فهرس المحتويات

الدين والأزمات الاجتماعية 

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

دراسات دينية معاصرة 11

الدين والأزمات الاجتماعية 

 

مجموعة مؤلفين 

 

إعداد : 

محمد حسين كياني 

 

 

(3)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

الدين والأزمات الاجتماعية / مجموعة مؤلفين ؛ إعداد محمد حسين كياني - الطبعة الأولى. النجف العراق. - العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ١٤٤٥ هـ. = ٢٠٢٤.

مجلد ؛ ٢٤ سم - دراسات دينية معاصرة ؛ (۱۱)

ردمك : ٩٧٨٩٩٢٢٦٨٠٢٢٤

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.

الدين - جوانب اجتماعية. أ. كياني، محمد حسين، معد. ب. العنوان.

LCC: BL41. D56 2024

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

فهرسة اثناء النشر

 

الدين والأزمات الاجتماعية (دراسات دينية معاصرة - 11)

 

تأليف : مجموعة مؤلفين

الإشراف العلمي : السيد محسن الموسوي

إعداد : محمد حسين كياني

الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

الطبعة : الاولى / 2024 م

 

 

(4)

فهرس المحتويات 

(5)
(6)

 

 

مقدّمة المركز

إن الأزمات الاجتماعية تشكل انعكاسًا للاضطراب وانعدام النظم الذي يفرض تحديًا متزايدًا أمام القيّم المحورية في المجتمع. وبعبارة أخرى: إن الأزمات الاجتماعية تعني السلوك الإنساني الذي ينطوي على تبعات وتداعيات اجتماعية لا تندرج ضمن أطر الأصول الأخلاقية والحقوقية أو القواعد العرفية والاجتماعية؛ ونتيجة لذلك فإن هذا النوع من الأنشطة والسلوكيات يواجه منعًا وحظرًا قانونيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. ومن ناحية أخرى فإن «معرفة الأزمات الاجتماعية» مفردة مقتبسة من العلوم الأحيائية وناشئة عن التشابه الأسلوبي المعتمد بين العلماء البايولوجيين وعلماء الاجتماع. إن معرفة الآفات في علم الطب تطلق على مسار تتبع جذور الأمراض في إطار التعرّف على أسباب انعدام النظم في وظائف الجسم؛ إن الكثير من علماء الاجتماع يذهبون ـ بسبب التشابه الموجود بين الإنسان والمجتمع ـ إلى الاعتقاد بأن معرفة الآفات والأزمات الاجتماعية بمثابة السعي في إطار تتبع جذور الاضطراب وعدم النظم الاجتماعي. ومن هنا كان هذا النوع من معرفة الآفات والأزمات يشغل حيّزًا كبيرًا من اهتمام علماء الاجتماع والساسة، ويمثل جانبًا مهمًّا من هواجسهم.

إن للأزمات والآفات الاجتماعية أنواعًا ومصاديق متنوّعة. كما أن بعض نماذجها ومصاديقها من قبيل: الجرائم والجنايات، وعدم العدل والإنصاف، والفساد المالي، والفقر، والبطالة، والتسوّل، والأزمات البيئية، والإجهاض، وعدم العفاف، والاعتداء الجنسي، والفحشاء، والبغاء، والخيانة، والطلاق، والأزمة السكانية، والعنصرية، والأزمات التربوية والتعليمية،

(7)

والعنف والعراك، والقتل والانتحار، والإدمان على المخدرات والمسكرات، والقمار وما إلى ذلك من الجرائم الأخرى. وبعبارة أخرى: إن «الأسرة» عرضة لبعض الآفات، من قبيل: الخيانة والطلاق، وما يُعرف بـ «الزواج الأبيض»، وتبعات عدم الانسجام بين الوالدين، والأساليب الخاطئة والآثار المدمّرة لتربية الوالدين، والبطالة، والإدمان والمخدرات، والآثار المدمّرة لأنماط الحياة الغربية، والنزعة الاستهلاكية وما إلى ذلك. كما تواجه «النساء» بعض الآفات من قبيل: المعتقدات النسوية، وبعض التداعيات الفردية والأسرية لتوظيف النساء ودفعهن إلى العمل، ومسألة الحجاب وعدم العفاف، والإجهاض وما إلى ذلك، أو «التكنولوجيا» التي من شأنها أن تشكّل أرضية خصبة لظهور بعض الأزمات الناجمة عن النموّ الصناعي والتقني، وظهور الأنترنت والأقمار الصناعية وشبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ولا سيّما منها تلك الناظرة إلى إثارة العنف والغرائز والعلاقات الجنسية، والعقائد الخاطئة التي يتمّ التسويق لها في بعض الأفلام وما إلى ذلك. كما أن «المؤسسات والمنظمات الحكومية» هي الأخرى عرضة لبعض الأزمات، من قبيل: الجريمة، والمحاباة الاجتماعية، والظلم الاقتصادي، واستغلال الوظائف والمسؤوليات والمحسوبيات، والعنصرية، واتساع رقعة الأزمات البيئية، والترويج للمفاهيم الغربية، أو عدم جدوائية التعليم في تحسين ظروف الحياة، وعدم المساواة في التعليم، وهروب الأدمغة وما إلى ذلك.

ومن هنا فإن مواجهة الآفات والأزمات الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية، ومن قبل المتصدّين للشأن الثقافي -  الديني، تقترن بحساسية أكبر. إن هذه الهواجس التي تعود إلى أسباب متعددة؛ إنما تقوم على أساس القول بأن الكثير من الآيات والروايات تتخذ موقفًا واضحًا بشأن بعض الأزمات الاجتماعية، وفي الأساس هناك علاقة مفهومة بين «الوقاية من الآفات الاجتماعية أو تقليلها أو القضاء عليها» وبين «تحقق أسلوب الحياة الإسلامية». ومن هنا يمكن العمل على دراسة ماهية وأسباب ودوافع الآفات من خلال الاتجاه الديني، والتحقيق بشأن الوقاية منها وعلاجها.

ومن هنا كان هذا الأثر مشتملًا على مجموعة من كتابات عدد من المؤلفين، حول نسبة «الدين و الأزمات الاجتماعية»، والمسائل المتنوّعة الأخرى. وهي أمور من قبيل: معيار

(8)

التشخيص ومنطق تبويب الأزمات الاجتماعية في القرآن الكريم والروايات، ومعرفة الآفات والأزمات النفسية والسلوكيات غير المعيارية، وموقف الأئمة الأطهارعليهم‌السلام من الأزمات الاجتماعية، وشرائط وموانع التغييرات الاجتماعية من وجهة نظر القرآن، وعلاقة مستوى الحياة والانحرافات الاجتماعية في الآيات والروايات الإسلامية، وآلية تأثير المعتقدات الدينية في التقليل من الأزمات الاجتماعية، وبحث دور الأسرة في انحسار الأزمات الاجتماعية، وكذلك الحلول الإسلامية من أجل القضاء على ظاهرة الفقر، وتوفير الأمن الاقتصادي، والإدمان على الإنترنت، والفساد الإداري، وما إلى ذلك. ومن هنا فإن هذه الدراسة تُعدّ مقدمة للتأمّل في هذا الشأن أيضًا، وعليه فإنها تنفع الأساتذة والباحثين والطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على هذا الموضوع أيضًا.

وفي الختام نتقدم بخالص الشكر إلى جميع الكتاب، وكذلك الزملاء الكرام الذين ساهموا في تدوين ونشر هذه المجموعة، ونخصّ منهم بالذكر فضيلة الدكتور محمد حسين كياني إذ تولى أمر المتابعة والتدقيق العلمي الكفوء في تدوين هذه المجموعة من المقالات، وسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني رئيس المركز، حيث كنا ولا نزال نحظى بدعمه وإرشاداته العلمية المؤثرة. وأشكر كذلك فضيلة الدكتور أحمد قطبي، والسيد محمد رضا الطباطبائي، على ما قدّماه من المقترحات والقيام بالمراحل التنفيذية لهذه الدراسة. على أمل إحياء قلوب المؤمنين والمجتمع البشري بمعين رحمة المعارف الإلهية والأعمال الصالحة، وإعداد الأرضية الخصبة لإقامة المجتمع المثالي والفاضل الذي ينعم بالحياة الطيّبة بحق محمد وآله الأطهارعليهم‌السلام.

                                                                     السيد محسن الموسوي

                                              المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية -  فرع قم

 

(9)
(10)

 

 

منطق تبويب الآفات الاجتماعيّة في القرآن والروايات[1]

نصر الله آقا جاني[2]

الخلاصة

إنّ التعريف بمنطق تبويب أنواع الآفات الاجتماعيّة من زاوية القرآن الكريم والروايات الشريفة مسألة في غاية الأهمّيّة، وقلّما تمّ تناولها بالبحث والتحقيق. فما هو الملاك أو الملاكات التي توصلنا إلى هذه الغاية؟ إنّ التأمّل والتدقيق في الآيات والروايات يثبت أنّ ثمّة سلسلة مراتب من الانحرافات، ويمكن تبويبها على أساس ملاكات متعدّدة. إنّ شدّة وأهمّيّة النهي عن أمر ما، والإصرار على ارتكاب معصية أو ذنب، والترويج له والتصريح به في المجتمع واستصغاره من الأمور التي ورد التصريح بها في الروايات بوصفها معيارًا في هذا الشأن. والجامع المشترك بينها هو أن كلّ معصية تدلّ على عدم مبالاة الشخص في التعبّد والتقيّد الدينيّ، أو ينطوي ارتكابه على إضعاف القيَم في المجتمع، يُعدّ من الانحرافات الكبرى التي يتمّ التعبير عنها في المصطلح الشرعيّ بـ «الذنوب الكبيرة». يُضاف إلى ذلك أنّه لفهم حكمة أو ملاك شدّة النهي عن انحراف ما في الإسلام يمكن اعتبارُ الاستكبارِ في مواجهة الدين، وما يؤدّي إلى تغيير الهويّة الإسلاميّة

(11)

للشخص والمجتمع، وإضعاف مواطن القوّة والاقتدار في المجتمع، من جملة الملاكات والمعايير التي يمكن العمل على تبويب مجموعة من الانحرافات والآفات على هامشها.

المقدّمة

إنّ علم الآفات الاجتماعيّة يُعدّ واحدًا من الحقول المهمّة في علم الاجتماع، حيث يتمّ فيه التعرّض إلى دراسة أنواع الانحرافات مع بيان علل ظهورها وتداعياتها وطرق علاجها. إنّ الذي يتمّ تناوله في هذا الحقل الاجتماعيّ لا يتجاوز عددًا محدودًا من الآفات والسلوكيّات المنحرفة. وقد شهد هذا الحقل حتّى الآن تقديم الكثير من الأبحاث، ولا سيّما من الزاوية الإسلاميّة؛ حيث تمّ إنجاز أعمال جيّدة في هذا الشأن. ومع ذلك كلّه فإنّه قلّما تمّ العمل على تقديم بحث وتحقيق بشأن ملاك ومنطق تبويب الآفات الاجتماعيّة من وجهة نظر الإسلام، ولم نشهد أيّ أثر مستقلّ في هذا المجال. وربما كان هذا الأمر واحدًا من أسباب عدم امتلاك المحقّقين في الحقل الاجتماعيّ رؤية موسّعة عن أنواع الانحرافات والآفات الاجتماعيّة. إنّ الغرض الرئيس من هذه الدراسة هو السعي من أجل كشف بعض الملاكات في الحقل الاجتماعيّ من نصوص القرآن الكريم والروايات، بحيث يمكن على أساس ذلك التعرّض إلى منطق واضح لتبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة. وسوف نسعى ـ بطبيعة الحال ـ ضمن بحث الملاكات إلى الإشارة إلى بعض أهمّ الانحرافات ذات الصلة، وكذلك بعض تبويباتها وتقسيماتها في الروايات.

ماهيّة الانحراف الاجتماعيّ

يعدّ الملاك مؤشّرًا على معيار مشترك بين أفراد مجموعة ما، وتذهب التوقّعات إلى تبلوره على أساس سلوكيّاتهم، وإنّ هذا التماهي إنّما يتمّ تنفيذه من خلال أنواع العقوبات الإيجابيّة والسلبيّة.[1]ويسمّي علماء الاجتماع السلوك القائم على أساس المعايير سلوكًا معياريًّا. طبقًا لهذا المعنى فإنّ الشخص إنّما يُعتبر معياريًّا فيما إذا كان متناغمًا ومنسجمًا مع الضوابط الأخلاقيّة-

(12)

الثقافيّة لمجتمعه.[1] في ضوء التعريف أعلاه تعدّ المعايير أمرًا نسبيًّا، وتختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر. وبطبيعة الحال فإنّ هذا التعريف، وإن كان يبدو بالنظر إلى توصيف الواقعيّة الخارجيّة عينيًّا، ولكنّه من ناحية أخرى يعاني من النسبيّة، وإنّ مبنى النسبيّة ينطوي من الناحية المعرفيّة والقيَميّة على الكثير من الإشكالات. إن السلوك المعياريّ من وجهة نظر الإسلام هو السلوك الذي يتّفق مع القيَم الإنسانيّة والإسلاميّة العالية والسامية. وفي قبال السلوك المعياريّ يقع السلوك غير المعياريّ أو المنحرف والذي يتنكّب الطريق. يرى علماء الاجتماع أنّ ثمّة قيدين في الحدّ الأدنى يدخلان في تعريف «الانحراف»، وهما أوّلًا: أن يؤدّي ذلك السلوك الخاصّ إلى نقض المعايير المهمّة في المجتمع. وثانيًا: أن تكون العقوبة قابلة للتنفيذ من وجهة نظر الكثير من الناس. وعلى هذا الأساس فإنّه من وجهة نظر علم الاجتماع بالنظر إلى أنّ المعايير الاجتماعيّة لا تحظى بأجمعها بأهمّيّة خاصّة، وأنّ عدم التماهي معها قد يتمّ غضّ الطرف عنه، فإنّ الذي يحظى نقضه بالاهتمام من بينها هو ذلك الذي يُعدّ ذنبًا من وجهة نظر عدد كبير من الناس.[2] إنّ التأكيد على قيد «المخالفة مع المعايير الاجتماعيّة المهمّة» في تعريف الانحراف إنّما يقوم على فرضيّة أنّ وجود الانحرافات الاجتماعيّة في كلّ مجتمع أمر طبيعيّ إلى حدّ ما؛ ولذلك ينبغي أن لا يتمّ اعتبار كلّ نوع من أنواع اللامعياريّة انحرافًا، بل إنّ الانحراف الاجتماعيّ إنّما يكون موردًا للاهتمام فيما لو أدّى إلى مخالفة للمعايير المهمّة. وبطبيعة الحال فإنّه توجد إشكالات تترتّب على هذا المبنى؛ وذلك لأنّ وجود حدّ خاصّ من الانحرافات في جميع المجتمعات، بحيث يمكن غضّ الطرف عنه، لا يمكنه أن ينفي ماهيّته اللامعياريّة والانحرافيّة أبدًا، وعلاوة على ذلك فإنّ هذا النوع من الاتجاه إنّما هو متأثّر بمبنى النسبيّة.[3] وكذلك فإنّه في تعريف الانحراف يتمّ التأكيد في الغالب على السلوك (المخالف للمعايير)؛ في حين أنّ الانحرافات لا تنحصر في حقل السلوك فقط؛ إذ من الممكن أن يقع الانحراف في الأفكار وفي التوجّهات والمشاعر، حيث يكون الانحراف هنا

(13)

أكبر وأشدّ، ويكون بالإضافة إلى ذلك منشأً للانحرافات السلوكيّة وغير السلوكيّة الأخرى أيضًا. وفي الأساس فإن منشأَ السلوك المنحرف والانحراف السلوكيّ إنّما يعود إلى الأفكار والقيَم والتيّارات والاتجاهات المنحرفة. وعلى هذا الأساس ففي تعريف الانحراف بدلًا من التركيز على «السلوك المخالف للمعيار»، من الأفضل أن نفكّر بشكل أشمل، وأن ننظر إلى «كلّ شيء مخالف للمعايير» بوصفه انحرافًا، وإن كان من صنف الأفكار والاتجاهات. وعلى هذا الأساس فإنّ الانحرافات الاجتماعيّة سوف تكون مقولة واسعة تشمل جميع أنواع العقائد والقيَم والمعايير والسلوكيّات التي تخدش المعايير والقيَم والعقائد في المجتمع.[1] بالنظر إلى أنّ ملاك مشروعيّة الأفكار والعقائد والقيَم والمعايير والسلوكيّات إنّما يقوم على أساس تناغمها وانسجامها مع مشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته، وإنّ كلّ ما كان على خلاف هذا الإطار الدينيّ يعدّ انحرافًا، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).[2] لو كان الطريق المستقيم الوحيد من وجهة نظر القرآن الكريم هو دين الله فقط، فإنّ كلّ ما هو خلافه سوف يكون غير مستقيم، ويُعدّ «انحرافًا»، وإذا كان هذا النوع من الانحراف منبثقًا عن المجتمع، أو كانت آثاره وتداعياته تستهدف المجتمع، فإنّه سوف يكتسب من هذه الناحية صبغة اجتماعيّة، ويتمّ الحديث عنه بوصفه «انحرافًا اجتماعيًّا». وعلى هذا الأساس يمكن تعريف الانحراف الاجتماعيّ من وجهة نظر القرآن الكريم، على النحو الآتي: «هو كلّ ظاهرة أو قيمة أو معيار أو سلوك مخالف للشريعة الإلهيّة (الإسلام) ويكون منبثقًا عن المجتمع أو مؤثّرًا فيه».[3] إنّ الآفات الاجتماعيّة وإن كانت تُعدّ من تداعيات الآفات الانحرافيّة والانحرافات الاجتماعيّة، إلّا أنّ المراد من الآفات الاجتماعيّة في هذه المقالة هو ذات الانحرافات الاجتماعيّة؛ وذلك لأنّ كلّ انحراف اجتماعيّ هو في حدّ ذاته ظاهرة منحرفة وغير مطلوبة، وتؤدّي بطبيعة الحال إلى آثار وتداعيات مضرّة.

(14)

تبويب الآفات الاجتماعيّة

إنّ الالتفات إلى هذه النقطة مهمّ، وهو أنّ من بين خصائص القيَم وأضداد القيَم، وكذلك المعايير وعدمها، وجود سلسلة مراتب من الأهمّيّة وشدّة الاهتمام وتوجّه المجتمع بالنسبة إليها. إنّ هذه المسألة جديرة بالملاحظة من جهتين، وهما أوّلًا: سلسلة المراتب الموجودة بحسب الواقع (أي: بالنظر إلى علاقة عنصر قيَميّ وسلوكيّ بالكمال والسعادة الإنسانيّة). وثانيًا: كيف يرى المجتمع ذلك على شكل سلسلة من المراتب. إنّ سلسلة المراتب العينيّة والاجتماعيّة للقيَم يمكن أن تكون متأثّرة بسلسلة مراتب حقيقيّة من القيَم وفي إطارها، وهذا هو معنى افتراض الأمر المثاليّ أيضًا، بيد أنّ هذا الأمر لا يتحقّق بالضرورة.[1] إنّ الاهتمام بمكانة عنصر ثقافيّ في سلسلة مراتبه القيَميّة، يحكي لنا عن مقدار قابليّته للانعطاف، وإنّ هذه الخصوصيّة ـ على حدّ قول روبرت مارتن ـ تحظى بأهمّيّة كبيرة في دراسة الانحرافات.[2]

إنّ تبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة يعمل على رسم مكانتها وأهمّيّتها، وسوف يعمل على بيان أولويّات معرفة آفاتها، وأنّه ـ على سبيل المثال ـ ما هي الآفات التي تنطوي على أهمّيّة أكبر، ويجب أن تقع على سلّم الأولويّات في وضع السياسات الثقافيّة والاجتماعيّة. إنّ الانحرافات الاجتماعيّة تقع في طيف واسع وكبير جدًّا، ويحتاج تبويبها إلى ملاك. وقد تمّ بيان معايير مختلفة في هذا الشأن:

1. ملاك إدراك الأشخاص وعدمه: إنّ السلوك المنحرف إمّا أن يصدر عن الأفراد بوعي وإدراك منهم، أو دون وعي وإدراك منهم؛ ولذلك فإنّ الانحراف ينقسم إلى انحراف بوعي وإدراك، وانحراف من غير وعي وإدراك.[3]

2. ملاك الأداء: بمعنى أنّ بعض الانحرافات تحتوي على أداء إيجابيّ وبعضها الآخر يحتوي على أداء سلبيّ.[4]

(15)

3. ملاك وصمة الانحراف: بمعنى أنّ الشخص المنحرف إذا لم يتمّ وصمه بالانحراف يُسمّى انحرافه أوّليًّا، وعندما يتمّ وصمه بالانحراف يكون انحرافه ثانويًّا.[1]

4. طبقًا لعامل الانحراف: حيثما يرتكب الفرد انحرافًا، يكون ذلك الانحراف فرديًّا، وأمّا إذا صدر الانحراف عن جماعة من الأشخاص، فسوف يكون الانحراف جماعيًّا.[2]

5. الاقتران بالعنف: يتمّ في بعض الأحيان تقسيم الانحراف ـ بالنظر إلى اقتران الآفات الاجتماعيّة بالعنف وعدمه ـ إلى أقسام متعدّدة.[3]

6. في ضوء موقع المجرمين في الدولة والسلطة: يتمّ في بعض الأحيان تقسيم الآفات الاجتماعيّة ـ بالنظر إلى توظيف المجرمين لمواقعهم في الدولة وعدمه، وكذلك كون الجرائم منظّمة أم لا ـ إلى أنواع وأقسام مختلفة.[4]

إنّ هدف هذه المقالة هو العمل على اكتشاف ملاك أو ملاكات تبويب الآفات الاجتماعيّة من زاوية النصوص الإسلاميّة الأعمّ من القرآن الكريم والروايات، حيث يبدو أنّ هذا الأمر بحاجة إلى تأمّل وتدقيق خاصّ.

المنطق القرآن والروائيّ في ترتيب الآفات الاجتماعيّة

هل يمكن العمل على اكتشاف نوع من تبويب الانحرافات في ضوء المنطق القرآنيّ؟ وما هي الملاكات الموجودة في هذا الشأن؟ لا شك في أنّ ثمّة الكثير من الانحرافات والآفات الاجتماعيّة التي تمّ رصدها في القرآن الكريم، ولا شكّ في أنّها ليست بأجمعها على درجة واحدة. وعلى الرغم من التعبير عن بعض الانحرافات بوصف «الكبائر» ـ الأمر الذي يُشير بدوره إلى وجود سلسلة مراتب من القبح والسوء في الانحرافات ـ ولكن مع ذلك توجد مجموعة من الانحرافات تقع في ذيلها، وهي الأخرى تحتاج إلى ملاك آخر بدورها لتبويبها وفصلها عن بعضها. قال الله

[1]. ستوده، مقدمه‏اى بر آسيب‏شناسى اجتماعى، ص 34.

[2]. م.ن.

[3]. غيدنز، جامعه‏شناسي، صص 139 ـ 162.

[4]. م.ن.

(16)

تعالى في محكم كتابه الكريم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).[1] إنّ وصف شيء بالكبر مفهوم قياسيّ يكتسب معناه بالنظر إلى شيء آخر أصغر منه؛ ولذلك فإنّه يُستفاد من التعبير بـ «الكبائر» أنّه توجد بعض الذنوب التي نهى عنها الله، وهي تعدّ من «الصغائر». ومن الواضح أنّنا إذا أخذنا نسبة الإنسان المخلوق إلى الله الخالق، فسوف تكون كلّ معصية كبيرة، وأما إذا قيست كلّ معصية إلى معصية أخرى، فسوف يكون بعضها من الكبائر وبعضها الآخر من الصغائر.[2] وعلى كلّ حال يمكن العمل ـ من خلال معايير وملاكات من قبيل شدّة النهي والوعيد بالعذاب الإلهيّ الشديد والإصرار على اقتراف الانحراف ـ على تقسيم سلسلة من أنواع الانحرافات والآفات الاجتماعيّة وغير الاجتماعيّة، بيد أنّ النقطة الأهمّ في البين هي البحث عن الأسباب التي تدعو إلى شدّة النهي والتوعّد بالعقاب والعذاب الإلهيّ على بعض الذنوب والانحرافات بشكل أكبر بالقياس إلى بعض الذنوب الأخرى؟ وفي الواقع فإنّ تحليل هذا المطلب يمكن أن يمهّد الطريق إلى تبويب الآفات الاجتماعيّة بشكل أيسر. وسوف نعمل أوّلًا على ذكر الملاكات المتداولة في تبويب الذنوب والانحرافات، والتي تمّ التصريح بشأنها في الروايات بوصفها ملاكًا لكبر الذنب والانحراف وعظمته، ثمّ نقوم بعد ذلك ببحث وتحليل هذه الملاكات، وفي نهاية المطاف سوف نذكر عناوين وملاكات أخرى لتبويب مجموعة واسعة من هذه الانحرافات.

معيار شدّة النهي

إنّ من بين ملاكات ترتيب الانحرافات وتبويبها من وجهة نظر الإسلام، عبارة عن شدّة وأهمّيّة النهي عن موضوع ما بالقياس إلى النهي عن الموضوعات الأخرى، بمعنى أنّه كلّما كان نهي الله عن أمر أشدّ وأهمّ، كان ذلك دليلًا على شدّة قبح ذلك الأمر. يمكن التوصّل إلى أهمّيّة النهي من خلال شدّة خطاب النهي والإصرار على تركه أو من نوع التهديد عليه بعذاب

(17)

الجحيم وما إلى ذلك.[1] وقد ورد في الروايات ذكر الوعيد بالعذاب في نار جهنم بوصفه ملاكًا لاعتبار الذنب من الكبائر، كما في الرواية التي تقول: «الكبائر التي أوجب الله ـ عزّ وجلّ ـ عليها النار».[2] ومن خلال التدبّر في الآيات الإلهيّة يتضح أنّ النهي الشديد قد توجّه إلى الذنوب والانحرافات التي تقع إلى الجهة المقابلة للتوحيد والولاية الإلهيّة، وفي جهة المواجهة مع ولاية أولياء الله. وسوف نبحث هذا الأمر بتفصيل أكبر.

معيار الإصرار

إنّ من بين الملاكات الأخرى في معرفة الانحراف والذنب الكبير، هو الإصرار على كلّ معصية وإن لم تكن من الذنوب المعروفة بالكبيرة، إلّا أنّ الإصرار عليها وتكرارها هو الذي يكون سببًا في وصفها بالكبيرة. وقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ الإصرار على الذنب الصغير يجعله من الكبائر، إذ يقول: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار».[3] إنّ المراد من الإصرار على الذنب والانحراف قبل التعلّق بكميّته، إنّما يعود إلى نوع نظرة الشخص المنحرف إلى الذنب. ومن هنا فقد ورد في رواية مأثورة عن الإمام الباقرعليه‌السلام، أنّه قال في تفسير قوله تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)،[4] إنّ المراد من الإصرار هو أن لا يستغفر الشخص لذنبه ولا يعقد النية على التوبة: «الإصرار هو أن يذنب الذنب، فلا يستغفر الله ولا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار».[5] إنّ هذه الحالة تؤكّد عدم اهتمام الشخص، وعدم تغيير رؤيته، وعدم امتلاكه للإحساس الدينيّ، ويمكن لهذه الحالة أن تكون في غاية الخطورة. وعليه فإنّ ارتكاب الذنب في ظلّ هذه النظرة يحوّله إلى كبيرة؛ لأنّه يحتوي على أرضيّة العودة إلى اقتراف الذنب وتكراره.

(18)

ملاك إشاعة الذنوب

إنّ من بين الملاكات المهمّة التي تدلّ على عظم هذا الانحراف وخطره، هو العمل على الجهر به والترويج له، أو اقترافه من قبل شخص يمتلك منزلة اجتماعيّة عُليا في المجتمع. إنّ القَدْر المشترك الجامع بين كلّ هذه الصوَر هو العمل على إشاعة الانحراف والذنوب في المجتمع، والذي ينتقل من الحقل الفرديّ والخفي إلى الحقل الاجتماعيّ والعلنيّ. إنّ ملاك القبح الشديد والكبير لهذا النوع من الانحراف يعود إلى إضراره بالفضاء الأخلاقيّ والاعتقاديّ في المجتمع. إنّ العمل على ترويج وإشاعة المعصية والانحراف في المجتمع الإسلاميّ، يُعدّ ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ من أسوأ أنواع المعاصي والذنوب؛ إذ يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).[1] إنّ النقطة الجديرة بالالتفات والملاحظة في هذه الآية الكريمة هي أنّها لا تقول: «إنّ الذين يشيعون الفاحشة»، وإنّما تقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ)، وهذا الأمر يُشير إلى غاية التأكيد على القبح في هذا الشأن. إنّ إشاعة الفحشاء تعبير عاّم يشمل جميع أنواع الفساد والانحراف في المجتمع، وإنْ ورد التعبير بـ «الفاحشة» أو «الفحشاء» في القرآن الكريم غالبًا بشأن الانحرافات الجنسيّة، ولكن الفحشاء لغة تعني كلّ فعل أو قول ينطوي على قبح فاحش وكبير، وقد ورد استعمال الفاحشة في القرآن أحيانًا بهذا المعنى، كما في قول الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ).[2] وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية الكريمة ترى إشاعة كلّ نوع من الذنوب في المجتمع بوصفه إشاعة للفحشاء.[3] وقد رُوي في المأثور عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه روى عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «المذيع بالسيّئة مخذول، والمستتر بها مغفور له».[4] إنّ هذه الرواية تثبت أنّ إذاعة المعصية بسبب دلالتها الاجتماعيّة تمثّل مؤشّرًا على عدم الاهتمام وعدم المبالاة بالقيَم في المجتمع والتقليل من شأنها، وكذلك إشاعة وترويج الانحراف في المجتمع. وعليه فإنّ كلّ نوع من أنواع السيّئات

(19)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف