فهرس المحتويات

العلم والدين

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

دراسات دينية معاصرة 12

العلم والدين 

الشيخ محمد تقي المصباح اليزدي 

 

تعريب 

هاشم مرتضى 

(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)

 

 

مقدمة المركز

باتت مباحث الدين محور النقاش المحتدم طيلة القرون الماضية، سواء في الغرب أو الشرق. وقد اشتدّت هذه المباحث في فترة النهضة الأوروبيّة، والانقلاب على القراءة الدينيّة الرسميّة، وظهور تيّار الإصلاح الديني، وما تبعه من ظهور تيّارات ومدارس فكريّة: سياسيّة واجتماعيّة وثقافيّة، إذ كان الدين دومًا طرفًا في هذا النقاش.

والعالم الإسلامي لم يكن بمعزل عن هذا الجدل المستمرّ، وإنْ بنحو آخر، وما نزاع الفلاسفة والمتكلّمين والعرفاء وأهل الحديث، إلّا من نتائج هذا الجدل. غير أنَّ العالم الإسلامي بعد احتكاكه بالغرب الحديث، واجه نوعًا آخر من التحدّيات الدينيّة، ربّما لم تكن من ذي قبل، بل ولدت جرّاء النهضة العلميّة والعقليّة الحديثة، وتغيير وجهة الإنسان مِن السماء إلى الأرض، والسعي نحو تحقيق أكبر قدر مِن السعادة الدنيويّة المحضة. وتغيرّت ميتافيزيقا الغيب إلى فيزيقا الطبيعة، فولد جرّاءها لاهوت الطبيعة والدين الطبيعي والإنسان الطبيعي محور الكون.

 

(9)

التحدّيات هذه تفرض على الخطاب الإسلامي الخوض في هذا المضمار لتقديم قراءات تأسيسيّة حول مباحث الدين وما يتعلّق به سعة وضيقًا، مع لحظ المباحث الجديدة والإجابة على التحدّيات الحديثة بغية الوصول إلى الحقيقة.

يتطرق هذا الكتاب الى موضوع هام قد تصدر مباحث فلسفة الدين منذ فترة غير قليلة، ألا وهو موضوع العلم والدين ونوع العلاقة القائمة بينهما، إذ شهدت الساحة الفكرية الاسلامية والغربية سجالا واسعا حول هذا الموضوع، ولم ينته بعد بل مازال قائما، فهناك من ذهب الى التنافي وهناك من ذهب الى التوافق وهناك من فصّل في القول او حاول التلفيق بين الاقوال المختلفة.

وقد تصدى العلامة المرحوم الشيخ المصباح اليزدي لهذا الموضوع الهام في مختلف كتبه ومحاضراته طيلة حياته المباركة، وقد قام بجمعها وتحريرها نجله الفاضل، ليخرج بهذه الحلة المباركة بعد تعريبه وتقديمه للمكتبة العربية.

نأمل أن يحظى هذا الكتب باهتمام الباحثين ورواد العلم والمعرفة، وينير لهم الدرب في هذا المعترك المعرفي الشائك.

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسوله الامين وآله الميامين.

 

 

 

 

 

(10)

 

 

المقدِّمة

يُعدّ البحث عن علاقة العلوم البشريّة بالدين، من المهام المشتركة والقديمة بين علماء الدين وسائر المتديّنين، ولها تاريخٌ طويلٌ في الفكر البشري، وقد تلوّنت هذه المسألة في الأزمان المختلفة وعند مختلف الاختصاصات العلميّة، أو بحسب نوع العلم السائد في كلّ برهة؛ بألوانٍ مختلفة، وظهرت بعناوين متفاوتة: فتارةً يُبحث عن علاقة العقل بالدين، وتارةً أخرى عن الفلسفة والدين، وثالثةً عن العرفان والدين، إلى أن استقرّ الأمر في العصر الحديث حول علاقة العلم (أي العلم التجريبي) مع الدين.

والوجه المشترك بين جميع هذه المباحث المختلفة، إنّما هو القلق المعرفي الداعي إلى التعرف على النسبة بين علمٍ سماويّ وإلهيّ يأتي عن طريق الوحي والإلهام إلى أولياء الله ليصل إلى الإنسان، وعلمٍ متجذّرٍ في الفهم العرفي والعادي لدى الإنسان، يتمّ الحصول عليه عن طريق الوسائل الإدراكيّة العامّة (أي العقل، والتجربة الحسّيّة والشهود).

وهذه المسألة تشتدّ أهميّتها وتظهر كمعضلة، حينما يحصل خلافٌ بين المعارف المعتمدة على الوحي، والمعارف المعتمدة على العلم، ويعطي كلّ واحدٍ منهما جوابًا مختلفًا عن الآخر؛ لذا قد تتجلّى هذه المسألة تحت عنوان

(11)

تعارض العلم والدين، وتُصرف الجهود لحلّ هكذا تعارضات واقعيّة أو وهميّة.

نعم ربّما أصبح مبحث العلم والدين أكثر أهميّةً في بعض الفترات الزمنيّة، ويرجع ذلك إمّا إلى وصول العلم إلى نتائج مذهلةٍ تطلب من الدين البراز وتسبّب له الحرج، وإمّا إلى قوّة الدين في حياة الإنسان بحيث أحدث أزمةً للعلم.

موقعيّة مبحث العلم الديني

إنّ من المسائل التي تواجه الأساتذة والطلاب في مختلف الحقول العلميّة، مسألة العلاقة بين المستحدثات العلميّة الجديدة مع تعاليم الدين، فهناك من يزعم أنّ بعض نتائج العلم تبطل تعاليم الدين، وهناك من يترك بعض نتائج العلم بسبب تعارضها مع الدين، وهناك فريق ثالث يتيه بين الآراء المختلفة ولا يهتدي سبيلًا.

وتعدّ هذه المسألة من المهام القديمة والمعقولة والمنطقيّة عند علماء الدين وسائر المتديّنين المحبّين للعلم، وذلك أنّ من أهم النقاط الاستراتيجيّة في مسير الإبداع العلمي في المجتمع الإسلامي، إنّما هو بيان علاقة العلم بالدين الإسلامي (سواء فيه العلوم الطبيعيّة أم الإنسانيّة) والإجابة على الشبهات المثارة. وهناك مساعٍ حثيثة من قبل مختلف العلماء لإعطاء حلول واضحة للتواصل بين العلم والدين في نطاق الإسلام، كما توجد مساعٍ حثيثة أيضًا من قبل المخالفين لإعطاء صورة خصامٍ غير حقيقي بين بين العلم والدين، ولا يدّخرون أيّ جهدٍ للتّشكيك وإذاعة الشبهات، من قبيل ترجمة كتب الملاحدة الغربيّين ضدّ الدين، وكذلك بثّ الشبهات وإلقاء مختلف الأسئلة. وعليه فإنّ وظيفة العلماء في الحوزة والجامعة الإجابة على هذه الأسئلة والشبهات، وإعطاء حلول عقلانيّة ومنطقيّة.

إنّ نظام التعليم في الحوزة والجامعة، لا بدّ أن يبتني على أساسٍ متين، يُمكّن الطالب من الوصول إلى مرتبةٍ علميّةٍ عليا وقوّةٍ استدلاليّةٍ كبرى تمكّنه من

(12)

إثبات العقائد الإسلاميّة والدفاع عنها، والإجابة عن النظريات والآراء المخالفة للإسلام بنحوٍ منطقي وموضوعي. وعليه فإنّ أسلمة الثقافة في الحوزة والجامعة تعني أنّ منهجيّة الدراسة، وكيفيّة البحث والتحليل العلمي، تكون بنحوٍ يتمكّن الطالب فيهما من إثبات الحقائق الإسلاميّة وإبطال الآراء المخالفة للإسلام، لا أن ينشأ الطالب منذ البداية على ضفاف ثقافة غير إسلاميّة، يزعم أنّها حقائق ثابتة، وسيكون بالمآل غير قادر على الدفاع عن عقائده وقيمه.

وهذا لا يعني إطلاقًا عدم التطرّق إلى سائر الآراء غير الإسلاميّة، إذ إنّ منهجيّة التحقيق والبحث العلمي تقتضي التطرق إلى الآراء المخالفة ونقدها في مختلف المسائل، كي يحصل اليقين بصحّة الأجوبة، ولكن ما لا نرتضيه ذكر الفرضيّات والآراء العلميّة التي ربّما تخالف في الظاهر مع بعض تعاليم الدين، بأنّها آخر ما توصّل إليه العلم وأنّها آراء قطعيّة بأن يقال: «بما أنّ العلم أثبت هذا فلا مجال للبحث بعده». وبناء على هذا الاتّجاه المعكوس، قد انصبّت الجهود نوعًا ما لإلقاء شبهة تعارض العلم والدين في أذهان الطلبة، ليتمّ تعريف الدين بأنّه مجموعة تعاليم خرافيّة تعارض العلم، وبعد هذا التلقين يصعب تطهير ذهن الطالب، ولا يبقى مجالٌ لإثبات الحقائق.

إنّ الاهتمام بهذه المسألة، نحت مصطلحًا جديدًا في الفضاء الفكري والمعرفي في مجتمعنا العلمي، عُرف بـ(مبحث العلم الديني) وأصبح محور المباحثات والمجادلات، وربّما يقال ـ مع لحاظ ما مرّ ـ  بأنّ التطرّق إلى مباحث تقسيم العلم إلى ديني وغير ديني، ليصبح محور البحث في أسلمة الجامعات، لم يكن صحيحًا منذ البداية، إذ إنّ الأولويّة هي أسلمة الجامعة وتحصينها أمام الغزو الثقافي والانحرافات الفكريّة والعمليّة التي شنّت هجومًا كاسحًا على نخب البلدان الإسلاميّة.

(13)

نعم إنّ من المسائل التي لا بدّ من التطرّق إليها، غربلة العلوم الجامعيّة سواء في محور مطابقتها مع الواقع، أم مع قيم الدين الإسلامي. إذ لا شكّ في أنّ العلوم الدارجة في الجامعات تشكو من نواقص وأخطاء لا بدّ من حلّها ونقدها بمنهج علمي ومناسب لها. إنّ التعرّف على هذه النواقص يمكن أن يعيننا أوّلًا على عدم مخالفة العلوم التي تُدرس في الجامعات لأهداف الدين الإسلامي وتعاليمه، وثانيًا يمكنها أن تؤثّر في النظرة العالميّة للعلم وتسبّب التحوّل في أبعادٍ مختلفة.

إنّ نقد النظريّة ربّما يكون نقدًا جوّانيًّا، بمعنى أنّ نقص النظريّة إمّا ناشئ من الخلل في استعمال المنهج، وإمّا من استعمال مقدّماتٍ غير قابلة للاعتماد عليها، وإمّا من المغالطة في الاستنتاج من الأدلّة العلميّة. وربّما يكون النقد أوسع من هذا وينال أساس المنهج المستخدم في النظريّة، وهنا يكون محور النقد استخدام منهج خاطئ لحلّ مسألة خاصّة، أو يكون حول عدم تمامية المنهج والحاجة إلى استحداث منهجٍ جديد. وربّما يكون النقد أعمق من هذا ليتحوّل النقد إلى نقد برّانيّ، بحيث يتوجّه نقد النظريّة نحو الفرضيّات القبليّة والمباني والأصول الموضوعة. وجميع هذه النقود متداولةٌ في مختلف العلوم، ومقبولةٌ من قبل طلّاب الحقيقة طالما تدار وفق الأصول والمناهج المعقولة والمنطقيّة، ومن الواضح هنا عدم مدخليّة مذهب العالم المنتقد أو عرقه أو لونه أو قوميّته، ويحقّ للعالم المسلم وكذلك غير المسلم إعطاء نظرةٍ نقديّةٍ كهذه للعلوم، ولا يكون مجرّد الإسلام أو التديّن عائقًا أمام استخدام هذا الحقّ.

وعليه فإنّ البحث عن أنّ العلم هل ينقسم إلى ديني أو غير ديني، أو لا يوجد إلّا نوعٌ واحدٌ من العلم، والسؤال عن خصائص كلّ واحدٍ منهما وما به الامتياز وما به الاختلاف، لم يكن مسألتنا الأساسيّة، بل هو بحثٌ فرعيّ لا بدّ ألّا يسبّب غفلتنا عن البحث الأساسي.

(14)

تحرير محلّ النزاع

لأجل ألّا تضيع النقطة الأساسيّة في البحث، لا بدّ من بيان موقعيّة مباحث: العلم الديني، وعلاقة العلم والدين، وأسلمة العلوم في هندسة المباحث الأساسيّة، ولا بدّ من القيام لحلّ المسائل في ضوء العلاقات الموجودة بين مختلف العناصر.

إنّ أوّل خطوة لحلّ أي مسألة انما هو بيان تلك المسألة وماهيّتها، علما بأن موضوع أسلمة العلوم وضرورته وأهدافه ما زال لم يُبيّن لكثير من الأساتذة والطلبة المخلصين في الحوزة والجامعة، ولا يوجد وحدة نظرٍ وإجماع عليه، وهذا هو سبب تشتّت الآراء وعدم التوافق على أصل المسألة، ممّا يسبّب هدر كثيرٍ من الطاقات والجهود. ولأجل هذا انبرى بعضٌ منهم لمخالفة أصل هذا الموضوع، وزعموا أنّه أمرٌ عاطفيّ وغير علميّ، حتّى أنّه توجد عند من يعتقد بوجود هذا التحوّل وضرورته تصوّراتٌ مختلفةٌ وربّما واقعيّةٌ تنتهي بالمآل إلى سوء التفاهم بين العلماء؛ ممّا يؤدّي إلى فشل هذه النظريّة العظيمة، والوصول إلى اليأس والإحباط في تحقّقها، فقد يتصوّر على سبيل المثال أنّ أسلمة العلوم مجرّد شعار سياسي لقطع الارتباط مع الغرب تمامًا لاسيّما الارتباط العلمي، بتصوّر لزوم ترك جميع العلوم الأساسيّة والتجريبيّة والإنسانيّة وبناء علوم جديدة.

إذ يعتقد بعضٌ أنّ العلوم الدارجة اليوم مبتنيةٌ على رؤى شيطانيّة وبأهداف استعماريّة، ولا تصلح لتلبية الأهداف الثوريّة والإسلاميّة، وعليه لا بدّ من تأسيس علومٍ مستقلّةٍ تخلو من تلك الأهداف وتنفع الأهداف الإسلاميّة. فهكذا تصوّرات خاطئة عن الموضوع، تنشأ من عدم الالتفات إلى محلّ النزاع والمدّعى، وتؤدّي إلى نتائج خاطئةٍ وغير صحيحة؛ لذا من المهم تبيين النقطة الأساسيّة وسبب نشأة هذه المسألة، لكي نصون أنفسنا من الوقوع في تيه المغالطات والاشتغال بالهوامش.

(15)

إنّ الإسلام يعلّمنا بأنّ العلم بمعنى كشف الحقيقة ـ مع قطع النظر عن الزمان والمكان والشخص أو المذهب الذي يستند عليه ذلك العلم ـ ذو قيمة، ويدعونا إلى طلب مثل هذا العلم في أيّ نقطةٍ من العالم وبأيّ قيمةٍ كان[1]، وبناء على هذا فلو كان العلم ـ الذي هو بمعنى كشف الحقيقة ـ  في حيازة قومٍ يختلفون معنا في العرق، أو كان في مناطق وأقاليم أخرى، أو كانوا على دينٍ ومذهبٍ آخر، فهذه الاختلافات لا تحطّ من قيمة علمهم، بل نحترم ذلك العلم ونسعى للاستفادة منه بنحوٍ أفضل لتحقّق أهداف الإسلام.

ونحن عندما نتّخذ موقفًا تجاه العلوم الغربيّة، ونسعى لتطهير جامعاتنا من بعض معطيات تلك العلوم، لم يكن ذلك لمجرّد كونها غربيّة، لأنّنا نتّخذ الموقف نفسه تجاه علوم الشرق أيضًا، بل إنّ سبب ذلك ما نشاهده من نواقص وأخطاء ومغالطاتٍ في معطيات تلك العلوم، وعليه يقتضي طلبنا للحقيقة ـ مضافًا إلى وظيفتنا الدينيّة ـ  عدم تحمّل تلك النواقص، والسعي نحو حصول الحقائق بشكل أدقّ وأكثر واقعيّة.

نحن نعتقد أنّ المناخ الحاكم اليوم على الفضاء العلمي الغربي، والذي سرى إلى باقي الدول بنحو من الأنحاء، وإنْ احتوى على عناصر صحيحة، غير أنّه من حيث المجموع منهجٌ ناقصٌ وغير صحيح. إنّ سبب تخطئتنا لهذه العلوم إنّما

(16)

هو سيطرتها على الفضاء العلمي في جامعاتنا من جهة، ورسوخها وتجذّرها في مجتمعاتنا وفي البنية الإداريّة والسياسيّة من جهةٍ ثانية، ممّا أدّى إلى شدّة تأثّر حياتنا الاجتماعيّة بها، لا سيّما في العلوم الإنسانيّة التي تُعدّ آليات إدارة البلاد، ومنشأ مختلف القرارات الجزئيّة والكلّيّة في مختلف المناخات الاجتماعيّة.

ونحن في المقابل نقترح منهجًا يتمكّن من صدّ النواقص والمعايب ويبتعد عنها، إذ إنّ تعاليم الإسلام تربّي علماء الإسلام بحيث يتمكّنون من الابتعاد عن تلك الهفوات؛ ولذا نسمّي هذا المنهج والعلم الناتج منه بالإسلامي.

ومن الواضح أنّ كلّ علمٍ لأجل التحقيق في الموضوعات المتعلّقة بموضوعه، يحتاج إلى أصولٍ موضوعةٍ ومتعارفة، أو فرضياتٍ يتلقّاها ـ كأصول متسالم عليها ـ من باقي فروع العلم. وهذه الأصول حتّى على فرض إثباتها، لم تكن قابلةً للاستناد عند التجريبيّين؛ لأنّ المسائل غير التجريبيّة لم تحظَ بقيمةٍ علميّةٍ عندهم، ولا تكشف عن الواقع، فضلًا عن الأصول التي لم تثبت. وفي الحال الذي لم تثبت هذه الفرضيّات في محلّها بوجهٍ صحيح، أو اعتُمدت بعنوان ظنون غير ثابتةٍ لتبيين بعض الفروض، لم يكن لها وجهٌ لإثبات الصحّة.

إنّ من الإشكالات العامّة المطروحة اليوم على العلوم المسمّاة بالعلوم الغربيّة، أنّها تبتني على مجموعة أصولٍ موضوعةٍ لم تثبت بنحوٍ مناسبٍ في محلّها، أو تمّ إبطالها، لكنّها مع هذا بقيت مورد استناد العلماء لتبيين المسائل العلميّة كأصولٍ ثابتة.

إنّ كثيرًا من المسائل المطروحة في العلوم المختلفة كنظريّاتٍ علميّةٍ والتي تحظى باعتبارٍ عالمي، تبتني على أصولٍ ميتافيزيقيّةٍ خاطئة، وعلى سبيل المثال ففي الرؤية الكسمولوجيّة حظيت نظرية الصدفة في حدوث العالم بشهرةٍ عالميّة، ويتمّ بيان نشأة العالم على أساسها من خلال حصول انفجارٍ في المادّة الأوّليّة المتراكمة، أدّى إلى ظهور المجرّات والمنظومات الفلكيّة المختلفة والأجرام

(17)

السماويّة وغيرها، وفي مقام الإجابة على سؤال سبب هذا الانفجار، يكتفون بأنّه ناشئ من الصدفة.

إنّ المعنى الفلسفي والميتافيزيقي لهذا الجواب، إمكان حدوث بعض الظواهر من دون أيّ علّة؛ لأنّ الصدفة هنا تعني حدوث الظاهرة من دون الحاجة إلى العلّة. كما توجد في فيزياء الكوانتم الجديدة آراء تقول بإمكان خروج الإلكترون عن مداره على نحو الصدفة، وهذا يبتني على قبول قانون الصدفة، والحال أنّنا نثبت في الميتافيزيقا بشكلٍ قاطعٍ استحالة ذلك، وأنّ الظواهر لا تتحقّق من دون العلّة.

هذا الأمر أي ابتناء كثيرٍ من نظريّات العلوم التجريبيّة على أصولٍ ميتافيزيقيّةٍ خاطئةٍ كإمكان حدوث الصدفة، تُنبّهُنا إلى أُصلٍ مبنائي، وهو لزوم البحث عن هكذا مسائل في الإلهيّات والميتافيزيقا أوّلًا، وبعد الوصول إلى الجواب نبتدئ بالبحث والتحقيق في مسائل العلوم التجريبيّة، فلو ثبتت استحالة الصدفة يتمّ إبطال جميع النظريّات المبتنية على هذه الفرضيّة، وتكون بحاجةٍ إلى إعادة التقويم والتقييم.

هذه المسألة تكون أكثر أهميّةً في العلوم التي تسمّى عادة بالعلوم الإنسانيّة أو العلوم الاجتماعيّة؛ فبعض العلوم الإنسانيّة الموجودة، تبتني بشكلٍ واضحٍ على أصولٍ موضوعةٍ استُعيرت من فلسفاتٍ ماديّةٍ وغير إسلاميّة، وهي أصول ثبت بطلانها في الفلسفة الإسلاميّة ونظريّة المعرفة.

وقد أشار السيِّد الخامنئني مرارًا إلى هذه النقطة حيث يقول:

 «إنّ الأساس الذي تبتني عليه العلوم الإنسانيّة اليوم في الغرب، من الاقتصاد وعلم الاجتماع والإدارة وأنواع الأقسام في العلوم الإنسانيّة، إنّما هو معرفة غير دينيّةٍ أو ضدّ الدين، وهي غير معتبرةٍ عند من وصل إلى معرفةٍ توحيديّةٍ إسلاميّةٍ عليا».[1]

(18)

«إنّ علومنا الإنسانيّة قد ابتنت على مبادئ ومبانٍ تتعارض مع مباني القرآن والإسلام، إنّ علوم الإنسان الغربيّة تبتني على رؤيةٍ كونيّةٍ أُخرى، وتبتني على فهمٍ آخر عن عالم الخِلقة، تبتني على رؤية ماديّة... لا بدّ من الالتفات في مختلف المسائل إلى دقائق القرآن، والبحث عن مباني العلوم الإنسانيّة في القرآن الكريم».[1]

ومن الواضح أنّ هذا الأمر لا يعني إنكار الله أو ماديّة الأساتذة الذين يدرّسون هذه العلوم، أو الطلبة الذين يتعلّمونها، أو المدراء الذين يتّخذون القرارات وفق هذه العلوم، بل بمعنى أنّ المباني والأصول الموضوعة التي تشكّل بنية تحليل وتبيين هذه العلوم، تستلزم إغفال أو حتّى إنكار بعض مباني الدين بشكل منطقي، وإن لم يلتفت إلى هذا الأمر جميع العلماء المشتغلين في هذه المناخات بالبحث والتحقيق.

إنّ قبول هذه المباني الخاطئة، والتحليل الناتج منها، تسوق الشخص ـ من حيث لا يلتفت ـ  إلى قبول قضايا توصيفيّةٍ تتنافى بشكلٍ صريحٍ أو ضمنيّ مع مباني الدين وتعاليمه وأوامره. وفي الوقت نفسه ربّما يكون هذا العالم في العلوم الإنسانيّة، شديد التمسّك بالتكاليف العباديّة والمذهبيّة. ويمكن العثور على نماذج كثيرةٍ من هذا القبيل في بعض المدارس والنظريّات المذكورة في مختلف أقسام العلوم الإنسانيّة، لا سيّما في علم النفس وعلم الاجتماع بشكل واضح.

وعلى سبيل المثال فإنّ بعض نظريّات علم النفس، تبتني على افتراض أنّ نفس الإنسان لم تكن سوى تجلّيّات وانفعالات الذهن وسلسلة الأعصاب، وأنّ كلّ أمرٍ آخر سوى هذه الروابط الماديّة والفيزيائيّة والعصبيّة لم تكن إلّا خرافة. إنّ المدرسة الترابطيّة[2] في العلوم الإدراكيّة تعتقد أنّ جميع المهام الإدراكيّة العليا،

(19)

يمكن تبيينها من خلال نموذج اتّصال وارتباط الخلايا العصبيّة. فضعفاء النفوس الذين لم يمتلكوا مباني فلسفيّةً قويمةً من جهة، ويشكون من عدم الاعتماد على النفس من جهة ثانية، يقعون تحت وطأة هيمنة العلوم الغربيّة، ويتلقّون هذه الأمور مع ما فيها من خلفيّاتٍ خاطئةٍ وغير ثابتة، على أنّها حقائق واقعيّةٌ غير قابلةٍ للإنكار، ويتمسّكون بأوامرها وتوصياتها في مقام العمل واتّخاذ القرار، ولم يلتفتوا إلى تضادّها مع قيم الدين وتعاليمه ومبانيه.

إنّ موضوع العلوم الإنسانيّة هو الإنسان، والعلوم الإنسانيّة المعيارية والقيميّة كالأخلاق والسياسة والاقتصاد العملي وغيرها، تصطبغ غالبًا بالصبغة القيميّة، والحكم القطعي بخصوصها يعتمد على معرفة الإنسان بجميع أبعاده الوجوديّة، والحال أنّ العلم التجريبي[1] لا يتمكّن إلّا من إثبات البعد المادّي في الإنسان والبحث فيه، لذا يُدّعى أنّ الإنسان لم يكن سوى هذا الجسم المنقطع من الروح، وذلك أنّ في نطاق العلم التجريبي وحدود التجربة البشريّة، لا توجد واقعيّة ما فوق المادّة قابلة للفهم والإدراك.

فلو انحصرت حقيقة الإنسان في هذا الجسم المادّي صاحب العمر القليل، لانحصرت جميع قيمه الخُلقيّة والقانونيّة في حدود الحياة الماديّة الدنيويّة، ولا يمكن إثبات قيمٍ عامّةٍ ومطلقةٍ له، أمّا لو ثبت أنّ للإنسان مضافًا إلى جسمه المادّي، عنصرًا شريفًا آخر يُسمّى الروح، له أحكام خاصّة تناسبه، وله الخلود، وأنّ ثمة تعاملًا مشتركًا بين الروح والبدن بحيث تؤثّر الروح في الجسم ويؤثّر الجسم في الروح، فحينئذٍ تختلف النتيجة.

إنّ الإثبات القطعي لكلّ حكمٍ قيمي لموجود كهذا، له بُعدٌ غير مادي، يتوقّف على إدراك نوعيّة العلاقة بين بُعدَي الجسم والروح، وكذلك تشخيص تأثير

(20)

السلوك على حياة الإنسان، فقبول هذه المباني للعلوم التجريبيّة الحديثة التي بنت أساس مناهجها وخلفيّاتها المعرفيّة على إنكار هذا العالم أو إغفاله، متعذّر. فالعلوم الطبيعيّة لم تكن عاجزةً عن إثبات أمورٍ كهذه من خلال مناهجها التجريبيّة فحسب، بل إنّ قبولها كأصولٍ موضوعةٍ ميتافيزيقيّة يسبّب أزمة لها؛ لأنّها ومن وجهة نظرٍ إبستمولوجيّة لا تقيم وزنًا للمعارف الميتافيزيقيّة أساسًا.

فمع لحاظ النواقص المذكورة في العلوم الغربيّة، نستنتج أنّ تطوّر العلم والوصول إلى نتائج سليمةٍ ويقينيّة، مرهونٌ بالاستفادة من مناهج غير تجريبيّة وغير حسّيّة لإثبات كثيرٍ من المسائل كخطوةٍ أولى، والنموذج الأبرز لهذه المسائل إثبات أصل العلّيّة وبطلان الصدفة بمعنى تحقّق المعلول من دون علّة، ومع لحاظ أنّ هذا الأصل يُعدّ أساس جميع العلوم التجريبيّة، ولولاه لا يتمكّن أيّ علم من إثبات قوانينه العلميّة، غير أنّ هذا الأصل لا يمكن إثباته من خلال التجربة؛ لأنّ المنهج التجريبي يتعامل مع الحسّيّات فقط، والحال أنّ بحثنا يتعلّق بما وراء المحسوسات؛ لذا فإنّ هذا الأصل وسائر الأصول المشابهة له، لا بدّ من إثباته بالمنهج العقلي، وفي نظريّة المعرفة التي تعدّ فرعًا من العلوم الفلسفيّة (الميتافيزيقية)، وهذا يعني قبول وجود مناهج وطرق للوصول إلى المعرفة غير المناهج الحسّيّة والتجريبيّة، وهي أكثر اعتبارًا من طرق الحسّ والتجربة، بل إنّ إثبات هذه المسائل الحسّيّة والتجريبيّة منوطة بها.

إنّ إثبات وجود طرق أخرى للمعرفة، يدخلنا في نطاق مسائل الإبستمولوجيا، حيث إنّ في هذا العلم يبحث عن طرق الوصول إلى المعرفة، ومدى اعتبار هذه الطرق، وما هي حقيقة العقل والشهود، وما قيمة الإدراكات العقليّة، وهل قيمة الإدراكات العقليّة أكثر أهميّةً أو الإدراكات الحسّيّة؟ ما هو الشهود العرفاني ومدى قابليّة الاعتماد عليه؟ وهل مدّعى الأنبياء أي الوحي الإلهي يمكن أن يكون مصدرًا للمعرفة أم لا؟

(21)

أمّا الخطوة الثانية فتعتمد على حصول رؤية أنطولوجيّة تحقيقيّة، يمكننا معها التحقّق من كثير من الأصول الأنطولوجيّة التي نحتاجها في العلوم، من قبيل: هل يقتصر الوجود على المادّة والعلاقة بين الظواهر الماديّة فحسب، أو توجد موجوداتٌ مجرّدةٌ وغير ماديّة، وإذا كانت هذه الموجودات غير الماديّة موجودةً فما هي نوع العلاقة بينها وبين الظواهر الماديّة، وهل أنّ جميع الموجودات غير الماديّة من سنخٍ واحدٍ أو يوجد بينها اختلافٌ وسلسلةُ مراتب؟ يبُحث عن هكذا مسائل في علمٍ يسمّى بالميتافيزيقا (الفلسفة الأُولى أو الإلهيّات بالمعنى الأعم).

وفي الخطوة الثالثة لا بدّ من البحث عن إثبات ماهية موضوع كلّ علم، فالفيزيائي وقبل الورود في مباحث الفيزياء لا بدّ أن يثبت أوّلًا العالَم الفيزيائي، وأن يصل إلى مرتبةٍ من اليقين والاطمئنان العلمي فيما يخصّ مراتب الموجودات وخصائصها، وإلّا سيكون كلّ ما يحصده في الفيزياء هباءً وسرابًا وصورةً على الماء، لا يبقى منها شيء بالمآل.

وكذلك الأمر في العلوم الإنسانيّة؛ إذ إنّ المحقّق لا بدّ أن يتعرّف على الإنسان بشكلٍ جيّد، ويحيط علمًا بجميع أبعاده الوجوديّة، ويدرك الفعل والانفعالات الموجودة بين الجسم والروح. فهكذا مسائل تبحث في الأغلب في فلسفة العلوم، ويستعان فيها بالأدلّة العقليّة والعرفانيّة (أي مناهج التجارب الروحيّة) كي نتمكّن ـ على سبيل المثال ـ  من بيان وجود الروح ونوع علاقتها مع الجسم بشكل جيّد.

ففي البحث عن علاقة العلم والدين، لا بدّ من لحظ جميع هذه المراحل والمراتب المختلفة للعلم، ثمّ تقييم نوع علاقة أيّ واحدٍ منها مع الدين. ومن جهة أخرى فإنّ الدين مع مختلف التعاريف المذكورة له، ومختلف العناصر المفترضة له، يمكنه أنْ يقيم علاقاتٍ متنوّعةً مع أيّ مرحلةٍ من مراحل العلم ومعانيه؛ لذا فإنّ إصدار حكمٍ عامٍّ حول علاقة العلم والدين، يكون حكمًا ساذجًا وغير علمي، بل إنّ البحث المنطقي عنها يقتضي تفكيك مختلف أبعاد العلم ومعانيه المتعدّدة من جهة، ومن جهةٍ ثانية لحظ

(22)

مختلف تعاريف الدين وأجزائه المتعدّدة بشكلٍ منفصل، ثمّ تقييم العلاقة الممكنة بين كلّ واحدٍ من هذه الأجزاء. وللأسف فإنّ كثيرًا ممّن تصدّوا للبحث عن هذا الموضوع والتنظير له، لم يلتفتوا إلى هذا الأمر بشكل جيّد، ممّا أدّى إلى بروز اختلافاتٍ وسوء فهمٍ بشكل أكثر.

المشكلة الأخرى عدم الالتفات إلى الاشتراك اللفظي وتداعياته السيّئة للمباحث العلميّة، فالخلط بين المصطلحات من أكثر العوامل الموجبة لمغالطة الاشتراك اللفظي في العلوم التي تؤدّي إلى سوء الفهم والمنازعات العقيمة، فقد تُفترض قيمة خاصّة لبعض المعاني الاصطلاحيّة، أو يُخيّل أنّ القضيّة الفلانيّة أو العلم والمنهج الفلاني أقوى من الغير لإثبات المسائل، أو أنّ استخدام كلمةٍ بهذا المعنى الخاصّ يعين على حلّ المسألة، أو أنّ المعاني الأخرى خاطئة منطقيًّا.

والحقيقة أنّه لا توجد أيّ أصالةٍ للمعاني الاصطلاحيّة، ولا مشاحة في الاصطلاح، ولكن إذا أردنا عدم الوقوع في فخّ المغالطات، علينا أن نبيّن في بداية كلّ بحثٍ الاصطلاح المستعمل من وجهة نظرنا، ونثبت عليه إلى نهاية المطاف. وإلّا ولأجل التشابك الكبير الموجود بين المصطلحات والتعاريف المختلفة بحيث قد تُستخدم مكان تعريفٍ أو اصطلاح آخر، فقد يشتبه الأمر حتّى على ذوي الخبرة والمختصين، فيستخدمون كلمةً مع معنى اصطلاحيّ خاصّ في معنى اصطلاحيّ آخر فيصلون إلى نتائج خاطئةٍ وما نحن فيه من هذا القبيل أيضًا.

والحال أنّنا لو نقّحنا منذ البداية العناوين المفتاحيّة الأربعة للبحث (أي اصطلاحات العلم، الدين، العلم الديني، ديننة العلم) وفحصنا عن نوع العلاقة القائمة بينها، لاقتربت كثير من الأبحاث المذكورة في هذا المضمار، والتي قد تصل الإجابات فيها إلى حدّ التناقض والاختلاف، ولوصلنا إلى حلّ مقبول، وعليه لأجل استمرار البحث بشكل منطقي، نتطرّق إلى تحليل المفاهيم المحوريّة في هذا البحث أوّلًا.

(23)
(24)

 

 

الفصل الأول:

معرفة معاني العلم والدين

 

 

(25)
(26)

 

 

 

 

معاني العلم

الكلمة الأولى في هذا البحث هي كلمة العلم، فهذه الكلمة وسائر الكلمات المترادفة لها، تعدّ من المشتركات اللفظيّة التي لها معانٍ مختلفةٍ كثيرة، وهذه المعاني اللغويّة والاصطلاحيّة تصل في الاختلاف إلى نحوٍ إذا لم يكن الوصول إلى وجهٍ مشتركٍ فيها متعذّرًا سيكون صعبًا كثيرًا. ويمكن الاقتصار على القول بوجود تناسبٍ بين هذه المعاني المختلفة، وكذلك القول بأنّ مفهوم المعرفة كامنٌ في جميع استعمالاتها في الجملة، وما تتمايز به هذه الاصطلاحات المختلفة، إنّما هي الخصائص والقيود التي توضع على المعرفة المختارة في تعريف العلم.

إنّ معنى العلم لغويًّا هو معرفة الواقع، وهذا المعنى الذي يشمل العلم الحضوري والعلم الحصولي، يعمّ جميع أقسام المعرفة بحيث يصدق حتّى على علم الله تعالى. والحال أنّ من الواضح عدم إمكان قياس ماهية علم الله وكيفيّته مع العلوم البشريّة، علمًا أنّ معنى علم الله تعالى بجميع الأشياء، لم يكن من حيث إنّ الله تعالى يستخدم المنهج التجريبي لمعرفة الحقائق، أو يستعين بالاستدلال العقلي، بل إن ّما يجوّز استخدام كلمة العلم على الله تعالى، وجود عنصر المعرفة مع قطع النظر عن كيفيّة وجودها وتحصيلها، وهي القدر المشترك والمعنى اللغوي للعلم.

 

(27)

المعنى النفسي

قد يُعدّ العلم ضمن المقولات النفسيّة، ويكون الملاك حينئذٍ حالات الشخص النفسيّة لا مطابقة الواقع أو عدم المطابقة معه، وبناءً على هذا الاصطلاح فلو اعتقد شخصٌ وجزم مائة بالمائة بحقيقةٍ ولم يحتمل خلافها، فيطلق على حالته هذه عنوان (العلم)، وفي قبال هذا لو احتمل الخلاف إجمالًا ـ وإن كان ضعيفًا ـ  فلا يطلق عليه (العلم) بل يطلق عليه أسماء أُخر بحسب شدّة احتمال الخلاف وضعفه.

وعلى سبيل المثال لو بلغ اطمئنانه بالمعرفة الحاصلة من حقيقةٍ ما بنسبةٍ أكثر من 50%، ومع هذا لم ينف احتمال خلاف الواقع لتلك الحقيقة، فإنّه يطلق عليه عنوان (الظنّ). ولو كان اطمئنانه بصحّة المعرفة بنسبة 50% واحتمال الخلاف 50% أيضًا فهو (الشك)، ولو كان احتمال صحّة معرفته ضعيفًا واحتمال الخطأ كبيرًا، يقال له (الوهم) أو (الريب).

وكما هو واضح فإنّ استخدام العلم هنا منوطٌ بحالات الشخص ولا دخل فيه للموضوع والمسألة أو المنهج الخاصّ، ولم يلحظْ فيه أيضًا حتّى نسبة معرفة الشخص مع الواقع، وبناءً على هذا حتى لو كانت معرفته غير متطابقةٍ مع الواقع مائة بالمائة، ومع هذا لديه يقينٌ به مائة بالمائة، فهو بهذا المعنى علم. وطبقًا لهذا الاصطلاح إذا اشتمل العلم على العلم الحضوري أيضًا، لا بدّ أن يقال: إنّ العلوم الحضوريّة كلّها علمٌ بهذا المعنى؛ لأنّ صاحب العلم الحضوري لا يشكّ فيه بتاتًا، أمّا العلوم الحصوليّة تكون علمًا عندما يصاحبها اليقين النفسي. وبعبارةٍ أخرى إنّ كلّ قضيّةٍ خبريّةٍ تتشكّل من الموضوع والمحمول، ويوجد فيها حكم بينهما، أمكنها أن تتّصف بالعلم إذا كان الشخص مستيقنًا بها مائة بالمائة ولم يحتمل أيّ خلافٍ فيها، ولم يوجد أيّ شرطٍ آخر. وحينما يوجد احتمالٌ للخطأ، يمكن تصنيف هذه المعرفة تحت عنوان الظنّ أو الشكّ أو الوهم ونحوها.

(28)

إنّ أحد استخدامات العلم في القرآن يتداعى منه هذا المعنى، وذلك حينما ينهى عن اتّباع غير العلم:﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ...[1] أو عندما يذمّ من أنكر المعاد من دون علمٍ يقيني وبسبب مجرّد متابعة الظنّ:﴿...وَمَا لَهُمْ بِذَلِكَ مِنْ عِلْمٍ إِنْ هُمْ إِلَّا يَظُنُّونَ[2].

ولمّا كان اليقين في هذا التعريف ملاك العلميّة، فيُسأل عن مدى إمكان حصول المعرفة اليقينيّة بالواقع؟ فقد ادّعى بعض الشكّاكين أو منكري العلم استحالة الوصول إلى اليقين، وبناءً على هذا فإنّ العلم بهذا المعنى لا يتحقّق. ويلزم الالتفات إلى أنّ لليقين أيضًا اصطلاحات مختلفة. ولأجل الحكم في هذا الأمر، ينبغي بيان معنى اليقين الذي نتحدّث عنه.

اليقين على أحد الاصطلاحات، هو ما عرّفه بعض الفلاسفة لاسيّما ابن سينا في برهان الشفاء، وذكروا له شرائط. فاليقين بناءً على رؤيتهم لم يكن بمعنى الإذعان بالثبوت المحمولي لموضوعٍ فحسب، بل يلزم العلم باستحالة نفي هذا عن ذلك الموضوع أيضًا.[3] فهكذا يقين وإن كان نادرًا في الواقع، ولكن مع هذا وخلافًا لرؤية الشكّاكين أو النسبيّين، يوجد يقين من هذا القبيل.

وهناك اصطلاحٌ آخر لليقين يكون أقلّ شروطًا من الاصطلاح الأوّل، وإمكان حصوله وتحقّقه أكثر، وهو المعرفة المتسالم عليها عند جميع العقلاء، فهنا مثلًا عندك يقين بوجود هذا الكتاب وترى سطورًا مكتوبة، أو أنت عند الجوع مستيقنٌ بحالة الجوع، وغيرها من الموارد الناشئة من المحسوسات، فالإنسان العاقل لا

(29)

يشكّ فيها ولا يحتمل خلافها بسبب تراكم مختلف المحسوسات وتأييد بعضها لبعض، رغم إمكان نقض الحسّيّات ووجود الخطأ فيها. فيطلق اليقين على هذه الحالة وفي هذا الاصطلاح، وإنْ لم توجد فيها الشروط الصعبة الموجودة في المعنى الأوّل. فاليقين بهذا المعنى يتوفّر عند جميع العقلاء، كما يستعمل أيضًا في العرف والدين ويمكن الحصول على هكذا يقين من طرقٍ مختلفة. يكون أهمّها الاستدلال المنطقي المبتني على الشكل الأوّل من القياس من المقدّمات البديهيّة المذكورة في المنطق الكلاسيكي المعروف.

ولليقين اصطلاحٌ خاصّ آخر تمّ الإشارة إليه في القرآن والروايات، فاليقين بهذا الاصطلاح لم يكن بمعنى حصول الاعتقاد الجازم للشخص فحسب، بل يطلق عنوان اليقين على هذا الاعتقاد حينما يكون منشأ للفعل أيضًا. وهذا اصطلاحٌ خاصٌّ أخلاقي، أو تفسير ليس له استخدام عامّ.

1. المعرفة المتطابقة مع الواقع

وفي اصطلاحٍ آخر للعلم، يتمّ التأكيد على علاقة الإدراك مع الواقع المتعلّق به، بدل التأكيد على حالات العالِم من حيث اليقين النفسي أو عدمه، بمعنى أنّ المعرفة لو تطابقت مع الواقع ونفس الأمر تكون علمًا، وإلّا ستكون جهلًا. إذا كان العلم مطلق كشف الواقع، يكون بمعنى وجود مناهج متعدّدةٍ له، ويمكن استكشافه بالمنهج التجريبي أو المناهج العقليّة، النقليّة والتاريخيّة، الوحي، أو حتّى الشهود والعلم الحضوري. وطبقًا لهذا التعريف يمكن وجود أسماء مختلفةٍ للعلم بما يتناسب مع هذه المناهج، من قبيل: العلم التجريبي، والعلم الديني، والعلم العرفاني، والعلم التاريخي، والعلم الفلسفي وما شاكل.

ولو اشتمل العلم على العلم الحضوري والحصولي، لا بدّ أن نقول بعدم إمكان وجود مخالفة للواقع في العلم الحضوري، وعليه فإنّ جميع العلوم

(30)

الحضوريّة طبقًا لهذا الاصطلاح تكون علمًا. أمّا العلوم الحصوليّة يمكن أن تكون مطابقةً للواقع أو لا تكون، نعم من بين العلوم الحصوليّة فإنّ البديهيّات الأوّليّة والوجدانيّات المُستقاة من العلوم الحضوريّة رأسًا، تكون متطابقةً مع الواقع أيضًا، وتكون علمًا بهذا المعنى من دون شكّ. أمّا القسم الآخر من العلوم الحصوليّة التي لم تكن من البديهيّات الأوّليّة والوجدانيّات بل ربما تُستنبط من البديهيّات، يوجد فيها احتمال الخطأ وعدم المطابقة مع الواقع، وحينما لا تطابق الواقع لم تكن علمًا بهذا المعنى، حتّى ولو استيقن بها المدرِك واعتقد بها جزمًا، ولم يتطرّق إليه أيّ شكّ وشبهة في صحّتها.

وبناءً على هذا التعريف، فلو ادّعى أشخاصٌ بمختلف الآراء علميّة موضوع، ورأى كلّ واحد منهم تطابق رؤيته مع الواقع، فهنا يكون رأي واحدٍ من تلك الآراء علمًا، والباقي لم تكن علمًا بل جهلًا، أمّا كيفيّة تشخيص علميّة أيّ واحدٍ من تلك الآراء، فمنوطٌ بدراسة الآراء بمنهجٍ متوافقٍ مع ذلك الموضوع، لاستكشاف العلم من غير العلم.

2. المعرفة الحصوليّة المتطابقة مع الواقع

قد يستعمل العلم بمعنى مّا في مباحث نظريّة المعرفة، فيكون أخصّ وأقلّ شموليّةً من الاصطلاح السابق، ويختصّ بالعلوم الحصوليّة. ففي هذا الاصطلاح لم ينظر إلى حالات فاعل المعرفة النفسيّة، بل تختصّ المعرفة فيه بالعلوم الحصوليّة مع خروج العلوم الحضوريّة عن نطاق العلم، فهنا يقتصر العمل على تقييم علاقة القضايا مع الواقع الذي يحكي عنها، وحينما تكون القضايا متطابقةً مع الواقع يطلق عليها (العلم)، وإذا لم تكن متطابقةً مع الواقع، أو لم يتمّ إثبات تلك المطابقة لم يكن علمًا ولا اعتبار له.

وبعبارةٍ أخرى يتمّ في هذا الاصطلاح تقييم العلوم الحصوليّة من وجهة نظر معرفيّة، فيختصّ العلم بالقضايا التي أحرزنا مطابقتها مع الواقع، فيدخل في هذا

(31)

الاصطلاح جميع العلوم الحصوليّة المرتبطة مع المفاهيم في قوالب قضايا خبريّة، وبناءً على هذا فإنّ العلوم الأساسيّة، التجريبيّة والطبيعيّة، الإنسانيّة والاجتماعيّة، التاريخ، الفنّ، الجغرافيا وغيرها من العلوم، يمكنها أن تكون مصاديق لهذا العلم، سواء كانت على نحو قضايا شخصيّةٍ حاكيةٍ عن حادثة خاصّة، أم في قالب قضايا كلّيّةٍ تبيّن القوانين والضوابط العامّة، أو على نحو فروعٍ علميّةٍ، أو قضايا منفردة.

3. المعرفة الحصوليّة الكلّيّة المتطابقة مع الواقع

وهناك اصطلاح أخصّ، يشمل القضايا والمسائل الكلّيّة حصرًا، فتخرج القضايا الجزئيّة والشخصيّة من دائرة (العلم)، وببيانٍ منطقي: إذا كان لقضيّةٍ سورٌ كلّيٌّ فيُطلق عليها (العلم) بهذا الاصطلاح، وإذا كان سورها جزئيًّا أو كانت قضيّةً مهملةً ومن دون سور لم تكن علمًا. وهذا المعنى هو المراد في الغالب عند الفلاسفة والمنطقيّين عندما يتكلّمون عن العلم وعن منهج إثبات المسائل، ولذا يشترطون فيه لزوم إثبات القضايا الكلّيّة والبحث عنها، ولذا أيضًا يشترطون في منهجيّة العلوم أن تكون برهانيّةً تتشكّل من مقدّماتٍ كلّيّة ودائميّة؛ لأنّ القضايا الشخصيّة (التي لا ملكيّة لها) لم يكن إثباتها برهانيًّا بمعنى من المعاني.

وبناءً على هذا فالعلوم التي تتحدّث عن قضايا شخصيّةٍ أو جزئيّةٍ كالتاريخ والجغرافيا وغيرهما، لم تكن علمًا بهذا المعنى، ومع هذا فالقضايا والفروع العلميّة التي تمتاز بالكلّيّة تدخل في نطاق العلوم، حتّى ولو لم يكن موضوعها الحقائق العينيّة. وفي هذا الاستعمال العامّ الشائع في العرف أيضًا، يبحث عن علم الألسنيّات وفروعه المختلفة كعلم الدلالات[1] والنحو[2] وعلم اللغة التطوّري[3]

(32)

وعلم اللغة التاريخي[1] وعلم اللغة الاجتماعي[2]، مع أنّ موضوع هذه العلوم يتكوّن من الاعتبارات والقرارات الاجتماعيّة.

4. المعرفة الحصوليّة الكلّيّة والأوامر المبتنية عليها

إنّ التعاريف التي مرّت في جميع معاني العلم، إنّما تختصّ بالعلوم التوصيفيّة، أي العلوم التي تسعى إلى كشف الواقع الموجود وتوصيفه. فهذه التعاريف لا تشمل فروع العلم المعروفة بالفلسفة العمليّة، أو المتعلّقة بفروع العلوم العمليّة، والمهتمّة بإصدار أوامر وتوصيات عمليّة وقيميّة.

إنّ نطاق علم الطب ـ وفقًا للمعاني التي مرّت ـ يتحدّد بتشخيص عوامل المرض وطرق علاجه، والوقوف على المواد والعناصر التي تكافح البكتريا أو الميكروبات أو الفيروسات. ولكن فإنّ الدعوة إلى رعاية الأمور الوقائيّة، أو إصدار أوامر للمريض باستعمال العلاج، أو فعل الأمر الفلاني، لم تدخل جميعها في نطاق علم الطب. ولكن بناءً على اصطلاحٍ آخر للعلم، فإنّ المعرفة التوصيفيّة للسلوك، والاستفادة من المعادلات الجديدة لصناعة التقنيّات الحديثة، وصدور الأوامر بناء على الكشفيّات التوصيفيّة، فإنّ جميعها يكون جزءًا للعلم.

وبناءً على الاصطلاح السابق، فإنّ الدراسات النفسيّة تدخل في نطاق علم النفس حينما تقوم بتحليل الظواهر النفسيّة وتجزئتها، أو تبيّن عوامل تحقّق الظواهر في نفس الإنسان، والبحث عن العلل أو الدلائل المؤثّرة في تغييرها. ولكن بمجرّد ما يقوم علم النفس بإعطاء استشارات للمريض بتغيير سلوكه مثلًا، أو لزوم الاستفادة من معادلات جديدة وخاصّة لتغيير نمط الحياة، أو استعمال دواء أو غذاء خاصّ، فإنّه حينئذٍ يتجاوز علم النفس، لأنّه بناءً على تلك المعاني

(33)

يحقّ له كشف الروابط بين سلوك الإنسان وحالاته النفسيّة فحسب، أو البحث عن سبب السلوك الفلاني وعلّته، لا أن يقوم بإعطاء الأوامر.

 والعلّة في هذا التمييز بين العلم والعمل، وبين التبيين والتوصية، ما يقال: من أنّ كشف تأثير سلوكٍ خاصٍّ في الحالات النفسيّة، مسألةٌ علميّةٌ يمكن تحقّقها وإثباتها من طرقها الخاصّة، ولكن التوصية بعملٍ أو عدم التوصية، فإنّه مضافًا إلى تعلّقه بالعلاقات الموجودة بينه وبين الأعمال البدنيّة والحالات النفسانيّة، منوطٌ بنظامٍ قيميّ خاصٍّ أعلى مرتبةً من العلم. إنّهم يقولون بأنّ النظم القيميّة المتكوّنة بتأثير الميول الشخصيّة أو الجمعيّة أو الدينيّة والإقليميّة، أو الآداب والرسوم الاجتماعيّة، لها تأثيرٌ في التوصيات العمليّة. وهذه المسائل القيميّة لم تكن جزءًا من العلم في الواقع، وعليه لا بدّ من حفظ المسافة بينها وبين العلم الخالص كي لا تنثلم أصالة العلم. وجميع هذة التميّزات إنّما هي سبب التعريف الخاصّ الذي قدّمه هؤلاء للعلم حيث حصروه في العلوم التوصيفيّة. نعم فإنّه بناء على اصطلاح آخر للعلم ـ كما سيأتي ـ  تدخل العلوم التوصيفيّة والقيمية في نطاق العلم أيضًا.

والمثال الآخر لهذا التفكيك ما نشاهده في المباحث الاقتصاديّة، فبناءً على هذا التقسيم فإنّ مسائل علم الاقتصاد إنّما هي تحليل الظواهر الاقتصاديّة كالإنتاج والتوزيع والاستهلاك، والبحث عن علل أو العوامل المؤثّرة في تحقّق هذه الأمور أو عدم تحقّقها في المجتمع بناءً على دراسة العلاقات الشبه رياضيّة الموجودة فيها.

ولكن عندما يشير عالم الاقتصاد إلى ظاهرةٍ اقتصاديّةٍ بأنّها معضلةٌ أو أزمة، ويعطي توصياتٍ وأوامر خاصّةً لعلاجها، فإنّه حينئذٍ قد خلع رداء عالم الاقتصاد عن نفسه، وجلس على كرسي التقييم والطبابة الاقتصاديّة. فالطريق الذي يسلكه عالم الاقتصاد لمكافحة التضخّم أو الغلاء أو البطالة أو سائر الأزمات الاقتصاديّة، فإنّه مضافًا إلى ابتنائه على معادلاتٍ علميّةٍ اقتصاديّة، يتعلّق بنظامه القيمي الخاصّ

(34)

أيضًا؛ ولذا تختلف المدارس الاقتصاديّة سواء في تشخيص الظواهر التي تسبب الأزمات الاقتصاديّة، أم في إعطاء التوصيات لعلاج تلك الأزمات.

إنّ العلاج الذي يقدّمه النظام الاقتصادي الرأسمالي لرفع الفقر، يختلف عن العلاج الذي يقدّمه النظام الشيوعي، مع اتّحاد الحقائق العلميّة الاقتصاديّة عند كليهما. فالبعض يرى أنّ علّة هذا الاختلاف يعود إلى أنّ التوصيات القيميّة لا تضرب بجذورها في الواقع ولم تكن علمًا حقيقيًّا، بل إنّ القيم تتبّع السلائق والسنن الاجتماعيّة، ولم يحكمها أيّ قانونٍ عِلِّيّ كي تخضع للدراسة المنتظمة؛ لأنّ العلم لم يكن سوى كشف الروابط العلّية بين الظواهر. إنّ علاقة الغلاء بتضخّم السيولة ربما يكون مشتركًا بين كل الجوامع، ولكن لمكافحة الغلاء طرقًا مختلفة، وتوجد علاقاتٌ مترابطةٌ بين التوصيات المذكورة لأجل هذا الأمر، وبين نظام القيم والأهداف الحاكمة على ثقافة المجتمع والخارجة عن نطاق دائرة العلم.

هذا المبنى القيمي (المبحوث في فلسفة الأخلاق نقدًا وتحليلًا) غير قابلٍ للدفاع، لذا وضعوا اصطلاحًا جديدًا للعلم لم تكن القضايا الإلزامية العملية فيه جزءًا من العلم فحسب، بل هناك علومٌ لها ماهيةٌ أمريّةٌ بالأساس. وعلى سبيل المثال فإنّ أمر الطبيب بعلاج المرض لم يكن الا استخدام العلوم التوصيفيّة لدى الطبيب حول علّة المرض والعوامل المؤثّرة في علاجه، مضافًا إلى ضمّ بعض الملاحظات القيميّة والتجارب الشخصيّة، فبناءً على هذا الاصطلاح يكون العلاج المقدّم جزءًا من علم الطب، فالعلم بهذا الاصطلاح يُقسّم إلى قسمين: وصفي[1] وإلزامي[2]. يُطلق العلم الوصفي على قسمٍ من العلوم المهتمّة بتبيين الظواهر، وكشف العلاقات العلّيّة والمعلوليّة بينها وتوصيفها، وفي قبالها فإنّ قسمًا من

(35)

العلوم التي تبتني على العلوم الوصفيّة وتقوم بالتقييم وإصدار الأوامر الإجرائيّة يقال لها علومٌ إلزاميّة. وبما أنّ الأوامر تقترن في الغالب مع الغايات والأهداف والمعايير، فقد يُطلق عليها تارةً العلوم المعياريّة[1] أيضًا.

إنّ علم الأخلاق نموذجٌ متكاملٌ للعلوم الإلزاميّة. كما أنّ كثيرًا من أقسام العلوم تنقسم إلى وصفيّةٍ وإلزاميّة، وعلى سبيل المثال فإنّ علم النفس يحتوي على قسمٍ يهتم بمجرّد وصف المسائل النفسيّة وتبيينها، والعوامل المؤثّرة والآثار الروحيّة والجسديّة فيها. مضافًا إلى أنّ قسمًا مهمًّا من مباحث علم النفس، وقسمًا كبيرًا من الاتّجاهات الفرعيّة في علم النفس، تبتني على مسائل إلزاميّة، وهي في الواقع استعمالاتٌ عمليّةٌ لنتائج توصيفيّةٍ نفسيّة، من قبيل أقسام واتّجاهات علم نفس الإعلام، وعلم نفس التقنيّة، علم النفس السريري، وعلم نفس القانون، وعلم نفس المدرسة، وعلم نفس الأطفال المميّزين وهكذا.

وكذلك الأمر في علم الاقتصاد حيث نواجه هكذا تقسيمات أيضًا. ومع قطع النظر عن المسائل والنظريّات الوصفيّة الاقتصاديّة المهتمّة ببيان علاقة الإنسان في مناخ التفاعلات الاقتصاديّة، والسعي عن كشف العوامل العلّيّة وآثارها، فإنّ قسمًا كبيرًا من المباحث المذكورة في علم الاقتصاد، تتعلّق بكيفيّة الاستفادة من هذه العلاقات في حلّ المشاكل الاقتصاديّة، وهداية الأعمال الاقتصاديّة نحو ما هو مطلوب.

وقد يُطلق على هذا القسم تارةً النظام الاقتصادي، وتارةً المدرسة الاقتصاديّة، وأُخرى الاقتصاد الإلزامي. وبعد نظرةٍ إجماليّةٍ إلى أقسام الاقتصاد كاقتصاد الأسرة، واقتصاد التجارة، واقتصاد الزراعة، واقتصاد الطاقة، واقتصاد الموارد الطبيعيّة، واقتصاد السياسة، والاقتصاد الدولي وغيرها، ستظهر بشكلٍ جيّدٍ وجود هكذا اتجاهات في الدراسات الاقتصاديّة. وفي هكذا استخدامات ـ مضافًا إلى

(36)

العلاقات العلميّة والعلّيّة والمعلوليّة ـ فإنّ للملاحظات القيميّة دورًا بارزًا حيث تنتهي إلى وصايا وإلزامات خاصّة.

ومن الطبيعي أن تحتوي كلّ مدرسةٍ فكريّةٍ قيميّةٍ ـ وبما يتناسب مع مبانيها ـ على أوامر وإلزامات تختلف عن باقي المدارس. وعلى كل حال فإنّ العلم بهذا المعنى العامّ يشمل كلا قسمي المسائل، فيدخل في نطاقه كشف الظواهر،  والإلزامات والوصايا الخاصّة لتغييرها.

5. المعرفة الحصوليّة الكليّة الحقيقيّة

لم يطلق ـ في اصطلاح أخصّ ـ عنوان العلم على جميع المعارف الحصوليّة الكليّة، بل يدخل في نطاق العلم مجرّد القضايا الكليّة التي يكون موضوعها الأمور الحقيقيّة. بيان ذلك: يقسّم المنطق القضايا الكليّة ـ التي تثبت بالبرهان أو الأقيسة المتكوّنة من مقدّماتٍ كليّةٍ ضروريّةٍ ودائميّة ـ إلى قسمين: أ. قضايا يكون موضوعها أمورًا حقيقيّةً وعينيّة، ويكون إثباتها بالبرهان الاستدلالي. ب. قضايا لم يكن لموضوعها واقعٌ عينيّ خارجيّ، وتكون اعتباريّةً[1] بمعنى من المعاني، وطريق إثباتها البحث في العقود والقرارات المتعلّقة بها.

القضايا الأولى تشمل على سبيل المثال القضايا الفلسفيّة، والمنطقيّة، والفيزيائيّة، والنجوم، والرياضيّات وغيرها، فهي مضافًا إلى عموميّتها وكليّتها، تكشف الواقع المستقلّ عن الإنسان، ولا دخل لإرادة الإنسان وآماله في تحقّقها أو عدم تحقّقها. أمّا القضايا الثانية فتشمل على سبيل المثال القضايا المستعملة في اللغة والأدب التي لا تحكي عن حقيقةٍ عينيّة، ولم يكن لها ما بإزاء خارجي. فإنّ ثبوت القواعد اللغويّة ـ كقواعد النحو مثلًا ـ وضعيّ وبالتوافق فيما بين أهل

(37)

كلّ لغة، وهذا التوافق ليس له مبنى واقعي، ويمكنه أن يحدث بأيّ شكلٍ كان، ولذا نرى متابعة اللغات المختلفة لقواعد مختلفة. ومن هذا القبيل القضايا الحقوقيّة أيضًا، فالقوانين الوضعيّة والجنائيّة وإجراءات المحاكم وغيرها من الأمور الحقوقيّة، وإن أمكن أن تكون على نحو القضايا الكليّة، غير أنّها لا تحكي عن وجودٍ عينيّ أو علاقاتٍ حقيقيّةٍ وخارجيّة، وبعبارةٍ أخرى لم تكن من المعقولات الأولى أو الماهويّة.

وعلى سبيل المثال عندما يقال في الحقوق: كلّ من ارتكب جريمة (ألف) كان جزاءه (ب)، فهو قضيّة كليّة، لأنّ (كلّ) هنا بمثابة السور الكلّي للقضيّة، لكن مفهوم الجريمة المستخدم في موضوع القضيّة من جهة، ومفهوم الجزاء الذي يثبت في محمول القضيّة من جهة ثانية، مفاهيم اعتباريّة، وإثبات مصاديقها تابع للقوانين الوضعيّة والاعتباريّة، يتمّ التوافق عليها في كل مجتمع من قبل سلطة التقنيّين الصالحة، فموضوع تشخيص الجريمة متوقّف على حكم المقنّن ـ وهو قد يختلف بين مجتمع وآخر ـ كما أنّ الحكم وجزاء تلك الجريمة متوقّفٌ على رأيه أيضًا، وكذلك تشخيص المجرم وطريق إثبات الحكم له أو عدمه تابعٌ للقانون الوضعي الموجود في كلّ مجتمع.

فالقضايا من النوع الثاني وإنْ أُطلق عليها عنوان (العلم) طبقًا للمعنى السابق، ولكن لمّا كانت هذه القضايا والفروع العلميّة المبتنية عليها ليست علمًا بهذا المعنى الأخير، لم يطلق عليها عنوان (العلم) بسبب عدم احتوائها على واقعٍ خارجي.

علمًا بأنّ هذا المعنى يستعمل من قبل الفلاسفة وأهل المعقول، حيث يخصّصون العلم بالقضايا الواقعيّة والعينيّة، لا في الاعتباريّات والعقود التي تتبع إرادة الإنسان وميوله وتوافقه، فتكون قابلةً للتغيير والتحوّل.

(38)
6. المعرفة الحصوليّة التجريبيّة

يكون العلم ـ طبقًا لاصطلاحٍ آخر ـ بمعنى كشف الواقع بالمنهج التجريبي الحسّي، وينحصر الواقع في هذا الاصطلاح بالظواهر التجريبية فحسب؛ لأنّ الظواهر غير التجريبيّة لا يمكن استكشافها بالتجربة الحسيّة، وعليه فإنّ موضوع هذا العلم ينحصر في الظواهر الماديّة والحسيّة.

فهذا الاصطلاح الموضوع لـ(Science) والمستعمل في القرون الأخيرة في أوروبا منذ عصر النهضة عندهم، الذي يُطلق عليه عندنا بـ(العلم)، أخصّ من المعاني السابقة. فـ(Science) في هذا الاستعمال يقابل (knowledge) الشامل لمطلق المعرفة، بحيث افترضوه بمنزلة المقَسم، وخصّصوا (Science) ببعض أقسامه.

هذا الاصطلاح الذي وُضع في البداية بناءً على فرضيّةٍ في نظريّة المعرفة حول إثبات القضايا، والموسومة بالنظريّة الإثباتيّة أو الوضعيّة، انتشر تدريجًا وسرى إلى سائر الأنديّة العلميّة في العالم، ففي هذا الاصطلاح لا تتعلّق علميّة القضايا بيقين الإنسان النفسي أوّلًا، وقد لُحظ فيه الكلّيّة ثانيًا، والموضوع فيه مشروط بالواقعيّة والعينيّة ثالثًا. ولكنّهم مع هذا لم يكتفوا بهذه الشروط للعلميّة، بل أضافوا قيدًا آخر وقالوا إنّ ثبوت المحمول الموضوع لا بدّ أن يكون عن طريق التجربة الحسيّة المباشرة، وقابلًا لعرضه على الآخرين وبناءً على هذا الاصطلاح فالقضيّة العلميّة هي التي تثبت عن طريق التجربة الحسيّة حصرًا، بنحوٍ يمكن عرض النتيجة على الآخرين أيضًا، أمّا لو لم تثبت القضيّة عن هذا الطريق، بل تثبت عن طريق القياس العقلي أو الوحي أو الشهود العرفاني فإنّها خارجةٌ عن نطاق العلم وغير معتبرة.

هذا الاصطلاح يشمل الفرضيّات والنظريّات التي يمكن إثباتها بالتجربة، وإنْ لم يُجرَ عليها إلى الآن تجربة دقيقة أو لم تُتح لنا وسائل تجربتها. وفي المقابل فقد خرجت سائر المعارف البشريّة من قبيل فلسفة الفنّ، والأخلاق وجميع المسائل

(39)

الميتافيزيقيّة من نطاق العلوم، وإنْ ثبتت بالأدلّة والبراهين القطعيّة؛ لأنّ الوضعيّين اعتقدوا بأنّ غير المحسوسات وغير التجريبيّات تتبع الذهن والسلائق، ولا يمكن إعطاء رأي قطعيّ عنها، بل يتمكّن كلّ شخصٍ من انتخاب نظريّة كما يحلو له وكما يحبّ ومن دون دليل قاطع.

وبناءً على هذا فإنّهم خصّصوا اسم العلم بالعلوم التجريبيّة، وأخرجوا سائر المعارف البشريّة عن نطاق العلم، إذ يرون أنّ المسائل الجديرة بالبحث والتي لا بدّ أن تذكر في الأنديّة العلميّة، هي التي تدخل في نطاق العلوم التجريبيّة حصرًا. فاليوم عندما يطلق لفظ العلم في الأروقة الأكاديميّة والعلميّة، وعندما يُسأل عن علاقته بالدين، يُراد منه هذا المعنى غالبًا، ولا يُطلق (العلم) على سائر المعارف التي لم تكن تجريبيّة، وإنْ احتوت على معرفةٍ أو قد تثبت أيضًا عن طريق البرهان العقلي (الذي هو أكثر يقينيّةً من التجربة).

ثم إذا كان الأمر مجرّد وضع اصطلاحٍ جديدٍ للعلم فلا مانع من ذلك، إذ كما يقال: لا مُشاحّةَ في الاصطلاح، فلا مانع لفئةٍ أن تضع اصطلاحًا خاصًّا للعلم على غرار باقي الاصطلاحات، ولكن تظهر المشكلة في أنّ هذا الاصطلاح يضرب بجذوره في مدرسةٍ معرفيّةٍ تشرّب العلم بقيمها من حيث لا يشعر، وتدّعي أنّ مجرد القضايا الناتجة والثابتة عن طريق التجربة الحسيّة لها قيمة معرفيّة، وإلّا فلا قيمة علميّة لها ولا يُعبأ بها. فالقيمة المعرفيّة تنحصر بالقضايا التي تثبت عن طريق التجربة، ويمكن عرض نتيجتها على الآخرين، بحيث يصلون إلى النتائج نفسها بتكرار التجربة. وإلّا فالمعارف غير التجريبيّة لا اعتماد عليها، وإنْ احتوت على براهين عقليّةٍ متعدّدة، أو دلّت عليها الآيات القرآنيّة الصريحة، أو تعلّق بها الشهود العرفاني.

وللأسف فإنّ هذا الاصطلاح مضافًا إلى إيهام هذا المعنى في طيّاته، فإنّه

(40)

قد اعتقد به كثيرٌ من أنصار العلم. علمًا بأنّ السبب الأساسي في معايب العلوم الحديثة الغربيّة، ظهر حينما ادّعى العلماء الماديّون لا سيّما الوضعيّين منهم، أنّ العلم الحقيقي هو المعرفة الثابتة عن طريق التجربة الحسيّة فقط، فأهملوا سائر المصادر والمناهج المعرفيّة الأخرى أو حتى أنكروها.

وكما يلاحظ فإنّ هذا يختلف عن مجرّد جعل اصطلاحٍ جديدٍ لكلمة (العلم)، بل أنّه يبتني على بحث معرفي، ولا بدّ من فحصه في محلّه من أنّ قيمة كشف الواقع المعرفيّة هل تنحصر بالإدراكات الحسيّة، أو توجد طرقٌ أخرى للمعرفة ربما تكون قيمتها أعلى من التجربة الحسيّة. وقد وردت مباحثُ وتحقيقاتٌ كثيرةٌ في نظريّة المعرفة وعلم نفس الإحساس والإدراك، تكشف عن أخطاء التجربة الحسيّة الكثيرة، جعلت علماء النفس يقومون بتصنيف أخطاء الإدراك.

فهل يتمكّن هذا النوع من الإدراك من منح أفضل معرفةٍ وأكثرها اطمئنانًا للإنسان أو لا؟ فإنّ هذا الأمر بحاجةٍ إلى البحث والتحقيق، ويتم ذلك في مباحث نظريّة المعرفة. قد يقال لتبرير اعتبار المعرفة التجريبيّة من أنّ التجربة عندما تتكرّر تتراكم نتائج المشاهدات التجريبيّة وتتعدّد، فيقلّ احتمال الخطأ فيها إلى أن يصل إلى اليقين. فهذه المسألة لا بدّ أن تبحث في نظريّة المعرفة أيضًا، ويقال كيف أنّ الادراكات الحسّيّة التي تقبل الخطأ بمفردها، تأبى الخطأ وتمتاز بقيمةٍ مطلقةٍ حينما تتراكم ويجتمع بعضها مع بعض وتتكرّر التجربة؟!

نحن نعتقد أنّ طريق إثبات القضايا لا ينحصر في التجربة الحسيّة، بل أنّ جميع الإدراكات المندرجة في ذيل سائر المعارف، قابلةٌ للتبيين والإثبات، ولكلّ واحدٍ منها منهجه الخاصّ، وأنّ المنهج العلمي لا ينحصر بالمنهج التجريبي. ودليلنا على هذه الحقيقة أنّ المنهج التجريبي يقتضي أن ندرك بعض الظواهر بحواسنا الظاهريّة، وربما شاهدنا وفحصنا سائر مصاديقها المتعدّدة، وقيّدنا

(41)

شرائط وضوابط تحقّق تلك الظواهر، ثمّ قمنا بتعميم النتيجة، فحينئذٍ تحصل عندنا نظريّةٌ علميّةٌ مبتنيةٌ على التجربة. والحال أنّنا لو فحصنا التجريبيّة نفسها بناءً على هذا المبنى المعرفي، يتّضح عدم اعتبار هذه النظريّة بناءً على رؤيتهم؛ لأنّ النظريّة التجريبيّة هنا لم تُنتج عن طريق التجربة الحسّيّة، فإنّ أيّ تجربةٍ لا تتمكّن من نفي اعتبار أيّ منهجٍ سوى التجربة؛ لأنّ التجربة تعجز عن نفي مسائل غير تجريبيّة، وغاية ما تتمكّن من إثباته، وجود الظواهر والعلاقات المحسوسة والقابلة للتجربة.

مضافًا إلى هذا، فإنّ مبنى التجريبيّة يقتضي إمكان استكشاف الحقائق الحاصلة عن طريق الإدراكات الحسيّة بنحوٍ يقيني، والحال أنّ الإدراكات الحسيّة قابلةٌ للنقاش من وجهة نظرٍ معرفيّة، ويصعب الحصول على نتائج قطعيّة عن طريقها، نعم ينحصر ذلك بعد الاستمداد من الأدلّة العقليّة (مع أنّهم ينفون اعتبار الأدلّة العقليّة). ومن جهةٍ ثانية فإنّ المنهج التجريبي يبتني على خلفيّاتٍ وافتراضاتٍ معرفيّةٍ لم تثبت عن طريق التجربة، ولا يمكن إثباتها أيضًا عن طريقها، وعلى سبيل المثال فإنّ جميع التحقيقات التجريبيّة تبتني على أصل العليّة؛ لأننا عند التحقيق عن ظاهرتين حسّيّتين في المختبر أو عن طريق سائر المناهج التجريبيّة، نشاهد كلّما تحقّقت ظاهرة (ألف) تحقّقت مع ظاهرة (ب)، وبعد تكرار هذه المشاهدة في ظروف مختلفة، نستكشف العليّة بينهما، ونعتقد بأنّ الأولى علّةٌ ظهور الثانية، ثمّ نستكشف قانونًا كليًّا يمكننا من خلاله تبيين الحوادث الحاصلة واستشراف الحوادث المستقبليّة. هذا والحال أنّ العليّة أمرٌ غير محسوس، والإذعان بهكذا علاقة بين ظاهرتين، ناتج من التأمّل الذهني ويدخل في نطاق الفلسفة والميتافيزيقا، ومع أنّ أتباع هذه المدرسة لا يقيمون وزنًا علميًّا للنظريّات الميتافزيقيّة، هذا أوّلًا.

 أمّا ثانيًا وبعد قبول أصل العليّة فإنّه يمكننا كشف العلاقة بين الظاهرتين حينما

(42)

نتمكّن من إثبات شرائط تحقّقهما بنحوٍ مسيطرٍ عليه، بمعنى عدم مدخليّة أيّ عاملٍ آخر (في المختبر أو ساحة المشاهدة الميدانيّة)، والحال أنّ هذا الأمر لا يمكن إثباته تجريبيًّا أبدًا؛ لأنّ العوامل الطبيعيّة المؤثّرة على الظواهر تكون من حيث التنوّع والتعدّد بنحوٍ تكون فيه السيطرة عليها خارج عن قدرات الإنسان، إذ ربما توجد عوامل تؤثّر على الظاهرة المبحوثة ولم نعرفها نحن ، كما أنّ الأمواج الكهرومغناطيسيّة كانت مجهولةً لدينا تمامًا، ولم يطّلع أحدٌ على وجودها كي يحدّدها ويسيطر عليها، أو يبحث عن تأثيرها على الظواهر الطبيعيّة، أو أنّ أمواج الراديو والإلكترونيك التي أصبحت اليوم محور كثيرٍ من العلوم والتقنيات، كانت مجهولةً سابقًا، ولم يصدّق أحدٌ بوجود أمور كهذه. فاليوم نحتمل أيضًا وجود أمواجٍ أو عوامل أخرى لم تُكتشف بعد، تتدخّل في تحقّق أو تغيّر الظواهر؛ وعليه لا يمكننا الحصول على نتيجةٍ قطعيّةٍ عن طريق التجارب الحسيّة، كما لا يمكن الوصول إلى نظريّةٍ علميّةٍ كليّةٍ ومطلقةٍ عن طريق التجربة، ولكن هذا يخالف مدّعى الماديّين والوضعيّين وسائر الحسّيّين.

إنّ الجواب الحَلّي لهذه المسألة (كما هو مثبّت في مباحث نظريّة المعرفة بشكل تفصيلي) إنّ بعض القضايا بديهيّةٌ يُدركها العقل من دون الحاجة إلى الاستدلال، مضافًا إلى أنّ العقل ولأجل إثبات بعض القضايا الأخرى، يستدلّ عليها بمعونة البديهيّات، ويتمكّن من الوصول إلى حقائق علميّةٍ يقينيّةٍ من دون الحاجة إلى التجربة. وهذه هي قسمٌ من أقسام العلوم الحصوليّة التي يحكي فيها العلم عن حقيقة اخرى وراء وجوده. وبالمآل يرد هنا سؤال مفاده هل أنّه يطابق تلك الحقيقة ليكون صادقًا وصحيحًا، أو غير مطابق لها ليكون كاذبًا وخطأ.

أمّا في العلوم الحضوريّة التي يتّحد فيها العلم والمعلوم، فلا يوجد احتمال الخطأ، والسؤال فيها عن الصحّة والخطأ غير صحيح، لأنّ العلم الحضوري يعني

(43)

وجدان الواقع نفسه. وفي هكذا علم، تدرك بعض الحقائق بالتجربة الباطنيّة، حيث تشمل هذه المشاهدات الباطنيّة مساحةً واسعةً من الإدراكات منها المشاهدات العرفانيّة، إلى أن تصل إلى أعلى مراتب الشهود الحاصل عن طريق الوحي للأنبياء حصرًا، وهو أكمل علمٍ يمكن أن يحصل عليه الإنسان، وأعلاها يقينًا.

فهذه المباحث من المباحث المعرفيّة ولا بدّ من التوسّع والتدقيق فيها في محلّها الخاصّ.[1]

1. معرفة الظواهر الماديّة بأيّ منهجٍ كان

يعني العلم بناءً على اصطلاحٍ آخر ـ وُلد من التوسّع في الاصطلاح السابق ـ : السعي إلى كشف الواقع المادّي وإنْ كان بمنهج غير تجريبي. فلو وُجد طريقٌ آخر غير المنهج التجريبي لكشف الواقع الحسّي، فهو مقبولٌ، ويُطلق عليه عنوان العلم، وعلى سبيل المثال لو أخبر نبيٌّ قبل الكشف التجريبي عن واقعٍ حسّي كعدد نجوم المجرّة الفلانيّة، فهو علمٌ لأنّ إخبار النبيّ صادقٌ ومتّصلٌ بالعلم الإلهي وطريقٌ لكشف الواقع العيني، والمائز بين هذا الاصطلاح والذي سبقه، هو عدم تقيّد كشف الواقع المحسوس وإطلاق عنوان العلم عليه بالمنهج التجريبي. وتظهر النتيجة العلميّة لهذا الاختلاف بين هذين المصطلحين بشكلٍ جليّ عند البحث عن علاقة العلم بالدين، وإمكان تحقّق العلم الديني.

وقد ذهب بعض المخالفين الذين قيّدوا العلم بالمنهج التجريبي، وأدخلوا هذا المنهج في تعريف العلم، وقالوا إنّه المقوّم لماهيّة العلم، قد استدلّوا لنفي معنائيّة العلم الديني بأنّ لكلّ فرعٍ من فروع العلوم البشريّة منهجًا خاصًّا، وإنّ منهج العلم (أي العلوم الطبيعيّة) التجربة الحسّيّة، وإذا بُحثت هذه المسائل بغير هذا المنهج

(44)

كالوحي مثلًا، فلا تكون علمًا؛ لأنّ العلم ـ كما ورد في تعريفه ـ يعتمد المنهج التجريبي، والحال أنّ ما يحصل عن طريق الوحي لم يكن تجريبيًّا؛ لذا لا يندرج في تعريف العلم.

والجواب أنّنا أمام اصطلاحين مختلفين للعلم؛ لذا لا بدّ من تبيين المراد قبل الخوض في البحث، فلو أذعنّا بانحصار العلم في القضايا الثابتة عن طريق المنهج التجريبي، فلا يمكن طبقًا لهذا المعنى إطلاق عنوان العلم على المعارف الواردة في القرآن؛ لأنّها لم تثبت بالمنهج التجريبي، وكذلك لا يصحّ إطلاق عنوان (العلم الديني) بمعنى المعارف التجريبيّة حول الموجودات الحسّيّة المُستقاة من المصادر الدينيّة؛ لأنّ (العلم) ينحصر بما ينتج من التجربة، سواء أيّده الدين أم لم يؤيّده، فكلّ ما ينتج من المصادر الدينيّة لا يكون علمًا، سواء تعلّق بالموجودات المحسوسة أم لم يتعلّق.

ولكن لو عرّفنا العلم وفق هذا الاصطلاح المتأخّر، وجعلنا الموضوع محور تعريف العلم لا المنهج، بأن يكون قيد (المنهج التجريبي) في التعريف زائدًا، فهنا يمكن تصوّر (العلم الديني)، وهو فيما لو أخبر الصادق المصدّق كجبرائيل أو النبيّ أو الإمام المعصوم ؟عهم؟ عن واقعٍ محسوسٍ كعدد نجوم المجرّة الشمسيّة مثلًا.

2. مجموعة المسائل الممهّدة للمعرفة الحصوليّة

ما ذكرناه سابقًا حول مصطلحات العلم، يتعلّق بمعرفة الواقع نوعًا ما، وتمتاز تلك الاصطلاحات عن بعضها البعض بالشروط والقيود الموضوعة على الواقع المدروس، فطبقًا للمعاني السابقة يطلق عنوان (العلم) على كلّ قضيّةٍ تحكي عن الواقع (طبعًا مع لحاظ القيود المشروطة في بعض المعاني).

ولكن هناك اصطلاحًا آخر قد راج في المحافل العلميّة والمحاورات العرفيّة، وهو أنّ العلم لا يطلق على القضايا المعرفيّة المفردة، بل يُطلق على مجموعة

(45)

مسائل تشترك في محورٍ خاصّ، وهذا المحور يمكن أن يكون الموضوع الهدف أو أيّ شيء آخر يجمع شتات القضايا العلميّة ويربطها بعضها مع بعض. ولم يكن الهدف في هذا الاصطلاح إثبات مسائل العلم أو عدم إثباتها، أو يقين العلماء، أو شكّهم، أو ظنّهم في النتائج، والإجابات المعطاة لمسائل العلم، أو طرق ومناهج إثبات المسائل، بل إنّ ملاك العلميّة ارتباط مجموعة المسائل بعضها ببعض وافتراض نوعٍ من الوحدة بينها، فيطلق على هذه المجموعة المتماسكة عنوان (العلم)، بنحوٍ لا يصدق على القضايا والمسائل بمفردها عنوان (العلم).

لذا يمكننا لحظ مجموعةٍ من القضايا المترابطة بعضها مع بعض ككلّ، ويقال بأنّ هذا الشخص عالم بهذا العلم، وذاك الشخص جاهل بهذا العلم، لأنّ العلم في هذا التعريف شيءٌ يمكن أن نجهله. وبعبارةٍ أخرى يُطلق العلم في هذا الاصطلاح على فروعٍ من العلم تمّ تصنيفها بحسب الموضوع أو الأهداف أو المناهج أو أيّ محور آخر، ومن هنا ظهرت العلوم المختلفة كعلم النحو، وعلم الصرف، وعلم اللغة، وعلم التاريخ، وعلم الجغرافيا، وعلم الرياضيّات، وعلم الجيولوجيا، وعلم الكسمولوجيا، وعلم الآثار، وعلم الفيزياء، وعلم الأحياء، وعلم الكيمياء، وعلم الفلسفة، وعلم الكلام وغيرها. ولعلّ أكثر استعمالات مفرده (العلم) اليوم، والمطروحة أيضًا في مباحث أسلمة العلوم، هو هذا المعنى.

وقد لا يكون المقصود من العلم مجموعة القضايا والمسائل، بل يقصد منه جهد العلماء للوصول إلى معلوماتٍ عن الواقع وحلّ مسائله. هذا الجهد يعدّ بمفرده مقوّمًا للعلم، سواء وصل إلى النتيجة أم لم يصل، وسواء كانت النتيجة قطعيّةً أم ظنيّة، مطابقة للواقع أو غير مطابقة. فعندما يُحكى عن النظريّات التي تمّ إبطالها في علم الهيئة والنجوم، وفرضيّات من قبيل محوريّة الأرض في الهيئة البطلميوسيّة ـ التي أُبطلت منذ فترة طويلة ـ  ويقال إنّها جزء من العلم، فإنّما يُشار إلى هذا المعنى من العلم.

(46)

والسؤال الذي يُطرح هنا: هل يُطلق العلم على كلّ فرعٍ علميّ من حيث أنّه مجموعة أسئلة؟ أو أنّه يُطلق على مجموعة الأجوبة الصحيحة لتلك المسائل؟ وعلى سبيل المثال هل أنّ هذا السؤال: (هل قانون الميكانيك الأوّل لنيوتن صحيح أم لا؟) يدخل في علم الفيزياء، أو أنّ جوابه الصحيح يدخل فقط؟ وهل أنّ هذه الجملة الاستفهاميّة (هل نسبيّة أنيشتاين متطابقةٌ مع الواقع أم لا؟) تكون جزءًا من علم الفيزياء، أو الجواب الصحيح والمطابق للواقع الثابت لها يُعدّ علمًا فقط؟ فحتّى طبقًا لهذا الاصطلاح، القائل بأنّ العلم مجموعةُ مسائل مرتبطةٍ بعضها مع بعضٍ في محورٍ واحد، يبقى مجالٌ لذكر السؤال التالي ـ في علميّة العلم ـ عن لزوم إضافة قيد كشف العلاقة الصحيحة بين الموضوع والمحمول، أو الاكتفاء بأيّ جهدٍ لكشف تلك الروابط وإنْ أدّت إلى نتائج مختلفة؟ وانتخاب أيّ واحدةٍ من هاتين النظريّتين يعتمد على الآراء المختلفة الإبستيمولوجية، والتي تؤدّي بطبيعة الحال إلى نتائج مختلفةٍ لا سيّما في مباحث العلم الديني.

إنّ الفئة التي تجعل المسائل فقط مدار علميّة العلم، ولا تنظر إلى صحّة الأجوبة أو خطئها، تذهب إلى عدم وجود أيّ علقةٍ علّيّةٍ بين الظواهر، وما نستكشفه بعنوان قوانين كليّة وعامّة في العلم، تجعله هذه الفئة فرضيّاتٍ ذهنيّةً واختراعاتٍ موهومةً يخلقها الذهن لإيجاد العلقة بين الظواهر المتشتّتة الحسّيّة، من دون أن تحكي عن علقةٍ واقعيّةٍ وعينيّةٍ بين الظواهر الخارجيّة.

والفئة الأخرى هم الشكّاكون والنسبيّون، الذين يعتقدون باستحالة وصول الإنسان إلى اليقين؛ ولذا لم يذهبوا في العلم وراء موضوع كشف الواقع، بل يرون أنّه مناخٌ لبيان بعض الآراء التي لها نتائج علميّة، وهذه الآراء ربّما تثبت في زمانٍ وتبطل في زمانٍ آخر، ولم تكشف عن الواقع بتاتًا، وهذا لا يضرّ بعلميّتها. وإنّهم يرون أنّ العلوم الطبيعيّة التي بحوزة الإنسان لم تثبت في وقتٍ من الأوقات، بل

(47)

أنّها آراء في الطبيعيّات والكيمياء والفيزياء وغيرها، ثمّ تتغيّر بعد مدّة.

إنّ هذا التحول في النظريات موجودٌ على مدى التاريخ، ونستشرف بقاءه دائمًا أيضًا، ولكن هذه التغييرات لا تستوجب نفي العلميّة، بل إنّ علم الهيأة وعلم النجوم، وعلم الفيزياء، علم احتوى في داخله على ذهاب وإياب نظريّات مختلفة. وبناءً على هذا فالعلم بهذا الاصطلاح يعني مناخًا لجهد العلماء وولادة النظريّات وموتها، سواء أكانت متطابقة مع الواقع أم لا. فكلّ نظريّةٍ ما دامت مقبولةً عند النخبة العلميّة ويُستفاد منها تعدّ نظريّةً علميّة، وكلّما ولدت نظريّة أكثر فائدة منها تنزاح تلك النظريّة لصالح هذا الوافد الجديد، ولكن مع هذا تبقى جزءًا من العلم.

وعلى سبيل المثال فإنّ نظريّة مركزيّة الأرض، كانت مطروحةً كنظريّةٍ مقبولةٍ في علم الهيئة، واستعان بها العلماء لحلّ كثيرٍ من مسائل الهيئة، وتبيين حوادث الخسوف والكسوف وما شاكل. فهذه النظريّة على الرغم من إبطالها لاحقًا كانت بعض نتائجها صحيحة؛ ولذا كانت مفيدةً ويُستفاد منها، فتكون جزءًا من العلم. والمثال الآخر بعض نظريّات الطبّ القديم كالأخلاط الأربعة (السوداء، والصفراء، والبلغم، والدم) والعناصر الأربعة (الماء، والهواء، والتراب، والنار)؛ لأنّها كانت تُعتمد قديمًا في حلّ كثيرٍ من المسائل، وعلاج بعض الأمراض.

وطبقًا لهذا الاصطلاح يكون قانون بويل جزءًا من العلم وكذلك نظريّة لابلاس، كما هو الحال في نظريّة نيوتن ونسبيّة أينشتاين؛ إذ إنّ كليهما جزءٌ من العلم، وربّما تظهر نظريّةٌ ثالثةٌ تنفي النظريّتين السابقتين ومع هذا تكون نظريّةً فيزيائيّةً، وعليه فحينما نعدّ مجموعةً من المسائل علمًا، لا بدّ من لحاظ أنّ العلم يتكوّن من هذه المسائل نفسها من حيث كونها مسألة، وإنْ ذُكرت على نحو الاستفهام، وهي بطبيعة الحال تستدعي أجوبةً متعدّدة. ولذا فكلّ جهدٍ لحلّ أيّ

(48)

مسألة ـ سواء كان موفّقًا أم غير موفّق ـ يكون جهدًا علميًّا للوصول إلى جواب سؤال. وبناءً على هذا الاصطلاح تكون جميع هذه النظريّات علمًا؛ لأنّه لم يُلحظ في العلميّة كشف الواقع، بل إنّ هدف العلم ظهور نظريّاتٍ ومعادلاتٍ يمكن الاستفادة منها في الحياة.

وبناءً على تعريفٍ آخر للعلم يشمل علم الفقه أيضًا، يمكننا ذكر نموذجٍ من علم الفقه، حيث يقال في تعريفه إنّه علم يكشف الأحكام الشرعيّة من الأدلّة الشرعيّة، ومحور جميع الأحكام الشرعيّة هو حكم الله. فربّما توجد عدّة آراء عند الفقهاء الكبار في موضوعٍ واحدٍ في برهةٍ زمنيّةٍ خاصّة، تكون كلّها ضمن علم الفقه بناءً على هذا التعريف. وعلى سبيل المثال بخصوص صلاة الجمعة زمن غيبة المعصوم توجد نظريّتان متخالفتان، فبعضهم يرى وجوبها، ويرى بعضهم الآخر حرمتها. فلو كان علم الفقه هو الإطار الشامل للمسائل الفقهيّة، فمعناه أنّ ما يكوّن قسمًا من الفقه هو هذا السؤال: (هل تجب صلاة الجمعة يوم الجمعة في عصر الغيبة أو لا؟) ويكون استنباط الفقيه في جواب هذا السؤال سواء كان الوجوب التعييني أم التخييري أم الحرمة أم الجواز أم الاستحباب، فتوى فقهيّةً، ويُعدّ جزءًا من علم الفقه؛ لأنّه لم يكن قيد الوصول إلى اليقين أو كشف الواقع لازمًا لعلمٍ كهذا.

ومن جهةٍ أخرى فلو حصرنا العلم بالأجوبة الصحيحة، فتكون حينئذٍ الأجوبة والحلول غير المتطابقة مع الواقع، أو التي يظهر عدم كليّتها لاحقًا أو يثبت خطأها، غير داخلةٍ في نطاق العلم أبدًا، بل تصنّف إمّا على أنّها شبه العلم أو أوهام. وبناءً على هذا التعريف للعلم لابدّ من القول بأنّ كوبرنيكوس وكبلر عندما اكتشفا بطلان نظريّة مركزيّة الأرض، تبيّن من هذا عدم وجود علم الهيئة إلى ذلك الحين، بل إنّ ما عُرف آنذاك بالعلم لم يكن سوى سلسلة أوهامٍ شغلت فئةً من الناس. وكذلك الأمر

(49)

في المسائل الفقهيّة الخلافيّة، إذ لابدّ من القول بإنّ إحدى الفتاوى المتعارضة فقهٌ، والأخرى ليست فقهًا، وإذا ثبت في يومٍ من الأيام عدم صحّتهما معًا بأن تكون صلاة الجمعة في عصر الغيبة مثًلا لا واجبة ولا محرّمة بل مستحبّة، لابدّ من القول بأنّ الفتوى الأولى والثانية ما كانتا جزءًا علم الفقه، بل كانتا مجرّد أوهامٍ باسم العلم.

3. دور المنهج في تصنيف العلوم

هناك سؤال آخر يُذكر هنا، وهو أنّنا لو لحظنا هذا المعنى الأخير من العلم (بمعنى مجموعة مسائل ضمن محورٍ واحد) فما هو الحدّ الفاصل بين العلوم؟ وما هو ملاك تفكيك العلوم؟ وهل هناك دورٌ لمنهج العلوم في تصنيفها، ليكون جزءًا مقوّمًا للعلم أم لا؟ فلو أمكننا إثبات مجموعة من المسائل التي تتمحور حول الموضوع بمنهجين، فهل نحن أمام علمين أو أمام علمٍ واحد؟ ولو أثبتنا مسألةً بمنهجين فهل نحن نتكلّم حينئذٍ عن مسألتين في علمين؟ أم إنّنا مع قطع النظر عن منهج الإثبات، ننظر إلى ماهية المسألة حصرًا، ونرى أنّها مسألة علمٍ واحدٍ أمكن إثباتها بمنهجين؟

فنحن هنا نواجه اصطلاحين للعلم أيضًا، يجعل أحدهما المنهج جزءًا من ماهيّة العلم، والآخر لا يقيم له وزنًا في تعريف العلم. وعلى سبيل المثال يمكننا إثبات بعض المسائل الأخلاقيّة بمنهجين: عقلي ونقلي، فيمكننا مثلا إثبات وجوب الصدق في كلّ مكانٍ أو جواز الكذب في بعض الأحيان بالبرهان العقلي والمنهج التعقّلي ـ طبعًا بشرط جريان البرهان في هذا المورد ـ وكذلك يمكن أن نستند في إثباته إلى الآيات والروايات. وبناءً على الاصطلاح القائل بمدخليّة المنهج ـ لحلّ المسائل ـ في تصنيف العلوم، يكون إثبات المسألة الأخلاقيّة بالمنهج العقلي جزءًا من العلم، كما لو أثبتناها بالمنهج النقلي ستكون جزءًا من العلم أيضًا ولكن بوجهٍ آخر، وعليه فرغم اتّحاد المسائل أمكن القول بوجود أخلاقٍ

(50)

علميّةٍ وفلسفيّة، وأخلاقٍ دينيّةٍ ووحيانيّة. ولكن بناءً على الاصطلاح الآخر الذي لا يرى مدخليّة المنهج في تمايز العلوم، فنحن أمام مسائل علمٍ واحد.

ومن إحدى نتائج الالتفات إلى هذا الخلاف في الاصطلاح، أنّنا لو جعلنا تعدّد المنهج سببًا لتعدّد العلوم، أمكننا حينئذٍ تقسيم بعض العلوم إلى دينيّةٍ وغير دينيّة، بمعنى أنّنا لو أثبتنا المسائل بالاعتماد على المصادر الدينيّة والوحيانيّة والمنهج النقلي، نكون أمام العلم الديني، ولو أثبتنا تلك المسائل نفسها بالاعتماد على مصادر غير دينيّةٍ ومناهج أخرى كالعقليّة والتجريبيّة، يكون عندنا علمٌ غير ديني. ولكن لو أخرجنا المنهج من العلم، بمعنى أنّ العلم واحدٌ كيفما كان، سواء ثبتت مسائله بهذا المنهج أم بذاك، فهنا لا يكون عندنا علمٌ دينيّ أو غير ديني.

4. دور الهدف والغاية في تصنيف العلوم

هناك ملاكٌ آخر ربّما يستعان به في تصنيف العلوم وتفكيكها، وهو هدف العلم وغايته، بمعنى دخولنا في علمٍ آخر بعد تغيير الهدف والغاية لحلّ المسألة، فلو طُرحت مسألةٌ لغايةٍ خاصّة ـ كالحياة الدنيويّة الرغيدة ـ وسعينا إلى حلّها، يظهر حينئذٍ علمٌ خاصّ، وحينما نبحث عن تلك المسألة نفسها لغايةٍ أخرى ـ كالوصول إلى السعادة الأخروية والقرب من الله تعالى ـ يظهر علمٌ آخر.

وفي المقابل هناك اصطلاحٌ آخر لا يرى مدخليّة الغاية في تعريف العلم وتصنيفه، وطالما يكون السؤال واحدًا، تكون المسألة مسألة ذلك العلم وإنْ دعت الغايات المختلفة إلى الالتفات إليه، أو أدّت الغايات المختلفة إلى أجوبةٍ متفاوتةٍ لذلك السؤال. نعم قد ذكر المناطقة مباحث حول ماهية العلوم وملاك تفكيكها، حيث جعل بعضهم الموضوع معيار اختلاف العلوم، وبعضهم الآخر جعله الغاية والأهداف، وفئة ثالثة جعلت تعدّد المناهج سبب تفكيك العلوم، ولكلّ فئةٍ أدلّتها ومرجحاتها.

(51)

وهناك من جعل الغاية ليس فقط ملاك تصنيف العلوم، بل أدخلها في تعريف العلم أيضًا، وعلى سبيل المثال جعلوا معرفة الواقع هدفًا مقوّمًا للعلوم. وفي المقابل يُعرّف الدين بهدفه وغايته، أي الوصول إلى السعادة، بنحوٍ تكون مدخليّة الوصول إلى السعادة معيارًا لدينيّة المسألة، وإلّا لم تكن دينيّةً وإنْ وردت في المصادر الدينيّة. وبناءً على هذا فإنّ محتوى الدين هي العقائد، والقيم، والأحكام العمليّة التي تسوقنا نحو الهداية، وتدلّنا إلى طريق السعادة.

والنقطة التي لا بدّ من الالتفات إليها في جميع هذه الموارد، أنّ جميع هذه الاصطلاحات قراراتٌ لغويّةٌ لم يكن لأيّ واحدٍ منها برهانٌ عقليّ أو دليلٌ وحياني، والمخالفة مع أيٍّ منها لا يوجب التناقض العقلي، كما لا يوجب الخروج من الدين ومخالفة أوامر الوحي. والمهمّ أن نعيّن منذ البداية حين البحث عن العلم وعلاقته بالدين ماهيّة العلم، ونعرّفه بوضوحٍ ونثبت عليه إلى آخر البحث، ونتجنّب خلط المفاهيم والاصطلاحات، فحينئذٍ يمكن أن نأمل رفع كثيرٍ من الاختلافات الناشئة من مغالطة الاشتراك اللفظي.

5. المعنى المختار

العلم بحسب التعريف الذي نرتضيه، إنّما هو مجموعة مسائل متكوّنة من الموضوع والمحمول، تندرج موضوعاتها تحت موضوعٍ واحدٍ تحتاج إلى إجاباتٍ في إثباتها أو نفيها. فأيّ سعيّ في هذا الأمر يعدّ جهدًا في ذيل ذلك العلم، ولا مدخليّة للمصادر والمناهج فيه، بل يعمّ الفقاهة في الفقه، والتفلسف في الفلسفة، وتكون بحثًا علميًّا في تلك العلوم.

(52)

معاني الدين

1. المعنى اللغويّ

هناك خلافٌ بين اللغويّين حول كلمة الدين، وأنّها بأيّ لغةٍ تتعلّق بالأصالة؟ ذهب بعضهم إلى أنّ الدين في الأصل لغةٌ كراميّةٌ عبريّةٌ بمعنى الحساب، وذهب آخرون الى أنّ كلمة الدين في الأصل كلمةٌ فارسيّةٌ بمعنى الخصائص الروحيّة، أو التشخّص المعنويّ أو القانون والحق والحكم، أو الوجدان والديانة والتديّن، وتترادف مع كلمات الحكم والقضاء والعادة والشريعة والمذهب والترابط، وإنْ وُجدت خلافاتٌ بنيويّةٌ بين مختلف هذه المعاني.

تُستعمل هذه الكلمة في العربيّة والفارسيّة بهذه الصيغة نفسها، ولها استخداماتٌ متنوّعةٌ كثيرةٌ بحيث جعلها بعضهم مشتركًا لفظيًّا. وقد تنوّعت استخدامات هذه الكلمة في القرآن أيضًا من قبيل: الجزاء، والحساب، والقانون، والشريعة، والطاعة، والعبوديّة، والتسليم، والانقياد، والإسلام، والمنهج، والتوحيد وعبادة الله.[1] وكذلك الأمر لما يعادل هذه الكلمة في سائر اللغات المختلفة.

فكلمة (Religion) في الإنكليزيّة والفرنسيّة والألمانيّة ترد بشكلٍ متّحدٍ مع اختلافٍ في التلفّظ، ومن هذا القبيل الكلمة اللاتينيّة (Religionem) المتجذّرة من (Religio)، وكلمة (Dharma) في اللغة السنسكريتيّة. وفي اللغة العبريّة فإنّ لفظ (Halakha) أقرب الألفاظ إلى الدين، إذ تترجم تارةً إلى الشرع. وقد ذكرت هنا مباحث عدّة في فقه اللغة ربّما تنفع غرضنا هنا.

إنّ المعنى الاصطلاحي للدين أهمّ من المعنى اللغوي، وقد شهد تنوّعًا خاصًّا أيضًا، فتعاريف الدين الاصطلاحيّة تنشأ في الأغلب بسبب الرؤى اللاهوتيّة

(53)

والفلسفيّة والاجتماعيّة أو النفسيّة الخاصّة لدى من تصدّى لتبيينه وفقًا لرؤاه وأهدافه، وسنشير على سبيل المثال إلى بعض هذه التعاريف وندع البحث التفصيلي إلى مجاله المناسب.

2. الاحساس بالتعلّق والاتّكال

لقد أسقط البعض ـ أي فردريك شلايرماخر ـ الدين إلى مجرّد إحساس، وجعل جميع محتواه النظري والعملي أمورًا زائدةً، أنّه يرى أنّ جوهر الدين لم يكن الفكر أو العمل بل شهود وإحساس، وعليه فإنّ الدين لا يتمكّن من حفظ نطاق هويّته إلّا حينما يخرج من نطاق الفكر والعمل.[1]

3. الاعتقاد بالأمر القدسي

وفي اصطلاحٍ آخر يُطلق الدين على الاعتقاد بالأمر القدسي، أي قبول سلسلة أمورٍ قدسيّةٍ لا يجوز التشكيك فيها أو السؤال عنها. فبعض الغربيّين عرفوا الدين هكذا، ولقد أرادوا تقديم تعريفٍ للدين يشمل جميع الأديان سواء الوثنيّة والتوحيدية والثنويّة والتثليث وإنكار الله وغيرها، لذا عرفوا الدين بأنّه اعتقاد بأمرٍ قدسي، وعلى سبيل المثال ذهب بيتر برغر إلى أنّ تعريف الدين أمرٌ ممكنٌ لكن من خلال افتراض عالَمٍ مقدّس، والفصل المميّز لهذا التعريف إنّما هو كلمة (المقدّس) المستخدم بالمعنى الذي راج في دراسة الأديان منذ رادولف اتو.[2] فهذا الاصطلاح يتوافق مع معنى الدين في اللغة الدالّ على نوع اعتقادٍ عند جماعةٍ من الناس مع العمل به.

(54)

4. الاعتقاد بما وراء الطبيعة والارتباط معها نوعًا ما

الاصطلاح الثالث للدين، هو الاعتقاد بما وراء الطبيعة والارتباط معها نوعًا ما، وبناءً على هذا الاستعمال فكلّ اعتقادٍ بوجود عالمٍ غير عالم الطبيعة، ووجود عالمٍ وموجوداتٍ أُخر (سواء الاعتقاد بالإله الواحد، أم الآلهة المتعدّدة، أم الجن، أم الأرواح الخبيثة والطيّبة أم أيّ أمرٍ آخر)، والاعتقاد بإمكان الارتباط معها في الجملة، فهو دين. وفي هذا الاصطلاح جُعل عنصر (التعالي) من ذاتيّات مفهوم الدين، وعُرّف الدين بأنّه طريق لفهم الأمر المتعالي والارتباط معه.[1]

الوجه المشترك بين هذه المعاني الثلاثة، اقتصار الدين على الاعتقاد والعلقة الذهنيّة[2] والشخصيّة ولا يتجاوز المسائل الفرديّة. وحتّى لو تمّ التطرّق في هذا الاستعمال إلى الآداب والرسوم الدينيّة كالحضور في الكنيسة أو إقامة طقوس مقدّسة، فإنّها أمورٌ فرعيّةٌ وجزئيّةٌ تستعمل لأجل تقوية الاعتقاد أو العلقة الفرديّة مع الوجود المقدّس أو الماورائي، وإلّا فالدين في هذه التعاريف لا يمتّ إلى المجتمع ومسائل حياة الناس بصلة.

وهذه النظرة العلمانيّة إلى الدين، تسعى الى حصر الدين في حدودٍ خاصّة، وجعله علقةً فرديّةً مع الله (كأمرٍ قدسي أو ماورائي)، وهي أمورٌ ذوقيّةٌ لا تحكي عن الواقع؛ لذا ـ كما هو السائد في الغرب ـ يتمكّن كلّ شخصٍ من تغيير دينه بسهولة. وقبول هكذا دين أو عدم قبوله لا يعدّ أمرًا مهمًّا؛ لأنّ الاختلاف هنا كاختلاف الأذواق في استحسان الألوان.

(55)

5. مجموعة المعتقدات والقيم السلوكيّة المناسبة

لعلّ أكثر معاني الدين شيوعًا واستعمالًا في المحاورات العرفيّة، تعريف الدين بوصفه مجموعةً من العقائد الراجعة إلى الوجود (ومنها الإنسان) ومبدأ ظهور الوجود، والسلوك الناتج عن هذا الاعتقاد  المتناسب معه.

وإذا أردنا أن نتكلّم طبقًا للمعنى الشائع نوعًا ما منذ القرن العشرين، لأمكن القول بأنّ الدين مجموعةٌ متكوّنةٌ من الأنطولوجيا والإيديولوجيا. ففي هذا المعنى تمّ إضافة البعد العملي إلى المسائل النظريّة والعقديّة، بحيث أنّه لا يُطلق الدين على مجرّد مجموعةٍ من المعتقدات، بل على الاعتقاد المنتهي إلى العمل. وهذا المعنى من الدين، يقترب كثيرًا مع الاصطلاح السائد الذي يقسّم الدين إلى ثلاثيّة: الاعتقادات، والأخلاق والأحكام. ففي هذا الاصطلاح يكون الدين المسائل المرتبطة بالعقائد والقيم والسلوك، ويتكّون من الإجابة عن هذه الأسئلة بأيّ نحوٍ كانت. إنّ مسألة وجود الله، أو سؤال القائل: (هل الله موجود؟) تشكّل قسمًا من الدين، سواء أكانت الإجابة إيجابيّة أم سلبيّة. حتّى أنّ التردّد في وجود الله أو عدمه يُعدّ نوعًا من الإجابة؛ لأنّ ما هو الملاك في هذا التعريف، إنّما هو صرف الاشتغال بهذه المسألة لا نوعيّة الإجابة عليها. فإنكار الله والإلحاد المطلق دين؛ إذ إنّه جوابٌ لسؤالٍ عن الوجود، وعليه فلا وجود حينئذٍ لغير المتديّن، ولذا يمكن إطلاق (العلم الديني) على مجموعةٍ متكوّنةٍ من هذا القبيل من المسائل، وينقسم العلم الديني إلى قسمين: إلهي وإلحادي.

وفي هذا الاصطلاح لا دخل لحقّانيّة الدين، أو صحّة المعتقدات والأهداف والقيم والأوامر في دينيّة ذلك الدين. وبعبارةٍ أُخرى يُطلق الدين بهذا المعنى على الإطار والصورة الحائزة لهذه الخصائص، ولكن لم يتدخّل المحتوى في التعريف. وعندما نتكلّم عن الأديان المختلفة كالبوذيّة والهندوسيّة وأنواع

(56)

الوثنيّة، ثمّ تُجعل جميعها مصاديق للدين، إنّما ننظر إلى هذا الاصطلاح. وقد كثر استعمال (الدين) بهذا المعنى بحيث أصبح المعنى الارتكازي له، وأوّل ما يُتبادر إلى الذهن.

وقد استخدم الدين بهذا المعنى في القرآن أيضًا، كما ورد في سورة (الكافرون) مخاطبًا المشركين وعبدة الأصنام:﴿لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ[1] فالوثنيّة دين، حتّى ورد في مكان آخر أيضًا:﴿وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ[2] فأطلق (الدين) على سائر المدارس الفكريّة والسلوكيّة ولكن جعلها باطلةً وخسرانًا في الآخرة. ومن الواضح أنّ الدين بهذا الاصطلاح ينقسم إلى قسمين: حقّ وباطل، إلهي وإلحادي، ولكن بطلان بعض الأديان وإلحادها لا يخرجها من كونها دينًا.

إنّ التعريف الذي يقدّمه دوركايم قريبٌ من هذا المعنى جدًّا، إذ يقول: الدين عبارةٌ عن نظامٍ منسجمٍ من العقائد والأعمال المتعلّقة بالأمر القدسي، وبعبارةٍ أخرى: أمورٌ مجزّأة وممنوعة، عقائد ومناسك توحّد جميع من اعتقد بها في اجتماعٍ أخلاقي واحدٍ باسم الكنيسة.[3]

ويظهر أيضًا أنّ العلّامة الطباطبائي يرى كفاية هذه الخاصيّة لمعنى الدين بنحوٍ عامٍّ حيث يقول:

«فالدين سُنّةٌ عمليّةٌ مبنيّةٌ على الاعتقاد في أمر الكون والإنسان بما أنّه جزءٌ من أجزائه، وليس هذا الاعتقاد هو العلم النظري المتعلّق بالكون والإنسان، فإنّ العلم النظري لا يستتبع نفسه عملًا وإنْ توقّف عليه العمل بل هو العلم بوجوب الجري على ما يقتضيه هذا النظر. وإنْ شئت فقل: الحكم بوجوب اتباع المعلوم

(57)

النظري والالتزام به وهو العلم العملي، كقولنا: يجب أنْ يعبد الإنسان الإله تعالى ويراعي في أعماله ما يسعد به في الدنيا والآخرة معًا. ومعلوم أنّ الدعوة الدينيّة متعلّقة بالدين الذي هو السُّنّة العمليّة المبنيّة على الاعتقاد».[1]

6. محتوى الدين (الكتاب والسنّة)

يستعمل الدين في اصطلاحٍ آخر في قبال العقل، ووصف (الديني) يساوق (الوحياني) ويختصّ بالحقائق الثابتة عن طريق الوحي. فالدين بهذا المعنى ينحصر في الأديان الإلهيّة أو بتعبير آخر الأديان الإبراهيميّة، التي تعتقد بالوحي الإلهي ويكون محتواها منسوبًا إلى هذا المصدر المتعالي. نعم يتطرّق علم الكلام إلى حدوث تحريفٍ في المحتوى الوحياني لسائر الأديان الإلهيّة غير الإسلام، ولا يمكن انتساب جميع تعاليمها اليوم إلى الوحي، وعليه فيختصّ الدين بهذا المعنى بالإسلام فقط، وتخرج سائر الأديان من شمول هذا المصطلح.

ويُطلق الدين في هذا الاصطلاح ـ كما هو السائد في محاوراتنا ـ على مصادر الدين الإسلامي أي القرآن والسُّنّة، أو بعبارةٍ أخرى ما ثبت بالأدلّة التعبّديّة النقليّة. وهذا الاصطلاح وإنْ حدّد معنى الدين إذ يخصّصه بدينٍ واحدٍ من جهة، غير أنّه يشمل مساحةً واسعةً من المطالب التي لم تكن ضمن نطاق الدين بناءً على بعض المباني. الأمور الموجودة في الكتاب والسُّنّة تعدّ حقائق متنوّعة، قد ترتبط بأصول الدين النظريّة أو الأحكام العمليّة، وقد لا ترتبط بشكلٍ مباشرٍ بالعقائد والأخلاق وأحكام دين الإسلام.

وعلى سبيل المثال فقد ورد في القرآن: ﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا فَوْقَكُمْ سَبْعَ طَرَائِقَ...[2]،

(58)

أو قوله تعالى في السماوات: ﴿...خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا...[1]. فمعنى السماوات السبع وإنْ لم يكن واضحًا لدينا بشكلٍ دقيق، ولكن يثبت بناءً على هذه الآيات الشريفة، والدليل التعبّدي أنّ عدد السماوات في القرآن سبعة؛ ولذا يعدّ هذا الأمر دينيًّا، علمًا بأنّ التجربة لم تثبت ذلك بل ثبت عن طريق الدليل النقلي حصرًا. وبما أنّ هذه الحقيقة وردت في المصادر الدينيّة، أمكن عدّها جزء الدين بهذا المعنى، وإنْ لم يكن لها أيّ دورٍ في تحقيق هدف الدين، أي سعادة الإنسان أو شقائه.

وسواء كانت السماوات سبعًا أم ستًّا، فلا تأثير لها في لزوم طاعة الله وإقامة الصلاة والصيام؛ لذا لا ترتبط بهدف الدين المبتني على سعادة الإنسان أو شقائه، ولكن لمّا كنّا مسلمين فإننا نعلم بأنّ هذا الأمر كلام الله، ونعتقد أنّ الله لا يكذب، لا نشكّ في صدق هذا الأمر ومطابقته للواقع ونعتقد به، وكذلك نحو ما يرد في القرآن من أمثلة كقوله تعالى: ﴿...كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَهَا مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكَاثًا...[2] فهذا مثل ذكره الله تعالى لبيان موضوع آخر، ولا علاقة له بسعادة الإنسان، ولكن طبقًا لهذا الاصطلاح في معنى الدين، يُعدّ كل ما ورد في القرآن والسنّة دينًا وإن كان على شاكلة مَثَلٍ، ومن جهة أخرى ـ وبناءً على هذا الأساس ـ لو ثبتت حقيقةٌ بالدليل العقلي ككون الإنسان عين الربط بالله تعالى، ومع هذا لم ترد في النصوص الدينيّة لم تكن دينيّةً وإنْ كانت ما فوق دينيّة؛ لأنّ هذا التعريف من الدين لم يشمل موارد كهذه.

7. الدين الإلهي الحقّ

طبقًا لاصطلاحٍ آخر لم يكن الغرض من الدين مجموعةً منتظمةً من العقائد

(59)

والقيم والسلوك، بل يُطلق الدين على مجموعةٍ تحتوي على ما ذُكر مضافًا إلى أمرين آخرين:

أ. أن يكون نازلًا من قبل الله تعالى.
ب. ألّا يكون محرّفًا.

وبعبارةٍ واحدة إنّ الدين في هذا الاصطلاح هو ما يخصّ الدين الحقّ، ويرى أنّ مجرّد الأجوبة الصحيحة للمسائل الدينيّة جديرةٌ بتسمية (الدين)، وبناءً على هذا يمكن تعريف الدين هكذا: «الاعتقاد بخالقٍ للعالم والإنسان، والأوامر العمليّة المتناسبة مع هذه العقائد».

ومن ذهب إلى أنّ الدين يشمل الشريعة والطريقة[1] أراد هذا المعنى؛ لأنّ غرضهم من الشريعة لم يكن أيّ نظامٍ عملي، بل يشمل مجرّد الأحكام التي وضعها الله وأوحى بها إلى النبيّ، وطلب بوساطته من أصحاب الحُجى العمل بتلك الأحكام.[2]

يرى العلّامة الطباطبائي في تعريفٍ أخصّ للدين، أنّه مجموعةٌ وصلت إلى الإنسان عن طريق الوحي والنبوّة، ويشمل تعاليم حول المبدأ والمعاد من جهة، وضوابط العبادة والعلاقات الاجتماعيّة من جهةٍ ثانية[3]، إنّه يقول أيضًا في مكانٍ آخر:

 «فإنّ الدين هو الطريقة المسلوكة التي يُقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، والسعادة الحقيقيّة هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركّب وجوده وتجهّزه بوسائل الكمال طلبًا خارجيًّا واقعيًّا».[4]

(60)

يرى الإسلام (وكثيرًا من الأديان أيضًا) وجود دينٍ صحيحٍ واحدٍ وبطلان سائر الأديان، وهذا التعريف حصر الدين بالدين السماوي الصحيح الموجب لكمال الإنسان الحقيقي، ويرى إمّا بطلان سائر النُظم العقديّة والسلوكيّة، وإمّا أنّها ممزوجةٌ بعناصر من العقائد الباطلة والخرافات ولا تليق بإطلاق اسم الدين عليها، بل يرى أنّها أديان موضوعة وكاذبة أو شبه الدين، وقد استعمل القرآن الكريم الدين بهذا المعنى أيضًا في قوله تعالى: ﴿إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ...[1]. فطبقًا لهذا الاصطلاح يكون الدين بمعنى ما نزل من قبل الله تعالى، وأساس هذا الدين الاعتقادات الشاملة للمباحث الأنطولوجيّة المطابقة للواقع والمُبيَّنة على شاكلة القضايا الخبريّة (من قبيل: الله موجود، وجود الله حقّ، النبي مبعوث من قبل الله، الحياة بعد الموت حق). ولا بدّ من الاعتقاد بها. ثمّ تأتي تبعًا لهذه العقائد سلسلة القيم (من قبيل: الكمال، القرب من الله، العدالة، العفّة، الأمن) وهي من لوازم الاعتقاد بتلك العقائد، ولا بدّ من الالتزام بها أيضًا. ثمّ بناءً على هذه القيم ترد وصايا تعدّ أوامر الدين، توصي بأعمال متناسقة مع العقائد والحقائق الدينيّة، تهدف إلى تحقّق غايات القيم الدينيّة، وهي نازلة من قبل الله تعالى وبتبليغ رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

هذه الأمور الثلاثة لُخّصت في قالب تعريفٍ مشهورٍ يقول إنّ الدين هو العقائد والأخلاق والأحكام، كما أنّ تقسيم معارف الدين إلى أصول وفروع، ينشأ من هذا المنظار بخصوص تعاليم الدين النظريّة والعمليّة، والعلقة الموجودة بينهما. إنّ أجزاء الدين في هذا المعنى تمتاز بسلسلة مراتب، يترتّب بعضها على بعض كالشجرة المعتمدة على الجذور والساق والأوراق حيث يغذّي كلّ قسمٍ الفروع الأخرى في حلقةٍ مترابطة، فتعدّ وصايا الدين وأحكامه العمليّة بمنزلة أغصان هذه الشجرة، وهي المبتنية على نظام القيم، فنظام القيم الذي يمثّل الغصن أو جذع

(61)

الشجرة ينمو من خلال جذور العقائد المطابقة مع الواقع. وبعبارةٍ أُخرى إنّ الدين مجموعةٌ من العقائد التي تكون سببًا للقيم، وهذا القيم تستدعي أحكامًا عمليّةً خاصّة، ومجموعة هذه العقائد والقيم والأحكام العمليّة، تنير درب الإنسان لنيل السعادة الأبديّة.

فعندما نتكلّم عن الدين، أو ندعو إلى ديننة الجامعات والدولة والعلوم والقيم، لم يكن موقفنا في الإجابة على هذه الأسئلة خنثى، ولم يكن هدفنا مجرّد الاهتمام بهذه المسائل بحيث يتساوى عندنا الجواب الإيجابي أو السلبي، بل إنّ غرضنا هو الدين الحق، أي الأجوبة الصحيحة والمتطابقة مع الإسلام الواقعي.

ونحن لأجل معرفة محتوى ونطاق الدين الحقّ بحاجة إلى نظرةٍ جوانيّة، ولم نتمكّن من الجلوس على منصّة الحكم برؤيةٍ عقلانيّةٍ محضةٍ أو مستندةٍ إلى علم الاجتماع، بل لا بدّ من الاستعانة بالكتاب والسُّنّة لتعريف الدين وتحديد حدوده ورسالته وأجزائه.

8. منهج إثبات مسائل الدين

إنّ مباحث منهجيّة العلوم المبحوثة قديمًا في ذيل قسمٍ من المنطق، قد أصبحت اليوم فرعًا مستقلًّا، ويتمّ الكلام فيها عن ثلاثة مناهج عامّةٍ وكلّيّةٍ في دراسة الموضوع وحلّ مسائله المختلفة، هذه المناهج الكلّيّة تختلف فيما بينها اختلافًا أساسيًّا، ويمكن أن يكون لكلّ واحدٍ منها فروعٌ وشعبٌ متعدّدة.

يعدّ المنهج التجريبي أحد تلك المناهج المستعملة في العلوم الطبيعيّة وله أنواع مختلفة، ويستخدم كلّ علمٍ تجريبي هذا المنهج بالطريقة المتناسبة معه، ففي هذا المنهج تحصل مقدّمات الاستدلال من خلال الاستعانة بالإدراكات الحسيّة، وتقع في نهاية المطاف وبتناسقٍ خاصٍّ إلى جنب المقدّمات العقليّة، وتنتهي إلى نتائج كلّيّة. وهذه النتائج الكلّيّة تبيّن قوانين عامّةً شموليّةً حول حقائق الكون التجريبيّة.

(62)

المنهج الآخر هو المنهج التعقّلي، والوسيلة الوحيدة فيه لإثبات القضايا، هي الاستعانة بالمقدّمات وشكل الاستدلال العقلي، من قبيل المسائل الرياضيّة (لا سيّما الرياضيّات المتعالية كمسائل الجيب والجيب التمام والظلّ وكذلك المعادلات من الدرجة الثانية وغيرها) إذ من الواضح عدم إمكان حلّ أبسط القضايا الرياضيّة بالمنهج التجريبي وفي المختبر، بل إنّ حلّها يتبع منهجًا خاصًّا مقبولًا لدى جميع علماء الرياضيّات وهو المنهج العقلي. نعم إنّ هذا الموضوع لا يعني عدم مدخليّة سائر المناهج للمساعدة إلى فهم المسائل الرياضيّة أو تعليمها، إذ ربّما يعين المنهج الحسّي المعلم في تسهيل عمليّة التعليم للمتعلّمين أو سهولة الفهم، ولكن مع هذا فإنّ حلّ المسائل الرياضيّة لا يتأتى بالتجربة. والتطرّق إلى حلّ بعض المسائل الرياضيّة بالمنهج التجريبي، أمر استثنائي ولم يصل إلى نتيجةٍ قطعيّةٍ في الغالب، كما هو الحال في تعيين مقدار عدد (π)، وإن ادّعى بعضهم وجود طريقٍ عقليّ للحصول على هذا العدد، ولكن المشهور أنّ كشف عدد 14/ 3، وكذلك كشف الأرقام العشريّة (وقد وصل بعضهم إلى كشف أعداد سبعة وثمانيّة عشريّة) إنّما يحصل بالطريقة التجريبيّة، فلو صحّ هذا المدّعى لكان استثناءً، ويبقى الحلّ الأساسي لمسائل الرياضيّات هو المنهج التحليلي التعقّلي.

وكذلك الأمر في مباحث المنطق حيث لا تقبل الحلول المختبريّة والتجريبيّة، فمسائل علاقة نوعين من القضايا، أو شرائط الشكل الأوّل من الاستدلال، أو أنواع المفاهيم التصوّريّة، لم تكن من المسائل القابلة للدراسة بالحسّ والتجربة وحلّ مسائلها المتعلّقة بها؛ فهذه المسائل التي يتواجد موضوعها في الذهن، تبحث بالمنهج العقلي فحسب، وإذا تمّ التعبير عنها تارة بالتجارب الذهنيّة، فلا بدّ من الالتفات إلى أنّها تختلف عن التجربة الحسّيّة الواقعة كمنهج أمام المنهج العقلي.

(63)

وهناك باقةٌ من المسائل لا يمكن إثباتها من خلال المنهجين المذكورين، وتحتاج إلى منهجٍ خاصٍّ من قبيل القضايا التاريخيّة، فللوصول إلى حقيقةٍ ما جرى قبل مائة سنةٍ أو ألف سنةٍ في منطقةٍ من مناطق العالم، لا ینفع المنهج العقلي ولا المنهج التجريبي. والطريق الوحيد لكشف هذه الحقائق، الرجوع إلى ما دوّنه المؤرّخون والجغرافيّون وعلماء الآثار وسائر من له خبرةٌ وتخصّصٌ حول تلك الحوادث، فلو اعتمدنا على من نقل واقعةٍ تاريخيّة، وكانت الشواهد والقرائن من الكثرة بنحوٍ تفيد اليقين (كما لو وصلت إلى حدّ التواتر) أمكن الاطمئنان بوقوع حادثةٍ تاريخيّةٍ أو بالجزئيّات المنقولة عنها، وهذا المنهج يُعرف بالمنهج التاريخي أو النقلي.

ثمّ إنّ الإجابة على سؤال منهج التحقيق وإثبات المسائل الدينيّة، له علاقةٌ مباشرةٌ بتعريف الدين، فمع لحاظ التعريف المثلّث عن الدين (الشامل للعقائد والأخلاق والأحكام) أمكن طرح سؤال المنهج هكذا: هل يمكن إثبات هذه الأمور الثلاثة بمنهجٍ واحد، أو أنّ كلّ واحدٍ منها يتطلّب منهجًا خاصًّا بنفسه؟

وطالما تختلف أقسام الدين طبقًا لهذا الاصطلاح وتشمل مسائل متنوّعة، لا بدّ من الاستعانة بمنهجٍ خاصٍّ متناسقٍ مع الموضوع ذاته لإثبات أيّ قسمٍ من أقسامه، ولا يوجد منهجٌ واحدٌ لمعرفة جميع مسائل الدين وحلّها، وإن أمكن حلّ بعض المسائل من طرقٍ مختلفة. فالعقائد والقضايا المتعلّقة بجوهر الدين الأساسيّة لا بدّ أن تثبت عن طريق البرهان العقلي، في حين أنّ الطريق الأساسي لمعرفة أحكام الدين وأوامره العمليّة، ومعرفة أمر الله ونهيه إنّما هو المنهج النقلي (التاريخي)؛ لأنّ الأوامر تصل عن طريق الوحي إلى النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ويتمّ تبيينها لنا عن طريقه وعن طريق الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام. أمّا قسم القيم الدينيّة فيمكن تقسيمها إلى قسمين، قسمٍ من القيم لا بدّ من إثباتها عن طريق الوحي ولا طريق للعقل إليها، وربّما

(64)

توجد قيمٌ لم ترد في المعارف الوحيانيّة، ولا بدّ من إثباتها عن طريق العقل فقط.

ومن جهةٍ أُخرى فإنّ هناك أقسامًا من الدين يمكن إثباتها والبحث عنها بطرقٍ متعدّدةٍ مع الاستعانة بمناهج مختلفة، وعلى سبيل المثال يمكن إثبات المعاد بالعقل فقط، كما يمكن لمن أذعن بحقيقة الدين وصدق النبيّ عن طريق العقل، أن يحصل له اليقين بالمعاد من خلال كلام الله والنبيّ (أي المنهج النقلي). وهناك أقسامٌ أخرى من الدين فإنّها مضافًا إلى حاجتها إلى هذين المنهجين الأساسيين (أي العقل والنقل) بحاجةٍ إلى الاستعانة بطرقٍ أخرى كالتجربة والعرف وسيرة العقلاء وغيرها، لكشف الحقائق ومراد الله فيها.

وعلى سبيل المثال فإنّ موضوع الأحكام الدينيّة (كتعيين جهة القبلة، أو اليوم الأوّل من الشهر القمري) لا بدّ من إثباتها بالمنهج التجريبي والآلات العلميّة، نعم وإن أمكن وفي شرائط خاصّة، أن ينفعنا المنهج النقلي في معرفة مسائل كهذه، وعلى سبيل المثال لو ثبت أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  صلّى في مكانٍ خاصٍّ إلى جهةٍ خاصّة، أو إذا ثبت أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام صلّى في هذا المحراب الموجود في مسجد الكوفة، فيمكن إثبات جهة القبلة حينئذٍ ولا حاجة إلى استخدام الآلات التجريبيّة، وبعبارةٍ أخرى يمكننا إثبات هذه المسائل من طريقين.

والخلاصة أنّ الدين بهذا المعنى لا يثبت بمنهجٍ واحد، ولا يمكن القول بأنّ التمايز بين العلم والدين والفلسفة بالمنهج، وأنّ لكلّ واحدٍ منهما منهجًا واحدًا. لذا ليس للمنهج أيّ دورٍ في تعريف الدين.

9. دور الغاية في تعريف الدين

قد تُجعل الغاية محورًا لتعريف الدين، كما لاحظنا هذا الاتّجاه في بعض موارد تصانيف العلوم. وبناءً على هذا الاصطلاح، فإنّ ما يسبّب تسمية نظامٍ عقدي وقيمي وسلوكي بالدين، اتّجاهاته نحو السعادة والكمال الإنساني. الدين

(65)

مجموعةٌ من العقائد والقيم والأحكام العمليّة التي تنير درب الإنسان نحو السعادة الأبديّة. ومن زاويةٍ أُخرى يمكن أن يقال بالاعتماد على مصادر المعارف الدينيّة بأنّ الدين هو محتوى العقل والكتاب والسُّنّة المرتبطة بإسعاد الإنسان وسوقه نحو الكمال. وقد عرّف العلّامة الطباطبائي ـ مع لحاظ هذا الاتّجاه ـ الدين بأنّه:

 «الحكم بوجوب اتّباع المعلوم النظري والالتزام به وهو العلم العملي، كقولنا: يجب أن يعبد الإنسان الإله تعالى، ويراعي في أعماله ما يسعد به في الدنيا والآخرة معًا».[1] 

وقد أشار آية الله الجوادي الآملي إلى هذا المعنى من الدين حيث قال:

 «الدين مجموعةٌ من العقائد والأخلاق والقوانين الفقهيّة والحقوقيّة النازلة من قبل الله لهداية الإنسان وسعادته».[2]

ففي هذا الاتّجاه يشمل نطاق الدين جميع أمور حياة الإنسان أعم من المسائل الفرديّة أو الاجتماعيّة، الماديّة أو المعنويّة، الدنيويّة أو الأخروية، فجميع هذه المسائل تدخل في نطاق الدين من وجهة نظرٍ خاصّة، إنّ شمول الدين لمسائل كهذه منوطٌ بالغاية التي يتمّ تحديدها لهذه المسائل، فلو لاحظنا النسبة بين هذه المعارف والأعمال مع سعادة الإنسان وكماله، ندخل في ساحة الدين، سواء تعلّقت هذه المسائل بالأمور الدنيويّة أم ارتبطت مباشرةً بالأمور الأخرويّة، وسواء اكتفت بتوصيف الواقع أم أوصت بأعمالٍ خاصّةٍ أو أمرت بالابتعاد عنها.

هذا المدّعى ـ أي دخول جميع شؤون الإنسان في دائرة الدين ـ يتوقّف على شرطين مسبقين، وعلى فرضيةٍ مسبقة. الشرط المسبق الأوّل لحاظ دور الأفعال في سعادة الإنسان الأبديّة، والشرط المسبق الثاني أن تكون هذه الشؤون من

(66)

الأمور الاختياريّة. لأنّه كما بيّنّا في مباحث فلسفة الأخلاق والقيم، عدم مدخليّة الأمور والأفعال غير الاختياريّة بمجرّدها للسعادة الأبديّة أو الشقاء الأبدي.[1] أمّا الفرضيّة المسبقة لهذا المدّعى هي مدخليّة جميع أفعال الإنسان الاختياريّة في سعادته أو شقائه النهائي. وبناءً على هذا يدخل في دائرة الدين فعل أمرٍ كطبخ الغذاء مثلًا مع لحاظ علاقته بالسعادة الأخرويّة من حيث حلّيّة المواد الأوّليّة، وإباحة المال الذي اشترى به تلك المواد ونحوها، وهذا لا يشمل أسئلة الدالة على كيفيّة الطبخ والطعم أو حتّى قيمته الغذائيّة، كما أنّ بناء البيوت والهندسة تدخل في دائرة الدين بهذه الرؤية، حيث يمكن فرض مدخليّتها في سعادة الإنسان وشقائه النهائي من حيث الكيفيّة والكمّيّة.أ فلا شكّ أنّ بناء البيوت على وجه لا يتنافى مع قيم الدين، من حيث تصميمها بعدم إيذاء المؤمنين، وعدم الإشراف على بيوتهم، وعدم البناء في الأرض الغصبيّة وإباحة مواد البناء، كلّها من المهام الدينيّة، وتدخل في دائرة الدين من هذه الوجهة. ولكن سائر الأمور الأخرى من قبيل نوعيّة استعمال المواد في البناء (أي الطابوق والكونكريت المسلّح أو الحديد المستخدم) أو نوعيّة التصاميم التجميليّة داخل البيوت، لا تقترب من موضوع الدين لعدم مدخليّتها في سعادة الانسان وشقائه النهائي، إلّا إذا عقدنا صلةً بينها وبين السعادة وقيم الدين نوعًا ما.

وعلى سبيل المثال لو راعينا بعض المسائل لضمان الأمان في البيوت، أو تصميم المنافذ والأبواب بحيث تحافظ على الطاقة وتكون اقتصاديّة، فإنّها تدخل في نطاق الدين من حيث إنّ رعايتها توجب الحفاظ على أرواح المؤمنين، أو عدم الإسراف، أو الاقتصاد في استخدام الطاقة في الدول الإسلاميّة، وتوجب رعاية مصالح المجتمع الإسلامي. والأمر اللافت للانتباه أنّ أغلب هذه المسائل إن لم

(67)

نقل كلّها، تدخل في نطاق الجانب الاستخدامي والعملي لهذه العلوم لا النطاق النظري والتوصيفي.

إنّ معرفة الظواهر والروابط بين الحقائق المادّيّة، لا علاقة مباشرة لها بموضوع القيم والسعادة والشقاء، بل إنّ كيفيّة الاستفادة منها في حياة الإنسان وكيفيّة التعامل معها، تُدخلنا في ساحة الأفعال الاختياريّة والقيم، ومنها ندخل إلى نطاق الدين.

10.  الكلمات المشابهة

هناك كلمات مشابهة للدين يتمّ استعمالها وتكون قريبةً من معنى الدين، وقد تُطلق على الدين مسامحة، من قبيل: الإيمان، والشريعة، والتديّن. وإنْ كان لهذه الكلمات معانٍ مختلفة ربّما يتعذّر الجمع بينها، ولكن لها معنى مشهورًا يكون الالتفات إليه مطلوبًا في المحاورات اللغويّة، ويجنبنا سوء التفاهم. فما هو المشترك بين هذه الكلمات الثلاثة صبغتها العمليّة الواضحة، إذ تُطلق الشريعة على قوانين الدين العمليّة عمومًا، ويأتي التديّن بمعنى الالتزام العملي بأوامر الدين، أمّا الإيمان فهو نتيجة الاعتقاد والعمل معًا.

11. المعنى المُنتخَب

إنّ ما يهمّنا في هذا البحث من بين مختلف اصطلاحات الدين، إنّما هو الدين الإلهي الحقّ، وكما هو مثبت في محلّه، فإنّ الدين الحقّ بعد بعثة رسول الإسلام صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  واحدٌ وهو الإسلام الخالص. ولمّا كانت غاية الدين الأساسيّة وملاك الحاجة الحقيقيّة إلى الدين، إنارةَ طريق الإنسان نحو السعادة، أمكن القول بأنّ المحور الأساسي في الدين هو التعاليم الدالّة على سعادة الإنسان الأبديّة وكماله النهائي، وسائر المعارف الواردة في مصادر الإسلام الأصيلة (أي القرآن والسنّة)،

(68)

إمّا أن تكون مقدّمةً للوصول إلى هذا الهدف الأساسي، وإمّا متعلقّةً بسائر أدوار أولياء الدين ومسؤوليّاتهم.

وبناءً على هذا يلوح لنا أنّ المعنى التاسع من المعاني المذكورة للدين أكمل؛ لأنّه أوفق مع ماهيّة الدين وغاياته، وأنّ مصدر هذه التعاليم ـ بحسب المسألة المبحوثة ـ يمكن أن يكون الواقع، والعقل، والكتاب والسُّنّة، أو الطبيعة المحسوسة. ثمّ إنّ الوصول إلى تعاليم دين الإسلام مع موضوعاتها المختلفة، قد يكون ـ بحسب تناسب الموضوع ـ بالمنهج الشهودي (العلم الحضوري)، أو العقلي الفلسفي، أو النقلي، أو التجريبي.

 

 

 

 

 

 

 

 

(69)
(70)

 

 

الفصل الثاني:

النسبة المفهوميّة بين العلم والدين

 

 

 

 

 

 

(71)
(72)

 

 

 

 

الآن، وبعدما بحثنا مختلف اصطلاحات العلم والدين في الجملة، يرد السؤال عن أنواع الروابط والنسب الممكنة بين هذين المفهومين. وللإجابة على هذا السؤال لا بدّ من تمييز نطاق كلّ واحدٍ منهما، كي تتجلّى مختصّاتهما ومشتركاتهما. ومن الواضح أنّنا لو كنا أمام ظاهرتين منفصلتين تمامًا، كان هذا بمعنى أنّ الرابط بينهما هو التباين. وبناءً على هذا الافتراض فإنّ الكلام عن التعامل بينهما أو البحث عن المعاني المعقولة للعلم الديني يكون منتفيًا. ولكن إذا افترضنا أنّهما بمنزلة دائرتين متقاطعتين، كان بمعنى أنّنا أمام ظاهرتين لهما مساحتان مستقلّتان ومساحة مشتركة.

ثمّ إنّ الاشتراك بين مساحتين من المعرفة، قد يكون بسبب الاشتراك في الموضوع، والمسائل، والمنهج، أو الغاية. وعلى أيّ حال فإنّ وجود الاشتراك والتطابق بينهما يستدعي إمكان حدوث التعارض أو التعامل في المساحة المشتركة بينهما، وعند وجود التعامل بين هاتين المساحتين، كان الكلام عن العلم الديني وجيهًا.

ومع لحاظ ما ذكرناه من معانٍ مختلفةٍ للعلم والدين، يتّضح وجود معانٍ متعدّدةٍ لكلمة العلم وكذلك لكلمة الدين، ولا يوجد وجهٌ مشتركٌ في كثيرٍ من اصطلاحات العلم، فليس له حكم المشترك اللفظي، وهذا الأمر نفسه موجودٌ

(73)

في كلمة الدين؛ لذا يصعب تعيين مساحةٍ لهما بنحوٍ مطلق، بل الحكم والتصميم في هذا المجال يتبع تعيين الاصطلاح والتعريف المخصّص لكلّ واحدٍ من هاتين الكلمتين. وعليه لا بدّ من رسم جدولٍ يبيّن علاقات كلّ واحدٍ من هذه المعاني المختلفة للعلم، مع المعاني المختلفة للدين، ويمكن بيان هذه العلاقات وفق النقاط الآتية:

التباين

 كما رأينا فإنّ أوّل نسبةٍ تحدث بين مختلف اصطلاحات العلم والدين، إنّما هي نسبة التباين. فبناءً على معنى الدين الأوّل (الإحساس بالتعلّق والاتّكال) لم يفترض وجود أيّ شأنٍ وحيثيّةٍ معرفيّة للدين؛ ولذا لا يوجد أيّ وجهٍ مشتركٍ بينه وبين أيّ واحدٍ من معاني العلم. وكذلك إذا كان معنى الدين (الاعتقاد بالأمر القدسي) بما أنّه اعتقادٌ جزئي وشخصي، فعندما يُقاس بالعلم (بمعنى المعرفة الحصوليّة الكليّة) لا يوجد بينهما وجهٌ مشتركٌ؛ ولذا تكون النسبة (التباين). فكلّ اصطلاحات العلم المشتملة على المعرفة الحصوليّة الكلّيّة لها النسبة نفسها مع هذا المعنى من الدين، سواء كانت معرفةً كليّةً مطلقة، أم مقيّدةً بالحقيقة، أم التجربة، أم المصطحبة للأوامر والإلزامات.

وهذا الاصطلاح من الدين بعيدٌ من اصطلاحات العلم المحصورة في معرفة الأمور الماديّة، ولا توجد أيّ نقطةٍ تلاقٍ بينهما، وكذلك المعنى الأخير للعلم الدال على مجموعة مسائل مترابطة، لا يمكنه أن يشترك مع الدين بمعنى الاعتقاد بالأمر القدسي الذي يُعدّ معرفةً جزئيّةً ويمكنه أن يتلخّص في قضيّةٍ واحدة، فالنسبة بينهما هي التباين أيضًا، ومن جهةٍ ثانيةٍ فإنّ الدين بمعنى (الاعتقاد بما وراء الطبيعة والارتباط معها) يُباين العلم المحصور في الظواهر الماديّة، سواء ذكرنا قيد المنهج التجريبي أم لم نذكره.

(74)

وفيما يتعلّق بمعاني الدين والعلم المتباينة، ينتهي البحث هنا عن العلاقة القائمة بينهما ولا يبقى سؤالٌ للإجابة عنه. فعندما يُفترض العلم والدين كدائرتين مستقلّتين ومنفصلتين، فمعناه وجود مساحتين مستقلّتين من دون وجود أيّ اشتراكٍ بينهما، ولا يوجد أيّ تطابقٍ بين أيّ قسمٍ من أحدهما مع أيّة نقطة من الآخر؛ لذا لا يمكن لهما إثبات أو نفي مدعيات كلّ واحدٍ منهما مباشرة، كما لا يتمكنان من مساعدة أحدهما الآخر في إثبات أو نفي المدعيات. نعم حتّى في هذا الافتراض لا بد ألّا ننفي احتمال التعامل أو التعارض غير المباشر بينهما، بمعنى أنّ في بعض المسائل يهيّئ واحدٌ منهما مباني الآخر، أو يذكر مسائل يتمكّن الآخر الإجابة عنها من وجهة نظره.

وعلى سبيل المثال فإنّ الاعتقاد بالأمر القدسي اعتقادٌ جزئي، ومن هذه الجهة يتباين مع العلم بمعنى المعرفة الحصوليّة الكلّيّة، ولكن هذا الاعتقاد نفسه يمكنه أن يكون منشأ لذكر مسائل كلّيّةٍ أُخرى من قبيل: هل الأمر القدسي يؤثّر في الظواهر الماديّة؟ وهل يمكننا الاستعانة بهذا الاعتقاد لتبيين حقائق الوجود؟ وغيرهما، فالإجابة على هذه الأسئلة الكلّيّة تكون قضايا كلّيّةً تُعدّ مصاديق للمعرفة الحصوليّة الكلّيّة، وتكون مآلًا مصداقًا للعلم بهذا المعنى. ولكن مع هذا فإنّ هذه النسبة الطوليّة وغير المباشرة لا تكون محلّ اهتمام مباحث علاقة العلم بالدين، وإن لم نمنع التطرّق إلى مسائل كهذه أيضًا.

أمّا بخصوص الدين بمعنى (محتوى الكتاب والسُّنّة) وكذلك بمعنى (الدين الإلهي الحقّ) يمكن افتراض رؤيتين، ومع لحاظ كلّ واحدةٍ منهما تختلف نسبة الدين مع اصطلاحات العلم المختلفة. الافتراض الأوّل أنّ الدين في هذا الاصطلاح بمعنى الحقيقة النفس أمريّة لا معرفة الإنسان بها، وبناءً على هذا تكون نسبة الدين والعلم (التباين). وبعبارةٍ أخرى فالدين هنا وإنْ أمكن أنْ يتعلّق بالعلم غير أنّه لم

(75)

يكن من جنس العلم والمعرفة، بل من جنس حقائق الوجود الأخرى، وتكون نسبته مع العلم نسبةً معرفيّة، كنسبة الحقائق الفيزيائيّة أو الميتافيزيقيّة مع نظريّاتها.

الافتراض الثاني أن يُراد من الدين في هذين الاصطلاحين، معرفة محتوى الكتاب والسُّنّة أو معرفة الدين الإلهي الحق، معرفةً متطابقةً مع واقعيّتها، فهنا يكون الدين من سنخ المعرفة والعلم، ويمكن أن يعقد صلات مع مختلف اصطلاحات العلم، ويكون له حدودٌ مشتركةٌ مع العلم تكون في أغلبها نسبة العموم والخصوص من وجه. والاستثناء الوحيد هنا نسبة هذين الاصطلاحين إلى الدين مع اصطلاحٍ آخر للعلم بمعنى (المعرفة المطابقة مع الواقع) حيث تكون من نوع العموم والخصوص المطلق.

العموم والخصوص المطلق

يمكن البحث عن نسبة العموم والخصوص المطلق بين العلم والدين في معانٍ أخرى ـ غير الذي مرّ ـ فنسبة الدين بمعنى (الاعتقاد بالأمر القدسي) مع العلم بمعنى (الاعتقاد الجزمي) تكون من هذا القبيل [أي عموم وخصوص مطلق]؛ لأنّ أيّ اعتقادٍ بالأمر القدسي اعتقادٌ جزميّ، ولكن ليس كلّ اعتقادٍ جزميّ اعتقادًا بالأمر القدسي دائمًا ولزومًا. وبعبارةٍ أخرى فإنّ نطاق الاعتقادات الجزميّة أوسع مراتب من الاعتقاد بالأمر القدسي، والنتيجة أن تكون دائرة مسائل العلم بهذا المعنى أوسع من دائرة مسائل الدين بهذا المعنى، ويكون الدين جزءًا من مسائل العلم حينئذٍ.

والمصداق الآخر لهذه النسبة، النسبة بين الدين بمعنى الدين الإلهي الحقّ، مع العلم بمعنى المعرفة المطابقة للواقع. وبناءً على افتراض أنّ المقصود من الدين الإلهي الحقّ هو المعرفة الحاكية عن حقائق الدين الإلهي الحقّ والمطابقة معه،

(76)

فمن الواضح دخول جميع هذه المعارف في نطاق المعرفة المطابقة مع الواقع. ففي هذا المعنى من العلم تشمل المعرفة للمعرفة الحضوريّة والحصوليّة، الكليّة والجزئيّة، الإخباريّة والإنشائيّة، ولم تكن أجزاء معارف الدين خارجةً عن هذه الأقسام، ومن جهة أُخرى فإنّ جميع المعارف المتطابقة مع الواقع لا تنحصر في المعارف الدينيّة، وعليه فإنّ نطاق العلم أوسع من نطاق الدين.

العموم والخصوص من وجه

إنّ الدين والعلم في سائر المعاني، عدا المساحات المستقلّة بينهما، توجد بينهما مشتركات أيضًا، وبتعبيرٍ منطقي أنّ النسبة بينهما عمومٌ وخصوصٌ من وجه، فإنّهما بمنزلة الدوائر المتقاطعة التي يكون لها إلى جنب المسائل والموضوعات المستقلّة والخاصّة، تطابقٌ في أقسامٍ أُخرى تكون نقطة الاشتراك بينهما، وعلى سبيل المثال انظروا إلى اصطلاح من اصطلاحات العلم الذي قد شاع في الأوساط الأكاديميّة والعلميّة كثيرًا، واهتمّ بمعرفة الظواهر الماديّة عن طريق المنهج التجريبي. ومن جهةٍ ثانية إذا عرفّنا الدين بأنّه مجموعةٌ من العقائد والقيم الناظرة إلى سعادة البشر، لكانت النسبة بينهما عمومًا وخصوصًا من وجه.

بيان ذلك: بناءً على هذا التعريف تخرج المسائل الميتافيزيقيّة وما وراء التجربة ـ كالأمور المتعلّقة بمرحلة الحياة بعد الموت والقيامة ـ من نطاق العلم، ثمّ إنّ العقائد والقيم المكوّنة للدين جميعها من هذا القبيل كإثبات وجود الله، والوحي، والقيامة، وأحكام الشرع التعبّديّة، فجميعها مسائل مستقلّةٌ عن الحسّ والتجربة، وداخلةٌ في نطاق الدين لا العلم.

ومن جهةٍ أخرى فإنّ كثيرًا من مسائل العلم لا ترتبط بالدين مباشرة، وتُعدّ من مختصّات العلم، وهي نظريّات من قبيل الجدول الدوري للعناصر، المعادلات المتعلّقة بالذرّة، الفرضيّات المتعلّقة بماهية النور وحقيقته، فإنّها لا تدخل في نطاق

(77)

الدين بهذا المعنى. فالمعتقدون بالأديان يمكنهم المشاركة في هذه النظريّات، كما يمكنهم المناقشة فيها مع قطع النظر عن الاعتقادات والقيم الدينيّة. فهذه المسائل مختصّة بالعلم.

ومع قطع النظر عن المسائل الخاصّة بين العلم والدين، توجد مسائل مشتركة بين العلم (بهذا المعنى) والدين (بهذا التعريف)، وقد أبدى كلٌّ من العلم والدين رأيه فيهما، أو يرى كلّ واحدٍ منهما لنفسه الحقّ في إبداء الرأي، ويمكن عدّ هذه الآية الشريفة نموذجًا لهذا المورد، وهي قوله تعالى:﴿وَأَوْفُوا الْكَيْلَ إِذَا كِلْتُمْ وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ ذَلِكَ خَيْرٌ وَأَحْسَنُ تَأْوِيلًا[1] فالدين يعلّمنا أن التطفيف في البيع فيه ضررٌ؛ ولذا فهو سيّئ ومنهي عنه، ويبيّن حسن الكيل بالمكيال الصحيح والمستقيم، فالنسبة بين التطفيف والضرر الدنيوي ـ من قبيل سلب اعتماد أعضاء المجتمع بعضهم من بعض، وتهيئة أرضيّة للإغراء والخدعة، وصعوبة الحياة الاجتماعيّة ـ قابلةٌ للتجربة ويمكن للعلوم الاجتماعيّة كشفها من خلال مناهجها الخاصّة والوقوف على هذه النتائج.

لكنّ هذا يكون فيما لو اُشترط المنهج التجريبي في تعريف العلم من جهة، ومن جهةٍ أُخرى لا نشترط في الدين استخدام منهجٍ أو مصدرٍ خاصّ. ولكن لو تمّ تغيير التعاريف لنقيس اصطلاحات أخرى للعلم والدين، لربّما أدّى ذلك إلى تغيير هذه النسبة. وعلى سبيل المثال لو حصرنا الدين بالمعارف الحاصلة من الكتاب والسُّنّة، فلا يكون له حينئذٍ وجهُ اشتراكٍ مع العلم بمعنى المعارف الحاصلة من التجربة، ولأصبحت نسبتها التباين؛ لأنّ الاستفادة من الكتاب والسُّنّة تعتمد على المنهج النقلي، ولا علاقة للمعرفة التجربيّة معها.

ففي الموارد التي تكون النسبة بين العلم والدين عمومًا وخصوصًا مطلقًا

(78)

أو من وجه، أمكن التوافق بين العلم والدين في توصيف الحقائق المشتركة، وإعطاء حلولٍ لأزماتٍ مشتركة، وإنشاء أحكامٍ وأوامر سلوكيّةٍ متعلّقةٍ بهما، كما لا يبعد التعارض بينهما في بعض المسائل. وبناءً على هذا فإنّ مدار البحث حول علاقة العلم بالدين بين المفكّرين المهتمّين بهذا الأمر، هو هذه المعاني للعلم والدين عمومًا. فعندما يكون هناك تباينٌ كلّي بين العلم والدين فمعناه عدم وجود اشتراكٍ بينهما، فلا تعارض أيضًا إذ لكلّ واحدٍ منهما الحاكميّة المطلقة على رقعته الجغرافيّة من دون حدوث نقاشٍ أو تصادم. فلو حصل حينئذٍ تعارضٌ أو تصادم، فإنّما هو ناشئٌ من سوء الفهم أو استحواذ أحدهما على حاكمية الآخر، ويرتفع هذا التعارض بعد رسم الحدود الفاصلة ونطاق كلّ واحدٍ منهما.

ثمّ إنّ قسمًا من النظريّات الساعية إلى حلّ جميع وجوه التعارض الموجودة بين العلم والدين عن طريق رسم الحدود بين مساحة العلم ومساحة الدين، تبتني في الحقيقة على افتراض عدم وجود أيّ مسألةٍ مشتركةٍ بين العلم والدين، وأنّ جميع المشاكل تنشأ من إبهام الحدود الفاصلة بينهما. ويلزم على هذه الفئة من الحلول، تخصيص الدين والعلم بإحدى المعاني الاختصاصيّة، فلا تكون النسبة بينهما سوى التباين.[1]

تحديد نطاق العلم والدين في ضوء المعنى المختار

من الواضح تغيير نطاق العلم والدين بحسب التعريف الذي نقدّمه لكلّ واحدٍ منهما، وكما مرّ فإنّه يبدو أنّ أفضل وأكمل معنى للدين هو المعنى التاسع حيث إنّ مصداقه الحقيقي هو الإسلام أوّلًا، وثانيًا تكون رسالة الدين فيه هداية البشر للوصول إلى كمالهم النهائي وسعادتهم الأبديّة. وبناءً عليه فالدين خارطةُ

(79)

طريقٍ للوصول إلى الكمال النهائي وبرنامجٌ للحياة السعيدة، وليس له أيّ تعهّدٍ لتبيين الحقائق الخارجيّة والعينيّة. نعم أنّ بيان بعض الحقائق الضروريّة لسعادة الإنسان، والتي لا يوجد طريقٌ آخر لمعرفتها يُعدّ جزءًا من أهدافه ووظائفه. وهذه المعارف تشمل الحقائق التفصيليّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد والنبوّة ونحو ذلك من المعارف المتعلّقة بأصول الدين العقديّة، إذ إنّ الإيمان بها يُعدّ حجر أساس السعادة الخالدة.

إنّ أصول وكلّيات العقائد تثبت أساسًا بالمنهج العقلي، ولا بدّ من التثبّت منها قبل قبول الدين والدخول فيه، ولكن لا طريق لمعرفة كثيرٍ من الجزئيّات والتفاصيل إلّا ببيان الوحي وتعليمه. ومع قطع النظر عن هذه التفاصيل، فإنّ القسم الأساسي في الدين يتعلّق بتبيين النظام القيمي الإسلامي، المتكفّل ببيان نسبة الأفعال الاختيارية إلى السعادة، ويكون مبنى أوامر الدين العمليّة (أعم من العباديّة والأخلاقيّة والحقوقيّة). وعدا هذا ممّا يتمّ الإشارة إليه في المصادر الدينيّة، كلّها أمورٌ جانبيّةٌ لا يسبب بيانها كمالًا للدين، ولا عدم بيانها نقصًا فيه.

الأمور التي تدخل في دائرة الدين بهذا المعنى تشتمل على مباحث كثيرةٍ من المسائل الفرديّة والاجتماعيّة، العباديّة والتعامليّة (المعاملات بالمعنى الأعم)؛ ولذا لم يكتفِ الإسلام ـ خلافًا لبعض الأديان المحرّفة ـ  بالمسائل الفرديّة والإحساس الباطني، بل قد خصّص قسمًا كبيرًا من معارفه وأوامره للأمور الاجتماعيّة والعلاقات بين الإنسان وتعامله مع الكون المحيط به.[1] وهذه الحقيقة تنشأ من رؤية الإسلام في تأثير جميع أفعال الإنسان الاختياريّة على سعادته أو شقائه الأبدي، ومن هذه الوجهة يدخل بيان علاقتها مع مستقبل الإنسان الأبدي ضمن نطاق الدين ووظائفه. والأمر المهم الذي لا بدّ من الانتباه إليه، هو أنّ هذا

(80)

الأمر يجب ألّا يؤدّي إلى تلقٍّ ساذجٍ يبحث عن أيّ مسألةٍ وأزمةٍ فرديّةٍ أو اجتماعيّةٍ ليجد حلولها الجاهزة في القرآن والحديث.

 هذه الرؤية الساذجة وغير الواقعيّة للإسلام، تنشأ بسبب الغفلة عن نقطةٍ أساسيّة، وهي أنّ ما يدخل في دائرة الدين (بهذا المعنى) إنّما هو المسائل الفرديّة والاجتماعيّة المتعلّقة بهدف خلقة الإنسان وسعادته وشقائه فحسب. وبعبارةٍ أخرى إنّ ما يدخل ضمن دائرة الدين، بيان قيم الإنسان السلوكيّة من حيث تأثيرها على السعادة أو الشقاء، لا جميع حيثيّات الإنسان والمسائل المتعلّقة به ولا حتّى جميع أفعاله؛ لذا فإنّ بيان الواقعيّات المتعلّقة بالحقائق الفيزيائيّة والكيميائيّة، والظواهر الجيولوجيّة والكسمولوجيّة، أو ما يتعلّق بجسم الإنسان وصحّته ومرضه، أو الأزمات النفسيّة وطرق علاجها، وآلاف المسائل الأخرى لا تدخل ضمن وظائف الدين.

فهذه الحقيقة تبيّن بوضوح المعنى الصحيح لجامعيّة الدين؛ لأنّ الله تعالى في منظار الإسلام يكون هو الحاكم على العالم والإنسان، وهو الذي يعيّن حدود وظائف العباد أوّلًا، ويرسم الإسلام ترابطًا وثيقًا بين حياة الدنيا وحياة الآخرة، وبناء على هذا الترابط تؤثّر أفعال الإنسان وأعماله في سعادته أو شقائه في مستقبل حياته وفي هذه النشأة ثانيًا، كما أنّها تؤثّر في تكامله أو انحطاطه الأخروي. ولأجل تأثير أعمال الإنسان الاختياريّة هذه في كماله النهائي وسعادته الأبديّة، تصطبغ أعمال الإنسان بالقيمة، وتدخل في دائرة الدين من هذا المنظار.

وهذه العلاقة المترابطة توجب انتظارنا من الدين أن يقوم بالحكم فيها، وأن يقوم بالتبشير أو الإنذار حول تأثير نتائجها الأبديّة في الآخرة. فالتقصير في بيان هذا القسم من المسائل يُعدّ نقصًا في الدين، ولا بدّ للدين الكامل أن يكون جامعًا لها. وخلاصة القول إنّ الدين مع قطع النظر عن نتائج الأعمال الدنيويّة، ينظر

(81)

أيضًا إلى نتائج الأعمال الموجبة للسعادة أو الشقاء الأبدي. وبناءً على هذا فإنّ جميع مساحات أعمال الإنسان التي تدخل ضمن نطاق اختياره نوعًا ما، وترتبط بسعادته أو شقائه، تدخل في مجموعة أحكام الدين وقيمه.

ولمّا كان الدين يشمل جميع مسائل الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة، ويشمل أيضًا علاقة الإنسان بالله وبسائر البشر في جميع المساحات الاجتماعيّة والتربويّة والإدارة والاقتصاد والحقوق والسياسة والعلاقات الدوليّة، وعلاقة الإنسان بالطبيعة والبيئة، كان له حقّ الحكم والتقييم وذكر ما ينبغي ولا ينبغي فيها.

وهنا لا بدّ من الإشارة إلى نقطتين:

الأولى: أنّنا لا نعتقد بأنّ جميع ما أُنزل على النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وجميع ما بيّنه النبيّ والأئمة المعصومين عليهم‌السلام قد وصل إلينا، وإنْ كان جميع الوحي القرآني تحت اختيارنا من دون نقيصةٍ أو زيادة، ولكن يمكن أنْ توجد في كلمات النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم   والأئمّة عليهم‌السلام مسائل كثيرةٌ لم تصلنا بسبب الأحداث والأغراض المختلفة. فبناءً على هذا إنّ ما بحوزتنا اليوم من معارف الإسلام لم تكن جميع الإسلام.

الثانية: نحن ندّعي ـ ونلتزم بهذا المدّعى ـ أنّ الإسلام الواقعي قد بيّن أمورًا كلّيّةً تخصّ جميع أفعال الإنسان الاختياريّة وعلاقتها بغاية الخلقة النهائيّة، بنحوٍ نتمكّن بالاستناد إليها من استنباط جميع الأحكام الجزئيّة واستخراجها، وكلّ من كان أعلم بمناهج الاستنباط كان أقدر على أداء هذه الوظيفة، ويكون فهمه أكثر اعتبارًا. نعم هناك موارد كثيرةٌ قد تمّ فيها بيان أحكامٍ خاصّةٍ في مسائل جزئيّةٍ لا بدّ من الالتزام بها أيضًا. والأمر المهمّ أنّ الدين حينما يبيّن وظائفنا في موضوعٍ خاصّ، علينا ألّا نبحث لمعرفة التكليف في مصادر أخرى.

فبناءً على هذا، عندما يُذكر مصطلح (الدين الأكثري)، ويُراد منه الإشارة إلى فرضيّةٍ ترى لزوم استخراج جميع المسائل حول الوجود، وكيفيّة القيم وماهيّتها

(82)

الخاصّة والعامّة الممكنة، من ألفاظ وعبارات الكتاب والسُّنّة، فإنّ هذا أمرٌ موهومٌ ولا يتطابق مع تعاليم الدين الإسلامي ومدعياته.

إنّ العلم ـ بناءً على المعنى المختار ـ مجموعة قضايا متكوّنة من موضوعٍ ومحمولٍ تستدعي جوابًا إيجابيًّا أو سلبيًّا، وكلّ جهدٍ في هذا المضمار يكون من سنخ العلم، ويطلق عليه أسماء مختلفة بحسب العلم المبحوث كالفقاهة في الفقه، والتفلسف في الفلسفة، والبحث العلمي في العلوم التجريبيّة. وبناءً على هذا لا يُطلق عنوان العلم على القضايا المفردة الحاكية عن حقائق نفس أمريّة أو المبيّنة لعلاقات قيميّة أوّلًا، وثانيًا تدخل الفروع العلميّة المشتملة على قضايا قيميّةٍ وإلزاميّةٍ في دائرة العلوم، وثالثًا لا ينحصر منهج العلم في التجربة الحسّيّة، بل إنّ مجموع المعارف المشتملة على محورٍ واحدٍ تكون مصداقًا من مصاديق العلم، سواء ثبتت بالمنهج العقلي أم المنهج النقلي والشهودي أو التجريبي.

ولكن في مبحث علاقة العلم بالدين، يكون المقصود من العلم الواقع في عرض الدين ـ  والذي يُسأل عن علاقته بالدين ـ أضيق نوعًا مّا من هذا المعنى الواسع. بيان ذلك: إنّ الموضوع المبحوث هنا إنما هو بيان النسبة بين المعارف الحاصلة من الدين، والعلوم الحاصلة من المصادر المعرفيّة الأخرى. وبناءً على هذا فالعلم المُستخرَج من الدين تمامًا ـ وإنْ دخل في تعريف العلم ـ هو طرفٌ في النزاع أيضًا، ويكون الطرف الآخر ـ المشار إليه بعنوان (العلم) ـ سائر المعارف البشريّة. وبعبارةٍ أُخرى نحن هنا أمام اصطلاحٍ جديدٍ للعلم، وهو مجموع القضايا الحاصلة من سائر المصادر المعرفيّة من غير جهة الدين.

 

 

 

 

(83)
(84)

 

 

الفصل الثالث:

النسبة بين العلم والدين من حيث المحتوى

 

 

 

(85)
(86)

 

 

 

 

قد أشرنا حتّى الآن إلى العلاقة بين مفهومَيْ العلم والدين، التي ربّما تنشأ على أساس التعاريف المختلفة لهما. وهذا البحث المنطقي كان مقدّمةً ضروريّةً للولوج إلى البحث الأصلي المتمركز على محتوى العلم والدين، والعلاقات الممكنة بين هذين القسمين من المعارف البشريّة. ففي المباحث السابقة المتعلّقة ببيان العلاقات المفهوميّة، كان البحث منصبًّا حول الاعتبارات والقرارات اللغويّة التي لا يوجد ملاكٌ حقيقيٌّ لتقييمها، إلّا في الموارد التي كان جعل الاصطلاح مبتنيًا على مبانٍ معرفيّة خاصّة.

وبعبارةٍ أخرى طالما ينحصر البحث بعلاقة الألفاظ بمعانيها الذهنيّة، لا معنى للكلام عن الصحّة والبطلان أو الصدق والكذب؛ ولذا لم نبحث إلى الآن ـ عدا الموارد الاستثنائيّة ـ عن صحّة الاصطلاحات أو كذبها، بل اكتفينا بمجرّد التوصيف والشرح، وذكر أنواع الروابط الممكنة بين اصطلاحات العلم والدين، ولكن بمجرّد ما نتجاوز هذه المرحلة، وندخل في محتوى الدين والعلم، يظهر لنا أفقٌ واسعٌ من المسائل والقضايا التصديقيّة، تتحدّث عن أحكامٍ ومدّعيات متعلّقةٍ بالواقع، وهذا الارتباط بالواقع هو الذي يفتح لنا باب الحكم في صحّتها أو سقمها.

ويتعلّق البحث في هذا الفضاء عن إمكان إصدار حكمٍ من قبل الدين والعلم حول موضوعٍ واحدٍ ومن جهةٍ واحدةٍ أو لا؟ وإذا كان ذلك ممكنًا فما هي تلك

(87)

المسائل التي يحصل هذا التداخل فيها، وحينئذٍ هل يكون حكم الدين والعلم متشابهًا دائمًا بحيث يؤيّد أحدهما الآخر؟ أو قد نواجه أحكامًا متضادّةً أو متعارضة، وإذا حصل ثمّة تعارضٌ فهل يمكن حلّه؟ وإذا لم يمكن حلّه فالحقّ مع من؟ وما هو ملاك التفضيل؟

وقد أعطى المتكلّمون وفلاسفة الدين أجوبةً متفاوتةً قد تصل إلى حدّ التعارض على هذه الأسئلة، فسلك بعضهم طريق الإفراط أو التفريط، وجعلوا الحقّ في إحدى جهات التنازع دون الأخرى، وسعى قسمٌ آخر إلى التصالح بين هاتين المساحتين المعرفيّتين. لذا نرى بعضهم ولأجل الوصول إلى هذه الغاية، قد وسّع من نطاق العلم والدين بحيث يعمّ جميع المعطيات الصحيحة الموجودة في الطرف الآخر، وقد يضيّق بعضهم الدائرة بينهما بحيث لا تبقى أيّ مشتركاتٍ بينهما، ويرتفع التعارض والنزاع بشكلٍ نهائي بينهما.

 وسنشير فيما يلي إلى هذه الآراء، وإلى النقد الإجمالي أو الكلّي المتوجّه إليها، ثمّ نقوم ببحثٍ تحليلي حول هذه العلاقات والروابط، ولمّا كان لمسألة تعارض العلم والدين والحلول المقدّمة لأجله أهميّةٌ خاصّة، توقّفنا فيها أكثر من غيرها، وسنذكر نقودها بتفصيلٍ أكثر.

نسبة التباين

أشرنا إلى أنّ بعض الباحثين سعى من أجل رفع التعارض بين العلم والدين، إلى رسم وظائف عمليّةٍ لكلّ واحدٍ منهما، كي تتبلور حدود اختيارات ووظائف كلّ واحدٍ ويرتفع التداخل والتعارض. ومن الواضح أنّ هذا التقسيم لو قُبل، لكان أيّ تداخلٍ أو تعارضٍ من قبيل التدخّل في نطاق وظائف الجهة الثانية، وعُدَّ تجاوزًا عليها. وقم تمّ تبيين حدود العلم بأنحاء مختلفة، ذُكرت بالتفصيل

(88)

في النظريّات والمباحث المرتبطة بالدين لا سيّما نظريّات الكلام الجديد وفلسفة الدين، ولا نريد الخوض فيها.

وعلى الإجمال فإنّ بعضهم وجد في موضوع الدنيا والآخرة أرضيّةً مناسبةً لهذا التقسيم الوظائفي، إذ جعل العلم مسؤولًا عن المعارف الدنيويّة، والدين مسؤولًا عن المعارف والسلوك المتعلّق بالآخرة[1]، وعند هؤلاء فإنّ العالم التجريبي لو تحدّث عن الآخرة لعُدّ ذلك تجاوزًا عن حدوده ووظائفه، ولا اعتبار لآرائه في هذا الخصوص، كما أنّ الدين لو تحدّث عن المعارف والسلوك الدنيوي يُعدّ تجاوزًا عن حدوده ووظائفه، ولا اعتبار لآرائه في هذا الشأن.

هذه النظريّة لا تصحّ؛ لأنّ علاقة الدنيا والآخرة في الرؤية الإسلاميّة بمنزلةٍ من الارتباط والوثاقة بحيث يستحيل تفكيكها[2]، بل جعل بعضهم الآخرة تجسّمًا للمعتقدات والملكات النفسيّة وأعمال الإنسان الدنيويّة.[3] فكيف لا يعتني الدين الذي يريد بيان سعادة الإنسان الأخروية بالمعتقدات وسلوك الإنسان الدنيوي؟

وهناك من ذهب متأثّرًا بالفلسفة التحليليّة إلى أنّ الحدود الفاصلة بين العلم والدين حدودٌ لسانيّة، وأنّ لسان الدين يختلف عن لسان العلم. وبناءً على هذا فإنّ لسانَ العلم لسانُ كشفِ الواقع، والقضايا العلميّة تحكي عن الواقع العيني، في حين أنّ لسان الدين لا يكشف عن الواقع، والقضايا الدينيّة قضايا رمزيّةٌ تبحث عن الأهداف والغايات الأخلاقيّة ولا علاقة لها بالواقع العيني؛ لذا لو ورد في الدين كلامٌ عن الوجود والعدم أو كيفيّة الموجودات، لا بد من تأويله بنحوٍ يدلّ على قضايا أخلاقيّة فقط (الأخلاق التي لا علاقة لها مع الواقع والتابعة للاعتبار والمواضعة).

(89)

هذه النظريّة غير صحيحة أيضًا من عدّة جهات، أهمّها أنّ سرّ الحاجة إلى الدين إنّما هي الهداية إلى طريق السعادة الصحيحة، ولم يكن الدين ترفيهًا أو لعبًا، لذا فإنّ جعل لسان الدين والقضايا الدينيّة رمزيّةً يتنافى مع أصل هدف الدين، ويجعله بمنزلة الشعر والأدب؛ لأنّ اللسان الرمزي قابلٌ للتفسير الاعتباطي ومحكومٌ بالشرائط المحيطة به، ويعجز عن بيان الحقائق الثابتة والمطلقة. مضافًا إلى ذلك فإنّ الالتفات إلى هذه الحقيقة الدالة على أنّ المسائل والقيم الأخلاقيّة تعدّ انعكاسًا للروابط والعلاقات الواقعيّة بين السلوك ونتائجه الحقيقيّة، يتّضح أنّ هذا التقسيم غير صحيحٍ أيضًا، وأنّ الوصايا الأخلاقيّة لا اعتبار لها من دون سندٍ واقعي.

وقد سعى بعض من يُسمّى بالمتنوّرين عندنا ـ تقليدًا لبعض فلاسفة الدين المسيحيّين – إلى بيان الحدّ بين العلم والدين من خلال وضع اصطلاح (الدين الأقَلّي) أمام (الدين الأكثريّ أو الشموليّ). والغاية من هذا التقسيم الإجابة على السؤال القائل: هل أنّ الدين يتطرّق إلى جميع قضايا الإنسان ليكون أكثريًّا [شموليًّا]، أم أنّه يقنع بقسمٍ محدودٍ وقليلٍ جدًّا ليكون أقليًّا؟ ويجعلون من يراجع الدين لأجل كسب المعرفة في جميع العلوم والقيم ويرى أنّه المصدر الوحيد المطمئن إليه، يجعلونه من أنصار الدين الشمولي.[1] وهؤلاء أي أنصار الدين الشمولي يرون أنّ الدين قد ذكر أفضل المطالب وأعمقها في جميع الأمور، حتّى لو تطرّق إلى المسائل الطبيبة أو الزراعيّة أو الفضاء. وفي المقابل فإنّ من يرجعون إلى الدين في نطاقٍ خاصٍّ فقط (ويتحدّد عادة بالأمور العباديّة) وحتّى في هذا المورد الخاصّ يرون أنّ الدين يحتوي على أمورٍ بدائيّةٍ وضعيفةٍ في تلك الموارد، فإنّ أولئك هم من أنصار الدين الأقلّي.[2]

(90)

وقد استدلّ بعض أنصار هذا الاتّجاه لأجل نفي الدين الأكثريّ وإثبات الدين الأقلّي، بأنّ البحث عن جميع حوائج الإنسان في الدين، يستدعي تعطيل الجامعات والمختبرات، والذهاب إلى زاوية المكتبات والبحث عن جواب كلّ شيءٍ في القرآن والروايات، ولمّا كان القرآن والروايات لم يذكرا كلَّ شيء، وإنّ الدين لم يجب عن مسائل كهذه، فلم يكن الدين أكثريًّا بل أنّه أقلّي. ومعنى أقليّة الدين عندهم أنّ نطاقه يختصّ بما ليس فيه كلامٌ للعقل، ولا العلم التجريبي، ولا الفنّ. والنتيجة أنّ العقل لو حكم بشيءٍ أو التجربة أو الفنّ فلا دخل للدين هناك. وتبقى بعض المسائل العباديّة من قبيل كيفيّة الصلاة مثلًا حيث ليس للعقل والتجربة والخيال فيها نصيب، فيمكن للدين أن يتحدّث فيها حديثًا يُعدّ أنزل المراتب الممكنة للعبادة وأوّلها، وذلك بدليل أنّ الدين ليس أكثريًّا بل أقلّي.

هذه الرؤية باطلةٌ أيضًا بأدلّة عدّة، منها أنّ هذه الرؤية تعني نفي الدين، ويقال: لماذا افترض ـ في هذه النظريّة ـ أن العقل والحسّ والخيال من الأدوات الرئيسة لجميع معارف البشر، ولها أن تحكم حتّى في مسائل الدين وتصل إلى معارف أعلى ممّا هي في الدين؟ وبناءً على هذا فلا تبقى أيّ مساحةٍ خاصّةٍ للدين حينئذٍ. ومن جهةٍ ثانيةٍ ليس للدين الحكم في المسائل العقليّة والتجريبيّة والفنّ، فمجموع هذين الأمرين يعني عدم الحاجة إلى الدين.

