تأليف:
الشيخ حسين عبد الرضا الأسدي
فهرس المحتويات :
مصطلحات البحث
1. الحياة
2. الطيّبة
3. الدولة المهدوية
تمهيد: الحياة الطيّبة في التراث الديني
المعنى الأول: أنّ الحياة الطيّبة هي القناعة
المعنى الثانی: أنها الحصول على ما يُحب الإنس
المعنى الثالث: أنّها حياة السرور والكرامة وتمام العيش
البحث الأول: المبادئ العامة لحكومة الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه الشريف)
المبدأ الأول: العمل بكتاب اللّه تعالى وسنة المعصومين(عليهم السلام)
المبدأ الثاني: القضاء والتطبيق العادل لأحكام الإسلام
المبدأ الثالث: حكومة عالمية
البحث الثاني: من مفردات الحياة الطيّبة في ظل الدولة المهدوية
المفردة الأولى: مكافحة الجبابرة وإماتة الظلم
المفردة الثانية: عموم الأمن
المفردة الثالثة: تنمية العلم والثقافة
أولًا: ترؤس الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه) عملية التطوير الذهني والمعرفي
ثانيًا: تطوّر الإدراك لدى المؤمنين
ثالثًا: تطور الصناعات
المفردة الرابعة: الرفاهية الاقتصادية
أولًا: تدفق الخيرات التكوينية بين يدي الإمام المهدي(عجل الله تعالى فرجه)
ثانيًا: إعادة تقسيم الثروات
ثالثًا: توزيع الثروات على الناس عمومًا
المفردة الخامسة: تقوية البنى التحتية للدولة
أولًا: تقوية الروابط الاجتماعية وفق الإخاء الديني
ثانيًا: أمن الطرق
ثالثًا: تطوّر الصحة والعلاج
رابعًا: توسعة الطرق وتنظيم السير
مقدمة المرکز
باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
المقدمة
يهدف البحث إلى ذكر نماذج من مفردات الحياة الطيّبة في ظلّ دولة الإمام المهدي(عليه السلام)، على مختلف الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، من خلال استعراض النصوص الروائية الواردة في هذا الصدد، والمروية عن أهل بيت العصمة(عليهم السلام)، والواردة في بعض النصوص العامية كذلك.
وقد تناول ذلك في تمهيد في بيان الحياة الطيّبة في التراث الديني. ومبحثين، تناول المبحث الأوّل المبادئ العامة لحكومة الإمام المهدي(عليه السلام). من خلال استعراض الأحاديث المبينة لتلك الأسس والمبادئ، التي تمثّل منطلقات الدولة المهدوية وبناها العلمية والعملية التحتية، مثل العمل بكتاب اللّه تعالى وسُنّة المعصومين(عليهم السلام)، القضاء والتطبيق العادل لأحكام الإسلام. وعالمية الحكومة، والبحث الثاني: سلّط الضوء على مفردات الحياة الطيّبة في ظل الدولة المهدوية.
ويخلص البحث إلى أنّ ما سيأتي به الإمام المهدي(عليه السلام) سيمثّل حلم الأنبياء والمرسلين(عليهم السلام) بالتطبيق الكامل الشامل للدين الإلهي، وبطريقةٍ غير مسبوقة النظير، حتى أنّ الناظر في النصوص الواردة فيها يُخيل إليه أنّه يعيش في جنةٍ لكن على الأرض.
مصطلحات البحث
1. الحياة
تُطلق الحياة ويُراد منها معانٍ عديدة، من قبيل النمو في حياة النبات، والإحساس في الحيوان، والإدراك في الإنسان، وتختلف مراتبها باختلاف الموجود الذي يتصف بها، فهي ذات مراتب طوليّة مشككة، وتتكامل بتكامل الموجود الذي يتّصف بها، فالحياة في الحيوان أكمل منها في النبات، وفي الإنسان أكمل منها في الحيوان، وفي الخالق أكمل منها من المخلوق، على أنّ علم الكلام أثبت أنّ الحياة في الخالق حياةٌ مطلقةٌ لا متناهية، وبالذات لا بالغير، والتفاصيل في ذلك العلم.
وتطلق الحياة بإطلاقاتٍ مجازيةٍ أخرى، من قبيل: الراحة، فإنّ من يعيش مرتاحًا يُقال عنه حيٌّ مجازًا، وقد يكون الإنسان متصفًا بالحياة الحيوانية (النمو الإحساس)، بل والإنسانية (الإدراك)، إلّا أنّه لعدم راحته يكون هو والميت سواء، وفي هذا المعنى قيل:
ليس من مات فاستراح بميت
إنّما الميت ميّتُ الأحياءِ
وتطلق أيضًا على الحضارات التي تقوم على وفق نظريات يُعمل بها في الواقع، بمعنى أنّ أيّ حضارةٍ لا بدّ أنْ يكون عندها نظريات معينة، فإذا ما طُبّقت تلك النظريات على أرض الواقع، والتزم بها أتباع تلك الحضارة، وأخذت بالنمو والتوسّع وتسويق نفسها من خلال أتباعها ومن خلال نظرياتها ذات الأثر الإيجابي على أرض الواقع، كانت تلك الحضارة حيّة، وإلّا، فهي حضارةٌ ميّتة، ذات بضاعةٍ كاسدة.
والمقصود من الحياة في هذا البحث هو هذا المعنى الأخير، فهي حياة حضارة تطرح نظريات، يُعمل بها على أرض الواقع، وتأخذ بالنمو والتوسع حتى لا تبقى أرضٌ إلّا وينادى فيها بلا إله إلّا اللّه، وسيدخل العدل بيوت الأرض بلا استثناء.
وفي ذلك روي عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّه(عليه السلام) يَقُولُ - في سياق حديثه عن قيام الإمام المهدي(عليه السلام) -: «أَمَا وَاللّه لَيَدْخُلَنَّ عَلَيْهِمْ عَدْلُهُ جَوْفَ بُيُوتِهِمْ كَمَا يَدْخُلُ الْحَرُّ وَالْقُرُّ».
وفي رواية أبي جعفر(عليه السلام): «ولا تبقى أرضٌ إلّا نُودي فيها بشهادة أنْ لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا رسول اللّه، وهو قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(آل عمران: 83).
2. الطيّبة
قال الراغب الأصفهاني: «أصل الطَّيِّبِ: ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطَّعامُ الطَّيِّبُ في الشّرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز، ومن المكان الَّذي يجوز فإنّه متى كان كذلك كان طَيِّبًا عاجلًا وآجلًا لا يستوخم، وإلَّا فإنّه - وإنْ كان طَيِّبًا عاجلًا - لم يَطِبْ آجلًا... والطَّيِّبُ من الإنسان: من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلَّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال...».
فالمقصود من الطيّبة في البحث: الحياة التي تنعكس إيجابًا على الأفراد، بحيث تخلو من المكدّرات، فلا يكون هناك إلّا ما تستلذّ به النفس، وما تطمح له العين، وما ينعكس بالأخلاق الفاضلة والعلم النظري والسلوك العملي المطابق له على الإنسان.
3. الدولة المهدوية
بعيدًا عن الاصطلاحات التي ذُكرت للدولة، وأنواعها، وأركانها، وبعيدًا عن تعقيدات التعريفات، فإنّ المقصود من الدولة المهدوية هنا هو الآتي:
أ. الزمن الذي تنتهي فيه الغيبة الكبرى للإمام المهدي(عليه السلام) ويظهر بشخصيته الحقيقية للعلن.
ب. انتهاء حكم غير أهل البيت(عليهم السلام) وعدم تسنمهم أي منصب سياسي في حكومة العالم، وما يلازمه من انتهاء الحروب العلنية ضد الإمام المهدي(عليه السلام).
ج. تسنّم الإمام المهدي(عليه السلام) حكم الدولة العالمية، وتقسيمه دول الأرض إلى (313) إقليمًا أو محافظةً أو ما شابه هذه المصطلحات، وهو المستفاد من بعض النصوص الدالة على أنّه(عليه السلام) سيُعيّن أصحابه الخاصين الثلاثمائة وثلاثة عشر حكّامًا على الأرض، فقد روي عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد اللّه(عليه السلام): «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَائِمِ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الألوِيَةِ، وَهُمْ حُكَّامُ اَللهِ فِي أَرْضِهِ عَلَى خَلْقِهِ...».
د. أنّ القانون التشريعي الرسمي هو القانون التشريعي الإسلامي، وتحت رعاية الإمام المهدي(عليه السلام) بما يملكه من صفة العصمة تجنبه الخطأ مطلقًا، وبما زوّده اللّه تعالى من علم لدنّي يكشف له الواقع، وبما يحيط به من أصحاب وأنصار مخلصين تمام الإخلاص.
وحينها، سيبدأ الإمام(عليه السلام) بتطبيق النظام الذي أشار القرآن الكريم إلى نتيجته الدنيوية حينما قال(عليه السلام): ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾(الجن: 16).
فتحصل:
أنّ المقصود من البحث هي الإشارة إلى التطور الحضاري للدولة العالمية التي يحكمها الإمام المهدي(عليه السلام)، وتفجيره الطاقات بما يصبّ في تذليل الصعوبات في الدنيا، وفتح منافذ الرفاهية على أعلى مستوياتها، الأمر الذي يُخيّل لقارئ الروايات أنّ الناس يعيشون في الجنة، إلا أنّها جنة أرضية، على جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والأمنية وغيرها.