأعمال والأفعال والحالات الاختيارية للإنسان.
إنّ الدين هنا ـ كما سبق أنْ ذكرنا ـ يشتمل على سلسلة من القواعد والقوانين العملية، وإنّ هذه القواعد السلوكية ـ التي لا تعدو شيئًا غير الأمر والنهي الإلهي ـ موجودةٌ في الكتب المقدّسة. وقد أنزل الله سبحانه وتعالى هذه المجموعة من القوانين على الأنبياء والمرسلين عليهمالسلام وحيًا من أجل هداية الناس إلى السعادة والصلاح.
إنّ الدين في معناه الحقيقي عبارةٌ عن الاعتقاد بالله والمعاد، وكذلك الهداية الإلهية في حياة الإنسان التي تتجلّى على شكل إرسال الأنبياءعليهمالسلام وإنزال الشريعة. إنّ هذا الفهم للدين يُعرف باسم الدين الوحياني.
وفي مقابل هذا الفهم، يذهب الذين عاشوا في الغالب في عصر التنوير، إلى الاعتقاد بأنّ الشواهد والأدلة العقلانية ترشدنا إلى وجود الله واليوم الآخر (المعاد)، ولكنّها لا تثبت دورًا لله في مورد كيفية سلوك ونشاط الإنسان في هذا العالم، وكانوا
(117)يقولون إنّ العقل هو المرجع النهائي لكيفية السلوك الأخلاقي للإنسان، وإنّ المسؤولية الأخلاقية لكلّ شخصٍ تكون فقط أمام عقله ووجدانه، وليس هناك إلزامٌ لاتباع مفاد الكتاب المقدّس من هذه الناحية.
إنّ هذا الفهم للدين الذي نرى فيه نوعًا من النزعة الإنسانية وتأصيل قدرات الإنسان في معرفة طرق ومناهج الحياة، يُعرف بالدين الطبيعي أو الربوبية. وعلى الرغم من أنّ الصورة المبيّنة عن ذلك ترتبط بعصر التنوير، بيد أنّ روح هذه العقيدة وهي الإيمان بالله، وإنكار دوره في تنظيم وتدبير حياة الإنسان، كانت موجودةً منذ القدم وليست شيئًا جديدًا. إنّ هذا الفهم للدين يتنافى مع فهم أهل الدين تمامًا، وإنّه يتجاهل الركن الأصلي من كلّ دينٍ توحيديّ وإبراهيمي، والذي هو عبارةٌ عن دور الوحي المتحقّق في حياة الإنسان.
إنّ الدين مورد البحث هنا هو الدين السماوي الذي دخل ـ من خلال الوحي بالأوامر والنواهي والحثّ على نوعٍ خاصٍّ من السلوك الإنساني ـ إلى دائرة الأخلاق بنحوٍ من الأنحاء، بل وأقام بنفسه نوعًا من الأخلاق الخاصّة. والبحث يدور حول ارتباط هذا الدين بالأخلاق، وإلّا فإنّ الدين بمعنى الدين الطبيعي ليس إلّا إسلام العنان في اتخاذ القرارات الأخلاقية إلى العقل، وإنّ البحث المرتبط بعلاقة الدين الطبيعي بالأخلاق، ليس شيئًا سوى البحث عن العلاقة بين العقل والأخلاق.
(118)إنّ الصورة العامة لبحث الدين والأخلاق هي أنّ هناك من جهة أولئك الذين يؤكّدون استقلال الأخلاق، ويقولون إنّ الدين ـ الأعم من المعتقدات الدينية أو القواعد والقوانين الدينية ـ يجب ألاّ يُزجّ به في حقل الأخلاق. إنّ الأخلاق مقولةٌ تقوم على لحاظ الربح أو الفضيلة أو الوظيفة العقلية، ولا مكان لحضور الدين فيها. ومن ناحية أخرى هناك الذين يؤكّدون أنّ الأخلاق لا وجه لها ولا اعتبار من دون الدين، ولا سيّما من دون الذات الربوبية الطاهرة. إنّ المسؤولية الأخلاقية لا يكون لها معنى إلّا من خلال الاعتقاد بوجود الله، وإنّ تجاهل وجود الله في دائرة الأخلاق لا يُعدّ شيئًا آخر غير الدعوة إلى الإباحية والترويج للعبثية.
ولو أردنا أنْ ننقل نزاع الطرفين من الإجمال إلى التفصيل، يجب القول بأنّ الارتباط بين الدين والأخلاق يمكن تصوّره في مختلف المراحل والأبعاد، حيث يجب بحث كلّ واحدٍ منها بشكلٍ منفصل. ومن بين الأبحاث في هذا الشأن: هل المفاهيم الأخلاقية ـ التي هي من قبيل الإلزام ـ والمفاهيم الدينية ـ التي هي من قبيل الأمر الإلهي ـ مترادفان أم لا؟ والبحث الآخر: هل القيَم الأخلاقية لها وجودٌ مستقلٌّ عن الأمر والنهي الإلهي أم يتحقّق كلاهما بوجودٍ واحد؟ والبحث الآخر: هل المعرفة الأخلاقية تقوم على المعرفة الدينية أو يمكن الحصول عليها بنحوٍ مستقلٍّ عن الدين؟ وكذلك فإنّ البحث عن تأثير المعتقدات الدينية من قبيل: الثواب والعقاب الإلهي يُعدّ من الأبحاث المهمّة في حقل ارتباط الدين والأخلاق فيما يتعلق بالتحفيز الأخلاقي. وبالتالي فإنّ الارتباط المضموني بين الدين والأخلاق ـ بمعنى بحث تطابق وتخالف محتوى التعاليم الدينية مع محتوى الأصول والقواعد
الأخلاقية ـ يُعدّ بدوره جزءًا من أبحاث الارتباط بين الدين والأخلاق؟ إنّ جميع هذه المسائل ترتبط بالحقل النظري من الارتباط بين الدين والأخلاق؛ حيث إنّ التأكيد عليها يكمن في بيان وإيضاح الطبيعة الأخلاقية للدين. وذلك لأنّه لو اتضح مثلًا أنّ القيَم الأخلاقية مستقلّةٌ عن الأمر والنهي الإلهي، ففي مثل هذه الحالة سوف تكون هذه القيَم حاكمةً حتى على الأمر والنهي الإلهي أيضًا، وأنّ بنيته سوف تتعيّن ويتمّ تشخيصها في نفس الأمر والواقع.
إنّ المستويات الأهم من الارتباط بين الدين والأخلاق، وإنْ كان يتمّ بحثها في هذه المقالة على نحو الإجمال، ولكن قبل الدخول في بحثها يجب التذكير ببعض النقاط وذلك على النحو الآتي:
إنّ جميع الذين يؤكّدون على استقلال الأخلاق (الأوتونومي)، ينكرون حضور الدين في واحدةٍ أو في جميع طبقات الأخلاق؛ وذلك لاشتمال هذا المصطلح على معانٍ متعدّدة. وقد ذكر روبرت آدمز سبعة معانٍ لاستقلال الأخلاق، وإنّ بعض هذه المعاني ينكر حضور الدين في مساحات الأخلاق. من ذلك أنّ توماس نيجل ـ على سبيل المثال ـ يرى أنّ استقلال الأخلاق تعني أنّ الأخلاق لا تقبل الخفض والتحويل إلى المسائل المعرفية من قبيل اللذة، أو علم الاجتماع من قبيل: العادات الأعراف الاجتماعية، كما أنّه لا يتمّ تحويلها إلى المسائل البيئية والطبيعية من قبيل: أصل التكامل (حيث لا يُرى تكامل في الأخلاق).
إنّ مصطلح الـ (Autonomy) في اللغة اليونانية مركّب من الـ (Autonos) بمعنى النفس أو الذات، و(Nomos) بمعنى القاعدة والقانون. وقد كان هذا
(120)المصطلح يُطلق في اللغة اليونانية قديمًا على الدويلات المستقلّة وغير المستعمرة، وأمّا الآن فقد شاعت وأصبح لها استعمالاتٌ واسعة، وأنّ الوجه الجامع بينها هو التأكيد على الإدارة الذاتية والاستقلال في العمل.
إنّ إنكار تقدّم الدين والوحي على القيَم الأخلاقية أو إنكار تقدّم المعرفة الدينية (الاعتقاد بالله) على المعرفة الأخلاقية، لا يعني بالضرورة اتّخاذ موقفٍ إلحادي. فإنّ كثيرًا من أنصار استقلال القيَم الأخلاقية في مرحلة التحقق وكذلك في مرحلة معرفة الدين والمعرفة الدينية، هم من كبار المؤمنين البارزين. ففي العالم المسيحي ذهب أمثال توما الأكويني إلى الدفاع عن هذا الرأي، وهو الآن يمثّل الوجه السائد في التفكير المسيحي الكاثوليكي والذي يعد من تراث الفكر الأكويني.
وفي العالم الإسلامي يذهب كثيرٌ من كبار المعتزلة، من أمثال: القاضي عبد الجبار المعتزلي، وكذلك من أعاظم الفلاسفة والمفكرين الشيعة، من أمثال الشيخ نصير الدين الطوسي، إلى القول بتقدّم القيَم الأخلاقية على الأوامر الإلهية. كما يعدّ البحث الممتع في علم أصول الفقه عند الشيعة حول تبعية الأوامر والنواهي الإلهية للمصالح والمفاسد الذاتية (الواقعية)، انعكاسًا لهذا التفكير الفلسفي الشيعي. بل ويمكن حتى الادّعاء بأنّ من بين الدوافع المهمّة لذهاب المعتزلة إلى تقدّم الحُسن وقبح الأعمال على الأمر والنهي الإلهي، هو العمل على تنزيه الذات الربوبية من جميع الصفات الأخلاقية الرذيلة.
ولكن من ناحية أخرى لا يمكن تجاهل هذه النقطة، وهي أنّ الملحدين في العصر الحاضر قد اتّخذوا من الاعتقاد بتقديم القيم الأخلاقية على الأوامر والنواهي الإلهية
(121)ذريعةً لإلغاء دور الدين في الأخلاق وتبعًا لذلك حذفه من الأبعاد الأخرى من حياة الإنسان بالكامل، بيد أنّ سوء استغلال البعض لنظريةٍ ما يجب ألّا يُشكل ذريعةً لإنكار تلك النظرية والقول ببطلانها.
يُطلق في فلسفة الأخلاق على الذين يقولون بالتقدّم الوجودي والمعرفي للقيَم الأخلاقية (ولا أقلّ في الأصول والمباني) على الأوامر والنواهي الإلهية، عنوان العقلانيين. وبذلك فإنّ الفكر المعتزلي والشيعي يندرج ضمن التراث العقلاني في فلسفة الأخلاق.
وفي المقابل يطلق على أولئك الذين يدافعون عن تقدّم الأمر والنهي الإلهي على القيَم الأخلاقية ـ سواء في مرحلة التحقق؛ بمعنى أنّه من دون الأمر الإلهي لا وجود للحُسن والوجوب الأخلاقي أصلًا، أو في مرحلة العلم والمعرفة؛ بمعنى استحالة الاطلاع والعلم بالقيَم الأخلاقية من دون الاطلاع على الأمر الإلهي ـ عنوان أنصار نظرية الأمر الإلهي. وبطبيعة الحال ليست هناك خصوصية للأمر، ومن هنا فإنّ هؤلاء يذهبون كذلك إلى الاعتقاد بأنّ أساس القبائح الأخلاقية هو النهي الإلهي عنها أيضًا، وأنّ طريق الاطلاع عليها هو اكتشافها من طريق النواهي الإلهية. وعلى هذا الأساس فإنّ نظرية الأمر الإلهي عبارةٌ عن إرجاع تحقّق ومعرفة القيَم الأخلاقية إلى تحقّق ومعرفة الأمر والنهي أو الإذن الإلهي.
إنّ نظرية الأمر الإلهي في فلسفة الأخلاق تُعدّ جزءًا من النظريات التي تندرج ضمن المجموعة الإرادية، وفي قبالها تقع النزعة العقلانية.
(122)إنّ الإرادية مصطلحٌ فلسفيٌّ بمعنى تأصيل الإرادة دون العقل في تحليل ظاهرة ما، ولا يختصّ بفلسفة الأخلاق. يقال مثلًا إنّ فلسفة شوبهناور فلسفةٌ إرادية. إلا أنّها في فلسفة الأخلاق بمعنى تأصيل الإرادة في تحقّق القيَم الأخلاقية. بمعنى أنّ القيَم الأخلاقية هي ثمرة رغبة وإرادة الفرد والمجتمع أو إرادة الله، وباختصار تكون الإرادة والرغبة هي أساس الأحكام الأخلاقية دون العقل والتفكير. ولكن للإرادية صوَرًا مختلفةً بطبيعة الحال، ومن بينها النزعة الإرادية غير الدينية التي تعدّ رغبة الفرد هي الأصل والأساس للقيَم الأخلاقية، أو نوعها الاجتماعي الذي يرى رغبة المجتمع أساسًا للقيَم الأخلاقية، بيد أنّ الإرادية الإلهية ـ التي هي ذات نظرية الأمر الإلهي ـ ترى أنّ أساس القيَم الأخلاقية عبارةٌ عن أمر الله وإرادته، وليس الإرادة المتغيّرة للإنسان أو إرادة ورغبة الجمع الخاص أو العام.
هناك في مورد القيَم الأخلاقية في فلسفة الأخلاق (فرع ما بعد / الأخلاق) رأيان سائدان، وهما أولًا: إنّ القيَم الأخلاقية لها تحقّقٌ عينيٌّ بنحوٍ مستقلٍّ عن إرادة الفرد والمجتمع. وتسمّى هذه المجموعة ـ التي تشمل طيفًا واسعًا من النظريات، من قبيل: الشهودية، والطبيعية والنظريات الفلسفية ـ بالنظريات التوصيفية أو المعرفية.
وفي المقابل يُطلق على تلك المجموعة من النظريات، من قبيل: النظرية الحسية والاعتباريات ـ التي لا تقبل للقيَم الأخلاقية بتحقّقٍ واقعي، ولا تعدّها شيئًا سوى أنّها أداةٌ للإحساس والإرادة أو الرغبة الفردية ـ عنوان النظريات غير التوصيفية أو غير المعرفية.
إنّ نظرية الأمر الإلهي تعدّ عادةً جزءًا من النظريات المعرفية؛ إذ إنّها ترى للقيَم
(123)الأخلاقية تحقّقًا عينيًا ـ وهو الأمر الإلهي ذاته ـ وهي من هذه الناحية تشترك مع الرؤية (العقلانية) المنافسة لها؛ إذ إنّها تذهب إلى عدّ القيَم الأخلاقية عينيّةً أيضًا. إنّ عينيّة القيَم الأخلاقية في ضوء نظرية الأمر الإلهي وكذلك في ضوء العقلانية تعدّ ضامنةً للثبات وعاملًا لإمكان المعرفة الأخلاقية. وبطبيعة الحال فإنّ طريقة حصول المعرفة الأخلاقية بحسب النظرية العقلانية هي التأمّل والتفكير أو الشهود، في حين أنّ تحصيل المعرفة الأخلاقية بحسب نظرية الأمر الإلهي على أساس قراءة الكتاب المقدّس أو السماع من ألفاظ ترجمان الوحي (الأنبياء عليهمالسلام).
بيد أنّ النقطة المهمة هي أنّ نظرية الأمر الإلهي، يمكن العمل على إصلاحها بشكلٍ وآخر بحيث تنسجم مع النظريات غير المعرفية وغير التوصيفية أيضًا، وذلك بأنْ نقول إنّ الأمر الإلهي ليس مفاد القيَم الأخلاقية، وفي الأساس فإنّ القيَم الأخلاقية ليس لها تحقّقٌ عيني، بيد أنّ الأمر الإلهي أساسٌ لنفعية واعتبار الإحساس والاتجاهات التي يُطلق عليها عنوان القيَم الأخلاقية. وبعبارة أخرى: إنّ عدم لَغْوية هذا النوع من المشاعر ولزوم التبعية لها، مشروطٌ بوجود الله ورهنٌ بأمره.
ونحن نتعاطى هنا بطبيعة الحال مع نظرية الأمر الإلهي بشكلها التوصيفي التي تعدّ الأمر الإلهي والقيَم الأخلاقية حقيقةً موجودةً وواقعية، ويعدّ هذا الأمر الموجود في الكتاب معبّرًا عن تلك الإرادة النفسية.
إنّ تبعية الحُسن والقبح الأخلاقي إلى الأمر والنهي الإلهي أكبر من أنْ نقول إنّهما يشيران إلى شيءٍ واحد، بل إنّهما في الأساس ليسا مفهومين متغايرين.
إنّ معنى الحسن الأخلاقي ليس شيئًا سوى ما أمر به الله، وإنّ معنى القبح الأخلاقي هو تعلّق النهي الإلهي بشيء. إنّ هذه الصورة من تبعية الأخلاق إلى
(124)الدين ـ التي يُعبّر عنها بالشكل الحاد لنظرية الأمر الإلهي ـ لا تقبل في الأساس تبعية الأخلاق إلى الدين بمعزلٍ عن تعلّق الأمر والنهي، ولها أتباع في الثقافة المسيحية والإسلامية على السواء.
يمكن عدّ هذه النظرية نظريةً مفهوميةً بشأن الأوصاف الأخلاقية؛ وذلك لأنّها تقوم بتحليل المعاني الأخلاقية.
إنّ هذا التقرير لنظرية الأمر الإلهي ليس له سوى القليل من الأنصار؛ وذلك لأنّه يُعاني من الإشكالات الجادّة، ومن أهمّها أن حُسن فعل ما إذا كان بمعنى تعلّق الأمر الإلهي به، فما هو معنى إسناد الحُسن الأخلاقي ـ من قبيل: الإحسان وما إلى ذلك ـ إلى الله؟ فهل القول بأنّ الله يقوم بالفعل الحسن يعني شيئًا أكثر من القول بأنّ الله يقوم بالفعل الذي يأمر به؟
إنّ الصفات الأخلاقية لله مهمّةٌ لدى كلّ مؤمن، وتمثّل جزءًا من معرفته الدينية، في حين أنّ ترادف الأوصاف الأخلاقية والأمر والنهي الإلهي، تفريغٌ لمحتوى القضايا الأخلاقية بشأن الله وتحويلها إلى تكرار الشيء نفسه وقول الشيء ذاته.
يُضاف إلى ذلك أنّ آلية فهم المعاني ومن بينها فهم ترادفها تابعةٌ لقواعد خاصة يتمّ بحثها في موضعها الخاص. من ذلك أنّ تشيشلم ـ مثلًا ـ يرى أنّ معيار التماهي المفهومي أنّ الشخص إذا كان معتقدًا بالأول، فهو معتقدٌ بالثاني قطعًا. بمعنى أنّه لو قال شخص: (إنّ العطفَ حسنٌ) يجب عليه الاعتراف بأنّ العطف يقع موردًا للأمر الإلهي، وأنّ هذا المعيار يجب عدم نقضه أبدًا، في حين نرى أنّه يتمّ نقضه في كثيرٍ من الموارد؛ إذ ليس الملحدون وحدهم هم الذين يؤمنون بالأول ولكنهم ينكرون الثاني فقط، بل حتى كثير من المؤمنين يفعلون ويقولون ذلك أيضًا.
(125)(إنّ الفعل الخاص (أ) حسن) ولكننا في الحدّ الأدنى لا نعلم ما إذا كان مأمورًا به من قبل الله أم لا، وهذا يدلّ على اختلافهما المفهومي.
وقد تمّ الاهتمام في الكتب الكلامية الإسلامية بهذا الإشكال أيضًا، وقالوا: إنّ بعض الأشخاص من أمثال البراهمة الذين لا يؤمنون برسالات الأنبياء، يعرفون معنى الحسن والقبيح، بل ويعملون أحيانًا على طبق القيَم الأخلاقية.
وعليه فإنّ ادّعاء ترادف الحُسن والقبح والإلزام الأخلاقي مع الأمر والنهي الإلهي ادّعاءٌ اعتباطيٌّ ولا يمكن الدفاع عنه.
إنّ الحُسن الأخلاقي باللحاظ المفهومي هو غير الصيرورة متعلّقٌ للأمر الإلهي، بيد أنّ تحقّقهما يحدث على الدوام بشكلٍ متزامن، وإنّ الحُسن الأخلاقي هو على الدوام بمنزلة الثوب الذي يتمّ تفصيله على مقاس متعلّق الأمر الإلهي ولا يمكن العثور عليه في موضعٍ آخر. وعلى هذا الأساس فإنّ البحث عن مبنى الأخلاق في نفع وضرر الشخص (الأنوية)[3]، أو مصلحة وضرر المجتمع (النفعية)، أو نداء الضمير وحكم العقل، عمل لا جدوى من ورائه. طبقًا لهذا التقرير يكون للحُسن الأخلاقي والأمر الإلهي مصداقٌ واحد، وهما شؤونٌ مختلفةٌ لشيءٍ واحد، ولا ينفصلان عن بعضهما في عالم الواقع. من قبيل: الإمكان والمعلولية اللذين هما صفتان فلسفيّتان مختلفتان، ولكنهما مقترنتان أبدًا.
إنّ الأخلاق تابعةٌ إلى الدين؛ بمعنى أنّ العقل في تحليله يعدّ الأمر الإلهي منشأً للحُسن الأخلاقي ومقدّمًا عليه، بيد أنّ هذا التقدّم إنّما يكون في التحليل عقلي، وكما ذكرنا فإنّهما مقترنان مع بعضهما في عالم الواقع والخارج.
(126)إنّ حصيلة هذه الرؤية هي أنّه لولا الأمر الإلهي، فمن الممكن أنْ يكون هناك معنى للحُسن الأخلاقي، ولكن لا يعود له مصداقٌ في البين، وسوف يكون مفهومًا خاليًا من المحكي والمصداق. وهذا هو معنى الجملة المعروفة لدستويفسكي في روايته الشهيرة (الإخوة كارامازوف)، والتي يقول فيها: «من دون الله يغدو كلّ شيء مباحًا». إذ من دون الله لا يكون هناك أمرٌ إلهي، ومن دون الأمر الإلهي لا يكون هناك موردٌ للحكم الأخلاقي. وإنّ الدخول في حقل الأخلاق والتعهد لصالح الشيء أو ضدّه أخلاقيًا ـ في ضوء هذا التقرير ـ لا يكون إلّا من طريق التسليم والخضوع لنداء الوحي، وإنّ الذين لا يؤمنون بخطاب الوحي، لا يبقى لهم طريقٌ للتعامل الأخلاقي. إنّ هذه النظرية كانت شائعةً لمدّةٍ طويلةٍ حتّى إنّ فيلسوف عصر التنوير ـ ونعني به جون لوك، المعروف بالتسامح والتساهل ـ كان يقول: «لو قطعتُ لملحدٍ وعدًا بالقيام بعملٍ خاص، فلا تقلق من هذه الناحية؛ لأنّ الملحد خارج عن دائرة التعهّد الأخلاقي سواء أكان ذلك التعهّد له أم عليه». بمعنى أنّه لا يرى نفسه ملزمًا بالنسبة إلى القيام والوفاء بتعهّده الأخلاقي، ولا ينبغي أنْ يتوقع من الآخرين أنْ يلتزموا بعهودهم الأخلاقية أيضًا.
إنّ هذه النظرية وإنْ كانت تبدو حلوة الطعم بالنسبة إلى مذاق المتحمسين من المؤمنين، ولكنّها لا تحظى بتلك الشعبية من قبل المؤمنين الحكماء والعقلاء من أهل الإيمان، بل تنطوي على بعض الإشكالات التي سنأتي على ذكرها أدناه:
لغز أوتيفرون
لقد ذكر أفلاطون في رسالة أوتيفرون ـ عن كلام سقراط ـ مشكلةً بقيت على مدى قرون بوصفها لغزًا في التفكير البشري. فهو يتساءل: هل التقوى محمودةٌ ومطلوبةٌ بداعي الأمر الإلهي لكونها حسنةً في حد ذاتها، أو لأنّها وقعت موردًا لتعلّق
(127)الأمر الإلهي تتّصف بوصف الحسن؟
لو قلنا إنّ التقوى حسنةٌ لذاتها، يجب العمل عندها على تقييد الأمر الإلهي برعايتها، وهذا لا ينسجم مع إطلاق القدرة الإلهية؛ وذلك لأنّ الله ـ في ضوء التعاليم الدينية ـ «فعّال لما يشاء»، وأنّه يفعل كلّ ما يريد.
إنّ التراث العقلاني هو في الحقيقة والواقع وليد القبول الذاتي لحسن التقوى الذي شاع وانتشر على طول التاريخ.
لو قلنا إنّ الأصل هو تعلّق الأمر الإلهي، وإنّ حُسن الشيء هو ثمرة هذه الشجرة، عندها ستظهر لنا مشاكل جادّة أخرى، وإنّ أفلاطون ـ بطبيعة الحال ـ إنّما يُشير إلى بعضها فقط، وأمّا بعضها الآخر فقد تبلور على طول تاريخ التفكير البشري. إنّ مفهوم الإرادة الإلهية (نظرية الأمر الإلهي) إنّما هو في الحقيقة والواقع ثمرة هذا الفهم للقيَم الأخلاقية.
إنّ أفلاطون ينحاز إلى جهة العقلانية، وإنّ الذي تمّ بيانه لاحقًا باسم لغز أوتيفرون، يعدّه سؤالًا بسيطًا وليس لغزًا معقدًا، بيد أنّ الذي أدّى إلى تحوّل هذه المسألة إلى لغز هو اعتقاد المؤمنين بإطلاق القدرة الإلهية بالنسبة إلى كلّ شيء.
وقد سعى العقلانيون بطبيعة الحال إلى الجمع بين القول بذاتية وسيادة أصول القيَم الأخلاقية ـ من قبيل: حسن العدل، وقبح الظلم على الله ـ وبين الاعتقاد بعدم محدودية قدرة الله، وقد تكلل سعيهم هذا بالنجاح.
وإنّ الجواب الأفضل ـ الذي تمّ تقديمه عن هذا الإشكال، وتمّ تدوينه في تاريخ التفكير بمختلف الصوَر ـ عبارةٌ عن مقارنة الحقائق الأساسية للأخلاق مع الحقائق المنطقية؛ بمعنى أنّه كما لا يمكن على الله أنْ يدخل الشيء الكبير في الشيء الصغير (اندراج الكبير في الصغير)، يستحيل على الله أنْ يظلم، بيد أنّ هذه الاستحالة ـ
ونؤكّد هنا على هذا الاستثناء ـ حيث لا يكون هناك أيّ بديلٍ منطقيّ محتمل (بمعنى أنّه لا يمكن تصوّر أيّ بديلٍ له)، لا تكون بمعنى تحديد القدرة الإلهية. في التراث المسيحي ابتداءً من توما الأكويني وكادورث وصولًا إلى ريتشارد أسوين بيرن في المرحلة المعاصرة، قد تعرّضوا للدفاع عن العقلانية بهذه الطريقة. وعلى حدّ تعبير أسوين بيرن فإنّ حقائق الأخلاق الضرورية مثل الحقائق الضرورية في المنطق، تعمل على تعيين الأفعال الإلهية.
وقد تمّ بيان هذه المسألة في التراث الإسلامي أيضًا تحت عنوان (إنّ المحالات التقييدية لا تطال القدرة الإلهية)؛ وذلك لأنّ المحال في الأساس ليس شيئًا لكي يقال بشأنه حيث إنّ قدرة الله لا تتعلّق به فهي إذًا محدودة.
إذا لم يكن لغز أوثيفرون قد شكّل معضلةً جادّةً ومشكلةً لا تقبل الحلّ بالنسبة إلى العقلانيين، إلا أنّ وضع نظرية الأمر الإلهي مختلف؛ إذ إنّ الإشكال الذي سيقف أمامهم هو أنّه بحسب القواعد والأصول يجب أنْ نرتضي القول بأنّ الله سبحانه وتعالى إذا حكم بالقتل والنهب ـ معاذ الله ـ فإنّ ذلك سوف يصبح محمودًا ومطلوبًا بل واجبًا أيضًا، ولا يخفى أنّ القول بمثل هذا الادعاء الخطير يُعدّ قاصمًا للظهر حتى بالنسبة إلى المؤمنين، ولكن ما أكثر العلماء الكبار الذين التزموا بذلك طوال التاريخ وأعلنوا عنه صراحةً، ومن ذلك قولهم: «لا حكم للعقل في حُسن الأشياء وقبحها، وليس ذلك عائدًا إلى أمر حقيقي في الفعل يكشف عنه الشرع، بل الشرع هو المثبت له والمبيّن، ولو عكس القضيّة فحسّن ما قبّحه وقبّح ما حسّنه، لم يكن ذلك ممتنعًا».
وقد نقل روبرت آدمز عن وليم الأوكامي أنّ الفيلسوف الشهير فرانسيس
(129)المسيحي، كان يقول: لو أنّ الله قد أمر بالسرقة والكذب وما إلى ذلك، فسوف تصبح هذه الأمور حسنةً ومطلوبةً! وإنّ روبرت آدمز نفسه الذي أدرك بشكل جيّد صعوبة القول بهذه النظرية ـ بالنظر إلى الجعل الاعتباطي لماهية الأخلاق ـ قد تصدّى بنفسه إلى إصلاح نقص هذا الأصل والدفاع عنه بنحوٍ وآخر. وحاصل كلامه هو أنّ الله حيث يتصف بالرحمة ويحبّ مخلوقه الإنسان، على الرغم من أنّ بمقدوره أنْ يأمره بالكذب والسرقة، إلا أنّه لا يفعل ذلك.
إنّ هذا الكلام غير مقبول، وذلك إذ لو تمّ السؤال والقول: لماذا يغضّ الله الطرف ولا يأمر بالكذب على الرغم من قدرته على ذلك؟ سوف يكون جواب آدمز: (لأنّ الله رحيم). وعندها يتجدد السؤال وينتعش ثانية ويقول: لماذا اتّصف الله بصفة الرحمة دون القسوة؟ أليس هناك من طريق لقبول الحُسن الذاتي للرحمة وحكم العقل بوجوب اتّصاف الله بها دون القسوة؟
إنّ سرّ ضعف جهود أمثال روبرت آدمز، هو أنّه لو أراد كلّ شخصٍ أنْ يجعل مجموعةً من المعتقدات أساسًا للأخلاق، وجب عليه وضع ذات تلك المعتقدات في دائرة الحكم الأخلاقي؛ ليتمكن من التقدّم على أساسها، وهذا هو ما يُصطلح عليه بمحذور (الدور)، وعلى حد تعبير غرين: «إنّ النقطة التي سبق لأفلاطون أنْ ذكرها قبل قرون متمادية تقوم على أنّ العقل البشري هو المحكمة النهائية والقضاء الفصل، ولا يزال هذا الاعتقاد سائدًا إلى اليوم على نطاقٍ واسع؛ وذلك لأنّ جعل العقل تابعًا لملاحظات أخرى، يُعدّ غضًّا للطرف عن إمكان البحث العقلاني نفسه والتفسير والتأييد القائم على العقل».
(130)هناك من سعى من خلال الاستناد إلى الأخلاق الخاصة ـ التي تحتوي على ماهية توجيهية ـ إلى إثبات أنّ القيَم الأخلاقية لا يمكن أنْ تكون الأوامر والنواهي الإلهية عينها؛ وذلك لأنّ مقالة (إن العدل حسن)، هي في الواقع توجيهٌ وإرشادٌ إلى العمل بها، بيد أنّ قول: (إنّ العدل مأمورٌ به من قبل الله)، إنّما هو مجرّد إعلام بمفاد الوحي أو الكتاب المقدّس.
إنّ هذا الإشكال غير وارد؛ وذلك لأنّ المدافعين عن نظرية الأمر الإلهي سوف يقولون: إنّ بعض التوصيفات تؤدّي دور التوجيه والإرشاد أيضًا. فعندما يقول شخصٌ لطفل: إنّ أباك يكره هذا الفعل أو إنّه يمنعك من فعل هذا الأمر، ألا يكون ذلك تعبيرًا عن الواقع بمعنى التوصية والأمر بتركه؟ إنّ الله من وجهة نظرنا ليس مجرّد حقيقة فلسفية فقط، بل هو محبوبٌ ومعبود، وإنّ حبّ الإنسان له يتجلّى في التعبّد والطاعة.
وقد أشكلوا بأنّ الترويج لنظرية الأمر الإلهي غير صحيح في ظلّ الأوضاع الاجتماعية الراهنة؛ وذلك لأنّ إيمان الناس بالله في الوقت الراهن (المراد بذلك هو المجتمعات الغربية بطبيعة الحال) إمّا معدومٌ وإمّا باهتٌ ولا أثرَ له، وإذا أردنا أنْ نقول بأنّ للأخلاق جذورًا في الدين، فإنّ الأخلاق سوف يصيبها المصير الذي أصاب الدين نفسه، وسوف يضمحل حضور الأخلاق في مسرح حياة الناس، وسوف تختفي الأخلاق تمامًا. وللفرار من محذور السقوط في هذا المسار، يجب عدم القبول بنظرية الأمر الإلهي.
(131)إنّ هذا الإشكال غير واردٍ بل هو باطلٌ من الأساس؛ إذ حتى لو افترضنا أنّ الأمر كذلك، وأنّ النظرية تنطوي على نتائج عملية خاطئة، إلا أنّ هذا لا ينهض دليلًا على عدم صوابية النظرية نفسها. يُضاف إلى ذلك أنّ المشكلة لا تُحل من خلال تجاهل الحقيقة (إذا كانت نظرية الأمر الإلهي صحيحة)، ويجب البحث عن الحلّ في دعوة الناس إلى الإيمان، لنحصل بذلك على أخلاقٍ وجيهة. إنّ هذا الجواب صحيحٌ على مبنى نظرية الأمر الإلهي. فإنّنا وإنْ كنّا لا نقبل المبنى، ولكن ليس استنادًا إلى هذه الأدلة الواهية والضعيفة التي نجد كثيرًا منها في كتب فلسفة الأخلاق.
ومن نافل القول إنّ بعضهم يردّ نظرية الأمر الإلهي مستدلًا على ذلك بأنّها تجعل أمر الاستدلال والاحتجاج على وجود الله سهلًا، في حين أنّ هذا الأمر لا ينبغي أنْ يكون على مثل هذه البساطة، إذ ما أكثر الصعوبات التي تنطوي عليها الإلهيات الطبيعية والعقلانية فيما يتعلّق بإثبات وجود الله سبحانه وتعالى[1].
وهذا دليلٌ على ابتعاد الإنسان عن تعاليم الوحي التي ترى أنّ حضور الله سبحانه وتعالى من الوضوح والبداهة بنحوٍ لا يحتاج إلى استدلال، يقول الله سبحانه وتعالى على لسان الرُسُل: ( أَفِي اللَّهِ شَكٌّ فَاطِرِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ)[2]. ومع ذلك فإنّ هؤلاء يتذرّعون بصعوبة إثبات وجود الله، ويتّخذون من ذلك ذريعةً لرفض نظرية الأمر الإلهي. بيد أنّنا على الرغم من الإقرار بهذه الحقيقة، وهي أنّ إنكار نظرية الأمر الإلهي يأتي في الغالب من قبل الملحدين، بيد أنّنا بحكم الوفاء للعقل والبرهان الذي يمثّل لُبّ التعاليم الدينية ومن بينها الدين الإسلامي الحنيف، نتماهى مع كبار الثقافة الإسلامية، ونعدّ أساس القيَم الأخلاقية حقائقَ خارجيةً وعينية، بل ونفهم حتى الدين الإلهي من خلال هذه الملاحظات الأخلاقية. إنّ الأوامر الإلهية لا يمكن
(132)تفسيرها بنحوٍ يتمّ التخلي عن هذه الأصول الأخلاقية الأساسية.
إنّ نتيجة هذا القسم من المقالة هي أنّ الأوامر الإلهية تقوم على أساس المصالح الواقعي التي هي القيَم الأخلاقية ذاتها. ولكن توجد هناك في البين نقطةٌ ظريفةٌ يمكن بيانها، وهي أنّنا على أساس الملاحظات الأخلاقية ـ من قبيل: وجوب رعاية حرمة الله الذي هو خالقنا ـ نحو بعض اللوازم التي لا تتوفر للملحدين. يتمّ التعبير في علم أصول الفقه عن هذا النوع من المستلزمات ـ التي لا تقوم على أساس المصالح الواقعية ـ بالأوامر التي تكون مصلحتها في الأمر ذاته، ويقولون إنّ الغرض من هذه الإلزامات التعبدية هو اختبار وفاء الشخص أو فسح الإمكان لظهور العبودية من قبل الفرد، وهذا هو ما يمتلكه المؤمن المتخلّق ليحصل بذلك على المزيد من التقرّب، وليس للملحد نصيبٌ من ذلك. وربما كان أمر الله للنبيّ إبراهيم عليهالسلام بذبح ولده إسماعيل عليهالسلام من هذا النوع من الأوامر التي تأتي لغرض اختبار حجم التعبّد الذي يتّصف به أمثال النبيّ إبراهيم عليهالسلام .
كان ما سبق عبارةً عن بيان التقدّم الثبوتي للقيَم الأخلاقية على الأمر والنهي الإلهي؛ بنحوٍ حتى الأمر والنهي الإلهي يكونان تابعين لهذه المصالح والمفاسد الواقعية، التي يتمّ التعبير عنها في حقل الأمور الأخلاقية بالحُسن والقبح الأخلاقي.
إنّ هذا الكلام يرد في مقام الإثبات، حيث يرد السؤال القائل: هل العقل قادرٌ على نحو الاستقلال ومن دون الاستعانة بالوحي أنْ يتعرّف على القيَم الأخلاقية، أم يجب عليه أنْ يترقّب الوحي الإلهي ليكتشفها بوساطته؟
يقول العقلانيون: لا محيص للإنسان من الاعتقاد في الحدّ الأدنى ببعض الأصول الأخلاقية قبل الوحي؛ وذلك لأنّ فهم صدق وصوابية الوحي الإلهي الموجود في الكتاب المقدّس يتوقّف على القول بصدق الأنبياءعليهمالسلام ، وأنّ القول بصدقهم لا
(133)يكون إلّا في ضوء الحكم العقلي بحُسن الصدق قبل نزول الوحي نفسه.
ومن الواضح بطبيعة الحال أنّ الذين يرون أساس الوجود واعتبار القيَم الأخلاقية هو الأمر والنهي الإلهي (القائلون بنظرية الأمر الإلهي) لا مفرّ لهم من القول بأنّ جميع المعارف الأخلاقية تابعةٌ للمعرفة الوحيانية.
إنّ هؤلاء يواجهون مشكلة توقّف صدق واعتبار الأمر والنهي الإلهي على صدق الرُسُل وعلى الحكم العقلي بحُسن الصدق؛ إذ يجب عليهم في الحدّ الأدنى أنْ يقرّوا بأن الحكم بحُسن الصدق وتقدّمه على الأمر والنهي الإلهي معلومٌ للبشر.
ولو غضضنا الطرف عن هذا الإشكال الذي يُعرّض التقدّم الثبوتي والإثباتي للأمر والنهي الإلهي على جميع القيَم الأخلاقية، سوف يقف إشكالٌ مهمٌّ آخر أمام المدافعين عن نظرية الأمر الإلهي، وهو أنّ هناك كثيرًا من الذين يمتلكون في عالم الواقع معرفةً أخلاقيةً على الرغم من عدم قبول الوحي والأمر والنهي الإلهي. فهل برتراند راسل ـ المشهور بإلحاده في جميع الأوساط العالمية ـ لا يدرك خطأ قتل الطفل البريء وقبحه؟!
فما أكثر الذين لا يؤمنون بوجود الله أصلًا، ناهيك عن معرفة حُسن وقبح الأمور في ضوء أمره ونهيه، ولكنّهم مع ذلك يعرفون حُسن وقبح الأمور مثل المؤمنين.
إنّ هذه المشكلة التي تمثّلت بوصفها حقيقةً أمام نظرية الأمر الإلهي في الحقل المعرفي ومقام الإثبات (تقدّم العلم بالوحي على العلم بالأحكام الأخلاقية)، أُجيب عنها من قبل المدافعين عن هذه النظرية بعدّة إجابات.
قال بعضهم في الجواب عن هذا الإشكال: إنّه يقبل بأنّ بعض الملحدين يتصفون بالمعرفة الأخلاقية، بيد أنّهم قد أخذوا هذه المعارف من شخصٍ أو مجتمعٍ مؤمن. إنّ الأحكام الأخلاقية قد صدحت بها حناجر الأنبياء على طول التاريخ، ولا يبعد أنْ يكون الملحدون قد سمعوها ووعوها ولكنّهم على الرغم من تحديقهم في الحقيقة
(134)قد غفلوا عن رؤيتها. وعلى هذا الأساس إذا كان هناك حتى الآن بين المؤمنين من يحمل ثمالة شوقٍ أو حماسةٍ تجاه الأخلاق والمعرفة الأخلاقية، فإنّما يعود الفضل في ذلك إلى الحضور المؤثّر لرُسُل السماء بين أفراد البشر.
وأجاب آخرون عن ذلك بالقول: لأنّ الملحدين ليست لديهم معرفةٌ أخلاقية، وإنْ كانت أحكامهم في بعض الأحيان قد تتطابق مع الواقع. توضيح ذلك أنّ المعرفة عبارةٌ عن تطابق الاعتقاد مع الواقع الذي يكون موجّهًا أيضًا؛ بمعنى أنّ يكون لدى الشخص المعتقد دليلٌ مقنعٌ على اعتقاده.
لو أنّ شخصًا أُميًّا صدف أنْ اعتقد وآمن بوجود النويات في عالم الذرات الدقيقة، فإنّ اعتقاده هذا حتى إذا كان متطابقًا مع الواقع، إلا أنّه لا يُسمّى معرفة؛ وذلك لأنّ هذا الشخص الأمّي لا يمتلك دليلًا مقنعًا على اعتقاده.
إنّ العلم الأخلاقي لدى الملحدين يُعدّ من هذا القبيل أيضًا؛ بمعنى أنّهم يمتلكون معتقداتٍ متطابقةً مع الواقع ولكنّهم لا يمتلكون دليلًا على صدقها. إذ إنّ صدق الأخلاق (بناءً على نظرية الأمر الإلهي) وصحّتها واعتبارها إنما هي رهنٌ بالأمر والنهي الإلهي، وهؤلاء الملحدون لا يؤمنون بذلك.
إنّ العقلانيين الذين يضطرون إلى التأكيد في الحدّ الأدنى على تقدّم بعض المعارف الأخلاقية على المعرفة الوحيانية، ينقسمون بأنفسهم إلى عدّة أقسام مختلفة. إنّ الصورة المعقولة والصحيحة للعقلانية هي تلك التي ذكرها كبار علماء الإسلام (من المعتزلة والشيعة) وكذلك يقول بها بعض العلماء المسيحيين، وهي التقدّم المعرفي لعددٍ من الأصول الأخلاقية ومعرفتها العقلية دون الحاجة إلى الوحي، بيد أنّهم يؤكّدون دور الوحي في التعريف بالكثير من القيَم الأخلاقية، وكذلك تعيين
(135)موارد ومصاديق الأحكام العقلية المعروفة. كما أنّهم بالإضافة إلى ذلك يؤمنون بدور الإبلاغ والدعوة العامّة إلى العمل بها من أجل الدين والوحي أيضًا. كما أنّ للوحي ـ بطبيعة الحال ـ أدوارًا أخرى لا ترتبط بحقل الأخلاق، من قبيل الأحكام الحقوقية على سبيل المثال، والأهم من ذلك كلّه نافذة معرفة الله والغيب.
ولكن هناك عقلانيين قد ضيّقوا دائرة المعرفة الأخلاقية على الوحي إلى حدّ عدّها أمرًا زائدًا، وبطبيعة الحال فإنّ أمثال هؤلاء إمّا لا وجود لهم في دائرة الثقافة الإسلامية وإمّا إنّهم في غاية الندرة. إنّ للوحي نفوذًا واعتبارًا كبيرًا في مهد الثقافة الإسلامية، وليس بمقدور أيّ عالمٍ إسلاميّ حتى إذا كان عقلانيًا ـ (معتقدًا بتقدّم بعض المعارف الأخلاقية على المعرفة من طريق الوحي) ـ أنْ يتجاهل ذلك. بيد أنّ دور الوحي في مهد الثقافة المسيحية للأسف الشديد ـ ولا سيّما في حقل القوانين والقواعد ـ باهت جدًا، وإنّ العقلانية المفرطة في ذلك الفضاء قد حظيت بالمزيد من إمكانية النشوء والازدهار، وسوف نُشير فيما يلي إلى واحدٍ من أبرزها، مع بيان النتائج والتداعيات المترتّبة على العقلانية المفرطة إجمالًا.
إنّ الفيلسوف الألماني الشهير إيمانويل كانط ـ الذي كان يؤمن بوجود الله، ولكنه لم يكن يبحث عن برهان وجوده في الأدلة الفلسفية والكلامية وإنّما كان يحصل على الاعتقاد بوجود الله من طريق الملاحظات الأخلاقية ـ يُعدّ أحد أبرز شخصيات فصل الوحي الإلهي عن الساحة الأخلاقية. إنّه لا يعتقد بعدم وجود دور للوحي الإلهي في المعرفة الأخلاقية فحسب، بل ويقول إنّ إدخال الطاعة لأمر الله ونهيه في دائرة التحفيز الأخلاقي (دواعي العمل الأخلاقي) مخالفٌ لماهيته الأخلاقية. إنّه
(136)على أساس تحليل العمل الأخلاقي وظاهراتياته يدّعي أنّ الركن الأصلي لأخلاقية فعل ما هو استقلاليته. إنّ شعار استقلال العمل الأخلاقي ـ الذي أدّى فيما بعد دورًا مهمًا في فلسفة الأخلاق ـ يُعدّ من تراث إيمانويل كانط.
إنّ استقلالية العامل الأخلاقي الذي يُعدّ من وجهة نظر إيمانويل كانط شرطًا أساسيًا لأخلاقية عملٍ ما، يعني تحرّر العامل من قيود النظام العلّي (عدم الإكراه)، والقدرة على التحرّر من القوّة الجاذبة والدافعة للميول والغرائز الإنسانية، والأهم من ذلك القدرة على العمل في ضوء حكم العقل من دون لحاظ غاية أو غرض خاص (إنّ هذه النقطة تظهر أساس وظائفية إيمانويل كانط في فلسفة الأخلاق).
قبل الخوض في نقد ومناقشة كلام إيمانويل كانط في هذا الشأن، يجدر التذكير بنقطةٍ وهي تأكيده الكثير على ضرورة وجود الله من أجل توجيه اعتبار الأخلاق.
يذهب إيمانويل كانط إلى الاعتقاد بأنّ العقل العملي لدى الإنسان حيث ينطوي على حكمين أصيلين، وهما لزوم البحث عن السعادة (المزيد من الخيرات)، ولزوم البحث عن الفضيلة، وكلاهما معتبر وبسبب اعتبارهما وعدم لَغْويتهما، فإنّ هذا الأمر يعبّر عن إمكان الجمع بين الفضيلة والسعادة للإنسان. ولكننا من ناحية أخرى نجد أنّ نظام الطبيعة بحسب ذاته ليس أخلاقيًا؛ بمعنى أنّه لا يميل إلى الجمع بين هذين الأمرين، وما أكثر الفضلاء الذين يحتاجون إلى لقمة العيش، ولا يرون السعادة حتى في نومهم (أكبر الخير واللذة). وعليه هل يجب القول إنّ هذين الحكمين العقليين العمليين غير متناغمين، وبالتالي فإنّ أحدهما لغو، أم هناك طريقة حلّ أخرى.
من هنا يتوصّل إيمانويل كانط إلى ضرورة وجود الله بوصفه حقيقةً تمتلك القدرة على التوفيق بين الفضيلة والسعادة، ومن شأن ذلك أنْ يعمل على ترويض الطبيعة
(137)المتمرّدة لأهل الفضيلة، وإذا لم يحصلوا في هذا العالم على لذّةٍ ونفع، سوف يتمّ تعويضهم في عالم آخر عمّا فاتهم في هذا العالم.
إنّ إله إيمانويل كانط لا يضطلع في الحقيقة والواقع بسوى إحلال التناغم بين هذين الحكمين للعقل العملي، وإنّ اعتباره ووجوده رهنٌ باعتبار ووجود هذين الحكمين، وإنّ وقع الشكّ والترديد فيهما فإنّ نار ذلك سوف تحيط الاعتقاد بوجود الله أيضًا. وهذا ما حدث بالفعل حقيقة، فإنّ أمثال كارل ماركس ولودفيغ فويرباخ وسيغموند فرويد ـ وقد نشأوا بأجمعهم ضمن الفضاء الفكري لإيمانويل كانط ـ قد انجرفوا عند أدنى شكٍّ في أصل أو أساس اعتبار العقل العملي والأحكام الأخلاقية، نحو التشكيك في وجود الله من دون أدنى تردد.
فقد عمد كارل ماركس من خلال التحليل الاجتماعي للأحكام الأخلاقية إلى فتح الطريق أمام التحليل الاجتماعي للاعتقاد بوجود الله، وكذلك سيغموند فرويد من خلال تحليله النفسي للأصول الأخلاقية قد فتح الطريق أمام التحليل النفسي للاعتقاد بوجود الله أيضًا، وقال بأنّ الاعتقاد بوجود الله إنّما ينشأ من خوف الإنسان، وتعليقه الوعي والإدراك الغريب عنه على شمّاعة عالم الخارج.
ومن هنا لم يأت هجوم رودولف أوتو ـ المتكلم اللاهوتي المسيحي ـ على إيمانويل كانط من فراغ، حيث قال إنّ إله كانط ودينه، قد تجاهل العنصر الأساسي للتديّن؛ أي: الشعور بحالة ثنائية الخوف والرجاء بالنسبة إلى الله، وقدّم بذلك تحليلًا غير ديني عن الله. وعلى كلّ حال فإنّ الغرض من ذكر هذه النقطة هو التأكيد على أنّ إيمانويل كانط وإنْ لم يكن يريد من خلال عقلنة الأخلاق إبطال تأثير وجود الله، بيد أنّ الطريق الذي اختاره وقيامه بعزل الوحي، قد انتهى إلى تلك النتيجة من الناحية
(138)العملية. نعود الآن إلى كلام إيمانويل كانط وهو أنّ استقلال العمل الأخلاقي يثبت لزوم تجرّده عن إطاعة أمر ونهي الآخرين بما في ذلك أمر الله ونهيه.
وبطبيعة الحال فقد تمّ توجيه بعض الاعتراضات على كلام إيمانويل كانط، أو يمكن توجيه بعض الاعتراضات عليه. وإنّ بعض الاعتراضات المطروحة أو التي يمكن طرحها عليه، على النحو الآتي:
أ. إنّ استقلال العمل الأخلاقي حتى إذا كان مقبولًا وعددناه شرطًا أخلاقيًا، لا يعني عزل حضور الوحي في الأخلاق ونفيه. إذ إنّ الذي يُفهم من استقلال الفعل الأخلاقي هو أنّ الشخص يقوم به عن وعي ومن خلال قبول مسؤوليته؛ وعليه فإنّه لو أخذ التوصية والأمر الإلهي بنظر الاعتبار في هذا الشأن، وعمل في إطار ذلك على أساس الأوامر الإلهية، لا يكون قد فقد استقلال العمل؛ وذلك لأنّه يكون قد أطاع الله بوعيٍ وإدراكٍ وحريةٍ كاملة، وهذا الأمر يختلف عن العمل اضطرارًا والذي يفقد العامل استقلاله. وعلى حدّ تعبير دوركين ـ وهو من الناقدين لكانط ـ إنّ استقلال الفعل الأخلاقي دستور سلوكي؛ بمعنى أنّ كيفية عمل العامل هي التي تعمل على توضيح وبيان الاستقلال أو عدم الاستقلال، وليس الطاعة أو القيام بالأمر الخاص الذي يؤمر به الفرد من قبل الله. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الذي يروم دوركين قوله هو أنّ استقلال عمل العامل يكمن في قدرته على الموازنة بين رغباته ومطالبه واتخاذ القرار بالقيام بفعل معيّن من خلال ملاحظة المجموع. وعلى هذا الأساس يمكن القيام بهذا الأمر الإلهي على شكلين، وهذا يعود إلى اختيار العامل نفسه. إذ يمكنه أنْ يلاحظه ويقوم به على نحوٍ اختياري وبشكلٍ مستقل، كما يمكن له أنْ يقوم بفعله اضطرارًا وعلى نحو الإجبار. وعليه فإنّ مجرّد لزوم استقلال الفعل الأخلاقي لا يعني التخلّي عن إطاعة الأمر الإلهي.
(139)ب. هل الحكم العقلي الذي يتحدّث عنه إيمانويل كانط يُعدّ كاشفًا عن خصوصية أخلاقية أم لا؟ فإنْ كان كاشفًا عن أمرٍ حقيقيّ وعيني، إذًا يكون الفعل الأخلاقي في الحقيقة والواقع متأثرًا بالواقعية دون ذات إرادة الإنسان. بمعنى أنّ الفعل الأخلاقي يتعيّن بحسب الأمور العينية والخارجية، وبشكلٍ مستقلٍّ عن العامل الأخلاقي، وهذا يخالف تأكيد إيمانويل كانط على استقلالية العامل الأخلاقي.
فإنْ قال: إنّ التبعية إلى العينية لا ينافي استقلالية العمل، كان الجواب هو: كيف لا تكون التبعية إلى التكوين الإلهي والعمل على طبق توجيه التكوين الإلهي منافية لاستقلال الفرد، في حين تكون التبعية إلى تشريعه والعمل على طبق قوله منافيًا لاستقلالية عمل الفرد وفعله؟!
وهنا كان من هير، وجان بول سارتر وغيرهما من المدافعين غير المعرفيين لاستقلال الفعل الأخلاقي أنْ أنهيا الطريق الذي بدأه إيمانويل كانط، وقالوا بأنّ استقلال العمل الأخلاقي إنّما يتحقق حينما نتحرّر حتى من قيود عينية الأخلاق أيضًا، وألّا يكون هناك في البين أطرٌ تعمل على تحديدنا وتقييدنا؛ حتى إذا كان هذا الإطار من صلب الحقيقة والواقع، ومن هنا فقد ارتبط استقلال العمل الأخلاقي بنظرية جعلية الأخلاق، وأخذوا يطربون وينشدون ويرقصون على أنغام تقول إنّ الأخلاق عبارةٌ عن دائرة المطالب والرغبات الفردية، وإنّ استقلالية العمل الأخلاقي تقضي بأنْ يختار الفرد كلّ ما يريده ويعمل على أساسه، وإنْ أراد أحدٌ أنْ يفرض قيودًا أو حدودًا عليه، أو يقول ـ على سبيل المثال ـ إنّ حُسن الحرية الجنسية مخالفٌ للطبيعة والقانون التكويني، يكون ناقضًا لأصالة استقلال العمل الأخلاقي؛ ناهيك عن أنْ يقول إنّ الله قد منع هذا الأمر؛ إذ يكون هذا الشخص ـ
(140)طبيعة الحال ـ مستأصلًا لأصالة العمل الأخلاقي من جذوره.
ج. لنفترض جدلًا أنّ العامل الأخلاقي يجب أنْ يكون مستقلًا ليكون العمل أخلاقيًا، بيد أنّنا لو أردنا أنْ نستنتج من ذلك وجوب عدم لحاظ الأمر والنهي الإلهي بحجة أنّ هذا الأمر يتنافى مع استقلاليته، فسوف يكون هذا رهنًا بفرضية ليس من السهل قبولها، ويضع كثيرًا من العراقيل والصعوبات في طريق الشخص الذي يقول بذلك. ومن ذلك القول بأنّ الله سبحانه وتعالى أجنبيٌّ عن الإنسان، وإنّ لحاظ أمره ونهيه يُعدّ إدخالًا للغير إلى الدائرة والمساحة الشخصيّة للإنسان.
فهل الأمر كذلك حقًا أم أنّ الله سبحانه وتعالى ـ في ضوء التعاليم الدينية ـ ليس غريبًا أو أجنبيًا عن الإنسان، بل إنّ الذات الحقيقية للإنسان إنّما تتجلّى بمقدار أنس الإنسان وقربه من الله ومعرفته له واتحاده معه، وإنّ الإنسان على حدّ الوصف الرائع والدقيق للقرآن الكريم ـ الذي نجعله مسك ختام هذه المقالة ـ من الاتحاد بنحوٍ لو أنّ الإنسان نسي الله يكون كما لو أنّه قد نسي نفسه، قال الله تعالى: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ).
(141)
(142)
عبد الحسين خسرو پناه
يشتغل علم الأخلاق في مجالاتٍ عدّة بعضها توصيفي، وبعضها له طبيعة آمريّة، أو فلنقل تهدف إلى التوصية ببعض الأمور. وتوضيح العلاقة بين الأخلاق والدين واحدٌ من الموضوعات الأساسية في البحث الأخلاقيّ المعاصر. والمقصود من الأخلاق في دراستنا هذه هو قضايا علم الأخلاق (الصدق حسن، والكذب قبيح...) والمقصود من علم الأخلاق ومن الدين الحقائق التي تكشف للإنسان عن الرؤية الصحيحة المتعلّقة بالسلوك والنظر بما يضمن له سعادته في الدنيا والآخرة. وفي توضيح هذه العلاقة بين الأخلاق والدين ثمّة توجّهات ثلاثة هي: التباين، والاتّحاد، والتفاعل. وقد كشف لنا البحث في القرآن الكريم عن أنّ التوجّه الصحيح هو الأخير أي التفاعل والتعامل بين الدين والأخلاق.
العلاقة بين الدين والأخلاق من المسائل التي شغلت أذهان الفلاسفة والمتكلّمين وعلماء الأخلاق، وما زالت تشغل أذهانهم على مدى قرون متمادية. ومن الشواهد الدالّة على هذا الانشغال رواج التعبير المركّب من كلمة أخلاق،
مضافةً إلى الإسلام تارةً واليهوديّة طورًا، والمسيحيّة طورًا آخر والبوذيّة كذلك، وعلى هذه الأديان يُقاس ما سواها، إنّ كان ثمّة سواها. وقد طُرِحت آراء وأفكار حول هذه العلاقة فثمّة فلاسفةٌ يونان ورومان من أمثال سقراط وأفلاطون وغيرهم يعتقدون باستقلال الدين عن الأخلاق، ثمّ ما لبثت هذه النظريّة أنْ تطوّرت إلى حدودها القصوى على يد ماركس وفرويد، كما إنّ بعض علماء الكلام الإسلاميّ العدليّة منهم وغير العدليّة طرحوا أفكارًا تعبّر بشكلٍ أو بآخر عن شكلٍ من أشكال العلاقة أو القطيعة بين المجالين، وقد عبّروا عن هذه العلاقة أو القطيعة في مواقفهم من التحسين والتقبيح على أساس الشرع أو العقل. ومهما يكن من أمرٍ، فإنّ الأسئلة التي يمكن معالجتها والبحث فيها في هذا المجال كثيرةٌ منها:
- إلى أيّ مدًى يجب أنْ تكون الأخلاق دينيّةً، وألا يمكن أن تكون علمانيّةً؟
- هل يمكن تحويل الدين والأخلاق كلٍّ منهما إلى الآخر وإرجاعه إليه، أم أنّ كلًّا منهما مستقلٌّ عن الآخر ولا يمكن إرجاعه إليه؟
- هل ينبغي أنْ تؤخذ التعاليم الأخلاقيّة من النصوص الدينيّة، أم أنّ العقل والضمير قادران على اكتشاف هذه التعاليم دون مساعدة العقل؟
- هل الدين في مجال الأخلاق يضع الحدود الدنيا المطلوب الالتزام بها، أم هو يتولّى بيان الحدّ الأعلى لهذه التعاليم؟
- وفي حال تبنّي الانفصال بين الدين والأخلاق، فهل تسود بين الطرفين حالةٌ من الوئام والانسجام أم أنّهما يتعارضان في بعض الحالات؟ وبناء على التعارض أيّهما يُقدّم على الآخر؟
سوف نحاول في هذه المقالة النظر في طبيعة العلاقة بين الدين والأخلاق على ضوء القرآن الكريم، في سعيٍ منّا لتحصيل الجواب القرآنيّ عن الأسئلة المطروحة أعلاه أو بعضها على الأقلّ.
(144)قبل التعرّف إلى الدين في القرآن ينبغي معرفة العلاقة بين الدين والمفاهيم الكلّيّة والتوجّهات المختلفة في تفسير الدين.
الدين من المفاهيم الكلّية العامّة التي تقبل الانطباق والحمل على مصاديق عدّة. ولا بدّ في مثل هذا البحث من تحديد طبيعة هذا المفهوم لمعرفة أنّه من المفاهيم الماهويّة أو الفلسفية أو المنطقيّة. ولعلّنا قبل ذلك نحتاج إلى شرح المراد من هذه المصطلحات الثلاثة في تصنيف المفاهيم:
1. المفاهيم الماهويّة، أو المعقولات الأوليّة هي المفاهيم التي تخطر في ذهن الإنسان بطريقة آليّة ودون الحاجة إلى ممارسة عمليّات ذهنيّة أو مقارنات بين شيئين أو أشياء، وهذه المفاهيم تُنتزع عادةً من المصاديق الجزئيّة، مثل: الإنسان والبياض وغيرهما من المفاهيم المشابهة التي تنطبق على مصاديق عدّة أو فلنقل تُنتزع من مصاديق عدّة. وذلك أنّه بمجرّد تحقّق الاتّصال الشخصيّ بين الإنسان وبين مجموعة من المصاديق سواء كان ذلك بوساطة الحواسّ أو بوساطة الشهود الباطنيّ، يعمد العقل إلى انتزاع مفهومٍ كلّيٍّ ينطبق على مجموع المشاهدات الجزئيّة التي تحقّق الاتّصال بها حسيًّا أو شهوديًّا. ومن خصائص المفاهيم الماهويّة أنّها ترسم الحدود الوجوديّة لماهيّات الأشياء، وتكون لمصاديقها بمنزلة القالب ينطبق عليها جميعًا.
2. المفاهيم الفلسفيّة أو المعقولات الثانية الفلسفيّة، وهي المفاهيم التي يتوقّف انتزاعها على النظر والمقارنة. ومن أمثلتها: العلة والمعلول، وهما مفهومان يتوقّف انتزاعهما على ملاحظة العلاقة بين شيئين وإدراك توقّف أحدهما على الآخر. فعندما نلاحظ النار والحرارة الناجمة عنها ويدرك العقل العلاقة بينهما ينتزع من النار مفهوم
العلّة ومن الحرارة مفهوم المعلول. ولولا هذه المقارنة والاستنتاج لما أمكن انتزاع هذين المفهومين. ومن أبرز خصائص هذا النوع من المفاهيم أنّه ليس لها بإزائها مفاهيم وتصوّرات جزئية؛ بحيث ينتزع الذهن المفهوم الكلي للعلية من الصور والمفاهيم الجزئية التي له.
3. والمفاهيم المنطقية أو المعقولات الثانية المنطقيّة هي المفاهيم التي تُنتزع من ملاحظة مفاهيم أخرى والنظر في خصوصيّاتها. مثلًا عندما يلاحظ العقل مفهوم الإنسان ويدرك قابليّته للانطباق على مصاديق كثيرةٍ، ينتزع مفهوم (كليّ). ومن هنا كانت هذه المعقولات صفاتٍ لمفاهيم أخرى. وجميع المفاهيم الأصلية التي تُستخدم في علم المنطق هي من هذا النوع.
وبالنظر في شرحنا لأقسام المفاهيم المتقدّمة يتبيّن أنّ الدين ليس واحدًا من أيٍّ منها، وذلك لأنّه لا يبيّن حدود مصاديقه حتى يكون من المفاهيم الماهويّة، ولا يُنتزع من ملاحظة العلاقة بين شيئين أو أشياء حتّى يكون من المفاهيم الفلسفية، وليس حكمًا أو صفة لمفهوم آخر حتى يكون من المفاهيم المنطقية.
والسرّ في عدم إمكان تصنيف الدين في إطار مجموعة من المجموعات المتقدّمة هو أنّ المقسم لهذه الأقسام الثلاثة هو المفاهيم البسيطة؛ أي المفاهيم البسيطة تنقسم إلى: ماهويّة، وفلسفية، ومنطقية، والدين ليس مفهومًا بسيطًا حتى يدخل تحت قسمٍ من هذه الأقسام؛ بل هو مركّبٌ اعتباريٌّ له أجزاء وفروع متعدّدة. وهو من هذه الناحية يشبه مفهوم العلم الذي ينطبق على الفيزياء، وعلم النفس، والرياضيّات، والتاريخ. مفهوم العلم مركّب اعتباريٌّ أطلقه العلماء بطريقة تعاقديّة وبناء على توافق على أجزاء محدّدة.
اختلفت التوجّهات في تعريف الدين وتنوّعت وأهمّ ما يمكن الإشارة إليه في هذا المجال ثلاثة توجّهات هي: التجريبية، والعقليّة، والنقليّة.
ينطلق هذا الاتجاه في تعريفه للدين من النظر إلى جميع مصاديق الدين الموجودة سواء كانت إلهيةً أم بشريّة، وتوحيدية أم شركية، وسماويّة أم أرضية، وذلك بهدف العثور على تعريفٍ جامعٍ مانعٍ ينطبق على جميع مصاديق الدين، ويمنع ما ليس دينًا من الدخول في دائرة هذا التعريف.
ويرى عددٌ من الباحثين عدم إمكان تبنّي تعريفٍ جامعٍ مانعٍ تنضوي تحته جميع مصاديق الدين المحقّقة والموجودة؛ وذلك لأسباب عدّة:
أوّلًا: إنّ الأديان تعرّضت خلال مسارها التاريخيّ لكثيرٍ من التغييرات والتفسيرات التي أفضت إلى تأسيس فرقٍ ومذاهب عدّة. وهذه الفرق أو المذاهب تتبنّى معتقدات ومقولات مختلفة وفي بعض الأحيان متضادّة أو متناقضة. ومن الصعوبة بمكانٍ، طرح تعريفٍ يجمع تحت لوائه جميع هذه التنوّعات على الرغم من تناقضها واختلافها، إلّا إذا استفدنا في هذا التعريف من الكلمات المبهمة التي ليس لها دلالاتٌ محدّدةٌ واضحة. ومثل هذا الخيار لا يتناسب مع مقام التعريف.
ثانيًا: إنّ تعريف الدين ليس هو أوّل حالات الاشتغال العلمي على الدين ودرسه والبحث فيه. فالبحث في حقيقة الدين والنقاش في تعريفه مسبوقٌ بمجموعةٍ من المبادئ التي ينبغي حسمها في علوم أخرى مثل: علم المعرفة، والإناسة (الأنثروبولوجيا)، والفلسفة، كما هو مسبوقٌ بتحديد موقفٍ من الواجب والدور الذي يمكن أن يؤدّيه الدين. وكمثال على تأثير هذه الاختلافات في التعريف نشير
(147)إلى أنّ النظر في النصوص الدينيّة يعطي تعريفًا يختلف عن النظر إلى الدين من الخارج وبعيدًا عن هذه النصوص.
ومهما يكن من أمرٍ، فإنّه يبدو لنا أنّ النظرة التجريبيّة والاجتماعيّة إلى الدين تفيدنا بوجود ثلاث خصوصيّاتٍ مشتركةٍ موجودةٍ في جميع الأديان سواء كانت إلهيّة أم بشريّة. والخصوصية الأولى هي الاعتقاد بوجود عالم باطنيٍّ ملكوتيّ مضافًا إلى العالم المُلكيّ الظاهريّ، والثانية هي الاعتقاد بالنجاة (الخلاص) والفلاح، والثالثة هي تقديم الدين منظومةً وصفيّةً وقيميّةً للعلاقة بين الملك والملكوت وتكون وسيلة لنيل الخلاص والنجاة. وجميع الأديان إلهيّةً كانت أم بشريّة تدّعي أنّها تكشف للإنسان كيف يمكن أنْ ينفذ من الظاهر إلى الباطن ومن عالم المُلك إلى عالم الملكوت، وتدّعي أنّها تقدّم للإنسان الوصفة الصالحة للنجاة والفلاح. هذا ولكن الاتّجاه التجريبيّ لا يمكنه الحكم بحقّانية هذه الدعوى أو عدم حقّانيّتها، أو التمييز بين الدين الحقّ والدين غير الحقّ، ولأجل هذا نجده يقنع بالاكتفاء بوصف هذه الأديان والحكاية عن ما تدّعيه. وبناءً عليه نرى أنّ إصدار الأحكام على الدين ودعاواه تحتاج إلى الاشتغال بآلياتٍ أُخر غير آليّات هذا الاتجاه، والاتّجاه المرشّح هو الاتّجاه المنطقيّ.
يبتني هذا الاتّجاه في مقام فهم الأديان على النظر في حقيقة الدين بطريقةٍ عقليةٍ منطقيّة، بغضّ النظر عن ما تحقّق من الدين في الواقع، وذلك ليحكم على مدّعيات الدين بالصحة والفساد، وليقوّم مدى صحّة وصدقيّة مدّعياتها. وممّا يمكن لهذا الاتّجاه الاستفادة منه مجموعةٌ من المبادئ المعرفية والإناسيّة والفلسفية، ويستند إلى هذه المبادئ للقول في تعريف الدين والحكم على ما تحقّق من مصاديقه أو عليها. وأحد مسارات هذا الاتّجاه هو أنْ يثبت بالاستناد إلى مجموعةٍ من المقدّمات والمفاهيم
(148)البديهيّة أنّ وجود الله الحكيم العادل الجامع لجميع الكمالات، ثم يثبُت وجوب الحياة بعد الموت على ضوء حكمة الله وعدله، ويتّضح بالاستناد إلى ما ذكرناه وغيره أنّ معتقدات الإنسان وسلوكه في هذه الحياة ينعكس في الحياة الآخرة ويرتبط بها. وبعبارة أخرى: يثبُتُ في ضوء هذه المقدّمات والقواعد المنطقية أنّ عالم الظاهر ليس مقطوع الصلة بعالم الباطن، وأنّ عالم الملك ليس منبتًّا عن عالم الملكوت. وفي مرحلة لاحقةٍ يثبِتُ أصحاب هذا الاتّجاه أنّ الأدوات والوسائل العاديّة المتاحة للبشر كالعقل والتجربة والشهود، لا تسمح لهم باكتشاف الصلة بين العالمين، ولا تسمح لهم بتقديم وصفةٍ ناجعةٍ لتأمين السعادة والنجاة والفلاح الأبديّ. وعليه تقتضي الحكمة الإلهيّة ضرورة مدّ يد الهداية للناس وهذا يتحقّق عندما يبقى الوحي الإلهيّ مصونًا من يد التحريف والعبث البشريّ به.
وحقيقة الدين وفق هذا الاتّجاه، تتوفّر على المبدأ الفاعليّ، والمبدأ الغائيّ والمبدأ المضمونيّ (تبيّن العلاقة بين الملك والملكوت وكيفية نيل السعادة). ومثل هذا التعريف لا ينطبق سوى على بعض الأديان وليس على جميعها. والأديان البشريّة على الرغم من أنّ بعضها على الأقل يدّعي بعض الدعاوى المشار إليها وخاصّة قضية الربط بين الملك والملكوت، على الرغم من ذلك فإنّ هذا التعريف لا ينطبق عليها ولا يصدق عليها الدين حقيقةً وواقعًا، وهي ليست قادرةً على هداية البشر إلى طريق سعادتهم، وهي عاجزةٌ عن اكتشاف العلاقة الحقيقيّة بين ظاهر العالم وباطنه.
وردت كلمة دين في بعض النصوص الدينيّة مثل: الأفستا، والتوراة، والقرآن. ومن هنا فإنّ النظر في هذه النصوص وكيفية استخدامها لهذا الكلمة يسعفنا في فهم
(149)الدين ويكشف لنا وجه الحقّ في تعريفه.
الدين (دَئِنا= Daena) في نصوص الآفستا من الجذر (داوس) والمعنى الذي يشير إليه هذا الجذر بحسب المعجم الاصطلاحي الآفستي، هو التفكير، والوعي والمعرفة. ودئنا في الديانة الزرادشتية عُدّ أساسًا وبنيانًا. وذلك لأنّه بحسب الآفستا القوّة الدرّاكة والعاقلة هي التي تعطي الإنسان القدرة على التمييز بين الخير والشرّ، وبالتالي تكون سببًا لفلاحه ونجاته. ويرى بعض الباحثين في الزرادشتية أنّ كلمة دَئِنا تعود إلى الجذر «داي» (Day) الذي يعني الرؤية من الفعل ديدن باللغة الفارسية؛ ولأجل هذا فسّر هؤلاء هذه الكلمة بالنظر والرؤية، ولكن ليس النظر والرؤية بالمعنى المتداول العاديّ في الحياة اليومية؛ بل النظر والرؤية في مجال الدين والشهود، أي الفعل الذي ينجم عنه في نهاية المطاف إدراك الإنسان الحقيقة الإلهيّة.
لم ترد كلمة (دين) في العهد الجديد والأناجيل الأربعة المعتمدة في المسيحية، ولكنّ هذه الكلمة وردت مع بعض اشتقاقاتها في التوراة ودلّت في هذه الاستعمالات على معنى الحكم والجزاء في الحياة الدنيا، وليس في الآخرة. فقد ورد في سفر التكوين أنّ الله أدان البشر بمجموعة من الحوادث منها طوفان نوح، وتدمير مدينتي سدوم وعمورة. ويُحتمل أن الاسمين «دان» (Dan) (Dinnah) و«دينة» اللذين يذكر أنّهما اسمان لابنين من أبناء يعقوب مشتقّان من هذه المادة التي تعني الإدانة والجزاء. وتروي التوراة أنّ أحد أبناء الأمراء يعجب بإحدى بدينة ابنة يعقوب ويزني بها ثم يرغب في الزواج منها بعد ذلك، ويطلب من أبيه أنْ يخطبها له، فيفعل الأب ولكنّ
يعقوب وأبناءه يشترطون في الموافقة على الخطبة أنْ يختتن هو وجميع ذكور قومه؛ لأنّهم لا يزوّجون ابنتهم لرجل أغلف، فيوافق الرجل ويطلب من أقرانه من بني قومه الاختتان فيستغل شمعون ولاوي ابنا يعقوب فرصة معاناة الرجال من ألم الاختتان، فيدخلان مضاربهم فيقتلون الرجال، ويسبون النساء والأطفال وينهبون الأموال انتقامًا لشرفهم. وهكذا يدينون القوم بسبب انتهاكهم شرف أختهم ويظهر من التوراة أنّها سُمِّيت بهذا الاسم بسبب هذه الواقعة.
وكلمة (دان) ترد هي أيضًا في سفر التكوين من التوراة. ففي سياق الحديث عن راحيل إحدى زوجات يعقوب التي كانت لا تلد، بخلاف أختها وضرّتها التي كانت كثيرة الذريّة، تخبرنا التوراة أنّ راحيل غارت من أختها وقالت ليعقوب عليهالسلام: «هب لي بنين، وإلّا فأنا أموت!». فيغضب يعقوب على راحيل ويقول لها: «ألعلّي مكان الله الذي منع عنك ثمرة بطنك؟»، فوهبته جاريتها المسمّاة بلهة وطلبت منه أنْ يطأها فتلد، وتأخذ ولدها ويكون لراحيل بدل أمّه، فاستجاب يعقوب لطلبها وحبلت وولدت له ابنًا، فقالت راحيل: «قد قضى لي الله وسمع أيضًا لصوتي وأعطاني ابنًا». «لذلك دعت اسمه دانا».
وبناءً على هذا يمكن القول إنّ كلمة دين في التوراة تعني الجزاء والإدانة ثوابًا وعقابًا في هذه الدنيا، أمّا في التلمود فإنّها تفيد الجزاء والإدانة في الآخرة.
وردت كلمة (دين) في القرآن مرّات عدّة، وأفادت معاني عدّة تختلف بحسب السياق الذي وردت فيه، ومن هذه المعاني التي دلّت عليها هذه الكلمة عند ورودها في القرآن الكريم:
1. الدّين بالمعنى المعروف (النظام المعرفي والقيمي): سواء كانت حقًّا أم باطلًا، ومن موارد استعمال هذه الكلمة في هذا المعنى في القرآن الكريم يمكن الإشارة إلى هذه الآيات: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾. ﴿ولَكُمۡ دِينُكُمۡ وَلِيَ دِينِ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾.
2. الدين (النظام المعرفي والقيميّ) الحقّ الإلهيّ: ومن الآيات التي استعملت فيها كلمة (دين) في هذا المعنى قوله تعالى: ﴿مَا تَعْبُدُونَ مِن دُونِهِ إِلَّا أَسْمَاءً سَمَّيْتُمُوهَا أَنتُمْ وَآبَاؤُكُم مَّا أَنزَلَ اللَّهُ بِهَا مِن سُلْطَانٍ ۚ إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ ۚ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾، ومنها قوله تعالى: ﴿وَأَنْ أَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا وَلَا تَكُونَنَّ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾، ومنها أيضًا قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾، وقوله تعالى: ﴿أَفَغَيْرَ دِينِ اللَّهِ يَبْغُونَ وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾، وقوله تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي أَرْسَلَ رَسُولَهُ بِالْهُدى وَ دِينِ الْحَقِّ لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَ لَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾؛ وقوله تعالى: ﴿وَوَصَّىٰ بِهَا إِبْرَاهِيمُ بَنِيهِ وَيَعْقُوبُ يَا بَنِيَّ إِنَّ اللَّهَ اصْطَفَىٰ لَكُمُ الدِّينَ فَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾.
3. الجزاء والحساب: ومن الآيات التي وردت فيها كلمة دين بهذا المعنى نشير إلى الآيات الآتية، وهي قوله تعالى: ﴿مَالِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، وقوله: ﴿وَالَّذِي أَطْمَعُ أَنْ يَغْفِرَ لِي خَطِيئَتِي يَوْمَ الدِّينِ﴾.
4. قوانين الشريعة: وذلك في قوله تعالى: ﴿وَجَاهِدُوا فِي اللَّهِ حَقَّ جِهَادِه * هُوَ اجْتَبَاكُمْ وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ * مِّلَّةَ أَبِيكُمْ إِبْرَاهِيمَ * هُوَ سَمَّاكُمُ الْمُسْلِمِينَ مِن قَبْلُ وَفِي هَٰذَا لِيَكُونَ الرَّسُولُ شَهِيدًا عَلَيْكُمْ وَتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ ۞ فَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَاعْتَصِمُوا بِاللَّهِ هُوَ مَوْلَاكُمْ ۞ فَنِعْمَ الْمَوْلَىٰ وَنِعْمَ النَّصِيرُ﴾؛ ومنها قوله تعالى:﴿فَبَدَأَ بِأَوْعِيَتِهِمْ قَبْلَ وِعَاءِ أَخِيهِ ثُمَّ اسْتَخْرَجَهَا مِن وِعَاء ِأَخِيه ِ ۞ كَذَٰلِكَ كِدْنَا لِيُوسُفَ ۞ مَا كَانَ لِيَأْخُذَ أَخَاهُ فِي دِينِ الْمَلِكِ إِلَّا أَن يَشَاءَ اللَّهُ ۞ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَّن نَّشَاُ ۞ وَفَوْقَ كُلِّ ذِي عِلْمٍ عَلِيمٌ﴾. وتجدر الإشارة إلى أنّ المعنين الأوّل والثاني محتملان في هاتينِ الآيتينِ أيضًا.
5. الطاعة والعبودية والتديّن: وذلك كما في قوله تعالى: ﴿إِنَّا أَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ فَاعْبُدِ اللَّهَ مُخْلِصًا لَّهُ الدِّينَ﴾، وقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ؟ع؟ قوله: «الإسلامُ هو التسليم، والتسليمُ هو اليقين».
6. الاعتقادات القلبية والإيمان: وذلك كما في قوله تعالى: ﴿لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَد ِاسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا
وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ﴾، ومن ذلك قوله عزّ وجلّ أيضًا: ﴿وَمَنْ أَحْسَنُ دِينًا مِّمَّنْ أَسْلَمَ وَجْهَهُ لله وَهُوَ مُحْسِنٌ واتَّبَعَ مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَاتَّخَذَ اللّهُ إِبْرَاهِيمَ خَلِيلًا﴾.
7. الإسلام: مضافًا إلى الآية 19 من سورة آل عمران ثمّة رواياتٌ وأخبار عدّة تفيد أنّ كلمة (دين) تعني الإسلام والشريعة الخاصّة التي نزلت على رسول الله محمدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ذلك ما ورد عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم نفسه، حيث يقول: «جائني جبرائيل فقال لي: يا أحمد، الإسلام عشرة أسهمٍ، وقد خابَ من لا سهمَ له فيها، أوّلها شهادة أنْ لا إله إلّا الله وهي الكلمة، والثانية الصلاة وهي الطهر، والثالثة الزكاة وهي الفطرة، والرابعة الصوم وهي الجُنّة، والخامسة الحج وهي الشريعة، والسادسة الجهاد وهو العزّ، والسابعة الأمر بالمعروف وهو الوفاء، والثامنة النهي عن المنكر وهو الحجّة، والتاسعة الجماعة وهي الألفة، والعاشرة الطاعة وهي العصمة».
وسأل كميل بن زياد أمير المؤمنين عليهالسلام عن قواعد الإسلام ما هي؟ فقال: «قواعد الإسلام سبعة، فأوّلها العقل، وعليه بُني الصبر، والثاني صون العرض وصدق اللهجة، والثالثة تلاوة القرآن على جهته، والرابعة الحبّ في الله والبغض في الله، والخامسة حقّ آل محمد ومعرفة ولايتهم، والسادسة حقّ الإخوان والمحاماة عنهم، والسابعة مجاورة الناس بالحسنى».
وورد عن الإمام الباقرعليهالسلام ، قوله: «الإسلام على خمس، على الصلاة، والزكاة، والصوم، والحج، والولاية».
يرى بعضٌ أنّ كلّ كلمةٍ لها معنى أساسيّ، وهذا المعنى الأساس يبقى على الرغم
من احتمال طروء تحوّل في معناها. فكلّ عنصرٍ في نظام حيٍّ، من الطبيعيّ أنْ تطرأ على العلاقات بين عناصره حالاتٌ من التبدّل والتغيّر، وكثيرًا ما يؤدّي هذا العنصر أدوارًا جديدةً لم يكن يؤدّيها من قبل، وذلك أشبه بالأدوار التي يؤدّيها الفرد في المجتمع الذي يعيش فيه. ودور الكلمات يشبه إلى درجةٍ بعيدةٍ دور الفرد في المجتمع. وإذا لم نقبل هذه القاعدة في اللغة والكلمات بشكلٍ كاملٍ، فلا مجال لإنكارها بالكامل أيضًا، ويبدو أنّه لا مناص من الموافقة عليها ولو بنحوٍ جزئيٍّ ومورديّ، ومن هذه الموارد كلمة (دين) في القرآن الكريم. فإنّ تكرار استعمال هذه الكلمة في سياقاتٍ مختلفةٍ تستدعي بالضرورة القبول بتعدّد المعاني التي تشير إليها هذه الكلمة بحسب السياق، ولكنّ استفادة هذه المعاني المختلفة مشروطٌ بانسجام هذا المعنى مع النسيج السياقيّ الخاصّ به، وبعدم تعارض هذه المعاني مع المعنى المركزيّ الأساس.
من أشكال الخلل في المعاجم وكتب اللغة أنّها في كثيرٍ من الأحيان تستعيض عن اكتشاف المعنى الأساس بالإشارة إلى مجموعةٍ من المعاني الاستعمالية التي غالبًا ما تكون نسبيّةً مرتبطةً بهذا السياق أو ذاك، أو بهذا الزمن والمرحلة الزمنية أو تلك. ومن النماذج التي يمكن الإشارة إليها نموذج كتاب (المُنجِد) وهو أحد معاجم اللغة العربية المعاصرة. فهذا المعجم يذكر لكلمة (دين) ما يقارب تسعة وعشرين معنًى. وكلّ واحدٍ من هذه المعاني قد يكون صحيحًا في سياقه الخاصّ وفي إطار استعماله، ولكن عندما نخرج هذا المعنى من ذلك السياق نجده أجنبيًّا عن المعنى الأساس لهذه الكلمة. ويكشف النظر في موارد استعمال كلمة (دين) في القرآن الكريم عن أنّ المعنى الأساس للدين كان واحدًا، على الرغم من دخول بعض الاختلاف في الآداب والمناسك وقواعد السلوك والقوانين الاجتماعية وغيرها. على الرغم من هذا الاختلاف فإنّ الجوهر الذاتيّ والجوهريّ للدين لا يتقيّد بزمانٍ ولا بمكان، ولا يرتبط بأشخاصٍ بأعيانهم. أمّا المعاني النسبية فهي معانٍ مقيّدةٌ بالزمان والمكان والأشخاص.
(155)وبالاستفادة من هذا المبدأ اللغوي التفسيريّ ــ بل ربّما من دونه ــ والاكتفاء بجمع الآيات التي ترد فيها كلمة (دين)، تسمح باكتشاف المعنى الحقيقيّ والأساسيّ لهذه الكلمة في القرآن الكريم والروايات. ونحن نرى أنّ حقيقة الدين في النصوص الدينيّة هي: «مجموعة الرؤى والقواعد السلوكيّة من أوامرٍ ونواهٍ، تبيّن للإنسان سبيل نجاته وسعادته».
والدراسة الدلاليّة (السيمانطيقية) لموارد استخدام كلمة (دين) في القرآن الكريم تكشف عن أنّها استخدمت في أكبر عددٍ من المرّات في معنيين يبدوان في الظاهر متنافيين. والمعنى الأول من هذين المعنيين هو الشريعة والآداب والقوانين ومن موارد الاستعمال في هذا المعنى الآيات الآتية: ﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ﴾، ﴿الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ﴾، ﴿وَرَأَيْتَ النَّاسَ يَدْخُلُونَ فِي دِينِ اللَّهِ أَفْوَاجًا﴾، ﴿الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُواْ مِن دِينِكُمْ﴾، ﴿يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لاَ تَغْلُواْ فِي دِينِكُمْ﴾... والمعنى الثاني هو الجزاء والثواب والعقاب وهو ما ورد في عددٍ من الآيات منها: ﴿مَـلِكِ يَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿إِنَّ الدِّينَ لَوَاقِعٌ﴾، ﴿الَّذِينَ يُكَذِّبُونَ بِيَوْمِ الدِّينِ﴾، ﴿أَرَأَيْتَ الَّذِي يُكَذِّبُ بِالدِّينِ﴾. هذا ومن المعاني التي استعملت فيها كلمة (دين)، معنى التديّن وهذا لا بدّ من إرجاعه إلى المعنى الحقيقي الذي نسعى في البحث عنه.
وخلف الظاهر الذي يوحي بالاختلاف بين المعنيين، يمكن بالتأمّل في موارد استعمال كلمة (دين) اكتشاف المعنى الأساس والمرجعيّ لهذه الكلمة. والمنشأ الذي يبرّر الوحدة بين المعنيين المذكورين أعلاه يستند إلى فرضٍ قرآنيٍّ يبيّن العلاقة التكوينيّة بين الأعمال ونتائجها، وهذا ما يُستفاد من عددٍ من آيات القرآن الكريم. ومثال ذلك من عالم الطبيعة أنّ من يزرع القمح مثلًا في الظروف الطبيعيّة، له أنْ يتوقّع الحصول بعد مدّةٍ من الزمان على محصول من القمح الذي زرعه. ووفق القاعدة نفسها يكشف القرآن الكريم عن العلاقة الوثيقة بين العمل وبين جزائه أو فلنقل بين العمل وبين المصير الذي ينتهي إليه الإنسان. ومن هنا نلاحظ أنّ الرسالة التي تتضمّنها آياتٌ عدّةٌ من القرآن الكريم تفيد أنّ جميع عقائد الإنسان وأعماله ومناسكه وسلوكه والآداب التي يتأدّب بها والتعاليم التي يلتزم بها في حياته الدنيا، تخضع للتقويم في الآخرة، وينال الإنسان جزاءه على أساسها، وبعبارةٍ أقرب إلى المقصود تنعكس هذه الأعمال في الآخرة وتترتّب عليها نتائجها: ﴿يَوْمَئِذٍ يَصْدُرُ النَّاسُ أَشْتَاتًا لِّيُرَوْا أَعْمَالَهُمْ * فَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ * وَمَن يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ شَرًّا يَرَهُ﴾.
ففي يوم القيامة تظهر العلاقة الوثيقة بين الأعمال ونتائجها، وهذا ما يسمح بالتعبير عن الدين بأنّه الجزاء؛ وذلك لأنّ العقاب والثواب هما نتائج ما اعتقده الإنسان وما مارسه في هذه الدنيا.
ولعلّ بعض الناس يعتقدون أنّ العمل ونتيجته أمران منفصلان أحدهما عن الآخر؛ وبناءً على هذا الاعتقاد يتساءلون عن صحّة الربط بين المعنيين لهذه الكلمة؟ وفي الجواب عن هذا السؤال نقول إنّ بعض آيات القرآن تكشف بوضوح عن هذا الاتّحاد وتبيّن أنّ الجزاء هو النتيجة التي ينتهي إليها العامل في الآخرة بحيث تكون
العلاقة بين العمل والجزاء علاقة الظاهر بالباطن، وبعبارةٍ أخرى: العمل ونتيجته أحدهما ظاهر حقيقةٍ والآخر باطنها. ففي سورة العنكبوت يخاطب الله أهل جهنّم بقوله: ﴿ذُوقُوا ما كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، فهو تعالى يأمرهم بتذوّق ما كانوا يعملونه نفسه، وهذا هو ما ندّعيه، وقد استعمل الله عزّ وجلّ الأمر بالتذوّق بدل الأمر بالرؤية. وفي سورة البقرة يقول الله تعالى عن لسان الصالحين في الجنّة: ﴿قَالُوا هَٰذَا الَّذِي رُزِقْنَا مِن قَبْلُ﴾، فهم يتحدّثون عن أنّ الرزق الذي ينالونه هو ما كانوا يرزقونه عينه من قبل.
وحاصل الكلام، ومع غضّ النظر عن المبدأ الذي أشرنا إليه، فإنّ لكلمة (دين) في القرآن الكريم معنيين أحدهما في الدنيا، والآخر في الآخرة وبعد الموت. والمعنى الدنيويّ للدين هو الأعمال والقواعد السلوكيّة والحدود والقيود المبتنية على تعاليم القادة الإلهيّين، وهذا ما يُعبّر عنه بـ(الدين القيّم)، و(دين الحقّ). والمعنى الأخروي أي عالم ما بعد الموت هو انتقال المؤمنين والصالحين إلى الجنّة والخلود فيها، وانتقال الكافرين إلى النار والخلود في عذابها الأبديّ. والإعلان عن هذين العالمين والحديث عنهما في القرآن يعني أنّ كلًّا منهما مقدّس بحسب القرآن الكريم. وعليه فالدين هو الحقائق التي تبيّن للإنسان أعماله في هذه الدنيا ونتائجها في الآخرة. فإذا كان هذا الدين منتسبًا إلى الله تعالى فهو دينٌ حقٌّ وصادقٌ يمكن الوثوق به والاعتماد على بياناته وتقديراته. أمّا إذا كان منتسبًا إلى غير الله تعالى فلا مجال للوثوق بهذا البيان، ولا الاعتماد على تشخيصه؛ لما سوف يؤول إليه حال التديّن بتعاليمه في ذلك العالم.
والمرجع في تشخيص القضايا الدينيّة وتمييزها عن غير الدينيّة هو كلّ ما أو من يتوقّع في حقّ القدرة أو صلاحية اكتشاف العلاقة بين عالم المُلْك والملكوت، أو بين ظاهر الأعمال والاعتقادات وباطنها. وما له هذه الصلاحية من المصادر هو ما
أنزله الله تعالى وأُرسل به بعض البشر إلى الناس، وهو الكتب السماوية أو الكلام الصادر عن هؤلاء الرسل (في الإسلام هو الكتاب والسنّة)، أو القوّة التي يمكن بها اكتشاف هذه العلاقة المشار إليها على أنْ يكون هذا الكشف قطعيًّا ويقينيًّا (العقل). وبناءً على هذا فإنّ جميع القضايا والإخبارات الشرعية هي إخبارات دينيّة؛ لأنّ الأصل الأوليّ فيها أنْ تكون صادرةً بهدف بيان سبيل السعادة أو سبيل الشقاء، وبيان الأعمال وما يترتّب عليها في العالم الآخر. ولا نخرج عن هذه القاعدة إلا بدليلٍ ومبرّرٍ يجعلنا نحكم أنّ هذا الإخبار الوارد في السُنّة مثلًا لا يقصد منه هذا، بل صدر لأجل أمرٍ آخر. وهذا استثناءٌ له أمثلته في السُنّة الشريفة، كما لو ثبت أنّ هذا القول أو التصرّف صدر عن المعصوم على وجه التقيّة، ففي هذه الحالة لا يُعدّ مضمونه المباشر تقيّةً على الرغم من أنّ كونه تقيّةً أمرٌ دينيٌّ.
وحاصل ما تقدّم أنّ جميع تعاليم القرآن الكريم وجميع ما تضمّنته السُنّة من أخبارٍ عن المعصومين هي قضايا دينيّة، حتى لو لم تكن في ظاهرها أمرًا عباديًّا، كالإخبارات التي وردت في علاج بعض الأمراض، أو التوصية بهذا الطعام أو ذاك. وجميع هذه التوصيات لها تهدف إلى بيان الصلة بين الأعمال في الدنيا وآثارها في الآخرة حتّى لو لم يُصرّح بهذا الأمر الأخير في الآية أو الرواية. والأمر نفسه ينطبق على مدركات العقل في مجال الاعتقادات والتعاليم؛ حيث إنّها أوّلًا تبيّن الصلة وتكشف عن العلاقة بين الحياة الدنيا وبين السعادة والشقاء الأخرويين، أو فلنقل تكشف عن العلاقة بين عالمي المُلك والملكوت؛ وثانيًا لأنّ مدركات العقل وأحكامه في هذا المجال قطعيّةٌ يمكن الاطمئنان إليها، فهي لأجل هاتين الملاحظتين يمكن عدّها من القضايا الدينيّة. وأما المدركات العقلية التي لا تتوفّر فيها هاتان الخصوصيّتان فلا يمكن عدّها قضية دينيّةً. وفي ضوء هذا يظهر أنّ الأبحاث التي تصنّف في الفلسفة في باب الإلهيّات بالمعنى الأخص (المباحث المتعلّقة بمعرفة الله، والنبيّ أو الإمام،
(159)ومباحث المعاد) هي أبحاثٌ دينيّةٌ ونتائجها نتائجُ دينيّةٌ على الرغم من استنادها إلى العقل لإثبات هذه الفكرة أو نفي تلك. وأمّا المباحث المتعلّقة بالرياضيات أو المباحث الفلسفية العامّة فلا شيء يقتضي عدّها قضايا دينيّة؛ وذلك لأنّها لا تهدف إلى بيان الآثار والنتائج التي تترتّب على الأعمال في الآخرة. وبكلمةٍ عامّة: كلّ قضيةٍ تهدف إلى الكشف عن العلاقة بين العمل وآثاره في الآخرة، بطريقةٍ يقينيةٍ أو موجبةٍ للاطمئنان هي قضيةٌ دينيّة، سواء كان مصدرها العقل أم النقل (القرآن والسنّة).
والصراط المستقيم في القرآن الكريم هو الدين الإلهيّ: ﴿قُلْ إِنَّنِي هَدَانِي رَبِّي إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ دِينًا قِيَمًا مِلَّةَ إِبْرَاهِيمَ حَنِيفًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ﴾. وقد ورد عن الإمام الباقرعليهالسلام في حديث عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وقد ذكر إبراهيم عليهالسلام : « دينه دينيّ وسنّته سنّتي..». ﴿الَر كِتَابٌ أَنزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ إِلَى صِرَاطِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ﴾.
ويرى الشيخ الجوادي آملي أنّ الدين هو: «مجموعة العقائد، والأخلاق، والقوانين والمقرّرات التي تهدف إلى إدارة أمور المجتمع الإنسانيّ وتربية الإنسان. وإذا كانت هذه الأمور حقًّا أمكن التعبير عنها بدين الحقّ؛ وعليه فإنّ الدين الحقّ هو مجموعة العقائد والقوانين والمقرّرات التي نزلت من لدن الله تعالى، والدين الباطل هو الدين الذي لا يستند إلى الله عزّ وجلّ».
الأخلاق هي الصفة النفسانيّة أو الهيئة الراسخة التي على أثرها تصدر عن الإنسان أفعالٌ محدّدةٌ دون حاجةٍ إلى كثيرٍ من التفكير والتأمّل. وهذا المعنى اللغوي
ينطبق على الفضائل والرذائل، ومن هنا يمكن تقسيم الأخلاق بحسب هذا التعريف إلى أخلاقٍ فاضلةٍ وأخرى رذيلة.
والأخلاق في الاصطلاح علمٌ يتحدّث عن أهم ميادين الحياة الإنسانية. فكلّ فردٍ من بني البشر يواجه في حياته على الدوام أسئلة حول ما يجب فعله وما لا يجوز ولا ينبغي أن يفعله. فيسأل نفسه مثلًا: هل يجب أن أكون صادقًا في الشهادة التي أؤدّيها في المحكمة؟ هل إيذاء الناس أمرٌ سيئ؟ هل الفرار من السجن قبيحٌ؟ هل يجب علينا تجنّب الكذب في أحاديثنا؟ إلى غير ذلك من الأسئلة الكثيرة التي تتعلّق بكلّ فعلٍ من أفعالنا الاختياريّة. وهذه الأسئلة المتعلّقة بالسلوك الإنسانيّ، هي منشأٌ لأسئلةٍ من نوعٍ آخر، من قبيل: ما هو المعيار الذي على أساسه تُصنّف الأفعال إلى حسنةٍ وقبيحة؟ هل القضايا ذات الطابع الأخلاقيّ تتوفّر على معيار يساعد على التمييز بين الصادق منها والكاذب؟ ما هي طبيعة العلاقة بين الأخلاق وبين سائر العلوم أو الساحات الفكرية مثل: الدين والفنّ والتربية...؟ هل يمكن استنتاج الأحكام الأخلاقيّة من القضايا الخبريّة؟ وأسئلة أخرى تتجاوز العشرات. والمباحث الأخلاقيّة يمكن تقسيمها إلى سبع محاور رئيسة، هي:
هذا النوع من القضايا العلمية أو بعبارةٍ أوضح هذا البحث العلميّ له طابعٌ تجريبيٌّ توصيفيّ، وتاريخيّ. وهذا الاشتغال هو اشتغال علميٌّ اهتمّت به علوم عدّة مثل علماء التاريخ، وعلماء النفس، والاجتماع. والهدف الذي يراد من البحث في القضايا الأخلاقية في هذا المحور هو توصيف الأخلاق أو النظم الأخلاقية
(161)واكتشاف ما فيها ووصف واقعها وهو ما يُسمّى بـ(الأخلاق التوصيفيّة). وقد تعرّض القرآن لأخلاق الأمم، وقدّم وصفًا لها ولو على نحو الإيجاز والاختصار.
والحديث عن القضايا الأخلاقية هو حديثٌ عن الحسن والقبح وما يجب ولا يجوز من أعمال الإنسان، وعن الصفات الحسنة والصفات القبيحة التي يمكن أنْ يتّصف بها الإنسان. والبحث في هذا النوع من القضايا يُسمّى بـ(الأخلاق المعياريّة) أو (الأخلاق الآمرة)، وأحيانًا تُستخدم عبارة (الأخلاق من الدرجة الأولى) للتعبير عن هذا النوع من المباحث. وتنقسم الحقائق الأخلاقية إلى قسمين: القسم الأول هو القضايا التي محمولها مفاهيم من قبيل حسن وقبيح، والقسم الثاني هو القضايا التي محمولها مفاهيم من قبيل يجب ولا يجوز. وقسم كبير من المسائل التي تعرّض لها القرآن ذات طابعٍ قيميّ يحدّد القيم الإيجابية والسلبيّة، والأوامر والتعاليم الأخلاقيّة.
تبرير القواعد والأحكام الأخلاقيّة من أهمّ ما يشغل بال فلاسفة الأخلاق. وبعبارةٍ أخرى: يشتغل فلاسفة الأخلاق على مجموعةٍ من القضايا الأساسية واحدة من أهمّها البحث في المبرّرات والدواعي التي تدفع إلى الالتزام بالقواعد والأحكام الأخلاقيّة. فبعض علماء فلسفة الأخلاق يبرّرون ذلك بالإشارة إلى الآثار والنتائج السلبية التي تترتّب على مخالفة قواعد الأخلاق، وهذه الآثار تارة تلحظ من الناحية الاجتماعية وأخرى من الناحية النفسية الفرديّة. وآخرون يرون أنّ كون الإنسان أخلاقيًّا ومتخلِّقًا يتوقّف على ألّا يكون للمصلحة الشخصيّة أيّ دورٍ في الدفع نحو
(162)هذا الفعل، أو المنع عنه، وبالتالي فإنّ التخلّق مرهونٌ بموافقة القواعد الأخلاقية دون أنْ يدخل الإنسان أيَّ تبريرٍ آخر في حسبانه. وهؤلاء المفكّرون يرون أنّ نداء الواجب قطعيٌّ ومطلقٌ وبالتالي كافٍ في الدفع نحو الفعل الأخلاقيّ. وثمّة جماعةٌ ثالثةٌ من علماء فلسفة الأخلاق يرون أنّ التبريرات الميتافيزيقيّة والدينية لها دورٌ مهمٌّ وأساسٌ في تفسير وتبرير الالتزامات الأخلاقيّة. ويحاول هؤلاء إثبات أنّ الأخلاق تفقد معناها عندما تفتقد إلى الحدّ الأدنى من التبرير الدينيّ أو الميتافيزيقيّ.
ومن الأبحاث الأساسيّة في مجال الأخلاق محاولة أهل الاختصاص في هذا الميدان تقديم معيارٍ عامٍّ يُستند إليه في الحكم على الأفعال بالحسن أو القبح، من وجهةٍ أخلاقيّةٍ. فعندما يُقال ملاك الحسن أو الوجوب هو: اللذّة، أو الضمير الشخصيّ، أو الانسجام مع الكمال الإنسانيّ، أو البعد العلويّ في الإنسان، يكون القائلون بهذه المعايير بصدد محاولة تقديم معيارٍ عامٍّ صالحٍ لتقويم جميع الأفعال. ومثل هذه الأبحاث التي تُناقش في كلٍّ من فلسفة الأخلاق وفي علم الأخلاق نفسه، هي من المبادئ التصديقيّة التي يُبنى عليها علم الأخلاق. ويمكن تقسيم النظريّات التي تهدف إلى تبرير الأخلاق المعياريّة أو الأمريّة إلى قسمين: النظريّات الغائية، ونظريات أخلاق الواجب.
الغائيّون يلاحظون في تقويم الأفعال والحكم عليها من ناحيةٍ أخلاقيّةٍ يلاحظون نتائجها والآثار المترتّبة عليها، سواء كانت هذه النتائج المترتّبة منفعةً شخصيّةً للفاعل كالحصول على اللذة أو غير ذلك من النتائج المذكورة، ومن الفلاسفة الذين يميلون إلى هذا الأسلوب في التفكير يمكن الإشارة إلى: هيوم، وبنتام، وجان ستيوارت مل.
(163)وأمّا مؤيّدو نظريات أخلاق الواجب فهم لا يهتمّون بالنظر إلى النتائج والآثار المترتّبة على الفعل، بل يرون أنّ الفعل في حدّ ذاته ينقسم إلى حسنٍ وقبيح، وإلى ما يجب فعله وما لا يجوز فعله، بغضّ النظر عن النتائج والآثار المترتبّه عليه. ومن الفلاسفة الذين يفكّرون بهذه الطريقة، كانط وبريتشارد.
وفي القرآن الكريم في مقام الدفاع عن بعض القضايا والتقويمات الأخلاقيّة، تُعتمَد طريقتان: إحداهما التبرير العقلانيّ (بالغاية أو بالاستناد إلى الواجب)، والثانية التعبّد المقرون بالحكمة.
ومن القضايا التي أخذت نصيبها من البحث في علم الأخلاق أو على ضفافه، البحث في معاني المفاهيم المستخدمة في النقاشات الأخلاقيّة، كالبحث في معنى الحُسن أو القبح، حيث المختصّون ماذا يُقصد عندما يُقال عن فعلٍ إنّه حسنٌ أو قبيحٌ؟ ويبدو أنّنا لا نجد في القرآن آيةً تبيّن هذا المعنى؛ ولكن الأخبار والروايات الواردة في التراث الإسلاميّ فيها ما يجيب عن هذا السؤال ومثله.
ومن الأبحاث التي تطرح في علم الأخلاق البحث حول طبيعة القضايا الأخلاقيّة، بهدف الكشف عن الخلفية التي تنطلق منها هذه القضايا وبعبارةٍ أخرى محاولة العثور على جوابٍ لهذا السؤال: هل القضايا الأخلاقيّة هي قضايا خبريّة لها واقعٌ وراءها تُقاس به فتكون صادقةً في حالة التطابق معه وتكون كاذبةً إذا لم تطابقه، أم أنّ القضايا الأخلاقية هي قضايا إنشائيةٌ لا توصف بالصدق ولا بالكذب. ويبدو لنا أنّ هذا القرآن لم يتصدَّ لبيان الحال في هذا النوع من المباحث.
(164)هل يمكن استنتاج القضايا الأخلاقية من القضايا التي تقع خارج نطاق علم الأخلاق أو العكس، وهل يمكن أنْ نجد قضايا خارج دائرة علم الأخلاق تُستنتج من القضايا ذات الطابع الأخلاقيّ؟ وهذا السؤال من الأسئلة المهمّة في ميدان الأبحاث الأخلاقية ويعبّر عنه في بعض النقاشات بعبارة: هل يمكن استنتاج ما ينبغي أنْ يكون ممّا هو كائنٌ؟ وبعبارةٍ ثانية: هل يمكن العبور ممّا ينبغي وما لا يجوز إلى الصحيح والخطإ؟ ومثل هذا السؤال لا ينبغي توقّع العثور على جوابٍ له في آيات القرآن الكريم.
والطائفة الأخيرة من المباحث الأخلاقية التي نودّ الحديث عنها والإشارة إليها هي البحث عن العلاقة بين الأخلاق وسائر العلوم والمعارف، ومنها: الفنّ، والتربية، والقانون، والدين... ومن الأسئلة التي تطرح في هذا المجال: هل الأخلاق الفردية أو الاجتماعية تترك أثرها في الثقافة وبناء الحضارة؟ وهل ثمّة علاقة بين الواجبات والممنوعات الأخلاقية والتعاليم الدينيّة؟ وهل يتولّد الدين من الأخلاق، أو العكس هو الصحيح بحيث إنّ الأخلاق من نتائج الدين وآثاره؟ وهذه الأسئلة يمكن تحصيل جوابها من القرآن الكريم، على الرغم من عدم الحديث عنها بصراحة فيه.
والمحور الرابع إلى المحور السابع تُعطى الأسماء والعناوين الآتية: الأخلاق التحليلية، والنقدية، وما وراء الأخلاق (الأخلاق النظرية)، ومبادئ الأخلاق، والأخلاق من الدرجة الثانية. الأخلاق التحليلية لا تهدف إلى تقديم أجوبةٍ عن
(165)الأسئلة الأخلاقية، ولا تقدّم أجوبةٍ معياريّةٍ وقيميّة، بل تهدف إلى الإجابة عن الأسئلة ذات الطابع المنطقيّ والمعرفيّ والمعنائي (السيمانطيقي). والعلاقة بين الدين والأخلاق محلّ البحث عنها في المحور السابع من المحاورة المتقدّمة. على الرغم من أنّنا سوف نتحدّث عن المحور السادس لنجيب عن السؤال حول استنتاج الأخلاق من الدين، ومرادنا من الأخلاق في هذه المسألة علم الأخلاق أو الأخلاق المعياريّة والآمرة.
الأخلاق في النقاش حول العلاقة مع الدين، هي وسيلةٌ من وسائل قوننة سلوك الأشخاص في المجتمعات البشريّة. والأخلاق هي ردّ فعلٍ على مشكلة العلاقة بين الأفراد أو الجماعات المنافسة، والهدف من الأخلاق هو ضبط أو التخفيف من حدّة النزاعات التي تنتج عن هذه المنافسة. ولا شكّ أيضًا في أنّ السلطة وسيلةٌ من وسائل ضبط النزاعات المشار إليها. ولكن بين الأخلاق والسلطة فارقٌ كبير ومن أهم الفوارق بين الأمرين أنّ الأخلاق تستند إلى الموافقة بالقوّة (بالمعنى المنطقيّ للقوّة) على مقتضياتها وقواعدها، بخلاف السلطة التي لا تستند بالضرورة إلى القبول والموافقة. وبكلامٍ موجز: المقصود من الأخلاق في هذه المقالة هو العلم الذي يشتغل على سلوك الإنسان والذي يميّز بين الحسن والقبيح، وما يجب وما لا يجوز.
العلاقة بين الأخلاق والدين يمكن أنْ تُفهم بطريقتين: الأولى؛ العلاقة المضمونية والمحتوائيّة؛ أي بأنْ نستخرج القواعد والتعاليم الأخلاقيّة من النصوص الدينيّة. وبناءً على هذا الفهم لا مجال للحديث عن الأخلاق خارج إطار النصوص الدينيّة، فلولا النصوص والمصادر الدينيّة لما توفّر بين أيدينا قضايا تخبر عن حسن الأفعال
أو قبحها، ولا قواعد تحدّد للإنسان ما يجب عليه وما لا يجوز له. الطريقة الثانية؛ أنْ نرى أنّ هذه العلاقة بين الطرفين هي علاقةٌ مبنائيّة، بنحوٍ لا تُستنتج الأخلاق من الدين والنصوص الدينيّة، بل من مصادر أخرى كالعقل والضمير أو الفطرة أو غير ذلك؛ ولكن على أنْ تُعدّ التعاليم الدينيّة مستندًا داعمًا لتطبيق القواعد الأخلاقيّة، ومن أهمّ هذه التعاليم الاعتقاد بوجود الله والمعاد. وبناءً على الفهم الأول سوف تكون الأخلاق جزءًا من الدين أو عينه. أمّا إذا صحّ الفهم الثاني، فإنّ الأخلاق سوف يكون لها مجالها المستقلّ عن الدين، على الرغم من أنّ بعض التعاليم الدينيّة سوف تؤدّي دور المبادئ التصديقيّة للأخلاق.
ثمّة مقارباتٌ ثلاثٌ لنطاق الأخلاق الدينيّة والنظرة إلى العلاقة بين الدين والأخلاق، وهذه المقاربة هي: التباين، والاتّحاد، والتفاعل. فبعض المفكّرين يرون انفصال مجال الدين ونطاقه عن مجال الأخلاق، ولا يقبلون أيّ شكلٍ من أشكال التواصل والتداخل بين المجالين. وآخرون يرون وجود علاقةٍ عضويّةٍ واتّحادٍ بين الطرفين. وأصحاب المقاربة الثالثة يؤمنون بوجود شكلٍ من أشكال التفاعل والتأثير المتبادل بين الطرفين. وفي ما يأتي سوف نحاول عرض هذه المقاربات بشيءٍ من التفصيل.
يرى أصحاب هذه المقاربة إلى الدين والأخلاق على أنّ لكلٍّ منهما مجاله ونطاقه الخاصّ به، أو ساحته التي يبدئ القول فيها ويعيد، بحيث يكون له الكلمة الفصل في مجاله دون أنْ يكون بينه وبين الطرف الآخر أيّ شكلٍ من أشكال التواصل أو الترابط المنطقيّ، وإذا التقيا مرّة فهو لقاء عابرٌ كما يلتقي مسافران دون أنْ يخطّط
(167)أحدهما للقاء بالآخر. وقد تبنّى هذه المقاربة عددٌ من المفكّرين الملحدين والمؤمنين بالمسيحيّة، من أمثال الفيلسوف الوجودي كيركيغارد. فهو يرى أنّ الشخص الذي يبقى في دائرة الأخلاق لا يمكنه أن يخطو إلى مرحلة الإيمان. ومن هنا يرى أنّ إبراهيم عليهالسلام لم يتّبع حكم الأخلاق في مسألة التضحية بابنه، وإنّما اتّبع حكم الدين وقدّمه على ما تقتضيه الأخلاق. وبناءً على هذه المقاربة ليس ثمّة ترابطٌ بين الدين والأخلاق، وإذا التقيا مرّةً فإنّ ذلك يكون بالعرض، ولا يكشف اللقاء عن ترابط منطقيّ. وإلى هذا الشكل من اللقاء أشرنا عندما ذكرنا مثال المسافرين الذي يلتقي أحدهما بالآخر في محطّة من المحطات على الرغم من أنّ كلًّا منهما له مقصدٌ يختلف عن مقصد الآخر وغايته.
وأنصار هذه المقاربة يستندون لإثبات صحّتها إلى مجموعةٍ من الأدلّة منها، الاستناد إلى أنّ بين الدين والأخلاق تفاوتًا واختلافًا موضوعيًّا. وذلك أنّ الدين يتدخّل في مجال العلاقة بين الإنسان والله وينظّم هذه العلاقة ويضع لها القواعد، أمّا الأخلاق فأمرٌ له صلة بالعلاقة بين الناس. ومن الواضح أنّ هذا الدليل يتهاوى إذا وسّعنا دائرة الدين وأثبتنا أنّ الدين يدخل على خطّ العلاقة بين الإنسان وبين الله كما يدخل على خطّ العلاقة بين الإنسان والإنسان.
والمستند الثاني الذي يلجأ إليه هؤلاء هو أنّهم لا يرون أيّ اشتراكٍ بين الدين والأخلاق على مستوى الهدف والغاية؛ وذلك أنّ هدف الدين هو تأليه البشر (جعلهم إلهيّين وتقريبهم من الله) وتمكينهم من التعالي والرقيّ الروحيّ، بينما هدف الأخلاق هو تقديم توصياتٍ عمليّةٍ لتصحيح العلاقات الاجتماعية بين الناس. وهذا الدليل يمكن المناقشة فيه ببيان أنّ من الوسائل والطرق التي تؤدّي إلى تصحيح العلاقات الاجتماعية تعاليهم وترقيتهم الروحية أو تأليههم بحسب المدّعى أعلاه،
وبناءً عليه يكون هدف الأخلاق هدفًا متوسّطًا للدين.
ويرى بعض المفكّرين الغربيّين أنّ ربط الأخلاق بالدين يؤدّي إلى التضحية بالأخلاق وانهيارها؛ وذلك لأنّ ضعف العقيدة الدينيّة يؤدّي بالضرورة إلى ضعف الوازع الأخلاقيّ عندما نربط بين الأخلاق والدين. وبعبارةٍ أخرى: إنّ طروء الشكّ على قضية الإيمان بالله تعالى، يؤدّي إلى سدّ باب التكامل الأخلاقيّ وإلى سدّ باب تنمية الاستعدادات الخلّاقة الأخرى عند الإنسان عندما تربط هذه الاستعدادات ومقتضياتها بالإيمان الدينيّ.
وهذا الاستدلال يسقط أيضًا إذا شكّكنا في التلازم المدّعى بين ضعف الإيمان الدينيّ وضعف الوازع الأخلاقيّ، فكثيرًا ما يضعف اعتقاد بعض الناس ومع ذلك يبقى التزامهم الأخلاقيّ على حاله، حتى في مجال الأخلاقيّات الدينيّة، أضف إلى ذلك أنّه لا يصحّ تجاهل الوجه الآخر من القضية، فالإيمان بالله والاعتقاد بالمعاد يعدّان ضمانةً من الضمانات التنفيذيّة للتوصيات الأخلاقية.
يرى أكثر المفكّرين المسلمين أنّ الدين هو مجموعة العقائد والأخلاق والأحكام التي شرّعها الله بهدف هداية الإنسان والأخذ بيده نحو تأمين سعادته في الدنيا والآخرة، والوساطة بين الناس وبين ربّهم هم الأنبياء. وبناءً على هذا، ليس فقط لا قطيعة بين الدين والأخلاق، بل بينهما علاقةٌ واتّحادٌ؛ فبعض الدين أخلاق، وبعض الأخلاق دينٌ وهذا ما يُسمّى بنسبة العموم والخصوص من وجه بين المفهومين بحسب الاصطلاح المنطقيّ. ويمكن تشبيه الدين بالشجرة فتكون العقيدة جذرها، والأخلاق جذعها، والأحكام أغصانها وأوراقها وثمارها.
تقتضي هذه المقاربة أنّ الدين والأخلاق لكلٍّ منهما هويّته المستقلّة عن هويّة الآخر، ولكن مع تفاعلٍ وتأثيرٍ متبادلٍ على الرغم من هذا الاستقلال. وكلّ من الطرفين محتاجٌ إلى الآخر من زوايا عدّة. وذلك أنّ قبول بعض القضايا الدينيّة يتوقّف على قضايا وأحكامٍ أخلاقيّة، والتصديق ببعض القضايا الأخلاقية يتوقّف على الاعتقاد ببعض القضايا الدينيّة. وعليه ليس بين الدين والأخلاق انفصالٌ تامٌّ وليس بينهما ارتباطٌ عضويٌّ يجعل أحدهما جزء الآخر؛ بل بينهما علاقةُ علّيةٍ ومعلوليّة، وتأثيرٍ وتأثّرٍ متبادل، وهذا ما سمّيناه بالتفاعل. ووجوه التفاعل بين الطرفين متعدّدةٌ نشير إلى بعضها في ما يأتي:
يذكر عددٌ من المتكلّمين في بداية كتبهم الكلامية أنّ وجوب شكر المنعم من المنطلقات الأساس التي تدعو إلى البحث عن وجود الله تعالى. وذلك أنّ الإنسان يواجه هذا السؤال قبل البدء بالاستدلال على وجود الله: لماذا يجب عليّ البحث عن وجود الله والتعرّف إليه؟ والجواب الذي يتبنّاه هؤلاء المتكلّمون هو: أنّ الإنسان يرى نفسه في نعمةٍ فعليه أنْ يتعرّف إلى هذا المنعم ليشكره؛ لأنّ القاعدة الأخلاقية تقتضي شكر المنعم ووجوبه. ومن الذين استندوا إلى الأخلاق لإثبات وجود الله الفيلسوف الألماني كانط الذي يشكّك في كثيرٍ من البراهين العقلية التي يُراد بها إثبات وجود الله. ويرى فلاسفة آخرون أنّ المعرفة البديهيّة بوجود أوامر ونواهٍ أخلاقية دليلٌ على وجود آمرٍ وناهٍ، وهذا الآمر والناهي هو الله تعالى الذي يعرف من أوامره ونواهيه الأخلاقيّة.
حاجة الدين إلى الأخلاق على مستوى الهدف والغاية من الموارد التي تكشف عن التفاعل بين الدين والأخلاق. وذلك أنّ إدارة الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان، من الأهداف التي يبتغيها الدين ويريدها، وهذا الهدف لا يتحقّق إلا في ظلّ بعض التعاليم والتوصيات الأخلاقيّة، وبناءً عليه لا تتحقّق غايات الدين وأهدافه إلّا بوساطة الأخلاق.
من أهمّ الوسائط والأساليب في تبليغ الدين وإيصال رسالته إلى المخاطبين به، السلوك الأخلاقيّ الذي يتحلّى به الدعاة والمبلّغون عن الله. ومن هنا نجد أنّ الله تعالى يعلن لنبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم بوضوحٍ وصراحةٍ أنّ حُسْن خلقه من الوسائل المهمّة التي تسمح بالناس بالتحلّق حوله وعدم الانفضاض عنه: ﴿وَلَوْ كُنتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لاَنفَضُّواْ مِنْ حَوْلِكَ﴾.
يقع الحديث عن حاجة الأخلاق إلى الدين على الضفّة المقابلة للموقف الذي يتبنّاه دعاة علمنة الأخلاق. وحاصل الاعتقاد بالأخلاق الدينيّة أنّ الأوامر والنواهي الأخلاقيّة تحتاج إلى الدين في مقامَي الثبوت والإثبات؛ مضافًا إلى أنّ الدين يعدّ ضمانةً تنفيذيّةً للتعاليم والتوصيات الأخلاقية كما أشرنا أكثر من مرّة.
من الخدمات التي يقدّمها الدين أنّه يسهم في تبيين بعض القيم الأخلاقيّة، بالاستعانة بالتعاليم الدينيّة، ويرسم على ضوء هذه التعاليم حدود السلوك الإنسانيّ
ومعاييره. فجزئيّات التصرّفات الإنسانيّة الاختياريّة يعجز العقل وحده في كثيرٍ من الحالات عن اكتشاف الموقف منها وتشخيص الحسن منها من القبيح. وبناءً عليه إذا كنّا نعترف للعقل بالقدرة على تشخيص الموقف الأخلاقيّ من كليّات الأفعال، فإنّ هذا العقل يعجز في كثيرٍ من الحالات عن إدراك انطباق هذا المدرك العقليّ الكلّيّ والعامّ على هذا المورد الجزئيّ أو عدم انطباقه، ومن هنا يحتاج إلى مساعدة الدين في تحديد الجزئيّات.
والدين مضافًا إلى إسهامه في الكشف عن حسن بعض الأفعال وقبح بعضها الآخر، هو ضمانةٌ تنفيذيةٌ للالتزام بكثيرٍ من القيم الأخلاقية. فكثيرٌ من الناس يحتاجون إلى التحفيز لمساعدتهم على فعل الحسن وتجنّب القبيح. ومن هنا الإيمان الدينيّ عمومًا وما يتضمّنه من وعدٍ ووعيدٍ حافزًا يساعد في مزيد من الإقبال على الحسن، أو رادعًا عن القبيح.
ولا شكّ في تأثير المنافع الدنيويّة والأخروية المترتّبة على الأفعال في مدى التزام الناس بهذا السلوك أو ذاك، والدين يقدّم هذه الخدمة للإنسان، إذ إنّه يكشف له عن ما يترتّب على الأفعال من نتائج. يُضاف إلى هذا أنّ الأفعال الأخلاقية تتوقّف على غايتها وكلّما كانت هذه الغاية أعلى كلّما ارتقت الأخلاق وتعالت، والدين يبيّن للإنسان الأخلاقيّ الغاية العليا والهدف الأقصى للالتزام بالتعاليم الأخلاقيّة.
عندما تكون الدنيا مزرعةً للآخرة، ومقدّمةً للحياة الأبدية الخالدة، وعندما يكون للأفعال الاختياريّة نتائج وآثارٌ تترتّب عليها، عندها يتّضح أنّ أفعال الإنسان لها انعكاسٌ وتأثيرٌ في سعادته النهائية. والعقل الإنسان عاجزٌ عن اكتشاف جميع
تفاصيل الآثار والنتائج المترتّبة على الأفعال، ومن هنا فإنّه يحتاج إلى من يأخذ بيده ليبيّن له ما عجز عن اكتشافه، وهذا العجز هو أول الأبواب التي تفتح باب التواصل بين الدين والأخلاق.
وعلى الرغم من عدم توقّف إدراك معنى الحسن والقبح على النصّ الدينيّ والوحي، فإنّ الأخلاق تحتاج إلى الدين في كشف التعاليم والقيم والأخلاقيّة. مضافًا إلى أنّ الدين يسهم في تحديد الهدف الأسمى للتخلّق والالتزام بالتعاليم الأخلاقيّة كما يمثّل الدين ضمانةً تنفيذيّة مهمّة توثّق عرى الالتزام بهذه التعاليم، وخاصّة عند الأشخاص الذين يحتاجون إلى حوافز للتخلّق.
وعندما ننظر إلى العلاقة بين الدين والأخلاق من الخارج نرى بوضوح أنّ الإيمان الدينيّ والاعتقاد بالله والمعاد والثواب والعقاب في الآخرة، له دور مؤثّر في تحقّق التعاليم الأخلاقية في مقام العمل، وإذا نظرنا إلى هذه العلاقة من داخل الدين فإنّنا نرى هذه الحقيقة بوضوحٍ أكبر حيث تؤكّد كثيرٌ من التعاليم الدينيّة على الأخلاقيّات وتدعو إليها وتبيّن أهميّتها. والإسلام كما يبيّن بعض المبادئ الكبرى في مجال الأخلاق كالعدل والظلم وما شابه ويبيّن مصاديق هذين الأمرين، كذلك هو يبيّن غايات القيم الأخلاقية وأهدافها، وبعض هذه المصاديق وهذه الغايات لا يبدو أنّ معرفتها من خارج الدين أمر ممكنٌ، ولأجل ذلك لا مناص من الرجوع إلى الدين لتكميل المعرفة الأخلاقية وتوثيق الالتزام بتوصياتها.
محمد لغنهاوزن
قد يحتجّ أحدهم على أنّ الواقعية الأخلاقية نشأت على يد أفلاطون، فالخير هو جزءٌ من ثالوثٍ يضمُّ الجمال والحقيقة في قطْبيه الآخرَين، ويُشكّلُ العالَم السامي للمُثُل الأفلاطونية. ولكن في القرن العشرين، وقف جورج إدوارد مور (1873ـ1958) وراءَ استحداث الواقعية الأخلاقية المعاصِرة. في العام 1903، نُشِر كتابُه الأصول الأخلاقية، ومع هذا الكتاب ظهرت الأخلاق الفوقية لأوّل مرة كفرعٍ متميّزٍ في علم الأخلاق حيث تُبحَث معاني المصطلحات الأخلاقية وتُحلَّل المفاهيم والافتراضات الأخلاقية.
يُعَدُّ جورج إدوارد مور أحد المؤسّسين للفلسفة التحليلية، وكتابه الأصول الأخلاقية هو من ضمن المؤلَّفات التي أسهمت في تعريف هذا النمط والمنهاج الفلسفي. ادّعى مور أنّه كان بصدد إجراء تحليلٍ مفهومي، أي: إرجاع الافتراضات إلى المفاهيم التي تتكوّن منها وتحويل المفاهيم إلى أفكارٍ أبسط حتّى يصل الفردُ إلى مفاهيم
(175)أوليةٍ غير قابلةٍ للتعريف كالخير. قام برتراند راسل في جامعة كامبريدج بدعم مطالبه لاتّباع الصلابة المنطقية، ولاحقًا نال مور دعمَ لودفيغ فيتغنشتاين كذلك. بالرغم من أنّ المؤرّخين يعدّون هؤلاء العلماء الثلاثة مؤسّسي الفلسفة التحليلية، فإنّ كلَّ واحدٍ منهم كان لديه رأيه الخاص فيما يتعلّق بكيفية إجراء التحليلات.
في كتاب (الأصول الأخلاقية)، سعى مور لدحض جميع النظريات الأخلاقية الرئيسة التي عاصرها كالمثالية والتطوّرية والنفعية. بالرغم من أنّه قد دافع عن نوعٍ من النفعية المثالية، فإنّ هذا النوع كان بعيدًا عن أشكال النفعية التي تبنّاها المنظِّرون الأخلاقيون السابقون، فقد اتّخذ مور موقفًا ثائرًا. فيما يتعلّقُ بالأخلاق العملية، لم يدافع مور عن الأخلاق الدينية، ولا عن النشاط السياسي الإصلاحي الذي كان يُناصره بينثام والفيلسوفان من آل ميل، ولا عن الصلابة الأخلاقية المنسوبة إلى أخلاقيات الواجب لدى كانط. في الواقع، ناصَرَ مور مذهب الجمالية، والتمتُّع بالصحبة الصالحة والصداقات العميقة، وتقدير الفن والجمال الطبيعي، والنظر إلى الحياة على النحو الذي كان ينظرُ إليها المؤلِّفون والفنّانون في العصر الفكتوري من أمثال أوسكار وايلد ووالتر بايتر. بعد طباعة كتاب الأصول الأخلاقية، أصبح مور الفيلسوفَ الحكيمَ في عيون نخبة طلّاب جامعة كامبريدج الذين شكّلوا معه جماعةً سريّةً تُدعى (الرُسُل)، وفي عيون المفكّرين الذين أصبحوا يُعرفون بمجموعة بلومسبري.
(176)في الأخلاق النظرية، بدا مور متمرّدًا كذلك. دخل آخرون في الجدال حول التعريف المناسِب لـ(الخير) ولكن صرّح مور بأنّ الخير هو غير قابلٍ للتعريف واتّهم أيَّ شخصٍ يعارضه بأنّه يرتكب خطأً سمّاه (المغالطة الطبيعية). عدّ مور أنّه إذا فكّرنا بكلّ الأشياء الخيِّرة سوف نجدُ بأنّها لا تشتركُ جميعًا بخاصيّةٍ طبيعيةٍ واحدة، ولا يُمكن تحديد الخير بالفائدة أو إرادة فعل الواجب أو أيّ شيءٍ آخر. كما أشار برنارد ويليامز وآخرون، فإنّ (المغالطة الطبيعية) ليست مغالطةً في الواقع؛ لأنّها تنطبقُ على ما يعدّه مور آراءً خاطئةً وليس استنتاجاتٍ مختلّة. علاوةً على ذلك، قام مور بتطبيق مصطلح (المغالطة الطبيعية) على نظريات الأمر الإلهي، وأيضًا على النظريات التي تُعرِّف الخير في ضوء الخصائص الطبيعية. من ثَمَّ، فإنّ علماء الأخلاق المتديّنين سيكونون بصدد ارتكاب الخطأ إذا قاموا بتفسير الهجوم على المذهب الطبيعي في نظرية مور الأخلاقية كدليلٍ على الخضوع للإيمان الديني.
يُقدّم مور مصطلح (المغالطة الطبيعية) كما يأتي: «قد يصحُّ أنّ كلَّ الأشياء الخيّرة هي شيءٌ آخر كذلك، كما يصحُّ أنّ كلّ الأشياء الصفراء تُنتجُ نوعًا معيّنًا من الذبذبة في الضوء. يُفيدُ الواقع أنّ علم الأخلاق يهدفُ لاستكشاف الخصائص الأخرى التي تنتمي إلى جميع الأشياء الخيّرة. ولكن ظَنّ عددٌ كبيرٌ من الفلاسفة أنّهم حينما أطلقوا الأسماء على تلك الخصائص الأخرى كانوا بصدد تعريف الخير فعلًا؛ أي إنّ تلك الخصائص ليست شيئًا (آخر) ببساطة بل هي الخير نفسه بشكل مُطلق وتام. أنا أطرحُ تسمية هذا الرأي (مغالطةً طبيعية) وسوف أسعى للتخلّص منه».
(177)في تكملة لهذا النقاش، نجدُ أنّ مور قام بالتأكيد على ثلاثة ادّعاءات:
1. لا يُمكن استنتاج الافتراضات الأخلاقية بشكلٍ صحيح من الافتراضات غير الأخلاقية.
2. المصطلحات الأخلاقية (ومن ضمنها الخير على وجه الخصوص) ليست قابلةً للتعريف في ضوء المصطلحات غير الأخلاقية.
3. الخصائص الأخلاقية تختلفُ في نوعها عن أيّ خصائص غير أخلاقيةٍ أو أيّ تركيب لهذه الخصائص.
الادّعاء الأول منطقي، والثاني لفظي، والثالث ميتافيزيقي، وهذه الادّعاءات الثلاثة بتمامها هي مثيرةٌ للجدل ولا يُمكن ترسيخها عبر اتّهام من لا يقبل بها بارتكاب المغالطات. افْترِضْ أنّ أحدهم يتبنّى مذهب السعادة ويعتقد بأنّ الخير هو ما يقودُ إلى الهناء الأقصى. لقد ساد هذا الموقف في الأفلاطونية اليهودية والمسيحية والإسلامية. لا تردُ أيُّ مصطلحاتٍ أخلاقية في عبارة (يقودُ إلى الهناء الأقصى)، ومن ثمَّ وفقًا للادّعاء الثاني لا يُمكن الاستفادة منها لتعريف (الخير). ولكن لا يعتقد الأفلاطونيون أنّ خاصية الإيصال إلى الهناء الأقصى هي خاصيةٌ غير أخلاقية. أما مور، فإنّه يرى أنّ خاصية الخيريّة تختلف في ماهيتها عن خاصيّة الإيصال إلى الهناء؛ وذلك لأنّه يعدّ هذه الخاصية الأخيرة غيرَ أخلاقية. قد يحتجّ المدافع عن
(178)مور بأنّ تعريف الخير في ضوء الهناء الأقصى لا يُمكن أنْ يكون صحيحًا، فحتّى لو أفادت نظرية مذهب السعادة أنّ الخير هو ما يقود إلى الهناء إلا أنّ هذا ليس معنى كلمة (الخير) في اللغة الإنكليزية. بالرغم من ذلك، لا يهتمّ مور بالتعاريف اللفظية ويُصرّح أنّه حينما يدّعي عدم قابلية تعريف (الخير) فإنّه لا يقصد أنّ هذه الكلمة لا تمتلك معنى لفظيًا في قاموس اللغة. من ثمَّ، هناك معيارٌ يُمكن من خلاله رفض انطباق التعريف القاموسي المتمثّل بـ(الإيصال إلى الهناء) على (الخير)، ولكنّ هذا المعيار لا يتّصلُ بمقصد مور حينما يدّعي بأنّ (الخير) هو غير قابلٍ للتعريف.
اعترضتْ هيلاري بوتنام على مور معتبرةً أنّ بديهياتنا اللفظية لا تَكشِفُ شيئًا عمّا ننسبه إلى الموضوع حينما نُطبّق المحمول عليه. تُشيرُ بوتنام إلى أنّ الحصول على المفهوم يعني القدرة على استعمال الكلمات بأساليب محدّدة. من ثمَّ، فإنّ إدراك مفهوم الخير يوازي معرفة الاستعمال المناسب للكلمات التي تُعبِّر عن هذا المفهوم، وقد يحظى الفرد بهذه الكفاءة من دون معرفته بأنّ الاستعمال المناسب لمصطلح (الخير) يتمثّل بانطباقه على ما يُوصل إلى الهناء. من ثمَّ، لا يُمكن الحُكم على كوْن (الخير) قابلًا للتعريف أم لا من خلال الاعتماد على البديهيات اللغوية أو المقاربة المفهومية بل من خلال الإستناد إلى ما يُوضِّح قُدرَتَنا على استعمال العلامات المرتبطة. يُشيرُ مَن يتبنّى مذهب السعادة إلى أنّ تصريحنا بأنّ الشيء هو خيرٌ يعني التصريح بأنّه يقود إلى الهناء، ولو عن غير قصد. قد يكون هذا الرأي خاطئًا ولكنّ إظهار خطئه يقتضي المزيد من التأمُّل حول ما نقصده من الكلمات التي نستعملها.
يُعرَف احتجاج مور ضدّ المغالطة الطبيعية بـ(جدلية السؤال المفتوح)، وقد تمّت صياغته بطرقٍ كثيرة إلا أنّ صياغات مور في الأغلب ليست على درجة الوضوح المطلوبة. فيما يلي نوردُ مقتطفًا من كتاب (الأصول الأخلاقية) حيث يتمّ تحديد
(179)الجدلية وتقديم نموذجٍ عنها:
«أظنُّ أنّه يتّضحُ أولًا أنّه ليس كلّ خيرٍ أمرًا طبيعيًا (اعتياديا)، بل على العكس فإنّ الغريب كثيرًا ما يكونُ أفضل من الطبيعي. من الواضح أنّ الامتياز الفريد ـ والوحشية الفريدة ـ ليسا طبيعيين بل هما غريبان. ولكن مع ذلك يُمكن القول بأنّ الشيء الطبيعي هو خير، وأنا بنفسي غير مستعدٍ لمناقشة أنّ الصحة هي أمرٌ حسن. ولكن ما أؤكِّد عليه هو أنّه لا ينبغي عدّ هذا الأمر واضحًا بل يُعدّ سؤالًا مفتوحًا، فإنّ التصريح بوضوحه يعني الإشارة إلى المغالطة الطبيعية».
بما أنّ كوْن x أمرًا حسنًا يبقى سؤالًا مفتوحًا ـ حيث يُمكن استبدال x بأيِّ تحليلٍ مُقتَرح لمفهوم الخير كالصحة أو الحالة الطبيعية كما ورد في الفقرة السابقة ـ يَعدُّ مور أنّ ما يترتّب على ذلك هو عدم إمكانية تحديد أنّ x هو أمرٌ حسن. يتّضحُ من خلال ذِكر مور للصحة والحالة الطبيعية كأمثلة أنّ لديه هدفًا أفلاطونيًا. كان أفلاطون وأرسطو قد عدّا أنّ الامتياز يتحقّق حينما تعمل المدارك البشرية بشكلٍ سليم، أي لدى الاعتدال في شهية الإنسان وطموحاته وذكائه، وهو ما ينطبق بالتتالي على فضائل العفة والشجاعة والحكمة. وعليه، فإنّ من يتّبع فلسفة أرسطو يعدّ الطبيعة كامنةً في تفادي الإفراط أو التفريط المدمِّرَيْن. أمّا مور، فإنّه يُفسِّر الأمر الطبيعي بالاعتيادي أو الشائع. من ثَمَّ، وفقًا لمتّبعي فلسفة أرسطو، فإنّ الصحة ليست أمرًا حسنًا لكوْنها الحالة الشائعة لدى البشر أو الحالة البدنية الاعتيادية للجسد؛ بل إنّ الصحة أمرٌ حسن لأنّها الحالة التي تعمل فيها أعضاء الجسد بشكلٍ سليم ومتناغم.
بسبب شعبية ما يُسمّى بالتيار الجديد لعلم دلالات الألفاظ الذي قامت بوتنام بتأييده، فإنّ الفلاسفة ينصحون بالاحتياط فيما يتعلّق بالخلط بين المسائل الميتافيزيقية واللغوية. إحدى الأمثلة على ذلك هي كلمة (الماء). حينما يستفسرُ الفرد عن معنى
(180)(الماء) باللغة الإنكليزية فإنّه يكونُ قد طرح سؤالًا لغويًا. ولكن قد يقترح المرء استخدام كلمة (الماء) بطريقةٍ تختلفُ نوعًا ما عن الاستعمال العادي ــ مثلًا: الدعوة لضمّ الثلج والبخار في تعريف (الماء) ــ وكلّ هذا يندرجُ أيضًا في ضمن علم دلالات الألفاظ. كذلك، توجد أسئلةٌ إبستمولوجيةٌ حول كيفية معرفتنا بأنّ شيئًا ما هو (ماء). في النهاية، تنشأ قضايا ميتافيزيقية تتعلّق بالماهية الحقيقية للماء. على سبيل المثال، قد نعد بأنّ الماء هو الحالة السائلة من H2O، ولكنّ كلمة (الماء) لا تعني (سائل الـ H2O )؛ لأنّه بمقدور الفرد أنْ يعرف معنى (الماء) من دون معرفة تركيبته الجُزيئية. من الناحية الإبستمولوجية، قد يعلم المرء أنّ السائل في الكوب هو ماء من دون علمه بأنّ الماء هو سائل H2O. لا يعني أيٌّ ممّا سبق أنّ الماء بجوهره ليس سائل ال H2O. قد يُصرّ عالم الكيمياء أنّه لا يوجد عالَم ممكنٌ حيث يكون الماء في كوب، ولكنّه ليس H2O؛ لأنّ الماء يتمتّع بتركيبٍ جُزيئي بغضّ النظر عن معنى الكلمة التي تصفه، أو الطرق التي نُدركه من خلالها.
في ضوء هذا التمييز بين علم دلالات الألفاظ والميتافيزيقيا، يبدو أنّ أدلة مور الواردة ضدّ الطبيعية الأخلاقية في كتابه (أصول الأخلاق) هي مُشوَّشة. يحتجُّ مور بأنّ (الخير) لا يعني x حيث يكون هذا الأخير نوعًا من الاختزال المزعوم للخير داخل خاصيّةٍ طبيعية أو خارقة للطبيعة. بناءً على التمييز بين معاني الكلمات، يستنتجُ مور أنّ تحديد الخصائص هو ارتكابٌ للخطأ. ولكن لا يُمكننا أنْ نستنتج بأنّ الماء ليس سائل الـ H2O فقط؛ لأنّ الماء لا يعني (سائل الـH2O). من ثمَّ، لا يُمكننا أنْ نتوصّل إلى
(181)نظرية المتعة التي تُفيد بأنّ الخير هو ما يُثير المتعة، ولا إلى الادّعاء اللاهوتي بأنّ الخير هو ما يكون قريبًا من الله، والسبب ببساطة هو أنّ الخير لا يحملُ أيَّ معنىً من هذا القبيل. إذا أمكن لجدلية السؤال المفتوح أن تُثبت شيئًا ما فإنّ ذلك هو فقط الادّعاءات بأنّ هيئة (y=x) ليست تحليليةً لدى السؤال المفتوح عن كوْن x هو y أم لا.
قام مور بالاحتجاج على معاني المفاهيم الأخلاقية، وأراد من ذلك الدفاع عن نظريةٍ ميتافيزيقيةٍ حول طبيعة الخير تُمثِّلُ شكلًا صارمًا من الواقعية الأخلاقية. ولأنّه
(182)لا يُمكن تقسيم مفهوم الخير إلى مفاهيم أبسط، ومن ثمَّ يكون هذا المفهوم غير قابلٍ للتعريف، استنتج مور أنّ خاصية الخير هي بسيطةٌ ميتافيزيقيًا ولا يُمكن إدراكها إلا من خلال الحدس المباشر.
بغضّ النظر عن العيوب الكامنة في أدلة مور، كانت آراؤه مؤثّرةً بشكلٍ هائل. اقتنع كثيرون بأنّ جدلية السؤال المفتوح قد أظهرتْ بأنّ تطبيق الخصائص الأخلاقية على الخصائص الطبيعية (أو الخارقة للطبيعة) هو أمرٌ خاطئ. ولكن بالرغم من ذلك، لم تتمثّل النتيجة بتبنّي الناس للواقعية الأخلاقية غير الطبيعية التي أيّدها مور. مع أنّ فلاسفة من أمثال بريتشارد، روس، وكاريت قاموا بالدفاع عن الواقعية لدى مور، فإنّ كثيرين قد استنتجوا بأنّ دليل السؤال المفتوح قد أظهر بأنّه لا ينبغي اعتبار المصطلحات الأخلاقية مُحدِّدة لأيّ خصائص على الإطلاق. على خلاف نوايا مور، فقد أدّت أدلّته إلى أن يقومَ العديد من الأفراد بتبنّي شكلٍّ معيّن من مذهب نفي الإدراكية أو المذهب التعبيري. على سبيل المثال، قام العلماء الوضعيون المنطقيون من أمثال آير وكارناب الذين لم يهتمّوا بالمبادئ الميتافيزيقية التي أيّدها مور وتلامذته بتبنّي مذهب نفي الإدراكية.
مع تراجُع الفلسفة الوضعية المنطقية وإنعاش الميتافيزيقيا على يد ويلارد ف.أ.كواين وويلفريد سيلارز بعد الحرب العالمية الثانية، بدأت تظهرُ أشكالٌ
(183)أخرى من الواقعية الأخلاقية. استمرّت الأخلاق الأفلاطونية ـ التي كان أبرز مدافعيها غيرترود أنسكومب، بيتر غيتش وفيليبا فوت ـ بالذبّ عن عناصر المذهب الطبيعي الذي هاجمه مور فضلًا عن الدفاع عن هيئات المذهب التعبيري التي أعقبتْ الأشكال الأوليّة من مذهب نفي الإدراكية الذي تبنّاه العلماء الوضعيون. كان غيتش وأنسكومب كاثوليكيَّيْن بينما كانت فوت مُلحدة، ولكنّهم استطاعوا معًا بناء أُسس أخلاقيات الفضيلة في القرن العشرين وما فتئ هذا المشروع يحظى بالمؤيِّدين في أوساط المفكّرين المتديّنين والملحدين.
يتمُّ أحيانًا تقسيمُ الأشكال الجُدد من الواقعية الأخلاقية التي ظهرتْ على الساحة إلى فرعين: البريطانية والأمريكية. تأثّرتْ الواقعيةُ الأخلاقية البريطانية بفيتغنشتاين وانطلق الدعمُ البريطانيُّ لهذه الواقعية من طرق استخدام اللغة الأخلاقية. اتّجه الواقعيون البريطانيون نحو التخصيص الأخلاقي وإنكار كوْن الخصائص الأخلاقية طارئةً على الخصائص المادية. أمّا النموذج الأمريكي من الواقعية الأخلاقية، فقد تأثّر بالواقعية المتعلّقة بالوحدات النظرية في فلسفة العلم الطبيعي. وفقًا لهذا الرأي، فإنّ الخصائص الأخلاقية تطرأ على الخصائص الطبيعية. تمثّل أسلوب الاستدلال المفضّل هنا باستنتاج أفضل التفاسير، وقد قام ريتشارد بويد وديفيد برينك بتأييد القياس بين الواقعية العلمية والواقعية الأخلاقية.
(184)في القرن الواحد والعشرين، ظهر شكلان إضافيان من الواقعية الأخلاقية. مثّل أوّلُ شكلٍ مجرّد إعادة التعبير والدفاع عن الواقعية التي ناصرها مور التي أصبح اسمها (الواقعية الأخلاقية الشديدة). أمّا الشكل الثاني من الواقعية، فإنّه قد سار في الاتّجاه المقابل ويُمكن تسميته بـ(الواقعية الطفيفة). وفقًا لهذا الرأي، فإنّ إحدى النظريات المتقلِّصة عن الحقيقة تسمحُ لنا بالتصريح بوجود حقائق أخلاقية كطريقةٍ أخرى للإعلان عن الجمل الأخلاقية. تؤخَذُ عبارة (صحيح أنّ السرقة خطأ)، بمعنى (السرقة هي خطأ)، لا أقل أو أكثر. على هذا الأساس، يحتجّ سيمون بلاكبورن على أنّه: بما أنّ مناصري مذهب نفي الإدراكية هم مستعدّون لتأييد العبارات الأخلاقية، ينبغي عليهم أنْ يتخلّوا عن الادّعاء بعدم وجود الحقائق الأخلاقية، وقد منح رأيَه لقب (شبه الواقعية). قام مارك تيمونز بتطوير نظرياتٍ أخلاقيةٍ طفيفةٍ أخرى والدفاع عنها، بينما قام ماثيو كرايمر بمناصرة الواقعية الأخلاقية الطفيفة بجلاء. يمتلكُ مناصرو هذا النوع من الواقعية استعدادًا للتصريح بوجود حقائق وخصائص أخلاقية، ولكنّهم يعدّون هذا الإذعان لا يقتضي إلتزاماتٍ ميتافيزيقية، أو أنّه يستدعي إلتزاماتٍ ضئيلةً للغاية حيث لا يُوازي الاعترافُ
(185)بالحقائق الأخلاقية سوى الاستعداد للتأكيد على الادّعاءات الأخلاقية. كذلك، فإنّهم يعترفون بوجود خصائص أخلاقية، ولكنّ تفسيرهم لدعوى وجود خاصية الخير هو أنّ هذه الدعوى هي مجرّد طريقةٍ أخرى للتصريح بأنّ بعض الأمور هي خير.
يكفي هذا الاستعراضُ التاريخي الموجَز لأدلة الواقعية الأخلاقية منذ زمن مور للإشارة إلى الكم الهائل من المؤلّفات الموجودة حول الواقعية الأخلاقية في يومنا الحالي. يُقدِّمُ المؤلّفون تعريفاتٍ مختلفةً عن الواقعية الأخلاقية، وبعضها دقيقٌ للغاية بينما بعضها الآخر غير مُتقَن. عُرّفتْ الواقعية الأخلاقية بأنّها مبدأٌ ميتافيزقيٌ ولغويٌ وإبستمولوجي، ويمكن العثور على الأدلة لصالح أو ضدّ النماذج المتنوّعة من الواقعية الأخلاقية وعرضها بدرجةٍ عاليةٍ من الحنكة. لا أهدف في هذه المقالة إلى تقييم هذه الأدلة إلّا بالقدر الذي تنعكسُ فيه على الأخلاق الدينية، ولكن أولًا ينبغي أنْ نتناول دائرة المواقف التي تبنّاها المفكّرون الدينيون تجاه الأخلاق.
قدّم علماءُ أخلاق الدين طائفةً واسعةً من الآراء حول العلاقة بين الأخلاق والدين، وكلّ الآراء تقريبًا التي تبنّاها علماء الدين المسلمون لها نظيرٌ في الكتابات المسيحية. كذلك، وعلى الأغلب، فإنّ الآراء التي تُشبه وجهات نظر المؤلفين المسيحيين قد تمّ الدفاع عنها من قبل مؤلّفين مسلمين أو يُمكن الذبّ عنها من قبلهم. سوف أقومُ بتناول بعض الآراء التي يُمكن ـ أو قد تمّ فعلًا ـ التطرُّق إليها من منظورٍ إسلامي. بالرغم من التداخُل الكبير في الآراء الأخلاقية للتعاليم الدينية المختلفة، فإنّه توجد بعض المناقشات التي برزت بشكلٍ أوضح في أوساط المسلمين كالعلاقة بين الأخلاق والقانون الديني، وهذه المناقشة قد تُوفّر مدخلًا مناسبًا لتناول الأخلاق الإسلامية والواقعية الأخلاقية.
(186)إحدى أهم النقاشات وأكثرها إثارةً للجدل بين العلماء المسلمين هي العلاقة بين الأخلاق والقانون الديني. تُرجِمتْ الكلمة اليونانية Ethikos إلى الأخلاق باللغة العربية، وكانت الترجمة جيدةً؛ لأنّ الكلمتين تنبعان من جذرٍ يعني الشخصية. أمّا في التعاليم الغربية، سُرعان ما توسّعت مادة الأخلاق إلى ما هو خارجٌ عن تعاليم الفلاسفة اليونانيين حول الفضائل، فأصبحت الأخلاق تتضمّن النقاشات حول الواجبات والحقوق والمبادئ والمعايير. تمّ النقاش في التعاليم الإسلامية أيضًا حول هذه القضايا، إلا أنّها لم تعدّ بنحوٍ عام جزءًا من الأخلاق فالحقوق والواجبات تردُ في الشريعة بينما تتناولُ الأخلاق موضوعَ الفضائل. عُدّت الشريعة التي تأمر بحقوق وواجباتٍ معيّنة قانونًا دينيًا بنحوٍ عام، ولم يكن هناك رأيٌ يُفيدُ وجودَ قانونٍ أخلاقيٍ مُوازٍ للقانون الديني، ولكنّه مُختلفٌ عنه. اعتقد المسلمون بأنّ كمية الأخلاق التي يتوصّل إليها العقل من دون إرشادٍ دينيٍ هي قليلةٌ جدًا، وقاموا بالتركيز على مسألة وجود الحُسن والقبح العقلي بالرغم من احتجاج بعضهم على إمكانية استمداد الواجبات من المعرفة العقلية للخير والشر. كذلك، اختلف العلماء المسلمون بشكلٍ كبير حول المقدار الدقيق من المعرفة الأخلاقية التي يُمكن التوصُّل إليها بشكلٍ مستقلٍ عن الوحي.
بالرغم من أنّ علم الإلهيات لدى الأشاعرة معروفٌ بتبنّيه لمبدأ الإرادة الإلهية حيث يعتمدُ الصواب والخطأ بشكلٍ تام على أوامر الله، بينما علم الإلهيات لدى الشيعة ـ كالمعتزلة ـ يَسمحُ للعقل بتمييز الخير في بعض الحالات على الأقل ويُفيد بأنّ إحسان الله يتعارض مع إمكانية أمره بما يُعرف شرّه بشكلٍ مستقلٍ عن
الوحي، إلا أنّه توجد مجموعةٌ واسعةٌ من المواقف المختلفة التي تتوسّط طرفيّ هذين النموذجين.
قد يتّخذُ الفرد موقف المعتزلة الذي يُفيدُ أنّه يستحيل على الله أن يأمر بما يعرف العقل أنّه ظُلم، ولكنّه في الوقت نفسه قد يدّعي بأنّ ما يعلم العقل أنّه ظُلم يقتصرُ على البديهيات. من ثمَّ قد يأمر الله بالسرقة ولكن ليس السرقة الجائرة. لا يُمكن أنْ يأمر الله بالظلم؛ لأنّه يستحيل على الله أنْ يأمر به، ويصدقُ بشكلٍ بديهي أنّ الظلم هو شر. قد يُعدّ هذا الرأي نوعًا خاصًا من الشكوكية الأخلاقية حيث لا توجد معرفةٌ أخلاقيةٌ غير بديهيةٍ مستقلة عن الوحي.
من ناحيةٍ أخرى، قد يتمُّ الدفاع عن الموقف الأشعري من خلال الاحتجاج بأنّ المعرفة الأخلاقية التي يتوصّل إليها العقل حول الحقائق البديهية ليست معرفةً أخلاقيةً على الإطلاق، بل هي مجرد معرفة منطقية. أيّ محتوى يتضمّن مصطلحاتٍ أخلاقية خارج ما هو موجودٌ في المنطق والقواعد اللغوية ينبغي أنْ يكون من قِبل المشرِّع الإلهي. قد يصل الفرد إلى درجة نفي الأخلاق كليًا والادّعاء بأنّ الأوامر الجوهرية الوحيدة هي تلك التي يُصدرها القانون الأخلاقي. أمّا إحدى الأشكال الأكثر اعتدالًا من العقيدة الأشعرية، فإنّها قد تُبقي على الرأي الذي يُفيدُ بأنّ العقل غير قادرٍ على تمييز الحقائق الأخلاقية الجوهرية، ولكنّها تُنكر كوْن الأوامر الإلهية غير عادلة. وفقًا لهذا الرأي، الخير والحق هو ما يأمر به الله ولكن ليس لأنّ الله هو الذي أمر به، بل لأنّ الله يعلمُ ما هو خيرٌ وحقٌّ، بينما لا يستطيع العقل البشري
(188)الوصول إلى هذه المعرفة بنحوٍ مستقلٍ عن الوحي.
قد يُعدّ الرأي الذي أبرزناه آنفًا ضمن أنماط الاستنباط الأخلاقي من الكتاب المقدّس التي تَعدّ المصدرَ الرئيس لمعرفة الصواب والخطأ هو الوحي. يفترضُ مذهب إنكار هذا الرأي إمكانيةَ حيازة المعرفة الأخلاقية من مصادر أخرى مستقلّة عن القرآن والسنّة (بالنسبة إلى الشيعة تُضاف إلى سُنّة النبي سُنّةُ الأئمة المعصومين) أو مندمجة معها. كما ذكرنا سابقًا، فإنّ المعتزلة والشيعة قد لجأوا إلى العقل. من بين المصادر الأخرى للمعرفة الأخلاقية التي ناقشها المسلمون نذكرُ: الوجدان، والعُرف، وحُكم العقلاء.
بالنسبة لأفلاطون، قد تعدّ معرفة هيئة الخير أقصى معرفة أخلاقية، ولا تتيسّر إلّا لمن تُظهِرُ مداركه الروحية التناغم التراتُبيّ المناسب. في التعاليم الأفلاطونية، تمّ الاحتجاج بأنّ أولئك الذين يحيَون بنحوٍ مستقيمٍ يمتلكون المعرفة الأخلاقية التي لا تتوفّر للآخرين. فقط من خلال تطبيق الفضائل يُمكن للإنسان أن يعرف الهدف الذي تصبو إليه الحياة المستقيمة. تبرزُ الاتّجاهات الأفلاطونية والأرسطية والأفلاطونية الجديدة في تراث الفلسفة الإسلامية، وينطبق هذا الأمر بنحوٍ خاصٍّ على الإبستمولوجيا الأخلاقية للفلاسفة المسلمين. سعى الفارابي بشكلٍ جليّ
(189)للتوفيق بين العناصر الأفلاطونية والأرسطية في الفكر الأخلاقي والسياسي، وقد انعكستْ النظرة الأفلاطونية (والسقراطية) التي تُفيدُ بأنّ الفضيلة بحدّ ذاتها هي نوعٌ من المعرفة في قيام الفارابي بالمقابلة بين المدينة الفاضلة والمدينة الجاهلة.
يُمكن تقديم كلّ الآراء حول المجال السابق كأشكالٍ شكوكيةٍ تقريبًا، وهذا يعتمدُ على مقدار المعرفة الأخلاقية التي يُمكن استخراجها من المصادر الأخرى غير الكتاب والسُنّة. من ثَمَّ، يُمكن للفرد أنْ يتّخذ موقفًا عقلانيًا للغاية حيث يكون العقل وحده كافيًا لمعرفة الحقائق الأخلاقية الجوهرية، مثلًا: من الخطأ أذيّة الأفراد مُرهفي الحسّ للتسلية، وضرورة الاحتراز عن الأفعال التي تضرّ بالصحة من دون سببٍ وجيه، ووجوب عدم تقبُّل الموظّفين الحكوميين للرشاوي. قد يدّعي أحدهم على نحوٍ مثيرٍ للجدل بأنّ العقل يحكمُ بنحوٍ مستقلٍّ عن الكتاب والسُنّة على النواهي التي تعدّ دينيةً بالتحديد، ومن الأمثلة على ذلك حرمة شرب الكحول. ولكن مهما كانت الدعاوى الداعمة للعقل متطرّفةً أو مثيرةً للجدل، يستطيعُ الفرد أنْ يعتقد بأنّ ميدان قيام العقل بإصدار الأحكام الأخلاقية هو محدودٌ للغاية، وأنّ العقل لا يستطيع تمييز الصواب من الخطأ في معظم القضايا من دون مساعدة الوحي الإلهي.
يُمكننا أن نُشكِّل نموذجًا يتناول المواقف المتّخَذَة على النحو الآتي:
1. المعرفة الأخلاقية المستندة إلى الكتاب والسُنّة:
أ) المعرفة الأخلاقية المستندة إلى الكتاب والسُنّة من دون العودة إلى مصادر أخرى.
ب) المعرفة الأخلاقية المستندة إلى الكتاب والسُنّة مع العودة إلى مصادر وشروطٍ أخرى للمعرفة.
(190)2. المعرفة الأخلاقية المستقلّة عن الكتاب والسُنّة: العقل، العُرف، آراء العرفاء، آراء الصالحين، الوجدان.
فيما يأتي، سوف نتناول الاعتراضات الثلاثة التي يُمكن توجيهها إلى هذا الجدول.
أولًا، توجد اختلافاتٌ مهمّةٌ حول كيفية تقسيم المعرفة الأخلاقية المستندة إلى الكتاب والسنّة إلى الفرعين (أ) و(ب). من الواضح أنّه لا توجد معرفةٌ مُستندةٌ إلى الكتاب والسنّة من دون العودة إلى مصادر أخرى، فلا يُمكن فهمهما من دون معرفة قواعد اللغة العربية وبلاغتها، وحتّى إنّ أبسط الاستنتاجات تعتمد على العقل. إذًا، فلنَعدّ الفرع الأول متألفًا من المعرفة المستمَدّة من العلم بالمعاني اللفظية للكتاب والسُنّة فضلًا عن جميع مُستلزمات هذا العلم التي يُمكن توسعتها؛ لكي تتضمّن مجالاتٍ كالمعرفة التاريخية اللازمة لتقييم صحّة الأحاديث. قد يُعدّ الخلاف الأصولي الإخباري متمحورًا حول مسألة إمكانية الاستفادة في عملية استنباط الأحكام من الكتاب والسُنّة من المبادئ الزائدة عن المطلوب لفهم المعنى اللفظي، ولكنّ هذا ليس دقيقًا لأنّه يستحيلُ تحديد دلالات مجموعة العبارات التي ينبغي ضمُّها إلى معناها اللفظي. علاوةً على ذلك، لأنّ الفرع الثاني ليس فارغًا، ينبغي السؤال عن المصادر الأخرى غير الدينية التي ينبغي الرجوع إليها من أجل استخراج الأحكام الأخلاقية من الكتاب والسُنّة. حينما نفهم القرآن بنحوٍ صحيح ونُحدِّد الأحاديث الموثوقة، ما هي المعرفة الزائدة التي نحتاجُ إليها لكي نتوصّل إلى استنتاجاتٍ أخلاقية؟ هل يُمكن اتّباع هذه المبادئ العقلانية في حالات الشكّ؟ وهل يُمكن تصنيف هذه الحالات بحدّ ذاتها؟ بأيِّ طرقٍ تستطيعُ معالمُ النصّ، والسمات التاريخية، والأبعاد الأخرى المتعلّقة بسياق العبارة أن تُسهم في فهم هذه العبارة؟ ناقش علماءُ الأصول بعض هذه القضايا، وقد ادّعى بعضهم أنّه يتحتّم على من يريد مزاولة الاجتهاد
أنْ يفهم أغراض الأحكام الإسلامية المتعدّدة، وهذا الأمر غير متاحٍ إلا لمن يعيشُ حياةً مفعمةً بالتقوى. لا تعدّ التقوى مصدرًا للمعرفة الأخلاقية ولكنّها شرطٌ لجزءٍ من المعرفة الأخلاقية، أي الفهم الصحيح للقانون الأخلاقي الذي تُقدّمه الشريعة. وَقَعَ أيضًا جدالٌ كبير بين العلماء والمفكّرين المسلمين حول المدى الذي يتّصلُ فيه العلم بالقضايا المستجدّة والتكنولوجيا والأوضاع السياسية بعملية استنباط الحكم.
أحد أكثر الآراء تأثيرًا في هذا الميدان يعود إلى الشهيد باقر الصدر، فقد انتهج الموقف المعاصر الذي تبنّاه أغلب علماء الشيعة والذي يُفيدُ إمكانية الاعتماد على الإدراك العقلي للتوصُّل إلى المبادئ التي يُمكن من خلالها استخراج الأحكام الدينية، وقد قام الصدر أيضًا بدراسة الاعتراضات على المواقف الأكثر تطرُّفًا. في سياق بحثه، قام بوصف أنواعٍ عدة من المعرفة العقلية: أ) المعرفة العقلية المبتنية على الحس والاختبار؛ ب) المعرفة العقلية المبتنية على البديهيات؛ وج) المعرفة العقلية المبتنية على التأمُّل النظري.
ثانيًا، قد تختلف المواقف حول محتوى الفرع الثالث، أي المعرفة الأخلاقية المستقلّة عن الكتاب والسُنّة ومقتضياتهما. على سبيل المثال، قد يدّعي بعضُ العرفاء أنّه بإمكان الفرد حيازةَ المعرفة الأخلاقية بشكلٍ مستقل عنهما وذلك عبر الإلهام العرفاني. قد يُحتَجّ أيضًا بأنّ العقل يعلم أنّه لا ينبغي للفرد أن يؤذي نفسه حينما يُمكن تفادي ذلك بسهولة، ولكنّ الأفعال المؤذية تُعرف من خلال الاختبار وتطوُّر العلوم الطبية فقط (مثلًا: الضرر الذي يُسبّبه التدخين). من ثمَّ، هناك معرفةٌ أخلاقية يُمكن التوصُّل إليها فقط من خلال العقل والتجربة والعلم بشكلٍ مستقل عن الكتاب والسُنّة. إزاء هذا الفرع، قام الفلاسفة المسلمون بتطوير آراءٍ أخلاقيةٍ مستندةٍ إلى تحليلاتهم للفضائل والاستدلال العملي.
(192)ثالثًا، يبقى السؤال عن مقدار المعرفة الأخلاقية التي يُمكن التوصُّل إليها في الفروع الثلاثة. قد يرى أحدهم أنّه بالرغم من إمكانية التوصُّل إلى المعرفة الأخلاقية عبر العقل وحده فإنّ هذه المعرفة محدودةٌ للغاية. انتقد هيغل الصورية الفارغة في أخلاقيات كانط، وكذلك يُمكن للعلماء المسلمين أن ينتقدوا المحاولات الرامية إلى استخراج الأحكام الأخلاقية من العقل وحده لأنّها لا تُنتج أكثر من صوريةٍ فارغة. من هنا، قد يدّعي الفرد ضرورة اعتماد المعرفة الأخلاقية الجوهرية على الكتاب والسُنّة، أو قد يلجأ إلى المصادر الأخرى للمعرفة الأخلاقية كالوجدان، والحدس الأخلاقي الشخصي أو المنسوب إلى المتّقين والصالحين، أو المصادر والشروط الأخرى التي تمّ اقتراحها للوصول إلى المعرفة الأخلاقية.
باعتقادي، فإنّ الواجبات الدينية هي واجباتٌ أخلاقية، ويُمكن دعم هذا الرأي من خلال الاستدلال الآتي:
1. يقعُ على عواتقنا واجبٌ أخلاقيٌ متمثِّلٌ بإطاعة الله.
2. لكي نُطيع الله، ينبغي أنْ نتّبع الأحكام الدينية.
3. إذا كان علينا واجبٌ أخلاقي يقتضي فعل x، ولكي نقوم بـx ينبغي أنْ نأتي بـy، إذًا يقع على عاتقنا واجبٌ أخلاقيٌ متمثّل بالقيام بـy.
4. من ثمَّ، علينا واجبٌ أخلاقي يستدعي امتثال الأحكام الدينية.
وقع خلافٌ حول المقدّمة الأولى حيث عدّ بعضهم أنّه لا يقع علينا واجبٌ أخلاقي بإطاعة الله، بل يقتضي العقل المحتاط طاعته[1]. يُمكن صياغة هذا الرأي
(193)في إحدى أشكال العدمية الأخلاقية الدينية حيث نضطرّ لامتثال الأحكام الدينية انطلاقًا من الاحتياط وحده، وحيث تكون الأحكام الإلهية قوانين مفتقدة إلى العلل وبالكاد تتصّل بمفهوم الأخلاق اليوناني. أعتقد أنّه يُمكن تقديمُ احتجاجٍ لاهوتيٍ صائب يُخالف هذا الرأي، ولكنّني لن أُقدم على ذلك هنا فالغاية هي مجرد الإقرار بإمكانية وجود العدمية الأخلاقية الدينية.
إذا كانت هذه العدمية باطلةً، وإذا لم تُعرَّف الأخلاق على نحوٍ يستثني الواجبات التي يمتثّلها الإنسان لله، وإذا كانت التعاليم الدينية حول وجود الله وصفاته حقيقية، يُمكن الدفاع بنحوٍ جيد عن الفرع الأول، وذلك على قاعدة الإحسان الإلهي.
قمنا إلى حدّ الآن بعرض مجموعة آراء في أوساط العلماء المسلمين حول مصادر المعرفة الأخلاقية، ولكن يبقى السؤال عن دلالات المواقف لدى لمناصري الميتافيزيقيا الأخلاقية الواقعية.
من الواضح أنّ الميتافيزيقيا لدى بعض المعتزلة الأوائل كانت شكلًا شديدًا من الواقعية الأخلاقية؛ فقد عدّ جزءٌ من هؤلاء المتكلّمين الأوائل أنّ الخير والشر هما خصائص غير مادية للأفعال، كما أنّ إحدى الفواكه قد تكون تفاحةً أو ذات لونٍ أحمر. ولكن تكمنُ المشكلة في أنّ نسبة الشر إلى الفعل ـ كتجاوز حدود الأراضي الشخصية ـ تعتمدُ على الظروف؛ فإذا دخل أحدُهم إلى أرض غيره لكي يُنقذ طفلًا يتعرّض للغرق فإنّ هذا فعلٌ مُسوَّغ، ولكن إذا دخل آخر إلى هذه الأراضي
(194)لكي يتجسّس على جاره فإنّ هذا الفعل ليس جائزًا. من ثمَّ فإنّ الفعل ليس خيرًا أو شرًا بجوهره، فقد تكونُ حالةٌ ما شرًا أو خيرًا اعتمادًا على الظروف. التفت المعتزلة في البصرة إلى هذا الأمر، فقاموا بتطوير نظريةٍ متطوّرة للوجوه (الأبعاد)، وقد قامت هذه النظرية بإنقاذ الواقعية التي تبنّاها المعتزلة، ولكن فقط من خلال جعلها نسبية.
نجدُ في كتابات مور مسارًا مُشابهًا ينطلقُ من بيانٍ مُطلق للخصائص الأخلاقية ويصل إلى عدّ هذه الخصائص نسبية، ولكنّ هناك اختلافًا مهمًّا؛ فالعنصر النسبي للخير الذي اعترف به مور يتضمّن التثمين الواعي للشيء الذي يُعدّ خيرًا. على سبيل المثال، العمل الفني ليس خيرًا في جوهره ولكنّ الشيء الكليّ الذي يتضمّن تثمين هذا العمل الفنيّ قد يكون خيرًا. بدأ مور مع الفكرة التي تُفيدُ أنّه لا يُمكن اختزال الخير الكامن في الشيء في أيِّ تركيبٍ لخصائصه الطبيعية (أو كوْن الله قد أمر به)، بل ذلك الخير يطرأ على الخصائص الطبيعية للشيء. وبتعبيرٍ آخر، إذا امتلك x وy الخصائص الطبيعية نفسَها، فلا يُمكن لهما أن يختلفا في خصائصهما الأخلاقية. هيمنتْ هذه الفكرة على كتاب (الأصول الأخلاقية)، ولكن حينما نُشر كتاب (الأخلاق) في العام 1912، كان مور قد توصّل إلى أن ينسبَ القيمة الجوهرية إلى الكليّات التي تضمُّ الحالات الواعية فقط.
(195)إنّ التشديد على النظر إلى الخير بأسلوبٍ أكثر دقّةً (يشتملُ على معرفة الكيفية التي يتلقّى من خلالها البشر أو الكائنات الواعية الأخرى ما يُعدّ خيرًا) يُشكِّلُ صعوباتٍ لنموذج المعرفة الأخلاقية الذي قام بتحريك الواقعية بادئ الأمر. وفقًا لهذا النموذج، فإنّ الأفعال والصفات الشخصية وأنماط الحياة والأشياء الأخرى التي تخضعُ للحُكم الأخلاقي ـ سواء كانت تفاصيلَ أم أنواعًا ـ لديها خصائص أخلاقية. توصّل البشر إلى إدراك هذه الخصائص عبر نوعٍ من الحدس الذي يُمكن تفسيره إمّا كحدسٍ عقلائي ـ يُقال عادةً بانطباقه على المبادئ العامة ـ وإمّا كحسٍّ أخلاقي يتعلّق بأفعالٍ أو أحداثٍ خاصة. ولكن إذا لم تكن الخصائص الأخلاقية متّصلةً بالأشياء بشكلٍ مباشرٍ بل بالأشياء المتعلّقة بالكائنات الواعية فحسب، يُصبح نموذج المعرفة الحدسية مُثقلًا بالأعباء إلى حدٍّ بعيد. لا يُفيدُ الحدس العقلاني كثيرًا خارج ميدان الاندراج والاستنباط المفهومي، ويتعثّر في مجال العلاقات إذا لم يكن مدعومًا بالبُنى الموجودة في المنطق والرياضيات المعاصِرَيْن. حتّى مع هذا الدعم، يضطرب الحدس العقلاني حينما يتطرّق إلى علاقة الأشياء بالفاعلين الواعين؛ لأنّنا نفتقدُ إلى الدليل على قدرة مداركنا العقلية على الإدراك الحدسي لهذه العلاقات المعقّدة. هذا لا يعني أنّه لا يُمكن معرفة هذه العلاقات بل المقصود هو أنّ هذه المعرفة لا يُمكن تسميتها بالحدسية. يبدو أنّ الحسَّ الأخلاقي لديه فرصةٌ أفضل في التعرُّف على هذه التعقيدات إذا كان الشعور والتعاطُف المطلوبَان متطوِّرَيْن بنحوٍ مناسب، ولكن من أجل التمييز بين المشاعر التي تقودنا إلى تبنّي المعتقدات الأخلاقية الصحيحة من الخادعة ينبغي تدعيمها باعتباراتٍ تمتدّ إلى ما هو أبعد بكثيرٍ من الحدسيات المباشرة.
تكمنُ إحدى دوافع تبنّي أيِّ شكلٍ من أشكال الواقعية الأخلاقية في الفكرة التي تُفيد أنّ الدفاع عن الدعاوى الأخلاقية في مقابل اتّهامها بالشكوكية، النسبية،
(196)الذاتية، أو الاعتباطية لا يُمكن أن يتمّ إلا عبر تأسُّسٍ متين في الواقع. قد يندفع بعض المتديّنين للقبول بالواقعية الأخلاقية لهذا السبب أيضًا، ولكن ينبغي أنْ نحذر كثيرًا من المبالغة في التعميمات. كما أشرنا سابقًا، يعتقدُ بعضُ علماء الأخلاق الدينيِّين بنوعٍ من الشكوكية الأخلاقية ويرون أنّه ليس بمقدور العقل أو الشعور أو أيِّ قدرةٍ بشرية إدراكية أخرى أنْ تميِّز الصواب من الخطأ، ومن هنا تأتي الحاجة إلى الوحي.
فيما يتعلّق بالنسبية، تعتمدُ الأمور على تحديد أيّ الأحكام الأخلاقية تتّصل بأيّ العوامل. يعتقدُ بعض المتديِّنين أنّ الحقوق والمسؤوليات تتّصل بالجنس، أو الانتساب إلى دائرة العلماء، أو اتّصال النسب بالنبي، أو الإيمان. يرفض كثيرٌ من المتديِّنين (ولكن ليس جميعهم) أن تكون النسبية متعلقةً بالزمان أو المكان إذ إنّ حكم الله يُلزمنا في يومنا الحالي كما ألزم الناس في زمن النبي. تبنّى الشهيد الإيراني مرتضى مطهري موقفًا معتدلًا فيما يتعلّق بهذه القضية فاعتقد بوجود بعض الثوابت والعناصر الأخلاقية التي تتفاعل مع طوارئ الزمان والمكان. فضلًا عن ذلك، فإنّ الذاتية والاعتباطية مثيران للجدل ولا يُجمِعُ عليهما علماء الدين.
تبدو بعض القوانين الدينية مفتقدةً للعلل كتفاصيل الأفعال العبادية بالرغم من أنّ علماء الدين غالبًا ما يدّعون أنّ الحكمة الإلهية تكمنُ خلف ما يبدو لنا أنّه حكم مفتقدٌ للعلة.
مسألة الذاتية هي أكثر إثارةً للجدل، فأحيانًا توصَفُ نظرياتُ الأمر الإلهي في مجال الأخلاق على أنّها ذاتية. على سبيل المثال، يحتجُّ جورج حوراني على أنّ نظريات الأمر الإلهي لدى الأشاعرة هي ذاتية لأنّ «قيمة الفعل تُعرَّف عبر علاقتها بمواقف محدّدة أو بآراء عاقلٍ يتولّى منصب القضاء أو الرقابة، مثل الرغبة أو عدم الرغبة، الأمر والنهي، الموافقة أو الرفض». يُكمل حوراني شرْحَه قائلًا: «العامل
(197)المحدِّد هو عقلُ (الإله)، ومن ثمَّ تُصنَّف نظرية الأخلاق بشكلٍ صحيحٍ على أنّها (ذاتية). هذا استخدامٌ غريب لمصطلح (الذاتية) الذي يُستعمل عادةً في نظريات الحكم الأخلاقي حيث تقومُ هذه الأحكام بوصْف المواقف (أو الأوامر) الأخلاقية أو التعبير عنها. يرفض حوراني الوصف الأكثر شيوعًا (الإرادة الأخلاقية)؛ لأنّ «هذه التسمية لا تُظهر بشكلٍ جيدٍ علاقتها بالأنواع الأخرى من النظريات». ليس الهدف هو الاختلاف حول التسميات بل فهم العلاقة بين النظريات الأخلاقية والميتافيزيقية. قابَل حوراني بين (الموضوعية العقلانية) في المذهب المعتزلي و(الذاتية الإلهية) في المذهب الأشعري، وعدّ أنّ دحض الأخير يُعَدُّ تأييدًا كافيًا للأول الذي يُشير ـ وفقًا لعبد الجبّار ـ إلى وجود السمات الأخلاقية.
قام حوراني بشكلٍ صريح بالمقارنة بين الموضوعية في المذهب المعتزلي ومذهب الحدسية البريطاني وأضاف إليها إشاراتٍ إلى كتاب مور (الأخلاق). عدَّ حوراني أنّ كُلًّا من علماء المعتزلة وعلماء مذهب الحدسية البريطانيين قد توصّلا جوهريًا إلى الاستنتاجات نفسها؛ لأنّهما كانا يردّان على الأشكال المختلفة من الذاتية. سعى المعتزلة وراء قاعدةٍ موضوعية للأخلاق تُعارضُ الذاتية اللاهوتية، وقد سعى علماء مذهب الحدسية البريطانيون إلى الأمر نفسه في مقابل تيارات الذاتية المتواجدة في الفكر المسيحي ونظريات العَقْد الاجتماعي. يَعدُّ حوراني أنّ النزاع نفسه قد وقع في الفلسفة اليونانية:
«من هنا، فإنّ انتشار نظريات الذاتية بين السفسطائيين هو الذي أدّى بشكلٍ جزئيٍ إلى تحفيز جهود سقراط وأفلاطون للعثور على علم أخلاقٍ موضوعيّ يعتمدُ على تعاريف المصطلحات الأخلاقية، ونظرية عالم المثُل، ونظريةٍ موازية للمعرفة.
(198)مع حلول زمن أرسطو كان هذا التحدّي قد انقضى، ويُلاحَظ الفتور في مؤلفاته حول أكثر القضايا جوهريةً في الأخلاق».
توجد نقاطٌ عدّة جديرةٌ بالملاحظة في هذا الاقتباس. أولًا، يُقدّم حوراني صورةً ثنائيةً لتاريخ الأخلاق حيث يعدّه صراعًا بين مناصري الذاتية والموضوعية. ثانيًا، تمتلكُ الموضوعية مكوّناتٍ ميتافيزيقيةً وإبستمولوجيةً وهي الواقعية الأخلاقية ومذهب الحدسية تباعًا. الأمر الثالث والأهم هو رأيه بأنّ أرسطو يعود بأدراجه نحو الذاتية فيما يتعلّق بـ (أكثر القضايا جوهرية). استبقى أرسطو على لجوئه إلى الحدسيات العقلية في أخلاقه، وقد عدّه ديفيد روس مناصرًا للحدسية. ولكنّ أرسطو لم يعتقد بأنّ ما يُحدَس هو ضمن المثل الأفلاطونية أو السمات الأخلاقية غير الطبيعية. من ثمَّ، يبدو أنّ ما يعدّه حوراني (فتورًا) في أكثر القضايا جوهريةً في الأخلاق هو رفض أرسطو للواقعية الأخلاقية التي تعثر على السمات الأخلاقية في الأشياء كما يُعثر على الأمور الطارئة في المادة.
يبدو أنّ الصراع المعتزلي الأشعري قد أدّى بالعلماء إلى الافتراض بأنّه إذا رفض أحدهم الإرادة الإلهية في الأخلاق وتجنَّب كلًّا من الشكوكية ومذهب نفي الإدراكية، فإنّ الخيار الوحيد الذي يستحقّ التأمُّل هو الحدسية الواقعية. يبدو أنّ هذا الذي قاد البروفيسور راينهارت إلى عدّ الصوفيين ورثة المعتزلة، حيث كتب ما يأتي:
«بمعنى ما...فإنّ ورثة المعتزلة هم الصوفيون الذين يشتركون في أصول الدعوى والتقوى ـ ليس مع القشيريين أو أتباع محمد الغزالي بل مع أحمد الغزالي وابن عربي والقنوي والسهروردي المقتول، وذلك من خلال نظريتهم المعرفية حول الوحي
(199)الخاص المتشعبة بشكلٍ غامض، وحركات القلب والدوافع المتصارعة والشغف والمخاوف والأحزان. لا يتمثّل الأمر فقط في أنّ أبرز شخصيات التاريخ المعتزلي كانت زاهدة، بل إنّ إحدى أهداف الزهد هو الإصغاء إلى التلقينات الداخلية».
هذه ملاحظةٌ عميقة، يرى المعتزلة والصوفيون (والإشراقيون) أنّه باستطاعتنا من خلال الزهد أنْ نكتسب المعارف الباطنية التي تسمحُ لنا بتثمين الحقائق الأخلاقية المختلفة. ولكن إذا قبلنا بعلم الوجود الخاص بالمعتزلة، فهذا يعني أنّه: كما أنّ الله قد خلق للأشياء في العالَم ألوانًا وأصواتًا يُمكن إدراكها من خلال الحواس، فإنّه قد خلق لها سماتٍ أخلاقيةً يستطيعُ الزاهد أنْ يُدركها. لا يتّضحُ بالنسبة لي أنّ الصوفيين سوف يقبلون بهذا الأمر. فيما يتعلّق بعلم الإلهيات، قد ينحاز كثيرٌ من الصوفيين إلى الأشاعرة ويقبلون بنوعٍ معيّن من الإرادة الإلهية. يقومُ الزهد بتوفير الإدراك الأخلاقي للصوفي الأشعري؛ لأنّ الصوفي يتّحد مع الألوهية ويحب ما يحبّه الله ويكره ما يكرهه، والسبب وراء ذلك الإدراك ليس الخصائص الأخلاقية للأمور المحبوبة أو المبغوضة بل الموقف الإلهي تجاهها الذي يتّخذه الصوفيُّ الزاهد.
قد يقوم الزهد بتسهيل الوصول إلى المعرفة أو الإلهامات الباطنية الأخلاقية بطريقةٍ أخرى، وقد ناقشها ابن سينا في آخر كتاب (الإشارات) مقدّمًا بديلًا ثالثًا في النزاع حول المعرفة الأخلاقية، وهذا البديل ليس شكلًا من مذهب الحدسية الواقعية أو مذهب الإرادة الأخلاقية. يُفيد هذا الرأي المشّائي لابن سينا أنّنا نتبيّن الخير من خلال عدّه ممتعًا، والمتعة ليست إحساسًا بل هي الرضا بإنجاز الخير مع تثمين كونه خيرًا. الخير ليس خاصيةً غير طبيعيةٍ بل يتّصل بغاياتٍ وكمالاتٍ ذلك وهو أمرٌ يُحكم على موضوعه بأنّه خير. من خلال الزهد، يستطيعُ المرء تفادي الأخطاء في الحُكم
(200)على ما هو خير التي تنشأ بسبب إهمال الكمالات الفكرية والاهتمام المفرط بالمتع المادية. وفقًا لابن سينا، فإنّ المعرفة الباطنية التي تُكتَسب عبر الزهد لا تُمكِّن الزاهد من إدراك الخير غير الطبيعي الكامن في الأشياء المتعدّدة؛ وذلك لأنّ الأشياء هي خيرٌ فقط بالنسبة لمن يستطيع استخدامها لكي يصبح أكمل أو يتخلّص من العيوب.
يستطيع التفسير الآنف مُساعدَتنا في حلّ معضلةٍ وردتْ في نص (الإشارات) تتناولُ مسألة الحصول على بعض الأمور الممتعة ولكن كرهها بعد ذلك.
«قد يُكتَسَب الشيء الممتع ولكن يغدو موضع كراهية بعد ذلك، كما أنّ بعض المرضى يكرهون الحلويات ولا يشتهون الأشياء التي كانوا يرغبونها في السابق. هذا ليس نقضًا لما سبق ذكره فهذه الأشياء ليستْ خيرًا في هذه الحالة؛ لأنّ الحواس ليست مُدركة لها بالنظر إلى خيرها».
تُخمِّنُ المترجِمة عِناتي أنّ جُملة «هذه الأشياء ليست خيرًا في هذه الحالة» قد أتت كـ«نتيجةٍ لغفلة ابن سينا أو أحدٍ من كتّابه»، وقد توصّلت الأستاذة إلى هذا الاستنتاج لأنّه من الواضح أنّ ابن سينا لم يكن من مناصري الذاتية ولم يرَ أنّ الشيء يكون خيرًا فقط حينما تُدرك الحواسُّ خيرَه. تُفسِّر عناتي المثال على أنّه بيانٌ لحصول الكراهية تجاه شيءٍ خيِّر بسبب المرض، ولكن يبدو أنّ ما يقصده ابن سينا هو أنّ الحلويات ليست جيّدة للمريض، ومن ثمَّ لن يستطيع التمتُّع بها؛ لأنّه ليس بمقدور الحواس حينئذ إدراك الحلويات عن الطريق التي تُدرَك المتعة من خلاله، أي أنْ تكون خيرًا. المعرفة الباطنية التي يظهر الخير من خلالها ممتعًا ليست تلك العملية التي يتمُّ من خلالها معرفة الخاصية غير الطبيعية للشيء، بل معرفة أنّ الشيء يستجلبُ كمال الإنسان، وهذا يختلف تحت الظروف المتنوّعة.
(201)في خلاصة القول، يُمكن تطوير علم الأخلاق الديني بطرقٍ عدّة مختلفة، وإحدى هذه الطرق هي نظرية الأمر الإلهي الصادر عن الإرادة في الأخلاق. بالرغم من وجود أسبابٍ فلسفيةٍ ولاهوتيةٍ تدعونا لرفض هذه النظرية ـ وتتمثّل على التتالي في أنّ طاعة الله لن تكون أخلاقيةً وأنّ الأوامر الإلهية سوف تفشل في إظهار الحكمة الإلهية ـ إلا أنّ هدف هذا البحث ليس تقديم هذه الأدلة أو تفحصّها بل الهدف هو تناول العلاقة بين المواقف التي يُمكن تبنّيها في الأخلاق الدينية فيما يتعلّق بالواقعية الأخلاقية.
وقد سبق وأنْ تمّ الترويج للواقعية في هيئاتٍ تضمُّ المعالم الآتية:
ــ رفض النسبية المعيارية
ــ رفض الذاتية
ــ رفض مذهب نفي الإدراكية
ــ رفض العدمية
ــ رفض الشكوكية الأخلاقية
ــ القبول بأنّه يُمكن معرفة بعض الحقائق الأخلاقية على الأقل، وذلك عبر الحدسيات العقلانية أو الحس الأخلاقي والضمير أو عبر كليهما معًا.
ــ القبول بأنّ الحقائق والخصائص الأخلاقية توجد بشكلٍ مستقل عن العقل والفكر أو إرادة الفاعلين الأخلاقيين.
تستقلُّ آخر هذه النقاط عن غيرها، أي يُمكن إدخال نماذج من النقاط الأخرى في النظرة المشّائية للأخلاق من دون الالتزام الأنطولوجي بوجود الحقائق والخصائص الأخلاقية. ويوجد المزيد ممّا ينبغي قوله حول كيفية تعامل النظرة المشّائية مع الحدسيات الأخلاقية وكيف تختلف الإبستمولوجيا الأخلاقية
(202)المشّائية عن إبستمولوجيا الواقعية الأخلاقية الشديدة. في الواقع، فإنّ النزاع بين المشّائيين ومناصري الواقعية الشديدة لا يدور حول الأنطولوجيا بل حول العلاقة بين الإبستمولوجيا والأنطولوجيا. بالنسبة لمناصري مذهب الحدسية الواقعية، فإنّ الحدسيات تُقدِّمُ نافذةً على الواقع الأخلاقي حيث تُعلَم الحقائق الأخلاقية عبر الحدس. أمّا بالنسبة للمشّائيين و البنائيين الأخلاقيين، يُمكن معرفة الحقائق الأخلاقية عبر تفحُّص شروط الاستدلال العملي والاهتمامات البشرية، بغضّ النظر عن القول بتوافُق هذه الحقائق مع الوقائع الأخلاقية أو وصْفها للخصائص الأخلاقية. بالإمكان مقارنةُ موقف البنائية الأخلاقية مع موقف الملّا صدرا حيال وجود المثال الأفلاطوني المتمثّل بالخير. وافق الملا صدرا على وجود عالم المُثُل الأفلاطونية لأنّه كان يرى أنّ المفاهيم العامة ينبغي أنْ تنعكس في الميدان الفكري، ولكنّه لم يكن يعتقد بأنّ اللجوء إلى المُثُل يُسهم في حلّ الإشكاليات المعرفية حول الأنواع الطبيعية. كذلك، قد يقبل المشّائيون والبنّائيّون بتفسيرٍ طفيف للواقعية التي تدور حول الحقائق والخصائص الأخلاقية مع إنكار كوْن اللجوء إلى الحدسيات المباشرة لهذه الوحدات يُقدّم معرفةً أخلاقية. ينبغي أن تعتمد المعرفة الأخلاقية المستقلة عن الوحي على العلم بالطبيعة البشرية والاستدلال العملي.
فيما يتعلّق بالإرادة الإلهية، قد نتخيّلُ بأنّ أشعريًا يقبلُ بشكلٍ من الواقعية الأخلاقية ويعتقد بأنّ الخصائص الأخلاقية غير الطبيعية تكمنُ في الأشياء والأفعال بأمرٍ إلهي، فتترافق الإرادة التشريعية الإلهية بالضرورة مع مشيئته الإبداعية بأن تكون الخصائص الأخلاقية ملتصقة بالأشياء. قد يعتقد هذا الأشعريُّ أيضًا بأنّ البشر لا يستطيعون الوصول إلى الواقع الأخلاقي إلا عبر الحقيقة الموحاة. الأمر الجوهري بالنسبة لمتّبعي مذهب الإرادة الإلهية في الأخلاق هو ليس إنكار الواقعية بل الفرضية الإبستمولوجية التي تُفيدُ أنّه لا يُمكن معرفة الحقائق الأخلاقية عبر أيّ وسيلةٍ أخرى غير الوحي.
(203)يُمكن أيضًا تطوير نظريات الأمر الإلهي الخالية من الإرادة الأخلاقية بأساليب تتوافق مع شكلٍ شديد من الواقعية المتعلّقة بالقيم.
ينبغي أن يُنظَر إلى مسألة إنكار الإرادة الإلهية الأخلاقية كفرضيةٍ إبستمولوجية وليس معرفية. يُتيحُ علمُ الأخلاق الدينيّ الذي يرفض الإرادة الإلهية في الأخلاق إمكانيةَ الوصول إلى معرفة بعض الحقائق الأخلاقية على الأقل بنحوٍ مستقلٍّ عن الوحي. يُمكن شرح كيفية معرفة هذه الحقائق الأخلاقية من خلال طرق عدّة، وأبرز طريقَيْن تمّ تطويرهما في العالَم الإسلامي كانا: أ) أسلوب المتكلّمين المعتزلة والشيعة الذين قدّموا نموذجًا واقعيًا للحدسيات الأخلاقية؛ وب) أسلوب الفلاسفة من زمن الفارابي وصولًا إلى الطوسي والملّا صدرا ومَن بعدهم مِن الذين دافعوا عن المقاربة المشّائية تجاه الأخلاق والحكمة العملية. مع أنّه يُمكن تصنيف المقاربة المشّائية على أنّها واقعيةٌ بنحوٍ طفيف، إلا أنّ لديها قواسم مشتركةً مع بعض نماذج البنائية الأخلاقية أكثر من الواقعية الشديدة التي دافع عنها مور والمعاصرون من مؤيِّديه.
قدّم الأستاذ راينهارت بديلًا معقولًا لاقتراح حوراني بأنّ الواقعية الأخلاقية تبدو كردّة فعلٍ ضدّ الذاتية، ورأى أنّ السبب وراء الانتقال إلى مذهب الإرادة كان انحسار الحماس الدعوي الإسلامي. سعى الدعاة لاستحضار الحقائق الأخلاقية التي يعرفها غير المسلمين من أجل جذبهم إلى الدين الإسلامي، وقد اقتضى هذا
(204)الأمر الاعترافَ بالحقائق الأخلاقية التي يُمكن معرفتها بنحوٍ مستقلٍّ عن الوحي. حينما تدعّمت بُنى الحضارة الإسلامية ومؤسساتها وانحصر النشاطُ الدعوي في حدود دار الإسلام، أصبح الالتزام بالأحكام الأخلاقية الإسلامية اختبارًا للإيمان وليس وسيلةً لجذب الغرباء، ولم يُقدَّم سببٌ آخر للأوامر والنواهي غير أنّها تخضع للحكم الإلهي.
لمّا كان عبد الجبّار(935-1025م)، وابن سينا (حوالي980 -1037م) عالِمَيْن مُعاصِرَيْن، عُدّت مؤلّفاتهم بأنّها تعكسُ العوامل الاجتماعية نفْسَها المؤيِّدة للإقرار بوجود الحقيقة الأخلاقية المستقلة عن الوحي. يحتاجُ تبيانُ سبب بقاء هذا الإقرار في التراث الشيعي للفلسفة اللاهوتية منذ زمن الخواجة نصير الدين الطوسي (1201ـ1274) فصاعدًا إلى تحليلٍ يربو عمّا بإمكاني تقديمه. لا داعي للقول بأنّ العوامل الاجتماعية التي ينبغي تناولها تشتملُ على أكثر من مجرد التحفيز على تقديم الإسلام والدفاع عنه أمام الغرباء. حينما نُوجِّه اهتمامنا نحو العوامل الاجتماعية التي قد تُشجّع على اتّباع الاتّجاهات اللاهوتية المتنوّعة، لا ينبغي أن نسقط في فخّ التبسيط حيث يُرى الاستدلال خارجًا عن الموضوع بشكلٍ تام. يصعبُ الدفاع عن مذاهب الواقعية الأخلاقية الشديدة؛ لأنّها تفترض وجودَ سماتٍ غير طبيعية وإمكانية الوصول إليها عبر حدسياتٍ مُلتبسة.
لقد قادت هذه المعضلات الفلسفية المتعلّقة بالواقعية الشديدة إلى أنْ يقوم كلٌّ من مور وعبد الجبّار بتعقيد نظرياتهما من خلال الاعتراف ببعض الأبعاد الارتباطية للسمات الأخلاقية، ولعلّ هذه التعقيدات بحدّ ذاتها هي التي جذبت علماء الشيعة من الطوسي فصاعدًا إلى اتّخاذ موقفٍ حول الفلسفة الأخلاقية يميل أكثر إلى المشّائية.
في العالم الإسلامي المعاصر، لا يوجد إجماعٌ حول الإرادة الإلهية أو الواقعية الأخلاقية. يبدو أنّ سياسات الهوية تُروّج لنوعٍ من الإرادة الإلهية بينما يُتوقَّع من الدفاع الفكري عن الإسلام في الميادين العالمية أن يجري على وفق المقاربات التي
تتضمّنُ عناصر من العقلانية أو شكلٍ من الحدس الأخلاقي. لأسبابٍ تاريخية، ما زالت الإرادة الإلهية في الأخلاق مرفوضةً في علم الإلهيات لدى الشيعة بالرغم من أنّه ـكما ذكرنا سابقاًـ قد تُسهم العوامل المروّجة لهذه الإرادة في الحدّ من نطاق المعرفة الأخلاقية المستقلّة عن الوحي مع عدم الوصول إلى إنكارٍ تامٍ لها، وهذا يُفضي إلى شكوكيةٍ أخلاقية مُخفّفة. في إيران، كان التهديد الذي مثّلته الماركسية إحدى الدوافع العظمى للسماح بالتعليم العام للفلسفة في حوزات قم. بالرغم من أنّ بعض أشكال التحفُّظ الديني قد تؤيّد الشكوكية المخفَّفة التي تتعلّق بالاستدلال الأخلاقي وقد تحدّ من نطاق المعرفة الأخلاقية المستقلّة عن الوحي، إلا أنّ مسيحيين غربيّين قد قاموا بتقديم دفاعٍ دينيٍ لصالح الواقعية الأخلاقية في مقابل العناصر الذاتية التي تمّت مهاجمتها في ما يُسمّى بـ(الحروب الثقافية)، ولن يكون العثور على ميولٍ مُشابِهة في أوساط المسلمين الإيرانيين أمرًا مُفاجئًا. الواقعية الأخلاقية هي جذابةٌ بالنسبة لبعض الأشخاص لأنّهم يرون أنّها تُقدّم طريقةً للدفاع عن الادّعاءات الأخلاقية المطلقة في مقابل النسبية الثقافية.
من ناحيةٍ أخرى، تتّجه عملية عولمة الخطاب الأخلاقي نحو ترويج الآراء الأخلاقية التي تبدو مختلفةً عن تلك التي تُقدّسها الشريعة الإسلامية، وقد يُساعد هذا الأمر في تقوية ميول العلماء المسلمين نحو التشكيك بقدرة العقل الطبيعي على دعم الأخلاق الإسلامية. من المتوقَّع أنّ الاعتماد على الادّعاءات بوجود الحدسيات المباشرة للحقيقة الأخلاقية لن يُسهم إلّا في تصلُّب المواقف المتعارضة. في هذه المرحلة، تُقدِّمُ البنائية المشّائية بديلًا معقولًا يُمكن أن نؤسّس عليه الأخلاق الدينية التي تتلاءم مع الإصرار الشيعي على العقل والعدل، والله أعلم.
(206)
محمد فنائي إشكوري
لا شك في أنّ الأخلاق من أهم عناصر الحياة الاجتماعية للإنسان، إذ لا يمكنه أنْ يتنصل عنها. ومن ناحيةٍ أخرى فقد تعلّق بعض الأشخاص بالعرفان. هذا وأنّ هناك ارتباطًا وثيقًا بين الحياة الأخلاقية للإنسان وكماله، كما أنّ غاية العرفان تتلخّص في كمال الإنسان. ومن هنا يحظى البحث بشأن النسبة القائمة بين العرفان والأخلاق بأهميةٍ وضرورةٍ قصوى لدى عشّاق الأخلاق من العرفاء، وعشّاق العرفان من الأخلاقيين، ولا يمكن لأيٍّ منهما تجاهل أهمية وضرورة هذا البحث. إنّ السؤال الرئيس في هذه الدراسة، يقول: هل يمكن لنا أنْ نستنبط نظريةً أخلاقيةً من العرفان؟ وقبل الإجابة عن هذا السؤال، يجب علينا أنْ نجيب عن سؤالين فرعيين بيد أنّهما مهمّان، وهما أولًا: هل العرفان منسجمٌ مع الأخلاق؟ فإنّ جانبًا مهمًّا وأساسيًا من الأخلاق ـ في الحدّ الأدنى ـ يتمثّل في حب الآخرين وإرادة الخير والصلاح لهم ورعاية حقوقهم. إنّ الذي يعاني ضعفًا من الناحية الأخلاقية، يتصف بالأنانية والنرجسية وحبّ الذات، ولا يسعى إلا إلى تحصيل مصلحته ومنفعته الشخصية، ولا يبدي أيّ اهتمامٍ بمصالح الآخرين. وهناك من تصوّر أنّ الحياة
العرفانية لا تنسجم مع هذا البعد الأساسي في الأخلاق. والسؤال الآخر: لماذا تحدّث بعضهم عن العرفان ما فوق الأخلاقي؟ إنّ هذه الدراسة تسعى إلى الإجابة عن هذه الأسئلة، وتروم طرح نظريةٍ عرفانيةٍ بشأن الأخلاق.
وفيما يتعلّق بالعرفان نكتفي ببيان هذا المقدار، وهو أنّ مرادنا من العرفان هو المعرفة الشهودية لله، والأمور القدسية أو باطن الوجود الحاصل من طريق السير والسلوك وتهذيب النفس في طريق العبودية لله. إنّ العرفان المنشود في هذا البحث هو العرفان الديني، ولا سيّما العرفان الإسلامي الأصيل الناظر إلى المساحة الباطنية من الدين.
أمّا مرادنا من الأخلاق هنا، فهو الأخلاق الحسنة التي يتحلّى صاحبها بالفضائل الباطنية والأفعال الخارجية الممدوحة، ويكون طاهر الذيل من الرذائل الباطنية والأفعال الخارجية القبيحة. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الأمر ينطوي على مراتب سواء في ناحيته الإيجابية أم في ناحيته السلبية. إنّ جوهر الأخلاق ملكة نفسية، إلّا أنّ ظهورها يتجلّى في الفعل والترك الاختياري. وفي هذا البحث يتمّ التأكيد على تلك الناحية الأخلاقية القائمة على حبّ الآخرين. وإنّ أحد أركان الأخلاق ـ في الحدّ الأدنى ـ هو النزعة إلى احترام الآخر.
هل العرفان والحياة العرفانية تنسجم مع الأخلاق؟ إنّما يتمّ طرح هذا السؤال من حيث احتواء العرفان على عناصر يدّعي بعضهم أنّها لا تنسجم مع حبّ الآخرين، كما يكشف لنا التاريخ عن شخصيات عرفانية قلّ اهتمامها بالآخرين في حياتهم.
إنّ ضعف أخلاق المعاشرة وعدم الاهتمام بحبّ الآخرين تضرب بجذورها في عقيدةٍ خاطئةٍ تُنسب إلى بعض العرفاء. إنّ توهّم التنافي وعدم الانسجام بين المادة
(210)والمعنى، وبين الجسم والروح، وبين الدنيا والآخرة، وبين الخالق والمخلوق، قد دفع بعضهم إلى عدم الاهتمام بالحاجة المادية للآخرين ومدّ يد العون لهم. كما أنّ أصحاب المذهب الجبري الذين يرون أنّ الوضع القائم لا يقبل التغيير، لا يبذلون جهدًا من أجل تحسين الواقع المرير. كما أنّ الفهم الخاطئ لبعض المفاهيم العرفانية من قبيل: التوكل والرضا والتسليم، أدى ببعضهم إلى عدم الاعتقاد والاهتمام بسعي الفرد في تغيير الوضع القائم.
إنّ عَدَّ العزلة من ضروريات السلوك العرفاني، وعَدَّ الدخول في حلقة المجتمع منشأ جميع المفاسد، لا ينسجم مع حبّ الآخرين. إنّ العرفان في هذه الرؤية يتعلّق بالنسبة إلى الخاصة الذين لا يؤدي اعتزالهم عن الحياة الاجتماعية إلى الإضرار أو الإخلال بنظم المعاش. يرى هؤلاء أنّ على العارف أنْ يتخلّى عن الحياة العادية والاختلاط بالخلق؛ وذلك لأنّ الاهتمام بالخلق يحول دون الاهتمام بالحقّ، وإنّ العرفان الذي يمتدّ على طول الوقت خير من العرفان لبعض الوقت. يقول بول تيليخ: إنّ البحث عن الاتحاد مع الله قد شغل العرفاء عن الالتفات إلى آلام الناس ومعاناتهم.
لا شك في أنّ هذا الفهم والتفسير للتعاليم العرفانية سيجعل من الصعب الجمع بين العرفان والأخلاق. طبقًا لهذه الرؤية الخاطئة، يتم التنظيم لخطّةٍ سلوكيةٍ غير صائبة. بيد أنّ الفهم الخاطئ للعرفان شيء، والعرفان نفسه شيء آخر. فلا الجبر هو الذي يحكم أعمال الإنسان، ولا التوكل والتسليم والرضا يتنافى مع العمل والسعي وبذل الجهد، ولا العرفان يقتضي العزلة واجتناب الخلق والعباد. ليس هناك في الدين والعرفان الإسلامي أيّ تضادٍّ بين عالم المادة والعوالم الأخرى، وإنّما الكلام في أنّ العالم لا ينحصر بعالم المادّة فقط. ليس هناك تضادٌّ بين الدنيا والآخرة أيضًا، إنّما الكلام في أنّ الحياة لا تقتصر على هذه الحياة الدنيا. كما أنّه ليس هناك تضادٌّ
(211)بين الروح والجسم، وإنّما التأكيد ينصبّ على أنّ الإنسان ليس مجرّد جسم، وأنّ الروح والجسم بُعدان لحقيقةٍ واحدة. كما أنّ مفاهيم من قبيل: التوكّل والتسليم والرضا لا تتنافى مع التدبير والسعي والعمل، وإنّما لبّ الكلام هو أنّه مع التدبير والسعي والعمل، من الضروري أنْ تكون هناك رؤيةٌ توحيديةٌ وعناصر روحية خاصة للكمال الإنساني.
هل يمكن من خلال دراسة السيرة الذاتية للعرفاء أنْ نستنتج بأنّ العرفان لا ينسجم مع الأخلاق وحبّ الآخرين؟ لا بدّ من الاعتراف ـ بطبيعة الحال ـ بأنّ كثيرًا من العرفاء على اختلاف مناهجهم لم يكونوا يعبؤون بالخلق والعباد، ولم يكن للاهتمام بالآخرين محلٌّ من الإعراب في حياتهم. فقد انشغلوا بأنفسهم وانهمكوا بالسير والسلوك الباطني. إنّ أهم هاجس يشغلهم هو الاهتمام بأحوالهم الباطنية، ولا يفكّرون بسوى الأذكار والأوراد والمراقبة في العزلة والوحدة، وفي ذلك ما يشغلهم عن الاهتمام بآلام الآخرين وما يعانونه. إنّ دور العاطفة الإنسانية في إيصال الخير والخدمة إلى الآخرين لا يُنكر. وإنّ هذا النوع من العرفان يضعف العاطفة والرحمة الإنسانية.
ولكن علينا أنْ نعلم أولًا: أنّ هذا الأمر لا يمكن تعميمه. فإنّ كثيرًا من العرفاء كانوا طلائع في خدمة الخلق. بل هناك منهم من كان من الزعماء السياسيين، ومنهم من كان في مقدمة المقارعين للظلم والفساد والطغيان. وثانيًا: أنّ هذا النمط من الفكر والحياة ليس من لوازم العرفان، بل هو ـ كما تقدم أنْ ذكرنا ـ نتاج سوء فهمٍ وتفسيرٍ خاطئ للتعاليم العرفانية.
يتحدّث الإنجيل عن شقيقتين اسمهما: مارسا وماري، وكانت مارسا كادحةً وعاملةً مجتهدةً، في حين كانت ماري من العابدات والمتنسكات. وقد احتدم الجدل في العرفان المسيحي على الدوام حول أفضلية أيٍّ من هاتين الشقيقتين على
(212)الأخرى؟ فهل العمل أكثر قيمةً من الزهد والمراقبة والسلوك الباطني، أم العكس هو الصحيح؟ وهناك من فضل العمل وهناك من فضل المراقبة، وهناك من ذهب بحقّ إلى تفضيل الجمع بين الأمرين. بيد أنّنا نشهد في أغلب الجماعات العرفانية ترجيحًا لكفة الزهد والعبادة على العمل وخدمة الخلق، سواء في ذلك العرفان الشرقي أم العرفان المسيحي، بل حتى في بعض الجماعات الصوفية. ومن هنا لا بدّ من الفصل بين حقيقة العرفان وبين تاريخ العرفان.
إنّ الأخلاق في الأساس لا يمكن تصوّرها بمعزلٍ عن حبّ الآخرين. فإذا لم نقل إنّ جميع الفضائل والرذائل الباطنية، فلا أقلّ من أنّ أغلبها لا يتجلّى معناه إلّا في ظلّ الارتباط مع الآخرين. فإنّ فضائل من قبيل: الصدق وأداء الأمانة والإحسان للآخرين وحسن الظن والعفو، ورذائل من قبيل: الكذب والغيبة والتهمة والحسد وسوء الظن والتكبّر، إنّما يتجلّى معناها في إطار الارتباط بالآخرين وإقامة العلاقات معهم. ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ التحلّي بهذه الفضائل ودفع تلك الرذائل يعدّان من أوليات السلوك العرفاني. ومن جهةٍ أخرى فإنّ هوى النفس أو الأنا وحبّ الذات أكبر مانعٍ يحول دون حبّ الآخرين، وإنّ محور السلوك العرفاني يكمن في التغلّب على هوى النفس. وعليه كيف يمكن القول بأنّ العرفان لا يعتني بالأخلاق؟! نعم، هناك ـ كما أسلفنا ـ بعض العرفاء الذين اختاروا العزلة والانطواء على أنفسهم، وابتعدوا عن الخلق بنحوٍ كامل، بيد أنّ هذا التوجّه مرفوضٌ من وجهة نظر الإسلام، وقد ردّ رسول الله؟ص؟ هذا النهج بصريح العبارة وبليغها حيث قال: «لا رهبانية في الإسلام».
وفي الحقيقة فإنّ العرفان الصحيح لا يمكن تصوّره بمعزلٍ عن الأخلاق، وإنّ الأخلاق جزءٌ ضروري ولازمٌ ذاتي للعرفان الحقيقي. وليس هناك من شكٍّ في
(213)هذا الأمر من وجهة نظر العرفان الإسلامي. فالإسلام يرى أنّ العرفان هو البعد الباطني من الدين، وليس منفصلًا عنه، كما أنّ الأخلاق من الأجزاء الرئيسة في الدين الإسلامي الحنيف، وأنّ خدمة العباد تمثل جزءًا ضروريًا من السلوك العرفاني من وجهة نظر الإسلام. وإنّ السلوك العرفاني يشتمل على الأخلاقيات والعبادات والمعاملات. فقد ورد في آياتٍ كثيرةٍ وضع خدمة الخلق رديفًا للعبادة، وفي كثيرٍ من الآيات هناك وضع للزكاة والإنفاق في موازاة الصلاة. فمن أركان التديّن والتقوى إقامة الصلاة وأداء الزكاة، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ﴾، وفي الحديث عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «من سمع رجلًا ينادي: يا للمسلمين، فلم يجبه، فليس بمسلم».
لقد كانت حياة النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، والإمام علي عليهالسلام ـ اللذين يتأسّى بهما العرفاء ويهتدون بهديهما ـ وسيرتهما في حبّ الناس وخدمة الخلق، مذهلةً للغاية. وقد كان تقديم العون للخلق والاهتمام بشؤون الأيتام والمساكين جزءًا لا يتجزّأ من حياتهم. لقد كان الإمام علي عليهالسلام يقضي شطرًا من الليل بالعبادة والتهجد والتضرّع إلى المعبود، ويقضي شطره الآخر بحمل الطعام سرًّا إلى بيوت الأيتام والفقراء، وقد بلغ اهتمامه بحقوق الناس حدًا أنّه عندما سمع بجندي من معسكر الأعداء اعتدى على جاريةٍ يهوديةٍ في بقعةٍ نائيةٍ من رقعة حكمه، وسلبها قرطها وخلخالها، غضب غضبًا شديدًا، وسارع إلى اعتلاء المنبر، وبكى بكاءً ظنَّ معه الناس أنّه قد ثكل بأبنائه، ثم قال في تلك الخطبة كلمته المعروفة: «فلو أنّ امرأً مسلمًا مات من بعد هذا أسفًا ما كان به ملومًا، بل كان به عندي جديرًا». وكان فيما يتعلق برعاية
العدالة من الاحتياط والحذر حتى قال في بعض خطبه: «والله لو أعطيت الأقاليم السبعة بما تحت أفلاكها على أن أعصي الله في نملة أسلبها جلب شعيرة ما فعلت». وحتى عندما تولى مقاليد الحكم وزمام الدولة وجلس على سنام السلطة والقدرة، كان يواسي الفقراء والمساكين في المأكل والملبس وسائر الشؤون المادية، ويقول: «ولو شئت لاهتديت الطريق إلى مصفى هذا العسل ولباب هذا القمح ونسائج هذا القز، ولكن هيهات أنْ يغلبني هواي أو يقودني جشعي إلى تخيّر الأطعمة. ولعل بالحجاز أو اليمامة من لا طمع له في القرص ولا عهد له بالشبع». هكذا ينبغي أنْ يكون المعلم والمقتدى في العرفان الإسلامي. وفي مثل هذه المدرسة لا معنى لعدم الانسجام بين العرفان والأخلاق.
في الأبحاث العرفانية الجديدة لدى الغرب، يتم التأكيد على التجربة العرفانية، أمّا في العرفان الإسلامي فالتأكيد الأكبر يكون على تنمية الأخلاق والنتائج الأخلاقية. ولا بدّ من رؤية ثمار العرفان وآثاره في الأخلاق. وإنّ التجارب العرفانية والكرامات من الأمور الشخصية. وفي الحقيقة فإنّ الأخلاق هي التي تصحّح العلاقات الإنسانية، وتنطوي على فائدةٍ ونفعٍ للمجتمع البشري.
هناك من ادّعى بأنّ العرفان فوق الأخلاق، وأنّ العارف يحلّق إلى ما بعد مساحة الأخلاق؛ ولذلك فإنّه لا يكون محكومًا بالأحكام الأخلاقية. إنّ أُسس الأخلاق تقوم على الفصل بين الحسن والقبيح، في حين أنّ أهم صفةٍ في الاتجاه العرفاني تكمن في التغلّب على الحدود وإزالة الفوارق والاختلافات. يقولون: إنّ المطلق غير التعيّنات
(215)وفوقها. إنّ الاختلافات الحاصلة بفعل التعيّن لا تكون في المطلق. ومن هنا فإنّ الله لا يندرج في واحدٍ من التقسيمات الموجودة في العالم. فلا هو مادي، ولا هو مجرّد، ولا هو وجود ولا هو عدم، وإنّما هو فوق جميع هذه الأسماء والتقسيمات. وإنّ وضع الله في ضمن أيّ واحدٍ من هذه التقسيمات يُعدّ تحديدًا له. إنّه فوق التضادّ وفوق التناقض، ومن هنا فإنّه يفوق الحسن والقبح ولا يكون مشمولًا للأحكام الأخلاقية.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ العارف يتّحد مع الله، ومن هنا فإنّه يخرج بدوره عن دائرة أحكام الممكنات والمخلوقات، ويكون مشمولًا لأحكام المطلق، ويذهب إلى ما بعد المتضادات والمتناقضات والحسنات والقبائح. يقول رينولد نيبور: يسعى العرفاء إلى الحلول وراء تركيبات ومنظومات العالم. ويصرّح دانتو بأن الوعي الكوني والوحدوي لا ينسجم مع الأخلاق.
إنّ هذا التصوّر إنّما هو نتيجة للخلط والمغالطة. صحيح أنّ الله لا متناهٍ، وأنّ أحكام المتناهي لا تجري عليه. وبعبارةٍ أخرى: لا ينبغي البحث عن أحكام الخلق في الخالق، فهو فوق الزمان والمكان، ولا يمكن تصوّر الأبعاد الهندسية في حقّه. وحيث لا يكون الله متناهيًا، فإنه سيكون فوق التعارضات التي نشاهدها في الكائنات المتناهية. وإنّ الأضداد التي لا يمكن رفعها في المخلوق المادي، يمكن رفعها فيه. إنّه لا أبيض ولا أسود، ولا خفيف ولا ثقيل، ولا شرقي ولا غربي، ولا سماوي ولا أرضي، وإنّ الأوصاف التي لا يمكن أنْ تجتمع في المخلوق، يمكن أنْ تجتمع فيه. فهو الأول وهو الآخر، وهو الظاهر وهو الباطن، وهو البعيد وهو القريب، وهو داخل الأشياء كما هو خارجها. أجل، إنّ الله فوق التقسيمات الموجودة في المخلوق بما هو مخلوق. بيد أنّ الله ليس بخارجٍ عن التقسيمات التي تحصل بالنسبة إلى الوجود بما هو وجود. ففي
(216)تقسيم الوجود إلى: خارجي وذهني، وبالفعل وبالقوّة، والعلة والمعلول، والواجب والممكن، يتصف الله بأنّه وجود خارجي بالفعل، وأنّه علّة، وأنّه واجب. إنّ الله ليس فوق التناقض، وتستحيل عليه أحكام التناقض. ومن هنا فإنّه ليس فوق الوجود والعدم، إلا إذا كان المراد من الوجود والعدم معنى آخر. إنّه وجودٌ محضٍ والوجود ليس عدمًا. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأحكام الأخلاقية: إنّ الله ليس فوق الحسن والقبيح، بل هو الحسن المطلق الذي لا يتطرّق إليه القبح أبدًا. إنّ الله كائنٌ أخلاقي، فهو عادلٌ وصادقٌ ورحيم، بل هو أرحم الراحمين، وجوادٌ وغفّار، ولا يتطرّق إليه الظلم والكذب والبخل والحسد، وما إلى ذلك من الرذائل الأخرى.
إنّ الحق تعالى فوق بعض المتضادات، ولكنه ليس فوق المتناقضات، وهو فوق تقسيمات المخلوفات، ولكنه ليس فوق تقسيمات الوجود. والسرّ في ذلك أنّ الكون في أحد أطراف الشقّ الأوّل يستوجب المحدودية، في حين أنّ الكون في أحد أطراف الشق الثاني لا يستوجب المحدودية. إنّ الكون فوق الأطراف في القسم الأوّل ممكن، بيد أنّ الكون فوق الأطراف في القسم الثاني محال.
ومن جهة أخرى فإنّ العبد لا يخرج عن كونه عبدًا أبدًا، وإنْ العارف لا يغدو إلهًا، بل إنّه ينشد القرب من الله، وليس التحوّل إلى إله. وحتى عرفان وحدة الوجود الإسلامي لا يدّعي اتّحاد العبد مع الله. فالعرفان يَعدّ الخلق مظهرًا وشأنًا من شؤون الله ومظاهره. وإنّ المظهر والشأن وإنْ لم يكن له وجودٌ مستقلٌّ عن الظاهر وذي الشأن، إلا أنّ هناك تمايزًا بينهما، ببيان أنّ الشأن ليس هو ذا الشأن ذاته، ولا تجري عليه أحكامه. وإذا كان هناك بين الظاهر والمظهر والشأن وذي الشأن نوعٌ من الوحدة، فإنّ هذه الوحدة ليست وحدة بحتة، بل هي وحدةٌ في عين الكثرة والاختلاف.
أجل إنّ القول بأنّ العرفان فوق الأخلاق المادية والعلمانية والعرفية يعني أنّ
(217)الأخلاق العرفانية أسمى وأفضل وأعمق وأكمل، لا أنّها فوق الأخلاق.
بعد الفراغ من إثبات عدم التنافي بين العرفان والأخلاق، والقول بأنّ الأخلاق وحبّ الآخرين جزءٌ ضروريّ من العرفان، يطرح هذا السؤال نفسه: هل ينطوي العرفان في حدّ ذاته على نظريةٍ أخلاقيةٍ؟ وهل يمكن لنا أنْ نستخرج نظريةً أخلاقيةً من العرفان؟ إذا كان الجواب موجبًا، فما هي النظرية الأخلاقية العرفانية؟ وبعبارةٍ أخرى: إنّ السؤال يقول: ما هو منشأ الأخلاق الناظرة بنحوٍ رئيسٍ إلى إيصال النفع إلى الآخر أو الآخرين؟ فحيث يكون حبّ الذات متأصلًا في الإنسان، كيف يمكن للإنسان أنْ يفكر في مصالح الآخرين؟ لا يدور البحث هنا عن الأخلاق العرفانية أو دور العرفان في الأخلاق البشرية ـ إذ إنّ الأول بحثٌ أخلاقيٌّ وعرفانيّ، والثاني بحثٌ تاريخيٌّ واجتماعيّ ـ بل البحث في ماهية جذور القيم الأخلاقية؟ وهذا البحث مرتبطٌ بفلسفة الأخلاق. والسؤال هنا يقول: هل يمكن الحديث عن نظرية عرفانية بشأن الأخلاق، إلى جانب النظريات الأخرى حول منشأ الأخلاق؟
يذهب ولتر ستيس إلى الاعتقاد بأنّ هناك ـ من وجهة النظر العرفانية ـ إدراكًا عرفانيًا في جذور القيم الأخلاقية، وأن ذروة الوعي العرفاني تكمن في إدراك الوحدة اللا متميّزة. في هذا الإدراك يتم رفع الشرخ القائم بين النفس الجزئية وروح العالم، وتزول الفردية وتضمحل في الروح الكلية. وفي الواقع فإنّ الأنا الحقيقية لكلّ فرد لا تكمن في النفوس الجزئية، بل في النفس الكلية التي تضمحل فيها جميع النفوس.
(218)وإنّ الذي يميّز النفوس الجزئية من بعضها، هي الأحوال والخواطر العارضة. إنّ العارف السالك يسعى من خلال النظرة الاستبطانية إلى إزالة هذه الأحوال والخواطر من صقع ضميره، والحصول على النفس البسيطة. والنفس البسيطة في جميع الوجود ليست سوى حقيقةٍ واحدة. وإنّ الحصول على النفس البسيطة الكلية يعني زوال النفوس الجزئية المتكثرة، وبعبارةٍ أخرى: إنّ التعيّنات ـ التي تمثّل الحدود الفردية ـ تضمحل في المطلق. وفي مثل هذه الحالة لن يكون هناك فصلٌ بين الأنا والآخرين، إذ هناك أنا واحدة من دون أنْ يكون هناك في البين أنت أو هو. وفي هذه الحال عندما أحبّ ذاتي أكون محبًّا للجميع؛ لأنّ الجميع هم أنا، وليسوا منفصلين عني. وعلى هذا الأساس فإنّ أخلاق حبّ الآخرين تمتدّ بجذورها في الإدراك العرفاني، وبموجب ذلك لا يكون الآخرون منفصلين عني. وعليه فإنّ ما أحبّه أنا لنفسي سوف أحبّه للآخرين أيضًا.
إنّ هذه النظرية تقوم على أساس رؤية ولتر ستيس حول النفس الجزئية والكلية المقتبسة من بعض النحَل في الديانة الهندوسية. بيد أنّ هذه الرؤية غير مقبولة؛ إذ لم يتمّ إثبات وجود حقيقةٍ باسم النفس الكلية أو الروح العالمية بالمعنى المنشود لولتر ستيس. كما أنّ النفوس الفردية ليست نتاج عروض الأحوال على النفس الكلية. إنّ كلّ نفسٍ جزئيةٍ تمثّل جوهرًا تعرض عليه بعض الحالات. إنّ ملاك تشخيص واختلاف النفوس لا يكمن في هذه الحالات، بل إنّ أصل وجود وجوهر كلّ نفسٍ يمتاز من أصل وجود النفس الأخرى وجوهرها. طبقًا لمباني الفلسفة الإسلامية لا يقبل بزوال الفردية، كما أنّ الكثرة والفردية أمرٌ حقيقيٌّ، وليس اعتباريًا. إنّ براهين
تجرّد النفس وبقاء النفس تدلّ على بقاء النفس الفردية. وعليه فإنّ تفسير وحدة الوجود الذي يفضي إلى زوال مطلق الكثرة والتفرّد غير مقبول.
لا يلزم من ضرورة وحدة الوجود، زوال الفردية. كما أنّ مقام الفناء لا يعني زوال الفردية، بل المراد من الفناء هو أنّ الشخص في ذلك المقام لا يلتفت إلى ذاته، حيث يغيب في النظر إلى المحبوب. ومن الناحية الوجودية يدرك العارف أنّ وجوده ليس مستقلًا عن وجود الحق، وإنّما هو مظهر وتجلٍّ لذلك الوجود، لا أنّه ينعدم حتى لا يعود بالإمكان تمييزه. وبعد مقام المحو والفناء يأتي مقام الصحو والبقاء حيث يعود السالك إلى ذاته، بيد أنّ الذات هذه المرّة رغم كونها الذات السابقة نفسها، إلا أنّها لا تعود تشكل حجابًا ومانعًا دون الحق. إنّ قضية العبد بالقياس إلى الحقّ ليست قضية الوجود والعدم، وإنّما هي قضية المرآة والحجاب. وإنّ المراد من السلوك ـ في واقع الأمر ـ ليس هو تحوّل الوجود إلى عدم، وإنّما إزالة الحجاب وتحوّله إلى مرآةٍ صافية. كما أنّ المراد من الوجود أو الكون في هذا السياق هو الأنانية وحبّ الذات، والمراد من العدم والفناء هو زوال الأنانية، وحصر النظر بالحق، وليس الوجود والعدم بمعناهما الفلسفي.
كما أنّ زوال الفردية مرفوضةٌ في التعاليم الإسلامية. فإنّ التعاليم المرتبطة بالحياة بعد الموت، والقيامة، والجنة والنار، لا تنسجم مع زوال الفردية. فإنّ كلّ شخصٍ سوف يكون في يوم القيامة مسؤولًا عن أعماله، بل إنّ كلّ شخصٍ هو نتاج عمله، وفي ذلك يقول الله تعالى: ﴿فَمَنْ يَعْمَلْ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ خَيْرًا يَرَهُ﴾، وقال أيضًا: ﴿وَلَا تَكْسِبُ كُلُّ نَفْسٍ إِلَّا عَلَيْهَا وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَى ثُمَّ إِلَى رَبِّكُمْ مَرْجِعُكُمْ فَيُنَبِّئُكُمْ بِمَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ﴾.
هل إدراك الذات يُعدّ منشأً للإيمان بالله، أم الإيمان بالله هو المنشأ لإدراك الذات؟ هناك من الحكماء والعرفاء الإسلاميين من ذهب إلى القول بأنّ الإيمان بالله متقدّمٌ على إدراك الذات، بل هو منشأ هذا الإدراك؛ ذلك لأنّ المخلوق هو عين الارتباط بالخالق أو هو شأن من شؤونه، ومن المحال إدراك الارتباط أو الشأن دون الإيمان والعلم بطرف الارتباط أو ذي الشأن. كما أنّ العلة وذا الشأن مقدّمان من الناحية الوجودية، ومن الناحية العلمية يتقدّم العلم به على العلم بغيره أيضًا.
ولكن من المستبعد جدًا أنْ يكون الشخص مدركًا وعارفًا بربّه، ولكنه غير مدركٍ لنفسه وذاته. فإنّ إدراك الإنسان الحضوري لنفسه من ذاتيات وملاكات هويته وتشخّصه. وفي الحقيقة فإنّ قوام فردية الفرد يكمن في علمه الحضوري بذاته، وإنّ هذا الإدراك الذاتي غير قابلٍ للزوال، بل يظل باقيًا حتى في حالة الفناء. فالغائب في حالة الفناء هو الوعي والإدراك الحصولي للذات. بيد أنّ الإدراك الحضوري للذات يشكل أرضيةً وشرطًا لجميع أنواع الوعي والإدراك، ومن دونه يستحيل إدراك الآخر، حتى إذا كان ذلك الغير والآخر هو العلة أو طرف الربط أو ذو الشأن. لا إشكال في أنْ يكون وجودنا مرتبطًا بالحق، بيد أنّ علمنا بالحقّ يكون متوقفًا على علمنا بذاتنا، بل لا يمكن لنا أنْ نتصور غير ذلك.
صحيح أنّ الله تعالى أعلم بنا من أنفسنا، ومن هنا فإنّه سبحانه يقول في محكم كتابه الكريم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ يَحُولُ بَيْنَ الْمَرْءِ وَقَلْبِهِ﴾، ولكن هل يمكن القول: إنّنا أعلم بأنفسنا من الله؟! وكذلك بالنظر إلى أنّ الله أقرب إلينا من أنفسنا، هل يصح القول بأنّنا أقرب إلى الله من أنفسنا؟ يبدو أنّ الجواب هو: كلا.
ليس الإدراك الحضوري للذات وحده هو المقدّم على كل إدراك ـ بما في ذلك
إدراك الله ـ يبدو من ظاهر الآيات والروايات أنّ بعض الإدراكات الاكتسابية والحصولية تتقدّم على إدراك الله أيضًا، حيث يمثل هذا الإدراك الحصولي طريقًا إلى إدراك الله. فإنّ الإنسان في العادة يدرك وجود الله من خلال البراهين الآفاقية والأنفسية، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿سَنُرِيهِمْ آَيَاتِنَا فِي الْآَفَاقِ وَفِي أَنْفُسِهِمْ حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَهُمْ أَنَّهُ الْحَقُّ أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. وحتى لو جعلنا الشهيد هنا بمعنى المشهود، مع ذلك لا يتنافى هذا المضمون مع كلامنا، ولا يمكن أنْ نستنتج منه تقدّم إدراك الله على إدراكنا لأنفسنا؛ لأنّ مضمون العبارة لا يعدو القول بأنّ الله مشهودٌ لكلّ شاهد، بيد أنّ الشرط في الشهادة من كلّ شاهدٍ هو الإدراك الحضوري لذاته. هذا وأنّ المراد من التقدّم والتأخر هنا ـ بطبيعة الحال ـ ليس هو التقدّم والتأخر الزمني بالضرورة، بل المراد هو التقدّم الرتبي.
إنّ الحديث المعروف من عرف نفسه فقد عرف ربّه واضح الدلالة على ما ذكرناه. إذ إنّ المراد من معرفة النفس في هذا الحديث هو الإدراك الحصولي والثانوي للذات، وليس الإدراك الحضوري الحاصل للجميع بالفعل. إنّ هذا الحديث ـ وكثيرًا من الأحاديث الأخرى ـ بصدد التشجيع على إدراك الذات، إذ يمثّل هذا الإدراك مفتاحًا لفتح أقفال جميع العلوم والمعارف. ثم إنّ الإدراك الحضوري هو ضربٌ من تحصيل الحاصل، فلا يحتاج إلى ترغيب، بل هو لا يقبل الترغيب أصلًا.
وبطبيعة الحال لا بدّ لنا من هذه الإضافة وهي أنّ معرفة الله لدى الكاملين والسالكين الواصلين لا تقوم على معرفة الغير، فهم يقولون: «ألغيرك من الظهور ما ليس لك؟!». بيد أنّ هذا لا ربط له بما نحن فيه، وعليه لا يمكن لنا أنْ نستنتج منه أنّنا لا نحتاج في معرفة الله حتى إلى الإدراك الحضوري بذواتنا. إنّ الإدراك الحضوري للذات لا يشكل طريقًا إلى معرفة الله، وإنّما هو شرط تحققه، سواء في
ذلك معرفة الله الحاصلة من طريق الوسائط والآيات، أم معرفة الله الحاصلة من دون وساطةٍ وبنحوٍ مباشر.
طبقًا لما تقدّم ذكره فإنّ الإدراك العرفاني لانحلال الفردية لا يمكنه أنْ يكون منشأ للقيم الأخلاقية. فهل يمكن العثور على مبنى آخر للقيم الأخلاقية في العرفان؟ يبدو أنّ نظرية الأخلاق العرفانية لا تتوقف على نظرية محو الذات وإنكار النفوس الجزئية والاعتقاد بالروح العالمية الواحدة والمطلقة.
هناك في نظرية الأخلاق الدينية والعرفانية ارتباطٌ بين الأخلاق والتوحيد. فمن دون الله من المتعذّر جدًا الحديث عن القيم الأخلاقية. بيد أنّ وجود الله كيف يكون منشأً لحبّ الآخرين؟ إنّ الله ـ طبقًا لتعريفه ـ هو الكامل والخير المطلق ومعدن الفضائل والصفات الكمالية والجلالية ومصدر القيَم. وعليه فإنّ إدراك الله يعني إدراك الكمال والخير والجمال المطلق. إنّ هذا الإدراك أيًّا كان مستواه، سوف يستتبع حبّ الله بالمقدار نفسه. وإنّ أعلى درجات إدراك الله هو الإدراك الشهودي، إذ هي منشأ أسمى درجات حبّ الله. إنّ الإنسان في ذاته وفطرته ينجذب إلى الكمال ويعشق الجمال. وإنّ شهود الكامل والجميل المطلق لا يكون دون التعلق والشغف بذلك الكامل والجميل. إنّ هذا الحبّ الذي هو حبّ للجمال، يُعدّ منشأً للميل إلى فعل الحسنات.
ومن ناحية أخرى فإنّ الكون والإنسان من وجهة نظر العارف ما هما إلا مظاهر وشؤون الكامل والجميل المطلق. فإنّ حبّ الحقّ يستلزم حبّ مظاهره وشؤونه. وعلى هذا الأساس فإنّ إدراك الله هو حبّ الله، وهذا الحبّ بدوره يستتبع الحبّ للخلق، وإنّ حبّ الله منشأ للميل إلى فعل الخيرات والحسنات. إنّ حبّ الله يخلق الحافز لدى المحبّ نحو التشبه بأخلاق الله المتصف بأسماء الجمال والجلال، وهذا
(223)يشكل منشأً للميل نحو اكتساب الفضائل، والابتعاد عن الرذائل، وأساسًا للحسن والقبح الأخلاقي، والأمر والنهي الفقهي. إنّ حبّ الله بالأصالة يستلزم عبادته وأداء فروض الطاعة له، وإنّ مظاهره وتجلّياته بالتبع يستلزم خدمة هذه المظاهر، وحمايتها والعمل على رعاية حقوقها.
إنّ الكمال والخير والجمال مطلوبٌ لذاته، ولكن لا من حيث إنّها تمثّل وسائط للوصول إلى شيءٍ آخر. وهذا الكلام لا يتنافى مع سعي الإنسان إلى طلب الكمال. لا شك في أنّ الإنسان يحبّ الكمال بطبيعته، ويطيب له أنْ يتمتع بقدرٍ أكبر من اللذة والاستعلاء، بيد أنّ هذا الأمر لا يتنافى أبدًا مع حبّ الإنسان للجمال في نفسه.
وباختصار نحن نرى أنّ الحبّ المنبثق عن الإدراك العرفاني يمكنه أنْ يكون أساسًا ومنشأً للنزعة الأخلاقية والميل إلى حبّ الآخر. إنّ الاختلاف بين هذه النظرية ورؤية ولتر ستيس جوهري. حيث يذهب ستيس إلى الاعتقاد بأنّ الإدراك العرفاني للوحدة بلا تمايز هو منشأ الأخلاق، وأمّا طبقًا لرؤيتنا فإنّ الحبّ القائم على معرفة الله العرفانية هي منشأ الأخلاق.
يتّضح ممّا ذكرنا أنّ الأخلاق وحبّ الآخرين لا يتوقف بالضرورة على وحدة الوجود، بل ينسجم أيضًا مع الاعتقاد بوجود الله وأنّ العالم مرتبطٌ به وأنّه فعله وآيته.
إذا عددنا الحبَّ القائم على المعرفة الشهودية لله منشأً للأخلاق، فما الذي ينبغي قوله بشأن الأخلاق غير العرفانية التي لا تتمتع بمثل هذه المعرفة؟ كما تقدم أنْ ذكرنا فإنّ جانبًا من معرفة الله ـ من وجهة نظر الإسلام ـ فطري، وإنّ الجميع لديهم هذا الجانب الفطري وإنْ كانوا لا يشعرون بذلك. وبهذا المعنى يكون الميل إلى العرفان فطري وعام، بيد أنّ تطويره وتفعيله يحتاج إلى سيرٍ وسلوك. إنّ اعتبار فطرية الأخلاق وكذلك نظرية الأخلاق الواجب الكانطية ـ التي تقوم بدورها
(224)على القول بحب الآخر ـ يمكن أنْ تكون ناشئةً عن الحبّ الإلهي المودع في فطرة الإنسان. ومن الممكن أيضًا ألّا يرى شخصٌ منشأً للأخلاق، ولكنه يقول ـ في الحدّ الأدنى ـ بقيام المراتب المتعالية من الأخلاق على الحبّ الإلهي.
الأمر الآخر على هذا المبنى هو أنّ كلّ كائنٍ يتمتع بهذا الإدراك والحبّ، ويكون في الوقت نفسه مختارًا، سيكون أخلاقيًا. والحبّ فرع الإدراك. فحيث يكون هناك حبّ، يكون هناك إدراك سابق. وإذا كان الحبّ عامًّا وساريًا، سيكون الإدراك عامًّا وساريًا. وعليه هل هناك تلازمٌ بين الإدراك والحبّ من جهة وبين الاختيار من جهة أخرى؟ وبعبارةٍ أخرى: هل حيث يكون هناك إدراكٌ وحبّ، يكون هناك اختيارٌ أيضًا؟ لا يوجد هناك برهانٌ على هذا التلازم. فإذا عممنا هذا الوعي والإدراك والحبّ والاختيار على جميع الكائنات، فعندها ستكون جميع الكائنات ـ بما يتناسب ودرجة إدراكها وحبّها واختيارها ـ أخلاقيةً. وأمّا إذا ضيّقنا دائرة الاختيار، فلن تكون أخلاقيةً سوى الكائنات التي تتمتع بالوعي والحبّ والاختيار.
ومن ثمَّ فإن أشدّ وأكثر الموجودات ابتهاجًا هو الله المدرك لذاته، وفي ذلك يقول ابن سينا: أجلّ مبتهج بشيءٍ هو الأوّل بذاته؛ لأنّه أشدّ الأشياء إدراكًا لأشدّ الأشياء كمالًا. فهو العلم والحبّ اللامتناهي، كما هو الكمال والخير المطلق والأخلاقي أيضًا. وبطبيعة الحال فإنّ الأخلاق الإلهية تتناسب مع وجوده المطلق واللامتناهي. وهناك كلامٌ في التعاليم والنصوص الدينية بشأن أخلاق الله، ومن ذلك الحديث القائل: تخلقوا بأخلاق الله، وبذلك تكون الأخلاق الإنسانية شعاعًا محدودًا عن الأخلاق الإلهية. وإنّ كثيرًا من الأسماء والصفات الإلهية تعكس صفةً أخلاقيةً من صفات الله.
لا خلاف في العلم والاختيار الإلهي، ولا شك في حبّه أيضًا، فقد تحدّث الله تعالى
في القرآن الكريم عن الحبّ في كثيرٍ من المواطن، ومن بينها قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَأْتِي اللَّهُ بِقَوْمٍ يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ﴾. كما ورد في الحديث القدسي: كنت كنزًا مخفيًا فأحببت أن أعرف، فخلقت الخلق لكي أعرف.
وفي الأساس فإنّ أصل وحقيقة الحبّ ومنشأ كلّ حبٍّ هو الحبّ الإلهي. وإنّه هو المحبّ الحقيقي، كما أنّه هو المحبوب الحقيقي: «يا حبيب من لا حبيب له»، كما هو حبيب ورفيق وشفيق ومؤنس من لا أحد له: «يا أنيس من لا أنيس له».
وكما أنّ وجود ورحمة ولطف الله ينقسم إلى عامٍ وخاص، وكونه رحمنًا ورحيمًا، فإنّ حبّه ينقسم بدوره إلى عامٍّ وخاص، وفي الأساس فإنّ رحمته متفرعةٌ من حبّه. وإنّ حبّه العام شاملٌ ومستوعبٌ لكلّ الوجود. وأمّا حبّه الخاصّ فيخصّ الخاصّة من محبّيه. كما أنّ لحب الخلق لله قسمين: حبّ عام وحبّ خاص. والحبّ العامّ هو الحبّ الذاتي والجِبلّي الذي يعمّ كلّ ما سوى الله. والحبّ الخاصّ هو حبّ خصوص المؤمنين لله، وهو حبّ اكتسابي يحصل بفضل المعرفة والعبودية. وإنّ قوله تعالى: ﴿يُحِبُّهُمْ وَيُحِبُّونَهُ﴾ يشير إلى طرفي هذا الحبّ الخاص.
إنّ العارف الحقيقي يعشق الله ويستسلم لإرادته، ويرضى بقضائه ورضاه، وإنّ إرادته ذائبةٌ في إرادة الله. وبعبارةٍ أخرى: إنّ إرادته وإرادة الله تسيران على خطٍ واحد. بل في الأساس ليس له إرادة غير إرادة الله. إنّ اتّحاد الإرادة هذه هي التي تجعل العارف يحبّ ما يحبّه الله. وعلى هذا الأساس لا يوجد هناك تعارضٌ وتزاحمٌ بين إرادة العارف
وإرادة الله وأمره ونهيه، وإنّ حبّ الذات العرفاني يصبّ في ذات القيم الأخلاقية.
إنّ العشق الحقيقي يقضي على الرذائل ويستأصل سوء الخُلُق من الجذور؛ لإنّ جذور الرذائل تعود إلى الأنا ومعارضة القيم وحبّ الآخرين. إنّ السلوك الأخلاقي يصبّ في مصلحة ومتعة الفاعل، ويؤدّي عادةً إلى الإضرار بالآخرين. فلو تمّ استبدال تلك الأنا بمحبّة الآخرين، فلن يبقى هناك متّسعٌ للسلوك غير الأخلاقي. إنّ الكذب والحسد والغيبة والتهمة وأيّ نوعٍ من الإضرار وإلحاق الأذى بالغير إنّما هو لأجل أنْ أحصل على مصلحةٍ ومتعة، حتى وإنْ أدّى ذلك إلى تعرّض الآخرين إلى الضرر والأذى؛ إذ يقع التعارض والتزاحم أحيانًا بين مصالح الأنا ومصالح الآخرين، وإنّ الشخص الأناني يرجّح كفّة مصالحه على كفّة مصالح الآخرين. فإذا أدرك أنّ كماله وسعادته الحقيقية لا تكمن في المتعة الأنانية التي تضرّ بالآخرين، بل إنّ المتعة والمنفعة الحقيقية إنّما تكمن في تجاهل هوى النفس والسعي إلى ما فيه خير الآخرين وصلاحهم والعمل على طبق ما تقتضيه الأخلاق، فإنّ رغبته في الكمال سوف تدفعه نحو الأخلاق وحبّ الآخرين. وبعبارةٍ أخرى: ليس هناك تعارضٌ أو تزاحمٌ بين الخير الفردي والخير الجماعي أبدًا، بل إنّهما يجريان على خطٍّ واحدٍ، وهناك تلازمٌ بينهما.
تعود جذور النزاعات والخصومات إلى توهّم التعارض بين حبّ الأنا وحبّ الآخرين. فما لم يتمّ حلّ هذا التعارض فلن تسود الأخلاق. وإنّ الطريق الوحيد لحل هذه المعضلة هو رفع هذا التعارض والتزاحم. ولا يتحقّق ذلك إلّا في ظلّ الاعتقاد بالله وفي إطار الدين والعرفان. إنّ حبّ الله وتبعًا له حبّ خلقه، يضع حبّ الذات والقيم الأخلاقية في ضمن نطاقٍ واحد. إنّ العارف يرى خيره وسعادته وكماله في القيم الأخلاقية. وعلى هذه الشاكلة تصبح الأنا المتعالية ملازمةً لحب الخير، ولن يكون هناك تعارضٌ بينهما. إنّ الأنانية قصيرة النظر التي ترجّح المتعة العاجلة على
(227)السعادة الآجلة تتعارض مع إرادة الخير. في النظرة الأخلاقية يُعدّ حسن الخلق منشأً للمنفعة والمتعة الحقيقية، كما يُعدّ سوء الخلق منشأً للأضرار والآلام.
بعبارةٍ أخرى: من خلال الحبّ الإلهي يتم اجتثاث جذور جميع أنواع الرذائل المتمثّلة بحبّ الدنيا، وفي ذلك روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: حبّ الدنيا رأس كلّ خطيئة. إنّ القلب الذي يعمره حبُّ الله لا يتسلل إليه حبّ الدنيا، وحيث لا يكون هناك مكان لحب الدنيا، لن يكون هناك دافعٌ نحو الخطيئة.
إنّ أفضل طريقٍ لتعزيز الأخلاق هو العمل على ترويج المحبّة. فحتى في المراحل الاعتيادية وغير العرفانية يمكن لتقوية المحبة أنْ تشكّل أرضيةً خصبةً للالتزام بالقيم الأخلاقية. فلو تم تلقين الأطفال محبّة الحيوانات، فإنّ الأطفال عندها لن يقوموا بإيذائها وتعذيبها. وحيث يتمّ تأسيس الحبّ في روح الإنسان، سوف لن تقوم أرضيةٌ لمستنقع الرذائل، وسوف تزدهر روح الخدمة والإخلاص وحبّ الخير للآخرين الذي هو مقتضى الفطرة الإنسانية الطاهرة.
وحيثما كان هناك حبّ، لن يكون هناك أخلاق فحسب، بل سيكون هناك إيثارٌ وتضحيةٌ أيضًا؛ فإنّ الأم التي تضحّي من أجل ولدها لا تخلو من حبّ الذات وطلب الكمال، بيد أنّ حبّها لذاتها وسعيها وراء كمالها لا يتعارض مع حبّها لولدها إلى حدّ التضحية بنفسها من أجله. وهذه هي معجزة الحبّ.
إنّ العشق ملازمٌ للصدق والإخلاص، وهو يعمل على اجتثاث جذور الرياء والتظاهر والنفاق. إنّ الرياء والنفاق إنّما يكون حيث لا تناسق بين الظاهر والباطن والنية والعمل. في العمل المرائي لا يكون الدافع إلى العمل هو حسنه الذاتي أو حبًا للمخدوم، بل إنّ المرائي هنا يتظاهر بفعل الخير ليضمن غاياتٍ أنانيةً أو أهدافًا تقوم على الهوى. فهو يتظاهر بالحبّ من دون أنْ يمتلك ذرّةً منه. وهو يتظاهر بالتمسّك بالقيم الأخلاقية في حين أنّه ليس كذلك. أمّا المحبّ والعاشق الحقيقي فيخدم
(228)المحبوب والمعشوق بكلّ وجوده، ولا يهدف من وراء ذلك إلى شيءٍ غير خدمته فقط.
إنّ المعصوم هو الذي بلغت معرفته ومحبّته لله مرحلة الذروة، وإنّ إرادته تضمحل في إرادة الله. إنّ كمال معرفته ومحبّته تستوجب ألّا يكون هناك أدنى تعارضٍ بين إرادته ومرضاة الله، وأنْ تكون رغبته متطابقةً مع القيم الأخلاقية؛ ولذلك تكون إطاعته لله تامّةً، ويكون مستأصلًا لجذور العصيان والتمرّد من وجوده.
إنّ العشق والحبّ يذلّل الصعاب، ويجعل المرّ شهدًا، ويقصّر المسافات الطويلة، ويداوي العلل ويشفي الأمراض، ويجتث جذور سوء الخلق الكامن في الأنا وحبّ الذات. أمّا الشكّ والوهم والظن فهي نقصٌ وضعفٌ، وداءٌ للروح، لكنّ العشق والحبّ يعالجان هذه الأمراض أيضًا.
الكلام هنا يدور حول العشق الإلهي المقدّس، دون الأهواء الأرضية والشيطانية. إنّ صاحب الهوى أنانيٌّ محبٌّ لذاته ولم يذق طعم الحبّ. إنّه لا يفكر بغير متعته، وإنّ الآخر الذي يدعوه محبوبًا له لا يريده إلّا وسيلةً لإشباع غرائزه وشهواته. إنّ صاحب الهوى يريد ضحيّته لنفسه، أمّا العاشق الحقيقي فيريد نفسه لمحبوبه، وهو على استعداد للتضحية بنفسه من أجله. إنّ الهوى مؤقّت ويزول بمجرّد خمود الشهوة، أمّا العشق فيزداد استعارًا عند لقاء المعشوق. إنّ الهوى فصليٌّ ومرحليٌّ؛ ولذلك فإنّه يضعف بعد تعاقب الأيام والسنين، وأمّا الحبّ والعشق فلا شأنَ له بتقادم العمر والتغيرات البيولوجية والفسيولوجية والهرمونية، وإنّما هو شعلةٌ في الروح تزداد أوارًا واستعارًا مع الأيام. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الهوى مرتبطٌ بالقوى الجسدية، وأمّا العشق المقدّس فهو روحاني، ولا ربط له بالمتغيّرات الجسدية والجنسية. إنّ الهوى يتعلّق بالأعراض والظواهر، وبتغيّرها يتعرّض للزوال والاضمحلال، أمّا العشق والحبّ فيتعلّقان بذات المعشوق وحقيقته.
(229)وكما يجب التفكيك والفصل بين العشق والهوى، يجب التمييز بين العشق الكلي والعشق الجزئي أيضًا. إنّ العشق الجزئي في هذا المصطلح هو في الحقيقة درجةٌ من العشق، بيد أنّ متعلقه أمرٌ جزئي. إنّ العشق الكلي هو عشق وحبّ الله، والعشق الجزئي هو حبّ غير الله والمظاهر. وإنّ العشق الجزئي محدودٌ وغير ثابت، وإنّ متعلّقه غير ثابت أيضًا. وأمّا العشق والمعشوق الكلي فهو خالد، وإنّ العشق الكلي أو عشق الكلّ يشتمل على عشق الجزء أيضًا، وأمّا العشق الجزئي فلا يشتمل على العشق الكلي، بل ربما شكل مانعًا منه، وأسدل حجابًا دونه. وأمّا الذي يعشق الكل فإنّه يعشق الجزء أيضًا.
والدين ليس سوى هذا الحبّ، وقد ورد في الحديث: «هل الدين غير الحب؟!». إنّ الدين الأصيل والحقيقي هو حبّ الله وحبّ الخلق المستلزم للعبودية لله وخدمة الخلق. إنّ هذا الحب يتعلّق بالجمال وهو وليد العقل، ووالد الإحسان.
إنّ الهوى وحبّ غير الله منشؤه الابتعاد عن القيَم. وإنّ حبّ الدنيا هو من سنخ الهوى. وإنّ حبّ الدنيا منشأ سوء الأخلاق والنزاعات والخلافات حول الأموال والجاه والشهوات. إنّ حبّ الدنيا ـ الذي يعني حب غير الله ـ يحول دون العشق الحقيقي. وإنّ الرياضة المشروعة في السلوك العرفاني إنّما هي لمواجهة هذه الموانع والعمل على رفعها وإزالتها. وإنّ جهاد النفس ـ الذي يعرف بالجهاد الأكبر ـ هو جهاد ومحاربة الهوى والحبّ غير الإلهي. وعلى هذا الأساس فإنّ العارف في السلوك العرفاني لا يسعى وراء الانقطاع المحض، ولا يسعى إلى الاتصال المحض، وإنّما كلّ مطلوبه ومراده هو الانقطاع عن الأغيار والاتصال بالملك الجبار. ومن هنا ورد في المناجاة الشعبانية: «إلهي هب لي كمال الانقطاع إليك». لا بدّ من انقطاع يشكلّ
مقدمةً وشرطًا لازمًا للاتصال، وليس كلّ انقطاع. وإنّما يجب كسر ذلك التعلّق الذي يحول دون الاتصال بالحق، وليس كلّ تعلّق؛ ولذلك فإنّ حبّ العالم، وحبّ الخلق، وحبّ الناس، وحبّ الأولاد، وحبّ الوطن، وحبّ الجمال في نفسه لا يحول دون الاتصال بالحق، ومن ثَمَّ لا يكون ممنوعًا أو محظورًا، بل لازم حبّ الله حبّ ما سواه. وإنّما المذموم هو حبّ الدنيا الذي يكون في عرض حبّ الله.
في هذه الرؤية يكون حبّ الخلق والتعاطف مع الخلق ناشئًا من حبّ الله. إنّ العشق والحبّ العرفاني لا يتعلّق بالخلق مباشرة، كما أنّه ليس في عرض حبّ الله أو بديلًا عن حبّ الله. وفي القرآن الكريم لا يكون حبّ غير الله ـ الواقع في عرض حبّ الله أو بديلًا له ـ مقبولًا، بل هو مرفوض، وذلك حيث يقول الله تعالى: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يَتَّخِذُ مِنْ دُونِ اللَّهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِلَّهِ﴾.
إنّ حبّ غير الله الذي يمثّل منافسًا لحبّ الله هو الذي يعرف بـ(حبّ الدنيا). يرى القرآن الكريم أنّ الأولاد والأزواج نعمٌ إلهية، وأنّ الإنسان مسؤولٌ عن الزوجة وعن الذرية، ويجب عليه أنْ يتكفّل برعايتهم وصيانتهم والمحافظة عليهم، ولكن مع ذلك يجب ألّا يكون حبُّه لهم في عرض حبّ الله، أو أنْ يقدّم إرادتهم على إرادة الله، إذ لو حصل ذلك فإنّه سيكون سببًا لعذابه وخسرانه؛ ومن هنا يجب الحذر من ذلك، وفي هذا الخصوص نجد الله سبحانه وتعالى يقول في محكم كتابه الكريم: ﴿وَاعْلَمُوا أَنَّمَا أَمْوَالُكُمْ وَأَوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ وَأَنَّ اللَّهَ عِنْدَهُ أَجْرٌ عَظِيمٌ﴾. وفي الحقيقة فإنّ حبّ الدنيا ليس خالدًا، ولن ينفع العبد شيئًا في الدار الباقية، قال تعالى: ﴿لَنْ تَنْفَعَكُمْ أَرْحَامُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ يَفْصِلُ بَيْنَكُمْ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ﴾.
إنّ العشق الحقيقي عبارةٌ عن تفانٍ وتضحية. وإنّ الأموال والأزواج والأولاد نعمٌ إلهية يجب أنْ نشكر الله عليها، بيد أنّه إذا كان نوع الرؤية إلى هذه النعم ينطوي على شرك فإنّها سوف تتحول إلى نقم، وتحوّل الهبات إلى عذاب، واللطف إلى عنف، والهدايا إلى بلايا. إنّ الغاية من الهدية هي تمتين العلاقة بين المُهدي والمُهدى إليه. وعليه يجب أنْ تؤدّي الهدية إلى أنْ يذكر العبد خالقه أكثر، لا أنْ يتعلّق بالهدية وينسى المُهدي.
إنّ الأولاد والأموال وغيرهما من المواهب والنعم إذا أدّت إلى الغفلة وحالت دون تواصل العلاقة بين الإنسان وخالقه، فإنّها سوف تتحوّل إلى نقم، وفي ذلك يقول الله تعالى في محكم كتابه الكريم: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آَمَنُوا لَا تُلْهِكُمْ أَمْوَالُكُمْ وَلَا أَوْلَادُكُمْ عَنْ ذِكْرِ اللَّهِ وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ﴾.
ذكرنا أنّ أساس النزوع إلى الأخلاق يكمن في الحبّ الناشئ من معرفة الله. إنّ هذه الحبّ يمثّل واحدًا من روافد المعرفة الأخلاقية أيضًا، إلا أنّ للمعرفة الأخلاقية روافد أُخر يجب البحث عنها في موضعٍ آخر. وسوف نكتفي هنا بالقول: إنّ أصول القيم الأخلاقية وكلياتها وإنْ كانت فطريةً وبديهية، ليس لها من مصدر سوى الدين فقط، فهو وحده الذي يستطيع بيان وإيضاح تفصيلاتها وجزئياتها، ويرفع اختلاف الآراء فيها. ومن هنا فإنّ الأخلاق المنشودة هي الأخلاق الدينية التي يعمل العقل على تحديد حدودها من خلال الاستعانة بالوحي. والعارف يرجع إلى الدين للحصول على المعرفة التفصيلية بوظائفه الأخلاقية.
إنّ الأخلاق العرفانية هي الأخلاق الدينية المتعالية. وإنّ العرفان الديني يمنح الأخلاق صبغةً إلهيةً ومعنوية. وإنّ العارف يرى الطرف الأصلي في الأخلاق هو الله دون الخلق. وحتى عندما يقدّم خدمةً متفانيةً وخالصةً إلى الخلق، تكون غايته تحصيل مرضاة الله. ومع ارتقاء الدافع إلى العمل تصبح الأخلاق روحيةً ومتعالية.
وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق الدينية والعرفانية لا تنافي ولا تعارض الأخلاق العرفية، وإنّما هي تصحيح وتعميق وتكميل لها.
إنّ القول بأنّ الله مصدر القيم لا يتنافى مع الحُسن والقبح الذاتيين، بل هو ملازمٌ لها. إنّ الله يتصف بالصفات الفاضلة الحقيقية، ويتنزّه عن الصفات القبيحة الواقعية. إنّ إرادته وأمره ونهيه تتطابق مع المصالح والمفاسد في واقع الأمر. ومن هنا فإنّ هذه النظرية لا صلة لها بالأشعرية، ولا ربط لها بنظرية الأمر الإلهي، حيث لا تقول بالحُسن والقبح الذاتي والمصالح والمفاسد في واقع الأمر ووراء الأمر والنهي الإلهي.
ومن هنا يمكن لنا أنْ نستنتج أنّ الأخلاق الدينية والعرفانية حيث تمتدّ بجذورها في الواقية، لا تكون وضعيةً أو نسبية. إنّ أصول القيَم الأخلاقية كليةٌ وثابتةٌ وخالدة، رغم مرونتها في مقام التطبيق وتأقلمها مع الظروف. إنّ القيم ليست تابعةً للمصالح العابرة، وإنّما تمتد بجذورها في أعماق الوجود، وهي منبثقةٌ من مصدر إلهي، وتتجه نحو الغاية النهائية للخلق والكمال الحقيقي للإنسان.
وحيث يكون أساس الأخلاق هو حبّ الخير والجمال والكمال الحقيقي، يرتفع التعارض والتضادّ بين المصالح. فما يكون صلاح وخير لكلّ فرد، يكون صلاحًا وخيرًا للجميع، أو هو الذي لا يتعارض ـ في الحد الأدنى ـ مع صلاح الآخرين وخيرهم. إنّ الخير الفردي والخير الجماعي سوف لا يتعارضان ولا يتزاحمان، بل سيكونان ضمن إطارٍ واحد. إنّ الأخلاق سوف تحظى بقيمةٍ ذاتية، ولكن لا لأجل المصالح المادية فقط؛ فالأسمى من المصالح المادية هو الكمال الإنساني التابع للأخلاق، سواء كان ناظرًا أم محاسبًا أم لم يكن كذلك.
وعلى هذا الأساس لا يكون هناك تنافٍ أو تعارضٌ بين العرفان والأخلاق، بل ستكون الأخلاق جزءًا ضروريًا ومقوّمًا للعرفان ولازمًا ذاتيًا له. إنّ الأخلاق العرفانية هي أخلاق حبّ. وإنّ العشق والحبّ يمثّل حلقة الوصل بين المعرفة
(233)والعمل، وإنّ العشق الناتج من المعرفة سينتج العمل. إنّ جذور شجرة الحبّ هي المعرفة، وأغصانها الطاعة، وثمارها الكمال والفلاح.
1. إنّ العرفان لا ينسجم مع الأخلاق فحسب، بل إنّ الأخلاق جزءٌ ضروريٌّ من أجزاء العرفان أيضًا. إنّ الأخلاق بمعزلٍ عن العرفان ممكنةٌ وقائمة، ولكنّها ناقصة، وأمّا العرفان بمعزلٍ عن الأخلاق فهو مستحيل. وإنّ الذي أدّى إلى سوء الفهم وعدم التناغم هو الانحراف في العرفان وعدم فهم أو إساءة فهم التعاليم العرفانية، وليست حقيقة العرفان.
2. رغم حقيقة أنّ الله سبحانه وتعالى فوق الممكنات، وأنّ العارف ـ من خلال ارتباطه واتصاله بالحق ـ يسعى إلى الانقطاع عن الدنيا، بيد أنّ تجاوز القيم الأخلاقية الملازمة للكمال الوجودي لا يمكن تصوّره، بل إنّ الأخلاق في العرفان تكتسب صبغةً إلهيةً، وتحصل على التعالي. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العرفان ليس أسمى من الأخلاق، إنّما العرفان يعبّر عن الأخلاق الأسمى.
3. إنّ حبّ الله المنبثق عن إدراك الله ـ طبقًا للرؤية العرفانية ـ منشأ للقيم الأخلاقية، ومن بينها: حبّ الآخرين. إنّ المتعلّق الحقيقي والأصيل هو حبّ الله، أمّا ثانيًا وبالعرض فالعشق والحبّ يتعلّق بالخلق. إنّ حبّ الحقيقة الإلهية المطلقة يمثلّ أساسًا لعبادته، كما يمثّل حبّ الخلق أساسًا لخدمتهم. إنّ هذا العشق والحبّ وما يليه من العبادة والخدمة يمهّد الأرضية للكمال الإنساني. وبذلك يحصل تناغمٌ بين حبّ الذات والإيمان بالله والأخلاق، ويسير حبّ الذات والأنا وحبّ الآخرين والإيثار وتحصيل النفع والقيم جنبًا إلى جنب في مسارٍ واحد.
(236)
أحمد پاكتچي
لقد كانت النسبة بين الفقه والأخلاق موضع بحثٍ بين العلماء منذ القدم، بيد أنّ هذه النسبة إنّما تزداد تعقّدًا بنحوٍ خاصٍّ عندما يصل بنا الأمر إلى الحديث عن الأخلاق الدينية. إنّ المصادر الرئيسة للفقه والأخلاق الدينية في النصوص الدينية تتلخّص في القرآن الكريم والسُنّة الشريفة، وكلاهما يتحدّث عن الواجبات والمحظورات؛ ولذلك لا يكون هناك فرقٌ بينهما لا من الناحية المضمونية ولا من ناحية المصادر والمراجع. وربما أمكن القول: إنّ وجه الاختلاف والتمايز الوحيد بين الفقه والأخلاق الدينية يكمن في الحدود المرسومة بشكلٍ تعيّني في تاريخ العلوم الإسلامي، وهذا في حين أنّه عند الحديث في حقل النصوص، يكون تطبيق هذه الحدود صعبًا، بل وقد يكون متعذّرًا في بعض الأحيان. وفيما يتعلق بالقرآن الكريم يستحيل رسم الحدود بين الآيات الفقهية (آيات الأحكام) والآيات الأخلاقية، كما يبدو الأمر مشكلًا بالنسبة نفسها فيما يتعلّق بأحاديث النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، والأئمة الأطهارعليهمالسلام أيضًا. فما أكثر الأحاديث التي يعدّها الفقهاء من الأحاديث الفقهية،
وفي الوقت نفسه يذهب علماء الأخلاق إلى اتّخاذها مستندًا لاستنباط القواعد والأصول الأخلاقية.
ليس هناك من خلافٍ بين علماء الإسلام في القول بأنّ التخلّق بالفضائل الأخلاقية واجتناب الرذائل من شأنه أنْ يوصل الإنسان إلى التعالي، بيد أنّ السؤال يدور بينهم حول الحد الأدنى الضروري من ذلك. وفي الوقت الذي يذهب طيفٌ من العلماء إلى القول بأنّ الفقه والأخلاق حقلان متعاشقان، ولا يعدّون الحد الأدنى من الإلزامات المفروضة على الإنسان منحصرًا بالتعاليم المبوّبة بوصفها أحكامًا فقهية، يذهب طيفٌ آخر من العلماء إلى نوعٍ من الورع الفقهي، ويعملون على تحديد الإلزامات العملية بالإلزامات الفقهية.
وفي خصوص ما تقدّم يبدو من المهم جدًا أنْ نبحث من أجل العثور على موقف الأئمة الأطهارعليهمالسلام والحلول المطروحة من قبلهم، والمقالة الراهنة تبحث في الإطار العام لهذا الموقف والحل، رغم أنّ التفصيل في ذلك يحتاج ـ بطبيعة الحال ـ إلى مساحةٍ أكبر من مجرّد مساحة مقالة. وفي هذا السياق يبدو أنّ البحث بشأن النسبة بين الفقه والأخلاق في الأحاديث المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام من الكثرة والأهمية بحيث يمكن من خلال تحليلها التقدم خطوةً في إطار تصوير هذا الارتباط.
من بين المدارس الأخلاقية في التاريخ تتجلّى مدرسة الأئمة من أهل البيت عليهمالسلام في القرن الهجري الأول بوصفها مدرسةً تجمع بين الترابط والانسجام وبين عدم انفصالها عن الأوضاع الاجتماعية والحاجة الثقافية لعصر كلّ واحدٍ من الأئمة الأطهارعليهمالسلام .
لقد تجلّت خصوصية تعاليم الإمام الباقرعليهالسلام ـ طوال القرن الهجري الثاني ـ بالمقارنة إلى الأئمة السابقين، بسعة التعاليم والخوض التفصيلي في تحليل مكارم الأخلاق ومساوئها، وإنّ الذي تمّ الاهتمام به في تعاليم هذا الإمام الهمام أكثر من
(238)غيره يمثّل وجوهًا من الأخلاق الاجتماعية، من قبيل: التأكيد على قضاء حوائج المؤمنين، وكيفية تنظيم العلاقات بينهم، بل وحتى آداب مصاحبتهم، واختيار الصاحب من بينهم.
وفيما يتعلق بمورد التعاليم الأخلاقية للإمام الصادق عليهمالسلام يمكن لنا أنْ نؤكّد بعض الأمور، وهي: تعاليم بشأن كيفية تعامل الشيعة مع عامة المسلمين، وتعاليم بشأن وظائف وحقوق الشيعة على بعضهم، ومواعظ متنوّعة في باب التخلّق بمكارم الأخلاق، وتجنب مساوئ الأخلاق. وكذلك جانب من تعاليمه الناظرة إلى نقد الاتجاهات الصوفية التي كانت مدوّنةً آنذاك في شكلها البدائي، وفي المقابل كان يوصي أتباعه بممارسة حياةٍ طبيعيةٍ ومتعارفةٍ وعيشةٍ معتدلة.
يجب القول إنّه بالتوازي مع هذه المدرسة في القرن الثاني للهجرة قد تبلورت مدارس أخرى، دخلت في حوارٍ مع هذه المدرسة. وهي المدارس التي تم تأسيسها في القرن الأول للهجرة بهمّة الفقهاء السبعة في المدينة المنوّرة على أساس رؤية فقهية، وقد تمّ الاستناد فيها إلى ورعٍ فقهيّ هو عبارةٌ عن امتثال الواجبات الدينية وتجنب محرّمات الشرع. وقد استمرّ هذا المسار في القرن الهجري الثاني على يد عالم المدينة الشهير (مالك بن أنس)، حيث كان يؤكّد على التعاليم التقليدية لأصحاب المدينة في باب الزهد والتنسّك، وكان يخالف الامتناع عن النعم الدنيوية، مقدّمًا تفسيرًا فقهيًا للزهد والورع. وفي مقدمة رسالة خاطب فيها الخليفة العباسي هارون الرشيد أكّد ـ بعد ذكر الموت وأهوال القيامة ـ على إقامة العبادات الشرعية برؤيةٍ فقهية.
إنّ من بين التحديات المهمّة التي شهدتها المحافل الفقهية طوال القرن الهجري الثاني، نمط التعاطي مع أحكام القرآن الكريم والارتباط بينه وبين السُنّة النبوية. طوال ذلك القرن كان هناك تيّاران متوازيان، وقد أدّى التعارض الفكري بينهما إلى حدوث بعض التحديات العلمية في القرن الثاني.
إنّ أحد هذين التيّارين انخفض مستوى أهميّته في القرون اللاحقة، ولكنّه كان أكثر تناغمًا مع المضامين القرآنية والأحاديث النبوية وتعاليم أهل البيت عليهمالسلام ، ولم يكن هذا التيار يضع السُنّة في عرض الكتاب وإنّما في طوله. وكان هذا التيار يَعدُّ أمرَ الله في الكتاب أصل الشريعة، و(ما سَنّه رسولُ الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ) يمثّل بسط ذلك الأمر، وإنّ الكتاب والسُنّة ليسا أدلةً على الحكم الشرعي، بل هما التشريع بعينه، وفي نظرةٍ تراتبية، كان الكتاب ـ بوصفه حكم الله ـ يقع في مرتبة أعلى من السُنّة. وبطبيعة الحال فإنّ هذه الرؤية التراتبية إلى الكتاب والسُنّة كانت مقرونةً بأصلٍ ثابتٍ أيضًا، وهو أنّ التخلّف عن واجبات السُنّة النبوية بدوره لم يكن جائزًا أيضًا. وفي هذه الرؤية تكون ثمرة النظرة التراتبية إلى الكتاب والسُنّة بنحوٍ طولي لا عرضي، أولًا: هو أنّ أحكام الشريعة ذات ماهيةٍ تراتبية، فهي ليست على مرتبة واحدة، وأنّه للمواجهة مع التخلّف عن الشريعة، يجب أنْ تكون المواجهة ذات مراتب أيضًا، وثانيًا: في موارد السهو والنسيان أو التزاحم، يجب أنْ يكون مبنى الترجيح هو المراتب الراجعة إلى منشأ الحكم، وهل هي مأخوذةٌ من الكتاب أو السُنّة أو من طرقٍ أخرى.
هناك شواهد تثبت أنّ الرأي الأخير بشأن الارتباط بين الكتاب والسُنّة يمكن العثور عليه في تعاليم الإمام الباقرعليهالسلام ، والإمام الصادق عليهالسلام ، والإمام
الكاظم عليهالسلام . وقد تواصل ــ كما سيأتي ذكره في السطور اللاحقة ــ في تعاليم الإمام الرض عليهالسلام أيضًا.
وفي قبال هذا التيّار كان هناك تيّار آخر، أضحت تعاليمه في القرون اللاحقة هي الغالبة والسائدة في المحافل العلمية، وقد كان هذا التيّار يرى أسبقية أحكام الشريعة بالقياس إلى الكتاب والسُنّة، وكان يسعى من خلال الاستفادة من بعض الأدوات إلى بلوغ المحتوى الموجود وراء الكتاب والسُنّة. لقد قام هذا الرأي في القرن الثاني للهجرة، ولا سيّما في محافل أصحاب الحديث، وتم تقديم صيغته المدوّنة والمكتوبة في (الرسالة) لمحمد بن إدريس الشافعي (م: 204 هـ) إمام المذهب الشافعي. وقد كان هذا التيّار يرى أنّ الكتاب والسُنّة أدلةٌ للوصول إلى الحكم الشرعي، ولمّا كان يرى آليتها هي الدلالة، لم يكن يرى تمايزًا في المراتب بينهما على نحو ما تقدّم سنخه آنفًا. فالمسألة هي بيان حكمٍ في إطار دليل، وكان بإمكان الشارع المقدّس أنْ يرشد الناس إلى حكمٍ معيّنٍ من أحكام الشرع بوساطة دليلٍ من الكتاب أو السُنّة أو بوساطة دليلٍ آخر.
جدير بالذكر أنّه في ظلّ التحدّيات الماثلة بين هذين التيّارين، كان تقسيم الأحكام ـ بالنسبة إلى القائلين بعدم التراتبيّة بين أحكام القرآن والكتاب ـ على نحوٍ من الحصر العقلي أو في ما إذا كان في مجموع الأدلة حكمٌ أم لا. فإنْ لم يكن هناك حكمٌ كان الوضع قائمًا على الإباحة، وإنْ كان هناك حكمٌ فهو إمّا مقرونٌ برخصة الترك أم لا، فإنْ كان مقرونًا برخصة الترك وكان أمرًا فهو من الندب (الاستحباب)، وإنْ كان نهيًا فهو من الكراهة، وإنْ لم يكن مقرونًا برخصة الترك، وكان أمرًا فهو واجب، وإنْ كان نهيًا فهو محرّم. وهذا هو النموذج الذي عُرف لاحقًا في المصادر الأصولية
في القرون اللاحقة بالأحكام الخمسة. أمّا بالنسبة إلى الذين يقولون بالتراتبية في الأحكام فقد تم بسط هذه المقولة، واتّخذت صورةً طيفيةً. ويمكن لنا أنْ نشاهد انعكاس هذا النوع من الرؤية ونتيجتها في تبويب الأحكام في حديث مأثور عن الإمام الرضاعليهالسلام : رواية أحمد بن الحسن الميثمي، على النحو الآتي:
«إِنَّ اللَّهَ (عَزَّ وَجَلَّ) حَرَّمَ حَرَامًا، وَأَحَلَّ حَلَالًا وَفَرَضَ فَرَائِضَ، فَمَا جَاءَ فِي تَحْلِيلِ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، أَوْ تَحْرِيمِ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، أَوْ دَفْعِ فَرِيضَةٍ فِي كِتَابِ اللَّهِ رَسْمُهَا بَيِّنٌ قَائِمٌ بِلَا نَاسِخٍ نَسَخَ ذَلِكَ؛ فَذَلِكَ مِمَّا لَا يَسَعُ الْأَخْذُ بِهِ؛ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم لَمْ يَكُنْ لِيُحَرِّمَ مَا أَحَلَّ اللَّهُ، وَلَا لِيُحَلِّلَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ، وَلَا لِيُغَيِّرَ فَرَائِضَ اللَّهِ وَأَحْكَامَهُ كَانَ فِي ذَلِكَ كُلِّهِ مُتَّبِعًا مُسَلِّمًا مُؤَدِّيًا عَنِ اللَّهِ، وَذَلِكَ قَوْلُ اللَّهِ (عَزَّ وَجَلَ) إِنْ أَتَّبِعُ إِلَّا ما يُوحى إِلَيَ فَكَانَ صلىاللهعليهوآلهوسلم مُتَّبِعًا لِلَّهِ مُؤَدِّيًا عَنِ اللَّهِ مَا أَمَرَهُ بِهِ مِنْ تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ... وَكَذَلِكَ قَدْ نَهَى رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم عَنْ أَشْيَاءَ نَهْيَ حَرَامٍ فَوَافَقَ فِي ذَلِكَ نَهْيُهُ نَهْيَ اللَّهِ تَعَالَى وَأَمَرَ بِأَشْيَاءَ فَصَارَ ذَلِكَ الْأَمْرُ وَاجِباً لَازِمًا كَعِدْلِ فَرَائِضِ اللَّهِ تَعَالَى وَوَافَقَ فِي ذَلِكَ أَمْرُهُ أَمْرَ اللَّهِ تَعَالَى، فَمَا جَاءَ فِي النَّهْيِ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم نَهْيَ حَرَامٍ، ثُمَّ جَاءَ خِلَافُهُ لَمْ يَسَعِ اسْتِعْمَالُ ذَلِكَ، وَكَذَلِكَ فِيمَا أَمَرَ بِهِ؛ لِأَنَّا لَا نُرَخِّصُ فِيمَا لَمْ يُرَخِّصْ فِيهِ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم وَلَا نَأْمُرُ بِخِلَافِ مَا أَمَرَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، إِلَّا لِعِلَّةِ خَوْفِ ضَرُورَةٍ فَأَمَّا أَنْ نَسْتَحِلَّ مَا حَرَّمَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أَوْ نُحَرِّمَ مَا اسْتَحَلَّ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم فَلَا يَكُونُ ذَلِكَ أَبَدًا؛ لِأَنَّا تَابِعُونَ لِرَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم مُسَلِّمُونَ لَهُ، كَمَا كَانَ رَسُولُ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم تَابِعًا لِأَمْرِ رَبِّهِ (عَزَّ وَجَلَّ) مُسَلِّمًا لَهُ، وَقَالَ (عَزَّ وَجَلَ) ما آتاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ، وَما نَهاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا، وَإِنَّ رَسُولَ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم نَهَى عَنْ أَشْيَاءَ لَيْسَ نَهْيَ حَرَامٍ، بَلْ إِعَافَةٍ وَكَرَاهَةٍ، وَأَمَرَ بِأَشْيَاءَ لَيْسَ أَمْرَ فَرْضٍ وَلَا وَاجِبٍ، بَلْ أَمْرَ فَضْلٍ وَرُجْحَانٍ فِي الدِّينِ، ثُمَّ رَخَّصَ فِي ذَلِكَ لِلْمَعْلُولِ وَغَيْرِ الْمَعْلُولِ، فَمَا كَانَ عَنْ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم نَهْيَ إِعَافَةٍ أَوْ أَمْرَ فَضْلٍ، فَذَلِكَ الَّذِي يَسَعُ
(243)اسْتِعْمَالُ الرُّخَصِ فِيهِ... ».
فكما نشاهد في هذه الرواية هناك نظرةٌ تراتبيةٌ إلى أحكام الكتاب والسُنّة، تمهّد الأرضية إلى رؤيةٍ طيفيةٍ إلى الواجبات والمحظورات، وإنّ هذه الرؤية قد أوجدت ظرفيةً في هذا النموذج يمكن معها للكلام في الفضائل ونقائض الفضائل أن يندرج في طيفٍ من الواجبات والمحظورات؛ إذ يقع في طرفٍ منه الواجبات القرآنية، بينما تقع المحظورات القرآنية في الطرف الآخر.
جدير بالذكر أنْ هناك نظرةً مماثلةً نجدها عند المتقدمين من علماء المذهب الحنفي أيضًا، وقد سبق أنْ تحدّثنا عن ارتباط هذا المذهب الفقهي بمدرسة الإرجاء الكوفية، وأشرنا هناك إلى كيفية إعداد هذه النظرية لإيجاد رؤيةٍ طيفيةٍ بالنسبة إلى أفعال الإنسان. وعلى كلّ حال فإنّ التبويب المتداول في الكتب الأصولية لدى الأحناف لأعمال المكلفين تشير بوضوح إلى مدى قرب رؤيتهم من الرؤية المأثورة عن أهل البيت عليهمالسلام ، ولا سيما منهم الإمام الرضاعليهالسلام منهم. فقد ورد في تبويب الأحناف للأحكام أنّ العمل الذي يكون القيام به مطلوبًا من الشرع يشمل طيفًا من الفرائض والواجبات والسنن والمندوبات (المستحبات)، وأنّ ما طُلب تركه يشمل الحرمة وكراهة التحريم وكراهة التنزيه.
إنّ التدقيق في الأحاديث المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام ، يثبت أنّ هناك مساحةً واسعةً من أحاديثه قد تم بيانها في مقام بيان علل الشرائع أو أنّها أحكام شرعية صيغت في إطار التعليل. وبغض النظر عن التطبيق الفقهي لهذه الروايات إذا صحّت من الناحية السندية، وبغض النظر عن شأن كفاية دلالتها أنّ تعدّ من قبل الفقيه علةً منصوصةً تمهّد الطريق للقياس المنصوص العلة، أو ما يُعرف ـ بعبارةٍ أخرى ـ بتعميم الحكم، فإنّ التطبيق الآخر لهذه الروايات يكمن في إيجاد اللحمة بين الفقه والأخلاق. لا بدّ من الالتفات إلى أنّه في كثيرٍ من العلل المذكورة للأحكام الفقهية هناك التفات إلى الدوافع التي تندرج ـ طبقًا لكلّ تعريف ـ في دائرة الأخلاق، وبذلك فإنّ الإمام في هذا النوع من الأحاديث يؤكّد على نوعٍ من العلاقة السببية بين تشريع الأحكام والوصول إلى التعالي الأخلاقي. إنّ هذا النوع من التلاحم الذي يعني التشريع من أجل بلوغ التعالي الأخلاقي، يمكن العثور عليه ـ كنموذج ـ في الحديث القيّم الذي يرويه محمد بن سنان عن الإمام الرضا؟ع؟، إذ يقول:
«إنّ علة الصلاة أنّها إقرارٌ بالربوبية لله ــ عزَّ وجلّ ــ وخلع الأنداد، وقيامٌ بين يدي الجبار ـ جلّ جلالُه ـ بالذلّ والمسكنة والخضوع والاعتراف، والطلب للإقالة من سالف الذنوب، ووضع الوجه على الأرض كلّ يوم إعظامًا لله ـ جلّ جلاله ـ وأنْ يكون ذاكرًا غير ناسٍ ولا بطر، ويكون خاشعًا متذللًا راغبًا طالبًا للزيادة في الدين والدنيا، مع ما فيه من الإيجاب والمداومة على ذكر الله ـ عزَّ وجلَّ ـ بالليل والنهار، لئلا ينسى العبد سيّده ومدبّره وخالقه فيبطر، ويطغى ويكون ذلك في ذكره لربه ـ جلَّ وعزَّ ـ وقيامه بين يديه زاجرًا له عن المعاصي ومانعًا له من أنواع الفساد».
وفي فقرةٍ أخرى من رواية محمد بن سنان ورد في بيان علّة الزكاة ـ فضلًا عن رفع حاجة الفقراء ـ قيل: إنّها تستوجب تعليم النفس على الصبر، واعتياد الإنسان على شكر النعمة، وبناء روح الرأفة والعطف تجاه المستضعفين والمساكين والحثّ على مساعدتهم.
وفي ذات هذه الرواية عند الحديث عن علّة الحج يُشار إلى بعض العلل، من قبيل: إنّ الحج إنّما شُرّع ليخرج الإنسان من جميع الذنوب، وأنْ يتوب عمّا مضى، ويبدأ صفحةً ناصعةً في المستقبل، ويضاف إلى ذلك أنّ إنفاق المال والتعب الذي يصيب الجسم في الحج يدفع الإنسان نحو الحذر من اتباع الشهوات واللذائذ. ثم يستطرد في بيان ثمار أخرى مترتبة على الحج، من قبيل: التخلّي عن قسوة القلب، وعدم الغفلة عن ذكر الله، والاهتمام بحقوق الآخرين، وكفّ النفس عن الفساد، كما تمّت الإشارة إلى أنّ الحج فرصةٌ لاجتماع المسلمين والتعرّف على مشاكل بعضهم؛ وبذلك يمكن لأهل المكنة أنْ يقدّموا يد العون لإخوتهم من ذوي الحاجة.
وفي موضعٍ آخر من حديث محمد بن سنان عند الحديث عن علّة تشريع الصوم تمّت الإشارة إلى موارد، من قبيل: تقوية الصبر، والابتعاد عن الشهوات، والاهتمام بمشاكل المحتاجين والبائسين.
وفي هذا الحديث الرفيع، في معرض الكلام عن الأبحاث الخارجة عن دائرة
العبادات، نشاهد إثاراتٍ أخلاقيةً على نطاقٍ واسع، من ذلك على سبيل المثال ما ورد في بيان سبب حرمة الزوجة على الزوج أبدًا بعد التطليقة التاسعة، حيث قيل في بيان علة ذلك: إنّه لاعتبار الزوج كي لا يستضعف المرأة ولا يظلمها، وأنْ يعمل الشخص ألف حساب قبل أنْ يسارع إلى تطليق زوجته.
وهناك نصٌّ مماثلٌ في باب علل الشرائع يرويه الفضل بن شاذان النيسابوري، عن الإمام الرضاعليهالسلام ، يشتمل على معطياتٍ واسعةٍ في بيان العلاقة والارتباط الوثيق بين الفقه والأخلاق. من ذلك أنّ هناك فقرةً في هذا الحديث بشأن العلّة المُلزمة للإنسان بعبادة الله، تقول: «فإنْ قال قائلٌ: لم تعبّدهم؟ قيل: لئلّا يكونوا ناسين لذكره، ولا تاركين لأدبه، ولا لاهين عن أمره ونهيه إذا كان فيه صلاحهم وفسادهم وقوامهم. فلو تركوا بغير تعبّدٍ لطال عليهم الأمد وقست قلوبهم».
وجاء في حديث ابن شاذان في بيان علّة صلاة الجماعة: إنّ الاجتماع للصلاة يمهّد الأرضية ليتعاون المؤمنون على البر والإحسان والتقوى واجتناب الذنوب.
وكذلك ورد في حديث ابن شاذان بشأن علّة الإحرام في الحج، موارد من قبيل: الخشوع قبل الدخول إلى الحرم، وتجنّب اللهو والاشتغال بمتع الدنيا، والإقبال على بيت الله بشكل كامل، مع الخشوع والخضوع عند التوجّه إلى البيت.
إنّ من بين الأمور التي حظيت باهتمام العلماء المسلمين في حدود الفقه والأخلاق على الدوام، هو الاحتياط والسلوك المقرون بالحزم. إنّ الاحتياط ـ سواء أكان من قبل المفتي أم من قبل المُقلِّد، وسواء أكان منبثقًا من الشبهة الحكمية أم من الشبهة الموضوعية هو في جميع الأقسام المعروفة في الأبحاث الفقهية ـ سلوك في إطار تدارك الجهل، بيد أنّ هناك نوعًا خاصًا من الاحتياط يفوق الحالات المتقدمة، وأنّ الدافع له في الأساس ليس هو تدارك الجهل والشكّ في الحكم أو الموضوع، بل الغاية منه تأديب النفس، وراحة الضمير، والاطمئنان من ناحية الحصول على رضوان الله. وفي الوقت الذي يقع الاحتياط الاستدراكي في دائرة الورع الفقهي، فإنّ الاحتياط التأديبي يرفع الأسوار القائمة بين الفقه والأخلاق. وخلافًا للاحتياط الاستدراكي الذي يرتبط بوضع ذي حالتين، فإنّ الاحتياط التأديبي يمكن أنْ يكون عبارةً عن طيفٍ متفاوت الدرجات والمراتب.
إنّ الاحتياط الاستدراكي إذا كان متعلّقًا بتشخيص الحكم، يتعلّق بالمفتي عندما يكون بصدد استنباط حكمٍ من الأدلّة التفصيلية بالطرق الظنيّة، بيد أنّ افتراض أنْ يقع المعصوم في حالة الجهل بالحكم، وهو أمرٌ يضطره إلى الاحتياط الاستدراكي، مخالف للفرضية المعروفة في عقائد الإمامية في حقل علم الأئمةعليهمالسلام . وعليه عندما نواجه في الأحاديث المأثورة عن الأئمّةعليهمالسلام كلامًا بشأن الاحتياط في مقام بيان الحكم، لا ينبغي حمل الاحتياط هنا على الاحتياط الاستدراكي أبدًا، وبناءً على الفرضية المذكورة في أعلاه يجب حمل الاحتياط في هذه الموارد على الاحتياط التأديبي.
وفي الروايات المأثورة عن الأئمةعليهمالسلام نواجه الاحتياط بوصفه مصطلحًا محوريًا في كثيرٍ من الموارد، وهناك من بينها ـ بطبيعة الحال ـ ما يتحدّث عن الاحتياط الاستدراكي، ومن ذلك يمكن الإشارة إلى حديثين يرويهما عبد الرحمن بن الحجاج
(248)عن الإمام الكاظم عليهالسلام ، أحدهما بشأن كفارة محرمين قاما بصيد حيوان، والآخر بشأن شخص يريد بيع سيف مرصّع بفضة دينًا وجعل ثمنه ذهبًا. وأما الإمام الذي استعمل ـ من بين الأئمة الأطهارعليهمالسلام ـ مصطلح الاحتياط في عددٍ من موارد الاحتياط التأديبي، فهو الإمام الرضاعليهالسلام ، وعلى هذا الأساس فإنّ تعاليم هذا الإمام في حقل الربط بين الأخلاق والفقه تحظى بمنزلة خاصة.
من ذلك على سبيل المثال يمكن الإشارة ـ من بين هذا النوع من الاحتياط ـ إلى الحديث الذي يرويه البزنطي عن الإمام الرضاعليهالسلام في خصوص عدّة المتعة. وقد جاء في نصّ هذا الحديث المقتضب عن الإمام قوله: «قال أبو جعفرعليهالسلام : عِدّة المتعة خمسة وأربعون يومًا، والاحتياط خمسة وأربعون ليلة». وكما نرى فإنّ هذه الرواية تتألف من شقين، الشقّ الأول كلام للإمام الباقرعليهالسلام ينقله الإمام الرضاعليهالسلام ، وأمّا الشقّ الثاني فهو كلام الإمام الرضا نفسه. جدير بالذكر أنّ كلام الإمام الباقرعليهالسلام مرويٌ عنه بكلا اللفظين: (خمسة وأربعون يومًا)، و(خمسة وأربعون ليلة) من قبل بعض أصحابه، من أمثال: زرارة بن أعين، ومحمد بن مسلم. أمّا الاحتياط المذكور في العبارة المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام ، فيبدو أنّ سببه يعود إلى شيوع روايات أخرى بين الإمامية مأثورة عن الإمام الصادق عليهالسلام ، ومضمونها أنّ العِدّة في المتعة بمقدار
حيضةٍ لمن تحيض، وبمقدار شهرٍ لمن لا تحيض. كما نجد نسبة هذا المضمون في روايةٍ غير مشهورة عن الإمام الباقرعليهالسلام أيضًا، ونشاهد أيضًا في طيفٍ من الروايات المأثورة عن الإمام الصادق عليهالسلام القول بخمسة وأربعين يومًا.
وهناك بعض الروايات تحكي بوضوحٍ عن مثل هذا الاختلاف بين أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام بشأن عدّة المتعة، ويبدو أنّ الحديث المأثور عن الإمام الرضاعليهالسلام يمثّل من الناحية العملية وجهًا من الجمع بين القولين، وذلك بحمل الخمسة وأربعين يومًا على الاحتياط، وأنّ هذا الاحتياط ـ بطبيعة الحال ـ هو من نوع الاحتياط التأديبي. وفي الحقيقة يجب القول: إنّ ذلك القول المتروك في حديث الإمام الرضاعليهالسلام من حيث الاحتياط، هو القول بعِدّة الشهر الواحد.
كما يمكن العثور على نموذجٍ آخر من الاحتياط التأديبي في النسبة بين المتعة، وتحديد عدد الزوجات بأربعة. وبطبيعة الحال فإنّ القول المشهور عند الإمامية هو أنّ تحديد الزوجات بأربعة إنّما يخصّ النكاح الدائم، وأمّا النكاح المنقطع فلا يشمله هذا التحديد. وقد نقل هذا القول المشهور في أحاديث الإمامية، عن الإمام
الباقرعليهالسلام ، وعن الإمام الصادق عليهالسلام أيضًا.
في مثل هذه الأجواء هناك حديثٌ مأثورٌ عن الإمام الرضا؟ع؟ مضمونه يأمر بإدراج (المتعة ضمن الزوجات الأربعة). إنّ الراوي ـ الذي هو صفوان بن يحيى، وفي روايةٍ أخرى البزنطي ـ يسأل الإمام عليهالسلام قائلًا: (هل يكون ذلك احتياطًا؟)، ويجيبه الإمام: (أجل). وفي أحد الضبطين لهذا الحديث ينقل الإمام إدراج المتعة في ضمن الزوجات الأربعة عن الإمام الباقرعليهالسلام ، وفي روايةٍ أخرى يروى هذا الكلام عن لسانه. وقد نقل القول بإدراج المتعة ضمن الزوجات الأربعة عن الإمام الصادق عليهالسلام أيضًا. وعلى كلّ حالٍ نشاهد أنْ الإمام يرجّح أحد القولين ـ المنقولين عن الإمام الباقر والإمام الصادق عليهالسلام ـ على الآخر، من باب الاحتياط التأديبي.
وفي الختام يجدر بنا القول إنّه في بعض الموارد التي ورد فيها الكلام في أحاديث الإمام الرضاعليهالسلام عن احتياط يفوق الاحتياط الاستدراكي، يمكن العثور على نماذج تعود إلى أصل تشريع الحكم، وهو بصدد إثبات أنّ الحكمة من التشريع قد أمرت
برعاية الاحتياط بنحوٍ كاملٍ أو على نحوٍ جزئي، وهو احتياط ربما أمكنت تسميته بالاحتياط التشريعي، ولا بدّ من الالتفات إلى اختلافه المبنائي عن الاحتياط التأديبي. ومن بين نماذج الاحتياط التشريعي في الكلام المنقول عن الإمام الرضاعليهالسلام ، يمكن لنا الإشارة إلى الموارد الآتية:
رواية محمد بن سنان عن الإمام الرضاعليهالسلام في خصوص تحقّق البينونة في الطلاق بالنسبة إلى المملوك بطلاقين، في حين أنّ أصل هذا الحكم قد نقل عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم مرفوعًا، وعن عدد من الصحابة والتابعين موقوفًا، وكذلك عن بعض المتقدمين من الأئمة الأطهارعليهمالسلام ، وليس هناك متّسع في الأقوال يسمح بالاحتياط التأديبي.
والمورد الآخر من موارد الاحتياط التشريعي يتعلّق بجواب الإمام الرضاعليهالسلام عن سؤال محمد بن سنان بشأن العلّة في كون القاعدة في جميع الحقوق تقوم على (أنّ البينة على من ادّعى، واليمين على من أنكر)، إلّا في بحث القتل، حيث يكون اليمين على المدّعي، والبيّنة على المُدّعى عليه. هناك رواياتٌ في هذا الشأن تدلّ على
أنّ تشريع هذا الحكم يعود إلى النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
كما ورد توضيح هذا التشريع في رواية عن أبي بريد بن معاوية عن الإمام الصادق عليهالسلام ، وكذلك في رواية عن أبي بصير عنه عليهالسلام أيضًا، وهو أمرٌ يثبت أنّ الاحتياط فيه تشريعي، ومن سنخ الاحتياط المذكور في المورد السابق.
في معرض البحث عن الارتباط بين الفقه والأخلاق في تعاليم الإمام الرضاعليهالسلام ، يجدر بنا في هذا القسم الإشارة إلى بعض المسائل التي تندرج من حيث الموضوع تحت دائرة المسائل الفقهية، ومن هنا يعمل الفقهاء على بحثها، بيد أنّ هناك في الروايات المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام نوعًا من البيان ما فوق الفقهي سواء بنحوٍ كاملٍ أم بنحوٍ جزئي.
إنّ قسمًا من هذه البيانات ما فوق الفقهية ترتبط بالمسائل التي يرد فيها الوجوب والفضيلة في إطار الأمر، أو ترد الحرمة ونقيض الفضيلة في إطار النهي. وبطبيعة الحال فقد ورد التصريح بالوجوب والحرمة في هذا النوع من الأحاديث أحيانًا، وفي بعض الأحيان على نحو افتراضي.
وكنموذجٍ للأمر يمكن الإشارة إلى حديثٍ في باب شراء ماء باهظ الثمن للوضوء، حيث يشتمل متن الحديث على سؤالٍ يطرحه صفوان بن يحيى على الإمام الرضاعليهالسلام بشأن شخص بحاجة إلى الوضوء للصلاة ولا يكون معه ماء للوضوء، ثم يصادف شخصًا يبيعه الماء بمئة درهم أو ألف درهم، وتكون لديه القدرة على بذل
ذلك المال، فهل يجب عليه شراء الماء للوضوء أو يمكنه الاكتفاء بالتيمم؟ فيجيبه الإمام الرضاعليهالسلام بوجوب شراء الماء للوضوء. علينا أنْ نعلم بأنّ كثيرًا من الفقهاء لم يفتوا بالوجوب على طبق هذه الرواية، حيث مالوا إلى جانب وجوب الوضوء بوصفه فرضية في البحث إلى اعتبار مضمون هذا الحديث نوعًا من الأمر بالفضيلة. ولم يذهب إلى تفسير الأمر الموجود في هذا الحديث بالوجوب سوى نزرٍ قليلٍ من الفقهاء من أمثال السيد المرتضى.
وكنموذج للنهي يمكن لنا أنْ نذكر حديثًا بشأن أكل لحم بعض الحيوانات من قبيل الخيل والبغال ـ من وجهة نظر الفقهاء في الحد الأدنى ـ إذ عُدّ النهي الوارد هنا بمنزلة ترك الفضيلة، وليس النهي المحرم. وقد ذهب عموم الفقهاء ومن بينهم الشيخ الطوسي إلى حمل النهي الوارد في هذا الحديث على الكراهة دون الحظر.
إنّ جانبًا ممّا يمكن عدّه اتجاهًا ما فوق فقهي في بيان الأحكام، الموارد التي يبدو أنّ الإمام الرضاعليهالسلام قام بتفصيل شقوقها أو تعميم الحكم الفقهي فيها من خلال إرجاعها إلى المناطات الأخلاقية. ومن بين الأمثلة على هذا الاتجاه يمكن مشاهدة روايةٍ ناظرةٍ إلى توسيع دائرة الموارد التي يجوز فيها العزل للزوج. طبقًا لهذا الحديث الذي يرويه يعقوب الجعفي عن الإمام الرضاعليهالسلام ، تنقسم موارد جواز العزل إلى ستة أقسام من النساء، وفي طيفٍ منها تندرج العلة في طيفٍ فقهيٍّ تام ـ من قبيل أنْ تكون المرأة جارية ـ وفي طيفٍ آخر تذكر علة عقلية ـ من قبيل عقم المرأة ـ ومن ثمَّ هناك طيفٌ ثالثٌ من العلل الأخلاقية من قبيل تنمّر المرأة أو كونها سليطة اللسان،
وهي من الأمور النسبية ومن سنخ نواقض القيم الأخلاقية، ولا يمكن تبويبها فقهيًا، أو أنّه لم يتم تبويبها حتى الآن في الحد الأدنى.
وربما أمكن الإشارة إلى نموذجٍ آخر من هذا النوع إلى حديث يرويه معمر بن خلّاد عن الإمام الرضاعليهالسلام ، قائلًا: سألت أبا الحسن الرضاعليهالسلام عن الرجل يتزوّج المرأة متعةً فيحملها من بلدٍ إلى بلد؟ فقال: «يجوز النكاح الآخر ولا يجوز هذا». فإذا قرأت بوصفها جملةً خبريةً، كان المعنى أنّ إجبار الزوجة على الصحبة في السفر يتعلّق بالنكاح الآخر ــ وهو الدائم ــ وفي هذا النوع من النكاح ــ أي المتعة ــ لا يجوز هذا النمط من الإجبار. يبدو أنّ المراد من هذا الحديث ـ كما ذهب بعض الشارحين إلى ذلك أيضًا ـ أنّ أساس مناط المتعة لا يتناغم مع مثل هذا الإجبار، ولا يمكن إكراه المرأة في النكاح المنقطع على السفر مع الزوج من بلد إلى بلد، وأما إذا كانت المرأة هي التي ترغب في مرافقة الزوج في مثل هذه الأسفار، فلا شكّ في جواز ذلك ولن يكون هناك بحثٌ في هذا الشأن.
إنّ جانبًا من المباحث ما فوق الفقهية التي يمكن لها بيان الارتباط بين الفقه والأخلاق، هي الإشارة إلى الوضع الأفضل في مورد الفعل الذين يكون الحكم الفقهي فيه واضحًا. من ذلك يمكن الإشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى مسألة المهر إذ إنّ أصل مسائله واضحة، فلا يوجد غموضٌ بشأن هذه المسألة في الاستناد إلى الكتاب والسُنّة حيث يكون المهر أمرًا لازمًا في تحقّق عقد النكاح، أو يكون من الواجب
على الزوج دفعه بعد إتمام النكاح. بيد أنّه قد تمّت الإشارة في حديثٍ عن الإمام الرضاعليهالسلام إلى هذه النقطة، وهي أنّ المرأة في عصر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كانت تكتفي أحيانًا بجعل تعلّم سورةٍ من القرآن أو درهم أو قبضة من حنطة كمهرٍ للزواج من رجل، وبذلك تمّ التأكيد على فضيلة التساهل في المطالبة بالمهر وعدم إرهاق كاهل الرجل بالمهور الغالية.
ومن ثمَّ لا بدّ في نهاية المطاف من الإشارة إلى موارد من (الأمر) في الأحاديث المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام ، التي لا يكون فيها الأمر ناظرًا إلى الوجوب الشرعي، وإنّما تكون ناظرةً إلى تنظيم العلاقات بين الناس وحسن السلوك، ويكون صدورها من أجل الحيلولة دون النزاعات وسوء الفهم. وأفضل نموذجٍ لهذا النوع من الأحاديث الناظرة إلى الارتباط بين الفقه والأخلاق، الحديث الذي يرويه سليمان بن جعفر الجعفري عن الإمام الرضاعليهالسلام . حيث يشار في هذا الحديث إلى أنّ الإمام الرضا أمر من حوله بتعابير قاطعةٍ وحاسمةٍ بعدم استئجار شخصٍ لعمل إلّا بعد بيان أجره بشكلٍ دقيق، وعدم ترك الاتفاق على ذلك إلى ما بعد إنجاز العمل. هذا في حين أنّه لو تمّ الصلح لاحقًا بين الأجير والمستأجر، يمكن للإجارة ـ من الناحية الفقهية ـ أنْ تكون خاليةً من الإشكال، وحتى إذا لم يمكن الصلح، يمكن حلّ الخصومة بعد ذلك على أساس دفع أجرة المثل.
من مجموع ما تقدّم يمكن لنا أنْ نستنتج بأنّ الإمام الرضاعليهالسلام قد سار على منهج التأكيد على التماهي بين الفقه والأخلاق، وبغضّ النظر عن مجرّد التأكيد على الالتزام بالأصول الأخلاقية، يتم تقديم بعض المباني في إطار هذه المماهات، ومن خلال مختلف الأحاديث والوقائع الحادثة تمّت إقامة أنواع متعدّدة من العلاقة والارتباط بين حقل الفقه والأخلاق. ويبدو أنّ بالإمكان بيان هذه المباني على النحو الآتي: الاستناد إلى الرؤية الطيفية تجاه التكاليف الدينية بدلًا من الرؤية المحدودة على أساس الملاكات الثنائية (الصفر والواحد)، والاهتمام بعلل الشرائع، والخوض في المناشيء الأخلاقية للتشريع، والاهتمام بالاحتياط التأديبي، والاتجاهات ما فوق الفقهية في بيان المسائل الفقهية. يبدو أنّ بسط معطيات هذا النوع من الأحاديث المأثورة عن الإمام الرضاعليهالسلام وكذلك تتبع التعاليم المماثلة في أحاديث سائر الأئمة الأطهارعليهمالسلام من شأنه أنْ يمهّد الأرضية من أجل توسيع إطار العلاقة بين حقل الفقه والأخلاق، وهما الحقلان اللذان لا نشاهد بينهما حدًّا فاصلًا في أصل الشريعة، وإنّ الضرورات الراهنة المتعلّقة بتوسعة نطاق علم الفقه، تقتضي أنْ تتمّ هذه التوسعة بحيث يكون التلاحم بين الفقه والأخلاق مأخوذًا بنظر الاعتبار على الدوام، فلا يتمّ تجاهل الأصول الأخلاقية في مسار هذه التوسعة.
(257)
الشیخ محمد تقي المصباح اليزدي
إنّ العلاقة بين الدين والأخلاق تُعدّ من بين أكثر الأبحاث جاذبيةً، وهي في الوقت نفسه من أكثرها مثارًا للزلل، حيث لها سابقة بطول ظهور الأفكار الدينية والفلسفية. فقد كان الفلاسفة من جهة، والمتدينون من جهة أخرى يجدون أنفسهم طوال التاريخ أمام هذا السؤال الجاد، وهو السؤال القائل: فيما يتعلّق بالارتباط بين الدين والأخلاق، هل تكون الأصالة للدين أم للأخلاق؟ بمعنى هل الدين منشأ للأخلاق أم الأخلاق منشأ للدين؟ وهل أنّ الله ملزمٌ برعاية الأخلاق أم الأخلاق تابعةٌ لإرادة الله؟ وهل مع افتراض عدم وجود الله يمكن الحديث عن الأخلاق وانتهاج الحياة الأخلاقية؟ أو أنّ الأمر كما يقول تيودور دستويفسكي: «إذا لم يكن الله موجودًا، فسوف يكون كلّ شيءٍ مباحًا»؟ وبعبارة أخرى: هل العقيدة المادية تؤدّي بالضرورة إلى اللامبالاة وإباحة كلّ شيء؟ وما هي حاجة الدين إلى الأخلاق؟ وأين تكمن تبعيات الأخلاق إلى الدين؟ وهل يمكن عدّ الأخلاق جزءًا من الدين، وعدّ العلاقة بينهما ليست من نوع التباين أو التعامل، وإنّما هي نوعٌ من العلاقة الطبيعية؟
إنّ هذه الأسئلة من بين أهمّ الأسئلة التي شغلت تفكير فلاسفة الأخلاق قديمًا
وحديثًا، وعمد كلّ واحدٍ منهم إلى تقديم إجابةٍ من زاوية رؤيته الخاصّة، وتعرّض إلى وضع الحلول لذلك بالنظر إلى رؤيته الخاصة للدين والأخلاق. ونحن بدورنا نسعى في هذا الفصل إلى بيان رؤيتنا من خلال تقديم فهرسةٍ عامّةٍ عن مختلف الآراء في حقل العلاقة بين الدين والأخلاق. ولكن من المناسب قبل ذلك أنْ نبين الجذور التاريخية لهذا البحث، لكي نتعرّف على موارد طرح هذا البحث في كتب العلماء المسلمين بشكلٍ أكبر، ونشير في الوقت نفسه إلى الأهمية الكبيرة لهذا البحث عند العلماء قديمًا وحديثًا.
كما سبق أنْ أشرنا فإنّ مسألة العلاقة بين الدين والأخلاق ـ مثل كثيرٍ من الأبحاث الفلسفية والأخلاقية الأخرى ـ كانت منذ بداية مرحلة التفكير الفلسفي للبشر مورد بحثٍ متواصلٍ من قبل الفلاسفة وعلماء الدين. وقد كانت نقطة انطلاق هذه المسألة قد بدأت من محاورة سقراط وأثيفرون التي رواها أفلاطون. في هذا الحوار عمد سقراط إلى توجيه السؤال إلى أثيفرون قائلًا: «هل لأن الله قد أمر بشيء يكون ذلك الشيء صائبًا، أم لأن ذلك الشيء صائب فقد أمر الله به؟». ومن هنا فقد قام سقراط بالتأسيس لمسألة ظلّت على مدى خمسة وعشرين قرنًا محورًا لأبحاث فلاسفة الأخلاق والمتكلمين والمتألّهين على الدوام. وقد اختار بعضهم الشقّ الأول فاعتقدوا بالأخلاق الدينية، واتّجه بعضهم إلى اختيار الشقّ الثاني وقالوا باستقلال الأخلاق عن الدين.
وحتى ما قبل المرحلة الجديدة وعصر النهضة كان الاتجاه الغالب لدى العلماء
(262)المسيحيين هو الاعتقاد بالانسجام التامّ بين الدين والأخلاق. وكان أكثر علماء الأخلاق يسعون إلى استخراج الأحكام والقيَم الأخلاقية وشرحها وتفسيرها من الكتاب المقدّس. ويبدو أنّه لا يمكن نسبة منظومةٍ أخلاقيةٍ متكاملةٍ إلى المسيحية، وأنّ ما ورد في الكتاب المقدّس لا يعدو أنْ يكون مجرّد سلسلةٍ من النصائح الأخلاقية التي كان جوهرها (الوصايا العشر)، و(موعظة قمّة الجبل).
وعلى حدّ تعبير مك إنتاير: لقد أبدع عيسى وبولس نوعًا من الأخلاق لمرحلةٍ مؤقتةٍ وقصيرة، قبل أنْ يقيم الله في نهاية المطاف (سلطنة الموعود) وينتهي التاريخ. وعلى هذا الأساس لا يمكن أنْ نتوقّع العثور في كلماتهم على أسسٍ للحياة في مجتمعٍ ثابت. يُضاف إلى ذلك أنّ عيسى لم يكن يروم وضع قانونٍ مكتفٍ بذاته، بل كانت غايته تقديم إصلاحٍ للأخلاق الفريسيّة ....
وفي الوقت نفسه كان العلماء المسيحيون قبل عصر النهضة ـ ولا سيّما منهم أوغسطين وتوما الأكويني ـ يسعون على الدوام إلى التأسيس لمباني الأخلاق المسيحية من خلال الاستفادة من أصول الفلسفة الأفلاطونية والأرسطية والأفلاطونية المحدثة والرواقية.
كانت المسيحية ـ حتى ما قبل عصر النهضة ـ بوصفها الدين السائد في الغرب، هي الحاكم المطلق على جميع شؤون حياة الناس؛ الأعم من الشؤون العلمية والثقافية والسياسية والأخلاقية. وأمّا بعد عصر النهضة وبفعل تراجع دور أرباب الكنيسة واتساع دائرة المزاج المعارض للدين، وسيادة الروح العلمية والعقلية والعلمانية على
(263)جميع شؤون حياة الناس، أخذ الاتجاه نحو الله والدين ينحسر شيئًا فشيئًا ليحلّ محلّه الاتجاه نحو سيادة الإنسان وعدّه محور التعلقات الروحية للناس. بل وبلغ الأمر مرحلةً دعا فيها بعض الفلاسفة من أمثال أوجست كونت الفرنسي ـ على الرغم من إعلانه عن انتهاء حقبة الدين ـ إلى ملء الفراغ المعنوي والديني الحاصل بإنشاء دينٍ جديدٍ يتمحور حول تأليه الإنسان.
وبطبيعة الحال فإنّ التحوّلات الفكرية والثقافية بعد عصر النهضة، كانت تشتمل على كثيرٍ من المنعطفات والخطوط المختلفة والمتعارضة أحيانًا؛ ومن هنا لم يكن لها اتجاهٌ واحدٌ أبدًا. وما يزال هذا المسار مستمرًّا إلى اليوم، وما تزال هناك خطوط فكرية متعارضة ومتناقضة في جميع المجالات الثقافية والفلسفية. ويبدو أنّ الذي يُترجم من آثارهم في قطرنا يتّخذ في الغالب توجّهًا وخطًا فكريًا خاصًّا للأسف الشديد، وهو في الغالب يحتوي على صبغةٍ إلحاديةٍ ومناهضةٍ للدين، في حين أنّ واقع الأمر في الغرب شيءٌ آخر.
وعلى كلّ حال، فإنّه على الرغم من جميع أنواع المناهضة للدين والأخلاق، فإنّ مسألة الدين والأخلاق تبقى واحدةً من أهمّ هواجس الفلاسفة في العصر الجديد. وحتى الفلاسفة من ذوي الاتجاه الإلحادي والمناهض للدين كانوا يجدون أنفسهم عالقين في هذه المسألة. ويُعدّ بعض الأشخاص من أمثال فريدريك نيتشه، وكارل ماركس، وجي. إل. ميكي من بين النماذج البارزة في هذا التيار. وهذا الأمر هو الذي أدّى إلى إحياء هذه المسألة في العقود الأخيرة من جديد. بحيث شغلت هذه المسألة حيّزًا كبيرًا جدًا في التحقيقات الدينية والأخلاقية لفلاسفة الغرب.
وأمّا مسألة الارتباط بين الدين والأخلاق في العالم الإسلامي، فقلّما تمّ بحثها
على شكل موضوعٍ مستقلّ. إنّ بحث ما هي الأسباب التي أدّت إلى الاهتمام الكبير بهذه المسائل في الغرب وتأليف كثيرٍ من الكتب والأبحاث والمقالات حولها، ولماذا لم يكن الأمر كذلك في المجتمعات الإسلامية، يحتاج إلى تحقيق اجتماعي. وأمّا لو أردنا الحكم بنحوٍ متفائلٍ حول سبب شحّ التحقيقات والدراسات في هذا الشأن، فيجب القول: إنّه وبفضل الإسلام وانتشار التعاليم والمعارف الإسلامية، ولا سيّما معارف أهل البيت عليهمالسلام ، قلما تمسّ الحاجة إلى دراسة هذا الموضوع في البلدان الإسلامية. لقد كانت المسائل الدينية والمسائل الأخلاقية واضحةً بالنسبة إلى المجتمعات المسلمة، ولم تكن مسألة منزلة الدين في الأخلاق وموقع الأخلاق من الدين وما هي كيفية العلاقة والارتباط بينهما، وأيّهما له الأصالة، تحظى بكثيرٍ من الأهمية. وفي الوقت نفسه علينا الإقرار بأنّنا لم نقم بدراساتٍ وتحقيقاتٍ وجهودٍ مناسبةٍ حيال هذه المسائل. بل وقد وقعت هناك بعض التقصيرات في هذا المجال، ونأمل ببركة الثورة الإسلامية وطرح المسائل الإسلامية واهتمام الجميع بالجذور المعرفية للإسلام، أنْ تأخذ هذه المسائل موقعها في التحقيقات الإسلامية والفلسفية.
ومن الجدير ذكره أنّ هناك في تضاعيف الكتب الكلامية والأصولية أبحاث في هذا الموضوع؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ مسألة (حُسن وقبح الأفعال) التي كانت مطروحةً منذ بداية تبلور الأبحاث الاعتقادية بين المسلمين، هي في الواقع المسألة ذاتها التي كانت ـ منذ العصور الإغريقية إلى اليوم ـ تمثّل المحور الأصلي لأبحاث فلاسفة الأخلاق في باب الصلة بين الدين والأخلاق. وبطبيعة الحال فإنّ الهدف الأصلي للمتكلّمين المسلمين من بيان هذا البحث كان شيئًا آخر، بيد أنّ الأبحاث التي ذكروها كانت تحدّد توجهاتهم في هذا الموضوع بشكلٍ كامل. فإنّ العدلية الذين كانوا يرون أنّ أمر الله بالقيام بالأعمال الحسنة ونهيه عن ارتكاب
الأفعال القبيحة، حيث كانوا يعدّون ذلك معلولًا للحُسن والقبح الذاتي للأفعال، يعود في الحقيقة بمعنى من المعاني إلى استقلال الأخلاق عن الدين في مقام الثبوت. وفي المقابل فإنّ الأشاعرة الذين كانو يعدّون أمر الله ونهيه هو علة حُسن الأفعال وقبحها، كانوا في الحقيقة يعدّون الأخلاق في مقام الثبوت تابعةً للدين. وكذلك في مقام الإثبات يذهب أكثر العدلية إلى الاعتقاد بأنّ العقل بغض النظر عن الدين يمتلك القدرة على اكتشاف حُسن أو قبح بعض الأفعال، ولكن الذي يبدو من ظاهر كلام الأشاعرة هو أنّهم كانوا يرون أنّ العقل بغض النظر عن حكم الشرع، لا يمتلك القدرة على إدراك حُسن أو قبح أيّ واحدٍ من الأفعال.
إنّ تسلل هذه المسألة الكلامية والأخلاقية إلى علم الأصول في القرون الأخيرة، والتحقيقات الدقيقة التي قام بها علماء الأصول في هذا الموضوع، زاد في ثرائها العلمي وأوجد بذلك كنزًا معرفيًا يمكن لفهمه وبيانه الدقيق أنْ يفتح آفاقًا جديدةً أمام فلاسفة الأخلاق، ويعمل على حلّ بعض معضلاتهم الخاصّة بهذا الموضوع. وعلى الرغم من ذلك يبدو أنّ هذه المسألة لم تصل حتى الآن إلى نتيجةٍ مقبولة، وهي ما تزال بحاجةٍ إلى تحقيقاتٍ أحدث وأكثر دقّة.
يمكن بشكلٍ عامٍّ وضع جميع النظريات المذكورة في بيان النسبة بين الدين والأخلاق على طاولة البحث ضمن ثلاثة آراءٍ كليّة، وهي: التباين، والاتحاد،
والتعاطي. هناك من يعتقد أنّ مساحة الدين والأخلاق منفصلةٌ عن الأخرى تمامًا، ولا توجد أيّ نسبةٍ بينهما. وهناك من يرى أنّ العلاقة بين الدين والأخلاق علاقةٌ طبيعيةٌ ويراهما متّحدين مع بعضهما، وأما الرأي الثالث فهو يقول: على الرغم من أنّ لكلٍّ من الدين والأخلاق مساحته الخاصة والمستقلة، ولكن تقوم بينهما علاقاتٌ وانفعالاتٌ وتعاطيات. وفيما يلي نسعى ـ ضمن البيان التفصيلي لهذه الآراء ونقدها ودراستها ـ إلى بيان النظرية المقبولة من وجهة نظرنا.
يُعدّ الدين والأخلاق ـ في ضوء هذه الرؤية ـ مقولتين متباينتين، ولكلّ واحدٍ منهما مساحة خاصّة، وليس هناك أيّ ارتباطٍ منطقيّ بينهما، فهما بمنزلة دائرتين منفصلتين عن بعضهما تمام الانفصال؛ بحيث لا توجد أيّ نقطةٍ التقاء بينهما. وإذا حدث أنْ شهدنا أحيانًا نوعًا من التلاقي والارتباط بين المسائل الدينية والمسائل الأخلاقية، فإنّما يحدث ذلك عرَضًا ومن باب الصدفة، ولن يكون تلاقيًا منطقيًا أبدًا؛ تمامًا كما هو الحال بالنسبة إلى مسافرين ينطلق كلّ واحدٍ منهما من موضعٍ خاصّ، ويقصد الوصول إلى مقصدٍ بعينه، ويحدث أنْ يلتقيا في أثناء الطريق ببعضهما صدفة، بيد أنّ هذا لا يعني وجود علاقةٍ منطقيّةٍ بينهما في هذا اللقاء.
يرى أصحاب هذا النوع من التفكير أنّ الدين عبارةٌ عن علاقةٍ بين الإنسان وبين الله، بينما الأخلاق عبارةٌ عن ارتباطٍ بين الناس أنفسهم. وعلى هذا الأساس ليس هناك أي نقطةٍ للاشتراك بين الدين والأخلاق لا من ناحية الموضوع ولا من ناحية المتعلّق. وهناك من تخطّى الأمر وذهب إلى أبعد من ذلك بكثير؛ حيث قال بأنّ الدين والمعتقدات الدينية تشكّل عقبةً تحول دون الأخلاق، وتؤدّي إلى الزوال
والاضمحلال التدريجي للأخلاق: «إنّ تبعية الأخلاق إلى الدين يُحتمل أنْ تؤدّي إلى محو الأخلاق؛ إذ بسبب انهيار العقائد الدينية، تنهار الأخلاق بدورها أيضًا».
كان فريدريك فلهلم نيتشه ـ وهو أحد أقطاب هذا النمط الفكري ـ يذهب إلى الاعتقاد بأنّ (موت الإله) وحده وتحرر الإنسان من قيود وأغلال التبعية للدين، هو الكفيل بتعبيد الطرق الصحيحة للتنمية الأخلاقية. فقد كان يرى أنّ تصوّر الإله يمثل عداوةً للحياة، ومن هنا فإنّ «انهيار جدار الإيمان بالله يفتح الطريق أمام التنمية الكاملة لطاقات الإنسان الخلّاقة. ولا يعود بمقدور الإله المسيحي أنْ يغلق الطريق دوننا ويضع العقبات بأوامره ونواهيه، ولا تعود أعين الناس شابحةً إلى مشهدٍ كاذبٍ فيما وراء الطبيعة، ومحدّقةً في عالمٍ آخر بدلًا من هذا العالم».
وكان يقول: إنّ المسيحية تؤدّي إلى القبول بالعبودية والهوان، في حين أنّ صفات من قبيل: الضعف والذل والخوف تعدّ من الناحية الأخلاقية صفاتٍ رذيلة، وإنّ على الأخلاق أنْ تعمل على تربية أشخاصٍ فاعلين ومقتدرين.
في ضوء هذا الفهم للدين والأخلاق، بالإضافة إلى الاستقلال في المساحة، لا يكون هناك أيّ وجهٍ مشترك بينهما أيضًا؛ فإنّ غاية الدين هي جعل الأشخاص يتصفون بالصفات الإلهية، والعمل على رفع مراتبهم، وإشباع الشعور بتبعية الإنسان إلى الله، في حين أنّ هدف الأخلاق بيان التعاليم، ووضع الأسس لتصحيح العلاقات الاجتماعية بين الناس.
ومن الجدير ذكره أنّ الاعتقاد بالتباين بين مساحة الدين والأخلاق لا يقتصر على الملحدين والمخالفين للدين، بل إنّ بعض المؤمنين والمتدينين من أمثال سورين
كركيغارد، يذهبون في بعض الموارد في الحدّ الأدنى إلى الاعتقاد بوجود التباين بين الدين والأخلاق أيضًا. يذهب سورين كركيغارد إلى الاعتقاد بأنّ الشخص إذا ظلّ رازحًا في حقل الأخلاق، لن يكون بمقدوره الانتقال إلى مرحلة الإيمان، وأنْ يحقّق (القفزة الإيمانية)؛ فمثلًا لو أنّ النبيّ إبراهيم كان قد اتبع الحكم الأخلاقي القاضي بعدم جواز قتل ولده، لما كان بمقدوره الدخول إلى دائرة الإيمان أبدًا. إنّ الإيمان الديني يستدعي الطاعة العمياء والتحرّر من قيود العقل، وإنّ الأخلاق مهما كانت متعاليةً سوف تبقى راسفةً بأغلال المصالح العقلانية.
لقد ذهب كركيغارد إلى القول بوجود ثلاث مراحل لروح الإنسان، وإنّ العبور من كلّ مرحلةٍ إلى المرحلة الأخرى إنّما يكون من خلال الاختيار وتفعيل الإرادة؛ بمعنى الانتقاء من بين عدّة بدائل واختيار الأسمى. إنّ المرحلة الأولى هي المرحلة الحسّية، ومن خصائصها القذف بالنفس في دائرة الحسّ، «إنّ عدم إدخال المعايير الأخلاقية الثابتة الكلية والإيمان الديني الخاصّ، وكذلك الشوق إلى الاستمتاع بجميع التجارب العاطفية والحسّية، هي الخصوصية الأساسية في الإدراك الحسّي».
والمرحلة الثانية هي المرحلة الأخلاقية، وفي هذه المرحلة «يخضع الإنسان إلى معايير وتكاليف أخلاقية معيّنة تنبثق عن نداء العقل الكلي، وبذلك يعمل على بلورة حياته وإضفاء الترابط بين أجزائها».
وإنّ المثال البسيط للعبور من المرحلة الحسية إلى المرحلة الأخلاقية من وجهة نظر سورين كركيغارد، يتمثّل في مفهوم الزواج، حيث يرضخ الإنسان بدلًا من إشباع غريزته الجنسية العابرة إلى القبول بالزواج الذي هو عبارةٌ عن مؤسسةٍ
أخلاقية، ويأخذ على عاتقه جميع أعبائها وتكاليفها. والمرحلة الثالثة هي المرحلة الإيمانية والارتباط بالله تعالى. وقد مثّل لبيان الاختلاف بين مرحلة الأخلاق ومرحلة الإيمان، بالنبيّ إبراهيم عليهالسلام . إنّ بطل المرحلة الأخلاقية يضحّي بنفسه في سبيل القانون الأخلاقي، بيد أنّ النبيّ إبراهيم الذي هو بطل المرحلة الإيمانية ـ على حدّ قول سورين كركيغارد ـ لا يعمل من أجل (الكلّي). إذ إنّه يذهب إلى الاعتقاد بـ «عدم وجود اعتبار لمقام الأخلاق» في هذه المرحلة. وبطبيعة الحال يبدو أنّ مراده ليس هو «أنّ الدين ينطوي على ما ينفي الأخلاق، بل مراده هو أنّ الشخص المؤمن يرتبط بالله المتشخّص مباشرة؛ حيث تكون إرادته مطلقة، ولا يمكن تقييمها بموازين العقل البشري».
إنّ الرأي الثاني الكلي في حقل العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق، يمكن تسميته بـ)الرأي القائل بالاتّحاد(. وعلى أساس هذا الرأي تكون العلاقة بين هذين المفهومين من نوع العلاقة الطبيعية والجزء والكل. إنّ الدين في رؤية مشهور المفكرين المسلمين، عبارة عن: «مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكام التي أوحاها الله سبحانه وتعالى إلى الأنبياء والمرسلين عليهمالسلام من أجل هداية الناس وتوفير السعادة الدنيوية والأخروية لهم». وعلى هذا الأساس فإنّ دائرة الأخلاق غير منفصلةٍ عن دائرة الدين، بل تُعدّ جزءًا من مجموع دائرة الدين الواسعة. ولو شبّهنا الدين بشجرة فإنّ العقائد سوف تكون عبارة عن جذورها، والأخلاق جذعها، والأحكام أغصانها وأوراقها. ومن الواضح أنّ صلة جذع الشجرة بذات الشجرة
(270)ليس من نوع العلاقة بين شيئين منفصلين ومستقلين ومتباينين عن بعضهما، وإنّما جذع الشجرة يُعدّ جزءًا من مجموع الشجرة. وبعبارةٍ أخرى: إنّ العلاقة والنسبة بين الدين والأخلاق ـ في ضوء هذا الفهم الإسلامي للدين ـ هي من نوع العموم والخصوص المطلق، ومن قبيل العلاقة والنسبة بين الدائرة الصغيرة الواقعة بأجمعها داخل دائرة كبيرة. ومن الطبيعي في مثل هذه الحالة أنْ يكون جميع أفراد الدائرة الصغيرة، من أفراد الدائرة الكبيرة أيضًا.
الرأي الثالث هو أنّ لكلٍّ من الدين والأخلاق هوية مستقلّة، ولكنّهما يتعاطيان في الوقت نفسه. ويُوجد هناك نوعٌ من العلاقة المنطقية بينهما؛ من قبيل علاقة العلية والمعلولية والتأثير والتأثّر أو الفعل والانفعال. بمعنى أنّ الدين والأخلاق يحتاجان إلى بعضهما من بعض الجهات. إنّ القبول ببعض القضايا الدينية يتوقّف على قبول بعض المفاهيم والقضايا الأخلاقية، والتعريف ببعض المفاهيم الأخلاقية، والتصديق ببعض القضايا الأخلاقية، والعلم بالكثير من جزئيات الأحكام الأخلاقية، وهذا بأجمعه يتوقّف على الدين والقضايا الدينية. وإنّ جميع الذين يعدّون حاجة الدين إلى الأخلاق، وجميع الذين يؤكدون على تبعية الأخلاق إلى الدين، يقولون بشكلٍ وآخر بنظرية التعامل والتعاطي بين الدين والأخلاق.
إنّ هذا الرأي يحتوي على طيفٍ واسعٍ من الآراء الجزئية، وفيما يلي سوف نشير ـ تحت عنوانين كليين، وهما: حاجة الدين إلى الأخلاق، وتبعية الأخلاق إلى الدين ـ إلى بعض وجوه التعامل والتعاطي بين هذين المفهومين:
إنّ من بين أشهر الأدلّة ـ وربما من أهمّ الأدلّة الواردة في عموم كتبنا الكلامية على إثبات وجود الله سبحانه وتعالى ـ هو الدليل القائل بوجوب شكر المنعم. فحيث إنّ الله سبحانه وتعالى هو وليّ نعمتنا، وإنّ جميع ما لدينا من النعم إنّما هي من فضله؛ إذًا يجب علينا بحكم الأخلاق أنْ نشكره، وبطبيعة الحال فإنّ شكر ولي النعمة يقوم على معرفته؛ فما لم نعرف المنعم لا نستطيع الوفاء بشكره. وعلى هذا الأساس فإنّ وجوب معرفة الله يقوم على هذا الحكم الأخلاقي وهو «وجوب شكر المنعم».
يُضاف إلى ذلك أنّ كثيرًا من فلاسفة الغرب قد سعوا إلى إثبات وجود الله من خلال الاستعانة بالبراهين الأخلاقية. ويبدو أنّ أول من استخدّم هذا البرهان لإثبات وجود الله كان هو إيمانويل كانط. فإنّه بعد أنْ وجد جميع براهين العقل النظري عاجزةً عن إثبات وجود الله، قال بأنّ لازم العقل العملي والقوانين الأخلاقية هو الإقرار بوجود الله وبعض المفاهيم الدينية من قبيل خلود النفس. وعلى هذا الأساس فإنّ الاعتقاد بالله والإيمان بخلود النفس (المعاد)، يقوم ـ من وجهة نظر كانط ـ على أساس الوعي الأخلاقي والعقل العملي. وقد رام بعض المدافعين عن هذا البرهان الوصول من طريق ثبات وإطلاق الأمر والنهي الأخلاقي إلى وجود الآمر والناهي الثابت والمطلق، وهو الله. وذلك من طريق أنّ الأمر والنهي
(272)الأخلاقي يقتضي وجود الآمر والناهي، وأنّ هذا الآمر والناهي لا يمكن أنْ يكون هو ذات الشخص أو غيره من أفراد البشر، بل يجب أنْ يكون هناك مرجعٌ غيبيٌّ وما فوق بشريّ باسم الله، يكون هو المنشأ للأوامر والنواهي الأخلاقية. وهناك من سعى إلى إثبات وجود المشرّع والمقنن الإلهي من طريق القوانين الأخلاقية. كما أنّ هناك بيانًا أشهر نسبيًا للبرهان الأخلاقي أيضًا، وهو البرهان القائل: إنّ القيَم الأخلاقية عينية، وإنّ خالقها لا يخلو، فهو إما أنْ يكون مادةً وإما غير مادةٍ (الأرواح أو النفس)، والمادّة لا يمكن لها أنْ تكون خالقةً للقيَم العينية، وغير المادة لا تخلو؛ فهي إما أنْ تكون إنسانًا وإمّا كائنًا أسمى من الإنسان. والإنسان بدوره لا يمكن أنْ يكون خالقًا للقيَم العينية؛ وذلك لأنّ الإنسان يفنى، بينما الأصول والقيَم الأخلاقية تبقى ثابتة، وهذا الأمر يدلّ على أنّ هناك كائنًا أسمى من الإنسان هو الخالق للقيَم الأخلاقية، وهذا الكائن هو الله سبحانه وتعالى.
وعلى كلّ حال فإنّ جميع الذين لجأوا إلى البرهان الأخلاقي لإثبات وجود الله، قد أثبتوا حاجة الدين إلى الأخلاق، سواء علموا ذلك أم لم يعلموا.
إنّ من بين الوجوه الأخرى على تبعية الدين للأخلاق ـ والذي يعود هو الآخر بجذوره إلى مصادرنا الكلامية والأخلاقية ـ هو أنّ الأخلاق تأمرنا بالعمل على طبق وظائفنا الدينية. لقد تمّ بناء أساس الدين على عبادة الله سبحانه وتعالى. ولكن ما هو الشيء الذي يوجب علينا عبادة الله، ولماذا يجب علينا أنْ نعبده؟ يقال في الجواب:
(273)إنّ الله سبحانه وتعالى هو خالقنا، وله حقّ المولوية والعبودية علينا؛ فنحن عبيده ومخلوقاته، ويجب علينا أنْ نؤدّي حقه، وإنّ طريقة أداء حقّ الله سبحانه وتعالى تكمن في عبادته والخضوع له. فقد ورد في المأثور عن الإمام زين العابدين عليهالسلام ، أنّه قال: «فأمّا حقّ الله الأكبر عليك، فأنْ تعبده لا تشرك به شيئًا». وعلى هذا الأساس فإنّ الذي يدفعنا نحو الدين ويحملنا على القيام بالتعاليم والأحكام الدينية، عبارة عن حكم أخلاقي يقول: «يجب إعطاء كلّ ذي حقّ حقه».
إنّ من بين أهمّ حاجات الدين الأصلية والأساسية إلى الأخلاق، ما يرتبط بغاية الدين. تقوم دعوى الدين على أنّه إنّما جاء من أجل بناء الإنسان وضمان السعادة الدنيوية والأخروية للبشر. ومن هنا تكون إدارة الحياة الفردية والاجتماعية للإنسان واحدةً من أهداف الدين وغاياته التي لا يكتب لها التحقّق إلّا في ضوء مجموعةٍ خاصّةٍ من المفاهيم والأحكام الأخلاقية. ومن هنا يمكن القول إنّ الدين لا يمكنه الوصول إلى أهدافه وبلوغ غاياته ولا يستطيع تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية للإنسان إلا بوساطة الأخلاق.
لا شكّ في أنّ السلوك الأخلاقي والقيَمي للمتدينين، كان وما يزال من أنجع أساليب الدعوة إلى الدين ونشره. وعلى هذا الأساس فإنّ الدين في انتشاره واتساع رقعته يحتاج إلى الأخلاق أيضًا، قال الله تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
إنّ من بين الوجوه المذكورة في بيان حاجة الدين إلى الأخلاق ـ على ما ورد في كلام بعض المفكرين الغربيين ـ هي أنّ القضايا الدينية إذا أريد لها أنْ تكون مفهومةً يجب العمل على (تحويلها) إلى قضايا أخلاقية. ويُعدّ المفكر آر. بي. بريث وايت من بين أشهر أنصار هذه النظرية. فقد كان من أشدّ المتأثرين بمعيار مفهومية التجريبيين المنطقيين، وعلى أساس ذلك لا يمكن أنْ تكون العبارات ذات مفهومية إلّا إذا كانت من الحقائق المنطقية أو يتمّ إثباتها بوساطة التجربة. ولكن في الوقت نفسه كان مفهوم القضايا الدينية يشكل واحدًا من هواجسه الأصلية واهتماماته الأساسية. وكان بريث وايت يقول: إنّ معيار التجريبيين المنطقيين لا يُجدي شيئًا في تقييم القضايا الدينية والأخلاقية. وإنّما يجب بحث ودراسة معناها بالنظر إلى طريقة استعمال وتوظيف العبارات الموجودة فيها. وعلى هذا الأساس فإنّه كان يسعى وراء بيان طريقة استعمال القضايا الدينية، حتى توصّل في نهاية المطاف إلى هذه النتيجة وهي أنّ القضايا الدينية إنّما تستعمل بوصفها قضايا أخلاقية. ومن هنا يمكن تحويلها إلى أحكام أخلاقية بكلّ يُسر وبساطة. إنّ الحكم الأخلاقي يعمل في الواقع على بيان دافع المتكلّم به من أجل العمل على نحو خاصّ، وهذا هو الاستعمال الأولي للأحكام الدينية. كما أنّ الأحكام والنصوص الدينية تحتوي على بياناتٍ دالةٍ على تأييد مسار ومنهج عملي خاصّ. يذهب بريث وايت إلى الاعتقاد بأنّ جانبًا واحدًا من الدين لا يمكن تحويله إلى الأخلاق بسهولة، وهو الجانب المشتمل على الحكايات والقصص الأسطورية التي يرد بيانها لغرض الدفاع عن القضايا الدينية.
(275)لا يمكن تحويلها إلى التقييمات الأخلاقية البحتة؛ فإنّ أحكام الدين في دائرة الحدود والقصاص والديات والقضاء والمسائل الحقوقية الأخرى، وكذلك الاقتصاد والمعاملات، وحتى العبادات، لا يمكن العمل على تقييمها بنحوٍ أخلاقيّ صرف.
والنتيجة هي أنّه لا يمكن القبول بحاجة الدين إلى الأخلاق في بيان مفهومية قضاياه.
إنّ المحور الأصلي لأبحاث الدين والأخلاق في الغرب، يتألّف ـ في الحقيقة ـ من بحث احتياجات الأخلاق إلى الدين. ومن ناحية فإنّ أنصار الأخلاق الدينية قد سعوا على الدوام من أجل بيان احتياجات الأخلاق إلى الدين، وبيان التبعات المفهومية والمعرفية والتحفيزية في الأخلاق إلى الدين، ومن ناحية أخرى كان حماة الأخلاق العلمانية ينفون حاجة الأخلاق إلى الدين، ويقولون بأنّ حقل الأخلاق مستقلٌّ عن الدين بشكل كامل. بل وهناك منهم ـ كما أسلفنا ـ يُعدّ الدين والمعتقدات الدينية مضرّةً بالأخلاق. وقد سعى أنصار الأخلاق الدينية من طريق (نظرية الأمر الإلهي) ـ في الغالب ـ إلى إثبات الأخلاق في مقام الثبوت؛ بمعنى تعريف مفاهيم الأخلاق، وكذلك في مقام الإثبات؛ بمعنى تصديق قضاياها، بل وحتى إدراكها يحتاج إلى الدين بشدّة. وعلاوة على ذلك فإنّ المدافعين الأخلاقيين عن الدين يرون أنّ الدين والعقائد الدينية دعامةٌ ضروريةٌ لتطبيق الأحكام الأخلاقية، وبهذه الطريقة يؤكّدون على حاجة الأخلاق إلى الدين. وفيما يلي نتعرّض إلى بيان أهم احتياجات الأخلاق إلى الدين.
(277)كما سبق أنْ أشرنا في الفصل الثاني من هذا الكتاب، هناك ثلاث نظرياتٍ رئيسةٍ في حقل التعريف بالمفاهيم الأخلاقية، وهي عبارةٌ عن: النظريات الشهودية، والنظريات غير المعرفية، والنظريات التعريفية. إنّ النظريات التعريفية تطلق على الآراء التي تعدّ المفاهيم الأخلاقية قابلةً للتعريف والتحليل. إنّ هذه الطائفة من النظريات التي تحتوي على طيفٍ واسعٍ من الآراء المختلفة، تنقسم في تبويب آخر إلى قسمين كليين آخرين، وهما: القسم الطبيعي، والقسم الميتافيزيقي وما بعد الطبيعي. والمجموعة الأولى كانت تعمل على تعريف المفاهيم الأخلاقية من خلال إرجاعها إلى المفاهيم الطبيعية والتجريبية، والمجموعة الثانية كانت تسعى إلى تعريفها على أساس المفاهيم الفلسفية أو الكلامية والإلهية.
إنّ أنصار نظرية الأمر الإلهي يرون أنّ المفاهيم الأخلاقية لا يمكن تعريفها إلا من خلال إرجاعها إلى الأمر والنهي الإلهي. فإنّ (العمل الحسن) من وجهة نظرهم هو (العمل المتعلّق للأمر الإلهي)، وإن (الفعل القبيح)، هو (الفعل المتعلق للنهي الإلهي). وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق تحتاج إلى الدين والقضايا الدينية حتى في تعريف مفاهيمها؛ إذ ما لم يكن هناك إله [الاعتقاد بوجود الله]، وما لم يكن هناك أمرٌ ونهيٌ إلهيٌّ [الاعتقاد بالوحي والنبوّة]، فإنّ مفهوم (الحسن) و(القبيح) وأمثالهما لن يكون له أيّ معنى ومفهوم أبدًا. وبطبيعة الحال فإنّنا ـ كما ذكرنا في محله ـ لا نرتضي هذه النظرية، ونرى أنّ إدراك معنى الحسن والقبح لا يحتاج إلى الدين والقضايا الدينية.
(278)إنّ من بين احتياجات الأخلاق إلى الدين، هي أنّ الدين يحدّد القيَم الأخلاقية. (وبطبيعة الحال هناك مبانٍ مختلفة بشأن كيفية تحديد الأفعال الحسنة والقيّمة وتمييزها من الأفعال القبيحة أو الحيادية، وقد سبق أنْ أشرنا إليها في الفصل الخامس من هذا الكتاب). عندما نروم البحث عن ما هو العمل الذي يجب القيام به، وما هو العمل الذي يجب عدم القيام به، يتم البحث في هذه المسألة، وهي: من أين نتعرّف على حُسن وقبح الأفعال؟ وما هي الحدود في ذلك؟ وأيّ فعلٍ يكون حسنًا وفي أيّ ظروفٍ أو شرائط؟ ومتى يكون قبيحًا وعلى أساس أيّ ظروفٍ أو شرائط؟ ومن الذي يجب أنْ يعمل على تحديد ذلك؟ في هذا البحث هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ الأخلاق في هذا المقام تحتاج إلى الدين أيضًا. إنّ على الدين أنْ يحدّد الأفعال القيَميّة في مقام الإثبات؛ بمعنى أنّ بمقدورنا من خلال الاستناد إلى الوحي الإلهي والعلوم الواصلة إلينا من طريق أولياء الله وبوساطة الوحي والإلهام، أنْ نعمل على تحديد القيَم السلوكية وحدود الأعمال، وأنْ نبيّن ما هو الفعل المطلوب وما هي حدود مطلوبيته وينطوي على قيَم أخلاقية، وعلى العكس من ذلك ما هو الفعل المفتقر إلى القيمة الأخلاقية أو المتعارض مع الأخلاق.
إنّ هذه النظرية يمكن أنْ تكون صحيحةً في الجملة؛ بمعنى أننا في تعيين قيَم الكثير من جزئيات الأعمال الاختيارية للإنسان نحتاج إلى الدين وإلى القضايا الدينية. إنّ عقل الإنسان لا يستطيع وحده تحديد جميع القيَم الأخلاقية. ولكن في الوقت نفسه فإنّ بعض أصول القيَم الأخلاقية، من قبيل: حُسن العدل وقبح الظلم، يمكن للعقل أنْ يدركها بمعزلٍ عن الدين وبغض النظر عن المعتقدات الدينية.
إنّ من بين الأمور الأخرى التي تحتاج الأخلاق فيها إلى الدين، هي الأمور التي ترتبط بتعيين هدف وغاية الأفعال والقيَم الأخلاقية. توضيح ذلك: أنّ أساس القيَم يتشكل في ضوء غاياتٍ وأهدافٍ الأفعال والسلوكيات. وبعبارةٍ أخرى: إنّ قيمة الأفعال الأخلاقية تكمن في غاياتها وأهدافها. فحيث تكون لدينا أهدافٌ مقدّسةٌ وتكون مطلوبةً لنا في حدّ ذاتها، يجب أنْ نقوم ببعض الأفعال التي من شأنها أنْ توصلنا إلى تلك الأهداف المقدّسة، وهنا تتبلور القيَم الأخلاقية. بالنظر إلى هذه النقطة، يقال إنّ غاية الإنسان هي الوصول إلى القرب من الله، وهذا الأمر من أسمى الأهداف التي يتمّ وضعها من أجل المسار التكاملي للإنسان، وإنّ قيمة الأفعال الأخلاقية تنشأ إمّا من أنّها تستوجب القرب من الله مباشرة، وإمّا أنّها تعمل على إعداد الأرضية المناسبة للتقرّب من الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس يتمّ بيان العلاقة بين الدين والأخلاق وتبعية الأخلاق إلى الدين على النحو الآتي: في الدين يتمّ التعرّف على الله سبحانه وتعالى، ويتمّ التعريف به بوصفه غايةً لتكامل الإنسان، ومن هنا تتبلور القيَم الأخلاقية؛ بمعنى أنّه لو لم يقم الدين والتعاليم الدينية بإثبات هذه الأمور، لما قامت القيَم الأخلاقية على أيّ أساس. والنتيجة هي أنّه على الرغم من استقلال حقل الأخلاق والدين، إلّا أنّ الخدمة الجليلة التي يقدّمها الدين إلى الأخلاق، أنّه يعمل على تحديد الغاية العُليا للقيَم الأخلاقية.
لا شك في أنّ مجرّد معرفة الأفعال الحسنة والقبيحة ـ خلافًا لتصوّر سقراط ـ لا يمكن أنْ يكون علّةً تامةً للقيام بها أو تركها. فقد يكون الشخص عالمًا بالقيَم
الأخلاقية ومدركًا لحسنها بشكلٍ تام، ولكنه مع ذلك لا يعمل على طبقها. وعلاوةً على ذلك وفي ضوء علم النفس، يمكن القول: إذا لم نقل بأنّ جميع الناس، فلا أقلّ من القول بأنّ كثيرًا منهم ما لم يكن هناك تشجيعٌ وحثٌّ أو ردعٌ وعقوبة، فإنّهم لا يبدون من تلقائهم رغبةً أو ميلًا للقيام بالأفعال الحسنة أو ترك الأفعال القبيحة. وعلى هذا الأساس يمكن القول: إنّه لولا الدين ولولا وجود بعض التعاليم الدينية، من قبيل: الاعتقاد بالعدل الإلهي، ووجود المعاد ويوم الحساب وعرض أعمال العباد عليهم في يوم القيامة، لما أبدى أكثر الناس من أنفسهم رغبةً في الالتزام بالأصول والقيَم الأخلاقية. وفي الحقيقة فإنّ المصالح والأنانيات وحبّ الذات في جميع الأمور، ومن بينها المسائل الأخلاقية آخذةٌ بخناق عموم الناس، وقلّما نجد هناك شخصًا يبدي التزامه بالقيَم الأخلاقية والمعايير الدينية لمجرّد حبّ الحقيقة وحبّ الله سبحانه وتعالى. فهناك كثيرٌ من الناس يرضخون للقيام بالأعمال الأخلاقية إمّا شوقًا إلى الجنة ونعيمها وإمّا خوفًا من النار ولهيبها، فيقومون بالأفعال الحسنة ويرتدعون عن ارتكاب الأفعال القبيحة من هذه المنطلقات. وفي هذا الشأن يمكن للدين ـ من خلال تقديم بعض الضمانات اللازمة وبيان التأثيرات والفوائد الدنيوية والأخروية للأفعال الأخلاقية ـ أنْ يعمل على هداية الناس وتوجيههم إلى العمل بالقيَم الأخلاقية. إنّ الدين من خلال أرقى الوعود، لأجل القيام بالأعمال الصالحة والحسنة، وبيان أشد أنواع الوعيد والتهديد لمن يقترف الأعمال السيئة والقبيحة، يستوجب تفعيل القيَم الأخلاقية. وفي الأساس فإنّه بالنسبة إلى بعض القيَم الأخلاقية، من قبيل (الإيثار) لا يمكن تقديم أيّ توجيهٍ معقول إلا بالاستعانة من الدين والتعاليم الدينية. إنّ الإيثار والتضحية بالنفس ليس له أيّ توجيهٍ معقول على أساس الرؤية المادية أبدًا.
(281)يُقال أحيانًا في توثيق حاجة الأخلاق إلى الدين: إنّ الأخلاق لا تعني شيئًا بالنسبة إلى الشخص الذي لا يؤمن بالدين وما وراء الطبيعة؛ إذ في الأخلاق يتمّ التعريف بالقيَم غير المادية، وهي قيَم لا تنطوي في بعض الأحيان على أيّ منفعةٍ مادية بالنسبة إلى الإنسان. فالشخص الذي لا يؤمن بغير المادة، كيف يمكن له أنْ يؤمن بالقيَم المعنوية وغير المادية؟!
ولكن الإنصاف يُحتم علينا القول بأن الأخلاق بالمعنى المطروح في مختلف المدارس والمذاهب، ليست بحيث تتوقف دائمًا على الإيمان بالدين. فإنّ الأخلاق القائمة على أصالة اللذة، وأصالة المنفعة، وأصالة الجمع أو الوجدان، لا تتوقف على الدين أبدًا. وحتى الماديين يمكن لهم قبول الأخلاق على أساس هذه المباني، والقول بأنّ المفاهيم الأخلاقية وإنْ لم تكن من المفاهيم المادية، إلّا أنّها تستند إلى مبانٍ طبيعيةٍ ومادية. إنّ المادة عندما تبلغ حدًا من الكمال والتعقيد، تحصل على إمكانية إدراك هذه المفاهيم. فترضخ للحياة الاجتماعية وتؤمن بالآداب والتقاليد الاجتماعية، وتقول بوجود قيَمٍ لها. فبالإضافة إلى ضعف هذا المبنى، عندما نبحث في مجرّد حقل الأخلاق، لا يمكننا القول بأنّ الشخص الذي لا يؤمن بالله والمعاد، لا يستطيع الإيمان بأيّ مذهبٍ أخلاقي. وعلى هذا الأساس لا يمكن لنا أنْ ننفي أصل إمكان تحقّق الأخلاق العلمانية. وإذا كان هناك من إشكال فإنّه يعود إلى رؤيتهم وعقيدتهم الفلسفية. وبعبارةٍ أخرى: يمكن الحصول على الحدّ الأدنى من الأخلاق حتى من دون الدين أيضًا، كما نشاهد ذلك عمليًا في المجتمعات الغربية؛ ولكن الأخلاق في الحدّ الأقصى والأخلاق التي من شأنها أنْ توصل الإنسان إلى الكمال النهائي، لا يمكن الحصول عليها من دون الدين.
(282)قد ذكرنا حتى الآن ثلاث نظرياتٍ عامّةٍ فيما يتعلّق بالارتباط بين الدين والأخلاق، ونصل الآن إلى بيان الرأي المختار والمقبول من وجهة نظرنا. يبدو أنّ الخطوة الأولى والأهم في هذا الإطار، عبارةٌ عن تعريف الدين والأخلاق. سبق أنْ رأينا أنّ كلّ واحدةٍ من النظريات الآنفة قد قدّمت تعريفًا وفهمًا خاصًّا للدين والأخلاق، وأنّ هذا الأمر هو الذي أدّى إلى تقديم كلّ واحدةٍ منها نظريتها الخاصّة بشأن العلاقة بين الدين والأخلاق. ففي نظرية التباين هناك تعريفٌ خاصٌّ منشودٌ لها حول الدين والأخلاق. فقد ذهب أنصار هذه النظرية إلى تعريف الدين بأنّه عبارةٌ عن معرفة الإنسان لله والاعتقاد به وقيامه ببعض العبادات. وإنّ هذا الفهم الخاطئ للدين هو الذي شكل أساسًا ومبنى للأفكار العلمانية والاتجاهات العلمانية في الغرب. وإنّ الفهم الشائع عن الدين في الغرب ـ إذا ما استثنينا بعض الموارد في المدارس والمحافل الكاثوليكية ونظائرها ـ هو أنّ الدين ليس له أيّ صلةٍ بالمسائل الأخرى أبدًا. فهم يرون أنّ الدين عبارةٌ عن نوعٍ من التوجّه والشعور الذي يتكوّن لدى الإنسان عن الله، وأنّه لكي يُشبع هذا التوجّه والشعور والحاجة النفسية، يجب أنْ يذهب إلى المعبد. ولا يمكن إقامة أيّ دليلٍ أو برهانٍ على واقعية هذا الشعور والتوجّه. وإنّما هو مجرّد شعورٍ وتجربةٍ شخصيّةٍ وروحيةٍ يجدها الفرد في نفسه.
كما أنّهم يعرّفون الأخلاق ضمن الارتباط بالسلوكيات الاجتماعية للإنسان. إنّ الأخلاق تعني القيَم التي يتمّ بيانها وذكرها في السلوكيات والأفعال الاجتماعية للإنسان؛ من قبيل: كيف يجب على الناس أنْ يتعاملوا فيما بينهم، وأنّه يجب على الإنسان أنْ يتحلّى بالأخلاق الحسنة وأنْ يكون حسن السلوك، وأنْ يكون طلق المحيا ليّن العريكة، وأنْ يقوم بالأعمال الصالحة، وأنْ يكون صادقًا، وأنْ يراعي العدالة في
التعامل مع الآخرين. وهذه الأمور كلّها من مصاديق الأخلاق. وإنّ كان من الممكن أنْ يكون لبعضها بُعدًا ارتكازيًا ويمكن عدّه مبنى وأساسًا لسائر القيَم الأخلاقية الأخرى. وعلى كلّ حالٍ فإن دائرة الأخلاق تنحصر في العلاقات الاجتماعية للأشخاص. ومن الطبيعي إذا تكوّن لدينا مثل هذا الفهم عن الدين والأخلاق، ألّا يعود في مقدورنا الحديث عن العلاقة بين هذين المفهومين. إنّ الأخلاق تبيّن العلاقة القائمة بين الناس، وأمّا الدين فهو يعمل على بيان العلاقة بين الإنسان الفرد وبين الله.
ويبدو أنّ الضعف الرئيس في هذه النظرية يكمن في هذا الفهم الخاطئ ذاته عن الدين والأخلاق. إنّ دائرة الأخلاق لا تنحصر بالعلاقات الاجتماعية بين الأشخاص. كما أنّ الأخلاق لا تقتصر على الصفات والملكات النفسية فقط، بل تشمل جميع الأفعال والملكات الإنسانية التي تقبل الاتصاف بالمدح والذم وتكون لها صبغة قيَميّة، سواء أكانت متعلقة بروابط الناس فيما بينهم أم ارتباط الإنسان مع الله، أم علاقة الإنسان مع نفسه أم حتى علاقة الإنسان مع الطبيعة، هذه الأمور كلّها تندرج ضمن حقل الأخلاق. كما أنّ الدين لا ينحصر في بيان علاقة الإنسان مع الله سبحانه وتعالى. ففي القرآن الكريم ومصادرنا الروائية هناك آلاف المسائل المذكورة في مختلف الحقول الفردية والاجتماعية والسياسية والدولية، وهي تعدّ بأجمعها جزءًا من الدين. وبطبيعة الحال فإنّ الدين المنشود لنا هو الدين الحق والقائم على أساس الوحي الإلهي الصادق، وهو الإسلام، وليس أيّ شيءٍ آخر يتمّ إقحامه في العالم باسم الدين. ومن خلال نظرةٍ عابرةٍ نلقيها على المصادر الإسلامية ندرك أنّ الإسلام قد تعرّض إلى بحث جميع هذه المسائل. إنّ من بين أوضح المسائل الخاصة بالإسلام هي أنّه يشتمل ـ بالإضافة إلى العقائد ـ على الأخلاقيات والأحكام أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ الدين يشمل جميع شؤون حياة الإنسان، ولا يقتصر على علاقة الإنسان مع الله فقط.
ولا بدّ من الالتفات بطبيعة الحال إلى أنّ هذا الكلام لا يعني أنْ نعدّ قواعد
(284)الحساب والهندسة والفيزياء والكيمياء ـ على سبيل المثال ـ جزءًا من الدين أيضًا. فإنّ مجرّد قيام بعض العلاقات بين الظواهر، من قبيل: الارتباط العلي والمعلولي بين العناصر الفيزيائية والكيميائية أو الأفعال والانفعالات الفيزيقية وأمثال ذلك، لا صلةَ له بالدين. ولكن من حيث إنّ هذه الأمور تؤدّي دورًا في حياة الإنسان، وتكون بأجمعها مرتبطةً بتكامل الإنسان بشكل وآخر، فإنّها تقع من حيث بُعدها القيَمي ضمن دائرة الدين أيضًا. وبمعنى من المعاني يمكن لنا أنْ ندعي أنّه ليس هناك شيءٌ خارج عن مساحة الدين. فكلّ ظاهرةٍ في هذا العالم سوف يكون لها حكمٌ وقيمةٌ من وجهة النظر الدينية، ويكون لها في الحدّ الأدنى حكم بالحلية والإباحة، إذ يجب أنْ يصدر هذا الحكم من جانب الدين أيضًا.
وبالتالي فإنّ الرأي الذي يُعدّ هو الأوجه والأكثر مقبولية من وجهة نظرنا، هو القول بأنّ الأخلاق جزءٌ من الدين؛ بمعنى أنّنا نعدّ العلاقة بين الدين والأخلاق علاقةً طبيعية، من قبيل علاقة جذع الشجرة بالنسبة إلى مجموع الشجرة. بمعنى أن الدين بمنزلة الشجرة التي تكون العقائد جذورها، والأخلاق جذعها، والأحكام أغصانها وأوراقها.
ومن الجدير ذكره أنّ المراد من الأخلاق في بعض الموارد هو المسائل والموضوعات والمحمولات ذاتها (بغض النظر عن تلك النظرية التي تتبلور في الدين عن الأخلاق أو الأسلوب الذي يتم تقديمه في العثور على قيَم الأخلاق)، وفي هذه الحالة يمكن القول: إنّ للدين والأخلاق حقلين مستقلّين، إذ يمكن للشخص أنْ يعيش من دون اعتقادٍ ديني، ويؤمن في الوقت نفسه بنوعٍ من الأخلاق أيضًا. وعلى هذا الأساس لا تكون الأخلاق جزءًا من الدين أو داخلةً في حقل الدين بالضرورة. فإنْ عمدنا إلى تعريف الأخلاق بهذا الشكل، فسوف تكون نسبة الأخلاق إلى الدين نوعًا من نسبة العموم والخصوص من وجه.
(285)النقطة الأخرى التي يجب أنْ نشير إليها في الختام هي أنّه على أساس التحليل الذي قدّمناه عن المفاهيم والقضايا الأخلاقية، وعددناها معبّرةً عن العلاقات الواقعية والحقيقية بين الأفعال الاختيارية والإرادية للأشخاص وكمالهم النهائي، لا تكون الأخلاق متوقفةً على الدين؛ بمعنى أنّه لم يؤخذ أيّ اعتقادٍ في أصل هذه النظرية. فيمكن لشخص أنْ يؤمن بهذه النظرية دون أنْ يكون ملتزمًا بالعقائد أو الأحكام والتعاليم الدينية. ولكن عندما نريد التعرّف على الكمال النهائي ونكتشف العلاقة بين الأفعال الاختيارية والكمال النهائي، نكون في هذه الحالة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين؛ إذ نكون بحاجةٍ إلى الأصول والعقائد الدينية، كما نكون بحاجةٍ إلى محتوى الوحي والنبوّة أيضًا.
توضيح ذلك: أنّ كلّ شخصٍ يمكن أنْ يكون لديه تحليلٌ خاصٌّ عن الكمال النهائي للإنسان؛ ففي نظرية أرسطو ـ على سبيل المثال ـ يكون اعتدال القوى الثلاث، وهي: القوّة الغضبية، والقوّة الشهويّة، والقوّة العاقلة، وسيادة العقل على سائر القوى، هو الكمال النهائي. ومن الممكن أن يكون هناك من يرى الكمال النهائي في تماهي الإنسان وتناغمه مع البيئة التي يعيش فيها. وفي هذه الحالة لا تكون هناك أيّ حاجةٍ إلى الدين. بيد أنّ الكمال النهائي للإنسان في معتقدنا ـ الذي نثبته في محله ـ عبارةٌ عن تقرّب الإنسان من الله سبحانه وتعالى. وعلى هذا الأساس إذا أردنا أنْ نعرّف الكمال النهائي للإنسان، نضطر إلى بيان مسألة الله (عزَّ وجلَّ). وهنا تعقد هذه النظرية صلةً مع المعتقدات الدينية. وكذلك من أجل تشخيص الأعمال الحسنة والصالحة التي ترتبط بالكمال النهائي للإنسان، يجب أنْ نأخذ مسألة خلود النفس بنظر الاعتبار أيضًا؛ حتى إذا رأينا تعارضًا بين بعض الكمالات المادية وبين الكمالات البدية والخالدة، أمكن لنا القول بوجود ترجيح بينها، ونقول بأنْ هذا الفعل قبيح، لا من حيث إنّه لا يستطيع أنْ يوجد لنا الكمال المادي، بل من حيث
(286)إنّه يتعارض مع كمالٍ أخروي، وعليه يجب علينا الاعتقاد بالمعاد أيضًا.
يضاف إلى ذلك أنّ العقل إنّما يستطيع وحده أنْ يدرك المفاهيم الكلية بشأن العلاقة بين الأفعال الاختيارية والكمال النهائي، ولكن هذه المفاهيم الكلية لا تجدي في تعيين المصاديق الأخلاقية كثيرًا؛ فإنّ العقل ـ على سبيل المثال ـ يدرك أنّ العدل حسن، ولكن ما الذي يقتضيه العدل في كلّ موردٍ من الموارد، وكيف يكون السلوك في كلّ موردٍ عادلًا، فهذا ما لا يتّضح في كثيرٍ من الموارد، ولا يمكن للعقل في حدّ ذاته أنْ يحدّد ذلك، من قبيل: هل يجب أنْ تكون حقوق المرأة في المجتمع متساويةً مع حقوق الرجل بالكامل، أم يجب أنْ يكون هناك اختلافٌ بينهما في الحقوق، وأيّ هذين الشقّين هو الأقرب إلى العدل؟ وإذا كان هناك من اختلافٍ فما هو حجمه وما هي موارده؟ من الواضح بداهة أنّ العقل لا يستطيع وحده وفي حدّ ذاته أنْ يكتشف هذه الموارد؛ إذ إنّه إنّما يمكنه تشخيص هذه الموارد والحكم بشأنها، فيما إذا كان محيطًا بجميع الارتباطات الإختيارية والإرادية للإنسان مع غاياتها ونتائجها وتأثيراتها الدنيوية والأخروية إحاطةً كاملة، ولا يمكن للعقل البشري العادي أنْ يمتلك مثل هذه الإحاطة. وعليه إذا أردنا الحصول على المصاديق الخاصة للأحكام الأخلاقية، نحتاج إلى الدين أيضًا. إنّ الوحي هو الذي يبين الأحكام الأخلاقية في كلّ موردٍ خاصٍّ بحدوده الخاصّة، ويعمل على بيانها بشرائطها ولوازمها، ولا يمكن للعقل وحده أنْ يضطلع بهذه المهمّة.
والنتيجة هي أنْ نظريتنا في حقل المفاهيم والقضايا الأخلاقية في شكلها الكامل، هي أنّها تحتاج إلى الأصول الاعتقادية للدين (الاعتقاد بالله والقيامة والوحي)، كما تحتاج إلى محتوى الوحي وأحكام الدين أيضًا. ويجب علينا القول ـ بطبيعة الحال ـ إنّ الأخلاق ليست منفصلةً عن الدين بأيّ حالٍ من الأحوال، لا في العقائد الدينية ولا في أحكام الدين وتشريعاته. كما أنّها ليست غير منفصلةٍ عنها فحسب، بل إنّنا لا
(287)نستغني عن الدين في أيّ موردٍ من الموارد. وعليه فإنّنا في ضوء الرأي المختار نحتاج إلى الاعتقاد وإلى أحكام الدين بشدّة سواء في تحديد المصداق والهدف النهائي من الأخلاق وملاك التقييم، كما نحتاج إليها في مقام تشخيص وتحديد الأفعال القيّمة، وفي تحديد الأمور المنافية للقيَم وما هو حيادي منها.
(288)
(290)
محسن جوادي
إنّ البحث عن نسبة الدين والأخلاق ينطوي على كثيرٍ من التعقيدات. إذ هناك من جهة كثيرٍ من الاختلافات حول تعريف الدين والأخلاق، ومن جهة أخرى فإنّ مفهوم (النسبة) بنفسه لا ينطوي على الوضوح المطلوب. ومن هنا يبدو أنّ الطريق المنطقي في البحث عن النسبة بين هذين الأمرين هو أنْ تعمل أولًا على بيان المراد من لفظ (الدين)، ولفظ (الأخلاق)، ثم العمل على تحديد نوع النسبة المنشودة أيضًا، لنقوم بعد ذلك على بحث الشواهد لصالح النسبة المدعاة وعليها.
وفيما يلي حيث نعلم بوجود كثيرٍ من التعاريف للدين والأخلاق، سوف نعرض عن الخوض فيها بوعي، ونبدأ البحث ببيان مرادنا عن الدين والأخلاق المقتبسة من كلام الشهيد المطهري والذي يرى كاتب السطور أنّه التعريف الأدق والأفضل للدين والأخلاق.
(291)إنّ تجربة القيَم الأخلاقية تعني الشعور بأنّ بعض أعمال الإنسان وأفعاله الجديرة بالثناء والوجوب، وبعضها الآخر الذي يستحقّ الذم والمنع والتحريم، هي على الدوام جزءٌ من مجموع ما يحصل عليه الإنسان ضمن الأجواء المحيطة به، وتكون منشأ لتبلور المعتقدات الأخلاقية. إنّ المعتقدات الأخلاقية تدور حول قيمة الأعمال والحالات النفسانية للإنسان. إنّ صوابية أعمال الإنسان وعدم صوابيتها أو حُسن حالاته النفسانية وقبحها هي الموضوع الأصلي للأخلاق. وإنّ الشهيد المطهري يُعرّف الأخلاق بأنّها عبارة عن «العلم بكيفية الحياة»، ويرى أنّ كيفية الحياة تشتمل على مساحتين، وهما أولًا: «كيفية السلوك» المشتمل على التعاليم المرتبطة بالأعمال (الأعم من الأقوال والأفعال)، وثانيًا: «كيفية الكينونة» والتي تكون بشأن كيفية «صفات الإنسان وملَكاته».
قد يتمّ الحديث عن صوابية الأعمال أو عدم صوابيتها، أو عن حُسن الحالات النفسانية وقبحها حتى في العلوم والفنون الأخرى أيضًا. من ذلك أنّ النجار ـ على سبيل المثال ـ قد يتحدّث عن صوابية عملٍ خاصٍّ أو عدم صوابيته في إطار النجارة، حيث يكون حديثه في هذا الشأن نوعًا من التقييم المعياري، ولكنّه من النوع الحِرَفي، وليس من النوع الأخلاقي. وفي الواقع فإنّ غرض النجار هنا هو بيان هذه النقطة وهي أنّ هذا العمل لا يُعدّ صائبًا من ناحية أصول النجارة وضوابطها، وليس من الزاوية الأخلاقية. وأمّا التقييم الأخلاقي فهو بمعنى خاصّ من القيمة يمناز من الأنواع الأخرى لقيَم الأحكام في اللغة المتعارفة. إنّ الخصيصة الأهم للقيمة الأخلاقية ـ من وجهة نظر الشهيد المطهري ـ هي
(292)أنّ يكون القيام بها مستلزمٌ لاستحقاق المدح والثناء.
إنّ نسبة الحسن أو القبح الأخلاقي إلى فعلٍ أو حالة نفسانية، تعني أنّ فاعل ذلك الفعل أو صاحب تلك الحالة يستحقّ المدح أو الذم.
يتم العمل في اللغة الطبيعية ـ فيما يتعلّق بتقييم الأفعال والحالات الروحية ـ على الاستفادة من كثيرٍ من الألفاظ المتنوّعة، ومن هنا فإنّ حصر المفاهيم الأخلاقية في بعض الألفاظ المحدودة غير صحيح، بيد أنّ من بين المفردات الأكثر استعمالًا في هذا الشأن، عبارة عن: الحسن، والقبيح، والصواب، والخطأ، والواجب، والحرام. وإنّ بعضها من قبيل (الصواب) و(الخطأ)، أو (الواجب) و(الحرام) يرد لبيان الإلزام والتكليف الأخلاقي للأفعال، وبعضها الآخر لمجرد بيان (حُسن) و(قبح) الأفعال أو الحالات النفسانية دون إلزامٍ أو تكليفٍ أخلاقي. في السابق عندما كان يتمّ البحث بشأن تبعية الأخلاق إلى الدين، لم يكن يتمّ الفصل بين المفاهيم الأخلاقية المختلفة، وكان يتمّ البحث عن تبعية مجموع المفاهيم الأخلاقية وتبعًا لذلك الأحكام التي ورد استعمال هذه المفاهيم فيها (الأحكام الأخلاقية)، إلى الدين. وأمّا اليوم فإنّ بعضهم من أمثال روبرت آدامز، إنّما يبحث عن تبعية المفاهيم الأخلاقية الخاصة من قبيل (الصواب)، و(الخطأ) إلى الأمر والنهي الإلهي. وبعبارةٍ أخرى: إنّ مساحة تبعية الأخلاق إلى الدين في هذه النظرية محدودة، فهي إنّما تشمل الواجبات الأخلاقية دون تقييم الأحكام الأخلاقية بلا إلزامٍ أو وجوب.
في تعريف الأخلاق لا بدّ من الالتفات إلى نقطةٍ مهمّةٍ، وهي أنّ الأخلاق ـ بوصفها حقلًا من الحكمة العملية ـ إنّما تبحث في الواقع عن شيءٍ هو متعلّقٌ للمعتقدات الأخلاقية، بمعنى وجود القيَم الأخلاقية أو فقدانها التي تعمل في
(293)الواقع على إعداد الأرضية لصدق وكذب معتقداتنا الأخلاقية.
يذهب تيم ماوسن إلى الاعتقاد بأنّ النظريات التي تنكر وجود العنصر المعدّ للصدق بالنسبة إلى المعتقدات الأخلاقية ـ سواء في إطار النظريات العاطفية والأمر الأكثر قدمًا أم في إطار نظرية الخطأ لجي. إل. مكي ـ إنّما تعمل في الأساس على نفي أرضية بحث الدين والأخلاق؛ وذلك لأنّها تعمل على إخراج أحد طرفي البحث من الدائرة (وبطبيعة الحال فإنّ أكثرها يعمل كذلك على إخراج الطرف الآخر ـ وهو الدين ـ من دائرة البحث أيضًا). وبعبارةٍ أخرى: إنّ العينية الأخلاقية هي الفرضية الثابتة في البحث عن العلاقة بين الدين والأخلاق. إنّ هذا الكلام لا يعني أنّه يجب العمل ـ في البحث عن النسبة بين الدين والأخلاق ـ أولًا على اتّخاذ موقفٍ واقعيّ بشأت القيمة الأخلاقية، وعدّ الحُسن والقبح أمرًا واقعيًا على سبيل المثال، ثمّ الحديث بعد ذلك حول نسبة هذه الأمور الواقعية إلى الأمر والنهي الإلهي.
وبالمناسبة فإنّ أكثر الذين تحدّثوا طوال التاريخ عن تبعية الأخلاق إلى الدين، كان لهم رؤيةٌ غير واقعيةٍ إلى القيَم الأخلاقية. وإنّ البيان الأوضح لكلام ماوسن هو ما ذكره وستموريلند؛ إذ قال: «إنّ البحث عن نظرية الأمر الإلهي أو تبعية الأخلاق إلى الدين، إنّما يكون مهمًا ومشتملًا على قيمةٍ فلسفيةٍ فيما لو جعلنا الأخلاق معيارًا صارمًا وعلى نحوٍ غير قابلٍ للتحوّل والتغيير، حيث إنّ هذا الشيء ينكر كثيرًا من النظريات، بما في ذلك نظرية الشخصانية التقليدية، والعاطفية، والتوجيهية، وكذلك الرؤية التي تعدّ الأخلاق عبارةً عن نظامٍ آلي لتحصيل الأشياء التي نطلبها
(294)بشكل عرَضي. إنّ المراد من المعيار الصارم والجاد ليس بمعنى ألّا يكون الحُسن والقبح والواجبات والمحرّمات الأخلاقية تابعة لمعتقداتنا وعواطفنا وتوجهاتنا ورغباتنا، بل على العكس من ذلك يجب أنْ تكون معتقداتنا وعواطفنا وتوجهاتنا ورغباتنا متطابقةً معها».
وسوف نُشير ـ بطبيعة الحال ـ إلى أنّه في واحدةٍ من النظريات المعاصرة المهمّة في العالم الإسلامي ـ والتي يميل لها الشهيد المطهري ـ يمكن الحديث عن نوعٍ من قيامها على الأمر والنهي الإلهي حتى مع افتراض تبعية الأخلاق إلى إرادة الإنسان أيضًا. قد يذهب شخصٌ إلى القول بأنّ المعتقدات الأخلاقية من سنخ الاعتبارات والعقود البشرية، التي تكون تابعةً بالكامل لرغبات ومعتقدات الناس (نظرية الاعتباريات)، ولكنّها ما تزال تدافع عن تبعية الأخلاق إلى الدين. إنّ هذا الشخص قد يتحدّث عن تأثير الأمر والنهي الإلهي في مسار تبلور المعتقدات الأخلاقة التي هي من جنس الاعتبار والعقد، بوصف قيام الأخلاق على الدين، وفي الواقع إنّما يرى أخلاقية مجرّد العقود الناشئة من المعتقدات أو التوجهات الدينية فقط.
قلّما نجد كلامًا مباشرًا في أعمال الشهيد المطهري بشأن تعريف الدين، والذي نشاهده في الغالب عبارة عن توضيح مهام الدين أو نسبته إلى مفاهيم أخرى من قبيل العلم والفلسفة والأخلاق؛ حيث تتماهى فيما بينها وتتداخل ببعضهما بلحاظ الموضوع والغاية، بل حتى في الأساليب والمناهج. ولكن من بين الموارد القليلة التي يُشير فيها الشهيد المطهري إلى تعريف الدين بنحوٍ مباشر، ندرك أنّه يعدّ الدين نظامًا
(295)جامعًا وأنّ الخصيصة المشتركة له هي أنّه صادرٌ من عند الله وأنّه يشتمل على المعارف والأبعاد العاطفية والأحكام العملية من أجل بناء روح الإنسان (من قبيل الأحكام الأخلاقية) وبناء المجتمع الإنساني (من قبيل الأحكام السياسية والاقتصادية).
وهو في بعض الموارد يرى أنّ الدين من سنخ الأيديولوجيا التي تشتمل على خصوصيتين ممتازتين، وهما أولًا: الاستناد إلى الطبيعة الروحانية للإنسان والهداية والتعريف بهذه الطبيعة الروحانية. وثانيًا: إقامة العلاقة والارتباط المتوازن بين بُعديه الوجوديين، وهما: البُعد المادي، والبُعد الروحاني للإنسان.
وبطبيعة الحال فإنّ النقطة الأهم التي يجب تحديدها من أجل بحث النسبة القائمة بين الدين والأخلاق، هي مفهوم (من جانب الله)، ونفترض هنا أنّ المراد من هذا المفهوم هو تلك المجموعة من المعتقدات أو الأعمال ـ (على حدّ تعبير الشهيد المطهري) ـ التي يكون لها منشأ سماوي، وتصل إلينا على شكل كتبٍ سماوية. بيد أنّ الذي يحصل عليه الإنسان من طريق الاستعانة بالعقل المتعارف ـ (الأعم من الحسّ والوجدان أو العقل والبرهان)، سواء في الأمور الاعتقادية أم الأمور الأخلاقية والاجتماعية ـ لا يُعدّ جزءًا من الدين المصطلح. ولكن هناك من يخالف هذه الرؤية من أمثال الميرزا القمي، إذ يقول في كتاب القوانين: إنّ العقل يستطيع التكلّم من قبل الله، وفي الحقيقة والواقع فإنّ الله يتكلّم مع الإنسان بلغتين، وهما: لغة الشرع، ولغة العقل. فمن وجهة نظره إنّ الإنسان عندما يُدرك قبح عمل، فإنّ حكم العقل
يشتمل على شيءٍ أكثر من الذم (الذي يقتضيه القبح الذاتي لذلك العمل)، وفي الواقع فإنّ العقل يحكم بالحرمة الشرعية لذلك العمل.
ولكن لو قلنا بأنّ العقل يتحدّث من قبل الله أيضًا، وإنّ الإدراكات العقلية بدورها أحكامٌ شرعية، فعندها سوف تتحول مسألة التعارض الاحتمالي للأخلاق، بل والنتائج العقلية المستقلة والمعطيات الدينية بشكل عام ـ كما نبّه إلى ذلك بعض العلماء المعاصرين ـ إلى موضوع التعارض المحتمل بين العقل والنقل في إطار الدين. بمعنى أنّه يكون قد حدث في الواقع تعارضٌ بين المصدرين والمنشأين الدينيين، ويجب العمل على حلّ هذا التعارض على أساس الأصول ومنطق الاستنباط الفقهي والديني.
بيد أنّ الافتراض في هذه المقالة على الحالة التقليدية يقوم على أنّ الدين هو لسان الشرع؛ بمعنى تلك المجموعة من الاعتقادات والأحكام وقوانين حياة الإنسان الواردة في الشرع أو الكتاب المقدّس. وعليه فإنّ معطيات العقل حتى إذا رأينا ـ بناءً على نظرية الميرزا القمي أو بحكم قاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم به الشرع ـ أنّها لا تعدّ جزءًا من الدين الاصطلاحي.
كما يمكن في البحث عن النسبة بين الدين والأخلاق طرح هذا السؤال القائل: «هل يمكن لنا من طريق وجود القيَم الأخلاقية أنْ نثبت أو نفسّر بعض المعتقدات الدينية من قبيل الإيمان بوجود الله؟». إنّ البراهين الأخلاقية التي تسعى إلى إثبات أو تفسير الاعتقاد بوجود الله من طريق الظواهر الأخلاقية، تحظى بمكانةٍ مهمّةٍ في فلسفة
الدين المعاصر. ولكن بالنظر إلى أنّ هذه المقالة تندرج في حقل فلسفة الأخلاق، فإنّنا نعمل على توجيه سؤالنا إلى أصل قيام الأخلاق على الدين وكيفية ذلك.
وعلى هذا الأساس فإنّ سؤالنا الأصلي في هذه المقالة، يقول: هل القيَم الأخلاقية تابعةٌ إلى الأمر والنهي الإلهي؟
من المهم الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ السؤال عن تبعية الأخلاق إلى الدين يقتصر على السؤال عن تبعية الأخلاق إلى الطلب والأمر والنهي الإلهي. وفي الحقيقة فإنّه بالنظر إلى الدور المهم للأحكام العملية للدين في مجموعة المفاهيم الدينية، ومن ناحية أخرى بالنظر إلى الماهية العملية للأخلاق، فإنّ البحث عن تبعية الأخلاق إلى الدين ينحصر عادةً في شكل البحث عن تبعية الأحكام العملية والأخلاقية إلى الأمر والنهي الشرعي. وعلى هذا الأساس فإنّ المسائل مورد البحث هي من قبيل: هل هناك إمكانية لتعريف وتعليل وبيان الأحكام الأخلاقية ـ الأعم من الحسن والقبيح والواجب والحرام ـ بشكلٍ مستقلٍ ومن دون الأمر والنهي الإلهي؟ وهل المعرفة الأخلاقية تابعةٌ للمعرفة الشرعية والدينية؟ وهل يمكن للإنسان أنْ يلتزم بالقيَم الأخلاقية من دون الدين وما يشتمل عليه من الوعد والوعيد؟
ومن الناحية التاريخية يعد الحوار بين سقراط وأوثيفرون هو أول بحثٍ فلسفي يدور حول السؤال مورد البحث. إنّ رسالة أوثيفرون عبارةٌ عن حوارٍ جرى بين سقراط وأوثيفرون، والذي يعمد فيه سقراط إلى معاتبة أوثيفرون الذي سعى من خلال بيان الدعوى ضدّ أبيه ـ (الذي قتل عبدًا من طريق الخطأ) ـ إلى تجنّب الاتهام
(298)المحتمل بشأن عدم المبالاة بالدين. فيقول له سقراط في بداية الأمر على طريقته التهكمية المعروفة: «يا للعجب! فهل أنت من الحرص والدقة بشأن إدراك الطهر والدنس والدين، بنحوٍ لا يعتريك أيّ قلقٍ بأنْ تكون شكواك من أبيك في حدّ ذاتها أمرًا معارضًا للدين ومخالف للطهر؟». ثم ينتقل البحث إلى ماهية الطهر، ويقول أوثيفرون: إنّ الطهر شيء تحبّه الآلهة وتطلبه منا. ثم يستطرد سقراط ويطرح السؤال الآتي قائلًا: ألا يبدو لك أنّ الآلهات تحبّ في الحقيقة والواقع كلّ ما هو طاهر، وتمقت ما لا يكون طاهرًا وتنهى عنه؟
إنّ هذا هو السؤال الخالد الذي عُرف بلغز أوثيفرون، وشغل أذهان العلماء والمفكرين على مدى قرون. وعلى الرغم من أنّ بحث سقراط يدور حول مفهوم الطهر والدنس، بيد أنّ جميع الأشخاص الذين واصلوا هذا البحث قد عدّوا ألفاظ الطهر والدنس مثالًا عن المفاهيم الأخلاقية، وعمدوا إلى صياغة سؤال سقراط على الشكل الآتي: هل ما يُسمّى بالحسن والقبيح أو الصحيح والخطأ كان في البداية يحمل في ذاته خصوصيةً أو خصائص يتعلّق بها أمر الله ونهيه؟ أم الأمر على العكس من ذلك بمعنى أنّ الله يعمل أولًا وبإرادته الحرّة على الأمر بشيءٍ أو ينهى عنه، ثم يكتسب ذلك الشيء صفة الحسن والصحيح أو القبيح والخطأ؟
وعلى الرغم من أنّ أوثيفرون كان في البداية يميل إلى تبعية الحسن والقبح إلى الأمر والنهي الإلهي بشكلٍ أكبر، ولكنّه تعرّض في نهاية المطاف إلى الشكّ والتردد،
(299)بيد أنّ سقراط كان منذ البداية ينظر إلى عدم قيام الأخلاق على الدين. وقد حظي رأي سقراط المعروف بالعقلانية الأخلاقية بالقبول على نحوٍ كبيرٍ في الفضاء اللاهوتي الفلسفي المسيحي ولدى أشخاص من أمثال توما الأكويني، بيد أنّ الآخرين من بين بعض كبار اللاهوت المسيحي ـ من أمثال وليم الأوكامي ودانس سكوتس ـ قد ذهبوا إلى الرأي الآخر الذي عرف بالإرادية الإلهية، وقالوا بأنّ الحسن والقبح، أو الصواب والخطأ الأخلاقي في كلّ شيءٍ تابعان للأمر والنهي الإلهي. وفي تاريخ الفكر الإسلامي يُعد كلّ من المتكلمين الشيعة والمعتزلة من الممثلين للعقلانية الأخلاقية، وأمّا الأشاعرة فيذهبون إلى تمثيل الإرادية الأخلاقية. ويُعرف هذا الرأي في الأدبيات الجديدة لفلسفة الدين وفلسفة الأخلاق باسم نظرية «الأمر الإلهي»، وما تزال هذه النظرية إلى الآن تحظى بكثيرٍ من المؤيدين والمخالفين الذين يتحمّس كلّ واحدٍ منهما إلى مذهبه على نحوٍ جاد.
هناك من عمد في البحث عن تبعية الأخلاق إلى الدين إلى ملاحظة المزيد من المحدوديات والقيود، وأخذ يتحدّث عن تبعية ذات الأوصاف الأخلاقية دون المعتقدات أو الالتزام الأخلاقي بالأمر والنهي الإلهي. ومن هنا تخرج صوَرٌ مختلفةٌ من الارتباط أو التبعية ـ وهي بالمناسبة غالبًا ما تقع موردًا للبحث في آثار الشهيد المطهري ـ عن الموضوع. من ذلك على سبيل المثال أنّ تبعية الأخلاق المعرفية إلى
(300)الدين ـ والتي كانت على طول التاريخ بدورها واحدة من الموضوعات المثيرة للجدل وتنطوي على أهمية عملية أكبرـ تخرج عن موضوع العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق. وفي هذه الرؤية المحدودة بموضوع البحث، نجد أنّ تبعية الأخلاق التحفيزية إلى الدين ـ التي تعدّ أصل الأخلاق مستقل بيد أنّ الالتزام بها تابعٌ إلى الأمر والنهي الإلهي، وتعدّ واحدةً من أهم التبعيات المطروحة في الأدبيات الأخلاقية للإسلام ـ تكون خارجةً عن الموضوع أيضًا. إنّ البحث في قيام الأخلاق على الدين يتمحور بشكلٍ دقيقٍ حول هذه النقطة، وهي: هل الأوصاف الأخلاقية من الناحية المفهومية أو الوجودية تابعةٌ للأمر والنهي الإلهي أم لا؟ ومن هنا يتم البحث في الأعمال الأخيرة في الأنواع الثلاثة أدناه من أنواع التبعية، ضمن عنوان (نظرية الأمر الإلهي)، وأمّا الأنواع الأخرى من التبعية فإمّا ألّا يتمّ ذكرها أصلًا، وإمّا لم يتمّ بحثها بنحوٍ مكثّفٍ تحت عنوان تبعية الأخلاق الضعيفة إلى الدين.
1. إنّ الصوابية الأخلاقية هي الشيء ذاته المأمور به من قبل الله. إنّ (النظرية المفهومية)، أو تبعية التحليل اللغوي والمفهومي التي تتحدّث عن الترادف والاتحاد المفهومي للأخلاق مع الأمر والنهي الإلهي، وترى أنّه من دون الإشارة إلى الأمر والنهي الإلهي لا يمكن الحصول على تعريفٍ للحُسن والقبح أو الواجب والمنع الأخلاقي.
2. إنّ الصوابية الأخلاقية تعني الشيء ذاته المأمور به من قبل الله. وهي (النظرية الميتافيزيقية) التي تذهب ـ دون القول باتحاد مفهوم الحُسن والقبح أو الوجوب
والمنع مع الأمر والنهي الإلهي ـ إلى عدّ الأمر والنهي الإلهي مقوّمًا وصانعًا لماهية الإلزام الأخلاقي أو الحسن والقبح الأخلاقي.
3. إنّ الصوابية الأخلاقية معلولةٌ للأمر الإلهي (نظرية التبعيّة العليّة)، ويمكن بيان هذه النظرية ـ بطبيعة الحال ـ على شكلين، وهما أولًا: الأمر الإلهي الذي يكون منشأً لتحقّق صفة في متعلّق الأمر، تجعله حسنًا أو قبيحًا أو لازمًا أو غير لازم. وثانيًا: الأمر الإلهي الذي يعمل على جعل الحُسن والقبح بشكل قانوني، دون أن يحدث تغيير في عالم الوجود ومن الناحية الوجودية في متعلّق الأمر والنهي.
من ذلك أنّ الفيلسوف التحليلي المعاصر روبرت آدمز يُعلن صراحةً أنّه يعمل على تحديد وحصر تقريره عن نظرية الأمر الإلهي بالبحث الميتافيزيقي ـ بمعنى التوضيح والبيان الأنطولوجي لماهية الإلزامات الأخلاقية وإظهار أنّ الأمر والنهي الإلهي مقوّمٌ لماهيتها ـ ويجتنب جميع أنواع البحث حول تبعية أو عدم تبعية الأخلاق المعرفية أو التحفيزية إلى الدين. بينما يذهب فيليب كوين ـ خلافًا لروبرت آدمز ـ إلى الدفاع عن تبعيّة الأخلاق العلية إلى الدين، بمعنى أنّه يذهب إلى القول بأنّ الأمر والنهي الإلهيين علتان وجوديتان للحُسن والقبح والصواب والخطأ الأخلاقي وليسا مقوّمين للحُسن والقبح الأخلاقي.
وعلى كلّ حال فإنّنا نتعرّض هنا في الغالب إلى بيان رؤية الشهيد المطهري بشأن هذه الأنواع الثلاثة من تبعية الأخلاق إلى الدين.
لقد عمد كلّ واحدٍ من المدافعين عن لغز أوثيفرون طوال التاريخ ـ بدلًا من الدفاع عن نظريته وذكر أدلّته على ذلك ـ إلى العمل في الغالب على نقد الطرف الآخر وبيان إشكالاته. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الأوكاميين المسيحيين أو الأشاعرة من المسلمين وأتباعهم من المعاصرين من أمثال فيليب كوين، يؤكدون هذه النقطة،
وهي أنّ القول باستقلالية الأخلاق وتقدّمها على الأمر والنهي الإلهي (والذي هو عبارةٌ عن ذات العقلانية السقراطية) يتنافى مع الاعتقادات الدينية الأساسية، من قبيل القدرة الإلهية المطلقة ـ التي ترى أنّ القيام بكل عملٍ ممكنٍ بالنسبة إلى الله، حتى إذا كان ذلك يبدو قبيحًا وسيئًا من وجهة نظرنا وفهمنا ـ والحاكمية الإلهية المطلقة التي لا تبيح إمكانية السؤال عن أيّ شأنٍ من الشؤون الإلهية. وبالإضافة إلى ذلك فإنهم يرون أنّ الإطاعة المحضة من قبل العبد لله سبحانه وتعالى التي هي المفهوم الأصلي للدين لا تنسجم مع تقدّم الأخلاق على الدين؛ وذلك لأنّ الطاعة البحتة للعبد تعني التسليم المطلق ومن دون قيدٍ أو شرطٍ أمام الأوامر الإلهية، وهذا يتنافى مع وجود القيَم الأخلاقية المستقلة ومعلوليتها العقلية.
ومن ناحية أخرى يقول العقلانيون أنّ تبعية الأخلاق للدين تنطوي على مشاكل أكبر؛ وذلك لأنّها أولًا: تتعارض مع هذه الحقيقة الواضحة، وهي أنّنا نعرف كثيرًا من الناس غير المتدينين يعيشون حياةً أخلاقية. وثانيًا: تؤدّي إلى إضعاف وتقويض مبنى الأخلاق، وتجعل من الممكن القول بأنّ الله سبحانه وتعالى لو أمر ـ على سبيل الافتراض ـ بقتل طفلٍ بريء أو تعذيبه، لن يكون هذا الأمر جائزًا فحسب، بل يكون ذلك واجبًا، وهذا الأمر يتعارض مع شهودنا الأخلاقي القاضي بتخطئة تعذيب الطفل البريء مهما كانت الأسباب. وأمّا الإشكال الثالث فهو أنّنا بسبب فقدان المعيار الأخلاقي المستقلّ في نظرية تبعية الأخلاق إلى الدين، لن يكون لدينا تقييمٌ أخلاقيّ للفعل الإلهي ومن بين ذلك الشريعة ذاتها؛ ومن ثَمّ فإنه في نظرية تبعية الأخلاق، ترد مشكلة عدم إمكان إحراز الأمر والنهي الإلهي من طريق الوحي
(303)الذي هو أساس نظرية الأمر الإلهي.
يمكن العثور في الأعمال المختلفة للشهيد مرتضى المطهري على بعض الشواهد التي لا تعتقد بأيّ واحدٍ من التبعيات الثلاث المذكورة، وفي الواقع فإنّه يقبل بإمكان تعريف ووجود الأوصاف الأخلاقية من دون الإحالة إلى الأمر والنهي الإلهي. ومن هذه الناحية يمكن عدّه ضمن المخالفين للحُسن والقبح الشرعي أو نظرية الأشاعرة، وإنْ كان لا يمكن عدّه من جملة المدافعين عن نظرية الحُسن والقبح الذاتي والعقلي. إنّ من بين شواهد عدم القول بهذه التبعيات هو التحليل الذي ذهب إليه تبعًا للفلاسفة عن الحُسن والقبح ويراه من سنخ المشهورات. يذهب الشهيد مرتضى المطهري إلى الاعتقاد بأنّ الفلاسفة لا يرتضون نظرية الحُسن والقبح الذاتي للمتكلمين، ويتضح هذا الأمر من بحثهم في باب مبادئ البرهان. إنّه يرى أنّ الحُسن والقبح من وجهة نظر المتقدّمين لأنّهما يُعدّان من مبادئ الجدل، ولا يُسمح بالاستفادة منها في البرهان، سوف يُعدّان جزءًا من المشهورات والاعتباريات، ومن ثَمّ لا يمكن الاستفادة منها في الاستدلال على المسائل النظرية.
وفي ضوء بيانه، فإنّ العلامة الطباطبائي هو أكثر من بحثَ في هذا الشأن وذلك في المقالة السادسة من كتاب أصول الفلسفة والمذهب الواقعي. على الرغم من أنّ الشهيد المطهري يأخذ على العلامة عدم اهتمامه بالجذور التاريخية الفلسفية لنظريته، ويرى أنّ السبب في ذلك يعود إلى تأثر العلامة الطباطبائي في هذا البحث بأستاذه في الفقه والأصول الشيخ محمد حسين الغروي الكمباني.
يتحدّث الشهيد المطهري عن فصل حساب الأخلاق عن الحقيقة بشكلٍ صريح.
(304)فهو يرى أنّ (الحقيقة) من جهة ترتبط بالحكمة النظرية والقضايا الأخبارية وفي شأن الواقعية في حدّ ذاتها، وأنّ (الأخلاق) من ناحيةٍ أخرى ترتبط بالحكمة العملية والقضايا الإنشائية وحول أعمال الإنسان الواجبة. ومن هنا فإنّ خلود الحقيقة تمتاز من خلود الأصول الأخلاقية.
وفي الوقت نفسه فإنّه يدافع عن خلود الأخلاق، ويسعى جاهدًا من أجل بيان ذلك. ولكن لو لم يكن لخلود الأخلاق جذورٌ في ذاتية القيَم الأخلاقية وواقعيتها، فأيّ تفسيرٍ يبقى لها بعد ذلك؟ من الواضح أنّ الشهيد المطهري لا يسعى إلى بيان خلود الأخلاق من طريق تبعية وابتناء الأحكام الأخلاقية على الأمر والنهي الشرعي. وبعبارةٍ أخرى: إنّه على الرغم من إنكار الحُسن والقبح الذاتي والعقلي، إلّا أنّه لا يرضخ لنظرية الحُسن والقبح الإلهي والشرعي (نظرية الأمر الإلهي). إنّ الشهيد المطهري ضمن توضيحه وشرحه لأنواع التفسيرات عن خلود الروح، مع افتراض إنكار حقيقيتها، يعمد إلى شرح نظريته القائلة بتبعية الأخلاقي إلى الاحتياجات الواقعية والأصيلة للإنسان. إنّ العلامة الطباطبائي ـ من خلال قبوله بتعريف الحُسن والقبح بالحبّ والبغض (الذي يعدّ تعريفًا لبرتراند راسل والعلامة الطباطبائي) ـ يسعى إلى التمييز بين نوعين من الحبّ، وهما: حبّ الأنا العُلوية، وحبّ الأنا السُفلية. من وجهة نظر فاي إنّما تكون الأخلاق في موضعٍ حيث يكون الحب منسوبًا إلى الأنا العلوية .
يسعى الشهيد المطهري إلى ربط مبنى الأخلاق ـ المتجذّر في الأنا العُلوية للإنسان ـ بمفهوم تبعية الأخلاق إلى الروح الإلهية للإنسان؛ وبذلك فإنّه يقيم في الواقع صلة
ونسبة بين جمال الأخلاق وجمال الروح الإلهية للإنسان. وهو يرى أنّ هذه النقطة تعدّ أصلًا إسلاميًا كبيرًا لم يتطرّق إليه الحكماء، وأنّه من جملة مبتكراته وإبداعاته؛ إذ يقول:
«إنّ لدى الإنسان بحكم شرفه كرامته الذاتية التي [هي] عبارةٌ عن البُعد الملكوتي والنفخة الإلهية، فإنّه يشعر بتلك الكرامة بنحوٍ تلقائي ودون وعيٍ منه، ثم يشعر بعد ذلك من بين الأعمال والملَكات أنّ هذا الفعل يتناسب مع هذه الملَكة أو مع هذا الشرف أم لا؛ وعندما يشعر بالتناسب والانسجام، فإنّه يعدّ ذلك خيرًا وفضيلة، وعندما يجده على خلاف تلك الكرامة، فإنّه يعدّه رذيلة، من قبيل الحيوانات التي تتمّ هدايتها بحكم الغريزة نحو ما ينفعها وما يضرّها. إنّ لنفس الإنسان بدورها فيما وراء الطبيعة كمالات، وإنّ بعض الأفعال والملَكات تتناسب مع تلك الكمالات؛ وإنّ بيان الواجبات والمحرمات والفضائل والرذائل الكلية عبارةٌ عن: أنّ الأشخاص قد خلقوا متشابهين فيما يتعلّق بكمال أنفسهم، وحيث خلقوا متشابهين فإنّ حالات الحبّ بدورها تصبح متماثلةً، وحتى الآراء تصبح هنالك ذات صبغةٍ واحدة».
ومن هنا يمكن لنا أنْ ندرك أنّ الأخلاق وإنْ لم تكن تابعةً للأمر والنهي الإلهي والشريعة المكتوبة، ولكنّها تضرب بجذورها في عمق الفطرة الدينية والإلهية للإنسان.
إنّ الشاهد الثاني على أنّه لا يرتضي أيّ نوعٍ من هذه الأنواع الثلاثة من التبعية المذكورة، هو البحث عن الفطرة في مختلف المواضع. هناك ـ من وجهة نظره ـ مجموعة من التعاليم الأخلاقية التي يصدّق بها الإنسان على نحوٍ فطري وبشكلٍ مستقلٍّ عن أيّ نوعٍ من أنواع التربية والتعليم. يذهب الشهيد المطهري إلى القول بأنّ هذه الهداية الأخلاقية الفطرية ـ الضاربة بجذورها في عقل الإنسان ـ تتقدّم على الهداية الشرعية (الاكتسابية) الموجودة في الكتاب الإلهي.
يبدو أنّ كلام الشهيد المطهري هنا قريب جدًا من مضمون هذه الرواية الواردة من طريق علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن البرقي، عن ابن سنان أو غيره، رفعه إلى أبي عبد الله عليهالسلام، قال: «إنَّ حديثنا صعبٌ مُستصعَب، لا يحتملُه إلّا صدورٌ منيرةٌ أو قلوبٌ سليمةٌ أو أخلاقٌ حسنةٌ، إنَّ اللهَ أخذَ مِن شيعتِنا الميثاقَ كما أخذَ على بني آدمَ «ألستُ بربِّكُم» فمَن وفى لنا وفى اللهُ له بالجنّةِ، ومَن أبغضَنا ولم يؤدِّ إلينا حقَّنا ففي النّارِ خالِداً مُخلّدًا».
أو ربما أمكن لنا رؤية آثار هذا الكلام في ردّ فلوطين على الغنوصيين أيضًا، وهم الذين يسعون إلى النظر نحو الله والاستفادة من هدايته دون التحلي بالفضائل.
يمكن أنْ نرى ـ من خلال التأمّل في أعمال الشهيد المطهري أنّه على الرغم من رفضه للتبعيات التقليدية الثلاثة ـ أنّه يؤكّد من الزاوية الفلسفية على قيام الدعائم الدينية للأخلاق وأنواع من تبعياتها إلى الدين. وإنّ من بين أهم تبعيات الأخلاق إلى الدين ما يكمن في الاتجاه التحفيزي؛ فهو يعتقد أنّ كلّ ما يقوم به الإنسان بتدبير عقلي، إنّما هو من أجل الوصول إلى غايةٍ واكتساب منفعةٍ يرى فيها كماله. لو كان الالتزام بالقيَم الأخلاقية واحدًا من أهم أنواع الفعل التدبيري للإنسان، إذًا يرد هذا السؤال القائل: كيف العمل ليقوم الإنسان بترجيح الفعل الأخلاقي وتقديمه على المصالح الشخصية.
يرى الشهيد المطهري أنّ الدين هو العنصر الأقوى في الوصول إلى هذه الغاية؛ كما أنّ التاريخ البشري يثبت هذا الادّعاء. ومن هنا يذهب الشهيد المطهري إلى الاعتقاد بأنّ الأخلاق من دون الدعائم الدينية، ومن دون الاستناد إلى (الإيمان النابع من
عمق الوجدان البشري)، لن تحظى بالاستحكام المطلوب، من قبيل الإعلان العالمي لحقوق الإنسان، الذي كان دعاته هم أوّل الناقضين له. وفي الواقع فإنّ منطق الشهيد المطهري منطقٌ مقبول، ويبحث عن استدلالٍ للالتزام بالقيَم الأخلاقية في المعتقدات الدينية والأحكام الأخلاقية القيميّة؛ فحيث إنّ الأفعال الأخلاقية تقترن في الغالب بنوعٍ من الحرمان المادي وتقع في تعارضٍ مع المصالح، يذهب الشهيد المطهري إلى الادّعاء بأنّه لا يمكن العثور على منطقٍ مستدلٍ للأخلاق غير الإيمان بالله سبحانه وتعالى، وأنّ الاعتقاد الديني يمثّل دعامةً مناسبةً ولازمةً للأخلاق.
يمكن ممّا تقدّم ذكره أنْ نستنتج أنّ الشهيد مرتضى المطهري في معرض البحث عن النسبة بين الدين والأخلاق، أنّه لا يرتضي القول بتبعية الأخلاق إلى الدين في الأبعاد الثلاثة المذكورة. كما أنّه يرى أنّ الحكم الإلهي من الناحية المفهومية منفصلٌ عن الأمر الإلهي. وهو كذلك يحكم باستقلال الحكم الأخلاقي عن الأمر الإلهي من الناحية الميتافيزيقية أيضًا، وكذلك فإنّه يعتقد بعدم التبعية العلية للحكم الأخلاقي إلى الأمر الإلهي أيضًا. ومع ذلك فإنّ هذا ليس هو كلّ شيءٍ يعتقد به الشهيد المطهري بشأن النسبة بين الدين والأخلاق. وعلى الرغم من أنّ الشهيد المطهري لا يرتضي التبعيات الأخلاقية المذكورة آنفًا إلى الدين، يمكن العثور في آثاره على الاعتقاد بنوعٍ من تبعية الأخلاق التحفيزية إلى الدين.
(309)
حسن معلّمي
فيما يتعلّق بباب النسبة بين الدين بشكلٍ مطلقٍ والأخلاق بنحوٍ عام، هناك أنواعٌ مختلفة من النسب والعلاقات التي تمّ طرحها، حيث يمكن من خلال البحث في مختلف الكتب بيان ستة وثلاثين ربطًا ونسبةً بينهما، ولربما أمكن العثور على المزيد من الأقسام الأخرى من خلال البحث والتنقيب بشكلٍ أكبر.
إنّ المنشود في هذه المقالة من بين أنواع الارتباط بين الأخلاق والدين، هو الارتباط الابتنائي ومبانيه. وإنّ المهم في بحث هذا النوع من الارتباط هو قسم المباني من البحث؛ إذ له دورٌ خاصّ في توضيح المسألة. ومن هنا سوف نعمل أولًا على بيان مصطلح الدين والأخلاق والمعنى المراد منهما في هذه المقالة، لننتقل بعد ذلك إلى بيان المباني. ومن ثَمّ سوف نصل في نهاية المطاف ـ من خلال الالتفات إلى المباني ـ إلى النتائج اللازمة في هذا القسم. وإنّ الأبحاث الجديرة بالطرح في هذه المقالة هي:
1. مفهوم الدين والأخلاق.
2. مباني العلاقة بين الدين والأخلاق.
3. ابتناء الدين والأخلاق على بعضهما.
لقد تمّ حتى الآن تقديم مختلف التعاريف حول الدين، وبعضها واسعٌ وعامٌ جدًا بحيث يشمل جميع الأديان الإبراهيمية وغير الإبراهيمية، وبعضها الآخر لا ينطبق على دينٍ خاص.
إنّ المراد من الدين في هذه المقالة هو دين الإسلام، الذي هو عبارةٌ عن مجموعة من العقائد والأخلاق والأحكام الفردية والاجتماعية التي جاء بها رسول الله محمد بن عبد الله صلىاللهعليهوآلهوسلم من أجل هداية الناس وسعادتهم في الدنيا والآخرة، وستبقى تشريعاته ساريةً على الناس إلى يوم القيامة. إنّ الدين في هذا التعريف ينقسم إلى نقلي وعقلي. والدين النقلي يعني المطالب المذكورة آنفًا التي نستفيدها من النصوص الدينية. والدين العقلي يعني كلّ ما يمكن إثباته من تلك المطالب بالدليل العقلي. وإنّ العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق تنظر في الغالب إلى الأخلاق والدين النقلي، حيث سنعمل على توضيح ذلك تباعًا.
إنّ البحث في العلاقة بين الدين والأخلاق ـ بالنظر إلى أنواع تعاريف الدين ـ يحتاج إلى مجالٍ آخر؛ إذ مع تغيير التعريف تنقلب العلاقات والروابط بدورها رأسًا على عقب. يُضاف إلى ذلك يمكن لمباني كلّ تعريفٍ بدورها أنْ تكون مختلفةً بالكامل، وإنّ الرأي النهائي والأخير رهنٌ بسعة وضيق التعريف ومبانيه؛ لذا لا يمكن بحث جميع المعاني والروابط في مقالةٍ واحدة.
إنّ الأخلاق ترد أحيانًا بمعنى الصفات الحسنة والقبيحة (الأعم من الثابتة وغير الثابتة)، وفي بعض الموارد بمعنى (علم الأخلاق). والمراد بالأخلاق في هذه المقالة هي الأخلاق بوصفها علمًا ومجموعةً منتظمةً من القضايا الخاصة (من الواجبات والمحرّمات الناظرة إلى الأفعال والصفات الخاصة). من ذلك على سبيل المثال فيما يتعلّق ببحث الارتباط بين الأخلاق والدين يرد السؤال القائل: ما هي علاقة مجموعة التعاليم الأخلاقية ـ من قبيل: العدل حسن، أو يجب العدل، أو الكذب قبيح، ويجب قول الصدق ـ بالدين؟
إنّ بحث العلاقة بين الدين والأخلاق، وأيّ واحدٍ منهما هو المبنى للآخر، لا يمكن من دون الالتفات إلى مباني هذا الارتباط. ومن هنا فإّننا بعد بيان المباني سوف نعمل على إيضاح طريقة ارتباطها في قسم الابتناء. إنّ المباني اللازمة عبارة عن:
1. مفاد الوجوب والحرمة.
2. العلاقة بين الوجوب والوجود.
3. صفات الله (العلم والحكمة والرحمة).
4. العقل ومساحته في كشف الحقائق.
5. الحق والتكليف.
في قسم مفاد الوجود والحرمة، هناك آراءٌ متفاوتةٌ ومتغايرةٌ بالكامل، ويمكن إقامة علاقةٍ وصلةٍ منطقيةٍ بين الوجوب والوجود في ثلاثة من تلك الآراء. وحيث تنظر هذه المقالة إلى القول بوجود الصلة والارتباط بين الوجوب والوجود، فسوف
نقتصر هنا على بحث هذه الآراء الثلاثة التي تؤدّي إلى هذا الارتباط.
إنّ العلامة الطباطبائي والشهيد المطهري يريان أنّ مفاد الوجوبات والمحرمات الأخلاقية عبارةٌ عن الضرورة الادعائية والاعتبارية، وخلاصتها عبارة عن أنّ العلاقة بين الإنسان وأفعاله الاختيارية هي الإمكان، وبهذه العلاقة لا يصدر الفعل عن الإنسان. إنّ الإنسان لجهةٍ تحوّل هذا الإمكان إلى الضرورة وتحقق الفعل، يقيم ضرورةً بين نفسه وبين فعله الاختياري، ويجعل هذه العلاقة ضرورةً على نحوٍ مجازي؛ كما في عبارة (رأيت أسدًا [يرمي]) يتمّ جعل الرجل الشجاع مصداقًا للأسد [مجازًا]. فهنا كذلك يتمّ جعل علاقة الإمكان على نحو المجاز مصداقًا للعلاقة الضرورية. وكذلك بدلًا من أنْ يقول: من الممكن أنْ أتناول الطعام، يقول: يجب أنْ أتناول الطعام. وفي قضايا الأخلاق يتمّ بيان هذه الضرورة أيضًا.
والنقطة المهمة هي أنّ هذا الأمر المجازي يُعدّ ضروريًا للوصول إلى الغايات؛ بمعنى أنّه في مثال تناول الطعام، لو ورد السؤال القائل: لماذا قمت بهذا الفعل المجازي؟ سوف يقول في الجواب: لأنّ بين تناول الطعام وحاجتي الجسدية علاقةً من العلية والمعلولية، وما لم أتناول الطعام، سوف لن أشبع. وفي الواقع فإنّي من أجل الوصول إلى هذه الغايات والأهداف، قد عملت على جعل هذه الضرورة.
وصورة الأمر على الشاكلة أدناه:
تقوم بين تناول الطعام والشبع علاقة العلية والمعلولية.
العلاقة بيني وبين تناول الطعام علاقةٌ إمكانية.
ما لم تتحول هذه العلاقة إلى ضرورة، فلن أصل إلى أهدافي وغاياتي.
إذًا يجب أنْ أجعل الوجوب؛ كي أصل إلى أهدافي، إذًا يجب أنْ أتناول الطعام.
يذهب الأستاذ محمد تقي المصباح اليزدي إلى عدم الحاجة إلى جعل الضرورة،
بل إنّنا نكتشف هذه الضرورة؛ بمعنى أنّه حيث تقوم بين تناول الطعام والشبع علاقة العلية، ويكون الشبع أمرًا مطلوبًا، وإنّ بين كلّ علّةٍ ومعلولٍ هناك ضرورة بالقياس، فإنّنا بقولنا: (يجب أنْ تناول الطعام)، نشير إلى هذه الضرورة بالقياس، دون حاجةٍ إلى الجعل.
ولكن يجب القول إنّ العلامة الطباطبائي كان يؤمن بهذه الضرورة بالقياس، ولكنه لم يجعلها مفادًا للوجوب وعدم الوجوب؛ لأنّ هذه الضرورة عبارةٌ عن علاقة الفعل في نفسه والنتيجة، ونحن في قضايا الأخلاق نتعامل مع صدور الفعل من الفاعل، ولا نتعامل مع الفعل في نفسه. ومن هنا فإنّ العلامة الطباطبائي يطرح ضرورةً أخرى.
ويبدو أنّ الضرورة الثانية ضرورة بالقياس أيضًا، بين الفعل من حيث الصدور والنتيجة؛ بمعنى الضرورة بالقياس بين الفعل ونتيجته (بالقياس إلى وجود النتيجة، يكون لوجود الفعل ضرورة)، يؤدّي إلى ضرورة القياس بين الفعل والنتيجة (بالقياس إلى إيجاد النتيجة، يكون لإيجاد الفعل ضرورة)؛ بمعنى أنّ لدينا لزومًا وإلزامًا، وأنّ قضايا الأخلاق ناظرةٌ إلى الإلزام دون اللزوم. وإنّ العلامة الطباطبائي كان يبحث عن الإلزام دون اللزوم، بينما كان الأستاذ المصباح اليزدي يبحث عن اللزوم.
والحاصل أنّ مفاد الوجوب وعدم الوجوب هو الضرورة بالقياس وبالغير؛ أي الضرورة بالقياس بين الفعل من حيث الصدور ومع النتيجة الحاصلة من الضرورة بين الفعل في نفسه والنتيجة.
وصورة الأمر على الشاكلة أدناه:
- بين تناول الطعام والشبع توجد ضرورةٌ بالقياس؛ لأنّ العلاقة على نحو العلية والمعلولية.
- إنّ المطلوب لي هو الشبع، وإيجاد حالة الشبع.
- إذًا يجب أنْ أتناول الطعام.
وفي الواقع فإنّ الضرورة بالقياس بين الفعل والغاية، هي مقدمةٌ الضرورة بالقياس في نتيجة الاستدلال، وليست عينه.
بالنظر إلى ما تقدّم من التوضيحات في باب مفاد الوجوب وعدم الوجوب فقد اتضح أنّ هناك ثلاث نظريات ـ وهي: الضرورة الادعائية، والضرورة بالقياس، والضرورة بالقياس وبالغير ـ تثبت علاقة الوجوب والوجود فيها، غاية ما هنالك أنّ العلاقة في الضرورة بالقياس وبالغير كانت عبارةً عن علاقةٍ استنتاجيةٍ ومنطقية، ولم تكن بحاجة إلى جعلٍ وابتناء، وأمّا في نظرية الضرورة الادعائية يكون ابتناء الوجوب على الوجود، وليس كشف الوجوب من الوجود.
إنّ الله تعالى في ضوء العقل والنقل، إلهٌ عالمٌ وحكيمٌ وحنّانٌ ومحبٌّ لعباده؛ فحتى غضبه هو شعبةٌ من شعب رحمته، وإنّ أفعاله وأوامره ونواهيه هي الأخرى منبثقةٌ عن هذه الصفات. إنّ الله الشرع لا يختلف عن إله الأخلاق في شيء أبدًا، وإنّ الجنة والنار بدورهما إنّما هما نتيجة للأداء والأفعال الاختيارية وعقائد ونوايا الإنسان.
إنّ العقل يُعدّ واحدًا من بين مصادر فهم الإنسان. وإنّ النصوص الدينية تؤكّد على هذا الأمر أيضًا، وتعدّ العقل حجةً باطنيةً وهبها الله تعالى للإنسان. وإنّ أصل الدين والإيمان بوجود الله تعالى ونبوّة الأنبياء؟عهم؟، إنّما تثبت بالبرهان العقلي.
إنّ العقل ينقسم إلى العقل العملي والعقل النظري، وقد عمد الحكماء بدورهم
إلى بيان بعض القضايا البديهية والنظرية لكلّ واحدٍ من هذين القسمين، وإنْ لم يكن للعقل العملي قضايا بديهية، فلا أقل من اشتماله على القضايا المتاخمة للبداهة والقريبة منها والتي يمكن أنْ تبتني على بديهيات العقل النظري، كما تقدّم في بحث العلاقة والارتباط بين الوجوب والوجود.
والحاصل هو أنّه لا شك في أنّ عقل الإنسان بالنظر إلى المصالح والمفاسد، ونتائج فعل ما قد يستطيع اكتشاف الوجوب وعدم الوجوب في بابه؛ إلى الحدّ الذي يعمل معه على تقييد العام أو المطلق الديني. وإنّ الذي يجدر الالتفات إليه في هذا القسم هو أنّ حدود العقل في باب فهم الوجوبات وعدمها محدود وليس مطلقًا؛ بمعنى أنّه من جهة لا يدرك جميع أنواع الحُسن والقبح والواجبات والمحرّمات، ومن جهة أخرى لا يدرك تفاصيل وجزئيات الأحكام ومصاديقها بشكل كامل. إنّ وجود الأحكام البشرية المتعارضة والقوانين الظالمة في كثيرٍ من الموارد، خير دليلٍ على هذه المحدودية وهذا العجز والقصور. إنّ الله العالم بجميع أسرار الخلق والوجود وما يشتمل عليه كيان الإنسان من الأمور المعقّدة، هو وحده الذي يمكنه أنْ يضع القوانين للبشر بنحوٍ كامل.
إنّ من بين المباني اللازمة من أجل بيان العلاقة بين الأخلاق والدين، عبارة عن اتضاح حقيقة الحقّ والتكليف ومنشأ الحقّ. فلو عددنا كلًّا من الإنسان أو المجتمع أو الله سبحانه وتعالى هو المنشأ للحق، سوف يكون لذلك تأثيرٌ مباشرٌ على بيان هذه العلاقة.
لقد ذكروا للحقّ معانٍ متعدّدة، من قبيل: الثبوت، والموجود الثابت، والوجوب والضرورة، والتطابق مع الواقع، وذكروا له مصاديق، مثل: العدل، والموت، والملك والحكم وما إلى ذلك؛ ولكن يمكن القول بأنّ الثبوت والوجوب من المعاني الأصلية
(317)لكلمة الحق، وأمّا المعاني الأخرى فقد ورد استعمالها بعنايةٍ خاصة.
وأمّا التكليف فقد تمّ تعريفه بأنّه عبارةٌ عن وضع فعلٍ أو عملٍ على عاتق شخصٍ أو جماعةٍ وإلزامه بالقيام بفعل ما يكون مقرونًا بالمشقة والصعوبة عادة. وفي الدين يُعدّ التكليف أمرًا إلهيًا.
يمكن القول إنّ الحقّ والتكليف متلازمان؛ بمعنى أنّه كلما كان هناك حقٌّ كان هناك إلى جواره تكليف، وحيثما يكون هناك تكليفٌ سيكون هناك معه حقّ ثابت. فإذا ثبت حقٌّ لشخصٍ في الاستفادة من شيء، سوف يثبت على الآخرين تكليف بأنْ يحترموا حقّه في الاستفادة منه، وكذلك هناك في قبال كلّ حقٍ ثابتٍ للفرد أو المجتمع، يتمّ إثبات بعض التكاليف له. وإنّ الحقوق والتكاليف بدورها تارةً تكون فرديةً وفي بعض الموارد الأخرى تكون اجتماعية؛ وتارةً يكون صاحب الحقّ هو الإنسان وتارةً أخرى يكون صاحب الحقّ هو الله سبحانه وتعالى. وبطبيعة الحال لا يكون هناك معنى للتكليف في مورد الله (عزّ وجلّ)، وإنّما كلّ ما هنالك ضرورات تنبثق عن صفات الحق تعالى التي لا تُعدّ تكليفًا على الله، وإنّما هو لزومٌ من قبل الله؛ كأن لا يقوم الله بظلم أحدٍ انطلاقًا من صفات كماله؛ فهو عادلٌ بالضرورة ولا يظلم أحدًا من العباد.
إنّ من بين الأبحاث المهمّة في باب الحق، هو منشأ الحقّ الذي يؤدّي دورًا محوريًا وجادًا في هذه المقالة. بالنظر إلى أنّ الحقّ في بحث علم الحقوق يمثّل نوعًا من الاختصاص أو السلطة والقدرة التي تُمنح للفرد أو المجتمع، يرد السؤال القائل: ما هو منشأ هذه السلطة والقدرة والحقّ؟ فهل هو من ذاتيات الإنسان، أم هو من
الأمور الممنوحة والاكتسابية؟
فيما يتعلّق بالنظام التوحيدي، يمكن قول ما يلي:
إنّ الله سبحانه وتعالى هو خالق ومالك كلّ الوجود، وإنّ الإنسان والمجتمع من جملة مخلوقاته.
وعليه فإنّ الحقّ المطلق وصاحب الحقّ أولًا وبالذات إنّما هو الله سبحانه وتعالى.
إنّ الله (عزّ وجلّ) رحيمٌ وعادلٌ وحكيم، وإذا أعطى سلطةً أو حقًّا لشخص، فإنّ ذلك يكون متناسبًا مع أصل خلقته.
فيما يتعلق بقيام الأخلاق على الدين، يمكن بحث الموارد أدناه:
1. فهم القضايا الأخلاقية.
2. صدق القضايا الأخلاقية.
3. كشف القضايا الأخلاقية.
4. بيان مصاديق الكمال، وبيان السعادة الحقيقية، ومصاديق الظلم والعدل.
5. التحقق العملي والضمانة التنفيذية.
وفي قسم قيام الدين على الأخلاق يمكن بحث الموارد أدناه:
1. الإيمان بالدين.
2. هدفية الأخلاق بالنسبة إلى الدين.
3. الصدق والحدود والثغور.
(319)إنّ القضايا الأخلاقية تشتمل على موضوعٍ ومحمول. فإنّ القضايا التي هي من قبيل: (العدل حسن)، و(الظلم قبيح)، أو (يجب العدل)، و(يحرم الظلم) ـ مثلًا ـ تعدّ مفردات (الحسن، والقبيح، ويجب، ويحرم) الواردة فيها، من المفاهيم الأخلاقية. والسؤال هو: هل تعدّ هذه المفاهيم بديهيةً أم هي تحتاج إلى تعريف؟ وإنْ كانت بحاجةٍ إلى تعريف، فهل الذي يعمل على تعريفها هو العقل أم الشرع؟
يبدو أنّ مفاهيم (الحُسن والقبح)، و(الحَسَن والقبيح)، و(يجب ويحرم) مفاهيم بديهيةٌ ولا تحتاج إلى التعريف؛ فحتى الأطفال يمكنهم توظيف هذه المفاهيم وتطبيقها على مواردها في كثيرٍ من المواطن بشكل صحيح. وإذا ورد ذكر مختلف المعاني لها في كتب فلسفة الأخلاق أو الأصول الفقيهية، فإنّما يكون ذلك ناظرًا إلى استعمالاتها أو إلى اللوازم والملزومات.
وحيث سيتضح لاحقًا أنّ القضايا الأخلاقية مستقلةً في صدقها عن الدين، فمن هنا فإنّها سوف تكون مستغنيةً عن الشرع والدين في التعريف وبيان المفهوم بطريق أولى، ولا يمكن تعريفها بوساطة الدين والشرع، كأنْ يقال: (إنّ الحسن يعني هو الشيء الذي يريده الدين أو يكون مطلوبًا لله)؛ بمعنى أنّه ما لم يرد الله والدين شيئًا، لا يكون هناك معنى للحُسن.
إنّ المسألة الأصلية في هذا القسم، هي هل قضية (العدل حسن) بديهيةٌ عقليةٌ أم نظريةٌ عقلية؟ أم هي قضيةٌ دينيةٌ وشرعية؟ بمعنى أنّ (العدل حسن)؛ لأنّ الله
أمر به، ولو أنّ الله لم يأمر به أو نهى عنه، لم يكن في الحالة الولى حسنًا ولا قبيحًا، وفي الحالة الثانية سوف يكون قبيحًا.
لقد تمّ بيان هذا البحث في الفلسفة والكلام الإسلامي تحت عنوان (الحسن والقبح الذاتيّان العقليان أو الشرعيّان)، وفي فلسفة الغرب تحت عنوان (الأمر الإلهي).
كما يمكن تناول هذا البحث تحت عنوان أجمع، وهو (الواقعية) أو (غير الواقعية)؛ بمعنى هل القضايا الأخلاقية مرتبطةٌ بالواقعيات والمصالح والمفاسد، وهل الحسن والقبح مرتبطان بالواقعيات وآثار العمل الأخلاقي أم لا ربط لهما بالواقع، أم يرتبطان بالأمر الإلهي، أم أذواق الأفراد أو المشاعر والعواطف، أم الآداب والسنن الاجتماعية؟
والحاصل هو أنّ هناك رأيين كليين في هذا الشأن:
أ . إنّ حُسن الأفعال وقبحها رهنٌ بالأمر والنهي الإلهيين، ومن دونهما، لا يكون هناك من وجودٍ للحُسن والقبح أبدًا (الحُسن والقبح الشرعيان).
ب . إنّ حسن الأفعال وقبحها مستقلٌ عن الأمر والنهي الإلهي. إنّ أتباع هذه النظرية على قسمين:
1. هناك من يرى أنّ حُسن الأفعال وقبحها بديهيٌ ولا يحتاج إلى استدلال.
2. هناك من يرى أنّ حُسن الأفعال وقبحها بحاجة إلى استدلال، بيد أنّهم يرون أنّ الاستدلال عليها ارتكازي يقوم على أساس المصالح والمفاسد، ويعدّونها من الفطريات (القضايا التي قياساتها معها).
بالنظر إلى بحثٍ مفاد الوجوب وعدم الوجوب والارتباط بين الوجوب والوجود وكلية القواعد الأخلاقية، فقد اتّضح أنّ الواجبات والمحرّمات والحُسن والقبح مرتبطةٌ بالواقعيات بشكلٍ كامل، ومن خلال آثار الأفعال الأخلاقية يمكن التوصّل إلى حسنها وقبحها أو وجوبها وحرمتها؛ وإنْ استوجبت الفطرة الإلهية للإنسان وأناه
العلوية وما إلى ذلك أنْ تكون هذه الأمور معروفةً لنفس الإنسان أيضًا.
ولكي نعمل على توضيح البحث، سوف نشير إلى أدلة كلا الطرفين باختصار:
إنّ مُدّعى هذه النظرية هي أنّ حُسن وقبح الأفعال رهنٌ بالأمر والنهي الإلهيين؛ بمعنى أنّ الله لو أمر بشيءٍ كان ذلك الأمر (حسنًا)، وإنْ نهى عن شيءٍ أصبح ذلك الشيء (قبيحًا). وفي الواقع فإنّه من دون الأمر والنهي الإلهي لا يتصف أيّ فعل بالقبح والحُسن، بما في ذلك حتى الظلم والعدل.
ويمكن بيان أدلّة هذه النظرية على النحو الآتي:
توضيح الأمر هو أنّ المالك والقادر المطلق هو الموجود الذي لا يمكن لأيّ
شيءٍ أنْ يحول دون قيامه بالأفعال. فلو قيل: يجب على الله أنْ يفعل الصدق أو يقوم بالعدل، وتكون هذه القوانين عقليةً وعامّة، فإنّ الله سوف يتمّ تقييده وتحديده بهذه القيود والقوانين؛ في حين أنّ الله لا يخضع لأيّ قانون.
1. هناك اختلافٌ بين القانون الذي يكون فيه إلزامٌ على الله وبين القانون الذي يكون فيه إلزامٌ عن الله، هناك فرقٌ بين قولنا: (يجب على الله)، وقولنا: (يجب عن الله). إنّ الله سبحانه وتعالى بسبب اتصافه بـ(القدرة والعلم والحكمة والرحمة) يستحيل عليه أنْ يظلم أو يكذب. فإنّ صفات الله تقتضي عدم هذه الأمور، وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذه الأمور لا تتناسب مع صفات الله سبحانه وتعالى ولا تسانخها؛ بمعنى أنّ الله الذي يتّصف بهذه الصفات لا يكذب ولا يظلم أبدًا.
2. إنّ الله سبحانه وتعالى بالإضافة إلى المالكية والقدرة المطلقة، يتصف بالرحمة والحكمة المطلقة أيضًا. ويجب علينا تقييم الكذب والظلم بجميع صفات الله عزّ وجلّ، والعقل يعمل على اكتشاف هذا الأمر، ولا يصدر حكمًا على الله، وإنّما يكتشف أنّ الله الذي يتّصف بهذه الصفات يستحيل عليه الظلم.
إذًا، لا يكون حُسن الأفعال وقبحها ذاتيًّا، بل لها حُسنٌ وقبحٌ شرعيّ.
يجب النظر إلى المبنيين، وتقديم الجواب المناسب لكلّ واحدٍ منهما:
1. لو عددنا الحُسن والقبح من ذاتيات الأفعال ولوازمها الذاتية، وعددنا الأفعال علةً تامّةً للحُسن والقبح، عندها سيكون الجواب هو أنّ الكذب قبيح أبدًا، ولكنّه قد يتعارض في بعض الأحيان مع مفسدةٍ أكبر، وإنّ العقل في هذه الموارد يأذن بارتكاب المفسدة الأقل دفعًا للمفسدة الأكبر (تزاحم المفاسد).
2. لو عددنا الأفعال مقتضى للحُسن والقبح، فإنّها تتصف بالحُسن أو القبح ما لم تصطدم بمانع، فإنْ اصطدمت بمانع، لن تعود بعد ذلك متصفةً بالحُسن والقبح. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الكذب المشتمل على مصلحةٍ كبيرة، من قبيل: إنقاذ حياة إنسان، لا يكون قبيحًا. وفي الواقع لو كان ملاك الحُسن والقبح عبارةً عن آثار ونتائج الأفعال، عندها ستكون الملاكات النهائية للمفاسد والمصالح كثيرة.
.
إنّ البديهي على قسمين: بديهيٌّ خاصٌّ وأوليٌّ (مجرّد تصوّر الموضوع والمحمول، يؤدّي إلى التصديق)؛ البديهيات العامّة والثانوية.
ومن الجدير بالملاحظة:
1. أنّه قد يظهر الاختلاف حتى في البديهيات الأولية أيضًا، وذلك بسبب عدم تصوّر الموضوع بشكلٍ دقيق.
2. أنّ عدم البداهة الأولية، لا يُشكل دليلًا على الشرعية؛ إذ قد يكون البديهي ثانويًا ويحتاج إلى استدلالٍ ارتكازي، والأمر كذلك بالمناسبة؛ وذلك لأنّ آثار ونتائج الأفعال قد لا تكون واضحةً بالنسبة إلى الأشخاص؛ ولذلك يتعرّضون إلى التردد في بعض الموارد.
3. قد تختلف المجتمعات أحيانًا في تحديد مصاديق الظلم والعدل، وليس في قضية (الظلم قبيح).
إنّ العقل يدرك حسن بعض الأفعال وقبحها دون حاجةٍ إلى الشرع والنصوص الدينية، وذلك إمّا على نحو البديهية الأولى وإمّا البديهية الثانوية والدليل الارتكازي
أو حتى بالإثبات العقلي، من قبيل: حُسن العدل، وقبح الظلم.
وإنّ الإدراك العقلي بدوره على شكلين:
أ. الإدراك الحصولي.
ب. الإدراك الحضوري والفطري؛ بمعنى الإلهام الإلهي والفطرة الملكوتية، والملاءمة مع الأنا الإنسانية، وأمثال ذلك ممّا يستوجب ميل الناس إلى العدل والصدق ورعاية الأمانة.
وإنّ موضع البحث هنا هو صورة العلم الحصولي. فإنّ العقل المستقلّ عن النصوص الدينية يمكن له في العلم الحصولي أنْ يدرك حُسن بعض الأفعال وقبحها.
النقطة الأخرى هي أنّه يجب فصل (الحسن والقبيح) عن (الوجوب والحرمة)؛ إذ قد يكون الفعل حسنًا، ولكنّه لا يستدعي ضرورة القيام به وفعله. إنّ الضرورة تحتاج إلى شيءٍ أكثر من الحيثية الحضورية والفطرية والوجدانية، وهو البيان العقلاني الناظر إلى النتائج والآثار.
وإنّ أدلة هذه النظرية على النحو الآتي:
توضيح ذلك أنّ الحُسن والقبح إذا لم يكن عقليًا، وكان العقل يجيز الكذب، فسوف يكون وقوع الكذب من الله جائزًا (نعوذ بالله)، وبذلك لن يحصل لنا العلم واليقين بالحسن والقبح بإخبار الله عن حُسن الأفعال وقبحها؛ ونتيجةً لذلك لا يتحقق الحُسن والقبح الشرعي. وبعبارةٍ أخرى: إنّما يحصل لنا العلم بكلام الشارع، لو كان لدينا يقين بأنّ الشارع لا يكذب. والمفروض أنّ قبح الكذب قد تمّ بيانه من قبل الشارع. وفي هذه الحالة سوف يلزم محذور الدور؛ وذلك لأنّ علمنا بحُسن الصدق وقبح الكذب يتوقف على إخبار الشارع بحُسن الصدق وقبح الكذب، ومن ناحية أخرى فإنّ أمر الشارع ونهيه وقبول خبره يتوقف على صدق خبر الشارع، وإنّ علمنا بصدق خبر الشارع يتوقّف على إخبار الشارع بحُسن الصدق وقبح الكذب. وبذلك يكون إخبار الشارع بحُسن الصدق وقبح الكذب متوقفًا على إخبار الشارع بحُسن الصدق وقبح الكذب.
توضيح ذلك أنّ نبوّة الأنبياء تثبت بالمعجزات. فلو لم نقبل بالحُسن والقبح العقلي، يكون هناك احتمال أنْ يضع الله النبوّة والإعجاز في غير الصالح من الناس؛ وذلك إذ لم يثبت قبح هذه الأفعال على الله من الناحية العقلية.
والنتيجة هي أنّ صدق النبوّة والقبول بالشرائع والأديان الإلهية، يتوقّف على ذهاب الشخص إلى استحالة صدور بعض الأفعال على الله من الناحية العقلية.
كما تمّ التأكيد على الحُسن والقبح العقلي في كثيرٍ من الآيات والروايات، كما في قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ)؛ إذ تمّ أخذ مسألة الفحشاء والمنكر أمرًا مفروغًا عنه من الناحية العقلية قبل ورد الأمر أو النهي الإلهي والشرعي عنهما. وكذلك هو الأمر بالنسبة إلى قوله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ).
قيام الأخلاق على الدين في اكتشاف القضايا الأخلاقية
اتّضح ممّا سبق أنّه لا شكّ في أنّ جميع الأفعال تتصف بالحُسن والقبح أو تكون لها حالة ما بين بين؛ ولكن يمكن البحث في مدى قدرة العقل والعلم البشري على إدراك هذه الصفات وآثار الحُسن والقبح؛ بمعنى أنّه قد لا يمكن للإنسان بمفرده أنْ يدرك حسن جميع الأفعال وقبحها بشكلٍ صحيح، وإنّما يتوصل إلى بعضها فقط، ويكون في بعض الموارد الأخرى وجزئيات المطالب وتفصيلاتها بحاجةٍ إلى الوحي الإلهي.
توضيح هذا الكلام أنّ الفعل قد ينطوي على آثارٍ فرديةٍ وجماعيةٍ وأسريةٍ واجتماعيةٍ
وسياسيةٍ وأمنية. كما أنّ للفعل ـ فيما يتعلّق بالفاعل وأفراد المجتمع والأجيال القادمة والدنيا والآخرة ـ آثارًا متعدّدة. إنّ حقيقة الإنسان، والعلاقات الاجتماعية والسياسية والأمنية المعقّدة، وكذلك علاقة الإنسان بالوجود وآثار ونتائج الأعمال في الروح والنفس والدنيا والآخرة، من الأمور التي تغيب في الغالب عن الإنسان وتعدّ من جملة مجهولات البشر، أو أنّ المعلومات بشأنها قليلةٌ وناقصةٌ جدًا.
ومن هنا فإنّ لاكتشاف الحُسن والقبح والآثار الإيجابية والسلبية للأفعال ثلاث حالاتٍ، يمكن بيانها على النحو الآتي:
أ. سهل للغاية ويمكن للإنسان الوصول إليه بكلّ يُسر، بنحوٍ يمكن لجميع الناس أو أغلبهم أنْ يتعرّفوا ويطلعوا عليه.
ب. ليس بوضوح المجموعة الأولى، ولكنّه يتّضح للإنسان من خلال البحث والقراءة، من قبيل نتائج العلوم المختلفة، من قبيل: علم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية والتعليم.
ج . الأمور التي يحصل عليها الإنسان بشكلٍ بطيء، وتكون قابلةً للكشف في موارد نادرة.
د. الأمور التي تكون بعيدةً جدًا عن متناول فهم الإنسان، ولا يمكن اكتشافها لغير الله وأنبيائه؛ من قبيل: نتائج الأعمال في الآخرة وبعد الموت، وحتى قبل الموت أحيانًا.
إنّ اختلاف القوانين البشرية، ونتائج العلوم وازدهارها وتكاملها عبر آلاف السنوات، خير دليلٍ على نقص العقل والمدركات البشرية في فهم جميع موارد الحُسن والقبح والواجبات والمحظورات ونتائج الأفعال وآثارها. ومن هنا تمسّ الحاجة إلى الدين من أجل رفع هذا النقص. وقد عمد المفكّرون والعلماء المسلمون إلى توضيح هذا البحث في مسألة وجوب إرسال الأنبياءعليهمالسلام بشكل جيّد.
(329)إنّ الإنسان كائنٌ غائيٌّ وهادفٌ ينشد الكمال ويسعى في طلب السعادة النهائية وحتى الأبدية، ولكنّه قد يتعرّض إلى الخطأ في معرفة ما هو الكمال المطلق والغاية النهائية والسعادة الأبدية، وبالنظر إلى البحث السابق، لا يمكن لعقل الإنسان أنْ يعمل على تحديد مصداق الكمال النهائي والغاية القصوى والسعادة الأبدية.
وبطبيعة الحال فإنّ الفلاسفة والمفكّرين قد ذكروا على طول التاريخ موارد من قبيل: التكامل العقلاني وازدهار جميع الطاقات الكامنة في الإنسان بالقوّة، والاتجاه نحو الله والاتصاف بالصفات الإلهية، ولكن لمّا كان دين الحقّ يجري من مبدأ الحقّ، ويحيط بجميع الأسرار والخفايا، فإنّه يستطيع أنْ يحدّد مصداق الكمال النهائية والغاية القصوى والسعادة الأبدية بنحوٍل أفضل من غيره. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ القرب من الله، ورضا الله عن الإنسان المؤمن، والعمل الصالح، وإخلاص العبودية لله، تعدّ من الموارد التي يؤكد عليها الدين.
لو أنّ الإنسان كان ـ كما يذهب سقراط ـ يعمل بالحسن ويترك القبيح بمجرّد العلم به، لما كانت هناك من حاجةٍ إلى التربية والاعتقادات الدينية ولا سيّما في قسم المعاد والثواب والعقاب، ولكن لمّا كان يمتلك الإنسان قوّة الغضب والشهوة والأهم من ذلك طغيان هاتين القوتين، فإنّ مجرّد العلم بالحسن والقبيح لا يكفي، بل تمسّ الحاجة مع ذلك إلى عاملين وعنصرين آخرين:
1. الإيمان والاعتقاد بالمبدأ والمعاد، والثواب والعقاب.
2.تربية الشخصية السليمة والصالحة وإعدادها.
ويبدو أنّ اليقين بوجود العذاب والعقاب في نهاية الأمر والاعتقاد والإيمان بذلك، والتربية على أساس ذلك، يؤدّي دورًا محوريًا في الحيلولة دون الغضب والشهوة، ولا سيّما في حالة طغيانهما.
والنقطة الثانية هي أنّ التأسّي بالأنبياء والأولياء الإلهيين له تأثيرٌ ملحوظٌ في بناء الإنسان في هذا المسار.
والنقطة الثالثة والأخيرة، هي أنّ وجود الحكومة الدينية وتطبيق القوانين الإلهية، يؤدّي دورًا في العمل بالقضايا الأخلاقية أيضًا.
إنّ الصفات الأخلاقية التي كان يتحلّى بها الأنبياءعليهمالسلام، من قبيل: إرادة الخير، ورعاية الأمانة، وقول الصدق، هي من جملة الأمور التي كان لها تأثيرٌ في إيمان الناس بدعوتهم؛ بمعنى أنّ الناس كانوا قد سبق لهم أنْ شاهدوا الصفات الأخلاقية على الأنبياء قبل أنْ يصدعوا بدعوتهم، وكان هذا الأمر هو الذي استوجب قبولهم وتلبيتهم لدعوة الأنبياءعليهمالسلام. وعليه فإنّ الأخلاق والتحلّي بها وعلم الناس باتصاف الشخص بالأخلاق الفاضلة والسجايا الكريمة، يُعدّ واحدًا من أسباب الإيمان بالدين؛ وذلك لأنّ المنطق والاستدلال والمعجزة وسائر الأمور الأخرى كان لها تأثيرٌ في ذلك أيضًا.
إنّ من بين الأهداف المهمّة للدين هو العمل على جعل الناس يتخلّقون بالأخلاق وبالصفات الأخلاقية، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَث
(331)فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آَيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ). وقد ورد في الحديث المأثور عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق».
وفي الحقيقة فإنّ إقامة القسط والعدل، وحفظ الأمانة، والإحسان إلى الآخرين، والصدق، والقضاء على الظلم والنفاق، والكذب والخيانة على المستوى الفردي والاجتماعي، من بين الأهداف المهمّة للأنبياءعليهمالسلام. ومن هنا فإنّ الدين يقوم ـ بمعنى من المعاني ـ على الأخلاق.
إنّ القضايا اليقينية الأخلاقية يمكنها أنْ تستوجب تقييد الآيات والروايات وتحديدها؛ بمعنى أنّه يمكن بالقضايا القطعية للعقل مثل (الظلم قبيح ويجب عدم القيام بالظلم)، يمكن رفع اليد عن إطلاق رواية أو ظاهر آية وتفسيرها بنحوٍ لا تخالف العقل القطعي. وتوضيح هذا المطلب يحتاج إلى بيان عدّة مقدمات:
أ. إنّ الدين الحقّ يتطابق مع الفطرة والتكوين. إنّ إله التكوين والتشريع واحد. وإنّ الدين الحقّ لا يتفوّه بكلامٍ يخالف الفطرة والتكوين والعقل القطعي أبدًا.
ب. إنّنا في فهم الدين نواجه النقل، والنقل ينقسم إلى قسمين: قطعي، وظنّي. إنّ آيات القرآن الكريم قطعيةٌ من حيث السند، وأمّا من حيث الدلالة تنقسم إلى قطعيّة (نصّ)، وظنّية (ظاهر). وفي الروايات هناك أيضًا تقسيم إلى القطعي والظنّي في كلّ من السند والدلالة أيضًا.
ج. في التعارض بين القضايا الدينية والقضايا العقلية، يمكن تصوّر أربع حالات:
1. العقل القطعي، والنقل القطعي.
2. العقل القطعي، والنقل الظني.
3. العقل الظني، والنقل القطعي.
4. العقل الظني، والنقل الظني.
ولا وجود للصورة الأولى في الدين الحقّ. وفي الصور الأخرى من الواضح أيضًا أنّ العقل في الصورة الثانية هو المقدّم، وفي الصورة الثالثة يكون التقدّم للنقل، وفي الصورة الرابعة إذا كان الظنّ معتبرًا، كان هو المتقدّم في مقام العمل، وفي غير هذه الحالة يستمر التحقيق.
د. إنّ قضايا الأخلاق على قسمين:
1. القضايا القطعية، من قبيل: (العدل حسن ويجب العمل به)، و(الظلم قبيح ويجب عدم الظلم).
2. القضايا غير القطعية، وهي ترتبط في الغالب بالمصاديق.
بالنظر إلى المقدمات المذكورة، يجب القول: إنّ قضايا الأخلاق القطعية يمكنها أنْ تعمل على تقييد النقل الظني. من ذلك لو أنّ إطلاق روايةٍ دلّ على الظلم ـ على سبيل المثال ـ فإنّ نفي الظلم سوف يعمل على تقييد هذا الإطلاق، أو يؤدّي إلى رفع اليد عن ظاهر الآية أو الحديث.
وفي الواقع فإنّ معيار الحقّ والباطل، هو قضية العقل القطع التي تؤدّي إلى تحديد الدين وتفسيره في القسم غير القطعي. وفي الحقيقة فإنّ العقل القطعي معيار للإيمان بالدين والأخلاق؛ وعليه فإنّه سوف يكون هو المعيار في تحديد وتقييد كلا القسمين.
والنقطة الجديرة بالملاحظة، هي أنّه لا يمكن العمل ـ من خلال الفهم العام للقضايا الأخلاقية (والتي هي ظنية في الغالب) ـ على رفع اليد عن المُسلَّمات الدينية. من ذلك مثلًا لو قيل إنّ الحرية حقّ للإنسان، ولا ينبغي تحديدها، والقول بعد ذلك بأنّ الآيات الدالة على محدوديات خاصّة، من قبيل: الحجاب، أو عدّ نفي الإضلال
بالقلم والبيان مخالفًا للحرية، والادعاء بوجوب نفي هذه الأمور بذريعة الحرية التي هي من حقوق الإنسان، يكون هذا استنتاجًا خاطئًا؛ وذلك لأنّ الحرية ليست مطلوبةً بشكلٍ مطلق، وإنّما هي مقيّدةٌ بعدم الإضرار بحريات الآخرين. ومن هنا كانت السرقة والنهب والقتل وأمثال ذلك ممنوعةً في جميع المجتمعات، مع أنّها تمثّل نوعًا من تقييد الحرية. ومن هنا فإنّ فهم المصاديق الكثيرة للعدل والظلم خارجٌ عن مستوى إدراك البشر العادي، وإنّ الدين هو الذي يتعرّض إلى بيان هذا الأمر المهم.
إنّ بين الدين والأخلاق ارتباطًا عميقًا وواسعًا، وإنّ من بين أنواع هذا الارتباط هو الارتباط الابتنائي، بمعنى قيام الأخلاق على الدين وقيام الدين على الأخلاق. إنّ الأخلاق في اكتشاف القضايا الأخلاقية وبيان مصاديق الكمال والسعادة وفي التحقّق العملي والضمانة التنفيذية تقوم على الدين، وإنّ الدين في الإيمان وفي هدفية الأخلاق بالنسبة إلى الدين، وفي الصدق والحدود والثغور تكون القضايا قائمةً على الأخلاق، وكلاهما في نهاية المطاف يقوم على العقل.
(334)
مريم لاريجاني
إنّ العلاقة بين الدين والأخلاق في الغرب تعود بجذورها في الحدّ الأدنى إلى حوار (أثيفرون) عند أفلاطون، بيد أنّ هذا الموضوع قلّما تمّ التطرّق إليه في العالم الإسلامي بشكلٍ مستقل، وإنْ كانت هناك أبحاثٌ متفرقةٌ عنه في بعض الكتب الكلامية والأصولية، من قبيل مسألة: (حُسن الأفعال وقبحها)، والتي كانت مطروحةً بين المسلمين منذ بداية تبلور الأبحاث الاعتقادية عندهم. وإنّ بحث أسباب قلّة هذا الاهتمام يحتاج إلى مقالةٍ أخرى.
قبل كلّ شيءٍ لا بدّ من الالتفات إلى نقطةٍ أساسيةٍ تتمّ الغفلة عنها في بحث النسبة والعلاقة بين الدين والأخلاق، وفي ظلّ هذه الغفلة يتمّ التوصل إلى نتائج عامةٍ في حقل عدم الارتباط بين الأخلاق والدين، ويتمّ على أساس ذلك رسم صورةٍ مشوّهةٍ عن النسبة بينهما. وإنّ تلك النقطة الأساسية التي تشكّل عنصرًا للوقاية من هذا النوع من الأخطاء، عبارةٌ عن بيان (مستوى العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق). وبعبارةٍ أخرى: إنّ الارتباط بين مقولتي الدين والأخلاق، ليس
ارتباطًا بسيطًا، بل يمكن ـ ويجب ـ أنْ نتصوّر له سطوحًا متعدّدة، وبالنظر إلى هذه السطوح والمستويات، يتمّ العمل على بحث الارتباط بين الدين والأخلاق. وعلى هذا الأساس فقد تمّ تخصيص هذه المقالة بهذا الموضوع بالنظر إلى أهميته.
وفي البداية كان لا بدّ من جعل مفهوم أوليّ للدين والأخلاق بوصفه مبنى للانطلاق في البحث. إنّ المنظور في البحث الراهن هو المعنى الواسع للدين والأخلاق. وبعبارةٍ أخرى: (كلّ ما يُسمّى في العرف العام بالدين أو الأخلاق على نحو شهودي). وبطبيعة الحال يمكن في مقام العمل بعد بيان وتنقيح البحث بيان علاقة الأخلاق ـ بغض النظر عن أيّ تعريفٍ يتمّ تقديمه لها ـ بالدين الخاص والمعيّن (الأعم من الأديان التوحيدية وغيرها).
وأما المدّعى الأصلي لهذه المقالة، فهو أنّ الدين والأخلاق يمكن لهما الارتباط فيما بينهما على عدّة مستويات، والعمل على مقارنة وتقييم النسبة بينهما:
في هذا المستوى يتمّ لحاظ هذه المسألة وهي: ما هي النسبة بين مضمون الدين والأخلاق؟ ومن هنا ليس مهمًا ما إذا كان أحدهما يُستنتج من الآخر أم لا؟ وهل
[1]. إنّ تعريف الدين والأخلاق ـ حتى إذا كان ممكنًا في الأصل ـ لن يكون أمرًا سهلًا وبسيطًا أبدًا، بل ودونه كثير من العقبات والصعوبات. ومن ذلك: هل يمكن لنا أنْ نقدّم تعريفًا عن الدين والأخلاق بالمعنى الحقيقي لهما أصلًا؟ فإنّ التعريف بمعنى الحد أو الرسم ـ الذي يعود إلى بيان الأجزاء الماهوية أو إلى الماهية ـ لا موضوع له في الدين والأخلاق؛ إذ ليس للدين والأخلاق ذات بالمعنى الماهوي لهما. يضاف إلى ذلك أنّه لا بدّ من بيان نقطةٍ مهمّةٍ غالبًا ما تتمّ الغفلة عنها، ألا وهي بيان معنى الألفاظ وشرح وتعريف الماهية المشار إليها. يجب البحث عن معنى اللفظ في الغالب من طريق الرجوع إلى أصحاب اللغة والناطقين بها. وإنّ الرجوع إلى مصادر اللغة يُعدّ طريقًا عقلائيًا للتعرف على معنى أو معاني مفردةٍ ما. وأمّا التحقيق في ماهية شيءٍ ما فلا ربط له بعالم الألفاظ والدلالات. في كثيرٍ من الحالات يجب الرجوع إلى الاكتشافات العلمية للكشف عن ماهية الشيء؛ فإنّ البحث عن معنى لفظ الماء على سبيل المثال غير البحث عن ماهية الماء، فالأول يرتبط باللغة، وأمّا الثاني فيرتبط بالبحث العلمي (وربما الفلسفي). وفيما يتعلق بالدين والأخلاق لا بدّ من الالتفات إلى النقطة أعلاه أيضًا؛ وفي الوقت نفسه يجب عدم اليأس تمامًا من الفهم الأفضل لهذين العنوانين.
يمكن لأحدهما أنْ يقوم على الآخر؟ بل إنّ نظرتنا في هذا المستوى ترمي إلى المفاد والمضمون والمساحة في مورد نشاط الدين والأخلاق. من ذلك على سبيل المثال: هل تعود الأخلاق إلى الأمور الاجتماعية والنظام الاجتماعي للإنسان فقط أم لها مساحةٌ أوسع من ذلك؟ وهل الأخلاق ترتبط بالواجبات والمحظورات فقط أو تعود إلى عالم الواقعيات أيضًا؟ ومسائل من هذا القبيل.
وعلى هذه الوتيرة يمكن أنْ نعكس السؤال بشأن الدين أيضًا، ونقول: هل يعود الدين إلى مجرّد المشاعر الشخصية للإنسان فقط أم هو شيءٌ آخر؟ وهل للدين مفادٌ أخلاقيٌّ بالضرورة؟ وأسئلة أخرى من هذا القبيل.
هل الأخلاق تقوم على الدين أو يمكن لها أنْ تقوم على أساسه؟ وعلى العكس من ذلك هل الدين يقوم على الأخلاق أو يمكنه أنْ يقوم على أساسها؟
وبطبيعة الحال يمكن لهذا الابتناء أنْ يكون منطقيًّا وعلى نحو الاستنتاج، أو يكون هذا الابتناء بلحاظ الاعتبار والحجية الشرعية (من قبيل ما كان يقوله الأشاعرة على سبيل المثال). وبالتالي فإنّ هذا المستوى من الارتباط لا ينحصر بالعلاقات والروابط المنطقية والاستنتاجات العقلية فقط.
لو سلّمنا جدلًا أنّ مساحة الدين والأخلاق مختلفة، ولو سلّمنا عدم ابتناء أيّ منهما على الآخر، ولكن يمكن لهما أنْ يتعاضدا في التحقّق الخارجي والتطبيق العملي؛ كأن يؤدّي الدين بالإنسان لكي يكون أكثر أخلاقيةً ويراعي الأخلاق، أو يمكن للأخلاق أنّ تؤدّي بالإنسان ليكون أكثر استعدادًا إلى القرب من الله وامتثال أوامره. إنّ هذا المستوى من الارتباط جديرٌ بالاهتمام جدًا.
(339)إنّ المراد من هذا المستوى من الارتباط، هو أنّ الدين يقع في بعض الموارد طريق إلى الكشف المضموني الأخلاقي، وعلى العكس من ذلك من الممكن أنْ يُحتمل بأنّ الأخلاق ـ في بعض الموارد ـ من شأنها أنْ تكون طريقًا إلى الكشف المضموني الديني. وهذا الموضوع بدوره في غاية الأهمية. وإنّ بعض الأبحاث المهمّة بشأن الارتباط بين الدين والأخلاق تعود إلى هذه النقطة. وربما أمكن القول إنّ قاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، يعود إلى هذا المستوى من الارتباط، والذي يمكن إرجاعه بمختلف صوَره إلى المستوى الأوّل أو الثاني أيضًا.
وبطبيعة الحال يمكن العمل ـ من خلال القيام بتوسيع المستوى الثالث ـ على إدراج المستوى الرابع ضمنه، ولكن لتوضيح أنحاء الارتباط بشكل أكثر والتأكيد على الجهة الخاصة لمقام الكشف عمدنا إلى فصل المستوى الرابع عن المستوى الثالث.
إنّ الفصل والتفكيك بين المستويات المختلفة من الارتباط والتعامل بين الدين والأخلاق مؤثرٌ جدًا في إيضاح مقدار هذا الارتباط والتعامل، وإنّ عدم الفصل بينهما قد يؤدّي إلى الخلط بين الأبحاث الأساسية في المسألة. وفيما يلي سوف نقوم في إطار المزيد من البيان ـ على سبيل المثال ـ بالإشارة إلى أثر، هو على الرغم من اشتماله على مطالب نافعةٍ بشأن الارتباط بين الدين والأخلاق، ولكن مع ذلك يبدو أنّه قد أدّى إلى السقوط في مأزق الخلط بين الأبحاث المذكورة.
إنّ كتاب الدين والأخلاق لمؤلّفه وليم وايتلي بارتلي، قد عمل على تبويب وتصنيف مختلف أشكال العلاقات بين الدين والأخلاق على النحو الآتي:
فيما يتعلّق بمسألة تبعية شيءٍ إلى شيءٍ آخر، يمكن لحاظ علاقتين منطقيتين، وهما: إمكانية الاستنتاج، وإمكان التناغم.
(340)وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق والدين بلحاظ العلاقات المنطقية الحاكمة بين قضاياهما، إمّا أنْ يكون أحدهما قابلًا للاستنتاج من الآخر أم لا، وإما أنْ يكونا متناغمين فيما بينهما أو لا. وفي ضوء هذه العلاقات يمكن بيان ستة أقسامٍ مهمّة:
القسم الأول: يمكن للأخلاق أنْ تستنتج من الدين، والعكس صحيح أيضًا. وفي هذا المورد يكون كلّ من الدين والأخلاق عين الآخر.
القسم الثاني: يمكن للأخلاق أنْ تستنتج من الدين دون العكس. وهنا تكون الأخلاق جزءًا من الدين وليس كلّه.
القسم الثالث: يمكن للدين أنْ يُستنتج من الأخلاق دون العكس. وهنا يكون الدين جزءًا من الأخلاق وليس كلّها. وفي جميع هذه الموارد الثلاثة يجب أنْ يكون هناك انسجامٌ تامٌ بين الأخلاق والدين، وألّا يكون هناك أيّ تعارضٍ فيما بينهما.
القسم الرابع: إنّ الأخلاق لا يمكن استنتاجها من الدين، والعكس صحيح أيضًا؛ ولكنهما منسجمان مع بعضهما بنحوٍ كامل. وهنا لا يكون الدين والأخلاق عين الآخر، ولا يكون أحدهما جزءًا من الآخر، بل هما مستقلان عن بعضهما وفي الوقت نفسه منسجمان ومتناغمان فيما بينهما.
القسم الخامس: إنّ الأخلاق لا يمكن أنْ تستنتج من الدين والعكس كذلك أيضًا؛ إنّ هذين الأمرين غير منسجمين فيما بينهما إلى مقدارٍ ما في الحدّ الأدنى، ولكن ليس على نحوٍ تام؛ بمعنى أنّ بعض قضايا أحدهما لا تنسجم مع بعض قضايا الآخر، وبعضها ليس كذلك.
القسم السادس: إنّ الأخلاق والدين لا ينسجمان مع بعضهما بشكلٍ كامل، بل إنّ أحدهما يطرد الآخر ويرفضه على نحوٍ تام.
يقول بارتلي: لا أعرف أحدًا يقول بهذا القسم السادس، وأمّا الأقسام الخمسة الأخرى فقد نرى هناك من يقول بواحد منها من الفلاسفة أو المتكلّمين من حين لآخر.
(341)إنّ نظرةً إجماليةً إلى مختلف أقسام الارتباط في كلام بارتلي، تثبت أنّ هذه الأقسام لم يتمّ تقسمها بأجمعها من زاويةٍ واحدة:
ففي بعضها يتم بيان الارتباط في المستوى الثاني؛ أي في مستوى الابتناء والاستنتاج والاعتبار والحجية وما إلى ذلك. وفي بعضها يكون المنظور هو الارتباط في المستوى الأول، وفي بعضها الآخر يكون الارتباط في المستويات الأخرى. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ ما يذكره بارتلي في الحالة الأولى ـ التي هي حالة العينية بين الدين والأخلاق ـ ترتبط في الغالب بشأن المقارنة بين مضمون الدين والأخلاق، وهي ترتبط بالمستوى الأول. وأما ما يذكره بشأن الحالة الثانية فهو يعود إلى المستوى الثاني، أي نوع من الابتناء والاستنتاج والتبعية في الاعتبار والحجية وما إلى ذلك. وعلى هذا الأساس فإنّه في هذا القسم من كتابه يدخل في بحث (الوجوب والوجود). ونحن في هذه المقالة لا ننظر إلى محتوى هذه الأبحاث، ونوكله إلى مناسبةٍ أخرى.
وأمّا الآن فيدور بحثنا حول أسلوب النظرة إلى الارتباط بين الدين والأخلاق. لنفترض أنّ الأخلاق لا يمكن أنْ تقوم على الدين بنحوٍ كامل (تمامًا)، ولكن هذا الأمر لا يمنع اشتراكهما في المساحة، من ذلك أنّ قضية (يجب سلوك طريق العدل) ـ مثلًا ـ تعدّ قضيةً مقبولةً في الأخلاق.
قد لا يكون اعتبار هذه القضية قائمًا على قضيةٍ من هذا النوع في الشرع أبدًا، ولكن الشرع مع ذلك يقرّ بهذه القضية أيضًا. وهنا على الرغم من انتفاء الارتباط من السنخ الثاني، يكون الارتباط من السنخ الأول قائمًا، وفي هذه القضية تكون مساحات الدين والأخلاق متطابقةً مع بعضهما.
وفيما يأتي سوف نعمل على توضيح المستويات الأربعة من العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق التي سبق أنْ أشرنا إليها:
(342)بعد اتّضاح المستويات المختلفة من الارتباطات والعلاقات، يجب البحث في كلّ واحدٍ منهما ليتبيّن ما هو نوع الارتباط بين الدين والأخلاق في ذلك المستوى. وإنّ أوّل ــ وربما أهم ـ مستوى من بين هذه المستويات هو المستوى الأول، بمعنى تشخيص مساحة شمول الدين والأخلاق والتماهي أو عدم التماهي في الحقول الشاملة لها. وسوف نعمل في البدء على شرح النظرية التي نحن بصدد الدفاع عنها باستدلالٍ مختصرٍ، لننتقل بعد ذلك إلى بحث جانب من النظريات الأخرى ونقده.
إنّ النظرية التي نروم الدفاع عنها هي أنّ مساحة الدين والأخلاق في الأمور العملية واحدة. وإنّ المراد بطبيعة الحال ـ كما يتضح من الفصل بين مستويات البحث ـ هو أنّ هاتين المساحتين في (عالم الواقع والثبوت) شيءٌ واحد، وهذا الأمر لا يتنافى مع عدم اكتشاف أو عدم الاطلاع على بعض المساحات.
إنّ عمدة الاستدلال على هذا المدّعى هو أنّ الغاية الأصلية من الدين والأخلاق هي إيصال الإنسان إلى الكمال النهائي. فإنّ الدين إنّما نزل لهداية الناس إلى الكمال النهائي والسعادة القصوى، وكذلك الأخلاق إنّما جاءت لتنمية الإنسان وتطويره وإيصاله إلى السعادة والكمال النهائي.
إنّ النظريات الأخلاقية متعددة جدًا، وإنّ معايير الأخلاق والحُسن فيها مختلفة، ولا سيّما منهم أصحاب النزعة الأخلاقية إذ يدعون أنّ اللوازم الأخلاقية مستقلةٌ ولا شأن لهم بالنتائج، ومن هذه الناحية قد يقال إنّ الغايات الأخلاقية تنطوي على إلزاماتٍ ولا صلة لها بالكمال النهائي، ولكن يمكن القول ـ من خلال النظرة الفاحصة ـ بوجود فرقٍ بين النزعة الأخلاقية الإلزامية وبين صلة الإلزام بالسعادة والكمال النهائي. بمعنى أنّه من الممكن على أساس النزعة الأخلاقية الإلزامية ألّا
(343)يكون اللزوم والإلزام منبثقًا عن السعادة والكمال النهائي، ولكن هل يمكن تصوّر أوضاع الشخص الذي يعمل على طبق المستلزمات الأخلاقية وأوضاع الشخص الذي يتمرّد على جميع المستلزمات الأخلاقية، شيئًا واحدًا؟ إذا كان الجواب هو النفي، إذًا يجب أنْ يكون هناك نوعٌ من الارتباط بين المستلزمات وبين سعادة الناس.
وعلى هذا الأساس يبدو أنّه لا بدّ من القول حتى على أساس الأخلاقية الإلزامية بأنّ العمل على طبق العدل واجتناب الظلم ـ بوصفه حقيقةً خارجيةً ـ له تأثيرٌ مباشرٌ على سعادة الإنسان وكماله أيضًا.
وبعبارةٍ أخرى: إنّ الإيصال إلى الكمال قد لا يكون معيارًا للإلزام، ولكن يمكن له أنْ يكون علامةً وشاخصًا واضحًا وصريحًا. لا يمكن لنا العثور على شخصٍ لا يبدي اهتمامًا بالكمال النهائي والسعادة، نعم قد يخطئ في تشخيص مصاديق الكمال والسعادة، وهذا بحثٌ آخر.
وهكذا هو الأمر بالنسبة إلى الدين أيضًا. فإنّ الدين إنّما جاء لهداية الإنسان وتوفير السكينة والطمأنينة له، وعليه لا يمكن للدين أنْ يكون عديم الاهتمام بالكمال الإنساني، وحتى إذا لم يكن مباليًا فإنّ مجموع التعاليم والمفاهيم الموجودة في الدين تعمل صراحةً على بيان اهتمام الدين بالسعادة والكمال النهائي، وإنّ ذات التأملات العقلانية تعمل على توجيهنا إلى هذه المسألة وهي أنّ أوامر الدين ونواهيه يجب أنْ تكون من أجل كمال الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الدين حتى إذا لم يتحدّث بشأن بعض الأمور، ولكننا مع ذلك نعلم أنّه ناظرٌ بالنسبة إليها في العالم الواقع أيضًا. وفي مثل هذه الحالة تكون الأفعال التي تقع في مسار تحصيل السعادة النهائية مقبولةً من الدين، وإنّ الأفعال التي تقع إلى الضدّ منها تكون مذمومةً ومرفوضةً من وجهة نظر الدين، وبعض الأفعال الأخرى تكون حياديةً ولا بشرط.
لو قبلنا بالنقطة أعلاه حول اتجاه الدين والأخلاق ونسبتهما إلى الكمال النهائي
(344)للإنسان، كان لازم ذلك اتّحاد مساحة الدين والأخلاق، وإنْ كان ما هو متداولٌ في المجتمعات بوصفه من الأخلاق، لا يشمل في العادة مساحةً واسعةً من قبيل الدين، وإنّ كثيرًا ممّا يقوله الدين، ليس واضحًا بالنسبة إلى الأخلاق في حدّ ذاتها؛ بيد أنّ هذا الأمر ناشئٌ عن عدم الاطلاع على الجهات الكمالية للأفعال، وكما سبق أنْ أشرنا، فإنّ للأفعال ـ في عالم الواقع ـ نسبةً إلى الكمال النهائي؛ فبعضها يقع في مسار الكمال النهائي، وبعضها يقف إلى الضدّ منه، وبعضها الآخر يلتزم الحياد ويكون لا بشرط من هذه الناحية. وفي هذه الحالة تكتسب الأفعال في عالم الواقع جهةً واقعية، حتى إذا لم نكن مطلعين على تلك الجهة. وإنّ هذا الاختلاف في الدين والأخلاق في باب العلم والمعرفة، يُعبّد الطريق إلى نوعٍ من التعامل في المستوى الرابع سوف نُشير إليه لاحقًا.
إنّ بارتلي في كتابه يتجاوز هذه الرؤية القائلة بالاتّحاد بين الدين والأخلاق سريعًا، ولا يبدي كثيرًا من الاهتمام بها، بيد أنّ سبب هذا الأمر جديرٌ بالتأمّل. لقد ذكر بارتلي ستة احتمالاتٍ على أساس معيارين، وهما: «إمكان استنتاج الدين والأخلاق من بعضهما»، وكذلك «انسجام الدين والأخلاق وعدم انسجامهما».
وقد كان الاحتمال الأوّل هو أنّ كلّ واحدٍ من الأخلاق والدين يُستنتج من الآخر، حيث يقول بارتلي إنّ الدين والأخلاق يتّحدان في هذه الصورة. والكلام يدور حول هذا الادعاء الأخير من قبل بارتلي؛ فإنّ النقطة المهمة هي: هل يؤدّي استنتاج كلّ واحدٍ ـ من الدين والأخلاق ـ من الآخر، إلى القول حقيقة باستلزام الاتحاد بينهما؟
إنّ المسألة تعود إلى ما هو المراد من الاستنتاج؟ لنفترض أنّ مجموعةً من القضايا التوصيفية والإنشائية الموجودة في الدين تتحدّ مع مجموعةٍ من القضايا التوصيفية والإنشائية المذكورة في الأخلاق، ولا يكون لدينا في هذا الاتحاد شأن بالدين
(345)والأخلاق اللذين يتم بيان هذه القضايا في فضائيهما. فإنْ كان المراد هو أنّ اتحاد القضايا مع بعضها نفسه، يثبت استنتاج أحدهما من الآخر بما هو استنتاج للقضايا الأخلاقية من الدين، فعندها لن يصحّ هذا الكلام. لنفترض أنّه جاء في الدين (الظلم قبيح)، لا يمكن أنْ نستنتج من هذه القضية أنّ (الظلم قبيح) من الناحية الأخلاقية. إنّ محتوى القضايا هنا واحد، ولكن الحاكم بها مختلف؛ فإذا أردت أنْ تستنتج الأخلاق من الدين، يجب عليك أنْ تجعل الدين والأخلاق ـ بطبيعة الحال ـ من قيود هذه القضايا، وفي هذه الحالة فإنّ مجرّد الاتحاد المضموني بين القضايا لا يكفي للاستنتاج. إنّ لازم هذا الاستنتاج بالمعنى الواقعي للكلمة هو (أنّه لمّا قال الله بأنّ الظلم قبيح) إذًا يكون الظلم قبيحًا من الناحية الأخلاقية (عقلًا).
والخلاصة: يبدو أنّ بارتلي في هذا الكلام وفي سائر عباراته قد خلط بين بحث مقارنة المضامين ومساحاتها وبين بحث الاستنتاج وابتناء قضايا هذين العالمين المختلفين (بحسب الادعاء). إنّ هذا من جملة الموارد التي أدّى فيها عدم الالتفات إلى مستويات العلاقة بين الدين والأخلاق بالبحث إلى تنكّب الطريق والانحراف عن سواء السبيل.
نحن نرى أنّ بيان الاتحاد بين مساحة الدين والأخلاق بل وإثبات هذه المساحة بالبيان السابق ـ من طريق الإحالة إلى الكمال الإنساني في الدين والأخلاق ـ بيانٌ صحيحٌ ومقبول.
(346)
هناك من سعى إلى إثبات عدم تبعية الأخلاق إلى الدين استنادًا إلى بحثٍ فلسفيّ قديمٍ يتعلّق بالارتباط بين الدين والأخلاق. لقد ورد في بعض المواضع من كتاب أثيفرون لأفلاطون بيان سؤال بهذا المضمون: «هل (X) حسن؛ لأنّ الله أمر به، أم يريد الله (X) لأنّه حسن؟».
إنّ القائلين بعدم تبعية الأخلاق إلى الدين يقيمون استدلالهم بالنظر إلى الارتباط المنطقي الحاكم بين مختلف أنواع القضايا. فهم يزعمون أنّ إرادة الله للأشياء الخاصة أو عدم إرادته لها، أمرٌ ناظرٌ إلى الواقع، وإنّ الواقعية حتى إذا لم تكن قابلةً للإحراز، تبقى واقعيةً على أيّ حال. في حين أنّ القضايا المرتبطة بما هو حسن قضايا غير ناظرةٍ إلى الواقع، بل هي ناظرةٌ إلى القيمة.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ هؤلاء يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ القضايا الناظرة إلى القيمة لا يمكن استنتاجها من القضايا الناظرة إلى الواقع، ومن هنا فإنّهم يستنتجون من ذلك عدم وجود أيّ علاقةٍ منطقيةٍ بين القضايا الواقعية وبين القضايا القيَميّة.
إنّ التقرير أعلاه في إثبات عدم قيام الأخلاق على الدين يعاني من إشكالاتٍ متعدّدةٍ، يبدو أنّ أهمها هو أنّ بحث قيام الأخلاق على الدين، لا يرتبط كثيرًا ببحث (الوجوب / الوجود).
وكذلك يبدو هنا حدوث خلطٌ بين مستويات الترابط: فإذا لم يكن لنا شأنٌ
(347)بـالحاكم على القضايا والروابط، وتوجّهت الأنظار إلى مضامينها فقط، عندها لن تكون هناك حاجةٌ إلى مثل قضية «إن الله يجب (X)» لاستنتاج الأخلاق من الدين؛ ليقال إنّ هذه قضيةٌ إخباريةٌ وهي من سنخ الوجودات، ولا يمكن لها أنْ تنتج القضية «إنّ (ص) حسن». بل في مثل قضية «إنّ (X) حسن» نرجع إلى الدين، حيث يوجد في المحتوى عين «إنّ (X) حسن» في الأخلاق، وهنا يكون استنتاج أحدهما من الآخر أمرًا في غاية الوضوح.
أجل، إنّ الاستنتاج أعلاه لا يثبت هذا المطلب القائل: «إنّ (X) حسن» ينتج في الشرع «إنّ (ص) حسن» في الأخلاق، بيد أنّ عدم استنتاج القضيتين الأخيرتين من بعضهما لا ربط له بعدم استنتاج الوجوب من الوجود؛ وذلك لأنّ قضية «إنّ (X) حسن» في الشرع خبرية، وكذلك «إنّ (X) حسن» خبرية في الأخلاق أيضًا؛ وذلك لأنّ كليهما يخبر عن تحقق قضية «إنّ (ص) حسن» في دائرة الشرع والأخلاق. وعليه يكون كلاهما وصفيًّا وليس قيَميًّا بشكلٍ محض.
وفي الواقع فإنّ نقطة عدم صحة الاستنتاج تكمن في أنّ تسرية حكم حاكمٍ إلى حاكمٍ آخر، يحتاج إلى دليل. وفي موضعٍ يكون الحاكم هو الشارع (الله)، وفي موضعٍ آخر يكون الحاكم هو العقل أو الوجدان الأخلاقي وما إلى ذلك.
وهناك إشكالاتٌ أخرى في البحث أعلاه، مردّها إلى هذه القاعدة الكلية، وهي (أنّ الواجبات لا تستنتج من الوجودات)، وأنّ هذا الأمر يمثّل نوعًا من المغالطة. وهناك أبحاثٌ كثيرةٌ سواء في عدّ هذه الاستنتاجات من المغالطات أو في عدم إمكان الاستنتاج، وهي مهمّةٌ وصعبة، وإنّ الخوض فيها يخرج بنا عن المسار الأصلي لهذا البحث. وعليه سوف نكتفي بذكر هذا المقدار فقط.
في كلام أثيفرون لأفلاطون الذي كان يقول: «هل (X) حسن؛ لأنّ الله أمر به، أم
(348)يريد الله (X) لأنّه حسن؟»، هناك كثيرٌ من النقاط الجديرة بالتأمّل. فمن ناحيةٍ لا بدّ من البحث في الحسن والقبح الذاتيين للأفعال، ومن ناحيةٍ أخرى لا بدّ من البحث في نسبة الله إلى الحسن والقبح. ولا يوجد لدينا هنا متّسعٌ إلى متابعة هذا الموضوع. ولكن نشير فقط إلى أنّه لولا (الوجوب العقلي) الذي يثبت وجوب إطاعة الله، أو الحُسن العقلي الذي يثبت حُسن إرادة الله، لا يمكن الجسر بين إرادة الله وحسن أو وجوب العمل. وعلى هذا الأساس يمكن القول في المستوى الثاني من الارتباط بين الأخلاق والدين: إنّ القضايا الأخلاقية لا يمكن من حيث الاعتبار والحجية أنْ تقوم على القضايا الدينية، بنحوٍ يمكن للقضية الدينية أنْ تنتج من الناحية المنطقية وجوبًا أخلاقيًا؛ إلا إذا التزمنا بهذا الحكم العقلي وهو أنّ القضايا الدينية من القضايا التي تجب مرعاتها من الناحية العقلية والأخلاقية.
إنّ التعبير بقيام الدين على الأخلاق ـ الذي يستعمله بعض الكُتّاب أحيانًا ـ ليس تعبيرًا دقيقًا، فهو ينطوي على شيءٍ من المسامحة؛ فلو كان المراد من قيام الدين على الأخلاق عبارةً عن توقّف مضمون جميع القضايا الدينية في عالم الواقع على مضمون القضايا الأخلاقية، عندها سوف يكون قيام الدين على الأخلاق أمرًا غير معقول؛ إذ من الواضح أنّ أصل وجود الله ووجود الأنبياء والمعاد والأمور النظرية الأخرى، لا تتوقف في عالم الواقع على أمورٍ أخلاقيةٍ من قبيل حُسن العدل وقبح الظلم، وفضائل ورذائل من قبيل ملكة العدالة والظلم؛ وإنّ هذا المطلب موجودٌ حتى في القضايا العملية من الدين أيضًا. من الواضح أنّ وجوب جميع الأحكام الشرعية لا يتوقّف على الحسن والقبح وأمثال ذلك؛ وإنْ سبق أنّ ذكرناه على نحو الإجمال
ـ وسوف نعود إلى ذكره بتفصيل أكبر ـ أنّ الدين ـ من الناحية العملية ـ والأخلاق وجهان لواقعيةٍ واحدة؛ بيد أنّ هذا الكلام لا يعني توقّف الدين على الأخلاق. إنّ معنى هذا الكلام هو أنّ كليهما يستقي من معينٍ واحد، وهو الكمال النهائي. وإنّ الفرق بين هذين المطلبين واضحٌ جدًا.
وقد يتبادر إلى الذهن من هذه النقطة الأخيرة احتمال آخر بشأن كيفية قيام الدين على الأخلاق، وهو احتمال أنْ يكون المراد من ذلك هو قيام أخذ الدين أو قيام اكتشاف الدين على الأخلاق.
إنّ لهذا الاحتمال وجوهًا عقلائية، ولا سيّما في ناحية الأحكام العملية من الدين؛ إذ إنّ بحث الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع ـ وهي مسألةٌ كثيرة النزاع والجدل في علم أصول الفقه ـ تعود في بحث تقريراتها إلى هذه المسألة. في القسم الأول من هذه الملازمة الذي يقول: (كلّ ما حكم به العقل، حكم به الشرع) إذا كان المراد من حكم العقل هو حكم العقل العملي، من قبيل الواجبات والمحظورات العقلية أو الحسن والقبح العقليين، ففي مثل هذه الحالة ـ بناءً على قاعدة الملازمة ـ يمكن اكتشاف الحكم الشرعي منها. وعلى هذا الأساس لو كان المراد من الدين، هي الأحكام العملية من الدين، عندها يكون القيام بمعنى أخذ الدين من ناحية الأخلاق، احتمالًا معقولًا. وبطبيعة الحال من الواضح أنّ أخذ أو اكتشاف الأحكام الشرعية من طريق الأحكام الأخلاقية محدودٌ جدًا.
إنّ ذكر عددٍ من النقاط هنا، يساعد على توضيح البحث بشكل أكبر:
النقطة الأولى: لقد ذهب بعض العلماء ـ من أمثال المحقق الإصفهاني ـ إلى
إنكار قاعدة الملازمة. إلا أنّ إنكارهم لا يضر بأخذ الدين من ناحية الأخلاق؛ لأنّ إنكارهم قائمٌ على أساس عدم إمكان قيام الأحكام المولوية الشرعية على الأحكام العقلية. وعلى هذا الأساس حيث يكون لدينا حكمٌ عقلي (عقلائي) على الحُسن والقبح، لا يبقى هناك مجالٌ إلى إعمال المولوية من ناحية الشرع؛ لأنّ العبد نفسه يمتلك الدافع العقلي للحركة، ولا يحتاج إلى إيجاد الدافع من ناحية الشارع. بيد أنّ هؤلاء العلماء والمحققين ـ ومن بينهم المحقق الإصفهاني ـ لا ينكرون ثبوت هذا الحكم العقلي عند الشارع بما هو عاقل.
من زاوية البحث الراهن لا فرق بين أنْ تكون قضايا الحُسن والقبح موردًا لتأييد الشارع بما هو شارع أو بما هو عاقل، وهكذا الأمر بالنسبة إلى سائر أحكام العقل العملي أيضًا.
النقطة الثانية: فيما يتعلّق بقاعدة الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع، ذهب بعض العلماء من أمثال المحقق النائيني إلى إدخال العقل النظري، وقالوا: حيث يدرك العقل وجود المصالح والمفاسد في الأفعال، يكون لدى الشارع على أساس ذلك وجوبٌ وحرمةٌ أيضًا. وقد سلك الشهيد المطهري هذا الأسلوب في كتابه (العدل الإلهي) أيضًا، حيث قال: هناك في فن (أصول الفقه) قاعدةٌ تُعرف بـ(قاعدة الملازمة)؛ بمعنى الملازمة بين حكم العقل وحكم الشرع. ويتمّ بيان هذه القاعدة بهذه العبارة: «كل ما حكم به العقل حكم به الشرع، وكل ما حكم به الشرع حكم به العقل». إذا كانت المسيحية تشتمل على مجرّد بعض المواعظ الأخلاقية، ربما أمكن لبريث وايت أنْ يدعي مثل هذا الادعاء، ولكن من الواضح أنّ الأمر ليس كذلك،
فإنّ بريث وايت عندما يُعرّف المسيحية بوصفها سلوكًا وطريقة حياة، يتجاهل المعطيات العينية للعلم بالكتاب المقدس التي هي معطياتٌ علميةٌ وتاريخية.
إنّ المراد هو أنّ العقل حيثما يكتشف مصلحةً أو مفسدةً قطعية في مورد ما، فإننا نكتشف بالدليل (اللمّي)، ومن طريق الاستدلال من العلة إلى المعلول أنّ لشرع الإسلام في هذا الموضع حكمًا يدور مدار استيفاء تلك المصلحة أو دفع تلك المفسدة؛ وإنْ لم يكن ذلك الحكم قد وصلنا من طريق النقل، وحيثما يكون هناك حكمٌ وجوبيّ أو استحبابيّ أو تحريميّ أو كراهة، فإنّنا من طريق البرهان (الإنّي) ومن طريق الاستدلال من المعلول إلى العلة نكتشف أن هناك مصلحة أو مفسدة في البين؛ وإنْ كان عقلنا لم يطلع بالفعل على وجود تلك المصلحة أو المفسدة.
إنّ تقرير قاعدة الملازمة يختلف عن التقرير الأول كثيرًا، وهكذا الأمر بالنسبة إلى أدلة الملازمة أيضًا. إن دليل وجود الحكم الشرعي هنا هو الوصول إلى العلل الغائية للأحكام؛ إذ نعلم أن الأحكام الشرعية تقوم على أساس المصالح والمفاسد، وقد علمنا بوجودها، وعليه فإننا نعلم بالأحكام الشرعية لا محالة أيضًا.
النقطة الثالث: لقد سعى بعض فلاسفة الغرب إلى تقرير برهان أخلاقي لإثبات وجود الله سبحانه وتعالى، ويبدو أنّ إيمانويل كانط كان رائدًا في هذا الأمر. إنّ هذا النوع من التقارير إذا كتب له النجاح، يمكن له تصوير نوعٍ من قيام فهم الدين ـ في دائرة الأمور النظرية ـ على الأخلاق.
(352)إنّ هذا المستوى من الارتباط ينظر إلى نقطةٍ قد التفت إليها كثيرٌ من علماء الدين والأخلاق، وهي أنّ الأخلاق والدين ـ بغض النظر عن العلاقات والروابط الاستنتاجية والعلاقة بين الوجوب / الوجود وغير ذلك ـ يعضدان بعضهما على أرض الواقع ومن الناحية العملية. إنّ الأشخاص المتدينين يكونون في الظروف المتكافئة أكثر أخلاقيةً من أقرانهم من غير المتدينين؛ وذلك لأنّ الدين يهدي إلى كثيرٍ من المضامين الأخلاقية، وبالإضافة إلى ذلك لا يمكن لنا أنْ ننكر دور المحفزات والروادع الخارجية من قبيل الثواب والعقاب والجزاء الأخروي في دفع المتدينين إلى الاتصاف بالفضائل الأخلاقية والترفع عن الرذائل. إنّ القداسة الحاصلة من التديّن في بعض الالتزامات الأخلاقية، تخلق حافزًا ودافعًا قويًا في مراعاتها، ممّا لا يمكن مقارنته بالأمور الأخرى.
والعكس صحيح أيضًا؛ فإنّ الشخص الملتزم بالأمور الأخلاقية، ويعمل على تطوير نفسه من خلال مراعاة الأمور الأخلاقية والتحلي بالفضائل والترفّع عن الرذائل، يبدي من نفسه ميلًا أكبر نحو الالتزام بالأمور الدينية بالقياس إلى أقرانهم (في الظروف المتكافئة)، وإنّ الوصول إلى القرب الإلهي بالنسبة إليه أيسر منه بالمقارنة إلى الأشخاص الذين لا يلتزمون بهذه الأمور الأخلاقية. من الصحيح بطبيعة الحال أنّ الأمور الأخلاقية تكون في بعض الموارد من المطالب التي يأمر بها الله سبحانه وتعالى أيضًا، ولكن هذا الأمر لا يحصل دائمًا، ولا سيّما في الأمور الأخلاقية التي لا تكون من سنخ الضرورات؛ من قبيل: حُسن الإيثار والتواضع وما إلى ذلك. إنّ رعاية هذه الأمور تؤدّي إلى تبلور الفضائل التي تعدّ النفس لتقبّل الدين ورعايتها بشكلٍ أكبر؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى:(إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ).
يبدو أنّ المراد من (الكلم الطيّب) في هذه الآية، هو المعتقدات الصحيحة، ومن الواضح أنّ العمل الصالح ـ الذي تكون الأمور الأخلاقية بطبيعة الحال من بينها ـ مؤثرٌ في الحصول على العقائد الصحيحة واستكمال الأشخاص بها.
كما نحصل من هذه المسألة على نقطةٍ عملية أيضًا، وهي أنّه لو كان هناك من الأشخاص من يحمل هاجس المجتمعات ومستقبل البشرية، فيجب عليهم ألّا يغفلوا عن الظرفيات الدينية والأخلاقية وانعكاسها على بعضها. وقد كان كثيرٌ من المفكرين الغربيين يسعون إلى التأسيس لأنواع من الأخلاق العلمانية. إنّ هذا النوع من الأخلاقيات ـ بغض النظر عن المشاكل النظرية التي تعاني منها ـ تحرم المجتمعات البشرية من ظرفياتها الدينية العالية في تعزيز الأخلاق وتقويتها في المجتمع.
كما سبق أنْ اتضح في الأبحاث الماضية، فإنّ مساحة الدين والأخلاق متحدةٌ في عالم الواقع والثبوت؛ إذ الغاية النهائية في كلّ واحدٍ منهما هي السعادة والكمال النهائي. وفي الوقت نفسه فإنّنا في مقام العلم واكتشاف هذا الكمال الإنساني والطرق المؤدية إليها نواجه كثيرًا من الصعوبات والتعقيدات.
إنّ العقل البشري لا يستطيع وحده تحصيل الكمال والسعادة في جميع أبعادها، وعلى هذا الأساس لا يمكنه تحديد ما إذا كان هذا الفعل الخاص يؤدّي في نهاية المطاف إلى الكمال أم لا. وفي الواقع فإنّ الجهل بنتائج الأفعال ـ ولا سيّما إذا أضيف إليه الجهل بالمسالك والطرق البديلة أيضًا ـ سوف يؤدّي إلى نوعٍ من الشك في الحُسن والقبح أو إلزامية الكثير من الأفعال، أو في عين معلوميتها يكون هناك تردّدٌ وشكٌّ في انتهائها إلى الكمال المطلوب والسعادة النهائية.
توضيح ذلك أنّنا لو ربطنا حُسن الأفعال وقبحها أو إلزاميتها بنسبتها إلى الكمال
(354)المطلوب والسعادة النهائية، فإنّ الجهل بنتيجة الأفعال في مثل هذه الحالة سوف يؤدّي إلى الشكّ في أصل حُسن وقبح أو إلزامية الأفعال. كما توصّل كثيرٌ من القائلين بمذهب المنفعة إلى هذه النتيجة. إنّ جورج مور ـ الفيلسوف الأخلاقي في القرن العشرين للميلاد ـ يذهب إلى القول ببداهة مفهوم الحُسن، ويربط صحة الأعمال والأفعال بحسنها، ولكنّه يقول: من الصعب جدًا معرفة ما هو مسار الفعل الذي ينطوي على النتائج الأفضل من الناحية العملية، إذا لم نقل باستحالة ذلك، ومن هنا فإنّه يرجع إلى تلك الإلزامات وما يصحّحه العرف العام أو يقول بتخطئته.
وكما سبق أنْ ذكرنا حتى إذا لم نعدّ الحسن والقبح والوجوب والحظر قائمةً على الكمال النهائي، فيبدو أنّ هناك نوعًا من الملازمة الخارجية والواقعية بينها، بنحوٍ تضعها في طريق الكمال النهائي والسعادة الغائية بوصفها نوعًا من العلامة على الأفعال الأخلاقية وأنواع الحُسن والقبح والواجبات والمحظورات.
وفي هذه الحالة فإنّ الدين بطبيعته الوحيانية، والاستناد إلى عالم الغيب، يمكنه العمل على إزالة كثيرٍ من هذه الجهالات، وبيان مسار الكمال، ويعمل من ثَمّ على اكتشاف القبح والحسن والواجب والمحظور. لا صلة للدين بعنصر الاعتبار والحجية والابتناء في عالم الواقع؛ بل هو نوعٌ من الكشف والقضاء على الجهل.
وعكس المسألة صحيح أيضًا؛ فإنّ بعض الأحكام القطعية الأخلاقية والعقلية، يمكن أنْ تكون طريقًا لاكتشاف الحكم الشرعي. إنّ مسألة الملازمة بين العقل والشرع في كلا تفسيريهما (الملازمة في ناحية العقل العملي وفي ناحية العقل النظري بلحاظ كشف المصالح والمفاسد) يمكنها العمل على إيضاح مسألة الارتباط في المستوى العملي والمعرفي بشكلٍ أفضل.
(355)بالنظر إلى المستويات التي ذكرناها فيما يتعلّق بارتباط الدين والأخلاق، يتّضح بشكل كامل أنْ تجاهلها في هذا البحث سوف يؤدّي إلى كثيرٍ من الأفهام الخاطئة؛ وفي المقابل فإنّ أخذ هذه المستويات بنظر الاعتبار، بالإضافة إلى المزيد من العمل على بيان المسألة من الناحية النظرية، سوف يفتح الآفاق الجديدة أمام المحققين والباحثين، في الأبعاد العملية للأخلاق وحتى في مجال التعليم والتربية وما إلى ذلك.
(356)
أبو الفضل ساجدي
من أجل العمل على بيان الارتباط والعلاقة بين الدين والأخلاق، لا بدّ من العمل أولًا على تعريف هذين المصطلحين. إنّ بحث ماهية الدين من التشعّب والاتساع بنحوٍ نضطر معه إلى الاكتفاء في هذه المقالة بذكر التعريف المختار في هذا الشأن فقط. إنّ المراد من الدين هو: (مجموع القضايا من الوجودات والواجبات التي تؤدّي إلى هداية وكمال الإنسان). إنّ هذه القضايا ذات المنشأ القدسي، تشمل المعتقدات في حقل الكون والإنسان والمبدأ والمعاد.
إنّ (لأخلاق) مفردةٌ تستعمل في اللغة العربية، ويأتي بمعناها التعبير في اللغة الفرنسية بمصطلح (Morale & Ethique)، وفي الإنجليزية بمصطلح (Moral & Ethics )، وفي اللاتينية بمصطلح (Moralis). إنّ الأخلاق صيغة جمعٍ مفرده (الخُلْق) و(الخُلُق). ويأتي استعمال الأخلاق في اللغة الفارسية بمعنى الطبيعة، والعادة، والسجية، والطبع، والمروءة، والدين أيضًا. و(السجيّة) بدورها تشمل الصفات الحسنة، من قبيل: الشجاعة، والصفات القبيحة، من قبيل: الجبن[4]. كما
يُستعمل (الخُلق) في بعض الموارد بمعنى الصفة النفسية الثابتة أيضًا. إنّ المراد من الصفات الثابتة هي الحالة التي يبادر الإنسان بتأثيرها إلى القيام بالفعل المتناسب معها بنحوٍ عفوي من دون بذل المزيد من إجالة التفكير والتأمّل. من ذلك ـ مثلًا ـ أنّ الشخص الذي يتّصف بصفة الكرم والسخاء، يبادر إلى العطاء والبذل على الآخرين من دون تردد. إنّ الملكات النفسية تشمل النوع الفطري والذاتي، كما تشمل النوع الاكتسابي منها أيضًا، حيث يحصل بفعل التفكير والتمرين وتعويد النفس عليه. كما أنّ البخيل في بداية الأمر يعطي من ماله بصعوبة، ولكن بعد تكرار العطاء منه يتحول العطاء عنده إلى سجيةٍ وعادةٍ ويتحوّل من البخل إلى الكرم بالتدريج. إنّ الصفات النفسية في هذا المعنى لا تقتصر على الصفات الحسنة فقط، بل تشمل جميع الفضائل والرذائل. وعليه فإنّ الصفات الثابتة إذا كانت بنحوٍ تصبح منشأً للأفعال الجميلة والممدوحة، سوف يطلق عليها عنوان (الخُلق الحسن)، وإنْ كانت بنحوٍ تصبح منشأً للأفعال الطالحة، سوف يطلق عليها عنوان (الخُلق القبيح).
إنّ للأخلاق في مصطلح علماء الأخلاق، استعمالاتٍ متعدّدة، ومن بين أهمّها ما يأتي:
الصفات النفسية الراسخة، وجميع الصفات النفسية ـ الأعم من الصفات الراسخة وغير الراسخة ـ والصفات النفسية والسلوكيات، والصفات الحسنة، والنتيجة المترتبة على ذلك عدم شمولها بالنسبة إلى الصفات القبيحة. ويبدو أنّ
النظرية التي تعدّ الأخلاق معادلةً لأنواع الصفات النفسانية الأعم من الحسنة والقبيحة الثابتة (الملَكات) وغير الثابتة (الحالات)، هي الراجحة. إنّ الأفعال المتناسبة مع كل صفة هي أخلاقية وليست أخلاقًا؛ وذلك لأنّ الصفات الداخلية للإنسان هي التي تكون منشأً للأخلاق، وليست ذاتها. وهذا هو المعنى المراد من هذه المفردة في هذه المقالة من وجهة نظر كاتب السطور. ويمكن عدّ علم الأخلاق هو العلم الذي يبحث في أنواع من الصفات الثابتة وغير الثابتة الحسنة والقبيحة، والأفعال الاختيارية الناشئة عنها، وطريقة اكتساب الفضائل، وتنقية الرذائل، وتقديم المعايير والقواعد من أجل تقييم الصفات والأفعال الاختيارية.
إنّ النظريات في حقل العلاقة والارتباط بين الدين والأخلاق، تنقسم إلى أربعة أقسام، وهي: التباين، والتعارض، والتطابق، والتعامل. هناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ العلاقة بين الدين والأخلاق في حقل الأبعاد والأهداف، مختلفة تمامًا، وإنّ لكلّ واحدٍ منهما حدوده الخاصة، ولا توجد أيّ نسبةٍ بينهما من هذه الناحية. وهناك من يرى أنّ بين الدين والأخلاق تقابلٌ وتضاد. وهناك جماعةٌ تؤمن بالتطابق الجزئي بينهما، وجماعةٌ أخرى بدورها ـ على الرغم من تأكيدها على استقلال بُعد كلّ واحدٍ منهما ونفي التطابق ـ تتحدّث عن التعاطي بينهما.
في واحدةٍ من التقسيمات، يتمّ تقسيم الأخلاق إلى نوعين، وهما: الأخلاق الدينية، والأخلاق العلمانية. وعلى هذا الأساس يكون الاختلاف بين هذين النوعين من الأخلاق عائدًا إلى الاختلاف في مصدر المرجعية والوثاقة. إنّ الأخلاق الدينية تؤمن بمرجعية الدين بوصفه مصدرًا يفوق البشر، وأمّا الأخلاق العلمانية فلا تؤمن بأيّ مصدرٍ غير الإنسان أو عقله المتأصّل للتقييم الأخلاقي. إنّ تاريخ الحياة البشرية يحكي عن أنّ أخلاق المجتمعات كانت حتى ما قبل عصر النهضة عبارةً عن أخلاقٍ دينيةٍ على الدوام. ولم ترَ الأخلاق العلمانية النور وتدخل إلى ساحة الحياة البشرية من الناحية العملية إلا بعد هذه المرحلة، وإنْ كانت الأسس النظرية للأخلاق العلمانية موجودةً منذ القدم أيضًا. إنّ أنصار الأخلاق العلمانية يفتون بالتباين وتارةً بالتعارض بين الدين والأخلاق. بمعنى أنّ أنصار هذه الرؤية يقولون باستقلال الدين والأخلاق في البُعد والغاية عن بعضهما، ومن ثَمّ فإنّهما يكونان ـ من وجهة نظرهم ـ متباينين عن بعضهما. فإنّ مساحة الدين عبارةٌ عن العلاقة بين الإنسان والله، بينما مساحة الأخلاق عبارة عن علاقة الإنسان مع سائر الناس الآخرين، ولا يوجد أيّ ارتباطٍ منطقيّ بين هذين الأمرين، بل إنّهما بمنزلة الدائرتين المنفصلتين عن بعضهما تمام الانفصال، بحيث لا توجد أيّ نقطة اشتراكٍ بينهما أبدًا. من قبيل المسافرين اللذين يُسافر كلّ واحدٍ منهما إلى جهة، وقد يلتقيان في أثناء رحلتهما في موضعٍ من الطريق عرَضًا ودون قصدٍ منهما. وهذا الأمر لا يكون معبّرًا عن الارتباط المنطقي بينهما إطلاقًا.
إنّ الدين والأخلاق، بالإضافة إلى التباين في المساحة، لا يكون هناك أيّ وجهٍ مشتركٍ بينهما في ناحية الأهداف أيضًا، فإنّ غاية الدين هي جعل الأشخاص يتّصفون
بالصفات الإلهية، والعمل على رفع مراتبهم، وإشباع الشعور بتبعية الإنسان إلى الله، حيث يتمّ في ذلك إشباع رغبةٍ وحاجةٍ داخلية. في حين أنّ هدف الأخلاق عبارةٌ عن بيان القواعد من أجل تصحيح العلاقات الاجتماعية بين الناس. إنّ الاعتقاد بالتباين بين مساحة الدين والأخلاق لا يقتصر على المخالفين للدين فقط، بل إنّ بعض المؤمنين من أمثال سورين كركيغارد ـ وهو الفيلسوف المؤسس للمذهب الوجودي ـ يذهبون في بعض الموارد في الحدّ الأدنى إلى الاعتقاد بوجود التباين بين الدين والأخلاق أيضًا. يذهب سورين كركيغارد إلى الاعتقاد بأنّ الشخص إذا ظلّ رازحًا في حقل الأخلاق، لن يكون بمقدوره الانتقال إلى مرحلة الإيمان؛ فمثلًا لو أنّ النبي إبراهيم عليهالسلام كان قد اتبع القوانين الأخلاقية القاضية بعدم جواز قتل ولده، لما كان بمقدوره الدخول إلى دائرة الإيمان أبدًا. إنّ الإيمان الديني يستدعي الطاعة العمياء والتحرّر من قيود العقل، في حين أنّ الأخلاق تبقى راسفةً بأغلال المصالح العقلانية.
لقد ذهب كركيغارد إلى القول بوجود ثلاث مراحل لروح الإنسان، وإنّ العبور من كلّ مرحلةٍ إلى المرحلة الأخرى إنّما يكون من خلال الاختيار وتفعيل الإرادة؛ بمعنى الانتقاء من بين عدّة بدائل واختيار الأسمى. ويمكن بيان هذه المراحل على النحو الآتي:
المرحلة الأولى هي المرحلة (الحسّية)، ومن خصائصها القذف بالنفس في دائرة الحسّ. إنّ الحسّ والدوافع الداخلية هي الحاكمة في هذه المرحلة. فلا وجود للمعايير الأخلاقية الثابتة والكلية، ولا نشاهد الإيمان الديني، ويشتاق الفرد إلى الاستمتاع بجميع التجارب العاطفية والحسّية. وبطبيعة الحال ليس الأمر في هذه المرحلة كما
(361)لو أنّ الإنسان يرى نفسه مرتهنًا لأهوائه النفسانية فقط. إنّ نموذج الإنسان الحسّي هو الشاعر الغارق في عالم الخيال والإحساس.
المرحلة الثانية هي المرحلة الأخلاقية. في هذه المرحلة يستجيب الإنسان إلى نداء العقل الكلي، وبذلك يعمل على تقبّل المعايير الأخلاقية المعيّنة، ويقوم بتنظيم حياته. إنّ المثال البسيط للعبور من المرحلة الحسية إلى المرحلة الأخلاقية يتمثّل في مفهوم الزواج، إذ يرضخ الإنسان بدلًا من إشباع غريزته الجنسية العابرة إلى القبول بالزواج الذي هو عبارةٌ عن مؤسسةٍ أخلاقية، ويأخذ على عاتقه جميع أعبائها وتكاليفها. وإنّ بطل هذه المرحلة هو سقراط الذي كان مستعدًا للتضحية بروحه من أجل الدفاع عن القانون الطبيعي غير المكتوب.
المرحلة الثالثة هي مرحلة الإيمان والارتباط بالله تعالى. وإنّ النبي إبراهيم عليهالسلام هو النموذج المثالي لهذه المرحلة. فكما أنّ بطل المرحلة الأخلاقية يضحّي بنفسه في سبيل القانون الأخلاقي الكلي. قام بطل هذه المرحلة بالتضحية بولده تنفيذًا لأمر الله. في هذه المرحلة لا يكون هناك اعتبار للأخلاق. لا شكّ في أنّ مراد كركيغارد ليس هو نفي الأخلاق من ناحية الدين،«بل مراده هو أنّ الشخص المؤمن يرتبط بالله المتشخّص مباشرة؛ حيث تكون إرادته مطلقة، ولا يمكن تقييمها بموازين العقل البشري».
كما أنّ كلام إيمانويل كانط ـ الفيلسوف الألماني في القرن الثامن عشر ـ في حقل الأخلاق بنحوٍ يفتي من ناحية بالتباين بين الدين والأخلاق واستقلال كلّ واحدٍ منهما عن الآخر، ويفتي من ناحيةٍ أخرى بوجود التبعية بينهما. ومن هنا فإننا سنذكر كلامه في كلتا المجموعتين بما يتناسب وكلّ واحدةٍ من هاتين الفتويين. فهو من جهة يؤكّد على المعرفة العقلانية للمعايير الأخلاقية، ويعمل من جهةٍ أخرى على عدّ
الأمور الأخلاقية مستقلةً عن الدين، ويقيمها على أساس حكم العقل والوجدان. ومن هنا لا يكون أيّ من معرفة الوظائف الأخلاقية ولا اكتساب الدوافع للعمل بالوظائف الأخلاقية رهنًا بالدين، بل إنّ الأخلاق مكتفيةٌ بذاتها بفضل العقل العملي المحض. إنّ المحرّك النهائي نحو الفعل الأخلاقي هو الشعور والإحساس بالتكليف نفسه، وليس إطاعة الأحكام الإلهية. ومن ناحية أخرى فإنّ كانط بعد إثباته للأخلاق بوساطة العقل العملي، يذهب مضطرًا إلى القبول باختيار الإنسان وخلود النفس ووجود الله، بوصفها من الأصول الثابتة للعقل العملي.
يمكن التأمّل والوقوف على الكلمات المذكورة أعلاه، من عدّة جهات: إنّ تحديد مساحة الدين وهدفه وحصرهما بعلاقة الإنسان مع الله، وإخراج العلاقات الاجتماعية من دائرة الدين، هي الفرضية التي تذهب إليها نظرية التباين في تعريف الدين. إلّا أنّ هذا الكلام لا يتناغم مع العقل؛ وذلك لأنّ الدين إنّما جاء لغرض هداية الإنسان وإيصاله إلى مرحلة الكمال، ولا شكّ في أنّ العلاقات ومختلف العناصر والعوامل الفردية والاجتماعية لها أثر في بلورة الأبعاد الوجودية للإنسان ومنعطفاته في هذا المسار.
يعمد سورين كركيغارد في كلامه إلى النزعة الإيمانية بنحوٍ يسلب عنه جميع أنواع الارتباط بين الدين والعقل. إلا أنّ هذا الكلام غير تام، ولا يمكن لهذه الرؤية أنْ تكون مقبولةً من وجهة نظر الإسلام؛ وذلك لأنّ الإسلام زاخرٌ بالتعاليم العقلانية، ولا يرى تعارضًا بين العقل والإيمان. كما أنّ ما قام به النبي إبراهيم عليهالسلام لا يقف إلى الضدّ من الأخلاق؛ وذلك لأنّ للأخلاق مراتب، وأنّ سحق الرغبات النفسية
من أجل الوصول إلى الكمال يُعدّ من المصاديق الواضحة للسلوك الأخلاقي، وأنّ التضحية بالنفس والولد، من أسمى مصاديق هذه المرتبة. فلو فسّرنا الكمال الأخلاقي بالتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، فإنّ الذي سيكون له القيمة الذاتية هو العمل على مرضاة الله سبحانه، وإنّ كلّ ما يقوم به الإنسان من ألوان التضحية في سبيله، يعدّ أمرًا زهيدًا أمام بضاعة لا تقدّر بثمن. إنّ النبيّ إبراهيم عليهالسلام لم يُكره ولده على هذه التضحية، وإنّما كان إسماعيل عليهالسلام هو الذي سارع إلى تلبية أمر المعشوق.
يُضاف إلى ذلك أنّ أمر الله سبحانه وتعالى لإبراهيم عليهالسلام بذبح ولده إسماعيل عليهالسلام، لم يكن أمرًا حقيقيًا، وإنّما هو أمرٌ اختباريٌّ لا يتعارض مع الأخلاق أبدًا. وفي نهاية المطاف فإنّهما قد خرجا من هذا الاختبار بنجاح، وإنّ الذي تمّت التضحية به لم يكن هو الجسد، وإنّما تمّت التضحية بالنفس من قبل النبيّ إبراهيم وإسماعيل عليهماالسلام.
كما أنّ إيمانويل كانط يقدّم رؤيةً متهافتةً ومتناقضة، فهو من جهة يفتي بالاستقلال الكامل للأخلاق عن الدين، ويذهب من جهةٍ أخرى إلى ضرورة الاعتقاد بوجود الله والآخرة من أجل تحقيق الأخلاق، وتعزيز الدافع إلى القيام بالعمل الأخلاقي، ويعدّ ذلك أمرًا مفترضًا ومفروغًا عنه.
هناك من يؤكّد على التعارض بين الدين والأخلاق، ويرى في المعتقدات الدينية سببًا يحول دون الأخلاق، ويقول بأنّها تعمل على زوال الأخلاق واضمحلالها التدريجي. ويرى أنّ العلاقة الوثيقة بينهما تؤدّي إلى انهيار الأخلاق بانهيار المعتقدات الدينية. ومن بين أشهر الداعين إلى هذه الرؤية هو فريدريك نيتشه الذي يرى في المسيحية تفريخًا للذل وتعزيزًا لروح العبودية. في حين أنّ رسالة الأخلاق هي
تربية الأشخاص الأقوياء والفاعلين وإعدادهم، ورفعهم إلى العلياء وانتشالهم من وهدة الذل والهوان والخوف. وكان يرى في (موت الإله) والتحرّر من قيود الدين هو الوسيلة الوحيدة للتنمية الأخلاقية الصحيحة. ويقول:
«إنّ انهيار دعائم الإيمان بالله يمهّد الطريق أمام تنمية الطاقات الخلاقة للإنسان بشكل كامل. ولا يعود الإله المسيحي يغلق الباب دوننا بأوامره ونواهيه، ولا تعود أعيننا شاحبةً إلى عالمٍ كاذبٍ يقع وراء الطبيعة بدلًا من النظر إلى هذا العالم. إنّ الذي يكمن في هذه الرؤية هو أنّ تصوّر الله يمثّل عدوًّا للحياة. وهذا هو الرأي الذي يذهب إليه نيتشه تمامًا ويعمل على بيانه بمرور الزمن بشكل متزايد».
كما يُعدّ كارل ماركس من بين دعاة التقابل بين الدين والأخلاق أيضًا. فهو يرى أنّ الدين يوفّر الحماية للطبقات المتنفّذة والسلطات الحاكمة، ومن ثَمّ فإنّ الدين يقف بالضد من الأخلاق والتعهدات الأخلاقية. كما يذهب سيغموند فرويد ـ في كتابه مستقبل وهم ـ إلى القول بأنّ الدين يعمل على إضعاف المسؤوليات الأخلاقية. وإنّ جيمز راشيل وكي نيلسون بدورهما من المفكرين الذين دافعوا عن الأخلاق العلمانية بسبب اعتقادهم بوجود التعارض بين الأخلاق والدين.
إنّ جذور اتجاه فلاسفة الأخلاق في الغرب بالنسبة إلى تعارض أو تباين الدين والأخلاق، تعود إلى التعارض بين العلم والدين في المسيحية والأخلاق. في حين لا شيء من ذلك موجودٌ في الإسلام. إنّ الإسلام لا يُشكّل عقبةً في طريق الازدهار وتطوير الطاقات البشرية، ولا يقبل الذل والاستعباد والخوف والهوان للإنسان، ولا يدافع عن الطبقات المترفة ولا يدعم الفئات الحاكمة، بل ويعمل على تطوير
الطاقات الذاتية للإنسان، ويدعو إلى تحرير الفرد وطلب العزّة للإنسان والمجتمع، ودفع الظلم ويدعو إلى الفضيلة والعدالة.
وكما يقول الإمام علي عليهالسلام فإنّ دين الله قد نزل لتطوير الطاقات الكامنة لدى الإنسان والمودعة في فطرته، واستخراج الكنوز المخفية في عقل الإنسان، وإليك نصّ كلامه في هذا الشأن: «واصطفى سبحانه من ولده أنبياء أخذ على الوحي ميثاقهم، وعلى تبليغ الرسالة أمانتهم لما بدل أكثر خلقه عهد الله إليهم فجهلوا حقه، واتخذوا الأنداد معه، واحتالتهم الشياطين عن معرفته، واقتطعتهم عن عبادته؛ فبعث فيهم رسله وواتر إليهم أنبياءه ليستأدوهم ميثاق فطرته، ويذكروهم منسيّ نعمته، ويحتجّوا عليهم بالتبليغ، ويثيروا لهم دفائن العقول».
كما أنّ الله سبحانه وتعالى يحذّر النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من التفكير بالظلم، حتى ولو كان بالنظر إلى رعاية المصلحة، ويؤكّد على بسط العدل والقسط، قائلًا: (وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ وَقُلْ آَمَنْتُ بِمَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ كِتَابٍ وَأُمِرْتُ لِأَعْدِلَ بَيْنَكُمُ).
لقد اقترن الدين في هذه الآية ببسط العدل، وقد أمر الله سبحانه وتعالى رسوله بذلك: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ). لقد عُدّ الهدف من رسالة الأنبياء في هذه الآية، عبارة عن بسط العدل في المجتمع. إنّ دراسة السيرة العملية للنبي الأكرمصلىاللهعليهوآلهوسلم والإمام علي عليهالسلام في مرحلة حكمهما، تشير إلى الحركة في هذا المسار. إنّ للسعي من أجل بسط العدل منزلةً خاصّةً في الفكر الشيعي؛ حتى إنّهم على الرغم من كثيرٍ من الجهود والمحاولات التي اقترنت بالفشل والنجاح أحيانًا كان المؤمنون وما يزالون على طول التاريخ يؤكّدون على إقامة القسط
في جميع أنحاء العالم، ويعدّون انتظار إمام العصرعليهالسلام فرضًا على الجميع، ويطلبون منهم العمل على تمهيد الأرضية لظهوره. ولقد وعد الله الناس بأنّ الأرض ستنعم بنظامٍ العدل السماوي، قال الله تعالى: (وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوَارِثِينَ).
و لأن بسط العدل يُعدّ واحدًا من أهداف الدين وغاياته، ومن جهة أخرى يُعدّ المستكبرون على طول التاريخ من أكبر العقبات التي تعترض طريق هذه الغاية؛ فإنّ مواجهة الاستكبار تعدّ من الخصائص الأخرى التي يجب أنْ يتحلّى بها الفرد المسلم والأمّة المسلمة. وحيث إنّ بسط العدل لا يجتمع مع الاستكبار، فإنّ الله يأمر المعلم الأول في الدين بالإعراض عن الطغاة، بقوله: (فَتَوَلَّ عَنْهُمْ فَمَا أَنْتَ بِمَلُومٍ). وقال أيضًا: (فَذَرْهُمْ حَتَّى يُلَاقُوا يَوْمَهُمُ الَّذِي فِيهِ يُصْعَقُونَ).
إنّ المسلم يعمل على اجتثاث جذور الفساد، ويردع الطغاة حتى يثوبوا إلى رشدهم، وفي ذلك يقول الله تعالى: (اذْهَبْ إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى). وقال أيضًا: (وَمَا لَكُمْ لَا تُقَاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالْمُسْتَضْعَفِينَ مِنَ الرِّجَالِ وَالنِّسَاءِ وَالْوِلْدَانِ الَّذِينَ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَخْرِجْنَا مِنْ هَذِهِ الْقَرْيَةِ الظَّالِمِ أَهْلُهَا).
ومن هنا فإنّ الأنبياءعليهمالسلام لم يكونوا حماةً للمرفّهين التافهين والطبقات الحاكمة يومًا ما أبدًا، بل كانت مهمتهم اجتثاث جذور الظلم والفساد. كما أنّ الأتباع والأنصار الحقيقيين للأنبياءعليهمالسلام تبعًا لمن يقتدون بهم، لم يكونوا يسمحون للضعف والهوان أنْ يتطرّق إلى أنفسهم. كما يمكن مشاهدة ذلك في أحداث عاشوراء وثورة الإمام الحسين عليهالسلام.
هناك من يرى أنّ النسبة بين الدين والأخلاق هي نسبة الجزء والكل، أو العموم والخصوص المطلق، فيعدّ الأخلاق جزءًا من الدين. إنّ التعريف الذي يقدّمه مشهور العلماء من المسلمين، للدين هو أنّه: «مجموعةٌ من العقائد والأخلاق والأحكام التي أنزلها الله سبحانه وتعالى لهداية وكمال الناس من طريق الأنبياء».
وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق تعدّ جزءًا من الدين. وبطبيعة الحال فإنّ المفكّرين المسلمين لمّا كانوا يعدّون الأخلاق جزءًا من الدين، فلا يستلزم ذلك منهم نفي استقلالية الأخلاق وتبعيتها التامّة للدين، بل إنّ كلامهم ينسجم مع التطابق أيضًا. بمعنى أنّ للدين تعاليم في مختلف الحقول، وأنّ جانبًا منها يتطابق مع المفاهيم الأخلاقية، بل ويعدّ متممًا ومكملًا لها. وإنّ المعتزلة وبعض علماء الشيعة ـ لأنّهم يمنحون العقل أهميّةً خاصّةً، ويؤكّدون على الحُسن والقبح العقلي ـ فإنّهم يعدّون الأخلاق مستقلةً عن الدين أيضًا. إنّ نظرية التطابق مقبولةٌ إلى حدٍّ ما، وسنأتي على توضيح ذلك في فصل (الاتحاد والتعامل).
هناك من الآراء ما لا يذهب إلى القول بأنّ الدين جزءٌ من الأخلاق، ولا الأخلاق جزءٌ من الدين، ولا يصرّ على القول بالتباين الكامل أو التعارض أو التطابق فيما بينهما، وإنّما يتحدّث عن نوعٍ من الارتباط بين الدين والأخلاق. إنّهم يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ لكلّ واحدٍ من الدين والأخلاق هويةً مستقلة. ولكن هناك بينهما نوعًا من التعامل والارتباط المنطقي. من قبيل علاقة العلية والمعلولية، والتأثير والتأثر، أو الفعل والانفعال. إنّ هذا القول يضمّ طيفًا واسعًا من الآراء. وإنّ جميع الذين
يتحدّثون بشكلٍ وآخر عن حاجة الدين الجزئية أو الكلية إلى الأخلاق، أو الارتباط وتبعية الأخلاق التامّة أو الناقصة إلى الدين، يندرجون ضمن هذه المجموعة. ومن هنا يمكن تقسيم هذه المجموعة إلى طائفتين كليتين، وهما: تبعية الدين إلى الأخلاق، وحاجة الأخلاق إلى الدين.
إنّ من بين الأدلة ـ وربما من أهمها ـ هو وجوب شكر المنعم. إذ يقال: لمّا كان الله سبحانه وتعالى هو وليّ نعمتنا، وشكر المنعم واجب؛ إذًا يجب علينا أنْ نتعرّف عليه من منطلق وجوب شكر المنعم، لكي نتمكن من أداء شكره. ومن هنا تكون الأخلاق سببًا في توجهنا نحو معرفة الله، لكي نتمكن من الوفاء بحقه. إنّ وجوب شكر المنعم مفهوم أخلاقي، وإنّ وجوب التوحيد ومعرفة الله رهنٌ بالإيمان والاعتقاد بهذا الحكم الأخلاقي.
إنّ من بين الوجوه الأخرى لحاجة الدين إلى الأخلاق، تبعية أساس الدين ـ بمعنى وجوب عبادة الله ـ إلى القواعد الأخلاقية. فما هو الشيء الذي يوجب علينا عبادة الله، ولماذا يجب علينا أنْ نعبده؟ يقال في الجواب: إنّ الله سبحانه وتعالى هو خالقنا، وله حقّ المولوية والعبودية علينا؛ فنحن عبيده ومخلوقاته، ويجب علينا أنْ نؤدّي حقه، وإنّ طريقة أداء حقّ الله سبحانه وتعالى تكمن في عبادته والخضوع له. فقد ورد في المأثور عن الإمام زين العابدين عليهالسلام، أنّه قال: «فأمّا حقّ الله الأكبر
عليك، فأنْ تعبده لا تشرك به شيئًا». وعلى هذا الأساس فإنّ الذي يدفعنا نحو الدين ويحملنا على القيام بالتعاليم والأحكام الدينية، حكمٌ أخلاقيٌّ يقول: «يجب إعطاء كلّ ذي حقٍّ حقّه».
إنّ أهداف الدين لا تتحقّق من دون الأخلاق. إنّ الدين يرفع شعار بناء الإنسان، وإدارة الحياة الفردية والاجتماعية له وضمان السعادة الدنيوية والأخروية للبشر. وإنّ تحقيق هذه الأهداف يحتاج إلى تقديم مجموعةٍ خاصّةٍ من المفاهيم والأحكام الأخلاقية. ومن هنا يمكن القول إنّ الدين لا يمكنه الوصول إلى أهدافه وبلوغ غاياته ولا يستطيع تحقيق السعادة الدنيوية والأخروية للإنسان إلا بوساطة الأخلاق.
إنّ من بين مقاصد الدين، نشره وبسطه على مستوى المجتمعات والأفراد. وإنّ هذه الغاية رهنٌ برعاية القوانين الأخلاقية، بل إنّ من أمضى وأجدى أساليب الدعوة إلى الدين وتبليغه والترويج له، هو رعاية الأصول الأخلاقية من قبل المتدينين وأئمة الدين. على هذا الأساس يكون الدين بحاجة إلى الأخلاق في نشره وتوسيع دائرته ورقعته بين الناس، ومن هنا يقول الله سبحانه وتعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاسْتَغْفِرْ لَهُمْ وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ فَإِذَا عَزَمْتَ فَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَوَكِّلِينَ).
إنّ من بين وجوه حاجة الدين إلى الأخلاق، ما ذكره فيلسوف العلم وعالم الفيزياء الإنجليزي المعاصر ريتشارد بريث وايت، وهو إضفاء المعنى والمفهوم على القضايا الدينية. فقد ذكر في مقالةٍ جدليةٍ له بعنوان (رؤية تجريبية حول ماهية الاعتقاد الديني) ـ والتي ضمّنها آراءه ونظرياته في حقل لغة الدين ومفهومية القضايا الدينية والعلاقة بين العلم والدين ـ قائلًا: إنّ الطريقة الوحيدة لجعل القضايا الدينية مفهومةً، هي العمل على تحويلها إلى قضايا أخلاقية. فهو من جهة واقعٌ تحت تأثير رؤية التجريبيين المنطقيين فيما يتعلّق بمعيار المفهومية. فهم يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ القوانين العلمية والطوطولوجية المنطقية والرياضية وحدها هي التي تنطوي على مفهوم، وأمّا ما سواها من القضايا ـ بما في ذلك القضايا الدينية والأخلاقية ـ فهي تفتقر إلى المعنى والمحتوى المعرفي. وقد سعى من ناحية أخرى إلى البحث عن طريقٍ آخر لبيان مفهومية القضايا الدينية. وقد ارتضى لحلّ هذه المشكلة الرأي المتأخّر لفيتغنشتاين القائل بأنّ المعنى تابعٌ للاستعمال، ومن خلال الاستناد إلى هذا المعيار في المفهومية عمد إلى الخوض في بيان القضايا الدينية. فإنّه يذهب إلى الاعتقاد قائلًا: حيث إنّ للقضايا الدينية استعمالات؛ يجب إذًا أنْ تكون مشتملةً على معنى ومفهوم، وأنّ استعمال القضايا الدينية شبيه باستعمال القضايا الأخلاقية. ومن هنا فإنّه يرى أنّ دراسة القضايا الأخلاقية أمرٌ ضروريٌّ لفهم القضايا الدينية واستعمالاتها.
يذهب بريث وايت ـ في تحليل القضايا الأخلاقية ـ إلى القول بأنّ القضايا الأخلاقية إنّما تستعمل من أجل «إظهار قصد المتكلم إلى العمل بأسلوب خاصّ
(371)تمّ تعيينه من قبل تلك القضية الأخلاقية». وبعبارةٍ أخرى: إنّ هذه القضايا تحكي عن تعهّد المتكلم بنوعٍ خاصٍّ من الحياة والنصح بها. من ذلك لو افترضنا ـ على سبيل المثال ـ أنّ شخصًا كان في الأخلاق من أنصار المذهب النفعي، ويقول: «يجب عليّ أنْ أقوم بهذا الفعل الأخلاقي كي أحصل على الحدّ الأعلى من النفع لنفسي»، فإنّه يكون من خلال بيان هذه العبارة قد بيّن قصده إلى العمل المنسجم مع المذهب النفعي. إنّه لم يكن يمتلك قضيةً تعمل على إظهار الواقع، وإنّما أظهر تعهّده بأسلوبٍ خاصٍّ من العمل.
وبطبيعة الحال لا يُعدّ كلّ إظهارٍ لقصد ما أمرًا أخلاقيًا، إلّا إذا كان المسار المقصود للمتكلم كليًّا وعامًّا، أو يمكن إدراجه ضمن قاعدةٍ كلية. وعلى هذا الأساس فإنّ معنى القضية الأخلاقية هو التزام وتعهّد الفرد بالتبعية لقانونٍ كلي. وعلى هذا الأساس يكون معنى عبارة (السرقة قبيحة) هو (أنّي أعدُّ نفسي ملتزمًا بقانونٍ كلي، وهو ألّا أسرق أبدًا)، لا كما يقول الوضعيون من أنّ هذه العبارة تعني (أنّي أكره السرقة).
بالنظر إلى التحليل الذي يقدّمه بريث وايت للقضايا الأخلاقية، فإنّه يذهب إلى الاعتقاد بأنّ القضايا الدينية بدورها تعمل على بيان تعهّد المتكلم بالعمل على نمطٍ خاصٍ من الحياة والنصح به. إنّ هذه القضايا الناظرة إلى الواقع لا تحكي عن الأمور الواقعة فيما وراء الطبيعة، والتي لا تقبل الصدق والكذب، كما أنّها من جهةٍ أخرى لا تعبّر بشكلٍ بحت عن إظهار مشاعر الفرد أيضًا، بل إنّ جملة (إنّ الله محبّة) تعني أنّه عازمٌ في الحياة على اتباع منهج الحبّ، وأنْ تكون لي حياةٌ زاخرةٌ بالمحبّة، وأنصحكم بأنْ تحصلوا على مثل هذه الحياة. ونتيجة لذلك يكون استعمال القضايا الدينية شبيهًا
(372)بالعبارات الفنية والأدبية. بمعنى: أنّ المراد منها تحريك الأشخاص نحو جهةٍ خاصّة، لا أنْ الجملات المعرفية بصدد الكشف عن حقيقةٍ علميةٍ أو تاريخية.
وهو يرى أنّ جميع الأديان عبارةٌ عن أساطير مفيدةٍ ونافعة، وأنّ الإيمان بها واعتناقها يؤدّي إلى تعالي الإنسان وتكامله. إنّ كلّ دينٍ عبارةٌ عن «حكاية طويلة» تقترح أسلوبًا ومنهجًا خاصًّا من الحياة. ليس هناك اختلافٌ بين القضايا الأخلاقية وبين القضايا الدينية، سوى أنّ القضايا الدينية تعمل على بيان ذات المدعيات الأخلاقية ولكن بأسلوبٍ أكثر جاذبيةً ومن خلال الاستناد إلى التمثيل والكناية والسرد القصصي. وعلى هذا الأساس يذهب بريث وايت إلى الاعتقاد بأنّ علينا ألّا نبحث عن الأخبار والمعلومات الحقيقية والواقعية من خلال القضايا الدينية؛ وذلك لأنّ المعيار في مفهوميتها هو استعمالها وفائدتها في حياة الأشخاص وأفعالهم.
بغض النظر عن الإشكالات الموجودة بنحوٍ جادٍّ حول فرضيات هذه النظرية، في خصوص معيار المفهومية والقبول برأي فيتغنشتاين، هناك بعض النقاط الجديرة بالتأمّل بشأن رؤيته في خصوص مفهوم القضايا الدينية:
يُصر بريث وايت على عدم معرفية القضايا الدينية، ويرى أنّ الأديان لا تعدو أنْ تكون أساطير نافعةً. وعلى هذا الأساس فإنّه يرى أنّ القضايا الأخلاقية عبارةٌ عن تعهّد الشخص بالعمل على أسلوبٍ ومنهجٍ خاصٍّ بغض النظر عن واقعية تلك القضايا. في حين أنّ الرؤية غير المعرفية لا تكون تامّةً بالنسبة إلى الدين فيما يتعلّق بخصوص الإسلام. فإنّ الإسلام عبارةٌ عن منظومةٍ اعتقاديةٍ تنقسم القضايا فيها إلى قسمين، وهما: (الوجودات) و(الواجبات). وإنّ الوجودات فيها تشمل على
(373)مفاهيم، من قبيل: الله والإنسان والدنيا والآخرة. وإنّ الإنسان في هذه المنظومة كائنٌ يمتلك قابليات النموّ والكمال؛ إذ يمكنه أنْ يعمل ـ من خلال الاستفادة من إمكاناته وقابلياته الوجودية والعالم الذي يعيش فيه ـ على إيصال قابلياته إلى مرحلة الفعلية، وأنْ يحصل على اكتساب الملكات الأخلاقية، والتعالي المعنوي، والسعادة في الدنيا والآخرة. أو بعكس ذلك بألّا يخفق في إيصال قدراته المتعالية إلى مستوى الفعلية فحسب، بل ويهدر عمره وقدراته وإمكاناته في هذه الدنيا الزاخرة بالدسائس والطرق المضلّة، ويسلك سبيل الشقاء. إنّ كلّ إنسانٍ بعد التعرّف على (الموجودات)، تقتضي منه الضرورة المنطقية والفهم العقلاني لديه أنْ يبحث عن (الواجبات) التي يؤدّي العمل بها في الحياة الفردية والاجتماعية إلى كسب الكمالات المطلوبة والسعادة في الدنيا والآخرة، وتعمل على توفير الشرائط والظروف الاجتماعية المناسب لتربية هذا الصنف من الأشخاص. إنّ النظام الاعتقادي للإسلام بالإضافة إلى مجموعة الوجودات، يقدّم بعض الوجبات المكمّلة لعقل الإنسان التي تعمل على هداية سلوكه وأفعاله، وتوجيه دفّة عواطفه ومشاعره وأحاسيسه في سبيل الوصول إلى الكمالات أعلاه. إنّ الله سبحانه وتعالى قد أرسل هذا النظام الاعتقادي عبر كتابه السماوي الذي أنزله إلى الناس بوساطة النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم. وعلى هذا الأساس فإنّ ماهية أكثر المسائل والموضوعات الدينية عبارةٌ عن ماهية الأمور الواقعية والحقيقية. إنّ قسمًا من القضايا الدينية ناظرةٌ إلى توصيف وبيان الوجودات من قبيل: وجود الله سبحانه وتعالى، ووجود القرآن الكريم، والنبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، والدنيا والآخرة، والبُعد الجسماني والروحاني للإنسان، وقسمًا من القضايا الدينية التي تعمل على بيان الواجبات التي تهدي الإنسان إلى سُبُل الوصول إلى الأهداف والغايات الحقيقية.
إنّ النظرة الأسطورية إلى الدين التي نجدها في آراء بريث وايت وغيره من
المفكرين الغربيين، لا تنسجم مع الإسلام؛ إذ إنّها بالإضافة إلى الفهم غير المعرفي للقضايات الدينية، جديرةٌ بالتأمّل والمناقشة من بعض الجهات:
إنّ هذه النظرة ناشئةٌ عن قياس الأديان الإلهية على الأديان الإنسانية الأولى، وتقديم حكمٍ كليّ وتعميمه على جميع الأديان. في حين أنّ هذا التعميم يُعدّ تعميمًا اعتباطيًا في غير محله. إنّ الأديان تختلف عن بعضها كثيرًا، ومن هنا فإنّ وجود الأساطير في بعضها لا ينهض دليلًا على الفهم الأساطيري لسائر الأديان الأخرى. لقد خلط هذا الاتجاه بين معرفة الدين من طريق مصادره الأصلية وبين معرفته من طريق سلوك ومعتقدات المتدينين. إنّ الغموض والتعقيد والإبهام الموجود في بعض الموضوعات، من قبيل: وجود الله وصفاته، من الأسباب الأخرى للإقبال على هذه النظرية. في حين أنّ الغموض والتعقيد في كلّ مسألة، لا يُشكّل دليلًا على وجوب أنْ يكون كلّ حكمٍ يصدر بشأنه حكمًا أسطوريًا.
إنّ الحجم الأكبر من الأبحاث فيما يتعلّق بالارتباط بين الدين والأخلاق يقع في هذا القسم. وفي الحقيقة فإنّ المحور الأصلي للأبحاث في هذا الموضوع عند الغرب يقع في دراسة حاجة الأخلاق إلى الدين. وقد سعى كلّ واحدٍ من أنصار الأخلاق الدينية والعلمانية إلى الخوض والبحث في هذا الموضوع بنحوٍ من الأنحاء. وقد عمدت الطائفة الأولى إلى بيان أنواع التبعيات، بينما قامت الطائفة الثانية إلى نفيها وعدّت حقل الأخلاق مستقلًا عن الدين، بل وهناك منهم من قال بوجود التعارض بين الدين والأخلاق. ويمكن بيان بعض أهم موارد احتياج الأخلاق إلى الدين على النحو الآتي:
يُدّعى أحيانًا أنّ وجود كلّ شيء، بما في ذلك القيَم الأخلاقية، إنّما ينشأ من الله الخالق (عزّوجل)؛ وذلك لأنّ الله خالق الكون والعالم وكلّ ما فيه من الموجودات. وعلى هذا الأساس يكون الله خالقًا للخير أيضًا، ولو لا وجود الله سبحانه وتعالى لما كان هناك من وجودٍ لشيء اسمه الخير. وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق ـ التي تتعاطى في الأساس مع الخير ـ تابعةٌ في أصل وجودها إلى الله بشكل مباشر. ومن ناحية أخرى لمّا كانت التبعية لله تستلزم التبعية للدين، فإنّ الأخلاق سوف تقوم على ركائز الدين. إنّ هذا البيان هو شكل مبسّط لتبعية الأخلاق إلى الدين، حيث يجب وضعه جانبًا بمجرّد بيانه، وذلك أولًا: إذا كان المراد هو أنّ كلّ شيء ـ بما في ذلك الأخلاق ـ مخلوقٌ لله، فإنّ هذا الأمر لا يستلزم تبعية الأخلاق إلى الدين. إنّ العالم كلّه مخلوقٌ لله، وإنّ للجميع تبعيةً وجوديةً لله، ولكن هناك كثير من الأمور التي لا تكون لها تبعيةٌ للدين من الناحية الوجودية. وثانيًا: إنّ الأخلاق ليست شيئًا مغايرًا للقضايا الأخلاقية، وإنّها من نوع الوجودات الذهنية، وليست من نوع الوجودات العينية. إنّ الوجودات الذهنية تشمل أنواعًا من العلوم التجريبية والإنسانية الأعم من الرياضيات والفيزياء والكيمياء وعلم النفس وعلم الاجتماع والحقوق وما إلى ذلك. فلو قلنا إنّ القضايا الأخلاقية مخلوقةٌ لله، ومن ثَمّ نعدّها تابعةً للدين، يجب أنْ نعدّ سائر العلوم البشرية، بل وكل نوعٍ من أنواع الوجود الذهني أو التصوّر والتصديق المطابق أو المخالف للوقع كذلك أيضًا، ونعدّه محتاجًا إلى الدين. في حين أنّ هذا الكلام غير مقبول.
(376)
هناك ثلاث نظرياتٍ رئيسةٍ في باب تعريف المفاهيم الأخلاقية، وهي عبارةٌ عن: النظرية الحدسيّة، والنظرية غير المعرفية، والنظرية التعريفية.
إنّ أصحاب النظرية التعريفية هم الأشخاص الذين يقولون بأنّ المفاهيم الأخلاقية قابلةٌ للتعريف والتحليل. إنّ هذه المجموعة ـ التي تضمّ طيفًا واسعًا من النظريات ـ تنقسم إلى قسمين وهما: أصحاب النزعة الطبيعية، وأصحاب النزعة الميتافيزيقية. والمجموعة الأولى تعمل على تعريف المفاهيم الأخلاقية على أساس المفاهيم التجريبية والطبيعية، والمجموعة الثانية تستفيد في تحليل وتعريف المفاهيم الأخلاقية من المفاهيم الفلسفية والإلهية. كما ينقسم أصحاب النزعة الطبيعية بدورهم إلى ثلاثة أقسام فرعية، وهي: (النظريات البيئية، والاجتماعية، والنفسية).
وأمّا أصحاب النظرية الحدسية فيذهبون إلى الاعتقاد بأنّ المفاهيم والأحكام الأخلاقية لا تقبل التعريف على أساس المصطلحات غير الأخلاقية، بل إن بعضها في الحدّ لأدنى بديهي ومن النوع الشهودي البسيط، وإنما يمكن التعرّف عليها من طريق الشهود، دون المشاهدة التجريبية أو الاستدلال الميتافيزيقي.
ويذهب أصحاب النزعة غير المعرفية إلى الاعتقاد بأنّ المفاهيم والأحكام الأخلاقية لا معنى لها وغير قابلةٍ للتعريف. فهم لا يذهبون مذهب أصحاب النظرية التعريفية ـ من خلال الإحالة على المفاهيم الطبيعية أو الميتافيزيقية ـ ولا يذهبون مذهب أصحاب النزعة الحسية ـ من خلال الاستعانة بالفهم الشهودي
(377)لبعض المفاهيم الأصلية ـ للقول بأنّ المفاهيم الأخلاقية قابلةٌ للتعريف.
وهناك من بين أصحاب النظرية التعريفية ضمن الطائفة الثانية ـ من الذين يرون أنّ تعريف المفاهيم الأخلاقية رهنٌ بالنظريات الميتافيزيقية ـ من يؤكّد مثل أتباع نظرية الأمر الإلهي على حاجة الأخلاق إلى الدين. إنّ لهذه النظرية تقريرين، ويمكن عدّ أحدهما تصوريًا والآخر تصديقيًا.
إنّ التقرير الأول ـ وهو الذي أطلق عليه جوناثان هاريسون عنوان النظرية اللغوية للأمر الإلهي ـ يرد في مقام بيان التصوّر المفهومي للحُسن والقبح الأخلاقي. إنّ هذه النظرية تقوم بالتحليل المفهومي واللغوي لمعنى الخير والشر، وتعدّ الأخلاق في مقام التصوّر المفهومي للخير والشر التابع إلى الدين. وعلى هذا الأساس فإنّ الخير الأخلاقي بحسب التعريف إنّما هو الشيء الذي يقع موردًا لأمر وإرادة الله أو فعله. وفي هذه الرؤية يتمّ عدّ إرادة الله والخير شيئًا واحدًا.
إنّ هذا التقرير يواجه بعض المشاكل، من ذلك ـ مثلًا ـ أنّ تقريرات من قبيل: (إنّ الله خير)، و(إنّ الله يأمر بالخير)، و(إنّ ما يقوم به الله خير) تتحوّل إلى عباراتٍ طوطولوجيةٍ أو خاليةٍ من المعنى. إنّ هذا الكلام لا يطيقه عموم المتدينين ولا غير المتدينين. ويضاف إلى ذلك أنّ الإشكالات الواردة على التقرير الثاني لنظرية الأمر الإلهي، ترد على هذا التقرير أيضًا. وبطبيعة الحال فإنّ التحليل المفهومي والتصوّري إنّما يمكن الدفاع عنه إذا ارتبط بالبحثّ العلّي والتصديقي؛ إذ لو أنّ شخصًا قال كما يقول جوناثان هاريسون: إنّ الخير يعني ما يأمر الله به، من الممكن أنْ يُنتقد كلامه
(378)بسهوله، بأنْ يُقال له: إنّ للخير معاني أخرى أيضًا. من قبيل ما يحكم به العقل العملي والمجتمع أو الذي تحكم به المشاعر والأحاسيس. إنّه من أجل الدفاع عن رؤيته لا يجد بدًّا من الخوض في التحليل العلّي.
إنّ التقرير الثاني بصدد تحليل كون الأفعال الأخلاقية علّةً للخير أو الشرّ، ويضع الأخلاق في مقام تصديق قضاياها تابعةً للدين. وعلى هذا الأساس فإنّ الذي يكون سببًا في تصديق اتصاف الأفعال والصفات بالخير والشرّ، هو الأمر والإرادة أو الفعل الإلهي. إنّ هذه النظرية التي لها أنصار في مختلف المناطق ومن بينها اليونان قديمًا وحتى في عالم الإسلام، هي النظرية ذاتها التي أوردها أفلاطون في كتاب أوثيفرون، واشتهرت بهذا الاسم. ويذهب الأشاعرة في الغالب إلى هذه الرؤية. وفي بيان أدقّ يمكن تقسيم هذا الرأي إلى مقامين، وهما: مقام الثبوت، ومقام الإثبات.
لو قبلنا ـ في ضوء نظرية الأمر الإلهي ـ بأنّ الذي يكون في مقام التصديق سببًا في اتصاف الأمور بالحُسن والقبح هو أمر الله، يرد هنا سؤال يقول: هل الأحكام والأصول الأخلاقية في مقام الثبوت وفي صلب الواقع بغض النظر عن معرفتنا لها رهنٌ بالأمر الإلهي أم في مقام المعرفة والإثبات؟ لقد اختار المتكلّمون المسلمون في التعاطي مع هذا الموضوع اتجاهين مختلفين.
إنّ الذين هم من أمثال المعتزلة الذين يذهبون إلى الحُسن والقبح الذاتي للأفعال، ويرون أنّ معرفة هذا الأمر عقلانية، يرفضون نظرية الأمر الإلهي سواء في مقام
الثبوت أم في مقام الإثبات، إلا أنّ بعض الأشاعرة يعدّون كلا المقامين إلهيًّا؛ بمعنى أنّهم يرون أنّ أصل القيَم رهنٌ بالأمر والنهي ـ (إرادة وكراهة الفعل أو الترك) ـ الإلهيين، وكذلك معرفتها أيضًا. إنّ هؤلاء لا يرون منشأ القيمة والوجوب الأخلاقي شيئًا غير الأوامر الإلهية، ولا يجدون وراء الأمر والنهي الإلهي أيّ حقيقةٍ عينيةٍ في الأفعال والصفات بحيث يمكن أنْ تكون مبنى للأمر والنهي الإلهي. وبعبارةٍ أخرى: لو لم يكن الله موجودًا، أو كان موجودًا ولكن لم يكن له أمرٌ أو نهي، لن يكون هناك أيّ اختلافٍ بين العدل والظلم، وبين الصدق والكذب. وعلى هذا الأساس لا يكون هناك أيّ شيءٍ حسنًا أو قبيحًا في حدّ ذاته. ومن هذه الناحية لا طريق لاتصاف الشيء بالحُسن والقبح سوى الرجوع إلى الأمر والنهي الإلهي أو إلى عقل الإنسان. ومن ناحية أخرى حيث تذهب هذه الجماعة إلى إنكار الحُسن والقبح العقلي، ويرون عقل الإنسان عاجزًا عن إدراك حُسن الأشياء وقبحها، لا يكون أمامهم من طريق سوى الاستناد إلى أمر الله.
إنّ هذه النظرية تواجه بعض المشاكل التي يمكن إجمالها على النحو الآتي:
أولًا: من الواضح جدًا أنّ تصديق كثيرٍ من القضايا، التي هي من قبيل: قبح الظلم والسرقة والقتل والتهمة والرياء والعُجب والغرور والتكبّر، وحُسن العدل والرحمة والصدق والبِشر والتواضع والإيثار، لا يتوقف على الإيمان بالدين، وهذا ما يُجمع عليه قاطبة الناس بأسرهم.
وثانيًا: لو سألتم الأشعري: ما هو الدليل على وجوب إطاعة جميع الأوامر الإلهية؟ سوف يعجز عن الإجابة عن هذا السؤال؛ لأنّه إنْ أجاب عن ذلك بالقول: إنّ الدليل على ذلك هو أمر الله به، فسوف يلزم منه الدور؛ وذلك لأنّ سؤالنا إنّما هو عن علة وجوب إطاعة كلّ أمرٍ إلهيّ بما في ذلك هذا الأمر. وإنْ أجاب بأنّ الدليل
على ذلك هو حكم العقل، فسوف يكون قد تنكر لمبناه وعمل على نقضه بنفسه.
ذهب جمعٌ من علماء الشيعة إلى القول باستقلال القيَم الأخلاقية في ذاتها وفي مقام الثبوت عن أمر الله ونهيه، وأمّا في مقام المعرفة فإنّ بعضهم في الحدّ الأدنى يرى ضرورة بعض القضايا الدينية. فعلى الرغم من التأكيد على الحسن والقبح الذاتي للأفعال، تعدّ معرفة بعضها عقلية ومعرفة بعضها الآخر شرعية؛ بمعنى أنّ القيَم الأكثر أصالةً وكليةً تعرف من طريق العقل، وأمّا الجزئيات والفرعيات وطرق الوصول إلى تحصيل القيَم الأصيلة، على مستوى بعض الموارد يتم الحصول عليها ـ في الحد الأدنى ـ بوساطة الشرع. وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق تستمد من الوحي الإلهي والعلوم النازلة من قبل الوحي والإلهام على أولياء الله. إنّ الدين يعمل على تعيين وتحديد القيَم الأخلاقية في مقام الإثبات، ويساعدنا في معرفة حسن الأفعال وقبحها ومعرفة حدودها وشرائطها.
إنّ هذه النظرية يمكن الدفاع عنها في الجملة، فهي تقوم على بداهة أنّ العقل لا يمكنه تعيين جميع القيَم الأخلاقية وحده، وإنْ كان يمكن القبول ببعض أصول القيَم الأخلاقية، من قبيل: حُسن العدل وقبح الظلم، دون حاجة إلى الدين والمعتقدات الدينية. وكما سبق أنْ ذكرنا، لا يمكن أنْ نتوقع من الشرع تعريفنا بالقيَم الأصلية؛ وذلك لأنّ أثبات أصل حجية الشرع يتوقف على الإيمان والقبول السابق بهذه القيَم الأصلية والجوهرية. فلو لم يكن فهم هذه القيَم بشكلٍ مستقلّ عن الدين أمرًا ممكنًا، لزم من ذلك محذور الدور. وأمّا بعد إثبات حجية الشرع، فحيث لا يكفي علمنا لمعرفة العالم والغاية والمسير إليه بشكل كامل، يكون الإيمان بالرجوع إلى الشرع لفهم فروع القيَم الأخلاقية أمرًا ممكنًا ومقبولًا.
يذهب كثيرٌ من فلاسفة الأخلاق في الغرب إلى القول بأنّ افتراض وجود الله يُعدّ واحدًا من احتياجات الأخلاق إلى الدين، بل يقومون بإثبات وجود الله بوساطة البراهين الأخلاقية أيضًا. إنّ طرق الاستدلال الأخلاقية على وجود الله تشترك بأجمعها في هذه النقطة، وهي أنّها تجعل الأخلاق تابعةً إلى الدين.
يبدو أنّ إيمانويل كانط هو أول من استند إلى الأخلاق من أجل إثبات وجود الله. وقد شكّلت أدلّته بعد ذلك مادّةً للبراهين الأخرى التي يُطلق عليها عنوان (البراهين الأخلاقية على وجود الله). فهو على الرغم من عدم قوله بتمامية أيّ واحدٍ من براهين العقل النظري على إثبات وجود الله، فإنّه يرى لزوم العقل العملي والقوانين الأخلاقية، هو القبول ببعض التعاليم الدينية، من قبيل: وجود الله، وخلود النفس، ويؤمن بها بوصفها من الأصول المتسالم عليها من قبل العقل العملي. وإليك نص كلام إيمانويل كانط في هذا الشأن:
«إنّ العقل يأمرنا بإيجاد أفضل أنواع الخير. وإنّ لهذا الخير عنصرين، وهما: الفضيلة التامّة، والسعادة. إنّ الفضيلة هي علّة السعادة، وإنّ السعادة عبارة عن التنسيق والاعتدال ما بين الطبيعة وإرادة ورغبة الإنسان. وبعبارةٍ أخرى: الحالة الموجودة لعاقل في العالم يقوم كلّ شيءٍ في جميع أنحاء وجوده على أساس إرادته ومشيئته. ومن ناحية فإنّ الإنسان ليس هو خالق العالم، ولا يمكن أنْ يقيم نظمًا في هذا العالم، بحيث يعمل على تنظيمه بما ينسجم مع مشيئته وإرادته، لكي يُعدّ السعادة لنفسه بما يتناسب مع الطبيعة. ومن هنا يجب علينا أنْ نفترض وجود علّةٍ للطبيعة بحيث تنماز منها وتكون سببًا في إقامة التوازن الدقيق بين الفضيلة والسعادة، وهو الله».
والخلاصة هي أنّنا حيث نكون ملزمين بإيجاد أفضل أنواع الخير، إذًا يجب أنْ يكون ذلك ممكنًا، وإنّ إمكان أفضل أنواع الخير يستلزم وجود الله. وعلى هذا الأساس فإنّ الأخلاق تستلزم وجود الله. إنّ التقارير الأخرى التي تمّ الاستدلال بها تبعًا لكانط على وجود الله من طريق البرهان الأخلاقي، تؤكّد حاجة الأخلاق إلى الدين، ومن بين أهمّ هذه التقارير ما يأتي:
1. إنّ كلّ واحدٍ منا يشعر في قرارة نفسه بوجود قوّةٍ تعمل على إصدار الأوامر الأخلاقية. إنّ هذا الأمر والنهي يحتاج إلى آمرٍ وناهٍ. وإنّ الإنسان نفسه لا يمكنه أنْ يكون هو الآمر والناهي؛ لأنّ الذي يأمر به اليوم، يمكن له أنْ يأمر بخلافه في اليوم التالي. في حين أنّ الوظائف الأخلاقية مطلقة، وأنّ منشأ صدورها هو الله، ولمّا كانت توجد لدينا وظائف أخلاقية مطلقة؛ إذًا يجب أنْ يكون الله موجودًا.
2. إنّ الشكل الآخر لهذا البرهان مع اختلاف يسير، يدّعي أننا نعتقد بأنّ القانون الأخلاقي يحافظ على قوته ومرجعيته، سواء عملت الإرادات الجزئية للإنسان على قبول الأوامر والأصول الأخلاقية أم أنكرتها. فلو قبلنا بالقوّة والمرجعية الأخلاقية، وجب علينا الاعتراف والإقرار فعليًا بوجود الله بوصفه القادر وحده على إيجاد ذلك؛ لكي يكون منشأ اقتدار القوانين الأخلاقية خارجًا عن الإرادات الإنسانية تمامًا.
3. هناك من يدّعي وجود كثيرٍ من التماهيات والاشتراكات بين الأحكام الأخلاقية في الثقافات المتباينة بالكامل وفي المراحل التاريخية المتعددة. وإنّ الاختلافات التي نراها فيها هي في الغالب ظاهريةٌ وغير أساسية، ويمكن نسبتها إلى الاختلاف في العقائد والأذواق. إنّ وجود المشتركات الكثيرة إنّما يمكن بيانه من خلال افتراض وجود الله فقط، إذ هو الذي يكتب قوانينها على صفحات قلب الإنسان.
4. يقال في بعض الأحيان: إنّ مفهوم القانون في حدّ ذاته يحتاج إلى مُقنّن، وفي السياق ذاته يقال بأنّ مفهوم القانون الأخلاقي يحتاج إلى مقننٍ ومشرّعٍ إلهي. وعلى هذا الأساس فإنّ إقرارنا وتصديقنا بالقانون الأخلاقي يستلزم الاعتقاد والإيمان بوجود الله سبحانه وتعالى.
5. إنّ من بين أكثر البراهين الأخلاقية جاذبيةً وتأثيرًا، هي تلك التي تأخذ جانبًا من مضمون القانون الأخلاقي بوصفه مقدمةً لها. من ذلك أنّهم يقولون ـ مثلًا ـ نحن ملزمون من الناحية الأخلاقية بالعمل على تكامل أنفسنا وإيصالها إلى أفضل أنواع الخير. ومن ناحية أخرى يمكن في الحدّ الأقصى أنْ نبدأ بعملية التكامل الأخلاقي، بيد أنّ إيصالها إلى مرحلة الكمال يستوجب شروطًا مختلفة تمامًا، وإنّ هذه الغاية بالنظر إلى الحياة في ظلّ الطروف الراهنية ـ أي: من دون الاعتقاد بوجود الله وخلود الروح ـ غير قابلةٍ للتحقّق والحصول. ولكن حيث يكون التكامل الشامل مطلوبًا منا بوصفه تكليفًا، إذًا يجب أنْ يكون ذلك قابلًا للتحصيل. وعلى هذا الأساس فإنّ لازم تجربتنا الأخلاقية الفعلية، هي القول بوجود الله وخلود الروح.
6. إنّ القوانين والقيَم الأخلاقية عينية، فلا يمكن أنْ تكون نسبية. إنّ كلّ أمرٍ عيني يحتاج في وجوده إلى خالق، ولا يمكن أنْ يكتب له التحقّق من دونه. إنّ هذا الكائن لا يخرج من إحدى حالتين؛ فإمّا أنْ يكون أمرًا ماديًا وإمّا شخصًا. والمادّة لا يمكنها أنْ تخلق القيَم؛ وذلك لأنّ المادّة وقوانينها إنّما تقتصر على وصف الأشياء، ولا تحتوي على حكمٍ وواجبٍ وحرام. يضاف إلى ذلك أنّ المادّة لا يمكنها تجاوز قوانين الطبيعة، ولكن يمكنها انتهاك الأصول الأخلاقية. إذًا يجب ألّا يكون خالق القوانين الأخلاقية أمرًا ماديًا، بمعنى أنّ الذي يخلق القوانين الأخلاقية يجب أنْ يكون شخصًا. وهذا الشخص بدوره لا يخرج من إحدى حالتين؛ فهو إمّا أنْ يكون إنسانًا أو لا يكون
إنسانًا. والأول غير ممكن؛ لأنّ أفراد الإنسان يقبلون التغيّر والتحوّل، وأمّا القيَم فهي ثابتة. إذًا يجب أنْ يكون هذا الشخص خالدًا وأفضل من جميع أشخاص الناس، ليكون هو الخالق للقوانين الأخلاقية. ولا يمكن لهذا الشخص أنْ يكون هو غير ذلك الوجود الذي نطلق عليه عنوان الإله. وهذا هو حاصل برهان سي إس لويس (1898 ـ 1963 م) في كتابه Mere Christianity. كما يذهب سورلي بدوره في كتابه (Moral Value and the Idea of God) إلى الاعتقاد بأنّ جذور الإيمان بالله موجودة في الاعتقاد بالنظام الأخلاقي العيني، وأنّ له اعتبارًا خالدًا.
إنّ من بين احتياجات الأخلاق إلى الدين، هي المعلومات الصادقة والناظرة إلى الواقع بشأن العالم والإنسان والمبدأ وغاية الوجود. وفي غير هذه الصورة فإنّ القضايا الأخلاقية ـ سواء أكانت بلغةٍ إنشائية، ووجوب وحرمة (من قبيل: يجب عدم ظلم الآخرين)، أم كانت بلغةٍ إخبارية (من قبيل: إنّ الظلم قبيح) ـ سوف تكون مفتقرةً إلى الاعتبار والاستحكام الكافي. توضيح ذلك أنّ النظريات في حقل المدارس الأخلاقية تنقسم إلى طائفتين، وهما: الواقعية، وغير الواقعية. أمّا أنصار الواقعية فيذهبون إلى ربط القيم واللوازم الأخلاقية بالحقائق والواقعيات العينية، ويرون أنّ القضايا الأخلاقية معبّرةٌ عن الواقع. وأما غير الواقعيين فيذهبون إلى النقطة المقابلة، ولا يعدّون العبارات الأخلاقية معبّرةً عن الواقع. لا يمكن القبول بالمدارس الأخلاقية غير الواقعية؛ لأنّها تعاني من كثيرٍ من المشاكل، نذكر منها على سبيل المثال ما يلي:
1. الصدق وعدم الكذب: إذا لم تكن القضايا الأخلاقية معبّرةً عن الواقع، وقامت على أساس الأذواق والأمزجة الفردية، فإنّها سوف لا تقبل الصدق والكذب؛ وذلك لأنّ الصدق يعني مطابقة الخبر للواقع، والكذب يعني عدم التطابق مع الواقع. وحيث إنّ القضايا الأخلاقية ـ بناءً على الاتجاه غير الواقعي ـ لا تشير إلى أيّ واقعيةٍ أو حقيقةٍ عينية، كيف يمكن الحديث إذًا عن مطابقتها أو عدم مطابقتها للواقع؟
2. إغلاق باب العقل والاستدلال في الأخلاق: بعد سلب قابلية الصدق والكذب، لا تبقى هناك إمكانية لردّ أو إثبات القضايا الأخلاقية أيضًا؛ وذلك لأنّ الإثبات يعني بيان صدق قضية ما، والرّد يعني بيان كذبها. وبذلك سوف تنغلق جميع الطرق أمام ترجيح مذهب على آخر؛ إذ بناءً على الآراء غير الواقعية، غاية ما تكشف عنه الأحكام الأخلاقية هو تعلّق إرادة المنشئ بذلك الحكم، ولكن لن يكون هناك أيّ طريقٍ إلى إثبات صوابية وعدم صوابية أيّ حكمٍ أخلاقي؛ وذلك لأنّ منشأها هو الأحاسيس والأذواق، ولا يمكن بيانها بشكل عقلاني. وبذلك سوف تنسدّ جميع الأبواب أمام بيان معقولية الأحكام الأخلاقية؛ لأنّ التحليل العقلاني للقضايا الأخلاقية إنّما يكون ممكنًا إذا كان هناك ارتباطٌ منطقيّ بين القيَم والحقائق العينية، وإلا لن يكون هناك أي معيارٍ أو دليلٍ عقلي لردّ أو إثبات الأحكام الأخلاقية.
3. التعددية الأخلاقية: مع نفي الواقعية سوف يتم القبول بجميع القضايا والمدعيات الأخلاقية على نسقٍ واحدٍ مهما كانت متعارضة، وعندها سوف تسود الفوضوية الأخلاقية. ويكون قتل المظلومين والنهب والعدوان ممدوحًا على قدم المساواة مع إيواء المشردين وعدم التعدّي على حقوق الآخرين.
4. النسبية الأخلاقية: من خلال ربط الأخلاق بالذواق والرغبات، يجب أنْ
نكون في الأحكام الأخلاقية تابعين للمشاعر والأحاسيس المؤقتة والآنية، وحيث تكون هذه الأمور في غاية الاضطراب، سوف تزول جميع أنواع الثبات في الأخلاق.
إنّ هذا النوع من المشاكل دفع كثيرًا من المذاهب الأخلاقية إلى الاتجاه نحو الأخلاقية بشكلٍ وآخر. وهنا لا يمكن القبول بأيّ نوعٍ من أنواع الاتجاه نحو الواقعية؛ وذلك لوجود آراء مختلفة في البين، من قبيل: مذهب اللذة الشخصية لكورنا وأبيقور، ومذهب القوّة والاقتدار لفريدريش نيتشه، والمذهب النفعي لبنتام. على الرغم من أنّ كلّ واحدٍ من هذه المدارس يعمل على ربط القضايا الأخلاقية بواقعية خارجية، من قبيل: اللذة أو القدرة أو المنفعة، بيد أنّ كلّ واحدٍ منها قد نسي بشكلٍ وآخر الواقعية الوجودية الأفضل ألا وهو الخالق الأوحد؛ حيث يكون الكمال البشري الأسمى هو الاقتراب من هذا الموجود. إنّهم قد استندوا إلى واقعيات لا تحظى إلا على الاعتبار والقيمة الأدنى من القيَم الإلهية وقابلية الإنسان للتكامل. إنّ الدين الصادق يقدّم لأفراد البشر معلوماتٍ من شأنها أنْ تمنحه الأخلاق المثلى، وتضع بين أيديهم مشروعًا تأسيسيًا جديدًا.
إنّ من بين احتياجات الأخلاق إلى الدين، ما يرتبط بتعيين الهدف والغاية من الأفعال والقيَم الأخلاقية. توضيح ذلك أنّ أساس القيَم الأخلاقية هي غايات وأهداف الأفعال والسلوكيات. إنّ قيمة الأفعال الأخلاقية رهنٌ بغاياتها وأهدافها. ولمّا كانت لدينا غاياتٌ مقدّسة، وتكون لها مطالب ذاتية عندنا، فيجب أنْ نقوم
ببعض الأعمال التي توصّلنا إلى تلك الأهداف والغايات المقدّسة. ومن هنا تظهر القيَم الأخلاقية. وعلى هذا الأساس يُقال إنّ غاية الإنسان هي الوصول إلى القرب من الله وهذا الأمر من أسمى الأهداف التي يتمّ وضعها من أجل المسار التكاملي للإنسان، وإنّ قيمة الأفعال الأخلاقية تنشأ من هذا المصدر. وإنّ الذي يستوجب القرب من الله مباشرة، أو يعمل على إعداد الأرضية المناسبة للتقرّب من الله سبحانه وتعالى ينطوي على قيمة. وعلى هذا الأساس يتمّ الربط بين الدين والأخلاق وتبعية الأخلاق إلى الدين على هذا النحو وهو أنّ معرفة الله يتمّ الحصول عليها في الدين، ويتمّ التعريف به بوصفه غايةً لتكامل الإنسان، ومن هنا تتبلور القيَم الأخلاقية؛ بمعنى أنّه لو لم يقم الدين والتعاليم الدينية بإثبات هذه الأمور، لما قامت القيَم الأخلاقية على أيّ أساس. والنتيجة هي أنّه على الرغم من استقلال حقل الأخلاق والدين، إلا أنّ الخدمة الجليلة التي يقدّمها الدين إلى الأخلاق، هي أنّه يعمل على تحديد الغاية العُليا للقيَم الأخلاقية.
كان سقراط يذهب إلى كفاية المعرفة بالأخلاق الحسنة للعمل بها. بيد أنّ هذا الكلام غير تام، كما أنّ أرسطو ذهب في ذلك إلى خلاف رأيه؛ وبذلك يكون قد خالف أستاذ أستاذه؛ فإنّه لم يكن يعدّ مجرّد المعرفة علّة تامّة للقيام بالفعل أو تركه. وكان أرسطو يرى أنّ العنصر المهم في هذه المسألة يعود إلى ضعف الإرادة. وهذا كلامٌ صحيح؛ إذ إنّ للإنسان بُعدين أحدهما معرفي والآخر سلوكي. وبذلك فإنّه قد لا يعمل على تطبيق ما يعرفه ويفهمه. لقد كانت إحدى مشاكل الإنسان ولا تزال هي أنّه لا يعمل بما يراه حسنًا، ولا يتبع أحكامه العقلية، بل وينتهك أحكام
عقله بشكل واضح جدًا. إنّ طغيان الشهوات الحيوانية تعمل على ضرب أحكام العقل والعواطف الإنسانية بعرض الجدار. وما أكثر الذين يعرفون القيَم والقواعد الأخلاقية بوضوح ولكنهم مع ذلك لا يعملون على مراعاتها، فإنّهم على الرغم من علمهم بخطأ فعلٍ ما فإنّه مع ذلك يرتكبونه، وعلى الرغم من معرفتهم بصوابية فعلٍ ما إلّا أنّهم يتركونه. فالكلّ يعترف ويقرّ بقيمة رعاية حقوق الأسرة والأبناء والإحسان إلى الوالدين ومساعدة الطاعنين في السن والمحرومين، ولكن أغلب الناس لا يطبقون ذلك على أرض الواقع. وهذا يمثل شاهدًا حيًا على أنّ العلم والعقل لا يشكلان دافعًا كافيًا للعمل والقدرة وخلق الداعي إلى الحركة نحو القيام بالأخلاق. وعلاوةً على ذلك وفي ضوء معطيات علم النفس، إذا لم نقل بأنّ جميع الناس، فلا أقلّ من القول بأنّ كثيرًا منهم ما لم يكن هناك تشجيعٌ وحثٌّ أو ردعٌ وعقوبة، فإنّهم لا يبدون من تلقائهم رغبة أو ميلًا للقيام بالأفعال الحسنة أو ترك الأفعال القبيحة. وفي الحقيقة فإنّ المصالح والأنانيات وحبّ الذات في جميع الأمور ـ بما في ذلك المسائل الأخلاقية ـ آخذةٌ بخناق عموم الناس، وقلّما نجد هناك شخصًا يبدي التزامه بالقيَم الأخلاقية والمعايير الدينية لمجرّد حبّ الحقيقة وحبّ الله سبحانه وتعالى. فهناك كثيرٌ من الناس يرضخون للقيام بالأعمال الأخلاقية إمّا شوقًا إلى الجنة ونعيمها أو خوفًا من النار ولهيبها، فيقومون بالأفعال الحسنة ويرتدعون عن ارتكاب الأفعال القبيحة من هذه المنطلقات. ومن هنا تتضح حاجة الأخلاق إلى الدين بشكلٍ أكبر؛ إذ يمكن القول إنّه من دون الدين وبعض المفاهيم الدينية، من قبيل: الاعتقاد بالعدل الإلهي، والإيمان بالمعاد والحساب والعقاب على أعمال العباد، فإنّ كثيرًا من الناس سوف لا يبدون التزامًا كبيرًا بالأصول والقيَم
(389)الأخلاقية. يمكن للدين تقديم الضمانات اللازمة وبيان التأثيرات والفوائد الدنيوية والأخروية للأفعال الأخلاقية، وأنْ يعمل على هداية الناس وتوجيههم إلى العمل بالقيَم الأخلاقية. إنّ الدين من خلال أرقى الوعود، لأجل القيام بالأعمال الصالحة والحسنة، وبيان أشد أنواع الوعيد والتهديد لمن يقترف الأعمال السيئة والقبيحة، يستوجب تفعيل القيَم الأخلاقية.
وهكذا فإنّ الدين يساعد الإنسان على تحصيل الأسباب والعوامل الداخلية للتحرّك نحو الأخلاق وتكون له أفعال متناسبة معها، فيتم حمل بعض الناس إلى القيام بالمعايير الأخلاقية وبعضهم الآخر بوساطة التخويف والوعيد. إنّ الحصول على خطاب الوحي والإيمان به يخلق لدى كلتا الطائفتين قوّةً خاصّةً للتحرّك، وهي قوّةٌ لا تقاس بسائر العوامل المحرّكة سواء في ذلك الداخلية والخارجية منها. فالجميع يستمع إلى أوامر الله عزّ وجلّ، ومن بين أعظم الكائنات والأولياء الإلهيين الذين هم خير من على وجه الأرض يطيعون الله بشكل أكبر، وهذه الطاعة لأوامر الله لدى الناس تنشأ إمّا من الحبّ، وإمّا من الوعد بالثواب والوعيد بالعقاب.
إنّ جميع الناس على الرغم من وعيهم العقلي والداخلي بالقضايا الأخلاقية، فأنّهم حيث يقعون تحت حصار أسباب الغفلة يعرض لهم النسيان ولا يعودون يمتلكون الالتفات الكافي إلى معلوماتهم الأخلاقية. وهذا الأمر لا يقتصر على الدهماء من الناس وعوامهم فقط، بل يتعرّض له حتى أصحاب الحجى والعقول والفكر أيضًا. ومن هنا فإنّه للعمل بالأخلاق تكون هناك ـ بالإضافة إلى الإدراك الداخلي ـ حاجةٌ إلى التذكير من قبل مصدرٍ قدسيّ ومعتبرٍ أيضًا، وإنّ الدين خير معينٍ من هذه الناحية.
والنتيجة هي أنّ الأخلاق من دون الدين لا تنطوي على الجدوائية المطلوبة، ولا
(390)شكّ في أنّها ستترك الإنسان في منتصف الطريق ولن توصله إلى الغاية والمنزل الأخير. وفي الحقيقة فإنّ الدين يعمل على إيقاظ الوجدان من السبات، وينفخ في جمرات الضمير والفطرة الخامدة. إنّ العقل والعلم وحدهما لا يمتلكان مثل هذه القدرة. إلّا أنّ انضمام الدين إليهما يرفع هذا النقص. يدرك الجميع في وجدانهم وفطرتهم قيمة احترام كبار السن والوالدين وتقديم العون للمحرومين والمحتاجين والحنوّ على الصغار، ولكن تعرض هناك عوامل وتضرّ بهذه الفطرة وتعمل على إضعافها. فالكلّ في ضيقٍ وقلقٍ من تحوّل العلاقات الإنسانية إلى علاقاتٍ ميكانيكيةٍ تتحكم بها الأموال والنقود، ويشكون من ضعف العواطف الإنسانية، ويبحثون لذلك عن طرقٍ لرفع هذا النقص، بيد أنّ المجتمع والإنسان يعانيان من ضعف الإيمان وينتهيان دون وعي إلى هذه الأنحاء. إنّ التعاليم الدينية تعمل على إيقاظ الوجدان من سباته، وتحول دون ضعفه. وفي المقابل يؤدّي الإلحاد إلى ضعف الوجدان.
إنّ الأستاذ العلّامة محمّد تقي المصباح اليزدي يذهب من جهة إلى اعتبار الأخلاق والدين ضمن حقلين مستقلين عن بعضهما، وإنّهما يتعاملان ويتعاطيان فيما بينهما، وهناك نقاطٌ من الاختلاف والاشتراك بينهما. يرى سماحته: «أنّ المراد من الأخلاق إذا كان هو تلك المسائل والموضوعات والأخلاق ـ بغض النظر عن النظرية التي يقدّمها الدين تجاه الأخلاق ـ فسوف تكون النسبة القائمة بينهما هي نسبة العموم والخصوص من وجه».
وقال سماحته في هذا الشأن: على أساس التحليل الذي قدّمناه عن المفاهيم والقضايا الأخلاقية، والتي رأيناها معبّرةً عن العلاقات الواقعية والحقيقية بين
الأفعال الاختيارية والإرادية للأشخاص وكمالهم النهائي، لا تكون الأخلاق متوقفةً على الدين؛ بمعنى أنّه لم يؤخذ أيّ اعتقادٍ في أصل هذه النظرية. فيمكن الإيمان بهذه النظرية دون أنْ الالتزام بالعقائد الدينية. ولكن عندما نريد التعرّف على الكمال النهائي ونكتشف العلاقة بين الأفعال الاختيارية والكمال النهائي، نكون في هذه الحالة بحاجةٍ ماسّةٍ إلى الدين؛ كما نكون بحاجةٍ إلى محتوى الوحي أيضًا. وعلى هذا الأساس سوف تكون الأخلاق بحاجةٍ إلى الدين سواء في تعيين المصداق والهدف النهائي أم في تشخيص الأفعال القيَميّة والمنافية للقيَم والحيادية أيضًا.
ومن ناحية أخرى فإنّه يرى أنْ العلاقة بين الدين والأخلاق هي من نوع الاتحاد بين الجزء والكل أو العام والخاص المطلق، وبذلك فإنّه يعدّ الأخلاق جزءًا من الدين. وعلى هذا الأساس يكون هناك نوع من العلاقة الطبيعية بينهما من قبيل علاقة الرأس بالجسد. ولو شبّهنا الدين بشجرة ذات جذعٍ وجذورٍ وأغصان؛ فإنّ العقائد سوف تكون عبارةً عن جذورها، والأخلاق جذعها، والأحكام أغصانها وأوراقها. ومن الواضح أنّ صلة جذع الشجرة بذات الشجرة ليس من نوع العلاقة بين شيئين منفصلين ومستقلين ومتباينين عن بعضهما، وإنّما جذع الشجرة يُعدّ جزءًا من مجموع الشجرة. وهو يرى أنّ هذه النظرية أدعى إلى القبول.
إنّ نظرية التباين التي تؤكّد الفصل بين الدين والأخلاق في المساحة والهدف، غير تامة؛ وذلك لأنّ تحديد مساحة الدين وأهدافه بالعلاقة بين الإنسان وخالقه، يستلزم إلغاء أركان مهمّة من الإسلام.
كما أنّ القول بالتعارض بين الدين والأخلاق ـ الذي نطق به أمثال فريدريك نيشته وكارل ماركس ـ إنّما ينشأ من التعارض بين المسيحية والعلم والأخلاق، ولا يمكن تعميم ذلك على الإسلام. وفي نظرية التعامل في حقل حاجة الدين إلى الأخلاق، يمكن القول: إنّ ضرورة معرفة الله وعبادته لا تتوقّف على الحكم الأخلاقي، وإنْ كانت الفطرة الأخلاقية للإنسان تستحثّه وتشجعه على ذلك. وفيما يتعلق بحاجة الأخلاق إلى الدين، يمكن القول:
إنّما المقبول في ذلك هو مجرّد الحاجة المفهومية التصديقية في مقام الإثبات فقط؛ بمعنى أنّ القيَم الأخلاقية مستقلةٌ في ذاتها وفي مقام الثبوت عن الأمر والنهي الإلهي. ولكن بعضها في مقام المعرفة يحتاج إلى القضايا الدينية. إنّ القيم الكلية يتمّ التعرّف عليها من طريق العقل، وأمّا الجزئيات والفرعيات وسبل الحصول على القيَم الأصيلة، فيمكن الحصول عليها في بعض الموارد ـ في الحدّ الأدنى ـ من طريق الشرع. إنّ العقل البشري لا يستطيع وحده أنْ يعمل على تعيين جميع القيَم الأخلاقية.
إنّ من بين احتياجات الأخلاق إلى الدين، هي المعلومات الصادقة والناظرة إلى الواقع بشأن العالم والإنسان والمبدأ وغاية الوجود. وفي غير هذه الصورة فإنّ القضايا الأخلاقية ـ سواء أكانت بلغةٍ إنشائية، ووجوب وحرمة (من قبيل: يجب عدم ظلم الآخرين)، أم كانت بلغةٍ إخبارية (من قبيل: إن الظلم قبيح) ـ سوف تكون مفتقرةً إلى الاعتبار والاستحكام الكافي.
ومن بين حاجات الأخلاق إلى الدين، ما يرتبط بتعيين الأهداف والغايات من الأفعال والقيَم الأخلاقية. إنّ الدين يعمل على تمكين الإنسان من العمل بالأخلاق، ويخلق لديه العوامل الداخلية للتحرّك نحو الأخلاق والقيام بالأفعال المتناسبة معها، فيدعو بعضهم إلى هذا الأمر بوساطة الحبّ، ويدعو كثيرًا منهم إلى احترام المعايير والقواعد الأخلاقية بوساطة الوعد والوعيد.
(393)وكذلك فإنّ التعاليم الدينية تقلل من أسباب نسيان الأخلاق، ومن خلال العمل على إزالة الغفلة والقيام بالتذكير من قبل مصدرٍ مقدّسٍ ومعتبرٍ، يتم العمل على إيقاظ الوجدان من السبات، وينفخ في جمرات الضمير والفطرة الخامدة.
وفي حقل اتحاد الجزء والكل أو نسبة العموم والخصوص المطلق بين الأخلاق والدين، يبدو أنّ بالإمكان تقسيم الأخلاق إلى نوعين، وهما: النوع الداني، والنوع العالي. وإنّ الأخلاق الدانية مرتبة من الأخلاق لا تتوقف على الدين؛ بمعنى أنّه يمكن فهمها وقبولها من دون أنْ نعتقد بدين خاص. وأمّا الأخلاق العالية فلا يمكن الحصول عليها إلّا في ضوء الدين. وكما أنّ الدين يعمل على إثراء العقل، فإنّه يعمل على تطوير الأخلاق أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ العقل يأخذ بأيدينا ويقوم بربطنا بالدين، ويعمل على إثبات ضرورة وجود الله والدين، إلا أنّ هذا الدين سوف يعمل لاحقًا على ردّ الجميل إلى العقل من خلال العمل على إثرائه. وهكذا الأمر بالنسبة إلى الأخلاق أيضًا. إنّ الأخلاق الدانية مستقلةٌ عن الدين، والأخلاق العالية تابعةٌ له بل هي جزءٌ منه. فواحدةٌ منهما تقع خارج الدين، والأخرى تكمن في صلب الدين. وإنّ أحدهما يقع في عرض الدين والآخر في طوله ويعدّ مرتبةً من مراتبه. وإنّ ما قيل في حقل الأخلاق الدانية والعالية وارتباطهما بالوحي، يمكن تفكيكه في حقلي الفهم والعمل؛ بمعنى أنّه تمسّ الحاجة إلى الدين سواء في فهم الأخلاق العالية أم في القدرة على العمل بها، وأمّا الأخلاق الدانية فلا تكون مدينةً إلى الدين على كلا الاتجاهين.
(394)
(397)
حميد رضا شاكرين
إنّ الدين مجموعةٌ من العقائد والقوانين العملية والأخلاقية التي جاء بها الأنبياء والرُسل من عند الله لهداية الناس وضمان السعادة لهم في الحياة الدنيا وفي الآخرة. والأخلاق جمع خُلُق بمعنى الطبع والعادة والسجية والملَكات أو الصفات النفسية الثابتة الأعم من الحسنة والقبيحة، وتشمل جميع الفضائل والرذائل. ويُطلق على الملَكَات التي تكون منشأً للأفعال الجميلة والمحمودة مصطلح الخُلق الحسن أو الفضيلة، ويطلق على الملَكَات التي تكون منشأً للأفعال المذمومة مصطلح الخُلُق القبيح والسيئ أو الرذيلة. والمرادف التقريبي لهذه المفردة في اللغة الإنجليزية هو (Morality) أو (Ethics).
وقد ذكروا للأخلاق في المصطلح معاني متعدّدة، نذكر من بينها ما يلي: الأخلاق هي الصفات النفسية الأعم من الثابتة وغير الثابتة؛ وإنّ الأخلاق هي الملَكَات أو الصفات النفسية الراسخة والثابتة الأعم من الحسنة والقبيحة. وهناك من
قال بأنّ الأخلاق عبارةٌ عن الصفات والسلوكيات النفسية، وهناك من قال إنّها الصفات الحسنة والمحمودة. وتارةً تستعمل كلمة الأخلاق بما هي صفةٌ للأفعال الحسنة دون الصفات والملَكَات النفسية. وفي هذه الحالة فإنّ الأفعال بغض النظر عن منشئها النفسي، تتصف بالحُسن والقبح، وبعبارةٍ أخرى تتصف بالأخلاقية والقيَميّة أو غير الأخلاقية وغير القيَميّة.
كما ذكرت تعاريف أخرى للأخلاق والعمل الأخلاقي أيضًا؛ ومن ذلك ـ مثلًا ـ أنّ إيمانويل كانط يرى أنّ الأخلاق مجموعةٌ من القوانين المُلزمة المطلقة وغير المقيّدة وغير المشروطة، التي يجب أنْ تكون أعمالنا متطابقةٌ معها. وهناك استعمالٌ آخر للأخلاق يقع في قبال القانون. إنّ هذا الاستعمال يعمل على تعريف الأخلاق بأنّها الأمور الالتزامية، ويعرّف القضايا الحقوقية أو القانونية بأنّها القضايا الإلزامية. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الحسن والقبيح أو الواجبات والمحظورات العملية تقبل التقسيم إلى قسمين، وهما:
1. الأحكام والقضايا ذات الضمانة التنفيذية من خارج إرادة الشخص؛ أي من قبل الحكومة وأجهزة الدولة، وهي التي تسمّى بالقانون.
2. الواجبات والمحظورات التي تنطوي على مجرّد ضمانة تنفيذية داخلية، وهي تابعةٌ للالتزام الشخصي دون الإلزام والإكراه القانوني والحكومة، وهي التي تُسمّى بالأخلاق.
إنّ المراد من الأخلاق في هذه المقالة ـ على ما سيتضح في الأبحاث القادمة ـ هو العمل الصالح والحسن على أساس الدوافع المتعالية.
هناك كثيرٌ من الصوَر والآراء المحتملة التي تمّ ذكرها بشأن النسبة بين الدين والأخلاق. وقد ذهب وليم بارتلي إلى القول بأنّ هناك ستة أنواعٍ من النسب التي يمكن افتراضها بين الدين والأخلاق، وهي:
1. إنّ الأخلاق جزءٌ من الدين (خفض الأخلاق إلى الدين).
2. إنّ للدين والأخلاق ماهيةٌ واحدة (اشتقاق الدين والأخلاق من بعضهما).
3. إنّ الدين جزءٌ من الأخلاق (خفض الدين إلى الأخلاق).
4.التناغم العام بين الدين والأخلاق؛ بمعنى أنّه لا يمكن اشتقاق أيّ منها من الآخر، ولكن لا يوجد ـ في الوقت نفسه تعارضٌ ـ وتنافسٌ فيما بينهما.
5. التناغم والتنافر في الجملة بين الدين والأخلاق؛ بمعنى أنّ هناك تناغمًا وتجانسًا بينهما ولكن هناك في الوقت نفسه تخالفًا بينهما على نحوٍ جزئي.
6. الاختلاف التام بين الدين والأخلاق؛ بمعنى أنّه لا يوجد هناك قضيةٌ أخلاقيةٌ لا تتعارض مع القضايا الدينية[1].
إنّ الرأي أعلاه لن يكون ادّعاءً بسيطًا، ويكفي لنقضه وجود قضيةٍ واحدةٍ فقط متناغمةٍ مع التعاليم الدينية؛ ومن هنا يذهب بارتلي إلى الاعتقاد بأنّ هذا الافتراض لا يوجد من يقول به من بين المفكرين؛ وإنْ كانت عبارات بعضهم توهم هذا المعنى[2].
ما تقدّم كان ناظرًا إلى تقييم نسبة التعاليم الدينية والمفاهيم الأخلاقية، بيد أنّ بعض المفكّرين المعاصرين في الغرب يتحدّثون بكلامٍ مطلقٍ عن التعارض بين الإيمان والتديّن وبين السلوك والأداء الأخلاقي. لقد تمّ بيان هذه المسألة بتقريراتٍ مختلفة، بيد أنّ الركن الأساس لرأي القائلين به هو أنّ الإيمان الديني مقيّدٌ للعقل
(401)والإرادة الحرّة للإنسان، وأنّ العمل الأخلاقي هو الذي يكون منبثقًا عن العقل والإرادة البشرية. ويُعد فريدريك نيتشه من القائلين بهذا الرأي؛ فهو يرى أنّ الله عدو للحياة، وأنّ العبودية تؤدّي إلى الذل، وقد عدّها مقيتةً من الناحية الأخلاقية، وقال بأنّ تحرّر الإنسان من قيود وأغلال الدين سوف يؤدّي إلى ازدهار طاقاته، وادّعى«أنّ انهيار الإيمان بالله يفتح الطريق أمام الازدهار الكامل للطاقات الإنسانية الخلاقة، ولا يعود بمقدور الإله المسيحي أنْ يغلق الطريق أمامنا بوساطة عقباتٍ من أوامره ونواهيه، ولن تبقى أحداق الإنسان شابحةً نحو عالمٍ كاذبٍ يكمن فيما فوق الطبيعة، ويقع في عالمٍ آخر، بدلًا من هذا العالم».
إنّ فريدريك نيتشه في هذا الرأي لم يكن بمعزلٍ عن التأثّر بإيمانويل كانط. فهو يرى أنّ الأخلاق مجموعةٌ من القوانين الملزمة المطلقة وغير المقيّدة بأيّ قيدٍ أو شرط، وأنّ مصدر كلّ قيمةٍ هي الإرادة الصالحة، وقال بعدم وجود أيّ شيءٍ حسنٍ من دون قيدٍ أو شرطٍ باستثناء الإرادة الصالحة. إنّ معرفة الأخلاقيات ـ من وجهة نظر إيمانويل كانط ـ إنّما تتحقّق من طريق العقل العملي للإنسان، وهي في ذلك غير تابعةٍ لأيّ أمرٍ خارجي، بل إنّ الحكم النهائي فيما يتعلّق بالحسن والقبيح هو وجدان الإنسان، وإنّ الإرادة العقلانية إنّما تطيع القوانين التي تضعها بنفسها. إنّ هذا المذهب الذاتي أو الإرادة المختارة، تقف في قبال مذهب التبعية للآخر، أي التبعية للقانون الذي يضعه الآخر. إنّ إيمانويل كانط بموجب هذا الأصل ينفي الأنظمة الأخلاقية التابعة للآخر.
(402)لسنا هنا بصدد مناقشة ونقد كلام إيمانويل كانط؛ إذ إنّ المناقشة التفصيلية للوجوه الإيجابية والسلبية تحتاج إلى تحقيقٍ مستقلٍّ وهو خارجٌ عن الطاقة الاستيعابية لهذه المقالة، ولكن من الجدير قوله في حدود ما يتناسب وهذا البحث هو أنّ إيمانويل كانط ـ خلافًا لفريدريك نيتشه ـ لم يكن يقول بالتعارض بين العلم والدين أبدًا، وكان ـ على ما سيتضح في الأبحاث القادمة ـ يؤكّد على استقلال الأخلاق عن الدين، وعلى ضرورة اقترانهما واضعًا التديّن في طول الأخلاق.
إنّ من بين الباحثين الآخرين الذين قالوا بأنّ عبادة الله تقع إلى الضدّ من الأخلاق هو جيمس راتشيلز؛ فهو يرى أنّ عبادة الله تعني التسليم المطلق أمام الأوامر الإلهية، وهذا الأمر يتعارض مع استقلال الفاعل الأخلاقي. وعلى هذا الأساس لو أنّ الله حكم بعملٍ مخالفٍ للأخلاق، وجبت إطاعة أمره في ذلك، وهذا يعني التعارض بين الله والأخلاق. وقد ذكر راتشيلز أنّ مصداق هذه المسألة هو أمرُ اللهِ للنبيّ إبراهيم عليهالسلام بذبح ولده، وإطاعة النبيّ إبراهيم لهذا الأمر. هذا في حين أنّ ابن إبراهيم عليهالسلام لم يقترف ذنبًا يستحقّ معه مثل هذه العقوبة، ولا شكّ في أنّ الأخلاق تحكم بعدم جواز قتل الأبرياء بل وحتى إيذائهم. ومن الجدير ذكره أنّ راتشيلز يستنتج من هذا الاستدلال عدم وجود الله. إلا أنّ الحديث في هذا الوجه من المسألة وإشكالاتها المنطقية خارجٌ عن حجم هذه المقالة.
كما أنّ لبعض المفكّرين نظرةً دستوريةً وإرشاديةً وغير توصيفية إلى هذه المسألة، وقد نشأ هذا الأمر بسبب الأزمات الاجتماعية في الغرب وكان عبارةً عن ردّة فعلٍ
(403)على ذلك. وقال جون هاسبرز في هذا الشأن: «هناك كثيرٌ من الذين يتحمّسون إلى تحرير الأخلاق من جميع أنواع التبعية للدين. ويرون أنّ العلاقة الوثيقة بين الدين والأخلاق في أذهان عامّة الناس تشكل خطرًا على الدين وعلى الأخلاق أيضًا؛ إذ لو كانت الأخلاق تابعةً للدين، فإنّ الأخلاق القائمة على الدين سوف تنهار وتضمحل بمجرّد انهيار الدين».
ومن بين القائلين الآخرين بالتعارض بين الدين والأخلاق عددٌ من قادة الإلحاد الجديد، من أمثال: ريتشارد داوكينز، وسام هاريس، وكريستوفر هيتشنز، إلا أنّ مناقشة آراءهم في هذا الشأن تحتاج إلى تحقيقاتٍ ودراساتٍ أخرى لا تتسع لها هذه المقالة.
أ. ارتباط المسألة بملاك الفعل الأخلاقي: لا بدّ من الالتفات إلى أنّ رؤيتنا العامّة إلى ماهية الدين وإلى حقيقة الأخلاق ومعيار الفعل الأخلاقي تؤدّي دورًا جادًا في تعيين النسبة بين الدين والأخلاق. وعلى هذا الأساس لا يمكن ولا ينبغي توقع جعل العلاقة بين الدين والأخلاق متساويةً في ضوء كلّ تعريفٍ أو منطقٍ ومعيار؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ لو أنّ شخصًا نظر إلى اللذة الشخصية بوصفها ملاكًا أصليًا للأخلاق، وقال بأنّ اللذة والألم الشخصي الدنيوي هما المعيار للفعل الأخلاقي، لن يجد ارتباطًا وثيقًا بين الدين والأخلاق، ولربما شاهد في بعض الموارد تصادمًا وتعارضًا بينهما. وأمّا إذا كان ملاك القضايا الأخلاقية التكامل المعنوي للإنسان والوصول إلى القرب الإلهي والحصول على السعادة الخالدة، فلن يحدث هناك أيُّ تضادٍ وتزاحمٍ أو فرقةٍ وانفصالٍ بين الدين والأخلاق أبدًا. والذي يمكن قوله حاليًا في هذا الشأن على نحو الإجمال هو أنّ أخلاقية عملٍ ما تحتوي على ركنين،
(404)وهما: الحُسن الفعلي، والحُسن الفاعلي. وعلى هذا الأساس فإنّ الفعل الذي يتصف بالحُسن الفعلي، ولكن يقوم به الفاعل عن سوء قصدٍ لا يُعد عملًا أخلاقيًا، وإنْ كان الفعل في نفسه متصفًا بالحُسن؛ وهكذا الفعل القبيح إذا قام به الفاعل بحسن نيةٍ لا يُعدّ عملًا أخلاقيًا، وإنْ كان فاعله يُعدّ من حيث الشخصية الفردية شخصًا أخلاقيًا. كما يوجد هناك كثيرٌ من النقاش واللغط بشأن المراد من الحُسن الفاعلي؛ من قبيل: هل الحُسن الفاعلي للقيام بالعمل يكون على أساس حكم الوجدان أو حكم العقل بحسن الفعل أو على أساس مرضاة الله سبحانه وتعالى أو القيام بما يمليه الواجب أو القانون أو شيء آخر لا يتّسع المقام إلى تفصيله في هذه المقالة المختصرة. وعلى كلّ حال ـ كما سيأتي في الفقرة السادسة من هذه المقالة ـ فإنّ العبودية المطلقة لله سبحانه وتعالى في ضوء كلّ واحدةٍ من هذه المباني، سوف تكون أمرًا أخلاقيًا بالكامل.
ب. التلازم بين الدين والأخلاق: حتى لو اعتقد الشخص بمبنى إيمانويل كانط ـ القائل باستقلال القيَم الأخلاقية عن الدين ـ لن يصل إلى نتيجة مفادها التعارض بين الدين والأخلاق، بل وسوف يكون بينهما ارتباطٌ وتعاملٌ إيجابي ثابتٌ وراسخ، ولن ينجح أيّ واحدٍ منهما في الوصول إلى أهدافه من دون الاعتماد على الآخر؛ وعلى هذا الأساس سوف تكون الأخلاق بحاجةٍ إلى الدين، وكذلك الدين سوف يكون تابعًا إلى الأخلاق من بعض الجهات. وإنّ بعض جهات تبعية الأخلاق إلى الدين في حقلي المعرفة والدوافع هي:
1. أنّ الدين من الناحية المعرفية ـ ومن خلال التعريف بالله والكون والإنسان ـ يضمن المباني الأخلاقية. فإنّ كانت الغاية من الأخلاق هي تربية وتنمية القابليات التكاملية لدى الإنسان، فإنّ لازم ذلك هو التعرّف على الإنسان وأبعاده وقابلياته؛
ومن ناحية أخرى لا يمكن للإنسان من دون هداية وإرشاد الدين الإلهي أن يتعرّف على الزوايا والأبعاد الوجودية في نفسه بالشكل المناسب والمطلوب وعلى نحو دقيق وكامل.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الدين يشتمل على عناصر ذاتيةٍ قيّمةٍ للتعريف بالقيم وتحديد مصاديقها، وتقديم المعايير لتقييم القضايا الأخلاقية والعناصر المناسبة لتفسير القضايا الأخلاقية. إنّ الإنسان على الرغم من وجدانه لبعض معايير ومصاديق القيَم الأخلاقية في نفسه، إلا أنّه يضطرّ مع ذلك إلى الرجوع ـ في تعيين كثير من المصاديق الواقعية للقيَم والتفكيك بين مصاديقها الأولية والثانوية ـ إلى خارج ذاته، وفي بعض الموارد لا يكون هناك أمامه من طريقٍ سوى الهداية السماوية.
2. كما أنّ الأخلاق تحتاج من الناحية التحفيزية والباعثية إلى نوعين من المحفزات والمحرّكات، إحداهما: المحفزات الداخلية، والأخرى: العوامل والدوافع المحرّكة الخارجية؛ لا سيّما إنّ هناك من الناحية النفسية في الحدّ الأدنى الكثير من الناس لا يبدون من أنفسهم رغبة إلى القيام بالأعمال الحسنة وترك الأعمال القبيحة، دون أن يكون هناك تشجيع وتذكير مناسب. ومن هنا فإنّ الفطرة الداخلية الباحثة عن الكمال والتقييم، بالإضافة إلى الدين الإلهي وما يشتمل عليه هذا الدين الحقّ من الوعد والوعيد، يضطلعان بهذا الدور على أفضل وجه. وربما من هذه الزاوية ذهب إيمانويل كانط ـ رغم اعتقاده باستقلال الأخلاق عن الدين ـ إلى القول بأنّ سعادة الإنسان رهنٌ بالتلازم والاتحاد بين الدين والأخلاق؛ إذ يقول: «عندما يُضاف الدين إلى الأخلاق عندها يمكن للإنسان أنْ يأمل في الحصول على السعادة بمقدار سعيه الذي قام به من أجل التقليل من مساوئه تجاه السعادة ... وذلك لأنّ
(406)الأمل بالسعادة إنّما ينطلق من الدين فقط».
3. من حيث العناصر الداخلية لمضمون التأسّي والاقتداء، تحظى الأخلاق في الدين بأهميةٍ قصوى حتى أنّ القرآن الكريم قد عدّ تزكية النفوس واحدًا من الأهداف المهمّة في رسالات الأنبياءعليهمالسلام. وقد نُقل في الأثر عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «إنّما بُعثت لأتمّم مكارم الأخلاق». كما كان الأنبياء والأولياء على الدوام من أبرز المعلمين الأخلاقيين للناس في القول والعمل. إنّ القول بالتعارض بين الدين والأخلاق لا ينسجم مع حقيقة الأديان، ولا سيّما الأديان السماوية وبالأخص الشريعة الإسلامية الخالدة؛ فإنّ حقيقة الدين الإسلامي الحنيف وبعض الأديان الأخرى تثبت أنّ الأخلاق جزءٌ مهمٌ لا ينفكّ عن الدين أبدًا. يرى آية الله الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي أنّ العلاقة والنسبة بين الأخلاق والدين علاقةٌ طبيعية، فهي من قبيل نسبة الشجرة إلى سائر أجزائها، وقال في ذلك: «إنّ الدين بمنزلة الشجرة، وإنّ جذورها عبارةٌ عن العقائد، وجذعها الأخلاق وأغصانها وثمارها الأحكام».
ومن ناحية أخرى سبق أنْ ذكرنا أنّ الدين لا يستغني عن الأخلاق. وبطبيعة الحال فإنّ المراد من حاجة الدين إلى الأخلاق ليست هي أنّ الدين يحتوي على بعض النواقص ويحتاج في تكميل نفسه إلى أنْ يمدّ يده نحو الأخلاق مستعطيًا دعمها، بل إنّ الدين والتدين في الحقيقة والواقع لم يتحقّق من دون الدعامة الأخلاقية، وإنّ الفضائل الأخلاقية داعمةٌ للتديّن ومحققةٌ للدين. توضيح ذلك:
1. إنّ من بين الأدلة على ضرورة معرفة الله في حقل العقائد، وجوب شكر المنعم
الذي هو حكم أخلاقي، ومن دون معرفة الله، لن يكون شكره على نعمه الكثيرة أمرًا ممكنًا. وعلى هذا الأساس فإنّ المسألة الأخلاقية القائلة بوجوب شكر المنعم، تعدّ محرّكًا نحو معرفة الله والإيمان والخضوع في حضرته.
2. لقد عمد بعض المفكّرين من أمثال إيمانويل كانط إلى إثبات وجود الله من طريق الأخلاق. فقد رأى أنّ الإيمان بوجود الله يُعدّ نتيجةً ضروريةً للأخلاق، وقال في ذلك: «توجد هنا معرفةٌ عمليةٌ تستند إلى العقل ... وإنّ هذا النوع من القانون عبارةٌ عن قانونٍ أخلاقيّ (التخلّق بالأخلاق الحسنة). وبالإضافة إلى ذلك فإنّ هذا النوع من المعرفة يهدينا بشكل تلقائي إلى الاعتقاد بالله أو في الحد الأدنى يرشدنا إلى مفهوم الله بوصفه مقننًا ومشرّعًا أخلاقيًا، وعلى هذا الأساس فإنّه ينتهي بنا إلى اعتقادٍ دينيّ خالصٍ لا يدركه كلّ إنسانٍ فحسب، بل يقع في أعلى مراتب الحرمة والقداسة أيضًا». وهذا يثبت أنّ المفاهيم والأفعال والسلوكيات الأخلاقية يمكنها أنْ تهدي إلى أهم العقائد الدينية.
3. في حقل الأحكام الدينية كذلك تقع الأخلاق واسطة بين الاعتقاد والعمل وضامنًا تنفيذيًا لها. قال آية الله الجوادي الآملي في تفسير قوله تعالى: (الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ): «يتضح من سياق الآية مورد البحث ـ التي تذكر إقامة الصلاة وإنفاق الزكاة بعد الإيمان بالغيب بأنّها من صفات المتقين ـ أنّه بالإضافة إلى الاعتقاد لا بدّ كذلك من (العمل بالأحكام) أيضًا للحصول على كمال الهداية والتقوى؛ وحيث إنّ الأخلاق والصفات النفسية تقع واسطةً بين الاعتقاد والعمل ـ وإلا سوف تنفصم عُرى الارتباط بين العقيدة والعمل ـ لا بدّ
(408)في تحقق التقوى ـ التي هي ملَكَةٌ نفسيةٌ ومتعلقٌ للهداية ـ من توفّر الصفات النفسية (الأخلاق) بالإضافة إلى الاعتقاد القلبي والعمل الجوارحي أيضًا».
وفي المجموع يمكن القول: إنّ غاية الدين التي هي بناء الإنسان وضمان سعادته في الدنيا والآخرة، لا يُكتب لها التحقّق إلّا من خلال الالتزام الأخلاقي.
ج. أخلاقية التبعية للأحكام الدينية ما فوق العقلية: إنّ القول بالتزاحم بين الدين والأخلاق متأثّرٌ من جهة بالإنسانية والعقلانية في المرحلة الحديثة كردّة فعل تجاه الإيمان واللاهوت المسيحي، وبذلك فإنّها في الحدّ الأدنى لا تتناسب مع خصائص الإسلام واهتمامه بالعقل البشري. ومن ناحية أخرى فإنّ بيان أيّ نوعٍ من النظريات العامّة والشاملة على أساس التجارب الدينية والمذهبية الخاصّة لا يبدو منطقيًا؛ ثم إنّ كلّ دينٍ يمكن أنْ يشتمل على أحكامٍ وقضايا وراء العقل، بل إنّ من بين وجوه حاجة الإنسان إلى الدين هو الحصول على المعارف التي لا يمكن للعقل أنْ يصل إليها بمفرده. بيد أنّ وجود أحكامٍ تقع إلى الضدّ من المسلّمات العقلية القطعية أمرٌ مرفوض. وعلى هذا الأساس فإنّه بعد إثبات أحقية الدين الإلهي من الناحية العقلية، تكون التبعية لأحكامه وأوامره ما فوق العقلية معقولة وأخلاقية، ويكون التمرّد عليها هو المنافي للأخلاق؛ بيد أنّ الأمور المنافية للقطعيات العقلية في الدين غير قابلةٍ للتوجيه المنطقي، وأنّ هذا النوع من الأمور لا هو ديني حقيقة ولا هو أخلاقي.
د. التناسب بين الإيمان بالله والازدهار الذاتي: إنّ رؤية فريدريك نيتشه بالإضافة إلى كونها ناظرةً إلى الأخلاق والإلهيات المسيحية، تعدّ كذلك متطرّفةً وسيئة الظن بها أيضًا. وعلاوةً على ذلك فإنّ موقفه يقوم على فرضيةٍ ماديةٍ تَعدّ الله والحياة في
الآخرة أمرًا غير واقعي. إنّ فريدريك نيتشه من خلال اعتقاده بأنّ وجود الله يُعد تصوّرًا كاذبًا، قال بأنّ الاعتقاد به آفة الحياة، وإنّ الالتزام بالتعاليم الدينية يستوجب الذلّ ويحول دون ازدهار وتفتق الطاقات الداخلية للإنسان. هذا في حين أولًا: إنّ وجود الله والحياة الآخرة حقائق لا تقبل التشكيك، وهناك أدلةٌ كافيةٌ في هذا الشأن. وثانيًا: إنّ الله والإيمان بالمعاد لا يعاديان الحياة وعالم الدنيا أو الازدهار وتطوير الطاقات البشرية أبدًا، بل إنّ أساس التعاليم الدينية تقوم على أساس إقامة التوازن بين الحياة الدنيوية والأخروية من خلال العمل والسعي وطلب العلم وتوظيف العقل والازدهار والتكامل. إنّ القرآن الكريم قد أطلق على كسب الثروة ومال الدنيا من طرق الحلال عنوان الخير، ولكنّه نهى في الوقت نفسه عن جعل ذلك هدفًا نهائيًا للإنسان إلى حدّ التنكر وتجاهل الحياة الأخروية. إنّ التحقيقات العلمية والتاريخية بدورها لا تؤكّد على التناسب فحسب، بل تعمل كذلك على تأييد الارتباط الوثيق والراسخ بين الدين وتطوّر الإنسان وازدهاره العلمي والاجتماعي أيضًا. إنّ التحقيقات في حقل علم النفس تشهد على وجود علاقةٍ مفهوميةٍ إيجابيةٍ بين التدين والتكامل الذاتي. وقد ذهب إيان باربور في باب دور الدين في تقدّم وازدهار العلوم البشرية الحديثة إلى الاعتقاد بأنّ التراث الديني للغرب قد قدّم إسهاماتٍ مهمة ـ وإنْ على نحوٍ غير مباشر ـ إلى العلم في مرحلة ازدهاره. إنّ الدراسات والأبحاث العلمية في الطبيعة بالإضافة إلى احتوائها في حدّ ذاتها على الجاذبية والمتعة حيث كان خيرها يصل إلى الخلق، كانت كذلك مقدّسة عند الله أيضًا ويثيب عليها، ومن هنا فقد كان لهذه الرؤية تأثيرٌ ملحوظٌ في تقدّم العلم وتكامله.
كما أنّ جذور الحضارة الإسلامية على مدى القرون المتمادية تؤكّد هذه المسألة على نحوٍ بارز. يقول المفكّر والطبيب الفرنسي موريس بوكاي: «نعلم أنّ الإسلام ينظر إلى العلم والدين كتوأمين، وأنّ تهذيب العلم كان جزءًا من التوجيهات الدينية منذ البداية، وأنّ تطبيق هذه القاعدة أدّى إلى التقدّم العلمي العجيب في عصر الحضارة الإسلامية العظمى التي استفاد منها الغرب قبل نهضته».
هـ. العبودية والتحرّر: إنّ العبودية لله سبحانه وتعالى لا تنطوي على ذلٍّ أو هوانٍ أبدًا، بل إنّها عبوديةٌ تهدف إلى تحرير الإنسان من أغلال الأهواء النفسية والأنظمة والسلطات الجائرة والظالمة، والتقاليد والأعراف الخرافية والجاهلية التي تقيّد التفكير والعقل البشري. وقال الله تعالى في هذا الشأن: (الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ يَأْمُرُهُمْ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَاهُمْ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُحِلُّ لَهُمُ الطَّيِّبَاتِ وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الْخَبَائِثَ وَيَضَعُ عَنْهُمْ إِصْرَهُمْ وَالْأَغْلَالَ الَّتِي كَانَتْ عَلَيْهِمْ ...). وعليه كما نلاحظ من خلال هذه الآية فإنّ الحرية من قيود الأسر في منطق القرآن قد تمّ التعريف بها بوصفها من المهام الخاصة لرسالات الوحي والسماء، وقد تمّت مواجهة الذل والخنوع للظلم والجور بشدّة.
ومن ناحية أخرى فقد ورد في النصوص الدينية أنّ العبودية لله تعدّ طريقًا للوصول إلى شؤون الربوبية: «العبودية جوهر كنهها الربوبية». إنّ هذه الربوبية تكون أولًا على النفس وقدرة السيطرة عليها في مواجهة الانحرافات وطغيان الغرائز والأهواء النفسية، ثم تتّسع شيئًا فشيئًا لتسيطر على العالم الخارجي أيضًا.
و. أخلاقية العبوديّة للخير المطلق: في إطار نقد كلام جيمس راتشيلز ـ الذي يرى الخضوع المطلق للأوامر الإلهية أمرًا مخالفًا لاستقلال الفاعل الأخلاقي ـ لا بدّ من الالتفات إلى هذه النقطة وهي أنّ المسألة الأصلية من وجهة نظره هي أنّ الله إذا أمر بفعلٍ مخالفٍ للأخلاق، تجب إطاعته في ذلك، وهذا يعني وقوع التعارض بين الله والأخلاق. إنّ إشكال كلام راتشلز يكمن في تصور التساوي بين الله والآخرين، ونتيجة ذلك احتمال صدور الأمر غير الأخلاقي من الله سبحانه وتعالى، ولكن لو انتفى هذا الاحتمال فيما يتعلّق بالعلاقة مع الله، فإنّ هذا الإشكال سوف ينتفي من الأساس. وفي الحقيقة فإنّ المباني التوحيدية والفلسفية والأديان السماوية تدل على خلاف هذه الفرضية. إنّ الله سبحانه وتعالى ـ على أساس الأدلة العقلية القطعية المبرهن عليها في محلها ـ هو واجب الوجود بالذات، وإنّ الواجب بالذات واجب على الإطلاق ومن جميع الجهات والحيثيات. ومن بين أوجه هذا الوصف هو الحكمة والخيرية المطلقة. وعلى هذا الأساس من المحال أنْ يصدر هذا الإله أدنى أمرٍ على خلاف الحكمة والأخلاق. وبعبارةٍ أخرى: إنّ أوامره ونواهيه على الإطلاق تقوم على أساس الخير والحكمة وعلى أسس التناغم التامّ مع الموازين الأخلاقية.
وقد وضع إيمانويل كانط يده على صلب هذه المسألة عادًّا الإرادة الإلهية خيّرة في ذاتها، وقد أطلق عليها عنوان «الإرادة المقدّسة». كما عدّ التماهي مع الإرادة الإلهية بوصفها الطريقة الموصلة إلى الغاية الأخلاقية، وقال في هذا الشأن: «... لا يمكن عقد الأمل إلّا من طريق الإرادة الأخلاقية الكاملة (المقدّسة والخيّرة)، والقادرة المطلقة في الوقت نفسه، وبالتالي لا يمكن الحصول على الخير الأسمى ـ الذي يتمّ تكليفنا بوصفه
غاية سعينا بحكم القانون الأخلاقي ـ إلّا من خلال التماهي مع هذه الإرادة».
وعليه فإنّ الله الذي هو خيرٌ مطلق، ولا يأمر بسوى الخير، جديرٌ بالعبادة والتبعية المطلقة، وإنّ التمرّد على أوامره يُعدّ تمردًا على الفضائل ويعدّ عملًا منافيًا للأخلاق. وعلى هذا الأساس فإنّه بالنظر إلى الصفات والكمالات الإلهية المطلقة، لن يكون هناك إمكانٌ لتصوّر أيّ تنافٍ بين الحياة الأخلاقية وعبادة الله، بل ويقوم بينهما تلازمٌ تام، وكلّما استحكمت عبادة الله، سوف تصبح الحياة الأخلاقية أكمل، وكلما تمّ تضعيفها، فسوف يتعرّض السلوك الأخلاقي للضرر بذات النسبة. يمكن بيان هذه المسألة على شكل قضيةٍ شرطيةٍ، على النحو الآتي:
1. إذا لم يكن الموجود يأمر بغير الخير والحسن، كان اتباعه المطلق مساويًا لاتباع حكم العقل والأخلاق، وإنّ التمرّد عليه مخالف لحكم العقل والأخلاق.
2. إذا كان الموجود واجب الوجود، فإنّه لن يأمر بغير الخير والحسن؛ إذًا:
3. إنّ التبعية المطلقة لحكم واجب الوجود تساوي التبعية لحكم العقل والأخلاق، وإنّ التمرّد عليه مخالف لحكم العقل والأخلاق.
4. إنّ الله واجب الوجود؛ إذًا:
5. إنّ التبعية المطلقة لحكم الله تساوي التبعية لحكم العقل والأخلاق، وإنّ التمرّد عليه مخالف لحكم العقل والأخلاق.
إنّ الاستدلال أعلاه بلحاظ المنطق الصوري صحيح؛ ولكن لو شكك أحدٌ في بعض مقدماته، من قبيل: القول بأنّ الله واجب الوجود، أو التلازم بين الوجوب والوجود والحكمة المطلقة، فيجب عليه الرجوع إلى المصادر التفصيلية في هذا الشأن.
النقطة الأخرى هي أنّ العمل بحكم العقل ليس له توجيهٌ في حقل الأخلاقيات،
(413)سوى أنّ العقل كاشفٌ عن الفضائل والرذائل، وإنّ أمر العقل بالفضائل إنّما يُعتدّ به من هذه الناحية وليس لشيءٍ آخر. وإذا كان الأمر كذلك فهل العقل البشري المحدود والذي يجوز عليه الخطأ هو الذي يحظى بالاعتبار والقيمة الأكبر أم الذي يحكم به العالم والحكيم المطلق الذي يمتلك علمًا غير محدودٍ ولا يقبل الخطأ وتكون إرادته محض الخير في ذاته؟ في هذا المورد نجد أنّ العقل هو الذي يحكم بنفسه ـ مذعنًا بمحدوديته ـ بوجوب إطاعة الحكيم والعالم المطلق والذي لا يجوز عليه الخطأ، ويقدّمه على نتائجه ومعطياته.
ز. التسليم المطلق أمام الأخلاق: لو دققنا النظر فسوف نجد أنّ توقع جيمس راتشلز وأضرابه ليس سوى الخضوع المطلق أمام الأخلاق؛ وذلك لأنّهم يرفضون نتائج كلّ ما يبدو لهم مخالفًا للأخلاق. وعلى هذا الأساس فقد حلّت الأخلاق محلّ الله من وجهة نظر راتشلز وأمثاله، وعدّت خيرًا مطلقًا، وإنّ اختلافهم مع المتدينين في هذا الشأن مصداقيٌّ وليس معياريًا؛ ولكن ـ كما سبق أنْ ذكرنا فإنّ الإذعان والخضوع المطلق لله الذي هو خيرٌ وحُسنٌ مطلق ــ ولا يمكن لأوامره أنْ تكون غير ذلك ــ هو الأخلاقية المطلقة عينها، وعليه لا يوجد هناك أيّ انفصالٍ بين الأخلاق وبين الله بالمعنى التامّ والدقيق للكلمة، ناهيك عن أنْ يكون هناك تعارضٌ وتزاحمٌ بينهما. ومن ناحية أخرى لو عُدّ كلّ نوعٍ من أنواع الخضوع والتسليم المطلق مرفوضًا، فإنّ هذا الحكم سوف يكون شاملًا لنفسه أيضًا، ويدين نفسه بنفسه ويقضي بأنّ القبول المطلق والتام لهذا الحكم مرفوض، بل وعلى أساسه يتمّ رفض حتى الأخلاقية المطلقة أيضًا، ولا تكون مخالفة الحكم الأخلاقي مشروعةً فحسب، بل وتكون واجبةً وضروريةً في بعض الموارد أيضًا.
ح. البُعد الأخلاقي في الذبح الصوري لإسماعيل عليهالسلام: في مسألة ذبح إسماعيل
نجل النبي إبراهيم عليهالسلام لا نشاهد أيّ أمرٍ مخالفٍ للأخلاق سواء بلحاظ الأمر الإلهي أم بلحاظ إطاعة النبي إبراهيم؟ع؟ لهذا الأمر على ما هو مذكورٌ في القرآن الكريم. إنّ الخطأ الجسيم الذي وقع فيه جيمس راتشلز في تحليل مسألة ذبح إسماعيل عليهالسلام يكمن أولًا في رؤيته الجزائية والعقابية البحتة لهذه المسألة. إنّ هذه النظرة الضيقة تستلزم وجود ذنبٍ صادرٍ من قبل إسماعيل عليهالسلام ليكون مستوجبًا لمثل هذه العقوبة، ومن خلال نفي وإنكار صدور هذا الذنب عنه لا يبقى هناك أيّ مبررٍ حقوقي وأخلاقي أو حكمةٍ واضحةٍ أو خافيةٍ تسمح بذبحه، وبالتالي لن تكون هذه التضحية وجيهةً أو مبرّرة. وثانيًا: لم يكن راتشلز مطلعًا على البيان القرآني لهذه القضية، ولذلك فإنّه يعكس المسألة بحيث تبدو كأنّها ـ بالإضافة إلى افتقارها للحكمة ـ أمرٌ مفروضٌ على إسماعيل؛ إذ يكون فيها مسلوب الإرادة والاختيار، في حين أنّ هذا الأمر الإلهي إنّما كان بداعي الاختبار ولم يكن أمرًا حقيقيًا وجادًا بنحوٍ يكون ذبح النبي إسماعيل عليهالسلام على يد النبي إبراهيم عليهالسلام مطلوبًا على نحو الحقيقة. وثانيًا: إنّ تحقّق هذا الأمر ينطوي على حكمةٍ مهمةٍ من قبيل ترك أشد التعلقات الدنيوية، وما يترتب على ذلك من تعالي نفسيهما وسموّهما. وثالثًا: لم يكن في هذه المسالة أيّ إكراهٍ أو ضغطٍ مورس بحقّ النبيّ إسماعيل عليهالسلام، وإنّما كان ذلك برضا وتسليم اختياري منه بالكامل، وقبل أنْ يصدر من النبيّ إبراهيم عليهالسلام أيّ فعلٍ أو أمرٍ إلزاميّ قائمٍ على القبول الحتمي لهذا الحكم، بادر إسماعيل إلى المطالبة من أبيه بأنْ يستجيب لما أمره الله به في حقه. وإليك صريح بيان القرآن الكريم في هذا الشأن، إذ يقول: (فَلَمَّا بَلَغَ مَعَهُ السَّعْيَ قَالَ يَا بُنَيَّ إِنِّي أَرَى فِي الْمَنَامِ أَنِّي أَذْبَحُكَ فَانْظُرْ مَاذَا تَرَى قَالَ يَا أَبَتِ افْعَلْ مَا تُؤْمَرُ سَتَجِدُنِي إِنْ شَاءَ اللَّهُ مِنَ الصَّابِرِينَ).
وعلى هذا الأساس فإنّ النبيّين إبراهيم وإسماعيل؟عهما؟ في هذه القصة، قد تجاوزا
بعزمهما وإرادتهما الراسخة والثابتة اختبار التخلّي عن أشدّ التعلّقات الدنيوية، وبلغا بذلك أسمى المراتب والدرجات المتعالية، وانتهت الحكاية عند هذه النتيجة العالية دون أنْ يحدث هناك أيّ قتلٍ أو تضحيةٍ على نحو الحقيقة. إنّ الشرح التفصيلي لهذه المسألة وبيان سائر أبعادها يحتاج إلى إفراد مقالةٍ مستقلّةٍ، ولا تتسع لها هذه المقالة.
ط. شموليّة الأخلاق الدينيّة: إنّ مساحة الأخلاق الدينية تشمل جميع الأبعاد الأربعة من علاقات الإنسان، وهي: ارتباطه مع الله، ومع نفسه، ومع الناس، ومع المخلوقات الأخرى، وتشمل الجوارح والجوانح أيضًا. وأمّا الأخلاق المنفصلة عن الدين فهي تقتصر بنحوٍ رئيسٍ على بُعدٍ محدودٍ من العلاقات الإنسانية والاجتماعية، وتبقى محدودةً في الغالب على مستوى الأفعال الظاهرية وتفقد مراتبها العليا على نطاقٍ واسع. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الأخلاق بمعزلٍ عن الدين ذات مساحةٍ ضيّقة، وغاية أهدافها المساعدة على توفير أجواء التعايش السلمي والتعاون الاجتماعي، وهي حتى في هذا الجانب لا تمتلك تلك القوّة والشمول بطبيعة الحال أيضًا، في حين أنّ هذه الأمور قد تمّ ضمانها في التعاليم الدينية على أفضل وجه، إذ كان الأنبياء والأئمّةعليهمالسلام من أبرز الدعاة العاملين إليها، وكانوا هم التجسيد العيني لها. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ القرآن الكريم قد شجب جميع أنواع العدوان والظلم والتجاوز على الآخرين ونهى عن ذلك، ومن ذلك قوله تعالى: (وَلَا تَعْتَدُوا إِنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ). كما أنّ القرآن الكريم يُبطل جميع أنواع الإجحاف العرقي والقبلي والذاتي بين الناس ممّا يُشكل الأرضية للجشع والعدوان، ويجعل الملاك الوحيد للتفضيل في التقوى ورعاية الفضائل الأخلاقية والإنسانية، قال الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ
َتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ).
ي. الأنبياء خير من يُقتدى بهم في الأخلاق: لقد كان الأنبياء على مدى التاريخ من أبرز الأمثلة الأخلاقية الصالحة التي يمكن للإنسان الاقتداء والتأسّي بها. وقد كان سلوك النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم من الناحية الأخلاقية بحيث عبّر عنه القرآن الكريم بقوله: (وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ). كما قال تعالى في بيان عطفه ورحمته المطلقة: (لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ عَزِيزٌ عَلَيْهِ مَا عَنِتُّمْ حَرِيصٌ عَلَيْكُمْ بِالْمُؤْمِنِينَ رَءُوفٌ رَحِيمٌ). وقد صرّح القرآن الكريم بأنّ من بين أسرار الإقبال الواسع على الإسلام وانتشاره السريع بين الناس والتحلّق حول خاتم الأنبياءعليهمالسلام هي الأخلاق الرفيعة التي كان يتصف بها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، قال تعالى: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللَّهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ). إنّ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان من عظمة الخلق بنحوٍ لم تسمع منه كلمةٌ نابيةٌ أو شتيمةٌ بحقّ أحد، وكان علاوةً على ذلك يتجنّب فضول الكلام، ويستمع إلى آهات المعذّبين، وصراخ المعترضين، ويجيب عن كلّ اعتراض بالتي هي أحسن، ولم يكن يقطع كلام أحد، أو يقمع الفكر الحر، ويجيب عن الانحرافات الفكرية والسلوكية بمنطقٍ راسخٍ وبيانٍ عذبٍ له وقعٌ مريحٌ على القلب، وكان يداوي جراح المهمومين والمكروبين، وكان لرقّة قلبه يحزن لحزن الآخرين، ويتعامل حتى مع الأعداء بسعة صدر وعريكة ليّنة.
إنّ الأسلوب الأخلاقي للنبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم قد كان محطّ اهتمام المسلمين بعد رحيله
إلى حدٍّ كبير، الأمر الذي حمل حتى المفكّرين الغربيين على الإقرار والإشادة بذلك، وقالوا بأنّ المسلمين لم يتخلّوا أبدًا عن أصل التعايش السلمي ورعاية الأصول الإنسانية واحترام الآخرين. بالنظر إلى الأهمية الكبيرة التي يوليها الإسلام إلى حفظ القيَم السامية، فقد عَدّ مراعاة القيَم والأصول الإنسانية أمرًا واجبًا حتى في أشدّ وأصعب المواطن، ولم يقتصر في ذلك على البيان التنظيري فقط، وإنّما جسّد ذلك بأروع الصوَر العملية أيضًا؛ من ذلك على سبيل المثال أنّ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم لم يكن يبيح قطع الماء على الأعداء أو تسميم آبارهم أبدًا؛ ففي واقعة خيبر أشار عليه بعضهم بأنْ يمنع من دخول الماء إلى قلاع اليهود أو يسمم مياه شربهم، ولكنّه خالف ذلك بشدّة وحرّم تسميم مدن الأعداء بشكل مطلق. وكذلك ما ورد في التاريخ من حديث الأسود الراعي أنّه كان راعيًا لغنم اليهود في حصون خيبر، ولمّا حاصر المسلمون هذه الحصون أقبل وقد أسلم والتجأ إليهم وكانت أغنام اليهود ما تزال معه، فقال له النبي: إنّ هذه الأغنام أمانة اليهود عندك، وعليك أنْ تردّها إليهم حتى وإنْ كنّا في حربٍ معهم. لقد قام النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بهذا الأمر على الرغم من وجود المئات من الجنود الجائعين في جيشه.
ك. وجوب الإصلاح الديني الأخلاقي: في معرض الإجابة عن كلام هاسبرز من الجدير ذكره أنّه من غير المعلوم أنْ يكون سبب السقوط الأخلاقي في الغرب عائدًا إلى المشكلة الدينية بنحوٍ كليّ أو جزئي، بل قد يعود السقوط الأخلاقي في الغرب بجذوره إلى الانفصال عن الدين أو لأسبابٍ أخرى، كما يمكن أنْ تكون للعلاقة المتبادلة أسبابٌ أخرى أيضًا. يضاف إلى ذلك أنّه لو افترضنا جدلًا أنّ
السقوط الأخلاقي في الغرب يعود بجذوره إلى المشكلة الدينية، ولكن ألم يكن من الأجدى منطقيًا أنْ يتمّ العمل على إصلاح تلك المشاكل بعد بحثها بشكلٍ دقيقٍ وتحسين الحياة الدينية والأخلاقية في الغرب بنحوٍ متزامنٍ ومتقارن؟ إنّ هذه المسألة ـ بالنظر إلى ما تقدّم ذكره في تبعية الأخلاق إلى الدين ـ قابلةٌ للتوجيه بشكل واضح.
إشكال: قد يقال إنّ الأخلاق إذا أصبحت دينيةً، فإنّ الملحدين سوف لا يجدون مبرّرًا للالتزام بالقضايا الأخلاقية، ونتيجة ذلك هو الشرخ الأخلاقي في قسم من المجتمع.
الجواب: إنّ هذا الظنّ خاطئٌ من عدّة جهات، ومن بينها:
أولًا: بناءً على الأنثروبولوجيا الفطرية، لا تكون الأصول الأخلاقية الجوهرية المستقلة عن الدين قابلةً للإدراك فحسب، بل إنّها موردٌ للميل الذاتي للإنسان أيضًا، وفي أصل امتلاك شعورٍ وسائقٍ داخلي باسم الوجدان الأخلاقي لا فرق بين المتديّن والملحد. وعلى هذا الأساس فإنّ الشخص الملحد لو كان يتمتع بسلامة الوجدان، يمكنه الحصول على الحدّ الأدنى من الأخلاق، ولكن ليس كلّ الأصول الأخلاقية قابلةً للتحصيل من طريق الشهود والوجدان الأخلاقي. يُضاف إلى ذلك أنّ فساد الوجدان يمكنه أنْ يلقي بظلاله على هذا الحدّ الأدنى ويعمل على إضعافه وإلحاق الضرر به، وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان ذا الوجدان السليم يمكنه أنْ يدرك عددًا محدودًا من الكليات الأخلاقية دون الحاجة إلى الدين، إلّا أنّه فيما يتعلّق بإدراك الجزئيات وحماية الوجدان الأخلاقي يحتاج إلى مصدرٍ آخر. وعليه لا مندوحة من أجل الوصول إلى أعلى درجات الأخلاق من اعتناق الدين؛ وذلك لأنّ الدين الإلهي هو المصدر والخزان الأوسع والأشمل للأخلاق، كما أنّ التنكر للدين الحقّ، هو في حدّ ذاته يُعد سلوكًا غير أخلاقي.
وثانيًا: إنّ فصل الأخلاق عن الدين يَحرم الأخلاق من أكبر دعامةٍ معرفيةٍ وتحفيزيةٍ لها، ومن ثَمَّ فإنّ ذلك يُفقد الأخلاق رونقها وبريقها ويفرغها من روحها.
(419)إنّ حقائق من قبيل معرفة الله والإيمان بالمعاد والبحث عن السعادة الأخروية تعدّ ضمانةً قويةً للسلوك الأخلاقي. قد سبق أنْ ذكرنا أنّ كثيرًا من الناس في الحدّ الأدنى إذا لم يكن هناك تشجيعٌ أو تحذيرٌ مناسبٌ لا يُبدون من الناحية النفسية رغبةً إلى القيام بالأعمال الصالحة وترك الأعمال الطالحة، وإنّ التشديد في هذا الشأن لن يكون له من ثمرةٍ سوى تحديد الاتجاه نحو السلوك الأخلاقي. وبعبارةٍ أخرى: حتى لو أمكن القيام بعملٍ لمجرّد القيام بما يمليه التكليف والوظيفة دون الحصول على الكمال، ويكون ذلك العمل أخلاقيًا، ولكن ليس هناك من شكٍّ في أنّ العمل الأخلاقي يحتاج إلى مقدّمات، وما لم يحُدث الإنسان تغييرًا في رؤيته وسلوكه ليصل إلى مرتبةٍ تمكّنه من القيام بالعمل الأخلاقي، لن يكون صدور هذا العمل منه ممكنًا. ومن هنا فإنّ الأوامر والنواهي الدينية التي تقوم على أساس الثواب والعقاب الأخروي، تأمر الإنسان بأعمالٍ أو تنهاه عنها بنحوٍ توفّر له مقدّمات الوصول إلى هذه المرتبة من الأخلاقية. إنّ المفاهيم الدينية تدعو الإنسان إلى محبّة الله، والعدل والإيثار والتضحية والدفاع عن المظلومين والمستضعفين وما إلى ذلك، وترشده نحو الانفصال عن التعلّقات والأنانيات.
يضاف إلى ذلك أنّ من بين الخصائص المهمّة في الأخلاق والقيَم الدينية أنّ بمقدورها تغطية جميع الأنشطة الجزئية والكلية للإنسان، وحتى الأمور المادية والشخصية أيضًا. في الرؤية الدينية يمكن لجميع النشاطات الإيجابية والنافعة للإنسان ـ من قبيل العمل والسعي الاقتصادي ورفع احتياجاته الدنيوية لنفسه وأسرته والآخرين ـ أنْ تكون لها صبغة إلهية، ويرتقي بها إلى أعلى المراتب الأخلاقية والمعنوية. حتى ورد في الحديث المأثور عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «الكاد على
(420)عياله كالمجاهد في سبيل الله». وعن الإمام الكاظم؟ع؟ أنّه قال: «من طلب هذا الرزق من حلّه، ليعود به على نفسه وعياله، كان كالمجاهد في سبيل الله عزّ وجل».
وعلى هذا الأساس فإنّ تقسيم النظام القيَمي الديني إلى الأفعال الطبيعية والأخلاقية ليس تقسيمًا أصيلًا، ولم يتخلّف أي فعلٍ إيجابي عن ركب القافلة الأخلاقية والمعنوية، ومن خلال إضافة الحسن الفاعلي تكون له قابلية اكتساب القيمة الإلهية والسماوية. فأين من هذا المباني القيمية العلمانية التي تجعل الفعل ذا الأصالة الإلهية أمرًا أرضيًا وتخفض من قيمته إلى أقصى الحدود.
إنّ الأخلاق بوصفها مساحةً واسعةً من الأحكام الأخلاقية تعدّ جزءًا لا يقبل الانفصال عن الدين. كما أنّ التعامل والتلازم بين الدين والأخلاق في مقام التديّن والسلوك الأخلاقي غير قابلٍ للإنكار أيضًا. وعلى هذا الأساس فإنّ الدين والأخلاق كلاهما من الاحتياجات الضرورية والتي لا يمكن الاستغناء عنها في حياة الناس، ولا يعدّ أيّ واحدٍ منهما منافسًا للآخر أو بديلًا له. وعلى هذا الأساس فإنّ الفصل بين الدين والأخلاق الذي جاء استجابةً لأزمات الغرب الجديد، يبدو غير صحيحٍ من بعض الجهات، وإنّ القول بأنّ الانحطاط الأخلاقي للغرب ناشئٌ عن المشكلة الدينية هو بمنزلة التوجيه إلى عنوان خاطئ. وإنّ المنطقي هو العمل على تحسين الحياة الدينية والأخلاقية بنحوٍ متزامن؛ وذلك إذ بالنظر إلى حاجة الأخلاق المعرفية والتحفيزية إلى الدين، فإنّ الفصل بين هذين الأمرين يؤدّي إلى عدم جدوائية الأخلاق وتداعي قواعدها وبلوغها إلى المستوى الأدنى. وعلى هذا الأساس فإنّ
الخيار الأقرب إلى العقل ـ من الناحية النظرية، وكذلك من الناحية التوظيفية والتطبيقية ـ هو القول بالتلازم والتعامل بين الدين والأخلاق. إنّ الالتفات إلى هذه النقطة يحظى بأهميةٍ وهي أنّ الأخلاق الدينية تحتوي على امتيازاتٍ مهمّةٍ على الأخلاق المنفصلة عن الدين. وإنّ بعض هذه الامتيازات عبارةٌ عن:
1. الاشتمال على الأسس النظرية والدعامات المعرفية الراسخة.
2. القدرة التحفيزية والتحريكية الجامعة والقوية.
3. استيعابها وشمولها لجميع أبعاد ومراحل الحياة والعلاقات الأربعة للإنسان والقدرة على تغطية وتعالي جميع الأفعال الاختيارية للإنسان.
4. امتلاك النماذج العملية البارزة والهداة العمليين.
وفي المقابل فإنّ المباني القيمية العلمانية تفتقر إلى الدعامات النظرية والتحفيزية اللازمة، وتنزل بمستوى الأخلاق إلى الحدود الدنيا، وتخفض من قيمتها بشدّة. يضاف إلى ذلك أنّ ما تمّ بيانه في نقد الأخلاق الدينية لا يعدو أنْ يكون مجرّد شبهاتٍ يتّضح بطلانها عند أدنى تأمّل.
علي شيرواني
تُعدّ مسألة النسبة بين الدين والأخلاق مسألةً قديمةً ترتبط بإطارين مهمّين وأساسيين في الحياة البشرية حيث كانت محلّ اهتمام كثيرٍ من الباحثين. عرضت عددًا من النظريات في هذا الخصوص، من جملتها ذاك الطيف الواسع الذي يؤكّد الاتّحاد والعينية بين الدين والأخلاق ويقابله طيفٌ آخر يؤكّد التعاند والتنافر الكامل بينهما. أمّا منشأ الاختلاف بين الجهتين، فهو عدم الاتفاق في تعريف الدين والأخلاق، وقد بقي الخلاف على حاله رغم رفع الموانع.
إنّ موضوع هذا المقال ليس العلاقة بين الدين والأخلاق، بل النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الأخلاقية، والسؤال الذي يجب أنْ يُطرح: ما هي النسبة التي تحكم هاتين التجربتين؟ هل هما نوعان مختلفان من التجارب البشرية؟. إذا كانا نوعين متمايزين فهل يمكن أنْ يجتمعان؟ وإذا أمكن اجتماعهما، فهل يستلزم أحدهما الآخر؟ وإذا استلزم أحدهما الآخر، فهل تستلزم التجربةُ الدينية، التجربةَ الأخلاقية (وعلى
هذا النحو تكون كلّ تجربةٍ دينيةٍ، تجربةً أخلاقيةً أيضًا). أو أنّ التجربة الأخلاقية تستلزم التجربة الدينية (وعليه تكون كلّ تجربةٍ أخلاقيةٍ تجربةً دينيةً أيضًا)؟
وإذا لم يكونا نوعين متمايزين ومختلفين من التجارب، فهل يكون اختلافهما لفظيًّا؛ ومن ثَمَّ تكون التجربة الدينية والتجربة الأخلاقية، مصطلحين مختلفين لمعنى واحد؟ وإذا لم يكن الأمر على هذا النحو، هل يكون أحدهما أصل، والآخر فرع على سبيل النور والظل؟ ومع ذلك فأيّهما هو الأصل وأيّهما الفرع؟
صحيح أنّ السؤال عن النسبة بين التجربة الدينية والتجربة الأخلاقية ليس بعينه السؤال عن النسبة بين الدين والأخلاق، إلا أنّه مرتبطٌ به وعلى الأقل يتضح أحدهما من خلال اتّخاذ موقفٍ في بعض الموارد عند الآخر.
يمكن فهم النسبة بين الدين والأخلاق عند عموم متكلمي الشيعة من خلال نظرية الحسن والقبح الذاتيين والعقليين: إنّ الأخلاق بمنزلة مجموعةٍ من القضايا التي توضّح الحسن والقبيح، الوجوب وعدم الوجوب في الخصال. وأما السلوكيات الإنسانية الاختيارية فهي إطارٌ عقليّ مستقلٌّ عن تعاليم الدين الوحيانية؛ لذلك يعتمد عليها في مقدمات إثبات النبوة الخاصة والعامة، وإذا كان الدين مستقلًا عنها
ثبوتًا فهو مرتبطٌ بها في مقام الإثبات.
إنّ العلاقة بين تعاليم الدين الوحيانية والقضايا الأخلاقية شبيهة من بعض الجهات العلاقة بين تعاليم الدين الوحيانية والفلسفة (التي تعني معرفة الوجود بالأسلوب البرهاني). يشكل الدين والفلسفة مجالين مستقلين، ومع ذلك فهما مرتبطان ببعضهما. يتم إثبات أصل وجود الله تعالى وعدد من أسمائه وصفاته ـ إنّ لم نقل جميعها ـ في الفلسفة باللجوء إلى بديهيات العقل النظري ومن ثمَّ يمكن إيجاد رابطةٍ بين الإنسان وحاملي دين الله. صحيح أنّ العلاقة بين العقل والوحي ذووجهين بعد إثبات الوحي الإلهي بوساطة العقل، ووضع يد الإنسان في يد الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ـ التي هي يد الله ـ فالتعاليم الوحيانية بمنزلة الزيت الذي يوضع في مصباح العقل فيجعله أكثر إشعاعًا ويضيء النص الديني بوساطة نور العقل. وهكذا حال الدين والأخلاق. تصبح العلاقة ذات الاتجاه الواحد بين الدين والأخلاق ذات وجهين بعد إثبات الوحي الالهي، وتبدأ العلاقة الديالكتيكية بينهما ممّا يؤدي إلى نبوغ المعرفتين.
صحيح أنّ الحكماء الشيعة ايّدوا أصل الحسن والقبح العقليين، إلّا أنّهم قدموا قراءةً وتفسيرًا مختلفًا لما قدّمه المتكلّمون الشيعة فافترقت جهة المتكلم عن الفيلسوف. من جملة ذلك أنّهم يعتقدون أنّ «العدل الإلهي حقيقةٌ واقعيةٌ من دون أنْ يستلزم أنْ يحكم الذات الإلهية المقدسة، ومن دون أنْ يستلزم الإشكال على
قاهرية ذات الباري المطلقة. [من وجهة نظر الفلاسفة] وفسّروا الحسن والقبح العقليان بأنّهما: «خارجان عن دائرة المعقولات الذاتية التي تمتلك قيمة الكشف وإظهار الحقيقة، وهما من جملة الأفكار العملية الضرورية؛ لذلك لا تقبل بكونها معيارًا ومقياسًا لأفعال الباري تعالى. أما الحكماء وعلى عكس المتكلمين لم يستفيدوا من هذه المفاهيم على مستوى المعارف الربوبية».
إنّ دراسة الرؤية النقدية للشهيد مطهري تتطلب مجالًا آخر، إلّا أنّنا نذكر أنّ المسألة المذكورة في باب التمايز بين رؤية المتكلمين والحكماء الشيعة، لا تؤدّي إلى الاختلاف في أصل الاستقلال الثبوتي للدين والأخلاق والعلاقة الثنائية لهما بعد إثبات الدين والوحي الإلهي؛ على الرغم التأثير على مستوى ارتباط إثبات الوحي الإلهي ـ وبعبارةٍ أخرى إثبات النبوة الخاصة ـ بالأخلاق. يعتقد الحكماء أنّ التمسك بالقضايا الأخلاقية لإثبات النبوة الخاصة غير تام، فيخرج الاستدلال على شكل البرهان ليتشكل على صورة الجدل.
لم يستعمل الشهيد مطهري مصطلحي التجربة الدينية والتجربة الأخلاقية ولم يتحدث بصراحة عن النسبة بينهما؛ إلا انه قدم نظرية في باب الفعل الأخلاقي، حيث يمكن من خلالها فهم النسبة بين التجربتين:
«إنّ كلّ تجربةٍ أخلاقيةٍ خالصةٍ هي تجربةٌ دينيةٌ، وهي متحدةٌ معها وليست غير منفكّةٍ عنها فقط، بل هي غير متمايزةٍ عنها أيضًا، وحول الاجتماع يمكن القول إنّهما مفهومان يصدقان على تجربةٍ واحدةٍ من جهتين، وقد يصحّ القول من جهة واحدة».
لتوضيح الشواهد على صحة نسبة هذه الرؤية للشهيد مطهري، نعالج المسألة في
ضمن قسمين: يتعلّق القسم الأول بما ذكره في بحث العدل الإلهي في أثناء الإجابة على سؤال كلامي حول استحقاق الكافرين الثواب على الأعمال المتصفة بحسن الفعل وحسن الفاعل: ويتعلّق القسم الثاني بما ذكره بعد دراسة ونقد النظريات الأخلاقية المتعددة من أمثال: النظرية العاطفية، ونظرية الإرادة، والنظرية الوجدانية، والنظرية الجمالية. وقد بَيّن فيه نظريته المختارة. سيتضح أنّ هذين القسمين من البحث يتصلان بنقطةٍ مشتركةٍ واحدة.
طرح الشهيد مطهري سؤالًا في بحث العدل الالهي وهو: هل للعمل الحسن الذي يصدر من الكافرين (عمل الخير من غير المسلم) ثوابٌ أم لا. وفي الجواب، شرح ونقد رؤيتين إحداهما إفراطية، والأخرى تفريطية، الأولى هي التقديسية التي تقول بأصالة الاعتقاد، وهي شبيهة بمنطق المرجئة التي تنتهي بنفي قيمة العمل. والثانية رؤية تنويرية تعتقد بأصالة العمل وتنفي قيمة الإيمان. ثم بحث حول قيمة الإيمان، وأوضح أنّ الكفر الموجب للخروج من الإيمان، والذي يستحق العذاب، هو الكفر الذي ينطلق من العناد واللجاجة (كفر الجحود) وليس الذي ينطلق من الجهل وعدم المعرفة. ثم درس مراتب التسليم ليشير بعد التمسك بالآيات القرآنية أنّ حقيقة الايمان، هي تسليم القلب حسب المنطق القرآني. وتسليم القلب ـ المقابل لتسليم البدن أو تسليم العقل ـ هو تسليم أنحاء الوجود الإنساني كافة، ونفي أي شكلٍ من الجحود والإنكار.
وقد شرع الشهيد مطهري الحديث حول الإسلام الحقيقي، والإسلام الجغرافي يقول: «إنّ صاحب القيمة من حيث الواقع هو الإسلام الحقيقي وهو الذي يسلم فيه الشخص قلبًا أمام الحقيقة..... ] وعلى هذا الأساس [ إذا امتلك الشخص صفة التسليم، وكانت حقيقة الإسلام مخفيةً عنه لأسبابٍ ما وكان غير مقصر، فالله لن يعذّبه على الإطلاق، وسيكون من أصحاب النجاة والجنة».
وقد أطلق على هؤلاء الأشخاص (المسلم الفطري)، وإذا كان لا يمكن إطلاق عنوان المسلمين عليهم إلّا أنّهم ليسوا كفّارًا.
ثم شرع الشهيد مطهري في الحديث حول الحسن الفعلي والحسن الفاعلي فعدّ «الحسن الفعلي في الإسلام غير كافٍ للثواب الأخروي على العمل، بل يلزم وجود الحسن الفاعلي، فالحسن الفعلي بمنزلة البدن والحسن الفاعلي بمنزلة الروح». ثم يطرح مسألة لزوم أو عدم لزوم الإيمان بالله لتحقق الحسن الفاعلي، وهل أنّ قصد التقرب إلى الله مُقوّمٌ للحسن الفاعلي أم لا. قد يقال إذا أتى الشخص بعملٍ بقصد التقرب إلى الله أو بدافع «الوجدان والعطف والرحمة المستولية على قلبه، فهل يكفي ذلك ليتحقق للفعل، الحسن الفاعلي»، وبعبارةٍ أخرى، إذا لم يكن الدافع في الفعل (الأنا)، فهل يتحقّق الحسن الفاعلي، سواء كان الدافع إلهيًا، أم إنسانيًّا.
صحيح أنّ الشهيد مطهري يرفض وحدة هذين الدافعين (الله والانسانية)، بل يعتقد باستقلالهما بلحاظ «أنّ كلّ عملٍ ينطلق من الإحسان وخدمة خلق الله
وبسبب الإنسانية، فهو ليس رديف العمل الذي يكون دافعه للذات فقط. طبعًا الله تعالى لا يترك هكذا أشخاص من دون ثواب».
ولكن كيف يمكن الجمع بين الرؤيتين: الرؤية التي تعتقد أنّ الإيمان شرطٌ في قبول الأعمال واستحقاق الثواب، وهذه الرؤية الوجدانية الشهودية التي يدلّ عليها عددٌ من الروايات التي تبيّن أنّ العمل الذي ينطلق من دوافع إنسانيةٍ، هو عملٌ ذو قيمة، وأنّ الله لا يترك هذا العمل من دون ثواب.
إنّ ضرورة الجمع بين هذين الرؤيتين وإزاحة التعارض الظاهري، يقرب الشهيد مطهري بعد كثير من الاحتياط والحفاظ على القيود من الوحدة بين التجربة الأخلاقية الخالصة، والتجربة الدينية حيث يقول في إكمال البحث:
«وفي نظري إذا وُجِد أفراد يحسنون إلى الناس الآخرين وحتى إلى الأحياء عمومًا ــ لأنّ «لكلّ كبدٍ حراء أجرًا» ــ من دون انتظار لأيّ نفع، وحتى أنّهم لا يقدّمون خدماتهم للبائسين خوفًا من يوم يأتي يصبحون فيه من جملتهم، بل دافع الإحسان والخدمة يقوى في أعماق وجدانهم حتى أنّهم ينجزون الخير ولو أنّهم يعلمون بأنّه لا عائد منه ولا أحدٌ يعلم به ولا أحدٌ يبارك له، وبشرط ألّا يكونوا واقعين تحت تأثير العادة، فلا بدّ من أنْ نقول: إنّ هؤلاء يقينًا في أعماق ضمائرهم يوجد نورٌ من معرفة الله. وعلى فرض أنّهم ينكرون بألسنتهم فهم قطعًا مُقرّون في ضمائرهم. أما إنكارهم فهو منصبٌ على أشياء موهومة تصوروها مكان الله أو منصبٌ على أمورٍ متخليةٍ تصوروها مكان العودة إلى الله ومكان القيامة. وليس الإنكار في الواقع منصبًّا على ذات الله تعالى ولا على المعاد الحقيقي.
والتعلّق بالخير والعدل والإحسان من جهة كونها خيرًا وعدلًا وإحسانًا من دون أيةٍ شائبةٍ أخرى يكشف عن الحبّ لذات الجميل على الإطلاق؛ وعليه فنحن نستبعد
أنْ يحشر هؤلاء الناس مع أهل الكفر ولو أنّهم كانوا منكرين بألسنتهم. والله أعلم».
الواضح أنّ محبّة (الخير والعدل والإحسان من جهة كونها خيرًا وعدلًا وإحسانًا)، هي المصداق التام للتجربة الأخلاقية الخالصة. إنّ هذه التجربة والميل الداخلي نحو الخير والعدل والإحسان، هي قضيةٌ نفسانيةٌ وقضيةٌ واعية عند الإنسان، ومن ثمَّ يصدق عليها مفهوم التجربة وتكون هذه الجذبة وهذا الميل ذوَيْ صبغةٍ أخلاقية بلحاظ المتعلق؛ لذلك هي تجربة أخلاقية بل مصداقها الخالص، ويعدّ هذه الجذبة وهذا الميل المؤشر على محبة الله تعالى الذي هو الجمال المطلق، ونحن نعلم أنّ شلاير ماخر كان يَعد إحساس الشوق والمحبة هذا ليس سوى محبة الذات الإلهية اللامتناهية.
بناءً على ما تقدم من مقدمات، نستنتج أنّ هذه الحالة ـ أي الميل نحو الخير والعدل والإحساس بما أنّ الميل هذا هو خيرٌ وعدلٌ وإحسان ـ من وجهة نظر الشهيد مطهري، هي تجربة أخلاقية، وفي الوقت عينه مؤشرٌ لحالة يطلق عليها التجربة الدينية.
إنّ السؤال الأول في بحث الأخلاق هو تعريفه. يعتقد الشهيد مطهري أنّ «تعريف الأخلاق ليس بالأمر السهل»، ومن هذه الجهة يكون للأخلاق عين مصير الدين، ولم يتفق الفلاسفة حول ذلك، فقدم كلّ واحدٍ منهم تعريفًا كانت تتعارض مع بعضها تارة. رجّح عدد من الفلاسفة في هكذا حالات عرض المصاديق البارزة
(434)والواضحة والمتفق عليها بدل بذل الجهود القليلة الفائدة لتقديم تعريفٍ جامعٍ ومانعٍ للموضوع، ومن ثمَّ العمل على دراسة وتحليل العناصر المقومة. يعتقد الشهيد مطهري «الأفضل في حالات كهذه الشروع من الموارد المُسلَّم بها في البحث».
يعتقد أنّ الفعل الأخلاقي يقع في مقابل الفعل الطبيعي والعادي. من جملة خصائص الفعل الطبيعي والاعتيادي من أمثال الأكل والشرب، أنّها لا تقبل التحسين والمدح. وفي المقابل فإنّ أُولى خصائص الفعل الأخلاقي أنّه «يتطلب المدح والثناء والتعظيم والتبجيل». والخاصية الأخرى أنّ الفعل الأخلاقي يتطلب القداسة، وهي العنصر الأساس في الأخلاق.
أوضح الشهيد مطهري نماذج من العمل الأخلاقي، والروحية الأخلاقية على امتداد التاريخ، مثل «ما عمله بطرس الكبير عندما كان في السن الثالثة والخمسين وكان في أوج سلطته، وقد شاهد زورقًا في شهر كانون الثاني يشرف على الغرق، فألقى نفسه في الماء لمساعدة ركابه في النجاة، وقد كانت وفاته على إثر ذلك» وكذلك أيضًا الجرحى المسلمون في أرض المعركة الذين كانوا بحاجة إلى الماء، وعندما جاء به شخص رفض الأول الشرب طالبًا إعطاءه للثاني، والثاني طلب إعطاءه للثالث، حتى استشهدوا جميعًا، وكانوا مصداق قوله تعالى: (وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ).
وبعد تحليل خصائصها في تقابل الافعال، أوضح القيم الخاصة فيها واستنتج أنّ
الفعل الأخلاقي ذو قيمةٍ عند الوجدان البشري؟ وهي قيمة أرفع من القيم المادية التي «يتم تقييمها على أساس المال والبضاعة المادية القابلة للتقييم (التسعير)...». وقد اختص الإنسان بالاتيان بأفعال كهذه؛ لذلك يمكن القول في تعريف الإنسان إنّه (حيوان اخلاقي).
بعد اتضاح العمل الأخلاقي وخصوصياته، نصل إلى مرحلة التنظير له. فما هو معيار العمل الأخلاقي؟ ما هو الشيء الذي يضفي على العمل الأخلاقي القداسة والقيمة المعنوية، والذي يكون الإنسان خاضعًا أمامه فيلهج لسانه بالمدح والثناء؟ قدّم الشهيد مطهري في عددٍ من كتاباته ومحاضراته بالأخص في السنوات العشرة الأخيرة من عمره، نظرياتٍ متعددةً للإجابة على هذا السؤال مراعيًا كمال الإنصاف والنقد والتقييم؛ فهو يعتقد أنّ الآراء وإنْ اختلفت في هذا الخصوص «فهي في الغالب ليست متضادةً ولا متناقضةً؛ أي إنّ كلّ رأي في الغالب اهتم بزاويةٍ ممّا يجب أنْ يعمل الإنسان (العمل الأخلاقي)».
يمكن تصنيف النظريات المتنوعة طبق التقسيم الآتي:
يمكن توضيح هذه النظرية على شكلين: الشكل الأول عبارة عن العواطف والميول الغيرية والإنسانية التي تكون مبدأ الفعل الأخلاقي، وأمّا فصلها المُميِّز عن غيرها من الأفعال فهو«العمل الأخلاقي الأعلى من الميول الفردية، أي عاطفة محبة الغير». وقد يجري الحديث عنها تارةً أخرى بوصفها المبدأ الغائي والهدف للفعل الأخلاقي: «العمل الأخلاقي هو العمل الذي يكون هدف الإنسان فيه هو إيصال
الخير إلى الآخرين، وليس إلى الذات».
ويمكن جمع التوضيحين، ويكون أساس الأخلاق في هذه النظرية، محبة الآخرين. ومن جملة هذه الأخلاق «الأخلاق الهندية» أو«الأخلاق المسيحية».
يعتقد الشهيد مطهري أنّ نصف هذه النظرية صحيحٌ، ونصفها الآخر غير صحيح؛ فإنّ الأعمال الناشئة من عاطفة محبة الناس أخلاقيةٌ في كثيرٍ من الحالات، ولكن أولًا ليست كلّ محبةٍ عمل أخلاقي، أمثال محبة الأم لابنها التي هي عملٌ غريزيّ وليست اكتسابية، ومن ثمَّ فإنّ هذه المحبة فاقدةٌ للقيمة الأخلاقية. ثانيًا لا يمكن أنْ تكون الأخلاق محدودةً بمحبة الغير. إنّ بعض الأعمال من قبيل عدم الرضوخ للذل يُعدّ عملًا اخلاقيًا، لكنّ مبدأه ليس عاطفة محبة الإنسان، وليس هدفه إيصال الخير إلى الآخرين. ثالثًا لا يجب جعل متعلق المحبة والعاطفة منحصرًا في الإنسان، «بل يجب محبة كلّ شيء». ويبنى هذا النوع من المحبة على الرؤية العرفانية التي تؤدّي إلى وجود حالة في الإنسان تجعله يعدّ كلّ الوجود مظاهر للمحبّة، رابعًا لا يجب الإفراط في تفسير محبة الإنسان حيث تكون النتيجة العداء للإنسان. «إنّ المقصود من محبة الإنسان، أنْ يكون كلّ إنسانٍ لائقًا بالمحبة بمقدار القيم الإنسانية، والإنسان الذي لا حظَّ له من القيم الإنسانية، تليق به المحبة أيضًا بهدف إيصاله إلى القيم الإنسانية».
تقابل الإرادة، الميل والشوق المشتركين بين الإنسان والحيوان، والإرادة مختصة بالإنسان وملازمة للعقل. الإرادة هي قوة السيطرة على الميول والعواطف على أساس المصلحة العقلية. والعمل الأخلاقي بناءً على نظرية الأخلاق التي أيّدها الفلاسفة المسلمون، هو العمل الذي يكون مبدأه الأخلاق والعقل، وليس الميول والعواطف، حتى لو كانت العاطفة تتعلق بالغير. «إنّ الأخلاق الكاملة، هي الأخلاق التي تخضع لقوة العقل والأخلاق وتكون الميول الفردية والنوعية والأشواق جمعيها تحت رقابة العقل والأخلاق».
يعتمد على العقل في مكانٍ آخر ليبين رؤية الحكماء. وقد عدّ الحكماء أنّ «العقل معيار الأخلاق، إلّا أنّه العقل الحر أو الحرية العقلية».
إنّ جوهر الإنسان على أساس مباني الحكماء المسلمين وبالأخص صدر المتألهين هو القوة العاقلة. ومن ثَمَّ فإنّ الكمال والسعادة النهائيين والواقعيين، هما السعادة العقلية. للعقل بعدان: «بُعدٌ نظري يتّجه نحو الأعلى ويريد كشف الحقائق (العقل النظري)، وبعدٌ آخر يتّجه نحو الأسفل، يريد تدبير البدن على أساس العدل».
الأخلاق هي أنّ يحكم الإنسان العقل، لتستفيد كلّ قوةٍ من قوى الإنسان على أساس العدل ومن دون إفراط وتفريط، وهنا يصل العقل إلى الحرية. إذا وصلت قوى الإنسان إلى حد الوسط ونقطة الاعتدال، تتحطم صولة القوى في مواجهة بعضها البعض فيحصل مزاجٌ للانسان لا يزاحم العقل على إثر الميول المتعددة، وفي
هذا الحال تكتسب الروح كمالاتها من دون أيّ مزاحمةٍ من ناحية البدن.
يتحقّق الكمال الحقيقي للإنسان من وجهة نظر الحكماء على إثر فعلية العقل النظري، أي قوة إدراك الحقائق، فيصبح العقل العملي في الحاشية ويتّخذ بعدًا تمهيدًا.
أمّا الإشكال الجوهري الوارد على هذه الرؤية، فهو أنْ يصبح العقل هو جوهر الإنسان فقط، وتصبح أبعاده الوجودية الأخرى كالوسائل والأدوات، بينما يعدّ الاسلام العقل فرعًا واحدًا من وجود الإنسان وليس كافة وجوده، الضعف الآخرين في هذه النظرية، سلب «العنصر الاساسي في الأخلاق أي القداسة. وتحصل الأخلاق على القداسة من خلال نفي الذات والأنانية...» مع العلم أنّ هذه النظرية التي تهدف إلى إقرار السعادة، تدور حول محور الأنا.
إنّ العمل الأخلاقي بناءً على هذه النظرية هو العمل الذي يُستلهم من الوجدان. وقد بنى كانط رؤيته الأخلاقية على هذا الأساس. إنّ أصل وجود الوجدان الأخلاقي أنْ يكون طبع الإنسان بنحوٍ يرغب ويبتعد عن الحسن والقبيح، فهو صحيح وهناك عددٌ من الشواهد القرآنية والروائية التي تؤيّد ذلك. إلّا أنّ نظرية كانط في هذا الخصوص يعتريها عددٌ من الإشكالات بسبب الخصائص التي تحيط بها.
صحيح أنّ نظرية كانط دقيقة، إلّا أنّها لا توضح الحقيقة بأكملها. والنظرية صحيحة إلى مستوى الذي يتم الاعتراف فيه بوجود سلسلة الأوامر (يجب) اللامشروطة، وكذلك وجود مراكز للإلهام، ولكن، أولًا يعتقد كانط أنّ الشرط اللازم لأخلاقية العمل ألّا يكون ناشئًا من ميل، والحقيقة أنّ إمكان صدور فعل كهذا، محل تأمل. «هل من الممكن أنْ يطيع الإنسان أمرًا لا يميل بطاعته ولا يخاف مخالفته؟. ثانيًا، حذف كانط مفهوم الحسن والخير من الفعل الأخلاقي ووضعه في إرادة الفعل. وأما معيار الأخلاق الأساس طبق رؤيته فمكنونٌ في الدافع له، وليس في خصائص الفعل عينه. ومن ثَمَّ فالوجدان الذي يتحدّث عنه كانط شبيه بالقائد المستبد الذي يصدر أوامره من دون دليل. ثالثًا، لا يمكن قبول الحكم بعدم أخلاقية الفعل الذي يتضمن خير العموم، والذي يميل إليه الشخص بحكم العاطفة الإنسانية، والميل نحو الخدمة، ويخالف هذا الحكم الوجدان الأخلاقي
الذي يؤيده كانط. رابعًا إذا حصل عمل كالإيثار والتضحية انطلاقًا من الحسن الذاتي، فهو في الغالب ذو ماهية أخلاقية، أكثر من كونه عملًا يحصل تحت الضغط والإلزام؛ لأنّ الإلزام يقلل من حرية الإنسان، وكلّ مايؤدّي إلى التقليل من الحرية، تكون صبغته الأخلاقية ضعيفة؛ خامسًا إنّ أحكام الوجدان كافة ليست مطلقة؛ فلزوم الصدق على سبيل المثال ليس حكمًا مطلقًا، بل تابع «لفلسفة وقد يفقد الصدق فلسفته» مثال ذلك عندما يؤدّي الصدق إلى قتل إنسان بريء. سادسًا، فرّق بين الكمال والسعادة؛ فهو يعتقد أنّ العقل الأخلاقي يحمل معه كمال الإنسان لكنّه لا يستلزم في نفسه السعادة، مع العلم أنّ الكمال والسعادة وجها عملةٍ واحدةٍ، فلا ينفصلان عن بعضهما البعض.
يعتقد افلاطون وبعض الحكماء المسلمين القائلين بالحسن والقبح العقليين أنّ منشأ القيم الأخلاقية، الجمال العقلي ـ المقابل للجمال الحسي والخيالي ـ ويفترق هؤلاء عن بعضهم البعض أنّ افلاطون يعدّ مركز الجمال هو الروح الفردي التي تتضمن في قواها النفسانية العدالة، وقد جعل منها كلًا متناسقًا ومتوازنًا ومتعادلًا ـ الجمال هو التوازن في النسبة بين الأجزاء والكل ـ بينما عدّ المتكلمون المسلمون أنّ مركز الجمال، بعض الأعمال من قبيل الإيثار، والإحسان والصدق التي يظهر جميلًا فيها، ولمّا كان الجمال ذا جاذبيةٍ، ويؤدّي إلى إيجاد الحركة والعشق، ويرفع الإنسان نحو المدح والثناء والتقدير، يكون الشخص المزيّن بالفضائل والأفعال الناشئة من
هذه الفضائل حاملًا للقيم الأخلاقية. صحيح أنّ الشهيد مطهري ذكر إشكالاتٍ على هذه النظرية ـ وبالأخص على آراء افلاطون في توضيح الجمال، وفي تخصيصه بالكل بالمركب من أجزاء ونفي أيّ نسبيةٍ منه وكذلك استقلاله الكامل عن الذهن ـ إلّا أنّه ايّد أصل الارتباط بين القيم الأخلاقية ومقولة الجمال، ولكن لمّا كانت هذه النظرية هي المنشأ الأساس لإدراك الجمال المعنوي ـ أي المعرفة الفطرية بالجمال المطلق والجميل على الإطلاق ـ فلم يبيّنها وعدّها ناقصة.
يعتقد الشهيد مطهري أنّ «أعمق النظريات هي كون الأخلاق نوعًا من العبادة؛ أي أنّ طبيعة الفعل الأخلاقي وماهيته ـ في مقابل الفعل الطبيعي ـ هي طبيعة عبادة [الله] إلّا أنّها عبادةٌ غير مقصودة». أمّا تعريف العبادة، فهو كالجمال صعب «ولعلها لا تقبل التعريف». إلّا أنّها تتضمن أمورًا من قبيل الثناء، والتقديس، والخضوع، والخروج من الأنا المحدودة، والخروج من دائرة الآمال المحدودة، وتحطيم سجن الذات، والتحليق (التقرب)، والانقطاع، والالتجاء والاستعانة. إنّ العبادة في الحقيقة هي من التجليات الروحية للإنسان، والأعمال البدنية أمثال
الصلاة هي لإيجاد هذه الحالة الروحية.
بناءً على هذه النظرية، فالذي يأتي بالعمل الأخلاقي، یکون عمله نوعًا من عبادة الله، لكنّها عبادة غير واعية، أي حتى لو لم يدرك الله في شعوره، ولم يعتقد به أو اعتقد به ولم يأتِ بالعمل لأجل رضا الله. والعبادة هي أكبر حالات الإنسان وأشرفها وأعظمها .
يبدو أنّ القضية المهمّة التي دفعت الشهيد مطهري لتأييد هذه النظرية، هي حلّ هذا الأمر المبهم والإجابة على هذا السؤال: كيف يمكن للإنسان في بعض الحالات أنْ يأتي ببعض الأعمال من قبيل الإيثار والتضحية، فيتجاوز مصالحه الخاصة، ويضحي فيجد في التضحية نوعًا من الشرف والعظمة، ويشعر أنّ اتيانه بهذه الأعمال يدفعه نحو التعالي والعظمة والكبرياء مع العلم أنّ هذه الأعمال لا تُفهم، ولا تتناسب مع أي منطقٍ، حتى منطق العقل الذي يقضي بدفع الضرر عن الذات واستجلاب المصلحة لها.
أما الجواب الذي قدّمه الشهيد مطهري، فمفاده أنّ السّر في وجود حالةٍ كهذه عند الإنسان مرجعه أنّ «الإنسان مفطورٌ على معرفة الله، وأنّ هناك سلسلة من المسائل (القوانين الأخلاقية) الموجودة بالفطرة في قانون الله..... وفي أعماق روح الإنسان، فهو يعرف هذه القوانين كما يعرف الله، ويعرف رضا الله ويأتي بالعمل في سبيل رضا الله انطلاقًا من فطرته، إلّا أنّه لا يعلم ذلك».
من هنا يرفض الشهيد مطهري عقيدة الذين يعدّون الحس الأخلاقي وحس معرفة الله، أمرين منفصلين في الوجود الانساني، ويعتقد أنّ الحسّ الأخلاقي مرتبطٌ
بالكامل بحس معرفة الله حيث يمكن أنْ يطلق عليه «حس تكليف الله» وبذلك يعرف الإنسان الإسلام الفطري، ويدرك على سبيل المثال أنّ العفو، والعطاء والتضحية والفضائل الأخرى، هي محل رضا الله تعالى.
بناءً على ما تقدّم يمكن نسبة نظرية الاتحاد بين التجربة الأخلاقية والتجربة الدينية إلى الشهيد مطهري. أما الأصول التي بُنيت عليها هذه النظرية فهي:
- الإيمان بالله هو جوهر الديانة.
- إنّ حقيقة الإيمان بالله، هي تسليم أمام الأخلاق الالهية.
- الإسلام الحقيقي يختلف عن الإسلام الجغرافي.
- إنّ ما هو ذو قيمةٍ هو الإسلام الحقيقي.
- الإسلام الحقيقي هو تسليم قلب الإنسان للحقيقة.
- إنّ الذي استسلم قلبه أمام الحقيقة، هو مسلم فطري، حتى لو لم يُسمّ مسلمًا؛
- إنّ العمل الذي يحصل بدافع محبة الإنسان ـ ليس للذات وليس لله ـ يمتلك مراتب من الحسن الفاعلي وفاعله مأجور.
- إنّ الوجدان الأخلاقي عند الانسان، هو مبدأ معرفة الإنسان الفطرية بالله وارادته.
- إنّ للفضائل والأعمال الأخلاقية، جمالًا عقليًا، وأما منشأ إدراك الجمال العقلي والفضائل والأعمال الأخلاقية، هو المعرفة الفطرية بجمال الله تعالى.
إنّ حبّ الخير والعدل والإحسان هو علامة وتجلي الحب والعلاقة الفطرية بالله الذي هو الجميل على الإطلاق.
- العناصر الأساسية للفعل الأخلاقي عبارة عن: الثناء، والعظمة، والجلال، والقداسة، والقيمة المعنوية، وإحساس الخضوع في مقابله.
- العبادة هي من تجليات روح الإنسان، وتتحقق تارةً بنحوٍ واعٍ، وتارةً أخرى بشكل غير واعٍ، وتتضمن المديح، التقديس، والخضوع، والارتقاء فوق الأنا المحدودة، والانقطاع، والالتجاء والاستعانة.
- إنّ الفعل الأخلاقي الخالص الذي لا شائبة فيه نوعٌ من عبادة الله، حتى لو كان غير واعٍ.
- وقد ذُكرت إرجاعات هذه الأصول من خلال كلمات الشهيد مطهري في النص ونضيف:
- تتضمن التجربة الواسعة، الانفعالات الروحية والنفسانية وأفعال الإنسان الاختيارية الواعية.
- إنّ محبة الله من دون شكّ هي تجربة دينية من سنخ الانفعال.
- عبادة الله من دون شكٍّ تجربةٌ دينيةٌ من نوع الفعل أو الانفعال.
نستنتج من خلال جمع هذه الأصول الثلاثة إلى الأصلين 10 و13 الآتي:
أنّ الذي ترعرع فيه الحس الأخلاقي والذي يميل ويحب الفضائل بنحوٍ عميقٍ ومن دون أيّ شائبة (صاحب التجربة الأخلاقية بمعناها الإحساسي والانفعالي) يمتلك محبة الله (صاحب تجربة وأحاسيس وعواطف دينية).
إنّ الفاعل الأخلاقي في فعله الأخلاقي الخالص الذي لا يشوبه شائبة (صاحب التجربة الأخلاقية بمعناها الفعلي)، هو يأتي في الحقيقة بعملٍ عبادي، وهو صاحب تجربةٍ دينيةٍ بمعناها الفعلي.
(446)