مضافًا إلى هذا فإنّ التفسير المذكور للدين الأكثري لم يكن صحيحًا عندنا، وأنّ الرؤية الباحثة عن جواب أيّ سؤالٍ في الدين، والوصول إلى علاج الأزمات الاجتماعيّة من خلال نصوص القرآن والسنّة، هذه الرؤية غير واقعيّةٍ وساذجة، ولكن لا يعني نفي هذا الأمر الوقوع في بئر (الدين الأقلّي). إنّ تقسيم الدين إلى أقلّي وأكثريّ لم يكن تقسيمًا عقليًّا ثنائيًّا حصريًّا بحيث لا بدّ من قبول أحدهما [إمّا هذا أو ذاك]، فالأمر لا يدور مدار هذين الخيارين، كي يستلزم مجرّد نفي أحدهما

(91)

إثبات الآخر. بل يوجد هنا خيارٌ ثالثٌ وصحيح، وهو حضور الدين في جميع مساحات حياة الإنسان، ولكن لا بمعنى بحثه عن تلك المسائل من حيث وقوعها الخارجي وكيفيّة تحقّقها، بل بمعنى أنّ الدين يقضي بين المسائل من حيث قيمتها وارتباطها بسعادة الإنسان وشقائه الأبدي ويمنح الإنسان كليّات تلك المعارف، كما أنّه يلزم من سلوك المنهج الاجتهادي لتطبيق تلك الكليّات على الجزئيّات.

وعليه فلا بدّ للعلم والصنائع والفنّ أن تعمل عملها في نطاقها الخاصّ، ولا تحتاج إلى الدين في هذا النطاق، ولكن يقول الدين في جميع ما يرتبط بأعمال الإنسان الاختياريّة: بأنّكم لو أديتم العمل هكذا أوجب السعادة ورضى الله تعالى ونفع الناس، وبكلمةٍ واحدةٍ أنّه حلال، ولكن لو فعلتموه بشكلٍ آخر أوجب الشقاء وعدم رضى الرب وضرر الناس ويكون حرامًا، فالدين حاضرٌ في جميع مساحات حياة الإنسان بهذا المعنى.

المسائل العلميّة طالما لا علاقة لها بسعادة الإنسان وشقائه، ولا تمتاز بالحيثيّة القيميّة والمعياريّة، وتخلو من (ينبغي ولا ينبغي)، لا ترتبط بالدين مباشرة. إذ إنّ مجرّد كيفيّة تحقّق ظاهرة من الظواهر، ونوعيّة ارتباطها بسائر الظواهر الدينيّة لا ترتبط بالدين. نعم تبدأ وظيفة الدين وحدود اختياراته عندما يأتي دور المسائل القيميّة والمعياريّة في المسائل العلميّة، كما أنّ الدين ربّما يتطرّق إلى بعض المسائل العلميّة من باب الإرشاد والهداية، ويكون هذا عادة مقدّمةً إلى غاية الدين الرئيسة، وإرشادًا إلى طريق السعادة والشقاء.

وعلى سبيل المثال أنّ الدين عندما يريد أن يُرشد الإنسان ويهديه ويسوقه نحو التفكّر الأعمق وكمال العبوديّة، يبيّن بعض نعم الله في الآفاق والأنفس كي يعرف الإنسان ربّه بنحو أفضل، ويفكّر في حكمته ونعمه بنحوٍ أعمق، ليجد عزيمةً في أداء أفضل الشكر، ويصل إلى سعادته عن هذا الطريق. وقد تؤكّد نصوص الدين

(92)

ـ لأجل هذه الغاية ـ على ما هو معلومٌ عند الناس كي يلفت انتباههم نحو نعم الخِلقة وحكمة الله تعالى.

فهذه المباحث لو تمّت من حيث السند والدلالة، كانت حقًّا ومطابقةً للواقع، يلزم الاعتقاد بها؛ لأنّها جزءٌ من الوحي، لكنّها لم تكن من الدين بالأصالة بل بالعرض ووردت لأجل بيان غاية دينيّة. فلو ذُكر في المصادر الدينيّة المعتبرة مثلا أنّ خلقة النحلة كذا، فهذا حقّ ولكن ليس المعنى أنّه جزءٌ من معارف الدين، كي يزيّن بيانها وذكرها الدين، أو يسبّب عدم ذكرها نقصًا للدين. فهذه المسائل وردت في مصادر الدين تطفّلًا وتفضّلًا، ولم تكن من أركان الدين وأجزائه الرئيسة.

وبعبارةٍ أخرى لم تكن وظيفة الدين الرئيسة البحث في علاقات الظواهر بعضها ببعض بل إنّ رسالة الدين بيان علاقات الظواهر مع روح الإنسان، ودورها في تأمين مصلحة الإنسان الأبديّة. ويتكفّل العلم بيان خواصّ الأشياء الفيزيائيّة والكيميائيّة، وبيان نوع العناصر المستخدمة فيها ومقدارها، ولكن بيان كيفيّة الاستفادة منها لتأمين سعادة الإنسان الواقعيّة، خارجٌ عن نطاق العلم، وملقى على عاتق الدين.

وتوجد مثل هذه العلقة في العلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وعلى سبيل المثال فإنّ علم الاقتصاد، فيما يتعلّق بقوانينه العلميّة، لا يفرّق بين سوق المسلمين وغير المسلمين، فلا ينكر أحدٌ وجود ضوابط تحكم الحركة الاقتصاديّة لدى البشر يمكن استكشافها بالمناهج العلميّة، ويظهر دور الدين في المسائل الإلزاميّة أو الوصايا الاقتصاديّة. فعندما نتجاوز مرحلة توصيف العلاقات الاقتصاديّة، وتبيين القواعد الكلّيّة الحاكمة عليها، وعندما ندخل حيّز الإلزامات الاقتصاديّة التي تميّز المدارس الاقتصاديّة بعضها عن بعض، يتّضح حينئذٍ دور تعاليم الدين في تبيين نظام الاقتصاد الإسلامي.

(93)

إنّ نظام الاقتصاد الإسلامي يبتني على قيمٍ خاصّةٍ تشمل جميع أبعاد اقتصاد المسلمين من قبيل كميّة الإنتاج وكيفيّته، ونوع البضائع، والغاية من الإنتاج، والتسعير، وكيفيّة البيع والتنافس. فبناءً على هذا عندما نقول: إنّ الإسلام يتحدّث عن جميع شؤون الإنسان من قبيل الإدارة ـ الخاصّة أو العامّة ـ قيادة المجتمع، العلاقات الدوليّة، القانون وغيرها، فمعناه أنّ أعلى وظيفةٍ لتعاليم الإسلام كدين، إنّما هي في تأثير تلك التعاليم من خلال نظامها القيمي المتبلور في الأوامر والأحكام والعلاقات.

التطابق التامّ

تعدّ نظريّة التطابق التامّ بين العلم والدين القطب المخالف لنظريّة التباين بينهما، وقد استدلّ أنصار هذه النظريّة أنّ وظيفة العلم كشف الواقع ودراسته، والواقع هذا من مخلوقات الله تعالى ومن أقسام أفعاله، وهذه العلقة تعدّ من بعض مكونات تلك الأمور. فالعلم إذا التفت إلى هذه العلقة في دراسته للظواهر الطبيعيّة أو الإنسانيّة، يكون علمًا واقعيًّا وإلّا فهو جهل.

ومن جهةٍ أخرى فإنّ رسالة الدين تعليم الإنسان صفات الله وأسماءه وأفعاله، وغاية المعرفة الدينيّة دراسة معاني كلام الله والكشف عنها. وعليه فإنّ هدف العلم والدين واحد، والمعرفة العلميّة معرفةٌ دينيّةٌ نوعًا ما ولكن منهجها التجربة؛ لذا ادُّعي أنّ جميع العلوم دينيّة ـ بهذا المعنى ـ والخلاف الحاصل بينهما يتعلّق برؤية العالِم لا العلم. فإذا دُرست الظواهر بعنوان أنّها من الطبيعة، وبُحثت المسائل العلميّة منقطعةً من انتسابها إلى الله، فهذه الرؤية إلى المسائل العلميّة غير دينيّة بل علمانيّة. ولكن إذا نظرنا إلى العلم من منظار أنّ كلّ اختبارٍ يحصل إنّما هو بحثٌ في فعل الله وسننه الكونيّة، فهنا نحصل على العلم الديني، فالفرق

(94)

بين العلم الديني وغير الديني يعود إلى رؤية العالِم لا محتوى العلم.

وفي التعليق على هذه النظريّة لا بد أن يقال: لو وجدت في قضايا العلوم قضايا متطابقة مع الواقع مائة بالمائة من دون نسخ أو إبطال، فهنا لا تنافي هذه القضايا حقائق الدين وتعاليمه قطعًا. ولكن هذا لم يكن هو ما يُطرح اليوم في المحافل العلميّة، وينعكس في الكتب والبحوث العلميّة، ويُدرّس كفروع علميّة في الجامعة؛ فالنظريّات المذكورة في العلم تُطرح في البداية كفرضيّات، وبعدما تُؤيّد الفرضيّة بالمشاهدة والتكرار، تظهر على شاكلة نظريّة، مع إمكان إبطالها لاحقًا واستبدالها بنظريّةٍ أخرى. فتاريخ العلم مليء بهذه التحوّلات والصعود والهبوط. فما يُعرف اليوم باسم العلم، ويذكر في الكتب العلميّة والأكاديميّة، يشتمل على نظريّاتٍ قد تكون متضادّة. والسؤال المطروح هنا: أيّ واحدٍ منها مطابقٌ للواقع، ليكون كشفًا عن الفعل الإلهي، ومتطابقًا مع الدين؟ وبعبارةٍ أخرى إنّ هذه النظريّة وبحسب مقدّماتها التصوّريّة والتصديقيّة، قد تكون صحيحةً في مقام الثبوت، ولكن لا يمكن الدفاع عنها في مقام الإثبات.

التعارض

الافتراض الآخر لنوع العلاقة بين العلم والدين، والمتداول في الأنديّة العلميّة التنويريّة، إنّما هو تعارض العلم والدين. بمعنى أنّ بعض تعاليم الدين لا بدّ أن تتعارض مع بعض ما وصلت إليه العلوم الجديدة. وما هو المهمّ البحث عن سبب هذا التصادم بين العلم والدين، وكذلك معرفة المواجهة الصحيحة مع هذه الحقيقة، والسعي لأجل الحكم بينهما في موارد التعارض. إنّ خلفيّة هذا الرأي تبتني على وجود تداخلٍ بين نطاق الدين والعلم في بعض الموارد، ووجود مواضيع ومسائل مشتركة بينهما أوّلًا، وثانيًا إنّ رؤية الدين والعلم حول المسائل المشتركة تكون مختلفةً وحتّى متعارضة إلزامًا.

(95)

ولمّا كانت هذه الرؤية قد وجدت أنصارًا بين العلماء من غير المسلمين وكذلك بين المسلمين المتنوّرين، وكانت سببًا لأزماتٍ فكريّةٍ وعلميّةٍ كثيرةٍ في المجتمع، نتطرّق إليها بشكلٍ تفصيلي وننقدها.

أ. جذور مباحث تعارض العلم والدين في الغرب المسيحي

إنّ تعارض بعض عقائد الدين وقيمه وأحكامه، مع بعض المعارف البشريّة، كان موجودًا منذ القدم، ولا يتحدّد بدينٍ خاصّ. ولكن ما يُطلق عليه (تعارض العلم والدين) الذي قد أصبح أزمةً نظريّةً عمليّة، وكان سببًا لسعي الفلاسفة والمتكلّمين إلى حلّ هذا الأمر، إنّما هو من خصائص العصر الحديث. هذا الجهد الفكري يتجذّر في تعاليم المسيحيّة المعاصرة من جهة، وناشئ من الاتّجاهات الفكريّة والثقافيّة المولودة جرّاء الحراك الثقافي للقرن الخامس عشر الميلادي من جهةٍ ثانية.

وربّما أمكن القول بأنّ رؤية الكتاب المقدّس والكنيسة التحقيريّة والتكفيريّة للعلم، كان لها الدور الأبرز في تكوين نوعيّة رؤية الغرب في علاقة العلم والدين. إنّ الكتاب المقدّس المتكوّن من قسمَيْ العهد العتيق والعهد الجديد، يذكر في توصيفٍ محرّفٍ عن قصّة خلق آدم عليه‌السلام وحواء، أنّ العلم هو الشجرة الممنوعة التي سبّبت غضب الله تعالى على آدم لتناوله منها وإخراجه مع حواء (ونسل الإنسان) من جنّة عدن، وهو العمل الذي يزعم مؤلّفو الكتاب المقدّس بتحوّلّه إلى الذنب الجِبلّي لبني آدم، وأوجب أن يولد كلّ إنسان مذنبًا. ومن الواضح تعارض مثل هذا العلم مع الدين والإرادة الإلهيّة وسعادة البشر.

والعامل الآخر الذي أدى الى استقرار موضوع تعارض العلم والدين في ذهنيّة الإنسان المعاصر الأوروبي، التعاليم غير العقلائيّة الواردة في الكتاب المقدّس التي هي ضدّ الأخلاق والعلم، كمسألة التثليث وغفران القساوسة للذنوب،

(96)

ونظريّة مركزيّة الأرض، والوصيّة بتحمّل الظلم، وجميعها نماذج للتحريف الطارئ على الدين المسيحي. ومن الواضح وقوف مثل هذا الدين أمام العقل وفطرة البشر، ولا يبعد تعارضه مع العلم والعقل.

العامل الثالث الذي أُضيف إلى العاملين السابقين منذ عصر التنوير، وكان شرارةً لحدوث ثورةٍ فكريّةٍ وثقافيّةٍ ضدّ الدين في العصر الحديث، إنّما هو نفوذ التيّار المادّي والعلماني في أوروبا، فظهور النظريّات الأنطولوجيّة والإبستمولوجيّة الدائرة مدار الماديّة والحس، مضافًا إلى سرعة تقدّم العلوم الطبيعيّة المذهلة، أدّى إلى ظهور الاكتفاء المعرفي لدى الإنسان الغربي. واستقرّت الرؤية العلمانيّة للإنسان المعاصر على عدم الحاجة إلى الدين في مقام النظر والعمل، بل ـ كما ادّعى كانط ـ لا بدّ من التخلّص من القيود المصطنعة التي وضعها الدين وأرباب الكنيسة، وأن يقف الإنسان على رجليه كأيّ إنسانٍ حرّ.[1] ونقول بكلّ صراحةٍ وجرأةٍ أنّ التحريفات التي طالت الدين اليهودي والمسيحي، كان لها الدور البارز في ظهور هذا العامل الثالث ونموّه.

فهذه العوامل تعاضدت وأدّت بمجموعها إلى ظهور شرائط جعلت موضوع تعارض العلم والدين من البديهيّات لمفكّري الغرب، ولم يبقَ سوى البحث عن طريقٍ لحلّ هذا التعارض. وقد ذكر المنظّرون منهم لرفع هذا التعارض وتعيين الموقف النظري والعملي، عدّة اقتراحاتٍ قد تكون متعارضةً في بعض الأحيان.

ب. انتقال هذه المباحث إلى العالم الإسلامي

إنّ انتقال موضوع تعارض العلم والدين إلى المسلمين، يتجذّر في الأزمة التي أصابت المسيحيّة طيلة قرون. فالمفكّرون المتأثّرون بمناخ هذه المباحثات بين متكلّمي المسيحيّة وفلاسفة الغرب، بدأوا بالبحث عن مشابهات لهذه المسائل

(97)

في القرآن والروايات، لكشف تعارضها مع ما أنتجته التجربة، والعثور على شواهد جديدةٍ لصحّة فرضيّة تعارض العلم والدين.

وقد وجدوا موارد تؤيّد هذا الوهم، كالآيات الواردة في القرآن الكريم حول موضوع خلقة الإنسان كقوله تعالى:﴿فَلْيَنْظُرِ الْإِنْسَانُ مِمَّ خُلِقَ * خُلِقَ مِنْ مَاءٍ دَافِقٍ * يَخْرُجُ مِنْ بَيْنِ الصُّلْبِ وَالتَّرَائِبِ[1] والحال أنّ النظريّات التجريبيّة المعاصرة لا تؤيّد خروج النطفة من الصلب والترائب، بل ترى أنّها تنشأ في وعاءٍ خاصّ، وتخرج من مخرجٍ خاصّ، وكذلك نظريّة التكامل في الأحياء تُذكر كنظريّةٍ علميّة، تدلّ على حدوث النوع الأكمل من الحيوانات من تكاملٍ طبيعيّ لدى الحيوانات الأدنى، والحال أنّ بيان القرآن الكريم حول خِلقة الإنسان الأوّل أي آدم وحوّاء ـ على نبيّنا وآله وعليهما السلام ـ  لا يتطابق مع هذه النظريّة.

فهذه الأمور من الموارد المعدودة التي أدّت ببعضهم الى توهّم تعارض تعاليم دين الإسلام اليقينيّة مع النظريّات الثابتة في العلوم التجريبيّة أو اليقينيّات الفلسفيّة، وتبعًا لهذا التوهّم سعى بعضهم إلى العثور على حلولٍ لهذا التعارض، وانتهوا إلى تجويز الحلول أنفسها التي اقترحها العالَم المسيحي. وقد تمّ البحث عن المشاكل المعرفيّة والمنهجيّة واللاهوتيّة لهذه الحلول ونقدها في موارد لا يسع المجال الخوض فيها، وما سنشير إليه هنا بعض النقاط، ومن أراد التفصيل لا بدّ أن يبحث عنه في موارده.

النقطة الأولى: إنّ حدوث هذه الرؤية عند بعض المفكّرين المسلمين واهتمامهم بها، ناشئ من عدم الالتفات إلى اختلاف معنى الدين في الإسلام والمسيحيّة (واليهوديّة)؛ إذ الاختلافات الأساسيّة بين هذه الأديان تكون بمثابةٍ يصعب معها تعميم خصائص كلّ واحدٍ منها على الآخر. ويُعدّ موضوع تحريف

(98)

تعاليم ونصوص دين موسى وعيسى ـ على نبيّنا وآله وعليهما السلام ـ  إحدى هذه الاختلافات، وقد أدّت إلى استحالة الوصول إلى نصّ الكتاب المقدّس الأصلي للتورات والإنجيل وتعاليمهما الحقيقيّة.

وهذه المسألة مضافًا إلى تأكيدها من قبل القرآن الكريم والروايات الإسلاميّة، اعترف بها كثيرٌ من المختصّين والمفكّرين من غير المسلمين أيضًا. والحال أنّ النصّ الأصلي للقرآن الكريم الموحى من قبل الله تعالى إلى نبيّنا الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم متاحٌ اليوم للجميع، ودلائل أصالته وصحّته واعتباره تكون بمنزلةٍ من الوضوح والقطع بنحوٍ اعترف بها غير المسلمين أيضًا. وهذه المشكلة أوجبت في دين اليهود والمسيحيّة تعارض ما استبدله علماء اليهود وآباء الكنيسة طيلة قرون مكان كتاب الله والحقائق الدينيّة، مع الحقائق الثابتة من قبل العقل الفلسفي أو العلوم التجريبيّة. وظهور هذه المشكلة في الأديان المحرّفة طبيعي جدًّا، وعند حدوث التعارض بين نسيج تخيّلات مؤلّفي الكتاب المقدّس، مع ما أثبته عقل العلماء والتجربة، تنتصر الرؤية التي تمتاز بقرائن ودلائل وشواهد أقوى.

وهذا في حين أنّ كتاب الإسلام السماوي بقي مصونًا من التحريف[1]، كما توجد عندنا رواياتٌ كثيرةٌ عن الأئمّة المعصومين بأسانيد متواترة وقطعيّة، تمتاز باعتبار كافٍ لبيان الحقائق؛ لذا لو فهمنا أمرًا من نصوص دين الإسلام بنحوٍ قطعي، فإنّه لا يتعارض مع الحقائق القطعيّة الثابتة من خلال العلوم العقليّة أو التجريبيّة.

النقطة الثانية: تتعلّق هذه النقطة بنظريّة المعرفة، وذلك أنّه توجد بنحوٍ عامّ قاعدةٌ في نظريّة المعرفة تدلّ على أنّ أيّ أمرٍ ثبت بشكلٍ يقيني ـ ولو من أيّ طريقٍ كان ـ لا يمكن نفيه من خلال معرفةٍ أُخرى. والنتيجة أنّ ما تمّ إثباته يقينًا

(99)

بمنهجٍ صحيحٍ عن طريق العقل والفلسفة، أو النقل والدليل التعبّدي، أو المشاهدة الحسّيّة والعلوم التجريبيّة، أو الشهود العرفاني، فإنّه لا يحصل التعارض بينها، ولو لاح تعارضٌ في الظاهر، فهو إمّا لأجل عدم صحّة استعمال إحدى هذه الطرق، وإمّا إنّها استخدمت في غير مكانها، وإمّا لأننا تجاوزنا دلالتها الواقعيّة وتعدّينا إلى نتائج لا تدلّ عليها.

وعلى سبيل المثال لا يمكن القول بعدم توافق الاعتقاد بالتوحيد مع ما أثبتته العلوم التجريبيّة، وحتّى ادّعاء توافقهما لا معنى له أيضًا؛ لأنّ الحكم في قضايا غير تجريبيّة خارجٌ من صلاحيّة العلم، فما لا يرتبط بالتجربة الحسّيّة لا حكم للعلم فيه بتاتًا نفيًا أو إثباتًا. كما لا يمكن القول في الأمور التعبّديّة بمخالفة حكمٍ شرعيٍّ قطعيٍّ مع ما أثبته البرهان العقلي أو التجربة. نعم صحيح أنّ الأحكام التعبّديّة تتبع المصالح والمفاسد الواقعيّة، وهذه المصالح والمفاسد قد يثبت بعضها عن طريق التجربة أو العقل، ولكن ليس بإمكان العلم والعقل اكتشاف جميع مصالح الأحكام ومفاسدها؛ لذا لا يمكنهما إصدار حكم ٍمخالفٍ لأحكام الشرع القطعيّة، أو التشكيك فيها. فبناءً على هذا لو أثبتنا نظريّةً قطعيّةً بمقدّماتٍ ومناهج صحيحةٍ ويقينيّةٍ من الكتاب والسُّنّة، سوف نستيقن أنّ كلّ نظريّةٍ ضدّها خاطئة. وهذا يعني أنّ المسألة التي يمكن إثباتها عن الطريق النقلي التعبّدي، وعن طريق التجربة أيضًا، إذا بحث فيها محقّقو العلوم التجريبيّة بشكل صحيح، لوصلوا إلى النتيجة الموجودة نفسها في النصّ الديني اليقيني، ولكلمة (اليقين) هنا أهميّةٌ خاصّةٌ نؤكّد عليها.

وعلى سبيل المثال فإنّ أصل وجود الروح المستقلّة عن الجسم يُستنبط من الدين بشكل قطعي، ولا يمكن أن يكون الإنسان مسلمًا معتقدًا بالقرآن والقيامة، ثمّ لا يقبل الروح المستقلّة عن الجسم لا سيّما بعد الموت؛ لأنّ إنكار الروح يلازم

(100)

إنكار المعاد. فلو أثبتت فرضيّةٌ علميّةٌ عدم وجود حقيقةٍ باسم الروح وراء الجسم والتحوّلات الجسمانيّة، ستكون هذه الفرضيّة خلاف الدين وخلاف الواقع قطعًا. نعم يوجد في علم النفس وسائر العلوم بعض المدارس التي تثبت الروح المستقلّة، سواء كانوا بصدد إثباتها وصرّحوا بها، أم أنّ هذا يُفهم من لوازم كلامهم، فلو حلّلنا بعض النظريّات العلميّة تحليلًا فلسفيًّا، لرأينا أنّها تبتني على أصل وجود الروح المستقلّة. علمًا بأنّه لم يكن جميع من يبحث في العلوم التجريبيّة ويُنظّر فيها، ينكر ما وراء المادّة، بل إنّ كثيرًا منهم يعتقد بما وراء الطبيعة، سواء على نحو أصلٍ علمي وفلسفي أم على نحوٍ أصل نفعي براغماتي.

وعلى سبيل المثال فإنّ ويليام جيمس مع اعتقاده بالله وما وراء الطبيعة، واعتقاده بإمكان علاج بعض الأمراض عن طريق الدعاء والمناجاة، لا يرى كفاية الأدلّة الفلسفيّة لإثبات ذلك، بل يقول: «كان في البداية إحساس مذهبي ثمّ جاء علم الكلام واللاهوت وقولبها ضمن قواعد ونظام خاص».[1] ويعتقد بإمكان علاج كثيرٍ من الأمراض بالدعاء والعبادة، ولكنّه لم يصل إلى هذا الأمر عن طريق مقدّماتٍ وأدلّةٍ فلسفيّة، وكما هو معروف فإنّه آمن بالدين، بعد مدّةٍ مطوّلة من ابتلائه بالكآبة وأمراض مختلفة جسميّة وروحيّة ـ التي اشتدّت عليه بموت خطيبته ـ وبعد الاستلهام من قراءة بعض البحوث، وبعد الدعاء والعبادة تمكّن من علاج نفسه، وقد تأسّى جيمس بـ(تشارلز ساندرز بيرس) القائل: «بأنّ المعنى النهائي والأهميّة التي يحوزها الموضوع، تنحصر في النتائج العملية»[2] فقام بتكميل المدرسة البراغماتيّة. وهو وإن يصنّف نفسه ضمن علماء ما وراء الطبيعة، لكنّه يعتقد أنّ الأصول والنواميس لا قيمة لها إلّا إذا تمكّنت من تغيير

(101)

الوقائع، إنّ فائدة إثبات الله حسبما يراه جيمس، تكمن في استفادة الإنسان منه في حياته الشخصيّة.[1] فالأصل القائل باعتبار النتائج [وصحّتها] من حيث الفائدة والتأثير، إنّما هو أصل براغماتي.

وعليه، توجد في عوالم العلوم التجريبيّة مدارس ونظريّات مختلفة تتوافق مع المباني الدينيّة، فالعلم لم يكن في تضادّ مع الدين دائمًا، وعدم ذكر هذه الأمور في الوسط الجامعي عندنا، لا يعني عدم وجود مثل هذه النظريّات [في الغرب] بل يكشف عن توجّهٍ خاصٍّ لانتخاب الكتب [وترجمتها]، وتوجد قرائن تؤيّد التعمّد في هذا الأمر؛ لتقوية نظريّة تضادّ العلم والدين في ذهن الطلبة.

النقطة الثالثة: إنّ فهم الدين والاستفادة من النصوص الدينيّة لم يكن يقينيًّا دائمًا، بل غالبًا ما يكون ظنيًّا لابتنائه على الفهم العرفي من الألفاظ والمصطلحات، وقد يُساء أيضًا فهم بعض النصوص، أو تكون لعبارةٍ معنى مّا وتأويلٌ آخر غير الذي بدا في الوهلة الأولى، وتكون هي مراد الشارع المقدّس. فلو كان فهمنا لنصوص الدين قطعيًّا، كانت النظريّات العلميّة المذكورة في المصادر العلميّة والمخالفة لها باطلةً قطعًا، ففي الأمور الدينيّة الظنيّة وغير القطعيّة ـ بسبب عدم قطعيّة السند والدلالة ـ أو الأمور العلميّة غير القطعيّة، لا يمكن إصدار حكمٍ قطعيّ في صدق أحدهما أو كذبه.

ففي هذه الموارد، كما يوجد خلافٌ بين أتباع علمٍ مّا فيما بينهم، يمكن وجود تعارضٍ بينها وبين ما يُفهم من مصادر أخرى أيضًا، بحيث لا يمكن إعطاء حكمٍ يقينيّ بخصوص أحدهما.

وهذا الأمر يُعدّ من خصائص المعرفة والفكر البشري، إذ يمكن حصول مراتب في الفهم، وإمكان البحث الأعمق في الأفكار والآراء غير البديهيّة أي

(102)

النظريّة، ولا مناص من هذا، وما يلزم الالتفات إليه في موارد كهذه، أنّ إحدى المعرفتين المتعارضتين (أو كلاهما) قد تكون خاطئةً وغير صحيحة، ولا يوجد إمكان عقلي بأن يتناغم شخصٌ عاقلٌ مع التعدّديّة المعرفية ليحتمل صحّة كلا المعرفتين المتعارضتين.

النقطة الرابعة: لم تكن نتائج العلوم التجريبيّة يقينيّةً غير قابلة للإبطال، وكما تمّ بيانه في مباحث العلم ونظريّة المعرفة بالتفصيل، إنّ المنهج التجريبي يعجز عن كشف العلقة العلّية الانحصاريّة بين الظواهر الحسّيّة، مضافًا إلى أنّ هذا المنهج غير قادرٍ على كشف ودراسة العلل غير المحسوسة وتأثيرها على الظواهر المادّيّة أيضًا بسبب المحدّدات المحيطة به.

فهذا المنهج بسبب ضعفه وعدم قدرته على كشف العلل غير المادّيّة، لا يصلح لنفي تأثيراتها القطعيّة أيضًا؛ لذا يمكن الادّعاء بأنّ أيّ واحدٍ من موارد تعارض نتائج العلوم التجريبيّة مع تعاليم الدين، لم يكن من قبيل تعارض معرفتين يقينيّتين، بل إنّ طرفًا واحدًا من التعارض ـ الذي هو المعرفة التجريبيّة ـ يكون معرفة غير يقينيّةٍ قابل للخطأ.

فمن المؤسف تلقّي بعض الفرضيّات العلميّة الظنيّة بوصفها حقائق غير قابلة للمناقشة، وبعضهم يتّجه إلى النصوص الدينيّة بهذه الخلفيّة، ويزعم خطأ كلّ ما لا ينتج من المسائل العلميّة الحديثة، ويرى لزوم طرده أو تأويله على أحسن الأحوال. فهنا يقوم الشخص بتحميل معانٍ غير واقعيّةٍ وغير عرفيّةٍ على النصوص الدينيّة تحت عنوان التجديد والفهم الحديث وما شاكل. وهذا الخطأ يوجب سوء فهمٍ للدين، الدين الذي يعدّ خارطة طريق السعادة وبرنامج الحياة، وكلّ سوء فهمٍ فيه قد يؤدّي إلى الشقاء الأبدي؛ لذا لا بد من الالتفات إلى عدم تفسير الدين بالرأي تحت وطأة هذه الخلفيّات، وعدم الانسلاخ من قطعيّات الدين بسبب

(103)

فرضيّات ونظريّات غير يقينيّة، كما يلزم عدم التخلّي من ظاهر الآيات والرجوع الى المعاني المجازيّة اعتمادًا على بعض النظريّات العلميّة التجريبيّة.

ت. الطريق المُنتخَب

لأجل ألّا نقع في الأخطاء التي أشرنا إلى نماذج منها، لا بدّ من سلوك طرقٍ عقلائيّة، أي يلزم في الوهلة الأولى الفصل بين تعاليم الدين الإلزاميّة وبين التي تبيّن الحقائق. فإذا واجهنا في العلوم العمليّة والإلزاميّة المرتبطة بأفعال الإنسان الاختياريّة، بعض المسائل والوظائف التي بيّنها النصّ الديني المعتبر، لا بدّ ألّا نذهب إلى مصادر أخرى لبيان الموقف. وهذا يعني أنّنا بوصفنا مسلمين معتقدون بحجيّة القرآن الكريم وكلام المعصومين عليهم‌السلام ، وليس لنا مصدران موثوقان غيرهما في مقام التعرّف على القيم والوظائف العمليّة وتنظيم السلوك، فلو تعارض ما فهمناه في موردٍ خاصٍّ من كلام الله والمعصومين، مع نتائج العلماء ونظريّاتهم، لا يتطرّق إلينا أدنى شكٍّ وتردّدٍ في العمل بالوظيفة الدينيّة؛ لأنّ نظريّات العلماء لا يمكنها أن تحدّد وظيفتنا بمجرّدها، إلّا إذا استندت تلك النظريّات بنحوٍ ما إلى كلام الله أو النبيّ أو الإمام. فالاستناد في هكذا موارد إنّما هو إلى قواعد الإسلام الكلّيّة، وإن استندنا تارةً – في تشخيص المصاديق أو جزئيّات بعضها ـ إلى دراسات العلماء ونظريّاتهم؛ لذا لا بدّ من التدقيق حينما نريد أنْ ننسب حكمًا إلى الإسلام ـ ولو على نحو الاحتمال ـ  أن يكون مبتنيًا على أصول وضوابط منهجيّة معتبرة، ومستندًا إلى مصادر الدين والروايات الصحيحة من حيث القواعد الفقهيّة.

فحينما نراعي هذه الضوابط والشروط، نصل إلى اليقين في كثيرٍ من المسائل العلميّة الأساسيّة التي تكلّم الدين عنها؛ فلذا لا يحصل تعارضٌ بينها وبين نتائج العلوم الظنيّة، وعلى سبيل المثال فإنّ كلّ مسلمٍ وحتّى غير المسلم يستيقن

(104)

بوجوب الصلاة في الإسلام، وإنّ الصلوات اليوميّة الواجبة سبع عشرة ركعة، وصلاة الصبح ركعتان، ولزوم الاتّجاه إلى الكعبة عند الصلاة، ووجوب الصيام في شهر رمضان، وحرمة الخيانة في الأمانة، ووجوب إقامة العدل، وحرمة الربا، ووجوب الحجاب وغيرها، فاليقين بهذه المسائل قد يحصل عن طريق النصوص القرآنيّة، أو الروايات المتواترة، أو الدليل العقلي.

ولكن لا يحصل مثل هذا اليقين في جميع المسائل العلميّة، فإلى جنب هذه المسائل اليقينيّة، تكون كثير من المسائل العمليّة (وربّما أكثرها) غير يقينيّة، بل غاية ما يوجد هو الاطمئنان أو الاعتقاد الظنّي، بأنّ الله أراد منّا أداء العمل الفلاني هكذا، فكثيرٌ من المسائل العمليّة المختلف عليها بين الفقهاء العظام هي من هذا القبيل، ولا يمكن اليقين بالحكم الإلهي في هذه الموارد. إنّ المستندات الموجودة لفهم هذا الحكم، تعجز عن الوصول إلى اليقين لأسباب مختلفة لا مجال لذكرها هنا.

فهنا يُلزمنا حكم العقل، والسلوك العقلائي، وأوامر أولياء الدين العمل بالظنّيات، وهذا لا يختصّ بالمسائل الدينيّة؛ إذ إنّ كثيرًا من معارف الإنسان حول المسائل العمليّة في الحياة ظنيّة، لا سيّما المسائل التخصّصيّة كالطبّ والهندسة وغيرهما، ووظيفتنا العقليّة والدينيّة في مثل هذ المسائل ـ إذا كنّا من أهل الاختصاص ـ  العمل بتشخيصنا الظنّي، وإلّا فلا بُدّ أن نعمل برأي المختصّين. والإنسان يستيقن حين العمل بمثل هذه المعرفة الظنيّة أنّ العقلاء لا يذمّونه، أما لو خالف هذا العمل ووقع في الخطأ، لكان مورد عتاب العقلاء وذمّهم حتمًا.

وكما لا نتردّد في العمل بوصفة الطبيب الأخصائي، ونستيقن صحّة متابعة أوامره، لا نشكّ كذلك في وجوب العمل بفتاوى علماء الدين المختصّين، مع عدم وجود اليقين بأنّ هؤلاء المختصّين لم يخطئوا في كلا الموردين. إذ إنّ احتمال خطأ المختصّ لا يمنع من لزوم متابعة أوامره، وإلّا سوف يختلّ نظام

(105)

حياة الإنسان ولا يمكنه العيش. فما أراده الدين من الإنسان في موارد كهذه، لم يكن أكثر من طلبه اتّخاذ سلوكٍ في مقام العمل وتشخيص الوظيفة، يشابه السلوك المتّخذ في الأعمال العادية الأخرى.

ويمكن تقسيم ما يتعلّق بمعرفة الحقائق إلى عدّة أقسام: قسم يتعلّق بأساسيّات الدين، وقسم يتعلّق بالمسائل الفرعيّة وجزئيّات الحقائق الفوقيّة أو البرانيّة، والقسم الثالث مسائل يكون الهدف منها حصول نتيجة تعين الإنسان في الوصول إلى غاية الدين، وإن لم تكن جزئيّات تلك الحقائق مهمّة، ولم يكن القرآن والروايات بصدد بيانها التفصيلي، فحكم كلّ قسمٍ من هذه الأقسام الثلاثة يختلف عن الحكم الآخر.

ففي خصوص المسائل الأساسيّة وأصول الدين ـ التي أهمّها العقائد الأساسيّة الثلاثة: التوحيد، النبوّة والمعاد ـ لا يجوّز الإسلام التسامح فيها، ويشترط اليقين، فلو قصّر الإنسان فيها أو أخطأ، تزلزلت عنده أسس المعرفة والعمل الديني، ويؤدّي إلى اعوجاج وانحراف جميع العقائد والقيم والسلوك المبتني عليها. ويرد هنا سؤال عن كيفيّة الوصول إلى اليقين في هذه الحقائق، [ونقول] إنّ الحصول على اليقين المنطقي في المسائل الدينيّة، يكون عن طريق المعرفة اليقينيّة نفسه في سائر المسائل، بمعنى وجود منهج خاصّ لكلّ قضيةٍ بحسب تناسب الموضوع والمحمول، فطريق الوصول إلى اليقين في المسائل العقديّة، استخدام الاستدلال العقلي، ويكون أتمّ أشكال البرهان البرهان المبتني على الشكل الأوّل من القياس المنطقي المتكوّن من المقدّمات البديهيّة. وتعدّ من هذا القبيل الأدلّة المقامة على إثبات وجود الله وتوحيده، والحاجة إلى الوحي بوساطة الأنبياء، وخلود الإنسان وضرورة الحياة بعد الموت.

وقد ثبت في المنطق أنّ المعرفة الحاصلة عن استدلالٍ كهذا، تمتاز بأعلى

(106)

درجات اليقين، نعم لا يعني هذا فهم مقدّمات هذه الاستدلالات بسهولةٍ لكلّ أحد، بنحو يصل إلى اليقين من خلال تنظيم هذه الأدلّة بشكل صحيح. إذ إنّ المانع الأوّل في هذا الطريق انتزاعيّة المسائل العقديّة وصعوبة تصوّرها لكثيرٍ من الناس الذين لم يكن لهم مراس ديني ذهني مع مثل هذه القضايا. هذا والحال أنّ التصوّر الصحيح للموضوع والمحمول يُعدّ أوّل خطوةٍ في طريق الاستدلال المنتج، فالوصول إلى اليقين لدى عامّة الناس وفي هذه المسائل، يستلزم الرجوع إلى المختصّين والاستفادة من نتائج دراساتهم، كما هو الحال تمامًا في غيرها من المسائل المتعلّقة بالعلوم المختلفة، حيث توجد أمورٌ كثيرةٌ يصعب تصوّر موضوعها ومحمولها للناس، ولكن أصبح التصديق بها يقينيًّا عند عامّة الناس بفضل جهود المحقّقين والأخصائيّين، وهذا اليقين وإن حصل بوسائط، ولكن له مبنى عقلي ويبتني على استدلالٍ يقينيّ يضمن قيمته المعرفيّة.

نعم إنّ هناك قسمًا من مسائل الدين الأساسيّة ـ كالمعاد والنبوّة الخاصّة ـ مضافًا إلى إمكان إثباتها عن طريق الاستدلال العقلي المحض، يمكن أن تثبت أيضًا عن طريق الاستدلال النقلي بالرجوع إلى ما روي عن المعصومين (سواء الأنبياء الماضين أم نبيّ الإسلام وأهل بيته المعصومين).

هذه الموارد كلّها تخصّ طالب الحقيقة الذي لم تؤدِّ به الموانع كالأهواء النفسيّة والعلائق الدنيويّة إلى العناد وإنكار الحقّ، والقرآن الكريم يشير إلى الذين لا يقبلون الحقّ رغم وجود الدلائل المحكمة والمُقْنِعة، ويذكر أنّ سبب هذا إنّما هو متابعة الهوى وطلب الحريّة المطلقة، قال تعالى: ﴿أَيَحْسَبُ الْإِنْسَانُ أَلَّنْ نَجْمَعَ عِظَامَهُ * بَلَى قَادِرِينَ عَلَى أَنْ نُسَوِّيَ بَنَانَهُ * بَلْ يُرِيدُ الْإِنْسَانُ لِيَفْجُرَ أَمَامَهُ[1] إنّ رغبتهم في فعل كلّ ما تمليه الرغبات، يمنعهم من الاعتراف بالحقائق المانعة عن

(107)

الزهو والأهواء، فيشكّكون في جميعها، وهذه الحالة من القوّة بحيث قد تؤدّي في نهاية المطاف إلى الشكّ في جميع الحقائق والمعارف، وظهور مدارس شكّيّة في نظريّات المعرفة.

وإلى جنب المسائل الأساسيّة وأصول الدين التي لا بدّ من المعرفة اليقينيّة فيها، وابتنائها على أسسٍ مستحكمةٍ، توجد مسائل عقديّة أخرى في الدين لم تكن بتلك الأهميّة. وقلّة أهميّتها يكمن في عدم تأثيرها المباشر في مسألة سعادة الإنسان أو شقائه، بل إنّها فروع وجزئيّات عقديّة لا يشترط فيها اليقين لأجل الفوز والسعادة، بل يكفي الاعتقاد والإجمالي بأصل وجودها. وعلى سبيل المثال كيفيّة سؤال الليلة الأولى في القبر، وكيفيّة الإجابة على أسئلة منكر ونكير، وكيفيّة رجوع الروح إلى الجسم، وسائر الجزئيّات المتعلّقة بهذه الأمور، حيث تتحمّل وجوه واحتمالات مختلفة بحسب الشواهد والدلائل المختلفة، ولكن لم يستيقن بها الإنسان.

ففي هذه المسائل البرانيّة، يُستحسن حصول اعتقاد أقوى لو تمكّن الإنسان منه، ولكن لا توجد ضرورة للوصول إلى اليقين فيها. وما يلزم في هذه المسائل الدينيّة وما يشابهها الاعتقاد اليقيني الإجمالي بأنّ ما قاله الله والنبي صحيح كما قالوه، وإن لم نحصل على علمٍ تفصيلي فيها. ويوجد كثيرٌ من هذا القبيل في مسائل الحياة [الإنسانيّة] على سبيل المثال يكفي الاعتقاد بصحّة الدواء الذي يعطيه الطبيب الأخصائي للشفاء والتخلّص من ألم المرض، وإن لم نقف على جزئيّات تركيب الدواء وكيفيّة تغلّبه على المرض.

القسم الثالث يختصّ بالمسائل التي لم يكن الهدف من ذكرها في المصادر الدينيّة، مجرّد معرفة الأشخاص تلك الحقائق بتفاصيلها الدقيقة، بل تستخدم كجسرٍ للعبور إلى هدفٍ آخر. وتُعدّ الإشارة إلى المسائل التاريخيّة في القرآن الكريم وروايات المعصومين ؟عهم؟ من هذا القبيل؛ ولهذا السبب فإنّ القرآن

(108)

الكريم عند نقل الحوادث التاريخيّة لا يدخل في الجزئيّات، بل ما هو المهمّ في مسائل كهذه النتيجة التي يتوصّل إليها، ونتائج من قبيل الإنذار والتبشير، وإحياء روح الشكر في الإنسان، وتعميق معرفة الإنسان بصفات الله الجلاليّة والكماليّة، وتقوية العواطف الدينيّة، ونحوها. لذا نرى أنّ القرآن الكريم لا يذكر عدد أصحاب الكهف، أو لا يذكر مكانهم؛ لأنّ هذه الجزئيّات لا تدخل في غاية القرآن الأساسيّة من ذكر هذه الحادثة التاريخيّة. كما أنّ ما وصل إلينا من تاريخ حياة الأئمّة عليهم‌السلام وتفاصيلها المتعلّقة بالولادة والشهادة، قلّ ما يصل إلى حدّ اليقين، وربّما يحصل فيها الخلاف الكثير. ففي مسائل كهذه لا حاجة ملحّة إلى المعرفة اليقينيّة، بل إنّ ما يهمّ غاية الدين، الفهم الإجمالي وتارة الظنّي لهذه الحوادث والتضحيات، ليدرك الإنسان أهداف هذه الذوات المقدّسة للتأسّي بها في حياته من جهة، ومن جهة ثانية وبعد لحاظ تفانيهم ومعاناتهم والمصائب التي تحمّلوها في هذا الطريق، يحصل له دافع قويّ لسلوك هذا الطريق الملتوي، ليصل إلى المنزل النهائي والكمال الإلهي.

فهذه الغايات تتحصّل بالمعرفة الإجماليّة والظنيّة بالجزئيّات أيضًا. فالإنسان حتّى ولو لم يصل إلى حدّ اليقين لما وقع من تفاصيل في اليوم العاشر، ومن قتل صحابي أبي عبد الله؟ع؟الفلاني مثلًا، فإنّ عواطفه الجيّاشة لا تهدأ، ويقوى في نفسه دافع التضحية للدين؛ لذا يكفي في ذكر مصائب أهل البيت عليهم‌السلام الاعتماد على ما ورد في المصادر المعتبرة ولو بنسبة خمسين بالمائة، ولا حاجة إلى التفاصيل اليقينيّة.

مع لحاظ أنواع القضايا الدينيّة، تتجلّى طريقة حلّ التعارض بينها وبين القضايا العلميّة. إنّ افتراض تعارض المعرفة الدينيّة اليقينيّة، والمعرفة العلميّة اليقينيّة منتفٍ في الإسلام. وفي الافتراضات الثلاثة الأخرى المتبقية، إذا كانت إحدى

(109)

المعارف يقينيّةً والأخرى ظنيّةً، تُقدّم المعرفة اليقينيّة على المعرفة الظنيّة، أمّا لو كانت المعرفة الدينيّة والعلميّة كلاهما ظنيّة، يقدّم الظنّ الأقوى على الآخر، وعلى فرض التساوي لا ينفي أيّ واحدٍ منهما الآخر، ولا يُعلم أيّ المعرفتين صحيحة، وفي مثل هذه الموارد النادرة لا بدّ من التوقّف في إصدار الحكم إلى أن نعثر على شاهدٍ أو دليلٍ جديدٍ لصالح أحدهما.

إنّ كلّ قسمٍ من العلوم والمعارف الإسلامية قد يكون له علاقةٌ مترابطةٌ مع عددٍ من المعارف العقليّة والتجريبيّة، وفي هذه النقطة ربّما يحصل التعارض الظاهري أو الواقعي. وإثبات أفضليّة الإسلام في كلّ موضوع، يستلزم الوقوف على أحدث النظريّات العلميّة، وتكون لنا قدرة تقييمها وفحصها ومقايستها مع نظر الإسلام.

 

 

 

 

 

 

 

(110)

 

 

الفصل الرابع:

العلم الديني

 

 

(111)
(112)

 

 

 

البحث الآخر [الذي نتطرّق إليه] هو العلم الديني. ويُعدّ اصطلاح العلم الديني اصطلاحًا جديدًا نوعًا ما في الاستعمال العلمي والديني في وسطنا، وهو بحاجةٍ إلى توضيحٍ وتبيين. ومضافًا إلى المعاني التصوّريّة للعلم الديني، فقد وردت مباحث كثيرةٌ حول إمكان تحقّق العلم الديني. هل العلم يمكن أن يكون دينيًّا؟ هل يختلف العلم الديني عن العلم غير الديني؟ ما هو المائز بين العلم الديني والعلم غير الديني؟ هل يمكن تقسيم أيّ علمٍ إلى قسمين: ديني وغير ديني؟ وسنحاول الإجابة عن هذه الأسئلة هنا.

إنّ التركيب الوصفي قد يكون للتبيين، أي بمعنى أن يفيد الموصوف المعنى نفسه حتّى من دون ذكر الوصف، ويقال عادةً في هذه الموارد أنّ القيد المذكور لم يكن احترازيًّا، بل قيد توضيحي ورد لكشف المقصود بنحوٍ أفضل، وإلّا فله المعنى نفسه حتّى من دون هذا الوصف. وعلى سبيل المثال فإنّه قد يقال في المحاورات العرفيّة: (الإنسان ذو الرِجلين) فمن المعلوم أنّ القيد هنا توضيحي؛ لأنّ جميع البشر الأصحّاء يمتلكون الرِجلين، وكذلك ما يقال (الله القادر) ونحوه. ولكن تكون الصفة في أكثر الموارد بمنزلة القيد الاحترازي، وتدلّ على وجود أقسام للموصوف يمتاز بعضها بهذه الصفة وبعضها الآخر يفقدها.

ففي التركيب الوصفي للعلم الديني، فإنّ الديني صفةٌ للعلم، فهل هذا الوصف

(113)

توضيحي أو احترازي؟ فإذا كان قيد (الديني) توضيحيًّا فيعني أنّ كلّ علمٍ ديني، ولكن التلقّي العام لهذا القيد أنّه احترازي، يحكي عن أنّ العلم قد يكون تارة دينيًّا ببعض الملاكات الدينيّة، وفي حالات وملاكات أخرى غير ديني؛ لذا لا بدّ من البحث عن اختلاف العلم الديني وغير الديني. فالعلم الديني الذي يقابل العلم غير الديني يعني أنّنا نمتلك علمين يشتركان في العلميّة، لكنّهما يختلفان في بعض الخصائص المتعلّقة بالدين، فعندما نربط العلم بالدين ونقول (العلم الديني) فمعنى ياء النسبة هنا أنّ العلم المطلق (أي المقْسَم) لا يعادي الدين بمفرده ولا يتوافق معه، بل أنّه خنثى بخصوص تعاليم الدين. وحينما يوصف بالديني أو غير الديني تتبيّن علقته الإيجابيّة أو السلبيّة مع الدين، كما هو الحال في كلمة (العالِم)، إذ إنّها لا تقتضي وحدها أن تكون للمسلم أو غير المسلم، فهي بالنسبة إلى المسلم (لا بشرط) كما يقول المناطقة. فالعالم المسلم وغير المسلم عالمان، وعليه فعندما نقول العالِم المسلم فإنّنا نعني بعض العلماء الموصوفين بصفة الإسلام. وعليه فإنّ الدور الاحترازي لوصف (الديني) في تركيب (العلم الديني) حصول وصفٍ للعلم بسبب هذه النسبة، لو لا وجود هذا القيد [أي الديني] لما حصل ذلك الوصف.

ولا بدّ من التنويه في بداية البحث إلى رجوع جذر هذه المباحث إلى اللسانيّات والأدب، ولم يكن لها ماهية عقليّة أو دينيّة، وعليه ولأجل العثور على ملاكٍ للحكم في مسائل كهذه، لا بدّ من الرجوع إلى الاعتبارات العرفيّة والمواضعات اللسانيّة، وكما يعتقد خبراء اللغة أنّنا عندما نريد أن ننسب صفةً إلى شيءٍ يكفي وجود أدنى الملابسة والارتباط، فالعرف عندما يريد نسبة وصفٍ لموضوع يكتفي بوجود نوع علاقةٍ وحيثيّةٍ ولو ضعيفةٍ بينهما، إذ لم يكن شرط صحّة الاتّصاف ـ في جميع الموارد ـ الارتباط الكامل الدالّ على الوحدة أو الاتّحاد، بل قد تكفي أدنى

(114)

مناسبةٍ للارتباط. وعلى سبيل المثال إذا أردنا أن يكون تركيب (العالِم الإيراني) صحيحًا، يُلحظ فيه مكان ولادته، فلو وُلد في إيران صحّ الوصف عليه وإن قضى أكثر عمره خارج إيران. واليوم نرى أنّ هذا المقدار من الارتباط في المسائل الحقوقيّة، يكون ملاكًا لكثير من أحكام وقوانين التبعيّة والمواطنة.

وعليه لا يمكن القول بوجود حدٍّ ونصابٍ عقليّين لاتصاف موضوعٍ بوصفٍ ما، بأن يرتبط به مثلًا بمقدار عشرين بالمائة مع لحاظ نسبة معيّنة فيه، بل إذا رأى العرف صحّة النسبة بين الصفة والموصوف فإنّه يكفي؛ إذ إنّ صدق النسبة صدقٌ عرفي، لا يوجد فيه برهانٌ عقلي أو دليلٌ تجريبيّ أو تاريخي أو نصٌّ من الكتاب والسُّنّة. فهذه المسائل تعود إلى اللغة والأدب، وتتبع العرف لا الاستدلال.

نعم ربّما تلحظ علاقات أكثر في بعض الاتّصافات، وعلى سبيل المثال إذا أردنا صحّة التركيب الوصفي لـ(العالِم المسلم) لا بدّ أن يتّصف هذا العالِم على الأقل ببعض ما في دين الإسلام (أي حدّ نصاب الإسلام) ولا يكفي مجرّد ولادته في بلدٍ إسلامي كي نطلق عليه (العالِم المسلم). وإنْ اكتفينا حين انتساب العالِم إلى دولةٍ مّا بمجرد ولادته في تلك الدولة، ولكن في تركيب (العالِم المسلم) لا يكفي مجرّد الولادة في دار الإسلام، بل إنّ الولادة في البلد الإسلامي لم تكن شرطَ صحّةٍ في هذه النسبة أبدًا، بل لا بدّ من البحث عن ملاك النسبة في عقائد ذلك الشخص، نعم يكفي لأجل صدق هذا العنون على الشخص، الاعتقاد بضروريّات الإسلام فقط والالتزام بها. وعليه فالعرف هنا قد اشترط ملابسةً ونسبةً أعمق في صحّة هذا الانتساب، ونحن لا بدّ أن نتابع المواضعات العرفيّة في اللغة والتفاهمات اللسانيّة.

بعد هذه المقدّمة نبدأ بالبحث عن المعاني الممكنة والمحتملة للعلم الديني.

(115)

معاني العلم الديني

لأجل أن نصل إلى تصويرٍ واضحٍ عن التركيب الوصفي لـ(العلم الديني)، لا بدّ من لحاظ المعاني التي ذكرناها لكلمتَي العلم والدين، وبيان معنى العلم الديني بالابتناء على كلّ واحدٍ منها. كما يلزم البحث حول الملاكات والمناسبات العرفيّة الموجبة لانتساب وصف الدين إلى العلم، إذ يمكن ـ وبلحاظاتٍ مختلفة ـ انتساب صفةٍ إلى شيءٍ آخر، وعند استعمال (العلم الديني) كتركيبٍ وصفيّ قد يؤثّر عامل النسبة أيضًا. فلو لاحظنا هذه المعايير في جدول النسب الممكنة بين معاني العلم والدين المختلفة وضربناها فيها، لنتج رقم كبير يكشف عن الوجوه المحتملة لمعاني العلم الديني.

إنّ الجهات الممكنة لصحّة نسبة وصف الدين إلى العلم متعدّدة ومختلفة، ربّما لا يكون أيّ واحدٍ منها غير معقول، ولا غير عرفي. إنّ أهمّ الجهات الموجبة لمعقوليّة انتساب صفةٍ إلى شيءٍ عرفًا، والمرتبطة بمباحثنا هنا أيضًا، هي:

1. مكان ظهور العلم.

2. عدم تنافي العلم مع الدين.

3. توافق مباني العلم ومسائله ومصادره مع الدين.

4. استناد بعض مباني العلم ومسائله إلى الدين.

5. استنباط جميع مسائل العلم من الدين.

6. مساعدة العلم لإثبات تعاليم الدين والدفاع عنها.

7. اتّحاد الهدف في العلم والدين.

8. مساعدة العلم لتحقّق غاية الدين.

إنّ إمكان انتساب الدين إلى العلم بناءً على بعض التعاريف التي مرّت للعلم والدين، ومع لحاظ بعض جهات الاتّصاف، لم يكن له معنى من وجهة نظر

(116)

العرف وعليه يكون غير ممكن، وعلى سبيل المثال لو كان العلم بمعنى المعرفة الحصوليّة التجريبيّة، وفي المقابل تمّ تحديد الدين بمجموعة عقائد وقيم ومعطوفة إلى سعادة البشر، فحينئذٍ لا يوجد شيء باسم العلم الديني؛ لأنّ الاعتقاد بالله أو عدم الاعتقاد به وسائر تعاليم الدين، لا تأثير لها في كشف العلاقة بين ظاهرتين حسيّتين عن طريق التجربة، كما أنّ سائر الرؤى التحقيقيّة لا علاقة لها بالعلم. فمن يرغب بالزهد أو الذي ينظر إلى الكون برؤيةٍ سلبيّةٍ، يمكنه الوصول إلى نتيجةٍ واحدةٍ في المسائل التجريبيّة مع العالِم الذي يخالفه. وسبب ذلك أنّ العلم التجريبي ـ مع قطع النظر عن رؤيته تّجاه العالم ـ يعمل ويسلك طريقه ضمن النقاط المحدّدة له. إنّ اختلاف الرؤى الأنطولوجيّة والأحكام القيميّة للعلماء، لا تتدخّل في محتوى العلم، وإذا تدخّلت فسوف لا يكون العلم (بمعنى المعرفة التجريبيّة المطابقة مع الواقع) علمًا، فما هو علمٌ طبقًا لهذا الاصطلاح، القواعد الحاكية عن العلاقات الموجودة بين الظواهر، ولكن نوعيّة نظر العالم إلى الوجود ومعتقداته خارجةٌ عن ماهية العلم ولا تتدخّل فيه.

نعم عندما نخرج عن الحدود الموضوعة للعلم (بالتعريف المذكور) أمكن لعقائد الإنسان وقيمه أن تكون منشأً لآثار كثيرة. وعلى سبيل المثال فإنّ العالم المسلم يمكنه أنْ يستنتج من مسائل العلوم التجريبيّة وكشوفاتها أنّ الله أقام نظام الكون على نحوٍ ظهرت فيه هذه الروابط الدقيقة بين الظواهر المادّيّة. وفي المآل فإنّ نتيجة هذه الرؤية ازدياد يقين المسلم بقدرة الله وحكمته مع أيّ كشفٍ تجريبي جديد، كما تحدث عكس هذه الحالة للعالم الملحد، إذ يصرّ على رؤيته بعدم الحاجة إلى موجودٍ ما وراء المادّة لتبيين الروابط العلّية بين ظواهر الكون مع أيّ كشفٍ جديد؛ فإنّه لا يحسّ أساسًا بالحاجة إلى إثباته كما لا يجد دليلًا عليه.

فهذه الرؤى والنتائج الحاصلة منها لا تغيّر ـ مهما كانت ـ القواعد التجريبيّة،

(117)

وبعبارةٍ أُخرى فإنّ جواب المسألة التجريبيّة واحدٌ في الأحوال جميعها، سواء قام قدّمه المسلم أم غير المسلم. والأمر الوحيد الذي ربّما يتغيّر هنا، تأثير هذه الكشوفات على تقوية أو تضعيف معتقدات الباحث الدينيّة أو التي ضدّ الدين، وهي لم تكن جزء ماهية العلم التجريبي بهذا المعنى. وعليه فلو نظرنا إلى العلم والدين من هذه النافذة، لم تكن رؤية الباحث جزءًا من العلم، بل إنّها رؤية باحثٍ من الخارج إلى محتوى العلم والحصول على نتائج غير تجريبيّة (وغير علميّة) منه، ويكون استعمال كلمة العلم فيه مجازًا. فالعلم بهذا المعنى لا يكون دينيًّا ولا غير ديني، ولكن بناءً على بعض التعاريف الأُخر للعلم والدين، أمكن أنْ يكون لعبارة العلم الديني معنى، وسنشير فيما يلي إلى أهمّ الوجوه المحتملة فيه.

أ. المنشأ الإسلامي للعلم

قد يقال إنّ أبسط المناسبات التي تبرّر وصف بعض العلوم بالدينيّة أو الإسلامية، ظهور ذلك العلم وتطوّره وكذلك ظهور نظريّةٍ ما في بلدٍ إسلامي، ولا يخفى أنّ العلم قد يُطلق على قضيّةٍ علميّةٍ تجريبيّةٍ واحدة، وقد يُطلق تارةً أخرى على فرعٍ علمي.

إنّ بعض العلوم أو بعض النظريّات العلميّة تتّصف بوصف الإسلام لظهورها وتطوّرها في بلدٍ إسلامي. على سبيل المثال فقد يتمّ إبداع طريقٍ خاصٍّ للعلاج في بلدٍ إسلاميّ، ثمّ ينتقل منه إلى سائر البلدان؛ لذا يُصبح مصداقًا للطبّ الإسلامي بهذا المعنى، كما قد نحكي عن الطبّ الصيني مثلًا. فعندما نتكلّم عن الفلسفة الأوروبيّة أو العلوم الغربيّة، نلحظ هذه النسبة بين الصفة والموصوف. ومن الطبيعي أن يكون المراد من النسبة هنا القضايا المفردة والنظريّات العلميّة في الأغلب، وقلّ ما يُنظر إلى فرعٍ علمي بجميع مسائله ونظريّاته المذكورة.

ويمكن أن نعثر على ما يقارب هذه العلقة في وصف علمٍ مّا بالإسلامي، فيما

(118)

لو أبدع عالِمٌ مسلمٌ ذلك العلم (من دون تخصيصه ببلدٍ إسلامي) فمعنى العلم الإسلامي هنا يعود في الحقيقة إلى علم العالِم المسلم، ويُفضّل أن يُطلق عليه (علم المسلمين)، إذ إنّ توصيف هذا العلم بالإسلامي، يكون استعمالًا مجازيًّا لكلمة الإسلام. ويشبه هذا الاستعمال، استعمال (الإدارة الإسلاميّة) بمعنى إدارة المديرين المسلمين، ومحتواه دراسة توصيفيّة لكيفيّة إدارة المديرين المسلمين على طول التاريخ. فهذا التلقّي من الإدارة الإسلاميّة وإن كان صحيحًا أدبيًّا، وأمكن استخلاص دروسٍ علميّةٍ منه مضافًا إلى وصف الواقع، ولكن وجه اتّصافه بالإسلام ضعيف جدًّا وناقص، مضافًا إلى أنّه لم يكن استعمالًا حقيقيًّا في اللغة والأدب.

ب. أن تكون الإرادة الإلهيّة موضوع العلم

من الوجوه المفروضة لجواز استعمال الوصف الديني لفرعٍ علميّ أو قضيّةٍ علميّة، تعلّق موضوع ذلك العلم بالإرادة الإلهيّة. وقد يقال في توضيح هذا المعنى أنّ العلم الذي يأتي بمعنى كشف الواقع أو المعرفة المطابقة مع الواقع، يكون دينيًّا إذا تكلّم عن إرادة الله التشريعيّة أو التكوينيّة، وبما أنّ وجود جميع الحقائق متعلّقٌ بإرادة الله التكوينيّة، وتوجد بأمره التكويني: ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[1] فكلّ علمٍ ينظر إلى موضوعه بهذه النظرة، يدخل في نطاق العلوم الدينيّة.

وعليه فإنّ الحقيقة الواحدة وإن أمكن كشفها من طرقٍ مختلفة، ويكفي في علميّتها صرف مطابقة العلم مع الواقع، ولكن مع هذا يمكن أن ننظر إلى هذه الواقعيّة المنكشفة بمنظورٍ إلهيّ وأنّها مخلوقةٌ بإرادة الله، كما يمكن النظر إليها بنظرٍ مادّي طبيعي وافتراضها موجودًا مستقلًّا، ففي الحالة الأولى نتحدّث عن

(119)

علمٍ ديني، وفي الثانية عن علمٍ غير ديني. فقد يُنظر إلى جميع مسائل الفيزياء والكيمياء والميكانيك وسائر العلوم لا سيّما الأساسيّة منها بهذا المنظار، مثلًا حصل انفجارٌ في العالَم أوجب ظهور عناصر مختلفة منها الكرة الأرضيّة، ثمّ حدثت تحوّلاتٌ في الأرض أدّت إلى ظهور الحياة فيها وهكذا. ولكن قد يُنظر إلى هذه المسألة ـ حتّى الانفجار العظيم وتهيئة أسباب الحياة في الأرض ـ من حيث إنّها تدبير إلهي، وأنّ الله دبّر الأمر منذ البداية بهذا النحو، وخلق الكون بهذه الطريقة.

كما أنّ عالم الرياضيّات قد يفسّر المسائل المتعلّقة بعمله بهذه الطريقة، ويرى أنّ الحقائق الرياضيّة تحكي عن إرادة الله تعالى، في الحال أنّ عالِمًا رياضيًّا آخر يمكنه كشف هذه الحقائق نفسها من دون لحاظ ارتباطها مع إرادة الله، وفي كلا الحالتين يسعى العالمان إلى حلّ المسألة الرياضيّة، ويصل كلاهما إلى الحقائق الحاكية عن الواقع، ولكن تكون النتيجة في الحالة الأولى العلم الديني، ويكون هذا العلم نفسه في الحالة الثانية علمًا غير ديني.

فبناءً على هذا الاصطلاح لا إثر لمنهج العلم ومصدر المعرفة وكذلك الغاية في اتّصافه بالديني أو غير الديني، بل إنّ ما يصف العلم بالديني وغير الديني، إنّما هو نوعيّة النظرة إلى العلاقة بين الظواهر والعلل والمعلولات وكذلك استنتاجات العالِم. وبعبارةٍ أخرى إنّ ملاك دينيّة العلم كشف إرادة الله تعالى.

وقد يستدلّ على إثبات العلم الديني بهذا النحو ويقال إنّ سبب تسمية العلوم المتداولة في الحوزة العلميّة بالعلوم الدينيّة، كون موضوعها إرادة الله تعالى التشريعيّة، وعلى سبيل المثال فإنّ الفقيه ومفسّر القرآن الكريم، إنّما يبحث لكشف إرادة الله تعالى، إنّهم يحاولون في الوهلة الأولى فهم مراد الله من ألفاظ الوحي، كي يصلوا عن هذا الطريق إلى ما أراده الله من الإنسان ويعملون به، لذا

(120)

يقال بإمكان وجود هذا الملاك نفسه في سائر العلوم، وعليه يكون كشف أسرار الطبيعة بمنزلة كشف إرادة الله في الخِلقة.

ولا توجد أيّ مشكلةٍ فلسفيّةٍ أو منطقيّةٍ في استخدام هذا المصطلح من حيث إعطائه بعدًا عمليًّا خاصًّا لهذه الكلمات، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى خلفيّاته ولوازمه كي لا يختلط مع سائر مصطلحات ومعاني العلم الديني من جهة، ولنقف على حدوده وميزان تأثيره في حلّ مشكلة (العلم الديني) من جهة ثانية.

إنّ خلفيّات هذا الاصطلاح هي:

1. إنّ مجرّد المعارف الصحيحة والمطابقة للواقع يُطلق عليها اسم (العلم) سواء ثبتت بالمنهج العقلي أم التجريبي أم سائر المناهج الممكنة.

2. إنّ العلوم اليقينيّة المطابقة للواقع هي التي تكون موضوع العلم الديني فقط.

3. إنّ دينيّة العلم منوطةٌ بالنظرة الإلهيّة إلى الظواهر، ولحاظ مدخليّة إرادة الله في الروابط الموجودة فيها.

إنّ لازم الفرضيّة الأولى خروج الفرضيّات العلميّة والنظريّات التي لا تصل إلى حدّ اليقين المنطقي (ويشمل أكثر النظريّات العلميّة) عن دائرة العلم ونطاقه. ولازم الفرضيّة الثانية عدم وجود أيّ تناسب بين العلوم الظنيّة التي ربّما تتغيّر مع الدين، وعليه لم تكن دينيّةً ولا غير دينيّة. أمّا الفرضيّة الثالثة فتحتاج إلى تأمّل أكثر.

إذ لا بدّ في الوهلة الأولى من إعطاء تعريفٍ واضحٍ لمعنى إرادة الله ودورها في ديننة العلم. وقد بُحث بالتفصيل في معارف الدين ومباحث علم الكلام، إنّ لله إرادتين: إرادة تكوينيّة وإرادة تشريعيّة، الإرادة التكوينيّة هي التي تتحقّق في الكون عن طريق العلل والأسباب، وتؤدّي إلى ظهور ظاهرةٍ ماديّةٍ أو غير ماديّة، وهذه العلل قد تكون عاديّةً ومعروفةً، وقد تكون مجهولةً للبشر، كالأمور الواقعة

(121)

تحت اختيار الأنبياء وخواص أولياء الله. ولله تعالى إرادةٌ تشريعيّةٌ تتكوّن منها الشرائع الإلهيّة والأحكام العمليّة.

ومن موارد الاختلاف بين هاتين الإرادتين، استحالة تخلّف المراد في الإرادة التكوينيّة، فما تعلّقت به إرادة الله التكوينيّة يتحقّق لا محالة، خلافًا للإرادة التشريعيّة حيث لم تستلزم تحقّق متعلّق إرادة الله من دون قيد وشروط. فما أراده الله من الإنسان بالإرادة التشريعيّة، قد بيّنه تحت عنوان الدين عن طريق الأنبياء والمعصومين، وللإنسان قبوله اختيارًا والعمل به، أو عدم قبوله وعدم العمل به: ﴿قُلِ الْحَقُّ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ شَاءَ فَلْيُؤْمِنْ وَمَنْ شَاءَ فَلْيَكْفُرْ[1].

الدين بهذا المعنى يكشف عن إرادة الله التشريعيّة لا كلّ إرادة، فلا يشمل إرادة الله التكوينيّة. ثمّ إنّ المعروف (بالعلم الديني) في العرف الدارج، يُطلق على ما تمّ استنباطه من النصوص الدينيّة أو عن طريق المقدّمات اليقينيّة والمنهج العقلي البديهي لمعرفة مراد الله تعالى من الإنسان، فهذه الإرادة الإلهيّة تتعلّق بمساحة سلوك الإنسان الاختياري وهي من سنخ إرادة الله التشريعيّة، ولا علاقة لها بإرادته التكوينيّة، وفي قبال هذا فإنّ إرادة الله تعلّقت بدوران الأرض حول الشمس، وتدفئة الأرض بحرارة الشمس، ونزول الأمطار بسبب تبخير مياه البحار وبرودة الطقس العلوي وغيرها، فهذه كلّها مصاديق لإرادة الله التكوينيّة، وخارجة من نطاق الإرادة التشريعيّة بهذا المعنى، وعليه لا يمكن من المقدّمة القائلة بكاشفيّة العلوم الدينيّة عن إرادة الله ـ في الاصطلاح الدارج ـ استنتاجُ دينيّةٍ كلّ علمٍ كاشفٍ عن أيّ نوعٍ من إرادة الله (حتّى الإرادة التكوينيّة)، لاشتمال هذا الاستدلال على مغالطة الاشتراك اللفظي.

والأمر الآخر المتعلّق بالافتراض الثالث، أنّ لحاظ معتقَد العالِم في إطلاق

(122)

عنوان (العلم)، يُعدّ جعل اصطلاحٍ جديدٍ للعلم يخالف الاصطلاح الدارج في الأندية العلميّة عن العلم. إنّ السؤال المذكور في الأندية الدينيّة والعلميّة حول علاقة العلم والدين ومعنى العلم الديني، ينظر إلى المعنى الذي لا مدخلية فيه لآراء ومعتقدات العالِم في نتيجة التحقيق والدراسة، نعم تؤثّر رؤية العالِم في نوعية الاستفادة التي يستفيدها من نتائج دراساته في مسألةٍ أو فرع علميٍّ خاصّ، لباقي الموارد. فكما هو قادرٌ على الإجابة عن سؤالٍ فيزيائي بالاستعانة بمسألة رياضيّة، قادر أيضًا بنظرته الإلهيّة للرياضيّات أن يستفيد من مسألةٍ رياضيّةٍ كمقدّمةٍ للاستدلال الكلامي. ولكن هذا النوع من الاستخدام لا يعني ديننة الرياضيّات، ولا يستلزم أيّ تغييرٍ في العلوم، بل إنّه نوعُ استخدامٍ لعلم الرياضيّات خارج عن الحدود الموضوعة للعلم.

إنّ موضوع الرياضيّات ومسائله ومقدّماته ومصادره ومناهجه ونتائجه سيّان في كلا الرؤيتين، والمائز الوحيد بينهما أنّ عالِمًا ينظر إلى هذه الحقائق بمنظار إرادة الله وفعله، والآخر لا يستنتج هذه النتيجة. علمًا بأنّ إدخال هذا الاتّجاه الفكري والاستنتاج في العلم، إنّما هو جعل اصطلاحٍ جديدٍ للعلم، ويعدّ خروجًا عن محلّ البحث. فلا مدخليّة للإيمان والكفر في العلوم الحصوليّة التي لا بدّ أن تُدرس عند الأستاذ، وتُجرّب في المختبرات، أو تُستنتج من الوثائق، وعليه يمكن للمؤمن وللكافر أن يتعلّمها من المصادر المعتبرة عن طريق استخدام المنهجيّة الصحيحة.

ثمّ حتّى في فهم بعض المسائل الدينيّة وكسب المعرفة حولها، لا يشترط لزوم إيمان الشخص، وهذا يدلّ على إمكان فهم الكفّار لبعض معارف الدين الأساسيّة والإيمان بحقانيّة الدين، وإلّا كانت الحجّة للكفّار في عدم الإيمان، وكان إرسال الرسل عبثًا. نعم توجد مرتبةٌ من المعرفة تتعلّق بالإيمان أوّلًا وتنسب إلى المعرفة بالعرض، وقد تختلف بسبب الإيمان والكفر. هذه المرتبة من المعرفة تتعلّق

(123)

بمساحة من ارتباط العالم والمعلوم، إذ إنّ المؤمن يدركها بنحوٍ آخر، فهذا النوع من الإدراك والفهم لم يكن حاصلًا بمجرّد الاستدلال أو الشهود، بل إنّه نورٌ قلبي لم يمنحه الله لكلّ أحد: ﴿إِنْ تَتَّقُوا اللَّهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا[1].

فهذا طورٌ آخر من المعرفة يحتاج إلى شيءٍ أعلى من التعليم والتعلّم والتفكّر، وأكثر من استعمال الأدوات العلميّة، وبسبب انحصار مقدّماته في المؤمن فقط، يختصّ بالمؤمن فقط، ويُحرم الكفّار عنه، ولكن لا فرق بين المؤمن والكافر في العلوم الحصوليّة والتعليم والتربية المتداولين، وهذا المقدار من العلم متاحٌ للجميع.

ت. أن يكون كلام الله أو فعله موضوع العلم

الاصطلاح المستخدم الآخر للعلم الديني ـ ويقترب كثيرًا من المعنى المتقدّم ـ أن يستخدم وصف (الديني) للعلوم التي يكون موضوعها كلام الله أو فعله. وقيل في الاستدلال على هذا الاستعمال: إنّ السبب في إطلاق العلوم الدينيّة على العلوم الحوزويّة، كون موضوعها كلام الله تعالى وهدفها فهم كلام الله، فإذا أمكن إطلاق عنوان (العلم الديني) للسعي نحو فهم كلام الله، لماذا لا يمكن إطلاق العلم الديني للسعي نحو فهم أفعال الله تعالى (المتجلّية في الطبيعة)؟، فبناءً على هذا الاستدلال إذا تمّ دراسة الظواهر الطبيعيّة وعلاقاتها فيما بينها مع لحاظ حقيقة كون جميع الظواهر الطبيعيّة من أفعال الله، وإذا كان غرض الطالب الباحث في هذه العلوم كشف ودراسة مظاهر فعل الله، فستكون نتيجة هذا الجهد العلمي دينيًّا، وإن ثبتت المسائل بالمنهج التجريبي.

وبعبارةٍ أُخرى إنّ العلم الديني علمٌ يؤدّي إلى معرفة الله، سواء حصل عن طريق معرفة كلامه أم أفعاله، فهدف الدين هو التعرّف على الله، وكلّ علمٍ ساعدنا

(124)

على معرفة الله، فهو علمٌ ديني من حيث مساعدته لمعرفة هدف الدين (أي معرفة ذات الله وصفاته وأفعاله) وبهذا التقرير أمكن لجميع العلوم أن تكون دينيّةً، وإن لم يمكن نفي العلم غير الديني تمامًا؛ لأنّ من لم يمتلك هذه الرؤية وهذا الدافع، لم يكن حصيلة جهده (العلم الديني) بهذا المعنى المراد.

ثمّ إنّ هذا المعنى ـ كالمعنى السابق ـ وإن أمكن تبريره لغويًّا، ولم يُحدث مشكلة فلسفيّة خاصّة، غير أنّه يشترك في بعض النقاط مع النقد المذكور للمعنى السابق. ومن النقود التي تُذكر لهذا المعنى عدم إرادة هذا المعنى من العلم الديني، وعدم استخدامه في الاستعمالات المتعارفة في الأندية العلميّة والدينيّة، فعندما نتكلّم عن علاقة العلم بالدين، أو عندما نتكلّم عن إمكان العلم الديني أو ضرورته، لم يكن هذا المورد محلَّ النزاع، ورغم عدم الممانعة من وضع اصطلاحٍ جديد، غير أنّه لا ينفع لحلّ المسألة. مضافًا إلى أنّ كلّ علمٍ يمتلك موضوعًا خاصًّا، يكون لا بشرط بالنسبة إلى رؤية العالِم الدينيّة أو غير الدينيّة، وإلى دوافعه التحقيقيّة. فموضوع الطبّ صحّة الجسم وعلاج الأمراض، فلو افترضه طبيب فعلًا إلهيًّا لم يخرج من نطاق علم الطب.

وعليه فالاعتقاد بارتباط موضوع العلم مع الفعل الإلهي (رغم شرافته وأهميّته)، والاستفادة من نتائجه لتعميق المعرفة الدينيّة والإلهيّة، خارجٌ عن الحدود الموضوعة لتعريف تلك العلوم. وهو نوعُ استخدامٍ للنتائج العلميّة لإثبات أو تعميق المعارف الدينيّة، وهو أمرٌ في غاية الأهميّة، وله مقامٌ رفيع في تقييم أفعال الإنسان.

ث. عدم مخالفة العلم للتعاليم الدينيّة

من جملة المعايير المذكورة لوصف العلوم بالدينيّة (وربّما يكون المعيار السابق أقوى منها)، عدم تنافي مباني ذلك الفرع العلمي وأهدافه أو القضايا

(125)

المذكورة فيه، مع تعاليم دين الإسلام. وعدم التنافي هذا يشمل حتّى الموارد التي لا توجد فيها أرضيّة التنافي، كما لو كان موضوع العلم ومسائله بعيدةً بشكل تامّ عن موضوع الدين ومسائله. وبعبارةٍ أخرى إنّ التقابل هنا بين التنافي أو عدم التنافي مع الدين لم يكن من قبيل التقابل بين العدم والملكة مع رعاية الشأنيّة فيها. وهذا المعيار أخصّ من المعيار الأوّل وأكثر تعيّنًا من حيث المحتوى، ولكن لاكتفائه على الوجه السلبي فقط، لا يعطينا معيارًا إيجابيًّا.

فالعلم الديني بهذا المعنى يشمل كلّ علمٍ لا احتكاك له بالإسلام، وهذا يعني أنّ علومًا كالرياضيّات والمنطق والفيزياء والكيمياء وغيرها، التي لا يوجد فيها ارتباطٌ مباشرٌ مع مسائل الدين والإسلام وأهدافه، تكون دينيّةً على الرغم ممّا فيها من نظريّاتٍ مختلفةٍ ومتغيّرةٍ أو حتّى ربّما متناقضة؛ لأنّ أيّ واحدٍ من هذه العلوم لا يتعارض مع تعاليم الدين ولا يتنافى.

وطبقًا لهذا المعنى للعلم الديني، فإنّ العلوم التي لم تكن دينيّةً، إمّا أن تكون ـ كالسحر والشعوذة ـ فرعًا علميًّا يحتوي على أهدافٍ ومناهج مخالفةٍ لأهداف الدين ومناهجه. أو تكون نظريّاتٍ علميّةً ـ قد ثبتت بشكلٍ يقينيّ أو ظنّيّ أو احتمالي عن طريق منهج ذلك العلم ـ مقبولةً لدى بعض العلماء في ذلك العلم، غير أنّها تتنافى مع تعاليم الدين الصريحة واليقينيّة. ولازم هذا المدّعى أن يكون للدين رأيٌ صريحٌ وثابتٌ في موضوع ذلك الفرع العلمي وأهدافه ومنهجه، أو في تلك المسألة الخاصّة، أو على الأقل في أُصوله الموضوعة وخلفيّاته الفكريّة، كي يتمكّن من ردّ تلك النظريّة العلميّة. وبناءً على هذا حتّى لو وجدت نظريّات دينيّة ـ لم تصل إلى حدّ اليقين لكنّها معتنى بها ـ في نفي الفرضيّات العلميّة، فهذا لا يكون مجوزًا للحكم بكون تلك الفرضيّات غير دينيّة. وعلى سبيل المثال فإنّ كثيرًا من النظريّات المذكورة في علم النفس السلوكي تبتني على أصول الفلسفة الماديّة

(126)

وإنكار ما وراء الطبيعة، بحيث إنّ تفسيرها للظواهر النفسيّة والطرق العلاجيّة المذكورة لتلك المسائل، تتنافى مع مباني الدين الضروريّة، فيقال لمثل هذه العلوم إنّها غير دينيّةٍ أو ضدّ الدين، وفي المقابل فإنّ العلوم التي لا تتقاطع مع مباني الدين وتعاليمه ـ وإن كان سبب ذلك عدم علاقتها بالدين لا في الموضوع ولا المسائل ولا منهج التحقيق ـ فيقال لها دينيّة؛ لأنّها تمتلك المعيار الأقل في عدم التنافي مع الدين.

 ثمّ إنّ مشكلة هذا التفسير للعلم الديني، تكمن في أنّ القيمة المعرفيّة للعلوم البشريّة قلّما تصل إلى درجة اليقين وبشرائط خاصّة. وهذا الأمر صادقٌ سواء حصلت المعرفة عن طريق التجربة أم العقل وتعلّقت بالظواهر الطبيعيّة والبشريّة، أو حصلت معارفنا عن طريق التفكّر في النصوص الدينيّة وانتهت إلى المعرفة الدينيّة. إنّ أكثر الآراء والنظريّات الرائجة في العلوم ظنيّة؛ ولذا يتمّ إبطالها بعد مدّة ما، وتُستبدل بنظريّات جديدة. والمتوقّع من النظريّات العلميّة إجابتها على المسائل المبحوثة بأجوبةٍ منهجيّةٍ قابلةٍ للدفاع، وتتمكّن من تأمين الحوائج بالمقدار المقبول، وإنْ لم تنته منطقيًّا إلى معارف يقينيّة مائة بالمائة؛ لذا نرى وجود نظريّات في جميع العلوم تحظى بالقبول عند الناس لمدّةٍ من الزمن، أو بعبارة أُخرى تشكّل الباراديغم الغالب، ولكن يظهر خطأها أو نقصانها بعد مدّةٍ ويتمّ إبطالها أو يطالها الاستثناء، وما أكثر هذه التحوّلات في عالم العلوم، ولكن هذه التحوّلات لا توجب خروج نظريّةٍ مّا من نطاق ذلك العلم، بل إنّ النظريّات المخالفة أو المتضادّة أحيانًا، تكوّن جسم ذلك العلم وتساعد على تطوّره وازدهاره.

ونحن نرى نظير هذا الوضع في العلوم والمعارف الدينيّة، إذ لمّا كانت هذه المعارف حصيلة جهد علماء الدين النظري والاستدلال العقلي، فهي لا تأمن آفة

(127)

النقصان أو الأخطاء. لذا تطرأ خلافاتٌ بين علماء ومتخصّصي الفروع المتنوّعة للعلوم الدينيّة، ترجع جميعها إلى اختلاف فهمهم للنصوص الواحدة. فاختلاف الفقهاء في الفتاوى العمليّة، واختلاف المختصّين في التفسير في المعنى المراد من آيات القرآن الكريم رغم سعيهم الخالص لكشف مراد الله ومراد المعصومين عليهم‌السلام ، يكشف عن هذه الحقيقة الدالّة على أنّ اليقين في المعارف الدينيّة جوهرٌ نادرٌ، والسّكّة الرائجة هي المعارف الظنيّة التي لو رُوعي في الحصول عليها الشرائط الصحيحة، لكانت حجّةً ومعتبرةً شرعًا.

وعليه فإنّ النظريّات العلميّة المتنافية مع المعارف الدينيّة اليقينيّة لم تكن كثيرة، وأمكن عدُّ أكثر العلوم وكذلك النظريّات العلميّة بهذا المعنى ذيلَ أسرةِ العلم الديني الكبيرة. وبناءً على هذا فإنّ معنى الدينيّة وفائدة تقسيم العلوم إلى دينيّةٍ وغير دينيّة توضع بين قوسين ويتم التشكيك فيها.

ج. العلم المتوافق مع تعاليم الدين

إنّ المعيار الأفضل والأكثر دقّةً من المعايير السابقة، أن يكون العلم الديني هو ما لا يخالف الدين، بل يؤيّده الدين أيضًا. وهذا المعنى يمكنه أن يشمل فروعًا من العلم كالعقائد والفقه حيث إنّ تعلّمهما ومدارستهما مطلوبةٌ ومؤكّدٌ عليها في الدين الإسلامي، كما يشمل النظريّات والقضايا العلميّة التي نجد مؤيّدات لها في كلام الشارع المقدّس أو أولياء الله المعصومين عليهم‌السلام . ومن الواضح أنّ المقصود من (الدين) هنا محتوى الكتاب والسُّنّة، ولو كان بمعنى العقائد والقيم المتعلّقة بسعادة الإنسان، فحينئذٍ لم تبقَ مصاديق كثيرة للعلم الديني، عدا العلوم المستنبطة من المصادر الدينيّة تمامًا. وبناءً على هذا المعيار، ولأجل وصف نظريةٍ بـ(الدينيّة) لا داعي لاستنادها إلى المصادر الدينيّة، أو متابعة المنهج النقلي، بل ـ وطبقًا لهذا المعنى ـ يمكن أن تثبت نظريّةٌ عن طريق الاختبار التجريبي أو الاستدلال العقلي،

(128)

ولأجل مطابقتها مع ما قاله أولياء دين الإسلام توصف بالدينيّة والإسلاميّة. فبناءً على هذا المعنى، يكون معنى دينيّة النظريّة أنّها تتوافق مع تعاليم الإسلام أو أكثر توافقًا معها من بين سائر النظريّات المختلفة المذكورة في مسألةٍ مّا.

إنّ من الطبيعي وجود نظريّاتٍ مختلفةٍ في مسألةٍ مّا، بحيث يقيم كلّ واحدٍ أدلّةً وشواهد لإثبات صحّة نظريّته كما ينتقد النظريّات المنافسة، ولكن رغم هذا لم يتمكّن ولا واحد منهم من إثبات صحّة رأيه للجميع أو على الأقل لأكثر أعضاء المجتمع العلمي؛ لذا نرى أنّ جميع هذه النظريّات موجودةٌ جنبًا إلى جنب في الفضاء العلمي ولها أنصارها، وعلى سبيل المثال ففي علم النفس الحديث، ظهرت آراء مختلفة في تبرير الظواهر النفسيّة وبيان كيفيّة تحقّقها، وهذه الآراء تبتني عادة على مبانٍ فلسفيّةٍ أو معرفيّةٍ خاصّة. مثلًا يمكن الإشارة إلى الخلاف القائم بين السلوكيّين مع بعض مدارس علم النفس كالإنسانويّين. فالسلوكيّون يحاولون تبيين جميع الظواهر النفسيّة عن طريق المنهج التجريبي والشواهد الحسّيّة؛ لذا يحاولون ربط أيّ ظاهرةٍ نفسيّةٍ مع حدوث تغييرات في الدماغ والأعصاب وسائر أعضاء الجسم. فإنّهم لم يكتفوا بعدم لحاظ أيّ حقيقةٍ أخرى بل يقومون بإنكارها أيضًا، فلم يذعنوا لحقيقةٍ مستقلّةٍ اسمها الروح (بوصفها أمرًا غير مادّي).

 إنّ المدرسة السلوكيّة هذه ترتبط بشكلٍ وثيقٍ مع الاتّجاه الوضعي في الفلسفة، وعند ازدهار الاتّجاه الوضعي في الأندية الأكاديميّة الغربيّة، كان للسلوكيّة في علم النفس رواجٌ كبيرٌ ولها أنصارٌ كُثر. إنّهم يلخّصون نفس الإنسان في أعماله الظاهريّة المشاهَدة، ولا طريق لهم لحلّ المشاكل النفسيّة سوى إحداث تغييرٍ مناسبٍ في وظائف الجسم المادّي عن طريق العلاج والدواء أو عن طريق العلاج السلوكي. وقد ظهرت فيما بعد مدارس أخرى تخالف السلوكيّة كالتحليل النفسي، والمدرسة الكماليّة والإنسانويّة في علم النفس، التي سلكت مناهج أُخرى لتبيين أو تغيير سلوك الإنسان.

(129)

عندما توجد مقترحاتٌ أو طرقٌ عدّة لبيان مسألةٍ مّا، ربما أمكن أن تتوافق إحداها مع قيم الدين ومبانيه وتكون الأخرى غير متوافقة. فعلى سبيل المثال ربّما يعطي طبيبٌ نفساني وصفةً لحالةٍ نفسيّةٍ خاصّةٍ تحتوي على مقدارٍ معتدٍّ به من الخمر الذي يوجب السكر شئنا أم أبينا، ويأتي عالمٌ نفساني آخر ويعالج ذلك المرض بطريقةٍ أُخرى لا يوجد فيها الخمر، كما يمكن علاج بعض المشاكل النفسيّة عن طريق العلاج السلوكي أو التحليل النفسي، وهذه أيضًا يمكن أن تشتمل على أعمالٍ شرعيّةٍ أو غير شرعيّة، فجميع هذه المناهج والوصفات تقع داخل علمٍ واحد، ولكن عندما تُقاس مع قيم الدين وأحكامه، أمكن تقسيمها إلى قسمين: المناهج والوصفات المتوافقة مع قيم الدين وأحكامه، والمناهج والوصفات المخالفة لقيم الدين وأحكامه.

وبناءً على تعريف العلم الديني بما يتوافق مع الدين، لا بدّ من القول بأنّ النظريّات والطرق المتوافقة مع مباني الدين وأحكامه وقيمه، تكون من مصاديق العلم الديني. وعليه فإنّ الطبيب النفساني الذي يتعاطى لأجل علاج الأزمات النفسيّة مع الأدوية أو السلوك المتوافق مع القيم الدينيّة، فإنّه يعمل على وفق علم النفس الديني. أمّا الذي يقترح طرقًا مخالفةً لقيم الدين، يكون علمًا غير ديني أو ضدّ الدين (بالمسامحة) لمخالفة قيم الدين. نعم إنّ افتراض انحصار علاج مرضٍ مستعصٍ وقاتلٍ في استعمال دواء يحرم استخدامه بالحكم الأوّلي عند الشرع، خارجٌ من بحثنا؛ لأنّه يشتمل على الحكم الثانوي الذي هو الجواز؛ لذا لا يتعارض مع أحكام الإسلام. وبحثنا هنا يقع فيما لو كان المرض غير قاتلٍ ويمكن تحمّله، ويوجد فيه طريقان للعلاج أحدهما متوافقًا مع قيم الإسلام والآخر غير متوافق، والنتيجة أنّ الأوّل يوصف بالديني والثاني بغير الديني.

(130)

د. العلم المستنبط من المصادر الدينيّة

إنّ الوجه الآخر لانتساب الدين إلى العلم، يفترض فيما لو كان الغرض من (الدين) محتوى مصادر الدين الأصيلة (أيّ القرآن والسنّة)، ويكون الغرض من العلم مجموعة المسائل التي تدور حول محور موضوعٍ واحد، فحينئذٍ يكون العلم الباحث عن أجوبة مسائله في المصادر الدينيّة وعن طريق المنهج النقلي الصحيح، علمًا دينيًّا. ويمكن افتراض مصداقين لهذه العلوم: العلوم التي يمكن إثباتها بمناهج عدّة، منها المنهج النقلي والاستفادة من مصادر الدين. القسم الثاني العلوم التي ينحصر المنهج المقبول فيها بالمنهج النقلي التعبّدي، وتنحصر المصادر في المصادر الدينيّة الأصيلة.

وسوف نتطرّق فيما يأتي إلى تفصيلٍ أكثر حول هذين القسمين:

1. تعدّد المناهج مع الاستفادة من المصادر الدينيّة

بناءً على هذا الاصطلاح، يمكن أن نجد فروعًا من العلم تتحدّث عن مواضيع قابلةٍ للإثبات بعدّة مناهج؛ فيمكن دراستها بالمنهج العقلي أو التجريبي، والإجابة على أسئلتها، كما يمكن أن نجد أجوبتها من خلال المنهج النقلي وفي مصادر الدين الأصيلة (الكتاب والسنّة)، فلو ثبتت هذه المسائل حينئذٍ بالمنهج العقلي أو التجريبي، لكان هذا العلم غير دينيّ، بمعنى عدم الاستفادة من المصادر الوحيانيّة، وإنْ استفاد في إثباتها من المصادر الدينيّة، وأخذ أجوبة المسائل من آيات القرآن أو الروايات المعتبرة، لكان العلم دينيًّا.

ففي علم الكلام على سبيل المثال، يمكن إثبات وجود الله وصفاته بالمقدّمات العقليّة البحتة، كما يمكن إثباتها عن طريق الرجوع إلى تعاليم الوحي الواردة في القرآن وروايات المعصومين. وكذلك بعض المسائل الأخلاقيّة يمكن إثباتها باعتماد مقدّماتٍ عقليّةٍ بحتة، كما يمكن إثباتها بالمنهج النقلي المستنبط من الآيات والروايات (الدليل النقلي)، ففي هذه الموارد لو أثبت العلم مسائله عن

(131)

طريق المنهج العقلي البحت، لكان علمًا عقليًّا فلسفيًّا أو غير ديني، أمّا لو استفاد من المنهج النقلي والمقدّمات الوحيانيّة لكان العلم دينيًّا. والعلّة هنا في جعل العلم دينيًّا وإطلاق هذه النسبة الموجودة بينهما عليهما، الاعتماد على المصادر الدينيّة لاكتشاف مسائل ذلك العلم وحلّها.

ولو أردنا من العلم القضايا العلميّة، لتوسّعت دائرة العلم الديني بهذا المعنى، وعلى سبيل المثال يوجد في علم الكلام مسائل من قبيل أصل وجود الله تعالى، ولمّا كان الطريق الوحيد لإثباتها هو المنهج العقلي، ويتوقّف اعتبار المصادر الدينيّة على إثباتها، فعليه لا يمكن الاعتماد على المنهج النقلي والتعبّدي في هذه المسائل. ومن جهةٍ أخرى توجد مسائل كلاميّة لا يمكن إثباتها إلّا بالدليل النقلي كإمامة شخص علي بن أبي طالب عليه‌السلام ؛ لأن العقل يعجز عن إثبات القضايا الشخصيّة بمفرده، ولا بدّ أن يستعين بالدين في مثل هذه الأمور.

فهاتان المسألتان الكلاميّتان خارجتان عن موضوع بحثنا حول العلم الديني حاليًّا؛ لاعتمادهما على منهجٍ إثباتي واحد. ولكن توجد بعض المسائل الكلاميّة يمكن إثباتها بالدليل العقلي والدليل النقلي كمسألة المعاد. حتّى أنّنا قد نجد قضايا في سائر العلوم كالفلسفة والطبّ والتاريخ وعلم النفس ونحوها، يمكن إثباتها بالرجوع إلى مصادر الدين الأصيلة، وإن لم يكن المنهج الرئيس فيها هو المنهج النقلي أو تكون مصادرها غير الكتاب والسُّنّة.

ففي جميع هذه الفروض، يمكننا إطلاق وصف (الديني) على قضيّةٍ أو نظريّةٍ إذا استندت إلى نصوص الدين المعتبرة، وأصبحت علمًا معتبرًا عن طريق المنهج النقلي الصحيح. أمّا لو ثبتت تلك المسألة نفسها بغير المنهج النقلي وبمعونة مصادر أخرى غير المصادر الدينيّة، لم تكن دينيّةً بهذا المعنى، وإن وصلت إلى النتيجة نفسها التي أشارت إليها المصادر الدينيّة. فدينيّة النظريّة هنا وإسلاميّتها

(132)

تعني: إنّ هذه المسألة أو النظريّة وإن أمكن إثباتها عن عدّة طرق، لكنّها ثبتت بدرجةٍ جيّدةٍ من الاطمئنان العلمي عن طريق الرجوع إلى المصادر الوحيانيّة.

وهذا الاطمئنان قد يصل في بعض الاحيان إلى حدّ اليقين، كما لو علمنا بأمرٍ عن طريق صريح القرآن أو النقل المتواتر اليقيني، وإذا لم نصل في بعض المسائل إلى العلم اليقيني، لا بدّ أن نحرز الاطمئنان العقلائي القابل للدفاع عنه. وعليه ففي هذا الاستعمال من العلم الديني، ينحصر ملاك (الدينيّة) ـ لفرعٍ علمي أو نظريّاتٍ علميّة ـ في المنهج والمصدر الديني حصرًا، ولم يلحظ وصف الديني أو غير ديني لنتائج التحقيق، كما أنّ الهدف أيضًا لا يلحظ لا في تعريف الدين ولا في انتسابه إلى العلم.

هذا الاستعمال يقتضي أنّه إذا كان موضوع فرع أو مسألة علميّة بنحوٍ يمكن إثباته بعدّة طرق، منها طريق الرجوع إلى الكتاب والسنّة، وإذا ورد في الكتاب والسُّنّة ما يخصّ تلك المسألة، فحينئذٍ دراسة تلك المسألة في ضوء مصادر الدين يوجب ولادة العلم الديني. وعليه لو فقد أيّ شرطٍ من هذه الشروط لانتفى العلم الديني بهذا المعنى. وهذا المعنى لا يوجد فيه أيّ إشكالٍ منطقي إذا رُوعي فيه جميع الشروط ويمكنه أن يُتداول كاصطلاحٍ مقبول. ولكن ضرورة هذا الأمر ومطلوبيّته بحاجةٍ إلى دراسة شرائط أخرى، منها وجود معلوماتٍ غنيّةٍ وكافيةٍ ومعتبرةٍ عن الموضوع المبحوث عنه في المصادر الدينيّة. إذ التمسّك بالروايات الضعيفة سندًا وبالعباراتٍ المبهمةٍ أو المحتملة لأكثر من معنى، في إثبات المسائل العلميّة فيه خطرٌ كبيرٌ لا يهدّد العلم فحسب بل يزلزل أسس عقائد الناس ويدمرها أيضًا. والشرط الآخر يدلّ على أنّ تحصيل مثل هذا العلم لا يعني ترك المناهج المعمول بها والمناسبة لحلّ المسائل في العلوم.

فهذه الرؤية الخاطئة أدّت إلى وهن الدين من جهة، ومن جهة ثانية أدّت إلى

(133)

التشكيك في جهود علماء الإسلام للوصول إلى أجوبةٍ مطمئنةٍ عن طريق المصادر الدينيّة، وهذا الأمر بحدّ ذاته من آفات ومشاكل موضوع (العلم الديني). فمنذ ظهرت مباحث أسلمة الجامعات، وبتبعها أسلمة العلوم، ظهرت رؤى متناقضة حول هذا الموضوع. فمن تلك الرؤى الخاطئة التصوّر بأنّ الأسلمة تعني تغيير منهج الدراسة في العلوم التجريبيّة إلى المنهج النقلي، وبناءً على هذا التصوّر يلزم تعطيل المختبرات، وأن نقوم بقراءة القرآن والحديث فيها بدل التحقيق والتجربة والمشاهدة والتنظير. وبعبارةٍ أخرى قد تصوّر بعضهم أنّ أسلمة العلوم يعني استبدال المنهج النقلي والفقهي بدل المنهج التجريبي والعقلي في جميع العلوم. ومن الواضح سذاجة هذا التصوّر، ويرد عليه نقود كثيرة.

من تلك النقود إنّ إبطال جهود العلماء العلميّة والفكريّة غير ممكنٍ وغير عقلائي، وغير مطلوبٍ في الوقت نفسه. فقد سعى ملايين العلماء وبتجشّم شتى أنواع العناء والتعب ليلَ نهارَ وعلى مدى القرون المتطاولة وفي مختلف فروع العلوم العقليّة والتجريبيّة، لحلّ كثيرٍ من مشاكل البشر النظريّة والعمليّة وظهور حضارات مختلفة. وهذه الجهود وإْن شهدت صعودًا وهبوطًا دائمًا، ولا تخلو من أخطاءٍ كبيرةٍ أو صغيرة، ولكن السؤال الوارد هنا عن جهود العلماء هذه هل هي باطلة وعبثيّة جميعها، ويحكم الإسلام ببطلانها؟ وهل جاء النبي الخاتم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  والأئمّة المعصومون (صلوات الله عليهم أجمعين) ليحلّوا محلّها، ويجيبوا على مسائل الإنسان التجريبيّة؟

لا يوجد أيّ دليلٍ عقلي أو نقلي يؤيّد هذه الفكرة، بل إنّ دعوة المصادر الدينيّة إلى طلب العلم حتّى من غير المسلم، تثبت خلاف تلك الدعوى. إنّ المصادر الدينيّة ـ بحسب رسالتها الخاصّة والحمل الثقيل الموضوع على عاتقها لهداية البشريّة نحو الكمال والسعادة الحقيقيّة ـ لا تتكفّل بيان كثيرٍ من مسائل العلوم

(134)

المتغيّرة، بل تركتها لسائر أدوات المعرفة التي أودعها الله في الإنسان كالعقل والحسّ؛ ولذا فإنّ الآيات والروايات التي تتطرّق إلى مسائل كهذه، لم تكن بمستوى واحدٍ من حيث وضوح الدلالة واعتبار السند، وما يمكن الاستناد عليه منها لم يبيّن جميع شروط المسألة وقيودها. وبناءً على هذا فإنّ تصوّر إمكان استنباط جميع العلوم من مصادر الوحي والاكتفاء بها، تصوّرٌ غير معقول وغيرُ منطقي وغيرُ عملي. إنّ طريقة عمل علماء الإسلام منذ القديم تدلّ على عدم اكتفائهم بالدليل النقلي، بل قد استخدموا المناهج العقليّة والتجريبيّة أيضًا في العلوم الخاصّة، حتّى إنّ البعض قد ادّعى أنّ تعرّف الأوروبيّين على المنهج التجريبي كان تأثرًا بعلماء الإسلام.

والأمر الآخر إنّ شأن النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ورسالته، والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام إنّما هو هداية الناس إلى السعادة الأبديّة وإنارة الطريق للوصول إليها، ومن الواضح أنّ السعادة تحصل عن طريق العقائد والسلوك الاختياري وكسب الصفات والكمالات النفسانيّة في هذا العالم؛ لذا فإنّ تبيين هذه العقائد والقيم يُعدّ جزءًا من رسالة رسل الله. أمّا بيان الحقائق التي لا تتعلّق بسعادة الإنسان الأخروية، كبيان حقائق الفيزياء والنجوم والكيمياء، أو علوم الطب وكذلك رفع حوائج البشر الماديّة، فإنّها لا تدخل في نطاق وظائف الدين؛ ولذا لا يستدلّ لإثبات ضرورة النبوّة والوحي الإلهي بحوائج متغيّرة وماديّة؛ إذ الإنسان يتمكّن من معرفة تلك الحقائق عن طريق المصادر وأدوات المعرفة المتاحة له، وكشف طريقة تأمين حوائجه الدنيويّة والصحيّة. وإذا شاهدنا في مطاوي المصادر الدينيّة شيئًا يتعلّق بهذه الأمور، فهو إمّا لأجل بيان مقدّمات تعيننا على معرفة صفات الله كالخالقيّة والحاكميّة والقدرة بنحو أفضل، وإمّا أن تكون تفضّلًا ومن باب مساعدة الناس في أمورهم الدنيويّة. وبعبارةٍ أخرى لا يتطرّق إلى الإسلام ـ كدين إلهي ـ أيّ نقصٍ

(135)

إذا لم يحتوِ على معلوماتٍ طبيّةٍ أو فيزيائية، وإنّ عدم بيانها على لسان النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  لا يعني التقصير في أداء وظيفة النبوّة؛ لأنّ بيان أمورٍ كهذه لم يكن ضمن فلسفة بعثة الأنبياء وتشريع الأديان الإلهيّة.

نعم إنّ الدين، النبيّ والأئمّة المعصومين (صلوات الله عليهم أجمعين)، قد ساعدوا الناس والبشريّة بخدماتٍ علميّةٍ وعمليّةٍ مضافًا إلى أداء كامل وظائف النبوّة والرسالة والإمامة، وقد تركوا للبشريّة في هذا المضمار مواريث علميّةً ثمينةً، ينبغي دراستها بدقّة عاليةٍ للاستفادة منها.

2. العلوم التعبّديّة البحتة

الاصطلاح الآخر المستخدم للعلم الديني، الذي يحدّد دائرة هذه العلوم بشكلٍ كبير، يشمل العلوم التي لا يمكن إثبات موضوعها ومسائلها إلّا بالمنهج النقلي التعبّدي، كبعض مسائل الفقه المتعلّقة بالعبادات (بالمعنى الخاص)[1]، مسائل من قبيل عدد ركعات صلاة الصبح، وما هي أركان الصلاة، وما هي واجباتها ومستحباتها ومكروهاتها؟ وكذلك لا بدّ من إضافة المسائل المتعلّقة بسائر العبادات إليها. فيمكن عدّ علمٍ كهذا تابعًا لعلم الفقه، وتسميته بمعرفة العبادات. كما أنّ العلم الطبيعي عنوانٌ كلّي يشتمل على علوم كالمعادن والنبات والحيوانات. فكذلك علم الفقه بمنزلة مجموعةٍ كلّيةٍ تشمل مجموعاتٍ أخرى كمعرفة العبادات (معرفة الصلاة، معرفة الصوم وغيرهما) وعلم المعاملات والحقوق وغيرها. فهذه المسائل لا تخضع للبرهان العقلي في الإثبات والبحث، ولا المنهج التجريبي والمشاهدة المختبريّة، بل إنّ اكتشافها وإثباتها يعتمد

(136)

على الوحي حصرًا، الوحي المنزل على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  والذي بيّنه الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام . وهذا يعني أنّ هذا العلم يعدّ من العلوم التي تثبت مسائله بالمنهج التاريخي النقلي، وإنّ مصادره تنحصر في المصادر الوحيانيّة والدينيّة.

ثمّ إنّنا هنا إذا لم ننظر إلى اعتقاد الأشخاص أو معرفتهم، لصدق معنى (العلم) على مجموعةٍ من المسائل، بل ننظر إلى (العلم) بمعنى مجرد متعلّق المعرفة وبأنّه مجموعة من المسائل، فحينئذٍ يكون العلم الديني ـ بمعنى مّا ـ جزءًا من الدين. وبعبارةٍ أُخرى إنّ مجموعة القضايا والنظريّات العلمية ـ مع قطع النظر عن تصديق الأشخاص واعتقادهم بها، ومع قطع النظر عن درجة اعتبارها واليقين بمحتواها ـ تعدّ جزءًا من محتوى الدين، ووجه انتساب علمٍ كهذا إلى الدين تساويه مع الدين أو جزئيّته من الدين أي (علم، هو الدين)، أو (علم، هو جزء من الدين).

وبناءً على هذا التفسير من العلم الديني، لا يوجد موضوع ومحمول مسائل العلم الديني في أيّ مصدرٍ آخر غير المصادر الدينيّة، وينحصر طريق الوصول إليها وإثباتها في المنهج النقلي التعبّدي.

وبناءً على هذا الاصطلاح أيضًا، فإنّ العلوم التي لا تمتاز بهذه الخاصيّة، تكون علومًا غير دينيّة، وإن كانت من قبيل القواعد العربيّة اللغويّة كالصرف والنحو، وأصول الفقه وعلم الرجال ونحوها، التي نحتاج إليها بالضرورة لفهم كلام الله والنصّ الديني، والتي يعدّها العرف الدارج (وبناء على بعض الاصطلاحات الأخرى) جزءًا من العلوم الدينيّة. وعليه وطبقًا لهذا الاصطلاح فإنّ العلم الديني هو العلم الذي ذُكر موضوعه ومحموله في النصّ الديني، وثبت عن طريق المصادر الدينيّة.

ولو أنَّا أطلقنا العلم على مجرّد المعرفة المطابقة مع الواقع، لاشتمل حينئذٍ العلم الديني على المعارف المتطابقة مع الواقع فقط، والتي تُستخرج من المتون

(137)

الدينيّة بالمنهج النقلي حصرًا. ولكن إذا أردنا من العلم مجموعة المسائل (مع قطع النظر عن مطابقتها للواقع أو عدم مطابقتها) يكفي لاتّصافها بالديني وجود جوابٍ لها في المتن الديني وإنْ لم يطابق الواقع. ومن جهة أخرى لو حصرنا الدين بالعقائد والقيم والأحكام المطابقة مع الواقع ونفس الأمر، لعُدّت بعض معارف هذه العلوم المطابقة مع حقيقة هذه المسائل عند الله تعالى دينيّة.

أمّا لو استخدمنا الدين في معنى أعم، واكتفينا بمجرّد الاستنباط من المصادر الدينيّة (كما كان هذا المعنى أحد اصطلاحات الدين) فهنا تكون النظريّة دينيّة، والحلّ المستنبط من المصادر الدينيّة بالمنهج النقلي الصحيح، دينيًّا، وإن ظهر الخطأ فيما بعد؛ لأنّ ملاك دينيّة الشيء في هذا الافتراض، استناده إلى المصادر الدينيّة بمنهجيّة صحيحة، ولم يُلحظ فيها شرط المطابقة مع الواقع.

ن. المنهج العلمي الصحيح عند الدين

المناسبة المنهجية الأخرى التي ربما تعيننا في جواز وصف العلم بالديني، أن يكون منهج ذلك العلم مقبولًا عند الدين، وثبت اعتباره في تعاليم الدين، وعلى سبيل المثال قد يقال أنّ الشرع الإسلامي المقدّس يؤيّد بل يؤكّد على استخدام المنهج العقلي لاستنباط معارف الدين وأحكامه، وإنّ المعرفة العقلية حجّة في العلوم الشرعيّة (كالفقه مثلًا) ويُطلق على حصيلة هذه العمليّة (العلم الديني)، ومن هنا يمكن أن نستنتج حجيّة المنهج العقلي في سائر العلوم، وأنّ المعرفة الحاصلة منه تكون مصداقًا للعلم الديني مع قطع النظر عن الموضوع والمحمول.

علمًا بأنّ هذا الاستخدام للعلم الديني، يبتني على معنى أقلّي للدين، ويكتفي بالحدّ الأدنى من المناسبة مع العلم. وبعبارةٍ أخرى إنّ أدنى الملابسة تكون ملاك انتساب العلم إلى الدين، حيث لا تُحدث علقة واقعيّة بينهما بل يُكتفى فيها بالمقدار الذي يكون صحيحًا ومبرّرًا لغويًّا. أمّا الاستدلال القائل: إنّ العقل حجّة في العلوم

(138)

الشرعيّة، ولا يضرّ استخدامه بإطلاق وصف (الدينيّة) عليها، فكلّما وجدنا العقل في مكان، صحّ وصف الديني أيضًا، فهذا الاستدلال ضعيف ويُعدّ مغالطة؛ لأنّ كلمة العقل وكلمة الحجيّة لم يستعملا في كلا الموردين بمعنى واحد.

بيان ذلك: إنّ موضوع العلوم الشرعيّة والتعبّديّة كالفقه، هو سلوك المكلّفين، وغايته كشف ومعرفة إرادة الله التشريعيّة. وطريق كشف هذه المسألة إمّا بالرجوع إلى القرآن الكريم المنزل من قبل الله، وإمّا بالبحث في سُنّة الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  والأئمّة المعصومين عليه‌السلام، وإمّا بالرجوع إلى العقل القطعي البديهي أو القريب من البديهي، وله حكمٌ يقينيٌّ وضروريٌّ بخصوص تلك المسألة. فالعقل هنا يُعدّ من مصادر الدين، وكاشفًا عن إرادة الله تعالى التشريعيّة، وهو الذي يستنبط القيم وما ينبغي وما لا ينبغي. ويطلق على هذا النوع من الإدراكات العقليّة (العقل العملي). أمّا العقل المستخدم في العلم والفلسفة والصناعة والتقنيّة وغيرها، ويكشف الحقائق التكوينيّة يقال له (العقل النظري) حيث يقوم بدراسة الظواهر وكيفيّة تحقّقها، ولا علاقة له بسلوك الإنسان وحسنها أو قبحها وكيفيّة ارتباطها مع الدين وأوامر الله. فمساحة عمل العقل بهذا المعنى، تختلف عن مساحة الدين بمعنى متعلّق إرادة الله التشريعيّة.

أمّا كلمة (الحجّة) في هذا الاستدلال، لم تستخدم بمعنى واحدٍ أيضًا، فوصف العقل بأنهّ حجّة باطنيّة مأخوذٌ من روايات أهل البيت عليه‌السلام وقد استعمله العلماء أيضًا في عباراتهم. وقد ورد في أصول الكافي: «إنّ لله على الناس حجّتين: حجّة ظاهرة وحجّة باطنة».[1] فالحجّة الباطنة هي العقل والحجّة الظاهرة الأنبياء. ولأجل إدراك معنى حجيّة العقل في هذه الرواية، لا بدّ من إدراك حجيّة الأنبياء أوّلًا؛ لأنّ كليهما استخدما في سياقٍ واحد ٍومعنى واحد.

(139)

فحجيّة الأنبياء تعني أنّ قبول تعاليمهم والعمل بها يوجب سعادة الإنسان، ومخالفتهم توجب شقاء الإنسان، وأنّ التخلّف عن أوامرهم يوجب استحقاق العقاب، وموافقتهم توجب الثواب والسعادة. فمعنى حجيّة الأنبياء أنّهم إذا أمروا بشيءٍ فإنّ الله تعالى يمكنه عقاب من خالفه من جهة، وعدم إمكان عقوبة المطيعين من جهة ثانية، وإن وقعوا في الخطأ اشتباهًا، وعندما نضع حجيّة العقل في هذا المناخ المعنائي، يتّضح معنى الرواية، فالرواية الشريفة حينما تجعل العقل حجّةً إلى جنب الأنبياء، فمعناه أنّ العقل ـ وفي نطاق صلاحيّته ـ لو حكم بصحّة شيءٍ أو عدم صحّته حكمًا قطعيًّا، فهو ككلام الأنبياء وأنّ مخالفته توقع الإنسان في الخطر، وأنّ لله تعالى مؤاخذته بسبب هذه المخالفة، وعلى سبيل المثال إنّ العقل يعلم قبح الظلم وحسن العدل، فحتّى لو لم ترد أيّ آيةٍ أو روايةٍ تأييدًا لهذا الأمر، فالله تعالى قد جعل الحجّة علينا بعدم الظلم؛ لأنّنا أدركنا ذلك بالعقل، فالعقل بهذا المعنى حجّةٌ باطنيّةٌ وله الدور نفسه الذي يوجد للحجّة الظاهرة. فهذا المعنى من العقل ينطبق على العقل العملي بوضوح.

ثمّ ما هو المراد من حجيّة العقل عندما يستخدم في العلوم الطبيعيّة أو العلوم الأساسيّة؟ فما معنى الحجيّة في هذه الموارد المتعلّقة بالعقل النظري، والتي لا علاقة لها بالقيم العمليّة والثواب والعقاب الإلهي؟ يظهر أنّ استعمال كلمة (الحجّة) هنا يخالف المصطلح العرفي، ومع هذا حتّى لو استخدم بأيّ معنى، فإنّه يختلف عن المعنى المستخدم في الرواية والذي يُستند عليه في العلوم الشرعيّة؛ لذا فإنّ استخدامه في الاستدلال على ديننة جميع العلوم الثابتة مسائلها بالمنهج العقلي، تكون نوعًا من أنواع مغالطة الاشتراك اللفظي ولا تكون منتجة.

 

 

(140)

و. العلم المشتمل على المسائل الدينيّة

الافتراض الآخر [بهذا الخصوص] عدم مدخليّة المنهج المستعمل لمعرفة الموضوع أو حلّ مسائل العلم في دينيّة العلم أو عدم دينيّته، بل إنّ الملاك الوحيد لاتصاف ذلك العلم بالديني أن يكون موضوعه موضوعًا دينيًّا. وكما هو واضح فإنّ العلم هنا يعني مجموعة من المسائل المتعلّقة بموضوع معيّن، والغرض من الدين هو محتوى الكتاب والسُّنّة، وعلى سبيل المثال فإنّ علم معرفة الله هو (علم) بالاصطلاح العامّ، ويعني مجموعة مسائل تدور حول الله تعالى. ومن جهة أخرى إنّ موضوع هذا العلم يُعدّ أساس الدين، وأهم موضوع تطرّق إليه الدين الإسلامي المقدّس؛ وعليه فإنّ علم معرفة الله يهتمّ بموضوع يُعدّ بالأساس جزءًا من مسائل الدين ومهامّه؛ لذا يمكن اتّصافه بالديني، بمعنى أنّ مسائله مذكورةٌ في الدين أيضًا، وإن اختلف منهج إثباتها في العلم والدين، أو ربّما وصلا إلى نتائج مختلفةٍ أو حتّى متضادّة، فما يجوّز هذا الاتّصاف ـ بناءً على التعريف المذكور ـ إنّما هو اتّحاد الموضوع، من غير اشتراط اتّحاد المنهج أو الموضع.

فطبقًا لهذا الاستعمال نواجه علمًا يعدّ الدينَ نفسَه ويتّحد معه، والمسائل المذكورة في هذا العلم الديني، موجودة هي ذاتها في الدين وفي العلم، وهذه الملابسة بين العلم والدين هي أدنى ملابسةٍ ممكنةٍ بين العلم والدين، وفي المقابل يوجد علمٌ يتباين موضوعه ومسائله مع مسائل الدين ولا علاقة بينهما.

ثمّ إنّه بالاعتماد على هذا التعريف يُطلق عنوان العلوم الدينيّة على العلوم الحوزوية، ويفرّقون بينها وبين العلوم الجامعيّة؛ لأنّ ما يدرس في الجامعات من دروس حول الفيزياء والرياضيّات، لا علاقة له بمجرّده مع الدين وأقسامه الأساسيّة كالعقائد والأخلاق والأحكان، بل إنّها تبحث عادة عبر المناهج التجريبيّة أو العقليّة المحضة، ولا يستفيدون لحلّ مسائلهم من مصادر الدين.

(141)

ولكن العلوم الدينيّة في هذا الاصطلاح تُطلق على علوم معرفة الله، والمعاد، والنبوّة، والفقه، إذ إنّ مسائلها مذكورةٌ في متن الدين وتتّحد مع مسائل الدين بنحوٍ مّا.

وهناك علومٌ تقع في الحدّ الوسط، بمعنى أنّ بعض مسائلها تتداخل وتشترك مع مسائل الدين، وعليه يمكن إلحاق هذه العلوم بالعلوم الدينيّة أيضًا، وعليه يقال: إنّ العلم الذي يشترك في المسائل مع مسائل الدين يكون دينيًّا. ولكن إذا لم توجد للعلم أيّ نقطة اشتراكٍ مع الدين من حيث المسائل لكان علمًا غير ديني. واللافت للانتباه في هذا الاستعمال عدم لحاظ غاية العلم أو نوعيّة استخدامه، وعليه فإنّ الغاية المشتركة بين العلم والدين، أو نوعيّة الاستخدام المشترك بينهما، ليس له دورٌ في دينيّة العلم بهذا المعنى. وكذلك لو كان الدين بمعنى الاعتقادات والقيم المعطوفة إلى السعادة، لخرجت بعض العلوم التي ذكرناها هنا بالدينيّة عن دائرة العلوم الدينيّة.

ه‍. العلم الذي نحتاجه لإثبات الدين

العامل الآخر الذي يبرّر استخدام وصف (الديني) لعلمٍ مّا، الحاجة إلى هذا العلم ـ سواء كان فرعًا علميًّا أم مسألة علميّة ـ لإثبات مسائل الدين، بحيث لا يمكن إثبات مسائل الدين من دونه. وبعبارةٍ أخرى لو هيّأ علمٌ مّا الأصولَ الموضوعةَ للدين، لكان حقيقًا بتسمية (العلم الديني). وكما هو مبيّن في المنطق يلزم الاستفادة من الأصول الموضوعة ـ التي ثبتت في مكان آخر ـ  لإثبات المحمول للموضوع في القضايا غير البديهيّة، والأصول الموضوعة أمّا هي من قبيل المصادرات وإمّا من الأصول المتعارفة.

فلأجل إثبات حقائق الدين في العقائد والأخلاق والأحكام، أو الإجابة على الأسئلة الدينيّة، نحتاج إلى مقدّماتٍ قد ثبتت وبُحثت في علومٍ أُخرى، فيمكن

(142)

وصف مثل هذه العلوم بالعلوم الدينيّة بمعنى مّا. ولمّا كان قسمٌ كبيرٌ من مصادر المعرفة الدينيّة، يتعلّق بالنصوص الدينيّة الأصيلة والمؤلّفة باللغة العربيّة، لا بدّ من احتساب علوم اللغة والأدب العربي وعلوم الصرف والنحو والمعاني والبيان، والعلوم المتعلّقة بالفصاحة والبلاغة، ضمن العلوم الدينيّة بهذا المعنى؛ لمدخليّة هذه العلوم في فهم الآيات والروايات، ولا يمكن فهم مصادر الدين الأصيلة بشكلٍ صحيحٍ من دون هذه العلوم، وكذلك فإنّ علومًا كتفسير القرآن وأصول الفقه، التي تُهيّئ قواعد الفهم الصحيح، تكون علومًا دينيّة، وكذلك الحال بخصوص علم الرجال والدراية حيث تتوقّف معرفة سند الرواية ودلالتها عليهما.

هذا كلّه في قسم العلوم النقليّة التي يكون فهم الدين وفهم مسائله متعلّقًا بالنص. ولكن فإنّ بعض مسائل الدين (سيّما في قسم العقائد) تبتني على قواعد عقليّة لا بدّ من إثباتها في نظريّة المعرفة والفلسفة، لذا يمكن عدّ الفلسفة علمًا دينيًّا أيضًا، لابتناء إثبات بعض المسائل الدينيّة عليها. نعم قد تمّت الإشارة إلى بعض العقائد الدينيّة وأدلّة إثباتها في القرآن الكريم وروايات المعصومين ؟عهم؟ كقوله تعالى: ﴿وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ[1] وأيضًا: ﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ[2]، ولكن لا يمكن إثبات وحدانيّة الله بالقرآن والروايات، للزوم إثبات وجود الله قبل الرجوع إلى النصوص الدينيّة، وكذلك لزوم إثبات وحدانيّته ونبوّة النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم   وحقانيّة القرآن ككتابٍ سماويّ للإسلام، وكذلك حجيّة كلام المعصومين عليهم‌السلام ، كي نتمكّن من الاستناد إلى القرآن في إثبات اعتبار شيءٍ وصحّته. فقبل إثبات هذه المقدّمات (وكلّها بحاجةٍ إلى أدلّة عقليّة) لا يمكن إثبات وحدانيّة الله لمجرّد ذكرها في القرآن الكريم، وبناءً على هذا فإنّ الفلسفة

(143)

التي نحتاجها لإثبات الدين تكون علمًا دينيًّا بهذا المعنى؛ لأنّه لولا هذه القواعد والمقدّمات لما أمكن إثبات مسائل الدين.

ومن الواضح أنّ الغرض من الفلسفة هنا، مجموعة المسائل المتعلّقة بموضوع الفلسفة، لا نظريّة فلسفيّة خاصّة. وفي جملةٍ واحدةٍ: إنّ العلم الديني في هذا الاستعمال يعني ما يتوقّف عليه إثبات مسائل الدين. ولعلّ هذا الاستعمال هو سبب إطلاق (العلوم الدينيّة) على مجموعة العلوم التي تدرس في الحوزات الدينيّة. فإذا كان العلم بمعنى معرفة قضّيةٍ، سمّيت تلك القضيّة بالعلم الديني، ولكن إذا كان بمعنى فرع علمي يكفي لصدق إطلاق العلم الديني عليه، وجود مثل هذه العلاقة بين بعض مسائله مع بعض مسائل الدين.

ی. المعنى المختار

قبل اختيار المعنى المنتخب من بين سائر المعاني الممكنة للعلم الديني، لا بدّ من لحاظ أنّ غرضنا من ذكر التعريف لم يكن مجرّد ذكر تعريفٍ خاصٍّ، واختياره خاليًا من أيّ إشكالٍ منطقي، وكونه مقبولًا لغويًّا. بل إنّ أهمّ غاية لذكر هذا البحث في مجتمعنا العلمي والديني، وكذلك هدفنا من طرح هذه المباحث: أنّ ما هو موجودٌ اليوم في الأندية العلميّة والأكاديميّة باسم العلم، قد حدّد لنفسه نسبةً مع الدين، ناشئةً من المباني العلمانيّة بل يبتني أساسها على رؤية ضدّ الدين. وهذه الرؤية الخاطئة أدّت إلى نتائج مخوفة للبشريّة، نشاهدها اليوم في بعض المجالات العقديّة والقيميّة والعمليّة. فالغاية من البحث حول العلم والدين، والعلم الديني، هي البحث في هذه العلقة بشكلٍ صحيح، وتصوير الخدمات المتقابلة بين العلم والدين تحت عنوان العلم الديني.

إنّ العلم بحسب التعريف المقبول عندنا، إنما هو مجموعة مسائل تدور حول موضوعٍ واحد، وهذا المسائل المتشكلّة من الموضوع والمحمول تحتاج إلى

(144)

إجاباتٍ إيجابيةٍ أو سلبية، بحيث إنّ أيّ إجابةٍ لأيّ مسألةٍ تعدّ داخل ذلك العلم. وكلّ جهدٍ حصولي في هذا المضمار يعدّ جهدًا من سنخ العلم، ولا يوجد أيّ تأثيرٍ لنوعية الإجابة، أو المصدر أو منهج إثبات تلك المسألة أو حلّها، في دخولها في العلم أو خروجها عنه. وعليه فالعلم بهذا المعنى يشمل العلوم النقلية كالتفّقه في الفقه، والعلوم العقليّة كالتفلسف في الفلسفة، والعلوم التجريبية في سائر العلوم.

أمّا الدين في تعريفنا المقبول هو الإسلام الخالص الذي يعدّ هدفه الرئيس إراءةَ طريق السعادة للإنسان؛ ولذا فإنّ جميع التعاليم النظريّة والعمليّة الناظرة إلى هذا الهدف تكون جزءًا من الدين، ولا تنحصر في التعاليم المستنبطة من مصادر أو مناهج خاصة. ثم إن مصدر هذا التعاليم وبحسب التناسب مع المسألة المبحوثة، يمكن أن يكون الواقع نفسه أو العقل أو الوحي أو الطبيعة المحسوسة، كما أنّ الحصول على تعاليم الدين الإسلامي في مختلف الموضوعات قد يكون أيضًا بالتناسب مع الموضوع إمّا عن طريق المنهج الشهودي (العلم الحضوري) وإمّا المنهج العقلي، وإمّا النقلي، وإمّا التجريبي.

بالاعتماد على التعاريف المذكورة أعلاه، يمكننا البحث عن النسب الممكنة بين هذين المعنيين في التركيب الوصفي للعلم الديني. فالعلم في هذا التعريف يتكفّل وظيفة معرفة الظواهر والعلاقات القائمة بينها، وعلى سبيل المثال فإنّ دراسة الأجسام والبحث عن نوعٍ العناصر المكوّنة للمادّة الخاصّة وبيان خواصّها الفيزيائيّة والكيميائيّة، تعدّ من أهداف بعض العلوم الطبيعيّة. ومن جهةٍ أخرى فإنّ بيان كيفيّة الاستفادة منها لأجل الوصول إلى السعادة الواقعيّة تتجاوز موضوع وغاية العلم. بل إنّ الدين هو المتكفّل لبيان علاقة الظواهر مع كمال روح الإنسان ومصالحه، ويقوم بتقييم كيفيّة تعامل الإنسان مع الظواهر الماديّة وغير الماديّة، ويبيّن تكليف الإنسان تجاهها.

(145)

وفي العلوم الإنسانيّة، فنحن نواجه العلم المحض حينما نشرح ماهية ظاهرةٍ إنسانيّةٍ أو اجتماعيةٍ، ونبيّن علاقاتها مع سائر الظواهر. فهذه العلوم التي تهتم بمجرّد توصيف الواقع الإنساني أو الاجتماعي، تشترك بين المتديّن وغير المتديّن، المسلم وغير المسلم. ولكن عندما تتجاوز حدّ التوصيف، وتدخل في نطاق التقييم والتوصيات والإلزامات الاقتصاديّة، الحقوقيّة، التربويّة ونحوها، فقد دخلت في حدودٍ مشتركة مع الدين.

وعلى سبيل المثال فإنّ دراسة الروابط العلميّة الحاكمة على السوق في علم الاقتصاد تعدّ جزءًا من علم الاقتصاد، ولا معنى للديني أو غير الديني هنا. ولكن عندما نتحدّث عن كميّة الإنتاج أو كيفيّته، ونوع البضاعة، والغاية من الإنتاج، والتسعير، والتنافس، والبيع ونحوها، توجد قيمٌ تتدخّل في تعيين وتبيين هذه المسائل تتداخل مع هدف الدين؛ لذا يمكن للعقائد والأخلاق وأحكام الدين العمليّة، أن تؤثّر في الأصول الموضوعة والأجوبة والإلزامات الاقتصاديّة، ففي هذه المسائل يظهر الفرق بين العلم الديني وغير الديني.

بناءً على هذا فإنّ الاقتصاد الديني (الإسلامي) علمٌ يلحظ مباني الدين العقديّة وقيمه في مختلف مراتب هذا العلم ويتطابق معها، أو لا ينافيها على الأقل. وضرورة هذا التوافق، وعدم التنافي ليسا إلزامًا تعبّديًّا محضًا، بل إنّهما يبتنيان على أصولٍ ثبتت في محلّها بالأدلّة العقليّة؛ ولذا نقبلها ونؤكّد عليها.

وفي المقابل فإنّ النظريّات العلميّة التي تبتني إمّا على مبانٍ ضدّ الدين كالماديّة وإنكار المجرّدات، وإنكار الروح المستقلّة عن الجسم، وإمّا أن تقترح مناهج وسلوكًا خاصًّا لا يتوافق مع معتقدات الدين وقيمه أو يضادّها، فإنّها تُعدّ من مصاديق العلم غير الديني أو ضدّ الدين. ويعني التنافي مع معتقدات الدين أنّ هذه النظريّات قد ابتنت على أصولٍ موضوعة ـ كتساوي الوجود مع المادّة أو محدوديّة

(146)

حياة الإنسان بهذا العالم ـ لا يقبلها الدين. فديننة هذه العلوم أو أسلمتها تستلزم كشف وترويج النظريّات والتفاسير والمناهج المتوافقة مع قيم الإسلام ومبانيه.

ومن المؤسف أنّنا نرى منذ نصف قرنٍ السعي الحثيث نحو تدريس نظريّاتٍ وكتبٍ في جامعات الدول الإسلاميّة ومنها إيران لا تتوافق مع الدين، وربّما يوجد تعمّد بترجمة الكتب المضادّة لمباني الدين وقيمه في مختلف العلوم لا سيّما العلوم الإنسانيّة. وما يوجب الريبة ويؤيّد ما قلناه أنّه على الرغم من وجود علماء في مختلف العلوم ـ حتّى عند علماء الغرب ومن غير المسلمين ـ يذعنون بالله وعبادة الله، ولهم آراء ونظريّات مقبولة نسبيًّا، غير أنّ آثارهم لم تترجم، ولم تُلحظ في الكتب الدراسيّة، أو لم يتمّ إرجاع الطلبة إليها للاستفادة منها كمراجع ومصادر.

طبعًا ـ كما أشرنا ـ لا يمكن تقسيم جميع العلوم ـ بهذا المعنى ـ إلى دينيّة وغير دينيّة، وإسلاميّة وغير إسلاميّة، فالعلوم التي لا ترتبط بالدين من حيث الموضوع والمسائل والأهداف، لا تتّصف بالدينيّة وغير الدينيّة. ولكن العلوم التي تشترك مع بعض قضايا الدين (العقائد، القيم والأحكام) في المباني، والقيم أو المناهج، أمكنها أن تكون دينيّةً أو غير دينيّة. فهذه العلوم تكون دينيّةً فيما لو اعتمدنا على نظريّاتٍ يؤيّدها الدين، أو لم ينفها الدين على الأقل، سواء ذَكر الآخرون هذه النظريّات، أم نقوم نحن بإبداع نظريّةٍ بالاعتماد على المصادر الدينيّة، ونذكرها على نحو الاحتمال، ونقوم بإثباتها بالأدلّة المنطقيّة والمنهج المعتبر، ونقد النظريّات الأخرى المنافسة.

 وعليه فلا يعني امتلاكنا لمصادر الإسلام الوحيانيّة، عدم حاجتنا إلى جميع العلوم؛ لأنّنا حتّى في المسائل العمليّة والقيميّة، نحتاج إلى مختلف العلوم لمعرفة الموضوع. ومن جهة أُخرى لا يعني معرفتنا للعلوم الاستغناء من الدين؛ لأنّ معرفة الموضوعات من دون تعيين حكمها العملي من قبل الدين، لا يضمن الوصول إلى السعادة الحقيقيّة.

(147)

لكلّ علمٍ منهجه الخاصّ، وتكون المسائل التي يجيب عليها بالابتناء على المباني الصحيحة الثابتة معتبرةً في حد ذاتها، وما دام لم تتعارض مع دليلٍ معتبرٍ أقوى، تكون ذات قيمةٍ بحدودها، ومن البديهي لزوم ترك النظريّة السابقة عند وجود دليلٍ أقوى لصالح النظريّة المنافسة، ولزوم متابعة المعرفة اليقينيّة. وعلى سبيل المثال فإنّ نتائج العلوم التجريبيّة ظنيّة، ولا يتمكّن المنهج التجريبي من استحداث يقينٍ مضاعف؛ لذا لو تعارضت نتائج العلوم التجريبيّة مع القضايا اليقينيّة، لكان التقدّم للدليل اليقيني، سواء حصل الدليل اليقيني والقطعي عن طريق الاستدلال العقلي اليقيني، أم عن طريق مصادر الدين القطعيّة الصدور والقطعيّة الدلالة. فالعلم الديني في هذا الافتراض، علمٌ لا تخالف نتائجه نصَّ القرآن أو الروايات القطعيّة. ومن الواضح عدم مخالفة النظريّة اليقينيّة مع معارف الدين اليقينيّة دائمًا.

وبناءً على هذا، لو كانت في مسألةٍ نظريّتان ظنيّتان، توافق إحداهما المعرفة اليقينيّة المستحصلة من مصادر الدين، وتخالفها الأخرى، فالنظريّة الأولى الموافقة للقرآن والحديث تكون علمًا دينيًّا، والنظريّة الثانية المخالفة تكون علمًا غير ديني. ولا يعني هذا إنكار العلم، وعدم لحاظ نتائج تجارب البشر، بل إنّه بمنزلة تعيين المعيار والملاك للحكم بين نظريّتين ظنيّتين يُحتمل الخطأ في كلاهما.

ومن جملة معايير الحكم في مثل هذه النظريّات في العلم الديني، الرجوع إلى النظريّات الحاصلة عن طريق المقدّمات اليقينيّة مع الاستعانة بالمنهج اليقيني ومن مصادر الدين اليقينيّة. فهذه العمليّة عقلائيّة ومنطقيّة تمامًا، ولا علاقة لها بالتعصّب المذهبي، كما أنّ إحدى ملاكات الحكم بين النظريّات المنافسة عدم مخالفتها مع المعرفة العقليّة اليقينيّة. وهذا لا يعني إمكان إثبات كلّ شيءٍ بالعقل والتخلّي عن العلوم التجريبيّة، بل يعني الاستفادة من المعارف العقليّة القطعيّة في حدود

(148)

اختياراته ونطاق عمله كفصل الخطاب بين النظريّات الظنيّة. ولكن العقل لا حكم له خارج نطاق حدوده، ولا يمكنه تأييد أو ردّ أيّ نظريّةٍ من النظريّات المتخاصمة.

ولا بأس في ذكر مثالٍ من علاقة الدين والطبّ لتوضيح الفكرة، وكشف سوء التفاهم الحاصل من هذه التسمية. قد وردت رواياتٌ عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والأئمّة الأطهار عليهم‌السلام حول بعض الأمراض وطرق علاجها. فبعض المحبّين قام بجمع هذه الروايات وسمّاها الطبّ الإسلامي أو طبّ الأئمّة. والسؤال المطروح هنا هل الإسلام جاء بشيءٍ جديدٍ في الطبّ لا يُنال عن طريق التجربة البشريّة، أو أنّ ما ورد عن المعصومين عليهم‌السلام يوجد نظيره في الطبّ اليوناني والطب الإيراني والطبّ الهندي والصيني؟

قد يقال: يرد تارةً في الروايات قراءةُ دعاءٍ خاصٍّ أو سورة قرآنيّة لعلاج المرضى، وهذا أمر يخصّ الإسلام ولا يوجد في أيّ مدرسةٍ أو منهجٍ آخر. فهنا نسأل هل الطبّ الإسلامي يعني ضميمة الدعاء والذكر أو بعض الآيات من القرآن إلى المناهج المتداولة في الطبّ الحديث أو القديم؟ وهل إضافة هذا العامل يغيّر ماهية المناهج الموجودة ليجعلها أمام سائر أقسام الطبّ؟ ألا يكون هكذا مدّعى موجبًا لوهن الدين والإسلام؟ ونرى تارةً ـ ولأجل إثبات الطبّ الإسلامي ـ (طبّ النبيّ أو طبّ الأئمّة) يتمّ الاستناد إلى آثار العلماء وأطباء العالم الإسلامي، وكأنّ ما قالوه أو كتبوه تفسيرٌ وترجمةٌ لطبّ النبيّ والطب الإسلامي، والحال أنّ الأمر لم يكن هكذا، إذ إنّ كثيرًا من المباني والمناهج التي ذكرها أمثال ابن سينا ومحمّد بن زكريا الرازي في كتبهم مأخوذةٌ من اليونان، من قبيل العناصر الأربعة، والأخلاط الأربعة (الدمّ والصفراء والبلغم والسوداء). إنّهم لم يتمسّكوا في دراساتهم وتجاربهم بمصادر الدين، وربّما لا نجد في تعاليم الوحي ذكرًا لها أيضًا، فلماذا نطلق عليها (الطبّ الإسلامي) ونميّزها عن باقي المدارس الطبيّة؟

(149)

ربّما تطرأ هذه الشبهة في الذهن، من أنّ إخراج بعض المعارف والأحكام العقليّة والتجريبيّة ـ كبعض أحكام الفلسفة العقليّة، والمنطق، والرياضيّات وبعض المسائل الطبيّة ونحوها ـ من نطاق الدين، يستلزم تحديد نطاقه بالأمور الأخروية والوقوع في فخّ العلمانيّة. ولكن التدقيق فيما قلناه يدفع هذه الشبهة، حيث أكّدنا أنّ نطاق الدين يشمل جميع أبعاد حياة الإنسان، ولكن هذا الشمول يعني أنّ الدين يلاحظ هذه الأمور من حيث ارتباطها بسعادة الإنسان وشقائه ـ أو بعبارة أخرى تأثيرها في هداية الإنسان ـ لا أن يبحث عن العلاقات الماديّة والدنيويّة البحتة بين الظواهر والسلوك مع نتائجها الدنيويّة، ويحكم فيها من منطلق الدين.

لم تكن رسالة الدين تعليم الناس الهندسة والطبخ وقيادة الطائرات والسفن وغيرها؛ لأنّ الله منح الإنسان ولمعرفة هذه الأمور آلياتٍ وأدواتٍ مناسبة. علمًا بأنّ لبعض هذه المسائل ـ كمباحث الميتافيزيقا الكلّيّة ـ ماهيّةً عقليّةً، وطريق حلّها ومعرفتها المنهج العقلي والفلسفي، وبعضها الآخر كمسائل العلوم الطبيعيّة لها ماهيّة تجريبيّة، وطريق كشف الروابط فيها وحلّ مسائلها هو التجربة الحسّيّة. ولم يكن للدين وظيفةٌ تبيين الظواهر الطبيعيّة عن طريق كشف علاقاتها العلّيّة والمعلوليّة فيما بينها، وما يُثبت ضرورة الدين ويكوّن هدف الدين، هو البحث عن تأثير الظواهر المختلفة في سعادة الإنسان وشقائه، وهذا الأمر يتعلّق بعمل الإنسان الاختياري في كثيرٍ من الموارد، وقد ذكرت علاقة عملٍ الإنسان الاختياري مع السعادة أو الشقاء الأبدي في الأدبيّات الدينيّة بتعابير الحلال والحرام، الأمر والنهي، الحسن والقبيح.

هذه النظرة إلى الدين وعلاقته مع مختلف جوانب الحياة، تخالف الرؤية العلمانيّة تمامًا، إذ تقول العلمانيّة لا يحقّ للدين التدخّل في الاقتصاد، والسياسة، والفنّ ونحوها، ولا بدّ من ترك الأمور بيد علماء الاقتصاد والسياسة والفنّ. ترى

(150)

العلمانيّة أنّ المساحة الوحيدة الخاصّة بالدين، إنّما هي العلقة الشخصيّة مع الله تعالى (طبعًا على افتراض الاعتراف به). ولكن نحن نعتقد بحضور الدين في جميع مساحات حياة الإنسان الفرديّة والاجتماعيّة، ولكن لا بمعنى جلوسه مكان العلم والفلسفة أو الفنّ، بل بمعنى بيانه للوجه القيمي والمعياري فيها. نحن لم نجد أيّ عاقلٍ ادّعى لزوم تعطيل الجامعات والمختبرات ومراكز التحقيق لأجل أسلمة العلوم وديننتها، والجلوس في المدارس الدينيّة، والبحث عن جميع الأجوبة في القرآن والسنّة.

لذا عندما نقول بخروج بعض المسائل من نطاق الدين، نعني بذلك كون تشريح ماهيّة الموجودات، وكيفيّة ظهورها وتحوّلاتها، وكشف روابطها العلّيّة والمعلوليّة بين الظواهر الماديّة، من وظيفة العلم والفلسفة لا رسالة الدين. لم يأتِ الدين لبيان الأعضاء الموجودة في جسم الإنسان، أو طريقة علاج الأمراض الجسميّة، لم تكن وظيفة الدين بيان كيفيّة تسطير البضائع في الأسواق لتحسين بيعها، كما أنّ بيان مهارات السياقة وكيفيّة السياقة لم يكن من وظيفة الدين. ولكن مع هذا فإنّ الدين حاضرٌ في جميعها، وهو حينما يرتبط أداء هذه الأعمال بسعادة الإنسان وشقائه.

وعلى سبيل المثال يقول الدين إنّ السياقة لا بدّ ألا تكون بنحوٍ يؤدّي إلى الخطر على حياة الآخرين. نعم كما قلنا سابقًا لو أعطى الدين ـ في بعض الموارد ولدلائل مختلفة ـ جواب مسألةٍ علميّة، لكان ذلك حقًّا ومطابقًا للواقع ولا بدّ من قبوله، ولكن هذا غير إلزام الدين بالإجابة على جميع الأسئلة العلميّة، إنّ وظيفة الدين الأساسيّة هداية الإنسان على جميع الأصعدة، وهذا الأمر يبعد عن مدعى العلمانيّين بفراسخ.

إلى هنا بيّنا معنى (الدينيّة) في العلوم التوصيفيّة، ولكن للدينيّة معنى أوسع في العلوم الإلزاميّة. إنّ أهم دورٍ يقوم به الدين في النظريّات التطبيقيّة والمناهج

(151)

العمليّة في العلوم، إنّما هو عن طريق تأثير القيم الدينيّة؛ لأنّ هذا القسم من العلوم يرتبط بسلوك الإنسان وأعماله، ويحدّد اتّجاه عمله الاختياري لتحقيق الأهداف المطلوبة لدى أرباب المدارس.

إنّ معرفة الأهداف الصحيحة وطريق الوصول إليها، تعدّ الأصول الموضوعة التي لا بدّ من الانتهاء منها قبل الولوج في العلوم الإلزاميّة، ويكون الدين هو الملجأ الأكثر اطمئنانًا لطلّاب الحقيقة في هذه المسائل؛ إذ يمتلك دين الإسلام النظام القيمي العميق والواسع والمنسجم بنحوٍ يؤثّر على الإلزامات والأوامر والتوصيات المذكورة في العلوم التطبيقيّة. إنّ أحكام الإسلام العمليّة تتمكّن من التأثير في المناهج العمليّة لهذه العلوم، كما أنّ الغاية المذكورة في الدين لحياة الإنسان تحدّد حركة العلوم، وهذا أكبر دورٍ يقوم به الدين في العلوم الإلزاميّة، وهذا هو المعنى الصحيح للعلم الديني في هذا القسم من العلوم.

وعلى سبيل المثال فإنّ تجويز شرب الخمر لنسيان الأزمات النفسية والقلق بشكلٍ مؤقّت، أو التوصية باستعمال المخدّرات لتسكين الأوجاع، مردودٌ في ضوء المباني والقيم والأهداف المبتنية على الدين. وكذلك التوصية بالسلوك الجنسي المحرّم في بعض النظريّات التربويّة، ناشئ من قيمٍ وأهدافٍ لا يمضيها الدين. ولأجل هذا وإن أمكن قبول بعض المباني الكيميائيّة والفيزيولوجيّة والنفسيّة، ولكن عند الإلزام أو التوصية بأداء عملٍ، تتدخّل فيه قيمٌ ربّما تكون مردودةً عند الدين؛ ولذا يمكننا في قسم العلوم الإلزاميّة تقسيمها إلى دينيّة وغير دينيّة.

وكذلك نواجه في الاقتصاد هذه الظاهرة نفسها، حيث إنّ القسم التوصيفي للاقتصاد المعروف بعلم الاقتصاد، لا ينقسم إلى ديني وغير ديني، ولكن يرد هذا التقسيم في القسم الإلزامي منه المسمّى بالنظام الاقتصادي، حيث يحدّد سلوك الإنسان الاقتصادي، ويعيّن أهدافه ومعاييره.

(152)

أسئلة وشبهات حول العلم الديني

لقد بيّنا إلى الآن معنى العلم الديني من وجهة نظرنا، كما ذكرنا بعض أهم المعاني المحتملة الأخرى، وذكرنا أنّ الوجه المشترك بين جميع هذه المعاني، قبول أصل (العلم الديني) وإنّما الخلاف في تفسيره وتحديد نطاقه. وفي المقابل هناك من شكّك في إمكان (العلم الديني) أو قال باستحالته. وسنقوم فيما يلي بالإجابة على الأسئلة والشبهات التي أدّت إلى هذا التلقّي:

1. زعم بعضهم أنّ عنوان (العلم الإسلامي) عنوانٌ دوريٌّ ومتناقض. فكما مرّ في البحث عن معاني العلم والدين والعلم الديني، إنّ لكلّ واحدٍ من هذه الكلمات عدّة معانٍ، وعن ضرب بعض هذه الوجوه بعضها ببعض للحصول على إمكان انتسابها فيما بينها نحصل على جدولٍ متعدّد الأوجه، وبعض هذه الوجوه لا معنى لها، وعليه فمن يدّعي هذا الادّعاء لا بدّ أن يلحظ عدم صحّة تركيب (العلم الديني أو الإسلامي) بناءً على بعض المعاني، ولكن لا ينحصر معنى (العلم الديني) في هذه الموارد المعدودة، وكما أشرنا في المعنى المختار للعلم الديني، فهذا التركيب صحيح تمامًا ومقبول بناءً على سائر المعاني.

2. من الإشكالات الواردة على تركيب العلم والدين في كلمة (العلم الديني) التأكيد على موضوع العلم وجعله أمرًا غير اختياري، ولا يتمكّن المتديّنون من تغييره بإرادتهم لإحداث علمٍ ديني. وقد ذكر هذا الإشكال بهذا النحو:

«لكلّ علمٍ موضوعٌ خاصّ، وموضوع العلم غير اختياري، وعلى سبيل المثال فإنّ معرفة الوجود، ومعرفة النباتات أو معرفة العلم، لها موضوعٌ خاصّ، ولهذا الموضوع تعريفٌ خاصّ أيضًا».

نقول في الجواب: لا شكّ في أنّ لكلّ علمٍ موضوعًا خاصًّا، وهذا ما يذعن به جميع العلماء؛ ولذا يقسّمون العلوم من خلال الموضوع. ونحن أيضًا نذعن

(153)

بهذا الأمر، ولكن عندما يقال: (إنّ لكلّ موضوعٍ تعريفًا خاصًّا) لا بدّ أن نسأل: من الذي يعيّن هذا التعريف؟ وعلى سبيل المثال يوجد خلافٌ بين العلماء في تعريف الإنسان كموضوعٍ لعلم الأنثروبولوجيا، فيرى بعضهم أنّ علم الإنسان يقتصر على الجسم المادّي فحسب؛ لأنّ الإنسان لم يكن سوى هذا الجسم الفيزيائي، وفي المقابل يرى كثيرون ـ ونحن أيضًا نثبت ذلك ـ  أنّ الجسم المادّي بُعدٌ صغيرٌ واحدٌ من أبعاد الإنسان، والبُعد الأصيل والأكبر إنّما هو حقيقةٌ غير مرئيّةٍ هي الروح ولا بدّ ألّا تُهمل في علم الإنسان. والسؤال هو: أيّ التعريفين ينطبقان على الإنسان، وأيّهما موضوع علم الإنسان؟

فمن ينظر إلى ماديّة الإنسان يعرّفه تعريفًا ماديًّا، ويجعله حيوانًا يولد في برهةٍ من الزمن، وينمو ويموت وينتهي، وعليه تخرج من دائرة علم الإنسان مباحث ومسائل القيم، القرب إلى الله، الكمال النهائي، المعاد، الحياة الأبديّة، الثواب والعقاب، الكرامة الإنسانيّة؛ لأنّها لا علاقة لها بالجسم. فلماذا يلزم متابعة مثل هذا التعريف وقبوله؟ ومن الواضح أنّ الموضوع الأساسي في علم الإنسان هو السؤال عن حقيقته، فكيف نقبل منذ البداية بتعريف يعدّ إحدى النظريّات المذكورة كافتراض ليس أكثر؟

إنّ تعريف الآخرين عن موضوع علمٍ مّا مقبولٌ في حدوده، ولهم أن يبحثوا في المسائل المتعلّقة بذلك الموضوع طبقًا لتعريفهم، ولكن ليس لهذا التعريف حقٌّ في نفي سائر التعريفات الأخرى. إذ من المتسالم عليه في فلسفة العلم أنّ اختيار موضوع العلم لا يتمّ عبر ذلك العلم نفسه، بل لا بدّ من وجود علمٍ أعلى يثبت الموضوع ويبيّن حدوده؛ لذا يقال بلزوم إثبات موضوع جميع العلوم في فلسفة العلوم، وبالمآل في الفلسفة المطلقة، والفلسفة أم العلوم.

وبناءً على هذا، فإنّ تعريف موضوع علم الإنسان بالموجود الماديّ والفاقد

(154)

للروح، دعوى غير علميّة لا بدّ من بحثها في موردها الخاصّ (أي الفلسفة)؛ لأنّ ادّعاء العلميّة لشيءٍ ـ طبقًا لتعريف أرباب هذه النظريّة ـ يستلزم ثبوته عن طريق المنهج التجريبي، والحال أنّ التجربة تعجز عن إثبات (عدم الشيء) بل تتمكّن من كشف وبيان النتائج العينيّة والروابط بين الظواهر الماديّة حصرًا. وغاية ما تقوله التجربة إنّ الأمر لا نجده في حدود التجربة، ولكن لا بدّ أن تذعن التجربة الوقت نفسه بإمكان وجوده في الواقع، ولكن لم تعثر عليه، كما هو الحال في الأمواج الإلكترومغناطيسية حيث كانت مجهولةً ولم تثبتها التجربة لمدّة، ولكن أصبحت هذه الأمواج اليوم محورًا لكثير من الاكتشافات والنظريّات الموجودة في العلوم. وهذه الأمواج كانت موجودةً سابقًا ولكنّها كانت مجهولةً للعلوم التجريبيّة؛ ولذا فإنّ كلام الذين يقولون بعدم وجود سوى الجسم للإنسان، وإنّ تعريف الإنسان لا بد أن يقتصر على الجسم الفيزيائي فقط، كلام غير علمي ولا اعتبار له.

3.  من النتائج المترتبة على الشبهة التي مرّت القول بأنّ للإنسان أحكامًا وعوارض، وله عوارض ذاتيّة خاصّة كما يقول المناطقة، ولو وصلنا إلى تلك العوارض الذاتيّة يكتمل علم معرفة الإنسان، فلا معنى للقول بوجود نوعين من الإنسان: الإنسان الإسلامي، والإنسان غير الإسلامي.

والجواب: نحن أيضًا لم ندّعِ وجود نوعين من الإنسان، بل نقول إنّ علم معرفة الإنسان الغربي المبتني على تعريف ناقص عن الإنسان، وعلى التصوّر المادّي (وبشرط لا) عن حقيقته المجرّدة، يختلف كثيرًا عن علم معرفة الإنسان الديني والإسلامي، إذ إنّ موضوعه يحتوي على بُعدين، وهذا الاختلاف يبرّر توصيفه بالديني والإسلامي.

ولمّا كان التعريف المادّي البحت للإنسان النافي لبُعده الروحي، لا يتطابق مع الواقع، فالعلم المبتني عليه لا يكشف جميع واقعيّات الإنسان، ومن هذه

(155)

الزاوية يختلف ماهويًّا عن علم معرفة الإنسان الإسلامي الشامل لكلا بعديه الروحي والجسدي. ولو أنّ علم الإنسان المادّي لم ينفِ البعد المجرّد لدى الإنسان بل يسكت عنه وكان بخصوصه (لا بشرط)، أمكن القول بأنّ علم الإنسان الإسلامي مكمّلٌ له، ولكن ليس الأمر كذلك، إذ إنّ نفي القسم الأساسي في الإنسان في علم الإنسان الغربي، يستلزم ذكر مسائل ونظريّات تتقابل مع علم الإنسان الإسلامي في كلّيّتها.

وليعلم أنّ هذا التقسيم لا يعني نفي جميع ما ورد في علم الإنسان العلماني، بل نعتقد بصحّة ما ذكروه حول البُعد الفيزيائي في الإنسان، وإنْ كان ثمّة نقدٌ أو تشكيكٌ فيه لا بدّ من تحليله وتقييمه بالمنهج نفسه. إذ كلامنا يتعلّق بالبعد الروحي في الإنسان، إذ يلزم عدم نفيه من قبل نتائج علم الإنسان العلماني، فإضافة هذا القسم العظيم من المسائل والنتائج إلى علم الإنسان، يكفي لتوصيفه بالديني أو الإسلامي.

4. يقال استمرارًا لهذه الشبهة: لا معنى لوجود تعريفين إسلامي وغير إسلامي لبعض الموضوعات كالإنسان مثلًا؛ لأنّ للإنسان ماهيّةً واحدةً ولا يوجد أكثر من نوعٍ واحدٍ للإنسان. وعليه ينتفي موضوع الإسلامي والديني أو عدمهما عنه تمامًا؛ لذا ليس لنا مثلًا درّاجة إسلاميّة كما ليس لنا إنسان إسلامي.

والجواب: نعم ليس للإنسان إلّا ماهيّة واحدة، ولكن من الذي يحكم بصحّة أيّ واحدٍ من هذه التعاريف؟ فلبعض الموضوعات كالإنسان وسائر الحقائق العينيّة ماهيّةٌ خاصّة، ويختلف تعريفها بحسب المباني المختلفة وتحتاج إلى إثبات. ومن الواضح أنّ كلّ مدرسةٍ فلسفيّةٍ تقوم بتعريف الإنسان طبقًا لأصولها الموضوعة، وإذا لم ينسجم هذا التعريف مع مباني الإسلام والدين، لكان تعريفًا غير ديني وغير إسلامي. وفي المقابل فالتعريف الموافق لأصول الإسلام ومبانيه يكون تعريفًا إسلاميًّا بمعنى مّا.

(156)

ومن الواضح أنّ إثبات صحّة تعريفٍ كهذا لا يحصل عن طريق التجربة، بل لا بدّ من إثباته عن طريق الاستدلال العقلي والاستفادة من المباني الفلسفيّة. ولو اعترض شخصٌ على هذا الأمر، وادّعى انحصار معرفة الحقائق والماهيّات في التجربة، وإنّ الاستدلال العقلي عقيم، ففي الواقع قد ادّعى مدّعى فلسفيّ إبستمولوجي، ولا بدّ من مناقشته في الإبستمولوجيا وبمنهجٍ خاصّ، كي يتّضح هل أنّ مجرد المعرفة التجريبيّة صحيحة، أو أنّ المعرفة العقليّة صحيحة أيضًا بل أصحّ؟

فالبحث حينئذٍ يخرج عن حدود علم الإنسان، ويدخل في الإبستمولوجيا، ويُبيّن في الإبستمولوجيا أنّ طريق كشف الواقع لا ينحصر في التجربة، بل يمكن كشف الواقع بالبرهان العقلي أيضًا، وقد يكون البرهان العقلي هو الطريق الوحيد للوصول إلى الواقع. نعم لو استخدم شخصٌ (العلم) بالمعنى التجريبي، فلا يمكن إثبات أمورٍ غير تجريبيّةٍ في حدود (العلم) بهذا المعنى، ولكن هذا لا يعني عدم اعتبارها؛ لأنّ العلم المعتبر لا ينحصر في العلم التجريبي.

أمّا النتيجة التي وصلوا إليها بقولهم: (فلا درّاجة إسلاميّة عندنا ولا إنسان إسلامي) مغالطة واضحة؛ لأنّ وجوه الاختلاف بينهما أكثر من أن تسمح لنا بتجويز إصدار حكمٍ متساوٍ كهذا.

بيان ذلك: ليس للدرّاجة ماهيّةٌ حقيقيّةٌ كي نحتاج إلى مبانٍ فلسفيّةٍ لمعرفتها، بل إنّها اسم بالمواضعة والتّوافق وضعه الإنسان لوسيلةٍ تحتوي على مجموعة أجزاء كالإطار والمقعد والسلسلة ونحوها، والحال أنّ للإنسان ماهيّةً حقيقيّةً لا تتعيّن بالجعل والتوافق، ولأجل معرفة هذه الحقيقة لا بدّ من كشف ماهيّته، ولا يوجد توافقٌ حولها بين علماء مختلف المدارس.

يرى المادّيّون أنّ حقيقة الإنسان تنحصر في جسمه، ونحن نعتقد بوجود قسمٍ آخر غير الجسم هو الروح وهي قوام حقيقته، وعليه فهناك خلافٌ في تعريف

(157)

الإنسان، والتعريف الثاني يتّفق مع مباني الإسلام وتعاليمه، أمّا التعريف الأوّل يخالف كثيرًا من مباني الإسلام وتعاليمه؛ لذا يمكن عدّ التعريف الثاني تعريفًا إسلاميًّا للإنسان.

5. ورد في شبهةٍ أُخرى الاستناد إلى هذا المطلب، حيث قالوا: «ذهب البعض إلى أنّ تمايز العلوم إنّما هو بتمايز المناهج» فمع انضمام هذه المقدّمة القائلة بأنّ منهج إثبات أيّ موضوعٍ في حاق الواقع لا يكون إلّا واحدًا ولا دور لاختيارنا وانتخابنا فيه، نستنتج أنّ العلم الإسلامي وغير الإسلامي لا يختلفان من حيث المنهج.

الأمر المغفول عنه هنا أنّ بعض العلوم رغم وحدة موضوعها، تعدّ علمين مختلفين ومتمايزين بعضهما عن بعض بسبب استخدامهما مناهجَ مختلفةً لإثبات ودراسة المسائل المتعلّقة بهما، وبناءً على هذا لو كان المنهج ملاك وحدة العلوم أو كثرتها، فهذه العلوم لاشتمالها على منهجين تعدّ علمين، ولكن لو جعلنا الموضوع ملاك وحدة العلوم وكثرتها، تكون هذه العلوم علمًا واحدًا؛ لأنّها تثبت وتبحث عن موضوعٍ واحد ومسائل واحدة.

وبهذا الخصوص يمكن الإشارة إلى الكلام والفلسفة اللذين يشتركان في بعض الموضوعات، ويختلفان في أنّ علم الكلام يستفيد من المنهج النقلي التعبدي لأجل إثبات المسائل العقدية كصفات الله وسائر أصول الدين، ولكن الفلسفة ولأجل إثبات تلك المسائل نفسها تستعين بالدليل العقلي حصرًا. وبناءً على هذا فلم تكن المسألة الواحدة قابلةً للإثبات والبحث بمنهجٍ واحدٍ فقط. وبناءً على الرأي القائل بتدخّل المنهج في تعريف العلم، وأنّ تمايز العلوم بتمايز مناهجها؛ لا بدّ من القول بأنّ الكلام والفلسفة علمان لاختلافهما في المنهج وإنْ اشتركا في الموضوعات والمسائل. ولكن بناءً على الرأي القائل بعدم تدخّل المنهج في العلم، واحتساب وحدة الموضوع ملاكًا لوحدة العلم، لا بدّ من القول أنّ التوحيد

(158)

أو المعاد مثلًا يعدّان من مسائل علم الكلام لا الفلسفة، حيث يثبتان بمنهجين: عقلي ونقلي، ولا يخرجان من دائرة علم الكلام على أيّ حال.

وعليه لا يوجد دليلٌ عقلي ومنطقي يثبت ضرورة انحصار منهج العلم في منهجٍ واحد، بل هذا الأمر يعدّ من الاعتبارات القابلة للجعل والتغيير بحسب الموافقات اللغويّة؛ لذا ففي العلوم التي تكون مسائلها وموضوعاتها بحيث تدخل في نطاق أهداف الدين ورؤيته، وفي الوقت نفسه يمكن إثباتها من طرقٍ أخرى أيضًا، يصحّ افتراض العلم الديني (الإسلامي)، والعلم غير الديني (غير الإسلامي). لأنّنا لو اكتفينا في حلّ مسائل علم كهذا بالمنهج التجريبي، الشهودي أو العقلي فقط، مع نفي إمكان الاستفادة من المصادر الدينيّة، لكان حاصله علمًا غير ديني، ولكن لو لاحظنا مصادر الدين، واستعنّا بالمنهج النقلي التعبّدي لحلّ المسائل، أمكن إطلاق العلم الديني على نتائجه.

6. هناك شبهةٌ أخرى لنفي إمكان العلم الديني تقول: إنّ المعيار النهائي للحكم بين المسائل العلميّة هو الواقع العيني الذي يُكشف عن طريق التجربة. وبعبارةٍ أخرى إنّ معرفة الحقّ أو الباطل، والصحيح أو الخاطئ في النظريّات العلميّة لا بدّ أنّ تمرّ عبر محكّ التجربة لتثبت. وهذا لا يكون دينيًّا أو غير ديني، فمن راعى شرائط التجربة مع أيّ اعتقادٍ ديني أو ضدّ الدين لوصل إلى النتائج نفسها التي توصّل إليها الآخرون؛ إذ إنّ معرفة الواقع معرفةٌ عامّةٌ، كلّيّةٌ، مستقلّةٌ عن جميع الخلفيّات، ولا تتدخّل فيها قيم الدين وعقائده.

وفي مقام الإجابة عن هذه الشبهة لا بدّ أن نسأل ما المقصود من أنّ المعيار النهائي للحكم هو التجربة؟ وهل هذا يعني أنّ التجربة من أفضل الطرق المعتبرة للوصول إلى الواقع، وأنّ نتائجها تعدّ من أكثر المعارف اعتمادًا بحيث لا يمكن إثبات شيءٍ أعلى منها؟ لا دليل على هذا المدّعى، فلا يوجد أيّ دليلٍ عقلي، نقلي أو تجريبي لإثباته.

(159)

من جهةٍ أخرى فهذه المسألة غير قابلةٍ للتجربة، وتعجز التجربة عن إثبات هذا الأمر غير التجريبي، فأيّ تجربةٍ أثبتت هذا المدعى؟ ومن جهةٍ أُخرى حتّى لو حصل هذا الافتراض عن طريق غير التجربة، وأرادوا إثباته بالدليل العقلي أو النقلي، لا يمكن الاعتماد عليه بحسب مزاعم هذه الفئة؛ لأنّه لم يقوّم بمحك التجربة، فلا يُعتنى به ولا يُعتمد عليه. مضافًا إلى أنّنا أثبتنا في محلّه أنّ اعتبار جميع المعارف البشر (حتّى المعارف التجريبيّة) إنّما هو بالاستدلال العقلي. فعندما ثبتت نبوّة الأنبياء بالدليل العقلي، وأيقنّا أنّ النبيّ حصل على أمرٍ من الوحي وبيّنه لنا، وكان معناه يقينيًّا أيضًا، فهل نحتاج لإثبات صدق كلامه إلى ملاكٍ آخر؟ فأيّ ملاكٍ أعلى من الدليل اليقيني العقلي؟ ونستكشف سخافة مدّعى التجريبين بشكلٍ أكثر من أنّ قيمة التجربة المعرفيّة (بالمعنى الذي تستعمل في العلوم التجريبيّة) لا تصل إلى حدّ اليقين بتاتًا. إذ المنهج التجريبي بتصديق كثيرٍ من فلاسفة العلم، ولأسبابٍ عدّة مذكورة بالتفصيل في المنطق والأبستمولوجيا، لا ينتج سوى المعرفة الظنيّة، وظهور بطلان النظريّات التجريبيّة على طول تاريخ العلوم المختلفة، شاهدٌ قاطع على قابليّتها للخطأ.

وإنّ الوحي الإلهي إلى الأنبياء، ومعرفتهم لمحتوى الوحي من الأمور غير القابلة للخطأ، وهذا ما يمكن إثباته بالدليل العقلي، ولا يمكن لأيّ تجربةٍ إثبات خلافه؛ لأنّ هذا الموضوع خارجٌ عن نطاق التجربة الحسّيّة، وعليه لو قال النبيّ بأنّه أُوحي إليّ أنّ هذه المسألة هكذا، لا يبقى أيّ شكٍ وشبهةٍ في ذلك وإنْ لم تدلّ عليه التجربة الحسّيّة، إذ إنّ ملاك الحكم هنا هو الوحي الإلهي القطعي. وربّما يرى بعضهم أنّ معرفة اليقينيّة غير ممكنة، لاحتمال طرو الخطأ في نقل كلام النبيّ والأئمةعليهم‌السلام . فاحتمال هذا الخطأ وإنْ لم يمكن إنكاره، ولكن هذا لا يعني الخطأ في العلم الديني، كما يوجد احتمال الخطأ في الحسابات الرياضيّة، ولكن

(160)

هذا الاحتمال لا يوجب عدم الاعتماد على الرياضيّات، وعدم الاعتراف بقينيّة قواعدها. وعليه فإنّ احتمال الخطأ في علمٍ مّا لا يعني أنّه ممزوجٌ بالأخطاء، ولا يمكن الاعتماد عليه تمامًا.

والأمر الآخر ـ كما مرّ في مبحث العلاقات المضمونيّة بين العلم والدين ـ إنّ المعرفة التجريبيّة الظنيّة لو تعارضت مع المعرفة اليقينيّة (العقليّة أو النقليّة) فإنّ المعرفة اليقينيّة حاكمةٌ على العلم التجريبي ومهيمنة عليه، وهذا هو قانون المعرفة البشريّة لا يمكن نقضه بالمواضعات الاعتباريّة، وعليه لو كانت أمام نظريّةٍ ظنيّةٍ علميّةٍ حاصلة عن طريق التجربة، معرفةٌ قطعيّةٌ حاصلةٌ بالمنهج النقلي والتعبّدي، فإنّ المعرفة اليقينيّة والقطعيّة حاكمةٌ على المعرفة الظنيّة، ويكون المعيار النهائي الحاكم حينئذٍ هو الدليل الشرعي القطعي لا التجربة.

7. قد يُستدلّ على نفي العلم الديني باختلاف نطاق العقل والعلم عن الدين، وعليه لا يوجد اشتراكٌ بينهما كي تتكوّن نسبة فيما بينهما.

وهنا نواجه مغالطة الاشتراك اللفظي أيضًا، حيث تمّ تعميم حكم معنى واحدٍ من معاني العلم والدين على جميع معانيهما؛ لذا لا بدّ من التساؤل أوّلًا عن المعنى المراد من العلم والدين وبأيّ المعاني السابقة استعملهما. فإذا كان غرضه من العلم المعنى الذي يشمل المعارف الحصوليّة التجريبيّة فقط، وأراد من الدين مجرّد محتوى الوحي (الكتاب والسنّة)، وفسّر العلم الديني بمعنى العلم التجريبي بالمنهج التعبّدي، فادّعاء عدم إمكان حصول نسبةٍ بين العلم والدين صحيحٌ ودليله واضح؛ لأنّ المسألة التي تثبت بالتجربة فقط لا علاقة لها مع المسائل الثابتة بالوحي فقط، سواء كانت هذه العلاقة على نحو التباين أم التعارض أو التركيب.

ولكن لا تنحصر معاني العلم والدين في هذ المعنى، وكما مرّ في مبحث

(161)

معرفة معاني العلم والدين، فإنّ علاقتهما بناءً على سائر المعاني متنوّعة كثيرًا، يوجد في أكثرها وجوهٌ مشتركة، وإمكان ظهور نسبٍ متفاوتة بينهما. مضافًا إلى أنّ معيار الانتساب إلى الدين لا ينحصر في المعنى الذي قاله القائل. وعليه فتعميم هذه الإشكاليّة على جميع المعاني، ووجوه العلاقة بين العلم والدين غير موجّهٍ وناشئ من المغالطة.

وكذلك على أساس المعنى المختار من العلم الديني، يكون هذا الاستدلال غير تام. نحن عرّفنا العلم على أساس الموضوع، والدين على أساس محوريّة الغاية، ولا مدخليّة للمنهج في أيّ واحدٍ منهما. فبناءً على هذا فإنّ اكتشاف واقعٍ في موضوعٍ خاصٍّ يُسمّى علمًا، سواء كان عن طريق التجربة أم العقل أم بوساطة الوحي. ومن جهةٍ أخرى فإنّ المعارف اللازمة للوصول إلى الكمال والسعادة الأبديّة تُسمّى دينًا، وإنْ حصلت من أيّ طريقٍ، وتعلّقت بأيّ مساحةٍ وجوديّة. فمع قبول هذا التعريف يمكن لمسألةٍ واحدةٍ أن تدخل ضمن نطاق العلم، وكذلك تدخل ضمن نطاق الدين، وينتج منهما العلم الديني أو غير الديني.

وكذلك لو جعلنا العلم الديني بمعنى العلم الذي يكون موضوعه كلام الله أو فعله، أمكن لجميع العلوم أن تدخل في مساحة الدين وتُوصف بالديني، سواء حصلت بالمنهج التجريبي أم العقلي أم النقلي أم الشهودي، نعم نحن هنا لسنا بصدد إثبات صحّة هذه المعاني، وقد ذكرنا نقدها في مورده، ولكن غرضنا عدم وجود دليلٍ على حصر معنى العلم والدين والعلم الديني في المعنى الذي ذكره القائل في استدلاله.

ومن جهة أُخرى، لا يصحّ ادّعاء الفصل بين مساحة العقل ومساحة الدين؛ لأنّ القسم الأساسي من الدين كما مر ـ أي عقائد الدين الأساسيّة ـ تثبت عن طريق العقل ومنهج الاستدلال العقلي حصرًا، فكيف يمكن الفصل بين مساحة العقل

(162)

ومساحة الدين؟ فالعقائد من قبيل وجود الله، وحدانيّته، صفاته أفعاله وحكمته، وكذلك نظام الخلقة الأحسن وعشرات المسائل الأُخرى، كما تدخل في نطاق العقل تدخل في نطاق مسائل الدين الأساسيّة أيضًا، فهذه العلقة المتشابكة بين العقل والدين، لا تخصّ المسائل العقديّة الأساسيّة الدينيّة، بل إنّ كثيرًا من سائر المسائل الدينيّة المتعلّقة بالمعتقدات والقيم، وحتّى بعض الأحكام العمليّة والمسائل الفقهيّة تثبت بالعقل أيضًا؛ ولذا يُعدّ العقل من الأدلّة الأربعة في الفقه، وعليه فإنّ ادّعاء الفصل بين العقل والدين هو ادّعاءٌ خاوٍ ولا أساس له.

8. قال بعضهم بأنّنا لا نمتلك معرفةً كاملةً وصحيحة عن الإسلام، لوجود اختلافاتٍ كثيرةٍ في فهم الآيات والروايات، قامت بتحدّي المعرفة الدينيّة اليقينيّة، ومن ثمّ استنتجوا من هذه المقدّمة أنّ تحقّق العلم الديني يواجه مشكلةً لا تنحلّ، للإبهام الموجود في الدين وتعاليم الدين.

أول نقطةٍ في هذه الشبهة أن يقال: ما المراد من المعرفة الكاملة والصحيحة للإسلام؟ ويظهر من الاستدلال المذكور في ذيل موضوع الاختلاف في فهم الآيات والروايات، أنّ المقصود هو المعنى اليقيني بمحتوى معارف الدين المذكورة في مصادر الدين الأصيلة. وبناءً عليه لا بدّ من الالتفات إلى عدّة نقاطٍ في مقام الإجابة على هذه الشبهة:

أوّلًا: هذا الأمر خروجٌ من محلّ البحث؛ لأنّ بحثنا لم يكن حول المعرفة الدينيّة وطرقها ودرجة اعتبارها، إنّ مسألتنا التي نبحث عنها هنا، ويوجد فيها اختلافٌ في الآراء، هي هل يمكن تركيب ما يُفهم من المصادر الدينيّة مع ما يُعرف عن طريق التجربة وسائر مصادر المعرفة ليتولّد منهما العلم الديني أم لا؟ أمّا معرفة أقسام المعارف الدينيّة وطرق حصولها ودرجة اعتبارها فخارجةٌ عن محلّ بحثنا، كما أنّ السؤال عن المنهج التجريبي وميزان كشفه للواقع واعتباره لا علاقة له بهذا

(163)

البحث، ولا بدّ من التطرّق إليه في محلّه (أي في الإبستمولوجيا وفلسفة العلم).

ثانيًا: إنّ لمعرفة الدين مصادرها ومناهجها الخاصّة التي تُبحث في محلّها (أي في الإبستمولوجيا ومنهجيّة دراسة الدين)، ويتمّ الحكم فيها حول معرفة الطرق اليقينيّة عن الظنيّة، وعن المنهج القابل للنقد أو غير القابل. فيُذكر هناك أنّ بعض المسائل الدينيّة – لا سيّما العقائد الأساسيّة ـ قطعيّةٌ ومطلقةٌ وغير قابلةٍ للاختلاف، ولا بدّ من حصول المعرفة الواقعيّة العقلائيّة فيها، بحيث يستلزم إنكار أيّ واحدةٍ منها إنكار الدين كلّه. ولكن بعض المسائل العمليّة وفروع الدين، أو بعض تفاصيل العقائد (والتي لا تعدّ جزءًا من أصول الدين) غير قابلةٍ للإثبات بنحوٍ يقيني، ويوجد فيها خلافٌ بين العلماء. ومن الواضح أنّ رأي أهل الخبرة في الدين غير يقيني فيها، وعلى غير المختصّين الرجوع إلى أهل الخبرة كسائر المسائل الظنيّة، والتقليد للفقيه الجامع للشرائط.

هذا الأمر لا يخصّ معارف الدين، بل يجري هذا الأصل حتّى في العلوم، كما أنّ غير المختصّ يرجع إلى الطبيب الأخصائي لحلّ مشاكله المتعلّقة بالصحّة، وربّما اختلف رأي طبيبٍ مع رأي طبيبٍ آخر، ولم يصلا إلى اليقين، ولكن نحن مضطّرون للاكتفاء بالمعارف الظنيّة لحلّ مسائل الحياة العمليّة. أمّا مسائل الدين الأساسيّة والضروريّة التي تثبت بالأدلّة القطعيّة العقليّة، فلا مسامحة فيها ولا مجال للاختلاف حولها، بل يلزم على الجميع تحصيل المعرفة الصحيحة بها، ومن يفقد مثل هذه المعرفة عليه السعي للحصول عليها.

ثالثًا: مهما كانت الإجابة على هذه المسألة في الإبستمولوجيا، لا يوجد أيّ ارتباطٍ منطقي بينها وبين النتيجة التي يريدها المستشكل، ولا يمكنها أبدًا إثبات التباين الكلّي بين العلم والدين، بحيث لا يمكن رسم صورةٍ مقبولة لتركيب (العلم الديني) فيها.

(164)

9. قد يُشار إلى بعض الجهود المبذولة في بعض الدول الإسلاميّة لاستحداث علومٍ تُسمّى بالعلم الديني، ويُستدل بفشلها وعدم موفقيّتها على عدم إمكان استحداث العلم الديني بنحوٍ مقبول.

الجواب الأوّل والأوضح عن هذا الاستدلال أنّ عدم وقوع أمرٍ، أو عدم موفقيّة جماعةٍ للوصول إلى النتيجة، لا يدلّ على عدم إمكان ذلك منطقيًّا. وهذا الدليل مغالطةٌ واضحة، ومن له أدنى معرفة بأصول المنطق الأوليّة وطرق الاستدلال لا يقع في خطأ كهذا. ومع قطع النظر عن المغالطة الفاضحة أعلاه، نسأل ونقول: ما مرادكم من العلم الديني وعن أي معانيه تسألون؟ وبأيّ معنى يكون استحداث العلم الديني محالًا؟ فكما مرّ في الفصل السابق توجد معانٍ عدّة للعلم الديني، وأكثرها ليست ممكنةً فقط بل موجودة بالفعل. من تلك المعاني للعلم الديني، العلم الذي نحتاجه لإثبات المسائل الدينيّة، فهذه العلوم تشمل علوم الحديث، والدراية، والرجال، والقواعد العربيّة ونحوها، حيث نحتاجها لفهم القرآن والروايات. أليس يمكننا استحداث علوم كهذه؟

والعلم الديني طبقًا لاستعمالٍ آخر، علمٌ مقترنٌ بالمسائل الدينيّة، كالكلام الذي يثبت المسائل التوحيديّة والعقائد الدينيّة، فهل من يعتقد بفشل استحداث العلم الديني، يعتقد بعدم إمكان استحداث علم الكلام؟ وبناءً على استعمالٍ آخر فإنّ العلوم المستنبطة من مصادر الدين تُسمّى بالعلم الديني، فهل المدّعي ينكر هذه العلوم؟!

ولعلّ المدّعي يقصد معنى خاصًّا من العلم الديني يعني به معنى غير معقول، ثمّ عمّم الحكم بمغالطةٍ واضحةٍ على مطلق العلم الديني، ولعلّه يزعم أنّ العلوم الأكاديميّة غير دينيّةٍ كلّها، وإنّ أسلمة العلوم تعني ترك جميع العلوم، وتأسيس علومٍ تختلف في المنهج والنتائج، فيُبحث عن مسائل العلوم الدّارجة بالاستفادة

(165)

من القرآن وروايات المعصومين عليهم‌السلام . والجواب أنّنا لا ندعو إلى ترك جميع العلوم، ولا نقول بلزوم إثبات قضايا العلوم ـ كنسبيّة أينشتاين، وفواصل المجرّات، وكيفيّة علاج ضغط الدم ونحوها ـ عن طريق القرآن والحديث.

نحن نقول إنّ الأصول الموضوعة للعلوم الموجودة، لا بدّ أن تثبت في محلّها، ولا يكفي مجرّد الالتفات إليها كافتراضاتٍ أو النظر إلى نتائجها، فالأصول الموضوعة هذه إمّا هي من المسائل التي لا بدّ أن تثبت بالعقل، وإمّا أنّها من البديهيّات ـ الأصول المتعارفة ـ ، أو لا بدّ أن تثبت بالوحي. فكثيرٌ من العلوم الموجودة ليست هكذا، بل قد بنوا بناءً رفيعًا باسم العلم، وبالاعتماد على فرضيّات إبستمولوجيّة وأنطولوجية وأنثروبولوجيّة لم تثبت، وعندما نبحث عن مبانيها نرى أنّ أساسها متزلزلٌ وواهٍ، وأنّ مدّعياتهم تضادّ مبانيهم.

وعلى سبيل المثال يرى علم النفس التجريبي أنّ نفس الإنسان لم تكن سوى انفعالات الدماغ وسلسلة الأعصاب، ولا يوجد شيءٌ آخر باسم الروح المجرّدة. ومدّعاهم غير العلمي هذا يكون حينما لا يعتقدون بعلميّة أيّ منهجٍ سوى التجربة. والحال أننا نسأل عنهم ونقول: أيّ تجربةٍ أثبتت عدم وجود الروح؟ نحن لأجل إثبات وجود الروح أو عدم وجودها، نواجه مسألةً فلسفيّةً شئنا أم أبينا، ولأجل حلّ المسائل الفلسفيّة لا مناص من حل المسائل الأبستمولوجيّة المتعلّقة بها، من قبيل حجيّة العقل وإمكان إدراك بعض الحقائق من قبله.

فالعلماء لا بدّ من إثبات مدّعياتهم على أُسسٍ قويمةٍ في العمل العلمي، ونحن نثبت في الأبستمولوجيا مكانة العقل في إدراك كثيرٍ من المسائل بنحوٍ يقيني، كما أنّ اعتبار وحجيّة التجربة بالعقل أيضًا، ولا بدّ من إثبات مباني العلم بالدليل العقلي. ولكن مع هذا فنحن نذعن باعتبار التجربة في نطاقها الخاصّ، وعليه فلو قال شخصٌ بلزوم ترك جميع العلوم الحاصلة من التجربة أو سائر الطرق، ولزوم

(166)

استنباط جميع العلوم من القرآن والحديث، فهذا كلامٌ خاطئٌ، ونحن نردّه.

10. ربّما يقال إنّ التمسّك بموضوع العلم الإسلامي أو الديني ناشئٌ من دواعٍ سياسيّةٍ أو قوميّة، بمعنى أنّ الساسة في إيران لتلبية شعارهم (لا شرقيّة ولا غربيّة) وتحقيق أهدافهم المناهضة للاستكبار، تمسّكوا بهذا الأمر، فلهم أغراضٌ سياسيّةٌ، أو بهدف تحريك الحسّ القومي لدى الشعب ضدّ المستكبرين، فأظهروا هذا الشعار وقالوا بلزوم استحداث علومٍ داخليّةٍ للوصول إلى الاستقلال حتّى في العلم وعدم الحاجة إلى الدول الكبرى الظالمة.

الجواب: هذا المدّعى غير صحيح أيضًا، إذ إنّ الدواعي القوميّة ـ على افتراض صحّتها في بعض الموارد ـ لا تنفع قطعًا في مقام كشف الحقيقة والإجابة على الأسئلة المتعلّقة بمعرفة الواقع، ويلزم عدم إدخالها في المسائل العلميّة والفلسفيّة، فضلًا عن أن يُطلق عليها اسم الدين والإسلام.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(167)
(168)

 

 

 

الفصل الخامس:

مستلزمات أسلمة العلوم

 

 

(169)
(170)

 

 

 

 

 

إنّ الخطوات الأولى لأسلمة العلوم هي تبيين ونقد العلوم الدّارجة اليوم، ومعرفة الصحيح والسقيم، وإثبات نظريّاتٍ قويمةٍ مؤسّسةٍ على مبانٍ صحيحة. لم يكن جميع النقد بمستوى واحدٍ فبعضه ظاهري، وبعضه مبنائي، ولا يمكن الاستغناء عنهما للوصول إلى العلم الديني وإثبات النظريّات الصحيحة.

نقد العلوم الموجودة

إنّ من أقسام التصدّي العلمي للعلوم ـ وهو مقدّمة لاستحداث العلم الديني أو أسلمة العلوم ـ الرؤية النقديّة للعلوم، والنظريّات المذكورة فيها ونتائجها، طبقًا للإطار الذي وضعته هذه العلوم لنفسها، ووفقًا لتعريفها.

1. النقد الداخلي

إنّ أسهل طريقٍ لمواجهة هذه العلوم، إنّما هو الدراسة النقديّة لنتائج تحقيقات هذه العلوم في ضوء الأصول الموضوعة المقبولة عندهم بنحوٍ عامّ، كي يتّضح مدى تمسّكها بالأصول والمناهج المعترف بها عندهم. ويعدّ هذا أوّل خطوةٍ للخروج من التقليد الأعمى، وهو عملٌ رائجٌ في جميع العلوم حيث يسعى المحقّقون في كلّ حقلٍ للعثور على نقاط الضعف الخاصّة بدراساتهم ونظريّاتهم ومدارسهم، والمضيّ بالعلم إلى الأمام بعد تصحيح تلك الأخطاء.

(171)

يتبيّن في هذه المرحلة أنّ بعض الجهود العلميّة ليس لها وفاء لمبانيها وأصولها المعلنة، وعدم الوفاء هذا قد ينبّئ عن تساهل بعض العلماء في استخدام المناهج والمباني الثابتة بشكلٍ صحيح، ومن جهةٍ أُخرى قد يكون عدم الوفاء هذا بمنزلة الإذعان بقصور هذه الأصول والمباني المذكورة، ومن هنا ندخل في نطاق النقد المبنائي المستدعي لإعادة النظر في المباني.

على سبيل المثال كان علم النفس منذ قرن تقريبًا تحت هيمنة المدرسة السلوكيّة المبتنية على الماديّة والتجريبيّة والحسّيّة الإفراطيّة، وما كان يعترف بأيّ موضوعٍ سوى السلوك القابل للمشاهدة الحسّيّة. ثمّ طرحت مدارس أخرى بالتدريج، بدأت بنقض أصول ومباني هذه المدرسة من حيث يشعرون أو لا يشعرون، فمدرسة فرويد مثلًا بُنيت على أصولٍ موضوعةٍ لا تنسجم مع الماديّة الحاكمة على فضاء الدراسات النفسيّة والتجريبيّة الإفراطيّة فيها. ثمّ ظهرت فيما بعد مدارس نفسيّةٌ أخرى كالإنسانويّة والكماليّة شكّكت في أصول السلوكيّة بنحوٍ جادّ.

ونحن نرى مثل هذا النقد الذي ربّما يؤدّي إلى تحوّلاتٍ جذريّةٍ في التنظير لتلك العلوم، نراه ونشاهده في جميع أقسام العلوم، فكما يحقّ لعالِمٍ غربيّ أو شرقيّ ـ بل بمقتضى موقعيّته كعالِم – توجيه النقد لنتاج سائر زملائه على جميع الأصعدة، فكذلك يحقّ للعالمِ المسلم ذلك بل إنّه مكلّف به. فإذا قام مسلمٌ بنقد نظريّةٍ أو مدرسةٍ معروفةٍ في العلوم الطبيعيّة أو الإنسانيّة، لا ينبغي اتّهامه بالتعامل القومي والأيديولوجي فحسب، بل لا بدّ من مدح وتمجيد عمله التحقيقي هذا. فلو شاهدنا خلاف هذا فإنّه ناشئٌ من النظرة الدونيّة للنفس وعقدة الحقارة الناتجة من قرونٍ من الاستحقار لقدرات العالم الإسلامي العلميّة والثقافيّة الأمر الذي لا بدّ أن يعالج، وعلاجه يكون نقطة بداية أيّ حركةٍ إصلاحيّة.

(172)

2. النقد المبنائي

إنّ العلوم لأجل إثبات مسائلها المرتبطة بها أو لأجل إبطالها بنحوٍ يقينيّ أو ظني وبعنوان قضايا قابلة للإثبات أو التأكيد أو الإبطال، تعتمد على أصولٍ تم قبولها عن علمٍ أو من غير علم، وهذه الأصول تبدأ من المباني الإبستيمولوجية التي هي بمنزلة البنية المعرفيّة التحتيّة للإنسان، وتستمرّ إلى المباني الأنطولوجيّة والأنثروبولوجيّة والقيميّة والدينيّة، ولأجل نقد نتائج العلوم لا بدّ من البحث في مبانيها الإبستيمولوجية ونقدها أوّلًا، إذ إنّ الرؤية الفاحصة إلى العلوم تقتصي أوّلًا دعم الجانب الإبستمولوجي؛ لذا لا بدّ أوّلًا من التعرّف على الطرق الصحيحة لكشف الواقع وتقييمها وإثباتها، وربّما تكون أكثر اعتبارًا من الإدراكات الحسّيّة، وثمّ بعد هذا يأتي دور الميتافيزيقا والأنطولوجيا، حيث تبحث وتثبت الأصول العقليّة ـ كأصل العلّيّة والمسائل المتعلّقة به ـ التي تحتاجها العلوم وتثبت في الفلسفة.

فنحن بحاجةٍ إلى مشروع جامع وواسع لأجل إنتاج علومٍ مبتنيةٍ على المباني العقلية القويمة، وقبول هذا المشروع يتوافق مع تعاليم الإسلام تمامًا. إنّ تعاليم الإسلام تثبت أنّ طرق كسب المعرفة لا تنحصر بالحسّ والتجربة، بل يمكن الوصول إلى المعرفة عن جميع الطرق المتاحة للإنسان، من قبيل طريق العقل، الشهود العرفاني للأوحدي من الناس، والمعارف الوحيانيّة التي يتلقاها الإنسان المختار أيّ الأنبياء عن الله تعالى مباشرة. كما نُثبت في محلّه أنّ اعتبار طرق المعرفة غير الحسّيّة لم تكن أقلّ من المنهج الحسّي والتجريبي فحسب، بل إنّ اعتبار كثيرٍ منها أكثر من الإدراكات الحسّيّة التي تكون علّة العلوم التجريبيّة.

ولأجل هذا التناغم التامّ بين الأصول الإبستيمولوجيّة مع أصول ومعارف الدين الإسلامي، يطلق على هذا المشروع الجامع لإنتاج وتحوّل العلوم عنوان العلم الديني أو أسلمة العلوم، وإلّا فنحن لا نتعصّب لدينٍ خاصٍّ أو مذهبٍ

(173)

خاصٍّ، أو قوميّةٍ، أو لغةٍ، أو عرقٍ خاصّ، فالعلم الكاشف عن الحقيقة ـ سواء كان من الغرب أم الشرق، من المسلم أم غير المسلم، من الأبيض أم الأسود ـ مقبولٌ عندنا ومحترم.

تبيين وإثبات مباني العلوم

الخطوة الثانية لإنتاج العلم الديني أو أسلمة العلوم، ابتناء أُصولها الموضوعة على أسسٍ متينة، ويمكننا تقسيم الأصول الموضوعة المشتركة بين جميع العلوم إلى عدّة أقسام كلّيّة: المباني الإبستيمولوجية، المباني الأنطولوجيّة، المباني الأنثروبولوجيّة والمباني الدينيّة. وهذا التقسيم لم يكن حصرًا عقليًّا، ويمكن إضافة مبانٍ أُخرى إليها بحسب تناسب الموضوع والغايات المختلفة.

1. مباني العلوم الإبستيمولوجية

إنّ أهمّ سؤال في أيّ جهدٍ علمي إنّما هو السؤال عن أصل المعرفة، السؤال عن ماهيّة معرفة الإنسان، وأنواعها، وطرق الحصول عليها، ومدى اعتبارها، ودليل الاعتبار؟ ومن أيّ طريق يثبت اعتبارها؟ وهل يمكن الحصول على معرفةٍ يقينيّة؟ وما هو دليلها؟ وطالما لم تحلّ هذه المسائل لا يصل الأمر إلى إثبات أصول العلم الموضوعة فضلًا عن الوصول إلى حلّ المسائل العلميّة عن طريق تلك الأصول الموضوعة. إنّ السعي للإجابة عن هذه الأسئلة يُعدّ جهدًا علميًّا أكاديميًّا مائة بالمائة، ولم يكن سعيًا أيديولوجيًّا تعصّبًا للإسلام. وحتّى لو لم نكن مسلمين فهذه الأسئلة تُطرح علينا كأيّ إنسانٍ باحثٍ عن الحقيقة، كما أنّ كلّ شخصٍ حيادي لا بدّ أنّ يبدأ من هذه المباني كعمل علميّ محض، وإلّا ستكون سائر مساعيه العلميّة ضعيفةً وبتراء ومن دون أسس: ﴿كَشَجَرَةٍ خَبِيثَةٍ اجْتُثَّتْ مِنْ فَوْقِ الْأَرْضِ مَا لَهَا مِنْ قَرَارٍ[1].

(174)

وبناءً على هذا ولأجل أسلمة العلوم، لا بدّ أن نبحث في البداية بدقّة في المباني الإبستيمولوجيّة للعلوم الموجودة، وإذا كان فيها خللٌ نقوم بكشفه وإصلاحه. ثمّ بعد إثبات المباني الصحيحة المعرفيّة للعلوم، نبدأ بالبحث في النظريّات المذكورة في هذه العلوم بناءً على ارتباطها بالمباني.

ثمّ إنّ من الأسئلة التي لها دورٌ أساسيّ في العلوم المختلفة، السؤال عن طرق المعرفة ومصادرها، ونقصد من البحث في طرق المعرفة ومصادرها، الإجابة عن السؤال القائل بأنّ طرق معرفة الوجود وحقائقه هل تنحصر في الحواس الخمس، أو أنّ للعقل والوحي – بوصفهما مصدرين مستقلّين لمعرفة الحقائق ـ دورًا أيضًا؟ ونحن نثبت في مباحث نظريّة المعرفة عدم انحصار طرق المعرفة في المعارف الحسّيّة، وللعقل موقعيّة مهمّة في معرفة الإنسان، ومضافًا إلى هذا نثبت أيضًا اعتبار طريق الوحي بوساطة الأدلّة العقليّة.

وعليه فإنّ الخطوة الأولى لإنتاج العلم الديني وأسلمة العلوم، إثبات مباني العلوم بالأدلّة المتقنة، ونحن ندّعي إمكان تدوين منظومةٍ من العلوم والمعارف بالأدلّة العقليّة اليقينيّة، يذكر فيها أتقن المباحث، ويتمّ إثباتها مع موافقتها لمباني الفكر الإسلامي؛ ولذا يمكن تسميتها بالعلم الإسلامي أو العلم الديني؛ لأنّ هذه الحقائق هي التي يدعو إليها الإسلام. وهذه المنظومة الفكريّة تبدأ من أهم نقطة في الفكر البشري ـ وهي الإبستمولوجيا ـ يتبعها الأنطولوجيا والأنثروبولوجيا وسائر العلوم والمعارف، وما دامنا لم نحصل على نظريّةٍ معرفيّة صحيحة، فلا نصل إلى حلّ مسائل الوجود والأنطولوجيا، ومن دون امتلاك فهمٍ صحيحٍ لمسائل الوجود الكلّيّة (الفلسفة) لا نحصل على معرفةٍ صحيحةٍ للظواهر ـ أعم من الظواهر الطبيعيّة أو الإنسانيّة ـ ومن دون معرفةٍ كاملةٍ للظواهر، لا يتحصّل إدراكٌ علاقاتها العليّة والمعلوليّة وسائر أنواع العلاقات والروابط.

(175)

2. مباني العلوم الأنطولوجيّة

كما قلنا فإنّ بعد إثبات المباني المعرفية الصحيحة وإدراكها، نصل إلى مسائل الوجود. وهذه المسائل تبحث في علم اسمه الفلسفة؛ لإنّ موضوعها المباحث الكلّيّة المتعلّقة بالوجود. وهنا سنبحث عن أنواع الوجودات الممكنة الوجود والموجودة بالفعل، ونسعى للإجابة عن هذه الأسئلة المبنائيّة بالدلائل القطعيّة، وكلّ مدّعى وكلّ نظريّةٍ هنا لا بدّ أن تُدعم من قِبل مبانٍ معرفيّة قويمة.

وللأسف فإنّ ما يُذكر اليوم في العالم العلمي (سواء في العلوم الطبيعيّة أم العلوم الإنسانيّة) خالٍ من أُسس  كهذه رغم الادّعاءات الكبيرة، حتّى أنّنا نرى اليوم في الكتب الجامعيّة في إيران مثلًا يشار إلى وجود نظريّتين حول ظهور العالم: الأولى هي النظريّة الدينيّة التي تعتقد بخلق العالم من قبل الله تعالى، وهم يجعلونها غير علميّةٍ؛ لأنّها غير قابلةٍ للتجربة الحسّيّة، والثانية التي تُطرح كنظريّة علميّة، وتكون أكثر قبولًا وأسهل للفهم [عندهم] ترى أنّ العالم كان في البداية مجموعة من المادّة المتراكمة، تجزّأت فجأةً بوساطة الانفجار العظيم إلى أقسامٍ صغيرةٍ وكبيرةٍ، وانتشرت في الفضاء غير المتناهي، وظهرت منه المجرّات والمنظومات الفلكيّة، ومنها المنظومة الشمسيّة التي لا تُعدّ شيئًا أمام عظمة الكون. ثمّ مضى ملايين أو مليارات السنين إلى أن ظهرت أوّل خليّةٍ حيّةٍ في الأرض فجأةً وعلى سبيل الاتّفاق، ثمّ بعد مضيّ ملايين السنين الأخرى تحوّلت هذه الخليّة إلى موجودٍ مثل النباتات، ثمّ تحوّلت النباتات إلى حيوانات، وكلّ حيوانٍ تحوّل إلى حيوانٍ آخر وتكامل، إلى أن تحوّل القرد فجأةً إلى إنسان، وهذا هو المبنى الكسمولوجي والأنثروبولوجي الحديث.

ولا بدّ من السؤال عن المقدّمات التي تبتني عليها هذه النظرية؟ وبناءً على أيّة أدلّةٍ ذكرت؟ وهل مدعى علميّة هذه النظريّة يعني رؤيتها بالعين أو أنّها تثبت

(176)

في المختبر؟ أو اكتُشفت عن طريق تكرار التجربة؟ وهل أنّ مسألة بداية الوجود قابلةٌ للتكرار والمشاهدة في المختبر؟ فالمنصفون يقولون: إنّ هذه لم تكن نظريّةً علميّةً، بل فرضيّةً نسعى لتأييدها بطرق مختلفة، لأنّنا نرى نماذج نحوها، مثلًا يحصل انفجار في مكانٍ مّا من دون علّةٍ، وينتج منه نتائج متشابهة. ولكن هذه الفرضيّة مبتنيةٌ على خلفيّةٍ فلسفيّةٍ تدلّ على قبول ظهور الشيء صدفةً ومن دون علّة. والحال أنّ هناك قانونًا فلسفيًّا يقينيًّا وغير قابلٍ للاستثناء يقول بعدم إمكان حدوث أيّ معلولٍ من دون علّة. فكما يُلاحظ أنّ إثبات أهمّ الفرضيّات العلميّة التجريبيّة التي تعدّ أساس كثيرٍ من العلوم، يبتني على خلفيّةٍ فلسفيّة، الخلفيّة التي تردّها الأصول الفلسفيّة البديهيّة.

وبناءً على هذا فأوّل نقدٍ يوجّه نحو العلوم الدارجة هذه، أنّها تخطّت الأصول المنطقيّة البديهيّة، وقامت بإثبات مسائلها وردّها قبل إثبات أصولها الموضوعة. وهذا نقدٌ منطقيّ ولا علاقةَ له بإسلام الناقد أو عدم إسلامه، بل وإلحاده. وكما قيل في المنطق فإنّ قضايا العلوم ـ وهي قضايا تتشكّل من موضوعٍ ومحمولٍ واحد على الأقل ـ لا بدّ أن تثبت بالبرهان، والبرهان أيضًا لا بدّ أن يتكوّن من مقدّماتٍ بديهيّةٍ (الأصول المتعارفة) أو مقدّماتٍ مستنتَجةٍ من البديهيّات (الأصول الموضوعة)، والحال أنّ هذه العمليّة لم تُسلك في العلوم.

وكذلك الأمر في العلوم الإنسانيّة، فهناك يجب منطقيًّا الشروع من نقطةٍ تحلّ فيها أهمّ المسائل، والسير إلى الأمام خطوةً خطوة بشكلٍ منطقي، وبالابتناء على تلك الحلول إلى أن نصل إلى معرفة حقيقة الإنسان.

ثمّ يأتي وقت السؤال عن دور الروح وموقعيّتها عند الإنسان، وعن كيفيّة الظواهر الروحيّة، أيّها نقوّيها وأيّها نضعّفها، كيف نستخدم الإحساسات والعواطف وكيف نستفيد منها وكيف نسيطر عليها؟ إذ لا يصحّ أن يقال ومن دون

(177)

دليلٍ أنّ الروح هي فعاليّات الدماغ، وغاية ما يذكرونه كدليلٍ لهذا المدّعى حصول فعاليّات وتغييرات في الدماغ عندما يُنسب إلى الروح بعض الأعمال، ومن هنا يستنتجون أنّ تلك الفعاليّات نتيجة عمل الدماغ حصرًا، ولا يوجد فيها مؤثّرٌ آخر أبدًا. والحال أنّ المنهج التجريبي (وهو المنهج الوحيد المقبول عندهم) يعجز عن إثبات عدم الشيء أولًا، ولا يمكن الاستنتاج من المشاهدات وإنْ كثرت عدم وجود ما لا نجده. فلا يمكن إثبات عدم وجود شيءٍ باسم الروح بأيّ منهجٍ تجريبي، وعليه فإنّ إنكار الروح غير الماديّة ادّعاءٌ غير تجريبي وغير علمي.

ثانيًا: يحتمل أن تكون هذه الفعاليّات في الدماغ انفعالاتٍ وردّة فعلٍ، وليست فعاليّات، بمعنى أنّ الفعاليّة من جانب الروح ولها آثار، ومن الآثار ما يظهر في الدماغ على صورة فعاليّات عصبيّة، والتجربة غير قادرةٍ على تشخيص العلّة من المعلول في ظاهرتين متساويتين في الحدوث. فعند الخوف تحصل حالةٌ نفسيّةٌ كما تحصل إفرازاتٌ في بعض الغدد، ويتأثّر الدماغ أيضًا ويتغيّر لون البشرة. فالتجربة غير قادرةٍ على تعيين أيّها مقدّم وعلّة، وأيّها متأخّر ومعلول. نعم نتمكّن بالدقّة الفلسفيّة في مثل هذه الموارد إدراك تبعية تأثّرات الجسم للحالات الروحيّة، كما أنّ تحوّلات الجسم في بعض الأحيان توجب تأثّرات في الروح.

وعليه لا يمكن تحجيم دور أيّ واحدٍ منهما لصالح الآخر ولا ينبغي ذلك أيضًا، وأن تُنكر الروح المجرّدة لعدم مشاهدتها في المختبر أو تقليلها إلى أمرٍ ماديّ، فهذا الاتّجاه يعني محو صورة المسألة التي نعجز عن حلّها، وهذا التعامل مع المسائل العلميّة لا يروي ظمأ روح الإنسان الوهّاجة الطالبة للحقيقة، وهو قبل أن يكون طريقًا لكشف الحقيقة يكون وسيلةً للتغطية على الجهل.

إنّ إثبات موجوداتٍ غير ماديّةٍ ومجرّدة، يُعدّ أهم بنيةٍ تحتيّةٍ لمباحث الوجود، ويفتح آفاقًا ومسائل جديدةً للعلوم، مضافًا إلى ما يقوم به من تبيين بعض العقائد

(178)

الدينيّة كالله تعالى والوحي والملائكة. كما أنّ إثبات الروح المجرّدة المستقلّة عن الجسم في مباحث الأنثروبولوجيا، تعدّ الخطوة الأولى لمعرفة الإنسان بشكلٍ صحيحٍ ومنطقي، ومع قبول هذه الحقيقة نتمكّن بسهولة من إثبات بعض العقائد الدينيّة والإسلاميّة كعوالم ما فوق العالم الجسماني مثل البرزخ والقيامة، ومع إنكار الروح غير الماديّة يتمّ إنكار جميع هذه العقائد لا محالة، وإن لم يلتفت الشخص إلى اللوازم المنطقيّة لإنكاره هذا. وخلاصة نقدنا للعلوم الدارجة اليوم أنّها تبتني على أصولٍ موضوعةٍ ماديّةٍ، وأنطولوجيا ماديّة، والحال أنّ هذه المباني غير علميّةٍ وخاطئة.

إنّ معنى أسلمة العلوم في هذه المرحلة يعني تغيير الفرضيّات والنظريّات العلميّة المبتنية على أصولٍ غير واقعيّةٍ ينفيها الإسلام كالماديّة وأصالة المادّة، واستبدالها بالمباني الجديدة لتكون محور التحقيق والبحث. العلم الديني هو العلم الذي لا يتعارض على الأقلّ في مبانيه الوجوديّة مع مباني الدين الوجوديّة، وهذا التحوّل مضافًا إلى مقام التحقيق والبحث لا بدّ أن يتجلّى أيضًا في مقام التعليم وفي الكتب الجامعيّة والأكاديميّة. وينبغي ألّا يُفسّر كلامنا هذا بمعنى حذف ما يخالف الإسلام من الكتب، إذ لا إشكال في قراءة هذه المباحث وفهمها والبحث فيها، ولكن لا بدّ من ذكر المباني الدينيّة الصحيحة والمتقنة أيضًا إلى جنبها. فالكلام الذي يقال أو الكتاب الذي يؤلّف لا بدّ أن يحتوي على إثبات المباني الصحيحة بالأدلّة العقليّة والنقليّة، مع إبطال النظريّات الأخرى بشكلٍ مستدلٍّ ومنطقي، وعلى سبيل المثال نقوم بإثبات وجود الموجودات غير الماديّة، أو الروح المستقلّة عن الجسم والباقية بعد فناء الجسم بالأدلّة المعتبرة، ثمّ يشار إلى أنّ النظريّات الأخرى المخالفة ضعيفة من حيث الدلالة وغير مقبولة.

 

(179)

3. مباني العلوم الأنثروبولوجيّة

إنّ العلوم الإنسانيّة التي يقال لها اليوم (Humanities)، أو (Human sciences) تدرس سلوك أو حالات الإنسان، وتُنتج علومًا إلزاميّة بالابتناء عليها، وتعطي توصياتٍ للأخلاق والسياسة والاقتصاد ومسائل الأسرة وغيرها. ومن الواضح ـ وقبل التحقيق في هذا القسم من العلوم ـ اقتضاء السير المنطقي التطرّق إلى مباحث علم الإنسان مضافًا إلى إثبات المباني الإبستيمولوجية والأنطولوجيّة، كي تنكشف لنا حقيقة الإنسان. فهذه المساحات العلميّة الثلاثة بترتيبها المذكور متقدّمةٌ على التحقيق في مسائل العلوم الإنسانيّة.

إنّ ضرورة حلّ المسائل الأنثروبولوجيّة قبل الخوض في مباحث العلوم الإنسانيّة تكمن في أمرين: الأوّل نحن عند تبيين الظواهر والروابط الحاكمة على الإنسان نحتاج إلى معرفةٍ صحيحةٍ عن الإنسان، وأبعاده الوجوديّة، وجوانبه الأصليّة والفرعيّة، وسعته وضيقه. الثاني: ولا يقلّ أهميّة عن الأوّل، حاجة العلوم الإنسانيّة الإلزاميّة إلى معرفةٍ تامّةٍ عن حقيقة الإنسان وعاقبته. إذ العلوم الإنسانيّة الإلزاميّة تبتني على النظام القيمي، وكما تمّ إثباته في فلسفة الأخلاق والقيم فإنّ القيم والأوامر تمتاز بالدعم الواقعي والعقلي فيما لو ابتنت على حقائق لها واقع في نفس الأمر. ولمّا كانت الأخلاق والقيم المتعلّقة بالإنسان، ناشئةً من الروابط الموجودة بين فعل الإنسان الاختياري وكماله النهائي، فلا بدّ من التعرّف على الإنسان والكمالات الممكنة له، وأعلى حدٍّ لكماله، وهذه المسائل تبحث في علم دراسة الإنسان [الأنثروبولوجيا]، وعليه فالتسلسل المنطقي للبحث سيكون هكذا: الإبستمولوجيا، الأنطولوجيا، الأنثروبولوجيا، معرفة القيم ومعرفة الدين.

 

(180)

4. المباني الدينيّة

من الأمور التي تعدّ من خلفيّات الكلام على العلم الديني أو السعي نحو أسلمة العلوم، تحديد الموقف تجاه الدين، والإجابة على السؤال التالي: هل الدين حقيقةٌ إلهيّةٌ، أو أنّه صنيعة البشر لحلّ بعض مشاكل الإنسان الأوّل البسيطة، أو أنّه صنيعة السلطة لتخدير الناس؟ يرى بعض الفلاسفة العلمانيّين أنّ الدين صنيعةٌ غير علميّة، ولا يكشف الواقع، ويحكي عن مجرّد ذائقةٍ خاصّةٍ لا دليل لها ولا يمكن إثباتها بالدليل أيضًا. إنّهم يقيسون الدين بالذوقيّات حيث يختار كلّ شخصٍ واحدًا منها بحسب مذاقه النفسي ويتمسّك بها، من دون أن تكون أيّ نسبةٍ بينها وبين الواقع.

ومن جهةٍ أُخرى يرى كثيرٌ من علماء الاجتماع، أنّ الدين مرحلةٌ من مراحل تكامل فكر البشر، ويناظر السحر والشعوذة، ويقع بعد مرحلة الأسطورة وقبل المرحلة الفلسفيّة، وقد تجاوز العالم اليوم مرحلة الفلسفة، واتّكأ على العلم التجريبي فقط؛ لذا فإنّ الاعتقاد بالدين ينبئ عن تخلّفٍ فكري، ويرى بعضهم كالماركسيّين أنّ الدين أفيون الشعوب (والحكومات) ومع لصق طابع الأيديولوجيا على ناصية الدين، جعلوه صنيعة الحكومات لقهر الأمم والسيطرة عليها. ومن الواضح أنّ الكلام على العلم الديني وأسلمة العلوم ضمن هذه التعريفات والتفاسير عن الدين، يكون غير معقولٍ، بل يكون متناقضًا ولغزًا.

إنّ العلم الديني يكون معقولًا فيما لو كان الدين يحكي عن الحقائق النازلة من قبل الله العليم والحكيم. إنّ الإيمان بهذه الحقائق، أي: الله، والوحي، والحياة الأخروية، يربط بين حياة الدنيا والآخرة كسلسلةٍ مترابطةٍ بحيث يكون

(181)

لفعل الإنسان الاختياري في هذا العالم تأثيرٌ أساسي في تكامله أو انحطاطه النهائي، إنّ سلوكه يؤثّر في سعادته أو شقائه الأبدي، وقد جاء الدين لهداية الإنسان نحو الطريق المنتهي إلى السعادة. ومن هنا تصطبغ جميع أفعال الإنسان بالصبغة القيميّة، وللدين حقّ الحكم فيها، والخلاصة أنّ الدين ـ مضافًا إلى نتائج الأفعال الدنيويّة ـ ينظر إلى الأفعال من حيث تأثيرها على السعادة أو الشقاء.

ولمّا كان للعلم أيضًا آراء في بعض المسائل الداخلة في نطاق الدين، فمن المحتمل حصول التعارض بينه وبين تعاليم الدين، كما يمكن حصول التوافق بين هذين المنهجين في بعض المسائل. وعلى سبيل المثال ورد في نصوص الدين الإسلامي ما يتعلّق بحقيقة الإنسان وهي تخالف بعض النظريّات المذكورة في العلوم الإنسانيّة، فتشخيص موارد توافق النظريّات العلميّة مع تعاليم الدين أو تخالفها والحكم فيما بينهما، بحاجةٍ إلى دراسةٍ عميقةٍ وجادّة، ولا بدّ من اجتناب تبسيط المسائل هنا، والخنوع نحو السطحيّة. لذا وتلبية لهذا الأمر، لا بدّ من العثور على رأي الدين بالمنهج الصحيح ومن المصادر المعتبرة والأصيلة لذلك الموضوع الخاصّ. ومن جهةٍ ثانية لا بدّ من تحليل النظريّة العلميّة مع لحاظ خلفيّاتها وأصولها الموضوعة بشكلٍ صحيح، ثمّ نصل إلى مرحلة المقايسة والمقارنة بينهما لنرى هل أنّ رأي الدين يتوافق مع النظريّة العلميّة أو يعارضها؟ وإذا كان متعارضًا فأين يقع هذا التعارض ومدى جدّيته؟ هل التعارض سطحيٌّ وقابلٌ للرفع، أم أنّه جذريٌّ وغير قابلٍ للاجتناب؟

ولأجل فهم رأي الدين وكشفه، لا بدّ من الدقّة في انتخاب المصادر وكيفيّة

(182)

فهمها، فلو أردنا مثلًا الاستشهاد بروايةٍ حتّى على نحو الاحتمال، لا بدّ أن تكون الرواية معتبرةً يمكن الاستناد إليها فقهيًّا، إذ إنّ عدم الدقّة والتّساهل في السند أو في دلالة ما يُنسب إلى الدين، قد يُسبّب سوء تفاهماتٍ كبيرة، وانحرافاتٍ في الفكر والعمل.

 

(183)
(184)

 

 

الفصل السادس:

تأثير الدين على العلم

 

(185)
(186)

 

 

 

 

سنشير إلى أهمّ التغييرات الطارئة على علاقة العلم والدين. ونقصد من العلم والدين هنا المعنى المختار نفسه الذي ذكرناه في مبحث معنى العلم والدين، إنّ التحوّلات التي نذكرها في هذا المبحث هي التحوّلات والتغييرات التي تطرأ على معرفتنا عن العالم والإنسان بالابتناء على معارف الدين. وكما أشرنا في المباحث السابقة توجد موارد من عدم التأثير فيما بين هذين الموردين المعرفيين [أي العلم والدين]، وسنتطرّق إليها في البداية.

موارد عدم تأثير الدين على العلم

لقد أفرط بعض الباحثين بخصوص ارتباط العلم والدين وقالوا: إنّ أي شيءٍ من المسبوقات الذهنيّة، والعقائد والاتّجاهات الدينيّة والسنن الثقافيّة، تؤثّر لا محالة على أيّ نوعٍ من التحقيق والإدراك العلمي. وهذه النظريّة تذكر من قبل فريقين بشكل أكثر:

أ. الفريق الأوّل

بعض فلاسفة العلم القائلين بعدم إمكان الوصول إلى الواقع والعلم اليقيني، ويرون أنّ المعرفة البشريّة ونتائج التحقيقات والقضايا المذكورة بعنوان (العلم)، كلّها متأثّرةٌ بذهنيّات المحقّق، وهي مجموعة من العقائد والقيم والاتّجاهات

(187)

وردت إلى ذهن الإنسان من ذي قبل، ومن مصادر مختلفة، ولمّا كانت ذهنيّات الأشخاص واتّجاهاتهم تختلف فيما بينها، فهي لا محالة تؤثّر في إدراكهم العلمي ونتائجهم المأخوذة من المقدّمات والمشاهدات وتعطي نتائج متفاوتة. ويستنتج هذا الفريق من فلاسفة العلم عدم إمكان معرفة صحّة الاستنتاج الفلاني عن عدم صحّته؛ لأنّنا نتوصّل إلى صحّة إحدى النظريّات المنافسة فيما لو كان للعلم عينيّة [وواقع] وأمكننا تفكيك النظريّات العلميّة عن المسائل الثقافيّة والعقائد وسائر العوامل الروحيّة والنفسيّة المؤثّرة في النتائج، فبناءً على رأيهم لا يمكن الوصول إلى أيّ معتقدٍ يقيني بسبب التأثير الدائم للعوامل الذهنيّة في حكم العلماء.

ب. الفريق الثاني

هم المشتغلون بمبحث العلم الديني، حيث وقعوا في ورطة الإفراط بسبب تظهير دور الدين في العلوم [وتسليط الضوء عليه بشكل كبير]؛ لذا تمسّكوا لأجل إثبات مدّعاهم ـ في إمكان تقسيم أيّ علمٍ حتّى الرياضيّات إلى ديني وغير ديني ـ  بالمقدّمات نفسها التي تنتهي إلى نسبية المعرفة. ويرون بأنّ كلّ تصديقٍ لمّا كان متأثّرًا بالمسبوقات الذهنيّة للشخص، ولمّا كانت السوابق الذهنيّة للمؤمن والكافر لا تتوافق، فالعلم الذي ينتجه المحقّق المؤمن لا يتّفق أبدًا مع العلم الذي ينتجه غير المؤمن ويكونان مختلفين دائمًا. وبعبارةٍ أُخرى إنّ ما يدركه العالِم الإسلامي، والعلم الذي ينتجه ـ مع لحاظ تأثير سوابقه الذهنيّة وعقائده في نظريّاته العلميّة ـ يكون علمًا دينيًّا. أمّا علم الذين تؤثّر عوامل غير دينيّةٍ في نظريّاتهم يكون علمًا غير ديني، أو ضدّ الدين في بعض الأحيان، ويرون أنّ علّة ذلك إنّما هو عدم إمكان التفكيك التام بين علم العالِم وقيمه واتّجاهاته وعقائده القبليّة.

فهذان الرأيان يفقدان التبرير المعقول والمنطقي وكلاهما غير مقبول؛ لأنّه أوّلًا: يمكن إثبات العلم اليقيني ولو في الجملة وفي بعض العلوم. وهذا ما يبحث

(188)

في نظريّة المعرفة، ومن يطلب التحقيق فيه عليه مراجعة المصادر المتعلّقة بنظريّة المعرفة. وثانيًا: يمكننا الإشارة إلى بعض النظريّات العلميّة اليقينيّة والمطلقة، وقبولها في جميع الثقافات من دون تأثّرها بالعقائد والاتّجاهات غير المرتبطة، أعم من الاجتماعيّة أو الدينيّة أو التراثيّة، وتكون ثابتةً في جميع الأزمنة، والمثال الأبرز لهذه المسائل هو المسائل الرياضيّة. فلا توجد رياضيّاتٌ شرقيّةٌ أو غربيّة، أو رياضيّات دينيّةٌ أو غير دينيّة (بمعنى أن تتضاد في أصولها ونتائجها) بل إنّ مجموع ضرب الاثنين في الاثنين يكون أربعة دائمًا.

وقد تُطرح هنا شبهةٌ بوجود الخلاف في بعض المسائل الرياضيّة المعقّدة أو في شرحها وتوضيحها، كما أنّ الهندسة الجديدة تختلف عن هندسة أقليدس؛ لذا لا يمكن القول بوجود رياضيّاتٍ مطلقةٍ وثابتةٍ دائمًا. وعلى سبيل المثال فإنّ من المعروف في هندسة أقليدس أنّ مجموع الزوايا المثلّث تكون متساويةً مع قائمتين، والحال قد ثبت في الهندسة المعاصرة عدم كلّيّة هذا الحكم، بل يتبع وضع المثلّث في السطح المستوي أو المحدّب أو المقعّر. فبناءً على الهندسة المعاصرة فإنّ مجموع زوايا المثلّث في السطح المحدّب أو المقعّر لا تتساوى مع قائمتين.

ونقول في الجواب: إنّ اختلاف هذه المسألة في الهندسة القديمة والجديدة، لا يدلّ على تغيير حكم القضايا الهندسيّة. إذ كان الافتراض سابقًا قياس زوايا المثلّث في السطح المستوي، واستنتجوا أنّ مجموع زوايا المثلّث تتساوى مع قائمتين، ولا يوجد تصريحٌ من أقليدس بسريان هذه المسألة حتّى في السطح المحدّب والمقعّر، فإذا لم يثبت حكم السطح المحدّب والمقعّر في زمن أقليدس، وثبت في الهندسة الجديدة، فنقول حينئذٍ بإضافة مسألةٍ جديدةٍ إلى الهندسة، وإضافة مسائل جديدةٍ لا يعني تغيير أحكام العلم، بل ما زالت مجموع زوايا المثلّث في السطح المستوي تساوي قائمتين إلى اليوم.

(189)

مضافًا إلى أنّ افتراض حدوث تغييرٍ في النظريّات وأحكام القضايا الرياضيّة، لا يعني أنّ سببه مدخليّة المسبوقات الذهنيّة لعلماء الرياضيّات، بل قد يكون سبب الاختلاف الغفلة أو الخطأ في الاستدلال والحسابات، ومع هذا فإنّ 90% من المسائل الرياضيّة على الأقل غير قابلةٍ للتغيير أبدًا، ويتّفق جميع البشر على هذه المسائل رغم الاختلافات الإقليميّة والعرقيّة واللونيّة، والعوامل الثقافيّة والدينيّة وغيرها. وعدم عموميّة هذا الاختلاف يدلّ على أنّ معرفة الإنسان لا تتأثّر على نحو مائة بالمائة بعوامل المحيط والوراثة أو الاتّجاهات والقيم المذهبيّة والثقافيّة. وهذا شاهدٌ أيضًا على أنّ قوى الإدراك عند الإنسان ومصادره المعرفيّة لا تكون محكومةً بهذه العوامل إلزامًا، فهذا المدّعى الدالّ على حتميّة تأثّر الآراء والنظريّات العلميّة بالمسبوقات الذهنيّة، غير مقبول.

فمع إثبات هذا الأمر تُنفى كلّيّة المدّعى المذكور، ولكن تبقى بعض الموارد المشتبهة والمتشابهة. وما يقوّي هذه الشبهة، التجريبّيات المتاحة لجميعنا حتّى إنّ بعض كبار العلماء قد صرّح بأنّ الثقافة وبيئة الإنسان التربويّة تؤثّر في آرائه. وقد نُقل عن بعضهم أنّ رؤية العالِم القروي تختلف عن رؤية العالِم الحضري، أي أنّ محيط القرية يلقي على الإنسان أمورًا تؤثّر في آرائهم العلميّة ويقتضي المحيط الحضري خلافها.[1]

وربّما يريد بعض الباحثين أن يستنتج من هذه الشواهد والتجارب تأثير هذه الأمور البيئيّة وعوامل المحيط على آراء العالِم ونظريّاته شاء أم أبى بحيث لا يمكن تفكيكها. علمًا بأنّ من أكثر العوامل المحيطيّة والذهنيّة تأثيرًا، والتي تترك أثرها في رؤية المحقّق وتفسيره ونتائجه، هي العقائد والقيم الدينيّة. وبناءً على التجارب العينيّة فإنّ نظريّات العلماء المؤمنين بدينٍ خاصٍّ تميل نحو ذلك الدين،

(190)

وهذه التجربة وإنْ لم تكن عامّةً غير أنّها تصلح لتكون شاهدًا آخر لهذه الشبهة.

وللإجابة على هذه الشبهة لا بدّ من بيان الغرض من (العلم) بدقّة ابتداءً، فإذا كان الغرض من العلم في هذه الشبهة هو العلم الكاشف عن الواقع، والعلم الحائز للدليل القطعي، فالجواب إنّ الإنسان مع رعاية الشرائط المنهجيّة الصحيحة يمكنه الوصول إلى العلم والمعرفة المطابقة للواقع من دون تأثير هذه العوامل. ولو تأثّر عالِمٌ من العلماء بهذه العوامل فهذا يدلّ على ضعفه الفكري، ويحكي عن تأثير العوامل النفسيّة في مساحاتٍ لا ينبغي التأثير فيها. وللأسف لا بدّ من الإذعان بأنّ كثيرًا من الناس يشكو من هذا الضعف النفسي، فيقعون تحت تأثير هذه العوامل في مقام المعرفة والحكم، ولكن لا بدّ من إعطاء البشارة بإمكان الغلبة على هذا الضعف حيث لا يصعب خرق هذه الشبكة.

وعلى سبيل المثال فقد نقل عن العلّامة الحلّي ؟رض؟ حينما أراد التحقيق في مسألة منزوحات البئر، أمر بملء البئر الذي كان في داره، كي يطلب الحقّ ويصل إلى مفاد الدليل الشرعي الواقعي من دون أن يسوقه النفع الشخصي إلى إدراكٍ خاصّ. فمعنى هذا العمل قبول فرضيّة إمكان تأثير العوامل والاتّجاهات النفسيّة في إدراك نظريّات الإنسان وفهمها، كما أنّ تدبير العلّامة الحلّي يدلّ على إمكان التغلّب على هذه العوامل وإبطال تأثيرها، وهذا هو معنى التقوى العلمي.

إنّ الأمر المهم هنا أنّ مكان هذه التأثيرات بين العوامل النفسية والذهنية والقيمية مع معرفة الانسان عمومًا، إنّما هو العلوم الإلزامية المرتبطة بعمل الانسان، أما العلوم التوصيفية البحتة الساعية لكشف العلاقات العليّة والمعلوليّة بين الظواهر، لا يوجد مجالٌ فيها لتأثير القيم والعوامل الثقافية. فلا يمكن أن تتدخل الميول القيمية أو الدينية أو الثقافية في مقام كشف نظريّةٍ علميّةٍ توصيفيّةٍ خالصة، نعم لمّا كانت العلوم التوصيفية قد تقع تارةً مقدمةً للعلوم الإلزامية،

(191)

يمكن أن تؤثر الميول والعلائق الشخصية للنتائج العمليّة المحتملة لمسألة من المسائل – وإنْ كان من حيث لا يشعر أو بالعرض – على فهمه التوصيفي أيضًا. لكن هذا التأثير يكشف عن ضعف الباحث؛ إذ إنّ منافعه أدّت إلى التباس الأمر عليه وساقته إلى فهمٍ سقيم، وألزمت ذهنه حكمًا خاطئًا، نعم يمكن صدّ هذا التأثير غير المباشر عن طريق التقوى العلميّة.

نعم إنّ جميع العلوم النظريّة والتوصيفيّة مبتنيةٌ على أصولٍ موضوعةٍ لا بدّ أن تُبحث في علمٍ آخر، أو أن تنتهي إلى أصولٍ متعارفةٍ وبديهيّاتٍ أوّليّة. ومن الواضح أنّ من يجهل هذه الأصول الموضوعة (أو بتعبيرٍ آخر المسبوقات والخلفيّات)، أو تسامح فيها ووصل إلى إدراكٍ خاطئ، فإنّه سيُخطئ في إدراك المسائل التوصيفيّة المبتنية عليها أيضًا. ولكن الأمر المهمّ هو أنّ هذه الأصول الموضوعة لا بدّ أن تثبت بالابتناء على أصولٍ بديهيّة، وهذه الأصول البديهيّة ثابتةٌ ولا تتغيّر، ولا اختلاف فيها عند الثقافات والملل المختلفة.

وعليه فكلّ باحثٍ ـ مع قطع النظر عن الخلفيّات العقديّة، القيميّة والثقافيّة ـ لو سلك في بحثه طبقًا للأصول البديهيّة، والقواعد المنطقيّة مع رعاية المنهجيّة الصحيحة للعلم، لوصل إلى النتائج نفسها التي ربّما يصل إليها الآخرون أيضًا لو راعوا هذه الأصول والقواعد.

ثمّ إنّ العامل الوحيد الذي ربّما يكون منشأ الخلاف في هذه الموارد، هو إمكان خطأ بعض الباحثين في عمليّة الاستدلال والاستنتاج من تلك القواعد، والوقوع في خطأ كهذا أمرٌ عاديّ وغير مضرّ، ولابد ألّا يفهم منه اختلاف الآراء في علمٍ مّا بسبب مدخليّة الخلفيّات الذهنيّة والدينيّة. وعليه فإنّ الدقّة في التحقيق العلمي تكشف لنا هذه الأخطاء وترفعها، وتوصلنا إلى معرفةٍ مطابقةٍ للواقع.

وبناءً على هذا لو كان العلم بمعنى دراسة الروابط بين الظواهر وعللها، وكشف

(192)

الواقع، وكان الغرض من الدين القيم المعطوفة على سعادة البشر، فلا توجد أيّ علقةٍ منطقيّةٍ مباشرةٍ بين الدين والنظريّات العلميّة، ويمكن للمتديّن وغير المتديّن الحصول عليها، على السواء. والنموذج الواضح لهذه الحقائق المسائل الرياضيّة حيث لا مدخليّة لدين العالم الرياضي وثقافته في نتائج محاسباته. نعم هذا لا يعني وصول الجميع إلى نتائج متشابهةٍ ضرورةً، بل ربّما يختلفون فيما بينهم في المقدّمات أو منهج الوصول إلى النتائج ويقومون بالردّ والنقد فيما بينهم. كما يمكن حتّى في بعض الموارد أن تتلاقى أو تتعارض المقدّمات أو المناهج المذكورة مع تعاليم الدين والعقائد وقيم كلا الطرفين، ولكن النقطة المهمّة أنّ إثبات أو نقد هذه المسائل يكون بالاعتماد على المنطق والاستدلال حصرًا، لا بالاستناد إلى القيم والعقائد الدينيّة والثقافيّة عند الطرفين، فلو كان الأمر كذلك فإنّهم لن يصلوا إلى النتيجة أبدًا.

أمّا بخصوص المسائل التي تتلاقى بالعرض مع القيم ـ كوجود البئر في دار العلّامة الحلّي وتأثيره بالعرض في فهمه من الروايات وفتواه ـ فيمكن التغلّب على هوى النفس بتمهيد مقدّماتٍ ومنع مثل هذا التأثير، كما أمر العلّامة الحلّي بملء البئر كي لا يتأثّر اجتهاده بالمنافع الشخصيّة، وهذه الغاية تتحقّق بالجُهد البليغ في ساحة تزكية النفس. وعليه يمكن للإنسان أن يتخلّى من قيمه الشخصيّة والاجتماعيّة التي يقبلها، ويواجه الظاهرة العلميّة بمنهجيّةٍ علميّةٍ بكل دقّة، ويصل إلى النتيجة المطلوبة، وإنْ أمكن خطأه في مقام غضّ الطرف عن القيم أيضًا كما هو الحال في سائر الأمور. هذه المسألة تجري على نحوٍ متساوٍ في العلوم الأساسيّة والطبيعيّة والإنسانيّة.

وبناءً على التعريف الذي ذكرناه للعلوم الإنسانيّة، والذي يشمل العلوم التوصيفيّة والإلزاميّة معًا، فمن الواضح أنّ العلوم الإنسانيّة التوصيفيّة ليست لها

(193)

علقةٌ قيميّةٌ بالدين، إنّ العلقة بين مسائل العلوم الإنسانيّة مع الدين إنّما تكون في الموضوعات التي وردت أيضًا على لسان الوحي وتعاليم الدين، وهذا الأمر نفسه يصدق على علومٍ أخرى كعلم الطبّ أيضًا.

علمًا بأنّنا عندما نتكلّم عن الطبّ الإسلامي (أو الطبّ النبويّ وطبّ الأئمّة) لا بدّ من تعيين المراد من الطبّ والإسلام بكلّ وضوحٍ كي نتمكّن من الحكم في صحّة هذا التعبير أو عدم صحّته، وقيمة التحقيق فيها، وميزان تأثّرها بتعاليم الدين. وعلى سبيل المثال لا بدّ من إعطاء جوابٍ واضحٍ حول السؤال القائل بأنّ الطبّ الإسلامي هل هو الطبّ الكلاسيكي المذكور في كتاب القانون لابن سينا، وتطرّق إليه أيضًا أمثال جالينوس وبقراط بأصولٍ موضوعةٍ ومناهج متشابهة، أو أنّ الطبّ الإسلامي يختلف عنها ماهويًّا؟ فعلى الأوّل لا بدّ من إثبات دوام اعتبار الأصول الموضوعة للطبّ الكلاسيكي ومناهجه، أو هل أنّ الكشفيّات العلميّة الحديثة في فروع البيولوجيا والفيزيولوجيا قد أسقطتها من الاعتبار وجلست مكانها؟ فلو اختلف الطبّ الإسلامي مع الطبّ الكلاسيكي اختلافًا ماهويًّا، فما هي تلك الاختلافات، وما هو منهج التحقيق فيها؟

ويمكننا التكلّم عن الطبّ الإسلامي كموضوعٍ خاصّ، حينما نثبت أصولًا موضوعةً لتكون خلفيّاتٍ وسوابق [البحث]:

الأصل الأوّل: أن نعلم بأنّ الإسلام جاء بأمورٍ جديدةٍ غير مسبوقةٍ في هذا المضمار ولا بدّ من اكتشافها، ولا يكفي لتأسيس الطبّ الإسلامي أن نعتمد على روايةٍ تطرّقت إلى مسألةٍ طبيّة، ويوجد شبيهها في كتاب القانون لابن سينا، أو في بعض الأحيان في كتب أطباء اليونان القدامى كجالينوس وبقراط، أو تمّت الإشارة إليها في كتب الطبّ التقليديّة لسائر الأقوام والملل كالصين والهند.

الأصل الثاني: أن نحتمل الحصول على مطالب جديدةٍ ونافعةٍ لنا اليوم بعد

(194)

البحث والفحص في النصوص الدينيّة، وهذا لا يعني إبطال الطبّ الجديد، بل يعني الاستفادة من التراث الديني الإسلامي إلى جنب الطبّ الجديد.

الأصل الثالث: لا بدّ أن نعلم بعدد المساحات الموجودة في مختلف المسائل المتعلّقة بالطبّ والصحّة، واختيار منهجٍ خاصٍّ لكلّ واحدٍ منها. وبعبارةٍ أخرى لا بدّ من تعيين أنواع مساحات التحقيق، مع تعيين لوازم التحقيق في كلّ واحدٍ منها، وإحالة كلّ بُعدٍ وموضوعٍ إلى المختصّين. فربّما تحتاج بعض أبعاد التحقيق إلى المنهج النقلي، فلا بدّ حينئذٍ من مراجعة الوثائق، أو تحتاج بعض الأبعاد الأخرى إلى المنهج العقلي، فلا بدّ حينئذٍ من استخدام الدليل البرهاني، وبعضها الآخر قد يثبت بالمنهج التجريبي. وعليه لا بدّ من اختيار طريقٍ علميّ تحقيقيّ ومنهجٍ صحيحٍ اعتمادًا على خلفيّاتٍ فكريّةٍ قويمةٍ وقابلةٍ للإثبات والدفاع، كي نتمكّن من إظهاره للبشريّة وأن نخطو خطوةً نحو سعادة الإنسان.

تأثير الدين على غاية العلم

إنّ ما ذكرناه إلى هنا يبتني على العلم بمعنى كشف الواقع، ولكن كما مرّ في معاني العلم توجد تعريفاتٌ أخرى للعلم، وقد تُلحظ عند البحث عن العلم الديني أيضًا. فبعض الباحثين عندما يتكلّمون عن تأثير الدين والاتّجاهات الدينيّة في العلم، ينظرون إلى تعريف للعلم كأنّه هو التعريف الوحيد لعمل العلماء في الجوانب العلميّة. وبناءً على هذا سيندرج في العلم جميع النظريّات المختلفة وربّما المتناقضة المذكورة في موضوعٍ خاصّ، وكلّ الأخذ والعطاء، والردّ والإبرام فيه.

فالعلم بهذا المعنى يكون محطّةً لمدارسة العلماء، وولادة النظريّات أو موتها، النظريّات التي ربّما لا تكون صحيحةً إلزامًا، وتؤثّر فيها عوامل كثيرة. ومع أدنى دقّة يظهر أنّ قسمًا كبيرًا من آراء العلماء في جميع العلوم، متأثّرٌ بنظريّات القدامى،

(195)

حيث قاموا بتأييد ما اقتبسوه من نظريّاتٍ علميّةٍ لعلماء قدامى، أو إصلاحه أو بالإضافة عليه. فلو ادّعى حينئذٍ شخصٌ بأنّ العقائد الدينيّة تؤثّر أيضًا في بعض هذه النظريّات لم يكن جزافًا؛ لأنّ اختلاف الآراء الموجودة في علمٍ مّا، ربّما تكون بتأثير عوامل مختلفة كالمحيط الاجتماعي، ونظام القيم، وثقافة المجتمع وغيرها.

تأثير الدين على دوافع العلماء

النوع الآخر من تأثير الدين على النشاط العلمي، ما نشاهده في تأثير العقائد والقيم الدينيّة على دوافع الأشخاص لتعليم علمٍ مّا، أو البحث والتحقيق في موضوعٍ خاصّ، أو استعمال نتائج علمٍ مّا في مقام العمل. ويمكن احتساب هذا النوع من التأثير من أنواع تأثير الدين في العلم مسامحة؛ لأنّ تعاليم الدين في هذا الافتراض ليس لها دورٌ مباشر في قضايا العلم، بل يتحقّق دورها في المقدّمات ودوافع العلماء. وعليه ينبغي عدّ هذا النوع من أنواع تأثير الدين على العالِم لا على العلم.

وهذا التأثير قد يتحقّق بنحوين: الافتراض الأوّل أن تكون دوافع العمل العلمي المذكورة نتيجة العقائد والقيم الدينيّة، بحيث لو افترضنا عدم وجود مثل هذه الأمور في الدين، لم يكن أيّ دافعٍ للعالِم في الولوج إلى هذا الجهد العلمي، وقد يكون سبب هذا التأثير الانحصاري، أنّ هذه الموارد لو لم تذكر في تعاليم الدين لبقي الموضوع مجهولًا، ولم ينتبه العالم لسؤالٍ كهذا كي يبحث فيه. العامل الآخر الذي يثير الدواعي نحو النشاط العلمي عند الإنسان، ترغيب تعاليم الدين في البحث في موضوعٍ خاصّ، وعليه فإنّ أهميّة الاهتمام بذلك الموضوع تكمن في القيمة التي يرسمها الدين لذلك الموضوع، والحال أنّه مع افتراض عدم تأكيد الدين، لم يكن البحث في ذلك الموضوع بمجرّده مورد اهتمام الباحث.

أمّا الافتراض الثاني أن يكون موضوع البحث مرغوبًا بنفسه لدى الباحث،

(196)

وربّما اتّجه إليه حتّى مع عدم ترغيب الدين فيه، ولكن يتحقّق تأثير الدين في هذا المورد، أن يجعل تحقيقه وبحثه قربةً إلى الله ولكسب رضاه والوصول إلى السعادة الأبديّة. وهنا يحقّق الباحث في نشاطه هذا هدفين في وقتٍ واحد؛ فهو من جهةٍ يكشف حقيقةً علميّة، ومن جهةٍ أخرى يؤدّي عبادةً دينيةً خالصةً، ويخطو خطوةً نحو كماله الحقيقي، فدور الدين في جميع هذه الافتراضات ينحصر في إيجاد الدافع الخاصّ عند الباحث وربّما يؤثّر على غاية العلم، وإلّا لم يكن تأثير على محتوى العلم (من حيث المصادر، والمنهج والنتيجة).

ونرى في الأخلاق الإسلاميّة الأهميّة الكبرى للدوافع والنيّة في نتائج العمل، حيث يمكن أداء عملٍ واحدٍ بدافعين والوصول إلى نتيجتين مختلفتين تمامًا وربّما متضادتين، وهذا الأمر واضحٌ بشكلٍ جليّ في أفعال الإنسان الاختياريّة، فانظروا إلى رجلٍ يصنع سيفًا كي يقطع به مثلًا رأس الإمام الحسين عليه‌السلام ، وشخصٍ آخر يصنع السيف نفسه ليحارب به الخونة، فالدوافع تقع في قطبين مختلفين، ولكن هل تختلف صناعة السيف في هذين الافتراضين؟ فصناعة السيف عملٌ واحد، وآليّاته وكيفيّة صناعته واحدة أيضًا، ولكن الدوافع تختلف.

وعليه فلو نظرنا إلى العمل نفسه لا نرى اختلافًا بينهما وأمكن القول بعدم صدق عنوان الديني وغير الديني عليه بمعنى مّا. ولكن لو لاحظنا نيّة الفاعل ودوافعه نرى الاختلاف الأساسي بينهما، وبهذا الاعتبار أمكن القول إنّ أحدهما يعمل عملًا دينيًّا والآخر عملًا غير ديني أو ضدّ الدين، حتّى أنّ الأفعال الدينيّة كالصلاة مثلًا، قد تُؤدّى بدوافع دينيّةٍ، أو بدوافع شيطانيّةٍ وتنتهي إلى نتيجتين مختلفتين، فالصلاة التي تُؤدّى لله صلاة، كما أنّ الصلاة التي تُؤدّى رياءً صلاة أيضًا، ولكن توجب إحداهما السقوط في الجحيم؛ لأنّها كانت بدوافع شيطانيّة، والأخرى تُوجب العلو والقرب إلى الله؛ لأنّها كانت بدوافع إلهيّة ودينيّة.

(197)

تأثير غايات الدين على غايات العلم

النوع الآخر لتأثير الدين على العلم، التأثير الحاصل من أهداف وغايات الدين في توجيه وغايات العلوم، فمن زاوية يمكن عدّ أيّ علمٍ منفصلًا ومستقلًّا عن سائر العلوم، ورسم غاياتٍ خاصّةٍ له بحسب الموضوع والاستخدام. وعلى سبيل المثال يمكن القول إنّ الفيزياء علمٌ يدرس الأجسام ويكشف آثارها الظاهريّة، والغاية منه معرفة الطبيعة الماديّة واستخدامها للحياة الرغيدة. أو في العلوم الإنسانيّة فإنّه يمكن تعريف علم الاقتصاد بأنّه دراسة سلوك البشر اقتصاديًّا بهدف كشف الروابط فيما بينهم، وهندسة السعي الاقتصادي للوصول إلى الثروة.

ولكن لو نظرنا من أفقٍ أعلى، لرأينا أنّ جميع هذه العلوم مجموعاتٌ تنضوي تحت نظامٍ منسجمٍ ومغلقٍ عظيم، ويمكنها أن تحقّق غايةً نهائيّة، وهذه الغاية النهائيّة تعيّن في الأغلب على أساس نظام العقائد والقيم لدى أرباب المدارس المختلفة، فالعلوم العلمانيّة المبتنية على أسسٍ ماديّةٍ وإنسانويّة، تجعل هذه الغاية في الأغلب الوصول إلى الرفاه والملاذ الماديّة في هذه الدنيا، وتقوم بتنظيم غايات العلوم على هذا الأساس أيضًا. فالتعرّف على هذه الغاية النهائيّة وتنظيم غايات العلوم المختلفة بحيث تسعى لتحقّق تلك الغاية، لها دورٌ مهمٌّ لا بديل عنه في التوجيه الصحيح لتلك الأهداف ووصول الإنسان إلى كماله النهائي.

يحوز الإنسان في الرؤية الدينيّة من جهةٍ مّا على أبعادٍ فرديّةٍ واجتماعيّةٍ، ومن جهةٍ أخرى له أبعاد أخلاقيّةٌ وحقوقيّةٌ واقتصاديّةٌ وسياسيّةٌ وتربويّةٌ وغيرها، فدراسة كلّ بُعدٍ من هذه الأبعاد أوجد علمًا إنسانيًّا خاصًّا كعلم الاقتصاد أو السياسة، كما أنّ السعي العلمي إلى هداية هذه الأبعاد نحو تحقيق غاياتٍ خاصّة، أوجد أنظمةً خاصّةً كالنظام الاقتصادي أو السياسي.

وعندما نتكلّم عن العلم الديني في حدود العلوم الإنسانيّة، ففي مرتبة من

(198)

المراتب يمكننا افتراض كلّ مجموعةٍ من المسائل التوصيفيّة المتعلّقة ببُعدٍ من أبعاد الإنسان علمًا مستقلًّا، كعلم الاقتصاد وعلم الحقوق وعلم الأخلاق ونحوها. كما يمكننا افتراض مجموعةٍ من المسائل الإلزاميّة المتعلّقة بأيّ بُعدٍ من أبعاد الإنسان، بعنوان نظامٍ مستقلّ، كنظام الاقتصاد الإسلاميّ أو نظام السياسة الإسلاميّة، أو نظام الأخلاق الإسلاميّة ونحوها. والغرض من هذا النظام هنا مجموعة الأوامر والإلزامات المتّحدة في الغايات على الأقل. ومن جهةٍ أخرى وفي درجةٍ أعلى، فإنّ كلّ واحدٍ من هذه الأنظمة يعدّ جزءًا من نظامٍ جامعٍ وعامٍّ للإسلام الذي يعلّم الإنسان كيفيّة الحياة، وفي الواقع فإنّ تلك الأنظمة أنظمةٌ فرعيّةٌ لذلك النظام الجامع، ولم يكن لها أيّ استقلال.

إنّ النظام الإسلامي الجامع ليس له إلّا غايةٌ واحدة، وهي كمال الإنسان الحقيقي المعبّر عنه بالقرب إلى الله تعالى، فكلّ واحدٍ من هذه النظم الفرعيّة والجزئيّة تكون قسمًا من ذلك النظام الكلّي. بناءً على هذا وإن كان لكلّ نظامٍ جزئي هدفه الخاصّ، المتناسب معه، وعلى سبيل المثال فإنّ هدف الاقتصاد تأمين الرفاه والعيش الرغيد أو تمتّع الإنسان بنعم الله، وهدف الأخلاق صفاء النفس وجلائها وتكامل الإنسان الروحي، ولكن في النظام الجامع الإسلامي لا بدّ أن تتّجه جميع هذه الأهداف الفرعيّة نحو تحقّق هدف النظام الجامع والكلّي. وعليه فإنّ هدف الاقتصاد الإسلامي على سبيل المثال، تأمين الرفاه والتمتّع الأكثر من نعم الله لأجل الوصول إلى قربه وكمال الإنسان النهائي.

ومن جهةٍ أخرى عندما نلحظ أفعال الإنسان، نجد أنّ كلّ فعلٍ يمكنه أن يحتوي على أبعادٍ ووجوهٍ مختلفة، ويمكن لكلّ بُعدٍ أن يكون موضوعًا لواحدٍ من العلوم. وعلى سبيل المثال يُعدّ الإنفاق فعلًا اقتصاديًّا من حيث دوره في توزيع المال والثروة، ويكون عملًا أخلاقيًّا من حيث أدائه قربةً إلى الله يقرّب المُنفِق من

(199)

الغاية الأخلاقيّة، وإذا صدر هذا العمل لأجل تعليم الابن وفي حضوره لكان عملًا تربويًّا. وبناء على هذا فإنّ النظم الاجتماعيّة التي يمتاز كلّ واحدٍ منها بانسجامٍ وموضوعٍ خاصّ ـ وتكون مستقلّةً من هذه الجهة ـ يمكن تصوّرها على شكل دوائر متّحدة المركز تكشف عن الوجوه المختلفة لفعلٍ واحد.

ومع لحاظ هاتين النقطتين يتّضح ـ بعد ما عيّن الدين الغاية النهائيّة ـ لزوم حيازة جميع الأنظمة الفرعيّة التي تُعدّ أجزاءً لنظامٍ أكبر غاية نهائيّة واحدة، وأن تتّجه جميع الغايات الخاصّة لكلّ واحدٍ منها، نحو تلك الغاية النهائيّة. وعليه فإنّ تلك الغاية النهائيّة تتمكّن من توجيه سائر الأنظمة، أو تضفي عليها التحديد أو التوسّع. فإذا كانت الغاية النهائيّة في النظام الإسلامي الجامع التقرّب إلى الله، يكون كلّ ما يُقرّب إلى الله ـ وإن لم يكن فيه نفعٌ دنيوي ـ  مطلوبًا بل وحتّى إلزاميًّا، وكلّ ما يتنافى مع القرب إلى الله ممنوعًا وإن أوجب الرفاه الاقتصادي.

تأثير الدين على محتوى العلم

1. تأثير قضايا الدين التوصيفيّة على مباني العلم

قد ذكرنا أنّ كلّ علمٍ يبتني على أصولٍ موضوعةٍ ولا بدّ من إثباتها في محلّها، وبعض هذه الأصول تثبت في علمٍ آخر. وربّما يكون العلم المنتج للأصول الموضوعة، أعلى مرتبةً في تصنيف العلوم من العلم المستخدم لهذه الأصول، كالفلسفة (الميتافيزيقا) التي تمتاز برتبةٍ وموقعٍ أعلى بالنسبة الى سائر العلوم؛ لأنّها تبحث عن أعمّ المسائل المتعلّقة بالأصول الأنطولوجيّة الكلّيّة، وربّما يكون العلم الذي يثبت الأصول الموضوعة لعلمٍ آخر في طراز ذلك العلم نفسه وفي عرضه. وحينئذٍ فلو ذُكرت بعض المباني والأصول الموضوعة لعلمٍ مّا في المصادر الدينيّة المعتبرة، وقام العالِم الذي أذعن لهذا الدين وقَبِلَه عن طريق

(200)

الاستدلال باستنباط هذه الأصول من المصادر الدينيّة وبمنهجٍ يقيني، فلا يوجد أيّ منعٍ من الاعتراف بالدين والاستفادة منه في مثل هذه الموارد بوصفها مصدرًا لإثبات الأصول الموضوعة، فاعتبار هذه المعارف الدينيّة وقيمتها لا تقلّ أبدًا عن اعتبار المعرفة العلميّة وقيمتها.

 وربّما يزعم البعض أنّ تأثّر العلم بالدين، يتنافى مع استقلاليّة العلم وواقعيّة المنهج العلمي، ويرى كثيرٌ من فلاسفة العلم لزوم استقلاليّة المنهج العلمي والتجريبي عن العقائد والقيم الثقافيّة والدينيّة، وعدم امتزاجه بالعقائد الشخصيّة والأيديولوجيا؛ إذ لولا هذا لم يبقَ ملاكٌ لتقييم النظريّات العلميّة والحكم فيها.

نقول في الجواب: نحن لا نقصد العقائد التقليديّة التي لا تعتمد أُسسًا منطقيّةً ولا أدلّةً إثباتيةً واضحة، بل نقصد بالدين المعارف التي ثبتت بالدليل والمنطق والمنهج الصحيح بشكلٍ يقيني، فاعتبار هذه المعارف لا يقلّ عن المعارف الحاصلة عن طريق التجربة مع ما فيها من نسبة الخطأ البتّة. فالاستفادة من معارف دينيّةٍ كهذه بمنزلة مباني الإدراك وإثبات المسائل العلميّة، لم تكن منافيةً لواقعيّة العلم كما لا يوجد دليلٌ على المنع من الاستفادة منها في إثبات المسائل العلميّة.

مضافًا إلى أنّه لا مفرّ لأيّ عالِمٍ من حقيقة تأثير نظرته الأنطولوجيّة ـ سواء كانت صحيحة أم خاطئة، مع البصيرة أم من دونها ـ في معرفته العلميّة في الجملة. فالعالم المادّي متأثّرٌ في حلّ مسائله العلميّة بالرؤية الماديّة، والعالم المتألّه متأثّرٌ بالرؤية الإلهيّة. وهذه الحقيقة متوافقةٌ مع أصل استقلاليّة العلوم التوصيفيّة؛ لأنّ الأنطولوجيا مقولةٌ من مقولات المعرفة، ولا مانع من الاستفادة منها ـ كسائر نتائج العلوم الأخرى ـ لإثبات المسائل العلميّة.

ومن الواضح أنّ استقلاليّة العلوم لا تعني منع الاستفادة من نتائج سائر العلوم؛ لأنّه على سبيل المثال تستعين الفيزياء بالرياضيّات، وحتّى زعم

(201)

بعض الباحثين أنّ علميّتها مرهونةٌ بالرياضيّات. فاستقلاليّة العلم يعني عدم صدور الحكم وأخذ النتيجة من قِبل الباحث قبل التحقيق والبحث في الدلائل والشواهد، أو أن تتدخّل العقائد التقليديّة غير الثابتة أو بعض الأهواء والميول في أخذ النتائج. أمّا كون التعرّف على نوعيّة الدليل، وكيفيّة البحث الصحيح، فلا بدّ من الرجوع إلى مباحث نظريّة المعرفة لإثباتها.

أمّا في العلوم الإنسانيّة، فإنّ معرفة حقيقة الإنسان، وكيفيّة نموّه وتكامله وكماله النهائي، تُعدّ من الأصول الموضوعة التي لا بدّ أن تثبت في العلوم المتعلّقة بها في ضوء منهجٍ صحيح. ويمكن أن تُستنبط هذه الأصول الموضوعة من المصادر الدينيّة، لتكون المبنى في الاستدلال والتحقيق في العلوم الإنسانيّة، وبعد اتّضاح هذه المسائل وتبيينها نتمكّن من التكلّم عن غاية الاقتصاد وعلاقته بتكامل الإنسان. فما دام لم نعرف الإنسان وما هو كماله النهائي، لم نتمكّن من معرفة دور الاقتصاد في تكامل الإنسان. وما دام لم نعرف كيفيّة علاقة الإنسان مع الله، لم نتمكّن من عرض أساسٍ مستحكمٍ للحقوق وبيان نظريّة الإسلام حول منشأ الحقّ ومعناه. إذ إنّ حلّ المسائل الحقوقيّة تتوقّف على إجابة الأسئلة الأساسيّة عن الحقّ، وهل هو أمرٌ حقيقيّ وتكوينيّ أو أمرٌ اعتباري؟ فلو كان الحقّ اعتباريًّا فهل هو وهميّ أو بالعقد والتوافق؟ وإذا كان يبتني على حقائق فما هي تلك الحقائق؟ كما إنّ سائر العلوم كعلم النفس والاجتماع والعلوم التربويّة وسائر فروع العلوم الإنسانيّة تتوقّف على حلّ المسائل المتعلّقة بمعرفة الإنسان.

إنّ فروع العلوم الإنسانيّة تكون بمنزلة أجزاء لجسمٍ واحد؛ لأنّ الإنسان موجودٌ واحدٌ له أعضاء وتجلّيات مختلفة، وكلّ فرعٍ من فروع العلوم الإنسانيّة تهتمّ ببعدٍ من أبعاد الإنسان، وجميع هذه الأبعاد تتعلّق بموجودٍ واحدٍ ولا

(202)

يمكن تجزئتها، فعلى كلّ محقّقٍ يريد الخوض في فرعٍ خاصٍّ من العلوم الإنسانيّة، لا بدّ أن ينظر من هذا المنظار، وإنّ هذا الفرع جزءٌ من كلّ، وعليه أن يراعي الغاية الحاكمة على هذه المجموعة والعلاقات الحاكمة على هذا الجزء مع سائر الأجزاء. فهذه المسائل تتّصل بالرؤية الدينيّة والإسلاميّة شئنا أم أبينا، وإذا بُنيت على الأنثروبولوجيا الإسلاميّة أمكن تبيينها وفق رؤية الإسلام، وإذا أرادت سائر المدارس غير الإسلاميّة أو ضدّ الإسلام من بيان آرائهم في العلوم الإنسانيّة بشكل منطقي ومعقول، لا بدّ أوّلًا من بيان آرائهم حول الإنسان وماهيّة حياة الإنسان الاجتماعيّة، والغاية من الحياة، ثمّ التطرّق إلى البحث والتنظير في مختلف العلوم الإنسانيّة، وإلّا فإنّ نظريّاتهم وحلولهم لم تعتمد أسسًا قويمةً ومستحكمة.

ومن الواضح عدم كفاية نتائج العلوم التجريبيّة وما ناله العلماء في دراساتهم للوقوف على معرفة الإنسان، وتوجد حاجةٌ واضحةٌ للاستمداد من تعاليم العقل والوحي، مضافًا إلى هذا فإنّه ربّما تكون كثيرٌ من النظريّات الموجودة في العلوم الإنسانيّة مخالفةً لتعاليم الإسلام بدلائل مختلفة؛ ولذا لا يقبلها المسلمون. وعليه ينبغي بل يجب الاستمداد من الدين في مثل هذه المسائل المبنائيّة.

علمًا بأنّ الوقوف على مدى توافق أو تعارض نظريّات العلوم الإنسانيّة مع تعاليم الدين، عملٌ تخصّصيٌّ وبحاجةٍ إلى دراساتٍ عميقةٍ وجادّة، وإحدى وظائف علماء الدين الخوض في بيان رؤية الدين حول قضايا العلوم المبنائيّة. فالاطّلاع على نظريّات الدين في موضوعاتٍ لا تخصّ متابعي الأديان بل حتّى الذين يريدون البحث في موضوعٍ خاصٍّ من دون تعلّق فكريّ أو ثقافيّ، لا بدّ من تعرّفهم على النظريّات المذكورة في الدين، إذ ربّما يُذكر رأيٌ يوجد في

(203)

الدين ما وصل إليه الآخرون، أو ربّما أمكن استنباط نظريّات من الدين سوف يصل إليها العلم لاحقًا ويثبتها. وعليه فإنّ الباحث المستقلّ، مع قطع النظر عن اعتقاده بتعاليم الدين القطعيّة أو عدم اعتقاده، لا بدّ أن يطّلع على النظريّات التي ذكرها الإسلام في المسائل المتعلّقة بالإنسان والعلوم الإنسانيّة، ويبحث فيها.

2. تأثير قضايا الدين التوصيفيّة على قضايا العلم التوصيفيّة

قد يتطرّق الدين إلى ذكر أمورٍ في قالب قضايا توصيفيّة، ولم تكن تلك الأمور من جنس مباني العلم المعرفيّة ولا القيميّة، بل إنّ لسانها لسان الكشف عن الواقع، ورفع الستار عن أسرار الخِلقة، وتبيين الروابط والعلاقات بين الظواهر، وكيفيّة تغييرها. ومن الواضح أنّ البحث حول هذه الروابط وكيفيّة تحوّل الظواهر يدخل في نطاق العلم، وإذا بيّن الإسلام ـ وبأيّ دليلٍ ـ علّة حدوث ظاهرةٍ أو كيفيّة تحوّلها، فقد بيّن في الواقع نظريّةً علميّة، وهكذا معارف تعين النتائج العلميّة تكميلًا أو تصحيحًا.

والأمر الذي يلزم الانتباه له هنا وجوب التزام غاية الدقّة في استنباط النظريّات العلميّة من النصوص الدينيّة، وطالما لا يوجد دليلٌ يقينيّ على نظريةٍ فلا يصحّ نسبتها إلى الدين. وفي غير هذه الحالة لا بدّ أن ننظر إليها كاحتمالٍ من الاحتمالات، وأنْ يقال عند ذكرها بأنّها أوفق مع ظواهر الشرع، وربّما ندرك لاحقًا خطأ إدراكنا لهذه الظواهر، كما يمكن أن يظهر خطأ النظريّة التي عُدّت علميّةً لقرون. وبهذا يرتفع التعارض الظاهري الواقع بين تعاليم الدين ونتائج العلم.

تأثير الدين على استخدام العلم

يُعدّ استخدام العلوم التوصيفيّة ـ وقد يقال لها العلوم الإلزاميّة أيضًا ـ من

(204)

أهمّ أهداف البشر ودوافعهم للتعلّم والبحث في مختلف العلوم. وربّما لو لم نشاهد فوائد واستخدام العلوم في الحياة لم يتجشّم أحد عناء طلب العلم وكشف أسرار الخلقة، ولمّا كانت القضايا الدينيّة يمكن تقسيمها على هذا الأساس أيضًا، سنتطرّق في قسمين منفصلين إلى تأثير القضايا التوصيفيّة والإلزاميّة الدينيّة على العلوم الإلزاميّة (أو استخدام العلوم):

أ. تأثير قضايا الدين التوصيفيّة على العلوم الإلزاميّة

تنقسم العلوم في تقسيمٍ مشهورٍ إلى قسمين: العلوم التوصيفيّة، والعلوم الإلزاميّة أو التجويزيّة. والغرض من العلوم التوصيفيّة العلوم المكتفية بتوصيف الظاهرة وكيفيّة حصولها، والعوامل المؤثّرة في ظهورها وتحوّلها، فعلم الفيزياء، الكيمياء، البيئة، الرياضيّات والعلوم الأساسيّة تتعلّق بهذه المجموعة، ولا يوجد أيّ كلامٍ في هذه العلوم عن المسائل القيميّة، إذ لا توصي هذه العلوم بنفسها فعل شيءٍ أو تركه، ولا تحكم حول حسن شيءٍ أو قبحه، بل ينحصر عملها بالبحث في الوجودات في دائرة موضوعها، مع بذل الجهد لكشف الظواهر الواقعة في العالم وتبيينها وتوصيفها.

وفي مقابلها فإنّ العلوم الإلزاميّة تختصّ بسلوك الإنسان وتضع له تكاليف وتقسّمها إلى الحَسَن والقبيح، فتأمر ببعضها وتنهى عن بعضها الآخر، فعلوم كالأخلاق، الحقوق، العلوم التربويّة ونحوها تعدّ ضمن العلوم الإلزاميّة. وهذه العلوم تطرح برامج وأوامر تكون لازمةً لحلّ بعض المشاكل أو الوصول إلى هدفٍ مطلوب. وهذه الأوامر والبرامج تعتمد من جهةٍ على ما أنتجته العلوم التوصيفيّة، ومن جهةٍ أُخرى تتأثّر بالهدف الذي يلحظه الباحث والمحقّق. وهذه الأهداف ومطلوبيّتها تتعيّن عن طريق النظام القيمي المتأثّر بالنظرة الكونيّة ونوع رؤية الشخص إلى الوجود والإنسان والسعادة والشقاء. فكلّ عملٍ يؤثّر في

(205)

سعادة الإنسان إيجابيًّا يتّصف بالإلزام أو الـ(ينبغي)، وكلّ عملٍ يسوقه إلى الشقاء يتّصف بالـ(لا ينبغي).

إنّ الرؤية الكونيّة الماديّة تولّد نظامًا قيميًا متناسبًا معها، وهذا النظام القيمي يعطي أهدافًا ماديةً ودنيويةً لسلوك البشر، فالباحث الذي يهتمّ بتوليد العلوم الإلزاميّة على أساس رؤية كهذه، سوف لا يخرج في برامجه وأوامره وإلزاماته من هذا الإطار، وفي المقابل فالباحث الذي يختار النظام القيمي برؤيةٍ كونيّةٍ إلهيّة، يلحظ الأهداف المتعالية، كما يلحظ في إصدار الحلول والأوامر علاقة الأعمال مع الأهداف الأخروية. وبناءً على هذا فإنّ القضايا التوصيفيّة الدينيّة التي تبيّن خصائص الوجود والإنسان وعلاقتها مع الله من جهة، ومع مستقبل حياة الإنسان الأبديّة من جهةٍ ثانية، لها تأثيرٌ بالغٌ وحاسمٌ في العلوم الإلزاميّة.

وللأسف فإنّ في كثيرٍ من العلوم لا سيّما في العلوم الإنسانيّة لا يتمّ تفكيك هاتين الحيثيّتين بعضها عن بعض. مع لحاظ أنّ علومًا كالاقتصاد، وعلم النفس، وعلم الاجتماع، لها جانبٌ توصيفيّ وجانبٌ إلزاميّ، ومع هذا لم يتمّ بيان اختلاف هذين القسمين بوضوح وكذلك لم تُبيّن لوازمهما. وحتّى يُقال أنّ جميع هذه المسائل علميّةٌ وتقوم بتوصيف الواقع، وإنّ مخالفتها مخالفةٌ للعلم. في الحال أنّ في العلم الخالص لا يوجد إلزام، بل إنّ القسم الإلزامي للعلوم (لا سيّما العلوم الإنسانيّة) يعتمد على نظام العقائد والقيم المادّيّة التي لها ماهية فلسفيّة، وقد تثبت في محلّه أنّها باطلةٌ بالأساس.

إنّ النظام القويم والمنطقي للعقائد والقيم الدينيّة في هذا القسم يتمكّن من أداء دوره بنحوٍ جيّد، ومع تبيين مصلحة الإنسان في كلّ موردٍ (مصالح الدين والآخرة، والحياة الفرديّة والاجتماعيّة العاجلة والآجلة) يتمكن من تشخيص طريق الحياة الصحيح وعلى الحلّ الناجح للأزمات الفرديّة والاجتماعيّة.

(206)

وبعبارةٍ أُخرى إنّ أعلى دورٍ للدين في العلوم الإلزاميّة، هو تأثيرها من خلال إراءة نظام العقائد والقيم.

ب. تأثير قضايا الدين الإلزاميّة على العلوم الإلزاميّة

الطريق الآخر لتأثير الدين في العلوم الإلزاميّة، يتحقّق فيما لو كان للدين حكمٌ في موضوعٍ ما لعلمٍ دستوري، ومن الطبيعي ابتناء أحكام الشرع وأوامره على نظامه القيمي والأنطولوجي؛ لذا يحصل تقابل بينه وبين النظريّات والأوامر المبتنية على نظامٍ قيميّ آخر، ولكن لا بدّ ألّا يُفسّر هذا بالتقابل والتعارض بين الدين والعلم؛ فالعلم بمعنى كشف الواقع لا يجوّز بمفرده عملًا خاصًّا ولا يمنعه كي يتعارض مع أوامر الدين. وعلى سبيل المثال فإنّ قسمًا من علم النفس يختصّ بكشف وبيان العلاقة الموجودة بين الحالات النفسيّة وعوامل المحيط، منها دراسة تأثير العوامل الكيميائيّة والأدوية على الحالات النفسيّة، ولكن الأمر باستعمال دواءٍ خاصٍّ أو النهي عنه، خارجٌ عن صلاحيّة مسائل هذا العلم. فتجويز الدواء لحصول نتيجةٍ خاصّةٍ يتعلّق بعلم النفس بعنوان علمٍ إلزامي، إذ مضافًا إلى اطّلاعه على العلاقات الكيميائيّة والنفسيّة، يتبع نظامًا قيميًّا مقبولًا فيه، ومع تغيير نظام القيم يمكنه أن يصل إلى أوامر متفاوتة، ففي هذه الموارد قد يُتصوّر أنّ أحكام الدين تتعارض مع ما كشفه العلم، والحال أنّ القيم الدينيّة لا تحتكّ مع أصل المسألة العلميّة، بل تتعارض مع القيم المقبولة لدى الباحث.

 وعلى سبيل المثال لو ثبت في علم النفس تأثير استعمال مقدارٍ من الخمر على تحسين عمل بعض أعضاء الجسم، وبالمآل يعالج بعض الاختلالات النفسيّة، فهذا الأمر لا ينكره الدين، وربّما يُعدّ من مصاديق المنافع التي أشار

(207)

إليها القرآن الكريم إلى جنب المضار الكبيرة ﴿فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ[1]، فتصديق هذه المسألة العلميّة لا يعني صحّة تجويز استعمال الخمر من قبل العالم النفساني؛ لأنّ هذا التجويز ـ مضافًا إلى العلم بعلاقته بالحالات النفسيّة ـ بحاجةٍ إلى نظامٍ قيميّ معتبر يلحظ جميع مصالح الإنسان ومنافعه عدا علاقة المادّة الكيميائيّة بهذه الحالة النفسيّة، ليقوم بتقييم هذه العلقة الجزئيّة في ضوء الإطار العامّ والكلّي. وهنا يمنع الدين بنظرته العامّة استعمال هذه المادّة، ويوصينا بغضّ الطرف عن هذه المنفعة للحصول على منفعةٍ أكثر أهميّةً بمراتب ـ أي سلامة العقل وصفاء الروح والقلب ـ : ﴿وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِنْ نَفْعِهِمَا[2]، وبناءً على هذا فلا تقابل ولا تعارض بين الدين والعلم، بل يحصل التعارض بين رؤيةٍ أحاديّةٍ مع رؤيةٍ كلّيّةٍ وجامعةٍ في نظامين قيميين.

ونذكر مثالًا آخر من علم الحقوق، فعندما نتكلّم عن علم الحقوق نعني به العلم بالقوانين المقرّرة في دولةٍ ما، ولها اعتبارها. فلو عرف شخص مجموعة القوانين المقرّرة والمباحث المتعلّقة بها يصبح حقوقيًّا وعالمًا بالحقوق. فعلم الحقوق توصيف للقوانين الموجودة في رقعةٍ جغرافيّةٍ محدّدة، فالاطّلاع على هذه القوانين متاحٌ للجميع بنحوٍ متساوٍ. فالمسلم بإمكانه الاطّلاع على القوانين الموضوعة في ثقافة إلحاديّة، كما أنّ الكافر يمكنه أيضًا الاطّلاع على علم الحقوق الإسلامي ويقوم بتدريسه أو البحث فيه من دون أن يمزج به نظامه القيمي.

ويوجد إلى جنب هذا العلم التوصيفي، نظامٌ حقوقيّ إلزامي، يتكفّل رسم القوانين على أساس نظام القيم المقبولة لدى المقنِّن. وهذه الأوامر والإلزامات

(208)

تبتني على فلسفة القيم والمباني الحقوقيّة، من قبيل: ما هي الأسس التي تعتمد عليها القوانين؟ ما هي المصالح التي لا بدّ أن يراعيها المقنِّن ونحوها. ومن الواضح أنّ هذا القسم من الحقوق (الإلزاميّة) متأثّرٌ تمامًا بالقيم والعقائد، ويعطي دورًا واضحًا لأحكام الدين في القوانين الحقوقيّة عند الجوامع التي تعتني بالدين، كما تقوم القيم التقليديّة والوطنيّة أو سلائق الناس المتغيّرة بالدور نفسه في الجوامع العلمانيّة.

إنّ قسمًا من الدين الذي يتعلّق بالأوامر الأخلاقيّة والأحكام الفقهيّة، له ارتباطٌ بل اتّحادٌ عميقٌ مع أقسام من العلوم الإلزاميّة لا سيّما العلوم الإنسان الإلزاميّة. وعلّة هذه العلقة الوثيقة أنّ الأوامر تحدّد سلوك الإنسان الاختياري، وتدلّ الإنسان نحو التعالي أو الانحطاط والسقوط، وهذا هو الرسالة التي وضعها الدين لنفسه: ﴿قَدْ جَاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَكِتَابٌ مُبِينٌ * يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوَانَهُ سُبُلَ السَّلَامِ وَيُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَيَهْدِيهِمْ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ[1].

 جاء الدين ليخرج الإنسان من القوّة إلى الفعل، ويوصله إلى الكمالات الإنسانيّة، فالإنسان لا بدّ أن يتكامل من خلال أعماله وعلومه الاختياريّة، فلا بدّ أن يحصل على أوامر وطريقٍ صحيحٍ ويتمسّك بقيم توصله إلى هذا الهدف. إنّ هدف الدين تقديم هذه القيم إلى الإنسان، ومنحه الطريق الكلّي والأوامر الخاصّة.

وتوجد هذه الروابط في العلوم الإنسانيّة الإلزاميّة بنحوٍ أكثر جديّة، ويمكننا الاستعانة بتعاليم الوحي في كثيرٍ من المسائل الإلزاميّة في علم النفس، وعلم الاجتماع، والتربية، والاقتصاد، والحقوق ونحوها. ويمكن الحصول على بعض النتائج التي ربّما يسعى علماء الاجتماع إلى تحصيلها لسنواتٍ طويلةٍ ولم يصلوا في النهاية إلى حلولٍ يقينيّة، يمكن الحصول عليها عن طريق تعاليم

(209)

الدين وأوامره. نعم لا يعني هذا الكلام ترك المناهج العلميّة، بل أنّ المناهج العلميّة (أعم من العقليّة والتجريبيّة) طرقٌ لكشف الحقائق والوصول إلى السعادة، ولا بدّ من الاهتمام بها والاستفادة من نتائجها، ولكن لا بدّ ألّا ننسى بأنّ قسمًا ممّا نتوقّع حصوله من فعاليّاتٍ علميّةٍ كهذه، يوجد الآن في تعاليم الدين، وألّا نتعامل معها كأمورٍ مظنونةٍ أو مشكوكة. لا بدّ أن نثمّن هذه الموهبة الإلهيّة ونراقب ألّا نقع في حالة عدم الشكر تجاه هذه التعاليم القيميّة التي وُضعت تحت اختيارنا مجانًا، وعدم شكر هذه المواهب يكون من خلال عدم الاهتمام بها والنظر إليها بتردّدٍ وشكّ.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(210)

 

 

 

الفصل السابع:

خدمات العلم للدين

 

 

 

 

 

 

 

 

(211)
(212)

 

 

 

 

 

 

مثلما لمختلف أبعاد الدين تأثيراتٌ عميقةٌ على مختلف جوانب العلوم، يمكن لسائر المعارف المُحصَّلة من طرقٍ أُخرى، أنْ تؤثّر في فهمنا وسلوكنا الديني، وسنشير فيما يأتي الى المساحات التي لا يوجد فيها تأثيرٌ كهذا، ثمّ نتطرّق إلى بعض أهمّ ما تتمكّن فيه العلوم المختلفة من مساعدة المعرفة الدينيّة أو العمل بالأوامر الدينيّة.

موارد عدم تأثير العلم على الدين

إنّ الأوامر والقوانين الدينيّة إمّا أن تستخرج من مصادر الدين مباشرة، وإمّا أن تستنبط بمناهج صحيحة ومنطقيّة من نظام العقائد والقيم الدينيّة. ولا دور للمنهج التجريبي وما يتعلّق بنوعيّة عمله كالإحصاء والاستطلاع وما شاكل، هنا أبدًا. إذ لا يمكن اكتشاف القانون الإسلامي بالإحصائيّات ولا يمكن تغييره بالإحصائيّات أيضًا، كما لا تنفع آراء المواطنين والأكثريّة هنا أيضًا. يقول القرآن بهذا الخصوص: ﴿وَإِنْ تُطِعْ أَكْثَرَ مَنْ فِي الْأَرْضِ يُضِلُّوكَ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ إِنْ يَتَّبِعُونَ إِلَّا الظَّنَّ وَإِنْ هُمْ إِلَّا يَخْرُصُونَ[1].

(213)

تأثير العلم على فهم أو إثبات قضايا الدين التوصيفيّة

من الخدمات التي تتمكّن العلوم التجريبيّة من تقديمها للدين، أن تستخدم بعض نتائج هذه العلوم القطعيّة لإثبات بعض قضايا الدين. فبعض هذه القضايا تحكي عن حقائق يمكن أن نستعين في إثباتها ببعض نتائج العلوم بعنوان إحدى مقدّمات (الصغرى) البراهين الفلسفيّة. وعلى سبيل المثال يتمكّن علم الأحياء بمنهجه من كشف الروابط المعقّدة والنظام الخلّاب الموجود بين أجزاء الجسم الحيّ والمساعدة على نموّ واستمرار حياته. فلو أدخلنا هذه النتائج العلميّة في قوالب فلسفيّةٍ وأضفنا إليها مقدّمةً عقليّةً (كبرى) تقول: (كلّ نظمٍ مخلوقٍ لناظمٍ عليم) أمكننا الاستنتاج بأنّ الكون مع هذا النظم الدقيق مخلوقٌ لناظمٍ عليم. وبهذه الحالة تعين نتائج العلم التجريبي لإثبات أصلٍ من أصول الاعتقاد في الدين.

ومن جهةٍ أخرى فإنّ المسائل التي وردت عن طريق الوحي، ووصلتنا على شكل نصوصٍ وتعاليم دينيّة، فإنّها موهبةٌ إلهيّةٌ توجب اليقين للمؤمنين، وبعض هذه الحقائق يمكن أن تثبت وتبيّن عن طريق العقل أو التجربة أيضًا، فإثبات هذه المسائل مع الاستعانة بالمقدّمات والمناهج المقبولة عند الآخرين يمكنها أن تعينهم في الوصول إلى طريقٍ لفهم تلك الواقعيّات، كما يمكنها أنْ توصلهم إلى حقانيّة الدين الإلهي وتهديهم إلى ينبوع الهداية. ومضافًا إلى هذا، فبعد إثبات ما جاء في الدين الإسلامي حول الحقائق التجريبيّة والعقليّة، ومقارنتها مع سائر النظريّات العلميّة والفلسفيّة، يمكن إثبات أفضليّة الإسلام في مختلف المساحات.

تأثير العلم على فهم أو إثبات قضايا الدين الإلزاميّة

إنّ أحكام الدين التعبّديّة تتبع المصالح والمفاسد الواقعيّة، وكثيرٌ من هذه المصالح ترتبط بسعادة الإنسان الأخروية، وتحكي عن الترابط بين فعل الإنسان الاختياري مع كماله النهائي والقرب إلى الله تعالى، فالتعرّف على هذه المصالح

(214)

خارجٌ عن صلاحيّة العقل والتجربة. ولكن تتعلّق بعض مصالح أوامر الدين بفوائد وآثار ينالها الفرد أو المجتمع في هذه الدنيا، فهذه المصالح الدنيويّة يمكن أن تثبت عن طريق التجربة أيضًا، ويتمّ تبيين وإثبات الوصايا والإنذار الديني بمساعدة المنهج التجريبي.

وبعد تعيين حدود الدين ونطاقه أمكن القول بأنّ ما ثبت في هذا الإطار يكون جزءًا من الدين، سواء ثبت عن طريق الدلائل النقليّة التعبّديّة، أم طريق العقل، وعلى كلّ حال فلو كان ما يثبت بالدليل المعتبر كاشفًا عن إرادة الله، أمكن انتساب مضمونه إلى الله وإلى الدين، وجعله جزءًا من المعرفة الدينيّة.

من الخدمات الأخرى التي يتيحها العلم للدين في مناخات المسائل العلميّة والإلزاميّة، مساعدته في مساحة معرفة موضوع الأحكام، فمع لحاظ أنّ جميع الأحكام مبيّنةٌ في الإسلام على النحو الكلّي، يمكننا استنباط الأحكام الجزئيّة من خلال الاعتماد على الأحكام الكلّيّة في جميع الحالات، ولكن عند تطبيق هذه الأحكام الكلّيّة على المصاديق الخاصّة في كلّ زمانٍ ومكانٍ ومع لحاظ الشروط المتغيّرة، يلزم معرفة خصائص الوضع الموجود بدقّة كي يتّضح الحكم المتعلّق به. وربّما قد نحتاج تارةً في تشخيص خصوصيّات موضوع حكمٍ ديني إلى المناهج التجريبيّة كالإحصاء مثلًا، وكذلك عند تزاحم مصلحتين اللّتين تؤدّيان إلى حكمين مختلفين، ربّما نحتاج إلى النتائج التجريبيّة أو نصف تجريبيّة للعلوم الطبيعيّة أو الإنسانيّة لتشخيص المصلحة الأهمّ.

والأمر الذي لا بدّ من الالتفات إليه أنّ الاستعانة بالمنهج التجريبي في موارد كهذه لا يعني أنّ الإحصاء مثلًا أو الاستقراء يعين لنا أحكام الدين الحقوقيّة أو يغيّرها، بل إنّها تعين لنا مجرّد مساحات المصالح والمفاسد، وبعبارةٍ أخرى تكشف الموضوع.

(215)

إنّ المعارف الخاصّة من العلوم التجريبيّة قد تعين الفقيه في بعض المسائل الفقهيّة في الوصول إلى معرفةٍ صحيحةٍ ودقيقةٍ لموضوعات الأحكام لا سيّما في المسائل الاجتماعيّة. وهذا الأمر يمتاز بأهميّةٍ فائقةٍ في الموضوعات والمسائل المستحدثة؛ لذا فإنّ المجتهد لا بدّ أن يقف مضافًا إلى العلوم المتداولة الحوزويّة، على العلوم الحديثة كي يتمكّن من تشخيص الأحكام التي يحتاجها المجتمع في كلّ زمانٍ ويعطي الفتوى المنطبقة مع نظر الشرع بالاعتماد على القواعد المتداولة.

ولأجل التعرّف على المصاديق الجزئيّة، قد نقوم بتجربة بعض الموارد بأنفسنا، وقد نستعين بدراسات وتحقيقات العلماء، وعليه فإنّ مساحة مساعدة المختص في سائر العلوم والفروع العلميّة المختلفة لعلماء الدين هي مساعدةٌ في تشخيص المصداق لموضوع قواعد الشرع الكلّيّة. والنتيجة إنّ حيازتنا لتعاليم الإسلام لا تعني استغناءنا من سائر العلوم؛ لاحتياجنا إليها في معرفة الموضوعات على الأقل، وكذلك لا نستغني عن الإسلام بالتعرّف على العلوم وتعلّمها؛ لأنّ معرفة الموضوعات من دون استنباط الحكم من مصادر الدين، لا يوصل الإنسان إلى الهدف النهائي.

 

 

 

 

 

 

 

 

(216)

 

 

المصادر

  1. ابن سینا، حسین ابن عبدالله، الشفاء: الفن الخامس من المنطق فی البرهان، تصحيح: إبراهيم بیومی، تحقيق: أبو العلاء عفیفي، القاهرة، وزارة التربية والتعليم، 1375ق.
  2. برهان، محمد حسین بن خلف، برهان قاطع، تصحیح: محمد عباسی، طهران، امیر کبیر، 1336.
  3. التهانوی، محمد بن علي، كشّاف اصطلاحات الفنون، بیروت، دار الکتب العلمیّة،1427ق.
  4. الجرجانی، علی بن محمد، التعریفات، طهران، دار الکتب العلمیة، 1388.
  5. جوادی آملی، عبدالله، منزلت عقل در هندسه معرفت دینی، قم، مرکز نشر اسراء، 1390.
  6. الخامنه‌اي، سيد علي، «بيانات در  ديدار  جمعی از اساتید دانشگاه‌‌ها» (26/09/1383)، رابط: farsi.khamenei.ir/speech/content?id=3263
  7. ـــــــــــــــــ، سید علی، «بیانات  در دیدار جمعی از بانوان قرآن پژوه کشور» (28/7/1388)،  رابط: farsi.khamenei.ir/speech/content?id=8259
  8. خمینی، سید روح الله، صحیفه نور : مجموعه رهنمود های امام خمینی، ج15و19، طهران،  مرکز مدارک فرهنگی اسلامی و سازمان انتشارات و آموزش انقلاب،1370.
(217)
  1. دفتر همکاری حوزه و دانشگاه، آیا دین یک نهاد اجتماعی است[سلسله جزوات جامعه شناسی، ج24]،دفتر همکاری حوزه و دانشگاه .
  2.  ـــــــــــــــــ، اهداف جامعه شناسی و رابطه و رابطه آن با جهان بینی و ایدئولوژی، دفتر همکاری حوزه ها و دانشگاه.
  3.  ـــــــــــــــــ ، پایگاه علمی جامعه شناسی، [سلسله جزوات جامعه شناسی، ج 7]، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  4.  ـــــــــــــــــ ، تاریخ جامعه شناسی و تفکرات جامعه شناسی، [سلسله جزوات جامعه شناسی، ج8]، دفتر همکاری حوزه ودانشگاه.
  5.  ـــــــــــــــــ ، رابطه جامعه شناسی با انسان شناسی، [سلسله جزوات جامعه شناسی، ج 4]، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  6.  ـــــــــــــــــ ، پایگاه علمی جامعه شناسی، [سلسله جزوات جامعه شناسی، ج 7]، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  7.  ـــــــــــــــــ ، سلسله جزوات  حقوق، شماره های 7،  9 ،10 و 15، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  8.  ـــــــــــــــــ ، مبانی حقوق، [سلسله جزوات حقوق ج17]، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  9.  ـــــــــــــــــ ، نابرابری های اجتماعی، [سلسله جزوات جامعه شناسی، ج 26]، دفتر همکاری حوزه و دانشگاه.
  10. دورکیم، امیل، صور بنیانی حیات دینی، ترجمه باقر پرهام، طهران، نشر مرکز، ط1، 1383.
  11. دهخدا، علی اکبر، و محمد معین و جعفر شهیدی، لغت نامه دهخدا، ج24، طهران، مؤسسه لغت نامه دهخدا و دانشگاه طهران، 1377.
  12. راغب الأصفهاني، حسين بن محمد، المفردات في غريب القرآن: في اللغة والأدب والتفسير وعلوم القرآن، طهران، مكتبة بوذر جمهوري، 1373.
(218)
  1. السيوري، المقداد بن عبد الله، شرح باب حادی عشر، مرکز نشر کتاب، 1371.
  2. الطباطبائي، سيد محمد حسین، تفسير الميزان، ج1 و 15، قم، مؤسسة النشر الاسلامي، 1417ق.
  3. طريحي، فخرالدين بن محمد، مجمع البحرين، ج1، طهران، نشر مرتضوي، 1362.
  4. عبوديت، عبدالرسول، «آیا فلسفه اسلامی داریم؟»، معرفت فلسفي، 1 ـ 2(سال اول، پاییز و زمستان 1382)، ص27 ـ 42.
  5. قاضي الأحمد نگری، عبد النبي بن عبدالرسول، جامع العلوم في اصطلاحات الفنون المقب بدستور العلماء، بيروت: مؤسسة الاعلمي للمطبوعات، 1395ق.
  6. قرشي بنابي، سيد علي أكبر، قاموس قرآن، ج2، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1352.
  7. الكليني، محمد بن يعقوب بن إسحاق، الكافي، ج1، قم: دارالحديث، ط1، 1329هـ.ق.
  8. المجلسی، محمدباقر، بحار الانوار، ج1، طهران، دار الكتب الإسلامية، 1362.
  9. المصباح يزدي، محمدتقي، آموزش عقايد، ج1، طهران، انتشارات سازمان تبليغات إسلامي،1365.
  10.  ـــــــــــــــــ ، «جستار  در ماهيت اسلامي سازي علوم»، سخنراني در اولين كنگره بين المللي علوم انساني إسلامي، طهران، رابط: mesbahyazdi.ir/node/3728
  11.  ـــــــــــــــــ ، «طرحي جامع براي إسلامي سازي علوم»، سخنراني در اولين كنگره بين المللي علوم انساني ـ  بخش انگلیسی، قم ـ 2/3/، 1391، رابط:

mesbahyazdi.ir/node/3801

  1.  ـــــــــــــــــ ، جستارهایی در فلسفه علوم انسانی از دیدگاه حضرت علامه آیت الله مصباح یزدی، تدوین دبیرخانه همایش مبانی فلسفی علوم انسانی، قم، انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی، 1389.
  2.  ـــــــــــــــــ ، دین وآزادی، مرکز مطالعات و پژوهش فرهنگی حوزه علمیه، 1381.
(219)
  1. ـــــــــــــــــ ، «سلسله نشست‌های«علم دینی»»، 7جلسه، رابط:
  2. mesbahyazdi.irnode/3663
  3.  ـــــــــــــــــ ، شرح برهان شفاء، ج1،[مجموعه مشکات]، قم، انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی1386.
  4.  ـــــــــــــــــ ، «پیش‌فرض‌های طب اسلامی: پرسش‌های برای پژوهش»، سخنرانی در همایش طب النبی(10/12/85)، رابط: mesbahyazdi.ir/node/309
  5.  ـــــــــــــــــ ، «سلسله درس‌هایی درباره معرفت دینی(2)»، فصلنامه مصباح، 6/21(1376)، ص 5 ـ 16.
  6.  ـــــــــــــــــ ، «سلسله گفت و شنودهایی در مورد مباحث بنیادی علوم: گفتگو با استاد محمدتقی مصباح یزدی»، فصلنامه مصباح، 2/8(1372)،ص9 ـ 24.
  7.  ـــــــــــــــــ ، «شیوه های اسلامی کردن دانشگاه ها»، معرفت، 5/4[پیاپی20]، (1376)، ص4 ـ 8.
  8.  ـــــــــــــــــ ، آموزش فلسفه، ج1، طهران، سازمان تبلیغات اسلامی، 1370.
  9. ـــــــــــــــــ ، ایدئولوژی تطبیقی، ج1و2، قم، مؤسسه در راه حق،136.
  10.  ـــــــــــــــــ ، پیش نیازهای مدیریت اسلامی، ج1، قم، انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی1377.
  11.  ـــــــــــــــــ ، تعدد قرائت‌ها، تحقیق و نگارش: غلام علی عزیزی کیا، قم، انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی.
  12. ـــــــــــــــــ ، فلسفه اخلاق، تحقیق و نگارش احمد حسین شریفی، طهران، شرکت چاپ ونشر بین الملل، 1381.
  13.  ـــــــــــــــــ ، مباحثی پیرامون حوزه، قم: انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی، 1376.
(220)
  1. ـــــــــــــــــ ،نظریه سیاسی اسلام، ج1و2، قم، انتشارات مؤسسه آموزشی و پژوهشی امام خمینی، 1378.
  2. ـــــــــــــــــ ، و دیگران، «میز گرد فلسفه شناسی(3)»، معرفت فلسفی 1/3(بهار1383)، ص 1 ـ 25.
  3.  ـــــــــــــــــ ، و دیگران، «میز گرد زبان دین»، معرفت، 5/3[پیاپی19]،(1375)، ص 8 ـ 18.
  4.  ـــــــــــــــــ ، و دیگران، «میز گرد روش شناسی فهم متون دینی»، معرفت،  6/4[پیاپی24]، (1377)، ص8 ـ 19.
  5. المطهری، مرتضی، «اصل اجتهاد در اسلام» در ده گفتار[مجموعه آثار، ج20]، طهران، نشر صدرا، 1368.
  6. Barbour, Ian G., Religion in an Age of Science; The Gifford Lectures, 1989 - 1991, Volume 1, Harper San Francisco, 1994.
  7. Berger, Peter L., The Sacred Canopy: Elements of a Sociological Theory of Religion, New York, London, Toronto, Sydney, and Auckland: Doubleday, 1967.
  8. Darity Jr., William A., (Editor in Chief), International Encyclopedia of the Social Sciences, 2nd edition, The Gale Group, 2008.
  9. Durkheim, Emile, The Elementary Forms of the Religious Life, London: George Allen & Unwin, 1912.
  10. Geertz, C., The Interpretation of Cultures, New York: Basic Books, 1973.
  11. Hendrich, Ted. (Ed.), The Oxford Companion to Philosophy, New York: Oxford University Press, 1995.
(221)
  1. Kant, Immanuel, “An Answer to the Question: “What is Enlightenment?” Konigsberg in Prussia, 30th September, 1784.
  2. Kuper, Adam & Jessica Kuper(Eds.), The Social Science Encyclopedia, 2nd edition, London & New York: Routledge, 1996. 
  3. McClelland, J. L. & D. E. Rumelhart (Eds.), Parallel Distributed Processing: Explorations in the Microstructure of Cognition, Vol. 2, Cambridge, MA: MIT Press/Bradford Books, 1986.
  4. Mehta, Deepak “Review of Stanley Jeyaraja Tambiah, Magic, Science, Religion and the Scope of Rationality [The Lweis Henry Morgan Lectures, 1984],” Contributions to Indian Sociology, New Series 25/2 (July - Dec. 1991).
  5. Morris, C.W., Signification and Significance, Cambridge, Mass., 1968.
  6. Pandian, Jacob, Culture, Religion, and the Sacred Self: A Critical Introduction to the Anthropological Study of Religion, New Jersey: Prentice - Hall, 1991.
  7. Rudner, Richard S., Philosophy of Social Science, Englewood Cliffs, NJ: Printice - Hall, 1966.
  8. Schleiermacher, Friedrich, On Religion: Speeches to Its Cultured Despisers, trans. Richard Crouter, Cambridge: Cambridge University Press, 1988.
  9. Schneider, David M., American Kinship: A Cultural Account, Englewood Cliffs, NJ: Printice - Hall, 1980.
(222)
  1. Spiro, Melford E, Culture and Human Nature, Ed. by Benjamin Kilborne and L. L. Langness, Chicago: University of Chicago Press, 1987.
  2. Tylor, Edward B., Primitive Culture: Researches in the Development of Mythology, Philosophy, Religion, Art and Custom, London, Murray, 1871.
  3. Williams, Raymond, Keywords, Revised Ed., London: Fontana, 1983

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(223)
(224)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف