فهرس المحتويات

الدين والأزمات الاجتماعية 

(1)

بسم الله الرحمن الرحيم

(2)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

دراسات دينية معاصرة 11

الدين والأزمات الاجتماعية 

 

مجموعة مؤلفين 

 

إعداد : 

محمد حسين كياني 

 

 

(3)

العتبة العباسية المقدسة 

المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

 

الدين والأزمات الاجتماعية / مجموعة مؤلفين ؛ إعداد محمد حسين كياني - الطبعة الأولى. النجف العراق. - العتبة العباسية المقدسة، المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية، ١٤٤٥ هـ. = ٢٠٢٤.

مجلد ؛ ٢٤ سم - دراسات دينية معاصرة ؛ (۱۱)

ردمك : ٩٧٨٩٩٢٢٦٨٠٢٢٤

يتضمن إرجاعات ببليوجرافية.

الدين - جوانب اجتماعية. أ. كياني، محمد حسين، معد. ب. العنوان.

LCC: BL41. D56 2024

مركز الفهرسة ونظم المعلومات التابع لمكتبة ودار مخطوطات العتبة العباسية المقدسة

فهرسة اثناء النشر

 

الدين والأزمات الاجتماعية (دراسات دينية معاصرة - 11)

 

تأليف : مجموعة مؤلفين

الإشراف العلمي : السيد محسن الموسوي

إعداد : محمد حسين كياني

الناشر : العتبة العباسية المقدسة / المركز الاسلامي للدراسات الاستراتيجية 

الطبعة : الاولى / 2024 م

 

 

(4)

فهرس المحتويات 

(5)
(6)

 

 

مقدّمة المركز

إن الأزمات الاجتماعية تشكل انعكاسًا للاضطراب وانعدام النظم الذي يفرض تحديًا متزايدًا أمام القيّم المحورية في المجتمع. وبعبارة أخرى: إن الأزمات الاجتماعية تعني السلوك الإنساني الذي ينطوي على تبعات وتداعيات اجتماعية لا تندرج ضمن أطر الأصول الأخلاقية والحقوقية أو القواعد العرفية والاجتماعية؛ ونتيجة لذلك فإن هذا النوع من الأنشطة والسلوكيات يواجه منعًا وحظرًا قانونيًا وأخلاقيًا واجتماعيًا. ومن ناحية أخرى فإن «معرفة الأزمات الاجتماعية» مفردة مقتبسة من العلوم الأحيائية وناشئة عن التشابه الأسلوبي المعتمد بين العلماء البايولوجيين وعلماء الاجتماع. إن معرفة الآفات في علم الطب تطلق على مسار تتبع جذور الأمراض في إطار التعرّف على أسباب انعدام النظم في وظائف الجسم؛ إن الكثير من علماء الاجتماع يذهبون ـ بسبب التشابه الموجود بين الإنسان والمجتمع ـ إلى الاعتقاد بأن معرفة الآفات والأزمات الاجتماعية بمثابة السعي في إطار تتبع جذور الاضطراب وعدم النظم الاجتماعي. ومن هنا كان هذا النوع من معرفة الآفات والأزمات يشغل حيّزًا كبيرًا من اهتمام علماء الاجتماع والساسة، ويمثل جانبًا مهمًّا من هواجسهم.

إن للأزمات والآفات الاجتماعية أنواعًا ومصاديق متنوّعة. كما أن بعض نماذجها ومصاديقها من قبيل: الجرائم والجنايات، وعدم العدل والإنصاف، والفساد المالي، والفقر، والبطالة، والتسوّل، والأزمات البيئية، والإجهاض، وعدم العفاف، والاعتداء الجنسي، والفحشاء، والبغاء، والخيانة، والطلاق، والأزمة السكانية، والعنصرية، والأزمات التربوية والتعليمية،

(7)

والعنف والعراك، والقتل والانتحار، والإدمان على المخدرات والمسكرات، والقمار وما إلى ذلك من الجرائم الأخرى. وبعبارة أخرى: إن «الأسرة» عرضة لبعض الآفات، من قبيل: الخيانة والطلاق، وما يُعرف بـ «الزواج الأبيض»، وتبعات عدم الانسجام بين الوالدين، والأساليب الخاطئة والآثار المدمّرة لتربية الوالدين، والبطالة، والإدمان والمخدرات، والآثار المدمّرة لأنماط الحياة الغربية، والنزعة الاستهلاكية وما إلى ذلك. كما تواجه «النساء» بعض الآفات من قبيل: المعتقدات النسوية، وبعض التداعيات الفردية والأسرية لتوظيف النساء ودفعهن إلى العمل، ومسألة الحجاب وعدم العفاف، والإجهاض وما إلى ذلك، أو «التكنولوجيا» التي من شأنها أن تشكّل أرضية خصبة لظهور بعض الأزمات الناجمة عن النموّ الصناعي والتقني، وظهور الأنترنت والأقمار الصناعية وشبكات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية ولا سيّما منها تلك الناظرة إلى إثارة العنف والغرائز والعلاقات الجنسية، والعقائد الخاطئة التي يتمّ التسويق لها في بعض الأفلام وما إلى ذلك. كما أن «المؤسسات والمنظمات الحكومية» هي الأخرى عرضة لبعض الأزمات، من قبيل: الجريمة، والمحاباة الاجتماعية، والظلم الاقتصادي، واستغلال الوظائف والمسؤوليات والمحسوبيات، والعنصرية، واتساع رقعة الأزمات البيئية، والترويج للمفاهيم الغربية، أو عدم جدوائية التعليم في تحسين ظروف الحياة، وعدم المساواة في التعليم، وهروب الأدمغة وما إلى ذلك.

ومن هنا فإن مواجهة الآفات والأزمات الاجتماعية في المجتمعات الإسلامية، ومن قبل المتصدّين للشأن الثقافي -  الديني، تقترن بحساسية أكبر. إن هذه الهواجس التي تعود إلى أسباب متعددة؛ إنما تقوم على أساس القول بأن الكثير من الآيات والروايات تتخذ موقفًا واضحًا بشأن بعض الأزمات الاجتماعية، وفي الأساس هناك علاقة مفهومة بين «الوقاية من الآفات الاجتماعية أو تقليلها أو القضاء عليها» وبين «تحقق أسلوب الحياة الإسلامية». ومن هنا يمكن العمل على دراسة ماهية وأسباب ودوافع الآفات من خلال الاتجاه الديني، والتحقيق بشأن الوقاية منها وعلاجها.

ومن هنا كان هذا الأثر مشتملًا على مجموعة من كتابات عدد من المؤلفين، حول نسبة «الدين و الأزمات الاجتماعية»، والمسائل المتنوّعة الأخرى. وهي أمور من قبيل: معيار

(8)

التشخيص ومنطق تبويب الأزمات الاجتماعية في القرآن الكريم والروايات، ومعرفة الآفات والأزمات النفسية والسلوكيات غير المعيارية، وموقف الأئمة الأطهارعليهم‌السلام من الأزمات الاجتماعية، وشرائط وموانع التغييرات الاجتماعية من وجهة نظر القرآن، وعلاقة مستوى الحياة والانحرافات الاجتماعية في الآيات والروايات الإسلامية، وآلية تأثير المعتقدات الدينية في التقليل من الأزمات الاجتماعية، وبحث دور الأسرة في انحسار الأزمات الاجتماعية، وكذلك الحلول الإسلامية من أجل القضاء على ظاهرة الفقر، وتوفير الأمن الاقتصادي، والإدمان على الإنترنت، والفساد الإداري، وما إلى ذلك. ومن هنا فإن هذه الدراسة تُعدّ مقدمة للتأمّل في هذا الشأن أيضًا، وعليه فإنها تنفع الأساتذة والباحثين والطلاب الذين يرغبون في الاطلاع على هذا الموضوع أيضًا.

وفي الختام نتقدم بخالص الشكر إلى جميع الكتاب، وكذلك الزملاء الكرام الذين ساهموا في تدوين ونشر هذه المجموعة، ونخصّ منهم بالذكر فضيلة الدكتور محمد حسين كياني إذ تولى أمر المتابعة والتدقيق العلمي الكفوء في تدوين هذه المجموعة من المقالات، وسماحة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني رئيس المركز، حيث كنا ولا نزال نحظى بدعمه وإرشاداته العلمية المؤثرة. وأشكر كذلك فضيلة الدكتور أحمد قطبي، والسيد محمد رضا الطباطبائي، على ما قدّماه من المقترحات والقيام بالمراحل التنفيذية لهذه الدراسة. على أمل إحياء قلوب المؤمنين والمجتمع البشري بمعين رحمة المعارف الإلهية والأعمال الصالحة، وإعداد الأرضية الخصبة لإقامة المجتمع المثالي والفاضل الذي ينعم بالحياة الطيّبة بحق محمد وآله الأطهارعليهم‌السلام.

                                                                     السيد محسن الموسوي

                                              المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجية -  فرع قم

 

(9)
(10)

 

 

منطق تبويب الآفات الاجتماعيّة في القرآن والروايات[1]

نصر الله آقا جاني[2]

الخلاصة

إنّ التعريف بمنطق تبويب أنواع الآفات الاجتماعيّة من زاوية القرآن الكريم والروايات الشريفة مسألة في غاية الأهمّيّة، وقلّما تمّ تناولها بالبحث والتحقيق. فما هو الملاك أو الملاكات التي توصلنا إلى هذه الغاية؟ إنّ التأمّل والتدقيق في الآيات والروايات يثبت أنّ ثمّة سلسلة مراتب من الانحرافات، ويمكن تبويبها على أساس ملاكات متعدّدة. إنّ شدّة وأهمّيّة النهي عن أمر ما، والإصرار على ارتكاب معصية أو ذنب، والترويج له والتصريح به في المجتمع واستصغاره من الأمور التي ورد التصريح بها في الروايات بوصفها معيارًا في هذا الشأن. والجامع المشترك بينها هو أن كلّ معصية تدلّ على عدم مبالاة الشخص في التعبّد والتقيّد الدينيّ، أو ينطوي ارتكابه على إضعاف القيَم في المجتمع، يُعدّ من الانحرافات الكبرى التي يتمّ التعبير عنها في المصطلح الشرعيّ بـ «الذنوب الكبيرة». يُضاف إلى ذلك أنّه لفهم حكمة أو ملاك شدّة النهي عن انحراف ما في الإسلام يمكن اعتبارُ الاستكبارِ في مواجهة الدين، وما يؤدّي إلى تغيير الهويّة الإسلاميّة

(11)

للشخص والمجتمع، وإضعاف مواطن القوّة والاقتدار في المجتمع، من جملة الملاكات والمعايير التي يمكن العمل على تبويب مجموعة من الانحرافات والآفات على هامشها.

المقدّمة

إنّ علم الآفات الاجتماعيّة يُعدّ واحدًا من الحقول المهمّة في علم الاجتماع، حيث يتمّ فيه التعرّض إلى دراسة أنواع الانحرافات مع بيان علل ظهورها وتداعياتها وطرق علاجها. إنّ الذي يتمّ تناوله في هذا الحقل الاجتماعيّ لا يتجاوز عددًا محدودًا من الآفات والسلوكيّات المنحرفة. وقد شهد هذا الحقل حتّى الآن تقديم الكثير من الأبحاث، ولا سيّما من الزاوية الإسلاميّة؛ حيث تمّ إنجاز أعمال جيّدة في هذا الشأن. ومع ذلك كلّه فإنّه قلّما تمّ العمل على تقديم بحث وتحقيق بشأن ملاك ومنطق تبويب الآفات الاجتماعيّة من وجهة نظر الإسلام، ولم نشهد أيّ أثر مستقلّ في هذا المجال. وربما كان هذا الأمر واحدًا من أسباب عدم امتلاك المحقّقين في الحقل الاجتماعيّ رؤية موسّعة عن أنواع الانحرافات والآفات الاجتماعيّة. إنّ الغرض الرئيس من هذه الدراسة هو السعي من أجل كشف بعض الملاكات في الحقل الاجتماعيّ من نصوص القرآن الكريم والروايات، بحيث يمكن على أساس ذلك التعرّض إلى منطق واضح لتبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة. وسوف نسعى ـ بطبيعة الحال ـ ضمن بحث الملاكات إلى الإشارة إلى بعض أهمّ الانحرافات ذات الصلة، وكذلك بعض تبويباتها وتقسيماتها في الروايات.

ماهيّة الانحراف الاجتماعيّ

يعدّ الملاك مؤشّرًا على معيار مشترك بين أفراد مجموعة ما، وتذهب التوقّعات إلى تبلوره على أساس سلوكيّاتهم، وإنّ هذا التماهي إنّما يتمّ تنفيذه من خلال أنواع العقوبات الإيجابيّة والسلبيّة.[1]ويسمّي علماء الاجتماع السلوك القائم على أساس المعايير سلوكًا معياريًّا. طبقًا لهذا المعنى فإنّ الشخص إنّما يُعتبر معياريًّا فيما إذا كان متناغمًا ومنسجمًا مع الضوابط الأخلاقيّة-

(12)

الثقافيّة لمجتمعه.[1] في ضوء التعريف أعلاه تعدّ المعايير أمرًا نسبيًّا، وتختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر. وبطبيعة الحال فإنّ هذا التعريف، وإن كان يبدو بالنظر إلى توصيف الواقعيّة الخارجيّة عينيًّا، ولكنّه من ناحية أخرى يعاني من النسبيّة، وإنّ مبنى النسبيّة ينطوي من الناحية المعرفيّة والقيَميّة على الكثير من الإشكالات. إن السلوك المعياريّ من وجهة نظر الإسلام هو السلوك الذي يتّفق مع القيَم الإنسانيّة والإسلاميّة العالية والسامية. وفي قبال السلوك المعياريّ يقع السلوك غير المعياريّ أو المنحرف والذي يتنكّب الطريق. يرى علماء الاجتماع أنّ ثمّة قيدين في الحدّ الأدنى يدخلان في تعريف «الانحراف»، وهما أوّلًا: أن يؤدّي ذلك السلوك الخاصّ إلى نقض المعايير المهمّة في المجتمع. وثانيًا: أن تكون العقوبة قابلة للتنفيذ من وجهة نظر الكثير من الناس. وعلى هذا الأساس فإنّه من وجهة نظر علم الاجتماع بالنظر إلى أنّ المعايير الاجتماعيّة لا تحظى بأجمعها بأهمّيّة خاصّة، وأنّ عدم التماهي معها قد يتمّ غضّ الطرف عنه، فإنّ الذي يحظى نقضه بالاهتمام من بينها هو ذلك الذي يُعدّ ذنبًا من وجهة نظر عدد كبير من الناس.[2] إنّ التأكيد على قيد «المخالفة مع المعايير الاجتماعيّة المهمّة» في تعريف الانحراف إنّما يقوم على فرضيّة أنّ وجود الانحرافات الاجتماعيّة في كلّ مجتمع أمر طبيعيّ إلى حدّ ما؛ ولذلك ينبغي أن لا يتمّ اعتبار كلّ نوع من أنواع اللامعياريّة انحرافًا، بل إنّ الانحراف الاجتماعيّ إنّما يكون موردًا للاهتمام فيما لو أدّى إلى مخالفة للمعايير المهمّة. وبطبيعة الحال فإنّه توجد إشكالات تترتّب على هذا المبنى؛ وذلك لأنّ وجود حدّ خاصّ من الانحرافات في جميع المجتمعات، بحيث يمكن غضّ الطرف عنه، لا يمكنه أن ينفي ماهيّته اللامعياريّة والانحرافيّة أبدًا، وعلاوة على ذلك فإنّ هذا النوع من الاتجاه إنّما هو متأثّر بمبنى النسبيّة.[3] وكذلك فإنّه في تعريف الانحراف يتمّ التأكيد في الغالب على السلوك (المخالف للمعايير)؛ في حين أنّ الانحرافات لا تنحصر في حقل السلوك فقط؛ إذ من الممكن أن يقع الانحراف في الأفكار وفي التوجّهات والمشاعر، حيث يكون الانحراف هنا

(13)

أكبر وأشدّ، ويكون بالإضافة إلى ذلك منشأً للانحرافات السلوكيّة وغير السلوكيّة الأخرى أيضًا. وفي الأساس فإن منشأَ السلوك المنحرف والانحراف السلوكيّ إنّما يعود إلى الأفكار والقيَم والتيّارات والاتجاهات المنحرفة. وعلى هذا الأساس ففي تعريف الانحراف بدلًا من التركيز على «السلوك المخالف للمعيار»، من الأفضل أن نفكّر بشكل أشمل، وأن ننظر إلى «كلّ شيء مخالف للمعايير» بوصفه انحرافًا، وإن كان من صنف الأفكار والاتجاهات. وعلى هذا الأساس فإنّ الانحرافات الاجتماعيّة سوف تكون مقولة واسعة تشمل جميع أنواع العقائد والقيَم والمعايير والسلوكيّات التي تخدش المعايير والقيَم والعقائد في المجتمع.[1] بالنظر إلى أنّ ملاك مشروعيّة الأفكار والعقائد والقيَم والمعايير والسلوكيّات إنّما يقوم على أساس تناغمها وانسجامها مع مشيئة الله سبحانه وتعالى وإرادته، وإنّ كلّ ما كان على خلاف هذا الإطار الدينيّ يعدّ انحرافًا، قال تعالى: (وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ).[2] لو كان الطريق المستقيم الوحيد من وجهة نظر القرآن الكريم هو دين الله فقط، فإنّ كلّ ما هو خلافه سوف يكون غير مستقيم، ويُعدّ «انحرافًا»، وإذا كان هذا النوع من الانحراف منبثقًا عن المجتمع، أو كانت آثاره وتداعياته تستهدف المجتمع، فإنّه سوف يكتسب من هذه الناحية صبغة اجتماعيّة، ويتمّ الحديث عنه بوصفه «انحرافًا اجتماعيًّا». وعلى هذا الأساس يمكن تعريف الانحراف الاجتماعيّ من وجهة نظر القرآن الكريم، على النحو الآتي: «هو كلّ ظاهرة أو قيمة أو معيار أو سلوك مخالف للشريعة الإلهيّة (الإسلام) ويكون منبثقًا عن المجتمع أو مؤثّرًا فيه».[3] إنّ الآفات الاجتماعيّة وإن كانت تُعدّ من تداعيات الآفات الانحرافيّة والانحرافات الاجتماعيّة، إلّا أنّ المراد من الآفات الاجتماعيّة في هذه المقالة هو ذات الانحرافات الاجتماعيّة؛ وذلك لأنّ كلّ انحراف اجتماعيّ هو في حدّ ذاته ظاهرة منحرفة وغير مطلوبة، وتؤدّي بطبيعة الحال إلى آثار وتداعيات مضرّة.

(14)

تبويب الآفات الاجتماعيّة

إنّ الالتفات إلى هذه النقطة مهمّ، وهو أنّ من بين خصائص القيَم وأضداد القيَم، وكذلك المعايير وعدمها، وجود سلسلة مراتب من الأهمّيّة وشدّة الاهتمام وتوجّه المجتمع بالنسبة إليها. إنّ هذه المسألة جديرة بالملاحظة من جهتين، وهما أوّلًا: سلسلة المراتب الموجودة بحسب الواقع (أي: بالنظر إلى علاقة عنصر قيَميّ وسلوكيّ بالكمال والسعادة الإنسانيّة). وثانيًا: كيف يرى المجتمع ذلك على شكل سلسلة من المراتب. إنّ سلسلة المراتب العينيّة والاجتماعيّة للقيَم يمكن أن تكون متأثّرة بسلسلة مراتب حقيقيّة من القيَم وفي إطارها، وهذا هو معنى افتراض الأمر المثاليّ أيضًا، بيد أنّ هذا الأمر لا يتحقّق بالضرورة.[1] إنّ الاهتمام بمكانة عنصر ثقافيّ في سلسلة مراتبه القيَميّة، يحكي لنا عن مقدار قابليّته للانعطاف، وإنّ هذه الخصوصيّة ـ على حدّ قول روبرت مارتن ـ تحظى بأهمّيّة كبيرة في دراسة الانحرافات.[2]

إنّ تبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة يعمل على رسم مكانتها وأهمّيّتها، وسوف يعمل على بيان أولويّات معرفة آفاتها، وأنّه ـ على سبيل المثال ـ ما هي الآفات التي تنطوي على أهمّيّة أكبر، ويجب أن تقع على سلّم الأولويّات في وضع السياسات الثقافيّة والاجتماعيّة. إنّ الانحرافات الاجتماعيّة تقع في طيف واسع وكبير جدًّا، ويحتاج تبويبها إلى ملاك. وقد تمّ بيان معايير مختلفة في هذا الشأن:

1. ملاك إدراك الأشخاص وعدمه: إنّ السلوك المنحرف إمّا أن يصدر عن الأفراد بوعي وإدراك منهم، أو دون وعي وإدراك منهم؛ ولذلك فإنّ الانحراف ينقسم إلى انحراف بوعي وإدراك، وانحراف من غير وعي وإدراك.[3]

2. ملاك الأداء: بمعنى أنّ بعض الانحرافات تحتوي على أداء إيجابيّ وبعضها الآخر يحتوي على أداء سلبيّ.[4]

(15)

3. ملاك وصمة الانحراف: بمعنى أنّ الشخص المنحرف إذا لم يتمّ وصمه بالانحراف يُسمّى انحرافه أوّليًّا، وعندما يتمّ وصمه بالانحراف يكون انحرافه ثانويًّا.[1]

4. طبقًا لعامل الانحراف: حيثما يرتكب الفرد انحرافًا، يكون ذلك الانحراف فرديًّا، وأمّا إذا صدر الانحراف عن جماعة من الأشخاص، فسوف يكون الانحراف جماعيًّا.[2]

5. الاقتران بالعنف: يتمّ في بعض الأحيان تقسيم الانحراف ـ بالنظر إلى اقتران الآفات الاجتماعيّة بالعنف وعدمه ـ إلى أقسام متعدّدة.[3]

6. في ضوء موقع المجرمين في الدولة والسلطة: يتمّ في بعض الأحيان تقسيم الآفات الاجتماعيّة ـ بالنظر إلى توظيف المجرمين لمواقعهم في الدولة وعدمه، وكذلك كون الجرائم منظّمة أم لا ـ إلى أنواع وأقسام مختلفة.[4]

إنّ هدف هذه المقالة هو العمل على اكتشاف ملاك أو ملاكات تبويب الآفات الاجتماعيّة من زاوية النصوص الإسلاميّة الأعمّ من القرآن الكريم والروايات، حيث يبدو أنّ هذا الأمر بحاجة إلى تأمّل وتدقيق خاصّ.

المنطق القرآن والروائيّ في ترتيب الآفات الاجتماعيّة

هل يمكن العمل على اكتشاف نوع من تبويب الانحرافات في ضوء المنطق القرآنيّ؟ وما هي الملاكات الموجودة في هذا الشأن؟ لا شك في أنّ ثمّة الكثير من الانحرافات والآفات الاجتماعيّة التي تمّ رصدها في القرآن الكريم، ولا شكّ في أنّها ليست بأجمعها على درجة واحدة. وعلى الرغم من التعبير عن بعض الانحرافات بوصف «الكبائر» ـ الأمر الذي يُشير بدوره إلى وجود سلسلة مراتب من القبح والسوء في الانحرافات ـ ولكن مع ذلك توجد مجموعة من الانحرافات تقع في ذيلها، وهي الأخرى تحتاج إلى ملاك آخر بدورها لتبويبها وفصلها عن بعضها. قال الله

(16)

تعالى في محكم كتابه الكريم: (إِنْ تَجْتَنِبُوا كَبَائِرَ مَا تُنْهَوْنَ عَنْهُ نُكَفِّرْ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ).[1] إنّ وصف شيء بالكبر مفهوم قياسيّ يكتسب معناه بالنظر إلى شيء آخر أصغر منه؛ ولذلك فإنّه يُستفاد من التعبير بـ «الكبائر» أنّه توجد بعض الذنوب التي نهى عنها الله، وهي تعدّ من «الصغائر». ومن الواضح أنّنا إذا أخذنا نسبة الإنسان المخلوق إلى الله الخالق، فسوف تكون كلّ معصية كبيرة، وأما إذا قيست كلّ معصية إلى معصية أخرى، فسوف يكون بعضها من الكبائر وبعضها الآخر من الصغائر.[2] وعلى كلّ حال يمكن العمل ـ من خلال معايير وملاكات من قبيل شدّة النهي والوعيد بالعذاب الإلهيّ الشديد والإصرار على اقتراف الانحراف ـ على تقسيم سلسلة من أنواع الانحرافات والآفات الاجتماعيّة وغير الاجتماعيّة، بيد أنّ النقطة الأهمّ في البين هي البحث عن الأسباب التي تدعو إلى شدّة النهي والتوعّد بالعقاب والعذاب الإلهيّ على بعض الذنوب والانحرافات بشكل أكبر بالقياس إلى بعض الذنوب الأخرى؟ وفي الواقع فإنّ تحليل هذا المطلب يمكن أن يمهّد الطريق إلى تبويب الآفات الاجتماعيّة بشكل أيسر. وسوف نعمل أوّلًا على ذكر الملاكات المتداولة في تبويب الذنوب والانحرافات، والتي تمّ التصريح بشأنها في الروايات بوصفها ملاكًا لكبر الذنب والانحراف وعظمته، ثمّ نقوم بعد ذلك ببحث وتحليل هذه الملاكات، وفي نهاية المطاف سوف نذكر عناوين وملاكات أخرى لتبويب مجموعة واسعة من هذه الانحرافات.

معيار شدّة النهي

إنّ من بين ملاكات ترتيب الانحرافات وتبويبها من وجهة نظر الإسلام، عبارة عن شدّة وأهمّيّة النهي عن موضوع ما بالقياس إلى النهي عن الموضوعات الأخرى، بمعنى أنّه كلّما كان نهي الله عن أمر أشدّ وأهمّ، كان ذلك دليلًا على شدّة قبح ذلك الأمر. يمكن التوصّل إلى أهمّيّة النهي من خلال شدّة خطاب النهي والإصرار على تركه أو من نوع التهديد عليه بعذاب

(17)

الجحيم وما إلى ذلك.[1] وقد ورد في الروايات ذكر الوعيد بالعذاب في نار جهنم بوصفه ملاكًا لاعتبار الذنب من الكبائر، كما في الرواية التي تقول: «الكبائر التي أوجب الله ـ عزّ وجلّ ـ عليها النار».[2] ومن خلال التدبّر في الآيات الإلهيّة يتضح أنّ النهي الشديد قد توجّه إلى الذنوب والانحرافات التي تقع إلى الجهة المقابلة للتوحيد والولاية الإلهيّة، وفي جهة المواجهة مع ولاية أولياء الله. وسوف نبحث هذا الأمر بتفصيل أكبر.

معيار الإصرار

إنّ من بين الملاكات الأخرى في معرفة الانحراف والذنب الكبير، هو الإصرار على كلّ معصية وإن لم تكن من الذنوب المعروفة بالكبيرة، إلّا أنّ الإصرار عليها وتكرارها هو الذي يكون سببًا في وصفها بالكبيرة. وقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ الإصرار على الذنب الصغير يجعله من الكبائر، إذ يقول: «لا صغيرة مع الإصرار، ولا كبيرة مع الاستغفار».[3] إنّ المراد من الإصرار على الذنب والانحراف قبل التعلّق بكميّته، إنّما يعود إلى نوع نظرة الشخص المنحرف إلى الذنب. ومن هنا فقد ورد في رواية مأثورة عن الإمام الباقرعليه‌السلام، أنّه قال في تفسير قوله تعالى: (وَلَمْ يُصِرُّوا عَلَى مَا فَعَلُوا وَهُمْ يَعْلَمُونَ)،[4] إنّ المراد من الإصرار هو أن لا يستغفر الشخص لذنبه ولا يعقد النية على التوبة: «الإصرار هو أن يذنب الذنب، فلا يستغفر الله ولا يحدّث نفسه بتوبة، فذلك الإصرار».[5] إنّ هذه الحالة تؤكّد عدم اهتمام الشخص، وعدم تغيير رؤيته، وعدم امتلاكه للإحساس الدينيّ، ويمكن لهذه الحالة أن تكون في غاية الخطورة. وعليه فإنّ ارتكاب الذنب في ظلّ هذه النظرة يحوّله إلى كبيرة؛ لأنّه يحتوي على أرضيّة العودة إلى اقتراف الذنب وتكراره.

(18)

ملاك إشاعة الذنوب

إنّ من بين الملاكات المهمّة التي تدلّ على عظم هذا الانحراف وخطره، هو العمل على الجهر به والترويج له، أو اقترافه من قبل شخص يمتلك منزلة اجتماعيّة عُليا في المجتمع. إنّ القَدْر المشترك الجامع بين كلّ هذه الصوَر هو العمل على إشاعة الانحراف والذنوب في المجتمع، والذي ينتقل من الحقل الفرديّ والخفي إلى الحقل الاجتماعيّ والعلنيّ. إنّ ملاك القبح الشديد والكبير لهذا النوع من الانحراف يعود إلى إضراره بالفضاء الأخلاقيّ والاعتقاديّ في المجتمع. إنّ العمل على ترويج وإشاعة المعصية والانحراف في المجتمع الإسلاميّ، يُعدّ ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ من أسوأ أنواع المعاصي والذنوب؛ إذ يقول الله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ فِي الَّذِينَ آمَنُوا لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَاللَّهُ يَعْلَمُ وَأَنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ).[1] إنّ النقطة الجديرة بالالتفات والملاحظة في هذه الآية الكريمة هي أنّها لا تقول: «إنّ الذين يشيعون الفاحشة»، وإنّما تقول: (إِنَّ الَّذِينَ يُحِبُّونَ أَنْ تَشِيعَ الْفَاحِشَةُ)، وهذا الأمر يُشير إلى غاية التأكيد على القبح في هذا الشأن. إنّ إشاعة الفحشاء تعبير عاّم يشمل جميع أنواع الفساد والانحراف في المجتمع، وإنْ ورد التعبير بـ «الفاحشة» أو «الفحشاء» في القرآن الكريم غالبًا بشأن الانحرافات الجنسيّة، ولكن الفحشاء لغة تعني كلّ فعل أو قول ينطوي على قبح فاحش وكبير، وقد ورد استعمال الفاحشة في القرآن أحيانًا بهذا المعنى، كما في قول الله سبحانه وتعالى: (وَالَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ).[2] وعلى هذا الأساس فإنّ هذه الآية الكريمة ترى إشاعة كلّ نوع من الذنوب في المجتمع بوصفه إشاعة للفحشاء.[3] وقد رُوي في المأثور عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه روى عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «المذيع بالسيّئة مخذول، والمستتر بها مغفور له».[4] إنّ هذه الرواية تثبت أنّ إذاعة المعصية بسبب دلالتها الاجتماعيّة تمثّل مؤشّرًا على عدم الاهتمام وعدم المبالاة بالقيَم في المجتمع والتقليل من شأنها، وكذلك إشاعة وترويج الانحراف في المجتمع. وعليه فإنّ كلّ نوع من أنواع السيّئات

(19)

مهما كان صغيرًا يتحوّل في ظلّ هذه الرؤية إلى كبيرة. في حين أنّ هذا الشخص نفسه إذا أبقى على الذنب مستترًا، فسوف يقع موردًا للمغفرة من قبل الله سبحانه وتعالى.

وكذلك فإنّ السلوك المنحرف إذا صدر عن أشخاص من ذوي الشأن والمنزلة والمكانة الرفيعة في المجتمع، من قبيل انحراف أصحاب السلطة والقدرة في الدولة، فسوف يتسبّب ذلك بالإضرار بالقيَم والمعايير الاجتماعيّة، ولن يقتصر الأمر على مجرّد سقوطهم الأخلاقيّ فحسب، بل سوف يمهّد الأرضيّة إلى سقوط وانحراف الآخرين أيضًا. ومن هنا فقد ورد تشبيه زلّة العالم في رواية عن الإمام عليّ عليه‌السلام بانكسار السفينة التي تغرق وتُغرق من فيها: «زلّة العالم كانكسار السفينة؛ تَغرق وتُغرق معها غيرها».[1] وقال في رواية أخرى أيضًا: «زلّة العالِم تُفسد عوالم»؛ وذلك لأنّ العالِم إذا أذنب مع اتصافه بصفة العلم والمعرفة، فسوف يسقط قبحه في أعين أكثر الناس، وسوف يستسهلون ارتكابه، ويبنون على ذلك أمرهم لمدّة طويلة من الزمن.[2]

معيار استصغار الذنب

إنّ من بين الملاكات والمعايير التي تؤدّي إلى تحوّل الذنوب إلى كبائر، هو استصغارها. فكما سبق أن ذكرنا فإن كلّ ذنب ـ بالنظر إلى عظمة الله عزّ وجل ـ يُعدّ ذنبًا كبيرًا، ومن هنا فلو أنّ الشخص لم ينظر إلى ذنبه بوصفه ذنبًا عظيمًا بالقياس إلى عظمة من نهى عنه، فإنّ هذا الذنب سوف يتحوّل إلى كبيرة؛ وذلك لأنّ عدم الشعور بعظم الذنب والاستخفاف به هو في حدّ ذاته من أسوأ الحالات النفسيّة التي تعمل على تحويل الذنب إلى كبيرة بشكل تلقائيّ. ومن هنا فقد رُوي في المأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام، أنّه قال: «اتقوا المحقّرات من الذنوب فإنّها لا تغفر». قلت: وما المحقّرات؟. قال: «الرجل يذنب الذنب فيقول: طوبى لي لو لم يكن لي غير ذلك».[3] وكذلك روي عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه قال: «أشدّ الذنوب ما استهان به صاحبه».[4]

(20)

من خلال التأمّل في هذه الملاكات والمعايير الأربعة، يتّضح أنّ القدَر والجامع المشترك بينها هو أنّ كلّ ذنب يُشير إلى عدم المبالاة الفرديّة في التعبّد والتقيّد الدينيّ، أو كان ارتكابه بحيث يكون سببًا في إضعاف القيَم في المجتمع، ويعمل على تزريق اللامبالاة والتهاون في المجتمع، فسوف يُعدّ من الانحرافات الكبرى التي يتم التعبير عنها بالذنوب الكبيرة. ومن الواضح بداهة أنّه كلّما اجتمعت جميع هذه الملاكات والمعايير في فعل واحد، فإنّ قبول ذلك الفعل سوف يكون أشدّ وأكبر. وبالنسبة إلى المعيار والملاك الأوّل يجب القول إن شدّة النهي فيه يجب أن تكون بسب مناط ومعيار خاصّ. من ذلك على سبيل المثال أنّ أشدّ أنواع النهي قد وردت بشأن الشرك بالله. فقد ورد في المأثور أنّ الشرك من أكبر الكبائر: «إنّ أكبر الكبائر الشرك بالله».[1] وقد تحدّث العلّامة الطباطبائي بشأن تحليل المنطق القرآنيّ بالنسبة إلى ترتيب الانحرافات (بحسب المعيار الأوّل)، قائلًا:

«الأمر بإخلاص العبادة لله سبحانه أعظم الأوامر الدينيّة، والإخلاص بالعبادة أوجب الواجبات، كما أنّ معصيته، وهو الشرك بالله سبحانه أكبر الكبائر الموبقة... وإليه يعود جميع المعاصي بحسب التحليل؛ إذ لولا طاعة غير الله من شياطين الجنّ و الإنس و هوى النفس و الجهل لم يقدم الإنسان على معصية ربّه فيما أمره به أو نهاه عنه... حتّى أنّ الكافر المنكر للصانع مشرك بإلقائه زمام تدبير العالم إلى المادّة أو الطبيعة أو الدهر أو غير ذلك، و هو مقرّ بسذاجة فطرته بالصانع تعالى».[2]

ولذلك فإنّه لعظم أمر هذا الحكم قدّم الله في الآيات من 23 إلى 38 من سورة الإسراء الدعوة إلى الإخلاص في العبادة والابتعاد عن الشرك على سائر ما عدّ من الأحكام الخطيرة شأنًا؛ من قبيل: (عقوق الوالدين، ومنع الحقوق الماليّة، والتبذير، وقتل الأولاد، والزنا، وقتل النفس المحترمة، وأكل مال اليتيم، ونقض العهد، والتطفيف في الوزن، واتّباع غير العلم،

(21)

والكبر).[1] وعلى هذا الأساس فإنّ الشرك قد حظي بالنهي الأشدّ في الإسلام، ولا يمكن مقارنة أيّ ذنب آخر به من هذه الناحية. والوجه في ذلك أنّ الشرك من أقبح أنواع الإساءة والافتراء على الساحة الربوبيّة المقدّسة، وبالتالي فإنه يُلحق أسوأ أنواع الضرر والتشويه للهويّة الإنسانيّة؛ ولذلك قال الله تعالى: (إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَلِكَ لِمَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدِ افْتَرَى إِثْمًا عَظِيمًا).[2] لقد ورد إطلاق عبارة «الإثم الكبير» أو «كبائر الإثم» في القرآن الكريم على بعض الذنوب، إلّا أنّ التعبير بـ «الإثم العظيم» لم يرد استعماله في القرآن إلّا بالنسبة إلى الشرك فقط. وعليه فإنّه في ضوء هذا المعيار تقع المراقبة الاجتماعيّة والمحافظة على الإخلاص في العبوديّة لله تعالى وتجنّب جميع أنواع الشرك في الرتبة الأولى من الأهمّيّة.

قال سماحته:

«وهذا [أي: الإحسان إلى الوالدين] بعد التوحيد لله من أوجب الواجبات [الدينيّة]، كما أنّ عقوقهما من أكبر الكبائر بعد الشرك بالله؛ و لذلك ذكره [في الكثير من آيات القرآن الكريم] بعد حكم التوحيد وقدمه على سائر الأحكام المذكورة المعدودة، وكذلك فعل في عدّة مواضع من كلامه».[3]

إنّ الإحسان إلى الوالدين وحُسن المعاشرة معهم، يدخل ضمن دائرة علاقة الإنسان مع الآخرين. وفي هذا الشأن يُعدّ الوالدان من أهمّ «الآخرين». وإنّ منزلة هذا الحقل تأتي بعد منزلة ارتباط الإنسان بالله سبحانه وتعالى. ومن هنا فإنّ تجاهل حقوق الوالدين ـ مهما كان شكله ـ يُعدّ من أسوأ أنواع الإساءة في حقل الارتباط بالآخرين، ولذلك فإنّه يستتبع أشدّ أنواع النهي وأكثرها دقّة. قال تعالى: (وَقَضَى رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِنْدَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُلْ لَهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُلْ لَهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا).[4] إنّ الرابطة العاطفيّة في الأسرة

(22)

بين الوالدين من جانب، والولد من جانب آخر، من أعظم ما يقوم به المجتمع الإنسانيّ على ساقه، وهي الوسيلة الطبيعيّة التي تمسك الزوجين على حال الاجتماع، فمن الواجب بالنظر إلى السنّة الاجتماعيّة الفطريّة أن يحترم الإنسان والديه بإكرامهما والإحسان إليهما، ولو لم يجر هذا الحكم وهجر المجتمع الإنسانيّ بطلت العاطفة والرابطة للأولاد بالأبوين وانحلّ به عقد الاجتماع.[1] وبهذا البيان تتّضح شدّة النهي عن عقوق الوالدين بوصفه واحدًا من الانحرافات الخطيرة في الإسلام. وعلى هذا الأساس فإنّ الانحرافات التي تقع في كيان الأسرة بين الوالدين والأولاد، وتمهّد الأرضيّة لعقوق الوالدين وتخرجها عن العواطف الإيجابيّة والرعاية والشكر والتكريم، تعدّ من أسوأ الآفات الاجتماعيّة. ويمكن لنا أن نشاهد مثالًا على ترتيب الانحرافات في هذه الآية الكريمة؛ إذ يقول تعالى: (قُلْ تَعَالَوْا أَتْلُ مَا حَرَّمَ رَبُّكُمْ عَلَيْكُمْ أَلَّا تُشْرِكُوا بِهِ شَيْئًا وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ وَلَا تَقْرَبُوا الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ * وَلَا تَقْرَبُوا مَالَ الْيَتِيمِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ حَتَّى يَبْلُغَ أَشُدَّهُ وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى وَبِعَهْدِ اللَّهِ أَوْفُوا ذَلِكُمْ وَصَّاكُمْ بِهِ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ).[2]

في خلاصة هذا القسم يمكن القول:

«إنّ الذي يتعلّق بشكل مباشر بالارتباط بين الإنسان وبين الله تعالى، ويكون بيانًا لـ (حقّ الله) من بين المعايير الدينيّة، ويمكن أن يكون من أهمّ المعايير في هذا الشأن هو الشرك؛ وذلك لأنّه ينطوي على الآفة الأخطر تجاه أهمّ المعايير الدينيّة، ونعني بذلك (التوحيد) و(الإخلاص). وأمّا تلك الطائفة من المعايير والملاكات الدينيّة والتي تبيّن في الغالب علاقة الأفراد فيما بينهم، فإنّ المعيار الأهمّ فيها هو حقل (عقوق الوالدين)؛ لأنّ ذلك يمثّل الخطر والآفة الأكبر التي تهدّد الصرح العاطفيّ الأهمّ في العلاقات الاجتماعيّة (ونعني بذلك كيان الأسرة)».[3]

(23)

إنّ ملاك التوحيد والإخلاص يمكن في قباله تبويب أنواع من الانحرافات، ولكن الذي يقع على رأسها هو الشرك، وإنّ ملاك الانسجام والعاطفة تقع في قباله أنواع من الانحرافات، ولكن على رأسها يقع عقوق الوالدين. إنّ هذين الملاكين من بين معايير شدّة النهي عن الذنوب والآفات.

وتوجد ملاكات أخرى أيضًا؛ حيث يمكن إدراجها ضمن الملاكات مورد البحث، كأن تنطوي على أشدّ أنواع النهي، أو أن تكون لها نسبة خاصّة مع الملاكات الآنف ذكرها، فيمكن للاهتمام المستقلّ بها أن يساعد في فهم الانحرافات والآفات الاجتماعيّة. ونذكر بعضها على النحو الآتي:

الاستكبار والجدال في الآيات الإلهيّة

إنّ من بين الأمور التي تمّ وصفها بـ «المقت الكبير» الجدالُ في آيات الله، فكلّ إنكار وعناد في الآيات الإلهيّة ورد التعبير عنه في القرآن الكريم بقوله: (كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا)،[1] بمعنى أنّه قد عدّه سببًا لغضب شديد من الله، ويتعيّن لذلك على المؤمنين أن يحملوا ذات الغضب والمقت تجاه المعاندين الذين يجادلون في آيات الله ويستهزئون بها: (كَذَلِكَ يُضِلُّ اللَّهُ مَنْ هُوَ مُسْرِفٌ مُرْتَابٌ * الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ كَبُرَ مَقْتًا عِنْدَ اللَّهِ وَعِنْدَ الَّذِينَ آمَنُوا كَذَلِكَ يَطْبَعُ اللَّهُ عَلَى كُلِّ قَلْبِ مُتَكَبِّرٍ جَبَّارٍ).[2] في ضوء هذا الملاك يتمّ تصنيف الكثير من الآفات والجماعات المعاندة ضمن هذا الصنف. ومن الواضح بطبيعة الحال أنّ السؤال والبحث العلميّ حول الحقائق الدينيّة ليس من الجدال في شيء؛ فهما من مقولتين مختلفتين، فالأوّل يأتي للكشف عن الحقيقة ويكون ممدوحًا، وأمّا الثاني فيأتي بداعي العناد والتهرّب من الحقيقة، وهو مذموم. وعلى حدّ التعبير الوارد في الآية الكريمة، فإنّ الثاني يكون من صفات وخصائص المُسرف والمرتاب، أي الشخص الذي يبتعد عن الحقيقة ويتّبع الهوى فيمزّق أطواره وحدوده الوجوديّة، ويغرس بذرة الشكّ والتردّد في أعماق روحه ووجوده. إنّ هذا الشخص لا يستقرّ على صرح العلم واليقين

(24)

أبدًا؛ ولذلك لا يكون له شأن سوى الجدال في الآيات الإلهيّة.[1] وفي الحقيقة فإنّ الجدال والعناد في الآيات الإلهيّة إنّما يقع في النقطة المقابلة للغاية من الدين الإلهيّ ونزول القرآن الكريم؛ وذلك لأنّ الغاية الأصليّة للدين والقرآن هي الهداية، في حين أنّ العناد في الدين يطفئ نور الهداية، فيغدو الطريق مظلمًا على المعاند وعلى الآخرين على السواء. ومن هنا يكون الجدال في الدين مخالفًا لأساس الدين. إنّ الاستكبار والعناد سلوك مخالف لدين الله، وهو من أسوأ الآفات، وقد توعّد الله فاعله بالعذاب الأليم؛ قال الله تعالى: (وَأَمَّا الَّذِينَ اسْتَنْكَفُوا وَاسْتَكْبَرُوا فَيُعَذِّبُهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا وَلَا يَجِدُونَ لَهُمْ مِنْ دُونِ اللَّهِ وَلِيًّا وَلَا نَصِيرًا).[2] إن كان الإنكار وعدم الطاعة لأوامر الله ناشئًا عن مجرّد الجهل، فإنّه لن يستوجب السخط الإلهيّ، وأما إذا كان منطلقًا من العناد والاستكبار، فإنّه سوف يستوجب مقت الله.[3] وبهذا الملاك سوف تكتسب بعض الآفات ـ من قبيل: الإنكار والشكّ واللجاج والوقوف بوجه دين الله والآيات والأحكام الإلهيّة ـ أهمّيّة خاصّة.

تغيير الهويّة الإسلاميّة

إنّ من بين أهمّ الملاكات في مقام بيان أهمّيّةِ الانحرافات الاجتماعيّة وتبويبها النظرُ إلى حجم تأثير الانحرافات في تغيير الهويّة الإسلاميّة للفرد والمجتمع. إنّ كلّ نوع من أنواع العقيدة والقيَم والسلوك الدالّ على تغيير الهويّة الإسلاميّة إلى هويّة غريبة وهويّة جاهليّة، قد كان مورد نهي وذمّ شديدَين من قبل الله سبحانه وتعالى. وهناك الكثير من المصاديق التي تقع تحت هذا المعيار، من قبيل: القبول بولاية الكفار، والارتداد، والعودة إلى القيَم الجاهليّة، والتشبّه بالكفار، وانتهاك القيَم الأخلاقيّة. ومن بين أهمّ مصاديق ذلك الرضى والقبول بالولاية غير الإلهيّة التي تكون سببًا للخروج من الهويّة الإيمانيّة والإسلاميّة.

اختيار الولاية غير الإلهيّة

إنّ القبول بولاية الله والأولياء الإلهيّين يُعدّ ركنًا محوريًّا في الإسلام وسببًا لظهور هويّة

(25)

خاصّة للمجتمع، حيث يعبّر عنها القرآن بمفهوم «حزب الله»، كما في قوله تعالى: (إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ * وَمَنْ يَتَوَلَّ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا فَإِنَّ حِزْبَ اللَّهِ هُمُ الْغَالِبُونَ).[1] إنّ الحفاظ على هذه الهويّة في غاية الأهمّيّة، وفي النقطة المقابلة القبول بولاية الطاغوت أو الولاية غير الإلهيّة، حيث تعمل على تغيير الهويّة الإسلاميّة للمجتمع وتلحقه بالطاغوت. إن كلّ سلوك يُعدّ مصداقًا لاختيار الولاية غير الإلهيّة يقع في مرتبة الآفة الاجتماعيّة؛ ولذلك فإنّ القرآن الكريم يضع بهذا الملاك حدودًا حتّى بين الأقارب، ويقول إنّهم إذا استحبّوا الكفر، فعليكم أن تقطعوا صلاتكم بهم، ثمّ أعقب ذلك مهدّدًا بأنّه لو لم ترجّح كفّة ولايتكم الإلهيّة، وكان أبناء عشيرتكم وأموالكم أهم ّوأحبّ من الله ورسول الله والجهاد في سبيل الله، فأبشروا بعذاب الله، وهذا هو مضمون قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا آبَاءَكُمْ وَإِخْوَانَكُمْ أَوْلِيَاءَ إِنِ اسْتَحَبُّوا الْكُفْرَ عَلَى الْإِيمَانِ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ  *  قُلْ إِنْ كَانَ آبَاؤُكُمْ وَأَبْنَاؤُكُمْ وَإِخْوَانُكُمْ وَأَزْوَاجُكُمْ وَعَشِيرَتُكُمْ وَأَمْوَالٌ اقْتَرَفْتُمُوهَا وَتِجَارَةٌ تَخْشَوْنَ كَسَادَهَا وَمَسَاكِنُ تَرْضَوْنَهَا أَحَبَّ إِلَيْكُمْ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَجِهَادٍ فِي سَبِيلِهِ فَتَرَبَّصُوا حَتَّى يَأْتِيَ اللَّهُ بِأَمْرِهِ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الْفَاسِقِينَ).[2] وقلّما نجد هذا التحديد في الانحرافات الدينيّة الأخرى. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ انحرافاتٍ من قبيل: شرب الخمر، والقمار، والسرقة، لا يترتّب عليها تهديد مثل التهديد المترتّب على القبول بولاية الكفّار. والكثير من الانحرافات الاجتماعيّة الكبرى قد تمّ تبويبها ضمن هذا الملاك، وقد وقعت موردًا للنهي والذم الإلهيّ الشديد؛ وهي انحرافات من قبيل: حبّ الكافرين ومساعدتهم، وقبول حكومتهم وسلطتهم، واتّباع ثقافة الكفّار وقيَمهم؛ بحيث حذّر القرآن الكريم من مغبّة هذا النوع من التغيير في الهويّة، وقال إنّكم إن قبلتم بولايتهم فسوف تكونون منهم: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصَارَى أَوْلِيَاءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ).[3]إنّ التعبير بـ

(26)

(وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ مِنْكُمْ فَإِنَّهُ مِنْهُمْ) يشير إلى تغيير الهويّة بشكل واضح وتامّ. إنّ سبب هذا النهي هو أنّ هؤلاء يعملون على الاستهزاء والسخرية من قيَمكم ودينكم، وهذا يؤدّي إلى خروجكم من الإيمان؛ ولذلك فإنّه يقول: إن كنتم من المتمسكين بالإيمان، فعليكم أن لا تقيموا علاقة ولائيّة معهم. ولهذه الأدبيّات لحن شديد جدًّا، كما في قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُوًا وَلَعِبًا مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِيَاءَ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).[1] وعلى هذا الأساس فإنّ القبول بولاية الكافرين؛ حيث تكون سببًا للخروج من المعتقدات والقيَم الإسلاميّة، أو تعمل على إضعافها، وعلى تغيير الهويّة الإسلاميّة للأفراد والمجتمع، فإنها تعدّ واحدة من أسوأ أنواع الانحرافات الاجتماعيّة.

الارتداد

إنّ تحذير القرآن الكريم من العودة إلى الثقافة الجاهليّة في منعطفات المجتمع الإسلاميّ، وكذلك سعي أعداء الإسلام إلى هذه العودة، قد تمّ التركيز عليه في القرآن الكريم بشكل خاصّ. وفي هذا الشأن يتحدّث القرآن الكريم عن نوعين من التحوّل والصيرورة: تحوّل انحطاطيّ، وعودة إلى الجاهليّة، وهو أمر تمّ نفيه وإبطاله من قبل الله سبحانه وتعالى، وقد حذّر منه القرآن الكريم بقوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تُطِيعُوا الَّذِينَ كَفَرُوا يَرُدُّوكُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).[2] عندما يعتمد أصحاب العقيدة على أعداء عقيدتهم ويستمعون إلى وساوسهم، ويتّبعون توجّهاتهم، فإنّ هذا سوف يكون أوّل انكسار وانهزام روحيّ ومعنويّ، وسوف يكون مآله إلى الكفر، وإن كان في البداية قد لا يبدو كذلك.[3] والتحوّل الثاني تحوّل متعال وقيّم، وهذا الأمر إنّما يتحقّق في ضوء الاستقامة والتوكّل على الله سبحانه وتعالى في مواجهة الأعداء، وتشملهم رحمة الله وفضله بفعل هذه الاستقامة بحيث لا تضرّهم مكائد العدو، قال الله تعالى: (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ

(27)

* فَانْقَلَبُوا بِنِعْمَةٍ مِنَ اللَّهِ وَفَضْلٍ لَمْ يَمْسَسْهُمْ سُوءٌ وَاتَّبَعُوا رِضْوَانَ اللهِ وَاللهُ ذُو فَضْلٍ عَظِيمٍ).[1] وعلى هذا الأساس فإنّ الارتداد والعودة إلى الثقافة الجاهليّة المنحطّة يمثّل انحرافًا خطيرًا جدًّا، وقد حذّر الله المجتمع الإسلاميّ منه في صريح القرآن الكريم. إنّ الذين لا يثبتون على تبعيّتهم لرسول الله وينكصون على أعقابهم ويرجعون إلى الوراء بمختلف الذرائع، ويؤثرون القيَم الجاهليّة، يكونون مشمولين لهذه الآية الكريمة: (لِنَعْلَمَ مَنْ يَتَّبِعُ الرَّسُولَ مِمَّنْ يَنْقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ).[2] يعتبر القرآن الكريم أنّ الضعف والوهن في طريق الدين الإلهيّ تضييع وإضعاف للإيمان في مواجهة ضغوط الأعداء، وأنّ الظنون الجاهليّة بشأن الله سبحانه وتعالى مصداق للعودة إلى الجاهليّة والارتداد، قال تعالى: (وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللهُ الشَّاكِرِينَ).[3] وهكذا تأتي الآيات اللاحقة في سياق الثناء على استقامة الأنبياء وأتباعهم الغيارى في مواجهة خطر أعداء دين الله؛ حيث يتّضح منها أنّ الوهن والضعف في ساحة المواجهة من أعداء الإسلام هو نوع من الارتداد العمليّ والتراجع عن القيَم، وهو حركة قهقرائيّة، قال الله تعالى: (وَكَأَيِّنْ مِنْ نَبِيٍّ قَاتَلَ مَعَهُ رِبِّيُّونَ كَثِيرٌ فَمَا وَهَنُوا لِمَا أَصَابَهُمْ فِي سَبِيلِ اللهِ وَمَا ضَعُفُوا وَمَا اسْتَكَانُوا وَاللهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ).[4]

ضعف التديّن وانتهاك القيَم الأخلاقيّة

إنّ من بين الأقسام المهمّة الأخرى للآفات الاجتماعيّة والتي تقع في مكانة مهمّة من هذا التبويب، ضعف التديّن وعدم مراعاة القيَم الأخلاقيّة في المجتمع من قبل المسلمين. من المعلوم بداهة أنّه كلّما تمّت تقوية هذه الآفة وتوسّع نطاقها في المجتمع، فإنّها سوف تؤدّي إلى تغيير الهويّة الثقافيّة للمجتمع أو لشطر منه. يشتمل هذا الحقل على مروحة متنوّعة من الآفات، والوجه المشترك بينها هو ضعف التديّن أو التهاون فيه. كما أنّ طلب اللذّة والمداهنة والتهاون والضعف

(28)

في التديّن يُعدّ من جملة الانحرافات المهمّة التي يبتلي بها بعض الأشخاص. إنّ الضعف والوهن في مراعاة المعايير الدينيّة وعدم الاهتمام اللازم بها، وكذلك اللامبالاة والتهاون في تحقيق القيَم الإسلاميّة في المجتع، وفقدان الحساسيّة اللازمة تجاه الآفات الاجتماعيّة، وبالتالي ترك العنصر المهمّ المتمثّل بـ «الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر»، يُعد من الآفات المهمّة التي تترتّب على طلب اللذّة وحبّ الدنيا.[1] إنّ الله سبحانه وتعالى يذمّ الذين ورثوا الكتاب الإلهيّ من بني إسرائيل؛ لأنّهم بدلًا من العمل بكتاب الله والاهتمام بما ورد فيه من المعارف والحقائق انهمكوا في ملذّات الدنيا، وأخذوا يرتكبون المعاصي؛ على أمل أن يصفح الله عنهم في نهاية المطاف، وفي ذلك يقول الله تعالى: (فَخَلَفَ مِنْ بَعْدِهِمْ خَلْفٌ وَرِثُوا الْكِتَابَ يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا).[2] كما أنّ القرآن الكريم يرى أنّ التهاون والضعف في التديّن يُعدّ واحدًا من الأمور التي يتطلّع إليها أعداء الإسلام، إذ يقول الله تعالى: (وَدُّوا لَوْ تُدْهِنُ فَيُدْهِنُونَ).[3]

العمل على إضعاف قدرة المجتمع

إنّ قدرة المجتمع الإسلاميّ وعزّته، تُعدّ واحدة من القيَم المتعالية وتكون من نصيب المسلمين ببركة التمسّك بالإسلام وضمن العزّة الإلهيّة، قال تعالى: (وَلِلَّهِ الْعِزَّةُ وَلِرَسُولِهِ وَلِلْمُؤْمِنِينَ).[4] كما أنّ زيادة القدرات في مواجهة الأعداء مهما أمكن يُعدّ من التعاليم الصريحة في القرآن الكريم؛ إذ يقول الله تعالى: (وَأَعِدُّوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ).[5] إنّ الغرض من هذه القدرة ليس هو اتّخاذها وسيلة لاستعباد الناس واستعمار العالم، بل الهدف الأصليّ من ذلك ـ على ما ورد التصريح به في هذه الآية ـ هو {تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ

(29)

اللهِ وَعَدُوَّكُمْ).[1] ومن هنا فإنّ من بين المعايير المهمّة في تبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة، هي الأمور التي تؤدّي إلى إضعاف قدرة المجتمع الإسلاميّ والمؤمنين، قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ).[2] إنّ علّة الوهن والحزن الذي يصيب المسلمين هو مشاهدتم للسيطرة والهيمنة النسبيّة للكفار عليهم، والآفات التي دخلت من ناحية الأعداء على المسلمين في معركة أحد. تقول هذه الآية الكريمة: إن كان فيكم الإيمان، فإنّ الإيمان أمر يستصحب علوّكم البتّة، إذ هو يلازم التقوى والصبر، وفيهما ملاك الفتح والظفر، وأمّا القرح الذي أصابكم، فلستم بمتفرّدين فيه، بل القوم ـ وهم المشركون ـ قد أصابهم مثله؛ فلم يسبقوكم في شيء حتّى يوجب ذلك وهنكم وحزنكم.[3] إنّ قدرة المؤمنين والمجتمع الإسلاميّ تتألّف من عناصر كثيرة، من قبيل: القوّة الإيمانيّة والروحيّة (قوّة التوكّل على الله)، والقوّة العلميّة، والقوّة الفنّيّة والعسكريّة، والقوّة الجسديّة والنشاط البدنيّ، وكذلك فإنّ العناصر الموجِدة للقوّة، من قبيل: الاتحاد والانسجام الاجتماعيّ، ووجود القيادة الإلهيّة والحضور الجماهيريّ المسؤول والمخلص والمتفاني في المجتمع، والحضور الفاعل لعنصر الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يُعدّ من أهمّ أركان ومصادر القوّة في المجتمع الإسلاميّ. إن الذي يُضعف ويوهن هذه الأمور من عناصر القوّة يُعدّ من أهمّ الآفات الاجتماعيّة. والكثير من الانحرافات الثقافيّة والأمنيّة والسياسيّة إنّما يتمّ تبويبها في هذا المستوى. والغزو الثقافيّ الذي يقوده أعدء الإسلام، والتشكيك في الأصول والقيَم الإسلاميّة، وإيجاد الموانع والعقبات في بسط العبوديّة في المجتمع، وإثارة الفرقة والنزاع الاجتماعيّ، والتصالح مع العدو، والتبعيّة للأجانب، والتجسّس لمصلحة الأجنبيّ، وعدم الإخلاص وعدم المسؤوليّة إلى الرضوخ لأنواع الضياع من قبيل الإدمان على المخدرات، وشرب الخمور، يمكن تبويبها وتحليلها ضمن هذا المعيار.

(30)
الغزو الثقافيّ من قبل الأعداء

إنّ من بين الآفات المهمّة في المجتمع الإسلاميّ سعي أعداء الإسلام إلى استهداف الثقافة والقيَم الإسلاميّة، وعليه فإنّه إذا لم يتمّ فهم هذه المشكلة في المجتمع بشكل صحيح، أو لم يُتخذ إجراء أو سلوك من أجل مواجهة هذا الأمر، فإنّه سوف يؤدّي إلى عشرات الآفات الثقافيّة والاجتماعيّة الأخرى. إنّ أصل الغزو الثقافيّ من أكبر الآفات الاجتماعيّة وهو بدوره علّة للكثير من الآفات الأخرى؛ وذلك لأنّ الغرض الأصليّ منه هو القضاء على الإيمان والمعرفة الدينيّة لدى الناس، قال الله تعالى: (وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا)،[1] وكذلك قال تعالى: (وَاللهُ يُرِيدُ أَنْ يَتُوبَ عَلَيْكُمْ وَيُرِيدُ الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الشَّهَوَاتِ أَنْ تَمِيلُوا مَيْلًا عَظِيمًا).[2] وتوجد الكثير من الآيات التي أشارت إلى هذه الغاية بأشكال وأساليب مختلفة كان أعداء الإسلام يهدفون إليها من وراء غزوهم الثقافيّ، من أهمّها: الاستهزاء بالأنبياءعليه‌السلام،[3] ووصم الوحي ودين الله بأنّه من أساطير الأقدمين،[4] والسعي إلى التخلّي عن الدين والعودة إلى الثقافة المعارضة للإيمان،[5] والأساليب التي ينتهجها المنافقون تحت غطاء الحركات الإصلاحيّة والوعود الكاذبة والزائفة،[6] وتفريغ إيمان الناس في الأيام الصعبة من قبل المنافقين،[7] والعمل على إضعاف موقع القيادة الإلهيّة في المجتمع بأنواع التهم الباطلة والهجوم على هذا الموقع،[8] وبثّ الشائعات،[9]

(31)

وإثارة الفرقة،[1] وممارسة سياسة التهديد والإرهاب في المجتمع،[2] وإيجاد التشكيك والتردّد في إيمان المجتمع،[3] والتأثير الثقافيّ والسياسيّ والأمنيّ في مراكز القرار والأشخاص المؤثّرين،[4] والتهويل الإعلاميّ،[5] وإساءة استغلال النماذج الدينيّة،[6] وتحريف الدين،[7] وإشاعة الفحشاء.[8] وعلى هذا الأساس فإنّ الغزو الثقافيّ يُعد من الآفات الاجتماعيّة المهمّة من قبل الأعداء في المجتمع، وهو أشدّ خطورة بمراتب حتّى من الهجوم العسكريّ؛ ولذلك نكون بحاجة إلى معرفة علم الآفات في هذا الشأن بشكل جادّ. لقد صرّح القرآن الكريم بأنّ أعداء الإسلام يرون أنّ الطريق الوحيد للتغلّب على المجتمع الإسلاميّ يكمن في مقاطعة منطق القرآن وإيجاد المانع دون وصول سماع صوت القرآن، إذ يقول الله سبحانه وتعالى: (وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ)[9]، فلو تمّ الاستماع إلى كلام الوحي بشكل صحيح، وتمّ إيصاله إلى أذهان الناس، فإنّه سوف يترك تأثيره في أرواحهم وعقولهم، ويعمل على تطوير فطرتهم، ويقضي على جذور الكفر والشرك.

إيجاد التفرقة والشرخ الاجتماعيّ

إنّ من بين أهم الآفات الاجتماعيّة التي تؤدّي إلى خمول وإضعاف قوّة المجتمع، هي التفرقة وإحداث الشرخ الاجتماعيّ، وقد تمّ عدّ الاتّحاد في القرآن الكريم من أكبر النِعَم الإلهيّة ومن أهمّ أنواع المعروف، قال تعالى: (وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنْتُمْ

(32)

أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُمْ بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا وَكُنْتُمْ عَلَى شَفَا حُفْرَةٍ مِنَ النَّارِ فَأَنْقَذَكُمْ مِنْهَا كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ}.[1] لقد تمّ في هذه الآية الكريمة بقرينة قوله تعالى: {جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا}، دعوة المجتمع الإسلاميّ من حيث جماعته وتركيبه إلى التمسّك بالكتاب والسنّة، وهذا التمسّك الجمعيّ لا يمكن اجتنابه؛ وإلّا ففي غير هذه الحالة فإنّ تشتّت القلوب والمقاصد والأهواء لن يؤدّي إلى غير التنازع والفوضى والفشل، ولن يؤدّي إلى الاتّحاد أبدًا.[2] إنّ من بين غرر الآيات القرآنيّة التي تشير إلى موقع وضرورة الاتحاد في المجتمع الإسلاميّ هي الآية رقم 62 من سورة النور، إذ تضع تواجد المؤمنين مع النبيّ الأكرم في «الأمر الجامع» ضمن الإيمان بالله ورسوله؛ إذ يقول تعالى: {إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ وَإِذَا كَانُوا مَعَهُ عَلَى أَمْرٍ جَامِعٍ لَمْ يَذْهَبُوا حَتَّى يَسْتَأْذِنُوهُ}.[3] وقد ذهب المفسّرون إلى القول إنّ «الأمر الجامع» في هذه الآية يعني الأمور التي تقتضي الإجماع واتفاق الآراء والتعاون،[4] أو الأمور التي يجتمع الناس من أجلها، من قبيل: الحرب ضدّ العدوّ، أو الأمور التي تكون فائدتها أو ضررها شاملًا لعموم الناس.[5] من الواضح بداهة أنّ الأمر الجامع ناظر إلى المسائل والأمور الاجتماعيّة المهمّة التي تستدعي اتحاد المسلمين واتفاق آرائهم وعملهم بتعاليم النبيّ الأكرم وجعله محورًا لسلوكهم. إنّ هذا الاتحاد بالنظر إلى محوريّة النبيّ الأكرم من الأهمّيّة ـ على حدّ تعبير بعض المفسّرين ـ بحيث تمّ ذكره مع الإيمان بالله ورسوله.[6] وعلى هذا الأساس فإنّ الاتحاد والتلاحم الوطنيّ ـ بالإضافة إلى الإيمان بالله والرسول، الذي هو من أهمّ أسس الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة ـ واجتماع الناس حول القيادة الدينيّة في شؤون البلاد ـ التي عبّر عنها القرآن الكريم بـ «الأمر الجامع» ـ أمر لا يمكن اجتنابه، وإن التمرّد عليه والاعتزال وبثّ الخلاف والفرقة ذنب لا يُغتفر، وإنّ إذن وليّ المسلمين

(33)

به هو وحده الذي يمكن أن يكون مسوّغًا شرعيًّا لبعض الأشخاص الذين يكون لديهم مانع شرعيّ يسمح لهم بعدم المشاركة في ذلك الأمر الجامع. إنّ كلّ سلوك اجتماعيّ أو تفكير يحدث خللًا في «الأمر الجامع» حول محوريّة القيادة الإلهيّة للمجتمع يُعد من الآفات الاجتماعيّة المهمّة. إن بثّ الفرقة بين صفوف المسلمين وإيجاد الشكّ والترديد في بناء المسلمين المرصوص ـ ولا سيّما في مواجهة الأعداء ـ يُعدّ من وجهة نظر القرآن الكريم من أسوأ المنكرات والآفات الاجتماعيّة التي لا يمكن مقارنتها بالآفات الفرديّة أبدًا. لا سيّما وأنّ الأمر الجامع المشار إليه في سورة النور يتعلّق بمسألة الجهاد، وأنّ الصفوف المرصوصة والمنيعة المذكورة في سورة الصفّ هي الأخرى تتعلّق بالجهاد ومواجهة جبهة أعداء الإسلام أيضًا.

المساومة مع الأعداء والاعتماد على الظالمين

إنّ من بين الآفات الاجتماعيّة التي تحوّل قوّة المجتمع الإسلاميّ إلى ذُلّ وهوان، هو أن يتمّ العمل في ساحة المواجهة مع العدوّ ـ بسبب إيثار الدِعة والركون إلى الدنيا ـ على مهادنته والمساومة المهينة والمذلّة معه طلبًا للعافية، وهذا منطق يرفضه القرآن الكريم، ومن خلال الاستدلال على أنّ الله معكم وأنّكم تحظون بالمدد والقوّة الإلهيّة، وهذا الأمر هو الذي يؤدّي إلى تغلّبكم وعلوّ كعبكم عليهم، يقول تعالى: {فَلَا تَهِنُوا وَتَدْعُوا إِلَى السَّلْمِ وَأَنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ وَاللهُ مَعَكُمْ وَلَنْ يَتِرَكُمْ أَعْمَالَكُمْ}.[1] وقال الله سبحانه وتعالى في سورة الممتحنة: {إِنْ يَثْقَفُوكُمْ يَكُونُوا لَكُمْ أَعْدَاءً وَيَبْسُطُوا إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ وَأَلْسِنَتَهُمْ بِالسُّوءِ وَوَدُّوا لَوْ تَكْفُرُونَ}.[2] إنّ الله سبحانه وتعالى يذكر الركون والاعتماد على العدوّ تحت عنوان «الركون إلى الظالمين»، ويتوعّد على ذلك بنار جهنّم؛ إذ يقول: {وَلَا تَرْكَنُوا إِلَى الَّذِينَ ظَلَمُوا فَتَمَسَّكُمُ النَّارُ وَمَا لَكُمْ مِنْ دُونِ اللهِ مِنْ أَوْلِيَاءَ ثُمَّ لَا تُنْصَرُونَ}.[3] إنّ الركون ليس مجرّد اعتماد صرف، بل هو وثوق مقرون بالرضى والرغبة. وعلى هذا الأساس فإنّ الركون إلى الظالمين هو نوع من الثقة والاعتماد الناشئ عن الرضى والرغبة والاعتماد عليهم، وهو ميل

(34)

يدعو إلى السكون والطمأنينة. إنّ الركون والوثوق بالظالمين يكون تارة في ذات الدين؛ بمعنى أن يعمل المرء على بيان مجرّد الحقائق الدينيّة ويُظهر منها ما ينفع الأعداء فقط، ويغض الطرف عن الحقائق التي تنتهي بضررهم. وتارة يكون الركون إلى الظالمين بشكل يسمح لهم بالتدخّل في الحياة الدينيّة للمجتمع وتدبير شؤون المجتمع الإسلاميّ، أو يؤدّي عقد الصداقة والاختلاط بهم إلى تأثيرهم في شؤون حياة الأفراد والمجتمع، وجميع هذه الأمور تعدّ من مصاديق الركون إلى الظالمين. إنّ هذه الثقة تسلب الطهر والإخلاص الدينيّ من المجتمع، ونتيجة ذلك هي زوال الحقّ وإحياء الباطل. وبطبيعة الحال فإنّ المراد من الظالمين في هذه الآية الكريمة ليس خصوص الأعداء من أهل الكتاب فقط، بل إنّ مفهوم الظالمين في عموم هذه الآية يشمل حتّى الظالمين من أبناء المجتمع الإسلاميّ أيضًا.[1]

التجسّس لصالح الأجانب

لقد تمّ التعبير عن التجسّس في القرآن الكريم بوصفه خيانة لله ورسوله؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَخُونُوا اللهَ وَالرَّسُولَ وَتَخُونُوا أَمَانَاتِكُمْ وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ}.[2] إنّ المراد من خيانة الله ورسوله هو إفشاء الأسرار العسكريّة للمسلمين ووضعها تحت تصرّف الآخرين، أو العمل على تقوية جبهة الأعداء، أو انتهاك الواجبات والمحرّمات الإلهيّة بشكل عامّ.[3] والخيانة تعني نقض الأمانة... وإن من الأمانة ما هي أمانة الله سبحانه وتعالى عند الناس، كأحكامه المشرّعة من عنده. ومنها ما هي أمانة الرسول كسيرته الحسنة، و منها ما هي أمانة الناس بعضهم عند بعض، كالأمانات من أموالهم أو أسرارهم، ومنها ما يشترك فيه الله ورسوله والمؤمنون [المجتمع الإسلاميّ]، وهي الأمور التي أمر بها الله سبحانه وأجراها الرسول وينتفع بها الناس ويقوم بها صلب مجتمعهم، كالأسرار السياسيّة والمقاصد

(35)

الحربيّة التي تضيع بإفشائها آمال الدين وتضلّ بإذاعتها مساعي الحكومة الإسلاميّة، فيبطل به حقّ الله ورسوله ويعود ضرره إلى عامّة المؤمنين.[1]

نماذج من تبويب الانحرافات في الروايات

تبويب الانحرافات في كلمات الإمام زين العابدين

يمكن استفادة نموذج من تبويب الانحرافات والآفات الاجتماعيّة من رسالة الحقوق للإمام زين العابدين، حيث عمد الإمام إلى بيان الارتباط الإنسانيّ والحقوق (بمعنى التكاليف) والوظائف ضمن ثلاثة حقول، وهي: (علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بأخيه الإنسان)، ولا شكّ في أنّ الإخلال بها سوف يكون منشأ لظهور الانحرافات والآفات في تلك الحقول. وبعبارة أخرى: إنّ رسم أهمّ الوظائف يستلزم بيان أهمّ الانحرافات في النقطة المقابلة لها.

حقل علاقة الإنسان بالله

يرى الإمام زين العابدين أنّ أعلى الحقوق الإلهيّة على الإنسان هو الحقّ الناظر إلى علاقة الإنسان بالله سبحانه وتعالى، والتي أوجبها الله لنفسه على الإنسان، بمعنى أنّ الملاحظ في هذه الحقوق هو الربوبيّة الإلهيّة وعبوديّة الإنسان. يقول الإمام زين العابدين، في هذا الشأن:

«اعلم ـ رحمك الله ـ أنّ لله عليك حقوقًا محيطة بك في كلّ حركة تحرّكتها، أو سكنة سكنتها، أو منزلة نزلتها، أو جارحة قلّبتها وآلة تصرّفت بها، بعضها أكبر من بعض. وأكبر حقوق الله عليك ما أوجبه لنفسه تبارك وتعالى من حقّه الذي هو أصل الحقوق ومنه تفرّع».[2]

وحيثما يكون حقّ الله ـ طبقًا لهذا الكلام النورانيّ ـ هو من أكبر الحقوق الإلهيّة ومن أكبر التكاليف الإنسانيّة، يكون انتهاك هذا الحقّ بدوره من أسوأ وأقبح الانحرافات الفرديّة والاجتماعيّة للإنسان؛ وذلك لأنّ هذا النوع من الانحراف يُعد هتكًا لساحة كبرياء الحقّ تعالى،

(36)

وسوف تترتّب على ذلك تداعيات اجتماعيّة مهمّة وخطيرة بالنسبة إلى المجتمع، وعلى هذا الأساس فإنّ الملاك الأوّل لتبويب الانحرافات الإنسانيّة، إنّما يتبلور بالنظر إلى «علاقة الإنسان بالله». وبهذا الملاك تكون الانحرافات التي هي من قبيل: الكفر، والشرك، والنفاق، والجدال في الآيات الإلهيّة، والارتداد، من أسوأ أنواع الانحرافات التي تظهر في المجتمع. وبالمناسبة فإنّ أشدّ أنواع النهي والتوعّد بالعذاب الإلهيّ إنّما ترتبط بهذا الحقل.

حقل علاقة الإنسان بنفسه

إنّ ملاحظة نسبة الإنسان إلى نفسه (الأعمّ من جوارحه وأفعاله)، من بين الملاكات التي تعمل على التعريف بوظائف وحقوق أخرى للإنسان أيضًا، يقول الإمام زين العابدين في هذا الشأن:

«ثمّ أوجب [حقوقًا] عليك لنفسك من قرنك إلى قدمك على اختلاف جوارحك، فجعل لبصرك عليك حقًّا، ولسمعك عليك حقًّا، وللسانك عليك حقًّا، وليدك عليك حقًّا، ولرجلك عليك حقًّا، ولبطنك عليك حقًّا، ولفرجك عليك حقًّا، فهذه الجوارح السبع التي بها تكون الأفعال. ثمّ جعل [الله] ـ عزّ وجل ـ لأفعالك عليك حقوقًا؛ فجعل لصلاتك عليك حقًّا، ولصومك عليك حقًّا، ولصدقتك عليك حقًّا، ولهديك عليك حقًّا، ولأفعالك [العباديّة الأخرى] عليك حقًّا».[1]

ثمّ قال الإمام زين العابدين بعد ذلك ـ في تتمّة هذه الرسالة ـ إنّ حق نفسك عليك هو أن تجعل هذه النفس بجميع قواها وأعضائها في مسار إطاعة الله سبحانه وتعالى: «وأمّا حقّ نفسك عليك فأن تستوفيها في طاعة الله».[2] إنّ الكثير من الانحرافات السلوكيّة والأخلاقيّة إنّما تقع في هذا الحقل. إنّ ملاك هذه الطائفة من الانحرافات يكمن في ترك الوظائف العباديّة للنفس الإنسانيّة ووظائف كلّ واحد من أعضائه، وكذلك عدم قيامه بالعبادة على النحو المطلوب، وفي الواقع فإنّ حقل السلوك الفرديّ بارز هنا، فلو أنّ شخصًا ارتكب جناية بحقّ نفسه وارتكب

(37)

قتلًا أو جرحًا لنفسه، يكون قد ارتكب أقبح أنواع الجناية، وانتهك أسمى الحقوق والتكاليف المتعلّقة بنفسه.

وعلى هذا الأساس فإنّ الملاك الثاني في تبويب الانحرافات عبارة عن الإخلال بالوظائف والتكاليف الناظرة إلى «علاقة الإنسان بنفسه»، والكثير من الانحرافات الأخلاقيّة الناظرة إلى الأعضاء الإنسانيّة إنّما تتعلّق بهذا الحقل. إن السباب، وفضول الكلام المبتذل، وسماع الحرام أو النظر إلى ما حرّن الله، وأكل الحرام وشربه، والذهاب إلى الأماكن المحرّمة، وممارسة الحرام وعدم التورّع عن ارتكابه، هو من أهمّ الآفات الواردة في كلمات الإمام زين العابدين. إنّ أهم ملاك في هذه الطائفة من الانحرافات عبارة عن إهدار الحقوق التي أقرّها الله سبحانه وتعالى في حقل علاقة الإنسان بنفسه، ولا شكّ في أن تبعاتها تظهر في انحطاط الأخلاق والمعنويّة لدى الفرد.

حقل علاقة الإنسان بالآخرين

إنّ الحقل الثالث من العلاقات الإنسانيّة هو حقل «علاقة الإنسان بالآخرين»، وقد تمّ تبويب «الآخرين» في كلمات الإمام زين العابدين ضمن ثلاثة حقول بحسب الأهمّيّة؛ حيث تأتي حقوق الأئمّة، تليها حقوق الرعيّة، ثمّ حقوق ذوي الأرحام؛ إذ يقول:

«ثمّ تخرج الحقوق منك إلى غيرك من ذوي الحقوق الواجبة عليك، وأوجبها عليك حقوق أئمّتك، ثمّ حقوق رعيّتك، ثمّ حقوق رحمك، فهذه حقوق يتشعّب منها حقوق».[1]

وقد أتى الإمام زين العابدين على ذكر أسماء جماعات مختلفة بلغ بها خمسين حقًّا، ولكنّنا نعرِض عنها لعدم التناسب وخشية الإطالة.

تبويب الانحرافات في كلمات الإمام الصادق

إنّ الروايات المأثورة عن سائر الأئمّة الأطهار في تبويب الذنوب والانحرافات الكبيرة تؤيّد المنطق القرآنيّ مورد البحث. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الرواية المأثورة أدناه عن الإمام الصادق في تعريف الكبائر على أساس الملاك القرآنيّ جديرة بالاهتمام؛ إذ يروي السيّد عبد

(38)

العظيم الحسنيّ عن الإمام الجواد، عن أبيه الرضا، أنّه قال:

«دخل عمرو بن عبيد البصري على أبي عبد الله جعفر بن محمد الصادق، فلمّا سلّم وجلس تلا هذه الآية: {الَّذِينَ يَجْتَنِبُونَ كَبَائِرَ الْإِثْمِ وَالْفَوَاحِشَ}،[1] ثمّ أمسك. فقال أبو عبد الله: ما أسكتك؟ قال: أحبّ أن أعرف الكبائر من كتاب الله. قال: نعم يا عمرو، أكبر الكبائر الشرك بالله؛ لقول الله عزّ وجل: {إِنَّ اللهَ لَا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ}[2]، وقال: {مَنْ يُشْرِكْ بِاللهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ وَمَأْوَاهُ النَّارُ}[3] وبعده اليأس من روح الله؛ لأنّ الله يقول: {لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ}.[4] ثمّ الأمن من مكر الله؛ لأنّ الله يقول: {فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ}.[5] ومنها عقوق الوالدين؛ لأنّ الله تعالى جعل العاقّ جبّارًا شقيًّا في قوله: {وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}.[6] ومنها قتل النفس التي حرّم الله إلّا بالحقّ؛ لأنّه يقول: {وَمَنْ يَقْتُلْ مُؤْمِنًا مُتَعَمِّدًا فَجَزَاؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِدًا فِيهَا}[7] الآية. وقذف المحصنات؛ لأنّ الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ}.[8] و أكل مال اليتيم ظلمًا؛ لقوله: {إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا}.[9]  والفرار من الزحف؛ لأنّ الله يقول: {وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ}.[10] وأكل الربا؛ لأنّ الله يقول: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لَا يَقُومُونَ إِلَّا كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ}[11] ويقول: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللهِ وَرَسُولِهِ}[12] والسحر؛

(39)

لأنّ الله يقول: {وَلَقَدْ عَلِمُوا لَمَنِ اشْتَرَاهُ مَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ خَلَاقٍ}[1] والزنا؛ لأنّ الله يقول: {وَمَنْ يَفْعَلْ ذَلِكَ يَلْقَ أَثَامًا * يُضَاعَفْ لَهُ الْعَذَابُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَيَخْلُدْ فِيهِ مُهَانًا}[2] واليمين الغموس؛ لأنّ الله يقول: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ}[3] الآية. والغلول قال الله: {وَمَنْ يَغْلُلْ يَأْتِ بِمَا غَلَّ يَوْمَ الْقِيَامَةِ}[4] ومنع الزكاة المفروضة؛ لأنّ الله يقول: {يَوْمَ يُحْمَى عَلَيْهَا فِي نَارِ جَهَنَّمَ فَتُكْوَى بِهَا جِبَاهُهُمْ وَجُنُوبُهُمْ وَظُهُورُهُمْ}[5] الآية. وشهادة الزور وكتمان الشهادة؛ لأنّ الله يقول: {وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ}.[6] وشرب الخمر؛ لأنّ الله تعالى عدل بها عبادة الأوثان. وترك الصلاة متعمّدًا أو شيئًا مما فرض الله تعالى؛ لأنّ رسول الله يقول: «من ترك الصلاة متعمّدًا فقد برأ من ذمّة الله وّذمة رسوله». ونقض العهد وقطيعة الرحم؛ لأنّ الله يقول: {أُولَئِكَ لَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ}.[7] قال [الراوي]: فخرج عمرو وله صراخ من بكائه، وهو يقول: هلك من قال برأيه ونازعكم في الفضل والعلم».[8]

النتيجة

إنّ العودة إلى المعايير والملاكات الإسلاميّة في فهم الانحرافات والآفات الاجتماعيّة وتبويبها يعمل على تغيير توجّهاتنا المحدودة، ويضع نصب أعيننا جميع الآفات الاجتماعيّة بملاحظة مراتبها شدّة وضعفًا. إنّ الانحرافات الاجتماعيّة تسجّل حضورها في مساحات واسعة، تبدأ من التمرّد والعصيان في حقل «حقّ الله» الذي هو كفر وجحود يستتبع الشرك والنفاق، وصولًا إلى ما يقتضي العودة والردّة والارتداد والرجوع إلى الثقافة الجاهليّة، من قبيل: القبول بولاية الطاغوت، وحبّ الكافرين، ومساعدتهم، وقبول حكومة الكافرين وسلطتهم، واتّباع ثقافة

(40)

الكافرين وقيَمهم، وما يكون سببًا في تغيير الهويّة التوحيديّة وتحويلها إلى هويّة للشرك والكفر. كما يمكن لضعف تديّن المسلمين وعدم مبالاتهم وتهاونهم في الحفاظ على القيَم الأخلاقيّة، من خلال تقوية رقعة هذا الضعف والتهاون وتوسيعها أن يخلق بيئة خصبة لتغيير الهويّة الثقافيّة للمجتمع أو لجزء منه، ومن هنا فإنّ هذا النوع من الانحرافات يحظى بأهمّيّة أكبر. كما أنّ الركون إلى الدنيا وترك الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يُعدّ من الآفات المهمّة في هذا الحقل. إنّ ما يُضعف قوّة المجتمع الإسلاميّ ومكانته يُعدّ ملاكًا ومعيارًا آخر يُشير إلى الآفات المهمّة. وإنّ الغزو الثقافيّ للأعداء، وإيجاد الاختلاف والتفرقة في المجتمع، والمساومة والمهادنة مع الأعداء والتجسّس لصالحهم يعدّ من أهمّ هذه الانحرافات والآفات.

 

 

 

 

 

 

 

 

(41)

 

 

المصادر

- نهج البلاغة، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمد دشتي، انتشارات لقمان، ط 3، 1379 ه‍ ش.

- أتابكي، پرويز، رهاورد خرد (ترجمة تحف العقول)، طهران، فرزان روز، 1376 ه‍ ش.

- آقاجاني، نصرالله، انحرافات و آسيب هاي اجتماعي از ديدگاه قـرآن، (رسالة على مستوى الماجستير في حقل علم الاجتماع)، قم، مؤسّسة آموزشي و پژوهشي امام خميني رحمه‌الله، 1381 ه‍ ش.

- جولد، جوليوس ووليام كولب، فرهنگ علوم اجتماعى، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: باقر برهام ومساعدوه، طهران، انتشارات مازيار، 1376 ه‍ ش.

- الحرّانيّ، ابن شعبة، تحف العقول عن آل الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، قم، جامعة المدرّسين، ط 2، 1404 ه‍.

- الحويزي، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، قم، انتشارات اسماعيليان، ط 2.

- الخوانساري، الآغا جمال‌الدين، شرح آقا جمال‌الدين خوانساري بر غرر الحكم، طهران، دانشگاه طهران، 1366 ه‍ ش.

- رابرتسون، يان، درآمدى بر جامعه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسين بهروان، مشهد، انتشارات آستان قدس رضوي، ط 2، 1374 ه‍ ش.

- الزمخشري، محمود بن عمر، الكشّاف عن حقائق غوامض التنزيل وعيون الأقاويل في وجوه التأويل، دار الكتاب العربيّ، ط 3، 1407 ه‍.

- ستوده، هداية الله، مقدمه اى بر آسيب شناسى اجتماعى، طهران، انتشارات آواي نور، ط 3، 1374 ه‍ ش.

- سيّد قطب، في ظلال القرآن، بيروت، دار الشروق، ط 35، 1425 ه‍.

- شيخاوندي، داور، جامعه‌شناسى انحرافات، طهران، انتشارات مرنديز، ط 3، 1373 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، الميزان في تفسير القرآن، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ط 2، 1390 ه‍..

(42)

- الطبرسيّ، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، ط 3، 1372 ه‍ ش.

- غيدنز، أنطوني، جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منوجهر صبوري، طهران، نشر ني، ط 4، 1377 ه‍ ش.

- الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، طهران، انتشارات إسلامية، ط 2، 1362 ه‍ ش.

- مارتن، روبرت، مشكلات اجتماعى ونظريه جامعه‌شناختى، ترجمه إلى اللغة الفارسية: نوين تولائي، طهران، انتشارات أمير كبير، 1376 ه‍ ش.

- مكارم الشيرازي، ناصر ومساعدوه، تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل)، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ط 10، 1371 ه‍ ش.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(43)
(44)

 

 

إدمان الأنترنت وآفاته الأخلاقيّة[1]

علي رضا آل بويه[2]، علي أكبر شاملي[3]

الخلاصة

لقد أصبح استعمال الإنترنت جزءًا لا يتجزّأ من حياة الإنسان المعاصر؛ حيث تتمّ الاستفادة منه في المدارس والجامعات والبنوك والأعمال التجاريّة، ولأغراض التواصل الاجتماعيّ وما إلى ذلك من الأمور الأخرى. وعلى الرغم من الفوائد الجمّة التي ينطوي عليها الإنترنت في تطوير الحياة الاجتماعيّة، غير أنّه ـ في الوقت ذاته ـ لا يخلو من الآفات أيضًا، ومن بينها الإفراط في استعمال هذه التقنية، وهو ما يُصطلح عليه بالإدمان على الإنترنت. وقد تمّ حتّى الآن تقديم الكثير من الدراسات والأبحاث بشأن أسباب وخلفيّات حدوث هذه الظاهرة، وعدّوا من بينها الآفات والأضرار الأخلاقيّة، من قبيل: الإدمان على متابعة المقاطع الإباحيّة. والسؤال المطروح في هذه المقالة هو أنّه على فرض الاستفادة الأخلاقيّة من الإنترنت بحيث تخلو من جميع السلوكيّات المنحرفة، من قبيل: الإباحيّة والابتذال، وإقامة العلاقات الحميميّة مع الجنس الآخر خارج إطار الشرع والأخلاق وما إلى ذلك، هل يكون الاستعمال المفرط للإنترنت جائزًا

(45)

إنّ تسلل الإنترنت إلى مجتمعنا الإسلاميّ وانتشاره في المجتمع، على الرغم من فوائده الكثيرة، كان مصحوبًا بالآفات والمشاكل، بما فيها أيضًا ظاهرة الإدمان على الإنترنت. وقد ترك ذلك تأثيرًا كبيرًا على الحياة الفرديّة والاجتماعيّة للمستخدمين. إنّ الاستخدام المفرط للإنترنت يؤدّي إلى انحسار مستوى الارتباط الأسريّ، وإلى انخفاظ مستوى المشاركة في النشاطات الاجتماعيّة، الأمر الذي يؤدّي في بعض الأحيان إلى العزلة الاجتماعيّة وانتشار الكآبة بين المدمنين من المستخدمين.[1]

لقد ظهرت حتّى الآن الكثير من التحقيقات والدراسات حول موضوع الإدمان على الإنترنت وآفات ذلك، وقد تناول كلّ واحد من هذه الدراسات هذا الموضوع من زاوية خاصّة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ هناك منها ما تطرّق إلى ذلك من زاوية المشاكل النفسيّة، ومنها ما تعرّض إلى الآفات الاجتماعيّة لذلك، ولكنّنا لم نشهد حتّى الآن أيّ دراسة تعرّضت إلى ظاهرة الإدمان على الإنترنت من الزاوية الأخلاقيّة. ومن هنا فإنّ دراسة الإدمان على الإنترنت من الزاوية الأخلاقيّة يبدو أمرًا ضروريًّا. وعليه بالنظر إلى هذا الموضوع سوف نسعى في هذه المقالة إلى الإجابة عن الأسئلة الآتية: هل ينطوي الإدمان على الإنترنت على آفات أخلاقيّة بالإضافة إلى آفاته النفسيّة والاجتماعيّة؟ وهل يجوز الاستخدام المفرط للإنترنت من الناحية الأخلاقيّة؟ وهل الآفات النفسيّة أو الاجتماعيّة للإدمان على الإنترنت تؤدّي إلى ظهور الآفات الأخلاقيّة أيضًا؟

خصائص الإدمان على الإنترنت

إنّ الإدمان لغة مصدر للفعل أدمن؛ من دَمِن على الشيء بمعنى لزمه، وأمّا بحسب المصطلح فهو اضطراب سلوكيّ ناجم عن الإكثار من تكرار فعل يحسبه المرء جميلًا دون النظر في عواقبه وآثاره السلبيّة.

وأوّل من استخدم مصطلح الإدمان على الإنترنت هو كمبرلي يانغ[2]، بوصفه نوعًا من

(47)

الخلل السلوكيّ. كما تمّ التعريف بهذا النوع من الإدمان بعبارات مختلفة، من قبيل: «الإدمان على الإنترنت»[1]، أو «خلل الإدمان على الإنترنت»، أو «نوع من الإدمان السلوكيّ أو الإدمان التقنيّ»[2]، أو «سوء الاستفادة من الإنترنت»، من قبل العاملين في الشركات والمؤسّسات الآخذة في الازدياد.[3]

ينظر المحقّقون في تعريف الإدمان على الإنترنت إلى مقدار الساعات التي ينفقها المستخدم في العمل عليه، فإن كان معدل الاستخدام في اليوم الواحد يتراوح ما بين ساعتين إلى ثلاث ساعات، كان هذا الاستخدام طبيعيًّا، وأمّا إذا تجاوز الثمان ساعات ونصف الساعة كان المستخدم مدمنًا على الإنترنت. يرى جولد بيرغ أنّ الإدمان على الإنترنت عبارة عن الاستخدام المرَضيّ والوسواسيّ للإنترنت[4]، ولكن يبدو أنّ تعريف الإدمان على الإنترنت بالنظر إلى المدّة الزمنيّة التي يستغرقها الشخص في الاستخدام ليس تعريفًا دقيقًا؛ إذ نرى في الكثير من الموارد أن شخصًا ما يستفيد من الإنترنت لمدّة زمنيّة طويلة، ولكنّه مع ذلك لا يُصنّف بوصفه مدمنًا، كالمحقّقين الذين ينفقون وقتًا طويلًا وهم عاكفون على الدراسة والمطالعة على الإنترنت ويستفيدون من هذا الفضاء في تطوير أبحاثهم وتحقيقاتهم، لا يتمّ عدّهم من المدمنين على الإنترنت.

وكذلك قد يذهب التصوّر إلى القول بأنّ المدمن على الإنترنت هو الشخص الذي ينخفض مستوى تواصله الاجتماعيّ بسبب الإكثار من استخدام الإنترنت، بيد أنّ هذا التعريف بدوره ليس دقيقًا في التعبير عن المدمن على الإنترنت؛ إذ إنّ الكثير من الشباب ـ مثلًا ـ يكثرون من استعمال الهاتف النقّال، وكذلك فإنّ يعض الأشخاص ينفقون من أعمارهم ساعات طويلة في المطالعة وقراءة الكتب، وبذلك ينقطعون عن النشاطات الاجتماعيّة، ومع ذلك لا يمكن

(48)

اعتبارهم من المدمنين على الهاتف النقّال أو الكتاب.[1] ومن هنا كان المحقّقون يسعون على الدوام إلى العثور على خصائص ومؤشّرات التعرّف الدقيق على الإدمان على الإنترنت. يرى كمبرلي يانغ أنّ الاختلاف بين الاستفادة المعياريّة من الإنترنت والاستفادة المرَضيّة (الإدمان على الإنترنت)، يتمّ تشخيصه من خلال العلامات الآتية، وأنّ الذي تنطبق عليه في الحدّ الأدنى خمسة من هذه الأعراض، فسوف يتمّ تصنيفه من المدمنين على الإنترنت:

1. الانبهار بالإنترنت.

2. الشعور بالحاجة إلى الاستفادة من الإنترنت.

3. المحاولات الفاشلة في إيقاف استخدام الإنترنت.

4. الشعور بالاضطراب وعدم الاستقرار عند انقطاع الإنترنت.

5. تجاوز المدّة المرصودة للاستفادة من الإنترنت.

6. المخاطرة بالعلاقات والعمل والفرَص التعليميّة أو المهنيّة والحرَفيّة المهمّة، بسبب الاستخدام المفرط للإنترنت.

7. الاستعداد إلى التضحية بالعلاقات الاجتماعيّة.

8. الكذب على الأصدقاء والمقرّبين من أجل عدم تفويت فرصة استخدام الإنترنت.

9. استخدام الإنترنت بوصفه وسيلة للخلاص من المشاكل الخاصّة.[2]

وقد ذكر جون سولر بعض المعايير للتعريف بالمدمنين على الإنترنت، وهي كالآتي:

1. العجز عن السيطرة على المدّة الزمنيّة في التواصل عبر الإنترنت.

2. الغفلة عن العمل وإهمال المسؤوليّات والعهود الشخصيّة.

3. انخفاض مستوى العلاقات الاجتماعيّة، وما يترتّب على ذلك من التفريط في علاقات الصداقة، والتعرّض إلى المشاكل الأسريّة.

4. التحوّل الشديد في نمط الحياة، واجتناب النشاطات المهمّة في الحياة، من أجل التفرّغ للإنترنت واستهلاك الوقت الأكبر في استخدامه.

(49)

5 . الكذب على الأصدقاء والأسرة من أجل إخفاء المدّة الزمنيّة في استخدام الإنترنت.

6. إنفاق الأموال الطائلة من أجل الحصول على خطّ للإنترنت وربط الاتصال بالعالم الافتراضيّ.

7. الارتباط بالإنترنت من أجل الهروب من مشاكل الحياة، والتخلّص من الاضطراب والحيرة والشعور بالذنب والكآبة.

8. تقليل النشاط البدنيّ وإهمال الأكل والنوم وشروط الصحّيّة العامّة.

9. الشعور بالقلق وعدم الاستقرار والاضطراب عند محاولة قطع التعلّق والارتباط بشبكة الإنترنت أو التقليل من الاستفادة منه.

10. الحرص المفرط على إنفاق فترة زمنيّة أطول في استخدام الإنترنت والانشغال الفكريّ في هذا الشأن.[1]

وعلى هذا الأساس يمكن القول في تعريف الإدمان على الإنترنت بأنّه: الاستخدام المفرط والذي يتجاوز حدود الحاجة؛ بحيث يؤدّي إلى تعلّق المستخدم بخيوط الشبكة العنكبوتيّة بما يفضي إلى الإخلال بشؤون الحياة والعلاقات الاجتماعيّة. إنّ هذه التبعية وهذا الارتهان يسلب الإنسان إرادته واختياره، ويؤدّي به إلى إهمال صحّته ومسؤوليّاته الاجتماعيّة وسائر مهامّه الإنسانيّة الأخرى.

آفات الإدمان على الإنترنت

يؤدّي الإدمان على الإنترنت إلى ظهور بعض الأعراض والأضرار الفرديّة والاجتماعيّة؛ وفيما يتعلّق بالأضرار الفرديّة يكون الشخص المستخدم عرضة للخطر من الناحية الجسديّة والنفسيّة أيضًا. إنّ أضرارًا من قبيل: العزلة والكآبة والاضطراب وتراجع القدرات العقليّة وما إلى ذلك تعدّ من الأمثلة على الأضرار النفسيّة، وقلّة النوم وأعراض من قبيل: أوجاع الظهر والتشنّجات العضليّة والإرهاق البصَريّ تُعدّ من التداعيات الجسديّة للإدمان على استخدام الإنترنت.[2] كما أنّ تراجع نسبة التواصل مع الأسرة والأقرباء وما إلى ذلك، يُعدّ بدوره من الأمثلة على الأضرار الاجتماعيّة أيضًا. ويتمّ السعي في هذه المقالة إلى بحث ثلاثة أمثلة مهمّة من الأضرار والآفات في كلّ واحد من هذه الأقسام من الآفات (النفسيّة، والجسديّة والاجتماعيّة).

(50)

العزلة

لقد شهدت المرحلة الراهنة إجراء دراسات حول الصلة بين مشاكل من قبيل العُزلة والاضطراب الاجتماعيّ، والمهارات الاجتماعيّة المتدنيّة، وبين الاستخدام المفرط للإنترنت.[1] وقد تحدّث بعض المحقّقين عن التحوّلات العميقة في العلاقات الأسريّة، بحيث يكون هناك تناسب عكسيّ بين زيادة استخدام الأنترنت وانخفاض مستوى العلاقات الأسرية على المستويين الكمّيّ والكيفيّ.[2] إنّ الاستخدام المفرط لشبكة الإنترنت يؤدّي إلى ظهور العزلة الاجتماعيّة؛ وذلك لأنّ الأشخاص بدلًا من الارتباط المباشر يميلون إلى الاستفادة من الإنترنت، ومن هنا فإنّهم يجتنبون النشاطات والعلاقات المباشرة مع الأصدقاء والأسرة.

إنّ العزلة تؤثّر سلبًا على نفسيّة الإنسان بشدّة، والدراسات التي أجريت على الأشخاص الذين يؤثرون العُزلة، تثبت أنّ العزلة ذات أثر سيّئ على نفسيّتهم، وتترك على أرواحهم تداعيات من قبيل: الكآبة واليأس والوهم، بل وحتى الاختلالات النفسيّة في أكثر الحالات. وكذلك فإنّ اليافعين الذين يبتعدون عن اللقاءات الاجتماعيّة، هم أكثر عرضة للابتلاء بالكآبة، ولذلك نراهم يلجأون إلى الإنترنت للخلاص من هذه الحالة.[3]

إنّ المستخدمين للإنترنت الذين يعيشون حالة من العزلة، هم الأكثر تجربة لمعاناة الضغوط النفسيّة، من قبيل: الاضطراب، والكآبة، وعلامات الوسواس، والوجل، والاضطراب النفسيّ، والنزوع إلى الخصام وما إلى ذلك.[4] إنّ هذا النوع من التبعيّة يؤدّي بالأشخاص في ارتباطهم بالمجتمع الواقعيّ إلى الكثير من المشاكل، ويفقدون مهاراتهم الاجتماعيّة. وبشكل عام فإنّ الرجال أكثر عرضة من النساء لهذه الاختلالات، كما أنّ اليافعين والشباب أكثر عرضة لهذه الاختلالات من سواهم.[5]

(51)

إنّ علاقة هذا النوع من الأضرار النفسيّة بالإدمان على الإنترنت هي من نوع علاقة الترابط؛ بمعنى أنّه كما يمكن للإدمان على الإنترنت أن يؤدّي إلى ظهور هذه الأضرار، فإنّ ذات هذه الأضرار بدورها يمكن أن تكون سببًا للإدمان على الإنترنت أيضًا. إنّ الأشخاص الذين يعانون في العالم الحقيقيّ من الكآبة والاضطراب النفسيّ، يبحثون عن فضاء آخر للتغلّب على هذه المشاعر السلبيّة× ومن هنا فإنّهم مع مرور الزمن ومع الإفراط في استخدام الإنترنت يدمنون على ذلك، ونتيجة لذلك يصبحون من المدمنين على استخدام الإنترنت والعزلة. إنّ المستخدمين الذين يعانون من الكآبة في العالم الحقيقيّ، إنّما يلجأون إلى الإنترنت للهروب من هذه الكآبة[1]، والإفراط في استخدام الإنترنت، يؤدّي بدوره إلى مفاقمة هذه الحالة ومضاعفتها.

تغيير نمط الحياة

إنّ من بين المشاكل الأخرى التي تترتّب عن الاستخدام المفرط للإنترنت، تغيير نمط الحياة. يوجد الكثير من المستخدمين الذين يسهرون حتّى منتصف الليل للحصول على خدمات الفضاء المجازيّ. وبعض الوكالات تشجع المستخدمين على ذلك. وهي من قبيل: خطوط الإنترنت المجانيّة في الليل، والمكالمات الزهيدة الثمن، وما إلى ذلك من المرغّبات التي تستدرج المستخدمين لكي يسهروا في الليل.

وفي العادة ينام المدمنون على الإنترنت بعد ثلاث ساعات إلى خمس ساعات من ميعاد نومهم، وقلّة النوم والإرهاق يُعدّان من علامات الإدمان على الإنترنت. والكثير من المدمنين على الإنترنت يعمدون إلى تناول الأقراص التي تحتوي على مادّة الكافيين لكي يتمكنوا من السهر والتغلّب على النعاس.[2] إنّ سهر المستخدمين يؤدّي إلى معاناتهم من قلّة النوم ويُضعف حيويّتهم ونشاطهم. إنّ السهر يحرم الشباب من الاستفادة من أوقات الراحة، وبالتالي فإنّهم بدلًا من استثمار النهار في تطوير ذواتهم وخدمة المجتمع، يقضون الوقت بالنوم إلى منتصف

(52)

النهار، أو يحضرون في أماكن عملهم وهم يعانون من شدّة التعب والإعياء وقلّة التركيز. إنّ المستخدمين المدمنين على الإنترنت يستغرقون ما معدّله 38 ساعة أو أكثر في الأسبوع على الإنترنت.[1] وبسبب قلّة النوم سوف يعاني بالتدريج من الكثير من المشاكل الجسديّة والأسريّة والتعليميّة والمهنيّة. لقد أثبتت الدراسات أنّ المدمنين على الإنترنت بالإضافة إلى الأرق وقلّة النوم، يعانون كذلك بشكل عامّ من الأمراض الجسديّة أيضًا، وبعض المشاكل الجسديّة التي يعاني منها هذا الصنف من المستخدمين تكون بسبب قلّة النوم.[2]

ضعف تواصل المستخدمين مع أسَرهم

إنّ الإنترنت والفضاء الافتراضيّ حيث ينعدم فيه الانتماء إلى الزمان والمكان، يمكن له أن يقضي على الاختلاف والتفاوت بين الفضاءات المختلفة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّه يقضي على الحدود الفاصلة بين البيت ومحلّ العمل، ويمكن للبيت أن يتحوّل إلى قسم من محيط العمل، والكثير من الموظّفين يواصلون أعمالهم في منازلهم، ومن ذلك أنّهم يبحثون في بريدهم الإلكترونيّ، ليكملوا إنجاز ما لم يكملوه من أعمالهم طوال اليوم، وبذلك يقلّ ارتباط الناس ببعضهم، وينخفض مستوى العلاقات الشخصيّة. «إنّ من بين آثار وتداعيات الارتباط المتزايد بالإنترنت في الأسر، هو أنّ الناس قلّما يقضون أوقاتهم المفيدة مع أسرهم وأصدقائهم».[3]

إنّ من الأضرار الأخرى الناجمة عن الإدمان على الإنترنت، الاضطراب وانهيار العلاقات في الأسرة، والاختلال في العلاقات العاطفيّة بين الزوجين، والخلل في علاقة الأسرة بالمجتمع الخارجيّ. عندما يقضي المستخدم وقته الأكبر في استخدام الإنترنت والفضاء الافتراضيّ، فإنّه سوف يبتعد لا شعوريًّا عن أسرته، وسوف يقصّر في تربية أولاده. وكذلك فإنّ هذا الابتعاد عن الأسرة سوف يؤدّي إلى برود العاطفة والمودّة بين الزوجين، وهذا الأمر إذا لم يؤدِ إلى الطلاق الحقيقيّ، فإنّه سوف يؤدّي إلى الطلاق العاطفيّ حتمًا. ففي فرنسا يعود السبب في نصف حالات

(53)

الطلاق بشكل وآخر إلى الإنترنت والقنوات الرقمية.[1] وطبقًا لتقرير واحد من الدراسات حول الإدمان على الإنترنت، هناك ما نسبته 53% من المدمنين على الإنترنت يعانون من أزمة التواصل بشكل جادّ، ومن بين المشاكل التي يعانون منها: الاختلافات الزوجيّة والانفصال وحتّى الطلاق أيضًا.[2] وفي ضوء تحقيقات «الأكاديميّة الأمريكيّة للمحامين» هناك ما نسبته 63% من المحامين أقرّوا بأنّ السبب الرئيس في حالات الطلاق يعود إلى الإدمان على الإنترنت.[3]

الإدمان على الإنترنت من زاوية أخلاقيّة

بعد التعرّف على مفهوم الإدمان على الإنترنت، يرد علينا هذا السؤال القائل: ما هو حكم هذا النوع من الإدمان من الناحية الأخلاقيّة؟ وهل تترتّب عليه أضرار أخلاقيّة أم لا؟ نتعرّض في هذا القسم إلى المسألة الأولى، وفي القسم اللاحق سوف نتناول الأضرار الأخلاقيّة لهذا النوع من الإدمان.

إن من بين النظريّات الأخلاقيّة المطروحة على طول تاريخ التفكير الأخلاقيّ ـ والتي يؤمن بها أغلب علماء الأخلاق من المسلمين أيضًا ـ هي نظريّة أخلاق الفضيلة. وعلى الرغم من تعرّض هذه النظريّة إلى الكثير من الانتقادات والإشكالات، إلّا أنّ أصل الاعتدال مقبول في أكثر الموارد ولا مناص منه. ومن هنا سوف نواصل بحث أخلاقيّة أو عدم أخلاقيّة الإدمان على الإنترنت من خلال نظرة عابرة إلى هذه النظريّة مع الالتفات إلى أصل الاعتدال.

إن منشأ نظريّة الفضيلة يعود بجذوره إلى أرسطو؛ إذ قال في تعريف الفضيلة الأخلاقيّة:

«إنّ الفضيلة الأخلاقيّة ملَكة نفسانيّة تختار الحدّ الوسط بالنسبة إلى الأفراد. وهذا الأمر إنّما يتمّ بواسطة القوّة العاقلة، وإنّ الشخص الذي يمتلك عقلًا عمليًّا يختار طريق الاعتدال بواسطة تلك القوّة. إنّ الفضيلة تقع في الحدّ الوسط، والرذيلة تقع على طرفي الإفراط والتفريط، من ذلك أنّ الشجاعة ـ على سبيل المثال ـ تمثّل الحدّ الوسط ما بين الجبن والتهوّر، والسخاء هو الحدّ

(54)

الوسط ما بين البخل والتبذير، والحِلم هو الحدّ الوسط ما بين الطيش والخمول».[1]

إنّ الإفراط والتفريط ـ بناء على تعريف أرسطو لأخلاق الفضيلة التي وقعت موردًا لقبول أكثر العلماء المسلمين، من أمثال: الفارابي، وابن مسكويه، ونصير الدين الطوسي، وصدر المتألهين، والنراقي، والفيض الكاشاني، والغزالي، والشيخ مهدي النراقي، وغيرهم ـ يُعدّان في كلّ شيء أمرًا قبيحًا وغير أخلاقيّ، ويُعدّ الاعتدال بعكسهما فضيلة أخلاقيّة. من ذلك ـ مثلًا ـ أنّ الشيخ محمّد مهدي النراقي في جامع السعادات يرى أنّ الفضائل الأخلاقيّة تمثّل الحدّ الوسط للأفعال، والرذائل عبارة عن الإفراط والتفريط في جميع الأعمال.[2] وقال أبو حامد الغزالي:

«قد عرفت أنّ الاعتدال في الأخلاق هو صحّة النفس والميل عن الاعتدال سقم ومرض فيها، كما أنّ الاعتدال في مزاج البدن هو صحّة له، والميل عن الاعتدال مرض فيه».[3]

وقد تمّ حتّى الآن إيراد الكثير من الإشكالات على نظريّة الفضيلة لأرسطو[4]، ولكن مع غض الطرف عمّا إذا كانت هذه الإشكالات واردة على أخلاق الفضيلة أم لا، ليس هناك من شكّ أو شبهة في وجوب مراعاة الاعتدال على نحو الموجبة الجزئيّة وصحّتها وصدقها في بعض الموارد. يضاف إلى ذلك أنّ القرآن الكريم يشتمل في الكثير من آياته على ما يؤيّد هذا الاعتدال؛ من ذلك أنّ القرآن يُعرّف المسلمين بوصفهم «أمّة وسطًا»؛ إذ يقول تعالى: (وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِتَكُونُوا شُهَدَاءَ عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا).[5] بمعنى أن المسلمين حيث يتبعون الإسلام، فإنّهم بذلك يكونون أمّة وسطيّة ومعتدلة. إنّ كلمة «الوسط» تعني الكون بين شيئين أو مجموعة من الأشياء. وتستعمل هذه الكلمة في الغالب حيث يتساوى الطرفان، ومن هنا يتمّ

(55)

التعبير عنها بألفاظ من قبيل: «المعتدل» و«الأعدل»، و«الأفضل»، و«الخير» وما إلى ذلك.[1] إنّ المسلمين أمّة وسط، بمعنى أنّهم ليسوا مثل المشركين واليهود الذين انغمسوا وأفرطوا في طلب اللّذات المادّيّة، وليسوا مثل النصارى الذين أكدوا على الجانب الروحيّ فقط، ولا يدعون إلّا لترك الدنيا والرهبانية إلى حدّ التطرّف في ذلك.[2] ومن هنا فقد تمّ التعريف في هذه الآية بالاعتدال والوسطيّة بوصفها أمرًا محمودًا وفضيلة.

كما قال الله سبحانه وتعالى في محكم الذكر في بيان واحدة من صفات دين النبيّ إبراهيم عليه‌السلام : (مَا كَانَ إِبْرَاهِيمُ يَهُودِيًّا وَلَا نَصْرَانِيًّا وَلَكِنْ كَانَ حَنِيفًا مُسْلِمًا وَمَا كَانَ مِنَ الْمُشْرِكِينَ).[3] إنّ مفردة «الحنيف» تعني الميل إلى الوسط، والحنيف يُطلق في المصطلح على الشخص الذي يسعى إلى الابتعاد عن جانبي الطريق والسلوك في الوسط.[4] إنّ دين الإسلام ـ في ضوء هذه الآية ـ هو دين الاعتدال، لهذا السبب من الاعتدال وقع النبيّ إبراهيم الخليل عليه‌السلام موردًا لثناء الله سبحانه وتعالى؛ وعلى هذا الأساس يكون الإفراط والتفريط مذمومًا بجميع أنواعه، ويكون الاعتدال والوسطيّة ممدوحًا بجميع أنواعه.

وكذلك فقد عبّر القرآن الكريم عن الطريق المستقيم والوسط بسواء السبيل؛ فقد ذكر على لسان النبيّ موسى الكليم عليه‌السلام ، أنّه قال: (وَلَمَّا تَوَجَّهَ تِلْقَاءَ مَدْيَنَ قَالَ عَسَى رَبِّي أَنْ يَهْدِيَنِي سَوَاءَ السَّبِيلِ).[5] إنّ كلمة «سواء السبيل» تعني وسط الطريق، أو الطريق الوسط. وقد قصد النبيّ موسى عليه‌السلام التوجّه إلى مدينة مديَن؛ فطلب من الله أن يدلّه ويهديه إلى الطريق الصحيح.[6] وعلى أساس هذه الآية فإنّ من بين معاني الاعتدال والوسطيّة سلوك صراط الحقّ والكينونة في وسط الطريق وسواء السبيل؛ وعليه فإنّ الكينونة في طريق الباطل والانحراف سوف تعني عدم الاعتدال والابتعاد عن الوسطيّة.

(56)

وبهذا البيان يتضح أنّ الاعتدال ليس الكون بين طرفي الإفراط والتفريط فقط، بل يمكن أن يكون أحد الطرفين حقًّا والطرف الآخر باطلًا؛ من قبيل: الصدق والكذب، حيث يكون الاعتدال في طرف الصدق؛ لأنّه يقع في صراط الحقّ، والكذب هو عدم الاعتدال؛ لأنّه يقع في طريق الباطل. وعلى هذا الأساس فقد اتّخذ الاعتدال في الإسلام مفهومًا ثانيًا، وهو الموافقة والتطابق مع الحقّ.

وفي آية أخرى من القرآن الكريم، عرّف الله سبحانه وتعالى المؤمنين الحقيقيّين، بقوله: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا).[1] لقد عرّف الله المؤمنين في هذه الآية بوصفهم الذين لا يسلكون في أمورهم الماليّة طريق الإفراط «لم يُسرفوا»، ولا طريق التفريط «لم يقتّروا»، وينتهجون في إنفاقهم طريق الوسطيّة والاعتدال «قوامًا».[2]

وكذلك فإنّ الله سبحانه وتعالى يوصي بالاعتدال حتّى في الأمور العباديّة، كما في قوله تعالى: (طه * مَا أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لِتَشْقَى  *  إِلَّا تَذْكِرَةً لِمَنْ يَخْشَى).[3] وقد ورد عن الإمام جعفر الصادق في تفسير هذه الآية، أنّه قال ما معناه: إنّ النبيّ كان يُكثر من الصلاة حتّى يستولي عليه التعب فتتورّم قدماه؛ فأنزل الله عليه هذه الآية؛ ليسلك في ذلك طريق الاعتدال.[4]

كما تمّ التأكيد في الكثير من الروايات على الوسطيّة والاعتدال، فقد روي عن النبيّ الأكرم أنه كان يقول للمسلمين مرارًا: «يا أيّها الناس عليكم بالقصد، عليكم بالقصد، عليكم بالقصد».[5]

وعن أمير المؤمنين، أنّه قال في تعريف الجاهل: «لا ترى الجاهل إلا مفرِطًا أو مفرِّطًا».[6]

وعن أمير المؤمنين، في موضع آخر، قال: «اليمين والشمال مضلّة، والطريق الوسطى هي

(57)

الجادّة، عليها باقي الكتاب وآثار النبوّة، ومنها منفذ السنّة، وإليها مصير العاقبة».[1]

وعلى هذا الأساس وفي ضوء ما تقدّم من الآيات والروايات، يكون الحدّ الوسط والاعتدال في جميع الأمور ممدوحًا ومحمودًا، ويكون جميع أنواع الإفراط والتفريط أمرًا مذمومًا.

الإدمان على الإنترنت في أصل الاعتدال

قبل الدخول في بحث الإدمان على الإنترنت، لا بدّ من بيان أمرين:

1. ذكرنا أنّ الإدمان لغة يعني الاعتياد على فعل الشيء، وهذا الأمر ليس مذمومًا في حدّ ذاته، بل إنّ حُسن أو قبح العادة إنّما هو رهن بمتعلَّقه. وإنّ الأخلاق بدورها إنّما تحصل تبعًا لتعويد الأشخاص على الأصول الأخلاقيّة، ويتمّ التعبير عن هذا التعوّد بالملَكة؛ من ذلك على سبيل المثال أنّ السخاء في الأخلاق إنّما يُطلق على الشخص إذا أصبحت هذه الصفة عادة وملَكة بالنسبة إليه، بحيث تصدر عنه بشكل عفويّ وتلقائيّ. إنّ هذا النوع من الإدمان والتعوّد ليس مذمومًا في الإسلام؛ وعلى هذا الأساس فإنّ العادات بالنسبة إلى الأشياء إنّما تتصف بالحُسن والقبح بالقياس إلى ما يتمّ التعوّد والإدمان عليه؛ من ذلك أن القراءة أمر محمود؛ وعليه لو كان الشخص كثير القراءة، ولم تؤدّ كثرة قراءته إلى تخلّفه عن مواكبة ركب السلامة العامّة، ولم تخلّ بمسؤوليّاته الاجتماعيّة، لا يُسمى هذا الشخص مدمنًا، ولا تصيبه من جرّاء ذلك أضرار الإدمان؛ ولا فرق في ذلك بين أن يتعوّد الشخص القراءة في الكتب الورقيّة أو في الكتب الإلكترونيّة. وعلى هذا الأساس فإنّ متعلَّق التعوّد له تأثير في اعتبار الشخص مدمنًا أو غير مدمن.

2. النقطة الثانية أنّ أرسطو يذهب إلى الاعتقاد بوجود نوعين من الاعتدال والحدّ الوسط؛ أحدهما: الحدّ الوسط الذي يكون واحدًا بالنسبة إلى الجميع ويكون حدًّا وسطًا في حدّ ذاته، والآخر: الحدّ الوسط الذي يختلف باختلاف الأشخاص، ويتعيّن على كلّ شخص أن يتعرّف على حدّه الوسط بنفسه.[2] وبذلك يتّضح أن الحدّ الوسط يختلف باختلاف الأفراد. تقدّم في القسم التمهيديّ من هذه المقالة التعريف بمختلف الملاكات لمعرفة الإدمان على الإنترنت، كما

(58)

تقدّم التعريف الضمنيّ لهذه الآفة، ولكن يتعيّن على كلّ شخص بشكل عام أن يدرك بنفسه ما إذا كان مدمنًا على الإنترنت أم لا؟ وما إذا كان يستفيد من الإنترنت من أجل الغايات الحسنة والصحيحة أم لا؟ وعلى هذا الأساس يمكن أن يصل إلى الحدّ الوسط بالنسبة إلى شخصه.

في ضوء تعريف الفضيلة والرذيلة، سوف يتمّ اعتبار الإدمان على الإنترنت والإفراط في الاستفادة منه رذيلة أخلاقية؛ وذلك لأنّ الإدمان على الإنترنت سوف يعني الإفراط في الاستفادة منه بلا غاية مفيدة، بل لمجرّد التسلية وما إلى ذلك. من خلال الاستفادة المعتدلة من الإنترنت، فإنّ أضراره لن تطال المستخدمين. إنّ أخلاق الفضيلة بالأسلوب المعتدل في الاستفادة من كلّ تقنية، ولا سيّما الإنترنت، تعلّم الإنسان طرق الوقاية أو السيطرة على النفس؛ بمعنى أنّ على الشخص قبل استخدام الإنترنت أن يحدّد لنفسه حدود الاعتدال، وأن يلزم نفسه بعدم الخروج عن دائرة هذه الحدود.

إنّ الحياة المتطابقة مع الفضائل ـ في ضوء هذه النظريّة ـ تعدّ غاية لجميع السلوكيّات الأخلاقيّة والعقلانيّة. وفي هذه النظريّة فإنّ الفضائل بالإضافة إلى قيمتها الذاتيّة، تعدّ وسيلة للحصول على السعادة أيضًا.[1] إنّ السعادة التي يعمل أرسطو على التعريف بها بوصفها هي السعادة القصوى أو السعادة الحقيقيّة، عبارة عن التعقّل والتدبّر في حقائق الوجود.[2] وحتّى «العقل» إنّما سُمّي عقلًا لأنّه يحول دون تمرّد الغرائز والميول، ويعقل أقدام الغضب والشهوة الطاغية.[3] وعلى هذا الأساس فإنّ السعادة الحقيقيّة بالنسبة إلى الإنسان تكمن في التعقّل، حيث يمكن له في كلّ مورد أن يمثّل مصباح الهداية لكلّ شخص.

إنّ الاستفادة المفرطة من كلّ شيء تؤدّي إلى تعرّض الفرد إلى الأضرار، ولا سيّما الإنترنت الذي تعدّ آفاته في غاية الخطورة. ومن هنا يحكم العقل بأنّ على الإنسان أن لا يتّخذ جانب التفريط بالمطلق، فيحرم نفسه من نعمة الاستفادة من هذه التقنية، ولا يسلك سبيل الإفراط

(59)

فيغرق في وحل الإنترنت ولا يستطيع الخروج منه، بل عليه أن يراعي الاعتدال في استخدام هذه التقنية. وعليه فإنّ الشخص من خلال الاستخدام المناسب للإنترنت يكون قد قام بسلوك أخلاقيّ، ويكون قد اكتسب لنفسه فضيلة أخلاقيّة ايضًا. وهذا هو الاعتدال الأخلاقيّ الذي يؤدّي بالمستخدم إلى أن لا يقع في مستنقع الإدمان على الإنترنت.

وعليه فإنّ الإدمان على الإنترنت يمثّل خروجًا عن الاعتدال والوسطيّة، وإنّ «الخروج عن الاعتدال والوسطيّة من مصاديق الإسراف».[1] الإسراف عمل غير أخلاقّي، بل عدّه الله واحدًا من أسباب خروج الإنسان من حبّ الله؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: {وَلَا تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ}.[2] وكذلك وصف المسرفين بأنّهم إخوان الشياطين، وذلك في قوله: {إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ}.[3] وعلى هذا الأساس فإنّ الإدمان على الإنترنت الذي يمثّل خروجًا عن حدود الاعتدال والوسطيّة، يُعدّ من مصاديق الإسراف، ويعتبر أمرًا غير أخلاقيّ.

كما أنّ الشخص الذي يسلك طريق الاعتدال في حياته، يكون قائمًا بفعل العدل أيضًا؛ لأنّ «العدل من أفضل أنواع الكمال الوجوديذ الذي هو بالإضافة إلى التنزّه من آفة الإفراط والبراءة من منقصة التفريط، يكون كذلك متنعّمًا بفضائل النواة المركزيّة للاعتدال أيضًا».[4] إنّ السلوك العادل يعني وضع كلّ شيء في موضعه، وأن يقوم بكلّ فعل في وقته وبمقداره المناسب؛ وعلى هذا الأساس فإنّ الاعتدال يؤدّي إلى سلوك الشخص مع نفسه ومع الآخرين بشكل معتدل، وإنّ هذا الاعتدال يطلب من المستخدم فيما يتعلّق بالاستفادة من الإنترنت أن يستفيد منه بالمقدار المناسب.

لو أخذنا المعنى الثاني من الاعتدال (الاعتدال بمعنى صراط الحقّ، وعدم الاعتدال بمعنى الانحراف عن الحقّ)، سوف يكون الإدمان على الإنترنت في ضوء متعلَّقه عملًا أخلاقيًّا أو عملًا غير أخلاقيّ؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ لو كان الشخص مدمنًا على مشاهدة المواقع

(60)

الإباحيّة، يكون مرتكبًا لما يخالف الاعتدال؛ لأنّه سوف يكون سالكًا لغير صراط الحقّ. أو الشخص الذي يُدمن التحاور والمراسلة، ولكنّه لا يُراعي شروط العفة، أو أنّه يقوم بذلك لأغراض وغايات رذيلة، من قبيل: التواصل مع غير المحارم، سوف يكون هو الآخر سالكًا لما يخالف طريق الاعتدال الأخلاقيّ. وأمّا لو قام الشخص بهذا التحاور والمراسلة لأغراض وأهداف دينيّة، فلا يكون ما يقوم به ـ بالمعنى الثاني من الاعتدال ـ عملًا غير أخلاقيّ، ولكنّه بالمعنى الأوّل (عدم الإفراط) سوف يكون حتّى في هذا الفعل سالكًا لعمل غير أخلاقيّ أيضًا.

وبالتالي فإنّ الاستفادة المفرطة من الإنترنت ـ سواء من الناحية النقليّة أو من الناحية العقليّة ـ يعدّ رذيلة أخلاقيّة، وعليه يجب على المستخدم أن يحدّد استفادته من الإنترنت بمقدار حاجته، وأن يراعي في ذلك حدود الاعتدال والحدّ الوسط. ولا بدّ من التذكير ـ بطبيعة الحال ـ بأن الحدّ الوسط لانتفاع كلّ شخص من الإنترنت إنّما يتمّ تحديده من قبل الشخص نفسه؛ إذ تقدّم أن قلنا إنّ الحدّ الوسط يختلف باختلاف الأشخاص. وعلى هذا الأساس يمكن أن يتمّ تحديد الخروج عن الاعتدال في الاستفادة من الإنترنت بالنسبة إلى شخص بعشر ساعات في اليوم، ويتمّ تحديدها بالنسبة إلى شخص آخر بخمس ساعات. وعلى هذا الأساس يجب على كلّ شخص أن يعمل بنفسه على تحديد مقدار حاجته واستفادته ويحصل بذلك على حدّ الاعتدال بالنسبة إليه، لكي يتمكّن من خلال رعاية هذا الأمر أن ينصرف إلى ممارسة شؤون حياته الأخرى أيضًا. وبالإضافة إلى بحث الإدمان على الإنترنت من الناحية الأخلاقيّة، فإنّه يجب بحث آفاته الأخلاقيّة أيضًا.

 

 

 

 

 

 

(61)

مناقشة العزلة أخلاقيًّا

إنّ العزلة والابتعاد عن المجتمع ـ في ضوء ما تقدّم ـ يمثّل جانب التفريط، والمبالغة في التواصل الاجتماعيّ بحيث لو لم يرتبط الشخص مع أحد، فإنّه سوف يُصاب بالاكتئاب، فإنّ هذا بدوره سوف يمثّل جانب الإفراط. والحدّ الوسط بين هذين الطرفين هو أن يحتفظ الإنسان بحبل التواصل مع المجتمع، ويحتفظ لنفسه في الوقت ذاته بلحظات يخلو فيها مع نفسه ويتدبّر في أحواله. إنّ الحياة الاجتماعيّة ـ بطبيعة الحال ـ لا تنطوي في الإسلام على قيمة مطلقة، وإنّما هي مجرّد وسيلة للتقرّب من الله، وأرضيّة للنموّ والازدهار والتكامل الروحيّ والمعنويّ للفرد. لقد فرض الإسلام على الأشخاص مسؤوليّات وتكاليف اجتماعيّة-أخلاقيّة، بحيث تؤدّي العزلة الاجتماعيّة بالمستخدمين إلى التقصير في أداء تكاليفهم الأخلاقيّة والاجتماعيّة أيضًا. ومن هنا فإنّ العزلة الاجتماعيّة حيث تؤدّي إلى الابتعاد عن تحقيق هذه الأهداف والغايات، فإنّها سوف تعدّ تفريطًا وأمرًا مذمومًا وغير أخلاقيّ.

هناك في كتب الأخلاق الإسلاميّة أبحاث حول العزلة، وهي بطبيعة الحال تختلف عن العُزلة مورد البحث في هذه المقالة.

لقد ذكر أبو حامد الغزالي ستّ فوائد وستّ آفات للعُزلة. ربما ذهب التصوّر في بداية الأمر إلى أنّ العزلة المذكورة في الأخلاق نتيجة للفعل، والانعزال نتيجة للانفعال؛ بمعنى أنّ الشخص المنعزل ذاته يختار هذا الأمر على علم، ولكن علينا أن نعلم أنّ ثمّة أمرًا آخر هو الذي أدّى إلى عزلة الشخص المنعزل، وأنّه قد انعزل على نحو لاشعوريّ. ولكن كما سبق أن ذكرنا فإنّ سبب الإدمان على الإنترنت هو الشخص نفسه وليس الإنترنت؛ بمعنى أنّ الاستخدام الخاطئ هو الذي تسبّب بحدوث هذا الإدمان، وبذلك يتّضح أنّ الشخص الذي يختار الإدمان على الإنترنت بعلم منه، يكون هو الذي أراد الابتعاد عن المجتمع الحقيقيّ والتورّط في مستنقع المجتمع الافتراضيّ، وأغلب الأشخاص على علم بهذه العُزلة. وفي الأصل فإنّ الإنترنت قد تمّ تنظيمه بحيث يضطرّ الأشخاص إلى استخدامه والدخول إليه بشكل منفرد، والجميع يدرك هذا الأمر جيّدًا. ومن هنا فإنّ هذا النوع من العُزلة يعدّ عزلة واعية واختياريّة، وليست أمرًا يضطرّ إليه الشخص دون غير علم ودراية منه.

(62)

إنّ الفوائد الستّة التي ذكرها أبو حامد الغزالي للعزلة، على النحو الآتي:

1. التفرّغ للعبادة والفكر والاستئناس بمناجاة الله: يذهب الغزاليّ إلى الاعتقاد بأنّ ذكر الحقّ تعالى لا يكون إلّا بالخلوة والابتعاد عن المجتمع.

2. التخلّص بالعزلة عن المعاصي: وهي تلك المعاصي التي يتعرّض الإنسان لها غالبًا بمخالطة المجتمع، ويسلم منها في الخلوة، مثل: الغيبة والنميمة والرياء والسكوت عن الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

3. الخلاص من الفتن والخصومات: وصيانة الدين والنفس عن الخوض فيها والتعرّض لأخطارها، وقلّما تخلو البلاد عن تعصّبات وفتن وخصومات. وكلّ من يبتعد عن المجتمع يسلم من هذه الآفات.

4. الخلاص من شرور الناس: فإنّهم يؤذونك بالغيبة مّرة وبسوء الظنّ والتّهمة أخرى، وذلك عن طريق الاقتراحات والأطماع الكاذبة التي يعسر الوفاء بها، أو بالنميمة أو الكذب... فإذا اعتزلتهم استغنيت من التحفّظ عن جميع ذلك.

5. أن ينقطع طمع الناس عنك وينقطع طمعك عن الناس.

6. الخلاص من مخالطة والحمقى ومقاساة حمقهم وأخلاقهم.[1]

هذا وقد ذكر الغزاليّ الآفات الآتية التي تترتّب على العزلة، وهي:

1. التخلّف عن ركب العلم والتعليم: الذي لا يمكن إدراكه إلّا بواسطة الاختلاط بالمجتمع.

2. النفع والانتفاع: أمّا الانتفاع بالناس فبالكسب والمعاملة، وذلك لا يتأتّى إلّا بالمخالطة والمحتاج إليه مضطرّ إلى ترك العزلة، وشرط الحصول على هذا المكسب هو الدخول في المجتمع.

3. التأديب والتأدّب: ونعني به الارتياض بمقاساة أخلاق الناس والمجاهدة في تحمّل أذاهم كسرًا للنفس وقهرًا للشهوات.

4. إنّ العزلة تؤدّي إلى غلبة الوسواس، وهو بدوره يؤدّي إلى نفرة القلب.

5. إنّ العزلة والانعزال يحرم الإنسان من الحصول على الثواب الذي يتحقّق من خلال معاشرة

(63)

الناس والمجتمع؛ من قبيل: الحضور في صلاة الجماعة، وتشييع الجنائز، والاستجابة للدعوات في مجالس الأفراح والأتراح، وكذلك الحضور من أجل القضاء والفصل بين الخصومات.

6. التكبّر الذي ينجم عن العزلة: فإنّ المخالطة تؤدّي إلى التواضع، فإنّه من أفضل المقامات، ولا يقدر عليه في الوحدة وقد يكون الكبر سببًا في اختيار العزلة.[1]

ثمّ قال الغزالي في نهاية المطاف، ما معناه: «على كلّ شخص أن ينظر في أمره، وأن يختار ما هو الأنسب إليه بين اعتزال الناس أو مخالطتهم».[2] وهذا يعني أنّ اعتزال الناس والابتعاد عن المجتمع أمر نسبيّ، وأنّه يختلف باختلاف الأشخاص. فربما كان من الضروريّ لبعض الأشخاص أن يعتزلوا المجتمع لبضع ساعات في اليوم، وأن ينصرفوا إلى شؤونهم وأحوالهم، أو حتّى القيام ببعض أعمالهم الخاصّة، ومن بين هذه الأعمال الشخصيّة استخدام الإنترنت. وفي الحقيقة فإنّ أكثر الآفات التي يذكرها أبو حامد الغزالي، يعاني منها الشخص المدمن على الإنترنت، بيد أنّ الفوائد التي يذكرها للعزلة لا يمكن للفرد المدمن على الإنترنت أن يحصل على شيء منها؛ وذلك لأنّ العزلة التي ورد مدحها والثناء عليها في الإسلام، تحتوي على عدد من الخصائص، لا يتوفّر شيء منها في الإدمان على الإنترنت أبدًا.

1. إنّ الاختلاف الأوّل بين العزلة الممدوحة وبين هذا النوع من العزلة يكمن في الغاية منهما. فإنّ غاية الشخص في العزلة الممدوحة هو التقرّب من الله من خلال الابتعاد عن المجتمع، في حين لا وجود لهذا الغرض عند مستخدم الإنترنت.

2. إنّ المستخدم المدمن على الإنترنت في الحقيقة لم يبتعد عن المجتمع، وإنّما استبدله بالمجتمع الافتراضيّ، وابتعد بذلك عن المجتمع الحقيقيّ المتمثّل في أسرته، وأمّا العارف الذي يختار العزلة، فيكون قد اعتزل المجتمع حقيقة.

3. إنّ الشخص الذي ينشد العزلة من أجل الاختلاء بنفسه ومناجاة ربّه، لا يسعى إلى تحقيق هذا النوع من العزلة دائمًا، وذلك لأنّ الكثير من الفرضيّات التي تقرّب الشخص من

(64)

الله سبحانه وتعالى إنّما يتم التعريف بها في إطار المجتمع؛ من قبيل: الإحسان والإنفاق وخدمة العباد وما إلى ذلك، في حين أنّ المستخدم المدمن على الإنترنت يبتعد عن المجتمع الحقيقيّ بمرور الوقت أكثر فأكثر، ويغرق في المجتمع الافتراضيّ بشكل أكبر.

كما سبق أن ذكرنا فإنّ العزلة تؤدّي إلى ظهور أعراض الحزن والاكتئاب، والاكتئاب يعني عدم تحلّي الفرد بالحبور والنشاط. وعدم شعور الشخص بالنشاط يكون سببًا في عدم تطوّره وازدهاره. لقد كان الأئمّة المعصومون عليهم‌السلام يبذلون كلّ ما بوسعهم من أجل القضاء على جذور الحزن والابتلاء وإبعادها عن الناس، والعمل على استبدال ذلك بالحيويّة والنشاط. فقد ورد في المأثور عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إنّ أحبّ الأعمال إلى الله عزّ وجل، إدخال السرور على المؤمنين».[1] وعلى هذا الأساس فإنّ العزلة والحزن والاكتئاب أمر مذموم، والحيوية والنشاط والحبور أمر محمود ويؤدّي إلى تطوّر الأشخاص وتكاملهم في الحياة.

وبالإضافة إلى هذين الأمرين ـ المذكورين للدلالة على عدم أخلاقيّة الاعتزال عن الناس ـ لو خرجت العزلة عن حدّها كانت من الإفراط الذي يخرج الشخص عن حدود الاعتدال. وقد تقدّم أنّ الغزالي يرى أنّ العزلة رهن بكلّ شخص، وقال إنّ على كلّ شخص أن ينظر ما هو المقدار الذي يناسبه في اعتزال المجتمع، فإن ابتعد هذه الشخص عن المجتمع بما يزيد عن حاجته إلى ذلك يكون قد خرج عن حدود الاعتدال، وبذلك سوف يرتكب عملًا منافيًا للأخلاق.

بحث أخلاقيّة تغيير طريقة النوم

يحتاج جسم الإنسان خلال اليوم والليلة إلى مقدار زمنيّ محدّد من النوم؛ بحيث يعدّ تجاوزه إفراطًا والتقليل منه تفريطًا. إنّ قلّة النوم التي يعاني منها الشخص بسبب إدمانه على الإنترنت تعدّ مصداقًا بارزًا للتفريط؛ إذ كما سبق أن ذكرنا فإنّ المستخدمين للإنترنت يلجأون حتّى إلى تناول الأقراص الحاوية على مادّة الكافيين من أجل الحصول على فرصة الارتباط بالإنترنت. وعلى هذا الأساس تكون قلّة النوم خروجًا عن حدود الاعتدال الأخلاقيّ، وتعدّ رذيلة أخلاقيّة.

(65)

يُضاف إلى ذلك أنّ الأرق وانعدام النوم يؤدّي إلى ظهور الكثير من الأعراض الجسديّة والتداعيات النفسيّة. يذهب المحقّقون إلى الاعتقاد بأنّ عدم النوم يتسبّب بالاكتئاب والكثير من الأمراض الجسديّة، وكذلك فإنّ السهر يترك تأثيرًا على نوع تغذية الأشخاص أيضًا. طبقًا لدراسة أجريت في الولايات المتّحدة الأمريكيّة يميل الأشخاص الذين يكثرون من السهر ليلًا إلى تناول الوجبات السريعة، من قبيل: الهمبرجر، والبطاطس المقليّة، والبيتزا. وقد أوعز الباحثون هذا الأمر إلى تراجع نشاط المخّ بفعل السهر وقلّة النوم.[1]

إنّ الإسلام يعتبر جميع أنواع الأضرار التي يُلحقها الفرد بنفسه أمرًا غير أخلاقيّ. ومن هنا يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ).[2] إنّ مفعول «لا تلقوا» في هذه الآية ـ الذي هو «أنفسكم» ـ محذوف، ومعنى الآية هو أنّه لا يحقّ لأيّ شخص أن يقوم بعمل ينتج عنه إلحاق الضرر بالنفس.[3] إنّ هذه الآية الكريمة مطلقة، بمعنى أنّ كلّ عمل يندرج ضمن الإفراط أو التفريط المضرّ بالنفس يُعدّ عملًا باطلًا وقبيحًا.[4] وعلى هذا الأساس يمكن للإدمان على الإنترنت ـ الذي يؤدّي إلى ظهور الأضرار الجسديّة ـ أن يكون واحدًا من مصاديق هذه الآية الكريمة، وبالتالي فإنّه يكون عملًا غير أخلاقيّ.

وكذلك فقد تمّ في الإسلام اعتبار كلّ إضرار بالنفس ـ في ضوء قاعدة «لا ضرر ولا ضرار في الإسلام» ـ أمرًا قبيحًا ومذمومًا. إنّ هذا الحكم ناظر إلى مسألتين، وهما أوّلًا: لم يتمّ في الإسلام تشريع أيّ حكم يؤدّي إلى الإضرار بالمكلّف. وثانيًا: إنّ جميع أنواع إلحاق الضرر بالنفس قبيحة. وعليه فإنّ قلّة النوم حيث تضرّ بجسم الإنسان وروحه تعدّ من مصاديق الإضرار بالنفس، وتعتبر سلوكًا قبيحًا وغير أخلاقيّ.

كما أنّ الإضرار بالجسم يعدّ بدوره من مصاديق الإسراف أيضًا، فقد ورد في المأثور عن

(66)

الإمام الصادق عليه‌السلام في هذا الشأن، أنّه قال: «إنّما الإسراف فيما أفسد المال وأضرّ بالبدن». لقد تمّ عدّ الإضرار بالبدن في هذه الرواية من مصاديق الإسراف الذي هو من الذنوب الكبيرة.[1] يضاف إلى ذلك أنّ الخروج عن حدّ الاعتدال ـ على ما سبق ذكره ـ يُعدّ من مصاديق الإسراف أيضًا.[2] وعلى هذا الأساس فإنّ قلّة النوم حيث تضرّ بالجسم وتعدّ خروجًا عن حدود الاعتدال والوسطيّة، فإنّها تكون من مصاديق الإسراف، وعملًا قبيحًا وغير أخلاقيّ.

بحث أخلاقيّة الأضرار والآفات الأسريّة

إنّ البيئة المُثلى التي يعيش فيها كلّ إنسان ويعمل على تلبية احتياجاته في ضمنها، هي بيئة الأسرة. والمراد من الأسرة هنا هو الأعمّ من الأب والأم والإخوة والأخوات والزوج والزوجة وسائر أفراد الأسرة الأقربين. في الأسرة تتمّ تلبية الاحتياجات الجنسيّة والعاطفيّة، ومن هنا كان الارتباط مع الأسرة والأقرباء من الطرق المهمّة في التعالي والتكامل والتقرّب إلى الله سبحانه وتعالى، ويُعدّ بعد الإيمان بالله من أكثر الأعمال الدينيّة فضيلة.[3]

إنّ الارتباط بالأسرة أمر ممدوح في حدّ ذاته، ولا يمكن لحاظ جانب الإفراط والتفريط في ذلك؛ من قبيل: الصدق الذي لا يحتوي على جنبتي الإفراط والتفريط، بل هو حسن على الإطلاق، وإن حُسن الصدق ثابت لذاته. وقد يُشكل على ذلك في بعض الموارد بما لو كانت حياة شخص في خطر، فيكون الصدق قبيحًا في هذه الحالة، بيد أنّ الجواب عن ذلك هو أنّ الصدق في هذه الموارد لا تقلّ قيمته الذاتيّة، بل حلّت محلّه مسألة أهمّ؛ إنّ الأسرة والارتباط بين أفرادها أمر ممدوح في حدّ ذاته، وإنّ الانفصال عن الأسرة يُعدّ قبيحًا وغير أخلاقيّ إلّا في موارد الضرورة.

يؤكّد الإسلام كثيرًا على تعزيز أواصر القرابة ودعم العلاقات الأسريّة. يقول الله سبحانه

(67)

وتعالى في القرآن الكريم: (وَاتَّقُوا اللهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأَرْحَامَ).[1] إنّ العبارة المقدّرة في هذه الآية هو «واتّقوا الأرحام» والمعنى: عليكم مراعاة حرمة الله الذي تسألون بعضكم بعضًا القسَم به، وأن تحفظوا حرمة أرحامكم أيضًا.[2] إنّ الارتباط بالأسرة والأقارب يخلق أرضيّة الاحترام المتبادل بين أفرادها. في ضوء هذه الآية يكون الارتباط بالأسرة والأقارب واحترامهم في غاية القيمة، ومن هنا فإنّ الله سبحانه وتعالى قد نسب التقوى إلى نفسه وإلى الأرحام أيضًا. وكذلك فقد ورد في الأثر أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال لأصحابه: «ألا أدلّكم على خير أخلاق الدنيا والآخرة، قالوا: بلى يا رسول الله. قال: من وصل من قطعه...».[3]

إنّ بعض الاحتياجات اليوميّة للناس لا يمكن تلبيتها إلّا في ظلّ الأسرة، فإنّ الإشخاص إنّما يلبّون حاجتهم الجنسيّة والعاطفيّة من خلال العلاقة الزوجيّة، ومن بين مشاكل الارتباط القليل مع الأسرة، ما يعود سببه إلى عدم تلبية حاجة الأفراد. ولو لم تتمّ تلبية الاحتياجات الكبرى للأفراد داخل الفضاء الأسريّ، فلن يكون بالإمكان تلبيتها في خارج الأسرة بالطرق الصحيحة أبدًا. فهل يمكن لمستخدمي الإنترنت أن يلبّوا احتياجاتهم العاطفيّة والجنسيّة من خلال هذه الوسيلة؟ ما هي الطرق التي يلجأ إليها الشخص ـ الذي لا تُلبّى رغباته واحتياجاته في العالم الواقعيّ ـ من خلال لجوئه إلى العالم الافتراضيّ؟ لا شكّ في أنّ الشخص الذي لا يجد في العالم الحقيقيّ ما يلبّي حاجته العاطفيّة، فإنّه سوف يبحث في العالم الافتراضيّ عن أشخاص يلبّون هذه الحاجة، وهؤلاء الأشخاص هم في الغالب من الجنس الآخر، والشخص الذي لم يتمكّن من إشباع غريزته الجنسيّة سوف يبحث في الإنترنت عن الجنس المخالف أو المقاطع الإباحيّة، وجميع هذه الأمور تعدّ قبيحة وغير أخلاقيّة. وعليه فإنّ الارتباط القليل مع الأسرة يؤدّي إلى ظهور الكثير من الأضرار الأخلاقيّة، وعلى هذا الأساس يجب على الأفراد ما استطاعوا أن يستفيدوا من فضاء الأسرة الدافئ بدلًا من الفضاء الافتراضيّ والإنترنت الذي يخلو من الروح.

(68)

يُضاف إلى ذلك أن من بين آفات وأضرار الاستخدام المفرط للإنترنت، هو الانفصال العاطفيّ بين الزوجين. إنّ هذا الانفصال يُعدّ من الناحية الأخلاقيّة الإسلاميّة نوعًا من الإضرار بالنفس والآخرين أيضًا؛ وذك لأنّ الشخص يعمل من خلال هذا السلوك إلى فصل نفسه عن دفء الأسرة، ويلجأ إلى مجتمع غير حقيقيّ، وبذلك يُهدر فرص الحياة الطبيعيّة التي قدّرها الله له، كما يقضي في الوقت نفسه على حياة زوجته وأولاده أيضًا. وهذا الأمر مذموم من الناحية الأخلاقيّة.

تحمل الأسرة بدورها على عاتقها مسؤوليّة تقديم يد العون والمساعدة من الناحية الأخلاقيّة إلى مستخدم الإنترنت من أبنائها كي لا يُدمن على استخدامه. إنّ علاقة الإدمان على الإنترنت بالأضرار النفسيّة متلازمة، فإن كانت أجواء الأسرة تفتقر إلى الحيويّة والنشاط، وكانت مشوبة بالخمول والاكتئاب، فإنّ أفرادها سوف يلجأون لا محالة إلى إشباع غرائزهم ورغباتهم في مجالات وأجواء أخرى، ويعدّ فضاء الإنترنت من أيسرها. ومن هنا فإنّ المسؤوليّة الأولى إنّما تقع على الأسرة في الحيلولة دون حدوث الإدمان على الإنترنت، ولا يكون ذلك ممكنًا إلا من خلال توفير الأجواء العاطفية والنابضة بالنشاط في الأسرة، ونشر الوعي بين الأولاد والسيطرة على مقدار استخدامهم للإنترنت. إن على الأسرة أن تنبّه أولادها إلى أضرار الاستخدام المفرط من الإنترنت، كي لا يتعرّضوا للإدمان عليه. والمسؤوليّة الثانية التي تقع على عاتق الأسر، هي العمل على معالجة المدمنين على استخدام الإنترنت من خلال التنظيم والتخطيط الصحيح؛ وذلك من خلال العمل على تقليل حجم استعمال المستخدم للإنترنت، والاستفادة من البدائل الحقيقيّة من قبيل أنواع التسليات الجماعيّة والألعاب الأسريّة.

 

 

 

 

 

(69)

النتيجة

بالإضافة إلى الفوائد والإيجابيات التي تنطوي عليها التقنيات الحديثة في فضاء المجتمع، فإنها تشتمل كذلك على الكثير من التداعيات السلبيّة أيضًا. ومن بين هذه السلبيّات الاستفادة المفرطة من الإنترنت. إنّ هذا الاستخدام المفرط للإنترنت يترك على الشخص تبعات سلبيّة من الناحية الفرديّة (الجسديّة والنفسيّة)، ومن الناحية الاجتماعيّة أيضًا. والضرر الأكبر من الإدمان على الإنترنت إنّما يتجلى في ارتباط الفرد مع المجتمع المحيط به. وكما سبق ذكره فإنّ الإفراط والتفريط ـ في ضوء الأخلاق الإسلاميّة ـ يعدّ مذمومًا في كلّ أمر، وتجب مراعاة الاعتدال في جميع الأمور. ومن هنا يكون الإدمان أمرًا مفرطًا وغير أخلاقيّ.

ويترتب على الإدمان على الإنترنت الكثير من الأضرار الجسديّة والنفسيّة والاجتماعيّة والأخلاقيّة، فالعزلة الاجتماعيّة، وقلّة النوم، وتراجع التواصل والارتباط مع الأسرة، يعدّ من الأمثلة والنماذج البارزة لهذه الأضرار التي تمّ تناولها في هذه المقالة. وعلى أساس هذه الأبحاث يعدّ كلّ نوع من الإضرار بالجسم، من قبيل: السهر وقلّة النوم الذي يحدث بفعل الإكثار من استخدام الإنترنت تفريطًا ورذيلة أخلاقيّة. وكذلك فإن الانفصال والابتعاد عن الأسرة والعزلة، يُعدّ رذيلة أخلاقيّة تؤدّي إلى خروج الشخص من دائرة الاعتدال الأخلاقيّ. وعلى هذا الأساس يجب على المستخدمين للإنترنت أن يحدّدوا مقدار حاجتهم إلى الاستفادة منه والمدّة الزمنيّة التي تكفيهم في هذا الشأن، وأن يعملوا بذلك على لحاظ الحدّ الوسط الذي يُناسبهم[1]، وعليهم أن لا يذهبوا إلى أبعد من ذلك في استخدام الإنترنت.

(70)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- نهج البلاغة.

- أرسطو، اخلاق نيکوماخوس (الأخلاق إلى نيقوماخوس)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أبو القاسم پور حسيني، طهران، جامعة طهران، 1381 ه‍ ش.

- بابكين، ريتشارد، وأوروم استرول، كليات فلسفه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة، وأدخل عليه بعض الإضافات: د. سيد جلال الدين مجتبوي، طهران، نشر حكمت، ط 10، 1374 ه‍ ش.

- تجليل تبريزي، أبو طالب، معجم المحاسن والمساوئ، قم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، ط 1.

- الجوادي الآملي، عبدالله، تفسير تسنيم، (سبعة وثلاثون مجلدًا)، قم، انتشارات إسراء، 1393 ه‍ ش.

- ـــــــــــــــ، مفاتيح الحياة، قم، انتشارات إسراء، الطبعة السابعة والثمانون بعد المئة، 1394 ه‍ ش.

- ـــــــــــــــ، مراحل اخلاق در قرآن (مراحل الأخلاق في القرآن)، قم، انتشارات إسراء، ط 7، 1387 ه‍ ش.

- خزاعي، زهراء، «اخلاق فضيلت و اخلاق ديني» (أخلاق الفضيلة والأخلاق الدينيّة)، مجلة: پژوهش نامه اخلاقي، العدد: 1، 1387 ه‍ ش.

- دهخدا، علي أكبر، فرهنگ لغات (المعجم اللغوي)، طهران، طبعة سيروس، 1338 ه‍ ش.

- راس، ديفد، أرسطو، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مهدي قوام صفري، طهران، فكر روز، ط 1، 1377 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيدمحمدحسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات اسلامي التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلمية بقم، ط 5، 1373 ه‍ ش.

(71)

- الغزالي، محمد أبوحامد، إحياء علوم الدين، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مؤيّد الدين محمّد الخوارزميّ، إعداد: حسين خديوجم، طهران، انتشارات علمي فرهنگي، 1368 ه‍ ش.

- ـــــــــــــــ، كيمياي سعادت (كيمياء السعادة)، طهران، انتشارات طلوع وانتشارات زرين، ط 1، 1361 ه‍ ش.

- غيدنز، أنطوني، جامعه‌شناسي (علم الاجتماع)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن چاوشيان، طهران، نشر ني، 1386 ه‍ ش.

- الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي (ثمانية مجلدات)، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ط 4، 1388 ه‍ ش.

- مجموعة من المترجمين، تاريخ فلسفه اخلاق غرب (تاريخ فلسفة الأخلاق في الغرب)، تحقيق: لارنس سي بيكر، انتشارات مؤسّسة الإمام الخمينيّ للأبحاث والتحقيقات، ط 1، 1378 ه‍ ش.

- معين، محمد، فرهنگ فارسي (معجم لغويّ فارسيّ)، طهران، مؤسّسة انتشارات أمير كبير، ط 7، 1364 ه‍ ش.

- النراقيّ، محمّد مهدي، جامع السعادات، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: كريم فيضي، قم، انتشارات قائم آل محمد، ط 4، 1392 ه‍ ش.

 

 

 

 

 

 

 

 

(72)

المصادر الأجنبية

- Beard, Keith. W., “Working with Adolescents Addicted to the Internet” In: Kimberly S. Young, Cristiano Nabuco de Abreu (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song, 2011.

- Bessière, Katherine, Kiesler Sara, Kraut Robert, and Boneva Bonka, “Effects of Internet Use and Social Resources on Changes in ,Depression” Information, Communication & Society, Vol. 11, 2008.

- Caplan, Scotte and Andrew C. High, “PsychosocialWell - Being and Problematic Internet Use,” in: Kimberly S. Young Cristiano Nabuco de Abreu (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song, 2011.

- Goldberg, “Internet Addiction Electronic Message Posted 21. to Research Discussion list,” [Online] ,1996. available: http://www.rider.edu/users/suler/psycyber/supportgp.htm.

- Greenfield, David, “The Addictive Properties of Internet Usage,” in: Kimberly S. Young Cristiano Nabuco de Abreu (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song, 2011.

- Grohol, John, “Internet Addiction Guide”, A Resource for Objective, Useful Information about Internet Addiction, a Theorized Disorder, 2012. http://psychcentral.com/netaddiction.

 

 

 

 

 

(73)

- Koc, Mustafa, “Internet Addiction And Psychopatology”, Tojet: The Turkish Online Journal of Educational Technology - January, vol. 10, 2011, in: http://files.eric.ed.gov/fulltext/EJ926563.pdf

- Kraut, R. Patterson, M. Lundmark, V. Kiesler, S. Mukopadhyaay, T. & Scherlis (1998), “Internet Paradox: A social technology that reduces social involvement and psychological wellbeing?”, American Psychologist, in: http://kraut.hciresearch.org/files/articles/kraut98 InternetParadox.pdf www.noormags.ir

- Lim, Jin – Sook and et al, “A Learning System for Internet Addiction Prevention’’, Proceedings of the IEEE International Conference on Advanced Learning Technologies (ICALT 04), Korea Nat. Univ. of Educ. South Korea, 2004.

- Suler, John, “computer and syberspace addiction’’,’ in: International Journal of Applied Psychoanalytic Studies, Article first published online, Vol. 1.s, 2004.

- Tsai, Hsing Fang & Cheng, Shu Hui & Yeh, Tzung Lieh & Shih, Chi- Chen & Chen, Kao Ching & Yang, Yi Ching & Yang, Yen Kuang, “The risk factors of Internet addiction – A survey of university freshmen’’,’ in: Psychiatry Research, Vol. p. 167, 2009.

- Wang, W., “Internet Dependency and Maturity Among Psychosocial College Students’’, in: International Journal of Human Computer Studies, Vol, 55, 2001.

- Young, K. S. & Case, C. J. “Internet Abuse In the Workplace: New Trends

(74)

In Risk Management”, in: Cyberpsychology & Behavior, Vol. 7, No. 1. (2004).

- Young, Kimberly (n.d), “Assessment of Internet Addiction”, The Center for Internet Addiction Recovery, in: http://netaddiction.com

- Young, Kimberly S. , “Clinical Assessment of Internet-Addicted Clients”, in: Kimberly S. Young Cristiano Nabuco de Abreu (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song. (2011).

- Young, Kimberly S. Abeu Cristiano Nabuco de (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song, 2001.

- Young, Kimberly S. Xiao Dong Yue, and Li Ying, “Prevalence Estimates and Etiologic Models of Internet Addiction”, in: Kimberly S. Young Cristiano Nabuco de Abreu (eds.), Internet Addictiona Handbook and Guide to Evaluation and Treatment, Aj Larner, Wcnn, Liverpol, Publisher: Hoboken, Nj: John Wiley & Song, 2011.

- Young, Kimberly S., “Internet Addiction: The Emergence of a New Clinical Disorder”, in: CyberPsychology and Behavior, Vol. 1 No. 3, 1996.

- Young, Kimberly S., “I nternet Addiction a New Clinical Phenomenon and Its Consequences”, St. Bonaventure University Center for Online Addiction, American Behavioral Scientist, No. 48(4), 2004.

 

(75)
(76)

 

 

ملاكات تشخيص وتبويب الآفات الاجتماعيّة[1]

إبراهيم عباس بور[2]

الخلاصة

يقوم منطق الحياة الاجتماعيّة على أساس الثقافة، فبما يتناسب مع نوع النظام الثقافيّ، يتمّ العمل على تعريف أهداف وأبنية ومضمون المجتمع، ويكون هناك مفهوم ومعنى لتقسيم المجتمع إلى مجتمع مطلوب ومجتمع غير مطلوب. وعلى أساس هذا المبنى فإنّ تحديد الآفات الاجتماعيّة وتبويبها ونوع التفسير الذي يتمّ تقديمه عنها يكون مختلفًا من ثقافة إلى ثقافة أخرى. ومن هنا فإنّ تعريف معايير وملاكات وخصائص الآفات الاجتماعيّة يُعد من الموضوعات المركزيّة في موضوع الآفات الاجتماعيّة. إنّ نموذجَي الطيّب والخبيث هما من بين النماذج الاجتماعيّة الغالبة في القرآن الكريم. ةالخبائث هي تلك الآفات التي تعرّض طُهر المجتمع الطيّب وسلامته إلى الخطر وتسوقه في مسار غرائز وضرورات المجتمع الجاهليّ. نسعى في هذه المقالة من خلال التفسير الموضوعيّ والمعرفيّ إلى التشبيك بين المفاهيم القرآنيّة في إطار المنظومة المعرفيّة، ونعمل في الوقت نفسه على استنباط ملاكات وخصائص الآفات الاجتماعيّة بما يتناسب مع التصوير الذي يقدّمه القرآن الكريم عن المجتمع السالم والمجتمع المتضرّر. وقد تمّ تبويب جميع الأبحاث

(77)

على مستويين؛ وفي مستوى ملاكات التشخيص، تمّ العمل على تحليل الأصول الثلاثة، وهي عبارة عن: الحقّ، والعدل، والاتحاد، وقد تمّ العمل في الواقع على تنقيح منطق الفهم وتحديد الآفات. وفيما يتعلّق بتبويب وتقسيم الآفات تمّ العمل على استنباط وتبويب الخصائص التسعة الناظرة في الغالب إلى الأصول المعياريّة، حيث إنّه من خلال الإحالة إلى مجموعها صار من الممكن فهم ماهيّة وتداعيات ومنطق السيطرة على الآفات أيضًا.

المقدّمة

للآفات الاجتماعيّة هويّة ثقافية. والثقافة هي المفهوم الأوسع الذي يستوعب جميع أبعاد وطبقات الحياة الفردية والاجتماعيّة للناس، فالناس يولدون في مهد ثقافيّ معيّن، ويعملون على استبطان القيَم والقواعد والمعايير الثقافيّة في مسار التنشئة الاجتماعيّة. لقد تمّ إطلاق الثقافة في أدبيّات علم الاجتماع على نمط من الحياة يتعلّمه أفراد المجتمع، ويتوارثونه جيلًا بعد جيل.[1] وأمّا التعريف الجامع، فهو الذي يُشير إلى البُعد المتعالي، وهو التعريف القائل: «إنّ الثقافة جزء من المعرفة التي تدخل في الذهنيّة المشتركة للأفراد أو المجتمع أو في عالم حياة الأشخاص».

إنّ المراد من المعرفة في هذه العبارة ليس هو مجرّد الوعي والإدراك الذهنيّ التصوّري أو التصديقيّ، بل هو معنى عامّ يشمل حتّى المشاعر والعواطف والاتجاهات والمعتقدات والعادات والآداب والتقاليد أيضًا. إنّ كلّ نوع من أنواع الوعي ـ الأعمّ من أن يكون في حدود التصوّر البسيط، أو يكون نافذًا داخل شخصيّة الأفراد ووجودهم، ويتّخذ عزمهم في خدمته أو في التعامل مع ذاته ـ حيث يكتسب صورة جماعيّة، فإنّه يقع في دائرة الثقافة. والثقافة في هذا التعريف تشمل العقائد والمعارف والقيَم والمعايير والآداب والعادات والتقاليد التي تنتقل من طريق التعليم والتعلّم وتكتسب صورة جماعيّة. لو كانت الثقافة التي يُكتب لها التحقّق ضمن جماعة ثقافيّة شاملة، فإنّ هذه الثقافة سوف تكتسب صورة عامّة، وإن كانت محدودة فإنّها سوف تُبدع ثقافة خاصّة أو ثقافة جزئّية. إنّ الصورة الجماعّية قيد يعمل على إخراج

(78)

المعارف الفرديّة والخاصّة أو الحقائق والأمور ـ الواقعة خارج دائرة معرفة الأشخاص ـ من تعريف الثقافة.[1]

إنّ المجتمع يُبنى وينتظم بشكل متناسب مع النظام الثقافيّ. وإن آثار الآفات الاجتماعيّة إنّما تكتسب معناها من خلال الإحالة إلى النظام الثقافيّ، ويمكن تتبّع آثارها في مختلف أبعاد المجتمع. وتحليل أبعاد الآفات الاجتماعيّة في رؤية الإسلام، إنّما يقوم على فهم ملاكات تشخيص الآفات الاجتماعيّة في هذه الرؤية؛ وذلك لأنّ معيار سلامة المجتمع وإصابته بالآفات يختلف إلى حدّ ما في المدارس الفكري المتنوّعة بسبب الاختلاف في النموذج السليم والمطلوب في المجتمع، وتقوم الأحكام بالنسبة إلى الظواهر الاجتماعيّة قائمة على أساس هذا الاختلاف؛ من ذلك على سبيل المثال أنّه هل تعدّ بعض المسائل من قبيل: تراكم الثروات لدى مجموعة خاصّة من الناس، والربا، والسفور، والزواج الأبيض، والطلاق، والتباعد بين الأجيال، وقطع صلة الرحم، من الظواهر الحسنة أم السيئة؟ وهل تعدّ هذه الأمور معياريّة أو غير معياريّة؟ للإجابة عن هذا النوع من الأسئلة لا نتوقّع الحصول من ناحية علم الاجتماع على إجابات واحدة.

إنّ النظريّات العامّة في علم الاجتماع، تشتمل على خلفيّات وأرضيّات ميتافيزيقيّة وفلسفيّة عميقة، ويتمّ في ضوئها تعريف حقائق وضرورات ومحظورات الحياة الاجتماعيّة. في الرؤية الماركسيّة ـ التي تقول إنّ الملكيّة الخاصّة ومؤسّسة الأسرة منشأ للكثير من الآفات الاجتماعيّة ـ يعدّ الشرخ الطبقيّ من أخطر الآفات، ويتمّ السعي للقضاء على الأسرة من خلال الإحالة إلى هذا المبنى الفكريّ على تقويم الظواهر والسلوكيّات الاجتماعيّة الأخرى أيضًا.

وفي الرؤية الليبراليّة حيث تعدّ اللذّة هي الأصل، يتمّ التعريف بالتمايز الاقتصاديّ بوصفه أمرًا طبيعيًّا، وتكتسب العلاقات الأسريّة مفهومها بما يتناسب مع سعادة أفراد الأسرة، وعلى أساس هذا المبنى يتمّ الحكم بشأن سلامة المجتمع أو تعرّضه للآفات. في رؤية الإسلام ـ التي تؤكّد على محوريّة الله والتعالي الروحيّ للأشخاص ـ تكتسب الأسرة والعدالة والتعاون الاجتماعيّة أهمّيّة محوريّة، وعلى أساس هذا المبنى يتمّ تقديم تبويب جديد عن الآفات. وبشكل

(79)

عام فإنّ نوع النظام الثقافيّ السائد في المجتمعات يتدخّل بشكل مباشر في التعريف والعناصر والتبويب وتقديم الحلول للسيطرة على الآفات الاجتماعيّة والعمل على إصلاحها وترميمها، وتجاهل ذلك قد يؤدّي إلى زيادة وتفاقم هذه الآفات. يتمّ السعي في هذه المقالة إلى تحليل ودراسة الأصول المعياريّة لتشخيص وخصائص تبويب الآفات الاجتماعيّة.

معايير تشخيص الآفات الاجتماعيّة

إنّ ملاكات تشخيص الآفات الاجتماعيّة إنّما تكتسب مفهوميّتها من خلال الإحالة إلى النظام المفهوميّ العام، ونعني بذلك الرؤية الكونيّة والفلسفيّة. إنّ عالم الخلق يحتوي ـ في ضوء الرؤية الإسلاميّة ـ على كلّيّة متّصلة ببعضها، وإنّ حياة الإنسان في العالم بوصفها جزءًا من هذا النظام، تابعة للمنطق العام الحاكم عليها. إنّ الصورة التي يقدّمها القرآن الكريم عن منظومة الخلق، تجعل هذه الحقيقة قابلة للاستنباط بوضوح، وهي أنّ النظام الأحسن في عالم التكوين والتشريع يقوم على أساس أصول ثلاثة، وهي: الحقّ، والعدل، والاتحاد. وإنّ الخلل في كلّ واحد من هذه الأصول الثلاثة، يُعدّ آفة بالنسبة إلى النظام المطلوب.

إنّ الحقّ هو الأساس والغاية من الوجود، والعدالة تكتسب مفهومها على أساس الحقّ، وهي تشير إلى موقع الأجزاء في الترتيبات البنيويّة للنظام، وأصل الاتحاد إنّما يحصل من خلال قيام العدل في الارتباط بين أعضاء النظام وأواصره. وعلى أساس هذه الأصول الثلاثة يتمّ التعريف بجميع الانحرافات الاجتماعيّة ببساطة. ويمكن اقتفاء آثار الآفات في مختلف سطوح المجتمع وأبعاده، ويمكن تبويب هذه الآفات الاجتماعيّة من خلال الإحالة إلى هذه الأصول أيضًا. ويتمّ السعي في هذه المقالة إلى تحليل ودراسة أبعاد الآفات الاجتماعيّة من خلال التركيز على مفاهيم ملاكات التشخيص.

أصل معياريّة الحقّ

يعتبر الحقّ من المفاهيم المحوريّة في النظام المفهوميّ للقرآن الكريم، كما يُعدّ بالتزامن مع بيان المسار والغاية من أهمّ المعايير في تشخيص صحّة وعدم صحّة الأمور الفرديّة والاجتماعيّة

(80)

وأعمال المؤسّسات الاجتماعيّة أيضًا. ومفهوم الحقّ في المصادر اللغويّة يأتي في معناه مقابل الباطل وبمعنى الأمر الثابت.[1] قال الراغب الإصفهانيّ إنّ المعنى الأصليّ لكلمة الحقّ هو المطابقة والموافقة والانسجام والصحّة، وله أربعة استعمالات، على النحو الآتي:

1. إطلاق الحقّ على الفاعل الحكيم الذي يعمل على إيجاد شيء تقتضيه الحكمة؛ ولهذا قيل في الله تعالى هو الحقّ، قال الله تعالى: (فَذَلِكُمُ اللهُ رَبُّكُمُ الْحَقُّ).[2]

2. استعمال الحقّ في مورد ذات الموجود الذي تمّ إيجاده بحسب مقتضى الحكمة، ولهذا يُقال في جميع أفعال الله إنّها حقّ، قال تعالى: (مَا خَلَقَ اللهُ ذَلِكَ إِلَّا بِالْحَقِّ).[3]

3. استعمال الحقّ بمعنى الاعتقاد بالشيء المطابق للواقع، قال الله تعالى: (فَهَدَى اللهُ الَّذِينَ آمَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقِّ).[4]

4. استعمال الحقّ بمعنى الفعل والقول الواقع بحسب ما يجب، قال الله سبحانه وتعالى: (كَذَلِكَ حَقَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ)[5]. [6] إنّ هذا المعنى من الحقّ يعادل التوازن والتعادل تقريبًا.

لقد ذهب العلّامة المصطفوي إلى الاعتقاد بأنّ للحقّ معنى أصليًّا وقدرًا جامعًا نجده حاضرًا في جميع مصاديقه بنحو من الأنحاء. فهو يرى أنّ الحقّ يطلق على أمر يحتوي على واقعيّة وثبوت. وإنّ معناه الأصليّ هو نوع من الثبوت والاعتقاد المتطابق مع الواقع. إنّ الحق يُستعمل في قبال الباطل الفاقد للثبوت، وفي قبال الضلال الذي يعني الانحراف عن الحقيقة.[7] إنّ الحقّ في الكثير من الآيات يتجانس مع «الله»،[8] وكما يقترن تصوّر الأصنام بالباطل، فإنّ تصوّر الله

(81)

يقترن على الدوام مع تصوّر الحقّ،[1] قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ وَأَنَّ مَا يَدْعُونَ مِنْ دُونِهِ الْبَاطِلُ).[2] إنّ المراد من الباطل في هذه الآيام هي الأوثان؛ لأنّها ليست سوى أمر مختلق، وبدعة ناشئة عن أهواء الإنسان وليست سوى أسماء من دون مسمّيات، وفي مقابلها الحقّ الذي هو أمر واقعيّ جدًّا وقوّة حيّة تسري في جميع مسارات الحياة والموت في عالم الوجود.[3] والله ليس هو الحقّ فحسب، قال تعالى: (ذَلِكَ بِأَنَّ اللهَ هُوَ الْحَقُّ)[4] بل هو مصدر حصريّ للحقّ أيضًا، قال تعالى: (الْحَقُّ مِنْ رَبِّكَ).[5] ومن هنا فإنّ الحقّ يكون من المصاديق البارزة للحقّ، قال تعالى: (جَاءَهُمْ بِالْحَقِّ)،[6] وتبعًا لذلك يكون الإسلام هو الدين الحقّ.

في ضوء معرفة مفهوم الحقّ، نجد أنّ لهذا المفهوم ثلاثة أبعاد، وهي: البُعد الوجوديّ، والبُعد المعرفّي، والبُعد الوظيفيّ. وفي الاستعمال الوجوديّ يُطلق الحقّ على الأمور التي يكون لها وجود وثبوت، ويأتي استعمال الحقّ في الله من باب إطلاق المفهوم على مصداقه الأتمّ والأكمل، والمفهوم الذي يقع مقابل مفهوم الحقّ هو كلمة الباطل التي تعبّر عن الأمور الوهميّة والعبثيّة والمجرّدة من الحقيقة.

وأمّا من الناحية المعرفيّة فإنّ الحقّ يُشير إلى الاعتقاد والتصديق الذي يتطابق مع الحقيقة والواقع. إنّ هذا المفهوم من الحقّ يعادل نظريّة الصدق في المنطق والأبستمولوجيا. والمفهوم الذي يقع مقابل من هذا المعنى من مفهوم الحقّ هو كلمة الكذب، والكذب يرد في أدبيّات القرآن الكريم بوصفه من أمقت الذنوب والمعاصي، وهو من أبرز خصائص الكافرين وصفاتهم.[7]

إنّ الحقّ من حيث البُعد المعياريّ أمر اعتباريّ، وهو يُشير إلى المزايا والامتيازات التي

(82)

يحصل عليها كلّ فرد بإزاء التكاليف الاجتماعيّة التي يقوم بها. ومن هذه الناحية يكون مفهوم الحقّ قد اكتسب صلة قريبة من موضوع العدالة الاجتماعيّة؛ بمعنى إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه، ويُشير إلى التوزيع الصحيح للحقوق والفرَص والتكاليف الاجتماعيّة والضرورات والمحظورات الأخلاقيّة.

لقد شبّه الله الحقّ ـ في الآية السابعة عشرة من سورة الرعد ـ بالماء الزلال والمعدن الثمين، كما شبّه الباطل بالفقّاعات والزَبَد؛ حيث يبقى الحقّ ويفنى الباطل، وسوف يحصل كلّ شخص من الحقّ على ما يتناسب وظرفيّته وسعته الوجوديّة.[1]

يمكن لنا أن نستنبط من هذه الآية بعض المعارف التي يمكن التعبير عنها بوصفها خصائص للتمييز بين الحقّ والباطل. إنّ الحقّ ضارب بجذوره في عمق المبدأ وحقيقة الوجود، والباطل مجتثّ وتابع للأهواء الإنسانيّة؛ ولهذا السبب كان الحقّ ثابتًا، والباطل يكتسب في الأزمنة والأمكنة المختلفة صوَرًا وسيَرًا مختلفة.[2] إنّ الحقّ أمر أصيل، والباطل يبدو ـ من خلال إخفاء الحقّ ـ على شكل ظاهر خادع، وانعدام البصيرة يؤدّي إلى تصوّر الباطل بوصفه أمرًا حقيقيًّا.[3] إنّ الحقّ مستقلّ ومستند إلى نفسه وذاته، وأمّا الباطل فيظهر تبعًا للحقّ، ويسعى إلى انتحال شخصيّته والاستفادة من حيثيّته.[4] وكما أنّ الزبَد لا يمكنه أن يحتفظ بوجوده من دون الماء، فإنّ الباطل كذلك لن يبقى له من بريق دون وجود الحقّ.[5]

إنّ للحقّ استمرارًا ودوامًا، والباطل زائل. وأمّا كلمة «الجفاء» ـ التي تعني القذف والقفز إلى الخارج ـ فتعني أنّ الباطل يبلغ مرحلة لا يستطيع معها الحفاظ على نفسه، ويتمّ القذف به إلى خارج المجتمع.[6] والحقّ نافع على الدوام، وأمّا الباطل فهو مثل الزبَد عديم الفائدة، والأمور

(83)

غير النافعة بطبيعتها تزول، والحقّ ـ حيث يكون نافعًا ـ فهو جار وباق.[1] وعلى هذه الشاكلة فإنّ الجماعات والمدارس والمشاريع إنّما يكون لها حقّ البقاء والحياة بمقدار ما تنطوي عليه من الفوائد، فإذا وجدنا مذهبًا يقوم لفترة ثمّ يضمحلّ، فإنّ السبب في ذلك إنّما يعود إلى ذلك المقدار من الحقّ المشوب بالباطل.[2] وعلى هذا الأساس فإنّ لكلّ مجتمع نصيبه من الحقّ بما يتناسب مع ظرفيّته وسعته الوجوديّة واتصاله بمصدر الحق. إن الحقائق تتناغم مع بعضها، وأما الأمور الباطلة فهي مبعثرة، إذ ليس هناك حق يزاحم حقًا آخر، بل الحقائق تتضافر ويعضد بعضها بعضًا،[3] وإن الباطل هو الذي يتنافى مع الحق ويتعارض مع الأنواع الأخرى من الباطل أيضًا.[4]

أصل معيارية العدل

إن لمفهوم العدالة لغة مصاديق متعددة، من قبيل: المساواة، والإنصاف، والموازنة، والمثل، والفدية، والقسط، والاستقامة، والاقتصاد، وضدّ الجور.[5] إنّ التأمّل والتدقيق في هذه الموارد يُثبت أنّ العدل مشترك معنويّ، وأنّه في جميع استعمالاته يحمل معنى واحدًا وقدرًا مشتركًا بين مصاديقه المتنوّعة. إنّ العدل في فعل الله لا يختلف عن العدل الإنسانيّ، كما أنّ معنى العدل الاجتماعيّ يتساوى مع العدل السياسيّ.[6] وثمّة من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ كلمة العدل تحتوي في جميع الاستعمالات على أصل واحد وقدر مشترك، وهو عبارة عن الحدّ الوسط، أو الوضع القائم بين الإفراط والتفريط، والمجرّد من جميع أنواع الزيادة والنقصان.[7] إنّ هذه الحالة تعبّر عن وقوع كلّ شيء في مكانه الخاصّ به، ويوجد بنية موزونة ومتعادلة. وهناك من يرى أنّ العدل يعني التقسيط والتقسيم بشكل متساو، وقد استند لإثبات ذلك برواية مأثورة عن النبيّ

(84)

الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال فيها: «بالعدل قامت السماوات والأرض»؛ بمعنى أنّ انتظام العالم إنّما هو قائم على أساس التقسيط المتساوي بين أركانه الأربعة، وكلما زاد ركن واحد منها على الأركان الأخرى أو نقص عنه، فسوف يختلّ نظام العالم بناء على مقتضى الحكمة.[1] يمكن لنا أن نفهم من خلال الاستناد إلى هذه الرواية أنّ مراده من العدل هو التوازن والتعادل؛ إذ المساواة على ما هو شائع في الاستعمالات المتعارفة ليس لها معنى محصّل بالنسبة إلى عالم الوجود.

كما ورد استعمال العدل في النظام المفهومي للقرآن الكريم على معان مختلفة، ويمكن الإشارة من بين أبرزها إلى الصراط المستقيم، والإنصاف، والتساوي، وإعطاء كلّ ذي حق حقه، والعِدل والتوازن.

1. الصراط المستقيم: يذهب العلّامة الطباطبائي إلى الاعتقاد بأنّ المراد من العدل في قوله تعالى {هَلْ يَسْتَوِي هُوَ وَمَنْ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَهُوَ عَلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ}،[2] هو مطلق اجتناب الإفراط والتفريط والالتزام بالحدّ الوسط؛ بمعنى عدم الانحراف، وهو الذي يتمّ التعبير عنه بـ «الصراط المستقيم».[3]

2. العدالة بمنزلة الإنصاف: إنّ المراد من الإنصاف هو السيطرة على الميول العاطفيّة، ورعاية الحياد، وضدّه الحميّة؛ فقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، أنّه قال: «الإنصاف، وضدّه الحميّة».[4] قال تعالى: {وَإِذَا قُلْتُمْ فَاعْدِلُوا وَلَوْ كَانَ ذَا قُرْبَى}.[5] إنّ ذكر القربى في هذه الآية الكريمة يأتي للإشارة إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ عاطفة القرابة من أكثر الدواعي التي تدفع المرء إلى الدفاع والانتصار الاعتباطيّ والانحياز غير المستند إلى الدليل.[6]

3. التساوي: إنّ قول الله تعالى: {وَلَنْ تَسْتَطِيعُوا أَنْ تَعْدِلُوا بَيْنَ النِّسَاءِ}[7] ينطوي على إشارة إلى

(85)

هذا المعنى من العدل، ويدلّ على وجوب مراعاة الرجال للعدل بين النساء في العمل والسلوك.[1]

4. إعطاء كلّ ذي حقّ حقّه: إنّ قوله تعالى: (وَإِذَا حَكَمْتُمْ بَيْنَ النَّاسِ أَنْ تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ)،[2] يمكن حمله على هذا المعنى والقدر الجامع من مصاديق العدل، ولكن بعد المزيد من التدقيق والتأمّل يمكن العمل على إحالة مجموع هذه المعاني إلى معنى أعمّ، وهو التوازن.

إنّ التوازن والاعتدال مفهوم يُستعمل في قبال مفهوم التأزّم والفوضى. لقد ذهب بعض المفسّرين إلى الاعتقاد بأنّ جميع المعاني المذكورة للعدل تعود في نهاية المطاف إلى معنى واحد، وهو عبارة عن: وضع كلّ شيء في موضعه المناسب.[3] ومن خلال وضع كلّ شيء في موضعه المناسب نحصل على هيئة يمكن تسميتها بالتوازن. والتوازن إنّما يتّضح معناه بالنظر إلى الغاية والهدف. إنّ المجموعة التي تتألف من أجزاء وعناصر مختلفة إنّما يمكن لها أن تؤدّي دورًا مؤثّرًا في تحقق الهدف والغاية، إذا كانت متعادلة، وتمّ العمل التأسيس لتلك المجموعة المركّبة بوصفها ظاهرة متعادلة.[4] والتوازن مفهوم يعمل على توصيف الوضع المعياريّ والمتعادل لظاهرة ما، والعدل بهذا المعنى كثير الاستعمال في القرآن الكريم، قال الله تعالى في وصف خلق الإنسان: (الَّذِي خَلَقَكَ فَسَوَّاكَ فَعَدَلَكَ  *  فِي أَيِّ صُورَةٍ مَا شَاءَ رَكَّبَكَ).[5] إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق الإنسان بجميع أجزائه الوجوديّة، ثمّ عمل على تسويته، ووضع كلّ عضو في مكانه المناسب، ثمّ قام بتعديله، فجعل بعض أعضائه وقواه معادلة لبعض أعضائه وقواه الأخرى وأقام بينها التوازن والاعتدال.[6] وعلى هذا الأساس، يمكن القول: إنّ التوازن عنصر مركزيّ لبناء مفهوم العدالة، وإنّ سائر المعاني الأخرى تعود بنحو من الأنحاء وترتبط بشكل وآخر بمفهوم التوازن والاعتدال.

إنّ العدل بمعنى التناسب والتوازن، من شؤون اتصاف الله بالعلم والحكمة؛ حيث يعلم

(86)

بمقتضى علمه الشامل وحكمته العامّة ما هو المقدار الذي يحتاج إليه البناء من كلّ شيء، ويضع له ذلك المقدار.[1] إنّ التوازن أساس نظام الوجود، وقد ورد في المأثور عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه وصف استقرار نظام الوجود بقوله: «العدل أساس، به قوام العالم»[2]، فالعدل والتوازن في ضوء آيات القرآن الكريم، هو القانون الأساسيّ في العالم، قال تعالى: (وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ).[3] إنّ المراد من الميزان في هذه الآية هو القوانين والموازين التي وضعها الله سبحانه وتعالى في جميع أنحاء العالم.[4] وقد عمد القرآن الكريم في الآية اللاحقة إلى تعميم هذا القانون التكوينيّ العامّ على الحياة الإنسانيّة، وقال: (أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ)؛[5] بمعنى أنّ عليكم أن تحافظوا على التوازن والعدل الشامل في كلّ الوجود في العالم الإنسانّي أيضًا وأن لا تطغوا فيه؛ لأنّكم جزء من هذا العالم العظيم، وعليكم أن لا تعيشوا في هذا العالم الكبير كما لو كنتم شيئًا غريبًا أو منفصلًا عنه، فإنّ للعالم نظام وميزان، وعليه يجب أن يكون لكم ذات هذا النظام والميزان أيضًا.

ولو تمّ سحب الميزان والقانون من هذا العالم الواسع، فإنّه سوف يشقّ طريقه إلى الزوال. فلو كانت حياتكم مفتقرة إلى الميزان، فسوف تفنى هي الأخرى أيضًا.[6] وعلى هذا الأساس فإنّ العدل أصل معياريّ مهمّ لتشخيص العلاقات الاجتماعيّة السليمة من غير السليمة، وتمييز السلوكيّات المعياريّة من الانحرافات الاجتماعيّة.

توجد آيات في القرآن الكريم تهتمّ بالعدل والتوازن على نحو محدّد بوصفهما معيارًا لسلامة النظام الاجتماعيّ وتؤكّد عليهما، قال تعالى: (وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ صِدْقًا وَعَدْلًا لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَهُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ).[7] إنّ المفاهيم المحوريّة في هذه الآية هما مفردتا الصدق والعدل، ويرى العلّامة

(87)

الطباطبائي أنّه بالنظر إلى سياق هذه الآية فإنّ المراد من «كلمة الله» أبعد من القرآن والحجّة؛ إذ المراد هو المعنى الجامع بمعنى نظام التشريع الإسلاميّ في كّليّته، وإنّ تماميّة الكلمة الإلهيّة من حيث الصدق أن تتحقّق كما قيل عنها، وتماميّتها من حيث العدل أن تكون موادها وأجزاؤها منسجمة ومتناغمة، دون أن تكون مشتملة على التضاد والتناقض.[1] إنّ النقطة الجديرة بالملاحظة هي أنّ التجاور بين كلمتي العدل والصدق يدلّ على هذا الأمر الواقعيّ، وهو أنّ الكشف عن الحقيقة لا يكون إلّا من طريق المعرفة العادلة والعارية من جميع أنواع الميول النفسانيّة. وعلى هذا الأساس فإنّ رعاية الصدق في أمر البحث يُعدّ من الضرورات الجادّة في الأبستمولوجيا الإسلاميّة. كما أنّ سلامة وهشاشة المجتمع بدورها قابلة للفهم في مختلف الأبعاد والمستويات، من خلال الإحالة إلى مفهوم العدل أيضًا، كما أنّ بالإمكان الفصل والتفكيك بين السلوك المعياريّ وبين الانحرافات الاجتماعيّة.

إنّ العدالة بوصفها أصلًا معياريًّا، ناظرة إلى تقويم سلامة الحياة الإنسانيّة في مختلف الأبعاد والمستويات. وفي المقابل فإنّ ثمّة تناسبًا بين مفهوم الظلم والعدم؛ الأمر الذي يعكس حالة هشاشة العالم الإنسانيّ. إنّ العدل يقوم على الحقّ، والحقّ يمثّل أساس ونسيج العدل.[2] والظلم يمثّل تجاوزًا على الحقّ ويقوم على أساس الباطل. وعلى هذا الأساس فإنّ الظلم يحكي عن وجود اختلال في أمر العدالة، حيث يمكن جعل كلّيّته شاخصًا على المستويات الثلاثة، وهي: النظام الشخصيّ، والنظام الاعتقاديّ، والنظام الاجتماعيّ. إنّ الإنسان في النظام المفهوميّ للقرآن عبارة عن مخلوق إلهيّ مميّز؛ حيث يحتوي على ظرفيّة إلهّية وهي التي تسمّى بـ «الخلافة الإلهيّة»،[3] وآليّة الوصول إلى هذا المقام هي العبوديّة. وعلى هذا الأساس فإن كلّ تجاوز على هذه السيرة والصورة يُعدّ ظلمًا للنفس، وإنّ كلّ عمل يخلّ بالتوازن في الشاكلة الشخصيّة للإنسان يُعدّ انحرافًا. ويُعدّ تجاوز الحدود الإلهيّة ظلمًا في حقّ الله في حقل النظام الاعتقاديّ، وإن الشرك يُعد أكبر ظلم يقوّض الأسس الاعتقاديّة القائمة على الحقّ. وكذلك في البُعد الاجتماعيّ يقوم توازن المجتمع

(88)

الطيّب على أساس الحقّ والعدل، وإن كلّ عمل يقوم على خلاف العدالة الاجتماعيّة، ويُعرّض مسار إعطاء «الحقّ إلى صاحبه»، يُعدّ انحرافًا اجتماعيًّا.

أصل الوحدة والاتحاد المعياريّ

إنّ الوحدة مأخوذ من مادّة (وحد) فهي مصدرها، وتأتي على استعمالين، أحدهما: على صيغة اسميّة بمعنى الواحد، وإن استعمل بصيغة الوصف كان بمعنى الوحيد والفرد والفذّ.[1] وقد ذهب الراغب الإصفهانيّ إلى الاعتقاد بأنّ الوحدة والواحد لفظ مشترك، ومعناها الأصليّ هو الانفراد والفرادة، بيد أنّها تطلق من وجوه مختلفة على موضوعات وظواهر متنوّعة.[2] إنّ المفهوم القريب من الوحدة هو الاتّحاد بين شيئين أو أكثر.[3] وقد ذكروا للفلسفة أقسامًا مختلفة لـ «الوحدة»، ومن بين أهمّها الوحدة المفهوميّة والوجوديّة. وعدم الفصل بين هذين النوعين من الوحدة، يؤدّي إلى أخطاء وتحريفات ومغالطات كثيرة، فالوحدة المفهوميّة التي تتّصف بها المفاهيم والماهيّات، تنقسم إلى الوحدة النوعيّة والوحدة الجنسيّة؛ والوحدة النوعيّة هي الوحدة التي تنسب إلى الماهيّة التامّة (النوع) من قبيل: الإنسان والفرس والشجرة، والوحدة الجنسيّة هي الوحدة التي تنسب إلى جهة ماهويّة وذاتيّة مشتركة بين عدّة ماهيات مركّبة (الجنس). إنّ هذين النوعين من الوحدة يختصّان بالماهيّات. وأما الوحدة الوجودية (أو العددية والشخصية) فهي التي تحمل في الموجود ذي الماهية على كلّ فرد من الماهيّة، فهذه الوحدة هي من حيث الذات وصف للوجود الفرد، وإن كانت تنسب بالعرَض إلى ماهيّتها.[4] كما يُستعمل الاتحاد في المحاورات العرفيّة بمعنى أوسع وحتّى مرادفًا لـ «التعاون والتعاضد» أيضًا. والمراد من الاتّحاد في المصطلح الفلسفيّ هو أن يكون هناك وجه اشتراك ونحو من الوحدة بين شيئين في عين تمايزهما.[5]

إنّ للوحدة والاتحاد ارتباطًا مفهوميًّا قريبًا من مفهوم التركيب. والتركيب ينقسم إلى قسمين

 

(89)

كلّيّين، وهما: التركيب الاعتباريّ، والتركيب الحقيقيّ، والأجزاء في التركيب الاعتباريّ تحتفظ بهويّة واستقلال أثرها، ولا تحدث فيها هويّة جديدة، من قبيل: تركيب الغابة من مجموعة من الأشجار. وأمّا في التركيب الحقيقيّ، فتظهر هويّة جديدة للمركّب. وفيما يتعلّق بتركيب المجتمع هناك اختلاف في الآراء؛ فقد ذهب بعض المفكّرين إلى الاعتقاد بأنّ المجتمع تركيب اعتباريّ؛ إذا لا يُخلق من تركيب الأفراد موجود حقيقيّ جديد.[1] إنّ المجتمع ليس شيئًا آخر غير المجموع القسريّ لآثار آحاد الأجزاء،[2] ومجرّد التعاون بين أفراد المجتمع والتأثير والتأثّر المتبادل الموجود بينهم لن ينهض دليلًا على تركيبهم ووحدتهم الحقيقيّة.[3]

وقد ذهب الأستاذ الشيخ مرتضى المطهري ـ من خلال تقسيم التركيب الحقيقيّ إلى التركيب الطبيعيّ والصناعيّ والثقافيّ ـ إلى القول: إنّ تركيب المجتمع لن يكون من قبيل التركيب الطبيعيّ، كما هو الحال في تركيب الماء من عنصري الأوكسجين والهيدروجين حيث تفقد أجزاؤه ماهيّتها وأثرها، ويحدث منها شيء جديد. أمّا النوع الآخر من التركيب الحقيقيّ، فهو التركيب الصناعيّ؛ حيث الأجزاء من خلال الحفاظ على هويّتها تفقد مجرّد استقلال أثرها، من قبيل: تركيب السيارة. والمجتمع بدوره يحظى بهذا النوع من التركيب. ومن ناحية أخرى يمكن اعتبار المجتمع مشتملًا على تركيب حقيقيّ من نوع المركّبات الطبيعيّة، بيد أنّه ليس تركيبًا مادّيًّا وجسميًّا، وإنّما هو تركيب ثقافيّ، بمعنى أنّه تركيب من الأرواح والأفكار والعواطف والرغبات والإرادات، بمعنى أنّ الأفراد في المجتمع يندمجون فيما بينهم على المستوى الروحيّ ويكتسبون هويّة روحيّة جديدة يتمّ التعبير عنها بـ «الروح الجماعيّة».[4] إنّ الفرد والمجتمع في ضوء هذه الرؤية كلاهما أصيل، والقرآن الكريم يؤيّد هذا المعنى أيضًا؛ ومن هنا فإنّ الاهتمام بوحدة المجتمع يُعدّ واحدًا من الأصول المعياريّة لتشخيص الآفات الاجتماعيّة.

يمكن القول إنّ الوحدة والتلاحم يعدّان من المفاهيم الجوهريّة في النظام المفهوميّ للقرآن

(90)

الكريم. ونظام الوجود يشتمل على وحدة طبيعيّة.[1] قال الله سبحانه وتعالى في مورد الوحدة الجسمانيّة للعالم: (الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ طِبَاقًا مَا تَرَى فِي خَلْقِ الرَّحْمَنِ مِنْ تَفَاوُتٍ)،[2] وقد ذهب العلّامة الطباطبائي إلى القول إنّ المراد من عدم التفاوت في الخلق هو ارتباط واتصال أجزاء العالم ببعضها، وللوجود في كلّيّته نظام واحد.[3] ينقسم العالم ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ إلى عالم الغيب والشهادة، والعالم الغيبيّ عبارة عن الباطن والمرتبة العالية من الوجود،[4] وأمّا عالم الشهادة أو الطبيعة فهو مرتبة نازلة تمثّل الجانب الظاهريّ من العالم.[5] إن لهذين البُعدين ارتباطًا طوليًّا، وعالم المُلك يقع تحت إحاطة عالم الملكوت.[6] ويوجد بُعدان آخران في الوجود، وهما عالم الدنيا وعالم الآخرة،[7] وهما بمثابة مرحلتين لا تنفصلان عن بعضهما من حياة الإنسان وسائر الظواهر.[8] وهناك في خلق الإنسان وحدة طبيعيّة أيضًا تحكم الجسم ومنظومته النفسانيّة، ورسالة الإنسان ليست شيئًا آخر غير تفتيق قابليّاته وطاقاته على أساس ظرفيّاته الفطريّة، قال تعالى: (وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا)،[9] والمراد من كلمة «سوّاها» هو التنظيم والتوازن بين مجموعة من القوى الروحيّة لدى الإنسان حيث تعمل هذه القوى على تشكيل هويّته. والاتحاد من الإلزامات والضرورات القطعيّة في الحياة الاجتماعيّة، وقد تمّ التأكيد على هذا الأمر في القرآن الكريم.

وللعلاقات الاجتماعيّة ـ في ضوء الرؤية القرآنيّة ـ ماهيّة أخلاقيّة تقوم على أساس الأمانة،[10] والخلافة الإلهيّة وإن كانت تعمل بحسب الظاهر على بيان الصلة والعلاقة بين أمانة الإنسان مع

(91)

الله، إلّا أنّها تعكس علاقة الإنسان مع نفسه ومع الآخرين أيضًا، فالعلاقة الاجتماعيّة القائمة على أساس الأمانة، تحكي عن الرقابة والتكليف والمسؤوليّة المتبادلة لجميع الأفراد في المجتمع تجاه بعضهم، وإن كلّ أمر أو عمل يخالف أصل الرقابة ورعاية الأمانة، يُعدّ أمرًا ظالمًا.

إن كلّ من يُهدد ويسلب الأمن الروحيّ والنفسيّ للإنسان دون وجه حقّ، يكون كما لو حرم جميع الناس من الحقّ في الحياة، وإن كلّ من يقوم بواجبه الرقابيّ ورعاية الأمانة تجاه الحفاظ على الحياة الإنسانيّة يكون كمن ساهم في ضمان الحياة لجميع الناس.[1] وبعد حقّ الحياة يأتي الحفاظ على كرامة الأشخاص بوصفه من أهمّ الحقوق الإنسانيّة، ومن هنا فقد تمّ اعتبار الاستهزاء والإهانة وفحش القول وإفشاء الأسرار ظلمًا من وجهة نظر القرآن الكريم.[2] والمستوى الآخر من الرقابة، عبارة عن الأمانة في المعاملات الماليّة، حيث تمّ التأكيد على ذلك في الكثير من آيات القرآن الكريم.[3]

وعلى الرغم من أنّ الاتحاد الاجتماعيّ يشتمل على أسس بنيويّة طبيعيّة، وعلى الرغم من أنّ الناس يعملون على تشكيل الجماعات القوميّة[4] على أساس أصل العلاقات النسبيّة[5] والسببيّة[6]، إلّا أنّ محتوى هذه العلاقات يكتسب في النظام المفهوميّ للقرآن الكريم ماهيّة أخلاقيّة. إنّ العنصر الجوهريّ في هذه العلاقة هو الاعتقاد التوحيديّ، ومن خلال تمسّك الأشخاص بحبل الله يحصلون على وشائج الارتباط الاعتقاديّ.[7] إنّ الاتحاد والتلاحم الأخلاقيّ يقوم على أساس العلاقات الاعتقاديّة، ويعمل على تنظيم علاقة الدم في إطار مفهوم صلة الأرحام، فالتلاحم والاتحاد الأخلاقيّ الذي يتبلور ضمن مدار المفهوم المركزيّ لرعاية الأمانة، يعمل ـ فيما وراء

(92)

القيام على أساس الأصول المعياريّة للحقّ والعدالة ـ على التمهيد للوحدة الاجتماعيّة في الأبعاد القيَميّة والعاطفيّة أيضًا. إنّ التقوى مفهوم جوهريّ قيَميّ، ويُشير إلى حالة نفسانيّة لدى الفرد والمجتمع. والتقوى الفرديّة تعبّر عن الهويّة والشخصيّة التقيّة للفرد، وإن التقوى الاجتماعيّة أو القسط، تعكس حالة الروح الجماعيّة المشتركة التي تعبّر عن الاتحاد والتلاحم الطبيعيّ للمجتمع. كما أنّ مفهوم التقوى يعكس الاتحاد العضويّ للعالم الإنسانيّ وعالم الوجود، ويُشير إلى هذه الحقيقة وهي أنّ التلاحم القائم على التقوى يجعل ماهيّة المجتمع ماهيّة طيّبة، ويقيم آليّة اجتماعيّة تنزل على أساسها البركات من عالم الملكوت وتعرض على المجتمع طبيعة ثرواتها وخزائنها.[1] وعلى هذا الأساس فإنّ القيَم الأخلاقيّة ـ بالإضافة إلى الأحكام التكليفيّة ـ تعدّ بدورها من معايير تشخيص الآفات الاجتماعيّة أيضًا.

إنّ المستوى الآخر من الوحدة والاتحاد هو الارتباط والتلاحم العاطفيّ، وهذا النوع من الارتباط ينشأ من الحبّ والمودّة، والمحبّة هي الوسيلة الوحيدة التي تقيم العلاقة بين الطالب والمطلوب، فالمحبّة تنشأ من الحاجة، فالمحبّ يسعى إلى إكمال نقصه من طريق الوصول إلى المحبوب. ليس هناك بالنسبة إلى المحبّ من بشارة أكبر ولا أروع من أن يعلم أنّ محبوبه يبادله الشعور نفسه.[2] ومن خلال تلاقي الحبّ المتبادل تشتدّ عُرى العلاقات وتصبح أكثر استحكامًا، فالحبّ يُعدّ في النظام المفهوميّ للقرآن هو الحجر الأساس في الارتباط والتعلّق، والعلاقة المتبادلة بين الله والإنسان تقوم على أساس أصل المحبّة، قال تعالى: (قُلْ إِنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ اللهَ فَاتَّبِعُونِي يُحْبِبْكُمُ اللهُ).[3] والمحبّة الاجتماعيّة بدورها تعدّ شعاعًا من هذه العلاقة، فقد ورد في الأثر [عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم]: «الخلق كلّهم عيال الله، فأحبّهم إلى الله ـ عزّ وجلّ ـ أنفعهم لعياله».[4] وقال الله سبحانه وتعالى مخاطبًا رسوله الكريم: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).[5] ومن الواضح أنّ لين العريكة

(93)

يُعدّ بحكم هذه الآية الكريمة رحمة إلهيّة تستوجب التلاحم الاجتماعيّ، وأمّا الغلظة وقسوة القلب، فتكون سببًا في تفشّي ظاهرة النفاق والتفرّق في المجتمع، بيد أنّ المحبّة التي تستوجب التلاحم العاطفيّ في المجتمع، فهي التي تقوم على أساس الإيمان وتكون منشأً للعمل الصالح، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَيَجْعَلُ لَهُمُ الرَّحْمَنُ وُدًّا).[1] وذلك لأنّ الإيمان بالله يجعل العواطف الإنسانيّة خالصة ومجرّدة من الخداع، والعمل الصالح يُشير إلى حقيقة أنّ المودّة إنّما تكون مؤثّرة حيث تكون مقرونة بالعمل الذي ينطوي على الحبّ.

معيار تبويب الآفات الاجتماعيّة

لا شكّ أنّ الآفات الاجتماعيّة ـ لما تنطوي عليه من التداعات والتبعات المختلفة ـ ليست بمستوى واحد، ومن خلال الإحالة إلى دورها المخرّب يمكن تبويبها ضمن مستويات مختلفة. لقد ذكروا لتبويب الآفات معايير وملاكات مختلفة. وفي الرؤية الحديثة بالنظر إلى الأهداف والأصول المعياريّة التي يتمّ البحث عنها من أجل الوصول إلى الحياة المطلوبة، يتمّ العمل على تعيين وتعريف معايير وخصائص متناسبة مع تلك الأصول، وأهمّ معايير التبويب في منهجيّة علم الاجتماع، عبارة عن: التدرّج الاجتماعيّ، والمقتضيات العامّة والكلّيّة في المجتمع، والعلم والجهل، والاتهام وعدم الاتهام، وموقع المجرمين، ومستوى تماهي الانحراف مع العنف، ووجود حلقة الوصل في فهم الانحراف، واستيعاب مفهوم الانحراف والأداء المنحرف.

وعلى أساس هذا المبنى يتمّ بيان معايير الانحرافات الاجتماعيّة بالنظر إلى الانحرافات المقصودة وغير المقصودة، والفرديّة والجماعيّة، والمجرمين الحكوميّين وغير الحكوميّين، والجريمة المنظّمة وغير المنظّمة، والانحرافات المقرونة باستعمال العنف، وحجم استعمال العنف، والخلوّ من العنف، وبالتالي تقسيم الانحرافات الاجتماعيّة إلى الانحرافات ذات الأداء الإيجابيّ والسلبيّ.[2] إنّ معايير وخصائص التبويب في التفكير والرؤية الإسلاميّة وإن كان يتمّ تعريفها بالنظر إلى أهداف وأصول الحياة الطيّبة، بيد أنّه قد تمّ بيان تبويبات

(94)

مختلفة نسبيًّا في طريقة تنظيم المعايير، وهي تنشأ في الغالب من الاختلاف في حيثيّة رؤية وموقعيّة بيان الذنوب.

يُعدّ مفهوم الكبيرة والصغيرة في القرآن الكريم من المفاهيم الجوهريّة، حيث يتمّ تبويب الانحرافات وتقسيمها في المعارف الدينيّة غالبًا على أساس هذا المبنى. إنّ الذنوب الكبائر ـ في ضوء كلام الإمام الصادق عليه‌السلام ـ عبارة عن: الشرك، واليأس من رحمة الله، والأمن من عذاب الله، وعقوق الوالدين، وقتل النفس المحرّمة، ونسبة الفاحشة إلى نساء المؤمنين، وأكل مال اليتيم، والفرار من الزحف، وأكل الربا، والسحر، والزنا، واليمين الكاذبة، والسرقة من الغنيمة، ومنع الزكاة الواجبة، والشهادة بغير حقّ وكتمان الحقيقة، وشرب الخمر، وترك الواجبات عمدًا، ونقض العهود وقطع الرحم.[1]

وقد عمد الإمام زين العابدين عليه‌السلام في (رسالة الحقوق)، إلى تقسيم النظام الحقوقيّ في ضوء تكاليف الإنسان ضمن مستويات ثلاثة، وهي عبارة عن: علاقة الإنسان بالله، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بالآخرين. ويرى أنّ حقّ الله هو التكليف الإنسانيّ الأهمّ، ويعتبره منشأً للتكاليف في الحقلين الآخرين؛ وفي الحقل اللاحق قال بوجود الارتباط والعلاقة بين الإنسان ونفسه، وأشار في هذا الشأن إلى وظائف الإنسان تجاه جسمه وروحه، وفي المرتبة الثالثة ذكر حقوق الآخرين على الإنسان، وعمد إلى تقسيمها إلى ثلاثة أقسام رئيسة، وهي عبارة عن: حقوق الأئمّة، وحقوق الرعيّة، وحقوق الأقربين.[2] إنّ ملاك تشخيص الآفات في ضوء كلام الإمام زين العابدين عليه‌السلام يكمن في تضييع الحقوق، وإنّ معايير تبويب الانحرافات ناظر إلى حجم الدور المخرّب لها في العلاقات الاعتقاديّة والماهويّة والاجتماعيّة.

في هذا البحث وإن تمّ اعتبار كلام الإمام زين العابدين عليه‌السلام مبنى لتبويب الآفات بشكل كلّيّ، ولكن حيث إنّ الإمام لم يكن بصدد تبويب الذنوب بشكل مستقلّ، وإنّما قام بمجرّد تقديم تصوير كلّيّ عنها بشكل عّام، يجب العمل ـ لتبويب نظام المعايير وإلى حدّ ما معايير تبويب

(95)

الانحرافات الاجتماعيّة ـ على استنباط واستخراج الانحرافات من مجموع المصادر الدينيّة؛ وذلك لأنّ الذنوب والانحرافات ممتزجة ببعضها ومتشابكة فيما بينها؛ ومن ذلك ـ على سبل المثال ـ أنّ عقوق الوالدين وإن كان يندرج ضمن حقل علاقة الإنسان بالآخرين، ولكنّه يحظى بقيمة وثقل أكبر بالقياس إلى بعض الذنوب الخاصّة بعلاقة الإنسان بنفسه وعلاقة الإنسان بربّه، وهذا الأمر بدوره يحكي بشكل رئيس عن الدور المخرّب الذي يلعبه العقوق في إضعاف معايير المجتمع الطيّب والإخلال بعلاقة الإنسان بنفسه وخالقه. وعلى أساس هذا المبنى سوف نشير في هذا البحث إلى بعض المعايير التي يمكن العمل من خلال الإحالة إليها على تصوير رؤية الإسلام فيما يتعلق بتبويب الآفات والانحرافات الاجتماعيّة، وفتح الطريق أمام الأبحاث الأكثر أهمّيّة.

معيار الكبيرة والصغيرة

ينطوي مفهوم الكبيرة والصغيرة في الأدبيات الدينيّة على معيارين مهمّين في تبويب الانحرافات. وذنوب الإنسان بأجمعها (كبيرها وصغيرها)، يتمّ تسجيلها ـ طبقًا لتعاليم القرآن الكريم ـ في سجلّ أعماله، قال الله تعالى: (يَقُولُونَ يَا وَيْلَتَنَا مَالِ هَذَا الْكِتَابِ لَا يُغَادِرُ صَغِيرَةً وَلَا كَبِيرَةً إِلَّا أَحْصَاهَا).[1] وعلى الرغم من أنّ جميع الذنوب من خلال قياس الإنسان إلى الله تعدّ من المعاصي الكبيرة، ولكن في تقويم نسبيّ آخر، تكون الذنوب والانحرافات أمرًا إضافيًّا، ويتجلّى فيها مفهوم الكبيرة من خلال مقارنتها بذنوب أقلّ شأنًا منها، والملاك الأهمّ في اعتبار الذنب من الكبائر هو شدّة النهي عنه، ويفهم ذلك من التهديد والتوعّد عليه بنار جهنّم.[2] لقد ورد بيان المعيار الأهمّ في المصادر الروائيّة لتشخيص كبائر الذنوب بتوعّد الله عليها بنار الجحيم، فقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق أنّه قال: «الكبائر: التي أوجب الله ـ عزّ وجلّ ـ عليها النار».[3] كما أنّ الانحرافات الكبيرة ليست على نسق ومقدار واحد، والدليل على ذلك أنّه قد

(96)

ذكرت للذنوب الكبيرة في الروايات أعداد مختلفة تتراوح ما بين سبعة، وعشرين، وسبعين،[1] وذلك ببيان أنّ روايات الطائفة الأولى تشير إلى الذنوب الكبيرة من الدرجة الأولى، والطائفة الثانية ناظرة إلى الكبائر من الدرجة الثانية، والطائفة الثالثة بصدد بيان مطلق الكبائر.[2] ومن بين جميع الكبائر يعدّ الشرك (بمعنى الانحراف العقائديّ) من أكبرها على الإطلاق. وعلى هذا الأساس فإنّ المعيار الأوّل لترتيب الانحرافات الاجتماعيّة هو اتّصافها بالكبائر والصغائر، حيث يمكن الحصول في ضوء ذلك على تبويبات كلّيّة للانحرافات.

معيار شدّة النهي

ومن بين الملاكات الأخرى في ترتيب الانحرافات، شدّة النهي عن أمر بالمقارنة مع النهي الوارد في الموضوعات الأخرى، فإنّ شدّة النهي تشكّل دليلًا على قبح ذلك الأمر، ويُستدلّ عليه بكيفيّة التعبير والإصرار على الأمر بتركه، أو التوعّد عليه بالعذاب في نار جهنّم.[3]

ومن المؤكّد أنّ الكفر والنفاق انحراف لا يُغتفر حتّى باستغفار النبيّ أيضًا[4]، واليأس من الرحمة الإلهيّة واحد من خصائص الكفر[5]، وقد ورد التعبير عن الشرك بأنّه ظلم عظيم،[6] فهو انحراف غير قابل للصفح والغفران.[7] وقد ورد في الآية 151 من سورة الأنعام ذكر وجوب الإحسان إلى الوالدين، واجتناب قتل الأولاد بسبب الخوف من الفقر، والابتعاد عن الفحشاء، وقتل النفس المحرّمة، بعد بيان حرمة الشرك؛ وعليه يمكن من خلال رؤية هذه الأمور مقرونة بالشرك استنباط درجتها ودرجة عقوق الوالدين. إنّ عقوق الوالدين من الذنوب الكبيرة، والعاق عاص شقيّ[8]،

(97)

وقد روي في المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «خصلتان ليس فوقهما من الشرّ شيء: الشرك بالله والضرّ لعباد الله».[1] وسوء الخُلُق من الذنوب التي لا تُغتفر، فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «أبى الله تعالى لصاحب الخلق السيّئ بالتوبة». قيل: وكيف ذاك؟ قال: «لأنّه لا يخرج من ذنب حتّى يقع فيما هو أعظم منه».[2] وشرب الخمر مفتاح الشرور،[3] كما أنّ الغيبة بمنزلة أكل الشخص لحم أخيه ميتًا،[4] وكذلك فإنّ الانتحار يستوجب الخلود في نار جهنم،[5] والمؤمن لا يرتكب هذا الذنب أبدًا.[6] وعن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «لن تُقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متعتع».[7] وقد عبّر القرآن الكريم عن أكل المال الحرام بأكل المال بالباطل،[8] وأمّا أكل مال اليتيم فقد عبّر عنه بأكل النار،[9] وهو تعبير لم يرِد إلّا في مورد كتمان الحقّ وبيع الدين.[10] وإنّ الفقر يحكي عن انكسار عمود فقرات الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، وقد تمّ اعتباره في الأدبيّات الدينيّة من أسباب الكفر.[11] من خلال التعبير بهذا النوع من التعابير يمكن تشخيص مرتبة الانحراف ودرجته.

معيار تغيير الهويّة الدينيّة

وتمتلك الأمّة الإسلاميّة هويّة إلهيّة، والانحرافات الاجتماعيّة سوف تحظى بمرتبة أعلى بمقدار ما لها من الحجم التخريبيّ لهذه الهويّة، وآيات القرآن الكريم صريحة في أنّ أعداء الإسلام

(98)

يسعون إلى تخريب الهويّة الدينيّة للمجتمع الإسلاميّ من خلال الاستعانة بالهجوم الثقافيّ، ومن بين أهمّ هذه الآفات: الارتداد، والشرك، والاعتقاد بغير الولاية الإلهيّة، والتخلّف، واهتزاز الإيمان، والتهاون في الدين.

تستلزم الهويّة الدينيّة نمطًا من الحياة الإيمانية، وإنّ من بين أبرز مظاهر نمط الحياة عبارة عن: نموذج الاستهلاك، والموضة، والفردانيّة، وطلب اللذّة، والاستهلاك التفاخريّ للتشخّص الظاهريّ، ونمط الحياة في العالم المعاصر مضمار أصليّ للتعارضات الثقافيّة لغاية وغرض التغيّرات الماهويّة. ويُعد المأكل والملبس محورين مهمّين في هذا المجال.

تكمن عزّة المسلمين فيما وراء الاستقلال الاقتصاديّ في امتلاك الذوق الثقافيّ في جميع الأبعاد، ولا سيّما منها في البُعد الذوقيّ والملبس المتناسب مع الإسلام. فقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق، أنّه قال:

«أوحى الله ـ عزّ وجل ـ إلى نبيّ من أنبيائه: قل للمؤمنين لا تلبسوا لباس أعدائي، ولا تطعموا طعام أعدائي، ولا تسلكوا مسالك أعدائي؛ فتكونوا أعدائي كما هم أعدائي».[1] كما ورد في المأثورة عن النبيّ الأكرم، أنّه قال: «من تشبّه بقوم فهو منهم».[2] وقال الإمام عليّ إنّ التشبّه بأعداء الإسلام في المأكل والملبس يوجب ذلّ المسلمين،[3] ويرى أنّ عدد الأشخاص الذين يتشبّهون بقوم ولا يكونون مثلهم قليل جدًّا.[4] ومن بين العوامل التي تلعب دورًا مهمًّا في تشخيص الهويّة الجنسيّة، هي طريقة اللبس واتّخاذ الأزياء؛ واليوم نشاهد أنّ هذا الحدّ الفاصل بين الرجال والنساء قد تعرّض للضرر، وأدّى إلى ظهور النساء المتشبّهات بالرجال، والرجال المتشبّهين بالنساء، وقد لعن رسول الله هذا الصنف من الناس،[5] وقد يكون من بين أسباب هذا الأمر دور ذلك في تعارضات الهويّة الجنسيّة. يمكن للاستفادة من وسائل وأدوات الجنس

(99)

المخالف ـ من الناحية الدينيّة والثقافيّة ـ أن يترك تأثيره على الهويّة الجنسيّة والسلوكيّة النابعة منها؛ ومن هذه الزاوية يحرم على الرجل لبس الذهب، وعمل الرجل والمرأة في بيئة مغايرة لمقتضياتهما الجنسية تمامًا، وكذلك في صنف مخالف ومتناقض مع جنسيّتهما بشكل كامل، يؤدّي إلى اختلالات وتعارضات جنسيّة وسلوكيّة، إلى الحدّ الذي يؤدّي معه إلى إيجاد الإشباع حتّى على المستوى البيانيّ والبصريّ والعاطفيّ، ويعمل على مسخ الهويّة الجنسيّة، وينتهي في المراحل اللاحقة إلى الخلافات الأسريّة والاضطرابات الزوجيّة أيضًا.

معيار إضعاف القدرة الاجتماعيّة

إنّ العزّة والاقتدار ـ من وجهة نظر القرآن الكريم ـ إنّما تكون لله ورسوله والمؤمنين.[1] وقد أُمر المسلمون بمواجهة الأعداء بقوّة،[2] وأن لا يخافوا ولا يحزنوا، وأنّهم سوف يكونون هم الأعلون إن كانوا مؤمنين.[3] وتعدّ القوّة من معايير المجتمع السليم، وكلّ آفة وانحراف له من الحجم بمقدار ما يتسبّب فيه بإضعاف المجتمع الإسلاميّ، وعلى أساس هذا المعيار، يمكن الإشارة على التوالي ـ ومع شيء من التسامح في بعض الموارد بطبيعة الحال والتبويب العام للآفات ـ إلى الآفات والانحرافات الاعتقاديّة والدينيّة، وإضعاف القادة الأتقياء، والإضرار بمؤسّسات القيادة والبنية السياسيّة، والاعتماد على الظالمين، والسماح لهم بممارسة الظلم،[4] والفرقة والنزاعات الاجتماعيّة،[5] وفتح المجال للمنافقين،[6] والتبعيّة والتجسّس لصالح الأجانب، والتنصّل عن المسؤوليّة، وإساءة استغلال السلطة،[7] والجهل ومعاقرة الخمر والإدمان، والفحشاء، وشيخوخة المجتمع، والاختلافات الأسريّة، وقطع الأرحام، والفقر

(100)

والبطالة والاحتكار وارتفاع الأسعار، وما إلى ذلك من الآفات المشابهة التي تضعف قابليّات المجتمع وتدفع به نحو حافّة الانهيار أو الانحراف.

إنّ العالم الحديث بصدد استحمار المجتمع من طريق الزجّ به نحو الحرّيّات القشريّة، لينشغل الناس في التفاهات ولا يكون لهم شأن في السياسة والسلطة؛ وإنّ أدوات هذا النوع من الأداء تختلف باختلاف المجالات والأزمنة، ابتداءً من السحر والشعوذة إلى تناول المسكرات والاستماع إلى الموسيقى والغناء وإقامة العلاقات الجنسيّة المنفلتة والترويج لذلك بمختلف الأعذار والحجج، وتعمل وسائل الإعلام في العالم المعاصر على أداء هذه المهمّة بشكل متزامن.

إنّ الأمثلة المذكورة أعلاه، وإن كانت تعمل في البداية على حجز مقعدها في مسرح حياة الإنسان بوصفها من الاحتياجات الإنسانيّة المهمّة، بيد أنّ الجاهليّة الأولى والحديثة أخذت تعمل على التعريف بهذه الأمور بوصفها من الاحتياجات الأوّليّة والأساسيّة، وقالت إنّ سائر الاحتياجات الأخرى إنّما تتحقّق في ضوء تلبية هذه الاحتياجات؛ وبذلك فقد تمّ العمل على تغيير المسار العقلانيّ للمجتمع، والعمل على تنشئة التخيّل والاستحمار من طريق التأكيد على مسار اللذّات الآنيّة والعابرة والأفيونيّة، وتمّ العمل من خلال نوع من الأدلجة على تجريد القوّة العامّة للمجتمع ـ ولا سيّما فئة الشباب ـ من أسلحتها ومصادر قوّتها الدفاعيّة.

معيار استصغار الانحراف والإصرار على الذنوب

إنّ كلّ نوع من أنواع الانحراف ـ الأعم ّمن الانحرافات الصغيرة والكبيرة ـ آفة إذا لم يتمّ العمل على معالجتها بشكل مبكر، فإنّها سوف تّتسع بالتدريج وتكبر، وتكون منشأ لانحرافات خطيرة في المجتمع، وتهدّد الطبيعة الاجتماعيّة بخطر ماحق. ومن هنا فإنّ من بين معايير تبويب الآفات، استصغار الانحراف والإصرار عليه، وقد رأى الإمام علي عليه‌السلام أنّ استصغار الذنب من أسوأ الذنوب، حيث قال: «أعظم الذنوب عند الله سبحانه ذنب صغر عند صاحبه».[1] إنّ استصغار الذنب والانحراف يعدّ العامل الرئيس للإصرار على الانحراف، والإصرار على

(101)

الذنب من أقبح الذنوب.[1] و المراد من الإصرار هو أن لا يقوم الشخص بالاستغفار بعد ارتكابه للذنب.[2] كما أنّ الإصرار على الذنب الصغير يحوّله إلى ذنب كبير: «لا صغيرة مع الإصرار».[3] وقال الله تعالى في وصف أسوأ أصحاب الجحيم بقوله: {إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ  *  وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ}.[4] إنّ الإصرار على الانحرافات الكبيرة في المجتمع عنصر رئيس في هلاك الأمم السابقة، واليوم إذا لم يتمّ العمل على مواجهة تداعيات هذه الانحرافات بشكل مناسب، فإنّها سوف تدفع المجتمع إلى شفير الهاوية والانهيار أيضًا؛ وعلى هذا الأساس لا بدّ من الالتفات ـ في تبويب الانحرافات الاجتماعيّة وبمعزل عن كبر الانحرافات وصغرها ـ إلى الاستخفاف بالذنوب والانحرافات الثانويّة الصغيرة والإصرار عليها أيضًا.

معيار الإدراك والاختيار

من المعلوم أنّ العلم والإدراك من الشرائط الأصليّة للتكليف والمسؤوليّة، ويتمّ تقسيم المذنبين في التعاليم الدينيّة إلى: العالم والجاهل، والمضطرّ والمختار، والقاصر والمقصّر. والمنحرف العالم وغير المضطر يكون مسؤولًا عن جميع انحرافاته، والجاهل المقصّر يكون مسؤولًا تجاه تقصيره، وأمّا الجاهل القاصر فإنّه حتى لو كان محرومًا من امتيازات وفيوضات الرشد والتكامل المعنويّ، إلّا أنّه يكون معذورًا وفي مأمن من العقاب. ومن هذه الناحية فإنّ الذنوب التي يقترفها الأشخاص لن تكون على وتيرة واحدة، ويمكن تبويبها على أساس معيار الإدراك والاختيار. قال الله تعالى: (وَمَا أَهْلَكْنَا مِنْ قَرْيَةٍ إِلَّا لَهَا مُنْذِرُونَ).[5] وهناك تصريح في موضع آخر من القرآن الكريم يقول: (مَنْ عَمِلَ مِنْكُمْ سُوءًا بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابَ مِنْ بَعْدِهِ وَأَصْلَحَ فَأَنَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ).[6] وعن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: «رفع عن أمّتي: الخطأ والنسيان، وما أكرهوا عليه، وما لا يعلمون، وما لا

(102)

يطيقون، وما اضطرّوا إليه...».[1] وعلى هذا الأساس فإنّ الانحرافات التي يتمّ ارتكابها عن علم واختيار تكون أثقل وزنًا وأشدّ وطأة من تلك الذنوب التي تنشأ عن الجهل والغفلة والإكراه والاضطرار، والتخفيف في بعض أبعاد القسم الثاني من الانحرافات يعود إلى عدم حضور العنصر المعنويّ للذنب، ونعني بذلك الاختيار والانتخاب.

معيار وضوح الانحراف وخفائه

يتمّ النظر إلى الذنب والانحراف في نمط الحياة الإيمانيّة بوصفه أمرًا قبيحًا؛ ولذلك يقع الشخص المنحرف تحت ضغط نفسيّ شديد من قبل الرأي العامّ السائد في المجتمع، وفي الحقيقة يوجد في مورده التزام معياريّ، بحيث إنّ عدم رعاية ذلك المعيار سوف يؤدّي إلى تعرّضه لردود أفعال اجتماعيّة. إنّ السيطرة والرقابة الاجتماعيّة تُعدّ نوعًا من عوامل الردع المهمّة عن الانحراف، وفي الحقيقة فإنّه طبقًا لبعض الاتجاهات يعدّ نوعًا مكمّلًا للتنشئة الاجتماعيّة. وإنّ وضوح وخفاء الانحراف يُعدّ واحدًا من معايير تبويب الانحرافات الاجتماعيّة. وقد نهى القرآن الكريم عن ارتكاب الذنوب ما ظهر منها وما بطن،[2] ورصد للمعاصي الظاهرة والمعلنة عذابًا مضاعفًا.[3] وعن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «إنّ المعصية إذا عمل بها العبد سرًا لم تضرّ إلّا عاملها، وإذا عمل بها علانيّة ولم يغيّر عليه أضرّت بالعامّة».[4] إن من أوضح الدلالات على الارتكاب العلنيّ للذنب والانحراف ليس سوى عدم الخشية من الأفكار العامّة، فقد رُوي عن الإمام الحسن العسكريّ عليه‌السلام أنّه قال: «من لم يتّقِ وجوه الناس لم يتّقِ الله»[5]؛ ولهذا السبب فإنّ الفاسق المتجاهر بفسقه لا حرمة له من وجهة نظر الدين،[6] ومن هنا تجوز غيبته[7]، فالذنب

(103)

المكشوف يؤدّي إلى حرمان المذنب المتجاهر من الملجأ والملاذ الذي يستره، وأمّا المستتر بذنبه، فذنبه سوف يُغتفر.[1] وعلى هذا الأساس فإنّ الذنب المعلن أثقل وزنًا من الذنب المستور.

معيار إشاعة الفحشاء واتساع رقعة الانحراف

الانحراف خلل واضطراب اجتماعيّ، وشيوع الاضطراب ـ من وجهة نظر بعض المفكّرين من أمثال: إميل دوركهايم ـ يؤدّي إلى ضياع واضمحلال المجتمع، حيث تزول الحدود والفوارق بين المعياريّة واللامعياريّة، ومن زاوية المباني الدينيّة تؤدّي إشاعة الفحشاء إلى تلويث الفضاء الاجتماعيّ، ويتحوّل الانحراف ليصبح هو المعيار. طبقًا لهذا المعيار يتمّ تقسيم الانحرافات إلى انحرافات فرديّة وانحرافات جماعيّة. وتعدّ الانحرافات الفرديّة منشأً للانحرافات الجماعيّة، والجماعات المنحرفة تسوق المجتمع بأكمله نحو الانحراف. إنّ إشاعة الفحشاء يعدّ من الشدّة والقبح من وجهة نظر القرآن الكريم، بحيث لم يتمّ الاقتصار فيه على توعّد الذين يشيعون الفحشاء بالعذاب فقط، وإنما تمّ توعدّ حتّى أولئك الذين يحبّون أن تشيع الفاحشة بالعذاب الشديد في الدنيا والآخرة أيضًا.[2] كذلك فإنّه لم يقع العذاب على الأمم السابقة إلّا بعد أن عمّ الانحراف فيها وطال أغلب أفراد المجتمع.[3] إنّ شيوع الانحراف يتحوّل في بعض الموارد ليصبح هويّة قوميّة وصنفيّة، فقد ورد في المأثور عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه قال: «إنّ الله عزّ وجلّ يعذّب ستّة بستّة: العرب بالعصبيّة، والدهاقنة بالكبر، والأمراء بالجور، والفقهاء بالحسد، والتجّار بالخيانة، وأهل الرستاق بالجهل».[4] إنّ إذاعة الذنب تعدّ في الإسلام نوعًا من إشاعة الفحشاء، وتمّ النهي عنها بشدّة، وارتكاب الانحرافات معصية يعدّ الإذعان بها في المجتمع وأمام أيّ شخص آخر غير الله سبحانه وتعالى ذنبًا آخر، ويعود السبب في ذلك إلى انتهاك شخصيّة الإنسان، والله سبحانه وتعالى قد نهى عن إذلال الشخص والنفس في المجتمع. ومن ناحية أخرى فإنّ شيوع

(104)

الانحرافات من زاوية علم الانحرافات الاجتماعيّة يُدخل المجتمع مرحلة المسألة الاجتماعيّة. وفي تقسيم آخر لعلم الانحرافات الاجتماعيّة تقع انحرافات أصحاب الياقات الزرقاء، حيث إنّه على الرغم من مظهرهم الوديع والمسالم، إلّا أّن مجرّد ظهورهم العلنيّ، يشعل فضاء المجتمع ويأخذ أفراد المجتمع يستشعرون الظلم والجفاء الذي يصيبهم من جهة بعض الأشخاص الذين يتظاهرون بالصلاح والأدب والذكاء، ولكنّهم ـ بطبيعة الحال ـ حيث يشعرون بالضعة تجاههم، فإنّهم لا يمتلكون القدرة على مواجهتهم. بيد أّن وجه التمايز المهمّ بين النظام الجزائيّ العام في الغرب والإسلام ومبانيه، يكمن في أنّ شيوع الانحراف في الغرب يؤدّي إلى تحوّله إلى أمر عاديّ ومألوف، وشيئًا فشيئًا يتحوّل إلى عُرف اجتماعيّ، وغالبًا ما تعمل وسائل الإعلام على النفخ في آتونه، وتحوّل حتّى المعايير الحدنويّة[1] إلى تيّار اجتماعيّ غالب؛ وأمّا في الإسلام فيقوم الأمر على أساس المعايير الثابتة والتي لا تتغيّر؛ فليس هناك حلال يتحوّل إلى حرام أبدًا، وليس هناك حرام يتحوّل إلى حلال أبدًا، حتّى لو سارت الدنيا بأسرها على خلاف ذلك؛ وهو الذي ورد التعبير عنه في الحديث: «حلال محمّد حلال إلى يوم القيامة، وحرام محمّد حرام إلى يوم القيامة». مضافًا إلى أنّ الانحرافات التي تكتسب انتشارًا أكبر، وتحرف كينونة المجتمع الإنسانّي عن مسارها، تمّ التهديد عليها بعذاب الاجتثاث، كما وقد تمّ التحذير من خطورتها، وعلى المجتمع أن يسارع في الرجوع والعودة عن هذا المسار؛ الأمر الذي يحكي عن الوزن الثقيل للانحرافات الشاملة. في ضوء هذا المعيار يتمّ تبويب الانحرافات بما يتناسب مع حجم شيوعها وانتشارها في المجتمع.

معيار موقع ومنزلة المذنب والعاصي

إنّ تركيبة المجتمع وبنيته عبارة عن مزيج من الموقعيّات ذات المراتب المتسلسلة، فالأشخاص الذين يمتلكون المنزلة الاجتماعيّة العالية تكون لهم سلطة وتفوّق على من هم دونهم من الطبقات السفلى في المجتمع، وإن جانبًا كبيرًا من سلوكيّات الناس العاديّين يقتفي أثر الجماعات المقتدرة وذات المرجعيّة في المجتمع، والطائفتان الأكثر تأثيرًا على مختلف طبقات المجتمع هما طائفة العلماء وطائفة الأمراء. وفيما يتعلّق بدور الأمراء قيل: «الناس على دين ملوكهم»، وعن

 

[1]. Minimalism

(105)

الإمام الصادق عليه‌السلام قال: «الأمراء حكّام على الناس، والعلماء حكّام على الأمراء»[1]، وعن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «صنفان من أمّتي إذا صلحا صلحت أمّتي، وإذا فسدا فسدت أمّتي، قيل: يا رسول الله، ومن هم؟ قال: الفقهاء والأمراء».[2] إنّ لانحراف علماء الدين وزنًا أثقل، وبعدهم تأتي انحرافات الأمراء في سلسلة المراتب، وانحرافات أفراد هاتين الطائفتين بدورهم يتمّ تبويبها بما يتناسب ومنزلة الفرد العاصي في تلك الطائفة. إنّ المعيار في نفوذ هاتين الطائفتين عبارة عن السلطة والاقتدار، ويمكن تعميمه على مستوى جميع المؤسّسات والفئات الاجتماعيّة؛ بمعنى أنّ وزن انحراف العلماء والأمراء يتمّ تقويمه بما يتناسب مع منزلتهم الاجتماعيّة. وفي مستوى الطبقات الاجتماعيّة يتمّ تقويم انحرافات الأفراد من خلال إرجاعها إلى موقعيّاتهم في المؤسّسات والجهات المعنيّة، وعلى هذا الأساس يتمّ تبويب وتقسيم الانحرافات، بحيث إنّ المجتمع بدوره يبدي ـ من وجهة نظر علم الانحرافات الاجتماعيّة ـ ردود فعل متفاوتة تجاه بعض الأشخاص والجماعات، وفي الحقيقة والواقع فإنّ المنطق التوجيهيّ والتبريريّ هو الحاكم تجاه بعض الأشخاص؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ ردود فعل المجتمع تجاه: الشاب اليافع والمرأة والطفل والأمّيّ والغريب والمريض ونظائرهم، تنطوي على تساهل وتسامح أكثر من ردود فعله تجاه البالغ الراشد والرجل والمتعلّم والمؤثّر في المجتمع والشخص السليم ونظائرهم.

النتيجة

إنّ الآفات الاجتماعيّة ـ في ضوء ما جاء في التعريف المذكور في هذه المقالة ـ تختلف من مجتمع إلى مجتمع آخر، وبعض الخصائص تزيد من وزنها وأهمّيّتها، أو تخفض من أهمّيّتها بالقياس إلى بعضها الآخر، وبهذه المعايير يمكن القيام بنوع من التبويب والتقسيم في هذا الشأن. ويمكن للمعايير الثلاثة، وهي: الحقّ والعدل والتلاحم، أن تعمل ـ في تشخيص الآفات الاجتماعيّة ـ على تعيين ملاكات تبويبها. ومن هذه الزاوية تعمل المعايير التسعة المذكورة في هذه المقالة ـ وهي: (الكبائر، وشدّة النهي، وتغيير الهويّة الدينيّة، وإضعاف المجتمع، واستصغار الذنب،

(106)

والاختيار، والجهر بالذنب، وشيوع الانحرافات، ومعاصي الأمراء والعلماء) ـ على بيان وزن ومرتبة الانحرافات في المجتمع، وتستدعي اهتمام عموم المجتمع بذلك.

إنّ المعايير التي يتمّ التعريف بها لتشخيص مرتبة الآفات من وجهة نظر الإسلام والمباني الدينيّة تختلف، وفي بعض الأحيان تتعارض مع تلك المعايير المذكورة في أدبيّات علم الانحرافات الاجتماعيّة التي تمتدّ بجذورها في المباني المعرفيّة والوجوديّة وغير الوجوديّة في كلتا الثقافتين وفي الفضاء العلميّ والاجتماعيّ.

 

 

 

 

 

 

 

(107)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- ابن شعبة الحرّانيّ، حسن بن عليّ، تحف العقول عن آل الرسول عليهم‌السلام ، ط 2، قم، 1404 ه‍ ، 1363 ه‍ ش.

- ابن منظور الأفريقيّ، محمّد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، ط 3، 1414 ه‍.

- آقاجاني، نصر الله، «منطق طبقه بندي آسيب هاي اجتماعي در قرآن و روايات»، فصلية مطالعات اسلامي آسيب هاي اجتماعي، الدورة الأولى، العدد: 3، ص 121 ـ 144، دانشگاه شاهد، النسخة الإلكترونيّة، شتاء عام: 1397 ه‍ ش.

- إيزوتسو، توشيهيكو، خدا و انسان در قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد آرام، طهران، شركت سهامي انتشار، طهران، 1361 ه‍ ش.

- ـــــــــــــ، ساختمان مفاهيم اخلاقي -  ديني در قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: فريدون بدره اي، طهران، نشر قلم، 1360 ه‍ ش.

- البرقي، أحمد بن محمّد، المحاسن، قم، دار الكتب الإسلاميّة، ط 2، 1371 ه‍ ش.

- پارسانيا، حمید، روش‌شناسي انتقادي حكمت صدرائي، قم، انتشارات پاتوق كتاب، 1386 ه‍ ش.

- پاينده، أبو القاسم، نهج الفصاحة (مجموعة من الكلمات القصار المأثورة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم )، ط 4، طهران، 1382 ه‍ ش.

- التميميّ الآمدي، عبد الواحد بن محمد، تصنيف غرر الحكم ودرر الكلم، ط 1، قم، 1366 ه‍ ش.

- الجوادي آملي، عبدالله، تفسير تسنيم، قم، نشر إسراء، 1395 ه‍ ش.

- ـــــــــــــ، عبدالله، فلسفه حقوق بشر، قم، نشر إسراء، 1375 ه‍ ش.

- الحرّ العامليّ، محمّدبن الحسن، وسائل الشيعة، ط 1، قم، 1409 ه‍.

(108)

- الراغب الإصفهانيّ، حسين بن محمّد، ترجمه و تحقيق مفردات ألفاظ قرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام رضا خسروي، طهران، انتشارات مرتضوي، 1374 ه‍ ش.

- ـــــــــــــ، المفردات في غريب القرآن، دمشق، دار الشاميّة، 1412 ه‍.

- الراوندي الكاشاني، فضل الله بن علي، النوادر، ط 1، قم.

- رشاد، علي‌أكبر، فلسفه دين، طهران، انتشارات پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامی، 1383 ه‍ ش.

- الشريف الرضي، محمد بن الحسين، نهج البلاغة، شرح: صبحي الصالح، ط 1، قم، 1384 ه‍ ش.

- الشعيري، محمّدبن محمّد، جامع الأخبار (للشعيري)، ط 1، النجف الأشرف.

- الصدوق، محمّد بن علي(ابن بابويه)، علل الشرائع، ط 1، قم، 1385 ه‍ ش ، 1966 م.

- ـــــــــــــ، الخصال، ط 1، قم، 1362 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، الميزان في تفسير القرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد باقر الموسويّ الهمدانيّ، قم، انتشارات اسلامي، ط 5، 1374 ه‍ ش.

- الطريحيّ، فخرالدين بن محمّد، مجمع البحرين، طهران، انتشارات مرتضوي، ط 3، 1375 ه‍ ش.

- الفراهيديّ، الخليل بن أحمد، العين، تصحيح: مهدي المخزومي وإبراهيم السامرائي، قم، نشر هجرت، 1410 ه‍.

- قرشيّ، السيّد علي‌أكبر، قاموس القرآن، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1371 ه‍ ش.

- الكراجكيّ، محمّد بن علي، كنز الفوائد، ط 1، قم، 1410 ه‍.

- الكلينيّ، محمّدبن يعقوب، الكافي، طهران، دار نشر إسلاميّة، ط 4، 1407 ه‍.

- كوئين، بروس، درآمدي به جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محسن ثلاثي، طهران، نشر توتيا، 1381 ه‍ ش.

- ـــــــــــــ، مباني جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: غلام عباس توسلي ورضا فاضل، طهران، انتشارات سمت، ط 8، 1372 ه‍ ش.

- المجلسيّ، محمّد باقر بن محمّد تقي، بحار الأنوار، ط 2، بيروت، 1403 ه‍.

(109)

المصباح اليزدي، محمّدتقي، جامعه و تاريخ از نگاه قرآن، قم، مؤسّسه آموزشی و پژوهشی امام خمينی، 1391 ه‍ ش.

- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، مركز الكتاب للترجمة والنشر، 1402 ه‍.

- المطهّري، مرتضى، مجموعه آثار استاد شهيد مطهري، ج 2، طهران، انتشارات صدرا، 1377 ه‍ ش.

- ـــــــــــــ، مجموعه آثار استاد شهيد مطهري، ج 3، طهران، انتشارات صدرا.

- مكارم الشيرازي، ناصر، تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل)، طهران، دارالكتاب الإسلاميّ، 1366 ه‍ ش.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(110)

 

 

سُبُل مواجهة الفساد الإداريّ على أساس القيَم الإسلاميّة[1]

علي حسني[2]، عبد الحميد شمس[3]

الخلاصة

إنّ السؤال الأصليّ لهذه المقالة يدور حول «سُبُل مواجهة الفساد الإداريّ على أساس
القيَم الإسلاميّة»، وفي معرض الجواب عن ذلك تمّ وضع اتجاه القيَم الإسلاميّة من
خلال التأكيد على نظريّة القيود القائمة على إدارة موارد الفساد الإداريّ بوصفها إطارًا
نظريًّا للتحقيق.

تمّت الاستفادة في هذا التحقيق من الأسلوب الاستنباطيّ مع رعاية أصل الاحتياط في الأبحاث الدينيّة. في ضوء الدراسات التي تمّ القيام بها في هذا الشأن تعدّ الانحصاريّة، وعدم الإجابة، وفقدان سيادة الأجدر في الخيارات، وعدم الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة لدى المواطنين، وعدم الشفافيّة في النظام الإداريّ، من عناصر الفساد الإداريّ. بالنظر إلى هذه العناصر تُعدّ سُبُل المواجهة مع الفساد الإداريّ، عبارة عن: تقوية الإشراف الداخليّ (التقوى)، والرقابة الاجتماعيّة (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر)، وزيادة سلامة العاملين في النظام

(111)

الإداريّ، وبناء المؤسّسات، وانتهاج سياسة الشفافيّة، والاهتمام بمعيشة الموظفين، وإشاعة ثقافة الشعور بالمسؤوليّة، وإحياء الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة.

المقدّمة

ليس الفساد الإداريّ ظاهرة مستحدثة، وإنّما لظهورة وانتشاره جذور تاريخيّة قديمة بقدم تاريخ المجتمعات البشريّة وتاريخ المنظّمات والمؤسّسات. يُعدّ الفساد من الأسباب الرئيسة في تخلف المؤسّسات والمجتمعات وإخفاقها في تحقيق أهدافها، كما يُعد من العقبات والموانع الأساسيّة في ازدهار هذه المجتمعات وتكاملها؛ ولهذا السبب أخذ الذين يهتمّون على الدوام بسلامة النظام الاجتماعيّ للبشر وازدهاره وتكامله يفكّرون في مكافحة هذه الظاهرة الاجتماعيّة المشؤومة والحيلولة دون وقوعها. وقد كان للأنبياء والأولياء الصالحين دور بارز جدًّا في هذا الشأن، فقد جعلوا مكافة الفساد والانحراف، وإقامة القسط والعدل في المجتمع في سلّم أولويّاتهم وبرامجهم التبليغيّة، وقدّموا الكثير من التضحيات في هذا الشأن.

ويكتسب البحث عن الحلول الدينيّة والقيَميّة لمكافحة الفساد الإداريّ أهمّيّته من حيث إنّ مجتمعنا مجتمع إسلاميّ، والحلول والإجابات إنّما تكون ناجعة ومؤثّرة في مثل هذا المجتمع إذا كانت متناسبة مع الثقافة والقيَم السائدة فيه، وبعبارة أخرى: أن تكون ناشئة من القيَم الدينيّة والإسلاميّة.

نسعى في هذه الدراسة إلى استخراج طرق المواجهة مع الفساد الإداريّ على أساس القيَم الإسلاميّة. وبعبارة أخرى: أن تعمل ـ من خلال البحث والتعمّق في النظام القيَمي للإسلام ـ على بيان الطرُق العمليّة والتنفيذيّة من أجل الحيلولة والوقاية من الفساد الإداريّ ومكافحته والقضاء عليه.

ماهيّة الفساد الإداريّ

الفساد ظاهرة معقّدة وذات أوجه متعدّدة، وله أشكال وأسباب ووظائف متنوّعة في مختلف المجالات، كما أنّ ظاهرة الفساد ظاهرة عامّة تشمل مروحة من الموارد، تبدأ من أصغر الأعمال

(112)

المخالفة للقانون، وصولًا إلى السياسات الخاطئة لنظام سياسيّ واقتصاديّ على مستوى الدولة والبلاد. ونتيجة لذلك فإنّ تعريف الفساد يكون بدوره من المصطلحات الواسعة التي تشمل «إساءة استغلال السلطة العامّة» و«الفساد الأخلاقيّ»، وصولًا إلى التعاريف القانونيّة الخاصّة للفساد من قبيل: «الارتشاء الذي يرتكبه الموظّف في دائرة من الدوائر الحكوميّة» أيضًا.[1]

عليه يكون تقديم تعريف واحد كامل وجامع لمصطلح «الفساد الإداريّ» أمرًا في غاية الصعوبة والتعقيد؛ إذ الفساد الإداريّ ـ بالإضافة إلى ما تقدّم ذكره في الفقرة السابقة ـ ليس شيئًا أو سلوكًا أو مؤسّسة حتّى يمكن الإشارة إلى مصاديقه بشكل ملموس والعمل على تعريفه بسهولة، وإنّما هو مفهوم لا تتجلّى مصاديقه إلّا ضمن تمظهراته، ولا يمكن التعرّف عليه إلّا من خلال أماراته وأعراضه وتداعياته.كما أنّ للفساد الإداريّ أبعادًا مختلفة، وقد عمد المفكّرون والعاملون في الأمور السياسيّة والإداريّة إلى دراسة هذه الظاهرة بمختلف التوجّهات التي تصل في بعض الأحيان إلى حدود التنافس والتضادّ. وعلى هذا الأساس فإنّنا لا نأخذ تعريفًا للفساد الإداريّ بنظر الاعتبار إلّا ونجده إمّا في تقابل تامّ مع التعاريف الأخرى، أو يكون ناظرًا إلى مجرّد بُعد واحد أو عدد محدود من أبعاد هذه الظاهرة فقط؛ ومن هنا لا يمكن لهذا التعريف أن يستوعب جميع خصائص وأبعاد هذه الظاهرة، بحيث يميّزها من سائر الظواهر والمفاهيم القريبة منها بشكل كامل. ومن هنا سوف نتوجّه مباشرة إلى التعريف المنشود لنا مباشرة، دون الدخول في زحمة التعاريف المختلفة لهذا المصطلح، ولكن قبل ذلك ننظر في المعنى اللغويّ لمفردة الفساد وما يعادلها في اللغة الإنجليزيّة.

أصل كلمة «فساد» من مادة «فسد» بمعنى الحيلولة دون القيام بالأعمال الصحيحة والسليمة، ويعادلها في اللغة الإنجليزيّة كلمة «Corruption» من اللاتينيّة «corruptus» بمعنى الهدم والنقض. ويمكن للشيء المهدوم والمنتقض أن يكون هو القانون والقرارات أو القواعد الإداريّة، وبهذا المعنى يكون الفساد عبارة عن كلّ ظاهرة تحول دون تحقيق مجموعةٍ ما لأهدافها ومهامها.[2]

(113)

إنّ التعريف العام والكلّيّ للبنك الدوليّ ومنظّمة الشفافيّة الدوليّة[1] للفساد الإداريّ ـ والذي حظي بالقبول النسبيّ على المستوى العالميّ ـ عبارة عن: إساءة استخدام المنصب العام «السلطة العامّة» أو السلطات والموارد لتحقيق منفعة خاصّة بتأثير من المصالح الشخصيّة أو العلاقات الأسريّة.[2]

أشكال الفساد الإداريّ

للفساد الإداريّ مظاهر وأشكال كثيرة، بعضها عامّ وعالميّ، وبعضها الآخر بدوره منبثق عن الخصائص الاجتماعيّة والثقافيّة للمجتمعات، وبذلك فإنّه يختلف من مجتمع إلى آخر. والدراسة التي تمّ القيام بها في هذا الشأن قد عملت على تحديد بعض الأشكال والمظاهر الأصليّة للفساد على أساس عدد من الخصائص.[3]

الرشوة

الرشوة(Bribery) هي الأعطية (النقديّة أو غيرها) التي تعطى وتؤخذ في أمر مشوب بالفساد. وأخذ الرشوة أو دفعها يُعدّ بذاته مخالَفة، ويجب اعتبارها جوهرًا وأصلًا ومادّة للفساد. والرشوة عبارة عن مبلغ ثابت أو نسبة مئويّة خاصّة يتمّ التعاقد عليها، أو كلّ نوع من أنواع المساعدة الماليّة والنقديّة التي يتمّ تقديمها إلى شخص آخر، وغالبًا ما يكون هذا الشخص الآخر موظّفًا في دوائر الدولة ومؤسّساتها.

وتوجد الكثير من العبارات التي يرِد استعمالها كمرادف للرشوة لغرض التخفيف من وطأتها، من قبيل: القومسيون، والمكافأة، والبذل، والحلوى، والبقشيش، وما إلى ذلك من المفردات التي تدلّ بأجمعها على نوع من الفساد المرتبط بالنقود والأموال والمزايا التي يتمّ تخصيصها للعاملين في الشركات الخاصّة أو الموظّفين في مؤسّسات الدولة أو رجال السياسة، وهي عبارة عن أعطيات ودفوعات تعطى لمختلف الأغراض والغايات، من قبيل: تسريع المعاملة أو تسهيلها أو إنجازها بالشكل المطلوب في إطار الأعمال الحكوميّة والنظام البيرقراطيّ.[4]

(114)

الاختلاس

الاختلاس(Embezzlement) عبارة عن سرقة الأموال من قبل الأشخاص الذين تقع تلك الأموال تحت أيديهم؛ وذلك إنّما يحصل حين يقوم الموظّفون الخائنون بسرقة تلك الأموال من مدرائهم. وإنّما تكتسب هذه الظاهرة أهمّيّة بالغة، حيث يقوم الموظّفون والعاملون في القطاع العام بالسرقة من المؤسّسات العامّة التي تمّ استخدامهم فيها ومن الأموال التي يجب الاستفادة منها وإنفاقها في المنافع والمصالح العامّة.

لا يُعدّ الاختلاس فسادًا إداريًّا من وجهة نظر القانون بشكل صريح، وإنّما يندرج ضمن تعريف أوسع للفساد، فالفساد الإداريّ من الناحية القانونيّة عبارة عن مبادلة تتمّ بين شخصين أحدهما يعمل لدى الدولة والآخر من عامّة المواطنين؛ حيث يقوم الموظّف الحكومي بتجاوز الحدود القانونيّة المرسومة له؛ ليضمن مصلحته الشخصيّة على شكل رشوة يحصل عليها من المواطن، في حين أنّ الاختلاس يُعدّ من السرقة؛ إذ لا وجود للمواطن في الطرف الآخر. عندما يقع الاختلاس تتعرّض المصالح العامّة للخطر؛ دون أن تحدث أيّ سرقة للأموال والممتلكات الخاصّة والشخصيّة، ومن هنا لا يحصل المواطنون على الحقوق القانونيّة لإقامة الدعوى والمحاكمة.[1]

النصب والاحتيال

الاحتيال(Fraud) جريمة اقتصاديّة تنطوي على بعض أنواع النصب والغش والخداع. والاحتيال عبارة عن تلاعب أو تحريف للمعلومات والحقائق من قبل العاملين في القطاع العامّ والذين يتوسّطون بين السياسيّين والمواطنين ويسعون إلى ضمان مصالحهم الشخصيّة. وتقع هذه الظاهرة عندما يقوم الموظف في القطاع العام بتحريف المعلومات والتلاعب بها بشكل يخدم مصالحه الشخصيّة، وذلك عندما يكون مسؤولًا عن تطبيق القوانين والأمور المحالة إليه من قبل المسؤولين الأعلى منه في السلّم الوظيفيّ.

والاحتيال مفردة حقوقيّة عامّة، تشمل ظواهر أكثر من الرشوة والاختلاس؛ من ذلك مثلًا أنّ الموظفين والممثّلين للدولة عندما يتعاطون مع الشبكات التجاريّة وغير القانونيّة، يعملون

(115)

على تزوير الوثائق والمستندات، ثمّ ينتقلون إلى التهريب ويدخلون في أروقة الجرائم الاقتصاديّة المنظّمة، وهذه الأمور تعدّ بأجمعها من مصاديق النصب والاحتيال.[1]

الابتزاز أو الخوّة

الابتزاز عبارة عن أخذ النقود والأموال الأخرى باستعمال السلطة والعنف والقوّة أو التهديد بتوظيف السلطة. وحيثما يتمّ الحصول على النقود والأموال عن طريق العنف، يكون قد حدث ابتزاز في البين، وهذا يُعدّ بالنسبة إلى من يمتلك القدرة على فعل ذلك، معاملة فاسدة.

إنّ هذا النوع من الأنشطة الفاسدة يمكن أن يقع على أشكال متنوّعة، ومن بينها أن يحدث الابتزاز من الأسفل. وهذا النوع من الابتزاز يحدث حيث تكون القوى غير الحكوميّة ـ في إطار الحصول على الامتيازات التوظيفيّة، والامتناع عن دفع الضرائب، والإفلات من العقوبات القضائيّة ـ قادرة على النفوذ والتسلل بين أعضاء الدولة والمؤسّسات الحكومّية وممارسة الضغط عليهم عبر تهديدهم وترويعهم واغتيالهم. وتارة أخرى يقع الابتزاز من الأعلى؛ حيث تكون الدولة هي المافيا الأكبر، وهذه الظاهر إنّما تحدّث ـ على سبيل المثال ـ حين تقوم الدولة ومؤسّساتها الأمنية بشكل خاصّ، والجماعات شبه العسكريّة فيها، بأخذ النقود عنوة من الأفراد والجماعات ورجال الأعمال والتجّار. وعلاوة على ذلك يمكن أن يقوم الموظّفون في مختلف الدوائر الحكوميّة بأخذ الأموال والنقود من المواطنين عندما يراجعون الدولة بوصفهم من المبتاعين أو المرضى أو طلّاب المدارس، على سبيل الرشوات أو الهدايا، وهذا الأمر قد يتمّ تفسيره على نحو غير رسميّ والتعبير عنه بوصفه ضريبة.[2]

الوساطة

الوساطة بوصفها آخر أشكال الفساد، عبارة عن نوع من سوء الاستفادة من السلطة، حيث يتمّ توظيفها واستعمالها في مسار الخصخصة والتوزيع المنحاز لمصادر الدولة دون التفات إلى كيفيّة جمع هذه المصادر في المحلّ الأوّل. وتمثّل الوساطة ميلًا طبيعيًّا لدى الإنسان في الانحياز إلى الأصدقاء وأبناء القبيلة وسائر المقرّبين. إنّ هذه الظاهرة عندما تعمل على تجسيد التوزيع الفاسد

(116)

للمصادر، فإنّها تنطوي على علاقة قريبة من الفساد الإداريّ. وبعبارة أخرى: فإنّ الوساطة تمثّل الوجه الآخر من عملة الفساد الإداريّ، حيث تؤدّي إلى تراكم المصادر.

إن الموظفين في الدولة ورجال السياسة الذين يمتلكون ناصية المصادر الحكوميّة والقدرة على اتخاذ القرارات في خصوص توزيع هذه المصادر، يميلون بشدّة إلى الوساطة ليمنحوا بعض الامتيازات لمن يرغبون من الأشخاص. وتعدّ الوساطة في الكثير من البلدان الاستبداديّة وشبه الديمقراطيةّ واحدة من الآليّات السياسيّة الرئيسة، وفي الكثير من الأنظمة غير الديمقراطيّة يحظى رئيس الجمهوريّة بحقوق أساسيّة في تنصيب من يشاء في المناصب الحكوميّة العليا، وهذا الحقّ القانونيّ والعرفيّ يمهّد الأرضيّة لانتشار الوساطة على نطاق واسع.

المحسوبيّة

تعدّ المحسوبيّة شكلًا خاصًّا من الوساطة؛ حيث يقوم المدير في مؤسّسة أو دائرة أقربائه وأسرته (الزوجة والأخ والأخت والولد والعمّ ونظائرهم) على الآخرين، ويسعى الكثير من الرؤساء المستبدين إلى ترسيخ دعائم حكمهم من طريق تنصيب أفراد أسرهم في المناصب السياسيّة والاقتصاديّة والأمنيّة الحسّاسة.[1]

أنواع ومستويات الفساد

تشير دراسة ظاهرة الفساد في مختلف المجتمعات إلى أنّ الفساد يحدث في الغالب على مستويين[2]؛ وهما: المستوى العامّ والمستوى الخاصّ، والفساد في المستوى العامّ إنّما يختصّ في الغالب بالنُخَب السياسيّة والمدراء العامّين وأصحاب المناصب العليا في الدولة. والتعبير الآخر عن هذا المستوى من الفساد، هو فساد ذوي «الياقات البيضاء»، وعلى هذه الشاكلة فإنّ المستوى الخاصّ من الفساد ـ الذي يُعرف بفساد ذوي «الياقات الزرقاء» ـ عبارة عن المعاملات الفاسدة التي تحدث بين الموظّفين في المستويات الدنيا، وفيما يتعلّق بالارتباط المباشر مع المراجعين.

إنّ دور العوامل السياسيّة والعامّة في إيجاد الفساد الإداريّ مهمّ للغاية. يذهب الكثير من الناس إلى الاعتقاد بأنّ الفساد غالبًا ما يحدث في مؤسّسات الدولة، سواء على المستوى العامّ (بين

(117)

المسؤولين من ذوي المناصب العليا)، أو على المستوى الخاصّ (بين الموظّفين في المراتب الدنيا). ومن الواضح بداهة أنّ السيطرة على الفساد الخاصّ لا تكون ممكنة من دون السيطرة على الفساد العام، فالفساد الإداريّ في الطبقات الوسطى والسُفلى من النظام الإداريّ يرتبط إلى حدّ كبير بحجم الفساد بين الطبقات العليا من النظام؛ أي طبقة رجال الدولة والساسة والمسؤولون في المراتب العليا. عندما يكون جزء من الهيئة الحاكمة فاسدًا، فإنّه سوف يحتاج في الحصول على الأموال الفاسدة إلى مساعدة المدراء الوسيطين من جهة، وسوف يضطرّ من ناحية أخرى إلى العمل على إضعاف المؤسّسات الرقابيّة، من قبيل الصحافة والأجهزة القضائيّة. في البيئة السياسيّة الفاسدة قلّما يقلق الموظّفون في المراتب الوسيطة من اكتشاف جرائمهم في ارتكاب الفساد الإداريّ؛ وذلك أنّه يوجد في الغالب نوع من التواطؤ بينهم وبين المسؤولين في المناصب العليا لغضّ الطرف عنهم، وهذا الأمر هو الذي يجعل محاربة الفساد في غاية الصعوبة. وعلى أساس الاتجاه القائم على نظريّة القيود[1]، يكون مصدر الفساد عبارة عن الفساد الإداريّ على مستوى المسؤولين من ذوي المناصب العليا؛ حيث يجب إعطاء الأولويّة للسيطرة على هذا النوع من الفساد.

النظريّات حول تبعات الفساد الإداريّ

شهدت الأدبيّات العلميّة في حقل الفساد الإداريّ بروز مذهبين متنافسين ومتعارضين في خصوص تداعيات الفساد على جدوائيّة وتأثير النظام الإداريّ والتنمية الاقتصاديّة، وهما: مذهب جدوائيّة الفساد ـ (والذي قال به أمثال: ليف[2]، وبيلي[3]، وهانتينجتون[4]، ولوي[5]) ـ ومذهب لاجدوائيّة الفساد.

مذهب الجدوائيّة

يرى مذهب جدوائيّة الفساد الإدرايّ ـ من خلال تأكيده على عدم جدوائيّة القوانين

(118)

والمؤسّسات في البلدان النامية ـ أنّ الفساد الإداريّ طريقة للتغلّب على عدم جدوائيّة القوانين، ويرى أنّ الفساد يلعب دور تشحيم العجلات الصدئة في النظام البيروقراطيّ الجافّ، وبذلك فإنّ الفساد يعمل على تنمية الاقتصاد والاستثمار. وعلى هذا الأساس فإنّ أنصار مذهب الجدوائيّة يقولون إنّ الفساد هو كلفة الكسب والعمل، حيث يكون نفعه أكثر من ضرره. ومهما كان، فإنّ الفساد لا يكون سلبيًّا من حيث التأثير. وتوجد الكثير من الادعاءات التي لا تعتبر الفساد الإداريّ ظاهرة سيّئة وسلبيّة بالكامل، بل تراه مشتملًا على بعض الآثار الإيجابيّة أيضًا.

مذهب اللاجدوائيّة

على الرغم من تقديم مذهب جدوائية الفساد على أساس الأدلة التنظيرية، إلا أن نتائج الكثير من الأبحاث التي تمّ تقديمها في السنوات الأخيرة في حقل آثار الفساد الإداريّ، فرضت تحدّيات على أدلّة مذهب جدوائيّة الفساد، وأثبتت حقيقة أنّ الفساد يعرقل الحركة نحو التنمية.[1]

وعلاوة على ذلك فقد تمّ الحصول في العقود الأخيرة على الكثير من الشواهد الدالّة على أنّ الفساد الإداريّ يترك الكثير من التبعات السيّئة على الكثير من المجالات.[2] وللفساد تأثير سلبيّ ومضرّ ومدمّر على الاستثمار والتنمية الاقتصاديّة ونشاط النظام الإداريّ والجدوائيّة والتنمية السياسيّة في البلدان. إن استمرار الفساد وبقاءه في بلد ما، يفضي إلى ظهور المشاكل الاقتصاديّة وإهدار المصادر العامة، وتقليل أداء الدولة، ويترك تأثيرًا سلبيًّا على الأخلاق العامّة في حقل الخدمات العامة، ويُعرّض جهود الإصلاح الإداريّ ومعايير المحاسبة إلى الإشكال؛ ويزيد من الاختلافات الطبقيّة على المستوى الاجتماعيّ والاقتصاديّ[3]، كما أنّ الفساد الإداريّ يزيد من عدم الاستقرار، ويعرقل التنمية السياسيّة.[4] وباختصار فإنّ الفساد يحول دون التنمية

(119)

الاقتصاديّة، ويقلّل من الحماس إلى العمل، ويؤدّي إلى سوء استخدام المصادر الوطنيّة النادرة، ويُضعف من القدرات الإداريّة، ويشلّ الطاقات الإداريّة، ويسهم في تقويض النشاطات السياسيّة، ويستأصل الاستقرار والديمقراطيّة والتلاحم الوطنيّ من الجذور.[1]

الإطار أو النموذج التحليليّ للتحقيق

يوجد في حقل الفساد الإداريّ الكثير من طرق المواجهة معها، كما توجد مختلف الاتجاهات والأطر التحليليّة أيضًا، ولكلّ واحدة من هذه الاتجاهات مزاياها وعيوبها الخاصّة، ولكن لا مجال لبحثها في هذه المقالة. إنّ الإطار النظريّ الذي نستفيد منه في هذه الدراسة هو «نظريّة القيود» الذي تقوم فكرته الرئيسة على إدارة المفاصل، لقد تمّ بيان هذه النظريّة من أجل التوصّل إلى الجودة في رفع الاستثمار والربح، وتقليل الخسائر والزمن المهدور والنفقات الزائدة، ورفع مستوى الكفاءة والجودة.

طبقًا لنظريّة القيود يحتوي كلّ نظام في الحدّ الأدنى على قيد أو معرقل يحول دون وصول النظام إلى المستوى الأعلى من نشاطه. وفي ضوء هذه النظريّة تتأثّر أكثر المعلولات غير المناسبة في النظام بعدد قليل من العلل الأصليّة، وعلى المدى الطويل يجب أن نقوم بحذف العلل الأصليّة للمشكلة. وفي ظلّ هذه النظريّة لا تكون محاربة الفساد الإداريّ مجدية إلّا إذا سعينا إلى تحديد مفاصل الفساد الإداريّ في المجتمع والنظام الإداريّ، مع تقديم طرق الحلّ إلناظرة إليها.

إنّ النموذج التحليليّ للتحقيق على أساس نظريّة القيود يعني السعي أوّلًا إلى التعرّف على العوامل الجوهريّة ومفاصل الفساد الإداريّ، ثمّ نعمل بعد ذلك ـ من خلال البحث في المصادر الدينيّة والقيَميّة ـ على بيان وتحليل طرق المواجهة مع هذه العوامل الجوهريّة والأساسيّة.

العوامل الجوهريّة للفساد الإداريّ وطرق محاربتها

إنّ الفساد الإداريّ وكلّ انحراف في السلوك الاجتماعيّ والإداريّ، إنّما يحدث في إطار التعامل مع ثلاثة عناصر أساسيّة، والمفاصل والعناصر الرئيسة للفساد في المجتمع بدورها يجب

(120)

التعرّف عليها في صلب وبوتقة هذه العناصر الثلاثة، وهي:

1. الحكّام وأصحاب السلطة والتأثير.

2. الجمهور والحالة الثقافيّة والقيَميّة والسلوكيّة السائدة في المجتمع.

3. المنظومة الحكوميّة والإداريّة الناظمة للعلاقات بين العنصرين الآنفين.

وفيما يتعلّق ببُعد الحكام وأصحاب السلطة، يعود السبب الرئيس للفساد ـ استنادًا إلى الشواهد التحقيقيّة والمشاهدات العينيّة من قبل الباحثين ـ إلى الحبّ الصارخ والشديد للسلطة، وعدم شعورهم بالمسؤوليّة أو قلّة مسؤوليّتهم. وفيما يتعلّق بالجمهور يمكن اعتبار خمود الوجدان العامّ وانعدام المسؤوليّة الاجتماعيّة باعتباره منشأ أصليًّا للفساد، وفي البُعد التنظيميّ والبنيويّ يُعدّ غموض القوانين والقرارات والطرق الإداريّة والمسارات والافتقار إلى الوضوح والشفافيّة من أبرز العناصر والأسباب في هذا الشأن. إنّ المعادلة البسيطة أدناه تبيّن علاقة الفساد والعناصر المفصليّة الحاسمة فيها:

الفساد = (احتكار السلطة بالإضافة إلى التكتّم) ـ (التجاوب، وسيادة الكفاءة، والمسؤوليّة الاجتماعيّة، والشفافيّة).

طبقًا لهذه المعادلة تقوم هناك علاقة إيجابيّة بين الفساد الإداريّ واحتكار السلطة والتكتّم، وعلاقة سلبيّة بين الفساد الإداريّ والشعور بالمسؤوليّة وسيادة الكفاءة والمسؤوليّة الاجتماعيّة والشفافيّة، بمعنى أنّه كلّما كان احتكار السلطة من قبل رجال الدولة وتكتّمهم في اتخاذ القرارات أكبر، كان الفساد الناجم عن ذلك أكثر. وفي المقابل كلّما كان التجاوب والشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة بين المواطنين أكثر، وكلما كانت المنظومة الإداريّة والقوانين والعلاقات المهنية لدى الموظّفين والمراجعين أكثر وضوحًا وشفافيّة، كان حجم الفساد أقلّ. وعلى هذا الأساس يجب السعي من أجل تحجيم الفساد في المجتمع إلى تقليل احتكار السلطة في إنتاج وتوزيع السِلَع والخدمات، وتقييد سلطة أصحاب القرار، وتحسين أداء المنظومة الرقابيّة والمساءلة أيضًا.[1] إلى هنا قد اتضحت صورة المسألة، والمهمّ في البين هو كيف يمكن تطبيق هذه الأفكار على أرض

(121)

الواقع؟ وما هي طرق الوصول إلى هذا النوع من المقاصد؟ سوف نسعى في الأبحاث القادمة ـ من خلال الاستفادة من المفاهيم الدينيّة وعلى أساس القيَم الإسلاميّة ـ إلى بيان إمكانيّة السُبُل إلى حلّ المشاكل المذكورة وبيان طرق المواجهة مع الفساد الإداريّ.

سوف نعمل على تبويب وتدوين الطرق المنشودة لمكافحة الفساد الإداريّ في ثلاثة أبعاد على محور العناصر الثلاثة المذكورة آنفًا. والنقطة الجديرة بالملاحظة في البين هي أنّ بعض الطرق والحلول تحتوي على آليّة ثنائيّة؛ إحداهما أنّها تكون قابلة للاستفادة والتوظيف بالنسبة إلى الحكام وأصحاب السلطة والمناصب السياسيّة والإداريّة، وكذلك بالنسبة إلى المراجعين من المواطنين العاديّين أيضًا. والأخرى أنّه يمكن أن يكون هناك حلّ له دور وتأثير ناجع في الحيلولة والوقاية من الفساد الإداريّ، كما يمكن الاستفادة منه بوصفه طريقًا وحلًّا لمحاربة الفساد.

النقطة الأخرى أنّ الطرق والحلول التي يتمّ بيانها، إنّما تكون ناظرة إلى العوامل المفصليّة للفساد الإداريّ، وفي حالة وجود هذه العناصر في المجتمع، يمكن لهذه الحلول أن تكون قابلة للتوظيف دون النظر إلى الرقعة الجغرافيّة لتحقّق الفساد.

الحلول لمكافحة الفساد

الحلول الخاصّة بالحكّام وأصحاب السلطة

إنّ الحلول التي يتمّ تقديمها في هذا القسم، يمكن الاستفادة منها في الموردين الثاني والثالث أيضًا؛ وذلك لأنّ هذا التقسيم الراهن إنّما هو تقسيم اعتباريّ، وهو نتيجة لتحليل وتبويب ذهنيّ يقوم به الباحث، ولا يحكي عن تقسيم عقليّ ومنطقيّ دائر بين النفي والإثبات.

التقوى والرقابة الذاتيّة

إنّ السيطرة الذاتيّة تعني رقابة وإشراف الفرد على أعماله وتصرّفاته، وبالتالي القيام بالوظائف على النحو المطلوب واجتناب الانحراف والتخلّف المهنيّ والإداريّ. إنّ الرقابة

(122)

الذاتيّة والإشراف على أفعال النفس واحدة من التعاليم الإسلاميّة الأصيلة[1]، وقد ارتبط مفهوم الرقابة الذاتيّة في الأدبيّات القرآنيّة بعنصر «التقوى» ارتباطًا وثيقًا. وبعبارة أخرى: إنّ البيان القرآنيّ والإسلاميّ للرقابة الذاتيّة قد تجسّد في المفهوم القيَمي لـ «التقوى». إنّ هذه المفردة مأخوذة في الأصل من مادّة «وقي» بمعنى الحفظ أو المنع. وبعبارة أخرى إنّها قوّة ضبط وسيطرة داخليّة تحفظ الإنسان في مواجهة طغيان الشهوات. إنّ التقوى تحظى بقدرة رادعة وطاقة محرّكة جبّارة تحفظ الإنسان من السقوط في الأودية السحيقة، وتمنعه من الأخطاء والموبقات.[2]

إنّ حقيقة التقوى هي ذات الشعور بالمسؤوليّة الداخليّة، ولولا هذا الشعور، لن يتحرّك الإنسان نحو أيّ منهج أو مشروع بنّاءٍ أبدًا[3]، إلّا أنّ مادّة هذا الشعور بالمسؤوليّة عبارة عن أمرين، وهما:

1. ذكر الله، بمعنى الالتفات إلى المراقبة المتواصلة لله واستشعار حضوره في جميع الأمكنة وفي جميع الأحوال.

2. الاهتمام بالمعاد ومحكمة العدل الإلهيّة وكتاب الأعمال الذي ليست هناك صغيرة أو كبيرة إلّا وهي مسجّلة فيه.

ومن هنا كان الاهتمام بهذين الأصلين، وهما: أصل المبدأ والمعاد، يقع على رأس البرنامج التربويّ للأنبياء والأولياء، وكان تأثيرهما على تهذيب الفرد والمجتمع ملحوظًا بشكل كبير.[4]

لا بدّ من الالتفات إلى أن التقوى تحتوي على فروع متنوّعة، من قبيل: التقوى الماليّة والاقتصاديّة، والتقوى الجنسيّة، والتقوى الاجتماعيّة، والتقوى السياسيّة، وما إلى ذلك من الأنواع الأخرى للتقوى، والذي يحظى بالاهتمام الأكبر في هذه المقالة هو التقوى المهنيّة المساوية لكفّ النفس والسيطرة الذاتيّة في العمل؛ بمعنى السيطرة على الذات أثناء القيام بالعمل، والتورّع عن إقامة العلاقات الاجتماعيّة السيّئة مع الآخرين. وحيث إنّ الإمام عليّ عليه‌السلام يؤكّد

(123)

على عمّاله بشكل خاصّ في الأمر برعاية التقوى، يمكن لنا أن نستنبط أنّ قول الإمام هنا ناظر في الغالب إلى التقوى والسيطرة الذاتيّة في مجال العمل، فالعامل مكلّف بالسيطرة على نفسه ومراقبتها في جميع الأعمال، ولا سيّما في أمر الحكم والإدارة، وإن كانت هذه التوصيات في الأشكال الأخرى تشمل جميع الأفراد في كافّة المجالات.

طرق إيجاد التقوى والرقابة الذاتيّة في التعاليم الدينيّة

من خلال القراءة في التعاليم الدينيّة، يمكن استنباط الكثير من الطرق لإيجاد وتنمية التقوى والرقابة الذاتيّة لدى الأفراد والأشخاص، ونعمل فيما يلي على التعريف بها باختصار على النحو الآتي:

إصلاح الرؤية العقائديّة لأفراد المجتمع

إنّ الحساب والردع يؤدّي إلى انخفاض حجم ومنسوب الفساد، ويمكن تحقيق هذا الأمر بمختلف الأساليب، ومن أهمّها وأكثرها تأثيرًا أسلوب إيجاد الرقابة والسيطرة الذاتيّة والإشراف التلقائيّ لدى الأفراد. وفي رؤية عقديّة ونظرة علمانيّة، يتمّ تحقيق المحاسبة والاستجابة من طريق الأبحاث والرقابة المفروضة على الأفراد من قبل المجتمع، في إطار الحصول على نتائج محدّدة، من قبيل الأمانة والكفاءة والمساواة. إنّ هذا النوع من الاستجابة والتلبية ينطوي على تكلفة باهظة الثمن ويحتوي على الكثير من النواقص، حيث يمكن لنا مشاهدة الكثير من الأمثلة عليها بوضوح في المشاكل الاجتماعيّة والاقتصاديّة التي تواجه المجتمعات الحديثة.

من خلال الرجوع إلى التعاليم الدينيّة ندرك أنّ أعلى أشكال الاستجابة، هي الاستجابة الناشئة من داخل الفراد، وليس من الخارج والمجتمع. ولكي نصل إلى تحقيق هذا النوع من الاستجابة الداخليّة، يجب العمل على توسيع الرؤية الاعتقاديّة للأفراد، إلى الحدّ الذي تتجاوز معه حدود الحياة الضيّقة في هذه الدنيا لتشمل الحياة الأخرويّة والخالدة أيضًا. وهذا في الواقع هو الخصّيصة الأصليّة للرؤية العقديّة الإسلاميّة. إنّ المفاهيم الإسلاميّة تعمل على هداية وإرشاد الناس في جميع أبعاد الحياة السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة والبيئيّة وما إلى ذلك، وهي في ترغيب وحثّ الناس نحو القيام بالأفعال الحسنة والصالحة والإعراض عن الأعمال القبيحة أقوى بكثير من أيّ رؤية عقديّة غير دينيّة أخرى؛ وذلك:

(124)

أوّلًا: لأنّ الأصول التي يتمّ استخراجها من المصدرين المعتبرين، وهما القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، تنسجم مع طبيعة الإنسان؛ على ما ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ).[1] وكذلك الإنسان الذي يتربّى على هذه الرؤية العقديّة، فإنّه يحظى بأفضل الخصائص الفرديّة؛ وذلك لأنّ القرآن الكريم يدعوه إلى الصواب وإلى إتقان العمل.

وثانيًا: إن بعض الأصول المعروضة من قبل القرآن الكريم والسنّة المطهّرة، ترد في الأساس ضمن إطار المحافظة على الأشخاص من السقوط في شباك الأهواء والمطامع. وبعض هذه الأصول والمفاهيم تجعل الأشخاص قادرين على الاستفادة من العلوم والتجارب الحاصلة في سياق تحسين حياته المادّيّة والمعنويّة.

ونتيجة لذلك فإنّ الخطوة الأولى ـ في ضوء التعاليم الدينيّة ـ لمكافحة الفساد الإداريّ وغيره من الأمراض الاجتماعيّة الحديثة، تزريق المجتمع بمصل الرؤية الكونيّة الصحيحة في المجتمع؛ كما يجب التشجيع على العمل بالأصول الإسلاميّة بشكل كامل من أجل هداية الإنسان نحو السلام والازدهار الحقيقيّ. إنّ الاستجابة والشعور بالمسؤوليّة الذي ينبثق من داخل الإنسان، أكثر تأثيرًا وبقاءً من الاستجابة الناشئة عن الرقابة الخارجيّة.

الإيمان بالمعاد ويوم الحساب

إنّ الإيمان والتمسّك بالتعاليم الإسلاميّة، عنصر مهمّ للغاية في خلق الرقابة الذاتيّة لدى الإنسان. كلّما كان الإيمان بالحقائق الدينيّة والمفاهيم الإسلاميّة أقوى، كان التمسّك بالقيَم ـ التي تمثل الرقابة الداخليّة جزءًا منها ـ بدوره أكبر، وبالتالي فإنّ الرقابة الذاتيّة سوف تكون أشدّ وأقوى.

ومن بين المعتقدات، يُعدّ الإيمان بالمعاد هو العنصر الأقوى في التشبّث بالقيَم، والسيطرة على النفس نتيجة لذلك. إنّ الإيمان بيوم القيامة وأنّه سوف يكون هناك يوم يعرض فيه الجميع ويُسألون عن أعمالهم، وأنّهم سوف يُحاسبون ويثابون أو يُعاقبون، له تأثير كبير وعميق في سيطرة الإنسان على نفسه وأفعاله. إنّ الاعتقاد بالمعاد يخلق لدى الإنسان شعورًا بالمسؤوليّة، فالإيمان

(125)

بالمعاد يجعل الشخص مسؤولًا، ويعمل على تقوية وتعزيز التقوى والسيطرة الذاتيّة لديه، ويحول دونه ودون ارتكاب المعاصي والتمرّد على إرادة الله سبحانه وتعالى.[1]

الاهتمام بالفرائض وترك المحرّمات

إن قيمة كلّ إنسان رهن بالتزامه واحترامه للقوانين، وكلّ تمرّد منه على القانون سوف يقلّل من شخصيّته وقيمته الإنسانيّة. وعلى هذا الأساس فإنّ الشخص المتّقي هو الذي يرى نفسه مسؤولًا وملتزمًا بالعمل بالقوانين الإسلاميّة، ومنزّهًا عن انتهاك القانون. وبعبارة أخرى: أن يجتنب جميع المحرّمات ويعمل بجميع الواجبات، فقد ورد عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنه قال في هذا الشأن: «أعبَدُ الناس من أقام الفرائض، وأشدّ الناس اجتهادًا من ترك الذنوب».[2] وعليه فإنّ من بين طرق الوصول إلى التقوى، احترام قوانين الإسلام وأحكامه، من أجل الاعتراف بحقوق الله والناس في ظلّ ذلك، وعدم تجاوز الحدود المرسومة في الشريعة.

الالتفات إلى حضور الله في مسرح الوجود

كما أنّ من بين الطرق الأخرى للحصول على التقوى، هو الالتفات إلى حضور الله سبحانه وتعالى في عالم الوجود، فيجب على كلّ إنسان مسلم أن يرى الله حاضرًا في جميع الأحوال، وفي هذه الصورة سوف يعصمه الله من ارتكاب الذنوب جميعها. إنّ قوّة الإيمان بالله وذكره هي القوّة الأقوى والأشدّ من جميع القوى الأخرى على الإطلاق في اجتثاث الذنوب واستئصالها من جذورها. ومن هنا نجد الآيات والروايات تؤكّد على دور الالتفات إلى حضور الله سبحانه وتعالى في الردع عن اقتراف الذنوب والمنع من الانحراف إلى حدّ كبير، كما في قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللهَ يَرَى).[3]

(126)
الاهتمام بقيمة الإنسان وكرامته

ومن بين العقائد الإسلاميّة التي تمهّد الأرضية لتحقيق الرقابة الذاتيّة، مسألة قيمة الإنسان وكرامته؛ وذلك لأنّ الإنسان إذا تعرّف على قيمة منزلته ومكانته الرفيعة؛ لن يعود بمقدوره أن يرضى لنفسه بالسقوط في مستنقع الأدران والرذائل والموبقات. بخلاف الشخص الذي لا يعرف قيمة نفسه، فإنّها سوف تهون عليه ويرضى لها بالرضوخ للذلّ والهوان، ومثل هذا الشخص لن تكون حتّى نفسه في مأمن من شروره، ناهيك عن الآخرين، فإنّهم لن يكونوا بمأمن من شرّه بطريق أولى، فقد ورد في المأثور عن الإمام الهادي عليه‌السلام أنّه قال: «من هانت عليه نفسه، فلا تأمن شرّه».[1]

فالإنسان كائن نفخ الله فيه من روحه؛[2] وقد سجدت له الملائكة،[3] وهو الكائن الوحيد الذي تباهى الله بخلقه،[4] واعتبره كائنًا مخلَّدًا لا يطاله الفناء.[5] إنّ قيمة الإنسان وثمنه هي الجنّة وليس أدنى من ذلك، وقد أنعم الله عليه بأنواع الفضائل والكرامات.[6] فإن توجّه الإنسان إلى هذه الكرامات والمقامات وأدركها وعلم بها، فإنّه لن يرضى لنفسه بأن تتلوّث بهذه الأدران والأعمال القبيحة.

السيطرة والرقابة الاجتماعيّة (الخارجيّة)

لا شكّ في أنّ إيجاد الاستجابة والشعور بالمسؤوليّة الداخليّة التي تنبثق من صميم الرؤية الاعتقاديّة الإسلاميّة، هي من أفضل الطرق لمكافحة المفاسد في المجتمعات الحديثة. إنّ التأسيس للمنظومة القيَميّة في المجتمعات المعاصرة، مسار طويل الأمد؛ وعليه فإنّ الشعور

(127)

الداخليّ بالمسؤوليّة يجب أن يكتمل بواسطة الشعور الخارجيّ بالمسؤوليّة، وهو الشعور القائم على السيطرة والرقابة المنهجيّة المنتظمة؛ لكي يرتدع الأشخاص عن ارتكاب السلوكيّات غير العادلة تجاه بعضهم.

إنّ من بين الوظائف الاجتماعيّة الأساسيّة للأشخاص ـ على أساس التعاليم الدينيّة ـ عبارة عن مممارسة الدور الرقابيّ على أعمال وتصرّفات بعضهم، وإظهار الحساسيّة تجاه أفعال بعضهم. وقد تمّ وضع الحجر الأساس للرقابة الخارجيّة والاجتماعيّة في الإسلام ضمن مفاهيم «الأمر بالمعروف» و«النهي عن المنكر»، وبعبارة أخرى: إنّ التعبير والبيان القرآنيّ والروائيّ للرقابة الاجتماعيّة في الإسلام، يتجسّد في ألفاظ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

الإنسان من وجهة نظر الإسلام كائن اجتماعيّ، والكثير من عوامل رشده وتكامله أو سقوطه وتخلّفه رهن بعلاقاته الاجتماعيّة مع الآخرين؛ ومن هنا فإنّ الحساسيّة تجاه هذه العلاقات والسعي إلى تحسين المجتمع يُعدّ من الوظائف والواجبات الرئيسة التي تلقى على عاتق الأفراد. ومن هنا نجد الكثير من الآيات والروايات قد وردت في التأكيد على هذه الوظيفة الاجتماعيّة والسياسيّة من جهات متعدّدة ومتنوّعة، والسبب في تفضيل الأمّة الإسلاميّة على سائر الأمم الأخرى، هو العمل بهذه الفريضة. ويمكن تقسيم فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ بوصفها آليّة ومنهجًا للرقابة الاجتماعيّة ـ إلى أربعة أقسام على النحو الآتي:

1. رقابة المسؤولين على الناس.

2. رقابة الناس على المسؤولين.

3. رقابة الناس على الناس.

4. رقابة المسؤولين على المسؤولين.

توجد آليّات لكلّ واحد من أنواع الرقابة الخارجيّة في المجتمعات المعاصرة. ورقابة المسؤولين على الناس تتجلّى عن طريق وضع القوانين والتشريعات، ورقابة الناس على المسؤولين تتجلّى في الغالب من خلال الصحافة والإعلام.

وفيما يتعلّق بالقيام بوظيفة الأمر بالمعروف تجاه المسؤولين، يمكن القول: إنّ للناس في

(128)

الحكومة والنظام الإسلاميّ دورين ووظيفتين رئيستين، وهما: إسداء المشورة والنصح للمسؤولين في اتخاذ القرارات الناجعة والصحيحة، والدليل على ذلك يتجلّى في قوله تعالى: (وَشَاوِرْهُمْ فِي الْأَمْرِ)،[1] و(وَأَمْرُهُمْ شُورَى بَيْنَهُمْ)[2]؛ والدور الثاني للمجتمع في أمور الدولة بالنسبة إلى المسؤولين في النظام الإسلاميّ، هو الرقابة والحراسة وحماية تطبيق القوانين. يجب على الناس تذكير المسؤولين وتنبيههم حيثما وجدوا خللًا في تطبيق القانون، فإن لم يجدوا أذنًا صاغية انتقلوا إلى مرحلة الاعتراض والاحتجاج. وهذه هي وظيفة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والتي ورد ذكرها في صريح القرآن الكريم.[3]

نزاهة العاملين في النظام الإداريّ والحكوميّ

يحتاج كلّ نظام إداريّ وحكوميّ ـ لكي يتمكّن من إصلاح أمور المجتمع بشكل صحيح ـ إلى الاستعانة بالعمال والمسؤولين الصالحين والمخلصين. ومن بين جميع الحكومات لم ترَ النور حتّى الآن حكومة مثل حكومة أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، في إبداء الحساسية والدقّة في خصوص المسؤولين والعمّال فيها. ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة من خلال الكتب والخطب المتنوّعة الموجّهة من قبل أمير المؤمنين إلى عمّاله وإلى الولاة من الحكام في مختلف الأبعاد السياسيّة والاقتصاديّة والدينيّة. وقد اشتملت جميع كتب وعهود الإمام إلى عماله على مسألة رعاية التقوى والخوف من الله والاهتمام بالآخرة.

إنّ الذين يحظون بالإمكانات والأموال والصلاحيّات الحكوميّة يجب أن يتحلّوا ـ في الفكر السياسيّ للإسلام ـ بصفات وخصائص كي يتمكّنوا من الاضطلاع بوظائفهم ومسؤليّاتهم بشكل صحيح، وإلّا فإنّهم سوف يتسبّبون بضياع الأمور. لم يكن الإمام عليّ عليه‌السلام يلاحظ العلاقات الشخصيّة والنسَبيّة في تنصيب الحكّام والولاة أو عزلهم، ولم يكن ينتهج سياسة الحكّام الذين يؤثرون السلطة ويكون كلّ همّهم منصبًّا على بقاء حكمهم فقط، وإنّما كان يبتغي

(129)

مجرّد مرضاة الله فقط، ولا ينظر في غير مصلحة الناس. وليس هناك في التفكير السياسيّ للإمام عليّ عليه‌السلام ما هو أخطر على المجتمع الإسلاميّ من تولّي الأشخاص الفاقدين للإهليّة والصلاحيّة لأمور المسلمين؛ ولذلك فإنّه عندما نصّب مالك الأشتر النخعيّ واليًا على مصر، قال في رسالته للمصريّين: «... ولكنّني آسى أن يلي أمر هذه الأمّة سفهاؤها وفجّارها، فيتّخذوا مال الله دولًا، وعباده خولًا، والصالحين حربًا، والفاسقين حزبًا».[1]

لقد كان الإمام عليه‌السلام ينبّه الناس على الدوام إلى مسألة العمّال والولاة، ويقول لهم: حذاري من أن يتولّى الأمور غير الصلحاء، فيقومون بنخر المجتمع وتضييعه؛ وذلك لأنّ حساسيّة الناس تجاه سلوك الولاة إذا خَفَت بريقه، عندها سوف تترسّخ سلطة الطالحين في مناصبهم، وسوف يدفعون بالمجتمع نحو الهاوية.[2]

والنتيجة هي أنّه إذا تمّ توظيف الأشخاص الصالحين والكفوئين والمخلصين في النظام الإداريّ والحكوميّ، وكان الشائع من ناحية أخرى هو الرقابة المتواصلة والإشراف المستمرّ على بقاء حُسن السلوك والتعامل المطلوب مع الناس أيضًا، أمكن التفاؤل من دون شكّ بإقامة العدل والقسط في المجتمع. من الواضح بداهة أنّه في هذه الحالة فقط يمكن التفاؤل بأن يُقْبِل الناس على نظام الحكم في المجتمع، وأن يكونوا متعاونين ومتماهين مع المسؤولين في العمل على رفع الفساد والتخلّف.

معارضة الاستبداد واحتكار السلطة

كما سبق أن ذكرنا في قسم عناصر الفساد الخاصّة بالحكّام وأصحاب النفوذ والسلطة، يمثّل الاستبداد والتفرّد في السلطة والاقتدار السياسيّ والإداريّ واحدًا من العناصر الأوّليّة والمفاصل الأصليّة للفساد الإداريّ. وحيث إنّ الاستبداد واحتكار السلطة ينطوي على الكثير من التبعات والتداعيات الاجتماعيّة السيئة، ويلعب دورًا بارزًا في الفساد وسقوط السلطة والنظام الإداريّ، فقد تمّ الاهتمام بذلك في الأدبيّات الدينيّة بشكل خاصّ، وقد تعرّضت الأحاديث الكثيرة لمعرفة هذه الظاهرة وكيفيّة تبلورها وآثارها وعواقبها وطرق مكافحتها والقضاء عليها.

(130)

وقد تمّ التعبير عن احتكار السلطة في بعض الموارد بلفظ «الاستئثار». والاستئثار من مادّة «أثر» في قبال الإيثار بمعنى التفرّد وتقديم النفس والأهل والأقربين والأتباع على الآخرين في ضمان احتياجاتهم ومطالبهم.[1] والنقطة الجديرة بالملاحظة هنا هي أنّ الاستبداد والاستئثار بالسلطة قد يكون على واحد من شكلين، وهما:

أ) الاستبداد الذي لا يكون من قبيل الاعتداء على حقوق الآخرين، وإنّما هو مجرّد سلوك على خلاف الإيثار الذي يمثّل قيمة أخلاقيّة.

ب) الاستبداد الذي هو بالإضافة إلى مخالفته للإيثار، يُعدّ تجاوزًا على حقوق الآخرين أيضًا.[2]

توجد الكثير من العوامل التي تلعب دورًا في استبداد الأشخاص واستئثارهم بالسلطة؛ من قبيل: تجاهل حقوق الناس، وعدم الاهتمام بمكارم الأخلاق، والطمع والبخل والدناءة؛ بيد أنّ أساس عوامل وجذور الاستبداد والاستئثار عبارة عن حبّ الذات والأنا وعدم الإيمان أو ضعف الإيمان. فإذا لم يعمل الإيمان على كبح الأنانية الذاتيّة والمتأصّلة في الإنسان، فسوف يُصبح الشخص مستأثّرًا ومستبدًّا بشكل طبيعيّ، ويطلب كلّ شيء لنفسه وأقربائه، وقد عبّر أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام عن ذلك بقوله: «من ملك استأثر».[3]

إنّ من بين أفضل الطرق لمكافحة الاستبداد والاستئثار من قبل أصحاب المناصب الدنيا وصغار المسؤولين، ابتعاد المسؤولين الكبار أنفسهم عن الاستبداد والاستئثار بالحكم والسلطة، كما كان أئمّتنا المعصومون عليهم‌السلام كذلك. وقد روي عن أبي إسحاق السبيعيّ أنّه قال:

«كان عليّ ـ رضي‌الله‌عنه  ـ إذا ورد عليه مال لم يُبق منه شيئًا إلّا قسّمه، ولا يترك في بيت المال منه إلّا ما يعجز عن قسمته في يومه ذلك، ويقول: يا دنيا غرّي غيري. ولم يكن يستأثر من الفيء بشيء، ولا يخصّ به حميمًا ولا قريبًا».[4]

(131)

والأسلوب الآخر في مكافحة الاستبداد والاستئثار، هو التدقيق في اختيار الولاة وتنصيب الأشخاص الصالحين في المناصب؛ كما ورد في المأثور عن الإمام أمير المؤمنين علي عليه‌السلام أنّه قال:

«تخيّر حجّابك وأقصِ منهم كلّ ذي أثرة على الناس وتطاول وقلّة إنصاف، ولا تقطعن لأحد من أهلك ولا من حشمك ضيعة، ولا تأذن لهم في اتخاذها إذا كان يضرّ فيها بمن يليه من الناس».[1]

عدم المحاباة في مواجهة الفساد

يعدّ التعامل المتساوي بين المرتكبين للفساد دون محاباة لأحد منهم على أحد من القواعد والأصول الأساسيّة والرئيسة في مكافحة الفساد الإداريّ، وقد ورد في المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال في ردع جماعة من الناس حاولوا المنع دون إقامة الحدّ على امرأة من الأشراف سرقت: «إنّما هلك من كان قبلكم بمثل هذا، كانوا يقيمون الحدود على ضعفائهم ويتركون أقوياءهم وأشرافهم فهلكوا»، ورُوي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه نهى عن تعطيل الحدود، وقال: «إنّما هلك بنو إسرائيل؛ لأنّهم كانوا يقيمون الحدود على الوضيع دون الشريف».[2] وروي عنه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال في موضع آخر: «إنّما هلك من كان قبلكم بأنّه إذا سرق فيهم الشريف تركوه، وإذا سرق فيهم الضعيف قطعوه. والذي نفس محمّد بيده لو كانت فاطمة بنت محمّد لقطعت يدها».[3]

الطرق الخاصّة بالنظام الإداريّ السليم والناجع

توجد في العالم أنظمة إداريّة مختلفة، ونوع الأبنية في هذه الأنظمة وكيفيّة ارتباط أجزائها وعناصرها ومساراتها وكمّيّتها تختلف فيما بينها، والعناصر المؤلِّفة لها تقع من ناحية الجدوائيّة ومقدار إقامة العلاقات الصحيحة والسليمة والبعيدة عن الفساد على درجات متفاوتة. والذي سوف نتعرّض إليه في هذا القسم، هو طرق الوقاية من الفساد ومكافحته في هذا النظام على أساس المباني والأصول القيَميّة للإسلام.

(132)
تنمية البنية التحتيّة (بناء المؤسّسات)

لا شكّ في أنّ بناء البيئة التحتيّة المؤثّرة يُعدّ واحدًا من الطرق والحلول المهمّة للحيلولة دون حدوث الفساد. ويمكن لهذه الجهود التأسيسيّة أن تصل إلى غاياتها وأهدافها من خلال التركيز على المسائل الآتية:

سيادة الكفاءة: إنّ اختيار الموظّفين الحكوميّين ورجال الدولة يجب أن يقوم على أساس معيارين رئيسين، وهما: الكفاءة والصلاح؛ وقد ورد التصريح بهذين المعيارين في قول الله سبحانه وتعالى: (قَالَتْ إِحْدَاهُمَا يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).[1]

الأجور المجزية: إنّ الحقوق والمزيا التي تُعطى للموظّفين في دوائر الدولة يجب أن تكون كافية ومجزية، وأن تكون في الحدّ الأدنى متساوية مع حقوق نظرائهم من العاملين في القطاع الخاصّ؛ ليزيد ذلك من مستوى كفاءتهم وإخلاصهم، ولا يتعرّضون لوساوس الفساد إلّا في حالات شاذّة ونادرة. وقد ورد في المأثور عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «ثلاثة لا ينظر الله إليهم يوم القيامة: حرٌّ باع حرًّا، وحرّ باع نفسه، ورجل أمطل كراء أجير حتّى جفّ رشحه».[2]

الشفافيّة: فيما يتعلّق بحجم المزايا والصلاحيّات التي تعطى للموظّفين والعاملين في القطاع العامّ، يجب وضع قوانين وقرارات شفّافة وواضحة، كي يتمّ التقليل من احتمال الوقوع في شوائب الفساد، وتتوفّر أرضيّة تقويم أداء الموظّفين والعاملين.

الإعلام والصحافة الحرّة: إنّ القنوات الإعلاميّة والصحف الحرّة تركز على المسائل المهمّة والحسّاسة؛ وتعمل على نشر المعلومات الضروريّة لرفع مستوى الوعي والمشاركة العامّة على نطاق واسع، وتعمل على إفشاء الأخطاء ومواطن الأداء السيّئ. إنّ جميع هذه المؤسّسات عندما تتضافر جهودها ويعضد بعضها بعضًا، يجب أن تعمل على خلق فضاء يذعن فيه الناس بالمسؤوليّة تجاه أعمالهم، وتؤدّي منظومة الرقابة والتقويم إلى التقليل من الفساد، وتعمل على المزيد من التقدّم والرقي والازدهار، واستقرار المجتمع، كما قال الله في محكم كتابه الكريم:

(133)

ـ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ).[1]

ـ (وَلَوْلَا دَفْعُ اللهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللهِ كَثِيرًا).[2]

التعليم: إنّ الطريقة الأخيرة ـ والتي لا تقلّ أهمّيّة عن الطرق الأخرى ضمن الآليّات التأسيسيّة في المجتمع ـ الاستفادة من النظام التعليميّ. إنّ النظام التعليميّ في كلّ مجتمع يلعب دورًا رئيسًا وجوهريًّا في بلورة القيَم المؤثّرة على سلوك الأفراد، وكذلك فإنّ ما نعلّمه لأبنائنا وكيفيّة تعليمهم إيّاه يُسهم في الأدوار المختلفة التي يلعبها هؤلاء الأفراد في المجتمع (الأب، والموظّف، والإدارة، والتاجر وما إلى ذلك). ومن هنا يذهب التوقّع بالنظام التعليميّ في المجتمع الإسلاميّ أن يضطلع بدور المبلّغ والناقل للنظام القيَميّ في الإسلام إلى جميع الفئات والطبقات في جميع الأمكنة؛ كي يتمكّن الأشخاص ـ الذين تلقّوا التعليم في ظلّ هذا النظام ـ من العمل بشكل مجدّ وأخلاقيّ في مختلف الأدوار الاجتماعيّة التي يضطلعون بها.

النزوع إلى الشفافيّة

إنّ مفهوم الشفافيّة واحد من المفاهيم الجوهريّة التي يرد ذكرها في الأبحاث المتعلّقة بالفساد والسلامة الإداريّة، وهي عبارة عن وضوح مباني القرارات الحكوميّة والآليّات الحاكمة على توزيع السلطات والمزايا. يتمّ توظيف الشفافيّة بوصفها من أكثر الأدوات تأثيرًا في مكافحة الفساد الإداريّ واستمرار الدولة الصالحة والمجدية وبناء مجتمع ثابت ومستقرّ. وبعبارة أخرى: إنّ مسار الشفافيّة يعني الإفصاح عن الأمور غير الأمنيّة وغير العسكريّة وبيانها للناس، بحيث تكون قابلة للعرض على الناس في وسائل الإعلام والسياسات والثقافات والقرارات وما إلى ذلك، ليطلع عليها الناس ويكون بمقدورهم الحكم بشأنها واتّخاذ موقف منها.

إنّ الشفافيّة والوضوح من بين المقولات التي ورد التأكيد عليها في التعاليم الدينيّة كثيرًا. من ذلك أنّ الدين الإسلاميّ الحنيف ـ الذي ينظر إلى الحكومة بوصفها أمانة في يد الحكام

(134)

والولاة ـ يعتبر الرقابة والإشراف على كيفية العمل على توظيف هذه الأمانة والحفاظ عليها، وضرورة المسؤوليّة عنها، من ضروريات المباني السياسيّة في الإسلام. ومن هنا فقد بيّن الإمام عليّ عليه‌السلام في عهده إلى مالك الأشتر النخعيّ، ضرورة الاستجابة لمطالب الناس بشكل واضح، إذ يقول:

«واجعل لذوي الحاجات منك قسمًا تفرغ لهم فيه شخصك، وتجلس لهم مجلسًا عامًّا، فتتواضع فيه لله الذي خلقك، وتقعد عنهم جندك وأعوانك من أحراسك وشرطك، حتّى يكلّمك متكلّمهم غير متتعتع، فإنّي سمعت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول في غير موطن: (لن تقدّس أمّة لا يؤخذ للضعيف فيها حقّه من القويّ غير متتعتع)».[1]

سيادة الكفاءات في التنصيب والعزل

تعني الكفاءة لغة: «امتلاك القدرة والمهارة والمعرفة والجدارة والصلاحيّة»؛[2] وتكتسب معناها ومفهومها بحسب المصطلح في ضوء المهنة ومساحة العمل والنشاط الذي يمارسه الفرد في نطاق عمله. إنّ كلّ عمل يحتاج إلى قوّة ومهارة وكفاءة خاصّة، وهذه الأمور في المجموع تعكس كفاءة الفرد في تولّي العمل الذي يُناط به.

إنّ سيادة الكفاءة في اختيار وتنصيب الأشخاص والمدراء في الأجهزة والمؤسّسات التنفيذيّة تُعدّ واحدة من الطرق المهمّة في مكافحة الفساد الإداريّ، والتي ورد التأكيد عليها في النصوص والأدبيّات الدينيّة كثيرًا، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الله سبحانه وتعالى يقول في القرآن الكريم على لسان بنت شعيب عليه‌السلام : (يَا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ).[3]

الاهتمام بمعاش الموظّفين والعمّال

إن من بين العوامل والأسباب المهمّة التي تعمل على انجراف الأشخاص نحو هاوية الفساد

(135)
توسيع دائرة مشاركة الأفراد في الأمور الاجتماعيّة

إن المشاركة الجماعية تعبّر عن سعة العلاقات بين المجموعات البشرية، وتجعل من مساهمة الناس في المجالات الاجتماعيّة غاية لها. إن المشاركة الجماعية تدلّ على ذلك الجانب من الأنشطة الإداريّة التي يُسهم من خلالها أفراد مجتمع ما في مختلف الأمور على نحو مباشر أو غير مباشر في بلورة الحياة الاجتماعيّة.[1]

تعدّ المشاركة والتعاون في الدين الإسلاميّ الحنيف واحدة من التعاليم الأصليّة، كما قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم: (وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ).[2] وعليه لو تمّ تأصيل هذا المبدأ في المجتمع، وقام الناس بتقديم الدعم والتعاون مع الذين يقومون بالأعمال البنّاءة من دون النظر إلى العلاقات الشخصيّة والعرقيّة وأواصر القرابة، فسوف يتمّ العمل على حلّ الكثير من المشاكل الاجتماعيّة، وسوف تشيع روح التعاون في المجتمع. ومن خلال النظر في المصادر والتعاليم الدينيّة، يمكن لنا العثور على طرق وحلول للدعوة إلى المشاركة العامّة:

الإحسان: قال الإمام عليّ عليه‌السلام بشأن زيادة ثقة الناس بأجهزة الدولة والسلطة: «واعلم أنّه ليس شيء بأدعى إلى حسن ظنّ راع برعيّته من إحسانه إليهم، وتخفيفه المؤونات عليهم، وترك استكراهه إيّاهم على ما ليس قبلهم؛ فليكن منك في ذلك أمر يجتمع لك به حسن الظنّ برعيّتك، فإنّ حسن الظنّ يقطع عنك نصبًا طويلًا،...».[3]

حسن المعاملة: إنّ تأثير المعاملة المرنة والمتواضعة مع الناس من العظمة بحيث إنّ الله سبحانه وتعالى يعتبرها من الخصائص والصفات الأخلاقيّة الإيجابيّة للنبيّ الأكرم؛ إذ يقول الله تبارك وتعالى في خطابه إليه في محكم الذكر: (فَبِمَا رَحْمَةٍ مِنَ اللهِ لِنْتَ لَهُمْ وَلَوْ كُنْتَ فَظًّا غَلِيظَ الْقَلْبِ لَانْفَضُّوا مِنْ حَوْلِكَ).[4]

(137)

السماع المؤثّر: لقد كان النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من شدّة الاستماع والإصغاء لكلام من يتحدّث إليه أيًّا كان مركزه الاجتماعيّ؛ بحيث كان بعضهم ينبزه في غيابه وينعته بالأذن؛ بمعنى أنّه كان يصغي لكلّ ما يقال له حتّى لكأنّه أذنٌ كلّه. وفي ذلك أنزل الله تعالى قوله: (وَمِنْهُمُ الَّذِينَ يُؤْذُونَ النَّبِيَّ وَيَقُولُونَ هُوَ أُذُنٌ قُلْ أُذُنُ خَيْرٍ لَكُمْ).[1]

إحياء الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة

إنّ من بين الأصول الاجتماعيّة الأساسيّة المنشودة في الدين الإسلاميّ الحنيف، اهتمام المسلمين ومسؤوليّتهم تجاه بعضهم، والذي ورد التعبير عنه بـ «التكافل الاجتماعيّ» ـ (بمعنى: المسؤوليّة والتكاليف التي يقوم بها أفراد المجتمع الإسلاميّ تجاه بعضهم) ـ أيضًا.

وهناك الكثير من الأحاديث الواردة في هذا الشأن؛ الأمر الذي يثبت أهمّيّة هذا الأصل، ومن بينها هذه الرواية المأثورة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي يقول فيها: «من أصبح ولم يهتمّ بأمور المسلمين فليس بمسلم».[2] إنّ هذه الرواية وغيرها من الروايات الكثيرة الأخرى تمثّل تأكيدًا واضحًا وصريحًا وقاطعًا على مسؤوليّة الأفراد تجاه بعضهم والمجتمع المحيط بهم.

الترويج لثقافة الشعور بالمسؤوليّة والضمير المهنيّ

قيل في تعريف الضمير المهنيّ: «حالة نفسيّة راسخة تدفع الشخص إلى القيام بعمله بشكل دقيق ورغبة وشوق إلى ذلك».[3] إنّ الضمير المهنيّ والشعور بالمسؤوليّة في العمل، يُعدّ واحدًا من العناصر الثقافيّة المؤثّرة في إطار مكافحة الفساد والانحراف الاجتماعيّ. يمكن القول: إنّ ثمّة تناسبًا عكسيًّا بين الضمير المهنيّ وبين الفساد؛ بمعنى أنّه لو غاب الضمير المهنيّ سوف يزيد الفساد والانحراف، ويمكن لوجوده أن يؤدّي إلى انحسار الفساد الإداريّ في

(138)

مؤسّسات الدولة؛ وبذلك فإنّ ضعف الضمير المهنيّ يُعدّ من أهمّ الجذور الثقافيّة والاجتماعيّة للفساد الإداريّ.[1]

وقد ورد التعبير في القرآن الكريم عن الوجدان والضمير المهنيّ بـ «النفس اللوّامة»؛ حيث تقوم هذه النفس بتأنيب ولوم الشخص إذا صدر عنه فعل قبيح.[2]

ومن خلال العمل على تقوية وتعزيز تمسّك الأشخاص بالأصول والقيَم الدينيّة والمعتقدات الإنسانيّة، وكذلك في ظلّ الاستفادة من التجارب البشريّة، يمكن القيام بتقوية وتوسيع ثقافة الضمير المهنيّ في مؤسّسات الدولة.

النتيجة

إنّ مكافحة الفساد والانحرافات الاجتماعيّة واحدة من الأصول والأهداف الأساسيّة للدين الإسلاميّ الحنيف. وعلى هذا الأساس فإنّ التعاليم الدينيّة زاخرة بالطرق والحلول الرامية إلى الحيلولة دون ظهور الفساد في المجتمع، والقاضية بمحاربته إن وجد؛ كما كان للأنبياء والأئمّة الأطهارعليهم‌السلام اهتمام جادّ بهذا الأمر من الناحية العمليّة أيضًا. وبمقتضى الإطار النظريّ للتحقيق القائم على «نظريّة القيود»، تكون الطرق المبيّنة ناظرة إلى العناصر المفصليّة للفساد الإداريّ. وعلى أساس هذا المبنى تبيّن أنّ الفساد الإداريّ إنّما هو ثمرة ونتيجة لتفاعل عناصر من قبيل: الاستبداد واحتكار السلطة، والتكتّم وعدم الشفافيّة، وعدم سيادة الكفاءات، وافتقار المواطنين إلى الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة.

ويمكن بيان الطرق المتناسبة مع العناصر المذكورة أعلاه، وعلى أساس القيَم الإسلاميّة المستنبطة لمكافحة الفساد، ضمن تبويبات ثلاثة، على ما هو موضّح في الجدول أدناه:

(139)

 

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

(140)

 

 

المصادر

- ابن‌منظور الأفريقيّ، محمّد بن مكرم المصريّ، لسان العرب، بيروت، دارصادر، 1410 ه‍.

- ابن‌شعبة الحرّانيّ، تحف العقول عن آل الرسول، قم، طبعة علي أكبر غفاري، 1363 ه‍ ش.

- أميري، علي‌نقي، «نگاهي جامع به خود كنترلي در سازمان»، فرهنگ مديريت، العدد: 7، عام 1383 ه‍ ش.

- آقاپيروز، علي، وآخرون، مديريت در اسلام، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، ط 2، 1384 ه‍ ش.

- دفتر بررسی‌های اقتصادی، «بازشناسي مؤلفه هاي مؤثر بر اختلاس در ايران»، مجلة: نشريه مجلس و پژوهش، العدد: 25، خرداد و شهريور عام 1377 ه‍ ش.

- تانزي، ويتو، «مسأله فساد، فعاليت هاي دولتي و بازار آزاد»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: بهمن آقائي، مجلة: اطلاعات سياسي -  اقتصادي، العدد: 149 ـ 150، شهري بهمن و اسفند، عام 1378 ه‍ ش.

- حكيمي، عبدالمؤمن، فساد اداري افغانستان؛ عوامل بروز و راهبردهاي مقابله با آن، (متوفر على موقع دين گستر)، 1385 ه‍ ش.

- خدمتي، أبو طالب، وآخرون، مديريت علوي، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1381 ه‍ ش.

- دلشاد طهراني، مصطفى، سيره نبوي (منطق عملي)، الكتاب الثاني، سازمان چاپ و انتشارات وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي، 1372 ه‍ ش.

- ربيعي، علي، زنده باد فساد، ، طهران، سازمان چاپ و انتشارات، 1383 ه‍ ش.

- رضائيان، علي، مباني رفتار سازماني، طهران، نشر سمت، 1385 ه‍ ش.

- القرطبي، يوسف بن عبد الله، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمد معروض وعادل أحمد عبد الموجود، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415 ه‍.

- الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، أصول الكافي، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ط 4، 1362 ه‍ ش.

(141)

- المتّقي الهنديّ، عليّ بن حسام الدين، كنز العمّال، مؤسّسة الرسالة، 1405 ه‍.

- محسني تبريزي، علي‌رضا، بررسي زمينه‌هاي مشاركتي روستاييان و ارتباط آن با ترويج كشاوزري، معاونت ترويج و مشاركت مردمي وزارت جهاد سازندگي، 1369 ه‍ ش.

- محمدي ري‌شهري، محمد، دانش نامه ميزان الحكمة، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميد رضا شيخي، قم، مؤسّسة دار الحديث، 1384 ه‍ ش.

- المكارم الشيرازي، ناصر وآخرون، تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل)، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1374 ه‍ ش.

- منصورنجاد، محمد، «فلسفه نظارت»، فصلنامه حكومت اسلامي، السنة التاسعة، العدد: 33.

- منطقي سعادتي، محسن، «گامي به سوي نهادينه كردن وجدان كاري در سازمانها»، مجلة: ماهنامه معرفت، صيف عام 1375 ه‍ ش.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(142)

المصادر الأجنبية

- Amundsen, Inge, “Political corruption: An introduction to the issues”, Working Paper 99: 7, Bergen: Chr. Michelsen Institute, 1999.

- Jens, Chr. Andvig and Odd-Helge Fjeldstad, “Research on Corruption. A Policy Oriented Survey”, Commissioned by NORAD, 2000.

- Mohabbat khan, Mohammad, Political and Administrative Corruption; Concepts, Comparative experiences and Bangladesh Case, 2000, http://www.ti-bangladesh.org/ Accessed on 11 / 29 / 2010.

- Ouma, O.A., "Corruption in Public Policy and its Impact on Development: The Case of Uganda since 1979", PAD, Vol. 11, No. 5, 1991.

- Theobald, R., Corruption Development and Underdevelopment, London: Macmillan, 1990.

- United Nations, Corruption in Government. Report of an Interregional Seminar held in The Haque, The Netherlands on December 11 - 15. New York: The United Nations, 1990.

- World Bank, World Development Report, Washington: Oxford University Press. www.trancparency.org. 1997.

- Yousif Khalifa, Al- Yousif, Corruption and development: an Islamic view, a Paper from the 5th International Conference on Islamic Economics and Finance, by the International Association for Islamic Economic. http://www.ti-bangladesh.org/ Accessed on 11 / 29 / 2010.

(143)
(144)

 

 

القضاءُ على الفقر: التحدّياتُ المحدِقة والإستراتيجيّاتُ الإسلاميّة[1]

إسماعيل سيراغلدين[2]

 

الفقرُ ظاهرةٌ مُعقّدة ونتيجةٌ لانعدام النموّ وعدم المساواة. تتطلّبُ السياساتُ الفعّالة فَهمًا تقنيًا وتجريبيًا للفقر بالإضافة إلى وجود المؤسّسات الفاعلة ونظامٍ داعمٍ من القيم الاجتماعيّة. سوف نُركِّزُ على أربعة أصولٍ أساسيّة في النظام الأخلاقيّ الإسلاميّ ونتناولُ الروحَ الإسلاميّة باعتبارها نموذجًا مثاليًّا يُمكنُ من خلاله تقويمُ السياسات الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة للتعامل مع عمليّة القضاء على الفقر. ينظرُ الإسلام إلى المجتمع ككيانٍ موحَّد عادلٍ، حيث تحتلُّ الحرّيّة الفرديّة والكرامة الإنسانيّة مكانةً عُليا، رغم خضوعهما لمبدأ المسؤوليّة. تُشيرُ هذه الأصول الأخلاقيّة إلى أنّ السياسات المعتمدة ينبغي أن لا تتخلّلها «التبعيّة» أو الأنشطة غير الأخلاقيّة، وينبغي أن لا تؤدّي السياسات إلى إضفاء الطابع الترسيخيّ على الفقر، وينبغي عدم تبنّي السياسات التي تعتمدُ على عمليّات نقلٍ لا تنتشلُ الفقراء من حالة التبعيّة إلّا في حالاتٍ حيث

(145)

لا يكونُ هذا الانتقال مُمكنًا. بناءً على الأدلّة المفهوميّة والتجريبيّة، يستنتجُ البحث أنّ الأخلاق الإسلاميّة تدعمُ إستراتيجيّة التخفيف من الفقر استنادًا إلى مبدأ الترويج للنموّ الاقتصاديّ بالعدالة المثمِرة.

مُقدّمة

الفقرُ ظاهرةٌ مُعقّدة استمرّ وجودُها بدرجاتٍ مُتفاوِتة في المجتمعات حول العالم منذ مطلع التاريخ المدوَّن بغضّ النظر عن حيازة مُجتمعٍ ما للموارد أو مرحلة تطوُّره أو المستوى التكنولوجيّ الذي وصل إليه أو بُنيته الاجتماعيّة أو ثقافته. رُغم ذلك، فإنّ المقاربات الاجتماعيّة حيال التخفيف من الفقر قد تراوحتْ بشكلٍ كبيرٍ بين اللامبالاة إلى التدخُّل الفعّال، وبين الاعتماد على الإستراتيجيّات الخاصّة أو الجماعيّة، وبين التوزيع وإستراتيجيّات النموّ اعتمادًا على فاعليّة المؤسّسات الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة الموجودة والقيم الاجتماعيّة السائدة. خلال التاريخ، شكّلت القيم الفرديّة والاجتماعيّة ـ خصوصًا حيثما تحتلُّ أيديولوجية المساواة مرتبةً عالية ـ عواملَ مهمّة تُحدِّدُ كيف ينظرُ الأفرادُ والمجتمع إلى الفقر كقضيةٍ تتطلّبُ الاهتمامَ على مُستوى المجتمع. حينما يتعلّقُ الأمر بالإسلام كنظامٍ أخلاقي، ثمّة افتراض مقبول يُفيدُ أنّ قرارات السياسة العامة في أي مجتمعٍ إسلامي ينبغي أن تمرّ عبر مِصفاة الأخلاق الإسلامية. يُشكِّلُ النظام الأخلاقيّ الإسلاميّ أكثر من «ميثاقٍ للحقوق»، فهو يُعرِّفُ «ميثاقَ الحقوق والواجبات» الذي يُرشِدُ سلوكَ الحكومة والمحكومين. مع ذلك، فإنّنا نتّفقُ مع التقويم الحديث الذي طرحه خورشيد أحمد والذي يُفيدُ أنّ الحالة الراهنة للبلدان الإسلاميّة «ما زالت واقعة في ظلّ النظام الغربيّ، وعليه فمن المشكوك فيه كيف يُمكن لسلوكها الحاليّ أن يكون صلی الله عليه و آله ممثِّلًا، عن الروح الإسلاميّة».[1] تتطلّبُ دراسةُ أداء الدول الإسلاميّة والتوصُّل إلى استنتاجٍ حول ما إذا كانت مُلتزمة بالمبادئ الأخلاقيّة للإسلام حيازةَ معرفةٍ أعمق بكثيرٍ حول أداء هذه البُلدان وكيفية تتطابُق ممارساتها مع النظامَين الإسلاميّين الأخلاقيّ والشرعيّ، وهي وظيفةٌ تتجاوزُ قدرةَ المؤلِّف.

تتمثّلُ مُقاربتنا في البحث الحاليّ في التركيز على الإسلام كنظامٍ أخلاقيٍّ والتعامل مع الروح

(146)

الإسلاميّة كنموذجٍ مثاليٍّ يُمكنُ من خلاله تقويمُ السياسات الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة التي تتعاملُ مع الحدّ من الفقر أو الحيلولة دونه. نجدُ أنّ المقاربة المبدئيّة التي طوّرها نَقوي(1994) وتمّ تطبيقها في تحليلٍ سابقٍ حول الإسلام والمجتمع والسياسة الاقتصاديّة[1] هي موضع فائدة في النقاش الحاليّ. تعتمدُ المقاربة المبدئيّة على أربعة أصولٍ أساسيّة في النظام الأخلاقيّ الإسلاميّ:

1. التوحيد: يشير هذا المبدأ إلى البُعد العاموديّ للنظام الأخلاقيّ، ويُتيحُ حرّيّة العمل باعتبار أنّ كلّ فردٍ يُمثِّلُ جزءًا لا يتجزّأ من الجماعة.

2. العدل والإحسان: يُشيرُ هذا المبدأ إلى البُعد الأفقيّ للعدالة، ويتركُ كثيرًا من الحرّيّة للتفاصيل المتعلّقة بالسياسة العامّة كالموازنة بشكلٍ مُناسبٍ بين حاجات الأجيال الحاليّة والمستقبليّة.

3. الاختيار: رُغم أنّ الحرّيّة الفرديّة محكومة لإرشاداتٍ واسعة، ويستطيعُ الأفراد أن يسيروا في طريقهم الخاصّ، إلّا أنّ التفكير المتأنّي ضروريٌّ «لتفسير وإعادة تفسير تلك الحرّيّة ضمن سياقاتٍ اجتماعيّة مُحدّدة وجعلها مُناسِبة لحاجات الأزمنة المتغيِّرة».[2]

4. الفَرض: ينصُّ هذا المبدأ على أنّه بالرغم من أنّ «الفرض» طوعيٌّ، إلّا أنّه يجب على الأفراد والمجتمعات المحافظة عليه للمصلحة العامّة، وثمّة بُعدٌ اجتماعيٌ في كلّ مُمتَلَك تمكله أو تُديره الكيانات الخاصّة أو العامّة.

حينما تُؤخذ هذه المبادئ الأربعة معًا، فإنّها تؤدّي إلى نظامٍ أخلاقيٍّ كلّيٍّ يدلُّ على أنّ السياسات ينبغي أن لا تؤدّي إلى التبعيّة، ولا أن تقصر الفرص التي تُطوّر القدرات على بعض الناس فقط، ولا أن تُقلِّل من المسؤوليّات الفرديّة للإقدام على العمل. يجب على السياسات أن تُعزّز الحافزيّة لطلب العلم، وأن تُنمّي الإنتاجيّة، وأن تدعم الشفافيّة في الحكومة، وعليها أيضًا أن تُعزّز العدالة ضمن أفراد الجيل الواحد وفيما بين الأجيال.

في النقاش الحاليّ، يؤدّي نظامُ المبادئ الإسلاميّة دورَ «المصفاة» الأخلاقيّة لتقويم السياسات،

(147)

وهو عملٌ شاقّ، مع ذلك فإنّ هدفنا ليس تطوير الحلول الإسلاميّة، بل إعادة النظر في بعض الإستراتيجيّات الحاليّة وبرامج الحدّ من الفقر أو القضاء عليه وتقويم عبور أهدافها وغاياتها من مصفاة الأخلاق الإسلاميّة. تخضعُ البرامج والإستراتيجيّات إلى العمليّات الحتميّة من التجربة والخطأ، وهي عمليّة تعلُّم مُستمرّة.

ينقسِمُ هذا البحث إلى ثلاثة أقسام. القسمُ الأوّل وصفيٌّ ويتناول بإيجاز مفهومَ الفقر، وأبعاده المكانيّة والزمنيّة، وتحدّيات قياسه وتقويم سياسته عبر الوقت. القسمُ الثاني مفهوميٌّ، ويُركِّزُ النقاش حول الفقر على سؤالٍ نستشعرُ أنّه جوهريٌّ لفهم كافّة أبعاده وأسبابه وسياساته الإصلاحيّة والوِقائيّة: هل الفقراء هم كذلك لأنّهم يعيشون في مجتمعاتٍ فقيرة أو بيئاتٍ غير مؤاتية؟ أو هل أنّهم فقراء لأنّ آبائهم كانوا كذلك؟ يتجاوزُ الجوابُ على هذا السؤال التحليلات الاقتصاديّة ليصل إلى البُنية الاجتماعيّة ـ السياسيّة للمجتمع: توزيعُ الدَّخل والأصول، ومن ضمنها رأس المال البشريّ والمؤهّلات؛ توزيع الفرص خصوصًا في مجال اكتساب الأجر؛ دور السلوك الساعي وراء الرَّيع، والنقص في الحركة الاجتماعيّة والجغرافيّة والمهنيّة. في هذا السياق، يتمُّ توضيحُ المثلّث الرئيسيّ المؤلّف من الفقر والتوزيع والنموّ.

أمّا في القسم الثالث، فإنّنا سوف نُحاول تقليل الإستراتيجيّات المتنوّعة التي تتناولُ الفقر ونحصرها في بضعة أبعادٍ أساسيّة: السياسات البعيدة المدى المستهدَفة لتعزيز القدرات أو زيادة مجال الفرص مع تقليل عوائق الحركة، والسياسات المستهدَفة للإجراءات الإصلاحيّة المؤقّتة، رغم أنّه يُمكن ترسيخ بعض أقسام الأخيرة على الأقلّ لأولئك الذين قد يكونوا غير مُتمكّنين بصفتهم مُعوّقين أو ذوي عاهات. نجدُ أيضًا أنّه من المفيد علميًّا أن نُشير إلى النماذج والإستراتيجيّات التنمويّة في أعوام الستينات، حينما نالَ الاهتمام الوطنيّ والدوليّ بالتطوُّر الاقتصاديّ والاجتماعيّ الاستحواذ. المقارنةُ تسترعي الانتباه، خصوصًا فيما يتعلّقُ ببعض الظواهر الخارجيّة السلبيّة التي تؤثِّرُ على التطوُّر البشريّ. يؤدّي بحثنا إلى الاستنتاج الذي يُفيدُ أنّه من أجل أن تكون السياسات فعّالة يتحتّمُ تحصيلُ فهمٍ تقنيٍّ وتجريبيٍّ للفقر، ولكن ليكونَ ذلك الفهم فعّالًا ينبغي أن يجتمع مع المؤسّسات الفاعلة ونظامٍ داعمٍ من القيم الاجتماعيّة.

(148)

يبدو أنّ اللجوء إلى الأحكام القيميّة استنادًا إلى الإجماع المجموعيّ هو أمرٌ ضروريّ لاختيار السياسات وتطبيقها. يتطلّبُ الالتزامُ الطويل الأجل إجماعًا سياسيًّا، خصوصًا في بيئةٍ تكونُ على هيئة مباراة المجموع الصفريّ، وحيث يؤدّي تطبيقُ السياسات إلى ظواهر خارجيّة سلبيّة كالسلوك الساعي وراء الرَّيع، أو سلوك المستفيد دون مُشاركة، أو إضفاء الطابع الترسيخيّ على الفقر. يؤدّي النقاشُ إلى استكشاف دور الإسلام كنظامٍ من المبادئ الأخلاقيّة في دعمه للسياسات المصمَّمَة للقضاء على الفقر مع تعزيز النموّ المستدام والتطوُّر البشريّ المنصِف. يختتمُ البحث ببعض الملاحظات الاستنتاجيّة.

مفهوم الفقر وقياسه

حصولُ التطوُّر في السياسات الفعّالة الرامية للتقليل من الفقر ورصد تقدّمها وفاعليّتها قد لا يكونان ممكنين من دون تقديم تعريفٍ واضحٍ للفقر يُمكنُ قياسُه بثباتٍ على امتداد المكان والزمان. مع ذلك، ثمّة مشاكل مُعقّدة معروفة تتعلّقُ بتعريف الفقر وقياسه. لا يوجدُ تعريفٌ مثاليّ أو تقنيّةُ قياسٍ مثاليّة لمقارنة الفقر على امتداد البُلدان أو حتّى ضمن البلد واحد. منذ ثلاثة عقود، ميّز مارتن رييْن[1] (Martin Rein) ثلاثة مفاهيم واسعة للفقر يبدو أنّها تستوعبُ أغلب التعقيدات المتّصلة بتحليل الفقر وهي: القوت، انعدام المساواة، والبُعد الخارجيّ. يتعلّقُ القوت بـ«الحدّ الأدنى من المؤونة المطلوبة للحفاظ على الصحّة والطاقة على العمل» (القدرات). أمّا انعدام المساواة، فهو يتعلّقُ بـ«الموضع النسبيّ لفئات الدَّخل حيال بعضها». وعليه، ينبغي النظر إلى مفهوم الفقر في إطار المجتمع ككلّ، فلا يُمكنُ فهم الفقر بشكلٍ كاملٍ من خلال عزل الفقراء والتركيز على سلوكهم باعتبارهم مجموعة خاصّة، ومن المهمّ بشكلٍ مُتساوٍ أن نفهم سلوكَ باقي المجتمع، خصوصًا الشريحة الأكثر ثراءً والاقتصادات الغنيّة. أمّا البُعد الخارجيّ، فهو يتعلّقُ بـ«الآثار الاجتماعيّة للفقر على باقي المجتمع بدلًا من حاجات الفقراء. لا يتعلّقُ الأمر ببؤس الفقراء ومحنتهم بمقدار تعلّقه بانزعاج الشريحة غير الفقيرة في المجتمع والكلفة الموجّهة إليها، وهو أمرٌ حيويٌّ لهذة النظرة حول الفقر».

(149)

يُقدِّمُ هذا الرأي الأخير الأبعاد السياسيّة والاجتماعيّة للسياسات التي تتعاملُ مع الفقر. من ناحية، يؤدّي خطّ الفقر دورَ المؤشِّر على عدم النفع في المجتمع من جرّاء استمرار الفقر. كذلك، فهو يعكِسُ مدى الالتزام الاجتماعيّ ـ السياسيّ[1]ـ من ناحيةٍ أخرى، يفتحُ خطُّ الفقر الباب لتحليل الفقر كمشكلة تتعلّقُ بالتقسيم الاجتماعيّ، سواء أكان الفقر موروثًا على امتداد الأجيال أم محصورًا بمناطق جغرافيّة. تطوّرت عمليّةُ تكوين المفاهيم حول الفقر منذ ذلك الحين، خصوصًا ارتباطاتها الاقتصاديّة الكلّيّة بالتوزيع والنموّ. كانت حالات التقدُّم في هذا الاتّجاه مُفيدةً في توضيح السياسات والإستراتيجيّات المتّصلة بالفقر[2]؛ مع ذلك، فإنّ فهم البيئة الاجتماعيّة ـ السياسيّة والقدرات المؤسّساتيّة المطلوبة على المستويات المحلّيّة أو الوطنيّة أو الدوليّة ما زال يُثيرُ التحدّيات والمشكلات المفهوميّة والقياسيّة غير المحلولة والضروريّة لتطوير السياسات والإستراتيجيّات الفعّالة.

يُقدِّمُ كلّ مفهومٍ طرحه ريين (1970) مشاكل مفهوميّة وتعريفيّة وقياسيّة مُتعدّدة، وما زالَ بعضها جزءًا من البحث النشيط حول الموضوع كما ينعكسُ ذلك على سبيل المثال في التعليقات الختاميّة التحذيريّة حول جودة المعلومات والتعقيدات المفهوميّة والقياسيّة مع المعلومات التي نُشرت حديثًا حول خطوط الفقر الوطنيّة والدوليّة.[3] على سبيل المثال، من غير الواضح إذا كان «خطّ الفقر الدوليّ يقيسُ الدرجة ذاتها من الحاجة أو الحرمان على امتداد الدول».[4]

(150)

ينطبقُ الأمر نفسه عند مقارنة قياسات الفقر داخل الدول، مثلًا: المقارنات الريفيّة ـ المدنيّة. في مُحاولةٍ لجمع الأبعاد الأربعة الرئيسية للحرمان البشريّ، طوّر «تقرير التنمية البشريّة» (1999) «مؤشِّر الفقر البشريّ» (HPI) المتعدِّد الأبعاد بناءً على الحالة الصحّيّة والعلم وتوفير المؤونة والاندماج الاجتماعيّ. رُغم حفاظها على الأبعاد المفهوميّة نفسها، إلّا أنّ مؤشّرات HPI تختلفُ بين البلدان النامية (HPI1) والبلدان الصناعيّة (HPI2). على سبيل المثال، طُبِّق مقياس الدَّخل في البلدان الأخيرة للدلالة على المؤونات الاقتصاديّة بينما طُبِّق توفُّر المؤونة العامّ على البلدان النامية. يُوفِّرُ «مؤشِّر الفقر البشريّ» (HPI) مقارناتٍ مقطعيّة عرضيّة ودوليّة زمنيّة مفيدة. في البلدان النامية يكشفُ HPI1 أنّه في العام 1997 تراوح الفقر بين نسبةٍ مُتدنّية هي 2.6% في بربادوس إلى65.5% في النيجر. بلغ مؤشّر الفقر في ثلاثين دولة 25% على الأقلّ، بينما بلغ مؤشّر الفقر في 14 دولة 35% على الأقل. الفقرُ مُنتشرٌ ومُتركِزٌ في أفريقيا وجنوب آسيا، مع ذلك، يبدو أنّ «مؤشِّر الفقر البشريّ» (HPI) يُعاني من المشكلات نفسها التي ذُكرت آنفًا حول نوعية المعلومات والاتّساق، وبما أنّه مؤشِّر كلّيّ فتدخلُ أيضًا صعوبة تحليل النتائج لتحليل السياسة العامّة أو صياغة إستراتيجيّات التخفيف من الفقر.

حصلتْ بعضُ حالات التقدُّم في مناهج الاستقصاء وتقنيات الاقتصاد الإحصائيّ التي تُحاولُ أن تحصل على رواية أكمل حول الدَّخل والاستهلاك الأسريّ السوقيّ وغير السوقيّ. يُقدِّمُ تحليلُ هذه الدراسات صورةً أوضح عن مشكلة الفقر حول العالم، ولكن بتغطيةٍ ونوعيّة مُختلفتين. مثلًا، ترى بعضُ السلطات أنّ المعلومات الدراسيّة والقياسات الحاليّة لا تُغطّي الأبعاد الكاملة للفقر الضروريّة لتطوير السياسات الفعّالة التي تتعاملُ مع كلّ من الفقر «المزمن» و«العابر».[1] لا ننوي أن نُقدِّم بيانًا تفصيليًّا حول قضايا القياس؛ إذ توجد كمّيّةٌ كبيرة من البيانات التفصيليّة في مواضع أخرى.

(151)

يتمثّلُ هدفنا ببساطةٍ في الإشارة إلى أنّ الفقر يُشكّلُ مفهومًا مُتعدِّد الأبعاد. المقاربة التي تعتمدُ على المقياس النقديّ الكمّيّ للاستهلاك (أو الدَّخل) ليست كافية. يجب توسعتها كي تقيس الظواهر الخارجيّة الاجتماعيّة ـ السياسيّة، كنتيجةٍ لوجود الفقر وإدخال سياسات التخفيف منه. قد يكونُ الأخير مصدرًا للظواهر الخارجيّة السلبيّة المهمّة التي تتصارعُ بشكلٍ مباشر مع أهداف السياسات والبرامج وأدائها، وتتصارعُ مع المنظومات الأخلاقيّة السائدة أيضًا، ومن ضمنها المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة كما سوف يأتي لاحقًا. يبدو أنّه من الضروريّ التوصُّل إلى فهمٍ عميقٍ للبيئة الاجتماعيّة ـ السياسيّة على المستويَيْن الاجتماعيّ والدوليّ المحليَّين الأوسع. ما زال ينبغي تحقيقُ الكثير في ميدان تعريف الفقر وقياسه. على سبيل المثال، رغم أنّه من الضروريّ أن يبقى التخطيط لمعلوماتٍ أفضل وأشدّ اتّساقًا وأولويّةً، تبرزُ الحاجة لموازنةٍ وتنسيقٍ أفضل بين الالتزامات على المستوى الوطنيّ والمحلّيّ حيال التخفيف من الفقر، مع أنّ عولمة أسواق العمل تُمثِّلُ تحدّيًا يُواجه هكذا تنسيق. تركيزُ السياسات ورفعُ وعي المجتمعات المحلّيّة، حيث تكونُ المعلومات أكثر إتاحةً وأقلّ كلفةً وتوظيفها أكثر فاعليّة حول الأبعاد الكاملة للفقر وظواهره الخارجيّة، ينبغي أن يكونا جزءًا من إستراتيجيّات التخفيف من الفقر الأعمّ. مع ذلك، يجبُ الاهتمام بالحجم المثاليّ والحدود الزمنيّة للعنصر التوزيعيّ لهذه المقاربات. تجربة الإستراتيجيّات والبرامج الصحّيّة المجتمعيّة الناجحة، خصوصًا تلك التي تترافقُ مع مؤونات استرداد الكلفة وتفاعلها مع السياسات الاقتصاديّة الكلّيّة الناجحة، قد تخدمنا كمثال. في الوقت الحالي، يجب الحذر أثناء تفسير النتائج لتحليل السياسة العامّة وتقويمها.

حول تطوُّر الفقر وديناميكيّته

أفادَ النقاشُ السابق أنّه لا يُمكنُ النظر إلى الفقر بمعزلٍ عن البيئة الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة والنظام السياسيّ. إستراتيجيّات وسياسات التخفيف من الفقر هي جزءٌ من إستراتيجيّات «التنمية» الإجماليّة، ولكنّنا سوف نُركّز على المثلّث البسيط المؤلّف من الفقر والتوزيع والنموّ، فضلًا عن التفاعلات بينهم. رغم أنّ القِوى الاقتصاديّة مهمّة، إلّا أنّه من الواضح أنّ العوامل الاجتماعيّة ـ السياسيّة والثقافيّة وغيرها من العوامل غير الاقتصاديّة المرتبطة بـ«التنمية

(152)

البشريّة» هي مُندكّةٌ في هذه التفاعلات وتلعبُ أدوارًا مركزيّة في تحليل السياسة العامّة للحدّ من الفقر. ثمّة عامل مهمّ في المرحلة الراهنة من التنمية في الدول الإسلاميّة تتشاركه أغلبُ البلدان النامية، وهو مرحلة انتقالها الديمغرافيّ. من المفيد علميًّا أن نبدأ بهذه الديناميكيّات الاقتصاديّة ـ الديمغرافيّة كأساسٍ لفهم تطوُّر الفقر وديناميكيّته في تلك البلدان. توجدُ ثلاثة أسباب لهذا التركيز؛ السببُ الأوّل هو أنّ التغيير الديمغرافيّ يُصيغُ مصيرَ احتمالات التنمية من خلال آثارها، وفي الوقت عينه تُصيغه عمليّات التنمية ونتائجها. السببُ الثاني هو أنّ النتائج الديمغرافيّة تتضمّنُ ظواهرَ خارجيّة ذا نتائج توزيعيّة ما بين أفراد الجيل الواحد وعبورًا للأجيال تؤثِّرُ على حجم الفقر وشدّته، السببُ الثالث هو أنّ المرحلة الحاليّة من الانتقال الديمغرافيّ تُوفّر فرص التنمية التي تملكُ إمكانيّة التقليل من الفقر. رُغم ذلك، فإنّ هذه الفرص مشروطة بوجود السياسات الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة الداعِمة والالتزامات السياسيّة. ينبغي التأكيد على أنّ النقاش الحاليّ ليس معياريًّا بمعنى الترويج لمسارٍ من العمل في مجال السياسة الديمغرافيّة العامّة، بل يعتمدُ على الاتجاهات الديمغرافيّة المعتمَدة في البلدان النامية وعلى تحليل نتائجها.

لقد دخلتْ، لأسبابٍ عمليّة، جميعُ البلدان الإسلاميّة تقريبًا في المرحلة الأخيرة من الانتقال الديمغرافيّ. هذه المرحلة من الانتقال الديمغرافيّ المتّصلة بالانخفاض المؤجَّل ولكن المتسارع للخصوبة تنطوي على احتمال حدوث النتائح التنمويّة الإيجابيّة من خلال آثارها على التوزُّع العمريّ، ومُشاركة القوة العاملة، والحركة الجغرافيّة والمهنيّة. تُسمّى هذه القدرة التنمويّة في النصوص بنافذة الفرصة الديمغرافيّة. ينبغي أن يتوجّه تركيزُ السياسة العامّة في هذه المرحلة نحو كيفيّة استثمار الاحتمالات التنمويّة لنافذة الفرصة. يُتوقَّع أن ينخفض النموّ السكّاني في العقود القادِمة، بشكلٍ رئيسيٍّ كنتيجةٍ لانخفاض الخصوبة التي كانت قد حافظتْ على مُستوياتٍ عالية على مدى أجيال. في الوقت نفسه، يُتوقّع أن ترتفع المعدّلات الخام للوفيّات مع تقدُّم التوزُّع العمريّ في السنّ، وينتجُ عن ذلك انخفاض النموّ السكّانيّ أكثر. ثمّة نتيجة مهمّة لهذه الديناميكيّات الديمغرافيّة، وهي تبدُّل معدّلات النموّ الطبيعيّة للمجموعات العمريّة المتنوّعة. وعلى الرغم من أنّ المعدّل العامّ للنموّ السكّانيّ ينخفض، يُتوقّع أن يزداد نموّ السكّان في سنّ

(153)

العمل بمعدّلاتٍ أعلى من معدّلات السكّان ككلّ، ويكونُ أعلى على وجهٍ خاصّ من مُعدّلات نموّ الأجيال الأصغر سنًّا. يُتوقّع أن تُحافظ الفئاتُ في سنّ العمل على هذه المعدّلات العالية من النموّ على مدى جيلٍ على الأقلّ، بينما الفئات الأكبر سنًّا سوف تزداد بشكلٍ كبيرٍ في حجمها النسبيّ خلال العقود الآتية. مع وصول المجموعات السكّانيّة إلى وضعها الثابت، سوف يزدادُ حجمُها ولكنّ الارتفاع في الحجم سوف يتركّزُ في الفئات العمريّة فوق عمر الثلاثين. في الواقع، الفئات العمريّة الأصغر سنًّا التي يقلّ سنّها عن عمر الخامسة عشر سوف ينقصُ حجمها المطلق. من المؤكَّد أنّ هذه الأنماط والتغيّرات الديمغرافيّة المعروفة سوف تتحقّق. الاختلافات بين البلدان في الحدود الديمغرافيّة هي مجرّد مسألة وقت ومسألة الأحجام المتوقّعة للفئات في الوضع الساكن، وليست اختلافات في نمط التغيُّر. مع ذلك، يُمكنُ لهذه الاختلافات أن تُنتجَ تبايناتٍ ما بين البُلدان في قوّة رأس مال العمالة، وهذه قد تتسبّب بالضغط على العمالة أو هجرة رأس المال مع زيادة انعدام المساواة وتحقّق الفقر.

في هذه البيئة الانتقاليّة من المعدّلات العالية للنموّ السكّاني للفئات في سنّ العمل والحجم القليل نسبيًا من السكّان المسنّين، فإنّ عبءَ التبعيّة الاقتصاديّة ينخفضُ واحتمالَ الادّخار يزدادُ، وبالتالي يُوفِّرُ فرصةً تنمويّة ديمغرافيّة لمرّةٍ واحدة. فكرةُ نافذة الفرصة بسيطة: مع وجود مُعدّلاتٍ عالية من نموّ العمالة، فإنّ التحوُّل في العرض الكلّيّ للعمالة هو أسرع في هذه المرحلة الانتقاليّة. وفقًا لذلك، يُمكنُ تغيير جودته ـ سواء أكانت جيّدة أم رديئة ـ بمعدّلٍ سريع. مع ذلك، فإنّ الفرصة الإيجابيّة هي مجرّد احتمال. يعتمدُ الأمرُ كلُّه على ما إذا كان يُمكنُ تسيير القدرة على الادّخار الناتجة عن التغيُّرات في البُنية العمريّة إلى استثمارٍ مُنتجٍ وعادلٍ في رأس المال البشريّ، وتعزيز الطلب على العمالة، ووجود الإصلاح الاجتماعيّ المناسب من بين أمورٍ أخرى. يُمكن لنافذة الفرص أن تكون سلبيّة، كما يُمكن أن تكون إيجابيّة. على سبيل المثال، قد لا يُمكن فصْل الانخفاض في الخصوبة عن فخّ التوازن المنخفض مع عدم وجود تحسُّن كبير في جودة التعليم. كما يظهر، شوهدتْ الوفرة النسبيّة في عنصر العمالة في هذه الفرصة في كثيرٍ من البُلدان النامية لبعض الوقت، ومن ضمنها الدول الإسلاميّة، ولكنّها أُهدِرتْ من خلال

(154)

التراكم المحدود في رأس المال البشريّ وسيادة البطالة والبطالة الجزئيّة. وعليه، تمثّلتْ النتيجة في بروز الفقر على نطاقٍ واسع.

ثمّة أمر مؤكَّد في هذه البيئة الانتقاليّة. سوف يتضاعفُ المعروض من العمالة إلى أكثر من النصف في جميع البلدان الإسلاميّة تقريبًا خلال العقود الثلاثة المقبلة. يُمثِّلُ هذا النموّ الذاتيّ تحدّيًا ذا حدَّين: كيف يُمكنُ ـ في وجه المعدّلات العالية من النموّ في القوّة العامِلة ـ إنتاج نوعيّةٍ من الموارد البشريّة تكونُ تنافسيّة على المستوى العالميّ، ويُمكنُ أيضًا إشغالها بشكلٍ مُثمر في أسواق العمل المحلّيّة والعالميّة؟ يتطلّبُ هذا الاحتمال استثمارًا اجتماعيًّا كبيرًا في جودة التعليم والصحّة والبنية التحتيّة. يُشيرُ الأمر أيضًا إلى التنافُس المتزايد في تقسيم الموارد النادرة. هويّة وعدد من سوف يُقصَون جانبًا في عمليّة توزيع القدرات المكتسَبَة والفرص المثمرة يعتمدان إلى حدٍّ كبيرٍ على إستراتيجيّات التنمية التي تمّ تبنّيها، خصوصًا فاعليّتها ومُحتواها العادل. على سبيل المثال، يُحدِّدُ رومر (1999) التساوي في الفرص ضمن مجال اكتساب الأجر على أنّه الإستراتيجيّة الأهمّ لسياسات التخفيف من الفقر. كما عرّفها رومر، فإنّ «الفرص المساوِية لمجال اكتساب الأجر على امتداد المواطنين في المجتمع تعني استعمالَ السياسة الاجتماعيّة (السياسة التعليميّة، والسياسات الأخرى أيضًا) لتعويض الأفراد عن الشائبة الموروثة في ظروفهم».[1] مع ذلك، فإنّ تطبيق هذه السياسات يتطلّبُ الإرادة السياسيّة، الكيانات السياسيّة المؤاتية، الإلتزام الطويل الأمد، ووجود نظامٍ أخلاقيٍّ داعم، وبعضها فيه نقص.

قراءتنا الموجزة للفرص والقيود التي تضعها نافذة الفرصة الديمغرافيّة في الدول الإسلاميّة تُشيرُ إلى احتمال النموّ المستدام الذي يُمكنُ أن يؤدّي إلى التخفيف المستدام في الفقر إذا سادَ جَوّ السياسة العامّة الصحيح. يُمكنُ تسيير الادّخار المحتمل من بُنيةٍ ديمغرافيّة محضة نحو تشكُّل رأس المال البشريّ العادل بجودةٍ تنافسيّة دوليًّا. استطاعتْ دولٌ في شرق آسيا، ومن

(155)

ضمنها بعض الدول الإسلاميّة مثل ماليزيا وإلى حدٍّ أقلّ إندونيسيا، اقتفاءَ الطريق نحو التنمية المستدامة والفقر المخفَّف. مع ذلك، ثمّة تبادلات بين النموّ والتوزيع والفقر كما يظهرُ من خلال النَمذَجَة الاقتصاديّة الحديثة التي تتضمّنُ العوامل السياسيّة في تحديداتها.[1] يُقدِّمُ بعضُها إرشاداتٍ مُستنيرة في السياسة العامّة. على سبيل المثال، في دراسةٍ حديثة حول الفقر في العالم العربيّ ودور انعدام المساواة والنمو، وظّف المؤلّفان علي والبدوي (1999) نموذجًا ديناميكيًّا بسيطًا عن الفقر والنموّ والتوزيع؛ ليوضّحا ما تمّ مُلاحظته في تجربة دُولٍ نامية مُختارة تقعُ في أربع مناطق: المنطقة العربيّة التي تتضمّنُ ستّة بُلدانٍ عربيّة، منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، أمريكا اللاتينيّة، وآسيا. يسمحُ النموذج بالتحقيق حول هويّة الدول التي يتطلّبُ فيها التقليلُ المستدام للفقر السرعةَ في النمو، أو تدابير إعادة التوزيع، أو كليهما معًا.

النتائج الواردة في الصورة 1 تُوضِّحُ كيف استجابَ الفقر للتغييرات في النموّ والتوزيع خلال مرحلة التحليل التي تراوحت بين 1975 ـ 1996. رُغم أنّ مُعدّل النموّ الاقتصاديّ في البلدان العربيّة الستّة كان عاليًا نسبيًّا، حيث بلغ 3 .3%، إلّا أنّ الفقر ازدادَ بنسبة 3 .1%، ويعودُ ذلك بشكلٍ رئيسيٍّ كنتيجةٍ للمعدّل العالي المتوقّع من الزيادة في انعدام المساواة الذي بلغَ 4 .4%؛ أمّا في منطقة أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى، فإنّ النموّ المتوقّع في الفقر كان إيجابًا، ويعودُ ذلك بشكلٍ رئيسيٍّ لتفاقم انعدام المساواة، ولم يكن للنموّ الاقتصاديّ أيّ أثر في تقليل الفقر منذ أن بلغ مُتوسّطه صفر خلال تلك المدّة. تشابهت تجربةُ أمريكا اللاتينيّة مع تجربة الدول الأفريقيّة، فالنموّ المتدنّي وتفاقم انعدام المساواة تسبّبا بمعدّلٍ عالٍ من زيادة الفقر. من ناحيةٍ أخرى، حصلَ انخفاضٌ كبيرٌ في الفقر في عيِّنة آسيا (الصين، الهند، ماليزيا، باكستان، الفليبين، وسريلانكا). كانت الزيادة في انعدام المساواة كبيرةً، ولكن عوّضها بشكلٍ ضخم أثر النموّ الكبير الذي هيمنَ على الأثر التوزيعيّ السلبيّ. مع ذلك، تُشيرُ النتائج إلى أنّ المعدّلات المتوسّطة للمجموعة لا تعكسُ سلوكَ البلد الواحد على حدة. ثمّة اختلافاتٌ كبيرة في سلوك البلدان ضمن المجموعات الأربع.

(156)

لا ينبغي أن تعتمدَ سياساتُ التخفيف من الفقر على المعدّل المتوسّط لسلوك المجموعة، فصحيحٌ أنّ النماذج التي تنجحُ في الاختبار التجريبيّ توفّر فهمًا عامًّا أفضل للروابط، ولكن من أجل تعديل هذه الروابط السلوكيّة من المطلوب تحصيل فهمٍ أفضل للموقع السياقيّ. قد يؤدّي أو لا يؤدّي انعدامُ المساواة إلى الصراع وزيادة وقوع الفقر. تعتمدُ النتائج إلى حدٍّ كبيرٍ على المنظومة السياسيّة، وجود المؤسّسات الفاعلة والمتكيِّفة، المستويات الأوّليّة للحرمان وعمقه، مقدار التقسيم الاجتماعيّ، واحتمالات النموّ. حتّى الدور المحوريذ الذي يلعبه النموّ في التقليل من الفقر قد يكونُ مكبوتًا بناءً على بُنى هذه الحدود الاجتماعيّة ـ السياسيّة. الإدخال الحديث لبعض هذه الحدود، رُغم القياس البدائيّ، في نمذَجَة الفقر بناءً على التحليل على امتداد البلد هو خطوة إلى الأمام في توضيح ديناميكيّات الفقر. أُظهر في العديد من الدراسات أنّ آثار هذه العوامل الاجتماعيّة ـ السياسيّة هي مهمّة إحصائيًّا. مع ذلك، فقد ثبت أنّ تفسير هذه النتائج لصياغة السياسة العامّة هو أمرٌ صعبٌ ومُثيرٌ للجدل.[1]

الدول النامِية بشكلٍ عامّ، ومن ضمنها أغلبُ البلدان الإسلاميّة، تمرُّ وسط تحوُّلٍ اقتصاديٍّ ديمغرافيٍّ أساسيّ ينطوي على احتمالاتٍ وتحدّيات. تتمثّل الاحتمالات في أمثلةٍ عن البُلدان التي استطاعت أن تتحرّك في مسار التطوُّر المستدام الذي خفّف بشكلٍ كبيرٍ من وقوع الفقر. تحقّق هذا الأمر في أغلب الحالات من خلال تقوية مُحدِّدات النموّ على المدى الطويل، بشكلٍ رئيسيٍّ: التعليم الجيّد العادل والمؤسّسات الفاعلة وتبنّي سيادة القانون والمساواة في الحُكم. يؤدّي غيابُ هذه الشروط البنيويّة إلى نموٍ أقلّ، ووقوعٍ أعلى للفقر، وتفتُّت المنظومات الأخلاقيّة التقدُّميّة.[2] ينبغي النظر إلى سياسات التخفيف من الفقر في هذا السياق الديناميكيّ من التفاعل بين احتمالات النموّ والقيم التقدُّميّة.

(157)

هذا التصوُّر ليس مقصورًا على تحليل الفقر. برأي، إنّ فشل عَقد (عشر سنوات) الأمم المتّحدة للتنمية خلال الستينات الذي اعتُبِر فيه أنّ النقص في رأس المال هو القيد الرئيسّي للتنمية، أو في وقتٍ أحدث الصعوبات التي واجهتها اقتصاداتُ النفط لتحقيق التنمية المستدامَة رغُم عدم وجود قيودٍ في رأس المال، جاء إلى حدٍّ كبيرٍ كنتيجة لإغفال الظواهر الخارجية السلبيّة المتّصلة بطراز إستراتيجيّاتها التنمويّة.[1] من المفيد أن نتناول بشكلٍ موجز نماذجَ التنمية في الستينات. ثمّة شبه بين تلك التجربة وأثرها على مسار تنمية البلدان الأقلّ تطوّرًا في ذلك الحين والمحاولات الحاليّة للتخفيف من الفقر. الشبهُ لافتٌ للنظر، خصوصًا في أنماط مظاهره الخارجيّة السلبيّة. يبدو أنّ الاثنين ينظران إلى هذه المشكلة على أنّها مشكلة انتقال من دون تقويمٍ نقديٍّ لأثر هكذا مقاربة على الحافزيّة الفرديّة أو القيم الاجتماعيّة أو الحُكم. رُغم قيامها على نوايا حسنة، إلّا أنّ النتائج التنمويّة لعَقد التنمية في الستينات لم تكن إيجابيّة بالضرورة. لقد عبّرَ الراحل هاري جونسون بشكلٍ جيّدٍ عن المشاكل المتعلّقة بإستراتيجيّات التنمية والجهود التي أُنجزت في ذلك العصر.[2]

بإيجاز، اعتُبِر أنّ تراكُم رأس المال هو جوهر مشكلة التنمية، وقد دعمتْ ثلاثة مصادر أساسيّة هذا الرأي. هذه المصادر هي: التراث الفكريّ للاقتصاد الكلاسيكيّ الإنكليزيّ، إساءة قراءة التجربة السوفييتيّة مع التخطيط الاقتصاديّ، ومُحاولة تسيير عمليّة تحليل أسباب النقص في التنمية نحو تفسيراتٍ لا تمسّ باحترام الذات البشريّة. في هذا الصدد، النقص في رأس المال كتفسيرٍ للفقر ليس لطخةً على الكرامة البشريّة، بينما النقص في التطبيق والإبداع، خصوصًا حينما يتعلّق بالتدريب المتزايد وتشكيل رأس المال البشريّ يُساهِمُ في زيادة هذه اللطخة. استغرقَ الأمر أكثر من عقدٍ من التجربة مع مشكلات التنمية للاكتشاف بأنّ التنمية ليستْ مسألةً بسيطة تتمثّلُ

(158)

بإنتاج ما يكفي من الاستثمار في رأس المال، بل هي مشكلة أكثر تعقيدًا بكثير تتمثّلُ في إنتاج المهارات البشريّة والمعرفة المطلوبة للتعامل مع رأس المال وإدارته والتكيُّف مع التكنولوجيّات والاختراعات الجديدة، وهذا بدوره يستدعي تحوُّلًا في البيئة الاقتصاديّة والاجتماعيّة والقانونيّة والثقافيّة. من دون هذا التحوُّل، ظهرتْ الأنماط التنمويّة السلبيّة، وقد تراوحتْ بين استبدال الاستثمارات المنتجة بالإنفاق غير المنتِج على الزخارف والرموز: الجيوش الكبيرة، الأبنية العامّة والنُصُب المثيرة للإعجاب والمكلِفة، تطوير المعايير المزدوجة في العلاقات الوطنيّة والدوليّة، وكبح الاعتماد على الذات. كلّ هذا قد أدّى إلى فشل عَقد التنمية في أغلب البُلدان النامية. من السهل مُلاحظة الشبه بتطوُّر إستراتيجيّات التخفيف من الفقر عبر استبدال التنمية بالفقر في النقاش الآنف. ننتقلُ الآن كي نتناول الجهود الحالية للتخفيف من الفقر، والتحدّيات التي تُواجهها، والتزامها بالمنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة في مُحاولةٍ لتصنيف إستراتيجيّات التخفيف من الفقر.

القيم والسياسات والمنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة

ركّزنا في النقاش السابق على طبيعة الفقر الديناميكيّة والمتعدّدة الأبعاد، يُنظَر إلى الفقر كجزءٍ من المنظومة الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة والسياسيّة الأعمّ. من هذا المنظور، من الممكن لسياسات التخفيف من الفقر، إن لم يتمّ التخطيط لها بشكلٍ مُلائم، أن تُنتِجَ ظواهر خارجيّة سلبيّة كبيرة تُسيطر ـ بعد إدخال نفسها في المنظومة ـ على الأثر الإيجابيّ للسياسات وتُنتِج خسارة اجتماعيّة صافية. سوف نتوسّعُ في هذا الاقتراح ضمن هذا القسم من البحث، ونُركِّزُ نقاشنا على ما نُسمّيه سياسات التخفيف من الفقر الاستثماريّة. هذه السياسات تملكُ نتائج يُتوقّع أن ترفعَ الإنتاج والإنتاجيّة للأجيال الحاليّة والمستقبليّة. لن يتمّ التطرُّق في هذا التحليل لسياساتٍ أخرى مبنيّة على انتقالاتٍ صُمِّمتْ بشكلٍ رئيسيٍّ لزيادة الاستهلاك الحاليّ للناس الفقراء الذين يفتقدون القدرة على الإنتاج، رُغم أنّه من المتوقّع من التطبيق الناجح لهذه السياسات أن يرفع الرفاه الاجتماعيّ العامّ. هذا هو الحال بما أنّ واجب دعم هذه الفئة من الفقراء يتوافقُ مع القيم الأخلاقيّة العامّة ويجب اعتباره وظيفةً خاصّة واجتماعيّة في أيّ مُجتمعٍ مُتحضِّر. من ناحيةٍ أخرى، فإنّ نجاح النوع

(159)

الأوّل من السياسات ينبغي أن يؤدّي إلى تقليلٍ في العبء المتمثِّل في رعاية الفئة الأخيرة. فضلًا على ذلك، ثمّة نوعين رئيسيَّين من الفقر: المؤقَّت والمزمن، ويتطلّبان التفصيل.

ينشأُ الفقر المؤقّت كنتيجةٍ للفقد المؤقّت للعمل أو التجارة، أو الحصاد غير المثمر، أو الهجرة الطوعيّة بحثًا عن ظروفٍ اقتصاديّة أفضل، حيث يتوقّعُ الأفراد الذين يُعانون من التسريح المؤقّت أو المحاصيل غير المثمرة الطارئة أو المهاجرون أن يعيشوا مؤقّتًا في ظروفٍ سيّئة، ولكنّهم يتطلّعون إلى تحسُّن أوضاعهم، وينطبقُ الأمر نفسه على الأفراد الذين يُضحّون بالاستهلاك الحاليّ للاستثمار في مزيدٍ من التعليم والتدريب. يطبعُ هذا النمط من ديناميكيّة دورة الحياة المجتمع النابض بالحياة والديناميكيّ، مع ذلك فإنّ من الممكن أن لا تتحقّق التوقّعات، وهو نتيجة لعدم الوصول إلى الائتمان أو لوجود الحركة المقيَّدة. وبالنتيجة فإنّ استنزاف أصول رأس المال المادّيّة أو البشريّة يتعدّى احتمال استبدالها، بينما تُنقَل الآثار السلبيّة إلى الأجيال المستقبليّة مع آثار سيّئة تُصيب الصحّة والوضع التعليميّ. هذه آثارٌ اجتماعيّةٌ بما أنّها تمنعُ التطوُّر الكامل للأطفال وأعضاء المجتمع الآخرين. في هذه الظروف، يُعتبَر أنّ الناس ينتقلون من وضعيّة الفقر المؤقّت إلى الفقر المزمن التي تُفاقم الضعفَ الاقتصاديّ، ويُمكنُ أن تؤدّي إلى حالات مجاعة. يُعدُّ التسارع في هذه الحركات علامة على الصعوبات الاجتماعيّة ـ الاقتصاديّة المتزايِدة. يتعلّقُ الفقر المزمِن بالذين هم فُقراء لأنّهم لا يملكون الوسائل للخروج من الفقر؛ إمّا بسبب الظروف البيئيّة، الهجرة اللاإراديّة، أو قيود الحركة الماليّة أو الصحّيّة أو الاجتماعيّة. وتُمثِّلُ هذه المجموعة الأخيرة جوهر تحليل الفقر الذي نوقِش آنفًا وتطرحُ تحدّياتٍ أساسيّة حيال تطوُّر الإستراتيجيّات والسياسات للتقليل من الفقر، خصوصًا حينما يتمُّ التعامل مع انتقال الفقر العابر للأجيال، العائلات الفقيرة، أو الأسر ذات الحجم العائليّ الكبير. للأسف! وكما ذُكر سابقًا، فإنّ المعلومات حول الفقر لم تُصمَّم لتقديم هذه الديناميكيّات الأساسيّة.

 

 

 

(160)

الإستراتيجيّات العامّة للتقليل من الفقر

يُشيرُ التحليلُ السابق إلى أنّ الفقر هو نتيجة للعوامل المتنوّعة، ويقترحُ ثلاث إستراتيجيّاتٍ عامّة للحدّ منه: النموّ، والتوزيع، وتطوير المؤسّسات والترتيبات الاجتماعيّة ـ السياسيّة التي تتعاملُ مع الفقراء. رُغم أنّ هذه الإستراتيجيّات العامّة مُترابِطة، إلّا أنّه يُمكن أن يكون لها آثار مُختلفة على الخفض المستدام للفقر المزمن والمؤقّت وغيرهما من أنواع الفقر على المدى الطويل وعلى المدى المباشر والقصير. يتحتّمُ بحث هذه الإستراتيجيّات كحزمةٍ مُنسَّقة، والنظر إليها كعناصر أساسيّة ضمن إستراتيجيّة تنمية شاملة. ولكنّنا نشعرُ أنّ إستراتيجيّات النموّ الفعّالة التي تحظى بآليّة الفرصة العادلة المبنيّة داخليًّا ينبغي أن تؤدّي دور القاعدة للسياسات المستدامة المقلِّلة من الفقر. كما سوف نُناقشُ فيما يلي، تتناغمُ تلك الإستراتيجيّات المقترَحة مع المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة التي أوجزناها سابقًا.

يرتبطُ وجود الفقر على نطاقٍ ضخم بنقصٍ في التنمي،.و تتضّحُ هذه الحقيقة من خلال قراءة «تقارير التنمية البشريّة» التي تعدّها الأمم المتّحدة. كما أشرنا سابقًا، فإنّ البلدان التي تمكّنت من تحقيق انخفاضٍ مُستدامٍ في الفقر هي تلك التي حقّقتْ مُستوياتٍ مُستدامة من النموّ والتنمية الاقتصاديَّين. من الأمثلة الجديرة بالملاحظة هي كوريا وماليزيا وسنغافورة، بالإضافة إلى بُلدانٍ أخرى حيث انخفضَ الفقر إلى أدنى من 15%. بالفعل، ما زالَ الفقر موجودًا في جميع الدول ذات النموّ العالي والصناعيّة، ولكن نظرًا إلى المستويات المتدنيّة نسبيًّا من الفقر المجتمِعة مع الدَّخل العالي والبيئة الديمغرافيّة المؤاتية والمؤسّسات الفاعلة، فإنّ السياسات الرامية إلى التقليل من الفقر هي أقلّ كلفة نسبيًّا وأكثر فاعليّة. إستراتيجيّات النموّ هي عمليّات طويلة الأجل بطبيعتها. لكي تكون ناجحة، تُركِّزُ إستراتيجيّات النموّ على تعزيز مؤشِّرات النموّ الاقتصادّي على المدى الطويل: التعليم الجيّد، الصحّة وغيرها من المؤشِّرات على القدرات البشريّة، الاستثمار المنتِج، سلوك السوق الفعّال، وتطوُّر الممارسة الديمقراطيّة وسيادة القانون.

عنصر التخفيف من الفقر مُندكٌّ في هذا الإطار ما دام يتبنّى سياساتٍ عادلة لتطوير القدرات البشريّة وتوزيع الفرص. هذا القسم من إستراتيجيّة النموّ هو الأساسيّ لتقليل الفقر بشكلٍ

(161)

مُستدام. الاستثمار العادل في التعليم وجودته ـ خصوصًا على المستوى الأساسيّ لجميع عناصر الفئات الشابّة ـ هو شرطٌ ضروريٌّ إذا أرادت الدول الفرار من دائرة الفقر الشرسة. الشروط الكافية هي الترويج لبيئةٍ تُتيحُ التنافس السليم والفرص المثمرة والحكم العادل، ولكنّ تطوير هكذا بيئة يتطلّبُ الإرشاد الأخلاقيّ الثابت. من المعروف جيّدًا في الأبحاث النفسيّة الحديثة أنّ التطوّر الأخلاقيّ والهويّة الأخلاقيّة يتعزّزان من خلال تأثيراتٍ اجتماعيّة مُتعدّدة تهدي الفرد من الطفولة المبكِّرة في الاتّجاه نفسه. وعليه، بينما يُوفِّرُ الأهل والمنظومة التعليميّة والمجتمع المباشر قاعدة الصناعة، التفكير التخيُّليّ والمستقلّ خلال السنوات التكوينيّة الأولى، إلّا أنّ الشفافيّة في الحكومة والمساواة في حُكم القانون وغيرها من الممارسات والمؤسّسات الديمقراطيّة هي التي تُوفِّرُ الدعم والتعزيز المطلوبَين بعد هذه السنوات التكوينيّة. تحوُّل الجيل التالي إلى قوّةٍ مُنتِجة ومُلتزمة وتنافسّية دوليًّا ذات أهمّيّة جوهريّة لتطوُّر المجتمع السليم وبقائه في البيئة العالميّة الحالّية هو ليس بأقلّ من ثورة حقيقيّة بالنسبة لأغلب البلدان النامية. أعتقدُ أنّ هذه الرؤية حول «التطوُّر مع العدالة المنتِجة» تُمثِّلُ جوهر إستراتيجيّة التقليل من الفقر المستنِدة إلى المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة. في ذلك السياق، يتحتّمُ تصميم إستراتيجيّة النموّ السائدة ـ بل جميع الإستراتيجيّات التوزيعيّة أيضًا ـ وتتّبعها وتقويمها وفق هذه المبادئ.

الإستراتيجيّات والمنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة

تدلُّ المبادئ الأساسية الأربعة في المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة التي ذكرناها في مقدّمة هذا البحث على أنّ الإسلام ينظرُ إلى المجتمع ككيانٍ مُوحّد في مقاربةٍ عامّة عادلة نحو التنمية. فضلًا عن ذلك، فهو يُمهّدُ لمقاربةٍ مُتكيّفة لصياغة السياسة العامّة بناءً على البيئة التكنولوجيّة والمعرفيّة المتغيِّرة. تتوفّرُ الحرّيّة لتطوير التفاصيل بناءً على المفهوم الأساسيّ المتمثِّل بـ«القوى الموازِنة» داخل الأجيال وبشكلٍ عابرٍ لها. فضلًا على ذلك، ليس هناك إجبارٌ في العمل. الحرّيّة الفرديّة والكرامة البشريّة يتمتّعان بالسموّ رُغم خضوعهما لمبدأ المسؤوليّة. هذا يشيرُ إلى أنّه حينما يُمنَح صانعو القرار الحقَّ باكتساب القدرات والفرص فإنّهم يتّخذون قراراتهم الخاصّة المتعلّقة بالتخصيص ويتحمّلون النتائج. المجتمعُ مُلتزمٌ بتوفير البيئة الضروريّة للوصول العادل

(162)

إلى القدرات والفرص، فضلًا عن الشفافيّة في الحكومة. يقعُ عبءُ الاستعمال على الأفراد، إضافة إلى ذلك، ثمّة بُعد اجتماعيّ في كلّ أصلٍ تملكه أو تديره الكيانات الخاصّة أو العامّة. النتيجة هي أنّ الاستهلاك المفرط للأجيال الحالية في قبال الأجيال المستقبليّة غير مُشجَّع عليه وتجب مقاومته اجتماعيًّا. يُشيرُ مجموع هذه المبادئ إلى أنّ السياسات ينبغي أن لا تُنمّي «التبعية» أو الأنشطة غير المثمِرة، وينبغي إضفاء الطابع الؤسّساتي على الفقراء خلال حياتهم أو بشكلٍ عابرٍ للأجيال، وينبغي عدم تبنّي السياسات التي تعتمدُ على انتقالاتٍ لا تُخرج الفقراء من حالة التبعيّة إلّا في الحالات التي لا يكونُ هذا الانتقال ممكنًا فيها. تتشابهُ القاعدة الأخلاقيّة لهذا التحليل مع تلك القاعدة المندكّة في مبادئ السياسة المالية الإسلاميّة التي تُحرّم الدفع أو الاستلام على الموارد المالية المقتَرَضة التي لا تسمحُ بتقسيمٍ عادلٍ للخطر والعائدات، حيث لا تسمحُ بآليّةٍ «دائمة» من انتقال الخطر. تعتمدُ الأخلاقُ الإسلاميّة أيضًا على الفرد وعلى الفعل الخاصّ للتقليل من الفقر. أوضحُ مثالٍ هو واجب الزكاة، فالزكاة تُضفي الطابع الترسيخيّ على مبدأ الاهتمام على المستوى الفرديّ والجماعيّ الضروريّ لتماسك المجتمعات الإسلاميّة. السياسات التي تدعمُ النموّ العادل الذي نوقِش سابقًا تملكُ المبدأ نفسه، فهو جزءٌ من الميثاق الإسلاميّ للحقوق والواجبات.

الملاحظات الختاميّة

ركّزنا في هذا البحث على التحدّيات التي تُواجه القضاء على الفقر في المجتمعات النامية، وأبرزنا التعقيدات في صياغة المفاهيم والقياس، الضروريّة لتنمية السياسات ومراقبتها. الفقر هو نتيجة للنقص في النموّ وعدم المساواة. ركّزنا على عنصر النموّ لأنّه ضروريٌّ لتوفير الفرص للواقعين في الفقر. المساواة ضروريّة، ولكن ينبغي النظر إليها ضمن إطار المدى الطويل من التنمية العادلة للقدرات والوصول إلى الفرص. استدللنا على أنّ هذا الرأي مُتطابقٌ مع المنظومة الأخلاقيّة الإسلاميّة، حيث لا تعتمدُ كرامةُ البشر على التبعيّة. إضافة إلى ذلك، ثمّة دور محوريّ يلعبه الالتزام الفرديّ للمساهمة في التخفيف من الفقر. يتحقّق ذلك من خلال واجب الزكاة الذي ينبغي النظر إليه كمكمّلٍ للالتزام الاجتماعيّ. خلاصة القول، تدعمُ الأخلاق الإسلاميّة إستراتيجيّةً للتخفيف من الفقر تعتمدُ على مبدأ الترويج للنموّ الاقتصاديّ بالعدالة المثمرة.

(163)

 

 

 

المصادر

- Ahmed, K. (ed.), Islam: Its Meaning and Message, London: Islamic Council of Europe, 1976.

- Ahmed, K.,“Forward.” In S.N.H. Naqvi (1994).

- Al-Ebraheem, Yousef and I. Sirageldin,“Renewable Resource Gap and Human Resource Development in Oil Economies,” Forthcoming in Ismail Sirageldin, (ed.), Population and Development Challenges in the Middle East and North Africa: Towards the 21st Century.

- Ali A. Ali and Ibrahim A. Elbadawi, “Poverty in the Arab World: The Role of Inequity and Growth”, Paper presented at the ERF Sixth Annual Conference, Regional Trade, Finance, and Labor, Cairo, 28-31 October 1999. Forthcoming in Ismail Sirageldin, (ed.), Population and Development Challenges in the Middle East and North Africa: Towards the 21st Century.

- Crow, John A., Spain: The Root and the Flower- An Interpretation of Spain and the Spanish People. Berkeley: The University of California Press, 1985.

- Johnson, Harry G., The World Economy at the Crossroads: A Survey of Current Problems of Money, Trade and Economic Development. Oxford, UK: Clarendon Press, 1965.

- Naqvi, S.N.H., Ethics and Economics: An Islamic Synthesis, Leicester, UK: The Islamic Foundation, 1994.

(164)

- Rein, Martin, “Problems in the Definition and Measurement of Poverty”, in Peter Townsend, (ed.), The Concept of Poverty, London: Heinemann Educational Books: pp.46-63, 1970.

- Rodrik, D., “Where did all the Growth go? External Shocks, Social Conflict, and Growth Collapse”, memo, John F. Kennedy School of Government, Harvard University, 1998.

- Roemer, J.E., “Equality of Opportunity”, A Note prepared for the Stiglitz Summer Research Workshop on Poverty, WDR on Poverty and Development 2000/01. Washington DC: World Bank.

- Sirageldin, Ismail, “Islam, Society, and Economic Policy.” In Ismail Sirageldin, (ed.), Population and Development Transformations in the Arab World. Greenwich, Connecticut: JAI Press INC, pp.219-241.

- Sirageldin, Ismail, “Sustainable Human Development in the 21st Century in the Middle East and North Africa: An Evolutionary Perspective”, 2nd Mediterranean Program Lecture. Florence: European University Institute, 1999.

- Smolensky, E, “Investment in the Education of the Poor: A Pessimistic Report”, American Economic Review, Supplement LV, May. 16 Islamic Economic Studies, Vol. 8, No. 1, 1970.

- Squire, Lyn, “Employment, Security, and Opportunity”, A Note prepared for the Stiglitz Summer Research Workshop on Poverty, WDR on Poverty and Development, 2000/01. Washington DC: World Bank.

- Thorbecke, Erik, “Short Note on Poverty Indices and Indicators”, A Note

(165)

prepared for the Stiglitz Summer Research Workshop on Poverty, WDR on Poverty and Development 2000/01. Washington DC: World Bank.

- UNDP, Human Development Report, New York: United Nations Development Program, 1999.

- World Bank, World Development Report 2000, Washington DC: World Bank, 2000.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(166)

 

 

إستراتيجيّات الأئمّة في مواجهة الآفات الاجتماعيّة[1]

علي رضا واسعي[2]

إستراتيجيّات الأئمةعليهم‌السلام

لا شكّ في أن إستراتيجيّات الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، إنّما تهدف إلى حفظ وصيانة عدد من الأصول الأساسيّة. وثمّة من قال: إنّ مسؤوليّة الأئمّةعليهم‌السلام تكمن في الدفاع عن تراث النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وحماية نتائج جهوده المضنية؛ حيث يبرز ذلك في الأمور الآتية:

1. الرسالة والشريعة التي جاء بها النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من عند الله، وتجلّت في الكتاب والسنّة.

2. أمّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي بناها وأنشأها بيديه الشريفتين وعمل على رعايتها.

3. المجتمع السياسيّ الذي أوجده النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أو الدولة التي أرسى دعائمها وأحكم أسسها وقواعدها.

4. القيادة التي كانوا مثالها الكامل ونموذجها التامّ، وقد ربّى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من بين أهل بيته الأطهار بعض الأشخاص الجديرين بمواصلة مسيرته.[3] وعلى حدّ تعبير الشاطبيّ: إنّ الأصول الكلّيّة التي جاءت الشريعة الإسلاميّة من أجلها خمسة، وهي: حفظ الدين، وحفظ

(167)

بحقيقة الإسلام وسط هذه النزاعات، وعندما سمع الإمام الحسين عليه‌السلام باعتلاء يزيد على عرش الخلافة حزن على ما حصل للإسلام، وكيف يمكن أن يحكم باسم الإسلام أشخاص لا يعرفون شيئًا من حقيقة الدين. وعندما دعاه والي المدينة الوليد بن عتبة لمبايعة يزيد، قال في جوابه: «إنّا لله وإنّا إليه راجعون، وعلى الإسلام السلام إذ قد بُليت الأمّة براعٍ مثل يزيد».[1] لم يكن هاجس الإمام الحسين عليه‌السلام هو الوصول إلى السلطة أو الحكم أو المال والمكانة، بل إنّ الذي حمله على ذلك كان هو الدفاع عن الدين وعن شريعة جدّه المصطفى، وقد تجلّت هذه الإستراتيجيّة بعدّة أشكال:

الدفاع عن القرآن

كان القرآن الكريم الذي نزل على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم على مدى ثلاثة وعشرين سنة ـ بعض الأسباب ـ عرضة لخطر تعدّد النُسخ وتكثّر الأفهام؛ ومن هنا كان لا بدّ من العمل على صيانته كي لا يتخلّف عن هدفه وتأثيره. وما أروع إشارة المفكّر محمّد إقبال اللاهوري إلى هدف القرآن الكريم؛ إذ قال في هذا الشأن:

«إنّ الهدف الأساسيّ للقرآن هو أن يوقظ في الإنسان وعيًا أسمى بعلاقاته المتشعّبة بالله وبالكون، وبالنظر إلى هذه الناحية الجوهريّة من تعاليم القرآن نرى جوته[2] ـ وهو يُقدّم عرضًا عامًّا للإسلام كقوّة تعليميّة ـ يوجّه حديثه إلى إكرمان[3]، فيقول: (لسوف ترى أنّ هذه التعاليم لم تخفق أبدًا، وإنّنا بكلّ منظوماتنا لا نستطيع، بل لا يستطيع أحد من البشر أن يذهب إلى أبعد من هذا)».[4]

(169)

إنّ حفظ القرآن الكريم ـ سواء من حيث الظاهر أم من حيث المحتوى ـ ضرورة لا يمكن إنكارها؛ ومن هنا فإنّ الإمام عليّ عليه‌السلام ـ بشهادة التاريخ ـ قد حبس نفسه بعد رحيل النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في بيته متفرّغًا لجمع القرآن الكريم، وعمد إلى بيان الدين وتفسيره من أجل صيانته من التفسيرات الخاطئة والتحريفات المغرضة. وكان يصف نفسه بالقرآن الناطق[1]؛ كي يذكّر المسلمين بقول رسول الله في وصفه بعدل القرآن.[2] وكان سائر الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام قد نظّموا سيرتهم في هذا الاتجاه، وإنّ توقّعات المخاطبين منهم كانت تصبّ في إطار هذه المسؤوليّة؛ كما كان المأمون العبّاسيّ يستعين بالإمام الرضاعليه‌السلام في فهم الكثير من الآيات، وكان الإمام الرضا بدوره يقدّم له إجابات شافية مقرونة بتفسيرات صحيحة.[3]

إحياء السنّة النبويّة

إنّ التعاليم السماويّة النازلة في إطار الوحي على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم واكتست حُلّة القرآن الكريم، لا تكفي لهداية وإرشاد المسلمين؛ لا لأنّها لم تشتمل على جميع ما يحتاج إليه الناس، بل لأنّ إدراكها وفهمها بشكل كامل وتامّ لا يتوفّر لجميع الأشخاص العاديّين، وإن حلّ هذه المعضلة لا يكون ممكنًا إلّا للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وسنّته المطهّرة، والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام على مذهب الشيعة. لقد دعا القرآن الكريم المسلمين إلى اتّباع أوامر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ونواهيه[4]، وعرّف

(170)

بسيرته بوصفها السيرة الجديرة بالتأسّي والاقتداء[1]، وفسّر الإسلام بالنظر إلى هذا المعنى.[2] لقد كان أهل البيت عليهم‌السلام أو العلماء والذين يقيمون سنّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يجهدون طوال حياتهم من أجل بيان هذه النقطة، بل وقد تحدّث بعضهم بذلك صراحة. وقد كان الإمام الحسن عليه‌السلام هو أوّل شخص من أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يلجأ إلى هذا الاتجاه بوصفه إستراتيجيّة عامّة في توجيه دفّة الأمور وإدارتها، فكان عليه‌السلام سواء في مرحلة مبايعة الناس له[3]، أو في مرحلة إرسال المكاتيب إلى معاوية، يؤكّد على هذا الأصل[4]؛ بيد أنّ الذي يميّز اتجاه هذا الإمام ـ بوصفه رائد التفكير الشيعيّ ـ من سائر الاتجاهات الأخرى هو التعريف بأهل البيت عليهم‌السلام بوصفهم طريقًا للوصول إلى السنّة، النبويّة.

لقد كان الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يسعون إلى بيان نسبتهم إلى النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قبل أيّ شيء آخر. فقد تحدّث الإمام الحسن عليه‌السلام في مختلف المواطن عن مكانته الأسريّة وانتسابه إلى أهل بيت الوحي والرسالة. إنّ الإمام في هذا الشأن ـ مثل سائر الأئمّة الآخرين عليهم‌السلام ـ لم يكن في هذا الشأن بصدد الحصول على فضيلة هذا الانتساب، أو أن يحظى باهتمام الناس من هذه الناحية؛ إذ لم يكن يخفى عليه ولا على المجتمع في عصره أنّ الشرف والفضيلة لا تتحقّق بالوراثة والنسب؛ إنّما الفضائل المكتسبة والاختياريّة هي التي من شأنها أن تمنح الاعتبار للشخص المسلم[5]؛ بيد أنّ هناك نقطتين رئيستين أوجبتا هذا الاتجاه، بالإضافة إلى الأبعاد النفسيّة والتربويّة المؤثّرة، وهما أوّلًا: علم أهل البيت عليهم‌السلام بالسنّة والسيرة النبويّة بحكم ملازمتهم لها على الدوام. وثانيًا: التصريح والنصّ الصادر بحقّهم من عند الله تعالى بطهرهم وعلوّ شأنهم، وتعريفهم بوصفهم خير من يعمل على

(171)

بيان السنّة المطهّرة. لقد كان الإمام الحسن المجتبى عليه‌السلام يُصرّ على هذا الأصل بشدّة، ويؤكد على التعريف بنفسه بوصفه من أهل البيت الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهّرهم تطهيرًا[1]، وأعلن في ضوء ذلك عن مسؤوليّته وصلاحيّته في المحافظة على السنّة النبويّة وإحيائها.

وفي ضوء هذه الإستراتيجيّة، ثار الإمام الحسين عليه‌السلام بوجه السلطة السياسيّة ليزيد بن معاوية، فهو حيث كان يواجه ـ مثل أخيه الإمام الحسن عليه‌السلام ـ سياسة مخادعة تعتمد على التزوير والاحتيال، بذل كلّ ما بوسعه من أجل كشف القناع عن الوجه الحقيقيّ والمنافق للسلطة الأمويّة الجائرة؛ فقام لذلك بثورة غير متكافئة، لم تخف نتائجها على أحد؛ ولكنّه في المقابل حال بذلك دون اندثار معالم السنّة النبويّة، وقد أشار في مختلف المواطن إلى هذه الإستراتيجيّة، واعتبر ذلك مسؤوليّة ملقاة على عاتقه، ومن ذلك قوله:

«من رأى سلطانًا جائرًا مستحلًّا لحُرم الله، ناكثًا لعهد الله، مخالفًا لسنّة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يعمل في عباد الله بالإثم والعدوان، فلم يغيّر عليه بفعل ولا قول، كان حقًّا على الله أن يُدخله مدخله، ألا وإنّ هؤلاء قد لزموا طاعة الشيطان، وتركوا طاعة الرحمن، وأظهروا الفساد، وعطّلوا الحدود، واستأثروا بالفيء، وأحلّوا حرام الله وحرموا حلاله، وأنا أحقّ من غيّر».[2]

وفي ضوء النتيجة التي يتوصّل إليها ابن أعثم، فإنّ الإمام عليه‌السلام يربط الأفضليّة والاستحقاق من خلال الانتساب إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وقرابته[3]؛ وكأنّ حقيقة السنّة النبويّة تكمن في هذه القناة المتمثّلة بأهل بيته.

كما قال الإمام في جوابه لابن عباس الذي نهاه عن الخروج من مكّة المكرّمة:

«إنّي لم أخرج بطرًا ولا أشرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي محمّد، أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وسيرة أبي عليّ بن أبي طالب، فمن قبلني بقبول الحقّ فالله أولى بالحقّ وهو أحكم الحاكمين».[4]

(172)

وبناء على رواية أنّ الإمام الرضاعليه‌السلام عندما طلب منه المأمون أن يقيم صلاة العيد، كان أكبر همّه ـ مثل سائر الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ـ هو إحياء السنّة النبويّة، وإن كان منهجه وأسلوبه في ذلك لم يحظ بقبول أجهزة الحكم والسلطة.[1]

وإنّ نشاط وجهود الإمام زين العابدين، والإمام الباقر، والإمام الصادق عليهم‌السلام، وكذلك الإمام الكاظم عليه‌السلام ـ في إطار الأدعية المأثورة والروايات المتداولة حاليًا بين المسلمين، ولا سيّما الشيعة منهم ـ إنّما كانت تصبّ في بيان وإحياء السنّة التي تعرّضت للتغيير والتحريف عبر الزمن. إنّ مدرسة الإمام زين العابدين عليه‌السلام القائمة على الدعاء، والتي تنطوي على أسمى أنواع المناجاة والتضرّع إلى الله، تشير إلى الطريقة الصحيحة للارتباط مع الله سبحانه وتعالى في الثقافة النبويّة؛ كما أنّ فقه الإمامين الصادقين عليهما‌السلام يمثّل سعيًا إلى بيان حقيقة الشريعة النبويّة، وعندما طلب المأمون من الإمام الرضا أن يقيم صلاة العيد، أصرّ الإمام الرضاعليه‌السلام على إقامتها على ما كانت عليه في السنّة النبويّة.[2]

بيان الأصول القيَميّة والأخلاق الإسلاميّة

إنّ تمييز القيَم من أضدادها والأخلاق من عدم الأخلاق في خضمّ الحياة الاجتماعيّة، يستحيل على الكثير من الناس، وليس من السهل إثبات أيّ شخص يمضي على أساس الأخلاق والفضيلة، ومن الذي يعمل على استثمار واستغلال القيَم والأصول الإنسانيّة -  الإسلاميّة. وإنّ مهمّة أئمّة الدين تكمن في بيان منهج وأسلوب الحياة والتعريف بالطريق الصحيح من الطريق المنحرف، بل وتعيين الموازين والملاكات لتقويم الأشخاص. لقد تمكّن الإمام عليه‌السلام ـ في ضوء هذه الإستراتيجيّة ـ من تمييز الشيعة الحقيقيّين من المرائين وأصحاب الدنيا من جهة، وكشف القناع عن وجه أدعياء التديّن وعبّاد السلطة من جهة أخرى. وكما تشير التقارير التاريخيّة، فإنّ عدد الذين اجتمعوا حول الإمام عليه‌السلام لمبايعته كان كثيرًا جدًّا؛ ولكن ما هي نسبة الذين كانوا صادقين

(173)

منهم في بيعتهم، وكم هو عدد الذين سيتفرّقون من حوله عند أدنى مواجهة.[1] وقد أدّى المنهج المدروس للإمام عليه‌السلام إلى كشف القناع عن الوجوه، وتمّ بذلك التعرّف على طائفة من الأمويّين، وعلى بعض الخوارج، ومجموعة من المتردّدين والمشكّكين الذين تغلغلوا بين الصحابة.[2] فقد أدرك الأصحاب الحقيقيّون للإمام عليه‌السلام ، من هم المتغلغلون في أوساطهم؛ فإنّ هجوم جراح بن سنان الأسديّ على الإمام عليه‌السلام وجرحه،[3] ونهب خيمته، وسحب سجّادة الصلاة من تحت قدمية،[4] إنّما صدر عن الأشخاص الذين كانوا حتّى ذلك الحين يتواجدون بين أصحابه. وبالإضافة إلى ذلك فإنّ كشف القناع عن الوجه القبيح لمعاوية ـ الذي كان يُعرّف عن نفسه بوصفه مسلمًا مخلصًا وجديرًا بالخلافة ـ إنّما أصبح ممكنًا من خلال هذه الإستراتيجيّة، وإن كان مكشوفًا بالنسبة إلى الإمام والخاصّة من أصحابه. وكان الإمام عليّ عليه‌السلام قد أوصى بعض أمرائه، بقوله: «وقد عرفتُ أنّ معاويّة كتب إليك يستزلّ لُبّك ويستفلّ غربك فاحذره؛ فإنّما هو الشيطان يأتي المؤمن من بين يديه ومن خلفه وعن يمينه وعن شماله ليقتحم غفلته ويستلبَ غرّته».[5] ولكن على الرغم من ذلك كان هناك في الوقت نفسه من يعتبره صحابيًّا وخليفة للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأنّه يحمل هاجسًا دينيًّا. وقد عملت إستراتيجيّة الإمام على كشف أسراره وفضح غاياته الأساسيّة وعمل على بيانها إلى الكثير من الأشخاص، وتأكّد لهم أنّ شعار المطالبة بالثأر لعثمان بن عفان ـ الذي رفعه لتبرير حربه ضدّ الإمام علي عليه‌السلام وهو خليفة المسلمين بحقّ، واعتبار ذلك أمرًا مشروعًا بالنسبة إليه ـ لم يكن سوى ذريعة واهية؛ وذلك لأنّه قبل في بنود الصلح بعدم ملاحقة المتّهمين بقتله.[6] كما أثبت الإمام عليه‌السلام أنّ معاوية لا ينتهك عهوده ومواثيقه فحسب، بل ولا شأن له بتديّن الناس

(174)

أيضًا، وأنّ المهمّ بالنسبة إليه إنّما هو الإمرة والحكم وبسط سلطانه على الناس؛ كما أعلن عن ذلك صراحة في اجتماعه بأهل الكوفة؛ إذ قال لهم: «أتروني قاتلتكم على الصلاة والزكاة والحج، وقد علمت أنّكم تصلّون وتزكّون وتحجّون، ولكنّني قاتلتكم لأتأمر عليكم وعلى رقابكم».[1]

المطالبة بالحقّ ومقارعة الباطل

لقد كانت هذه الإستراتيجيّة متبلورة في جميع أبعاد حياة الأئمّةعليهم‌السلام ، وكانت تُعدّ من بين جهودهم الأساسيّة، وكانوا يسعون بشتّى الطرق إلى بيان الحقّ وكيفيّة التعرّف عليه من قبل المسلمين وتمييزه من الباطل. وإنّ ما صرّح به الإمام عليّ عليه‌السلام في حادثة السقيفة، وانعكس في نهج البلاغة تحت عنوان الخطبة الشقشقيّة،[2] يمثّل خطوة في هذا الاتجاه، فعلى الرغم من علمه بأنّ الماء المنسكب لا إعادته إلى الإناء، وأنّ السلطة التي تشكّلت لن تتغيّر، إلّا أنّ ذلك لم يكن ليمنعه عن بيان طريق الحقّ بوصفه مسؤوليّة ملقاة على عاتقه. وكان الإمام الحسين عليه‌السلام بدوره يقول في الجواب عن السؤال العجيب الذي يطرحه عليه بعض المحيطين به: ألا ترون «أنّ الدنيا قد تغيّرت وتنكّرت وأدبر معروفها واستمرّت جدًّا، فلم يبق منها إلّا صبابة كصبابة الإناء وخسيس عيش كالمرعى الوبيل، ألا ترون أنّ الحقّ لا يُعمل به وأنّ الباطل لا يُتناهى عنه؛ ليرغب المؤمن في لقاء الله محقًّا، فإنّي لا أرى الموت إلّا شهادة ولا الحياة مع الظالمين إلّا برمًا».[3]

الإستراتيجيّة الناظرة إلى الإنسان

تبلورت بعض أعمال الأئمّةعليهم‌السلام قد بالنظر إلى هذه الإستراتيجيّة، دون أن تخلّ بالمبنى الإلهيّ الذي ينتهجونه، فإنّ الإنسان الذي ارتقى في النزعة الإنسانيّة إلى حدود الألوهيّة وأخلد بنفس المقدار إلى الأرض، يحظى في العقيدة الإسلاميّة بمكانة خاصّة، دون أن يتعارض مع المكانة الإلهيّة.

(175)
قيمة الإنسان وتحقيق السعادة له

يمثل الإنسان بوصفه الكائن الأسمى في عالم الخلق والذي خُلق كلّ شيء من أجله الأساس الفكريّ الآخر للأئمّة الأطهارعليهم‌السلام . قال الإمام عليّ عليه‌السلام في وصيّته إلى الإمام الحسن عليه‌السلام : «أكرم نفسك عن كلّ دنيّة وإن ساقتك إلى الرغائب، فإنّك لن تعتاض بما تبذل من نفسك عوضًا، ولا تكن عبد غيرك وقد جعلك الله حرًّا».[1]

وقال أيضًا: «أيّها الناس، إنّ آدم لم يلد عبدًا ولا أمَة، وإنّ الناس كلّهم أحرار».[2] إنّ هذا الكلام يُعبّر عن عظمة وكرامة نفس الإنسان، وينبغي عدم انتهاكها بأيّ حال من الأحوال.

وقد ذكر الإمام الحسين عليه‌السلام في واحدة من خطبه أنّ من بين أسرار ثورته هي التخلّص من التماشي مع الأشرار؛ إذ قال:

«ألا وإنّ الدّعي ابن الدّعي قد ركز بين اثنتين؛ بين السلّة والذلّة، وهيهات منّا مأخذ الذلّة، يأبى الله لنا ذلك ورسوله والمؤمنون، وحجور طابت وطهرت، ونفوس أبيّة وأنوف حميّة، من أن نؤثر طاعة اللئام على مصارع الكرام».[3]

في هذا الاتجاه يضع الإمام يده على قيمة الإنسان بوضوح، ويعدّ حركته الثوريّة بوصفها أمرًا إنسانيًّا، وهو المفهوم الذي ظلّ على مدى التاريخ أيقونة تدعو إلى التفاخر والاعتزاز بين الناس، وتشكّل أسوة وقدوة للأحرار كي لا يبيعوا أنفسهم بثمن بخس.

الحفاظ على أرواح وأموال الناس والشيعة

يعدّ الأمن الاجتماعيّ من المسائل الأساسيّة في الحياة الإنسانيّة، فمن دونه لا يتراجع النموّ والازدهار الحضاريّ فحسب، بل وتتعرّض حتّى الحياة العاديّة والبدائيّة للناس إلى الخطر أيضًا. إنّ سلوك معاوية مع أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والشيعة، ضاعف من مخاوف وهواجس الإمام الحسن عليه‌السلام ؛ ومن هنا فقد عمل هذا الإمام على بذل كلّ ما بوسعه من أجل تحقيق الأمن العامّ في

(176)

المجتمع. وقد تمخّض عن هذا الاتجاه إضافة بند أن يكون الناس آمنين على أرواحهم وأموالهم وأبنائهم ونسائهم إلى بنود الصلح؛[1] كما أنّ التأكيد على أمن أصحاب الإمام عليّ عليه‌السلام وشيعته بشكل خاصّ، كان مؤشرًّا على علم الإمام بخداع معاوية أيضًا.[2]

كما أنّ الإمام الحسن عليه‌السلام كان مهتمًّا بهذا الأصل الجوهريّ في بنود الصلح، فقد كان يُصرّح به لأصحابه في خطبه أيضًا، ويقول إنّه إنّما لجأ إلى ذلك من أجل الحفاظ على دمائهم وإصلاح أمر المسلمين، وإنّه يعلم أنّ في ذلك اختبارًا لهم ومتاعًا إلى وقت معلوم.[3] فعلى الرغم من علم الإمام الحسن عليه‌السلام بأنّ أصحابه وأعداءه لن يقبلوا بمثل هذا الشعور بالمسؤوليّة من قبله، وأنّ الأعداء سوف يُفسّرونه على أنّه دليل على قدرتهم وشوكتهم، ويحمله الأصحاب على أنّه ضعف أو جبن من الإمام، إلّا أنّ ذلك كلّه لم يكن ليشكّل رادعًا يحول دونه ودون تحقيق الأمن والحفاظ على أرواح المسلمين.

الإستراتيجيّة الناظرة إلى المجتمع الإسلاميّ (الأمّة)

إن بعض إستراتيجيّات الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ناظرة إلى المجتمع المطلوب والمنشود؛ وهو المجتمع الذي يمكن اعتباره مجتمعًا إنسانيًّا وكريمًا حقًّا؟ في مقام بيان هذا الأمر المهمّ والمحوريّ، لا بدّ من بحث الأصول أدناه:

التطلّع نحو المستقبل وتجاوز الأحداث الراهنة

للوصول إلى تحقيق المجتمع المتعالي والمطلوب الذي يعلم على توفير الهدوء والسعادة، يجب العمل على تجاوز المصالح الشخصيّة والأسريّة والتطلّع نحو المستقبل، وفي ضوء هذا الاتجاه عمد النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى دعوة المسلمين للسعي وبذل المزيد من الجهد والعمل، بل وكان هو بنفسه في طليعة هذا المشهد. كما كان الإمام عليّ عليه‌السلام ـ بالإضافة إلى توجيه الآخرين وإرشادهم ـ

(177)

يعمل بنفسه في حفر الآبار وعمارة الأرض وزراعة الحقول والنخيل أيضًا. وكان الأئمّة بدورهم يهتمّون بهذه الأعمال ويدعون أتباعهم إلى الاهتمام بها أيضًا. وبالإضافة إلى العمل والنشاط، فقد كانت القرارات التي يتّخذها الأئمّة الأطهار في الأبعاد السياسيّة والاجتماعيّة، تنطوي على تحليل مختلف من هذه الزاوية. واعتزال الإمام عليّ عليه‌السلام وسكوته في عصر الخلفاء الثلاثة، وصلح الإمام الحسن عليه‌السلام ، وكذلك ثورة الإمام الحسين عليه‌السلام إنّما تكتسب معناها ومفهومها من زاوية هذه الإستراتيجيّة؛ كما أنّ أدعية الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، وتعاليم الإمامين الصادقين عليهما‌السلام ونشاطات سائر الأئمّة الآخرين عليهم‌السلام لها في الاتجاه الحضاريّ قيمة أخرى. ومكافحة ظاهرة انحراف المسلمين من قبل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم تجاه أصحابه ـ على سبيل المثال ـ وإنكاره الشديد لربط موت نجله إبراهيم بالظواهر السماويّة والطوفان،[1] لم تكن منحصرة بالنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؛ فقد سلك الإمام عليّ عليه‌السلام ذات هذا الاتجاه في مواجهة بعض الأتباع الذين رفعوه إلى ما فوق مستوى البشر أيضًا.[2] كما عرّف الإمام الرضاعليه‌السلام بنفسه ـ خلافًا لرؤية بعض أتباعه ـ بوصفه إنسانًا يعمل من أجل مرضاة الله سبحانه وتعالى. إنّ هذه الأمور لا تعدّ منطقية من وجهة نظر أولئك الذين يسعون وراء الحصول على القدرة والسلطة والمكانة الاجتماعيّة، بيد أنّ الإنسان الذي يتطلّع إلى المستقبل والذي يتقدّم في ضوء الاتجاه الحضاريّ، لا يعمل إلّا على هذه الشاكلة.

إصلاح الحكم وأجهزة السلطة

إنّ الذي يحظى بالأهمّيّة في هذه الرؤية أكثر من أيّ شيء آخر، هي النظرة الحضاريّة للأئمّة الأطهارعليهم‌السلام إلى المجتمع الإسلاميّ. وهي أنّ الأمّة الإسلاميّة والمحمّديّة يجب أن تكون أمّة ومجتمعًا مثاليًّا، وأن يكون هذا المجتمع طليعيًّا في عصره وفي جميع العصور عبر التاريخ، ومن هذه الناحية فقد عملوا على بيان مفهوم الإمامة وقيادة المجتمع الإسلاميّ بشكل دقيق. لقدّ عمد الأئمة إلى تعريف الإمام في المجتمع الإسلاميّ بوصفه ركنًا أساسيًّا وعنصرًا في الاتحاد[3]

(178)

وفي تناغم وقوام المجتمع، وأنّه لولا وجود الإمام لساخت الأرض بأهلها.[1] وبغضّ النظر عن الاتجاه الدينيّ، فإنّ الحقيقة هي أنّ مفهوم الحكم والسلطة في المجتمع الإنسانيّ، مظهر للتقدّم ومثال للحضارة في هذا المجتمع. إنّ الحكم الذي يقوم على أساس القيَم الإنسانيّة والإلهيّة، يمكنه بطبيعة الحال أن يبني مجتمعًا متعاليًا ومثاليًّا، وأن يمهّد الطريق أمام التكامل والتعالي؛ وعلى حدّ تعبير إقبال اللاهوريّ فإنّ الحكم من وجهة نظر الإسلام عبارة عن سعي من أجل تحقيق الأصول المثاليّة للمساواة والمسؤوليّة المشتركة والحرّيّة التي هي جوهر التوحيد على شكل قوى زمانيّة -  مكانيّة.[2]

وكان الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام بالنظر إلى هذه النقطة يهتمّون أوّلًا: بضرورة وجود الإمام في المجتمع، وثانيًا: عمدوا إلى بيان شرائط الإمام وكيفيّة اختياره وانتخابه، وثالثًا: قالوا بوجوب معرفة الإمام من قبل الجميع، وبالتالي فقد عملوا على بيان حقوق الإمام وأتباعه، لكي يتّجه المجتمع الإسلاميّ نحو المسار الإنسانيّ. ومن هنا فإنّ الإمام عليّ عليه‌السلام على الرغم من علمه بأنّه خليفة رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم حقًّا، إلّا أنّه في الاحتجاج على معاوية قد أكّد على اجتماع الناس على خلافته، لكي يعمل بذلك على بلورة نموذج اختيار الإمام في الذهنيّة الإسلاميّة، ولا تتحوّل إلى مؤسّسة تحتكرها الأسرة أو يتمّ تناقلها بالتوريث أو التفويض، كما ربط أحد عناصر الخلافة بإرادة الناس؛ وقال في ذلك:

«أما والذي فلق الحبّة، وبرأ النسمة، لولا حضور الحاضر، وقيام الحجة بوجود الناصر، وما أخذ الله على العلماء أن لا يقارّوا على كظّة ظالم ولا سغب مظلوم، لألقيت حبلها على غاربها، ولسقيت آخرها بكأس أوّلها».[3]

(179)

كما أكّد الإمام الحسن عليه‌السلام على انتخاب الناس، وقال الإمام الحسين عليه‌السلام إنّ دعوة الناس إليه كان واحدًا من دوافع ثورته أيضًا.

إصلاح المجتمع الإنسانيّ وأمّة النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم

إنّ الإستراتيجيّة الأهمّ للإمام عليه‌السلام يمكن بحثها في هذه الغاية؛ كما كان سائر الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يتبعون هذه الإستراتيجيّة أيضًا. إنّ وظيفة الإمام ومهمّته لا تتجاوز ما تمّ تعريفه من المهام والوظائف للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وإنّ النبيّ بحكم المعطيات القرآنيّة، كان يسعى إلى بناء الإنسان المتعالي وتطوير بنيته العلميّة والمعرفيّة، وصولًا إلى بناء المجتمع السالم. فلو اقترن تحقّق هذا الأمر بالنسبة إلى الإمام بامتلاك السلطة فإنّهم سوف يضطلعون بمهام الإمامة من الناحية العمليّة أيضًا، وإن كان تخلّيهم عن السلطة يؤدّي إلى صلاح المجتمع، فإنّهم سوف يتركون السلطة من دون تردّد.

إنّ المجتمع المنشود للإمام عليه‌السلام هو المجتمع القائم على القيَم التوحيديّة، ومن أبرز وجوه هذا المجتمع هو العدل والمساواة بين الجميع في الحصول على المزايا الاجتماعيّة، والكرامة الإنسانيّة، والحرّيّة والأمن؛ ومن هنا فقد سعى الإمام من أجل تحقيق هذا المجتمع، وإذا أدّى اقتدار الإمام إلى زيادة الشرخ في هذا المجتمع، فأيّ اعتبار يمكن القول به بالنسبة إلى ذلك المجتمع؟ إنّ الإمام في مستهلّ حواره مع المبايعين، عندما يواجه اشتراط الحرب مع العدوّ، فإنّه يبدي رأيه بشكل صريح في إطار الملاحظات الدينيّة دون الملاحظات السياسيّة بالضرورة؛ ومن هنا يكون قد أزال شرط القتال مع الذين حرّموا حلال الله عن أذهانهم. وفي ظلّ هذا الذي يبدو عامًّا بحسب الظاهر، كان الإمام يرمي الشرط ـ بطبيعة الحال ـ إلى مصاديق محدّدة، وقد يكون من بينها ترقّب التحاق بعضهم بجيش الإمام عليه‌السلام في المستقبل.[1] وهذا الأمر هو الذي كان يحذّر الإمام من القبول به. من الواضح أنّ الخلافة بالنسبة إلى الإمام الحسن عليه‌السلام ، لم يتمّ تعريفها بمعنى الحكم المستبدّ والسلوك العنفيّ تجاه المخالفين، وإنّما كان يأخذ إمامة الناس ـ التي تعني الهداية

(180)

نحو الصلاح والصواب ـ بنظر الاعتبار؛ إذ كان هذا الهدف قابلًا للتحقّق بواسطة السلوك المسالم وانتهاج اللين، ومن هنا فقد أضاف في شرط البيعة السلام مع كلّ من يسالمه الحسن عليه‌السلام بدلًا من القتال.[1] وكذلك فقد أصرّ في كتابه إلى معاوية على عدّة نقاط أساسيّة؛ حيث تعبّر عن الاتجاه الدينيّ والإستراتيجيّة السماويّة لهذا الإمام الهمام عليه‌السلام ؛ من بيان مكانة وخصوصيّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهو الذي وصفه الله سبحانه وتعالى بأنّه رحمة للعالمين، وإظهار الحقّ على يديه، والقضاء على الشرك والوثنيّة، ثمّ إصرار الإمام في نهاية المطاف على سيادة الكفاءة في الجتمع الدينيّ، حتّى تكون لها الكلمة الفصل في هذا الشأن. إنّ الإمام عليه‌السلام لا يرى معاوية صاحب فضيلة في الدين، ولم يحدث أثرًا إيجابيًّا في الدين؛ ولذلك فإنّه لا يراه جديرًا بحكم المجتمع الإسلاميّ وقيادته.[2]

إن تأكيد الإمام الحسن عليه‌السلام على أنّ قبوله بالصلح إنّما يهدف إلى إصلاح أمّة النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والحفاظ على دماء الناس[3] كان يدعو الناس إلى اتباع سياسته. وكان هاجسه الأكبر يكمن في إصلاح المجتمع الإسلاميّ؛ ولذلك فإنّه لم يقبل بأيّ خيانة، وإن كانت لمصلحته. ومن هنا فإنّه عندما جاء يومًا رسول معاوية إلى الإمام الحسن عليه‌السلام وكان فيما قال له: أسأل الله أن يحفظك ويهلك هؤلاء القوم. قال له الإمام الحسن عليه‌السلام : «رفقًا، لا تخن من ائتمنك، وحسبك أن تحبّني لحبّ رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ولأبي وأمّي، ومن الخيانة أن يثق بك قوم، وأنت عدوّ لهم وتدعو عليهم».[4]

الحفاظ على جماعة المسلمين

على الرغم من أنّ بعض الأشخاص كان يرى في الحكم والسلطة ـ طوال التاريخ ـ هدفًا للحصول على القدرة، ولكن كان هناك حقًّا من يرى السلطة وسيلة لتحقيق الأهداف السامية

(181)

وتعزيز الهويّة الإسلاميّة ودعم أركان المجتمع الإسلاميّ.[1] فإن كان الحصول على تلك الأهداف ممكنًا من طريق آخر، أو كان في إيثار السلطة ما يستوجب إضعاف هذه الغاية، فإنّهم سوف يتنازلون عنها بموجب القيَم الدينيّة ويسلكون طريقًا آخر. إنّ الإمام عليّ عليه‌السلام هو المثال والنموذج في هذه القاعدة، وسائر الأئمّة الآخرين قد ساروا على نهجه في سلوك هذا الطريق واتّباع هذه القاعدة، فإنّ الإمام عليّ عليه‌السلام على الرغم من علمه بأنّ أصل الحكم من ضروريّات الحياة الاجتماعيّة للناس، وكان يقول في ذلك:

«إنّه لا بد للناس من أمير برّ أو فاجر يعمل في إمرته المؤمن ويستمتع فيها الكافر ويبلغ الله فيها الأجل، ويجمع الفيء، ويُقاتل به العدوّ، وتأمن به السُبُل، ويؤخذ به للضعيف من القويّ، حتّى يستريح برّ ويُستراح من فاجر».[2]

وأما إذا رأى أنّ تحقيق الأهداف السامية لا يأتي من هذا الطريق، فإنّه يقول بكل تأكيد: «دعوني والتمسوا غيري فإنّا مستقبلون أمرًا له وجوه وألوان.. وأنا لكم وزير خير لكم منّي أمير».[3] وكان يرى الحكم اللامسؤول مساويًا لأسوأ الأشياء.[4]

كما كان الإمام الحسن عليه‌السلام ينظر إلى مقولة الحكم والسلطة من هذه الزاوية أيضًا؛ ومن هنا فإنه عندما واجه تفرّق جماعة المسلمين، تنازل عن حقّه القانونيّ وتركه إلى معاوية، شرط أن يتمسّك بكتاب الله وسنّة رسوله،[5] وعندما واجه الاعتراض الوقح وغير المؤدّب من بعض أصحابه، قال: «ألا وإنّ ما تكرهون في الجماعة، خير لكم مما تحبّون في الفرقة».[6]

إنّ إستراتيجيّات الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ومبانيهم في العقيدة الشيعيّة تمتدّ بجذورها في السماء. وكانت هذه الإستراتيجيّة ثابتة في جميع المراحل، وإن اختلفت أساليبها، ويجب البحث عن

(182)

أسباب وتنوّع هذه الأساليب في مراحل حياتهم والخصائص التي حكمت تلك المراحل؛ ومن هنا يجب العمل على البحث والتأمّل في مراحل حياة الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام برؤية تفصيليّة، والعمل بعد ذلك على بيان أساليب وطرق مواجهتهم أو إستراتيجيّتهم في معالجة الانحرافات والآفات.

الحلول التي قدّمها الأئمّةعليهم‌السلام في مواجهة الانحرافات الاجتماعيّة

إنّ الانحرافات الحاصلة في المجتمع الإسلاميّ، تدفع كلّ إنسان مسؤول ليعمل على رفع هذا الانحراف وإصلاحه، وفي هذا الشأن كان أئمّة الدين يحملون الهاجس الأكبر قبل أيّ شخص آخر؛ فإنّهم من أجل إصلاح المجتمع ومواجهة الانحرافات قد سلكوا ـ بالتوازي مع الإستراتيجيّات الآنف ذكرها ـ آليّات متناسبة للوصول إلى المجتمع السليم. إنّ خطوات الأئمّة إنّما تكتسب معناها ومفهومها في الفرضيّة القائلة إنّ الناس في التفكير الإسلاميّ يمتلكون الحرّيّة والاختيار والقدرة والإرادة، ولولا ذلك فإنّ الكلام عن الحلول سوف يكون بلا معنى. وعلى حدّ تعبير الشيخ محمد عبده،[1] لو ورد الحديث عن الفهم الصحيح للقضاء والقدر ـ الذي يشغل المسلمين في دوامته أحيانًا ـ لم يبق هناك وجه لهذه الأبحاث.

لا بدّ من الالتفات إلى أنّ قدرة الإمام في منصب الخلافة يختلف عن الإمام الذي لا يكون في هذا المنصب؛ وبعبارة أخرى: إنّ نظرة المجتمع إلى الشخص الذي يكون في منصب الخلافة، هي نظرة إلى شخصيّة سياسيّة، حيث كان له في المراحل الأولى ـ بطبيعة الحال ـ شرائط قيَميّة (من الرشد = الراشد)؛ ولكن كان له شأن سياسيّ أيضًا، وهذا يختلف عن الإمام الموجود في رؤية الشيعة كثيرًا؛ ولذلك فإنّ ما يقوم به الإمام عليّ عليه‌السلام في مرحلة خلافته أو ما يقوم به الإمام الحسن عليه‌السلام في فترة خلافته القصيرة، يختلف عما كان في غيرها من المراحل الأخرى. إنّ المواجهة الشديد التي قام بها الإمام الأوّل مع الناكثين والقاسطين والمارقين، ومواجهة الإمام الثاني مع الناس إنّما كانت بمقتضى منصب الخلافة دون الإمامة، وعلى الرغم من أنّ ما حدث في هذه المرحلة وإن كان عين الحقّ، إلّا أنّه لا ينطوي على قابليّة الاتباع بالنسبة إلى الآخرين بما في ذلك الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام . إنّ هذا الكلام من الإمام عليّ عليه‌السلام الذي قاله بشأن الخوارج يمثّل توضيحًا

(183)

لهذا المعنى من الخلافة؛ إذ قال: «فإنّي فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري».[1] أو قوله: «لا تقتلوا الخوارج بعدي، فليس من طلب الحق ّفأخطأه، كمن طلب الباطل فأدركه».[2]

إنّ جهود الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام إنّما كانت من أجل تقدّم الأمّة وإحراز السعادة في الدنيا والآخرة، حيث جاء بها الإسلام للإنسانيّة على حدّ تعبير السيّد جمال الدين الأسد آبادي.[3] وعلى كلّ حال يمكن بيان أساليب وطرق الأئمّة في هذا الشأن على النحو الآتي:

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر

إنّ الانحرافات في عصر الأئمّة ـ من خلال التأكيد على رؤيتهم (علم الآفات الاجتماعيّة) ـ تعدّ من الأبحاث الأساسيّة لهذا الكتاب. وثمّة مجموعة من الأسئلة التي يمكن أن تطرح في المقام، ومنها: ما هي الأشياء التي يمكن عدّها آفة أو انحرافًا اجتماعيًّا في الأدبيّات الدينيّة؟ وما هي أسباب وعناصر ظهورها؟ ولماذا يقع الأشخاص في مثل هذه الانحرافات؟ وما هي الآثار والتداعيات التي تؤدّي إليها في المجتمع الإنسانيّ؟ وهذه الأسئلة تمثّل الهواجس الأصليّة في هذا المبحث.

إنّ علم الآفات الاجتماعيّة[4] الذي هو عبارة عن دراسة الانحرافات والآفات الاجتماعيّة، ناظر إلى إدراك ومعرفة الاضطرابات والتخلّف عن المعايير الاجتماعيّة (الماهيّة)، وكيفيّة تبلورها وظهورها في الحياة الاجتماعيّة (الكيفيّة)، وكذلك التحقيق والتأمّل في عللها (الأسباب)، بالإضافة إلى طرق العلاج والوقاية. إنّ معرفة الآفات من زاوية الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ليس سهلًا، ويبدو أنّ العلماء بدورهم حتّى في أيّامنا هذه لا يصلون بسهولة إلى تعريف وتبويب جميع الآفات.

ومن أهمّ الآفات الاجتماعيّة التي يتمّ التعرّف عليها من زاوية سيرة الأئمّة، والتي يتمّ تبويبها ضمن طبقتين مختلفتين؛ وهما عبارة عن: الموارد التي يتمّ تعريفها بواسطة المعايير الدينيّة

(184)

والمذهبيّة، والسلوكيّات التي يتم التعرّف عليها من خلال المعايير والملاكات الاجتماعيّة. ولمزيد من التوضيح لهذه المقولة يجدر النظر إلى مبنى الملاك والمعيار في حياة البشر. إن الذي يُعدّ معيارًا وملاكًا لا يخرج من إحدى حالتين، وهما:

1. الأمر التعيّنيّ؛ بمعنى الأمور التي يتمّ التأسيس لها بمرور الزمن وتبعًا للاحتياجات البشريّة، وتكتسبت مع الوقت حالة مقبولة بالنسبة إلى عامّة الناس، ويتمّ النظر إليها بالتدريج بوصفها معيارًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ الكثير من التقاليد التراثّية أو الآداب السلوكيّة المقبولة لدى المجتمعات، من قبيل: نوع الأكل أو طرق وأساليب احترام الآخرين، هي من هذا السنخ.

2. الأمر التعيينيّ: بمعنى الأمور التي تكتسب وجوب التبعيّة من خلال وضع القوانين أو التشريعات الدينيّة، وتتحوّل بمرور الزمن إلى سنّة مقبولة، ويتمّ اعتبارها بالنسبة إلى الجميع بوصفها معيارًا لتقويم الأفعال والسلوكيّات. وتسمّى المجموعة الأولى بالأمور العرفيّة، وتسمّى المجموعة الثانية بالأمور الشرعيّة أو القانونيّة.

وأئمّة الشيعة الذين كانوا يتكفّلون بمهمّة هداية الناس وإصلاح المجتمع، كان لهم تعريف للآفات الاجتماعيّة أو الانحرافات، ويضعون طرق الحلّ في ضوء ذلك التعريف. وإنّ الذي يشغل ذهن الباحث واهتمامه في النظرة الأولى، هو أنّ هذه الطرق بحكم التعاليم القرآنيّة والتأكيدات النبويّة في باب حكم الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، لم تكن مفتقرة إلى معيار العُرف، ويمكن الإصرار على هذا الادعاء وهو أنّ معيار العُرف يحظى بالاعتبار الأصليّ والذاتيّ، وإنّ الشرع بدوره أثناء القبول بالعُرف يكتسب مفهومًا معياريًّا. إنّ هذا الكلام قد يكون لاذعًا شيئًا ما؛ ومن هنا سوف نعمل على بيانه أكثر من خلال الاستنادة إلى بعض المعطيات الدينيّة.

إنّ المعايير، وفي قبالها الآفات، ناظرة إلى الأفعال والسلوكيّات التي يتمّ تقييمها في ضوء النظم في المجتمع. ولكي يكون المجتمع عنصر سكينة وسعادة بالنسبة إلى جميع الأشخاص، فإنّه يحتاج إلى نظم مقبول من قبل الجميع، وأن يثبت الجميع تمسّكهم به، وإلّا فإنّ الهرج والمرج والفوضى سوف تطغى على مجمل الحياة الاجتماعيّة، وتسلب الهدوء والطمأنينة من الناس. إنّ مجموع

(185)

التقاليد والضوابط والسنن المقبولة سوف تؤدّي إلى ظهور النظم في المجتمع، وكلّ شخص لا يتّبع هذه الأصول والقواعد المعروفة ـ سواء منها القيَميّة وغير القيَميّة ـ سوف يعدّ عنصر إخلال في النظم القائم في المجتمع، ويعدّ منحرفًا في ضوء العمل على إصلاح الآفات، وإن الذي يسلك طريق هذه القواعد يُعد شخصًا معياريًّا أو منضبطًا. وعلى هذا الأساس يكون لعنصر المجتمع والنظم دور رئيس في تعريف المعيار وعدم المعيار؛ فإنّ المجتمع هو حاضنة وأرضيّة الحياة الجماعيّة، والنظم بدوره هو الذي يحافظ على المصالح العامّة؛ وعلى هذا الأساس فإن الذي يكون مفيدًا ونافعًا يُسمّى معيارًا، والذي يقع في قباله يُعد بوصفه شذوذًا، ويتمّ الحديث عنه في سياق الكينونة العرفيّة أو الصيرورة العرفيّة. ما لم يُصبح الأمر عُرفيًّا (لا يندرج ضمن المعروف = لا يكتسب المقبوليّة)، فلن يكون له تأثير اجتماعيّ، وإن تمّ نبذه من المجتمع، فهذا يعني أنّه لن يكون مجديًا في إيجاد الأرضيّة المناسبة للحياة الاجتماعيّة، حيث يتمّ التعبير عنه في الأدبيّات الدينيّة -  القيَميّة بعنوان المنكر، الذي يتمّ إنكاره ونبذه من قبل المجتمع دون الدين والشريعة.

إنّ أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأدبيّات الثقافيّة السائدة، يختلف شيئًا ما عن مدّعى هذا الكتاب. إنّ هذا الأصل يتمّ عدّه في المحاورات الثقافيّة -  الدينيّة شيئًا واحدًا مع الإجبار على الواجبات والردع عن المحرّمات؛ ومن هنا يتمّ اللجوء إلى هذا الأصل من أجل تشجيع الآخرين على القيام بالفرائض أو المنع من ارتكاب المعاصي؛ في حين يبدو أنّ ثمّة اختلافًا جوهريًّا بين هذين الأمرين. إنّ الأمر والحثّ على الواجبات أو النهي عن المحرّمات من الأمور الدينيّة والوظائف والتكاليف الشرعيّة؛ في حين أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر من الأمور العقليّة ولوازم الحياة الاجتماعيّة، وفي الأساس فإنّ هذا الأصل إنّما يكتسب معناه في الحياة الاجتماعيّة للناس، ولا يخفى أنّ الحكم الدينيّ إذا اكتسب هويّة اجتماعيّة ومقبوليّة عُرفيّة، فسوف يكون مشمولًا لهذا الأصل، لا من حيث كونه مقولة دينيّة، بل من حيث كونه معيارًا اجتماعيًّا. ومن خلال هذا الاتجاه يندرج هذا الأصل ضمن الأصول الأخرى، من قبيل: الصلاة والصوم والخمس والزكاة والجهاد وسائر الأمور الشرعيّة الأخرى، ويكون بطبيعة الحال قسيمًا لها، ولا يمكن له أن يكون شاملًا لها؛ سوى أن يقع ضمن دائرة التعامل مع الآخرين ويصبح أمرًا اجتماعيًّا.

(186)

يقول مارسيل بوازار:

«إنّ الدين الإسلاميّ يصف المؤمن ـ في ضوء القرآن الكريم ـ بأنّه الشخص الذي يأمر بالمعروف وينهى عن المنكر. والإسلام يعتبر أصل وجوب الحياة الاجتماعيّة والمسؤوليّة المشترك للأفراد أمرًا بديهيًّا، ويُستنتج من هذا الأصل وظائف وتكاليف خاصّة، وإنّ هذه الوظائف حتّى إذا لم تكتسب صبغة حقوقيّة، تبقى تستمدّ العون من الوجدان الداخليّ للفرد».[1]

إنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر أمر يفوق الواجبات والمحرّمات الشرعيّة؛ كما أنّ بعض العلماء من أمثال الشيخ الطوسيّ قال بشأن الحكّام العدول إنّهم أهل للتعاون إذا تمسّكوا بشرطين، وهما أوّلًا: إقامة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والآخر: توزيع الخمس والصدقة إلى من يستحقّها. بل إنّ الشيخ الطوسي يتّفق مع السيّد المرتضى حتّى في هذا الاتجاه القائل إنّ الحاكم إذا كان شرعيًّا ـ بمعنى أن يكون ملتزمًا بالشرطين الآنفين ـ كان التعاون معه مطلوبًا.[2] وبذلك يمكن لنا أن ندرك الفاصلة بين الأمر بالواجبات والنهي عن المحرّمات وبين الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر بشكل صحيح.

لقد ورد التأكيد على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في الأدبيّات القرآنيّة كثيرًا، ومن ذلك قوله تعالى: (كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ تَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَتَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ).[3] وقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم «إذا أمّتي تواكلت الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فليأذنوا بوقاع من الله تعالى».[4] وقد أكّد الإمام عليّ عليه‌السلام على هذه النقطة في وصيّته، حيث قال: «لا تتركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، فيولّى عليكم شراركم ثمّ تدعون فلا يستجاب لكم».[5] وقال أيضًا:

«وما أعمال البرّ كلّها والجهاد في سبيل الله عند الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، إلّا كنفثة

(187)

في بحر لجّيّ».[1] وكان الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يسعون إلى مواجهة هذه الآفات والانحرافات بالنظر إلى هذا العنصر، وكما ورد في الفقه الشيعيّ، فإنّ لهذا الأصل المهمّ شرائط، وإذا لم تتوفّر هذه الشرائط لا يمكن أو ينبغي عدم القيام بهذا الأصل.[2] إنّ بعض هذه الشرائط تعود إلى الفاعل، وبعضها إلى المخاطب، وبعضها الآخر إلى المجتمع. ومن الواضح بداهة أنّ الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ـ بوصفهم فاعلين للأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ كانوا يمتلكون الشرائط اللازمة لهذه المهمّة، بل كانوا على أعلى درجة من الجدارة في هذا الشأن، وإن كان يحول بينهم وبين القيام بهذا الأصل المهمّ موانع تظهر في دائرة المخاطب أو المجتمع في بعض الموارد. كان الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يرون القيام بهذا الأصل ـ خلافًا لما هو شائع حاليًّا ـ متّجهًا إلى الحكّام والقادة والأمراء، دون الناس العاديّين، كما يلوح ذلك من شرائط هذا الأصل أيضًا.[3] وقد أكّد سماحة الإمام الخميني رحمه‌الله على هذه النقطة ـ بالاستناد إلى رواية ـ حيث قال:

«فبدأ الله بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر فريضة منه، لعلمه بأنّها إذا أُدّيت وأُقيمت استقامت الفرائض كلّها هيّنها وصعبها؛ وذلك أنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر دعاء إلى الإسلام مع ردّ المظالم ومخالفة الظالم وقسمة الفيء والغنائم وأخذ الصدقات من مواضعها

(188)

ووضعها في حقّها».[1]

إنّ المصداق الأبرز لتطبيق الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ الذي يعدّ من أصول العقيدة عند المعتزلة[2] ـ قد تجلّى في سيرة الإمام الحسين عليه‌السلام في مواجهة يزيد بن معاوية وسلطته الغاشمة. وقد ذكر الإمام في كلام صريح له أن غايته من الخروج على يزيد هو امتثال هذا الأمر الإلهيّ، كما ورد التصريح منه بذلك في وصيته إلى أخيه محمد بن الحنفية؛ إذ قال فيها:

«إنّي لم أخرج أشرًا ولا بطرًا ولا مفسدًا ولا ظالمًا، وإنّما خرجت لطلب الإصلاح في أمّة جدّي؛ أريد أن آمر بالمعروف وأنهى عن المنكر، وأسير بسيرة جدّي وأبي عليّ بن أبي طالب».[3]

وهذا ما لم يقم به الأئمّة الآخرون عليهم‌السلام ، ولكنّهم قد أيّدوه من دون ريب. يقول الشهيد المطهّري في هذا الشأن:

«من الخطأ الظنّ بأنّ الأئمّة يختلفون في منهجهم عن منهج الإمام الحسين عليه‌السلام من هذه الناحية... فإنّ ما يُقال من أنّ الإمام الحسين كان غرضه مواجهة جهاز الظلم والجور في عصره، بيد أنّ سائر الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام كانوا يختلفون عنه من هذه الجهة... إنّما يقول التاريخ خلافه، والقرائن والشواهد بأجمعها تدلّ على خلاف ذلك... فإنّ الاختلاف إنّما كان يكمن في شكل المواجهة؛ فتارة تكون معلنة وتارة أخرى لا تكون كذلك... تارة تكون هناك مواجهة، بيد أنّ الذي يختلف هو نوع المواجهة... وإنّ مقتضيات الزمان يمكن لها أن تكون مؤثّرة في نوع المواجهة... إنّ تاريخ الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يثبت أنّهم كانوا بشكل عامّ في حالة مواجهة دائمة... فنحن نرى أنّ جميع الأئّمة الأطهارعليهم‌السلام كان لهم هذا الوسام المتمثّل بعدم التساوم مع الخلفاء الظالمين وكانوا في حالة دائمة من المواجهة».[4]

(189)

إنّ أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ـ الذي كان يتمّ تطبيقه والعمل به على نطاق واسع ـ أخذ ينحسر بالتدريج عن جهته في مواجهة السلطة، وتنزّل في الحياة الاجتماعيّة للناس ليقتصر على حدود الأمر بالواجبات والنهي عن المحرّمات. وبطبيعة الحال فإنّ الخلفاء وسائر الطغاة لم يكونوا يستسيغون تطبيق هذا الأمر عليهم، فقد ورد في الأثر أّن عبد الملك بن مروان بعد مقتل ابن الزبير سنة 75 للهجرة، ألقى خطبة في المدينة المنوّرة، وقال بعد الحمد والثناء على الله وإطراء نفسه بالشجاعة والصراحة والقوّة: «والله لا يأمرني أحد بتقوى الله إلّا ضربت عنقه».[1] ومن الواضح ما الذي يحدثه هذا التوجّه في هذا الأصل الجوهريّ!

وفيما يتعلق بالمواجهة مع عامّة الناس، يبدو أنّ سيرة الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام كانت تقوم ـ فيما يتعلّق بمقولة الأمر بالمعروف ـ على الرفق واللين في الإرشاد، وفيما يتعلّق بالنهي عن المنكر على الصفح وغضّ الطرف. وقد اشتملت النصوص التاريخيّة والدينيّة على قصص تعبّر عن هذا النهج؛ إلّا إذا كان المنكر بحيث يثير الفوضى في المجتمع ويسلبه السكون والطمأنينة. ويأتي هذا الاتجاه من حيث إنّ المجتمع إذا سلك فيه الحكّام طريق الصلاح، سار المواطنون في ذلك المجتمع على نهجهم الصالح، وإن سلك الحكّام طريق الفساد، وانتشر الفساد بين أجهزة السلطة، فإنّ الناس سوف يتبعون آثار السلطة في ذلك أيضًا.

القدوة التلقائيّة وبيان الحقّ

إن ّدعوة الآخرين إلى الأمور القيَميّة إنّما تكون مؤثّرة في فرض اعتقاد المتكلم بتلك الأمور القيَميّة. فلو أصرّ الشخص على شيء لا يؤمن به، فلن يترتّب على ذلك سوى إيجاد الامتعاض والنفرة لدى المخاطب. وقد كان أئمّتناعليهم‌السلام ـ بالنظر إلى قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لِمَ تَقُولُونَ مَا لَا تَفْعَلُونَ)[2] ـ يسعون على الدوام ليكونوا قدوة عمليّة للناس فی نشر القيَم.[3] وقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام في هذا الشأن أنّه قال: «من نصب نفسه للناس إمامًا، فليبدأ بتعليم نفسه

(190)

قبل تعليم غيره، وليكن تأديبه بسيرته قبل تأديبه بلسانه، ومعلّم نفسه ومؤدّبها أحقّ بالإجلال من معلّم الناس ومؤدّبهم».[1]

وقال أيضًا: «أيّها الناس إنّي والله ما أحّثكم على طاعة إلا وأسبقكم إليها، ولا أنهاكم عن معصية إلّا وأتناهى قبلكم عنها».[2] وقال الإمام الصادق عليه‌السلام : «كونوا دعاة للناس بغير ألسنتكم، ليروا منكم الورع والاجتهاد والصلاة والخير، فإنّ ذلك داعية».[3] وقال أيضًا: «كونوا دعاة الناس بأعمالكم، ولا تكونوا دعاة بألسنتكم».[4]

لقد أثبت التاريخ بوضوح أنّ الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام كانوا نماذج وأمثلة عمليّة للناس في عصرهم. وقد كانوا نموذجًا لهداية الناس ومنعهم من الانحراف بأفعالهم، دون أن يكون لديهم أدنى خشية من تفرّق الأنصار عنهم أو انخفاض مستوى حبّ الناس لهم.

أصل التواصي

ومن بين الأصول التربويّة المهمّة في الإسلام أصل التواصي الذي يبدو أنّه يختلف عن أصل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإن كانا يقتربان من بعضهما في العلّة الغائيّة. إنّ أصل التواصي الذي ورد في آية مقتضبة من سورة العصر، تمّ التأكيد عليه بشدّة بحيث إنّه على الرغم من عدم تكراره في آيات أخرى يلقي مسؤوليّة ثقيلة على كاهل الإنسان المسلم.

هناك الكثير من النقاش بين المفسّرين حول معنى التواصي ومفهومه، والنتيجة الإجمالّية لهذا النقاش ـ بالنظر إلى عودة جذر هذه الكلمة إلى الوصيّة والتي تشير إلى وجود نوع من الارتباط بين الموصي والموصَى ـ هو وجود إحساس بالقرب والتماهي بين أفراد المجتمع. ومن بين خصائص وصفات الشخص المسلم أنّه يدعو نظيره في الدين والوطن إلى الحّق، ونعني به الأمر الثابت الذي لا يُنكر وإلى الصبر أيضًا. قال الله تعالى: (وَالْعَصْرِ   *  إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ  *  

(191)

إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَتَوَاصَوْا بِالْحَقِّ وَتَوَاصَوْا بِالصَّبْرِ).[1] الإنسان في خسر من الأساس، وذلك لغلبة غريزته الشهوانيّة والمادّيّة عليه، ومن خلال جاذبيّتها القويّة تدفع بالإنسان نحو الانحراف، ولن ينجو من ذلك سوى الذين يؤمنون بالله، ويُقبِلون بحكم إيمانهم على العمل الصالح والسلوك الصحيح. ونتيجة هذا الإيمان والشعور بالمسؤوليّة الإنسانيّة المتبادلة بين المؤمنين تجاه بعضهم، هي التواصي بالحقّ والتواصي بالصبر. وكأنّ ثمّة ارتباطًا وثيقًا بين الإيمان الفرديّ وبين الشعور بالمسؤوليّة الاجتماعيّة، بحيث لا يمكن الإيمان بالله، وعدم القيام بالعمل في الوقت نفسه، أو التمسّك بالأمرين معًا وغضّ الطرف عن التواصي بالحقّ والصبر. إنّ الإنسان المؤمن ـ في ضوء إيمانه ـ يكون مسؤولًا تجاه الآخرين؛ إذ يوجد ارتباط وثيق بين الفرد والمجتمع، ولو سلك المجتمع طريق الانحراف، فسوف يكون توقّع النظم من الأفراد وصيانته للإيمان الفرديّ أمرًا مجتثًّا وليس له أساس أو قرار؛ وعلى هذا الأساس فإنّ كلّ مؤمن بحكم تديّنه يهتمّ بإصلاح المجتمع أيضًا، ولا يسعى إلى مجرّد إنقاذ نفسه فقط، بل في المجتمع الفاسد، لا يُكتب التحقّق لنجاة الفرد أيضًا.

إنّ إمام الشيعة الذي هو من أكثر الأشخاص إيمانًا في مجتمعه المعاصر، يقوم بالأعمال الصالحة أكثر من غيره، ويأخذ مهمّته الاجتماعيّة أكثر من الآخرين، ولا يمكنه أن يغضّ الطرف عمّا يجري في عصره. فهو بالنظر إلى شرائط عصره والحاجات الأساسيّة للبشر، يعمل على تقويم الأمور ويسعى إلى وضع أفضل الحلول لها.

توجد في الآية الآنفة أربع مواد أساسيّة يمكن أن تُعدّ منشأ للسعادة. وقد ورد التعبير عنها في تفسير الأمثل تحت عنوان «منهج السعادة ذو المواد الأربع»:

لقد وضع القرآن الكريم منهجًا جامعًا لإنقاذ الإنسان من الخسران العظيم، وهو منهج يتكوّن من أربعة أصول، وهي كالآتي:

الأصل الأول: «الإيمان» وهو البناء التحتي لكل نشاطات الإنسان، وذلك لأنّ فعاليات الإنسان العملية تنطلق من أسس فكره واعتقاده، لا كالحيوانات المدفوعة في حركاتها بدافع غريزي.

(192)

بعبارة أخرى: إنّ أعمال الإنسان بلورة لعقائده وأفكاره، ومن هنا فإنّ جميع الأنبياء بدأوا قبل كلّ شيء بإصلاح الأسس الاعتقادية للأمم والشعوب. وحاربوا الشرك بشكل خاصّ باعتباره أساس أنواع الرذائل والشقاوة والتمزّق الاجتماعيّ.

والأصل الثّاني: هو «العمل الصالح»، وهو ثمرة دوحة الإيمان. أجل إنّ (الصالحات) هي «الأعمال الصالحة» لا العبادات فحسب، ولا الإنفاق في سبيل اللّه وحده، ولا الجهاد في سبيل اللّه فقط، ولا الاكتفاء بطلب العلم والمعرفة فقط، بل كلّ الصالحات التي من شأنها أن تدفع إلى تكامل النفوس وتربية الأخلاق والقرب من اللّه، وتقدّم المجتمع الإنسانيّ في جميع المجالات. ولمّا كان الإيمان والعمل الصالح لا يكتب لهما البقاء إلّا في ظلّ حركة اجتماعيّة تستهدف الدعوة إلى الحقّ ومعرفته من جهة، والدعوة إلى الصبر والاستقامة على طريق النهوض بأعباء الرسالة، فإنّ هذين الأصلين تبعهما أصلان آخران هما في الحقيقة ضمان لتنفيذ أصلَي «الإيمان» و«العمل الصالح».

الأصل الثالث: يُشير إلى مسألة «التواصي بالحقّ»، أي الدعوة العامّة إلى الحقّ، ليميز كلّ أفراد المجتمع الحقّ من الباطل، ويضعوه نصب أعينهم، ولا ينحرفون عنه في مسيرتهم الحياتيّة.

الأصل الرابع: هو مسألة «التواصي بالصبر»، والاستقامة، إذ بعد الإيمان والحركة في المسيرة الإيمانيّة تبرز في الطريق العوائق والموانع والسرور. ومن دون الاستقامة والصبر لا يمكن المواصلة في إحقاق الحقّ والعمل الصالح والثبات على الإيمان.

نعم، إحقاق الحقّ في المجتمع لا يمكن أن يتمّ من دون حركة عامّة وعزم اجتماعيّ، ومن دون الإستقامة والوقوف بوجه ألوان التحدّيات.

إنّ «الصبر» هنا يحمل مفهومًا واسعًا يشمل الصبر على الطاعة، والصبر على دوافع المعصية، والصبر إزاء المصائب والحوادث المرّة، وفقدان الإمكانات والثروة والثمرات.[1]

وبعبارة أخرى: إنّ التواصي بالحقّ الذي هو من ثمار الإيمان بالله يكمن في حقل الأمور

(193)

الجوهريّة والأسس الفكريّة، بمعنى العقائد التي تقوم عليها جميع الأنشطة البشريّة،[1] وكأنّ التواصي بالصبر ناظر إلى حقل العمل ويرتبط بالشريعة والأحكام.[2]

ومن الواضح بداهة أنّ الإمام في الرؤية الشيعيّة يضع كلا المهمّتين على سلّم أعماله؛ فهو يسعى من أجل إصلاح الأفكار والمعتقدات، كما يسعى إلى حثّ الناس وتشجيعهم على التبعيّة للأحكام الدينيّة. وقد أشار الإمام الحسين عليه‌السلام في جانب من كلامه إلى هذين الأصلين،[3] وقال إنّ قيامه يهدف إلى حثّ الناس نحو الحقّ ودفعهم إلى الابتعاد عن الباطل، وكذلك أن يسير بسيرة النبيّ الأكرم.[4]

الدعاء والمناجاة

في المجتمع الذي يحكمه الاستبداد ولا يكون هناك فيه متسع للنشاط السياسيّ والاجتماعيّ بشكل معلن، يجب العمل على سلوك طرق أخرى لهداية الناس نحو الحقيقة ومنعهم من الانحراف. والدعاء يمثّل واحدًا من تلك الأساليب والطرق البارزة والملحوظة في إستراتيجيّة الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، ويتجلّى ذلك على نحو خاّص في سيرة الإمام زين العابدين عليه‌السلام ، فحيث كان الإمام يعيش في عصر من الكبت والإرهاب وتكميم الأفواه، فقد اتخذ من سلاح الدعاء ذريعة لبيان أسمى المعتقدات والأخلاقيّات والقيَم الاجتماعيّة. لقد أقام الإمام السجادعليه‌السلام إستراتيجيّته على الأسس الاعتقاديّة والثقافيّة، لا سيّما وقد عمد إلى إيقاظ الناس بلغة تبتعد عن الأدبيّات اللاذعة للسلطة؛[5] وذلك لأنّ أفعال البشر تعود بجذورها إلى أعماق العقيدة والنظرة الفطريّة إلى الوجود. لقد سعى الإمام في إطار المناجاة والدعاء إلى بيان أسمى المفاهيم الإسلاميّة على أفضل وجه، وتدور هذه المفاهيم حول الله والنبيّ والمعاد والأخلاق. ثمّ استمرّ هذا النهج بعد استشهاده، ودخلت مقولة التعليم ضمن هذه الإستراتيجيّة، واقترنت هذه المرحلة في عصر

(194)

الإمام الباقر والإمام الصادق عليه‌السلام بهذا الهاجس، وتمّ للمرّة الأولى طرح مسألة ضرورة التقيّة؛ وذلك لأنّ السلطات الغاشمة في ذلك العصر كانت تمنع من الحديث عن الحقّ بشكل صريح، وعليه كان لا بدّ من اللجوء إلى دقائق الحيَل للوصول إلى بيان الحقائق الدينيّة.

إنّ الأشخاص الذي درسوا العلوم في هذه المرحلة التي عاش فيها هذان الإمامان عليهم‌السلام ، كانت لهم خطوات واسعة في تنقية الثقافة السائدة وإحياء الثقافة الإلهيّة- النبويّة الأصيلة؛ إلى الحدّ الذي حصل فيه حتّى بعض كبار فقهاء أهل السنّة على نصيبهم من بيدر علوم أهل البيت عليهم‌السلام . وعلى الرغم من أنّ عصر الإمام الكاظم عليه‌السلام لم يكن مثل عصر الإمامين اللذين سبقاه، بيد أنّه واصل التأكيد ـ مثل من سبقه ـ على الجانب العلميّ والاعتقاديّ والثقافيّ أيضًا.

إنّ هذه المرحلة من عصر هؤلاء الأئمّةعليهم‌السلام والذين تفصلهم فترة زمنيّة عن عصر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، كانت مقرونة بالكثير من الأزمات والصعاب، بيد أنّ انتماء هؤلاء الأئمّة إلى أهل بيت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان مؤثّرًا في استماع الناس إلى كلامهم. وعلى الرغم من وجود الفترة الزمنيّة التي تخللت ما بين عصر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى عصر الإمام الباقرعليه‌السلام ، إلّا أنّ جهود وإعلام العباسيّين في السعي إلى إثبات انتسابهم إلى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قد أعاد الحديث بين الناس حول مسألة الانتساب إلى رسول الله. وهذا الأمر لا يعني ـ بطبيعة الحال ـ أنّ الناس قد نسوا ذكر أهل البيت عليهم‌السلام أو أنّه لم يكن هناك ميل لدى الناس نحوهم، بل حدثت أمور ولا سيّما في الفترة الأخيرة من عصر الأمويّين، وقد تسبّبت هذه الأمور بتلويث الأجواء، وصار بيان الحقائق على لسان أهل البيت يواجه شيئًا من الصعوبة. بيد أنّ شعار العباسيّين قد أعاد الأرضيّة لتوجيه الأذهان إلى هذا المفهوم من جديد، لا سيّما وأنّهم في إضفاء الشرعيّة إلى أنفسهم في المجتمع الإسلاميّ قد رفعوا شعار «الرضى من آل محمّد»؛[1] وهو الشعار الذي كان من شأنه للوهلة الأولى أن يضفي المشروعيّة عليهم، وعليه فإنّه في عصر هؤلاء الأئمّةعليهم‌السلام كان الاتجاه العام نحوهم قد أخذ بالتبلور، وكان من شأنه أن يؤثّر في الناس إلى حدّ ما.

(195)

أصل التربية والتعليم

إنّ تعريف الناس بالأمور الدينيّة والمعرفيّة، يتجلّى اليوم ـ بطبيعة الحال ـ من وجهة نظر المعاصرين في الغالب على شكل التبليغ. وقد استفاد الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام من هذا الأسلوب بطبيعة الحال، وكانوا يعملون على تبليغ الدين في الحلقات المحدودة وداخل الأسر والتجمّعات الأكبر، بيد أنّ هذا الأسلوب لم يكن بمقدوره تعريف المخاطب بعمق المسائل، أو إقناعهم من الناحية الفكريّة والعقليّة، وإن كان من شأنه أن يترك عليهم تأثيرًا كبيرًا على المستوى النفسيّ والعاطفيّ. إنّ التعليم المنهجيّ المقرون بالتربية والتزكية من طريق الإقناع الفكريّ هو الذي حظي باهتمام خاصّ من قبل الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، ولا سيّما منهم الإمام الباقر والإمام الصادق عليه‌السلام . فإنّهم في إطار تلبية الاحتياجات الجوهريّة والمعاصرة سواء في الأبعاد العقائديّة والفكريّة أو في المقولات الفقهيّة وفي الشريعة أو في بُعد الأخلاق والقيَم، أو في مختلف الحقول العلميّة، كانوا يقيمون مجالس البحث والحوار والمناظرة والتعليم قبل أيّ شيء آخر، وتمكّنوا بهذه الطريقة من أن يتركوا لنا تراثًا روائيًّا وإنسانيًّا قيّمًا في هذا الشأن. وقد كان الأئمّة الآخرون عليهم‌السلام يستفيدون من هذه الإستراتيجيّة بشكل واضح أيضًا، ولا سيّما منهم الإمام الرضاعليه‌السلام .[1] بيد أنّ هذين الإمامين عليهما‌السلام في ضوء الفرصة الزمنيّة التي حصلا عليها، قد امتلكا الفرصة المناسبة دون غيرهم من الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام للقيام بالحوارات العلميّة والتعليميّة، وقد صدرت أكثر الروايات الشيعيّة في مختلف الحقول الأخلاقيّة والفقهيّة والاعتقاديّة والاجتماعيّة عن هذين الإمامين الطاهرين عليهما‌السلام . ومن هنا قال العلّامة الطباطبائي رحمه‌الله في هذا الشأن: «الأحاديث المتواترة عن الإمامين الباقر والصادق عليه‌السلام أكثر مما رُويت عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والعشرة من الأئمّة الهداةعليهم‌السلام ».[2] وتمّ العمل في الوقت نفسه على بيان مفهوم وموقع الإمامة أيضًا، الأمر الذي صار منشأ لاتّجاه جديد في الثقافة الشيعيّة.[3] إنّ من بين أهمّ الطرق والأساليب التي نراها في

(196)

الإستراتيجيّة العلميّة والتعليميّة لدى الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام ، هي إعطاء نموذج أو أسلوب الفهم الصحيح للحقيقة؛ حيث نرى ذلك ماثلًا في جميع المراحل التي عاش فيها الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام .

أ) كيفيّة الاستفادة من القرآن والحصول على المعرفة: إذا أردنا فهم القرآن يجب الرجوع ـ في التفكير الإسلاميّ وفي ضوء ما صدر عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ إلى أهله. وقد تقدّم أئمّة الدين عليهم‌السلام في التعريف بأهل القرآن استنادًا إلى الأحاديث النبويّة، وكذلك على المستوى العمليّ أيضًا، وبيّنوا للناس طرق الاستفادة من الأحاديث والروايات أيضًا، كي لا يظنّوا كلّ كلام يسمعونه حقًّا، بل عليهم العمل على تمييز الصحيح من السقيم في ضوء الأساليب القرآنيّة. وقد سبق أن ذكرنا جانبًا من هذه الأساليب في الأبحاث المتقدّمة، بيد أنّ الذي يجب التأكيد عليه هنا هو الاستفادة من العقل في التفكير الشيعيّ الذي كان الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام يحملون لواءه. وقد ورد الاهتمام بالعقل والاستفادة منه في النصوص الروائيّة لدى الشيعة كثيرًا؛ ولهذا السبب فقد ظهر أكثر العقلانيّين والفلاسفة من بين أتباع هذا المذهب.[1] وتخصيص باب خاصّ في الكتب الروائيّة تحت عنوان (كتاب العقل والجهل)، يُثبت اهتمام الشيعة بالعقل. وقد صرّح الإمام عليّ عليه‌السلام بأنّ الغاية من بعثة الأنبياءعليهم‌السلام كانت من أجل العمل على استثارة العقول البشريّة.[2] ومع ذلك كلّه لم يكن الاهتمام بالعقل ليكون أمرًا مرحّبًا به من قبل الحكّام؛ لأنّ من لوازم ذلك هو السؤال عن خفايا ما يدور خلف كواليس السياسة والمجتمع، وهذا الأمر يتعارض مع مصالحهم؛ ولذلك تراهم يقبلون على النقل ويصرّون عليه كثيرًا،[3] الأمر الذي يستتبع السكوت والإذعان. بيد أنّ الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام كانوا يؤكّدون عل العقلانيّة وعلى الاستفادة من العقل؛[4] وذلك لأنّ العقلانية تدفع الإنسان نحو الثقة بالنفس والحرّيّة والاعتزاز بالنفس، ولا يخفى أنّ الإنسان العزيز والعاقل لا يرضى بأن يبيع نفسه بثمن بخس، ولا يرضخ للظلم والباطل والانحراف.

(197)

وعلى الرغم من ذلك فإن هذا الموضوع لا يبقى مسكوتًا عنه في هذه النصوص بشكل مطلق؛ وذلك أولًا لأن عدد الأئمة مذكور في الأصول المتبقية وفي بصائر الدرجات وغيره أيضًا، وثانيًا إن مسألة القائم ـ وغيبته على نحو تلويحي ـ قد تمّ التأكيد عليها مرارًا وتكرارًا. ويجب أن لا يغيب عن أنظارنا أن القسم الأعظم من المصادر الشيعية من القرن الثالث وحتى القرن الثاني والأول من الهجرة ـ وهي المصادر المعروفة بالأصول الأربعمئة ـ لم تصل إلينا، وإن أشخاصًا من أمثال الشيخ الكليني (م: 329 هـ) قد ألفوا كتبهم الروائية اعتمادًا على تلك الأصول التي كانت موجودة عندهم.

ب) التعريف بالدين بشكل كامل وجامع (بيان الحقّ): إنّ غاية الدين ـ على حدّ تعبير الشيخ محمّد عبده ـ أن يعمل على جعل الإنسان طاهر النفس عظيم الطويّة، ومن خلال تحريره من براثن الأهواء الشيطانيّة، لا يضمن له الفوز والنجاة في العالم الآخر فحسب، بل ويضمن له السعادة في هذه العالم أيضًا.[1] إنّ أغلب الناس في بيان الحقيقة ـ بوعي أو بغير وعي منهم ـ لا يتجاوزون مصالحهم الشخصيّة أو الاجتماعيّة أو السياسيّة، ويعملون بحيث يضمنون مصالحهم في نهاية المطاف، وأمّا الأئمّةعليهم‌السلام ، فإنّهم يعملون على بيان حقيقة الدين دون اعتبار لهواجسهم الشخصيّة، حتّى إذا أدى ذلك إلى تفرّق الناس عنهم أو قلّة عدد المحيطين بهم. قال الإمام عليّ عليه‌السلام : «نحن النمرقة الوسطى، بها يلحق التالي، وإليها يرجع الغالي».[2]

وعلى هذا الأساس كان الإمام الباقرعليه‌السلام يوصي أتباعه بقوله: «يا معشر الشيعة، شيعة آل محمّد، كونوا النمرقة الوسطى[3] يرجع إليكم الغالي ويلحق بكم التالي»، فقال له رجل من الأنصار يقال له سعد: جعلت فداك ما الغالي؟ قال: «قوم يقولون فينا ما لا نقوله في أنفسنا، فليس أولئك منّا ولسنا منهم». قال: فما التالي؟ قال: «المرتاد يريد الخير، يبلغه الخير يؤجر عليه»،

(198)

ثمّ أقبل علينا فقال: «والله ما معنا من الله براءة ولا بيننا وبين الله قرابة، ولا لنا على الله حجّة،[1] ولا تقرب إلى الله إلّا بالطاعة، فمن كان منكم مطيعًا لله تنفعه ولايتنا، ومن كان منكم عاصيًا لله لم تنفعه ولايتنا، ويحكم لا تغترّوا، ويحكم لا تغترّوا![2]».[3]

إنّ هذا الكلام على الرغم من أنه قد يؤدّي إلى تفرّق الناس والأتباع عنهم، إلّا أنّ ذلك لم يمنع الإمام عليه‌السلام من بيانه. ومن هذه الزاوية قال الإمام الصادق عليه‌السلام : «إنّ بني أميّة أطلقوا للناس تعليم الإيمان، ولم يطلقوا تعليم الشرك، لكي إذا حملوهم عليه لم يعرفوه».[4]

والحقيقة هي أنّ الساسة الأنانيّين والمتجبّرين من الأمويّين والعباسيّين، لم يأخذوا من الدين سوى ما ينفعهم في تدعيم أركان حكمهم وسلطانهم، وكانوا يتجنّبون الخوض في كلّ ما من شأنه أن يزيد من وعي الناس وبصيرتهم، وهذا هو ديدن الطغاة والمستبدّين على طول التاريخ. وهذا هو ما ذكره الشيخ عبد الرحمن الكواكبيّ في كتابه (طبائع الاستبداد) بشكل بديع، حيث قال:

«إنّ المستبد لا يخشى علوم اللغة.. نعم، لا يخاف علم اللغة إذا لم يكن وراء اللسان حكمة حماس تعقد الألوية... وكذلك لا يخاف المستبدّ من العلوم الدينيّة المتعلّقة بالمعاد المختصّة ما بين الإنسان وربّه، لاعتقاده أنّها لا ترفع غباوة ولا تزيل غشاوة... بلى، ترتعد فرائص المستبدّ من علوم الحياة مثل الحكمة النظريّة، والفلسفة العقليّة، وحقوق الأمم، وطبائع الاجتماع، والسياسة المدنيّة، والتاريخ المفصّل، والخطابة الأدبيّة، ونحو ذلك من العلوم التي تكبر النفوس، وتعرّف الإنسان ما هي حقوقه».[5]

ج) تجنّب الأسئلة غير النافعة والاقتصار على الحلول المفيدة: إن المجتمع الإسلاميّ مثل سائر المجتمعات الأخرى كان في مرحلة الاستقرار السياسيّ ينشغل بأسئلة لا طائل من ورائها،

(199)

من قبيل: السؤال عن قدرة الله، وعن خلق القرآن، وعن الجبر والتفويض، وغيرها من المسائل الأخرى التي تستهلك طاقتهم الإسلاميّة، دون أن يحصلوا على فائدة. ومن هنا فقد كان الأئمّة يحذّرون المسلمين من الدخول في مثل هذه الأبحاث العقيمة والتدقيق في الأمور التي لا طائل يرجى من ورائها، ويدعونهم إلى القيام بالأمور النافعة والمفيدة.

د) الابتعاد عن المجاملة والمِراء: إنّ المناظرة من أجل اكتشاف الحقيقة وبيانها إلى الآخرين، تعدّ من الأساليب الإنسانيّة القيّمة التي يمكن الدفاع عنها وتُسهم في إثراء التنمية العلميّة الناجعة؛ ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أخذ عدد من الأصول الأساسيّة في المناظرة، ويمكن بيان هذه الأصول على النحو الآتي:

أوّلًا: أن تكون المناظرة بقصد الوصول إلى الحقيقة.

ثانيًا: أن تكون مقرونة باحترام المخاطب ومراعاة حقوقه.

ثالثًا: أن تكون مقرونة برعاية الآداب والأخلاق الإنسانيّة.

وبالتالي أن يكون غرض المناظر هو طلب الخير، وأمّا إذا كان هدفه إسكات الخصم أو التغلّب عليه أو هتك سمعته أو طلب الشهرة، فهذا لا يكون قبيحًا فحسب، بل وهو مذموم ويقضي على الحقيقة، ومن هنا ورد رفضه وإنكاره في التراث الإسلاميّ تحت عنوان المراء.[1]

على الرغم من أهمّيّة طلب العلم في التفكير الشيعيّ، فقد ورد ذم طلب العلم لأغراض غير أخلاقيّة، وقد ورد في المأثور عن الإمام زين العابدين عليه‌السلام أنّه قال: «لو يعلم الناس ما في طلب العلم، لطلبوه ولو بسفك المهج، وخوض اللجج»[2]، ولكن إذا كان طلب العلم لأغراض دنيويّة وغير علميّة، فهو مرفوض ومذموم، فقد نقل عبد السلام بن صالح الهرويّ في رواية عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «من تعلّم علمًا ليماري به السفهاء أو يباهي العلماء أو ليقبل بوجوه الناس إليه، فهو في النار».[3]

(200)

زبدة الكلام

على الرغم من أنّ الغاية المحوريّة من الكتاب، قد تمّ بحثها في هذه المقالة، إلّا أن شحّ المعلومات وعدم الحصول على جزئيّات سيرة الأئمّة في النصوص الواصلة إلينا، قد عرّض الدراسة إلى فقر في المعطيات، ولم يتمّ التقدّم في البحث كما كان متوقّعًا؛ ولكن في الوقت نفسه يمكن لنا أن نعمل ـ من خلال الاستناد إلى أقوال الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام التي هي عين أفعالهم ـ على تعداد بعض الإستراتيجيّات، والعمل تبعًا لذلك على التعريف بتلك الحلول والآليّات. لقد تمّ تبويب إستراتيجيّات الأئمّة الأطهارعليهم‌السلام بالنظر إلى ثلاثة أمور كبرى، وهي: الإستراتيجيّات الناظرة إلى صيانة الدين، الأمر الذي يعكس هواجسهم تجاه القرآن الكريم والسنّة النبويّة والأصول القيَميّة والأخلاقيّة؛ والإستراتيجيّات الناظرة إلى الإنسان، الأعم من الحفاظ على الأرواح والأموال والحقوق والقيَم، والإستراتيجيّات الناظرة إلى المجتمع الذي يتبوّأ موقعًا عظيمًا من الناحية الحضاريّة. إنّ الحلول الثابتة للأئمّة الأطهارعليهم‌السلام إنّما هي نتاج طبيعيّ لهذه الإستراتيجيّات.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(201)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

نهج البلاغة.

- الصحيفة السجّاديّة.

- ابن أبي الحديد المعتزليّ، عز الدين أبو حامد بن هبة الله بن محمد، شرح نهج البلاغة، تحقيق: محمد أبو الفضل إبراهيم، بيروت، دار إحياء الكتب العربيّة، ط 2، 1387 ه‍ ش / 1967 م.

- ابن أبي جمهور الأحسائيّ، محمّد بن عليّ بن إبراهيم، عوالي اللآلي، تحقيق: مجتبى طهراني، قم، انتشارات سيد الشهداء، ط 1، 1405 ه‍ / 1985 م.

- ابن أعثم الكوفيّ، أحمد، الفتوح، تحقيق: علي شيري، بيروت، دار الأضواء، ط 1، 1411 ه‍.

- ابن الأثير الجزري، أبو الحسن علي بن عبد الواحد الشيبانيّ، الكامل في التاريخ، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، ط 1، 1398 ه‍ / 1978 م.

- ابن خلدون، عبد الرحمن بن محمّد، تاريخ ابن خلدون: العبر وديوان المبتدأ والخبر في أيام العرب والعجم والبربر ومن عاصرهم من ذوي السلطان الأكبر، بيروت، در إحياء التراث العربيّ.

- ابن شهر آشوب السروي، أبو جعفر محمد بن علي، مناقب آل أبي طالب، تحقيق: لجنة من أساتذة النجف الأشرف، النجف الأشرف، المطبعة الحيدريّة، 1376 ه‍ / 1956 م.

- ابن طاووس، السيّد عليّ بن موسى بن جعفر الحسينيّ، اللهوف في قتلى الطفوف، قم، أنوار الهدى، ط 1، 1417 ه‍.

- ابن عبد البر، أبوعمر يوسف بن عبدالله بن محمد، الاستيعاب في معرفة الأصحاب، تحقيق: علي محمّد البجاوي، بيروت، دار الجيل، ط 1، 1412 ه‍ / 1992 م.

- ابن عساكر، أبو القاسم علي بن الحسن، تاريخ مدينة دمشق، تحقيق: علي شيري، بيروت، دار الفكر لطباعة والنشر والتوزيع، 1415 ه‍ / 1995 م.

(202)

- أبوالفرج الإصفهانيّ، عليّ بن الحسين، مقاتل الطالبيين، تحقيق: السيد أحمد صقر، بيروت، دار المعرفة.

- الأشعريّ، أبو الحسن، مقالات الإسلاميّين واختلاف المصلّين، فرانتس شتاينر، ط 3، ألمانيا، 1400 ه‍

- إقبال اللاهوري، محمّد، إحياي فكري ديني در إسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسية: أحمد آرام، رسالت قلم.

- ــــــــــــــــــــــــ، تجديد الفكر الدينيّ في الإسلام، تعريب: محمد يوسف عدس، تقديم: الشيماء الدمرداش العقالي، القاهرة / بيروت، دار الكتاب المصريّ / دار الكتاب اللبنانيّ، 2011 م.

- آل ياسين، الشيخ راضي، صلح الإمام الحسن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: السيّد عليّ الخامنئي، طهران، انتشارات آسيا، ط 15، 1365 ه‍ ش.

- البلاذريّ، أحمد بن يحيى بن جابر، أنساب الأشراف، تحقيق: محمد باقر بهبودي، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ط 1، 1394 ه‍ / 1974 م.

- بوازار، مارسل، انسان دوستي در اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمّد حسين مهدوي وغلام حسين يوسفي، انتشارات توس، ط 1، 1361 ه‍ ش.

- الثقفي الكوفيّ، أبو إسحاق إبراهيم بن محمد، الغارات وشرح حال أعلام آن، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عزيز الله عطاردي، طهران، انتشارات عطارد، 1373 ه‍ ش.

- الجعفريّ، السيّد حسين محمّد، تشيع در مسير تاريخ، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: سيد محمد تقي آيت اللهي، طهران، دفتر نشر فرهنگ اسلامي، ط 4، 1366 ه‍ ش.

- الحاكم النيسابوريّ، أبوعبدالله، المستدرك، بإشراف: يوسف عبد الرحمن المرعشلي.

- الحسينيّ الهمدانيّ، السّيد محمّد حسين، أنوار درخشان، تحقيق: محمد باقر بهبودي، طهران، كتاب فروشي لطفي، ط 1، 1404 ه‍.

- الخمينيّ، السيد روح الله، ولايت فقيه يا حكومت اسلامي (ولاية الفقيه أو الحكومة الإسلاميّة)، طهران، مؤسّسة تنظيم ونشر آثار الإمام الخمينيّ، ط 13، 1385 ه‍ ش.

- الدياربكري، حسين بن محمد، تاريخ الخميس في أحوال أنفس نفيس، بيروت، دار صادر.

- السرخسيّ، شمس‌الدين، المبسوط، بيروت، دار المعرفة للطباعة والنشر والتوزيع، 1406 ه‍ / 1986 م.

(203)

- السيّدمنذر الحكيم، عدي الغريباوي، پيشوايان هدايت، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عباس جلالي، طهران، مجمع جهاني أهل بيت عليهم‌السلام ، ط 1، 1384 ه‍ ش.

- الشاطبيّ، إبراهيم بن موسى بن محمّد اللخميّ، الموافقات، تحقيق: أبو عبيدة مشهور بن حسن آل سلمان، دار ابن عنان، ط 1، 1417 ه‍ / 1997 م.

- الشوكانيّ، محمّد بن علي بن محمّد، نيل الأوطار من أحاديث سيد الأخيار شرح منتقى الأخبار، بيروت، دار الجيل، ط 1، 1973 م.

- الصدر، السيد محمد باقر، أئمة أهل البيت ودورهم في تحصين الرسالة الإسلاميّة، قم، انتشارات شريعت، ط 2، 1432 ه‍.

- الصدوق، أبو جعفر محمد بن علي بن حسين بابويه القمّيّ، الخصال.

- ــــــــــــــــــــــــ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ، تصحيح: الشيخ حسين الأعلميّ، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1404 ه‍ / 1984 م.

- الصفّار، أبو جعفر محمد بن حسن بن فروخ، بصائر الدرجات الكبرى، تصحيح وتعليق: الميرزا محسن كوحه باغي، طهران، انتشارات الأعلميّ، 1404 ه‍ / 1362 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيّد محمّد حسين، شيعه در اسلام (الشيعة في الإسلام)، طهران، انتشارات كعبة، 1361 ه‍ ش.

- الطبرانيّ، أبوالقاسم سليمان بن أحمد، المعجم الكبير، تحقيق: أحمدي عبد المجيد السلفيّ، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط 2، 1405 ه‍ / 1985 م.

- الطبرسيّ، أبو علي الفضل بن الحسن، جوامع الجامع، طهران، دانشگاه طهران و مديريت حوزه علميه قم، 1377 ه‍ ش.

- الطبرسيّ، أبومنصور أحمد بن أبي طالب، الاحتجاج على أهل اللجاج، تحقيق: محمّد باقر الخرسان، مشهد، نشر المرتضى، ط 1، 1403 ه‍.

- الطبريّ، أبوجعفر محمد بن جرير، تاريخ الطبري (تاريخ الأمم والملوك)، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، ط 4، 1403 ه‍ / 1983 م.

(204)

- العسقلانيّ، شهاب الدين أحمد بن علي ابن حجر، فتح الباري بشرح صحيح البخاري، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط 1، 1408 ه‍ / 1998 م.

- العسكريّ، أبو هلال محمد بن عبدالله، الأوائل، تحقيق: محمّد سيد وكيل، طنطا، دار البشير، 1408 ه‍ / 1987 م.

- عنايت، حميد، سيري در انديشه سياسي عرب، طهران، انتشارات سپهر، ط 3، 1363 ه‍ ش.

- القاضي النعمان المغربيّ، أبو حنيفة النعمان بن محمد التميميّ، شرح الأخبار، تحقيق: السيّد محمّد حسين الحسينيّ الميلانيّ، قم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ التابعة لجماعة المدرّسين، ط 2، 1414 ه‍.

- القندوزيّ الحنفيّ، سليمان بن إبراهيم، ينابيع المودّة لذوي القربى، تحقيق: علي جمال أشرف الحسينيّ، قم، دار الأسوة للطباعة والنشر، ط 1، 1416 ه‍.

- الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، تصحيح: علي أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، ط 4، 1407 ه‍ / 1365 ه‍ ش.

- الكواكبيّ، عبدالرحمن، طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة، عبدالرحمن ميرزاي قاجار، تصحيح: محمد جواد صاحبي، قم، دفتر تبليغات اسلامي، ط 1، 1363 ه‍ ش.

- المجلسيّ، محمّدباقر، بحار الأنوار الجامعة لدرر أخبار الأئمّة الأطهار، تحقيق: محمّد مهدي الموسوي الخرسان، السيد إبراهيم ميانجي، ومحمد باقر البهبودي، بيروت، مؤسّسة الوفاء، ط 2، 1403 ه‍ / 1983 م.

- المدرسي الطباطبائي، السيّدحسين، مكتب در فرايند تكامل، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: هاشم إيزد پناه، طهران، انتشارات كوير، ط 1، 1386 ه‍ ش.

- المطهّري، مرتضى، سيري در سيره أئمه اطهار، قم، انتشارات صدرا، 1367 ه‍ ش.

- المفيد، أبو عبد الله محمد بن عبد الله بن محمد بن النعمان العكبريّ البغداديّ، الاختصاص، تحقيق: علي أكبر غفاري وسيّد محمود زرندي، بيروت، دار المفيد للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1414 ه‍ / 1993 م.

(205)

- المكارم الشيرازّي، ناصر، الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل، بيروت، دار الأميرة للطباعة والنشر والتوزيع، ط 2، 1430 ه‍ ـ 2009 م.

- المنتظري، حسين علي، دراسات في ولاية الفقيه وفقه الدولة الإسلاميّة، المركز العالميّ للدراسات الإسلاميّة، ط 1، 1408 ه‍.

- النسائيّ، أبوعبدالرحمن أحمد بن شعيب بن علي، السنن الكبرى، تحقيق: عبد الغفار سليمان بنداري وسيد كسروي حسن، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1، 1411 ه‍ / 1991 م.

- النمازي شاهرودي، علي، مستدرك سفينة البحار، تحقيق وتصحيح: حسن بن علي نمازي، قم، مؤسّسة النشر الإسلاميّ، 1418 ه‍.

- الواسعيّ، سيد علي رضا، ومحمد شمس الدين دياني، درآمدي بر روش‌هاي تبليغي أئمة، قم، پژوهشگاه علوم و فرهنگ اسلامي، ط 2، 1388 ه‍ ش.

- اليعقوبيّ، أحمد بن أبي يعقوب، تاريخ اليعقوبيّ، بيروت، دار الكتب العلميّة، ط 1، 1422 ه‍.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(206)

 

 

علم الأمراض النفسيّة والسلوكيّات غير الاعتياديّة[1]

محمد صادق شجاعي[2]

مقدّمة

علم الأمراض النفسيّة واحد من فروع علم النفس يَدْرس الاختلالات والأمراض النفسيّة وأسباب وجودها. تُشاهد علامات الاختلال عادة في سلوك الفرد. وفي علم الأمراض النفسيّة يُعْرف كلّ نوع من الاختلالات انطلاقًا من مجموعة العلائم. سندرس في هذا الفصل علم الأمراض النفسيّة والسلوكيّات غير الاعتياديّة بالرجوع إلى الآيات والروايات.

الأمراض النفسيّة

مفهوم المرض النفسيّ

إنّ روح ونفس الإنسان من وجهة نظر الإسلام كجسمه من حيث تعرّضها للأمراض.[3] في هذه الحال يفقد الفرد نظام عمله الأساس أي النمو الاعتياديّ، الإدراك المنطقيّ، الرؤية والبصيرة، الوعي، قبول الذات، الإحساس بالهويّة الشخصيّة، معرفة الاستعدادات، الاختيار

(207)

في مقابل الإجبار في البيئة الاجتماعيّة، القناعة بالحياة، العلاقات الفرديّة الإيجابيّة، الإحساس العرفانيّ العميق بالطبيعة والعلاقة القويّة مع الله تعالى[1]؛ لذلك فإنّ من نتائج الأمراض النفسيّة، فقدان الفعاليّة المطلوبة في الأبعاد الحياتيّة، النفسيّة، العاطفيّة، الاجتماعيّة والمعنويّة.

المبدأ الأساس: ضعف الإنسان

يشير الضعف إلى آليّة علّيّة وداخليّة للأمراض النفسيّة. وقد أُخذ هذا المصطلح من معرفة الإنسان في الإسلام وفي الحقيقة، تتشكّل أسس نظريّة علم الأمراض النفسيّة انطلاقًا من الرؤية الإسلاميّة. الإنسان من وجهة نظر الإسلام قد خلق ضعيفًا وعاجزًا[2]، وهكذا هو حال كافّة أبناء البشر، حيث لا يتعلّق هذا الضعف بمرحلة الطفولة، ويولد الإنسان وفيه نقص وضعف يستمرّ معه على امتداد حياته.[3] وفي الواقع إنّ معنى الإنسانيّة من وجهة نظر الإسلام هي النقص، الضعف، العجز والتعلّق.

أشار الإمام السجّادعليه‌السلام في دعائه إلى عجز الإنسان، فقال: «اللهم وأنّك من الضعف خلقتنا وعلى الوهن بنيتنا ومن ماء مهين ابتدأتنا؛ فلا حول لنا إلّا بقوّتك ولا قوّة لنا إلّا بعونك».[4] واعتبر الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّ المرض والفقر والموت ثلاثة من علامات عجز الإنسان.[5]

يظهر ضعف الإنسان في مجالات عديدة وفي لحظات حياته. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام في هذا الشأن: «مسكين ابن آدم، مكتوم الأجل، مكنون العلل، محفوظ العمل تؤلمه البقّة تقتله الشرقة وتنتنه العرقة».[6] ويشترك جميع البشر في هذا الحال، ويقول عليه‌السلام في مكان آخر: «ويح

(208)

ابن آدم! أسير الجوع، صريع الشبع، غرض الآفات، خليفة الأموات».[1] لذلك فالإنسانيّة من وجهة نظر الإسلام هي الضعف والعجز، حيث تشكّل هذه الرؤية أساس نظريّة علم الأمراض النفسيّة؛ فالإنسان في الأصل ضعيف.

أصول ومبادئ نظريّة علم الأمراض النفسيّة في القرآن والحديث
الاستفادة من الفطرة

الأصل الأوّل والأساس في علم الأمراض النفسيّة من وجهة نظر الإسلام، أنّ للإنسان فطرة والفطرة هي البناء الحياتيّ ـ النفسيّ الأوّل الذي وجد قبل الولادة وهي التي تحدّد اتّجاه النمو المعتاد للفرد في المستقبل. من جملة الجوانب المهمّة للفطرة أنّه ليس لها وجود بالقوّة[2]؛ ولذلك فالإنسان بناء حياتيٌّ ـ نفسيٌّ أوّليٌّ قد وجد لأجل الصحّة النفسيّة. ويحصل المرض النفسيّ عند اختلال هذا البناء.

الدافع التكوينيّ نحو الكمال

يميل كافّة البشر نحو الكمال، والكمال نوع من الازدهار، والنشاط والدافع نحو الأعلى والأفضل، وبذل الجهد للوصول للكمال أمر ذاتيّ. وقد وضّحت الآيات والروايات هذا الموضوع على أفضل وجه من خلال مفهوم «الهداية التكوينيّة». وجّة الله تعالى الميول، العواطف، واحتياجات الإنسان بحيث يتمكّن من الحركة طبق مسيرة النمو المعتاد في كافّة الأبعاد (الحياتيّة، النفسيّة، العاطفيّة، الاجتماعيّة والمعنويّة). طبعًا هذه الخاصّيّة ليست من مختصّات الإنسان فقط، بل تُشاهد في جميع الموجودات الحيّة.[3] والهداية التكوينيّة هي لأجل الحفاظ على الموجود الحيّ وبقائه وميوله لإشباع كافة أشكال احتياجاته الفيزيولوجيّة كالطعام والشراب والماء، وحتّى لإقامة علاقات مع الآخرين، كما أنّ الهداية التكوينيّة توضح النموّ والتطوّر في القيم الأخلاقيّة والتخلّص من الأهواء النفسانيّة.

(209)
التعارض في الباطن النفسيّ

التعارض في الباطن النفسيّ هو الأصل الأساسيّ الثالث في نظريّة علم الأمراض النفسيّة من وجهة نظر الإسلام. يمتلك الإنسان من وجهة نظر الإسلام اثنان من الميول المتضادّة والتي عبّرت الآيات والروايات عنها بالحقّ والباطل، الخير والشر، التقوى والفجور، العقل والجهل أو العقل والشهوة. وهذا التعارض الباطنيّ مختصّ بالإنسان فقط. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «إنّ الله ركّب في الملائكة عقلًا بلا شهوة، وركّب في البهائم شهوة بلا عقل، وركّب في بني آدم كليهما».[1] والإنسان من وجهة نظر الإمام الصادق عليه‌السلام مركّب من بعدين دنيويّ وأخرويّ.[2] ووصف الإنسان في كلمات الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه بين الله والشيطان.[3]

شبّهت بعض الروايات النفس بساحة حرب بين جيشين يسعى كلّ منهما للتغلّب على الآخر. يقول الإمام عليّ عليه‌السلام : «العقل صاحب جيش الرحمان والهوى قائد جيش الشيطان والنفس متجازية فأيّهما غلب كانت في حيّزه».[4]

يُفهم من هذه الروايات وبشكل واضح، وجود تعارض دائم في الفضاء النفسيّ للإنسان. تظهر الأمراض النفسيّة عند غلبة الشهوات والأهواء في ساحة النفس. وبناءً على الآيات والروايات، فالشهوة والهوى نماذج مرضيّة للاحتياجات، والعواطف، والمعارف والأحاسيس السلوكيّة الناشئة عنها، وفي هذا الحال يبتعد الإنسان عن طريق الفطرة، ويبيّن هذا الأمر أنّ الإنسان يتعرّض للتهديد على أثر بعض الميول غير المتجانسة مع الفطرة.

أسباب الاختلالات النفسيّة

لماذا يُصاب الأفراد باختلالات نفسيّة؟ هذا هو السؤال الذي يحاول علم الأمراض النفسيّة الإجابة عليه. إنّ أهمّ أسباب الاختلالات النفسيّة من وجهة نظر الآيات والروايات هي الآتية:

(210)
الأسباب البیولوجیّة

يعود أحد أسباب الاختلالات والأمراض النفسيّة إلى الوراثة، وكما تنتقل الصفات والخصائص الإيجابيّة من الوالدين إلى الأبناء، كذلك تنتقل الصفات والخصائص السلبيّة إليهم عن طريق الجينات[1]؛ لذلك أوصت الروايات بالدقّة في اختيار الزوجة، يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «تزوّجوا في الحجز الصالح فإنّ العرق دساس».[2] ويقول في موضع آخر: «وانظر في أيّ نصاب ولدك فإنّ العرق دساس»[3]، ونهت بعض الروايات عن الزواج مع بعض الأفراد والمجموعات.[4] يفهم من هذه الروايات أنّ الوراثة يمكن أن تشكّل سببًا للأمراض النفسيّة.

يترك طعام الأمّ تأثيره على صحّة ومرض الجنين، يقول الإمام الصادق عليه‌السلام : «غذاؤه ممّا تأكل أمّه ويشرب ممّا تشرب»[5] وبما أنّ طعام الأمّ أثناء الحمل يترك تأثيره على أخلاق وقدرات وذكاء الولد، أوصت بعض الروايات بتناول بعض الأطعمة والفاكهة واجتناب البعض الآخر.[6] ومن جملة الأسباب الأخرى لظهور الأمراض النفسيّة، عدم الاهتمام بالسلامة الجنسيّة؛ لذلك فإنّ اقتراب الرجل المتكرّر من زوجته من دون غسل قد يؤدي إلى وجود اختلال نفسيّ عند الولد.[7]

تظهر الكثير من الاختلالات والأمراض النفسيّة أيضًا عن طريق الأطعمة التي يحصل عليها الإنسان عن طريق الحرام، وقد قدّم الإسلام للأفراد مجموعة من الوصايا بهدف الحؤول دون.

(211)

النتائج السلبيّة لبعض الأطعمة، واعتبر أنّ الاهتمام بها يساهم في عدم ظهور هذه المشكلات، فمن جملة أسباب حرمة الخمر، الآثار والنتائج التي يتركها على مستوى الجسم والنفس. جاء في رواية عن الإمام الباقرعليه‌السلام : «إنّ مدمن الخمر كعابد وثنٍ ويورثه الارتعاش ويهدم مروته وتحمله على التجاسد على المحارم من سفك الدماء وركوب الزناء حتّى لا يؤمنوا، وإذا سكر أن يثب على حرمه وهو لا يعقل ذلك والخمر لا تزيد شاربها إلّا كلّ شرّ».[1]

الأسباب النفسيّة

تتضمّن الأسباب النفسيّة تجارب مرحلة الطفولة، المعارف، الاحتياجات، والميول وأمور من هذا القبيل. على سبيل المثال، فإنّ إشباع الاحتياجات العاطفيّة للأفراد في مرحلة الطفولة مهمّ للغاية، وكيفيّة مبادرة الوالدين للتعامل مع هذه الاحتياجات، يترك تأثيره على صحّة ومرض الأبناء، الآباء الذين يمارسون الحرمان الكبير، يضعون سلامة أبناءهم النفسيّة أمام معضلات كبيرة. من هنا، أوصت الروايات إظهار المحبّة للأطفال. يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أحبّوا الصبيان وارحموهم»[2]، ويقول في مكان آخر: «أكثروا من قبلة أولادكم، فإنّ لكم بكلّ قبلة درجة في الجنّة»[3] قبّل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الحسن بن عليّ وعنده الأقرع بن حابس التميميّ جالسًا، فقال الأقرع: إنّ لي عشرة من الولد ما قبلت منهم أحدًا، فنظر إليه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثمّ قال: من لا يَرحم لا يُرحم.[4]

كما أنّ الحبّ المفرط يترك آثارًا سلبيّة، فعن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال: «شرّ الآباء من دعاه البرّ إلى الإفراط».[5] الاحتياجات النفسيّة كالاحتياجات الحياتيّة فإذا كانت بمقدار وشكل مناسب كانت مفيدة، وإذا تجاوزت الحد والشكل المناسبين كانت ضارّة ولا فائدة فيها.

(212)

تترك بعض تجارب الطفولة المريرة من قبيل الخلافات الأسريّة، الطلاق، موت أحد الأعزاء (بالأخصّ الوالدين) آثارًا سلبيّة على صحّة الأفراد النفسيّة؛ لذلك ذمّت الروايات الخلافات الأسريّة والطلاق. يقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «أبغض الحلال إلى الله الطلاق وما أحلّ الله شيئًا أبغض من الطلاق».[1] لعلّ من جملة أسباب مكروهيّة الطلاق، الآثار والنتائج العاطفيّة والنفسيّة التي يتركها على الأزواج والأبناء. ومن جهة أخرى وبما أنّ الفقدان (موت الوالدين والأبناء) قد يترك آثارًا سلبيّة، شدّدت الروايات على الدعم العاطفيّ.

الأسباب الطبيعيّة

أيّدت الآيات والروايات الفكرة القائلة إنّ القوى الكونيّة تترك تأثيرها على سلوكيّات وحالات الأفراد. ويجب الالتفات إلى أنّ الأسباب الطبيعيّة والوراثيّة تعمل مع بعضها البعض في الكثير من الأحيان. فقد ورد عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قوله: «... لا تجامع امرأتك في وجه الشمس وتلألئها إلّا أن تزجي سترًا فيستركما، فإنّه إن قضي بينكما ولدٌ لا يزال في بؤس وفقر حتّى يموت»... .[2] وكذلك الحال أثناء الخسوف والكسوف، حيث يوجب ذلك المرض، وبعض الأزمنة والأمكنة تهيّئ الظروف لظهور الأمراض؛ لذلك جاء ذمّ المقاربة أثناء الخسوف، الكسوف، الزلزال[3]، وفي بعض الأيام (أوّل الشهر، وسطه، آخره[4]، وليلة عيد الفطر.[5] وكذلك الأمر في بعض ساعات الليل والنهار (من طلوع الفجر إلى شروق الشمس، عند غروب الشمس[6]، وأثناء ساعات بعد الظهر الأولى).[7]

(213)
الأسباب الاجتماعيّة ـ الثقافيّة

تساهم الأسباب الاجتماعيّة ـ الثقافيّة في إيجاد الاختلالات النفسيّة. في هذا الإطار تحدّثت الآيات والروايات عن النسيج الاجتماعيّ كالعائلة، مكان السكن والموقع الاجتماعيّ للأفراد. ويتعرّض الأفراد الذين يعيشون في بيئة غير سليمة للأخطار والاختلالات[1]؛ لذلك فمن المهمّ أن يعرف الفرد مع من يعيش وأين يعيش؛ ولهذا السبب جاء النهي عن الحضور في بعض الأمكنة[2]، لعلّ من جملة أسباب الهجرة في الثقافة الإسلاميّة الحؤول دون الأخطار المحتملة التي تصيب الأفراد نتيجة الحياة في بعض الأماكن. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَمَنْ يُهَاجِرْ فِي سَبِيلِ اللهِ يَجِدْ فِي الْأَرْضِ مُرَاغَمًا كَثِيرًا وَسَعَةً)[3] ويقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «من فَرّ بدينه من أرض إلى أرض وإن كان شبرًا من الأرض استوجب الجنّة»[4] وقد تضمّن تاريخ الإسلام شواهد كثيرة تبيّن أنّ الحفاظ على النفس وعلى القيم الأخلاقيّة والمعنويّة، أمران حصلا على أثر هجرة الأفراد والمجموعات في صدر الإسلام. وكلّ هذا يشير إلى العلاقة والارتباط بين البيئة التي يعيش فيها الأفراد والاضطرابات والاختلالات النفسيّة.

بحث خاصّ: الأسباب ماوراء الطبيعة

من جملة الأسباب المؤثّرة على مستوى الاختلالات والأمراض النفسيّة تلك التي يمكن أن يُطلق عليها ماوراء الأمور الطبيعيّة وهي أمور غير ـ محسوسة وغير ملموسة لدى الأشخاص. من جملة هذه الأسباب الجنّ والشياطين، وقد أشار القرآن الكريم إلى إحدى هذه الاختلالات عندما تحدّث عن مَسّ الشيطان.[5] وتظهر هذه الاختلالات على أثر الاتّصال بالشيطان.[6] من

(214)

جملة العلامات التي تدلّ على اختلال المسّ الشيطانيّ فقدان الاعتدال في السلوك؛ لذلك شبّه بعض الباحثين هذا الاختلال بالصرع.[1]

نسبت الآيات والروايات الكثير من الاختلالات إلى الشيطان، فعندما أُخْرج الشيطان من الجنّة على أثر عصيان أمر الله تعالى، (فَاخْرُجْ إِنَّكَ مِنَ الصَّاغِرِينَ)[2]، (فَاخْرُجْ مِنْهَا فَإِنَّكَ رَجِيمٌ   *   وَإِنَّ عَلَيْكَ لَعْنَتِي إِلَى يَوْمِ الدِّينِ)[3] بدأ بإغواء بني البشر. ويحصل إغواء الشيطان عبر طرق عديدة[4] من جملتها: تزيين الأعمال القبيحة[5]، الوسوسة[6]، الوعود الخادعة[7]، إيجاد خلل في العلاقات الفرديّة[8]، وإيجاد الرغبة في تناول الخمر ولعب القمار.[9] إنّ ما يدلّ على هذا النوع من الاختلالات عند الأفراد، انشغال الذهن بأمور الدنيا والرغبة في الأمور الشهوانيّة.[10]

(215)

إنّ من أقوى الشواهد التي تبيّن تدخّل أمور ماوراء الطبيعة ودورها في إيجاد الأمراض النفسيّة تلك المتلعّقة بالجنون، والجنون نوع من الأمراض يحصل على أثر التعرّض للجنّ. يظهر من بعض الآيات والروايات أنّ الجنّ موجودات خُلقت من النار[1]، وهي موجودات لا يمكن مشاهدتها عادةً. بإمكان الجن القيام بأعمال كبيرة كتلك التي أشارت إليها الآيات الشريفة في قصّة النبيّ سليمان.[2] وتشير بعض الروايات إلى أنّ الجن قد يسبّب الأذى والاختلال عند الأفراد، ويتعرّض الأشخاص الذين يعبرون من أماكن مظلمة، أماكن قديمة متروكة، الحمامات القديمة والقبور للخطر.[3] على كلّ الأحوال فإنّ الخوف هو أبرز وأهمّ الاختلالات التي تحصل على أثر التعرّض للجنّ.[4]

مفاهيم ذات علاقة بالاختلالات النفسيّة

استخدمت الآيات والروايات مصطلحات وكلمات خاصّة للإشارة إلى الاختلالات النفسيّة، مثال ذلك أنّها استخدمت للمرض النفسيّ الشديد والحادّ عبارة جِنّة[5]، الجنون والمجنون[6]، وجميعها تعود إلى جذر واحد.[7] الحقيقة أنّ الجنون يتضمّن اختلالات تظهر على شكل اضطراب في التفكير وفهم غير صحيح يترافق مع شكل من الهذيان والأوهام؛ لذلك عندما سمع الكفّار آيات الله تتلى على لسان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم اتّهموه بالجنون، كأنّهم أرادوا القول

(216)

إنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أصيب بالهذيان والأوهام.[1]

الشاخص الأساس للجنون، العجز عن استخدام المعرفة التي يتمكّن الشخص بواسطتها من التمييز بين الحسن والقبيح. يضاف إلى ذلك أنّ المصابين بالجنون تصدر عنهم أفعال غير مقبولة، بل تصدر عنهم أفعال عنيفة.[2]

المقصود من الخَبل أيضًا الاختلال النفسيّ.[3] ومن جملة ما يشير إلى الخبل انحراف أعضاء البدن عن أعمالها المخصّصة لها أو إصابتها بالفلج الكامل، حيث يشير الأمر إلى وجود مرض جسمانيّ، فيتصوّر أنّ العامل النفسيّ سبب وجود المشكلات.[4] وتطلق عبارة المخبّل في الاصطلاح على الشخص العاجز عن المشي لشدّة الألم والمرض.[5] أمّا الاختلالات ذات البعد المعرفيّ فيستخدم فيها عبارات من قبيل المعتوه، السفيه والأبله؛ وتشترك جميعها في ضعف القدرات الذهنيّة. والضعف الذهنيّ يشتمل على نواقص في القدرات المعرفيّة وفي السلوكيّات الضروريّة للكفاية الشخصيّة والاجتماعيّة. وقد جاء حول الموضوع في الكتب الفقهيّة أنّ المقصود من هذه المصطلحات، استخدام الذكاء الفرديّ بمقدار أقل من الحدّ المتوسّط.[6]

تبيّن الآيات والروايات أنّ الأشخاص المصابين بالضعف الذهنيّ(المعتوه، الأبله والسفيه) يواجهون صعوبات في مجالات عديدة، كالعلاقة مع الآخر، المهارات الاجتماعيّة والاهتمام بأنفسهم. كما تحدّثت الآيات والروايات حول أمور أخرى تتعلّق بأصحاب الضعف الذهنيّ، كالزواج والمعاملات والتصرّف بالأموال. فأشارت الآية الخامسة من سورة النساء على سبيل المثال إلى أنّ السفيه عاجز عن إدارة أمواله أو أموال الآخرين.[7] وقد يتطوّر الاختلال

(217)

عند بعض الأفراد إلى مستوى يصبح معه عاجزًا عن تأمين احتياجاته الأساسيّة؛ لذلك كانت الوصيّة أن يتولّى الآخرون (أفراد العائلة، الأقارب، الدولة والحاكم الإسلاميّ) إدارة أمواله وأمور حياته.[1] من جملة الخصائص النفسيّة للمصابين بالضعف الذهنيّ، الميل نحو السلوكيّات غير الاجتماعيّة، الصعوبة في قبول الحقيقة[2] والميول العبثيّة.[3] من هنا يمكن القول إنّ السفاهة وباعتبارها اختلالًا رائجًا على امتداد القرون الماضية شكّلت تحدّيًا للتديّن والمعنويّات وقد تحمّل الأنبياءعليهم‌السلام الكثير من المشقّات بسبب السفهاء.[4]

كما استخدمت الروايات عبارة الغباوة للإشارة إلى نوع من الاختلال المعرفيّ.[5] من جملة العلامات الأساسيّة لهذا الاختلال، العجز عن الفهم والإدراك والتحليل، وبشكل عامّ البطء في التفكير.[6] ويترافق هذا الاختلال مع ضعف في القدرة على تعلّم الأفكار الجديدة وعجز عن تذكّر المعلومات السابقة. ويطلق اصطلاحًا على المصاب بنقص في النمو المعرفيّ «الغبيّ».[7]

(218)

الحُمْق واحد من الاختلالات النفسيّة[1]، والحمق طبق بعض الروايات أسوأ الأمراض[2]، وهو حالة لا يمكن معالجتها بسهولة.[3] وعَرّفت معاجم المصطلحات الحمق بأنّه البطء الذهنيّ والعجز العقليّ[4]، والأشخاص المصابون بهذا المرض يرتفع لديهم منسوب التحيّز لأنفسهم[5]؛ لذلك يبرؤون أنفسهم من كلّ عيب ونقص، ويقوّمون الآخرين سلبًا.[6] ويعتقدون أنّهم دائمًا على حقّ.[7] ويؤدّي هذا الأمر إلى أن يكون الشخص مادحًا لنفسه يراها أفضل من الآخرين؛ لذلك يمكن القول إنّ الحُمْق اختلال معرفيّ. ومن هنا تحدّثت بعض الروايات عن الحمق باعتباره النقطة المقابلة للفهم والإدراك[8]، يضاف إلى ذلك أنّ الحمق مكوّن حماسيّ هيجانيّ؛ لذلك أشارت الروايات إلى المميّزات الأساسيّة للمصابين بالحمق، أي العجز عن مقاومة الصدمات والوساوس والإتيان بالأفعال الضارّة له وللآخرين.[9]

(219)

الجهل من الأمراض النفسيّة أيضًا[1]، والجهل والحمق قريبان من بعضهما من ناحية المعنى.[2] من جملة علامات الجهل طبق المصادر الإسلاميّة، فقدان المعرفة والوعي[3] ومع ذلك، يشير الجهل إلى تفشّي الغرائز وغلبة الشهوات؛ ممّا يدفع الشخص نحو أشكال السلوكيّات غير الأخلاقيّة وغير المعتادة[4]؛ لذلك استخدمت الآيات والروايات كلمة الجهل باعتبارها صفة سلبيّة.[5] وأطلق مصطلح «الجاهليّة» على الحالة الاجتماعيّة لهذه الصفة؛ وهي تشير إلى مرحلة عدم التطوّر التي عاشها الناس في مرحلة ما قبل الإسلام.[6] تبيّن الشواهد أنّ الجهل مفهوم محوريّ في بحث علم الأمراض النفسيّة. والجهل في الروايات هو فساد كلّ شيء[7] وهو منشأ كلّ اختلال ومرض[8]، ويبدو أنّ الفكرة الثانية هي الأكثر شيوعًا. بناءً على ما تقدّم فإنّ الكثير من السلوكيّات

(220)

غير السويّة وغير المعتادة كالطمع، اللذّة، البخل[1]، التعلّق بالدنيا[2] ومعصية الله[3] كلّها تنسب إلى الجهل. واعتبر الإمام عليّ عليه‌السلام أنّ الجهل اختلال أساسيّ وسبب كافّة السلوكيّات غير الأخلاقيّة[4]؛ لذلك يمكن القول عليه‌السلام إنّ الجهل خاصّيّة محوريّة في توقّع الاختلالات النفسيّة. تبيّن الروايات أنّ المصابين بالجهل يفتقدون الشعور بقيمة أنفسهم[5] ويعتريهم في حياتهم شعور إفراطيّ.[6] كما أنّ جهود الجاهل في الحياة اليوميّة عديمة الفائدة[7]؛ لذلك نادرًا ما يصل إلى متطلَّباته الواقعيّة.[8] وأسباب سعادته في الحياة لا تتجاوز المال والثروة.[9] والجاهل لا تتعلّق آماله بنتيجة أعماله، بل بخيالاته وأوهامه الخادعة.[10] من أبرز خصائص الجاهلين، العناد وعدم المرونة، وهم غير جاهزين للتغيير.[11] والجاهل يتحرّك في حياته طبق أنماط غير مثمرة بدلًا من المفيدة.[12]

أنواع الآفات النفسيّة

عَبّرت الروايات في بعض المواطن عن الاختلالات النفسيّة بعبارة «الآفة». ويمكن إحصاء فهرس واسع عن الآفات النفسيّة من خلال تقصّي ودراسة الآيات والروايات، فقد عَبّرت

(221)

الروايات على سبيل المثال عن الأمور الآتية بأنّها آفات: الشكّ، الشرك، عدم الشكر، العصيان، تعظيم الذات، الرياء، الظنّ بالسوء، التعلّق بالدنيا، طلب المقام، العصيان [معصية الله]، البخل، الذلّ، الإهمال، الظلم، العجب، الكذب، عدم الوفاء بالعهد، الخيانة، الإسراف، عدم التدبير، كثرة الكلام واللهو.[1]

 

 

 

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

القلب والأمراض النفسيّة

ترتبط الصحّة والمرض النفسيّان بالقلب، ويظهر هذا الأمر بشكل واضح في الآيات والروايات. أشار القرآن الكريم اثني عشر مرّة إلى المرض النفسيّ بعبارة «المرض» الذي يعرض القلب. مثال ذلك، جاء في الآية العاشرة من سورة البقرة قول الله تعالى: {فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَهُمُ اللهُ مَرَضًا} (ليس المقصود من المرض هنا المرض الجسميّ بل النفسيّ). أشارت الآية الشريفة إلى النفاق

(222)

على أنّه مرض يعرض على القلب. وكذلك الأمر في الآية الثانية والثلاثين من سورة الأحزاب، حيث عبّرت الآية بالمرض عن الانحرافات الجنسيّة، فاعتبرهم الله تعالى أنّهم مرضى القلوب، وهم الذين يستدرجون النساء العفيفات الطاهرات. خاطب الله تعالى نساء النبيّ قائلًا: (فَلَا تَخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ).[1] إذا مرض القلب تغيّرت معرفة الأفراد وتبدّلت اتّجاهاتهم. أشار الله تعالى لهذا الموضوع في القرآن الكريم، يقول: (وَإِذْ يَقُولُ الْمُنَافِقُونَ وَالَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ مَا وَعَدَنَا اللهُ وَرَسُولُهُ إِلَّا غُرُورًا...).[2]

ترتبط كلمة «الانحراف» بالمرض النفسيّ. الانحراف في اللغة بمعنى الزيغ والمنحرف هو الذي يخرج عن المسير الأساسيّ ويتيه في الأرض. وَعَدّ القرآن الكريم الانحراف ابتعادًا عن مسير الحقّ. يقول الله تعالى: (قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَا تَغْلُوا فِي دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقِّ وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِنْ قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَنْ سَوَاءِ السَّبِيلِ)[3]، والمنحرف هو الذي يبتعد عادة عن مسير الحقّ أيّ عن الدين الإلهيّ.

استخدم القرآن الكريم كلمة «الزيغ» للدلالة على معنى الانحراف. يقول الله تعالى في الآية الخامسة من سورة الصف: (فَلَمَّا زَاغُوا أَزَاغَ اللهُ قُلُوبَهُمْ...).[4] والزيغ هنا هو الانحراف عن الحقّ، والزيغ نوع من الاختلال المعرفيّ الذي يضع ردّة فعل الشخص المعتادة أمام معضلة عند التفسير والتحليل الصحيح للأحداث، والنتيجة محاولة الأشخاص تحريف الحقائق. يقول الله تعالى حول اليهود: (مِنَ الَّذِينَ هَادُوا يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ)[5] والذين يحرّفون الحقائق من وجهة نظر القرآن أصيبوا بمرض نفسيّ، (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ).[6] من هنا، يمكن القول إنّ

(223)

الزيغ مرض نفسيّ ذو علاقة بالقلب. ويقابل الزيغ الهداية (رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا).[1]

عملّية الاختلال والمرض في القلب

القلب في الآيات والروايات عبارة عن نظام نفسيّ يعمل بموازاة القلب الفيزيائيّ، وكما يؤدّي القلب الفيزيائيّ دورًا على مستوى صحّة البدن وسقمه[2]، كذلك القلب النفسيّ يؤدّي دورًا على مستوى الصحّة النفسيّة والمرض النفسيّ. نسبت الآيات والروايات الصحة النفسيّة[3] والمرض النفسيّ[4] للقلب.

المعصية ودورها الوسيط في المرض النفسيّ

المعصية هي العامل الوحيد الذي يهدّد السلامة النفسيّة. يقول الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام : «لا وجع للقلوب من الذنوب»[5]، ويقول الإمام الصادق عليه‌السلام : «ما من شيء أفسد للقلب من خطيئة».[6] والمعصية في التعريف عبارة عن كلّ تفكير أو شعور أو سلوك يخالف ما أمر الله تعالى به[7]؛ لذلك تعود جذور الاختلالات والأمراض النفسيّة في الكثير من الأحيان إلى معصية الله تعالى.

أشارت الروايات لعمليّة الاختلال النفسيّ، واعتبرت أنّ كلّ إنسان طبيعيّ سليم من الناحية النفسيّة، وكلّما صدرت معصية من الشخص تتناقص صحّته النفسيّة بالتدريج،

(224)

وإذا استمرّت هذه العمليّة يختلّ النظام النفسيّ للفرد على أثر المعصية. يقول الإمام الباقرعليه‌السلام في هذا الخصوص:

«ما من عبد إلّا وفي قلبه نكتة بيضاء [النقطة البيضاء تشير إلى الصحّة] فإذا أذنب ذنبًا خرج في النكتة نكتة سوداء [تشير النقطة السوداء للاختلال النفسيّ] فإن تاب ذهب ذلك السواد وإن تمادى في الذنوب زاد ذلك السواد حتّى يغطّي البياض، فإذا غطّى البياض لم يرجع صاحبه إلى الخير أبدًا [وهذا يعني أنّ إصلاح وعلاج ذلك الشخص يصبح صعبًا»[1].

ويقول الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إنّ المؤمن إذا أذنب كانت نكتة سوداء في قلبه، فإن تاب ونزع واستغفر صقل قلبه منه وإن ازداد زادت...».[2]

ويطلق على الحالة النفسيّة التي تعرض القلب على أثر المعصية «الرين»[3]، والرين في اللغة عبارة عن الغبار الذي يستقرّ على الأشياء. واعتبر بعض أنّ الرين عبارة عن الصدأ الذي يظهر على الحديد على أثْرَ الرطوبة.[4]

هناك علاقة دائمة بين المعصية والمرض النفسي، فالمعصية تهيّء الأرضيّة لبروز المرض النفسي. كما أنّ المرض النفسي يدفع نحو ارتكاب المعصية. يشير الجدول الآتي إلى العلاقة بين المعصية والمرض النفسي:

(225)

توجد علاقة دائمة بين المعصية والمرض النفسيّ، فالمعصية تهيّئ الأرضيّة لبروز المرض النفسيّ، كما أنّ المرض النفسيّ يدفع نحو ارتكاب المعصية. العلاقة بين المعصية والمرض شديدة حتّى اعتبرت بعض الروايات أنّ المعصية بذاتها نوع من المرض النفسيّ.[1]

أنواع اختلالات وانحرافات القلب

تحدّثت الآيات والروايات عن مجموعة من خصال القلب السليم والقلب المريض. من جملة خصال القلب السليم التديّن الذي لا يداخله شكّ وغير الممتزج بهوى النفس[2]، الابتعاد عن الرياء[3]، عدم التعلّق بالدنيا[4]، إخلاص النيّة[5]، التفكير الإيجابيّ[6]، مراعاة الإنصاف[7]، الابتعاد عن الشبهة[8]، الهدوء والاطمئنان[9]، الطهارة والعفّة[10]، شرح الصدر.[11] وعندما تُفتقد هذه الخاصيّات أو إحداها يتعرّض

(226)

القلب لاختلال. واستخدمت مجموعة من المفاهيم والكلمات للإشارة إلى اختلالات القلب وانحرافاته:

الطبع على القلب: عندما يراد الحفاظ على الشيء بعيدًا عن أيدي العابثين ويراد عدم إيجاد أيّ عمل فيه، يغلق بابه بإحكام ويطبع عليه [يختم عليه]. وقد يحصل الطبع على الشيء بعد مشاهدة صدور سلوك منحرف. مثال ذلك، عندما ترتكب مؤسّسة تجاريّة أعمالًا خلافيّة تعمل الجهات المختصّة على إغلاقها وختمها بالشمع الأحم،. وهذا ما يحصل بالدقّة في خصوص القلب. استخدم القرآن الكريم عبارتي «الطبع»[1] و«الختم»[2] للإشارة إلى هذا الموضوع، وكلّما زاد الإنسان من ارتكاب المعاصي خُتم على قلبه، ويشير الختم إلى انحراف القلب عدا عن دلالته عن وجود اختلالات فيه تظهر على شكل عجز في التفكير[3] واختلال في عمل الحواس (الحواس الباطنيّة).[4] تحدّث القرآن الكريم حول هؤلاء الأشخاص فقال: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ... ).[5]

ـ حجاب القلب: حجاب القلب عبارة أخرى استخدمتها الآيات والروايات للإشارة إلى وجود اختلال في عمل القلب. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ  *  كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ).[6] عَدّت تعاليم الإسلام أنّ القلب محلُّ تجلّي الله تعالى. والمعصية تسبّب ابتعاد القلب عن الله. تحمل كلّ المعاصي آثارًا سلبيّة، إلّا أنّ تأثير التعلّق بالدنيا أكثر من أيّ معصية أخرى.[7] وأشارت بعض الروايات إلى أنّ اللجاج والنكث بالعهد

(227)

علامتان أساسيّتين لحجاب القلب.[1] خاطب الإمام عليّ عليه‌السلام معاوية مبيّنًا أنّه شخص صاحب هذه الخاصيّة.[2]

ـ قساوة القلب: نوع من الاختلال في الوظيفة النفسيّة تترافق مع عنف وقسوة مع عدم القدرة على إيجاد اختراق، وتطلق كلمة «القاسي» في اللغة العربيّة على الحجارة الصلبة والخشنة؛ لذلك يقال: قلب قاسٍ، إذا لم يكن مرنًا ليّنًا أمام نور الحقّ والهداية، وإذا لم يتمكّن نور الهداية من النفوذ إليه.[3] واستخدمت كلمة القساوة في أماكن عديدة حول بني إسرائيل وخاطبهم الله تعالى: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً)[4] السبب في ذلك أنّ بعض الحجارة يخرج منها الماء عند تكسّرها أمّا قلوبهم، فهي أشدّ قسوة منها. كذلك الحال عندما يتحدّث القرآن الكريم حول تنبيه الضالّين والمشركين، فيأخذ بأيديهم ويعود بهم إلى الأزمنة الماضية ويشرح أحوال الأمم المتقدّمة، إلّا أنّهم لا يعتبرون، ثمّ يقول: (وَلَكِنْ قَسَتْ قُلُوبُهُمْ).[5]

توجد العديد من الأسباب التي تؤدّي إلى قساوة القلب، منها: نقض الميثاق الإلهيّ[6]، طول الأمل[7]، ترك ذكر الله[8]، كثرة المال[9]، نسيان ذكر الموت[10]، النظر إلى البخيل[11]، الإصغاء

(228)

إلى المواضيع عديمة الفائدة، مرافقة الأشخاص القاسية قلوبهم الفاقدين للشعور بالرحمة، ممارسة السلوكيّات القاسية العنيفة[1] (من قبيل ذبح الحيوانات وصيدها)، ومن جملة الأمور التي تبعث على قساوة القلب إهالة التراب على جنازة الأقارب، وقد نهت الروايات عنها.[2]

ـ عمى القلب: من جملة العبارات التي استخدمتها الآيات والروايات للإشارة إلى اختلال القلب، عمى القلب.[3] وعمى القلب هو أعلى درجات الاختلال. عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «وشرّ العمى عمى القلب».[4] يقول الإمام الباقرعليه‌السلام في تفسير الآية الشريفة (مَنْ كَانَ فِي هَذِهِ أَعْمَى فَهُوَ فِي الْآخِرَةِ أَعْمَى)[5]:

«من لم يدلّه خلق السماوات والأرض، واختلال الليل والنهار، ودوران الفلك بالشمس والقمر، والآيات العجيبات، على أنّ وراء ذلك أمر هو أعظم منه، فهو في الآخرة أعمى»[6]

والمقصود من عمى القلب عجزه عن إدراك حقائق الوجود.[7] والكون في الرؤية التوحيديّة آية الله وعلامته، وكلّ من يعجز عن إدراك هذه الحقيقة مريض.

ـ موت القلب: إنّ مرض القلب كمرض البدن، حيث يصاب بقوّة وضعف، وقد يشتدّ مرض القلب كما في الأمراض الجسمانيّة ممّا يسبّب الموت. وعند موت القلب، لا تبقى أيّ من علامات الحياة النفسيّة في الفرد. من أشهر أسباب موت القلب طبق الروايات، طلب الدنيا[8]،

(229)

الإصرار على المعصية[1]، كثرة التواصل مع الجنس الآخر[2]، الجدال غير المفيد[3]، مجالسة المترَفين[4] والإفراط في الضحك والمزاح.[5] وكلّ واحدة من الأمور المتقدّمة تهيّئ الأرضيّة للاختلال النفسيّ، مع العلم أنّ اختلال القلب طبق الآيات والروايات هو من الاختلالات والأمراض الأساسيّ،ة وهي أمور لا يتمّ الالتفات إليها في نظريّات علم النفس، وقد تختلف عن تعريف الاختلال فيها.

السلوكيّات غير الطبيعيّة

من جملة المشكلات والتحدّيات التي يواجهها علماء النفس باستمرار في بحث الأمراض النفسيّة تعريفُ «غير الطبيعيّة» ومعاييرها. وفي العادة يُطرح السؤال الآتي في كتب علم الأمراض النفسيّة: ما المقصود من غير الطبيعيّة؟ وما هي المعايير التي يمكن بواسطتها التمييز بين السلوكيّات الطبيعيّة وغير الطبيعيّة؟

معايير السلوكيّات غير الطبيعيّة في الآيات والروايات

إنّ من أهمّ معايير السلوكيّات غير الطبيعيّة طبق الآيات والروايات الأمور الآتية:

الإفراط والتفريط

الاعتدال والوسطيّة من وجهة نظر الإسلام أمر مطلوب وطبيعيّ في كافة الأمور، وبالتالي الإفراط والتفريط من جملة الأمور غير الطبيعيّة. يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ

(230)

مَغْلُولَةً إِلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا...)[1]، ويقول الله تعالى في مكان آخر: (وَالَّذِينَ إِذَا أَنْفَقُوا لَمْ يُسْرِفُوا وَلَمْ يَقْتُرُوا وَكَانَ بَيْنَ ذَلِكَ قَوَامًا... )[2]، ويقول حول الصلاة: (وَلَا تَجْهَرْ بِصَلَاتِكَ وَلَا تُخَافِتْ بِهَا وَابْتَغِ بَيْنَ ذَلِكَ سَبِيلًا).[3] وإذا تمكّنا من اختصار الطرق بثلاثة من وجهة نظر الإسلام، فإنّ هناك واحدًا منها هو الذي يؤدّي إلى السعادة والفلاح، وهو الوسط (إشارة إلى الاعتدال والوسطيّة)[4]؛ لذلك كان الإفراط والتفريط غير طبيعيّين باستمرار.[5]

غير معتاد [غير متعارف]

إنّ الأمور المعروفة المعتاد عليها من وجهة نظر الإسلام هي الطبيعيّة، وما ليس معتادًا فهو غير طبيعي، وإلى هذا الموضوع تشير كلمة «العرف».[6] العرف في اللغة عبارة عن السلوكيّات والعادات المعتادة والرائجة بين الناس (قاموس معيّن، ذيل عرف). والعرف في المصادر الإسلاميّة عبارة عن العادات والتقاليد التي ارتضاها عقلاء المجتمع، وقد يُعَبّر عنها تارة ببناء العقلاء[7] والسيرة العمليّة.[8] من هنا يمكن أن ندرك بوضوح السبب الذي جعل المصادر الإسلاميّة تتحدّث عن «العرف» بالأخصّ في المواضيع الفقهيّة باعتباره أمرًا طبيعيًّا.[9]

«المعروف» يعود إلى الأصل عينه وهو عبارة عن كلّ سلوك أيّده العقل والشرع[10]، ويقابل المعروف المنكر[11]، والمنكر عبارة عن السلوك غير المعتاد.

(231)

إنّ كلّ ما أمر الله تعالى به بناءً على التعاليم الإسلاميّة معروف ومعتاد، وكلّ ما نهى عنه منكر.[1] من هنا نجد أنّ الآيات والروايات استخدمت كلمة المعروف كلّما أرادت الإشارة إلى السلوك الطبيعيّ، واستعملت كلمة المنكر كلّما أرادت الإشارة إلى السلوك غير الطبيعيّ.[2]

بناءً على ما تقدّم فإنّ كلّ ما هو غير معتاد وغير متعارف منكر، وكلمة نُكر (على وزن شكر)، وكذلك نُكُر في القرآن الكريم بمعنى غير المعتاد وغير المتعارف.[3] والأشخاص الذين يتّبعون الأنماط المعتادة طبيعيّون، والذين يتّبعون الأنماط غير المعتاد غير الطبيعيّين. ومن هنا نهت الروايات عن ارتداء اللباس غير المعتاد وغير المتعارف.[4] اعتبر العلّامة الطباطبائي أنّ المعروف والمنكر مرادفان للـ«الحسن» و«القبح»[5] وهذا يدلّ على أنّ لهما معانٍ واسعة.

الانسجام

من جملة معايير السلوكيّات غير الطبيعيّة من وجهة نظر الآيات والروايات، عدم الانسجام وعدم الاعتدال. وقد عبّرت الآيات والروايات عن الانسجام والاعتدال بكلمة «السويّ»[6]، والسويّ في اللغة بمعنى الكامل السالم والذي لا عيب ولا نقص فيه[7]، يقول الراغب الأصفهاني في تعريف السويّ: «هو اعتدال الشيء في ذاته ورجلّ سويّ أيّ استوت أخلاقه وخلقته عن الإفراط والتفريط»[8]

(232)

كما أشار الطبريّ إلى معنى كلمة سوى وهي بمعنى الصحّة والسلامة والحالة الطبيعيّة وفقدان المرض.[1] يُفهم من كلّ ما تقدّم أنّ السوى عبارة عن الحالة الطبيعيّة. عَبّر القرآن الكريم عن عمليّة الانسجام بالتسوية (النظم، الترتيب، الموزون).[2] والمقصود من التسوية أن يتمّ وضع كلّ واحد من أعضاء البدن (الأعين، الأذان، الأيدي والأرجل، القلب، الرئة، العروق) في مكانها المخصّص لها.[3]

ويرتبط تناسب الأعضاء مع الطبيعيّة وغير الطبيعيّة، فلو كانت اليد أو أصابع اليد أكبر بكثير من الأخرى، فلا يصدق عليها كونها طبيعيّة. والتناسب لا يقتصر على الجوانب الجسمانيّة بل يشتمل الجوانب العاطفيّة والنفسيّة أيضًا. عن الإمام الصادق عليه‌السلام : «... أنّه ليس من عبد مؤمن إلّا وفي قلبه نوران، نور خيفة ونور رجاء ولو وزن هذا لم يزد على هذا ولو وزن هذا لم يزد على هذا».[4]

غير المنطقيّ وغير العقلائيّ

«التعقّل» طبق تعاليم الإسلام من علامات الطبيعيّة، والعكس صحيح. عندما كانت الآيات الشريفة تتحدّث عن سلوكيّات الأفراد غير الطبيعيّة كانت تشير مباشرة إلى أنّهم قوم أو مجموعة لا يعقلون.[5] وشبّهتهم الآيات في مكان واحد بالحيوانات العاجزة عن البصر والسمع. يقول الله تعالى عنهم: (صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لَا يَعْقِلُونَ)[6] ويقول في مكان آخر: (إِنْ هُمْ إِلَّا كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ سَبِيلًا).[7]

بناءً على ما تقدّم كلّما كان سلوك الشخص غير منطقيّ وغير عقلانيّ، كان ذاك السلوك والشخص غير طبيعيّ.

(233)

أشارت الآيات والروايات إلى العديد من الأفكار والاعتقادات غير المنطقيّة. مثال ذلك فكرة أنّ العالم قد وجد صدفة، أو أنّ الإنسان والكون ليسا لهما هدف، أو أنّ الحياة تنتهي بالموت، فإنّ جميع هذه الأمور من جملة الاعتقادات غير المنطقيّة. إنّ أهم ما يميّز الأفكار غير المنطقيّة عدم الانسجام مع الواقع، وعبّرت النصوص الإسلاميّة عن الأفكار غير المنطقيّة بكلمة «الباطل».[1]

قد يظهر عدم المنطق وعدم العقلانيّة على شكل سلوك، فالانتحار على سبيل المثال من جملة السلوكيّات غير المنطقيّة، ولا يمكن لأيّ إنسان عاقل ومنطقيّ الإقدام على الانتحار، كما أنّ السلوكيّات الخرافيّة غير منطقيّة، وبالتالي فهي أمور غير طبيعيّة.

الابتعاد عن الفطرة

الفطرة عبارة عن البنية الحياتيّة ـ النفسيّة الأولى التي وجدت قبل الولادة، وهي التي تحدّد اتّجاه الفرد في المستقبل[2] تتحدّد الفطرة من خلال خصائص ثلاث: 1) ذات أساس طبيعيّ؛ 2) مشتركة بين جميع الأشخاص؛ 3) تتعلّق بحالة الإنسان الطبيعيّة. في الكثير من الأحيان عندما تستخدم كلمة الفطرة يراد بها الطبيعيّة وكلّ أمر فطريّ من وجهة نظر الإسلام فهو طبيعيّ.

الفطرة كما أشارت الآيات والروايات معيار مهمّ لتحديد الطبيعيّ من غير الطبيعيّ؛ لذلك نتمكّن من معرفة الطبيعيّ وغير الطبيعيّ من خلال معرفة الفطرة ومعرفة الأمور الفطريّة للإنسان. إنّ هدف بعث الأنبياء إظهار الفطرة.[3]

إذا قبلنا الفطرة باعتبارها معيارًا للطبيعيّة وغير الطبيعيّة، عند ذلك تصبح بعض الصفات كالتواضع، التقوى، الزهد، القناعة، العفّة، الحياء طبيعيّة والصفات المقابلة لها غير طبيعيّة.[4]

من جملة المصطلحات ذات العلاقة بالطبيعيّة وغير الطبيعيّة، «الصلاح» و«الفساد». وقد استخدم القرآن الكريم هاتين الكلمتين للإشارة إلى الطبيعيّة وغير الطبيعيّة.

(234)

استخدمت كلمة الفساد للإشارة إلى السلوكيّات غير الطبيعيّة كالسرقة، إنقاص البيع وموضوعات أخرى من هذا القبيل. يقول الله تعالى: (الَّذِينَ يُفْسِدُونَ فِي الْأَرْضِ وَلَا يُصْلِحُونَ...)[1] وبَيّن في موضع آخر أنّ فرعون من المفسدين: (آلْآنَ وَقَدْ عَصَيْتَ قَبْلُ وَكُنْتَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ... ).[2] ومن جملة المصطلحات ذات العلاقة بغير الطبيعيّة الفسق وجمعها الفسوق. الفسق في اللغة هو الخروج عن طاعة الله وعن طريق عبوديّته، ويشتمل الفسق على الكفر أيضًا[3]، وجرى التعبير بعض الأحيان عن السلوكيّات غير الطبيعيّة بالفحشاء، وعلى هذا الأساس كلّ سلوك هو مصداق للفحشاء فهو غير طبيعيّ.[4]

نماذج من السلوكيّات غير الطبيعيّة في الآيات والروايات

السلوكيّات غير الطبيعيّة كثيرة جدًّا، ولا يمكن دراستها بأكملها هنا؛ لذلك سنستعرض نماذج من هذه السلوكيّات غير الطبيعيّة طبق ما أشارت إليه الآيات والروايات:

عبادة الأصنام

الصنم جسم يُصنع من الحجر أو الخشب أو المعدن على شكل إنسان أو حيوان بهدف عبادته. ويستخدم في العربيّة كلمات عديدة بالإضافة إلى الصنم ومنها الوثن، الأنصاب و... وتعتبر عبادة الأصنام في الجاهليّة واحدة من أكثر السلوكيّات غير الطبيعيّة، فكان لكلّ شخص صنم خاصّ به ينقله معه أينما اتّجه، عدا عن الأصنام الثلاثة المشهورة، أي اللات والعزى ومناة[5]، وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى معتقدات المشركين الخرافيّة حول هذه الأصنام.[6] من

(235)

جملة الأصنام التي توجّه الناس لعبادتها ودّ، سواع، يغوث، يعوق ونسرا. بعد ذلك انتقلت هذه الأصنام إلى عرب الجاهليّة فاتّخذت كلّ قبيلة واحدًا منها لعبادته، وكان لعرب الجاهليّة، بالأخصّ أهل مكّة، أصنام أخرى أيضًا من جملتها هبل.

كان موقع الصنم «هبل» داخل الكعبة[1] وقد وضعوا على أطراف الكعبة أحجارًا ليس لها شكل أو صورة يُطْلق عليها «النُصُب»[2]، وكان الناس يقدّمون الأضاحي للأصنام، ثمّ يمسحون دم الأضحية عليها.[3] وكان بعض المشركين يعتبرون أصنامهم شركاء لله فيقدّمون لهم جزءًا من أموالهم.

عبادة الأصنام ذات سابقة تاريخيّة طويلة، فقد عبد أهل بابل الأصنام قبل عدّة آلاف من السنوات. وكان للبابليّين آلهة كثيرة. وكان لكلّ مدينة إله يحفظها ويحرسها، كما كان للقرى آلهة صغيرة يتوجّه الناس لعبادتها. في هذه البيئة التي طغى عليها السلوك الخرافيّ، أرسل الله تعالى إبراهيم عليه‌السلام نبيًّا. قرّر النبيّ إبراهيم عليه‌السلام أن ينجي قومه من عبادة الخرافات، ففتح باب النصح والموعظة ونهاهم عن هذه السلوكيّات. وقد أشارت الآيات الشريفة إلى القضيّة: (... *  وَلَقَدْ آتَيْنَا إِبْرَاهِيمَ رُشْدَهُ مِنْ قَبْلُ وَكُنَّا بِهِ عَالِمِينَ * إِذْ قَالَ لِأَبِيهِ وَقَوْمِهِ مَا هَذِهِ التَّمَاثِيلُ الَّتِي أَنْتُمْ لَهَا عَاكِفُونَ * قَالُوا وَجَدْنَا آبَاءَنَا لَهَا عَابِدِينَ * قَالَ لَقَدْ كُنْتُمْ أَنْتُمْ وَآبَاؤُكُمْ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).[4]

ذكر الله تعالى في القرآن الكريم قصّة بني إسرائيل، وعندما تجاوزوا البحر وصلوا إلى قوم يعبدون الأصنام، فطلبوا من موسى أن يجعل لهم أصنامًا يعبدونها[5]، ومع أنّ النبيّ موسى عليه‌السلام

(236)

عارضهم في ما أرادوا، إلّا أنّ آثار عبادتهم الأصنام ظهرت مع مرور الزمان،. من جملة ما يدلّ على ذلك مسألة عبادة العجل، وعندما صعد النبيّ موسى عليه‌السلام جبل الطور لمناجاة الله، نهض شخص من بني إسرائيل سمّاه القرآن الكريم السامريّ، فصنع لهم عجلًا له خوار، وطلب من الناس عبادته. عاد موسى فعلم بالأمر وظهر عليه الغضب، ثمّ خاطب أخاه هارون قائلًا: (قَالَ يَا هَارُونُ مَا مَنَعَكَ إِذْ رَأَيْتَهُمْ ضَلُّوا)، (أَلَّا تَتَّبِعَنِ أَفَعَصَيْتَ أَمْرِي).[1]

تشير القضيّة إلى الاختلال المعرفيّ الكبير الذي كان يعتريهم. ألم يعلموا أنّ هذا الصنم لا ينفع ولا يضرّ؟! وأنّه جسم هامد لا روح فيه؟! ومع ذلك كانوا يعبدونه.

عبادة القوى والموجودات الطبيعيّة

عمد بعض لعبادة الآلهة الطبيعيّة كالجنّ، الملائكة، القمر، النجوم والشمس. وقد أشار القرآن الكريم إلى هذه السلوكيّات، فاعتبرها سلوكيّات غير طبيعيّة. توسّل هؤلاء ببعض القوى ليستمدوا العون منها. جاء في القرآن الكريم ذكرُ أشخاص كان يعتقدون أنّ الملائكة هم بنات الله.[2] وعمد آخرون إلى عبادة الملائكة.[3]

من جملة السلوكيّات غير الطبيعيّة الأخرى، عبادة الجنّ.[4] يعتري الذين يعيشون الصحاري الخوف منها، وقد يؤدّي خوفهم إلى ظهور أوهام في أذهانهم؛ لذلك كانوا يقدّسون الجنّ ويقدّمون لهم القرابين ظنًّا منهم بقدرتهم على إبعاد الخوف عنهم.[5]

كما أنّ العرب في الجاهليّة كانوا يعبدون الأجرام السماويّة (القمر، الشمس، النجوم) باعتبار أنّهم كانوا ينظّمون أسفارهم طبق الأحوال الجويّة وحركة النجوم. أشار الله تعالى إلى هذه

(237)

السلوكيّات الخرافيّة: (وَمِنْ آيَاتِهِ اللَّيْلُ وَالنَّهَارُ وَالشَّمْسُ وَالْقَمَرُ لَا تَسْجُدُوا لِلشَّمْسِ وَلَا لِلْقَمَرِ وَاسْجُدُوا لِلَّهِ الَّذِي خَلَقَهُنَّ إِنْ كُنْتُمْ إِيَّاهُ تَعْبُدُونَ).[1]

عبادة الشيطان

عبادة الشيطان واحدة أخرى من السلوكيّات غير الطبيعيّة. تعود الجذور التاريخيّة لعبادة الشيطان لمراحل تاريخيّة قديمة، وتشير الشواهد التاريخيّة أنّ عبادة الشيطان كانت رائجة في أمريكا اللاتينيّة والجنوبيّة وأفريقيا المركزيّة قبل قرون عديدة من ولادة السيّد المسيح. وكان الأشخاص يعبدون الشيطان باعتباره القوّة المطلقة في السماء والأرض وأنّه إله الغضب والكراهيّة. واتّخذت عبادة الشيطان في العقود الأخيرة أشكالًا جديدة، ولعبدة الشيطان كتابًا ومعابد وعلائم ورموزًا (كالأضلاع الخمسة المعكوسة، الصليب المكسور، السهم إلى الأسفل، العين التي تنظر إلى كافّة الجهات، قرص الشمس) حيث تشاهد هذه الرموز على ألبستهم.[2]

ساهمت الأزمات النفسيّة والروحيّة في اتّجاه الأشخاص نحو الشيطان، وأطلقت الآيات والروايات على أتباع الشيطان «عبدة الشيطان»، ولم يقصد من ذلك المعنى الحديث ولا تشير إلى فرقة تحمل هذا الاسم، بل من باب أنّهم أشخاص رفضوا عبادة الله تعالى واتّبعوا الشيطان، وكان أتباع الشيطان عبادة له، يقول الله تعالى في القرآن الكريم: (أَلَمْ أَعْهَدْ إِلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أَنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إِنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ).[3] وذمّت الآية الشريفة عبادة الشيطان باعتبارها سلوكًا غير طبيعيّ.

حذّر القرآن الكريم الناس من الشيطان، لأنّه عدوّ الإنسان (أَفَتَتَّخِذُونَهُ وَذُرِّيَّتَهُ أَوْلِيَاءَ مِنْ دُونِي وَهُمْ لَكُمْ عَدُوٌّ بِئْسَ لِلظَّالِمِينَ بَدَلًا).[4] وتحدّث الإمام أمير المؤمنين عليه‌السلام عن الذين اتّبعوا الشيطان، فقال: «اتخذوا الشيطان لأمرهم ملاكًا واتخذهم له أشراكًا فباض وفرخ في صدورهم ودبّ ودرج في حجورهم، فنظر بأعينهم ونطق بألسنتهم...».[5]

(238)

ترتبط عبادة الشيطان بعبادة الأوثان. تحدّث الألوسيّ حول هذا الأمر، فأشار إلى أنّ بعض العرب في الجاهليّة كانوا يعتقدون بأنّ لكلّ وثن شيطان ينفّذ أوامره، فكلّ من عبد وثنًا، بادر الشيطان لتلبية احتياجاته.[1]

قتل الأبناء

من جملة الأمور التي تحدّث عنها القرآن الكريم تحت عنوان السلوكيّات غير الطبيعيّة، قتل الأبناء. (وَكَذَلِكَ زَيَّنَ لِكَثِيرٍ مِنَ الْمُشْرِكِينَ قَتْلَ أَوْلَادِهِمْ شُرَكَاؤُهُمْ لِيُرْدُوهُمْ وَلِيَلْبِسُوا عَلَيْهِمْ دِينَهُمْ وَلَوْ شَاءَ اللهُ مَا فَعَلُوهُ فَذَرْهُمْ وَمَا يَفْتَرُونَ)[2]؛ (قَدْ خَسِرَ الَّذِينَ قَتَلُوا أَوْلَادَهُمْ سَفَهًا بِغَيْرِ عِلْمٍ وَحَرَّمُوا مَا رَزَقَهُمُ اللهُ افْتِرَاءً عَلَى اللهِ...).[3] وكان هذا العمل رائجًا في الجاهليّة. كلّما اقترب موعد وضع المرأة حملها، كان الرجال يحفرون حفيرة في الأرض، ومن ثمّ ينتظرون المولود، فإن كان صبيًّا احتفظوا به، وإن كان أنثى دفنوها حيّة.[4] كانوا يعتبرون وجود البنت عارًا. وكان للأوضاع الاقتصاديّة دور في مسألة قتل الأبناء طبعًا، وقد خاطبهم الله تعالى فقال: (وَلَا تَقْتُلُوا أَوْلَادَكُمْ مِنْ إِمْلَاقٍ نَحْنُ نَرْزُقُكُمْ وَإِيَّاهُمْ...).[5] ومع ذلك انتشرت قضيّة قتل البنات، باعتبار أنّهن عاجزات عن المشاركة في النشاطات الاقتصاديّة، من جهة أخرى كانوا يخشون أن تقع بناتهم أسرى بأيدي الأعداء على أثر الحروب والغزوات الكثيرة، ممّا يسبّب العار لهم.

العرافة

تحدّثت الآيات والروايات عن نوع آخر من السلوكيّات غير الطبيعيّة وهو العرافة، والبحث عن الحظّ. وعادة ما يستخدم مصطلح «الطيرة» للدلالة على الموضوع، ويعود أصل الكلمة إلى كلمة الطير. يقول ابن القيم في هذا الشأن أنّ العرب كانت ترسل الطير لمعرفة ما سيحصل في

(239)

المستقبل، فإن اتّجهت يمينًا كان «فأل خير»، وإن اتّجهت شمالًا كانت «فأل سوء»[1]، بالإضافة إلى ذلك كانوا يعتبرون بعض الأحوال فأل سوء كالعطس والتمطّي وما شابهها.[2]

التطيّر والتفؤل ذات سابقة تاريخيّة طويلة طبعًا، فكانت رائجة بين قومي ثمود وموسى على سبيل المثال: (فَإِذَا جَاءَتْهُمُ الْحَسَنَةُ قَالُوا لَنَا هَذِهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَطَّيَّرُوا بِمُوسَى وَمَنْ مَعَهُ أَلَا إِنَّمَا طَائِرُهُمْ عِنْدَ اللهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)[3] تحدّث الله تعالى في القرآن الكريم حول سلوك أهل ثمود عندما واجهوا النبيّ صالح عليه‌السلام : (قَالُوا اطَّيَّرْنَا بِكَ وَبِمَنْ مَعَكَ قَالَ طَائِرُكُمْ عِنْدَ اللهِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ تُفْتَنُونَ)[4] وقد انتشرت الطيرة بين المسلمين أيضًا، وكان الأشخاص ضعاف الاعتقاد ينسبون الأعمال الحسنة إلى الله والسيّئة إلى الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أَيْنَمَا تَكُونُوا يُدْرِكْكُمُ الْمَوْتُ وَلَوْ كُنْتُمْ فِي بُرُوجٍ مُشَيَّدَةٍ وَإِنْ تُصِبْهُمْ حَسَنَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِ اللهِ وَإِنْ تُصِبْهُمْ سَيِّئَةٌ يَقُولُوا هَذِهِ مِنْ عِنْدِكَ قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ...)[5]، ويقول الله تعالى رافضًا هذه الخرافات: (قُلْ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ اللهِ).[6]

استخدم القرآن الكريم عبارة «الأزلام» للإشارة إلى هذا النوع من السلوكيّات.[7] والأزلام عبارة عن نبال يستخدمها الأشخاص لتحديد «الحسن من القبيح والاطّلاع على المستقبل. كانوا في الجاهليّة يأخذون ثلاثة من النبال، ويكتبون على أحدها «الإله يأمرني» وعلى الثانية «الإله ينهاني» ويتركون الثالثة من دون أيّ كتابة. وكانت النبال تحفظ عند الأصنام أو عند الكهنة، وكلّما أرادوا اتّخاذ قرار مهمّ عادوا إليها. أوضح المؤرّخون أنّ الصنم هبل كان  عنده سبعة سهام يلجأ الناس إليها لمعرفة شكوك النسب، ودفع الدية وتحديد القاتل وغيرها من الأمور. طبعًا  كانوا شديدي الاعتقاد بهذه الأمور، فيحرصون على العمل حسب

(240)

النتيجة.[1] حرم الله تعالى الاستسقام بالأزلام ونها عنه (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ)[2]؛ (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ...وَمَا ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلَامِ ذَلِكُمْ فِسْقٌ).[3]

إلاعتقاد بالسحر والشعوذة

راج الاعتقاد بالسحر والشعوذة في جميع الثقافات، ووصل اعتقاد بعض الناس بهما إلى مستوى أنّهم أرجعوا كافّة المشكلات والابتلاءات إليها، فعندما لا ينجب الرجل على سبيل المثال أو عند اختلافه مع زوجته أو عندما يُطرد من عمله، فإنّ أوّل ما يتبادر إلى ذهنه هو السحر، لذلك يبدأون البحث عن السحرة ليحلّوا لهم السحر.

هل للسحر والشعوذة حقيقة؟ هل حقيقة هناك أشخاص يمتلكون قدرات خارقة للعادة قادرون على الإتيان بأعمال غريبة؟ يستفاد من الآيات والروايات أنّ السحر حقيقة. تتحدّث الآيات الشريفة عن ملكين باسم هاروت وماروت كانا يعلّمان أهل بابل السحر، وكانت وظيفة هذين الملكين اختبار أهل بابل، وبدل أن يستفيد هؤلاء من السحر في الأبعاد الإيجابيّة (إدراك حقائق الحياة، التعالي الروحيّ والمعنويّ) لجأوا إليه لإيجاد الاختلاف؛ لذلك يمكن القول إنّ السحر يمكن أن يكون واقعيًّا ومؤثّرًا.

قسّمت المصادر الإسلاميّة السحر إلى صنفين: الباطل والحقّ؛ السحر الباطل هو المحرّم لما يشتمل عليه من آثار مخرّبة ومدمّرة، وقد يُراد من الباطل غير الواقعيّ. أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى سحر السحرة الذين اجتمعوا حول موسى عليه‌السلام ، قال: (فَإِذَا حِبَالُهُمْ وَعِصِيُّهُمْ يُخَيَّلُ إِلَيْهِ مِنْ سِحْرِهِمْ أَنَّهَا تَسْعَى).[4] ويقول في آية أخرى: (فَلَمَّا أَلْقَوْا سَحَرُوا أَعْيُنَ النَّاسِ وَاسْتَرْهَبُوهُمْ).[5] لم يكن أيّ من الأعمال التي جاءوا بها حقيقيًّا، بل الأشخاص هم الذين خُيّل لهم.

يتحدّث الشيخ الطوسيّ، وهو من كبار علماء الشيعة، في كتاب الخلاف فاعتبر أنّ للسحر

(241)

حقيقة عند أغلب العلماء، عند أبي حنيفة وأصحابه وعند مالك، حيث يمكن بواسطته قتل شخص أو جعله مريضًا، ويمكن بواسطته إعطاب يده، أو التفريق بين الرجل وزوجته، وقد يحصل أن يعمد شخص في العراق إلى سحر شخص آخر في خراسان.

في المقابل يعتقد أبو جعفر الأسترآبادي أنّ السحر لا حقيقة له، بل هو مجرّد خيالات وأوهام، وشكّك بعض العلماء الكبار من أمثال العلّامة الحلّيّ في حقيقة السحر وقام بدراسة حالات من السحر التي اشتهرت طوال التاريخ.[1]

لا يمكن إنكار الآثار النفسيّة للسحر، سواء اعتبرناه أمرًا حقيقيًّا أم خياليًّا. يقول العلّامة المجلسيّ في هذا الشأن:

«السحر والشعوذة من وجهة نظر أغلب العلماء من الخرافات، ولكن لماذا يترك أثره، ولماذا لم ينكر أحد تأثيره، السبب في ذلك أنّ من توهّم وقوع السحر حوله، توهّم المسحوريّة، ممّا يؤدي إلى ظهور آثاره، كما أنّ التلقين يضاعف من شدّة المرض أو يشفيه، ولكن إذا لم يعلم وقوع السحر، لن يواجه مشكلة على الإطلاق. على كلّ الأحوال، حتّى لو شوهدت الآثار لا يوجد ما يبرّرها إلّا أن نقول باستخدام الجنّ والشياطين مع الشخص المسحور».[2]

هذه مجموعة من المواضيع التي يجب أن يعالجها علم النفس، وما يتعلّق بهذا العلم هو الأمراض الناشئة من الاعتقاد بالسحر والشعوذة. اعتبرت النصوص الدينيّة أنّ الاهتمام بالسحر والشعوذة وإرجاع الأحداث الحياتيّة إليهما نوع من الاختلال السلوكيّ.

الشذوذ

خلق الأفراد وهم يحملون طبيعة الميل نحو الجنس المخالف (الرجل نحو المرأة والمرأة نحو الرجل). إنّ هذا الميل أمر طبيعيّ بالكامل يساهم في استمرار نسل الإنسان وبقائه، ومع ذلك يوجد أشخاص يميلون جنسيًّا وعاطفيًّا نحو الجنس الموافق لهم، إمّا لوجود اختلال هرمونيّ،

(242)

وإمّا لأسباب نفسيّة، حيث يُعبّر عن هذه الحالة بالشذوذ. ذمتّ الآيات والروايات عمليّة الشذوذ ونهت عنها (أَتَأْتُونَ الذُّكْرَانَ مِنَ الْعَالَمِينَ * وَتَذَرُونَ مَا خَلَقَ لَكُمْ رَبُّكُمْ مِنْ أَزْوَاجِكُمْ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ عَادُونَ).[1] تحدّثت النصوص الفقهيّة الإسلاميّة عن شذوذ الرجال تحت عنوان اللواط، وعن شذوذ النساء تحت عنوان السحاق.[2] ويُعدّ قوم لوط أوّل من نشر ومارس اللواط.[3] أشارت الآيات الشريفة (81 ـ 84) من سورة الأعراف إلى قصّة قوم لوط، فجاء فيها: (وَلُوطًا إِذْ قَالَ لِقَوْمِهِ أَتَأْتُونَ الْفَاحِشَةَ مَا سَبَقَكُمْ بِهَا مِنْ أَحَدٍ مِنَ الْعَالَمِينَ * إِنَّكُمْ لَتَأْتُونَ الرِّجَالَ شَهْوَةً مِنْ دُونِ النِّسَاءِ بَلْ أَنْتُمْ قَوْمٌ مُسْرِفُونَ * وَمَا كَانَ جَوَابَ قَوْمِهِ إِلَّا أَنْ قَالُوا أَخْرِجُوهُمْ مِنْ قَرْيَتِكُمْ إِنَّهُمْ أُنَاسٌ يَتَطَهَّرُونَ * فَأَنْجَيْنَاهُ وَأَهْلَهُ إِلَّا امْرَأَتَهُ كَانَتْ مِنَ الْغَابِرِينَ * وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ مَطَرًا فَانْظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ الْمُجْرِمِينَ)[4] أنزل الله تعالى على قوم لوط أشدّ العذاب، ثمّ دمّر قريتهم وأرسل عليهم مطرًأ من حجارة، ممّا أدّى إلى فناء الجميع.[5]

عبّر الله تعالى عن هؤلاء القوم بالمسرفين، لأنّهم تركوا الحالة الطبيعيّة وقاربوا الرجال بدلًا عن النساء، وبما أنّ هذا العمل انحراف عن الفطرة، أطلق عليه عنوان الإسراف، فكانوا مسرفين؛ ولهذا كان هذا العمل من جملة السلوكيّات غير الطبيعيّة.

(243)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- نهج البلاغة.

- الصحيفة السجّاديّة.

- ابن أبي الحديد، عبدالحمید، شرح نهج‌البلاغه، قم، کتابخانه آیت الله مرعشی نجفی، 1404ق.

- ابن حنبل، أحمد، مسند ابن حنبل، بیروت، دارالصادر، دون تا.

- ابن شعبة الحرّانيّ، حسن، تحف العقول، قم، جامعة المدرّسین، 1404ق.

- ابن قتيبة، عبدالله، تفسیر غریب القرآن، بیروت، مکتبة الهلال، 1411 ق.

- ابن منظور، محمّد، لسان العرب، دار احیاء التراث العربيّ، 1408ق.

- الألوسيّ، سیّد محمود، بلوغ العرب في معرفة أحوال العرب، القاهرة، دارالکتب المصريّ، 2012م.

- ــــــــــــــــــــــــ، روح المعاني في تفسير القرآن العظيم، بیروت، دارالکتب العلمیّة، 1415ق.

- ايزدفرد، علي أکبر، نعمت‌زاده، رجبعلی، وکاویار، حسین، «عرف و جایگاه آن در استنباط احکام شرعی»، مجله مطالعات فقه و حقوق اسلامي، س1، ش1، صص73 ـ 45، 1388 ه‍.ش.

- البحرانيّ، سیّد هاشم، حلیة الأبرار في أحوال محمّد و آله الأطهار، قم، مؤسّسة المعارف الإسلامیّة، 1411ق.

- البرقيّ، أحمد، المحاسن، قم، دارالکتب الإسلامیّة، 1371 ه‍.ش.

- البستاني، محمود، اسلام و جامعه‌شناسی، ترجمه موسی دانش، مشهد، آستان قدس رضوی، 1370 ه‍.ش.

- التميميّ الآمديّ، عبدالواحد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم، دار الکتب الإسلاميّ، 1410 ه‍ ق.

- جواد، علي، المفصّل في تاريخ العرب قبل الإسلام، بیروت، مکتبة النهضة، 1968.

(244)

- الحرّ العامليّ، محمّد، وسائل الشیعة، طهران، کتابفروشي اسلامية، 1403ق.

- الحويزي، عبد علي، تفسیر نور الثقلین، تحقیق محلّاتی، قم، اسماعیلیان، ط4، 1412ق.

- الراغب الإصفهانيّ، حسین، المفردات ألفاظ قرآن کریم، ترجمه حسین خداپرست، قم، دفتر نشر نوید اسلام، 1380 ه‍ ش.

- شبر، سیدعبدالله، مصابیح الأنوار فی حلّ مشکلات الأخبار، تحقیق مجتبی المحمودی؛ المساعدان عبدالحلیم الحلی، علي الانصاری، قم: مؤسّسة دارالحدیث العلمیّة والثقافیّة، مرکز للطباعه والنشر، 1432ق.= 1390 ه‍.ش.

- الشريف الحسينيّ، محمّد، نهج البلاغه، قم، هجرت، 1414ق.

- الشهيد الثاني، عاملی، زین الدّین، مسالك الأفهام الي تنقيح الشرايع الإسلام، قم، مؤسّسة المعارف الإسلامیه، 1413ق.

- الصدوق، محمّد بن علي(ابن بابويه)، الخصال، تصحیح علي اكبر غفاري، قم، انتشارات جامعة المدرّسین، 1362 ه‍.ش.

- ــــــــــــــــــــــــ، علل الشرایع، قم، کتابفروشي داوري، 1385ق.

- ــــــــــــــــــــــــ، معاني الأخبار، ارمغان طوبي، 1389 ه‍.ش.

- صنعت كار، حسن، شیطان‌شناسي از دیدگاه قرآن واحادیث، قم، انتشارات قانون‌مدار، 1393 ه‍.ش.

- الطباطبائي، محمّد حسین، الميزان في تفسير القرآن، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1362 ه‍ ش.

- ــــــــــــــــــــــــ، ترجمة تفسیر المیزان، ترجمة محمدباقر موسوي همداني، قم، دفتر انتشارات اسلامي، 1374 ه‍.ش.

- الطبرسيّ، عليّ، الإحتجاج، طهران، دارالکتب الإسلامیّة، 1387 ه‍.ش.

- الطبريّ، محمّد، جامع البیان في تفسير القرآن، بیروت، دارالمعرفة، 1412ق.

- الطوسيّ، التبیان في تفسير القرآن، بیروت، داراحیاء تراث العربيّ، دون تا.

- علي نجاد، ناصر، ابلیس‌زدگي صوفیان، طهران، انتشارات راه نیکان، 1394 ه‍.ش.

(245)

- الفيض الكاشاني، محسن، راه روشن، ترجمه محمدصادق عارف، مشهد، بنیاد پژوهش‌هاي اسلامي، 1387 ه‍.ش.

- القرشيّ، علي‌اكبر، قاموس قرآن، طهران، دارالکتب الإسلامیّة، 1371 ه‍.ش.

- القمّيّ، صدوق، من لایحضره الفقیه، قم، دفتر انتشارات اسلامي، 1413ق.

- القمّيّ، عباس، سفینة البحار، قم، دارالأسود، 1372 ه‍.ش.

- الكلينيّ، الكافي، طهران، مکتبة الإسلامیة، 1413 ق.

- ملاصدرا، صدرالدين الشيرازي، شرح اصول کافي، طهران، پژوهشگاه علوم انسانی و مطالعات فرهنگی، 1383 ه‍.ش.

- الليثيّ الواسطيّ، عليّ، عیون الحکم و المواعظ، قم، دارالحدیث، 1376 ه‍.ش.

- المازندرانيّ، متشابه القرآن و مختلفه، ج 15، قم، نشر بیدار، 1369 ه‍ ش.

- متّقي، عليّ، كنز العمال، بیروت، مؤسّسة الرسالة، 1409ق.

- المجلسيّ، محمّدباقر، بحار الأنوار، بیروت، مؤسّسة الوفاء، 1403 ه‍ ق.

- المجلسيّ، محمّدتقي، مرآة العقول، طهران، دارالکتب الإسلامیّة، 1363 ه‍.ش.

- المحقّق الحلّيّ، جعفربن حسن، شرایع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، تصحیح عبدالحسین بقال، قم، اسماعیلیان، 1392 ه‍.ش.

- محمّدي ري‌شهري، محمد، میزان الحکمة، قم، دارالحدیث، 1377 ه‍.ش.

- المقداد، جمال الدین، التنقیح الرائح لمختصر الشرائع، قم، کتابخانه آیت الله مرعشي نجفي، 1404ق.

- مكارم الشيرازي، تفسير نمونه (التفسير الأمثل)، طهران، دار الکتب الإسلامیّة، 1371 ه‍ ش.

- الملكيّ التبريزيّ، میرزاجواد، أسرار الصلاة، طهران، انتشارات پیام آزادی، 1420ق.

- الموسوي، صالح، تربیة الطفل و إشراقاتها التکمیليّ، بیروت، شرکة الأعلميّ للمطبوعات، 1391 ه‍.ش.

- النوري، حسین، اسلام و عقاید و آراء بشری یا جاهلیت و اسلام، طهران، شمس، دون تا.

(246)

- هاشمي الخوئي، میرزاحبیب الله، منهاج البراعة في شرح نهج البلاغة، طهران، مکتب الإسلامیة، دون تا.

- هاشمي رفسنجاني، علي اكبر، فرهنگ قرآن، قم، دفتر تبلیغات اسلامي حوزه علمیه قم، 1389 ه‍.ش.

 

(247)
(248)

 

 

المتغيّرات الاجتماعيّة من زاوية القرآن الكريم[1]

محمّد يعقوب بشوي[2]

شرائط المتغيّرات من وجهة نظر القرآن

يُشير القرآن الكريم إلى بعض الشرائط والأوضاع[3] المهمّة التي تلعب دورًا حاسمًا في إيجاد وحفظ واستمرار المتغيّرات الاجتماعيّة الإيجابيّة في المجتمع، وتشترك هذه الشرائط بين المجتمع والنُخَب والزعماء، فيمكن للقادة من خلال استيفاء هذه الشروط أن يحدثوا التغيير المطلوب في المجتمع. ويبدو أن التعرّف على هذه الشرائط وتطبيقها ضروري في كلّ زمان ومكان.

لا يمكن للقائد من دون الاتصاف ببعض الشرائط والصفات الخاصّة، من قبيل: البصيرة والاستقامة والصبر والنجاح أن يصمد في مواجهة الأعداء الألدّاء، أو يحافظ على المكتسبات القيّمة للشعوب. إنّ امتلاك هذه الصفات بالنسبة إلى الشعوب واجب أيضًا، ومن دونها لا يمكن التوصّل إلى الغايات المطلوبة، ولن يصل المجتمع إلى التكامل المنشود. وفي الأساس فإنّ القائد بمنزلة المحرّك لمصير الشعوب، ومدى نجاح الشعوب أو عدم نجاحها رهن بالقرارات التي يتّخذها القائد والوضع النفسيّ والروحيّ الذي يتمتّع به.

(249)

إنّ الظروف والشرائط تلعب دورًا محوريًّا في التغيير الاجتماعيّ. وعلى حدّ تعريف غي روشيه: «إنّ الشرائط عناصر مناسبة أو غير مناسبة تعمل على جعل أثر أو آثار عامل أو عدّة عوامل أكثر فاعليّة وأبطأ وأشدّ أو أضعف».[1] وعلى حدّ تعبير واغو: إنّ شرائط الإيجاد والقبول تعمل على إبطاء التغيير أو تسريعه.[2] إنّ الظروف والشرائط تلعب دورًا أساسيًّا في الحقل الاجتماعيّ[3]، وفي الواقع فإنّها تعدّ مجموعة من العناصر القيَميّة التي تلعب دورًا محوريًا في المتغيّرات الاجتماعيّة. وتعمل الشرائط على تسريع المتغيّرات أو إبطائها، وقد تعيقها أحيانًا.

ويمكن اعتبار بعض الشرائط مشتركة بين القائمين على التغيير من المسؤولين وبين المجتمع بمعنى الذين يتقبّلون التغيير. إنّ مرادنا من الشرائط والظروف هو العناصر التي تعمل على توفير الأرضيّة لإيجاد المتغيّرات الإيجابيّة في المجتمع. من الضروريّ الالتفات إلى هذه النقطة، وهي أنّه يوجد اختلاف بين العوامل وبين شرائط التغيير. إنّ العوامل تعمل على إيجاد التغيير، وأمّا الشرائط والظروف، فهي تساعد العوامل في إيجاد التغيير وتعمل على توفير الأرضيّة لذلك، إن شرائط التغيير من وجهة نظر القرآن الكريم عبارة عن:

البصيرة

تعدّ «البصيرة»[4] من الشرائط المهمّة في التغيير الاجتماعيّ، حيث يكون لها دور ملحوظ في مختلف مجالات الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، ولو سادت هذه الظروف في مجتمع ما، فإنّ التغيّر المنشود سوف يتّخذ وتيرة متسارعة. وتعمل «البصيرة» على إيجاد الأرضيّة المناسبة لإحداث التغيير، حيث إنّ «بصيرة» القائد وجماهير المجتمع تعدّ من وجهة نظر القرآن أرضيّة مناسبة للتغيير، ومن أهمّ شرائطه، قال الله تعالى: (قُلْ هَذِهِ سَبِيلِي أَدْعُو إِلَى اللهِ عَلَى بَصِيرَةٍ أَنَا وَمَنِ اتَّبَعَنِي).[5]

(250)

وقد ذكر المفسّرون مفاهيم ومعانيَ مختلفة للبصيرة، من قبيل: اليقين والحقّ[1]، والمعرفة[2]، والهداية والنور[3]، والحجّة القاطعة.[4] والبصيرة في الأصل هي ذات معيار تشخيص الحقّ من الباطل، وهذه المعاني ما هي إلّا نتائج لهذا الشيء وليست معانيه. لو حصل الناس في مجتمع ما على معيار تشخيص الحقّ من الباطل، فسوف يتمّ العمل فيه على المنع من التغيير السلبيّ، ويتمّ فيه الترحيب بالتغيير الإيجابيّ.

لقد ورد الحديث في هذه الآية عن بصيرة القائد والناس المطيعين في المجتمع، فالقائد يحتاج إلى البصيرة اللازمة، وكذلك الناس التابعين له بدورهم يمتلكون مثل هذه الصلاحيّة أيضًا. وعلى القائد أن يتحلّى بالبصيرة الكاملة لكي يعمل على تسهيل شرائط التغيير في المجتمع، وكذلك ينبغي عدم تشجيع تشجيع الناس على القيام بأمر دون وعي أو بصيرة. وعلى أتباع القائد بدورهم أن يتحلّوا بنور البصيرة، وأن يعملوا مثل القائد على هداية الناس إلى الله بوعي وبصيرة أيضًا.

إنّ هذه الدعوة مع البصيرة هي التي تعدّ الأرضيّة اللازمة لإحداث التغيير في المجتمع. وقد تمّ تفسير عبارة «ومن اتّبعني» في الروايات بالإمام عليّ وأئمّة الهدى عليهم‌السلام .[5] ويبدو أنّ هذا يأتي من باب التعريف بالمصداق الأتمّ والأكمل، دون الحصر. وقد ورد عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام في الإشارة إلى بصيرته، أنّه قال: «ألا وإنّ الشيطان قد جمع حزبه، واستجلب خيله ورجله، وإنّ معي لبصيرتي ما لَبّست عليّ نفسي ولا لُبّس عليّ».[6]

قال ابن أبي الحديد المعتزليّ في شرح عبارة «وإنّ معي لبصيرتي»: «يريد أنّ البصيرة التي كانت معي في زمن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لم تتغيّر».[7] وإنّ هذه العبارة تشير إلى الآية 108 من سورة يوسف.

(251)

وقد ورد في الحديث المأثور عن الإمام الرضاعليه‌السلام ، أنّه قال: «لنا أعين لا تشبه أعين الناس، وفيها نور ليس للشيطان فيها نصيب».[1]

وفي الحقيقة، فإنّ مصادر الضلال عبارة عن ثلاثة أشياء، وهي كالآتي:

1. عدم امتلاك الوعي والبصيرة الكافية بشأن الأمر الذي يروم القيام به.

2. على الرغم من وجود الوعي، تعمل الأهواء على إسدال حُجب على الأبصار تحول دون رؤية الحقيقة، وتدفع الإنسان نحو الوقوع في الخطأ.

3. السماح لشياطين الإنس والجنّ بالتأثير عليه، وتلبيس الحقيقة بحيث تشتبه عنده.

وبطبيعة الحال لم يكن لأيّ واحد من هذه الأمور الثلاثة طريق للتسلل من خلاله إلى الإمام عليّ عليه‌السلام ، وذلك لأنّه كان قد أغلق جميع منافذ الخطأ والانحراف من الداخل والخارج دون الذين يثيرون الوساوس، وكان يدرك الحقائق كما هي بذكاء ممزوج بالتقوى، ويسير في ضوئها. إنّ بصيرة الإمام عليّ عليه‌السلام جعلته يخوض ثلاث حروب قاتل فيها الناكثين والقاسطين والمارقين[2]، ويفقأ فيها عين الفتنة؛ حتّى قال في ذلك: «أنا فقأت عين الفتنة، ولم يكن ليجترئ عليها أحد غيري».[3]

المعنى الآخر للبصيرة في القرآن الكريم هو الشاهد؛ إذ يقول تعالى: (بَلِ الْإِنْسَانُ عَلَى نَفْسِهِ بَصِيرَةٌ).[4] وقد ذكر بعض المفسّرين احتمالين في تفسير هذه الآية، وهما أوّلًا: إنّ الإنسان بنفسه يشهد على أعماله، وقد استشهدوا بالآية الرابعة عشرة من سورة الإسراء على هذا المعنى، وثانيًا: إنّ الإنسان مثل سائر أعضائه يشهد على نفسه؛ حيث الآية الرابعة والعشرون من سورة النور تؤيّد هذا المعنى.[5] وكذلك قوله تعالى: (قَدْ جَاءَكُمْ بَصَائِرُ مِنْ رَبِّكُمْ فَمَنْ أَبْصَرَ فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ عَمِيَ فَعَلَيْهَا)[6]، فإنّ كلمة «البصائر» في هذه الآية جمع البصيرة، ومن هنا فقد تمّ إطلاق مفردة «البصائر» على البراهين

(252)

والأدلّة الإلهيّة الواضحة والقاطعة، التي تستوجب الرؤية القلبيّة وإدراك الحقائق كما هي.[1]

يذهب الزمخشريّ إلى القول إنّ «البصر» هو نور العين وقوّة الرؤية، وأنّ «البصيرة» هي نور القلب وأداة التأمّل والتفكير.[2] كما ورد استعمال كلمة «البصائر» في القرآن الكريم أيضًا، ومن ذلك قوله تعالى: (هَذَا بَصَائِرُ لِلنَّاسِ وَهُدًى وَرَحْمَةٌ لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ).[3] إنّ القرآن يمنح البصيرة لأصحاب اليقين، والقائد الإلهيّ يمنح الناس البصيرة، كما يقوم أتباع النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بدورهم بإعطاء البصيرة للناس أيضًا، وكأنّ هذه الطوائف الثلاثة هي مصادر البصيرة.

لقد استعمل القرآن الكريم مفردة «البصر» في الكثير من الموارد بدلًا من البصيرة؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ الآيات التي تصف المؤمن بالبصير والكافر بالأعمى: (قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الْأَعْمَى وَالْبَصِيرُ).[4]

و«البصير» هو الشخص الذي يستفيد من نور القرآن ويحصل على بصيرة بآيات الله وبراهينه.[5] ويعبّر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم عن مفهوم البصيرة بـ «الفرقان»، وهذه الصفة لا يستحقّها سوى الذين يتحلّون بالتقوى الإلهيّة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ تَتَّقُوا اللهَ يَجْعَلْ لَكُمْ فُرْقَانًا).[6]

قال بعض المفسّرين إنّ «الفرقان» هو ذات البصيرة.[7] واختار بعض المترجمين مفهوم البصيرة لهذه المفردة[8]، وثمّة من المفسرين من فسّرها بالمخرج[9]، والنور في الدين[10]، ونور الولاية[11]،

(253)

والنورانيّة الباطنيّة[1]، والعلم الفارق بين الحقّ والباطل[2]، والنصرة والهداية.[3]

وقد ذهب العلّامة الطباطبائي إلى الاعتقاد بأنّ:

«الفرقان ما يفرق به بين الشيء والشيء، وهو في الآية ـ بقرينة السياق وتفريعه على التقوى ـ الفرقان بين الحقّ والباطل، سواء أكان ذلك في الاعتقاد بالتفرقة بين الإيمان والكفر وكلّ هدى وضلال، أو في العمل بالتمييز بين الطاعة والمعصية وكلّ ما يرضي الله أو يسخطه، أو في الرأي و النظر بالفصل بين الصواب والخطأ».[4]

وقد ذهب بعضهم إلى الاعتقاد بأنّ: «كلمة «فرقان» صيغة مبالغة من مادّة (فرق)، وهي هنا بمعنى الشيء الذي يفصل بين الحقّ والباطل تمامًا».[5]

ويبدو أنّ المعنى الأخير أدقّ من جميع المعاني الأخرى، بمعنى أنّ الشيء الذي يفصل بين الحقّ والباطل، له مصاديق مختلفة، وضعت له التفاسير عنوان «النور»، وهداية «العلم»، و«النصرة» وما إلى ذلك. إنّ المسألة الأهم في الحياة الإنسانية، هي معرفة الحقّ والباطل، ومعرفة الحسن والقبيح، ومعرفة الصديق والعدو، ومعرفة النافع والمضرّ، ومعرفة عوامل السعادة والبؤس؛ فلو علم الإنسان بهذه الحقائق، فإنّه سوف يصل إلى غايته بشكل أسرع. إنّ النقطة المهمّة جدًّا في هذه الآية هي أنّ عمل الإنسان والمجتمع يترك أثره على رؤيته ومدركاته. إنّ الشخص والمجتمع إذا سلك طريق التقوى، فإنّ الله سبحانه وتعالى سوف يزوّده ببصيرة ومعرفة خاصّة تنفعه في مسار الحياة إلى حدّ كبير، وتحول دون الانحرافات والتغيّرات السلبيّة، وبيان الطريق الصحيح له.

(254)

الاستقامة

تعدّ «الاستقامة» واحدة من شرائط المتغيّرات الاجتماعيّة[1] التي أكّد عليها القرآن الكريم في الكثير من المواطن. إنّ «الاستقامة» مأخوذة من مادّة «قَوَمَ»، وتُستعمل بمعنى «الاعتدال».[2] إنّ استقامة الإنسان تعني ملازمته للطريق وعدم تنكّبه عنه.[3] إنّ كلمة الاستقامة من وجهة نظر الراغب الإصفهانيّ تعني الطريق المعبّد على مسار منبسط، ومن هنا فقد تمّ تشبيه طريق الحقّ به، كما في قوله تعالى: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ).[4] واستقامة الإنسان تعني الثبات على الطريق المستقيم، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا)[5]. [6] إنّ القرآن الكريم يأمر قائد المجتمع بالاستقامة قبل الآخرين: (فَلِذَلِكَ فَادْعُ وَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَلَا تَتَّبِعْ أَهْوَاءَهُمْ).[7]

يجب على النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أن يستقيم في دعوة الناس إلى التوحيد، وأن يتجنّب سلوك الطرق المتنكّبة للطريق؛ وذلك لأنّ إحداث التغيّر في المجتمع إنّما يأتي من خلال الاستقامة على الطريق.

لا يرى القرآن الكريم كفاية استقامة القائد فقط، بل إنّه لإيجاد التغيّر الإيجابيّ في المجتمع يربط بين استقامة القائد واستقامة الناس أيضًا، وفي ذلك يقول تعالى: (فَاسْتَقِمْ كَمَا أُمِرْتَ وَمَنْ تَابَ مَعَكَ).[8] ولا تقتصر الاستقامة في الدين على العمل بالتعاليم الدينيّة فقط، وإنّما يجب على كلّ شخص في حدود وسعه وقدرته أن يدعو الآخرين إلى الاستقامة أيضًا؛ وهي الاستقامة التي تكون بعيدة عن الإفراط والتفريط، ولا يكون فيها طغيان. فقد ورد في الحديث عن ابن عباس، قال: ما نزل على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم آية كانت أشدّ عليه ولا أشقّ من هذه الآية؛ و لذلك

(255)

قال لأصحابه حين قالوا له: أسرع إليك الشيب يا رسول الله: «شيبتني هود والواقعة».[1]

وقد ورد في الكثير من المصادر التفسيريّة لأهل السنّة، التعبير بـ «شيّبتني هود وأخواتها».[2]

وفي حديث آخر: أنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بعد أن نزلت هذه الآية قال: «شمّروا، شمّروا»، وما رُئي بعد ضاحكًا.[3]

وقد ذكر في تفسير الأمثل[4] أربعة أسباب لمشيب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وهي كالآتي:

1. الأمر بالاستقامة.. أي أوجد حالة في نفسك بحيث لا تجد طريقًا للضعف فيك.

2. أن يكون تحمّل هذه الاستقامة هدفًا إلهيًّا فقط.

3. مسألة قيادة أولئك الذين رجعوا الى طريق الحقّ وتعويدهم على الاستقامة أيضًا.

4. المواجهة في مسير الحقّ والعدالة والقيادة الصحيحة وصدّ كلّ أنواع التجاوز والطغيان.

وتعمل الاستقامة على ضمان الأمن النفسيّ للمجتمع، ولا يخفى أنّ المجتمع السليم من الناحية النفسيّة يمتلك شرائط أفضل لتقبّل التغيير، قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ).[5]

وجاء في آية أخرى قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ).[6] يُستفاد من هاتين الآيتين أنّ الاستقامة إنّما تكون ذات قيمة إذا اقترنت بالإيمان، فلو استقام الإنسان في مساره على الألوهيّة والربوبيّة لله عزّ وجل، فسوف تتنزّل عليه الملائكة بفعل الإيمان والاستقامة، فالاستقامة على القيَم الدينيّة إلى آخر العمر تُعدّ مهمّة جدًّا، وقد أكّدت الروايات والأحاديث على هذا الأمر بدورها.[7] وأن لو استقام الجنّ والإنس، فإنّ ذلك سيؤدّي

(256)

إلى توفّر شرائط الحياة المنشودة والمطلوبة، ولحدثت التغيّرات الإيجابيّة في مجتمعاتهم، قال الله سبحانه وتعالى: (وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا).[1]

يذهب الكثير من المفسّرين ـ من الشيعة[2] وأهل السنّة[3] ـ إلى القول بأنّ هذه الآية والأوامر الواردة فيها بالاستقامة، تشمل الجنّ والإنس. وفيما يتعلّق بعبارة «ماءً غدقًا» هناك اختلاف في الآراء، من ذلك أنّ اللغويّين ـ على سبيل المثال ـ قد فسّروا كلمة «الغدق» بالعين العذبة[4]، بينما ذهب آخرون إلى تفسيرها بماء المطر الكثير[5]؛ فقد استعمل الراغب الإصفهانيّ «الغدق» بمعنى الماء الكثير[6]، وأكّد على معنى الكثرة والوفرة.[7] وقد ذكر لها بعض المفسّرين معانيَ مختلفة، من قبيل: المطر الكثير من السماء[8]، والماء الكثير[9]، وسعة الرزق[10]، والكثير والوفير.[11] وقال الإمام الباقرعليه‌السلام في هذه الآية: «يعني لو استقاموا على ولاية عليّ بن أبي طالب أمير المؤمنين والأوصياء من ولده عليهم‌السلام ، وقبلوا طاعتهم في أمرهم ونهيهم لأسقيناهم ماءً غدقًا، يقول: لأشربنا قلوبهم الإيمان».[12]

وقد روي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال في تفسير هذه الآية: «معناه: لأفدناهم علمًا كثيرًا يتعلّمونه من الأئمّة»[13]؛ وفي الحقيقة فإنّ جميع هذه المعاني قرينة على كثرة الرحمة والنِعَم الإلهيّة

(257)

المادّيّة والمعنويّة على المجتمع المؤمن والمقاوم. وهذه الرحمة تتجلّى تارة على شكل الماء، وتارة على شكل الإيمان والعلم، حيث إنّ الماء هو أصل الحياة[1] وسبب في سعة الرزق وجميع النِعَم المادّيّة والمعنوية. إن المجتمع المؤمن والمستقيم يعمل على إيجاد شرائط وظروف نزول النِعَم والألطاف الإلهيّة، ويتقبّل التغييرات الإيجابيّة من جميع الجهات. وقد تعمل الاستقامة في موضع بوصفها واحدة من العناصر والعوامل أيضًا.

الصبر

إنّ من بين شرائط التغيير الاجتماعيّ «الصبر».[2] وقد ذهب الخليل بن أحمد الفراهيديّ إلى اعتبار الصبر نقيض «الجزع»[3]، وقد ذكر ابن منظور الأفريقيّ ذات هذا الرأي أيضًا[4]، وأمّا فخر الدين الطريحيّ، فيرى أنّ الصبر يعني إمساك النفس عن إظهار الجزع.[5]

وقد ذهب الراغب الإصفهانيّ إلى اعتبار الصبر بمعنى الاستقامة في مواجهة الصعاب والمشاكل، وضبط النفس على أساس ما يقتضيه العقل والشرع. وقال إنّ «الصبر» لفظ عام له في الموارد المتنوّعة مصاديق مختلفة.[6] وذهب بعض العلماء إلى القول إنّ الصبر يعني حفظ النفس والسيطرة عليها من الاضطراب والجزع، وأنّه يعني الطمأنينة والسكون.[7]

من خلال التدبّر في آيات القرآن الكريم، ندرك أنّ «الصبر» عبارة عن المقاومة والاستمرار في بذل الجهود المتفائلة من أجل الوصول إلى الهدف؛ ومن هنا فإنّ القرآن الكريم يعتبر «الصبر» شرطًا مهمًّا للغاية من أجل تحقيق التغيّرات الاجتماعيّة، ومن ذلك قول الله سبحانه وتعالى: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ حَرِّضِ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى الْقِتَالِ إِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ عِشْرُونَ صَابِرُونَ يَغْلِبُوا

(258)

مِائَتَيْنِ وَإِنْ يَكُنْ مِنْكُمْ مِائَةٌ يَغْلِبُوا أَلْفًا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا بِأَنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ).[1]

لقد نزلت هذه الآية قبل معركة بدر.[2] إنّ العنصر الحاسم والمصيريّ في جبهات القتال، هو الإيمان والصبر، وليس القوّة المادّيّة. فلو اقترن الصبر بالإيمان، فسوف تتوفّر شرائط التغيير في المجتمع. وعلى الرغم من معانة المسلمين المادّيّة، إلّا أنّهم انتصروا في معركة بدر، وذلك لما كانوا يمتلكونه من الإيمان والصبر. إنّ «الصبر» قد وفّر شرائط الانتصار للمسلمين. وبعد هذا الانتصار تغيّرت أمور المسلمين وأصبحوا في وضع أفضل مما كانوا عليه قبل هذه الحرب. وقد أعاد القرآن الكريم سبب انتصار بني إسرائيل على سلطة فرعون إلى الصبر والاستقامة، بحيث إنّ عبيد الأمس صاروا اليوم هم الأمراء الذين ورثوا الأرض، وأصبحوا هم أصحاب القرار على تقرير مصيرهم، قال تعالى: (وَأَوْرَثْنَا الْقَوْمَ الَّذِينَ كَانُوا يُسْتَضْعَفُونَ مَشَارِقَ الْأَرْضِ وَمَغَارِبَهَا الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا وَتَمَّتْ كَلِمَتُ رَبِّكَ الْحُسْنَى عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ بِمَا صَبَرُوا).[3]

إنّ بني إسرائيل إنّما كتب لهم النصر وملكوا مشارق الأرض ومغاربها ـ على حدّ تعبير المفسّرين من الشيعة[4] وأهل السنّة[5] ـ بسبب صبرهم.

وللصبر دور مؤثّر على الحياة الاجتماعيّة؛ ومن هنا فإنّ الله سبحانه وتعالى يأمر المجتمع الإيمانيّ في الآية الخامسة والأربعين والآية الثالثة والخمسين بعد المئة من سورة البقرة، أن يستعين بالصبر في مواجهة مشاكل الحياة، وأنّ على الصابر بالإضافة إلى صبره أن يجعل معيّة الله له نصب عينيه، قال الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ إِنَّ اللهَ مَعَ الصَّابِرِينَ).[6] وعليه فإنّ الصبر بالإضافة إلى معيّة الله وحلّ المشاكل، يمنح الإنسان السلطة ومقاليد الحكم في الأرض.

(259)

قال الله تعالى: (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يُوقِنُونَ).[1] بمعنى أنّنا إنّما جعلناهم أئمّة وهداة بسبب صبرهم ويقينهم بالآيات الإلهيّة.[2]

والإمام هو الشخص الذي يتبعه الناس في مختلف الأمور[3]، وبسبب الصبر اختار الله من بني إسرائيل أئمّة وقادة من أمثال موسى بن عمران عليه‌السلام لهداية الناس.[4] إنّ سبب اختيار هؤلاء يعود إلى صبرهم واستقامتهم، فإنّ الصبر يلعب دورًا بارزًا في تكامل الفرد والمجتمع، كما أنعم الله على بعض بني إسرائيل وأعطاه مقام النبوّة.[5]

كما إنّ للصبر تأثيرًا أكبر على مسار التغيّرات الاجتماعيّة، فبواسطة الصبر يمكن إحداث تغييرات إيجابيّة في المجتمع، فلولا الصبر لما كان بمقدور بني إسرائيل أن يقضوا على النظام الفرعونيّ القويّ، وامتلاك مشارق الأرض ومغاربها، ولما وصل بعضهم إلى مقام قيادة الناس، ولما كان بإمكان المسلمين أن ينتصروا في معركة بدر على كفّار مكة، ولما تحّقق ذلك التغيير والتحوّل العظيم. فإنّ جميع هذه الانتصارات والنجاحات إنّما كتب لها التحقّق بفعل الصبر المقرون بالإيمان وإطاعة القيادة الإلهيّة، وسوف يستمرّ هذا القانون في المستقبل أيضًا. إنّ المجتمع المفتقر إلى القيادة والفاقد للهدف، سوف يبقى محكومًا إلى الأبد، وسوف يشقّ طريقه نحو السقوط والانحطاط.

التوفيق الإلهيّ

إنّ من بين شرائط التغيير المنشود في المجتمع هو التوفيق الإلهيّ[6]، فما هو التوفيق؟ لقد ذكر العلماء معاني مختلفة له، ومن بينها إعداد الأسباب من أجل الخير المطلوب.[7] التوفيق بمعنى الـ «وفق» على زنة «فلس» هو التطابق بين شيئين، والتوفيق هو إيجاد التوافق بين شيئين أو بين أشياء

(260)

متعدّدة، وهو من هذه الناحية يفيد معنى الإصلاح أيضًا.[1]

إنّ الـ «وفق» هو التطابق بين شيئين، و«التوفيق» تزامن فعل الإنسان مع التقدير (سواء في أمور الخير أو الشرّ)، وأمّا في المصطلح فلا يطلق إلّا على أمور الخير.[2] يُفهم من كلام اللغويّين أنّ معنى «التوفيق» هو توفّر الأسباب في الأمور، وإنّما يتحقّق ذلك بسبب التوافق بين شيئين. وقد ذهب بعض المفسّرين إلى هذا المعنى، ومن ذلك قولهم: «التوفيق هو اللطف الذي يتّفق عنده فعل الطاعة». وهو التطابق مع علم الله.[3] إنّ إعداد الأسباب وإزالة الموانع للوصول إلى المطلوب هو التوفيق، وقال العلّامة الطباطبائي رحمه‌الله بأنّ «التوفيق» مرادف لتوفير أسباب السعادة من قبل الله سبحانه وتعالى.

وهناك من جعل التوفيق بمعنى وضع موافقة الإنسان من الناحية الفكريّة والعمليّة في العبادات والطاعات لله سبحانه وتعالى، مع الإعداد للمقدّمات والأسباب.[4] وهناك من ذهب إلى الاعتقاد بأنّ التوفيق يعني: «توظيف الأسباب وإعدادها من أجل الحصول على الخير المنشود في الاتجاه الموافق والمطلوب».[5] وهناك من قال إنّ التوفيق عبارة عن: «تطابق إرادة العبد مع إرادة الله سبحانه وتعالى».[6] والتوفيق هو إيجاد القدرة على الطاعة لدى المكلّف، وتسهيل سُبُل الخير.[7] لقد عمد كلّ واحد من علماء التفسير إلى تعريف جانب من التفسير، بيد أنّ المهمّ لم يتمّ بيانه في اللغة وكلام المفسّرين!

إنّ معنى التوفيق من الله هو إعداد شرائط وأسباب الخير والسعادة من قبل الله سبحانه وتعالى، وذلك بما يتطابق مع إرادة الله وإرادة العبد في ذلك الأمر، فقد ورد في الأثر عن الإمام

(261)

جعفر الصادق عليه‌السلام ، أنّه قال في معنى الآية الثامنة والثمانين من سورة هود: «إذا فعل العبد ما أمره الله عزّ وجلّ به من الطاعة كان فعله وفقًا لأمر الله عزّ وجلّ وسمّي العبد به موفّقًا، وإذا أراد العبد أن يدخل في شيء من معاصي الله، فحالَ الله تبارك وتعالى بينه وبين تلك المعصية فتركها كان تركه لها بتوفيق الله تعالى».[1]

إنّ الحيلولة دون اقتراف القبيح، توفيق من الله.

في العادة يُطلق مصطلح التوفيق عُرفًا على الأفعال الحسنة، ولكن بالنظر إلى هذا الحديث يُعدّ ترك الذنب والمعصية بدوره نوعًا من التوفيق أيضًا. إنّ التوفيق صفة فعل الله بالنظر إلى أنّ الإنسان يحتاج إلى الإمكانات وتوفّر الشرائط والظروف عند قيامه بكلّ فعل حسن، وهي في الغالب غير متوفّرة لديه، وإنّ الله سبحانه وتعالى بفضله وكرمه بما يتناسب مع قابليّة وكفاءة المؤمنين يعمل على تذليل تلك الأسباب والشرائط، وبذلك يصبح القيام بذلك العمل الصالح والحسن ميسورًا للعبد، وكذلك فإنّ العبد لا يمتلك القدرة على دفع الشرور عن نفسه؛ لأنّه يجهل الكثير من هذه الأمور، وإنّ الله سبحانه وتعالى برعايته الخاصّة يدفع عنه تلك الشرور وينجيه من الوقوع في مثل هذا الأمر. وعليه فإنّ كلا الأمرين يحدثان في الحقيقة بتوفيق من الله سبحانه وتعالى.

للقيام بفعل الخير، والابتعاد عن فعل القبيح ـ سواء على المستوى الفرديّ والاجتماعيّ ـ يحتاج الشخص إلى الإرادة والتوفيق الإلهيّ بالإضافة إلى توفّر الأسباب الظاهريّة والباطنيّة. كما أنّ إيجاد التغيير الاجتماعيّ بدوره يحتاج إلى توفيق من الله أيضًا. فإنّ تحقّق هذا التوفيق سوف تتوفّر أرضيّة التغيير في المجتمع، وقد كان النبيّ شعيب عليه‌السلام يرى أنّ هذا التوفيق إنّما هو من عند الله سبحانه وتعالى.[2] إنّ إصلاح أمور الناس والنهي عن المنكرات، وكذلك الهمّة والصبر في هذا الطريق، لا يتحقّق إلّا بتوفيق من الله سبحانه وتعالى. إنّ التوفيق إنّما يتحقق ـ على ما سبق

(262)

ذكره ـ عندما يعقد العبد النيّة والعزم والإرادة على فعل الخير وترك القبيح. كما تمّ بيان هذا الأمر في آية أخرى؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى: (إِنْ يُرِيدَا إِصْلَاحًا يُوَفِّقِ اللهُ بَيْنَهُمَا).[1]

عند الخوف والخشية من حدوث الاختلاف بين الزوجين، يمكن اختيار حكمين من كلا الطرفين، فإن أراد الحكمان الإصلاح بين الزوجين فإنّ الله سبحانه وتعالى سوف يوفّق الزوجين إلى الصلاح بمساعدتهما، وعليه تكون إرادة الحكمين شرطًا في تحقق إصلاح الأمور بين الزوجين، ومن دون تحقّق الشرط لا يتحقّق الجزاء. وإذا تعلّقت إرادة العبد بإصلاح الأمور، فإن التوفيق الإلهيّ سوف يتحقّق، وهذا التوفيق يوفّر الأرضية لإحداث التغيير، ويترك أثره على مسار التغيير الاجتماعيّ.

موانع التغيير من وجهة نظر القرآن الكريم

إنّ الموانع التي تحول دون حدوث التغيير الاجتماعيّ، هي تلك المجموعة من العوامل والعناصر التي تُبدي من نفسها مقاومة تجاه التغيير وتحول دون حدوثه، أو أن تبطئ من وتيرته. وقد عمد فاستر إلى تقسيم هذه العوامل إلى ثلاثة طوائف، وهي: العوامل الثقافيّة، والعوامل الاجتماعيّة، والعوامل النفسيّة[2]؛ وأمّا استيفان واغو، فإنّه يرى أنّ موانع التغيير تنقسم إلى الموانع الاجتماعيّة والنفسيّة والثقافيّة والاقتصاديّة.[3] سوف نعمل في هذا المقال ـ من خلال الاستفادة من هذا النموذج بالإضافة إلى التنمية المفهوميّة ـ على دراسة موانع التغيير الاجتماعيّ من زاوية القرآن، مع بيان نماذج وأمثلة من الموانع الثقافيّة والاجتماعيّة والنفسيّة.

الموانع الثقافيّة

لقد ذهب بعض علماء الاجتماع إلى الاعتقاد بعوامل من قبيل: الإيمان بالقدر، والنزعة القوميّة، وعدم التأقلم، وانتشار النماذج الميكانيكيّة، والأوهام، بوصفها من الموانع الثقافيّة في

(263)

قبال التغييرات الاجتماعيّة.[1]

وثمّة من المفكّرين في العلوم الإسلاميّة من يعتبر أنّ الثقافة الإسلاميّة مقتبسة من ثلاثة عناصر أصليّة، تشمل المعتقدات والعقائد (الأنطولوجيا)، والقيَم والخيرات والشرور، وأساليب السلوك الخاصّة التي تنشأ عن الآراء والقيَم، والتي تمثّل في الواقع[2] أصول الدين والأخلاق والأحكام الإسلاميّة التي يُطلق عليها عنوان الثقافة الإسلاميّة الخالصة. إنّ المراد من الموانع الثقافيّة في هذه المقالة، هي تلك الموانع المقتبسة من هذا التعريف.

التقليد الأعمى لعقائد الأوّلين الخاطئة

تذهب طائفة من علماء الاجتماع إلى الاعتقاد بأنّ بعض الموانع تتلخّص في تقاليد المتقدّمين.[3] يرى القرآن الكريم أن ّالتقليد الأعمى للسابقين والمتقدّمين يُعدّ واحدًا من أهمّ موانع التغيير الإيجابيّ في المجتمع، فعندما عرض النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم دين الإسلام على الناس ودعاهم إلى الإيمان به، رفض بعض الناس إدخال أيّ تغيير أو الإتيان بدين جديد يخالف ما كان عليه آباؤهم وأسلافهم، وتشبّثوا بتقاليدهم السابقة التي ورثوها عن آبائهم، وتمسّكوا بها بوصفها أسلوبًا لحياتهم: (بَلْ قَالُوا إِنَّا وَجَدْنَا آبَاءَنَا عَلَى أُمَّةٍ وَإِنَّا عَلَى آثَارِهِمْ مُهْتَدُونَ)[4]، وقال لهم النبيّ في الجواب عن هذا المنطق: (أَوَلَوْ جِئْتُكُمْ بِأَهْدَى مِمَّا وَجَدْتُمْ عَلَيْهِ آبَاءَكُمْ).[5] إنّ الأنبياءعليهم‌السلام يقدّمون للناس مشاريع وتعاليم أفضل، بيد أنّ التقليد الأعمى لسنن السابقين يحول دون تسليمهم للحقّ.

والسبب الرئيس في موانع التغيير هو التقليد الأعمى للثقافة الجاهليّة والسنن الخاطئة التي سار عليها السابقون؛ بمعنى أنّ الأنبياء عندما كانوا يدعون الناس إلى التوحيد والحقّ بالحجج القاطعة والبراهين الواضحة، ويبيّنون لهم عاقبة أعمالهم، كانوا يبدون مقاومة تجاه الإيمان بالدين

(264)

الجديد والتغييرات الجذريّة. وكانوا يُصرّون على مواصلة طريقة آبائهم في قبال أيّ نوع من أنواع التغيير، قال تعالى: (وَإِذَا تُتْلَى عَلَيْهِمْ آيَاتُنَا بَيِّنَاتٍ قَالُوا مَا هَذَا إِلَّا رَجُلٌ يُرِيدُ أَنْ يَصُدَّكُمْ عَمَّا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُكُمْ وَقَالُوا مَا هَذَا إِلَّا إِفْكٌ مُفْتَرًى وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لِلْحَقِّ لَمَّا جَاءَهُمْ إِنْ هَذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ).[1] وكانوا يعتبرون كلّ نوع من أنواع التحوّل واليقظة من قبل الأنبياء، نوعًا من إبطال القيَم التي كان يسير عليها آباؤهم في حقل العقيدة والتفكير والسلوك، ومن هنا فقد سلك الجاهلون من أجل المقاومة في مواجهة خطابات التغيير من قبل الأنبياءعليهم‌السلام والابتعاد عنهم أسلوبين من أساليب الحرب الناعمة:

1. تحطيم الشخصيّة وتشويه السمعة، وقد نسبوا لتحقيق ذلك أنواع التهم إلى النبيّ وقائد المجتمع.

2. إثارة الريب والشكّ حول محتوى الدين والمشروع الذي جاء به الأنبياء لإسعاد الناس. وبطبيعة الحال فقد ذكروا تحليلًا وتبريرًا لإنكارهم للدين الجديد وتمسّكهم بالسنّة التي كان عليها أسلافهم، بقولهم: (أَجِئْتَنَا لِنَعْبُدَ اللهَ وَحْدَهُ وَنَذَرَ مَا كَانَ يَعْبُدُ آبَاؤُنَا).[2] لم يكن هؤلاء على استعداد للتخلّي عن دين آبائهم أبدًا. إنّ هذا النهج الأعمى في التقليد كان يحول دون حدوث أيّ نوع من أنواع التغيير الذي جاء به القرآن الكريم: (أَتَنْهَانَا أَنْ نَعْبُدَ مَا يَعْبُدُ آبَاؤُنَا).[3] بمعنى أنّ قوم ثمود كانوا يسألون النبيّ صالح عليه‌السلام متعجّبين: أتنهانا أن نعبد الأصنام التي كان يعبدها آباؤنا؟ إنّ هذا التعصّب الاعتباطيّ والتقليد الأعمى كان يُشكّل عائقًا يحول دون هدايتهم، وكان هو السبب في بقائهم على ما كانوا عليه من الانحطاط والتخلّف، واستحقاقهم للعذاب الإلهيّ: (وَأَخَذَ الَّذِينَ ظَلَمُوا الصَّيْحَةُ فَأَصْبَحُوا فِي دِيَارِهِمْ جَاثِمِينَ).[4]

إنّ هذا التقليد الأعمى للسنن الخاطئة للأسلاف، والذي يؤدّي إلى انحطاط وسقوط

(265)

الإنسان والمجتمعات، مسألة عقليّة غير قابلة للإنكار ولا تحتاج إلى استدلال. إنّ الأنبياء حينما يدعون أممهم إلى التوحيد والنبوّة، لا يريدون بذلك سوى خيرهم ومصلحتهم. وأمّا المشركون فلم يكن لديهم في مواجهة أدلّة الأنبياء وبراهينهم جواب منطقيّ، وإنّما كانوا يُصرّون على سنن ومعتقدات أسلافهم فقط. وفي الحقيقة فإنّهم بسبب اعتمادهم على السابقين من آبائهم وأجدادهم، كانوا يكتفون بجهلهم ويُعرضون عن قبول دعوة الحقّ، وفي ذلك يقول الله تعالى: (وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا إِلَى مَا أَنْزَلَ اللهُ وَإِلَى الرَّسُولِ قَالُوا حَسْبُنَا مَا وَجَدْنَا عَلَيْهِ آبَاءَنَا أَوَلَوْ كَانَ آبَاؤُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ شَيْئًا وَلَا يَهْتَدُونَ).[1]

وهناك من أصحاب الضمائر الحيّة من تخلّى عن التقليد الأعمى للأسلاف بمجرّد ظهور الحقّ لهم، وقبلوا بدعوة الأنبياءعليهم‌السلام لما يحييهم، فالتقليد الأعمى يعمل في جميع الظروف على الحيلولة دون الإنسان وقيامه بعمليّة التفكير، ويجرّه مغلولًا ومغلق العينين والأذنين نحو التبعيّة للعقائد الباطلة والسنن الخاطئة للسابقين، وبالتالي فإنّهم يبدون مقاومة في مواجهة أيّ نوع من أنواع الإصلاح في السلوك والتفكير.

لا بدّ من الالتفات إلى أنّ القرآن الكريم قد تحدّث عن التقليد الأعمى وقام برفضه، وهذا الأمر يختلف عن التقليد في الفقه الشيعيّ للمرجعيّة؛ وذلك لأنّ مفهوم التقليد في فقه الشيعة إنّما يقوم على أساس بعض الآيات القرآنيّة والروايات، ومن بينها قوله تعالى: (وَمَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ).[2] لقد منع الله سبحانه وتعالى المؤمنين من الخروج الجماعيّ لطلب العلم (التفقّه في الدين)، ثمّ من خلال الإتيان بـ «لولا» التحضيضيّة ـ التي تستعمل للترغيب والحثّ والتشجيع ـ دعا بعضهم إلى التوجّه نحو الحواضر والعواصم العلميّة لتحصيل التفقّه في الدين. لقد استعملت هذه الآية كلمة «نفر» بدلًا من «خرج» أو «ذهب» أو ما يعادلها؛ وذلك لأنّ «النفر»

(266)

يدلّ على ثقل وصعوبة هذا النوع من الخروج، والمفردات الأخرى تفتقر إلى إفادة هذه الإضافة المفهوميّة.[1]

لماذا أقرّ الله في عبارة (لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُوا إِلَيْهِمْ) خروج طائفة من الناس رسميًّا؟ لقد سمح الله لبعض الناس بالتفقّه في الدين، وتمثيل الجميع في السفر لطلب العلم ومعارف الدين في العقائد والأحكام والأخلاق والحقوق وسائر الموضوعات الأخرى التي يحتاج إليها المجتمع، ليعودوا بعدها إلى ذلك المجتمع بوصفهم من الفقهاء في الدين. لا يمكن لجميع الناس كافة أن ينفروا لتحصيل الدين وفهمه بشكل عميق، ومن هنا فقد تمّ إلقاء هذه المهمّة على عاتق مجموعة من المتخصّصين، ليقوموا بعمليّة إصلاح عقائد الناس وبيان الأحكام والأخلاق وما إلى ذلك، والعمل على إدارة شؤون المجتمع على أساس التعاليم الإلهيّة. ويسمى هذا الأمر في مصطلح فقه الشيعة «تقليدًا»، وهذا لا يكون غير مذموم فحسب، بل ويعدّ عملًا بالشريعة والتعاليم الإلهيّة أيضًا.

الجهل

يذهب بعض علماء الاجتماع إلى اعتبار الجهل واحدًا من موانع التغيير الاجتماعيّ.[2] ومن بين موانع التغيير الاجتماعيّ، جهل الناس بالخطط والمشاريع وخطابات وغايات الأنبياء والقائمين على إحداث التغيير في المجتمع. ومن المعلوم أنّ الظالمين والمستكبرين والنفعيّين والحكّام يستغلون جهل الناس على الدوام للحصول على أطماعهم القصوى، ويزيدون من تجهيلهم لنهب أموالهم وظلمهم. ويثبت التاريخ أنّ الناس كلّما تخلّصوا من الجهل ولم يعاندوا، فإنّهم سيتخلّون عن أخطائهم ويؤمنون بالحقّ.

وقد عدّ القرآن الكريم الجهل بوصفه واحدًا من عوامل وأسباب التغيير الإيجابيّ في المجتمع، قال تعالى: (وَاللهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا)[3]، فالجهل يعيق حركة الإنسان نحو التكامل، وهناك الكثير من الأمثلة في القرآن الكريم في هذا الشأن، ومن بينها حديثه عن

(267)

السحرة وفرعون؛ إذ بعد أن اكتشفوا كيد فرعون واتّضحت لهم أحقيّة النبيّ موسى عليه‌السلام ، آمنوا به وتمرّدوا على أوامر فرعون، وقاوموا تهديداته: (قَالُوا آمَنَّا بِرَبِّ الْعَالَمِينَ * رَبِّ مُوسَى وَهَارُونَ * قَالَ آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَسَوْفَ تَعْلَمُونَ لَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ أَجْمَعِينَ * قَالُوا لَا ضَيْرَ إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ).[1] لقد كان جهل الناس على طول التاريخ يُعدّ واحدًا من أهمّ الموانع التي تقف بوجه العقائد والأديان الإلهيّة. ومن هنا فقد كان الجهل أساسًا لجميع الشرور، ولقد كان الأنبياءعليهم السلام على الدوام يتلقّون الكثير من الأذى بسبب جهل الناس، وكانوا لذلك يحاربون الجهل وينبّهون الناس إلى أخطاره الفادحة.

وثورات الصالحين إنّما كانت من أجل تحرير عقول الناس من الجهالة. وفي هذا الإطار ينقل صفوان الجمّال عن الإمام الصادق عليه‌السلام ضمن زيارة الأربعين، أنّه قال: «وبذل مهجته فيك؛ ليستنقذ عبادك من الجهالة وحيرة الضلالة».[2] في هذا النص يبيّن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّ من بين الأهداف السامية لثورة الإمام أبي عبد الله عليه‌السلام العمل على إيقاظ الأمّة من سبات الجهل ونوم الغفلة. وجهل الناس في العصر الأمويّ بلغ مرحلة لم يقتصروا فيها على القول بالتساوي بين الإمام الحسين عليه‌السلام ويزيد فقط، بل وكانوا يفضّلون يزيد عليه ويعتبرونه وارثًا للنبيّ وخليفته، ويقولون إنّ الإمام الحسين عليه‌السلام كان باغيًا وخارجًا على خليفة زمانه، وبالتالي كانت فاجعة عاشوراء هي الثمرة المرّة لهذا الجهل.

إنّ الجهل يؤدّي بالإنسان إلى السقوط والانحدار. وبفعل الجهل يصل الأمر بالناس إلى أن يقترحوا عبادة الأصنام على النبيّ موسى عليه‌السلام والتعاقد معه على إله من صنع أيديهم، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (قَالُوا يَا مُوسَى اجْعَلْ لَنَا إِلَهًا كَمَا لَهُمْ آلِهَةٌ قَالَ إِنَّكُمْ قَوْمٌ تَجْهَلُونَ).[3]

الجاهل يقع دومًا في الإفراط أو التفريط، ويخرج دائمًا من مسار الاعتدال، فعن أمير

(268)

المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «لا ترى الجاهل إلّا مفرِطًا أو مفرّطًا».[1] فالجهل لا يحول دون إحداث التغييرات الإيجابيّة والمطلوبة في المجتمع فحسب، بل ويُشكّل أرضيّة خصبة لانحطاط المجتمعات أيضًا. والجهل من بين الأسباب التي تمهّد الأرضيّة للانحطاط على مختلف الأبعاد، ويؤدّي بالمجتمعات إلى السقوط.

الشكّ

إنّ من بين السياسات والحيَل المشتركة بين جميع الأمم تلك السياسة المتمثّلة في خلق حالة «الشكّ» في محتوى الخطاب الدينيّ. لقد عمد القرآن الكريم إلى التعريف بمقاومة الأمم السابقة للأفكار الجديدة ودعوة الأنبياء بوصفها صفة مشتركة لهم، فإنّهم من خلال إيجاد الشكّ يخلقون مانعًا يحول دون إحداث التغييرات الاجتماعيّة الإلهيّة الإيجابيّة والمطلوبة، قال الله تعالى: (أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ).[2]

يُعدّ «الشك» واحدًا من الأمراض النفسيّة التي تترك تأثيرها على معتقدات جميع الأمم، ويمهّد الأرضيّة للكثير من التغييرات السلبيّة، و«الشكّ» يحول دون القبول بالخطاب الصادر عن الطرف المقابل، ويوسّع من ثقافة الشكّ والريب في عموم المجتمع على نطاق واسع، ومن شأن ذلك أن يُشكّل مانعًا يحول دون إحداث التغييرات الإيجابيّة في المجتمع. إنّ سياق الآية أعلاه يُشير إلى القوانين الثابتة والسائدة في المجتمع، ومن خلال التعرّف على بعضها يمكن التعرّف على بعضها الآخر. إنّ الشكّ والتردّد في المحتوى الدينيّ والمذهب الإلهيّ يترتّب عليه استحقاق العذاب والعقاب، فلو اضمحلّت أرضيّة الهداية في أمّة وسادها الإنكار والشكّ حتّى يتحوّل هذا الشكّ والإنكار بالتدريج إلى عقيدة وثقافة، فإنّ هذه الأمّة سوف تنهار ويتمّ القضاء عليها حتمًا.

(269)

بيد أنّ الأمّة الإسلاميّة قد تمّ استثناؤها من هذا القانون بسبب وجود نبيّ الرحمةصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فيها، فقد طلب بعض الناس نزول العذاب من الله، ولكن الله سبحانه وتعالى لم يُنزل العذاب ببركة وجود النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (وَإِذْ قَالُوا اللَّهُمَّ إِنْ كَانَ هَذَا هُوَ الْحَقَّ مِنْ عِنْدِكَ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِنَ السَّمَاءِ أَوِ ائْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).[1] وعلى الرغم من المطالبة بنزول العذاب الشامل، إلّا أّن العذاب قد ارتفع عنهم؛ فقد كان الله ـ عزّ وجل ـ يولي عناية خاصّة بأمّة النبيّ الأكرم محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ولذلك ما دامت هذه الأمّة تحتفظ بخصلتين، فلن يطالها العذاب أبدًا؛ وهما أوّلًا: وجود النبيّ محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بين ظهرانيهم، وثانيًا: شيوع ظاهرة الاستغفار بين أفراد الأمّة الإسلاميّة: كان الله عزلعذاب الامل، إلىلاملبب الى نطاق واسعة (وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمْ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ).[2] وبطبيعة الحال فإنّ العذاب الفرديّ لم يرتفع. والسؤال المطروح هنا هو هل هناك عذاب لكلّ كافر؟ بالنظر إلى آيات القرآن الكريم، فإنّ العذاب في الغالب سوف يطال الكافر المعاند والشاكّ في النبوّة والذي يتّهم الآخرين ويسلك سبيل سوء الظنّ.

إنّ الكفر والشكّ والريب المقرون بالاتّهام وسوء الظن، كان هو الصفة المشتركة بين جميع المخالفين للأنبياء طوال التاريخ. ويُعدّ قوم نوح وقوم عاد وقوم ثمود والكثير من الأمم السابقة، نماذج من هذا القبيل، وفي ذلك يقول الله تعالى:

(أَلَمْ يَأْتِكُمْ نَبَأُ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ قَوْمِ نُوحٍ وَعَادٍ وَثَمُودَ وَالَّذِينَ مِنْ بَعْدِهِمْ لَا يَعْلَمُهُمْ إِلَّا اللَّهُ جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَرَدُّوا أَيْدِيَهُمْ فِي أَفْوَاهِهِمْ وَقَالُوا إِنَّا كَفَرْنَا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ وَإِنَّا لَفِي شَكٍّ مِمَّا تَدْعُونَنَا إِلَيْهِ مُرِيبٍ).[3] (جَاءَتْهُمْ رُسُلُهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ).[4]

ولا بدّ من الالتفات إلى أنّ الكثير من القصص القرآنيّ لم يتمّ ذكره وبيانه، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلًا مِنْ قَبْلِكَ مِنْهُمْ مَنْ قَصَصْنَا عَلَيْكَ وَمِنْهُمْ مَنْ لَمْ نَقْصُصْ عَلَيْكَ).[5]

(270)

لقد جعل المخالفون مواجهة مدرسة الأنبياءعليهم‌السلام وأهدافهم في سُلّم أولوياتهم، ومن هنا فإنهم كانوا يواجهون الأنبياء على الدوام بالإنكار والشّك وسوء الظنّ، ويتّضح من قوله تعالى: (إِنَّا بِمَا أُرْسِلْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ)[1]، أنهم لم يكونوا يعترضون على أشخاص الرسُل والأنبياء، وإنّما كانت مخالفتهم تتّجه بشكل رئيس إلى الإصلاحات والتغييرات الهادفة التي ينتهجونها، بحيث إنّهم كانوا يعملون على توظيف جميع إمكاناتهم ويحشدون كلّ طاقاتهم من أجل القضاء على هذه التغييرات، ويسعون إلى اتخاذ مواقف متشدّدة في مواجهة هذا النوع من التغيير، ويُسارعون إلى مواجهة أدنى حراك يؤدّي إلى التغيير في التفكير والسلوك.

الإعلام الكاذب

ومن بين الموانع المؤثّرة جدًّا على المجتمع، هو الإعلام الواهي والكاذب والمخادع الذي يقوم به المخالفون في مواجهة التغييرات الاجتماعيّة الإيجابيّة، ويتعرّض القرآن الكريم لبيان جملة من الأمثلة على الإعلام الكاذب، ومنها:

1. الساحر: إنّ من بين أساليب ومناهج المخالفين للنظام الإلهيّ على طول التاريخ إلصاق التُهم الباطلة بقادة الدين، من الأنبياء والأولياء والصالحين. ومن ذلك أنّهم كانوا في مواجهة الخطابات الإلهيّة ينسبون الأنبياء إلى السحر، الأمر الذي يعبّر عن ضعفهم في مواجهة الأنبياءعليهم‌السلام . فقد ذهب فرعون والفراعنة إلى اعتبار معجزات النبيّ موسى عليه‌السلام سحرًا، ووصفوه بأنّه ساحر: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ).[2]

كما كانت سنّة الأقدمين تقوم على التشكيك في أقوال وأفعال الطرف المقابل ونسبتها إلى الكذب والسحر وما إلى ذلك، قال تعالى: (وَعَجِبُوا أَنْ جَاءَهُمْ مُنْذِرٌ مِنْهُمْ وَقَالَ الْكَافِرُونَ هَذَا سَاحِرٌ كَذَّابٌ).[3] فقد كان هؤلاء عاجزين عن الإتيان بمثل ما يأتي به الأنبياءعليهم‌السلام أو مواجهتهم بالمنطق؛ ولذلك كانوا ينسبون التّهم الباطلة إليهم، كي لا يؤمن الناس بدعوتهم؛ وبالتالي فإنّهم يحولون بذلك دون إحداث التغييرات الإيجابيّة.

(271)

2. المجنون: إنّ من بين وسائل الإعلام الخبيث والمغرض من قبل المخالفين للتغييرات الإيجابيّة أنّهم كانوا يرمون الأنبياءعليهم‌السلام بالجنون؛ ليردعوا الناس عن الاقتراب منهم، قال تعالى: (مَا أَنْتَ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ بِمَجْنُونٍ)[1]، وقد دافع الله عن أنبيائه، وبرّأهم من تهمة الجنون قائلًا: (وَمَا صَاحِبُكُمْ بِمَجْنُونٍ)[2]، فمن عادة المجتمع أنّهم إذا نسبوا الجنون إلى لشخص، فلن يكون كلامه مسموعًا، ولن يهتمّ المجتمع بكلامه؛ لأنّه مجنون. إنّ الأسلوب والمنهج المشترك لجميع المخالفين تكمن في نسبتهم الجنون إلى الأنبياءعليهم‌السلام وإلى خطاباتهم الإصلاحيّة، كي لا يكون لكلامهم قيمة في المجتمع.

3. الشاعر: إنّ من بين الدعايات الكاذبة والموانع الثقافيّة التي ينتهجها المخالفون عبارة عن نسبتهم قول الشعر إلى الأنبياء والمرسلين عليهم‌السلام : (وَيَقُولُونَ أَئِنَّا لَتَارِكُو آلِهَتِنَا لِشَاعِرٍ مَجْنُونٍ)[3]، (أَمْ يَقُولُونَ شَاعِرٌ نَتَرَبَّصُ بِهِ رَيْبَ الْمَنُونِ).[4]

4. الكاهن: وكانوا في بعض الموارد ينعتون الأنبياء بالكهانة؛ لينظر الناس إليهم بنظرة سلبيّة، كما ذكر القرآن ذلك في قوله تعالى: (فَذَكِّرْ فَمَا أَنْتَ بِنِعْمَتِ رَبِّكَ بِكَاهِنٍ).[5]

5. أساطير الأوّلين: وفي بعض الأحيان كان يتمّ تصنيف الدعوة والمحتوى الدينيّ للأنبياء والمرسلين عليهم‌السلام بأنّها من القصص، وأنّها من «أساطير الأولين»: (وَإِنْ يَرَوْا كُلَّ آيَةٍ لَا يُؤْمِنُوا بِهَا حَتَّى إِذَا جَاءُوكَ يُجَادِلُونَكَ يَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا إِنْ هَذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ).[6]

إنّ هذا النوع من الوقوف في وجه دعوة الأنبياءعليهم‌السلام كان يشكّل مانعًا كبيرًا أمام هداية المجتمع وازدهاره. إن غرض المخالفين من إطلاق هذا النوع من التّهم في الأصل هو محاربة الأنبياء نفسيًّا كي يرتدعوا بذلك عن مواصلة الدعوة إلى أهدافهم الإلهيّة السامية، ولا يحقّقوا الإصلاح المنشود في المجتمع.

(272)

الموانع الاجتماعيّة

إنّ الموانع الاجتماعيّة من وجهة نظر «استيفان واغو»، عبارة عن: المصالح المقرّرة، ومصالح المناصب، والطبقة الاجتماعيّة، والمقاومة الأيديولوجيّة، والتلاحم الجماعيّ، والاقتدار، والشعور بالخوف بسبب الجهل، والأشكال المختلفة لمسار العقلنة، والاعتراض الممنهج والمنظم.[1]

وأمّا من زاوية القرآن، فإنّ الموانع الاجتماعيّة هي تلك المجموعة من العوامل التي تعود بجذورها إلى المجتمع، من قبيل: مقاومة جموع الناس (المقاومة الجماهيريّة). وبطبيعة الحال فإنّ العوامل الاجتماعيّة أعمّ من العوامل الثقافيّة، وتعدّ في قبال العوامل الفرديّة، إلّا أّن العوامل الاجتماعيّة العامّة تشمل الثقافة أيضًا.

الاعتراض الجماهيريّ

يمكن اعتبار مخالفة جموع الناس لتعاليم الأنبياءعليهم‌السلام وتشريعاتهم من أهمّ الموانع الاجتماعيّة التي تحول دون تحقيق التغييرات الإيجابيّة، فلو وقف الناس بوجه التغيير، فلا يمكن لأيّ شخص أن يعمل على إيجاده. ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن الحديث في القرآن عن مخالفة بني إسرائيل، فبعد أن أغرق الله فرعون وجنوده، أعطى النبيّ موسى عليه‌السلام تعليماته الأولى لبني إسرائيل في الدخول إلى الأرض المقدّسة، وذكّرهم بعواقب وتبعات التخلّف عن هذا الأمر؛ قال تعالى: (يَا قَوْمِ ادْخُلُوا الْأَرْضَ الْمُقَدَّسَةَ الَّتِي كَتَبَ اللَّهُ لَكُمْ وَلَا تَرْتَدُّوا عَلَى أَدْبَارِكُمْ فَتَنْقَلِبُوا خَاسِرِينَ).[2]

وعلى القائد الواعي أن يُذكّر المجتمع بمنافع تأييد أو مخالفة الناس وأضرار ذلك، ويترك للمجتمع في المقابل حرّيّة الاختيار عن وعي وبصيرة. ومن هنا فقد كان يتعيّن على النبيّ موسى عليه‌السلام بوصفه قائد المجتمع أن يقوم بهذا الأمر، وهذه الآية تشهد له بحسن إدارته أيضًا. وقد تمرّدوا على أوامر النبيّ موسى عليه‌السلام وتذرّعوا بأنّ فيها قومًا جبابرة، وإنّهم مع وجود هؤلاء القوم لن يدخلوها

(273)

أبدًا: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّ فِيهَا قَوْمًا جَبَّارِينَ وَإِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا حَتَّى يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنْ يَخْرُجُوا مِنْهَا فَإِنَّا دَاخِلُونَ).[1] وعلى الرغم من وعد الله لهم بالفتح والنصر عليهم[2]، فقد أصرّوا على مخالفتهم؛ وبذلك فقد أثبتوا أنّهم لم يكونوا يثقون بكلام نبيّهم أبدًا، وفي قبال إصرار النبيّ عليهم بالدخول إلى الأرض المقدّسة: (قَالُوا يَا مُوسَى إِنَّا لَنْ نَدْخُلَهَا أَبَدًا مَا دَامُوا فِيهَا فَاذْهَبْ أَنْتَ وَرَبُّكَ فَقَاتِلَا إِنَّا هَاهُنَا قَاعِدُونَ).[3]

إنّ النصر الإلهيّ، بالإضافة إلى المعجزات المتتالية التي اجترحها النبيّ موسى عليه‌السلام ، لم تحقّق ذلك الأثر المطلوب عليهم، بل زادوا عنادًا وشقاءً أيضًا: (ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ فَهِيَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً).[4] وبفعل هذه المخالفة والتمرّد على الأوامر والتعاليم السماويّة حكم على بني إسرائيل بالتيه في الصحراء أربعين سنة، واجهوا خلالها أنواع البلايا والمحن.[5] يُفهم من هذه الآية أنّ إرادة القائد وحدها لا تكفي، بل لا بدّ من توفر الطاعة من قبل الناس أيضًا؛ كي تتوفّر الأرضيّة لتطبيق تعاليم الأنبياء على أرض الواقع.

الملأ

بالنظر إلى الآيات القرآنيّة، فقد كان «الملأ» ـ على طول تاريخ الحياة الاجتماعيّة للبشر ـ من أهمّ موانع التغيير.[6] فبالإضافة إلى مقاومتهم للتغييرات الإيجابيّة، كان هؤلاء يعملون على اختلاق التغييرات السلبيّة أيضًا. وقد أشار القرآن الكريم إلى دورهم وأدائهم في الحيلولة دون إحداث التغييرات الإيجابيّة. ما هي المفاهيم والمعاني والموارد التي يتمّ فيها استعمال مفردة «الملأ»؟ لقد ذكر علماء التفسير بعض الآراء في هذا الشأن، ومن بينها:

(274)

إنّ «الملأ»: طائفة من الناس تجتمع وتتحاور من أجل التشاور فيما بينها.[1] وقال الراغب الإصفهانيّ: «الملأ: جماعة يجتمعون على رأي، فيملأون العيون رواء ومنظرًا، والنفوس بهاءً وجلالًا»[2]، والمعنى الآخر للملأ هو أنّهم عبارة عن جماعة الأشراف والوجهاء[3]، ومحلّ رجوع الناس.[4] وقال العلّامة الطباطبائي بأنّها تعني الأشراف وكبار القوم.[5] وفي التفسير الأمثل يُطلق «الملأ» على الجماعة ذات العقيدة الواحدة، والتي يملأ العيون اجتماعها وعظمتها الظاهريّة.[6]

ويبدو أنّ هذه الكلمة لا تنطوي على معنى إيجابيّ في القرآن الكريم؛ إذ لم تطلق على جماعة الصالحين والأنبياء الربّانيين إلّا في مورد واحد فقط.[7] فقد تمّ إطلاق هذه الكلمة في القرآن في الأعم الأغلب على المنحرفين فكريًّا وسلوكيًّا، والذين كانوا يؤذون الأنبياء، ويحاربون مشاريعهم الاجتماعيّة، والذين يدعمون الاستكبار والأنظمة الاستكباريّة، ومن هذه الناحية يكون مفهومها السلبيّ أكثر من مفهومها الإيجابيّ، وتُطلق في الغالب على الجماعة ذات الأثر السلبيّ الراسخ، حيث يحملون معتقدات هدّامة ومخرّبة، ويشنّون حربًا نفسيّة واسعة، ويخطّطون ضدّ مشاريع الأنبياء التي تهدف إلى إحياء الناس وهدايتهم. ويقفون في وجه كلّ حركة إصلاحيّة يقوم بها الأنبياء والقادة الروحانيّون، ويقاومونهم بضراوة، ويشنّون عليهم حربًا ناعمة واسعة النطاق.

وقد مثّل القرآن الكريم بـ «الملأ» من قوم فرعون؛ إذ إنّهم بدلًا من الإيمان والتسليم أمام معجزات النبيّ موسى عليه‌السلام ، قد نسبوه إلى السحر: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِ فِرْعَوْنَ إِنَّ هَذَا لَسَاحِرٌ عَلِيمٌ).[8]

(275)

ومن خلال خلقهم لأجواء الرعب والترهيب، يقومون بإحداث فجوة بين الناس والنبيّ، ويتّهمون النبيّ بأمور باطلة، ومن ذلك قولهم على ما ورد في القرآن: (يُرِيدُ أَنْ يُخْرِجَكُمْ مِنْ أَرْضِكُمْ بِسِحْرِهِ).[1] وكانوا من أجل القضاء على بريق الانتصارات والنجاحات التي يحققها القادة المعنويّون والأنبياءعليهم‌السلام يلجأون إلى جميع الحيَل، وينسبون إليهم شتّى التُّهم، ويعرّفون بالمصلحين على أنّهم مفسدون ومنحرفون؛ إذ لو آمن الناس بهم فإنّ ذلك سوف يؤثّر على قدرتهم وسلطتهم على بني إسرائيل، ويفقدون بذلك ثرواتهم، ومن هنا فقد كان أوّل شيء قام به النبيّ موسى عليه‌السلام هو المواجهة الفكريّة؛ وذلك لأنّ رسالته كانت تقوم على هداية هذه الجماعة أيضًا، قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ).[2] إن هؤلاء يُعدّون من أصحاب الرأي النافذ في المجتمع، ويؤثّرون على الآخرين بكلامهم ورؤيتهم، وبالتالي فإنّه يتمّ اتخاذ قرارات محوريّة، وفي بعض الأحيان مصيرية، في ضوء آرائهم وأقوالهم: (يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَفْتُونِي).[3] وعلى هذا الأساس فإنّ الأنبياءعليهم‌السلام ـ ومن بينهم النبيّ موسى عليه‌السلام ـ كانوا مبعوثين إلى هداية هذه الجماعة (الملأ) من الناس أيضًا، قال الله تعالى: (ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِمْ مُوسَى وَهَارُونَ إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ).[4] ويمكن العثور في القرآن على الكثير من الأمثلة في هذا الشأن. والأسلوب الآخر لهذه الجماعة في مواجهة المصلحين، عبارة عن إثارة الحرب الناعمة ضدّ المخالفين لهم بشكل مباشر، وقد كان الاتهام والاحتقار والاستهزاء بالمخالفين هو الأسلوب والمنهج المشترك لهذه الجماعة طوال التاريخ. وتدير هذه الجماعة حربًا نفسيّة شاملة على مستوى المجتمع؛ ومن ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن الإشارة إلى وجود «الملأ» في عدد من الأمم السالفة. فإنّ «الملأ» من قوم نوح عليه‌السلام كانوا يتّهمونه بالكذب، ويصفون أتباعه بالأراذل والحقراء: (فَقَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ مَا نَرَاكَ إِلَّا بَشَرًا مِثْلَنَا وَمَا نَرَاكَ اتَّبَعَكَ إِلَّا الَّذِينَ هُمْ أَرَاذِلُنَا بَادِيَ الرَّأْيِ وَمَا نَرَى لَكُمْ عَلَيْنَا مِنْ فَضْلٍ

(276)

بَلْ نَظُنُّكُمْ كَاذِبِينَ)[1]، ويتّهمون من يخالفهم بالضلال[2]، ويمارسون الضغوط النفسيّة القصوى لدفع المخالفين إلى الاستسلام أيضًا.[3]

تعتبر هذه الجماعة مشاريع من يخالفها الرأي خطرًا على الأمن في المجتمع، وتدافع عن جميع أنواع المواجهة بما في ذلك المواجهة الفيزيقيّة والجسديّة. ولا تكتفي بتجاهل القيَم المعنويّة فحسب، بل وتراها مخالفة للقيَم أيضًا. إنّ هذه الجماعة تعتبر سببًا وعاملًا لإثارة الفتنة في المجتمع؛ إذ ينظرون إلى النشاط الإصلاحيّ للآخرين بوصفه فسادًا، ويعملون على تأليب مشاعر أركان السلطة ودفعها إلى مواجهتهم.[4]

وحيث إنّ هذه الجماعة تتمتّع بمنزلة اجتماعيّة مرموقة، فإنّ الناس يستمعون إلى كلامها، وكذلك كان لها تأثير على أصحاب السلطة أيضًا؛ ومن هنا يكون لها دور ملحوظ في الوقوف أمام المشاريع الحيويّة للقادة المعنويّين في المجتمع. وهذه الجماعة ـ بخلاف «المترفين» الذين يستفيدون من الثروة في ممارسة التأثير والنفوذ ـ تعمل على توظيف السلاح الفكريّ. ويمكن اعتبار هذه الجماعة من النُخُبة الأيديولوجيّة[5] التي ترقى في مستواها إلى مستوى النُخبة من أصحاب القرار والقدوة في المجتمع. ودور هذه الجماعة في مسار التغيير مؤثّر للغاية.

الموانع النفسيّة

قام بعض علماء الاجتماع بإجراء دراسة حول الموانع النفسيّة وتأثيرها على التغييرات الاجتماعيّة، وقالوا إنّها عبارة عن: العادات والدوافع النفسيّة والإدراك والعلاقات.[6] وسوف نتحدّث في هذا الفصل حول الموانع الروحيّة والنفسيّة المؤثّرة على التغييرات من زاوية القرآن الكريم، حيث تحول دون

(277)

التغييرات الإيجابيّة في المجتمع وتمنع من تحقيق التكامل الاجتماعيّ، وتدفع بالمجتمع نحو الانحطاط. وتُعدّ هذه الأسباب من أكبر الموانع في وجه مشاريع الأنبياء والمصلحين في المجتمع، ويمكن الإشارة من بين هذه الموانع إلى الاستكبار، وهوى النفس، والشعور بالغنى، وانعدام الأمل، والخوف.

التكبّر

إنّ العنصر الروحيّ والنفسيّ للتكبّر والاستكبار يعدّ من وجهة نظر القرآن الكريم واحدًا من موانع التغيير. وقد قال الراغب الإصفهانيّ إنّ الاستكبار هو الشعور الكاذب لدى الإنسان عند تعظيمه لنفسه[1]، وقال الطريحيّ إنّ المستكبر هو الذي يطلب الرفعة لنفسه ويترك الإقرار بالحقّ.[2] وثمّة من قال إنّ الاستكبار عبارة عن التكبّر وإظهار العظمة دون استحقاق وجدارة.[3] ونرى هذا المعنى في تفسير أحسن الحديث أيضًا.[4] وثمّة من قال إنّ الاستكبار يعني عدم التسليم أمام الحقّ.[5]

قال الأستاذ جوادي الآملي: «إنّ معنى الاستكبار هو أن يرى الشخص نفسه فوق الحقّ بعد انكشافه له».[6] ولم يتعرّض أغلب علماء اللغة لبيان معنى كلمة الاستكبار. وبطبيعة الحال يمكن ـ في ضوء القرآن الكريم ـ بيان معنى آخر مع فارق بسيط عن المعاني الآنفة. فبالنظر إلى الآية السابعة والثمانين من سورة البقرة، يتّضح أنّ «الاستكبار» يُطلق على سلوك أولئك الذين يعانون من سطوة الأهواء النفسيّة، وينكرون أو يتجاهلون كلّ ما يخالف أهواءهم. وإن التكبّر والاستكبار جميعه يتمخّض من صلب هذه الأهواء النفسيّة، فقد ظهر المستكبرون في مقام عبادة النفس والتمرّد، واستجابوا لأهوائهم النفسيّة فطغوا وخرجوا بذلك عن حدود العبادة والطاعة. ويشير القرآن

(278)

الكريم إلى أنّ اليهود يمثّلون المصداق البارز للمستكبرين الذين كانوا يسعون على الدوام من أجل الحيلولة دون تحقّق التغييرات الإيجابيّة والإصلاح في المجتمع. كما يشير القرآن الكريم إلى أنّ المنهج والأسلوب الدائم لهذه الجماعة على نوعين، النوع الأوّل: المواجهة الفكريّة من خلال تكذيب الأنبياء والنُخب الدينيّة، والنوع الثاني: قتل الأنبياءعليهم‌السلام وتصفيتهم جسديًّا، قال الله سبحانه وتعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ).[1] وإنّ جملة «جاءكم» في هذه الآية جملة شرطيّة، ولكمة «استكبرتم» جوابها. كما أنّ إنكار وإهانة القيَم المعنوية والاعتقاديّة لدى الناس تمثّل منهجًا آخر من المناهج والأساليب الثابتة والدائمة لجميع المستكبرين طوال التاريخ. وكانوا بذلك يعملون على إضعاف روحية القادة والمؤمنين، قال تعالى: (قَالَ الَّذِينَ اسْتَكْبَرُوا إِنَّا بِالَّذِي آمَنْتُمْ بِهِ كَافِرُونَ).[2] والطغيان بدوره هو أسلوب آخر من أساليبهم في المجتمع.[3]

إنّ هؤلاء ينتهكون جميع القيَم الروحيّة والمعنويّة، ويبلغ بهم الإفراط في ذلك حدًّا بحيث يعتبرون لأنفسهم الألوهيّة في قبال الله سبحانه وتعالى، ومن ذلك ما حكاه القرآن الكريم عن فرعون، إذ قال: (أَنَا رَبُّكُمُ الْأَعْلَى).[4] وتصل بهم صفة الاستكبار حدًّا يضعون أنفسهم في مقام المعبود ولا يتحمّلون وجود إله ومعبود آخر سواهم: (قَالَ لَئِنِ اتَّخَذْتَ إِلَهًا غَيْرِي لَأَجْعَلَنَّكَ مِنَ الْمَسْجُونِينَ)[5]؛ ولتحقيق هذه الغاية يعملون على بثّ الفرقة بين الناس[6]، فلو اتّحد الناس وتلاحموا فيما بينهم، فلن يتمكّن المستكبرون من القيام بأيّ شيء. وإنّهم بعد التمكن من تفريق الناس، يقومون باستضعافهم.

إنّ القاتل الأصليّ في القرآن الكريم هو الآمر بالقتل، ومن هنا نجد الضمائر في «يَستضعف»، و«يُذبّح»، و«يستحيي» تعود بأجمعها إلى فرعون، في حين أنّه لم يُباشر القتل بنفسه، وإنّما الذي قام بالقتل هم الآخرون من أتباعه، ولكن حيث كان هو الآمر بالقتل، فقد ورد التعريف به

(279)

بوصفه هو القاتل الأصليّ، كما لو أنّ شخصًا رضي بفعل شخص كان شريكًا له في الثواب والعقاب.[1] والأسلوب الآخر الذي ينتهجه المستكبرون للحيلولة دون التغييرات المطلوبة للقادة الروحانيّين في المجتمع، عبارة عن: التهديد والإذلال والامتهان، والاستضعاف، الذي يصل إلى حدود القتل واستعباد الرجال واسترقاق النساء.[2] إنّ المواجهة بين المستضعفين والمستكبرين قائمة ومتواصلة باستمرار، بيد أنّ العاقبة سوف تكون للمستضعفين، حيث سيكون الانتصار حليفهم في نهاية المطاف. قال الإمام الخمينيّ رحمه‌الله في هذا الشأن:

«لقد ثار المستضعفون في وجه المستكبرين، وإنّ اليقظة تمثّل الخطوة الأولى في هذا الشأن، وإنّ البلدان الإسلاميّة والشعوب المسلمة والمستضعفة في جميع أنحاء العالم قد بدأت بالاستيقاظ».[3]

هناك يقظة بين الشعوب في جميع العالم، لا سيّما بفعل الصحوة الإسلاميّة في بلدان إسلاميّة، مثل: تونس ومصر وليبيا واليمن؛ إذ تمّ إسقاط عملاء الاستكبار والمستبدّين في تلك البلدان، ولا يزال الحراك في بعض البلدان ـ مثل البحرين ـ قائمًا على أشدّه. إنّ المستكبرين في العالم يمارسون أبشع أنواع الظلم بحقّ الشعوب في هذه البلدان، ولا ينجو من هذا الظلم حتّى النساء والأطفال؛ حيث يقوم هؤلاء الطغاة في هذه البلدان بالسير على ذات النهج الفرعونيّ.

ففي النظام الفرعونيّ كان يتمّ التعامل مع أكثر الناس معاملة العبيد. ونحن حتّى في عصر الحرّيّة لا زلنا نشاهد ذات هذا السلوك الذي كان سائدًا في النظام الفرعونيّ، فالناس في بلد مثل البحرين لا يحقّ لهم التصويت؛ إذ ليست هناك انتخابات أصلًا، وهم يرزحون مثل بني إسرائيل تحت جور النظام الطاغوتيّ الذي يتعامل معهم كما يتمّ التعامل مع العبيد. وفي الحقيقة فإنّ ذات النظام الفرعونيّ هو الذي يحكم في هذه البلدان ولكن على نحو أكثر تعقيدًا. إنّ قائد الثورة المعظّم في خطبة له في صلاة الجمعة في طهران أشار إلى الصحوة الإسلاميّة في بلدان العالم والدور الهدّام والمخادع للاستعمار فيها، قائلًا:

(280)

«قد تشكّل اليوم قطبان متقابلان، وهما قطب المستضعفين في العالم بقيادة نهضة المسلمين، وقطب المستكبرين بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة وحلف الناتو والصهيونيّة، وليس هناك من معسكر ثالث في البين».[1]

وبالنظر إلى كلمات سماحة قائد الثورة المعظّم، هناك اليوم على مستوى العالم جبهتان في مواجهة بعضهما، وهما: أتباع الباطل بقيادة الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وجبهة الحقّ والمستضعفين في العالم بقيادة إيران.

يُعبّر القرآن عن الاستكبار العالميّ مستخدمًا مصطلح «المفسدين».[2] لقد كان الفساد باسم الإصلاح والإرهاب باسم الأمن هو الأسلوب المتّبع من قبل المستكبرين على طول التاريخ بشكل دائم، فهم سبب التغيير السلبيّ في المجتمع، ويحولون دون قيام قادة الفكر والدين بالإصلاح الحقيقيّ.

الشعور بعدم الحاجة

إنّ الشعور بالغنى وعدم الحاجة إلى الآخرين والرجوع إلى «الله» يُعد من أكبر الفضائل التي يمكن للإنسان أن يتحلّى بها، بيد أنّ هذا الشعور ذاته إذا أدّى إلى الطغيان، فسوف يكون من أكبر الموانع دون تكامله وازدهاره. فهناك من الناس من تغريه الثروة والسلطة، فيرى نفسه في غنى عن الله ويطغى عليه. ويرى القرآن الكريم أن صفة الشعور بالاستغناء المقرون بالطغيان تشكّل عقبة تحول دون إحداث التغييرات الإيجابيّة على صعيد الفكر والعمل، قال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).[3] كما أن الله سبحانه وتعالى في سورة الفجر بعد ذكر العديد من الأقسام، ذكّر الناس بطغيان الأمم السابقة والمقتدرة وذات التاريخ العريق، مثل: قوم عاد وثمود وفرعون، ويتحدّث عن مصائرهم، وإنّهم قد سلكوا طريق الطغيان ووقفوا سدًّا أمام إصلاحات الأنبياءعليهم‌السلام وهلكوا.[4]

(281)
هوى النفس

يعتبر هوى النفس من أكبر الموانع التي تقوم أمام المشاريع الثوريّة للأنبياء المصلحين. قال الراغب الإصفهانيّ في مفرداته: «الهوى: ميل النفس إلى الشهوة. ويقال ذلك للنفس المائلة إلى الشهوة، وقيل سمّي بذلك لأنّه يهوي بصاحبه في الدنيا إلى كلّ داهية، وفي الآخرة إلى الهاوية».[1] وقال بعضهم إنّ الرغبات النفسيّة إنّما سُمّيت بـ «الهوى» لأنّها تسقط الإنسان في مهالك الدنيا وعذاب الآخرة.[2] وقد وضع الله سبحانه وتعالى قانونًا كلّيًّا بشأن المجتمع، وهو أنّ الذين يعبدون الشهوات ـ في كلّ زمان ومكان سواء في الأمم السابقة أو الراهنة أو تلك التي تأتي في المستقبل ـ ويسيرون خلف الأهواء، لن يؤمنوا أبدًا، بل وسيقفون في وجه المصلحين ومشاريعهم البنّاءة والتي تحرّر النفوس والأرواح بشتّى الأساليب والطرق. وإنّهم يستفيدون من أسلوبين لمواجهة المصلحين، وهما أوّلًا: الحرب الناعمة، من قبيل التكذيب، وثانيًا: العنف الذي قد يصل إلى حدّ القتل والاغتيال أحيانًا؛ قال تعالى: (أَفَكُلَّمَا جَاءَكُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُكُمُ اسْتَكْبَرْتُمْ فَفَرِيقًا كَذَّبْتُمْ وَفَرِيقًا تَقْتُلُونَ).[3] واليوم نجد أنّ أكبر أدوات أصحاب الشهوات في مواجهة المصلحين والمتديّنين تتمثّل في هذين الأسلوبين، ونعني بهما: الإعلام السلبيّ، والإرهاب. وإن كان عباد الله لا يتّبعونهم في سبلهم المنحرفة.

وقد ورد في الكثير من آيات القرآن الكريم، تحذير الله سبحانه وتعالى للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم من اتباع أهواء الآخرين[4]؛ لأنّهم قد أصبحوا مطيعين لأهوائهم النفسيّة، قال الله تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ وَخَتَمَ عَلَى سَمْعِهِ وَقَلْبِهِ وَجَعَلَ عَلَى بَصَرِهِ غِشَاوَةً فَمَنْ يَهْدِيهِ مِنْ بَعْدِ اللَّهِ أَفَلَا تَذَكَّرُونَ).[5] إنّ الإله هو الذي يخضع الإنسان أمامه ويعمل بكلّ ما تقوله له النفس.

(282)

وهذه الطائفة قد جعلت من هواها إلهًا في قبال الله، و«هوى النفس» يعني اتّباع أضداد القيَم؛ قال تعالى: (وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ).[1] وفيما لو اتّبع الحقّ هوى نفس الآخرين، فإنّ النظام الكونيّ سوف يختلّ، قال الله سبحانه وتعالى: (وَلَوِ اتَّبَعَ الْحَقُّ أَهْوَاءَهُمْ لَفَسَدَتِ السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ وَمَنْ فِيهِنَّ).[2] إنّ هوى النفس لا يقضي على الفرد فحسب، وإنّما يقضي على جميع المجتمع أيضًا، ويؤدّي إلى تغيير المعتقدات والتوجّهات والقيَم والدوافع والإرادات، ويؤدّي في نهاية المطاف إلى تغيير الأفعال والممارسات أيضًا.

الحسد

يُعدّ الحسد واحدًا من موانع التغيير، وقد ورد تعريف الحسد بأنّه تمنّي زوال النعمة عن صاحبها الذي يستحقّها.[3] وللحسد الكثير من الآثار الواسعة والقاتلة، ومن هنا فقد ورد الأمر للنبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في الآية الأخيرة من سورة الفلق بالاستعاذة من شرور الحاسدين. والحسد صفة قبيحة وتقع مقابل الأخلاق الاجتماعيّة، وغالبًا ما يتمّ تناوله في الأبحاث الأخلاقيّة، ولكن يبدو ـ بالنظر إلى دوره وتأثيره الواسع في المجتمع ـ أنه لا ينبغي أن نغفل عن بُعده الاجتماعيّ. إنّ للحسد في بعض الأحيان بُعدًا فرديًّا، ويُعدّ في بعض الأحيان الأخرى سلوكًا اجتماعيًا، وعندها سوف تترتّب عليه آثار وتداعيات اجتماعيّة أيضًا، قال تعالى:(وَدَّ كَثِيرٌ مِنْ أَهْلِ الْكِتَابِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدِ إِيمَانِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًا مِنْ عِنْدِ أَنْفُسِهِمْ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُمُ الْحَقُّ).[4]

إنّ هذه الآية نزلت في جماعة من اليهود بعد معركة أحد؛ حيث سعوا إلى حرف المسلمين عن الإسلام.[5] والمراد من الحسد في هذه الآية هو الحسد الجماعيّ فيما يتعلّق بالأمور المعنوّية والروحيّة، فإنّ أهل الكتاب لم يتحمّلوا رؤية الشوكة والعظمة المتزايدة للإسلام والمسلمين،

(283)

ومن هنا فقد سعوا ـ بسبب حسدهم ـ إلى الإخلال في أمور المسلمين وحرفهم عن الإسلام.

وقد أخبرنا القرآن الكريم عن الحسد الاجتماعيّ للناس فيما يتعلّق بأفضليّة آل إبراهيم على طول الزمان، كما في قوله تعالى: (أَمْ يَحْسُدُونَ النَّاسَ عَلَى مَا آتَاهُمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ فَقَدْ آتَيْنَا آلَ إِبْرَاهِيمَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَآتَيْنَاهُمْ مُلْكًا عَظِيمًا).[1]

وقد كان حسد الناس لآل إبراهيم يعود إلى حيازتهم للكتاب والحكمة والسلطان العظيم. وإنّ المراد من المُلك العظيم ـ على ما جاء في الروايات ـ هو «الإمامة».[2]

هناك من سيقف على الدوام في وجه القيادة ونظام الإمامة. والفعل المضارع «يحسدون» الوارد في هذه الآية يدل على استمراريّة الحسد والمشروع الهدّام للأعداء في مواجهة آل إبراهيم. والمراد من آل إبراهيم في هذه الآية ـ على ما ورد في بعض الروايات ـ هم آل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .[3] إنّ أصحاب النوايا السيّئة والحاسدين لم يسمحوا لآل محمّدصلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بأداء دورهم الربّانيّ في المجتمع، وأن يعملوا على تطوير الأفكار والرؤى في المجتمع البشريّ، ووضع الأمور في طريق المسير إلى الله سبحانه وتعالى؛ ونتيجة لذلك فقد استولى الجاهلون على مقاليد الأمور، وأصبحوا المالكين لجميع الثروات المادّيّة والمعنويّة في المجتمع.[4] يذهب الأستاذ مصباح اليزدي إلى الاعتقاد بأنّ السبب الأكبر في استشهاد أهل البيت عليهم‌السلام يعود إلى آفة الحسد، وتعتبر هذه الآفة من أخطر عناصر الفساد في تاريخ البشريّة.

إنّ ظاهرة «الحسد» تقضي على القيَم المعنويّة[5]، وتعمل على إضعاف المجتمع من الداخل، وتحول دون تحقق التغيير الإيجابيّ في المجتمع، فالشخص الحسود أو الجماعة الحاسدة لا تتحمّل رؤية نجاح الآخرين وتعمل كلّ ما بوسعها من أجل الإضرار بهم والقضاء على منجزاتهم. إنّ النموذج المذكور في القرآن للاعتبار يتمثّل في حسد قابيل لهابيل الذي أدّى إلى قتل الشقيق على

(284)

يد شقيقه.[1] كما أنّ إخوة يوسف عليه‌السلام يمثّلون بدورهم نموذجًا آخر لظاهرة الحسد؛ حيث اجتمع إخوته الأحد عشر على قتله والتخلّص منه بسبب حبّ أبيهم لأخيهم الصغير.[2]

مع تفشّي ظاهرة الحسد تظهر أنواع النزاعات والخلافات الواسعة والصراعات المتنوّعة في المجتمع؛ ففي ظلّ هذه البيئة تجد أنّ أفراد المجتمع يتكالبون من أجل مفاقمة المشاكل ويقفون حجر عثرة أمام التقدّم الذي يحققه بعضهم بدلًا من العمل على رفع نقاط ضعف المجتمع ونواقصه،. إنّ الأمراض النفسيّة والعراقيل التي يضعها المسيؤون تحول دون القيام بأيّ عمل يهدف إلى الإصلاح. وعاقبة الحسد ونتيجته لن تكون غير القضاء على القيَم وسقوط المجتمع؛ إذ إنّ نظم المجتمع سوف يخرج من أيدي المصلحين ويقع في يد المفسدين.

إنّ الحسد مرض معدٍ قد ينتقل إلى الآخرين أيضًا. ومن هنا فقد قال النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لأصحابه: «ألا إنه قد دبّ إليكم داء الأمم من قبلكم، وهو الحسد».[3] وعليه يجب مواجهة هذا الداء الوبيل بسلاح الإيمان والتقوى من أجل التغلّب على الأهواء العمياء. إنّ أشياع قابيل في المجتمع لن يكفّوا عن جرائمهم ما لم يسفكوا دماء أشياع هابيل[4]، فإذا لم نعمل على محاربة هذا النموذج من الشقاء، فإنّه سيقضي على كلّ شيء في المجتمع.

اليأس وانعدام الأمل

لقد ذكر القرآن الكريم «اليأس» من المستقبل بوصفه من الموانع النفسيّة الأخرى، فالكثير من مشاكل المجتمع تنشأ من صفة اليأس والقنوط. ومن هنا يجب على المجتمع أن يعيش على الدوام حالة التفاؤل وعدم فقدان الأمل، قال الله تعالى: (وَلَا تَيْأَسُوا مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِنَّهُ لَا يَيْأَسُ مِنْ رَوْحِ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْكَافِرُونَ).[5]

فلو اتّصف مجتمع ما بمثل هذه الصفة، فإنّه سوف يشهد التغييرات الإيجابيّة في واقعه،

(285)

فكما أنّ النبيّ يعقوب عليه‌السلام لم ييأس وعثر على من فقده، يمكن لنا ـ من خلال إيجاد روح الأمل في أنفسنا ـ تحقيق الكثير من النجاحات، واجتياز السدود والموانع التي تقف في طريقنا. لقد ذكّر الله المجتمع الظالم لنفسه بعدم اليأس، وأنّه لا ينبغي أن يفقد الأمل بالعناية الإلهيّة مهما كانت الظروف، قال تعالى: (قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ).[1] إن للإسرف مفهوم واسع في القرآن الكريم؛ فهو بالإضافة إلى الإسراف في المال، يُطلق كذلك على الإسراف في النفس والروح أيضًا. إنّ خطاب الآية هو أنّ على المجتمع أن لا يقصّر في الارتباط مع الله، وأن لا ييأس من رحمة الله وغفرانه أبدًا، فعدم اليأس يعزّز روح الاستقامة في المجتمع، وكلّما كانت هذه الروح أكثر مقاومة، فإنّ الأمل بالحياة سوف يكون أفضل وأكثر، وهذا المجتمع سوف يكون في مأمن من خطر السقوط.

الخوف

الخوف عنصر وعامل نفسيّ بالغ الخطورة؛ حيث يُعدّ مانعًا كبيرًا أمام القيام بالتغييرات الإيجابيّة في المجتمع، ويترك تأثيرات وتداعيات خطيرة على المجتمع، وقد رأى القرآن الكريم أنّ بعض التغييرات السلبيّة في عصر النزول تعود إلى هذه المسألة؛ حيث إنّ بعض الأشخاص كانوا يبدون ردّة فعل تجاه الجهاد، في حين أنّهم قبل نزول حكم الجهاد كانوا يتظاهرون بأنّهم أبطال الهيجاء ورجال الوغى، ولكن ما أنزل الأمر لهم بالقتال حتّى فقدوا ما كانوا يتظاهرون به من الشجاعة والبسالة، قال تعالى: (...فَإِذَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ مُحْكَمَةٌ وَذُكِرَ فِيهَا الْقِتَالُ رَأَيْتَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ يَنْظُرُونَ إِلَيْكَ نَظَرَ الْمَغْشِيِّ عَلَيْهِ مِنَ الْمَوْتِ فَأَوْلَى لَهُمْ).[2]

إنّ المجتمع الخائف يمدّ على الدوام يد الحاجة إلى المجتمعات الأخرى؛ لأنّه يعيش على الدوام في حالة من الخوف والرعب، وبذلك يفقد روح الثقة بنفسه، وتضعف إرادته، وسوف يتقبّل التأثيرات السلبيّة لا محالة.

إنّ الخوف يكسر المجتمع من الداخل، ومثل هذا المجتمع يتقبّل الانهيار بسرعة وسهولة، ويمتثل لأوامر الآخرين وتحقيق رغباتهم بأثمان بخسة جدًّا.

(286)

النتائج والخلاصات

لقد تحدّثنا في هذه المقالة عن السؤال الأصليّ لهذه الدراسة، وهو: «التغييرات الاجتماعيّة من زاوية القرآن الكريم»، وتمّ تقسيم ذات هذا السؤال الأصليّ إلى مجموعة من الأسئلة الفرعيّة الأخرى، من قبيل: الموضوع، والأنواع، والمراحل، والجهة، والسرعة، والعوامل، والشرائط، والعاملين، والموانع الماثلة أمام التغييرات الاجتماعيّة أيضًا.

وبالنظر إلى السؤال الأصليّ يجب القول إنّ القرآن الكريم يتكلّم مع الأجيال القادمة على أساس المتغيّرات الاجتماعيّة الإيجابيّة والسلبيّة. إنّ غرض القرآن الكريم من بيان المتغيّرات السلبيّة هو الاعتبار بها والحيلولة دون الوقوع في الأخطاء التي وقعت فيها الأجيال السابقة؛ كما أنّ بيان المتغيّرات الإيجابيّة للأمم السابقة يمثّل سراج هداية أمام الأجيال القادمة، كي يعملوا على إيجاد التغييرات الإيجابيّة من خلال توظيف النقاط الإيجابيّة في المجتمع.

هذه المقالة تتعلق بالإجابة عن السؤال حول شرائط التغيير الاجتماعيّ من زاوية القرآن الكريم، فالقرآن الكريم يُشير إلى بعض الشرائط المهمّة في التغييرات الاجتماعيّة، حيث تلعب في الغالب دور الإعداد لإيجاد المتغيّرات الاجتماعيّة الإيجابية في المجتمع. إنّ التعريف بهذه الشرائط والعمل بها وتوظيفها يبدو ضروريًّا من أجل إيجادها في كلّ مكان وزمان. فمن دون تحقق هذه الشرائط، لن يكون تحقيق التغيير الاجتماعيّ الإيجابيّ أمرًا ممكنًا.

بالنظر إلى هذه الأسئلة الأصليّة والفرعية المطروحة أعلاه، ندرك أنّ القرآن الكريم قد بيّن التغييرات الاجتماعيّة من زاويتين، وهما: الزاوية الإيجابيّة، والزاوية السلبيّة. والقرآن الكريم إنّما يذكر التغييرات الإيجابيّة من أجل تكامل المجتمع، كما يذكر المتغيّرات السلبيّة من أجل الحيلولة دون انحطاطه، كما قدّم بعض الحلول والسُبُل من أجل إيجاد التغييرات الاجتماعيّة الإيجابيّة والحيلولة دون حدوث التغييرات السلبيّة، وتحدّث عن أهداف ذلك أيضًا.

ويمكن الاطلاع على النتائج والآثار الإيجابيّة والسلبيّة للتغييرات الاجتماعيّة من خلال التدبّر في آيات القرآن الكريم. والقرآن الكريم يرى أنّ الغاية الأهمّ من نزوله التدريجّي هي العمل على إيجاد التغييرات الاجتماعيّة الإيجابيّة والحيلولة دون حدوث التغييرات السلبيّة في المجتمع.

(287)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- نهج البلاغة.

- ابن أبي الحديد المعتزلي، عزالدين أبوحامد، شرح نهج البلاغة، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفيّ، 1381 ه‍ ش.

- ابن الجوزي، عبد الرحمن بن علي بن محمد، زاد المسير في علم التفسير، بيروت، دار الكتاب العربيّ، 1422 ه‍.

- ابن عاشور، محمد بن طاهر، التحرير والتنوير، بيروت، مؤسّسة التاريخ العربيّ.

- ابن عربي، أبو عبد الله محيي الدين محمد، تفسير ابن عربي، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، 1422 ه‍.

- ابن منظور، محمد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار صادر، 1414 ه‍.

- ابن ميثم البحراني، ميثم بن علي بن ميثم، شرح نهج البلاغة، دفتر نشر الكتاب، 1404 ه‍.

- الأبياري، إبراهيم، الموسوعة القرآنيّة، القاهرة، مؤسّسة سجلّ العرب، 1405 ه‍.

- أيس. إيم. شاهد، اسلام آور جديد سياسي و عمراني افكار، لاهور، ايورنيوبك بيلس.

- البغدادي، علاء الدين علي بن محمد، لباب التأويل في معاني التنزيل، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1415 ه‍.

- البغوي، حسين بن مسعود، معالم التنزيل في تفسير القرآن، تحقيق: عبد الرزاق المهدي، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، 1420 ه‍.

- البلخيّ، مقاتل بن سليمان، تفسير مقاتل بن سليمان، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، 1423 ه‍.

- البيضاوي، عبدالله بن عمر، أنوار التنزيل وأسرار التأويل، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، 1408 ه‍.

- التستريّ، سهل بن عبدالله أبومحمد، تفسير التستري، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1423 ه‍.

(288)

- جعفري، يعقوب، كوثر، قم، انتشارات هجرت.

- الحاكم الحسكاني، عبيدالله بن أحمد، شواهد التنزيل لقواعد التفضيل، طهران، سازمان چاپ و انتشارات وزارت ارشاد اسلامي، 1411 ه‍.

- الحسينيّ الشيرازيّ، محمّد، تبيين القرآن، بيروت، دارالعلوم، 1423 ه‍.

- ــــــــــــــ، تقريب القرآن إلى الأذهان، بيروت، دارالعلوم، 1424 ه‍.

- الحويزي العروسيّ، عبد علي بن جمعة، تفسير نور الثقلين، قم، انتشارات اسماعيليان، 1415 ه‍.

- الرازي، فخرالدين محمدبن عمر، مفاتيح الغيب، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، 1420 ه‍.

- الراغب الإصفهانيّ، حسين بن محمّد، المفردات في غريب القرآن، بيروت، دارالعلم / الدار الشاميّة، 1412 ه‍.

- روشيه، غي، تغييرات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منصور وثوقي، طهران، نشر ني، 1387 ه‍ ش.

- الزحيلي، وهبة بن مصطفى، التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج، دمشق، دار الفكر، 1418 ه‍.

- الزمخشري، محمود، الكشاف عن حقائق غوامض التنزيل، بيروت، دارالكتاب العربيّ، 1407 ه‍.

- السمرقندي، نصر بن محمد، بحر العلوم، بيروت، دارالفكر، 1416 ه‍.

- السيوطي، جلال الدين، الدرالمنثور في التفسير بالمأثور، قم، متبة آية الله المرعشي النجفيّ، 1404 ه‍.

- الشريف اللاهيجي، محمّدبن علي، تفسير الشريف اللاهيجي، طهران، دفتر نشر داد، 1373 ه‍ ش.

- الشوكاني، محمّد بن علي، فتح القدير، دمشق، دار ابن كثير، 1414 ه‍.

- الطباطبائي، السيّدمحمدحسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعه مدرسين حوزه علمية، 1417 ه‍.

- الطبرسي، الفضل بن الحسن، مجمع البيان في تفسير القرآن، طهران، ناصر خسرو، 1372 ه‍ ش.

- الطبري، محمدبن جرير، جامع البيان في تفسير القرآن، بيروت، دار المعرفة، 1412 ه‍.

- الطريحيّ، فخرالدين، مجمع البحرين، طهران، كتاب فروشي مرتضوي، 1375 ه‍ ش.

- الطنطاويّ، محمّد، التفسير الوسيط للقرآن الكريم، القاهرة، نهضة مصر، 1997م.

(289)

- الطوسيّ، محمّد بن الحسن (الشيخ الطوسي)، الأمالي، قم، دار الثقافة، 1414 ه‍.

- الطوسيّ، محمّدبن الحسن، التبيان في تفسير القرآن، بيروت، دار إحياء التراث العربي.

- ــــــــــــــ، مصباح المتهجّد، بيروت، مؤسّسة فقه الشيعة، 1411 ه‍.

- الفراهيدي، الخليل بن أحمد، كتاب العين، قم، انتشارات هجرت، 1410 ه‍.

- القاسميّ، محمّد جمال الدين، محاسن التأويل، بيروت، دار الكتب العلميّة، 1418 ه‍.

- القراءتي، محسن، تفسير نور، طهران، مركز فرهنگي درس هائي از قرآن، 1383 ه‍ ش.

- القرشي، علي أكبر، تفسير أحسن الحديث، طهران، بنياد بعثت، 1377 ه‍ ش.

- ــــــــــــــ، قاموس القرآن، طهران، دارالكتب الإسلاميّة، 1371 ه‍ ش.

- القرطبيّ، محمّد بن أحمد، الجامع لأحكام القرآن، طهران، ناصر خسرو، 1364 ه‍ ش.

- قطب، سيّد، في ظلال القرآن، دار الشروق، 1412 ه‍.

- القمّيّ، عليّ بن إبراهيم، تفسير القمّي، قم، دار الكتاب، 1367 ه‍ ش.

- الكاشاني، الملافتح الله، تفسير منهج الصادقين في إلزام المخالفين، طهران، كتاب فروشي محمدحسن علمي، 1336 ه‍ ش.

- الكاشاني، محمّد بن مرتضى، التفسير المعين، قم، مكتبة آية الله المرعشي النجفيّ، 1410 ه‍.

- الكرمي الحويزي، محمّد، التفسير لكتاب الله المنير، قم، انتشارات چاپ خانه علميه، 1402 ه‍.

- الكفعميّ العامليّ، إبراهيم بن عليّ، البلد الأمين والدرع الحصين، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ، 1403 ه‍.

- الكلينيّ الرازيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار نشر إسلاميّة، 1362 ه‍ ش.

- گنابادي، سلطان محمد، تفسير بيان السعادة في مقامات العبادة، بيروت، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1408 ه‍.

- المجلسيّ، محمّدباقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء.

- ــــــــــــــ، مرآة العقول، دار الكتب الإسلاميّة، طهران، 1356 ه‍ ش.

- المحلّي، جلال الدين، والسيوطي، جلال الدين، تفسير الجلالين، بيروت، مؤسّسة النور للمطبوعات، 1416 ه‍.

(290)

- المدرّسيّ، محمّدتقي، تفسير من هدي القرآن، طهران، دار محبي الحسين، 1419 ه‍.

- ــــــــــــــ، تفسير هدايت (من هدى القرآن)، طهران، دار محبّي الحسين، 1419 ه‍.

- المراغي، أحمد بن مصطفى، تفسير المراغي، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ.

- المصباح يزدي، محمدتقي، تهاجم فرهنگي، قم، مؤسّسه آموزشي و پژوهشي امام خميني رحمه‌الله ، 1389 ه‍ ش.

- ــــــــــــــ، طوفان فتنه و كشتي بصيرت، قم، مؤسّسه آموزشي و پژوهشي امام خميني رحمه‌الله ، 1390 ه‍ ش.

- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، بنگاه ترجمه و نشر كتاب، 1360 ه‍ ش.

- ــــــــــــــ، تفسير روشن، طهران، مركز نشر كتاب، 1380 ه‍ ش.

- المظهري، محمد ثناء الله، التفسير المظهري، باكستان، مكتبة رشدية، 1412 ه‍.

- مغنيّة، محمد جواد، تفسير الكاشف، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1424 ه‍.

- مكارم الشيرازيّ، ناصر ومساعدوه، تفسير نمونه (التفسير الأمثل)، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1374 ه‍ ش.

- واغو، استيفان، درآمدي بر تئوري‌ها و مدل‌هاي تغييرات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غروي زاده، طهران، مؤسّسه جهاد دانشگاهي (ماجد)، 1373 ه‍ ش.

 

 

 

 

 

 

 

 

(291)
(292)

 

 

العلاقة بين مستوى الحياة والانحرافات الاجتماعيّة في الآيات والروايات الإسلاميّة[1]

السيد حسين فخر زارع[2]

الخلاصة

إنّ من بين المسائل المهمّة في المجتمع البشريّ، والتي تضع المجتمع من تلقائه ـ عن علم أو من دون علم ـ أمام إمكانيّة التمايز وإيجاد الطبقيّة الاجتماعيّة، هي مسألة مستوى المعيشة والحياة وحجم الاستفادة من المصادر وتلبية الاحتياجات الأوّليّة في الحياة. إنّ صلة هذه المسألة بظهور الانحرافات في المجتمع تُعدّ واحدة من الأبحاث التي شغلت حيّزًا كبيرًا من أذهان المفكرين، ويعتبِر كثيرون أنّ الانحرافات الاجتماعيّة ناجمة ـ في الحد الأدنى ـ من انتشار ظاهرة الفقر في المجتمع. وعلى الرغم من عدم استبعاد الفهم بشأن ظاهر الفقر المشؤومة وارتباطها بظهور الانحرافات الاجتماعيّة وانتشارها، إلّا أّن الكثير من الانحرافات إنّما تنبثق عن ظهور العلاقات غير المتكافئة، وكذلك هي ناتجة عن سلوك أصحاب الثروة والسلطة الذين يمتلكون القدرة ـ بسبب امتلاكهم لأدوات النفوذ ـ على إخفاء انحرافاتهم. وفي هذه المقالة بعد البحث

(293)

والتقيب في المفاهيم الأساسية، تمّ النظر في الروايات المرتبطة بظاهرة الفقر والغنى من خلال توظيف مختلف النظريّات في حقل الانحرافات الاجتماعيّة، وخلفيّات الانحرافات في المجتمع وأرضيّاتها وعلل ظهورها، وفي الختام تمّ العمل على تقديم نتيجة منطقيّة فيما يتعلّق بحجم الانحرافات ومستوى الاستفادة من المصادر في هذا الشأن. إنّ مسألة الفقر وعدم المساواة وارتباطها بظاهرة الانحرافات الاجتماعيّة، وإن تمّ العمل على بحثها وتحليلها في مختلف النظريّات، من قبيل: الآراء الفردانيّة أو البنيويّة، ولكن تمّ السعي في هذه المقالة إلى تناول هذه المسألة من زاوية الآيات والروايات بغضّ النظر عن الآراء الثنويّة.[1]

المقدّمة

إن من بين الهواجس الأساسيّة التي شغلت ـ على نحو الخصوص ـ أذهان المفكّرين في الحقل الاجتماعيّ، البحث عن أسباب وعلل ظهور أنواع الانحرافات الاجتماعيّة، والعمل على إيجاد سُبُل الوقاية منها وعلاجها. إنّ مفردة الانحرافات وإن لم ترد في متن الروايات، ولكن تمّ بيان هذا المفهوم والمعنى العامّ في مختلف العبارات الواردة فيها، ومن ذلك ما ورد ضمن ألفاظ من قبيل: الطغيان، والجور، والظلم، وكل ما يُرادف الإخلال في الاعتدال الاجتماعيّ، ويعمل في بعض صوَره ـ في الحدّ الأدنى ـ على بيان معنى ومفهوم الانحراف الاجتماعيّ. إنّ هذا المفهوم في مباحث الآفات الاجتماعيّة بالنسبة إلى معرفة الانحرافات والتمرّد على القوانين الاجتماعيّة أو السلوك غير المتناسب مع سقف التوقّعات المشتركة بين أفراد المجتمع وأسباب وأنواع تداعياتها وتبعاتها.[2]

يوجد في أبحاث علم الاجتماع مجموعة من الأعراف والتقاليد الاجتماعيّة والأخلاقيّة والمواثيق والآداب والسنن والقوانين والمقرّرات الاجتماعيّة التي يتمّ اعتبارها والتواضع عليها بوصفها من المعايير الاجتماعيّة[3]، والتي تعمل على بيان حجم الالتزام من قبل أفراد المجتمع بهذه المعايير الثابتة[4]،

(294)

ويُعدّ تجاهلها أو مخالفتها ـ الناشئة من تمرّد الفرد على تلك المعايير الاجتماعيّة ـ بوصفه «انحرافًا اجتماعيًا».[1] وبطبيعة الحال فإنّ دائرة الانحراف والخلاف في الآيات والروايات أوسع من ذلك بكثير، وتشمل حتّى مخالفة القيَم والآراء الجوهريّة أيضًا؛ وذلك لأنّ المصدر الأصليّ للانحراف والطغيان والظلم وعدم الاعتدال في المجتمع، يجب البحث عنه والعثور عليه من دون شكّ في مبادئ هذه الأمور ومبانيها. وفي الحقيقة فإنّ المعيار السلوكيّ يمتدّ بجذوره في قيَم أفراد المجتمع، وهي تستند بدورها إلى أفكارهم وآرائهم أيضًا. إنّ هذه الروية متأثّرة ـ على نحو عميق ـ بالأصول والمباني النظريّة والقوالب الثقافيّة، وثمّة تدخّل للكثير من العناصر الذهنيّة والخارجيّة في تعريف وبيان الأفهام عن الانحرافات والمشاكل الاجتماعيّة.

يتمّ التعرّض في هذه المقالة إلى واحد من علل وأسباب الانحرافات الاجتماعيّة فقط، والتي وردت الإشارة إليها في لسان الآيات والروايات، وحظيت باهتمام المفكّرين المختصّين في العلوم الاجتماعيّة أيضًا، وهو نوع معيشة أفراد المجتمع ومستواها، وسوف نأخذ بالاعتبار ـ بطبيعة الحال ـ هذا السؤال الرئيس والهاجس الأساسيّ أيضًا؛ وهو السؤال القائل: هل يمكن للفقر أو الغنى ـ الوارد في الروايات الناظرة إلى مستوى الحياة المادّيّة لأفراد المجتمع ـ أن يكون سببًا في ظهور الانحرافات والمشاكل الاجتماعيّة؟

إنّ ما يقال في الحياة الظاهريّة والمادّيّة ويعود سببه إلى الأفهام الحاصلة من خلال البحث والتنقيب في الجوهر المفهوميّ للكلمات ذات الصلة في الآيات والروايات، إنّما يأتي لفصل أفهام هذا البحث عن الأفهام العرفانيّة وما بعد الطبيعة الواردة في مورد الفقر أو الغنى، والحياة وغيرها. وعلى هذا الأساس فإنّه من خلال تبويب روايات باب الفقر والغنى الناظرة إلى مستوى معيشة الأفراد، تخرج طائفة من الروايات الخاصّة بالفقر في المسائل العباديّة، والفقر في العقل، والفقر بالنسبة إلى الله، وما إلى ذلك؛ وكذلك الأمر بشأن «العيش» الذي يرادف مفهوم مستوى الحياة والمعيشة تقريبًا، يتمّ انتهاج هذا الأسلوب أيضًا، ولن يكون العيش في العالم الآخر وما إلى ذلك موضعًا للبحث. ومن هنا سوف يتمّ التعرّض ـ بالنظر إلى معرفة الجوهر المفهوميّ

(295)

للتعاليم ذات الصلة وتشكيل المجموعة الروائيّة ـ إلى الخلفيّات التي يمكن أن تؤثّر في نوع الحياة ومستواها في إيجاد أو القضاء على الانحرافات في المجتمع.

تحليل عمليّ للمفاهيم

على الرغم من أنّنا في البحث عن علاقة مستوى الحياة والمعيشة وارتباطها بالانحرافات الاجتماعيّة، يجب أن نبحث في شبكة من المفاهيم المرتبطة ببعضها، إلّا أنّنا في هذه المقالة سوف نبحث في مستويين متخالفين من الرفاه في الحياة، وذلك إنّما سيكون على هامش مفهومَي الفقهر والغنى والانحرافات وكيفيّة الارتباط بينها.

الانحراف

ورد «الانحراف» في اللغة بمعنى الرجوع والاكتشاف والميل إلى جهة، وكذلك بمعنى المشي منحرفًا، ولكن ليس ثمّة في الواقع تعريف وتوافق واضح في مورده، فهو مفهوم مشكّك يُطلق على مستويات ومراتب مختلفة. ويطلق بحسب مصطلح علم الاجتماع على البُعد عن المعيار، وهذا إنّما يقع حيث يتمرّد الفرد أو جماعة من الأفراد على معايير المجتمع.[1] ومن هنا فإنّ الانحراف ناظر إلى السلوكيّات والأفعال ذات الصفات المحظورة والمذمومة، أو يشمل الأفعال التي تكون سببًا لاستحقاق العقاب أو سوء السمعة في المجتمع. لقد قدّم علماء الاجتماع طريقين وملاكين إحصائيّين واجتماعيّين لتشخيص الانحراف الاجتماعيّ أو الانحراف في المجتمع. إنّ الإحصاء واحد من الأساليب الشائعة في تحديد السلوك غير المعياريّ أو أسلوب توزيع كثرة الخصائص المتوسّطة؛ حيث يكون الانحراف عنها أمرًا غير عاديّ. في هذا الأسلوب يوجد حدّ متوسّط يستوعب الأشخاص المعياريّين؛ والذين يقفون خارج هذا الحدّ يتمّ اعتبارهم من الأشخاص غير المعياريّين، ولكن بناء على ملاك الاجتماعيّة يُعدّ الإنسان كائنًا اجتماعيًا، حيث يتعيّن عليه العيش ضمن أطر النماذج الثقافيّة والاجتماعيّة في الحياة. وفي الحقيقة فإنّ اختلاف سلوك الفرد عن المعايير والسنن وتوقّعات المجتمع وما هو نوع الحكم الذي يصدره المجتمع في حقّه، يعدّ معيارًا للسلوك غير المعياريّ والمنحرف.

(296)

الغنى

يقع «الغنى» في قبال الفقر؛ حيث يدلّ على الاكتفاء[1]، وهو قوّة يتمكّن الإنسان بواسطتها من تلبية احتياجاته، ويكون لها حيثيّات مختلفة باختلاف الاعتبارات[2]، ومن خلال التأمّل في الآيات يمكن تصنيف الغنى ضمن مراتب متنوّعة أيضًا، إذ نراه يُستعمل تارة بمعنى الاشتمال والاحتواء التامّ والكامل، وهذه المرتبة من الغنى لا تتحقّق لغير الله سبحانه وتعالى؛ إذ يقول في ذلك: (لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ)،[3] وتمّ استعمال الغنى في بعض الآيات بمعنى تراكم الممتلكات، كما في قوله تعالى: (وَمَنْ كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ)،[4] وتارة بمعنى تلبية احتياجات الإنسان، كما في قوله تعالى: (وَوَجَدَكَ عَائِلًا فَأَغْنَى)،[5] أو ما ورد في وصف استغناء النفس. في ضوء هذه التعاريف يُعدّ الفقر والغنى أمورًا نسبيّة، حيث تتغيّر باعتبار الزمان والمكان.[6]

الفقر

إنّ «الفقر» لغة بعنى الانفراج والفصل بين شيئين، ومن هنا يُطلق لفظ الفقار على عظام العمود الفقريّ بهذا الاعتبار، ولفظ الفقير يُطلق على الشخص الذي يبدو وكأنّ فقرات ظهره قد انحنت تحت وطأة المشاكل والفقر والفاقة.[7] ومن هنا فإنّ الفقر لغة بمعنى عدم امتلاك البضاعة وفقدان ما يحتاج إليه الإنسان من الأشياء؛ وأمّا في المصطلح الفقهيّ فيُطلق الفقر على عدم امتلاك الشخص لمؤونة سنته وعدم امتلاك الإمكانات الضروريّة للحياة على نحو فعليّ

(297)

أو العجز عن توفيرها بالقوّة لنفسه ولأسرته، وهو في مقابل الغنى،[1] والمراد من الفقر في قوله تعالى: (إِنَّمَا الصَّدَقَاتُ لِلْفُقَرَاءِ وَالْمَسَاكِينِ)[2] هو هذا المعنى من الفقر.

إنّ احتياجات الإنسان في المصطلح الاجتماعيّ والتي تكون من لوازم وجوده وبقائه، هي من قبيل: حاجته إلى المأكل والمسكن والملبس، وعليه فإنّ عدم امتلاك الشخص لهذه الأمور يعني أنّه مفتقر، وهذا الأمر يجعله في عداد الفقراء. وبطبيعة الحال فإنّ الفقر في رؤية دقيقة يمكن تقسيمه إلى نوعين، وهما: الفقر المطلق، والفقر النسبيّ. والفقر المطلق يتحقّق حيث لا يتمكّن الأشخاص من الحصول على المصادر الكافية لتلبية الحدّ الأدنى من احتاجاتهم على مستوى السلامة والكفاءة الجسميّة[3]، وعلى هذا الأساس فإنّ الشخص الذي لا يمتلك الحدّ الأدنى من إمكانات ووسائل الحياة، بحيث تصبح روحه في معرض الخطر بسبب الجوع والمرض، وتكون مواصلة الحياة بالنسبة إليه في غاية الصعوبة، يكون «فقيرًا مطلقًا». والفقر النسبيّ بدوره يتمّ التعريف به على أساس المعايير العامّة للحياة في مختلف المجتمعات، وعلى أساس ما يُعرف من الناحية الثقافيّة بوصفه «فقرًا»؛ وليس بالمعيار المطلق الذي يُعبّر عن الحرمان. عندما يكون للفقر تعريف نسبيّ، ويتمّ تعيينه وقياسه على أساس معايير الحياة والمعيشة لأكثر الناس، فسوف تكون مستوياته بين المجتمعات أو داخلها مختلفة باختلاف الأزمنة. وإنّ المنظور لنا في هذه المقالة وفي بحث الروايات الخاصّة بالفقر، هو النوع الأوّل من الفقر.

حقيقة الفقر من زاوية الآيات والروايات

إنّ حقيقة الفقر في الإنسان وسائر الكائنات هو الفقر الذاتيّ بالنسبة إلى الله سبحانه وتعالى، إذ يقول الله ـ عزّ وجل ـ في القرآن الكريم: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ)،[4] حيث يشمل

(298)

جميع مراتب الموجودات الممكنة؛ وذلك لأنّ جميع الموجودات في الحياة لا تمتلك حياتها على نحو الاستقلال، ولا تملك من أمرها شيئًا. ولا يخفى ـ بطبيعة الحال ـ أنّ الإنسان المادّيّ في رؤيته وعقيدته المادّيّة يحسب أنّ الفقر والغنى إنّما يختص بموضوع المال والتمكّن الظاهريّ في الدنيا فقط، ويغفل عن أنّ الحياة الدنيويّة الظاهريّة ما هي إلّا متاع محدود وقصير الأمد جدًّا، إذ يقول الله تعالى: (وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ)،[1] ولا يأمن الإنسان فيها من مخالب الآفات في بقائها واستمرارها وحفظها. يُضاف إلى ذلك أنّ الإنسان فقير حتّى في نفسه وقواه أيضًا. إنّه يستوحش من الفقر، في حين أنّ الفقر هو جوهره الوجوديّ، والعلم بحقيقة الفقر هو غاية معرفة الإدراك الإنسانيّ وكماله؛ إذ بواسطته يتوصّل الإنسان إلى إدراك حقيقة غنى الله سبحانه وتعالى.[2] وكما سبق أن ذكرنا ـ بطبيعة الحال ـ فإنّ هذا المعنى من الفقر ليس هو موضوع بحثنا في هذه المقالة، وإنّ بعض الروايات التي ذكرت بدورها الفقر الذاتيّ تكون خارجة عن دائرة التحليل في هذه المقالة، وكذلك الروايات التي تبيّن الفقر في الدين ـ ويتمّ التعبير عنه بـ «الموت الأحمر» ـ هو الآخر خارج عن بحثنا الراهن أيضًا، من قبيل ما ورد في المأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «الفقر الموت الأحمر. فقيل: الفقر من الدنانير والدراهم؟ قال: لا، ولكن من الدين».[3]

والنقطة الجديرة بالالتفات هي أنّه في ضوء هذا الظنّ الواهي الذي يذهب الناس المادّيّين بسببه إلى اعتبار الفقر هو خصوص عدم امتلاك الأشياء المادّيّة والدنيويّة، ترى الشيطان يخوّفهم من الفقر والاحتياج، على ما ورد في قوله تعالى: (الشَّيْطَانُ يَعِدُكُمُ الْفَقْرَ وَيَأْمُرُكُمْ بِالْفَحْشَاءِ)[4]، وحيث إنّ غاية رغبة أهل الدنيا هو الاستغناء المادّيّ والقضاء على الفقر في حياتهم الدنيويّة؛ يجد الشيطان لنفسه منفذًا يتسلّل من خلاله إلى وجودهم، فيخوّفهم من زوال المال والرفاه الدنيويّ بسبب الفقر. وفي الحقيقة فإنّ السبب المهمّ في الانحرافات والفحشاء ـ كما أشارت إليه هذه الآية ـ ليس هو ذات الفقر، وإنّما هو الخوف والخشية من الوقوع في ورطة الفقر والمسكنة.

(299)

فقد ورد في المأثور عن الإمام الحسين عليه‌السلام أنّه قال: «أهلك الناس اثنان: خوف الفقر، وطلب الفخر».[1] وقد ذهب العلّامة الطباطبائي في تفسير الآية 268 من سورة البقرة إلى القول إنّ الخوف من الفقر هو من وساوس الشيطان، ويرى أنّ الشيطان ليس له غاية من ذلك سوى إضلال الإنسان، ومن هنا لا يكون اتّباعه جائزًا.[2] وعلى هذا الأساس فإنّ الفقر الذي يكون هو السبب في الانحراف ـ من وجهة نظر الروايات ـ هو الفقر القائم على هذا الوهم والتصوّر الخاطئ والقائم على أنّ الحياة الظاهريّة في هذه الدنيا هي كلّ شيء في الوجود، وعليه فإنّه بسبب هذا الخوف، يندفع الإنسان نحو الانحراف، وفي المقابل فإنّ الغنى الذي يجعل الإنسان غافلًا عن فقره الذاتيّ، يكون بدوره سببًا يدفع الإنسان نحو الطغيان والتمرّد على الله، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).[3]

وقد ورد عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال في موضع من دعائه: «أسألك اللهم الرفاهية في معيشتي ما أبقيتني... ولا ترزقني رزقًا يُطغيني، ولا تبتليَني بفقر أشقى به».[4]

وفي الأساس فإنّ الغاية الأصليّة للإنسان إذا ضاعت في زحمة الآمال والرغبات الدنيويّة، فإنّه سوف يتعرّض في خضم حياته إلى هذا النوع من التوهّم والشعور بالفقر، وحيث يعرض له هذا الضياع، فإنّه لن يكون في مأمن من السقوط في جميع أنواع الانحراف. وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام في هذا الشأن أنّه قال: «من أصبح وأمسى والدنيا أكبر همّه جعل الله تعالى الفقر بين عينيه». عندما يدور في ذهن الإنسان مثل هذا التصوّر، فإنّ الخوف بشأن مستقبله المعيشيّ سوف يدفعه إلى ارتكاب جميع أنواع المخالفات والمحظورات.

والفقر في حدّ ذاته ليس سببًا مباشرًا في ظهور الانحرافات، وإنّما هو مجرّد تمهيد وإعداد ذهنيّ لذلك؛ فحيث لا يستطيع الإنسان المحتاج أن يخضع شخصيّته وإرادته لسيطرته، فإنّه

(300)

سوف يُعدّ لنفسه أرضيّة التوجّه نحو تلبية احتياجاته من طريق آخر. إنّ الفقر إنّما يقع موردًا للتقويم في الغالب من جهة حيثيّته الثانويّة، وإلّا فقد ورد الحديث في بعض الروايات عن الفقر بوصفه وسيلة وأسلوبًا لإصلاح المؤمنين؛ فقد ورد في المأثور عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال:

«لما أُسريَ بالنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قال: يا ربّ ما حال المؤمن عندك؟ قال:... إنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الغنى ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك، وإنّ من عبادي المؤمنين من لا يصلحه إلّا الفقر، ولو صرفته إلى غير ذلك لهلك».[1]

وفي تحليل عقليّ وعرفيّ يمكن القول إنّ الفقر بالنسبة إلى الكثير من الأشخاص العاديّين في المجتمع يؤدّي من جهة إلى العجز الجسديّ، والعجز الجسديّ بدوره يؤدّي إلى العجز الروحيّ والنفسيّ، الأمر الذي يتسبّب في اهتزاز الشخصيّة وضعف الإرادة والشعور بالضعة والحقارة والافتقار إلى الثقة بالنفس. وحيث إنّ الفقر يتجلّى بشكل مباشر في عدم تلبية الاحتياجات الأوّليّة للإنسان، فإنّه يضرّ بشكل رئيس بالصورة الظاهريّة للإنسان، وصورته الظاهريّة تؤثّر في مكانته الاجتماعيّة. إنّ الاحتياجات الإنسانيّة تقوم على أساس نظام متسلسل المراتب؛ بمعنى أنّه لم تتمّ تلبية احتياجاته الجسديّة والفيزيقيّة، فإنّ تلبية احتياجاته الأخرى التي هي من قبيل الحصول على العلاقات الاجتماعيّة والاعتبار والاحترام من قبل الآخرين سوف يأتي في المرتبة اللاحقة من الأهمّيّة.[2] ومن هنا فإنّ الصورة الظاهريّة للأفراد في المجتمع المرتبطة بضمان حاجاتهم الأولى، تكون سببًا في لفت انتباه الناس إليهم واحترامهم لهم، واهتمام أفراد المجتمع بالإنسان يزيد من ثقة الإنسان بنفسه، وبالتالي فإنّه يحصل على مكانة اجتماعيّة أقوى وأكثر ثباتًا. يُروى عن الإمام الرضاعليه‌السلام في بيان العلاقة المتبادلة بين اكتساب المنزلة والمكانة الاجتماعيّة وبين مستوى المعيش، أنّه قال: «إذا أدبرتُ عنه سلبته محاسن نفسه».[3]

وعلى الرغم من امتلاك الكثير من الفقراء للاستعداد والفضائل التي يمكن لها أن تعزّز من

(301)

مكانتهم الاجتماعيّة، إلّا أنّ الفقر يحول دون تنمية وتطوير هذه القابلّيات والفضائل عندهم. ومن هنا فإنّ الإمام عليّ عليه‌السلام يحيل مسكنة الشخص وهوانه عند أهله وأسرته إلى مستوى الحياة وحصوله على أسباب معيشته، ويقول في ذلك: «من استغنى كرم على أهله، ومن افتقر هان عليهم».[1] وعلى هذا الأساس فإنّ السلامة الروحيّة -  النفسيّة واتّساع رقعة الاستثمارات الاجتماعيّة في المجتمع رهن بالسلامة الجسديّة، والسلامة الجسديّة بدورها رهن بالاستفادة من المواهب والنعم الدنيويّة.

وفي الحقيقة فإنّ وقوع الفقر والغنى موردًا للمدح والذم إنّما يكون بلحاظ الآثار والتداعيات المترتّبة عليهما، فإنّ هذين الأمرين إذا كانا قائمين على نوع من المعطيات الذهنيّة التي تدفع الإنسان نحو الطغيان والتمرّد والانحراف، فقد وردّ ذمّهما في الروايات باعتبارهما نوعًا من النقص في الدين، وأنّهما يزيلان العقل؛ كما ورد ذلك عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، في نصيحته لولده محمّد بن الحنفية، إذ قال له: «يا بُنيّ، إنّي أخاف عليك الفقر؛ فاستعذ بالله منه، فإنّ الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت».[2]

كما ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام التعبير عن الفقر بالموت الأكبر؛ إذ قال: «الفقر الموت الأكبر»[3]، وعن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قد اعتبر الفقر مقاربًا للكفر؛ إذ يقول: «كاد الفقر أن يكون كفرًا».[4]

وعلى الرغم من ذمّ الفقر والمسكنة في الروايات الإسلاميّة بوصفهما ظاهرة شؤم، وأنّه ـ على حد تعبير العلّامة المجلسّي ـ قد تمّت الاستعاذة من الفقر بالله في أكثر الأدعية بوصفه سببًا في البؤس،[5] إلّا أنّ الفقر الذي يتجرّد من جميع أنواع الذلّ والعزلة، ولا يترتّب عليه أيّ نوع من تبعات الفساد والانحراف الاجتماعيّ، ويشكّل أرضيّة للحصول على المزيد من الكمال

(302)

والمعنويّة، فهو ليس موضعًا للشجب والذمّ، بل وقد ورد التعبير عنه في كلام النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بوصفه فخرًا،[1] وخزينة من الخزائن الإلهيّة.[2]

والنقطة الجديرة بالالتفات في الأدبيّات الدينيّة هي أنّ الفقر الناشئ عن الكسل والخمول أشدّ ذمًّا وأسوأ بكثير من الفقر المفروض على الفرد رغم سعيه وجهده المتواصل في الحصول على أسباب الرزق؛ ومن هنا ورد التأكيد في الروايات كثيرًا على السعي والعمل من أجل تحصيل الرزق، وقد تمّ اعتبار تقدير المعاش بالإضافة إلى البصيرة في الدين، والصبر على المصائب والابتلاءات بوصفه من تمام الكمال الإنسانيّ،[3] كما تمّ اعتبار السعي من أجل تلبية احتياجات الحياة جهادًا في سبيل الله، فقد ورد في المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال: «الكادّ على عياله كالمجاهد في سبيل الله».[4] وذلك لأنّ الكدح والسعي وبذل الجهد يُعدّ بنفسه نوعًا من المواجهة مع الفقر.

كما تمّ اعتبار الكدح والعمل في أدبيّات علم الاجتماع بوصفه من أهمّ الطرق للخلاص من آلام الفقر وآفاته. فقد ذهب ماكس فيبر ـ في ضوء تجلّيات الإرادة الإلهيّة الثابتة ـ إلى الاعتقاد بأنّ العمل والنشاط ـ وليس الترف والبطالة ـ هو وحده الذي يزيد من العظمة الإلهيّة. وقد اعتبر إهدار الوقت والكسل من أكثر الذنوب بشاعة، وقد رأى أنّ إتلاف الوقت بالزيارات والثرثرة والكماليّات، وحتّى النوم لأكثر من ستّ ساعات، أو في الحدّ الأقصى لثمان ساعات أمرًا مضرًّا وقبيحًا من الناحية الأخلاقيّة،[5] بل إنّ ماكس فيبر ـ من خلال تأييده للرأي القائل: «الذي لا يعمل يجب أن لا يأكل» ـ قال: إنّ هذا الأمر يصدق في مورد كلّ شخص دون قيد أو شرط، وإنّ الكسل والبطالة سبب للحرمان من النعم الإلهيّة.[6]

(303)

شرح البحث نظريًّا

يمكن بحث كلّ ظاهرة اجتماعيّة بالنظر إلى التوجّهات والمداخل النظريّة التي يمكن تصوّرها في تحليل المسائل والأبحاث من مختلف الزوايا. إنّ التوجّهات الجزئيّة والفرديّة والناظرة إلى شخصيّة الأفراد، والتوجّهات النفسيّة، وكذلك التوجّهات الجماعية والناظرة إلى الأبنية الكلّيّة والعامّة والمتغيّرات الاجتماعيّة الواسعة، والأفهام الذهنيّة أو العينيّة، كلّها من التوجّهات التي يمكن مشاهدتها في تأمّلات العلماء والمفكّرين في بيان المسائل. كما يمكن دراسة ظاهرة الفقر والغنى باعتبارات مختلفة.

وفي المستوى الجزئيّ يتمّ الاهتمام في الغالب بالخصائص والصفات الفرديّة والجزئيّة للأحداث والوقائع. وعلى هذا الأساس يكون الفقر نتيجة لصفة الهوان والكسل وخمول همم الفقراء من الأشخاص. إنّ انعدام الكفاءات والقابليّات، والأعراض الجسمانيّة، والاختلالات الروحيّة والنفسيّة، تعدّ من بين الموارد التي يتمّ العمل على دراستها والتأكيد عليها فيما يتعلّق بإيجاد هذه الظاهرة. يمكن الوصول من خلال هذه التحليلات ـ وهي ليست معقّدة كثيرًا ـ ومن خلال الاستفادة من بعض الأساليب، ومن بينها الإحصاءات الموجودة، إلى النتيجة بشكل يسير. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يمكن من خلال إجراء حوار أو تدوين وتقديم لائحة بالأسئلة حول الوضع الاقتصادّي والماليّ للجانحين والمجرمين، التعرّف بسهولة على انتمائهم الطبقيّ وما يتمتّعون به من مستوى الرفاه الاجتماعيّ، ومن خلال رسم جداول إحصائيّة يمكن بوضوح بيان كثرة الانحرافات والجُنَح بين الفقراء أو الأغنياء على نحو أكبر من سائر الطبقات الاجتماعيّة الأخرى في المجتمع، وبذلك يمكن الحكم بشكل متعجّل، واعتبار العلاقة بين وقوع الانحرافات وبين الفقر أو الغنى الفاحش أمرًا قطعيًّا ومسلّمًا.

وأمّا على المستوى الكلّيّ والعامّ، فيتمّ بيان الأفعال والسلوكيّات على أساس المتغيّرات الواسعة لها، ويتمّ تحديد علاقة الظاهرة بالأبنية العامّة والواسعة النطاق في المجتمع على المستوى السياسيّ والاقتصاديّ والثقافيّ. ويقع مستوى الرفاه والانحرافات الاجتماعيّة في دورة من العلّيّة والمعلوليّة على مستوى عامّ وكليّ، ويتمّ اعتبار كلّ واحد بوصفه معلولًا لعلّة أهمّ،

(304)

ويتمّ البحث عن المشكلة الأصليّة على مستوى المؤسّسات والعلاقات الاجتماعيّة والخصائص البنيويّة والتنظيميّة.

وعلى أساس هذه الرؤية لا يمكن الحكم بوجود علاقة مفهومية بين الفقر أو الغنى وبين الانحرافات الاجتماعيّة بضرس قاطع، والادّعاء بمساعدة من الإحصاءات بأنّ أكثر المجرمين ينتمون إلى طبقة الفقراء أو المرفّهين في المجتمع، على ما يتمّ تحليله في المستوى الفرديّ والجزئيّ، بل يتمّ بحث هذا الموضوع في هذا التحليل بأبعاد أعمق.

ومن الجدير ذكره أنّ المعايير الاجتماعيّة إذا لم تكن ضاربة بجذورها في القيَم المطلقة، ولم يتمّ رسم التعاليم الدينيّة على أساس الحقائق، وتكون منبثقة عن التوافقات بشكل بحت، فإنّ التخلّف عنها سوف يكون نسبيًّا أيضًا، ويكون مختلفًا بمختلف الاعتبارات، من قبيل: نسبيّة الانحراف من الناحية التاريخيّة، وفي ظلّ المجتمع، ومن الناحية المكانيّة والزمانيّة أو الموقع والمكانة الاجتماعيّة.

في بيان ظهور الانحرافات الاجتماعيّة في المجتمع، توجد بعض النظريّات التي تنظر إلى الخصائص النفسيّة للأفراد، وتؤكّد على تأثير الوراثة في سلوكيّاتهم. وعلى الرغم من عدم اعتبار هذه الخصائص الوراثية بوصفها علّة تامّة لظهور الانحرافات في الروايات الإسلاميّة، ولكن لا يمكن غضّ الطرف عن تأثيرها في الوقت نفسه، فقد ورد في المأثور عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بشأن العامل الوراثيّ أنّه قال: «انظر في أيّ شيء تضع ولدك؛ فإنّ العِرق دسّاس».[1] أو الروايات التي تؤكّد على تأثير الشرائط وكيفيّات المباشرة الجنسّية بين الزوج والزوجة في تكوين الجنين والولد في المستقبل. كما ورد في الحديث: «إيّاكم وأن يُجامع الرجل امرأته والصبيّ في المهد ينظر إليهما».[2]

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام ، أنّه قال: «لا يُجامع الرجل امرأته ولا جاريته وفي البيت صبيّ؛ فإنّ ذلك ممّا يُورث الزنا».[3]

بناء على هذه الطائفة من الروايات، يتأثّر الولد بالصفات السلوكيّة والنفسيّة لوالديه، وإنّهما

(305)

يُعدّان الأصل والجذر لسلوك أولادهما؛ بل بعض الروايات أشارت إلى أنّ اختيار الزوجة الصالحة أو الطالحة مؤثر في أداء الأولاد وسلوكهم في المستقبل، كما ورد ذلك في الحديث القائل: «أنكحوا الأكفّاء، وانكحوا منهم، واختاروا لنطفكم؛ فإنّ الخال أحد الضجيعين».[1]

وكذلك فقد ورد النهي في بعض الروايات عن الزواج من الأسر الوضيعة والمنحطّة، ومن ذلك قول النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «إيّاكم وخضراء الدمن».[2] كما أنّ لنوع الطعام والرزق الحلال أو الحرام تأثيره الوضعيّ في تكوين شخصيّة الولد؛ فقد ورد في الأثر: «كسب الحرام يبين في الذرّيّة».[3]

وفي بعض النظريّات المعاصرة المرتبطة بحقل الانحرافات الاجتماعيّة ما يُشير إلى المنشأ الحياتيّ لهذه الانحرافات ويراها منبثقة عن الميول الجانحة والمنحرفة لدى الأفراد منذ ولادتهم؛ حيث في ذلك إحالة إلى الإنسان الأوّل. وقد تمّ التأكيد في بعض هذه النظريّات على إمكانيّة التعرّف على الجناة من صورهم وأشكالهم. كما يتمّ في بعض النظريّات ربط الانحرافات بأنواع خاصّة من الشخصيّة. وكان سيغموند فرويد يذهب إلى الاعتقاد بأنّ مشاعرنا الأخلاقيّة إنّما تتأثر إلى حدّ كبير بعامل الكبت الذي نتعلّمه في المرحلة الأوديبيّة من طفولتنا، وإنّ بعض الأطفال لا يكتسبون هذه الكوابت بسبب نوع ارتباطهم بالوالدين، فلا يكون لهم نصيب من الشعور الأخلاقيّ. بيد أنّه لا شيء من هذه النظريّات تمّ إثباته، وإن كان لا يمكن إنكار تأثير بعض الأسباب والعوامل الحياتيّة والنفسيّة على بعض الأشخاص في الميل نحو الانحرافات.

وإنّ بعض النظريّات الأخرى ناظرة إلى الأبعاد الثقافيّة في مورد الانحرافات وصلتها بمستوى الرفاهية لدى أفراد المجتمع، حيث النماذج القيَمية والسلوكيّة لدى الأفراد تختلف عن النماذج الموجودة في الثقافة الغالبة، وتنتقل على شكل ثقافات متجزّئة إلى الأجيال اللاحقة.[4] وعلى أساس خصائص هذه الثقافة المتجزّئة، يرتبط الأشخاص التابعون لها بظروف خاصة

(306)

تتّصل بالتبويب والشرائط الاقتصاديّة الخاصّة بهم. وعلى أساس هذه النظريّات تكون ثقافة الفقر نوعًا من أسلوب الحياة الذي ينتقل إلى الأجيال اللاحقة من طريق التعلّم والصيرورة الاجتماعيّة، وتكون له ـ مثل أيّ ثقافة أخرى ـ نماذجه الحياتيّة والقيَميّة الخاصّة. أو في رؤية «السجيّة الناقصة» لشيللر، يُعدّ الفقر نتيجة طبيعيّة للعيوب الفرديّة في الشوق والقدرة أو بعبارة أدقّ: الدافع والأخلاق المهنيّة والعمليّة التي يؤدّي فيها فقدان كلّ واحد من هذه الأسباب إلى الفقر.[1]

فقد ذهب ماكس شيللر إلى الاعتقاد بأنّ السجيّة الناقصة عبارة عن سجيّة ومنهج حياة للفقراء، وإنّ الفقراء هم المسؤولون عن وضعهم البائس والعصيب، ولا يتحمّل الآخرون أيّ مسؤوليّة في هذا الشأن.

كما أن البُعد الاجتماعيّ بدوره يُعد تفسيرًا آخر عن الانحراف، وقد عدّه بعضهم أفضل من التفسيرات الأخرى في هذا الشأن؛ وذلك لأنّ ماهيّة الجريمة ترتبط بالمؤسّسات الاجتماعيّة في المجتمع. وإنّ من أهمّ أبعاد التفكير الاجتماعيّ في مورد الجريمة، التأكيد على العلاقات المتبادلة بين المواساة والانحراف في مختلف الحقول الاجتماعيّة. تحتوي المجتمعات المعاصرة على الكثير من الثقافات التجزيئيّة المتفاوتة، وقد يُعد السلوك الذي يتفق مع معايير الثقافة التجزيئيّة من خارج تلك الثقافة التجزيئيّة سلوكًا منحرفًا، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما نراه بسبب اختلافات الثروة والسلطة في المجتمع من حدوث السرقات من قبل أشخاص من الطبقات الأكثر فقرًا في المجتمع، أو حدوث الاختلاس والتهرّب من دفع الضرائب من قبل الأشخاص الذين ينتمون إلى الطبقة المرفّهة من المجتمع.

وفي نظريّة «الاقتران التفاضليّ»، ذهب بعض المفكّرين من أمثال إدوين سذرلاند إلى ارتباط الجريمة بما يصطلح عليه بـ «الاقتران التفاضليّ»، بمعنى أنّ ثمّة في المجتمع الذي يتشكّل من الثقافات التجزيئيّة المتنوّعة بعض البيئات الاجتماعيّة التي تشجّع على الأنشطة المنحرفة على

(307)

الدوام. إنّ الأشخاص في تواصلهم مع الآخرين الذين يحملون المعايير الجانحة يصبحون جانحين أو مجرمين؛ كما قال علماء الأخلاق: إنّ طبائع الإنسان تسرق الفضائل والرذائل بعضها من بعض.[1]

عندما يصدر في إطار العلاقة الاجتماعة عمل وسلوك عن جماعة مجالسة لنا، تشتدّ قوّة معادلة له في نفوسنا، ومن خلال تفعيلها نقوم بما يُشابه ذلك العمل. ومن هنا فإنّ النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يرى أنّ الإنسان إنّما يكون على دين جليسه؛ ولذلك فقد أكّد في نصيحته على اختيار الجليس، كما في قوله: «المرء على دين خليله؛ فلينظر أحدكم من يُخالل».[2] إنّ المحرّكات النفسانيّة هي مثل المحرّكات الجسديّة، تصبح فعّالة تحت تأثير العوامل المختلفة، ومن هنا يكون تأثّر الشخص بعلم الجلساء ومنطقهم وأخلاقهم أمرًا قهريًّا ولا يحتاج إلى إرادة، وعلى كلّ حال فإنّه ينتقل إلى إحدى القوى الداخليّة للفرد، حيث يوجد مثيل له في الطرف الآخر. ولكي لا تخلق هذه التأثيرات أرضيّة لظهور الموبقات والانحرافات، يصف النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، الجليس الصالح بقوله: «من تذكِّركم اللهَ رؤيُته، ويزيد من علمكم منطقه، ويرغّبكم في الآخرة عمله».[3] وقد اعتبر مجالسة الأغنياء إماتة للقلب؛ إذ قال: «الجلوس مع الأغنياء يميت القلب».[4]

كما تُعدّ «نظريّة الوصم» بدورها واحدة من أهمّ الاتجاهات لإدراك وفهم الانحرافات الاجتماعيّة، حيث يتمّ بحثها في الفعل النموذجيّ المتقابل الذي يؤكّد على ردّة فعل الأفراد في الموقعيّات الاجتماعيّة الخاصّة. إنّ المنظّرين يفسّرون الوصم والانحراف بوصفهما مسارًا للفعل المتقابل بين المنحرفين وغير المنحرفين، فهم يرون أنّنا لكي ندرك ماهيّة الانحراف يتعيّن علينا أن نرى لماذا يتمّ وصم بعض الأشخاص بوصم الانحراف. إنّ الذين يمثّلون سلطة إقامة النظم وفرض القانون، أو الذين يمكنهم فرض تعاريف الأخلاق المتعارفة على الآخرين، يعملون على توفير المصادر الأصليّة للوصم. وعلى هذا الأساس، فإنّ الجُرم إنّما يتمّ تعريفه من خلال

(308)

الأفعال وردود الأفعال الاجتماعيّة، وبواسطة أولئك الذين يمتلكون القدرة على الوصم. وقد ورد التأكيد في الروايات الإسلاميّة كثيرًا باختيار الأسماء الحسنة للأولاد؛ لأنّ تكرارها يلعب دورًا ملحوظًا في بلورة الصورة الأولى لشخصية الإنسان؛ ومن هنا كان من جملة حقوق الولد على الوالد أن يحسن اسمه. فقد ورد في المأثور عن الإمام موسى الكاظم عليه‌السلام ، أنّه قال: «أوّل ما يبرّ الرجل ولده أن يُسمّيه باسمٍ حسنٍ؛ فليحسن أحدكم اسم ولده».[1]

وقد ورد عن الإمام الصادق عليه‌السلام ـ في هذا السياق ذاته ـ أنّه قال: «كان رسول الله يغيّر الأسماء القبيحة في الرجال والبُلدان».[2]

وربما كان من بين الأسباب المهمّة لذلك هو نوع الرؤية والفهم والوصم السلبيّ أو الإيجابيّ الذي يتحقّق من قبل آحاد أفراد المجتمع بسببه. يقول الإمام عليّ عليه‌السلام في مورد النسب الذي يكتسبه بعض أفراد المجتمع من قبل البعض الآخر:

«لو كان الفقير صادقًا يسمّونه كاذبًا، ولو كان زاهدًا يسمّونه جاهلًا، يا بنيّ، من ابتلي بالفقر ابتلي بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقّة في دينه، وقلّة الحياء في وجهه، فنعوذ بالله من الفقر».[3]

وجاء في رواية أخرى: «إذا أقبلت الدنيا على أحد أعارته محاسن غيره، وإذا أدبرت عنه سلبته محاسن نفسه».[4]

وأمّا النظرة الإيجابيّة إلى تفسير الفقر وعلاقته بالمسائل الاجتماعيّة والانحرافات، فيجب أن تكون بمعزل عن الرؤية الثنائيّة، وأن تشمل جميع أبعاده الفرديّة والاجتماعيّة. لا يمكن بحث هذه الحقيقة الاجتماعيّة بشكل كامل بغضّ النظر عن الأنظار الفرديّة والنفسيّة، ولا يمكن تقديم تفسير عنها بمعزل عن التحليلات البنيويّة والاجتماعيّة، ومن هنا فإنّ نقيضة واقعيّة عن كلتا النحلتين الفكريّتين سوف تقدّم إجابة أكمل لحلّ هذه المسألة.

(309)

كما يمكن في منطق القرآن الكريم والروايات المأثورة عن المعصومين عليهم‌السلام استنباط هذا النوع من الرؤية الواقعيّة بعيدًا عن النظرة الأحاديّة، بحيث يوجد فعل منسجم بين الفاعل والبنية والذهنيّة والعينيّة والعلم الحضوريّ والحصوليّ في مسار هادف، تتبلور نواته الأصليّة بما يتطابق مع المنطق التوحيديّ والمعنويّة والفطرة والعقلانيّة الوحيانيّة، كما يهتمّ بأبعاد الأشخاص في هذه الدنيا أيضًا، ولا يكون في الوقت نفسه غافلًا عن سعادتهم في العالم الآخر.

كيفية الارتباط بين مستوى المعيشة والانحرافات

العلاقة بين الفقر والانحرافات

يمكن تفسير علاقة الفقر بالانحرافات الاجتماعيّة بأساليب متنوّعة؛ وفي الكثير من الروايات التي ذكرنا جانبًا منها تمّ اعتبار الفقر بمنزلة «الموت الأكبر» أو «الكفر». والكفر هو الإنكار أو التجاهل والتمرّد على الله سبحانه وتعالى وما أنزله على أنبيائه ورسله.[1] وبطبيعة الحال ليس المراد من الكفر هنا معناه الاصطلاحيّ الوارد في الفقه، والذي يكون موضوعًا لأحكام من قبيل: الطهارة والحلّيّة وما إلى ذلك، بل المراد منه هو الابتعاد عن الله وعدم شكره وسقوط الإنسان بتأثير من ذلك.

إنّ الفرد الذي يُصارع ظاهرة الفقر المشؤومة في مسار الحياة، عندما تنهار مقاومته في مواجهة هذه الظاهرة، فإنّه سوف يقوم بالمقارنة بين فاقته وبين ما يمتلكه الأغنياء، وقد يصل الأمر به في هذه المقارنة إلى الشكّ في عدالة الله أو قدرته معاذ الله، وقد يؤدّي به هذا الشكّ إلى أنواع من الانحرافات الدالة على ضعف همّته أو عدم إيمانه بالمعاد ومآل الوجود الذي هو من مراتب الكفر بالله سبحانه وتعالى.

إنّ هذا النوع من الإنكار الذي يُعد أصلًا للكثير من الانحرافات الاجتماعيّة، كان منشأ لعدد من العلل والعناصر الأساسيّة الأخرى والمرتبطة بالفقر أيضًا.

والعنصر الأوّل في ذلك هو جهل الإنسان وغفلته. إنّ الإيمان إنّما يتبلور في قلب الأشخاص

(310)

بفعل العلم بمفهوم ما والتوجّه نحو إيجاده، وكمال الإنسان ونقصه رهن بشدّته وضعفه. وفي العادة فإنّ الشخص الفقير قلّما تتوفّر لديه إمكانيّة للفحص والتحقيق والعلم في الحياة؛ وذلك لأنّ الاحتياجات الجسديّة للإنسان يمكنها أن تشغله عن الاهتمام باحتياجاته الروحيّة، والشخص الحائر والضائع قلّما يمتلك القدرة على تحرير نفسه من شراك الأفكار المحبطة والناتجة عن احتياجاته الأوّليّة، وعليه تكون احتمالات انهيار أسسه الفكريّة كبيرة. ومن هنا فقد ورد في وصيّة الإمام عليّ عليه‌السلام لابنه محمّد بن الحنفيّة، أنّه قال: «يا بنيّ، إنّي أخاف عليك الفقر فاستعذ بالله منه؛ فإن الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت».[1] وذلك لأنّ هاجس تلبية الاحتياجات الأوّليّة في حياة الإنسان يمثّل صراعًا داخليًّا لا يترك للإنسان فرصة التعمّق في احتياجاته الروحيّة والنفسيّة.

و«الإنكار والشكّ» أرضيّة وعامل آخر يترتّب على الفقر الذي يؤدّي إلى أنواع من الانحرافات. ربما لا يكون الإنسان جاهلًا بحقيقة أمر ما أو لوازمه، ولكنّه قد لا يكون متطابقًا مع مطالبه وما يريده لأسباب وعلل مختلفة، ويعمل لذلك على خلافه؛ كما قال الله تعالى في القرآن الكريم متحدّثًا عن فرعون وبطانته: (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا أَنْفُسُهُمْ ظُلْمًا وَعُلُوًّا).[2] ومن هنا فإن مجرّد عدم الجهل لا يكفي لتحقق الإيمان، بل يُشترط فيه الإقبال والتوجّه القلبيّ أيضًا. وأمّا الإنكار وحتّى الشكّ في حقائق الأمر من قبل الشخص الفقير، فهو نتاج نوع من الاغتراب عن الذات الذي يصل إليه في مسار الحياة وجهوده؛ ولا سيّما الأشخاص الذين يفتقرون إلى الإيمان القويّ والمحكم. وكما ورد في شأن نزول الآيتين 196 ـ 197 من سورة آل عمران، فقد واجه الناس في عصر النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم مثل هذه الشبهة، وهي: لماذا نرى بعض المؤمنين ـ على الرغم من سعيهم وجهدهم ـ يعيشون في شظف وفاقة، بينما يعيش الطغاة وغير المؤمنين في حياة هانئة وعيش رغيد. ولا شكّ في أنّ هذا السؤال والشكّ يعود بجذوره إلى قصورهم الفكريّ. وقد ورد الحديث عن هذه الحقيقة في الكثير من النصوص الدينيّة، ويمكن مشاهدتها في المجتمع

(311)

أيضًا، وهو أن إدراك الفقراء وتفكيرهم وعقلهم وقدرتهم بسبب ضعف التعليم وعدم الوعي بتيارات ومسائل المجتمع، لا يزدهر بالمقدار الكافي؛ وذلك لأنّ مشاكل الحياة تشكّل عقبة كبيرة أمام التأمّل والتعمّق في المسائل والأمور الأخرى من الحياة الإنسانيّة. وقد عدّ الإمام عليّ عليه‌السلام في وصيّته لولده، النقصان في العقل واحد من الأمور التي تعرض للإنسان بسبب الفقر.[1] كما تمّ اعتبار الفقر سببًا في اضطراب الأحوال وحيرة العقل والابتلاء بالهموم والأحزان أيضًا.[2] إنّ نقصان العقل وحيرته تسلب من الأشخاص القدرة على التشخيص وإمكان إصدار الحكم الصحيح في الحياة.والفقير ـ طبقًا لما ورد في النصوص الدينيّة ـ يعاني نوعًا من الحيرة والضعف في التشخيص؛ ولذلك لا يمكنه أن يتّخذ القرار المناسب في مختلف المسائل، وهذا الأمر يمثل واحدًا من الأرضيّات المهمّة للغاية في ظهور الانحرافات الفكريّة.

ولكن لا يخفى أنّ من بين أهمّ الخصائص الشائعة في قياس عدم المساواة الاجتماعيّة، طريقة توزيع الأرباح بين الأفراد[3]، والعلاقة الوثيقة بين الفقر والانحرافات الاجتماعيّة لا تكون ممكنة من دون الالتفات إلى مسألة العدالة الاجتماعيّة والتوزيع العادل للثروة في المجتمع، وسهم الأغنياء في ظهور ذلك ليس قليلًا. يعمل الإسلام بوصفه دينًا جامعًا على تقديم الحلول والأدوات القسريّة والتطوّعية لمختلف أنواع التوزيع، من قبيل: الزكاة والإنفاق وما إلى ذلك، من أجل الحيلولة دون تمركز الثروة في يد بعض الأشخاص أو طبقة خاصّة من المجتمع، وضمان الحدّ الأدنى من المعاش من أجل توفير فرص الحياة لجميع الأفراد، ومن هنا، فإنّ الإسلام في عدالته التوزيعيّة يسعى إلى تحقيق أهداف من وراء تعديل الثروة في المجتمع، ومن بين تلك الأهداف: تلبية الاحتياجات الأساسيّة لجميع طبقات المجتمع، وتقليص عدم المساواة في الأرباح والثروة، والتزكية الباطنيّة، وتصفية أموال الأفراد وتقوية الشعور بالإخاء بين الناس.

كما أنّ القرآن الكريم بدوره لا يطيق الاختلاف الطبقيّ بين طبقات المجتمع؛ وذلك

(312)

لأنّ الثروة الطائلة والتكاثر[1] يؤدّي إلى الغفلة عن الله سبحانه وتعالى[2]، كما يؤدّي بالفقراء إلى المزيد من الشعور بالفقر، ومن خلال تكديس الثروة في موضع واحد، يُصاب الأغنياء بالمزيد من الغرور.[3] وعلى هذا الأساس فإنّ القرآن الكريم بالإضافة إلى قوله بوجود حقّ للفقراء في أموال الأغنياء[4]، وتعريفه بأولئك الذين لا يدفعون هذا الحقّ إلى أصحابه بوصفهم سارقين[5]، لم يسمح بتكديس الثروة وعدم توزيعها، بل وتوعّد المخالفين لأمره في هذا بعذاب  أليم، كما في قوله تعالى: (وَالَّذِينَ يَكْنِزُونَ الذَّهَبَ وَالْفِضَّةَ وَلَا يُنْفِقُونَهَا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَبَشِّرْهُمْ بِعَذَابٍ أَلِيمٍ).[6]

وبشكل عامّ، فإنّ القرآن الكريم قد حدّد أهمّ المشاريع لإقامة التوازن والعدالة الاقتصاديّة في عدد من المحاور؛ ففي قوله تعالى: (مَا أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْ أَهْلِ الْقُرَى فَلِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ وَلِذِي الْقُرْبَى وَالْيَتَامَى وَالْمَسَاكِينِ وَابْنِ السَّبِيلِ)[7] تمّ بيان المصارف الستّة للفيء في إطار تعديل الثروة، وفي بعض الآيات الأخرى، من قبيل قوله تعالى: (وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا)[8] وقوله تعالى: (لَا تَأْكُلُوا الرِّبَا أَضْعَافًا مُضَاعَفَةً)،[9] وغير ذلك من الآيات،[10] ومن خلال نفي النظام الاقتصاديّ الربويّ، توجد مطالبة بإيجاد وتحقيق العدالة. كما تمّ التعريف في بعض الآيات بالفقراء والمحتاجين بوصفهم من موارد الإنفاق[11]، وتمّ التأكيد في آيات أخرى على ضرورة أخذ حقوق الفقراء من الأغنياء للحيلولة دون تراكم الثروات في موضع واحد.

(313)

وفيما يتعلّق بالعدالة لا بدّ من الالتفات إلى أنّ «الفقر» لا يعني انخفاض مستوى الأرباح دائمًا، وأنّ هذه المسألة الاجتماعيّة المهمّة لا يمكن دراستها وبحثها بشكل منفصل عن العلاقات الخاطئة التي تسود في المجتمع، بل إنّ الافتقار إلى الإمكانات والفرص يُعدّ من بين أنواع «الفقر» أيضًا، حيث تعود هذه المسألة إلى العلاقات غير المتكافئة في المجتمع. ومن هنا، لو شاهدنا تبلور ثقافة جزئيّة منحرفة في المجتمع، حيث تؤدّي بالتدريج إلى ظهور سلوكيّات اجتماعية ضارّة، فعلينا أن لا نعزو علّة ذلك إلى هؤلاء الأشخاص فقط، أو إحالة الأمر إلى أماكن عيشهم، بل علينا أن نرجع بالقضيّة إلى الوراء قليلًا، وأن نبحث في بنية العلاقات غير المتكافئة للسلطة وكيفيّة توزيع المصادر النادرة بين مختلف طبقات المجتمع. وفي هذا الإطار ذهب كارل ماركس بدوره إلى الاعتقاد بأنّ منشأ اغتراب العمال الفقراء عن ذواتهم يكمن في بنية العلاقات الاجتماعيّة للإنتاج في النظام الرأسماليّ.[1] والنقطة الملفتة للانتباه هي أنّ النظام الاستعماريّ الجزئيّ والثريّ في هذه البنية اللامتكافئة بصدد تعليم أعضاء النظام الجزئيّ الرازح تحت الظلم والواقع في القسم الأدنى، ويقوم هؤلاء بالتعرّف بدورهم على نوع من الاجتماعيّة في مثل هذا الوضع، وبذلك يسوقهم نحو المزيد من التبعيّة.[2]

وعلى هذا المبنى فإنّ الذي يحقق العدالة الاجتماعيّة، هو العمل على توسيع القدرات الإنسانيّة والفرص الاجتماعيّة المتكافئة في المجتمع، وهو الأمر الذي يتحقّق بواسطة التعليم، ومكافحة الفقر، وخلق فرص العمل، والصحة والسلامة العامة، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، والعمل على إيقاف عجلة الفقر، ومن خلال التقليل من الاضطرابات الاجتماعيّة يتمّ إعداد الأرضيّة للتنمية الثابتة والمستدامة.

في مسار العدالة، على الرغم من أنّ الأفعال الفرديّة ليست عديمة التأثير، إلّا أنّ بنية الحاكميّة تلعب دورًا أساسيًّا في هذا المجال. وقد ذهب الإمام الصادق عليه‌السلام إلى القول إنّ نزول البركات والنعم الإلهيّة وزيادة الرزق يُعدّ نتيجة لإقامة العدل، وقال في هذا الشأن: «إنّ الناس

(314)

يستغنون إذا عُدل بينهم، وتُنزِل السماء رزقها، وتُخرِج الأرض بركتها بإذن الله تعالى».[1] يتمّ الحديث في الروايات الإسلاميّة عن هذا الأصل الجوهريّ ـ الذي يُعدّ بتصريح قول الله سبحانه وتعالى:(لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)[2] من أهمّ أهداف الأنبياءعليهم‌السلام ـ أحيانًا بوصفه غاية،[3] وأحيانًا أخرى بوصفه أرضيّة للحصول على المكارم الأخلاقيّة التي هي من أسمى الغايات الإسلاميّة،[4] وفي كلتا الحالتين يكون دور العلاقات البنيويّة فيه كبيرًا جدًّا. وقد رأى الإمام عليّ عليه‌السلام في بعض كلماته أنّ التراكم الكبير للثروة إنّما هو نتيجة لدمار بيوت الفقراء، وظهور الظلم وعدم المساواة. وعلى هذا الأساس، فإنّ فقدان العدالة التوزيعيّة في المجتمع يخلق في منطق الروايات وأدبيّاتها أرضيّة لعدم التعادل في الثروة، وبذلك يظهر الغنيّ والفقير، وهذا الانعدام للاعتدال الذي يقف الفقر في واحد من طرفيه، ويقف الغنى في طرفه الآخر، يكون سببًا في إيجاد الاضطرابات الاجتماعيّة؛ ومن هنا يتعيّن على الطبقات المتضرّرة في المجتمع أن تعمل ـ من خلال تقوية وعيها الذاتي ـ على تضييق الخناق على الطامعين والجشعين، وهذا هو الهدف الذي يتحقّق ـ على حدّ تعبير ماكس فيبر ـ من خلال المواجهة المستمرّة للتأثير الدنيويّ للثروة الذي يشكّل مجمل تاريخ الرهبانيّة.[5]

العلاقة بين الغنى والانحرافات

توجد الكثير من الروايات التي ترى في الثروة وسعة الرزق مادّة لراحة البال والتفكير، وسببًا في انتهاج العقلانيّة، وقد تمّ اعتبار أهمّيّة ذلك في رواية مأثورة عن الإمام جعفر الصادق عليه‌السلام مساويًا للسلامة والأمن والحصول على زوج وأولاد أبرار، واعتبرت الدعة وراحة البال جامعًا لجميع هذه السعادات:

(315)

«خمس خصال من فقد واحدة منهنّ لم يزل ناقص العيش، زائل العقل، مشغول القلب؛ فأوّلها: صحّة البدن، والثانية: الأمن، والثالثة: السعة في الرزق، والرابعة: الأنيس الموافق... والخامسة: وهي تجمع هذه الخصال: الدعة».[1]

ولكن على الرغم من جميع هذه المحاسن التي تترتّب على سعة الرزق والرفاه والدعة، إلّا أنّ ذلك إذا لم يقترن بالإيمان بالله سوف يكون منشأ للكثير من الآفات والأضرار وسوف تصبح هذه الأمور مصدرًا للكثير من الانحرافات والمفاسد في المجتمع، وسوف يؤدّي في نهاية المطاف إلى انهيار النظام الاجتماعيّ.

في المجتمع الطبقيّ وغير المتكافئ والذي يحكمه اقتصاد غير سويّ، سوف يعيش الأغنياء فيه حالة من النشوة وسكرة الثراء، ويُصابون بأنواع الانحرافات، من قبيل: الإسراف والتبذير، وأكل الربا، والاحتكار، ودفع الرشا، ولعب القمار وما إلى ذلك، كما ترزح على المقلب الآخر مجموعة أخرى من المجتمع في ضائقة من العيش تدفعهم نحو الممارسات المنحرفة، من قبيل: إعطاء الربا، والسرقة، والدعارة وما إلى ذلك. ولكن حيث إنّ الطبقة الثريّة في المجتمع تمتلك الإمكانيّة والقدرة على إخفاء جرائمها، بل وقد تحظى بدعم وحماية الطبقات الحاكمة على المجتمع أحيانًا، ولا تمتلك الطبقة الفقيرة مثل هذه الأدوات؛ فإنّ فساد الطبقة الفقيرة في المجتمع تكون أكثر ظهورًا وتجلّيًا من فساد الطبقة المرفّهة. وفي العادة في بحث ارتباط مستوى الدخل والممتلكات بالفساد، قلّما يتمّ الالتفات إلى الطبقات الخفيّة وقدرة الطبقة المرفّهة والمتمكنة من إخفاء ممارساتها المنحرفة، ويكون الفقراء عرضة لهذه الدراسات والأبحاث والآراء السطحيّة. ومن هنا فإنّنا في الدراسات العلميّة نلتفت إلى العلاقة القائمة بين الفقر والفساد والانحراف في المجتمع، بشكل أكبر من التفاتنا إلى الانحرافات المنبثقة والصادرة عن الثراء والبنية الاقتصاديّة المنحرفة في المجتمع.

وفي الروايات وفي منطق المعصومين عليهم‌السلام يجب أن يحصل جميع أفراد البشر على حياة إنسانيّة كريمة، وعندما نرى في المجتمع شرخًا اجتماعيًّا طبقيًّا واسعًا، وعندما تعيش طبقة في رفاهية

(316)

من الحياة والعيش الرغيد، وترزح الطبقة الأخرى تحت وطأة الفقر، يمكن لذلك أن يستند إلى ثلاثة أسباب رئيسة، وهي أوّلًا: تقصير الأغنياء في الاضطلاع بمسؤوليّاتهم، أو تقصير الفقراء في السعي نحو الحصول على حياة كريمة، أو أنّ الحكام في المجتمع ليسوا من الصلحاء والأتقياء؛ ولذلك فإنّهم يقصّرون ويفشلون في تدبير وإدارة شؤون الحكم وإقامة العدل الاجتماعيّ. لا شكّ في أنّ الشرائط الاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة الموجودة في المجتمع لها تأثير كبير من خلال ممارسة سياسة التمييز في المجتمع وتقسيمه إلى شمال وجنوب وطبقة مرفّهة وطبقة معدمة. إنّ النظر في من يحكم الناس، وما هو مقدار اهتمام الحكّام في إقامة العدل الاجتماعيّ، وموقف الناس منهم، وحجم تطبيق الأحكام الإسلاميّة من قِبل الحكام والناس، وأسلوب عمل الوجهاء والكبار في المجتمع تجاه الناس، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى، تعدّ من بين المسائل التي تلعب دورًا مؤثّرًا في الظهور المبكر لعدم المساواة في المجتمع.

وربما كانت المفاسد الصادرة عن الأغنياء من أجل الاحتفاظ بدنياهم، دون لحاظ الإيمان والتقوى الإلهيّة، هي الأكثر انعكاسًا في المصادر الدينيّة من المفاسد الناجمة عن ظاهرة الفقر. وقد تمّ إيراد هذه السلوكيّات المنحرفة في الكثير من الآيات والروايات على شكل مفاهيم، من قبيل: الإسراف والتبذير، وأكل الربا، وأكل المال الحرام. لقد عدّ الله أكل الربا بمنزلة الحرب على الله ورسوله،[1] وتمّ اعتبار الذين يأكلون الربا إخوة للشيطان.[2] وقد عدّ الإمام عليّ عليه‌السلام الأفعال المنحرفة، من قبيل: أكل ولبس وشراء الأشياء التي لا تناسب الإنسان من بين علامات المُسرف.[3] وقد يصل أكل الحرام والأفعال القبيحة إلى حدّ المحاربة للحقّ والعدل؛ فقد ورد في المأثور عن الإمام الحسين عليه‌السلام أنّه قال لجيش يزيد في يوم عاشوراء: «فقد مُلئت بطونكم من الحرام، وطُبع على قلوبكم، ويلكم ألا تنصتون، ألا تسمعون؟».[4]

(317)

النتيجة

لا شكّ في أن مستوى الحياة والمعيشة فيما لو توفّرت الشرائط والظروف الخاصّة، له علاقة وثيقة بظهور الانحرافات في المجتمع؛ بمعنى أنّ كلّ واحد من مستويات المعاش،  الفقر أو الغنى، يمكن أن يؤدّي إلى الفوضى والاضطراب والأفعال المنحرفة في المجتمع، ويبعد أفراد المجتمع عن إمكانيّة التحلّي داخليًّا بقيَم المجتمع والارتباط المناسب من أجل الحصول على القيَم، سواء بفعل النكبات المنبثقة عن الفقر، أو بسبب الانغماس في الرفاهية والترف.

وبطبيعة الحال، فإنّ التفسيرات المختلفة التي وردت في البحث عن العلاقة بين مستوى الحياة وظهور الانحرافات الاجتماعيّة، لم تسلم على الدوام من الإفراط والتفريط؛ ولا سيّما بشأن الفقر؛ إذ قلّما يتمّ الاستناد في تحليل النظريّات الخاصّة به على التناغم بين العلاقات الفرديّة البنيويّة وخلق عدم التوافق الحاصل من جرّاء ذلك. إنّ الفهم الدقيق لظاهرة الفقر وتبويب الروايات الإسلاميّة الواردة في هذا الشأن يمكن أن يقرّبنا من التعرّف على مختلف أبعاد الفقر، ويوصلنا إلى النتيجة المطلوبة، ويُبعدنا في الوقت نفسه عن الأفهام الخاطئة؛ إذ يجب أن يتمّ العمل دائمًا على وضع الأرضيات البنيوية ـ التي تخلق الشروخ الاجتماعيّة وانعدام التعادل في المجتمع ولا سيّما فقدان العدالة التوزيعيّة ـ ضمن الأبعاد الجزئيّة لهذا النوع من الدراسات والأبحاث.

إنّ المجتمع الذي يتمّ فيه تقدير القيَم الإنسانية على أساس ما يمتلكه الأفراد، سوف يشعر الفقير فيه ـ بسبب عدم امتلاكه للأدوات والفرَص الكافية للوصول إلى الأهداف والغايات المشروعة ـ بعقدة الضعة والحقارة، في حين أنّ الغنيّ ـ إذ يعتبر نفسه أعلى شأنًا ومرتبة ـ سوف يقوم بالأعمال المنحرفة، ولكن حيث يرتبط الفقر بالاحتياجات الأوّليّة لأفراد المجتمع بشكل مباشر، لا شكّ في أنّ ظهور الانحرافات فيه سوف يكون أكثر وضوحًا، وفي هذا الشأن لا ينبغي ـ بطبيعة الحال ـ تجاهل قدرة الأغنياء في المجتمع على إخفاء انحرافاتهم ومساوئهم أيضًا.

(318)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- الشريف الرضيّ، أبو الحسن محمّد بن الحسين، نهج البلاغة، قم، انتشارات مشهور، 1379 ه‍ ش.

- آبراكرامبي، نيكولاس وآخرون، فرهنگ جامعه‏شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: حسن پويان، طهران، نشر چاپخش، 1376 ه‍ ش.

- ابن‌فارس، أحمد، معجم مقاييس اللغة، تحقيق: هارون عبد السلام محمّد، قم، مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1404 ه‍.

- ابن‌منظور، محمّدبن مكرم، لسان العرب، المحقق: جمال الدين الميردامادي، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع / دار صادر، 1414 ه‍.

- أفروغ، عماد، چشم اندازي نظري بر تحلي طبقاتي و توسعه، طهران، نشر فرهنگ و دانش، 1380 ه‍ ش.

- ــــــــــــــ، فضا و نابرابري اجتماعي، طهران، دانشگاه تربيت مدرس، 1377 ه‍ ش.

- پاينده، أبوالقاسم، نهج الفصاحة، قم، نشر طلوع مهر، 1385 ه‍ ش.

- تامين، ملوين، جامعه‌شناسي قشربندي و نابرابري اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: عبد الحسين نيك گهر، طهران، نشر توتيا، 1373 ه‍ ش.

- التميميّ الآمدي، عبدالواحدبن محمّد، غرر الحكم ودرر الكلم، تصحيح: السيّد مهدي رجائي، قم، دار الكتاب الإسلاميّ، 1366 ه‍ ش.

- توسلي، غلام‌عباس، جامعه‌شناسي كار و شغل، طهران، نشر سمت، 1379 ه‍ ش.

- الجوهري، إسماعيل بن حمّاد، الصحاح، بيروت، دار العلم للملايين، ط 4، 1407 ه‍.

- الحرّ العامليّ، محمّدبن الحسن، وسائل الشيعة، قم، تحقيق ونشر مؤسّسة آل البيت، 1414 ه‍.

- الحلّيّ، جعفر بن الحسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام (كتاب الزكاة)، بيروت، دار الأنصار، 1403 ه‍.

(319)

- الحميريّ، عبدالله بن جعفر، قرب الإسناد، قم، انتشارات الرضيّ، 1363 ه‍ ش.

- الخمينيّ، السيّد روح الله، تحرير الوسيلة، طهران، مؤسّسة نشر وتنظيم آثار الإمام الخميني، 1379 ه‍ ش.

- الخوانساري، الآغا جمال، شرح غرر و درر، طهران، جامعة طهران، 1366 ه‍ ش.

- دلشاد، مصطفى، سيره نبوي، طهران، وزارت فرهنگ و ارشاد اسلامي، 1372 ه‍ ش.

- رفيع پور، فرامرز، توسعه و تضاد، طهران، شركت سهامي انتشار، 1378 ه‍ ش.

- روشه، غي، تغييرات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: منصور وثوقي، طهران، نشر ني، 1381 ه‍ ش.

- الشريف الرضيّ، أبوالحسن محمّد بن الحسين، نهج البلاغة (شرح صبحي الصالح)، قم، انتشارات هجرت، 1414 ه‍.

- الشعيري، تاج الدين، جامع الأخبار، قم، انتشارات الرضي، 1363 ه‍ ش.

- الشهيد الثاني، زين الدين بن عليّ، منية المريد، قم، مكتب الإعلام الإسلاميّ، 1409 ه‍.

- الصدوق، محمّد بن علي(ابن بابويه)، الخصال، قم، انتشارات اسلامي جامعة المدرّسين، 1362 ه‍ ش.

- ــــــــــــــــــــــــ، عيون أخبار الرضاعليه‌السلام ، طهران، مؤسّسة الأعلميّ للمطبوعات، 1404 ه‍.

- ــــــــــــــــــــــــ، من لا يحضره الفقيه، تصحيح: علي‌أكبر غفاري، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعه مدرسين حوزه علميه قم، 1413 ه‍.

- صديق سروستاني، رحمة الله، آسيب شناسي اجتماعي (جامعه‌شناسي انحرافات اجتماعي)، طهران، نشر سمت، 1387 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، الميزان في تفسير القرآن، قم، دفتر انتشارات اسلامي جامعة المدرّسين، 1417 ه‍.

- الطوسي، محمّد بن الحسن، الأمالي، تحقيق: مؤسّسة البعثة في دار الثقافة.

- الغديري، عبدالله عيسى إبراهيم، القاموس الجامع للمصطلحات الفقهيّة، بيروت، دار الحجّة / دار الرسول الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، 1418 ه‍ / 1998 م.

- فيبر، ماكس، اخلاق بروتستان و روح سرمايه‌داري (الأخلاق البروتستانتيّة وروح الرأسماليّة)، طهران، نشر سمت، 1371 ه‍ ش.

(320)

- قنادان، منصور، مطيع، ناهيد؛ وستوده، هداية‌الله، جامعه‌شناسي: مفاهيم كليدي، طهران، نشر آواي نور، 1376 ه‍ ش.

- الكلينيّ، محمّد بن يعقوب، الكافي، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 ه‍.

- كوئين، بروس، مباني جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: غلام‌عباس توسلي ورضا فاضل، طهران، نشر سمت، 1379 ه‍ ش.

- گلابي، سیاوش، اصول و مباني جامعه‌شناسي، طهران، انتشارات میترا، 1373 ه‍ ش.

- المجلسيّ، محمّد باقر، بحار الأنوار، طهران، كتاب فروشي اسلامية، 1373 ه‍ ش.

- المصطفوي، حسن، التحقيق في كلمات القرآن الكريم، طهران، وزارة الثقافة والإرشاد الإسلاميّ، 1368 ه‍ ش.

- النراقي، محمّدمهدي، جامع السعادات، تقديم: محمّد رضا المظفر، قم، مكتبة الداوري.

- النوري، حسين بن محمّد تقي، مستدرك الوسائل و مستنبط المسائل، قم، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ، 1408 ه‍.

 

 

 

 

 

 

 

 

(321)
(322)

 

 

العقوبة آخر طرق السيطرة على الانحرافات الاجتماعيّة في ضوء التأكيد على تعاليم الإمام عليّ عليه‌السلام في نهج البلاغة[1]

علي رضا محسني تبريزي[2]، حفيظ الله فولادي[3]

الخلاصة

يبدو أنّه لا مندوحة من اتخاذ بعض الطرق لمعاقبة الجانحين والمجرمين والجناة، بعد اتخاذ مجموعة من الإجراءات الوقائيّة والإصلاحيّة، لغرض الحفاظ على النظم والتلاحم الاجتماعيّ والسلم الأهلي؟ إنّ دراسة تعاليم الإمام عليّ عليه‌السلام للتعرّف على مجموعة من الأمور المهمّة من أجل تحقيق الهدف المذكور، والتأسّي والاقتداء بها في المجتمع الدينيّ، تعدّ واحدة من ضرورات التحقيق؛ حيث سنعمل في هذه المقالة على استخراج القضايا المرتبطة بمقولة العقاب من كتاب نهج البلاغة، ومن خلال الاستفادة من المنهج الكيفيّ وتوظيف تقنية النظريّة المبنائيّة سوف نقوم بترميز المعطيات والنتائج، ثمّ نعمل على تبويبها في إطار المقولات المحوريّة، وفي نهاية المطاف سوف نعمل على اختيار مقولة منتقاة تحت عنوان «معاقبة المجرمين» ونقوم بتحليلها. وحيث

(323)

كانت المعطيات نظريّة وتتمحور حول النصّ، فقد استفدنا كذلك من أسلوب تحليل المحتوى أيضًا. وفي هذا السياق نحصل ـ من خلال النظر في كلام الإمام عليّ عليه‌السلام ـ على بعض الأمور، من قبيل: العقوبة الجسديّة، والعقوبة النفسيّة والروحيّة، وعقوبة التجريد من الصلاحيّات، والعقوبات الاقتصاديّة، وحتى عقوبة إزهاق الحياة (القتل) بالنسبة إلى الأشخاص المجرمين بالنظر إلى بعض الجرائم، ومع الأخذ بنظر الاعتبار شرائط تنفيذ كلّ واحد من هذه العقوبات.

المقدّمة وبيان المسألة

لدى الناس في حياتهم الاجتماعيّة ـ ولمختلف الأسباب التي ورد التصريح بها في موضعها ـ قيَم وميول متنوّعة، بل متضادّة في بعض الموارد. والذي يضمن استمرار هذه الحياة الاجتماعيّة هو سيادة النظم على العلاقات الاجتماعيّة، والتي تأتي في ضوء قيام الدولة وتطبيق مجموعة من الآداب والتقاليد والأعراف المشتركة، وكذلك تطبيق القوانين التي تؤدّي إلى الانسجام والتناغم العامّ في إقامة العلاقات فيما بينهم؛ إنّ النشاط اليوميّ للأشخاص فيما بينهم إنّما هو نتاج الانسجام والتناغم العامّ الذي يتحقّق من طريق مسار التعايش الاجتماعيّ، والتبعيّة للمعايير والأدوات المؤثّرة والفئات المرجعيّة الاجتماعيّة، وكذلك التطبيق الجادّ لآليّة الإشراف والرقابة الاجتماعيّة.[1] وفي الأساس يمكن اعتبار منشأ تسمية بعض السلوكيّات ـ بوصفها سلوكًا منحرفًا ـ في نقض الانسجام والتناغم العامّ بين الأفراد في المجتمع؛ بحيث إنّ تصرّفات بعض الأشخاص لا تنسجم مع المعايير المتّبعة من قبل الأكثريّة. ومن هنا تظهر الاضطرابات السلوكيّة، وبالتالي الأفعال الشاذّة في التصرّفات الاجتماعيّة لأفراد المجتمع، حيث إنّه إذا لم يشكل جانب من هذه الأفعال خطرًا داهمًا على النظم الاجتماعيّ، فسوف يعدّ أمرًا طبيعيًّا، بل لا مفرّ منها؛ وذلك لأنّ الهدوء والسكينة العامّة إنّما تأتي في ظلّ تبعيّة الأكثريّة للنماذج الاجتماعيّة المطلوبة؛ حيث إنّ هذه الحالة تعكس سيادة النظم الاجتماعيّ على التعاملات الاجتماعيّة لأعضاء المجتمع في جميع أبعاده ومجالاته. وفي الحقيقة والواقع فإنّ التأكيد الملحوظ الذي نراه في الأدبيّات والتعاليم الدينيّة بالنسبة إلى بعض التكاليف، من قبيل: الحكم بوجوب

(324)

الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، يمكن أن يكون ناشئًا من الهواجس تجاه الحفاظ على المعايير الدينيّة المطلوبة في مجال التعاملات الاجتماعيّة. وعلى هذا الأساس، يمكن اعتبار السيطرة على الانحرافات الاجتماعيّة في معناها الشامل من الزاوية الدينيّة وظيفة عامّة؛ بحيث إنّ تكاليف من قبيل الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر لا تختصّ بشخص أو جماعة بعينها، ويكون الجميع مسؤولًا في حالة تركها وعدم العمل بها. وفي سياق الرقابة على التعاملات الاجتماعيّة للأفراد والجماعات، تحظى مجموعة من الخطوات الوقائيّة واتخاذ الاتجاهات الإصلاحيّة بأهمّيّة أكبر. ويمكن اعتبار مجموعة من الخطوات ـ بوصفها عقوبات رادعة ـ من الطرق والحلول النهائيّة التي لا يمكن اجتنابها. من الواضح بداهة أنّ الغفلة عن السلوكيّات المنحرفة، سوف تؤدّي إلى تفاقم الانحراف وشيوع الموبقات في المجتمع، وبالتالي فإنّ هذا الأمر سوف يفضي بدوره إلى الفوضى وانهيار النظم والانسجام الاجتماعيّ وانتشار الهرج والمرج.

يمكن الادعاء بأنّ الذي يشكّل الأساس للخطوات الرقابيّة في تشريع أنواع العقوبات ليس هو الانتقام والتشفّي، بل إنّما يأتي ذلك في سياق ضرورة ووجوب العمل على حفظ النظم واستقرار الأمن الاجتماعيّ في المجتمع. إنّ المسألة الأساسيّة في البين هي التالي: ما هي الخطوات العمليّة التي يجب اتّخاذها من أجل تحقيق هذه الغاية المهّمة، لإجبار المنحرفين على ترك أفعالهم الشاذّة والمخالفة للقوانين والمعايير؟

يمكن الادّعاء بأنّ دراسة المصادر الدينيّة تثبت في الدرجة الأولى أنّ القضايا المرتبطة بالأمور والوسائل الوقائيّة، ثمّ الوسائل العلاجيّة بعد ذلك من أجل التطويع الإراديّ والعامّ لأعضاء المجتمع، وكذلك علاجهم لغرض تنشئتهم الاجتماعيّة مجدّدًا في إطار عودتهم عن أنواع التصرّفات المتنافية مع المعايير، أكثر بكثير من القضايا المرتبطة بمعاقبة المنحرفين والجانحين. يمكن مشاهدة هذا الأمر المهمّ في بحث تعاليم القرآن الكريم،[1] وسائر المصادر الدينيّة الأخرى. إنّ دراسة نهج البلاغة وهو مصدر معتبر، واستخراج وتبويب القضايا المرتبطة بالسيطرة على

(325)

الانحرافات الاجتماعيّة من وجهة نظر الإمام عليّ عليه‌السلام، قد أثبتت أنّها تتوافق مع القرآن؛ إذ إنّ حجم القضايا الناظرة إلى تقديم الحلول الوقائيّة والعلاجيّة، تحتوي على أبعاد أكثر بكثير من طرق معاقبة المنحرفين.

بالنظر إلى حجم القضايا الوقائيّة والعلاجيّة، وكذلك بنظرة عامّة إلى الاتجاه الإسلاميّ بشأن إرشاد الناس وهدايتهم، يمكن القول: إنّ مقولة العقوبة اتجاه كان قائمًا بعد نشر الوعي وإعداد الأرضيّات وإتمام الحجج في الحياة الاجتماعيّة، وإنّ المواجهة الرادعة في إطار العقوبات إنّما تأتي بعد تلك المراحل. ومع ذلك فإنّ المسألة مورد البحث هي التعريف بطرق السيطرة على الانحرافات الاجتماعيّة بواسطة تطبيق العقوبات في خصوص المتمرّدين على المعايير والقوانين في المجتمع.

ضرورة وأهمّيّة التحقيق

بالنظر إلى سيادة نظام الحكم الإسلاميّ وقيام الدولة الإسلاميّة، وادعاء أكثريّة أفراد المجتمع التبعيّة لأئمّة الدين، تتضاعف أهمّيّة وضرورة القيام بهذا التحقيق، من أجل اكتساب المعرفة بمجموعة من تعاليمهم في مختلف الحقول، ومن بينها طريقة معاقبة المنحرفين والخارجين على القوانين الاجتماعيّة، وهو في الوقت نفسه يُعد حركة في اتجاه توطين وأسلمة العلوم الإنسانية أيضًا.

سؤال التحقيق

إنّ المقالة الراهنة في إطار الكشف عن المسألة المذكورة تسعى إلى الإجابة عن هذا السؤال، وهو: ما هي الحلول والطرق التي يمكن استنباطها من مجموع كلمات الإمام عليّ عليه‌السلام لمعاقبة الخارجين على القوانين الاجتماعيّة.

سابقة البحث

على الرغم من وجود القضايا النافعة والتي تستحقّ الاهتمام في المصادر الإسلاميّة، ومن بينها نهج البلاغة، بشأن الطرق التربويّة والتنشئة الاجتماعيّة بالنسبة إلى أفراد المجتمع، وكذلك دور إصلاح الأبنية الاجتماعيّة في إطار إيجاد العلاقات الاجتماعيّة السليمة، واجتناب السلوكيّات المنحرفة، لم نجد تحقيقًا متطابقًا مع العنوان أعلاه؛ ولكن في الوقت نفسه يمكن لنا أن نشير إلى

(326)

بعض الأبحاث والتحقيقات التي كان الاتجاه العامّ فيها عبارة عن الدخول إلى مسألة العقوبة من زاوية الإسلام، وملاحظة الآراء الحقوقيّة، والآراء الاجتماعيّة في هذا الشأن أحيانًا، ومن بين أهمّ هذه الأبحاث وأكثرها ارتباطًا بموضوع هذه المقالة، هي الدراسات الآ تية:

ـ لقد عمد الدري نجف آبادي (م: 1379 ه‍ ش) في مقالة له تحت عنوان: «مكافحة الفساد في ظلّ دولة الإمام عليّ عليه‌السلام»،[1] ـ ضمن الإشارة إلى غاية ودافع الإمام عليّ عليه‌السلام من القبول بتولّي الحكم ـ إلى بحث ودراسة بعض شرائط وخلفّيات عصر الخليفة الثالث التي أدّت إلى قيام حكم الإمام عليه‌السلام، وقام بتوضح الروايات المرتبطة بجهاد الإمام ومكافحته لمختلف أنواع المفاسد، مع بيان خصائص القضاة بالتفصيل.

ـ قام فلاحي (م: 1389 ه‍ ش) في مقالة له تحت عنوان: «العقوبة في الحقوق الجزائيّة للإسلام»،[2] بدراسة الفلسفة والغاية من جزاء العقوبة في الشريعة الإسلاميّة من الزاوية الحقوقيّة بشكل عامّ.

ـ عمد سجادي (م: 1380 ه‍ ش) في أطروحته العلميّة على مستوى الماجستير تحت عنوان: «نظام السيطرة والرقابة في الإسلام (دراسة مقارنة مع الإدارة العمليّة)»،[3] في ضوء التأكيد على حكومة أمير المؤمنيند عليه‌السلام، إلى بحث الأصول الأساسية لأساليب السيطرة والإشراف والرقابة من زاوية علم الإدارة ومن خلال اتجاه علم الاجتماع، وبحث في بعض الموارد عن مقولة العقوبة أيضًا.

ـ وقام قديمي ذاكر (م: 1377 ه‍ ش) في أطروحته العلميّة على مستوى الماجستير من كلّيّة المعارف الإسلاميّة والحقوق في جامعه الإمام الصادق عليه‌السلام، تحت عنوان: «الآراء الخاصّة بتشخيص الجرائم»،[4] ببحث موضوع الجريمة ضمن فصلين. وقد عمد في الفصل الأوّل إلى بحث ظاهرة الجريمة في ضوء الاتجاه البيئيّ -  النفسيّ، وفي الفصل الثاني بحث هذه الظاهرة في ضوء الاتجاه الاجتماعيّ، مع بيان العوامل الاجتماعيّة والبيئيّة المؤثّرة في ظهورها.

(327)

لقد بحث محمد حسين خسروي (م: 1387 ه‍ ش)، في كتابه بعنوان طرق السيطرة على الجرائم في رؤية أمير المؤمنين عليه‌السلام من الزاوية الحقوقيّة،[1] القواعد الوقائيّة من الجرائم في رؤية الإمام عليّ عليه‌السلام، ثمّ ذكر بعد ذلك أساليب مواجهة الإمام مع المجرمين باختصار.

ـ لقد استعرض رحمدل (م: 1389 ه‍ ش) في كتابه التناسب بين الجريمة والعقاب،[2] المباني النظريّة للتناسب بين الجريمة والعقاب، وكذلك صلتهما بالحقوق في إيران من زاوية الاتجاه الحقوقيّ.

ـ لقد بحث يزديان جعفري (م: 1391 ه‍ ش) العقوبة من زاوية فقهيّة وحقوقيّة في كتابه أسباب وطرق العقوبات[3]، وتناول أبعاد ذلك ضمن فصول موسّعة من خلال استعراض آراء علماء الحقوق.

ـ لقد قام ولائي (م: 1391 ه‍ ش) في كتابه الجرائم والعقوبات في الإسلام،[4] ببيان القواعد التنفيذيّة للعقوبات في عدد من الفصول، مع بيان أنواع العقوبات التأديبيّة والتعزيريّة والحدّيّة والعقوبات التي تستوجب القصاص، وكذلك شرائط تطبيق العقوبات في الإسلام، وذلك من خلال بحث آراء الفقهاء من الزاوية الحقوقيّة بالتفصيل.

وكما هو واضح فإنّ هذه الدراسة تختلف عن التحقيقات السابقة بشكل جذريّ؛ إذ إنّها قد تناولت بشكل خاصّ مفهوم العقاب في رؤية أمير المؤمنين عليه‌السلام في نهج البلاغة من خلال الاتجاه الاجتماعيّ، وكذلك عمدت إلى بحث هذا المفهوم بالنظر إلى آثاره الاجتماعيّة أيضًا، وتمّ السعي فيها ـ ضمن بيان أنواع وأساليب العقوبات المتناسبة مع الجرائم المرتكبة ـ إلى التذكير بأساليب كلّ واحد منها في ابتعاد أفراد المجتمع عن السلوكيّات التي تؤدّي إلى نقض المعايير المهمّة في المجتمع، وكذلك تمّ في هذه الدراسة اتّخاذ اتّجاه كيفيّ في تحليل القضايا من خلال الاستفادة من أسلوب النظريّة المبنائيّة، لذلك فإنّها ستكون مختلفة عن الدراسات السابقة تمامًا.

(328)

أسلوب البحث والتحقيق

كما سبق أن ذكرنا فإنّنا قد عمدنا للإجابة عن السؤال الأصليّ في هذه المقالة ـ التي هي من نوع التحقيقات الكيفية والاكتشافية التي تتمحور حول النص ـ من خلال الاستفادة من المدخل الاستقرائيّ الكيفيّ للبحث في كتاب نهج البلاغة، واستفدنا في تحليل النتائج والمعطيات من أسلوب النظريّة المبنائيّة أو الأرضيّة.[1] وقد عمدنا في هذا الأسلوب ـ من أجل تجميع القضايا المرتبطة بمسألة التحقيق، بعد الدراسة العميقة لكتاب نهج البلاغة ـ إلى جمع ذلك القسم من الخطب والرسائل والكلمات القصار المشتملة على المطالب المرتبطة بسؤال التحقيق بوصفها مقياسًا للتحليل، ثم تم العمل بعد ذلك ـ في إطار إدراك المفاهيم الكامنة ضمن العبارات ـ على ترميز أوّليّ، حيث إنّ هذه الترميزات الأوّليّة تحكي في الواقع عن المفاهيم الموجودة في النتائج والمعطيات نفسها، وتمثّل مسارًا لإيجاد الارتباط بين المفاهيم المستنبطة من صلب المعطيات واستخراج مضمون العبارة من أجل العمل على إيجاد تبويب جديد. وفي مرحلة الترميز المحوريّ تمّ تحويل التشتّت الموجود بين الرموز في مرحلة الترميز الأوّليّ إلى اتحاد نسبيّ، وتمّ إيجاد ارتباط أجمع بين الموجودات التي تمّ العمل على إيجادها في مرحلة الترميز الأوّليّة لكي يتمّ التقليل من كثرة الرموز السابقة بشكل ملحوظ. إنّ المرحلة الأخيرة من الترميزات تسمّى بالترميز الانتقائيّ أو الانتخابّي؛ حيث يتمّ في هذا المسار اختيار مجموعة من بين التبويبات المختلفة بوصفها النواة المركزيّة المنتقاة، ويتمّ العمل على ربط سائر المجموعات الأخرى بهذه النواة. والغاية الأصليّة من ذلك هي إيجاد النواة الأصليّة من أجل ربط سائر المعطيات الأخرى بها. وعلى الرغم من أنّ المقولة الانتقائيّة تستنبط من صلب التحقيق، إلّا أنّها تبقى مجرّد مفهوم انتزاعيّ، حيث يتمّ التعبير عن النتيجة الحاصلة من جميع التحليلات التي تمّ القيام بها في التحقيق ضمن بضع كلمات. وفي الحقيقة فإنّ هذه الكلمات القليلة تعبّر عن الماهيّة التي يدور حولها مجمل التحقيق.[2]

(329)

الإطار المفهوميّ للتحقيق

إنّ هذه الدراسة، بالنظر إلى نوع القراءة التي تشتمل عليها، عبارة عن قراءة اكتشافيّة تقوم على أساس أسلوب النظريّة المبنائيّة، ومن هذه الناحية، فإنّها تفتقر إلى الإطار النظريّ؛ إذ بالنظر إلى الاختلافات المنهجيّة بين الأسلوبين الكمّيّ والكيفيّ، تتمّ الاستفادة في الأبحاث والتحقيقات الكيفيّة والاكتشافيّة من الأطر المفهوميّة من أجل استخراج سؤال أو أسئلة التحقيق بدلًا من الاستفادة من الأطر النظريّة من أجل تدوين واختبار الفرضيّات. إنّ الإطار المفهوميّ يشتمل على مجموعة من المفاهيم المرتبطة ببعضها، حيث يتمّ التركيز فيها على المفاهيم الرئيسة، ويتمّ الربط فيما بينها ضمن قالب من النظام المفهوميّ المترابط والمنسجم.[1]

التعريف بالمفاهيم المرتبطة بالبحث والتحقيق

يمكن تعريف «الأسلوب» بأنّه عبارة عن مجموعة من السياسات والخطط العمليّة التي يتمّ العمل على تطبيقها في إطار مواجهة وضعيّة محدّدة. من الواضح أنّ هذه السياسات والخطط تقوم على معتقدات وأصول يمكن الوصول من خلالها إلى الأهداف والغايات.[2]

لقد تمّ تعريف «الضبط الاجتماعيّ» بأنّها عبارة عن مجموعة من الأساليب والتدابير والسُبُل التي يعتمدها المجتمع أو مجموعة من الناس من أجل تحقيق الأهداف والعمل على هداية أفرادها في إطار رعاية الآداب والعادات والتقاليد والمناسك والمعايير المقبولة عندها.[3] حيث إنّ جميع المجتمعات تحتوي على معايير وقواعد سائدة على سلوكها الخاصّ، ولا يمكن تصوّر مجتمع يخلو من هذه المعايير، فإنّ جميع المجتمعات قاطبة تمتلك من الآليّات والأدوات ما يضمن لها التبعيّة لتلك القواعد والوقوف بوجه الانحرافات الاجتماعيّة.

إنّ «الانحراف الاجتماعيّ» في الحياة الاجتماعيّة، يعني عدم الحركة في المسارات المحدّدة ضمن الأمثلة والنماذج السلوكيّة والمعايير التأسيسيّة التي تعمل على هداية وتوجيه السلوكيّات

(330)

الجماعيّة. وفي ضوء هذا البيان، فإنّ الشخص المنحرف هو الذي تخرج أفعاله وسلوكيّاته عن الأطر المحدّدة في الأرضيّات والقواعد الاجتماعيّة والثقافيّة. إنّ للانحراف عن المعايير الاجتماعيّة صوَر متنوّعة، تبدأ من عدم الانسجام الفرديّ إلى عدم التناغمات الجماعيّة التي يكون لها ماهيّة عامّة وتنشأ عن الاضطرابات الاجتماعيّة[1]، كما يمكن تعريف هذه العبارة في الثقافة الإسلاميّة بأنها تعني عدم التمسّك بالتعاليم الاجتماعيّة للإسلام والتي تحظى بأهمّيّة من حيث سلسلة المراتب والدرجات؛ فلو أنّ فردًا من أفراد المجتمع الإسلاميّ لم يُبد تمسّكًا في التبعيّة للمعايير الإسلاميّة من الناحية العمليّة، يكون من وجهة النظر الإسلاميّة وبحسب أهمّيّة تلك المعايير قد تعرّض إلى الانحراف والميل عن الطريق.

إنّ المراد من «الوقاية» هو كلّ عمل أو سلوك يتمّ اتخاذه من أجل الحيلولة دون وقوع أمر ما، ويتم القيام به قبل وقوع ذلك الأمر. إنّ هذا الأمر يُعدّ نوعًا من العمل الاستباقيّ والمبادرة التي تتحقّق على شكل تحذير وإنذار أحيانًا.

إنّ «العلاج» مفهوم يُشار به إلى الأشخاص الذين يمتنعون عن إصلاح المعايير من الداخل، ولا يقومون برعاية قواعد السلوك على طبق العوامل المتنوّعة، ويقبلون على تصرّفات غير قويمة، ويقعون في مسالك منحرفة، ويعملون في الواقع على تحقيق الرغبات المنحرفة، والعلاج يعني اتخاذ الخطوات التي تمنع هذا الصنف من الأشخاص من القيام بالأعمال المخالفة للقانون، وتعيدهم إلى التبعيّة للأطر المطلوبة.

وأمّا «العقوبات»، فهي تشير إلى مجموعة من الأمور التي يتمّ اللجوء إليها بعد اليأس من الأمور الوقائيّة والعلاجيّة، وذلك من أجل السيطرة على السلوكيّات المنحرفة ووضع السدود والموانع دونها من أجل الحيلولة دون استمرارها بمختلف الوسائل والسُبُل.

والمراد من «الشرائط العلّيّة» هي الشرائط التي تؤثّر على الظاهرة، وتشير إلى الأحداث والوقائع التي تؤدّي إلى وقوع الظاهرة أو توسيعها.[2]

(331)

إنّ «الشرائط الدخيلة» هي التي ترى الشرائط العلّيّة دخيلة، أو تعمل على تغييرها بشكل وآخر. إنّ الشرائط الدخيلة تنبثق في الغالب من الأوضاع والأحوال غير المتوقّعة.[1]

إنّ «الشرائط المتجذّرة» عبارة عن مجموعة خاصّة من الشرائط التي تجتمع في زمان ومكان خاص، لكي تشكّل مجموعة من الأوضاع والأحوال أو المسائل التي يقوم الأفراد بتلبيتها من خلال العمل بها.[2] إنّ الشرائط الجوهريّة تمتدّ بجذورها في الشرائط العلّيّة، وهي حصيلة التلاقي والتلفيق فيما بينها والاقتران ببعضها من أجل بلورة النماذج المختلفة بأبعاد متنوّعة.[3]

إنّ «الظاهرة» مصطلح يجيب عن السؤال عن الماهيّة، والظاهرة هي الأشكال المتكرّرة للأحداث أو الأعمال والتعاملات. أمّا الأحداث والأعمال أو التعاملات، فهي التي يقولها الأفراد أو يقوم بها الأشخاص وحدهم، أو ضمن جماعات، من أجل تلبية الوضع والحالة التي يقعون فيها.[4]

يجب القول إنّ الإستراتيجيّات التي كان يتّخذها الباحثون في مواجهة الظواهر والأحداث بالنظر إلى الشرائط العلّيّة والممهّدة عبارة عن مصطلحات يتمّ استخدامها للإشارة إلى التقنيات الإستراتيجيّة وطرق العمل الاعتياديّة وكيفيّة إدارة الموقعيّات من قبل الأشخاص في المواجهة مع المسائل والأمور. إنّ العمل والتعاملات أفعال مقصودة وهادفة يتمّ القيام بها من أجل حلّ المسألة.[5]

وأمّا في خصوص التداعيات، فيجب القول: إنّ التداعيات نتائج الأعمال والتعاطيات. والتداعيات تقول لنا: ما الذي تحقّق نتيجة للأعمال والتعاملات التي وقعت تحت ظلّ هذا النوع من الشرائط أو لم تقع.[6] إن بعض هذه التداعيات منشود، وبعضها الآخر غير منشود.[7]

(332)

يمكن للتداعيات أن تكون قليلة أو كثيرة، قصيرة الأمد أو طويلة الأمد، عاجلة أو تدريجيّة، مشهودة أو مستورة، من الممكن توقّعها أو لا يمكن توقّعها، ذات أثر محدود أو غير محدود.[1]

إنّ المنظور لنا في هذا القسم هو ذلك المفهوم من السيطرة الاجتماعيّة الذي يكون له بعدّ تنفيذيّ، والذي يتولّاه في الواقع هو المؤسّسات الرسميّة والحكوميّة في المجتمع. إنّ محلّ البحث هو مجموعة الأعمال في قالب العقوبات المشدّدة والتحذيريّة والتي تقوم على أساس نوع من الأعمال المخالفة التي تصدر عن المجرمين والجانحين مع أخذ تناسب العقوبات مع انحرافات الأفراد.

معطيات التحقيق

تمّ في هذا الفصل استخراج القضايا والمفاهيم، وبعد العمل على ترميزها الأوّلّي، تّم إدراجها ضمن قائمة من المقولات المحوريّة عن المفاهيم التي تمّ انتزاعها وتبويبها، وبعد توصيف وتحليل تلك المقولات، يتمّ تقديم المقولة المنتخبة في نهاية المطاف:

 

الجدول رقم (1): ترميز مجموعة من القضايا الناظرة إلى معاقبة المجرمين

 

 

مراجعة الكتاب

(333)

 

 

 

 

لَا أُلْفِيَنَّكُمْ تَخُوضُونَ دِمَاءَ الْمُسْلِمِينَ خَوْضًا تَقُولُونَ قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ [قُتِلَ أَمِيرُ الْمُؤْمِنِينَ] أَلَا لَا تَقْتُلُنَّ بِي إِلَّا قَاتِلِي انْظُرُوا إِذَا أَنَا مِتُّ مِنْ ضَرْبَتِهِ هَذِهِ فَاضْرِبُوهُ ضَرْبَةً بِضَرْبَة

الكتاب رقم: 47

حكم قتل القاتل

... إن رَسُولَ اللَّهِ... قَطَعَ [يَدَ] السارِق

الخطبة رقم: 127

قطع يد السارق

... إنَّ رَسُولَ اللَّهِ... جَلَدَ الزَّانِيَ غَيْرَ الْمُحْصَنِ

الخطبة رقم: 127

الجلد في زنا غير المحصن

فَرَضَ اللَّه... إِقَامَةَ الْحُدُودِ إِعْظَامًا لِلْمَحَارِم

الحكمة رقم: 252

إقامة الحدود

... فَبَسَطْتَ عَلَيْهِ الْعُقُوبةَ فِي بَدَنِهِ...

الكتاب رقم: 53

جلد الخائن

... ثُمَّ نَصَبْتَهُ بِمَقَامِ الْمَذَلَّةِ...

الكتاب رقم: 53

إذلال الخائن

ازْجُرِ الْمُسِيءَ بِثَوَابِ الْمُحْسِن

الحكمة رقم: 177

مكافأة المحسن ومعاقبة المسيء

... وَوَسَمْتَهُ بِالْخِيانَةِ...

الكتاب رقم: 53

وضع الخائن في زمرة الخائنين

... وَقَلَّدْتَهُ عَارَ التُّهَمَة

الكتاب رقم: 53

التعريف العام للخائن بسوء السمعة

فرَضَ اللَّه... الْقِصَاصَ حَقْنًا لِلدِّمَاء 

الحكمة رقم: 252

القصاص

لَمْ يَكُنْ أَحَدٌ أَهْوَنَ عَلَيّ مِمّن اعْوَجّ مِنْكُمْ ثُمَّ أُعْظِمُ لَهُ الْعُقُوبَةَ ولا يجد عندي فيها رخصة

الكتاب رقم: 50

المعاقبة الجادّة للمنحرف

 

مراجعة الكتاب

(334)

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

(335)

بحقّ المجرمين الذين لم تؤثّر فيهم العقوبات الوقائيّة والإصلاحيّة؛ بمعنى السماح بأنواع من العقوبات من قبيل: العقوبة الجسديّة، والعقوبات الماليّة، والنفسيّة والحيثيّة وحتّى إزهاق حياة المجرم مع ضرورة رعاية التناسب بين العقوبة والجريمة المرتكبة، بعد الفشل في الاتجاهات الوقائيّة والإصلاحيّة بالنسبة إلى المجرمين، وكما هو واضح من عنوان المقالة في الحقيقة والواقع، فإنّ إنزال العقوبة بوصفها آخر طريق يجب سلوكه للسيطرة على الأفعال الإجراميّة.

ومن الجدير ذكره أنّه على الرغم من التغيير الحاصل في العالم المعاصر بالنسبة إلى مقولة الجريمة وطريقة معاقبة المجرمين، وأنّها قد أصبحت بزعمهم «أكثر إنسانيّة وتعاطفًا»، وتمّ السعي من هذه الزاوية إلى الحصول على إدراك وفهم أفضل عن المجرم وطريقة التعامل معه؛ بيد أنّ الواقعيّة الميدانيّة للقضيّة تحكي عن أنّ هذا التغيير لم يتمكّن من النجاح في السيطرة على الجريمة والجنوح ووقوع أنواع المجرمين المحترفين والمتمرّسين.[1] ومن هنا فإنّ الرؤية الدينيّة، ومن بينها المفاهيم المستخرجة من كلمات الإمام عليّ عليه‌السلام، يمكن اعتبارها طريقة لا بدّ منها وضروريّة، ولا ينبغي إدخال العواطف في إقامتها وتطبيقها.

إنّ ملاحظة هذه المجموعة من المفاهيم بشكل عامّ لمعاقبة المجرمين، تثبت أنّه بالنظر إلى الأصل الكلّيّ القائم على التناسب بين العقوبة والجريمة، يوجد طيف من مختلف العقوبات التي تنتظر المجرمين والخارجين على القانون. ويبدو أنّ هذا التنوع في طرق العقاب أقرب إلى العدل؛ إذ لربما كان يوجد خارجون على القانون يكون نوع سلوكهم المنحرف بحيث يكون تطبيق العقوبات المتعدّدة المتناسبة مع آثار السلوكيّات الجانحة هو الأنسب والأجدى بحقّهم. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ المسؤول الخائن الذي يسيء استغلال ثقة المجتمع به، ويوقع الخلاف في المجتمع ويخون الحيثيّة الاجتماعيّة للدين والمسلمين، يكون مقتضى الإنصاف، بل والتماهي مع جميع أعضاء المجتمع، هو أن تتمّ معاقبته بالإضافة إلى تغريمه مادّيًّا بسبب الجرائم الماليّة التي تسبّب بها بواسطة سوء استغلاله لمنصبه، وأنّ يتمّ تشويه سمعته وحيثيّته والتشهير به أيضًا، ليتمّ العمل بذلك على تدارك سوء فعلته الشنيعة، وليتضح قبح فعله بالنسبة إلى الجميع،

(336)

ويطهّر ثوب الدين والمجتمع من أدران هذا النوع من الجرائم؛ وإلّا فإنّ محاكمة هذا الشخص في الخفاء وتدارك ما فات، لا يتناسب أبدًا مع الانحراف الواضح الصادر من هذا الشخص الخائن. إنّ هذا المطلب يُثبت إمكان صدور العقوبات المتعدّدة على بعض الانحرافات الخاصّة، من قبيل «الخيانة» وأمثال ذلك. وفي الأساس يمكن التصريح بأنّه من بين المطالب العامّة حاليًا في المجتمع الإسلاميّ، عدم رعاية شأن ومنصب المسؤولين الخونة من قبل المحاكم القضائيّة، واتخاذ الإجراءات السريعة والعاجلة والجادّة والحازمة مع المجرمين من الرؤوس الكبار وأصحاب الياقات البيضاء. وفيما يلي سوف نقدم توضيحًا مختصرًا حول كلّ واحد من المفاهيم المحوريّة أعلاه، وذلك على النحو الآتي:

العقوبة البدنيّة

إنّ تركيب عبارة «العقوبة الجسديّة» وإن كان واضح المعنى والمفهوم من الناحية اللغويّة، ولكن لم يتمّ تقديم تعريف اصطلاحيّ عنه. والذي نقصده هنا من هذه العبارة ـ في ضوء معناها اللغويّ ـ هو تطبيق كلّ عقوبة تؤدّي إلى إيجاد الأذى والوجع بجسم الشخص المنحرف؛ وقد تمّت الاستفادة من أفعال من قبيل: جلد المجرم، وقطع يد السارق، وجلد الخائن، وإقامة الحدود وما إلى ذلك بالنظر إلى نوع العقوبات تحت عنوان «العقوبة الجسديّة».

ومن الضروريّ التذكير بهذه النقطة، وهي أنّ تطبيق العقوبات الجسديّة الواردة ذكرها في الدين الإسلاميّ، ليس له أيّ ارتباط بالتعذيب غير القانونيّ وغير الشرعيّ؛ وذلك لأنّ هذا النوع من التعاليم الدينيّة حكم متناسب مع الانحرافات الخاصّة، من قبيل: السرقة والخيانة والاعتداء على الآخرين؛ بيد أنّ أمورًا من قبيل التعذيب إنّما هو إجراء تعسّفي بقصد الحصول على اعترافات من شخص لم يقترف أيّ جريمة، وبذلك يتمّ الضغط عليه بهذه الطرق المرفوضة. وعليه لا ينبغي الخلط بين الأمرين وسوء الفهم من هذه الناحية.

من الواضح أنّ المنظور في هذا النوع من العقوبات هو الجانب الردعيّ منها؛ ليرتدع المجرم ويكون ـ في الوقت نفسه ـ عبرة للآخرين.

(337)

العقوبة النفسيّة

يذهب علماء النفس الاجتماعيّ إلى الاعتقاد بأنّ مسار كبح السلوك الجانح من قبل المنحرف، من خلال تقديم المقوّي السلبيّ أو المحرّك المؤذي، يمهّد الأرضيّة لإضعاف السلوك المنحرف.[1] وبعبارة أخرى: يمكن العمل ـ من طريق القيام بالأساليب المؤذية ـ على تقليل أو إزالة السلوك المرفوض والمنحرف. من الواضح أنّ الأساليب الموجعة تعدّ نوعًا من العقوبات والروادع التي يتمّ إنزالها بحقّ الشخص المرتكب للسلوك المنحرف والأفعال الإجراميّة. لقد تمّ تقديم الكثير من الأساليب المتنوّعة من أجل التقليل أو القضاء على السلوكيّات السلبيّة الصادرة عن مثل هؤلاء الأفراد، والنتيجة التي تترتّب على ذلك هي ردعهم عن مواصلة السير في طريق الانحراف؛ فالشخص الذي يلحقه الأذى بسبب اتخاذ الأساليب والعقوبات الرادعة، يتنبّه في الحقيقة والواقع إلى نوع من العقوبة في قبال سلوكه المنحرف.[2] في ضوء كلام أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يتمّ ردع الشخص المنحرف عن مواصلة طريق الانحراف من خلال تشجيع الصالحين والمحسنين، وفي الواقع فإنّه من خلال عدم توفير الدعم والتأييد للشخص المنحرف، وتشجيع الشخص المستقيم، نكون بذلك قد عاقبنا المسيء، وعليه فإنّه سوف يضطر إلى ترك الانحراف والتخلّي عن تلك السلوكيّات القبيحة والمخالفة للقانون، وتقويم سلوكه ليحظى بتأييد الآخرين. وكذلك فإنّ إذلال الشخص الخؤون، ووصمه بالخيانة، والتشهير به وتشويه سمعته، من أجل القضاء على مقبوليّته ومكانته الاجتماعيّة، تعدّ من جملة العقوبات النفسيّة الشديدة والقاسية التي يتمّ إنزالها بحقّ الشخص الخائن، ولن تكون نتيجة ذلك سوى ابتعاد سائر الأشخاص الآخرين عن الأفعال التي تؤدّي إلى هذا النوع من العقوبات.

عقوبة التجرية من الصلاحيات

إنّ من بين النقاط القيّمة والجديرة بالتأمّل في الدين الإسلاميّ تقديمُ الخدمات إلى الناس والتوفيق إلى السعي في قضاء حوائجهم؛ ولا يمكن تحقيق هذا الأمر المهمّ إلّا من خلال تعهّد

(338)

المحتاجين وتفقّد أحوالهم وحلّ مشاكلهم؛ وفي الحقيقة فإنّ كلّ شخص إنّما يحظى عند الله بالمنزلة الرفيعة والمقام العالي، إذا كان نفعه للناس أكثر من الآخرين. وقد ورد في المأثور أنّه سُئل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : من أحبّ الناس إلى الله؟ قال: «أنفع الناس للناس».[1] ومن بين أهمّ الطرق التي تمكّن الإنسان من تقديم الخدمات إلى أبناء جلدته وإخوته في الإنسانيّة، هي الحصول على صلاحيّات وعلى المقبوليّة والوجاهة الاجتماعيّة من أجل التصدّي لقضاء حوائج الناس، والوصول إلى الأموال العامّة لغرض القيام بتوفير الخدمات إليهم، حتّى يتمكن من خدمة الناس بعد حصوله على كسب ثقتهم واشتهاره بحسن السمعة ورعاية الأمانة. من الواضح أنّ الشخص المتمسّك بهذا المسار يشعر بالسعادة في القيام بواجبه المتمثّل في خدمة الآخرين. وعليه لو أنّ شخصًا أساء توظيف ثقة الناس به وارتكب خيانة، فمن الواضح أنّ مقتضى الخيانة سوف يستدعي ضرورة العمل على «استعادة الأموال من يده». وبالإضافة إلى ذلك لو اقترن سلب الثقة واستعادة الأموال منه بالتشهير به وتعريفه بوصفه شخصًا «خائنًا» و«سيئ السمعة» وما إلى ذلك من الأوصاف التي تستوجب طرده من المجتمع، فمن الواضح أنّ إدراك وجود هذا النوع من العقوبات سوف يردع الكثير من الأشخاص عن التفكير في نهب الأموال العامّة وخيانة الناس في أموالهم.

ومن بين التعاليم الحكومية لأمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام ، يمكن عدّ عقوبة الشخص «الخائن» من بين أشدّ أنواع العقوبات؛ إذ إنّه يذكر مجموعة من العقوبات في موضع واحد، إذ يقول:

«وتحفّظ من الأعوان، فإنْ أحد منهم بسط يده إلى خيانة اجتمعت بها عليه عندك أخبار عيونك، اكتفيت بذلك شاهدًا، فبسطت عليه العقوبة في بدنه، وأخذته بما أصاب من عمله، ثمّ نصبته بمقام المذلّة، ووسمته بالخيانة، وقلّدته عار التهمة».[2]

إنّ هذا الكلام من الإمام عليّ عليه‌السلام يثبت جواز نوع من «العقوبات التلفيقيّة» بحقّ الخائن؛ وذلك حيث يتحمّل الشخص الخائن ـ بالإضافة إلى العقوبة الجسديّة (عقوبة الجلد بالسوط)

(339)

ـ أنواعًا أخرى من العقوبات الحيثيّة والنفسيّة (من قبيل: الإذلال والتخوين وتشويه السمعة)، وعقوبة التجريد من الصلاحيّة (طرده من ممارسة العمل وتولّي المسؤوليّات) وما إلى ذلك.[1]

العقوبة الاقتصاديّة

كما سبق أن ذكرنا فإنّ معاقبة الخارجين على القانون، إنّما تهدف إلى ترجيح المصالح الاجتماعيّة على المصالح الفرديّة، وكذلك فإنّها ترمي إلى إصلاح المنحرفين، وكذلك أن يكونوا عبرة للآخرين، حيث ينظرون إلى عاقبة الانحراف الوخيمة. وبطبيعة الحال فإنّ معاقبة المنحرف في بعض الموارد تقوم في الرؤية الإسلاميّة على أساس نقض المعايير الاجتماعيّة والتعاليم الدينيّة، وعلى هذا الأساس فإنّه في بعض الانحرافات يجب تطبيق العقوبات بالنظر إلى ملاحظة التعاليم الدينيّة من جهة، ونوع نقض المعايير الاجتماعيّة من جهة أخرى، ففي جريمة من قبيل الاحتكار ـ على سبيل المثال ـ مع توفر شرائط تطبيق عنوان الاحتكار على أمر ـ حيث ذكرت في الكتب الفقهيّة ما يقرب من ستّة شروط له ـ تمّ بيان عقوبات من قبيل: الغرامة الماليّة والسجن والجلد وما إلى ذلك.[2]

عقوبة القتل وسلب الحياة

إنّ أمر الإمام عليّ عليه‌السلام بقتل من يدعو إلى «الفرقة» الذي أصدره في إطار حرب الجمل بالنسبة إلى رؤوس الفتنة وقادتها الأصليّين، إنّما يأتي من أنّ سلوكهم كان يعرّض أساس المجتمع الإسلاميّ لخطر جادّ، وكان يؤدّي إلى إثارة الفرقة في المجتمع، فنبّه بذلك إلى نقطة مهمّة فيما يتعلق بمواجهة أولئك الذين يثيرون الفرقة والذين يشكّلون عناصر الفتنة؛ وذلك لأنّ هذا الصنف من الأشخاص من خلال أفعالهم الخطيرة والتي تثير الفرقة بين الناس، يؤدّي إلى نقض الاتحاد بينهم. يمكن أن نفهم من هذا المطلب أهمّيّة وموقع الاتحاد في المجتمع.

وفي مورد عقوبة سلب الحياة من طريق «الرجم في زنا المحصن» يجب الالتفات أيضًا إلى

(340)

أنّ حكم «زنا المحصن» في الإسلام إنّما يتمّ إذا كان الرجل أو المرأة لديهما شريك يلبّي له حاجته الجنسيّة، ولا يكون هناك مانع في البين؛ فإذا اقترف مع ذلك موبقة الزنا وقام بمواقعة المرأة المحصنة، أو مارست المرأة الزنا مع رجل محصن، يثبت عليهما عندها الحكم المذكور. ومن الواضح أن هذا الأمر يعبّر عن عدم سلامة هذا الشخص ـ الأعمّ من الرجل والمرأة ـ، وبطبيعة الحال فإنّ حكم زنا المحصن إنّما يتمّ تطبيقه بعد تحقّق ستة شرائط تمّ بحثها في الكتب الفقهيّة بالتفصيل.[1] من الجدير ذكره أنّ الدين الإسلاميّ شديد الحرص والحساسيّة بالنسبة إلى موارد من قبيل: الأنفس، والأعراض، والكرامات، والأموال، والمنزلة الاجتماعيّة للناس؛ ولذلك فقد فرض عقوبات شديدة وقاسية على من يتجاوز هذه الأمور ويعمل على انتهاكها. وفيما يتعلّق بالانحرافات الجنسيّة، فقد تشدّد الإسلام في إثباتها بمقدار تشدّده في إقامة العقوبات عليها. من ذلك على سبيل المثال أنّ طريق إثبات الزنا هو أن يقرّ الشخص (الرجل أو المرأة) البالغ على نفسه من دون ضغط أو إكراه، وبكامل الحرّيّة والصحّة والوعي والعقل والاختيار قاصدًا أربع مرّات بأنّه قد ارتكب الزنا، وفي كلّ مرّة يعترف بالزنا، يجب على القاضي أن لا يضغط عليه للاعتراف في المرّة اللاحقة، بل ولا ينبغي له أن يشجّعه أو يستحثّه على ذلك، بل عليه أن يحمل اعترافه على محامل أخرى لا تستوجب إقامة الحدّ، وإذا أمكن حمله على عمل صحيح حمله على ذلك المحمل وما إلى ذلك، أو يشهد عليه أربعة شهود عدول (وللعدالة بدورها شرائط معقّدة وصعبة) بشكل محسوس، وأنهم رأوا ذلك بأعينهم، وأن يشهد هؤلاء الأربعة على ذلك في وقت واحد.[2]

و«زنا غير المحصن» بدوره يعني أنّ الشخص الزاني ـ الأعمّ من الرجل والمرأة ـ يكون غير متزوّج، ثمّ يمارس الزنا بإرادته واختياره. ولعقوبة الزاني غير المحصن في المرّة الأولى مئة جلدة، فإذا بلغ زناه ثلاث مرّات، وحُدّ في كلّ مرّة، تكون عقوبته في المرّة الرابعة هي القتل.[3]

(341)

بالنظر إلى خلفيّات وشرائط وقوع مثل هذه الأمور المنحرفة، ولا سيّما في مورد زنا المحصن، لا يمكن لفعل هذا الشخص في الواقع أن يكون مجرّد استجابة للغريزة الجنسيّة، بل يكون في ذلك راغبًا في ممارسة الفحشاء، وعليه يكون هذا الشخص من وجهة نظر الإسلام بمثابة الغدّة السرطانيّة بالنسبة إلى المجتمع الإسلاميّ، وعليه يجب العمل على استئصاله كي لا تنتشر عدواه في المجتمع بشكل أكبر، ومن الواضح أنّ الغاية الأصليّة من تشريع عقوبة مثل الرجم هو الردع الذي ينطوي على عبرة، حتّى إذا قصد شخص أن يقوم بمثل هذا الفعل، انصرف عنه عند أخذ عواقبه وتبعاته بنظر الاعتبار.

وبالنظر إلى الطرق المذكورة لإثبات الزنا في الشريعة الإسلاميّة، يبدو أنّ الأصل في هذا الدين يقوم على أساس عدم إشاعة هذه الفاحشة، وتجنّب إثبات هذه الموارد، والعمل قدر الإمكان على الحيلولة دون الرغبة في إثباتها، وكذلك عدم تتبّعها، بل وإقامة الموانع والعقبات المشدّدة أمام إثبات هذا النوع من الأفعال. ولا بدّ من التذكير بأنّ هذا الاتجاه الدينيّ يحظى بالنسبة إلى المسؤولين والعاملين في المجتمع الإسلاميّ بأهمّيّة كبيرة وجديرة بالملاحظة. وكأنّ نظرة الإسلام في هذا الشأن تقوم على غض الطرف وعدم التطفّل على الممارسات الاجتماعيّة بين عامّة الناس، وأن لا يتمّ التدقيق في ما يقوم به الأشخاص ولا يتتبّعوا عوراتهم وسقطاتهم؛ إذ بالنظر إلى التدقيق في شرائط إثبات الزنا، وأن يكتمل عدد الشهود أربعة، وأن يكونوا قد شاهدوا هذا الفعل من الشخصين بأعينهم، لا يمكن لذلك أن يتحقق إلّا فيما ندر، ومن الملفت أّن هذه المشاهدة العينيّة والقطعيّة لو تحقّقت لأقلّ من أربعة أشخاص، فلا يحقّ لهم في مثل هذه الحالة أن يقيموا الدعوى، ولا أن يشهدوا عليهما، بل إذا قاموا بذلك سوف يستحقّون التعزير والعقاب أيضًا.

القصاص (المقابلة بالمثل في الجناية العمديّة): المراد من هذا المصطلح هو أن يعلم الشخص أنّه إذا ارتكب خطأً عن عمد بحقّ شخص آخر، فإنّه سوف تتمّ معاملته بالمثل؛ بمعنى أنّه لو قتل شخصًا فإنّه سيُقتل به أيضًا، وإن ألحق ضررًا بشخص فإنّه سوف يتمّ إلحاق ذات الضرر به. إنّ الحكم بالقصاص والمواجهة العقلانيّة، تتفق مع مقولة القتل والقاتل التي تستوجب ـ

(342)

على حدّ تعبير القرآن ـ حياة المجتمع وسلامته، كما ورد في قوله تعالى: (وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ).[1] يتّضح من هذا البيان القرآنيّ أنّ حكم القصاص لا ينطوي على صبغة انتقاميّة، وإنّما هو طريقة حلّ عقلانيّة ضروريّة لردع الأشخاص عن الاستمرار في ارتكاب الممارسات الخطيرة من قبيل القتل، ويبدو أنّ في ذلك إعلانًا عن اتجاه المجتمع بالنسبة إلى هذا النوع من الأفعال، وهو القبول بسلب الحياة من هؤلاء الأشخاص وإلغاء حضورهم في المجتمع؛ وذلك لأنّ هؤلاء الأشخاص قد تجاهلوا الخوف من الله، وتهوّروا في ممارساتهم ولم يتورّعوا عن قتل الآخرين. إذ لو لم يحصل الشخص القاتل على جزاء عمله بالقصاص لأيّ سبب من الأسباب، فسوف يتمّ انتهاك العدالة ويفضي ذلك إلى انعدام الأمن في المجتمع، وبطبيعة الحال فقد ثبت بالتجربة أنّه لو تمّ إلغاء هذا الحكم، فإنّ أفراد المجتمع سوف يقتل بعضهم بعضًا بسبب إحساسهم بالنجاة من هذه العقوبة. وبذلك سوف يتمّ سلب الأمن من المجتمع. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم: (مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا).[2] يتّضح من مفهوم هذه الآية مدى ما للحياة من الأهمّيّة من وجهة نظر القرآن الكريم، وبهذا المقدار يتّضح أنّ سلب الحياة من شخص بغير وجه حقّ، يحظى بأهمّيّة كبيرة وتترتّب على ذلك آثار لا يمكن تداركها.

من الجدير ذكره أنّه بالنظر إلى الاستفادة في هذه المقالة من القضايا الواردة في كتاب نهج البلاغة فيما يتعلّق بمقولة العقوبات، لم نحصل على قضيّة تثبت عقوبة «سجن» المنحرفين؛ وقد ورد في ضوء مفاد الكتابين رقم 23 و47 في نهج البلاغة أنّ الإمام عليّ عليه‌السلام بعد ضربه بالسيف في محراب الكوفة وقبل استشهاده قد صرّح أوّلًا بأنّه إن بقي على قيد الحياة ربما عفا عن ضاربه، وإذا فارق الحياة أوصى بالعفو مع إمكان القصاص، وفي الوقت نفسه أكّد على تجنّب القصاص غير العادل. والذي يُستفاد من هذا البيان هو حبس وسجن ضارب أمير المؤمنين عليه‌السلام . ومع ذلك كلّه لا توجد في نهج البلاغة تصريحح بسجن المنحرف؛ رغم إمكان العثور على الحكم بسجن

(343)

المجرم في عصر حكم الإمام عليّ عليه‌السلام من خلال قراءة كلامه وسيرته. من ذلك على سبيل المثال ما نجده في سياسة أمير المؤمنين، حيث إنّه كان بعد أن يعزل ولاته الذين ارتكبوا بعض المخالفات، يطالبهم بتدارك الأضرار الماليّة التي تسبّب بها وإرجاع الأموال التي سرقوها إلى بيت المال؛ فإن امتنعوا عن ذلك حبسهم في السجن إلى حين إرجاع الأموال. وقد نقل في هذا المجال أنّه عليه‌السلام فرض على المنذر بن الجارود العبديّ غرامة قدرها ثلاثون ألف دينار أو درهم، وعندما امتنع عن دفعها، حبسه الإمام عليه‌السلام ، ثمّ عاد الإمام أحد أصحابه ـ وهو صعصعة بن صوحان العبدي ـ في مرضه، فضمن صعصعة دفع الغرامة عن صعصعة، وطلب من الإمام أن يُخلي سبيله.[1]

والنقطة المثيرة للانتباه هي أنّ مفهوم السجن ـ على ما هو شائع حاليًا في الكثير من المجتمعات، بما في ذلك البلدان الإسلاميّة ـ قلّما نجده في المصادر الإسلاميّة.

الجدول رقم (3) الترميز الانتخابيّ (الانتقائيّ)

 

مراجعة الكتاب

 

يبدو أنّ المقولة المركزيّة أو الانتقائيّة التي يمكنها أن تغطّي المفاهيم المذكورة في مقولة محوريّة عبارة عن «العقوبات المتنوّعة والمتناسبة مع نوع الانحراف»، حيث تنظر إلى مجموعة من الإجراءات القاسية والمؤلمة من أجل السيطرة على الأشخاص الذين ينتهكون حدود القوانين الإسلاميّة والاجتماعيّة، ويتجاهلون جميع الحلول والتشريعات المرتبطة بالتأهيل الاجتماعيّ، ولا يبالون كذلك بجميع التحذيرات والتوصيات الإصلاحيّة أيضًا.

 

(344)

 

 

مراجعة الكتاب

 

 

 

 

 

 

 

 

 

النموذج المنهجيّ لخلفيّات العقوبات المتنوّعة والمتناسبة مع نوع الانحراف

الخلاصة والاستنتاج

لا شكّ في أن كلّ إنسان عاقل يسعى في حياته الاجتماعيّة إلى العمل ـ في مواجهة الآفات والأخطار ـ على تلبية احتياجاته الأساسيّة في الحياة، بل وحتّى أن يضع بعض التوقّعات عند مواجهة بعض الأحداث غير المطلوبة؛ ولهذا السبب فإنّ أكثر الناس يسعون ـ في معاملاتهم الاجتماعيّة ـ إلى الابتعاد عن مواطن الخطر، ولا يدخلون في مسارات من شأنها أن تلحق الضرر

(345)

بسلامتهم الجسديّة أو النفسيّة. والجانب الآخر من هذه القضيّة هو وجود بعض الأشخاص المتهّورين الذين لا يُبالون بارتكاب أيّ فعل دون النظر في جميع العوامل والطرق الوقائيّة، وكذلك مجموع الحلول الإصلاحيّة، ومن الواضح أنّ هذا التوجّه من قِبل هذا الصنف من الأشخاص يؤدّي إلى نقض قواعد التعامل الاجتماعيّ، وبالتالي فإنّهم يضعون أنفسهم في مواجهة سائر أفراد المجتمع والجهات المعنيّة. ومن الواضح بداهة أنّ اتّخاذ الإجراءات الرادعة في مثل هذه الشرائط ـ بما في ذلك الإجراءات القاسية والعنيفة ـ للحيلولة دون استمرار الأعمال الإجراميّة والمخالفة للقانون يُعدّ أمرًا لا مفرّ منه. وقد كنّا في هذه الدراسة كما سبق أن ذكرنا بصدد كشف وتحليل أساليب ردع المنحرفين في المجتمع في نهج البلاغة من خلال انتهاج الأسلوب الكيفيّ. إثر النتائج الحاصلة وفي تشريح عناصر منهج التحقيق، يجب القول إنّ الشرائط العلّيّة والدخيلة والجذريّة، وكذلك طرق وتداعيات السيطرة على المنحرفين من خلال التركيز على مقولة العقوبات، على النحو الآتي:

طبقًا لمعطيات ونتائج التحقيق، وحدوث أنواع الانحرافات، وعدم نجاح الإجراءات الوقائيّة والإصلاحيّة من جهة، وضرورة حفظ النظام والتلاحم الاجتماعيّ إثر وقوع تحّقق الاحتياجات الفرديّة والاجتماعيّة للأفراد إلى الخطر على يد الخارجين على القانون، وكذلك ضرورة تطبيق العدالة الاجتماعيّة من ناحية أخرى، تعدّ بوصفها من الشرائط العليّة لتشريع العقوبات.

لقد تمّ العمل في هذا التحقيق على جمع الشرائط الدخيلة في إطار تطبيق أنواع العقوبات في ضوء قاعدة التناسب بين نوع الانحراف والعقوبة الخاصّة به، وهي عبارة عن: ضرورة مراعاة العدالة في تنفيذ العقوبات، والالتفات إلى أصل الردع في العقوبات، ووجوب رعاية التناسب بين الانحراف وتنفيذ العقوبة الخاصّة به، والجدّيّة في تنفيذ العقوبات، وتجنّب إدخال العواطف والمشاعر فيما يتعلّق بتعاليم الدين، مع إمكان توظيف بعض العقوبات بشكل تلفيقيّ بالنسبة إلى بعض الانحرافات من قبيل الخيانة.

إنّ للمرحلة الزمنيّة، وحجم بعض الانحرافات، دورًا في الشرائط الجذريّة لتنفيذ أنواع العقوبات، والظاهرة المنشودة هنا هي «السيطرة على الانحرافات الاجتماعيّة من طريق تنفيذ

(346)

العقوبات». وكذلك فإنّه بسبب ضرورة مراعاة قاعدة تناسب العقوبة مع نوع الانحراف، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ إستراتيجيّة هذا التناسب تختلف؛ بحيث إنّه بالنسبة إلى بعض الانحرافات تمّ ذكر أنواع من العقوبات، من قبيل: العقوبات الجسديّة، أو عقوبة التجريد من الصلاحيّات، وكذلك العقوبات النفسيّة والروحيّة، والعقوبات الاقتصاديّة، بل حتى عقوبة سلب الحياة لبعض المنحرفين، على ما سبق توضيحه في العناوين الآنفة على نحو الإجمال، وأمّا في خصوص التداعيات، فإنّه بالنظر إلى الشرح المتقدّم بشأن خصوص التداعيات، فإنّ أهمّ تداعيات العقوبات يمكن رصدها في تقليل الانحرافات الاجتماعيّة، وزيادة التوجّه نحو الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في المجتمع، وزيادة الأمن الاجتماعيّ، وأهمّيّة تطبيق الاتجاهات الأخلاقيّة في الارتباط مع الناس، والدفاع عن دور وجدوائيّة الدين في الوقاية من الانحرافات الاجتماعيّة، وكذلك العدالة المحوريّة في المجتمع بالمقارنة بين المتماهين وغير المتماهين.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(347)

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- نهج البلاغة.

- بيرو، آلان، فرهنگ علوم اجتماعی، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: باقر ساروخاني، طهران، انتشارات مؤسّسة كيهان، 1366 ه‍ ش.

- خسروي، محمد حسن، راهكارهاي كنترل جرم از نگاه امير المؤمنين عليه‌السلام از منظري حقوقي، قم، انتشارات نور السجاد، 1387 ه‍ ش.

- الخمينيّ، السيّدروح الله، تحرير الوسيلة، ج 2، طهران، المكتبة العلميّة الإسلاميّة، 1388 ه‍.

- الداوري، محمد، كنترل اجتماعي در آموزه هاي قرآن، (رسالة دكتوراه)، قم، پژوهشگاه حوزه و دانشگاه، 1393 ه‍ ش.

- دري نجف آبادي، قربان علي، «مبارزه با فساد در حكومت علوي عليه‌السلام »، مجلة حكومت اسلامي، السنة الخامسة، العدد الثالث، العدد المتتابع: 17، ص 292 ـ 253، 1379 ه‍ ش.

- رحمدل، منصور، تناسب جرم و مجازات، طهران، سازمان مطالعه و تدوين کتب علوم انسانی دانشگاهها، مرکز تحقيق و توسعه علوم انسانی (سمت)، 1389 ه‍ ش.

- ساروخاني، باقر، دايرة المعارف علوم اجتماعی، طهران، انتشارات كيهان، 1370 ه‍ ش.

- سجادي، سيدعلي، نظام كنترل و نظارت در اسلام: مطالعه تطبيقي با مديريت عملي، با تأكيد بر حكومة أمير المؤمنين عليه‌السلام ، طهران، دانشگاه امام صادق عليه‌السلام ، دانشكده معارف اسلامی و مديريت، 1380 ه‍ ش.

- سيف، علي أكبر، تغيير رفتار و رفتار درمانی: نظريه‌ها و روش‌ها، طهران، نشر دوران، ط 4، 1379 ه‍ ش.

- شتراوس، انسلم، و كوربين، جوليت، مباني پژوهش كيفي: فنون و مراحل توليد نظريه زمينه اي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إبراهيم أفشار، طهران، نشر ني، 1390 ه‍ ش.

(348)

- عبدي، عباس وسميرا كلهري، جرم، مجرم و مجازات در ايران، طهران، نشر علم، 1388 ه‍ ش.

- فلاحي، أحمد، مجازات در حقوق كيفري اسلام، مجلة: حقوقي دادگستری، العدد: 70، ص 69 ـ 92، 1389 ه‍ ش.

- فيروزآبادي، سيدأحمد وعلي‌رضا صادقي، طرد اجتماعی: رويكرد جامعه‌شناختی به محروميت (بررسی مفهومی، ديدگاههای نظری و مطالعات موردی در ايران)، طهران، انتشارات جامعه‌شناسان، 1392 ه‍ ش.

- قديمي ذاكر، السيدعبدالزهراء، ديدگاه‌هاي جرم‌شناسانه أميرالمؤمنين عليه‌السلام (رسالة دكتوراه)، دانشگاه امام صادق عليه‌السلام ، طهران، دانشكده معارف اسلامی و حقوق، 1377 ه‍ ش.

- كويين، جيمز براين وآخرون، مديريت استراتژيك «فرايند استراتژی»، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محمد صائبي، طهران، مرکز آموزش مديريت دولتی، 1373 ه‍ ش.

- محسني، منوجهر، مقدمات جامعه‌شناسي، طهران، نشر داوران، 1381 ه‍ ش.

- محمدپور، أحمد، روش تحقيق كيفي ضد روش، طهران، انتشارات جامعه‌شناسان، 1390 ه‍ ش.

- المكارم الشيرازي، ناصر ومساعدوه، پيام إمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام : شرح تازه و جامعی بر نهج البلاغه، ج 5، قم، انتشارات إمام علی بن أبي طالب عليه‌السلام ، 1386 ه‍ ش.

- ــــــــــــــ، پيام إمام أميرالمؤمنين عليه‌السلام : شرح تازه و جامعی بر نهج البلاغه، ج 13و14، قم، انتشارات إمام علی بن أبي طالب عليه‌السلام ، 1390 ه‍ ش.

- ولائي، عيسى، جرايم و مجازات ها در اسلام، طهران، انتشارات مجد، 1391 ه‍ ش.

- يزديان جعفري، جعفر، چرائي و چگونگي مجازات، طهران، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامی، سازمان انتشارات، 1391 ه‍ ش.

- اليعقوبي، ابن واضح، تاريخ اليعقوبي، ج 2، بيروت، دار صادر، 1379 ه‍.

 

 

 

 

(349)
(350)

 

 

تأثير المعتقدات الدينيّة في التقليل من الآفات الاجتماعيّة[1]

إسماعيل چراغي كوتياني[2]، علي أكبر بياري[3]

الخلاصة

إن المُعطى السلبيّ للآفات الاجتماعيّة قد دفع بالمسؤولين في المجتمعات إلى العمل من خلال الطرق القانونيّة والحقوقيّة على التقليل من هذه الآفات والأضرار، بيد أنّ أغلب هذه الجهود لم تتكلّل بالنجاح الكامل، ولم تشتمل على الجدوائيّة الكافية. ومن بين الطرق الناجعة باعتراف العلماء والمفكّرين، طريقة العمل على توسيع رقعة المعتقدات الدينيّة. إنّ هذه المعتقدات تساعد ـ من خلال إنتاج المعاني والمفاهيم وإيجاد النظام الرقابيّ الداخليّ لدى الأفراد ـ على تقليل الأضرار والآفات الاجتماعيّة. وقد تمّ السعي في هذه المقالة إلى بحث وتحليل طرق تأثير المعتقدات الدينيّة على التقليل من الأضرار والآفات الاجتماعيّة. إنّ أسلوب هذه الدراسة توصيفيّ -  تحليليّ ويقوم على منهج الجمع المكتبيّ والتوثيقيّ. تُشير المعطيات إلى أنّ المعتقدات الدينيّة تساعد ـ من خلال إيجاد التلاحم الاجتماعيّ، وإضفاء المعنى والمفهوم على الحياة، وإيجاد الرقابة الذاتيّة، والشعور بالدعم من قبل الله سبحانه وتعالى، والشعور بالمسؤوليّة أمام الله ـ على التقليل من الآفات الاجتماعيّة.

(351)

المقدّمة

إنّ الآفات الاجتماعيّة تنطوي على الكثير من التداعيات السلبيّة على الأفراد والمجتمعات، ومن هنا يتمّ السعي في كلّ مجتمع إلى الاهتمام بتقليل الآفات الاجتماعيّة بمختلف الأساليب والطرق. وتأتي أعمال التنشئة الاجتماعيّة بالإضافة إلى أنظمة الرقابة الاجتماعيّة بوصفها جهودًا في هذا السياق، ومن بين هذه الأساليب إيجاد وتقوية المعتقدات الدينيّة التي تلعب دورًا ملحوظًا في التقليل من الآفات الاجتماعيّة. لقد سلكت أغلب المجتمعات طرق وآليّات الرقابة الشديدة والمواجهات القانونيّة والحقوقيّة في هذا المسار، ولكنّها على الرغم من كلّ هذه الجهود قلّما تمكّنت من تحقيق نتائج تذكر في هذا الشأن، حتّى أنّه لا يمرّ وقت طويل إلّا ونسمع بوقوع أحداث مريعة في جميع أنحاء العالم. وأمّا المعتقدات الدينيّة فإنّها تعمل ـ من دون ممارسة أيّ ضغوط قانونّية، ومن خلال إنتاج نوع من الرؤية الكونيّة الخاصّة وإضفاء المفهوم الخاصّ على الحياة ـ على التنشئة الاجتماعيّة للأفراد، وبذلك فإنّها تسهم في تقليل الأضرار الاجتماعيّة دون أن تتسبّب في تداعيات ضارّة. نسعى في هذه المقالة ـ من خلال البحث في المصادر المكتبيّة، والاستفادة من الأسلوب التوصيفيّ -  التحليليّ ـ إلى الإجابة عن هذين السؤالين، وهما: ما هي الآليّة التي تعمل المعتقدات الدينيّة على توظيفها للتقليل من الآفات الاجتماعيّة؟ وهل يمكن لكيفيّة المعتقدات أن يكون لها تأثير مختلف في مسار التقليل من الآفات الاجتماعيّة؟

الضرورة والأهمّيّة

إنّ الذي يزيد من ضرورة الخوض في هذا الموضوع هو أنّنا نشهد انتشار الآفات الاجتماعيّة في المجتمع الإسلاميّ التي تركت تأثيرات سلبيّة كثيرة على السلامة النفسيّة والروحيّة للمجتمع، ونشهد من ناحية أخرى عدم اهتمام المسؤولين الثقافيّين والاجتماعيّين في القُطر والبلد بقابليّة وظرفية المعارف الدينيّة الجوهريّة ودورها في حلّ المعضلات الاجتماعيّة. لا شكّ في أنّ الخوض في نشاط أساسيّ وجذريّ من أجل التقليل أو القضاء على الآفات الاجتماعيّة ـ بدلًا من الخوض في المسائل السطحيّة والسبل المؤقّتة والترقيعيّة أو استنساخ التجارب الغريبة عن مجتمعنا ـ يُعدّ

(352)

أمرًا ضروريًّا. إنّ ضرورة هذا الأمر إنّما تتجلّى حيث نعلم أنّ سلامة المجتمع رهن بسعادة الأفراد، وتبعًا لذلك فإنّ دور المجتمع المتضرّر في شقاء الأشخاص أمر لا يمكن إنكاره. ومن ناحية أخرى فإنّه بعد انتصار الثورة الإسلاميّة ألقى الدين بظلاله على فضاء واسع من الحياة والمجتمع، ويمكن لذلك أن يشكّل اختبارًا للدين وقدرته في السيطرة على الآفات، كما يمكن لإخفاقه أن يؤدّي إلى حدوث آفات في نوع الرؤية والنظرة إلى الدين. من هنا فقد أخذنا على عاتقنا أن نبحث في ظرفيّة المعتقدات الدينيّة في التقليل من الآفات والأضرار الاجتماعيّة.

جذور وسابقة البحث

إنّ من بين المسائل التي وقعت موردًا لاهتمام بعض المفكّرين والمراكز الثقافيّة، دراسة العلاقة بين التديّن والآفات الاجتماعيّة. وقد تمّ في هذا الشأن تدوين مقالات جامعة نسبيًا. إن نتائج هذه الدراسات تشير في أغلبها إلى أن التديّن يؤدّي إلى التقليل من المعضلات والمشاكل الاجتماعيّة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ كلًّا من لارسون وجونسون قد توصلا في دراستهما إلى نتيجة مفادها أنّ معياري التديّن ـ ونعني بهما السلوك الدينيّ والمشاعر الدينيّة ـ لهما دخل في توقّع الجرائر؛ بحيث إنّه كلّما كانت شدّة السلوك الدينيّ في البُعد الخاصّ أكبر، وكانت المشاعر الدينيّة أقوى، وتحظى بمقبوليّة أكبر، سوف يكون حجم ارتكاب الجرائم أقلّ. في ضوء هذه الدراسة نجد أنّ الشباب الذين يثابرون على ارتياد الكنائس ويشاركون في الطقوس الدينيّة قلّما ينجرفون ـ بالقياس إلى أقرانهم من الشباب المعرضين عن الدين ـ نحو الانحراف.[1] وفي دراسة أُجريت على السجناء في مدينة قم المقدّسة، تمّ توظيف التديّن لا بوصفه عنصرًا وحيدًا في التقليل من عنف السجناء فحسب، بل وبوصفه نوعًا من العلاج النفسيّ أيضًا. فقد تمّ في هذه الدراسة بحث حجم التأثير الذي يتركه نوع من العلاج الدينيّ -  النفسيّ ـ باسم «العلاج التوحيديّ الخالص» ـ على تقليل السلوكيّات الجانحة والعنيفة بينهم. إنّ «العلاج التوحيديّ الخالص» علاج يقوم على تعليم مهارات الحياة على أساس التعاليم الإسلاميّة وبالاستناد إلى

(353)

تعميق العلاقة مع الله سبحانه وتعالى. إن نتائج هذه الدراسة تشير إلى انخفاض بنسبة 90% من السلوك الإجراميّ بين الفئة التي خضعت لهذا العلاج.[1] وفي دراسة أخرى أجريت في مدينة يزد، تمّ بحث العلاقة بين «تديّن الوالدين مع عنف الأولاد الذكور في المرحلة الإعداديّة». وقد أثبتت نتائج هذه الدراسة بدورها أنّه كلّما كان مقدار تديّن الوالدين أكبر، كانت نسبة السلوك العنيف من قبل أولادهم أقلّ. كما أثبتت هذه الدراسة أنّ تديّن الأب يكون سببًا في تقليل عنف الأولاد الذكور بشكل أكبر من تديّن الأم.[2] كما أجريت دراسة مماثلة في مدينة الأهواز أيضًا، حيث تمّ فيها تقويم «أثر تديّن الوالدين على حجم عنفهم تجاه الأولاد»، وقد تمّ في هذه الدراسة فصل البُعد التأثيريّ والمناسكيّ عن البُعد العاطفيّ والاعتقاديّ من التديّن؛ بمعنى أن البُعد التأثيري والمناسكي تمّ تفسيره بمقدار تمسّك الوالدين بأداء المناسك الدينيّة، من قبيل: صلاة الجماعة وغيرها من المناسك، ولا سيّما المناسك الدينيّة الجماعية، وإن البُعد الاعتقادي ناظر إلى الاعتقاد والإيمان بالله ويوم القيامة وصدق النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والقرآن الكريم، وأمّا البُعد العاطفيّ، فيشمل الشعور المعنويّ والروحيّ، والخشية من الله ويوم القيامة. إنّ نتائج هذه الدراسة تثبت أنّ تديّن الوالدين يؤدّي ـ بشكل عام ـ إلى تقليل ممارسة العنف تجاه الأولاد. وفي الفصل والتفكيك بين أبعاد الدين كان للبُعد الاعتقاديّ بدوره التأثير الأكبر في تقليل العنف أيضًا، في حين لم تكن هناك علاقة مفهوميّة بين البُعد المناسكيّ والعنف تجاه الأولاد؛ كما أنّ نتائج الكثير من الدراسات المشابهة بدورها تؤيّد هذا المعنى أيضًا؛ بمعنى التأثير الإيجابيّ للدين على سلامة النفس، والتأثير السلبيّ له على ممارسة العُنف.[3] وكذلك من خلال البحث في المقالات المنشورة في المجلات العلميّة المعتبرة، تمّ العثور على موارد مماثلة نشير إلى عناوين المقالات الأهمّ من بينها، والتي يكون لها الارتباط الأكبر بالموضوع مورد البحث في هذه المقالة، وهي على النحو الآتي:

(354)

«تأثير دينداري و سرمايه اجتماعي در پيشگيري از مصرف مواد مخدر»،[1] لكاتبيها: علي أكبر أمين بدختي ونويد شريفي و«تأثير مراتب دينداري بر كاهش انحرافات اجتماعي در آموزه‌هاي قرآن»،[2] لكاتبها محمد باقر آخوندي. و«بررسي تأثير ميزان دينداري در كاهش ارتكاب رفتار مجرمانه جوانان»،[3] لكاتبيها: علي رضا محسني تبريزي ومهدي نوروزي گودرزي. و«نقش آموزه هاي اسلامي در پيشگيري از شكل گيري شخصيت مجرمانه با تأكيد بر عوامل شخصيتي و فردي»،[4] لكاتبها: ميثم زيدآبادي نجاد ومساعدوه. في جميع هذه الموارد أعلاه، تمّ إثبات أصل هذه المسألة، وهي أنّ ثمّة علاقة إيجابيّة بين التديّن وانخفاض نسبة الآفات الاجتماعيّة والسلوكيّة؛ بحيث كلّما كان حجم التديّن أكبر، كان مقدار الآفات والأضرار الاجتماعيّة أقلّ. بيد أنّ المسألة التي قلّما تمّت الإشارة إليها في هذه النماذج هي مسألة أدوات التديّن وكيفيّة تأثيره في حلّ المعضلات الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى: ما هي العلاقة بين تنمية المعتقدات الدينيّة وتراجع الانحرافات والآفات الاجتماعيّة؟

المفاهيم

الآفات الاجتماعيّة

يتمّ في علم الاجتماع في الغالب بيان بحث الانحرافات الاجتماعيّة، ويتمّ عادة بيان بعض الانحرافات الاجتماعيّة بوصفها آفات اجتماعيّة. من قبيل: الطلاق والقتل والتشرّد والإدمان والبطالة والفقر وما إلى ذلك، وكذلك معرفة الآفات الاجتماعيّة مثل دراسة ورصد الفوضى وآفات من قبيل: البطالة والإدمان والفقر والطلاق والانتحار وما إلى ذلك، بالإضافة إلى أسباب وأساليب الوقاية منها وعلاجها، وكذلك دراسة الشرائط المرَضية والاضطرابات الاجتماعيّة.[5]

(355)

وبعبارة أخرى: إنّ دراسة منشأ الاختلالات والاضطرابات وأنواع الفوضى الاجتماعيّة، تعني دراسة الآفات الاجتماعيّة؛ إذ لو لم تتمّ مراعاة المعايير في مجتمع ما، فسوف تظهر الانحرافات وتتضرر السلوكيّات، بمعنى أنّ الضرر إنّما يحدث حيث يتمّ التخلّف عن المعايير المقبولة من الناحية الاجتماعيّة.[1]

على الرغم من أنّ المراد من الآفات الاجتماعيّة في علم الاجتماع هو الآفات الشائعة، ولكن يبدو أنّ دائرة الآفات الاجتماعيّة أوسع من ذلك بكثير، وتشمل حتّى الآفات الاجتماعيّة على المستوى الفكريّ أيضًا. من قبيل: الفردانيّة ومذهب اللذّة وكلّ رؤية منحرفة تسود المجتمع، وليس مجرّد الآفات الشائعة والتي هي من قبيل: الإدمان والطلاق والفقر والتشرّد والانحرافات الجنسيّة والسرقة والانتحار والهجرة والبطالة وما إلى ذلك.

وعلى الرغم من إمكان تسمية الآفات الفكريّة الشائعة في المجتمع بـ «الآفات الثقافيّة»، والعلم الذي يتعرّض إلى بحث هذه الآفات هو علم الآفات الثقافيّة، إلّا أنّ الآفات الثقافيّة ترتبط ـ على كلّ حال ـ ضمن رباط مفهومي بالآفات الاجتماعيّة. إن الآفات الثقافيّة تعمل ـ بطبيعة الحال ـ على بحث الآفات والأضرار التي تنطوي على صبغة ثقافيّة، وتؤثّر في العناصر المكوّنة للعادات والسلوكيّات والأفعال السائدة بين أفراد المجتمع. إنّ آفات من هذا القبيل، بغضّ النظر عن حجم الدمار والخسائر التي تتسبّب بها بالنسبة إلى المسائل السطحيّة لثقافة شعب أو مجتمع ما، من الرسوخ في متن الثقافة الأصيلة لذلك الشعب أو ذلك المجتمع، بحيث تشلّ مركز مقاومة الأفراد من الداخل وتجعله عاجزًا وضعيفًا في مواجهة المفاسد والآفات الثقافيّة. إنّ هذا النوع من الأفعال والممارسات يأخذ بالتدريج في الرسوخ حتّى يصبح بحكم الآداب والسنن الحاكمة على المجتمع. وبالتالي فإنه يتحوّل ثقافيًّا ويؤدّي في نهاية المطاف إلى تبلور ثقافة من نوع جديد تختلف عن الثقافة الأصيلة الأولى اختلافًا واضحًا وبارزًا. إنّ خطر اضمحلال القيَم الثقافيّة العليا أو حتّى خطر زوال الثقافة الأصيلة والجوهريّة للمجتمعات الإسلاميّة، من الممكن أن يتوجّ إلى البنية الثقافيّة من داخل وصلب المجتمع، كما يمكن أن ينشأ

(356)

من التقبّل أو الاستعداد لتقبّل القيَم الثقافيّة الغربية والمستوردة.[1] وعلى كلّ حال فإنّ الآفات الثقافيّة تعمل بدورها ـ من خلال التأثير في الأفكار والعادات والآداب وفي سلوكيّات أفراد المجتمع ـ على خلق الأرضيّة الخصبة والمناسبة لظهور الآفات الاجتماعيّة.

المعتقدات الدينيّة

إنّ المعتقدات الدينيّة عبارة عن: المعتقدات المنبثقة عن الدين، بمعنى أنّ منشأها هو الدين والإيمان به واعتناقه. وفي الحقيقة والواقع، فإنّ الشخص المتديّن هو الذي يعتنق تلك المعتقدات ويؤمن بها، من قبيل: الإيمان بالله ويوم القيامة والنبيّ الأكرم والقرآن الكريم ومضامينه. وبعبارة أخرى: إن كلّ اعتقاد يكون له منشأ دينيّ يكون معتَقَدًا دينيًّا، من قبيل: الإيمان بأصول الدين، مثل الاعتقاد بالله والمعاد والنبوّة وما إلى ذلك. ومن الجدير بالملاحظة أنّ للمعتقدات مراتب، بمعنى أنّ بعضها جذريّ وجوهريّ، وبعضها الآخر يقع في مستوى متوسّط، وبعضها سطحيّ. ومن أهمّ أنواع المعتقدات التي تكون لها صلة مباشرة بالآفات الاجتماعيّة هي المعتقدات الجوهريّة، من قبيل: الإيمان بالله ووحدانيّته، والإيمان برسالات الأنبياءعليهم‌السلام ، وسماويّة الوحي، والإيمان بعصمة الأنبياء، والاعتقاد بيوم القيامة والحساب وكتاب الأعمال، والذي يعنينا في هذه الدراسة من بين المعتقدات هو هذا النوع من العقائد.

التديّن

لقد تمّ تقديم الكثير من التعاريف للدين، ولكنّ الدين ـ من وجهة نظرنا ـ عبارة عن مجموعة من القضايا الإخباريّة الناظرة إلى الموجودات، وهو مجموعة من القضايا الإنشائيّة الناظرة إلى الواجبات والمحرّمات في مسار هداية الإنسان وكماله. فإن كانت تعاليمه صادقة ومتطابقة مع الواقع، كان ذلك الدين حقًّا، وحظي العمل به بالاعتبار الكافي. إنّ القضايا الدينيّة إنّما تحصل من طريق العقل أو الوحي، وتستلزم إيمانًا وأعمالًا قلبيّة (جوانحيّة) وجوارحيّة

(357)

خاصّة.[1] وفي ضوء هذا التعريف للدين، يمكن القول إنّ التديّن يعني الاعتقاد بالدين والحياة على أساس التعاليم الدينيّة. وبعبارة أخرى: إنّ التديّن يعني الاهتمام الدينيّ، بحيث يترك هذا الاهتمام تأثيره بشكل وآخر على نوع رؤية وتوجّه وسلوك الأفراد.[2]

الأدبيّات النظريّة

حظي موضوع تأثير الدين والمعتقدات الدينيّة على الحدّ من الآفات الاجتماعيّة باهتمام الباحثين والمفكّرين بمن فيهم علماء الاجتماع أيضًا. يرى إميل دوركهايم ـ من خلال الاستناد إلى التحليلات العملانيّة ـ أنّ الدين عبارة عن مجموعة متناغمة من المعتقدات والسلوكيّات المرتبطة بالأمور اللاهوتيّة التي تجمع وتضمّ أتباعها حول مجتمع أخلاقيّ واحد باسم الكنيسة.[3] إنّ التحليل المبنائيّ للدين من قبل إميل دوركهايم ينبثق عن الدور الذي يلعبه الدين في تبلور الوجدان الجمعيّ والوعي الأخلاقيّ وظهوره.[4] يرى إميل دوركهايم أنّ المجتمع البشريّ في قيامه بالمناسك الدينيّة يدعو إلى التلاحم والاتحاد بين أفراد المجتمع، ويعمل على بلورة الوجدان الأخلاقيّ في ذواتهم، وانطلاقًا من إيمان الأفراد بحقيقة العالم الأخلاقيّ الذي يكونون هم بأنفسهم من أجزائه، سوف يعملون على محاربة الفشل والإخفاق وعدم الإيمان؛ وذلك لأنّ الدين من خلال ترسيخ المؤسّسة الاجتماعيّة يضفي على مشاكل الإنسان معنى خاصًّا، ويربط الإنسان بمساحة تفوق الفردانيّة وتسمو به نحو القيَم المتعالية المتجذّرة في المجتمع.[5] يذهب إميل دوركهايم إلى الاعتقاد بأن الآمال والتطلّعات الإنسانيّة في الشرائط الاجتماعيّة الثابتة إنّما تنتظم من طريق المعايير، وتظهر ـ بسبب انهيار المعايير ـ حالة من اللامعياريّة[6] في الآمال

(358)

والتطلّعات. وحيث لا يمكن إشباع وتلبية هذه التطلّعات المطلقة بشكل طبيعيّ، تظهر في نهاية المطاف حالة من الامتعاض الاجتماعيّ الدائم، ويظهر هذا الامتعاض وعدم الرضى في إطار سلوكيّات وأفعال سلبيّة، من قبيل: الانتحار وارتكاب الجرائم والطلاق وما إلى ذلك.[1] وفي هذا المضمار يعمل الدين على الوفاء بدوره ويقف في وجه اللامعياريّة ويوصل المجتمع إلى حالة من الاعتدال. في ظلّ هذه الأوضاع قد يخفق الأشخاص في تحقيق أهدافهم وغاياتهم وتتوفّر الأرضيّة للإضرار بهم، بيد أنّ الدين يحول دون ذلك من خلال حقن المجتمع بمصل نظامه المفهوميّ والقيَميّ الخاصّ. ومن هنا فإنّ إميل دوركهايم يشير في مورد قوة الردع الدينيّ إلى مصداق الانتحار؛ إذ يقول إنّ الدين يعصم الأفراد من هذه الظاهرة، حيث قلّما يقدم المتديّنون على الانتحار؛ لأنّ الدين في حدّ ذاته عبارة عن مجتمع، وإنّ المتديّنين يعتبرون أنفسهم مرتبطين بالله، ويذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الله وحده هو الذي يمتلك الحقّ في أن يسلب منهم الحياة، وبوسعه أن يمارس هذا الحقّ عندما يحين الوقت المعيّن لذلك.

وقد ذهب جون ميلتون ينغر إلى الاعتقاد بأنّ للدين آليّات مختلفة، قائلًا: إنّ الدين يُطلق على مجموعة من العقائد والأعمال المجدية في المواجهة مع المسائل والمشاكل الكبرى في الحياة، وتتكفّل بالاحتياجات الضروريّة في الحياة.[2] وهو يرى أنّه لا يمكن لأيّ شيء سوى الدين أن يجيب عن الأسئلة الأساسّية والمفهوميّة التي يبحث عنها الإنسان عند حدوث الأزمات.[3] هذا في حين أنّ أحد أهمّ أسباب الآفات الاجتماعيّة، تكمن في عجز الأشخاص عن هضم وتفسير مسائل الحياة.

ويرى جورج زيمل أنّ المُعطى والمُنجز الأهمّ للدين عبارة عن تركيب الأفكار والعلاقات الإنسانيّة، والتي إذا اجتمعت وانضمّت إلى بعضها، سوف تتحوّل إلى مفاهيم فذّة وفريدة. إنّ هذه المفاهيم بسبب مباشرتها وكونها محسوسة تلعب دورًا في حياة الإنسان. وحيث إنّ هذا النوع

(359)

من الأفكار في الرؤية الكونيّة للإنسان لا يحتوي على الوحدة، فقد تمكّن الدين من أن يوجد منشأً مشتركًا لها بأجمعها. إنّ هذا المنشأ المشترك يؤدّي على المستوى الاجتماعيّ إلى التناغم والانسجام، كما يعمل على المستوى الفرديّ على خلق الشعور لدى الإنسان بالدعم والحماية من قبل الله سبحانه وتعالى. إنّ هذا الشعور بالدعم يدفع بالإنسان نحو اكتشاف قدراته وقابليّاته الداخليّة، ومن هنا فإنّ السكينة والاستقرار النفسيّ يحلّ محلّ الاضطراب وعدم الشعور بالأمن.[1] إنّ الدين من وجهة نظر ماكس فيبر يمثّل جوابًا عن صعوبات الحياة وانعدام العدل فيها، ويسعى إلى تبرير هذه الإخفاقات، ويمنح الإنسان الثقة بالنفس في مواجهة هذه المشاكل، ويجعله قادرًا على تحمّل الصعاب، وتظهر المفاهيم الدينيّة بتأثير من هذه الحقيقة وهي أنّ الحياة في الأساس عبارة عن مخاطرة ومجازفة، والدين يسعى لكي يتأقلم الإنسان مع الحقائق العصيبة والمريرة. إن الأشخاص من خلال تواصلهم الدينيّ مع العالم ما وراء الطبيعي، يؤمنون بأنّ آمالهم المادّيّة يمكن أن تتحقّق، وأنّ أنواع الظلم البواح في العالم إنّما هي أمور ظاهريّة، وأنّ الدين بمقدوره أن يفسّر الخصائص التي تبدو اعتباطيّة في ظاهرها، ويعمل على تنظيمها.[2]

يرى ترافيس هيرشي أنّ الأشخاص يختلفون فيما بينهم من حيث الإيمان بالقيَم والمعايير الاجتماعيّة. وتعود هذه الاختلافات إلى حجم ارتباط الأشخاص بالنظام الاجتماعيّ، والعناصر الأصليّة الأربعة التي تربط الشخص بالمجتمع وتحول دون انحرافه، عبارة عن:

1. التعلّق العاطفيّ: إنّ العلقة العاطفيّة تجاه الأشخاص والمؤسّسات والمنظّمات في المجتمع، أسلوب يرى فيه الشخص نفسه مرتبطًا بالمجتمع، من قبيل التعلّق بالزوج والأولاد وما إلى ذلك.[3]

2. التعهّد: إنّ أفراد المجتمع في الوصول إلى أهداف وأغراض، من قبيل: الدراسة وما إلى ذلك مما يسثمرون فيه وينفقون أوقاتهم وطاقاتهم في سبيل تحقيقه، يتعهّدون فيه بشكل أكبر من

(360)

النشاطات الأخرى في الحياة.[1] في ضوء نظريّة السيطرة الاجتماعيّة، يقوم الفاعل بتقويم النفقات والمنافع الناشئة عن كلّ فعل من أفعاله، ثمّ يقوم بعمليّة الاختيار والانتقاء على أساس ذلك. إنّ الشخص الذي يقدِم على السلوك المنحرف هو الشخص الذي لا يمتلك شيئًا ليخسره، أو أنّه لا يرى قيمة للشيء الذي يمتلكه.

3. المواجهة: يمتلك الأشخاص وقتًا وطاقة محدودة في الحياة، والمواجهات في الحياة اليوميّة تحتاج منهم إلى وقت كثير، الأمر الذي يؤدّي بدوره إلى تحديد سلوكهم ونشاطهم. ومن هنا فإنّ الأشخاص العاطلين عن العمل يمتلكون وقتًا أطول لمخالفة المعايير؛ وعليه فإنّ زيادة الأعوام الدراسيّة، والخدمة العسكريّة الإلزاميّة لفترة أطول، وتوفير التسهيلات الرياضيّة، يؤدّي إلى تراجع نسبة السلوك الإجراميّ.

4. الإيمان: يذهب ترافيس هيرشي إلى الاعتقاد بأنّ مستوى إيمان الأشخاص يختلف بالنظر إلى المعايير الاجتماعيّة ورعاية القوانين، وكلّما كان حجم هذا الإيمان لدى الأفراد أضعف، كان احتمال انجرافهم نحو الانحراف أكبر.[2] يقوم الدين ـ من خلال إيجاد المفاهيم الأخلاقيّة المشتركة بين الأشخاص ـ بإضفاء المعنى على المعايير، ويمنحها الانسجام والتناغم، وبذلك يعمل على إيجاد نوع من النظم الأخلاقي في المجتمع.[3] وبعبارة أخرى: إن الدين يحدث في المجتمع مفهومًا عن الاجتماع والإجماع ويعمل على تحكيمه وتعزيزه. ويمنع من السلوكيّات المتعارضة مع المجتمع، ويقترح طرقًا للعمل على إعادة التنشئة الاجتماعيّة للجانحين والمتمرّدين.[4]

ولدى العلماء والمفكّرين المسلمين نظريّات بديعة وتجديدات في هذا الشأن. يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الإنسان عندما يدخل إلى المجتمع، فإنّه يميل بطبعه المتحرّر وغرائزه إلى استخدام أبناء جلدته. وعلى هذا الأساس تكون الغرائز التي هي من قبيل: الأنانية وحبّ الذات والشهوات، هي السبب الرئيس في المفاسد، وإذا لم يتمّ العمل على تعديلها، فسوف يسود الهرج

(361)

والمرج وينعدم النظم في المجتمع، وتتفاقم المشاكل وتتّسع رقعة الخلافات يومًا بعد يوم. وللحدّ من الغرائز لا بدّ من العمل على وضع القوانين، ولكن حيث إنّ القوانين التي يتمّ وضعها من قبل الناس تكون بدورها ناشئة عن الغرائز أيضًا وتكون ناظرة إلى المرحلة المادّيّة للأفراد، فإنّها لا تهتّم بمعنويّاتهم وغرائزهم الداخليّة، ويكون الهدف منها هو مجرّد إقامة النظم والتوازن بين أعمال الناس. إنّ هذا النوع من القوانين لا يمكن له أن يحول دون المفاسد، أو يمنع من حدوث الاختلافات. في حين أنّ الدين ونتيجة للارتباط الذي يقيمه بين الحياة الاجتماعيّة والجبلّة التي جبل الله عليها الناس، فرضت عليهم مسؤوليّة إلهية في جميع الأعمال الفردية والاجتماعيّة، كما فرضت عليهم مسؤوليّة في جميع سكناتهم أيضًا. إن الدين بالإضافة إلى إعطاء زمام مراقبة الإنسان إلى حارس ظاهريّ، قد أعطاه إلى حارس باطنيّ أيضًا، وهذا الحارس الثاني لا يغفل عن مهمّته أبدًا، ولن يتمكّن أحد من الإفلات من عقابه وثوابه. إنّ كلّ شخص متديّن يعلم بإرشاد وهداية من الدين حقيقة أن حياته لا تقتصر على بضعة أيام عابرة يقضيها في عالم الدنيا فقط، وإنّما تنتظره حياة مطلقة ولا نهاية لها ولا تفنى بالموت. والطريق الوحيد الذي يوصله إلى سعادته الأبديّة ويضمن له النعيم الخالد هو التبعيّة للأحكام والتشريعات الدينيّة التي أنزلها الله سبحانه وتعالى إليه بواسطة أنبيائه؛ لعلمه بأنّ القوانين الدينيّة من قبل الله العالم والقادر والبصير الذي يرى سريرة الإنسان بالإضافة إلى ظاهره، سوف يحاسبه على إسراره وإعلانه. وعلى هذا الأساس لا يمكنه الاستفادة من خلال إضماره لعمل ما، ويتخلّى عن مسؤوليّته تجاه الأحكام والقوانين الإلهيّة. يُضاف إلى ذلك أنّ المتديّنين إنّما يحجمون عن ارتكاب الذنوب بإرادتهم ورغبتهم، في حين أنّ أتباع القانون إنّما يمتنعون عن ارتكاب الجريمة بسبب خوفهم من العقوبات القانونيّة فقط. إنّ الدين يحكم على جميع أعضاء جسد المتديّنين، وأمّا القانون فلا يحكم على غير أيدي وأرجل أتباعه. والدين يحكم سواء أكان ذلك في السرّ أم في العلن، في حين أنّ القانون لا يحكم إلّا في العلن، والدين ليس مجرّد حارس يشجب الأعمال القبيحة فقط، بل هو بالإضافة إلى ذلك معلّم ومربّ يعلّم الإنسان الفضائل والكمالات أيضًا، في حين أنّ القانون لا يقوم إلّا بدور الشرطيّ فقط.[1]

(362)

وعلى هذا الأساس يتمّ رسم الطرح النظريّ لتأثير المعتقدات الدينيّة على الآفات الاجتماعيّة، على النحو أدناه:

الدين

التلاحم الاجتماعيّ.. إضفاء المفهوميّة على الحياة.. إيجاد السيطرة الذاتيّة.. الشعور بالدعم الإلهيّ.. إيجاد الشعور بالمسؤوليّة أمام الله

تقليل الآفات الاجتماعيّة

في ضوء هذا الطرح والبيان تترك تعاليم الدين الإسلاميّ والسلوكيّات المستند إليها تأثيرها على التقليل من الآفات الاجتماعيّة، من طريق إيجاد مقولات، من قبيل: التلاحم الاجتماعيّ، وإضفاء المفهوميّة على الحياة، وإيجاد السيطرة الذاتيّة، والشعور بالدعم الإلهيّ، وإيجاد الشعور بالمسؤوليّة أمام الله سبحانه وتعالى. وفيما يلي سوف نعمل على بيان آليّات المقولات الآنف ذكرها في التأثير على الآفات الاجتماعيّة.

آليّات تأثير المعتقدات الدينيّة في التقليل من الآفات الاجتماعيّة

التلاحم الاجتماعيّ

إن كلّ بنية اجتماعيّة تحتاج في حيويتها ونشاطها من أجل تحقيق أهدافها إلى أرضيّات تسهّل حركة الأفراد نحو تلك الأهداف. إن وجود الصدع والشرخ بين طبقات المجتمع يحول دون حركة النظام الاجتماعيّ في مسار الوصول إلى الأهداف والتطلّعات، وفي المقابل فإنّ التلاحم والاتحاد بين أبناء المجتمع يعمل على تسريع هذه الحركة التقدّميّة نحو تحقيق تلك الأهداف. ومن ناحية أخرى فإنّ كلّ شخص يسعى من منطلق غريزته في الأنا وحبّ الذات إلى الحصول على منفعته حتّى إذا كان ذلك على حساب الإضرار بالآخرين، وهذه الحالة الغريزيّة تؤدّي إلى حدوث الاختلاف والنزاع وتمهّد الأرضية الخصبة لانتشار الآفات الاجتماعيّة. إنّ التلاحم ظاهرة يرتبط فيها الأعضاء ببعضهم على مستوى الجماعة أو المجتمع، ويكونون بحاجة متبادلة إلى بعضهم بعضًا. إنّ هذا الأمر لا يستلزم طرد الوعي أو النبذ

(363)

الأخلاقيّ القائم على التقابل والمسؤوليّة، بل هو دعوة إلى إحراز هذه القيَم واكتسابها والشعور المتبادل بالإلزام.[1]

بالنظر إلى الآلّية الإيجابيّة للتلاحم والاتحاد، فقد ورد التأكيد عليها في تعاليم الإسلام، وجاء الحديث عنها في إطار «التمسّك بالحبل الإلهيّ وعدم التفرّق». يقول القرآن الكريم من جهة إنّ التلاحم الاجتماعيّ بين المسلمين نعمة إلهية كبيرة، والمجتمع العربيّ قد نجا بواسطة الاتحاد والوفاق الاجتماعيّ من خطر السقوط المحتوم.[2] ومن جهة أخرى دعا الناس إلى إطاعة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والحذر من التفرّق والتشرذم، واعتبر ذلك سببًا في الخمول وافتقار المجتمع الإسلاميّ لقدراته ومواطن قوّته.[3] إنّ الحكمة الأصليّة من أداء الكثير من المناسك الإسلاميّة، من قبيل: الحجّ، وصلاة الجماعة وما إلى ذلك هو خلق حالة من الشعور بالتلاحم والترابط الاجتماعيّ بين المسلمين.

وعلى هذا الأساس، فإنّ الآليّة الأهمّ في العقائد الدينيّة عبارة عن إيجاد الاتحاد والتلاحم الاجتماعيّ، وقد ورد التصريح في الإسلام ببُعد الانسجام الذي يقيمه الدين والمناسك الدينيّة المشتركة. إنّ الاتحاد في الرؤية الكونيّة يعمل على توجيه أفعال أعضاء المجتمع الإسلاميّ ونشاطاتهم في ضوء الهداية الإلهيّة. إنّ الاتحاد في المعتقدات الدينيّة لا يقوم بتأسيس التلاحم بين الأفراد ضمن بقعة جغرافيّة محدّدة فقط، بل إنّ الاتحاد الدينيّ اتحاد عابر للحدود والقارّات، ويعمل على توحيد جميع المؤمنين في شتّى أقطار المعمورة؛ وذلك لأنّ الحدود التي تنضمّ الناس ضمن دائرتها من وجهة نظر الإسلام إنّما هي حدود العقيدة وليست حدود الجغرافيا.

إنّ العلاقة المفهوميّة بين المعتقدات الدينيّة والتلاحم الاجتماعيّ يأتي من حيث إنّ الدين يجعل المجتمع يبدو من وجهة نظر الشخص المؤمن بوصفه أسرة كبيرة، وأنّه واحد من أفراد هذه الأسرة. ومن هنا فإنّه من خلال انتشار هذا الاعتقاد في المجتمع سوف تنحسر عنه جميع أنواع الخلل والعدوان والإفراط والتفريط والأنانية والجشع. تتمثّل الآفات الاجتماعيّة في نوع من تجلّي الأنانية

(364)

وحبّ الذات بوصفها واقعة في مركز المجتمع وصلبه، وتعريف سائر أفراد المجتمع بـ «الآخر» المهمّش. بيد أنّ المعتقدات الدينيّة إنّما توجد هذه الظرفيّة في المجتمع، حيث يعمل على تعريف جميع أفراد المجتمع الدينيّ من الرجال والنساء تحت عنوان «الإخوة» والأعضاء في الأسرة الواحدة، ويرى كلّ واحد منهم نفسه مسؤولًا تجاه الآخرين، وعندها سوف تنحسر الأنانيّات والأطماع التي هي ثمرة رؤية الذات في مركزيّة الكون، وتزول جميع أرضيّات الآفات الاجتماعيّة عن المجتمع.

يمهّد الإيمان والاعتقاد الدينيّ الأرضيّة المناسبة للشعور باتصال الفرد وارتباطه مع بيئته الاجتماعيّة، ويعصم الشخص من خطر الانفصال الاجتماعيّ. والإنسان كائن مثقّف واجتماعيّ؛ ومن هنا كانت حياته مرتبطة بالآخرين وبالمجتمع بأساليب متنوّعة ومعقّدة.

ولطالما كانت مسألة الاتحاد والتلاحم الاجتماعيّ محطّ اهتمام علماء الاجتماع من أمثال إميل دوركهايم، الذي اهتم بمسألة التلاحم الاجتماعيّ بشكل خاصّ. إنّ غاية علم الاجتماع من وجهة نظر إميل دوركهايم في المجموع عبارة عن: تعيين شرائط بقاء المجتمع. وقد استدلّ على أنّ التلاحم الاجتماعيّ ـ (الأعمّ من التلاحم الميكانيكيّ والطبيعيّ) ـ يمثّل الارتباط القائم بين الأفراد، وكذلك هو مفتاح الحفاظ على المجتمع.[1]

لقد ورد التأكيد في الأديان ـ ولا سيّما في الدين الإسلاميّ الحنيف ـ على مسألة الأخلاق الفرديّة والاجتماعيّة كثيرًا. وفي الأساس فقد تمّ بيان فلسفة البعثة ـ من خلال الروايات المأثورة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ـ في تتميم مكارم الأخلاق.[2] وفي الحقيقة يوجد نوع من الارتباط المباشر بين مراعاة الأخلاقيّات وانخفاض منسوب الآفات الاجتماعيّة في المجتمع، وقد وقعت هذه المسألة موضعًا لاهتمام الآخرين أيضًا، من ذلك ما قاله إميل دوركهايم في هذا الشأن:

«إنّ الشهوات البشريّة لن ترتدع إلّا أمام قوّة أخلاقيّة معتبرة. فلو لم يكن هناك أيّ نوع من أنواع الروادع الأخلاقيّة المقتدرة، لن يكون هناك من حاكم سوى شرعة الغاب، وإنّ العدوان الخفيّ والمعلَن سوف يكون بالضرورة حالة مرَضيّة مزمنة ومستفحلة».[3]

(365)

وفي الحقيقة يمكن القول إنّ دور الأخلاق الفاضلة يكمن في أنّها تستطيع أن تشكّل عقبة كأداء تحول دون الشهوات والأنانيّات وحبّ الذات.

وقد ورد التصريح في الوثائق والتحقيقات الدوليّة ـ ومن بينها المؤتمر التاسع لمنظّمة الأمم المتّحدة حول سُبُل الوقاية من الجريمة وإصلاح المجرمين الخاصّ بجرائم العنف، والذي انعقد في القاهرة ـ على نحو واضح بوجود علاقة مباشرة بين الجريمة ووجود أو عدم وجود الآفات الأخلاقيّة على المستوى الفرديّ والاجتماعيّ.[1]

من خلال الاهتمام والنظر في العلاقة القائمة بين الأخلاقيّات والمعتقدات الدينيّة، نواجه في دراسة المتون الأخلاقيّة الدينيّة بعض المفاهيم التي تعتبر أفراد المجتمع بمنزلة الجسد الواحد، وترى الشخص مسؤولًا تجاه مصير المجتمع، وتأمر أفراد المجتمع أن يتحلّوا بالشعور بالمسؤوليّة تجاه بعضهم، وهي تعاليم من قبيل: (الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإسداء النصح والمشورة، وتقديم الدعم والمساندة إلى الآخرين، والتعاون والإيثار، والانتصار للمظلوم، والإقراض، وصلة الرحم، والاتحاد في ظلّ الاعتصام بحبل الله، والشعور بالتآخي مع المؤمنين، والحثّ على إطعام الآخرين، والحفاظ على عرض المؤمن، والدعاء للآخرين، وإفشاء السلام، وعيادة المرضى، والمشاركة في تشييع الجنائز وما إلى ذلك)، من الأمور التي تمنح الفرد نوعًا من الهويّة الاجتماعيّة. وعندما يتحقّق هذا النوع من الارتباط ـ الحاصل في ضوء العمل بهذه الأخلاقيّات الناشئة عن المعتقدات الدينيّة ـ بين أفراد المجتمع، فسوف يشعر أفراد ذلك المجتمع بنوع من الارتباط العاطفيّ والإيمانيّ العميق تجاه بعضهم، وسوف يمهّد هذا الارتباط الأرضيّة لانحسار الانحرافات والآفات الاجتماعيّة.

وعلى هذا الأساس فإنّ الإنسان الأخلاقيّ، وتبعًا له المجتمع الأخلاقيّ ـ بالنظر إلى التعاليم الأخلاقيّة ـ يشعر من نفسه بنوع من التعلّق العاطفيّ والمسؤوليّة تجاه المجتمع، بحيث إنّ هذا الشعور يُلزم الفرد برعاية حرمة المجتمع. وأمّا إذا ضعف الشعور بالتبعيّة إلى المجتمع أو خَفُتَ بريق التعلّق العاطفيّ، ففي هذه الحالة سوف يرى الفرد المحيط الاجتماعيّ غريبًا عنه. وفي هذه

(366)

الحالة لا يكون غير حريص على محيطه فحسب، بل قد يتبلور لديه نوع من الحقد والضغينة تجاه المجتمع وأفراده، ويشكّل ذلك عنصرًا مهمًّا في ارتكاب الجرائم. وربما كان هذا الأمر واحدًا من أسباب تحريم قطع صلة الأرحام، وحرمة الغيبة، والتهمة، وذمّ الآخرين، وما ورد في ذم الفرقة وسوء الظن وقتل النفس المحترمة، والابتعاد عن الرذائل الأخلاقيّة من قبيل: التكبّر والأنانية والحسد والبخل والتفاخر والغرور والحقد والضغينة والتهتّك وعدم العفاف ونزع رداء الحياء، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى في الإسلام؛ بمعنى أنّ الشخص الذي لا يجتنب هذه الأمور، لن يكون لديه شعور بالتعلّق العاطفيّ تجاه المجتمع، ويمكن لهذه المسألة بدورها أن تشكّل أرضيّة لارتكاب الجرائم والآفات الكثيرة.

ومن ناحية أخرى، عندما يكون الشعور بالتعلّق العاطفيّ بالمحيط والبيئة قويًّا، فسوف يرى الشخص نفسه عرضة لأنظار الآخرين، ويسعى إلى عدم الظهور بمظهر غير لائق، خلافًا للشخص الذي لا يمتلك هذا الشعور ويرى نفسه متحرّرًا ومنفلتًا، ولا يشعر بأيّ نوع من أنواع السيطرة لأحد عليه. ونتيجة لذلك سوف ترتفع إمكانيّة اقتراف الأفعال المنحرفة، وعلى هذا الأساس يمكن أن نصل إلى النتائج الآتية:

الإيمان والمعتقدات الدينيّة.. مقبوليّة الأخلاقيّات الدينيّة.. العمل على طبقها.. الشعور بالتعلّق العاطفيّ تجاه المجتمع.. انخفاض منسوب الآفات الاجتماعيّة

بيد أنّ المهمّ في البين هو أنّه كلّما كان مستوى المعتقدات أقوى، كان حجم مقبوليّة الأخلاقيّات الدينيّة أشدّ، وكلّما كانت مقبوليّتها أشدّ، كان إمكان ترسيخها في وجود الأفراد أكبر. وبالتالي فإنّ ظهور ذلك في النشاطات الاجتماعيّة سوف يكون أكبر، وانخفاض منسوب الآفات الاجتماعيّة سوف يكون أجلى وأوضح.

إضفاء المفهوميّة على الحياة

إنّ الآراء والتوجّهات ـ طبقًا لمعطيات علم النفس الاجتماعيّ ـ هي التي تحدّد نوع السلوك، ولطريقة نظر الأشخاص إلى الموضوعات الأساسيّة للخلق تأثير مباشر أو غير مباشر على

(367)

سلوكهم وطريقة أفعالهم. ومن هنا فإنّ تغيير سلوك الأشخاص إنّما يستند إلى تغيير معتقداتهم وآرائهم.[1] ومن بين الأسئلة الأساسيّة المؤثّرة في توجيه رؤية الإنسان وسلوكه، بحث أسباب وماهيّة «الحياة»، وبالتالي فهم «كيفيّة الحياة». إنّ الأنظار المفهوميّة إلى حياة الإنسان ـ من قبيل: الرؤية التوحيديّة، والشعور بالقيمة الذاتيّة والهادفة للحياة (إضفاء المفهوميّة على حياة الإنسان) ـ يمكنها أن تعمل على هداية دفّة أعمال الإنسان وتوجيه وسلوكيّاته في مسار محدّد وهادف. والإجابة عن أسئلة من قبيل: ما الذي يمكن لي أن أفعله في هذا العالم؟ وما هي الفائدة من وجودي؟ وما هي الغاية من وجودي في هذه الحياة؟ وما هو معنى حياتنا. ومن هنا فقد ورد الترحّم في النصوص الدينيّة على أصحاب هذا النوع من الأسئلة الذهنيّة، فقد ورد في الحديث: «رحم الله امرءًا أعدّ لنفسه، واستعدّ لرمسه، وعلم من أين وفي أين وإلى أين؟».[2] وقال صدر المتألّهين في كتابه (مفاتيح الغيب) في شرح هذه الرواية: إنّ عبارة «من أين» تشير إلى معرفة المبدأ، وعبارة «في أين» تشير إلى معرفة الطريق، وعبارة «إلى أين» تشير إلى معرفة المعاد.[3]

ولكن ما هي الأدوات التي تستخدمها المعتقدات الدينيّة في ممارسة دورها في التقليل من الآفات الاجتماعيّة حقًا؟ للإجابة عن هذا السؤال يمكن الإشارة إلى خصائص الأشخاص الذين يتحلّون بهذه الحالة المفهوميّة من الحياة. إنّ الأشخاص الذين يمتلكون معنى ومفهومًا في حياتهم، يتحلّون بالصفات والخصائص الآتية:

1. يتأقلم مع الصعوبات والمحن بسهولة (من خلال إرجاعه لهذه الصعوبات إلى الحكمة والمصلحة والعطاء في الوقت المناسب): يمكن العمل ـ من خلال فتح الرموز عن مفهوم الحياة واتضاح المعنى الحقيقيّ لها ـ على حلّ الكثير من المشاكل المعقّدة في الحياة الإنسانيّة، من قبيل: الآلام والمحن وخلفيّات السلوكيّات المخالفة للمعايير.

(368)

2. يمكن له الحفاظ على الأهداف الطويلة أو العادات الإيجابيّة والسلوكيّات البنّاءة لفترات طويلة. إنّ الأشخاص الذين يعانون في حياتهم من انعدام المفاهيم، يعجزون في الغالب عن المحافظة على الأهداف والغايات الطويلة وكذلك العادات والأعمال البنّاءة أيضًا. من قبيل المدمن على المخدرات الذي لا يستطيع الحفاظ على «إرادة الإقلاع» عنها، وإن أمكن له الامتناع عن تعاطيها ـ لبعض الأسباب القاهرة ـ فترة قصيرة من الزمن.

وفي الأساس، فإنّ الاتجاه إلى معنى الحياة ومفهومها، يمثّل تابعًا لرؤية الإنسان والوجود وخالق الوجود والنسبة بينهما. إنّ الإدراك الخاطئ لهذه العناصر الجوهريّة، يترك تأثيرًا كبيرًا على انحراف الإنسان. يذهب بيتر لودفيغ بيرغر إلى الاعتقاد بأنّ الناس قد سعوا على الدوام إلى تفسير وجودهم ووجود العالم وجعله أمرًا مفهومًا بواسطة الدين.[1]

يضفي الدين المفهوميّة والمعنى على حياة الناس من ثلاث جهات، ومن خلال هذه الجهات الثلاثة يؤثّر في تقليل الآفات، ويمكن بيان هذه الجهات على النحو الآتي:

1. الاهتمام بدور الأديان والمناسك الدينيّة وتأثيرها على حياة الناس: وهذا يعني أنّ النماذج الدينيّة تنقل إلى الناس الأفكار ذات المعنى والمفهوم والتوجّه، كما تعمل على بيان مكانة الإنسان وموقعه من العالم، كي يتمكّن من العمل بأسلوب خاصّ.

2. السعي من أجل تقديم صورة مفهوميّة عن عالم الوجود: تفيد هذه المقولة بأنّ المعتقدات الدينيّة تقدِّم على الدوام صورة منتظمة عن الوجود؛ بحيث تكون جميع الأمور وأحداث الحياة في كلّ الوجود مرتبطة ببعضها، وتحظى بنظم له معناه ومغزاه. وبعبارة أخرى: يتمّ العمل على التعريف بخلق وحياة جميع الكائنات بوصفها أمرًا هادفًا، وبيان فلسفة خاصّة لحركة التاريخ؛ حيث يسير فيها كلّ شيء ضمن برنامج وخطة خاصّة، ويتشكّل ضمن رؤية إلهيّة.

3. الحصانة في مواجهة المخاطر التي تهدّد المعنى والمفهوم: حيث يتمّ السعي إلى بيان الأمور التي هي من قبيل: الألم والعنت والمشقّة والظلم وانعدام العدل، والقول إنّها تتبع نموذجًا مفهوميًّا. والآلام في هذا النظام المفهوميّ ليست مجرّد تحمّل للألم، بل هي تمثّل

(369)

أرضيّة للحصول على كنوز لا تفنى ولا تزول ولا تنتهي. في هذا العالم الظاهر لا يبقى الظلم وانعدام العدل دون جواب، وكلّ شخص سوف يكون مسؤولًا عن سلوكه وأفعاله في هذه الدنيا وفي الآخرة.[1]

من الواضح أنّ هذه الأبعاد المفهوميّة الثلاثة والمتجذّرة في عمق المعتقدات الدينيّة تترك تأثيرها على توجيه النشاطات الاجتماعيّة، وتعدّ الأرضيّة لخفض السلوكيّات المنحرفة وتقليلها في حقل العلاقات الفرديّة وما بين الأفراد.

إيجاد السيطرة الذاتيّة

ومن بين ملاكات الصحّة النفسيّة ملاك السيطرة الذاتيّة، وقد عرّفوا السيطرة الذاتيّة بأنها عبارة عن:

«القدرة على اتّباع الطلب المعقول، وتعديل السلوك بما يتطابق مع الظرف وتأجيل تلبية الطلب في الإطار الاجتماعيّ المقبول، من دون تدخّل مباشر من قبل شخص آخر».[2]

وبعبارة أخرى: إنّ السيطرة الذاتيّة مراقبة داخليّة يتمّ في ضوئها القيام بالوظائف المطلوب إنجازها وترك الأفعال القبيحة وغير القانونيّة، دون أن تكون هناك رقابة خارجيّة في البين. عندما يقوم الشخص بجهده الشخصيّ ومن دون سيطرة خارجيّة عليه، وينجز الفعل المناط به، ولا يرتكب تطفيفًا أو غلولًا أو تساهلًا في ذلك، يكون مالكًا للسيطرة الداخليّة على نفسه. وبعبارة أخرى: كلّما انتقل عامل السيطرة الخارجيّ إلى داخل الإنسان؛ بحيث يعمل الشخص بإرادة وعلم بتقويم وإصلاح عمله في إطار معايير محدّدة وفي اتجاه المطلوب منه، تكون السيطرة الذاتيّة متحقّقة لديه. وعلى كلّ حال، فإنّ أساس السيطرة الذاتيّة عبارة عن امتلاك الشخص للقدرة في السيطرة الإراديّة على المسارات الداخليّة والمعطيات السلوكيّة. إنّ السيطرة الذاتيّة تحتوي على عناصر معرفيّة وحماسيّة وسلوكيّة وتؤدّي إلى تسهيل الازدهار

(370)

الأخلاقيّ.[1] يمكن للمعتقدات والشعائر الدينيّة من قبيل: الصلاة والدعاء أن تعمل على تنمية وتطوير السيطرة الذاتيّة لدى الأفراد، وتساعد ـ من خلال إيجاد الدافع والأمل والسكينة ـ على المحافظ على السلوك المناسب لدى الفرد، حتّى عندما يكون القيام بهذا النوع من الأمور في غاية الصعوبة. وقد ورد التصريح بهذه الآليّة الدينيّة في آيات القرآن الكريم أيضًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ورد التعبير عن الصوم بوصفه سلوكًا دينيًّا يمهّد الأرضيّة لإيجاد نوع من السيطرة الذاتيّة.[2] وقد ورد التعبير في موضع آخر عن الصلاة بوصفها عبادة «تنهى عن الفحشاء والمنكر».[3] ومن الجدير ذكره أنّ السيطرة الذاتيّة قد لا تعني بالضرورة التقوى التي يرد ذكرها في الإسلام، وإنّما يمكن للسيطرة الذاتيّة أن تكون نوعًا من الإحجام والارتداع، وفي هذا المعنى يمكن أن تشترك مع التقوى.

عناصر ضعف السيطرة الذاتيّة

1. اتّباع هوى النفس: تقول التعاليم الدينيّة إنّه إذا أمكن للإنسان بمساعدة عقله أن يسيطر على هوى نفسه، فسوف يكون بمقدوره الوصول إلى أعلى المراتب الإنسانيّة. وبذلك فإنّ من أهمّ عناصر فساد النفس وضلالها وسقوطها في مستنقع الآفات الاجتماعيّة، التبعيّة لهوى النفس. وعليه فقد ورد التعبير في القرآن الكريم عن اتباع هوى النفس بوصفه عنصرًا لضلال الإنسان وارتكاب الأفعال الضارّة والخطيرة.[4] وقد تصل هذه التبعيّة لهوى النفس بالشخص حدًّا يتّخذ معه هواه معبودًا من دون الله، ويعكف على عبادة هوى نفسه.[5] إنّ المراد من اتّخاذ هوى النفس معبودًا من دون الله، هو الطاعة والتبعيّة لها بحيث تستوجب الانحراف والآفات الاجتماعيّة.

(371)

2. وسوسة الشيطان: لقد عرّف الله سبحانه وتعالى الشيطانَ في القرآن الكريم بوصفه عدوّ مبين، وقال لا تعبدوه بل اعبدوني؛ لأنّ الشيطان سوف يعمل على إضلالكم.[1] إنّ مهمّة الشيطان الخاصّة هي العمل على إضلال الإنسان. والوسوسة والترغيب بفعل الشيء المنحرف من شأنه أن يؤدّي إلى ضعف السيطرة الذاتيّة وارتكاب القبيح والسقوط في مستنقع الآفات الاجتماعيّة.

العناصر المؤثّرة في تقوية السيطرة الذاتيّة

1. الإيمان والاعتقاد بالله: يرى العامل المتديّن أنّه مسؤول أمام الله. والاهتمام بالرقابة الإلهيّة على الأعمال تؤدّي، بالنسبة إلى هذا الشخص، إلى إهدائه صفة الرقابة الذاتيّة. وكلّما كان الإيمان بالله أقوى، كان مقدار التمسّك بالقيَم بدوره أكبر، وبالتالي فإنّ السيطرة الذاتيّة سوف تكون أشدّ. والسيطرة الذاتيّة لا تتبلور بشكل كامل إلّا في ظلّ الإيمان بالله تعالى، وللإيمان تأثير كبير، ولا يُمكن إنكاره في اتجاه التسليم وتنظيم الأمور، حتّى أنّ الإسلام يقرّ بأنّ نظرة الإنسان إلى الوجود، تترك أثرها على سلوك الإنسان وأفعاله. وقد أشار الله تعالى في القرآن الكريم إلى هذا الأمر، وهو أنّ الغافلين لجهلهم وعدم علمهم يحسبون أنفسهم بمنجى من الرقابة الإلهيّة المستمرّة.[2] يمكن لنا أن نستنتج من هذه النصوص الدينيّة أن نظرة المنحرف بحيث تبدو وكأنّه لا يرى الله ناظرًا لأعماله وغير خبير بحاله. وهو يرى في ذلك ملاذًا وموطن أمن له تجاه انحرافه، وفي مثل هذه الحالة يقوم الشخص المنحرف بتبرير أعماله وانحرافه. وأمّا الشعور بالحضور الدائم والمتواصل لله سبحانه وتعالى في جميع مجالات الحياة، فإنه يُنتج نوعًا من الرقابة الداخليّة لدى الإنسان. إنّ هذه الرقابة تؤدّي بالعامل إلى رعاية حدود الله في خلواته وجلواته، وفي البيت وفي الشارع وحتّى في الصحراء، ويجتنب ارتكاب جميع أنواع الانحراف.

2. الاعتقاد بالمعاد: إنّ الوجود ـ في النظام الفكريّ للإسلام ـ لا ينحصر بهذا العالم بحيث

(372)

ينتهي بالموت، بل إنّ هذا العالم إنّما هو جزء من الوجود، وحياة الإنسان سوف تستمرّ بعد الموت في مراتب أعلى وأسمى. والحياة الدنيا مقدّمة للحياة الأبديّة في الآخرة، وكيفيّة الحياة في ذلك العالم رهن بكيفيّة حياة الإنسان في هذا العالم. إنّ العامل المتديّن يرى نفسه ماثلًا بين يدي الله، ويعتبر نفسه مسؤولًا عن جميع أفعاله وأعماله سواء في هذه الدنيا أو في عالم الآخرة.[1] ومن هنا يمكن للاعتقاد بالمعاد والإيمان بيوم الحساب والجزاء أن يكون عنصرًا مؤثّرًا في ظهور واستمرار مسار السيطرة الذاتيّة لدى العاملين المتديّنين.

3. العبادات: إنّ للمناسك والتعاليم الدينيّة ـ بالإضافة إلى منظومة الإيمان والعقائد ـ تأثيرًا عجيبًا في إيجاد السيطرة الذاتيّة لدى الأشخاص. ويمكن أن يكون لكلّ عبادة أثر تربويّ خاصّ في تنظيم أفعال الإنسان، ويمكن لها أن تفي بدورها في مسار تقليل الآفات. ومن هنا تكون العبادات الإلهيّة طريقًا لإيجاد السيطرة الذاتيّة. من ذلك أن الصلاة تعدّ ـ في الثقافة القرآنيّة ـ عنصرًا ينهى عن الفحشاء والمنكر،[2] والصوم أرضيّة للحصول على السيطرة الذاتيّة.[3]

4. رقابة الأولياء الربّانيّين على الأعمال: إنّ من بين السنن الإلهيّة، الإشراف الدقيق والمتواصل على أفعال الناس وعلى ما يضمرونه من الأفكار والنوايا والسرائر والعمل على تقويمها. والله سبحانه وتعالى ناظر في هذه الدنيا إلى جميع أفعال الإنسان وأقواله وخواطره وتصوّراته، وفي ضوء هذا الإشراف الدقيق يتمّ تقويم جميع أفعال الإنسان يوم القيامة، ويتمّ تحديد ما يستحقّه من الثواب أو العقاب المتناسب مع ما اكتسبت يداه. لقد تحدّث الله في الكثير من الآيات الواردة في القرآن الكريم عن مسألة الإشراف على أفعال العباد، وعرّف عن نفسه بوصفه شاهدًا وناظرًا إلى أعمال عباده؛ يُستفاد من التعاليم الإسلاميّة أنّ الأنبياءعليهم‌السلام والأئمّة المعصومين عليهم‌السلام ـ بالإضاف إلى الإشراف والرقابة من قبل الله على أفعال البشر ـ شاهدون وناظرون إلى أعمال أتباعهم أيضًا،[4] لا شكّ في أنّ الإنسان لو جعل هذه الحقيقة نصب عينيه،

(373)

وجعل الله شاهدًا عليه وناظرًا إلى أفعاله وأعماله على الدوام، فسوف يرى نفسه أبدًا بين يدي الله وفي حضرته المقدّسة؛ فلا يرضى لنفسه أن تنزلق في هاوية الزلل، وسوف يجتنب الخطيئة والخيانة بجميع أنواعها. ومن ناحية أخرى يمكن للشعور بحضور الشاهدين من أمثال الأنبياء والأولياء الربّانيّين أن يكون مؤثّرًا في تقوية السيطرة الذاتيّة والتقليل من الاتجاه نحو الآفات الاجتماعيّة. إنّ الشخص الذي يشعر بحضور الله وأوليائه أبدًا وفي مختلف الاتجاهات، ويرى نفسه على الدوام حاضرًا بين يدي الله، يختلف في سلوكه وأفعاله عن ذلك الشخص الذي لا يمتلك مثل هذا الاعتقاد والشعور.

الشعور بالحماية من قبل الله عزّ وجلّ

إنّ الإيمان بالله وقدرته المطلقة والاعتقاد الدينيّ يترك أثره في بعض الأحيان على سلوك الأشخاص المؤمنين على نحو مباشر ومن طريق الحالات النفسيّة. وحيث إنّ الدنيا دار بلاء وامتحان،[1] وهي محفوفة بالصعاب وأنواع العنت،[2] ويتعرّض الأشخاص فيها لمختلف أنواع البلايا والمصائب،[3] والفناء والمشقة من لوازم الحياة في هذه الدنيا،[4] ولا شكّ في أنّ الأشخاص فيها سوف يُبتلَون بالكثير من المنعطفات على المستوى الفرديّ والاجتماعيّ. وأمّا الإنسان المؤمن، فإنّه بالنظر إلى قوّة إيمانه، يمتلك حالة من السكينة والطمأنينة الروحيّة، ولا يعتريه الحزن والهمّ من مشاكل الحياة، ولا يخاف من المصائب والمشاكل، ولا يتعلّق بالدنيا، ويعتقد بوجود الحياة بعد الموت، ويتّخذ من الصبر شعارًا له في مواجهة الصعاب، وتكون قدرته على التحمّل في الشدائد كبيرةً، وهكذا. ولكلّ واحدة من هذه الحالات الروحيّة والنفسيّة تأثيرات خاصّة في اعتدال الإنسان وطريقة عمله وسلوكه، وسوف يكون لهذه الحالات تأثير مهمّ في انخفاض نسبة الجرائم والآفات الاجتماعيّة.

(374)

لقد ثبت اليوم في أبحاث علم الجريمة أنّ الكثير من الجرائم والانحرافات إنّما تنشأ من الاختلالات الروحيّة والنفسيّة. وفي الحقيقة فإنّ هذه المشاكل تنشأ من عدم الاعتدال في شخصيّة الفرد. والكثير من الجرائم ناشئة عن وجود الاضطراب والاكتئاب والنزوع إلى الصخب واللامبالاة العاطفيّة وما إلى ذلك. والنقطة المهمّة هنا هي أنّ هذه الأسباب والعناصر تحكي عن الاضطراب وعدم الهدوء النفسيّ. إنّ الدور الذي يلعبه الدين والتعاليم الدينيّة هو العمل على إيجاد هذه السكينة الداخليّة، بحيث إنّ الشخص المؤمن بسبب إيمانه بالله وثقته به يرى نفسه في درع الله الحصينة، ويؤمن أنّ الله لن يتركه في الشدائد والصعاب، وسوف يمدّه بيد قدرته الأزليّة، وهذا الأمر يتسبّب له بالسكينة النفسيّة والهدوء الداخليّ، ولن يضطرب في مواجهة المشكلات، ولا ينجرف تبعًا لذلك نحو الجريمة والانحرافات الاجتماعيّة. وقد شاهدنا مصداق هذا الأمر في مرحلة الدفاع المقدّس والحرب المفروضة؛ فعلى الرغم من المشاكل الكثيرة والمصائب التي تهدّ لهولها الجبال، ولكن حيث إنّ المجاهدين وأُسَرَهم كانوا يرون الله هو الحامي والساند لهم، كانوا ينتهجون الصبر في البلايا والمصائب، ولم يرتكبوا أيّ عمل يتنافى مع الموازين الأخلاقيّة والدينيّة أبدًا. وهو الشيء الذي يلاحظ في الحروب الأخرى على نحو كبير، من قبيل: الانتحار، والإضرار بالآخرين الأعمّ من القوات الصديقة والمعادية، والأمراض النفسيّة وما إلى ذلك.[1]

وبطبيعة الحال لا بدّ من الالتفات إلى أنّه كلّما كان مقدار إيمان الفرد واعتقاده بالله أكبر، كان حجم تأثير هذا الإيمان والاعتقاد على سلوكه أكبر، وإلّا فإّن مجرّد ادعاء الإيمان، لا يمكن أن يكون منشأ عمليًّا صحيحًا وسلوكًا مسيطرًا عليه. وعلى هذا الأساس، كلّما كانت الرؤية الدينيّة لدى الشخص أقوى، وكانت متجذّرة وراسخة في عمق وجوده، فإنّ طريقة عمل الشخص وسلوكه سوف يكون مختلفًا أيضًا.

إنّ الكثير من الأشخاص على الرغم من إيمانهم بالمبدأ والمعاد ومضامين الدين، إلّا أنّهم مع ذلك يتعرّضون للانحراف والآفات السلوكيّة، وقد يتسبّب بعضهم بالإضرار بالمجتمع، والسبب في ذلك يعود إلى ضعف الإيمان والاعتقاد؛ حيث لم يتمكّن هؤلاء من تجذير الإيمان

(375)

وترسيخه في وجودهم، وتبعًا لذلك فإنّهم لا يتمتّعون بالسكينة الروحيّة والصبر على الصعاب، ولم تتمكّن هذه المعتقدات من تقديم المساعدة لهم في المشاكل والمصائب بالشكل المناسب، وبذلك يعتريهم نوع من التيه والضياع والإيكال إلى النفس. في حين أنّ لازم هذه المعتقدات هو الشعور بالأمن والحماية من قبل الله سبحانه وتعالى، والشخص الذي يعتريه مثل هذا الإحساس والشعور، يحصل من دون شكّ على حالة من الطمأنينة والسكينة عندما يواجه معضلات الحياة، وتبتعد الكثير من الأضرار عن دائرته السلوكيّة. وحيث إنّ المجتمع ليس سوى اجتماع الأفراد وقيام الارتباط فيما بينهم،[1] وعليه لو وصل أفراد هذا المجتمع إلى مستوى من البلوغ في المعتقدات الدينيّة، بحيث تتحوّل تلك المعتقدات إلى يقين، فإنّ هذا المجتمع لن يشهد إلّا الحدّ الأدنى من الآفات الاجتماعيّة.

إيجاد الشعور بالمسؤوليّة تجاه الله سبحانه وتعالى

ومن بين الوظائف الأخرى للمعتقدات التاريخيّة: إيجاد الشعور بالمسؤوليّة لدى الفرد المتديّن تجاه الله سبحانه وتعالى، والشعور بالمسؤوليّة مفهوم يرتبط به الناس على الدوام في حياتهم الفرديّة والاجتماعيّة. إنّ الإنسان بلحاظ دائرة علاقاته الواسعة يتكفّل بالكثير من المسؤوليّات في مختلف الحقول. والشعور بالمسؤوليّة دليل على الازدهار الأخلاقيّ كما أنّه يمثّل أرضيّة لتطوّر الإنسان وتكامله.

ومن بين الأبعاد الارتباطيّة المهمّة للإنسان، بُعد ارتباطه بالله. وحيث إنّ الله هو خالق الإنسان، وجميع ما يحصل عليه الإنسان من النعم إنّما هو من الله سبحانه وتعالى، إذن فإنّه يحمل مسؤوليّة كبيرة أمام الله تعالى. وفي الأساس، فإنّ علاقة العبوديّة والمولويّة القائمة بيننا وبين الله بدورها تستدعي ترتّب المسؤوليّة. وأهمّ وظيفة ومسؤوليّة تترتّب على الإنسان تجاه خالقه هي عبادته.[2] إنّ الشخص المتديّن والمؤمن بالله يرى أنّ جميع العالم هو من عند الله، وأنّ الله سبحانه وتعالى قد منَّ به على عباده بلطفه وكرمه؛ بمعنى أنّنا لم نقدّم لله أيّ شيء كي نستحقّ بسببه أجرًا من الله، أو نستحقّ أن يخلقنا ويعطينا الكثير من النعم جزاء ما قدّمناه له. إنّ الإنسان الذي يؤمن

(376)

بالله يرى نفسه وكلّ ما يملك ملكًا لله، ويرى أنّ جميع هذا العالم وما فيه من النعم إنّما هو من خلق الله؛ ولذلك فإنّه يرى نفسه مسؤولًا أمام الله في قبال جميع هذه الألطاف والمنن والنعم التي أنعم بها عليه؛ ولذلك فإنّه يسعى إلى القيام بالتكاليف التي فرضها الله عليه وجعلها في عنقه. وفي هذا الشأن قال أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام في وصيّته لولده الإمام الحسن عليه‌السلام :

«واعلم يا بنيّ، أنّه لو كان لربّك شريك لأتتك رسله، ولرأيت آثار ملكه وسلطانه، ولعرفت أفعاله وصفاته، ولكنّه إله واحد كما وصف نفسه. لا يضادّه في ملكه أحد، ولا يزول أبدًا، ولم يزل أوّل قبل الأشياء بلا أوّليّة، وآخر بعد الأشياء بلا نهاية. عظم عن أن تثبت ربوبيّته بإحاطة قلب أو بصر؛ فإذا عرفت ذلك فافعل كما ينبغي لمثلك أن يفعله...».[1]

وعلى هذا الأساس، توجد علاقة مباشرة بين الالتفات إلى النِعم وبين الشعور بالمسؤوليّة وبذل الطاعة للمنعم. وقد ورد في المأثور عن الإمام عليّ عليه‌السلام أنّه قال: «يا أيّها الناس، إنّ لله في كلّ نعمة حقًّا، فمن أدّاه زاده ومن قصّر عنه خاطر بزوال النعمة وتعجّل العقوبة، فليراكم الله من النعمة وجلين، كما يراكم من الذنوب فرقين».[2] وفي الأساس فإنّ شكر النِعَم في حدّ ذاته يُعدّ نوعًا من القيام بواجب التكليف والشعور بالمسؤوليّة تجاه الله سبحانه وتعالى؛ ولهذا الأمر بالتحديد نجد الإمام زين العابدين عليه‌السلام يقول إنّ الشخص إذا لم يكن شاكرًا، فإنّه سوف يخرج من زمرة الإنسانيّة ويدخل في زمرة البهائم.[3] ومن هنا فإنّ الشكر الحقيقيّ يعني القيام بأداء الواجب في قبال النعمة. وقد أشارت أكثر كتب اللغة إلى هذه المسألة، حيث قال اللغويّون: إنّ الشكر لغة لا يعني مجرّد الشكر باللسان، وإنّما هو مقرون بنوع من العمل تجاه المنعم. وقد ورد عن ابن منظور في (لسان العرب) تعريف الشكر بقوله: «الشكر: مقابلة النعمة بالقول

(377)

والفعل والنيّة».[1]

كما يمكن بيان العلاقة بين الاعتقاد بالله والشعور بالمسؤوليّة تجاه الله ـ وما يترتّب على ذلك من تقليل الأضرار الاجتماعيّة ـ من طريق مراتب التوحيد أيضًا؛ بمعنى أنّ الشخص المؤمن بالله يسعى إلى تحصيل جميع مراتب التوحيد. إنّ الإيمان بالتوحيد ومراتبه يوفّر الأرضيّة لمعرفة التكاليف والمسؤوليّة علينا تجاه الله سبحانه وتعالى. إنّ التوحيد يعني الإقرار لله بالوحدانيّة، ولذلك مراتب، وهي عبارة عن:

1. التوحيد في وجوب الوجود؛ بمعنى أنّ الله سبحانه وتعالى هو وحده الذي لا يحتاج في وجوده إلى وجود شيء آخر.

2. التوحيد في الخالقيّة، بمعنى أنّه لا يوجد من خالق غير الله سبحانه وتعالى، وأنّ جميع ما سواه مخلوق له.

3. التوحيد في الربوبيّة التكوينيّة؛ بمعنى أنّ المدبّر والمنظّم لعالم الوجود هو الله وحده فقط، أو الذي يأذن له الله بإدارته ويمنحه القدرة على تدبيره.

4. التوحيد في الربوبيّة التشريعيّة؛ بمعنى أنّه ليس من حقّ غير الله أن يضع القانون أو التشريع إلّا بإذن الله سبحانه وتعالى.

5. التوحيد في الألوهيّة؛ بمعنى أنّه ليس هناك من يستحقّ العبادة غير الله عزّ وجلّ، وهذا الأمر يعدّ نتيجة طبيعية لما تقدّم من المراتب.

6.التوحيد في العبوديّة؛ بمعنى أنّه لا تجوز عبادة غير الله من الناحية العمليّة.

7.التوحيد في الاستعانة؛ بمعنى أنّه لا تجوز الاستعانة بغير الله؛ وذلك لأنّه هو وحده المؤثّر الحقيقيّ، وليس هناك من نفع أو ضرّ يطال الإنسان إلّا بإذنه وإرادته، ومن هنا فقد ورد في القرآن الكريم قوله تعالى: (إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَإِيَّاكَ نَسْتَعِينُ).[2]

8.التوحيد في الخشية والرخاء؛ بمعنى أنّه لا ينبغي الخوف من غير الله، ويجب عقد الآمال عليه دون غيره.

(378)

9.التوحيد في المحبّة؛ بمعنى أنّه يجب إخلاص الحبّ وتفريغ القلب لله وحده، وذلك لأنّ جميع أنواع الكمال والجمال هي من عند الله سبحانه وتعالى، فمصادر الكمال والجمال بأجمعها تنبع من الله عزّ وجلّ.[1]

بالنظر إلى مراتب التوحيد، فإنّ الشخص المؤمن بالله ويعتقد بالتوحيد في الخالقيّة والربوبيّة التكوينيّة يرى أنّ كلّ ما عنده، وكلّ ما هو موجود في العالم هو من عند الله سبحانه وتعالى، وعلى أساس فطرته يرى أنّ شكر المنعم واجب عليه، يشعر في نفسه بنوع من المسؤوليّة تجاه الله وأنّه يجب عليه العمل بما تمليه وتوجبه عليه هذه المسؤوليّة.

وعلى هذا الأساس، فإنّه يسعى إلى العمل في ضوء الضوابط التي هي من لوازم الربوبيّة التشريعيّة. وعندما يتحقّق ذلك، سوف تصبح الأفعال متطابقة بالكامل مع الدين، ولن نشاهد فيها أيّ شائبة من شوائب الانحراف، وفي ظلّ هذه الأجواء سوف لا نشهد أثرًا للآفات الاجتماعيّة.

يعتقد الشخص المؤمن بالله بأنّ الله هو الخالق والمالك لهذا العالم، وعندما يعتقد الإنسان بأنّ جميع النعم المادّيّة والمعنويّة والخصائص الفرديّة والشخصيّة، مثل العقل والإدراك والأحاسيس والرغبات وما إلى ذلك، كلّها من عند الله، سوف يرى نفسه ملزمًا بأداء واجب الشكر لله، ويرى أنّ شكر النعمة يجب أن يكون سلوكًا يتطابق مع إرادة الله، وإنفاق كلّ نعمة في الطريق الذي أراده الله سبحانه وتعالى.

إنّ التأكيدات الكثيرة الواردة في النصوص الدينيّة على وجود شكر النعم الإلهيّة؛[2] وتأكيد الإسلام على مسألة التفكير؛[3] والتدبّر في عالم الوجود والسير في الأرض والتفكير في آثار الله سبحانه وتعالى،[4] تشير بأجمعها إلى أنّ الإنسان المؤمن يجب عليه الالتفات أبدًا إلى أنّ كلّ ما لديه إنّما هو من الله، وأنّ جميع مقاليد الأمور بيده، وأنّ التقصير في أداء التكاليف والحقوق الإلهيّة ينطوي على عواقب باهظة الثمن، وأنّه في الحقيقة ليس سوى عبد فقير لا يمتلك سوى الطاعة

(379)

والعبادة. ينقل الأستاذ الشهيد مرتضى المطهّري عن ابن سينا قائلًا:

«إن ّالفيلسوف الإسلاميّ الكبير أبو علي بن سينا، يقول: من الواجب على الإنسان في الحياة الاجتماعيّة أن يعرف ربّه، وأن يعلم بعد ذلك أنّ الله قد وضع قانونًا وتشريعًا عادلًا لحياة البشر، ومن الواجب أيضًا أن تكون هناك عبادة، وأن تكون هذه العبادة متكرّرة، كي يتذكّر الإنسان دائمًا أنّه عبد وأنّ الله معبود. وعندما يترسّخ هذا التذكر والتلقين في روحه وصقع وجوده، فإنّ ذلك سوف يشكّل رادعًا له عن ارتكاب المعاصي والذنوب؛ فإن أراد أن يظلم أحدًا وقفت الصلاة أمام عينه وقالت له: ألم تقرّ على نفسك بالعبوديّة وأنّك لست متحرّرًا من القيود؛ إذن لماذا تريد أن تمارس الظلم؟ ما هو القانون الموجود في هذا الشأن؟ يقول: (وفرضت عليهم بالعبادة المفروضة بالتكرير)؛ ومن هنا فقد تمّ إيجاب وفرض العبادة كي تحصل في روح الإنسان مثل هذه القوّة، حتّى يتجدّد بها العهد والإيمان في وجوده، ويصبح هذا الإيمان مانعًا يحول دون الذنوب».[1]

إنّ الذي يدقّق في هذه المسائل، ويشعر من نفسه بالمسؤوليّة تجاه الله سبحانه وتعالى، سوف يسعى ليعمل بما يُرضي الله؛ ونتيجة لذلك سوف لا نشاهد في المجتمع آفة سلوكيّة، وذلك بطبيعة الحال على شرط أن يلتفت الجميع إلى هذه المسألة، وأن يكون لديهم التزام عمليّ بها، والمقدّمة إلى ذلك تقوية المعتقدات؛ بمعنى أنّه كلّما كانت العقائد أقوى، كان الشعور بالمسؤوليّة تجاه الله أكبر، وكلّما كان الشعور بالمسؤوليّة تجاه الله أكبر، أصبح السلوك أكثر أخلاقيّة، وأضحت نسبة الآفات أقلّ.

الارتباط بين الآليّات الخمسة

من الضروريّ في الختام بيان الارتباط بين العناصر الخمسة المتقدمة للتقليل من الآفات الاجتماعيّة. لا شك في أن الدين من مقولة الثقافة والمعنى، والمعنى هو الذي يعمل على بلورة وتشكيل الأفعال الفردية والاجتماعيّة. بيد أن المعنى إنّما يعمل على توجيه الأفعال من خلال إنتاج وتضافر عدد من العناصر الأخرى. إن الأبعاد التي تضفي المعنى والمفهوم على الدين،

(380)

إنّما تعمل على تفسير الوجود والحياة والخير والشرّ والمفاهيم الأخرى للشخص المتديّن بشكل خاصّ. إنّ هذا التفسير الخاصّ يدفع العامل المتدين إلى أخذ حضور الله بنظر الاعتبار دائمًا، وبذلك فإنّه سوف يندفع على الدوام من أجل الحصول على مرضاة الله والحصول على عنايته وحمايته، وأن يرى نفسه أبدًا مسؤولًا أمام الله، وعند التلبية والاستجابة لغرائزه ومشاعره وانفعالاته يكون ناظرًا إلى القوانين الإلهيّة وما أراده الله منه. ومن ناحية أخرى، فإنه يُنبّه العامل المتديّن لكي يكون مسؤولًا أمام المجتمع وسائر أبناء دينه وجلدته، وأن يهتمّ بإيصال الخير إليهم من خلال التلاحم معهم والارتباط بهم، وأن يتجنّت إلحاق الضرر بهم من أجل تحقيق مصالحه الشخصّية. ومن هنا فإنّ العامل المتديّن من خلال التأسيس والترسيخ لهذا المعنى في حياته، والسعي إلى اكتساب مرضاة الله والحصول على حمايته سوف يجتنب ارتكاب أيّ نوع من أنواع الانحراف على المستوى الفرديّ والاجتماعيّ من حياته.

النتيجة

إنّ المعتقدات الدينيّة ـ طبقًا لنتائج الأبحاث والدراسات ـ تعمل من طريق إنتاج المعنى والمفهوم وإيجاد العالم الظاهراتيّ الخاصّ من ناحية على توجيه دفّة سلوك العامل المتديّن، وتعمل من ناحية أخرى على الإشراف عليها ومراقبتها. إنّ هذه الثنائيّة بين التنشئة الاجتماعيّة وبين الرقابة الاجتماعيّة تمهّد الأرضيّة من أجل المزيد من الشعور بالمسؤوليّة أمام الله واجتناب الغفلة في السلوكيّات والأفعال الفرديّة والاجتماعيّة. بيد أنّ النقطة البارزة التي يجب أن نشير إليها، هي أنّه كلّما كان حجم المعتقدات الدينيّة للعاملين الاجتماعيّين يحظى بالكيفيّة الأعلى والأسمى، فإنّ مقدار السيطرة الذاتيّة لدى الأفراد بدوره سوف يكون أكثر، وبنفس المقدار سوف تنخفض الآفات الاجتماعيّة أيضًا. وقد ورد التصريح بهذه النتيجة في الأبحاث التي تقدّم ذكرها في معرض الحديث عن السابقة والجذور التاريخيّة لهذه المسألة بشكل واضح أيضًا. كما يمكن رصد هذه المسألة من طريق التعاليم الدينيّة أيضًا. وفي ضوء الرؤية الإسلاميّة تكون الماهيّة والحقيقة الوجوديّة للأشخاص تابعة لعقائدهم. وقد ورد في القرآن الكريم قول الله تعالى في

(381)

هذا الشأن: (إِنَّ شَرَّ الدَّوَابِّ عِنْدَ اللَّهِ الَّذِينَ كَفَرُوا فَهُمْ لَا يُؤْمِنُونَ).[1] إنّ النقطة المهمّة في هذه الآية تكمن في أنّها لم تقل: «إنّ شرّ الناس»، وإنّما يرد الكلام فيها عن شرّ الدواب (كناية عن البهائم)، وتقول: إنّ هؤلا هم الذين لا يمتلكون شيئًا من العقائد الصحيحة، ويعرضون عن الإيمان بالله عنادًا لا جهلًا. وعلى هذا الأساس، فإنّ الذين لا يؤمنون بالله والمعاد وأصول الدين هم أسوأ من الدواب والبهائم، ومن هنا فإنّ الذي يميّز الإنسان من سائر الكائنات ويهديه إلى مراتب الكمال الإنسانيّ، ويمنحه الهويّة الإنسانية هو الإيمان والمعتقدات الدينيّة. وجذور جميع الأمور تعود إلى العقائد، ومن هنا كلّما كانت العقائد أقوى وتحظى بكيفيّة أكبر، فسوف تنطوي على نتائج عمليّة أفضل، والمجتمع الذي يحصل أفراده على المستوى الأعلى من المعتقدات، يكون أقلّ عرضة للآفات من سواه بكثير. ومن هنا فإنّ المقترح المهمّ الذي تحمله هذه المقالة هو أن يقوم المسؤولون في الشأن الاجتماعيّ ـ من الذين يعملون بشكل جادّ من أجل بناء أنظمة ومؤسّسات قانونيّة وحقوقيّة رادعة ـ في الحدّ الأدنى بإلقاء ولو نظرة عابرة إلى تقوية الأنظمة الاعتقاديّة للعاملين الاجتماعيّين أيضًا. إنّ الأنظمة الحقوقيّة على الرغم من أهمّيّتها وضرورتها، إلّا أنّ الاستناد البحت إلى الفضاء الجاسي والصلب المجبولة عليه، وتجاهل النظام القائم على الإيمان والاعتقاد، إنّما هو اجترار للمجترّ في المجتمعات الأخرى، وإنّ إعادة تجربته واجتراره لن تنطوي على غير الحسرة والندم.

 

 

 

 

 

 

(382)

 

 

المصادر

- الصحيفة السجّاديّة، ترجمة وشرح العلامة الميرزا الشعراني، قم، نشر قائم آل محمّد، 1386 ه‍ ش.

- ابن شعبة الحرّانيّ، حسن بن عليّ، تحف العقول عن آل الرسول، تحقيق وتصحيح: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرسين، 1404 ه‍.

- ابن منظور الأفريقيّ، محمّد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، 1414 ه‍.

- آخوندي، محمّد باقر، «تأثير مراتب دينداري بر كاهش انحرافات اجتماعي در آموزههاي قرآن»، مجلة: انسان پژوهي ديني، العدد: 37، ص 93 ـ 118، عام 1396 ه‍ ش.

- أمين بدختي، علي‌أكبر ونويد شريفي «تأثير دينداري و سرمايه اجتماعي در پيشگيري از مصرف مواد مخدر»، مجلة: پژوهش هاي اطلاعاتي و جنايي، السنة السابعة، العدد: 3، ص 9 ـ 31، عام 1391 ه‍ ش.

- إلياده، ميرتشاده، دين پژوهي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: بهاءالدين خرمشاهي، طهران، انتشارات مطالعات تحقيقات فرهنگي، 1372 ه‍ ش.

- بخارائي، أحمد، انحرافات اجتماعي، طهران، نشر پژاك جامعه، 1386 ه‍ ش.

- بيرو، آلن، فرهنگ علوم اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر ساروخاني، طهران، نشر كيهان، 1375 ه‍ ش.

- پارسامهر، مهربان، «بررسي رابطه دينداري والدين با خشونت فرزندان پسر دبيرستاني شهر يزد»، مجلة: روان‌شناسي و دين، السنة الرابعة، العدد: 1، ص 71، 87، عام 1390 ه‍ ش.

- التميمي الآمدي، عبد الواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، تحقيق وتصحيح: السيد مهدي رجائي، قم، دار الكتاب الإسلاميّ، 1410 ه‍.

 

(383)

- جان بزرگي، مسعود ومساعدوه، آموزش اخلاق، رفتار اجتماعي و قانون پذيري به كودكان، طهران، نشر دانژه، 1387 ه‍ ش.

- خسروشاهي، قدرة‌الله، ومساعدوه، «معنا بخشي به زنـدگي و مؤلفـه هـاي تأثير گـذار آن در پيشگيري از جرم از منظر قرآن كريم»، مجلة: آموزه هاي قرآنيّ، العدد: 2، ص 119 ـ 142، عام 1394 ه‍ ش.

- دوركهايم، إميل، صور بنياني حيات ديني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر پرهام، طهران، نشر مركز، 1383 ه‍ ش.

- رفيع پور، فرامرز، آشفتگي يا آنومي اجتماعي، طهران، نشر سروش، 1378 ه‍ ش.

- رهنمائي، سيد أحمد، «آسيب شناسي فرهنگي»، مجلة: معرفت، العدد: 30، ص 25 ـ 32، عام 1378 ه‍ ش.

- آرون، ريمون، مراحل اساسي سير انديشه در جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: باقر پرهام، طهران، انتشارات علمي و فرهنگي، ط 4، 1377 ه‍ ش.

- زيد آبادي نجاد، ميثم ومساعدوه، «نقش آموزه هاي اسلامي در پيشگيري از شكل گيري شخصيت مجرمانه با تأكيد بر عوامل شخصيتي و فردي»، مجلة: مطالعات علوم اجتماعي، الدورة الثالثة، العدد: 3، ص 45 ـ 60، عام 1396 ه‍ ش.

- زيميل، جورج، مقالاتي درباره دين، ترجمته إلى اللغة الفارسية: شهناز مسمّى پرست، طهران، نشر ثالث، 1388 ه‍ ش.

- ساجدي، أبو الفضل؛ ومشكي، مهدي، دين در نگاهي نوين، قم، مؤسّسة آموزشي و پژوهشي امام خميني رحمه‌الله ، 1388 ه‍ ش.

- ستوده، هداية الله، آسيب‌شناسي اجتماعي، طهران، نشر آواي نور، 1379 ه‍ ش.

- شارون، جوئيل، ده پرسش از ديدگاه جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوچهر صبوري، طهران، نشر ني، 1379 ه‍ ش.

- شجاعي زند، علي‌رضا، دين، جامعه و عرفي شدن: جستارهايي در جامعه‌شناسي دين، طهران، نشر مركز، 1384 ه‍ ش.

(384)

- شريعتي، سارا، «احساس مذهبي در عصر مذهبي (متن سخنراني اميل دوركيم)»، مجلة: جامعه‌شناسي ايران، الدورة الخامسة، العدد: 2، ص 201 ـ 207، 1383 ه‍ ش.

- شريفي نيا، محمد حسين، «بررسي اثر بخشي درمان يكپارچه توحيدي در كاهش بزهكاري زندانيان» مجلة: مطالعات اسلام و روان‌شناسي، السنة الأولى، العدد: 2، ص 7 ـ 30، عام 1387 ه‍ ش.

- الشيرازيّ، صدر المتألّهين محمّد بن إبراهيم، الحكمة المتعالية في الأسفار العقليّة الأربعة، طهران، مكتبة المصطفوي، 1368 ه‍ ش.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، خلاصه تعاليم اسلام، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: شهناز محمد زاده، قم، دفتر تبليغات اسلامي، 1375 ه‍ ش.

- الطبرسيّ، الحسن بن الفضل، مكارم الأخلاق، قم، منشورات الشريف الرضي، ط 4، 1412 ه‍.

- علمي، قربان، و چنگي آشتياني، مريم، «بررسي كاركرد معنا بخشي دين در انديشه علامه طباطبائي»، مجلة: انسان پژوهي ديني، السنة العاشرة، العدد: 30، ص 5 ـ 25، عام 1392 ه‍ ش.

- فرانك، بي ويليامز ومساعدوه، نظريه‌هاي جرم‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حميدرضا ملك محمدي، طهران، نشر ميزان، 1391 ه‍ ش.

- فولادي، محمد، «علل و عوامل پيدايش آسيبهاي اجتماعي و راههاي پيشگيري از آن»، مجلة: معرفت، العدد: 91، ص 35 ـ 46، عام 1384 ه‍ ش.

- الفيض الكاشاني، محمد بن مرتضى، الوافي، إصفهان، مكتبة أمير المؤمنين، 1365 ه‍ ش.

- كوزر، ليوئيس، زندگي و انديشه بزرگان جامعه‌شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، طهران، انتشارات علمي، 1383 ه‍ ش.

- غريغوري، رايشبرغ ومساعدوه، اخلاق جنگ، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبدالرحيم گواهي، دفتر مطالعات سياسي و بين المللي وزارت امور خارجه، 1390 ه‍ ش.

- محسني تبريزي، علي‌رضا و مهدي نوروزي گودرزي، «بررسي تأثير ميزان دينداري در كاهش ارتكاب رفتار مجرمانه جوانان»، مجلة: مطالعات جامعه‌شناختي جوانان، العدد: 2، 1389 ه‍ ش.

- المصباح اليزدي، محمد تقي، خداشناسي، جهان‌شناسي، انسان‌شناسي، قم، مؤسّسة آموزشي وپژوهشي امام خميني رحمه‌الله ، 1388 ه‍ ش.

(385)

- المصباح اليزدي، محمدتقي، جامعه و تاريخ از نگاه قرآن، قم، مؤسّسة آموزشي و پژوهشي امام خميني رحمه‌الله ، 1390 ه‍ ش.

- المطهري، مرتضى، آزادي معنوي، قم، انتشارات صدرا، 1378 ه‍ ش.

- نصري، عبدالله، انتظار بشر از دين، طهران، مؤسّسة فرهنگي دانش و انديشه معاصر، 1387 ه‍ ش.

- هملتون، ملكم، جامعه‏شناسي ديني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثالثي، طهران، نشر ثالث، ط 3، 1389 ه‍ ش.

- ويليامز، جان بول، جامعه‏شناسي اديان، ترجمه إلى اللغة الفارسية: عبد الرحيم گواهي، طهران، نشر تبيان، 1377 ه‍ ش.

- يعقوبي دوست، محمود، «بررسي رابطه ميزان دينداري والدين با خشونت آنان نسبت به فرزندان»، مجلة: روان‏شناسي و دين، السنة السابعة، العدد: 12، ص 133 ـ 160، عام 1392 ه‍ ش.

- Berger, Peter L, “Sincerity’ and ‘Authenticity’ in Modern Society”, The Public Interest, N. 31, p. 81 - 90.

- Larson, David B, et al, “Religion: The Forgotten Factor In Cutting Youth Crime and Saving At-Risk Urban Youth”, Jeremiah Project Report, No. 3, p. 10 - 45.

 

 

 

 

 

 

 

 

(386)

 

 

دور الأسرة في مكافحة الانحرافات الاجتماعيّة[1]

شمس الله مريجي[2]

الخلاصة

منذ أن اختار الإنسان الحياة الاجتماعيّة، أخذ على الدوام يواجه مشاكل تتمثّل بعدم الانسجام مع بعض أبناء جلدته، بالإضاف إلى السلوكيّات المنحرفة لبعضهم، وقد أخذ يسعى دائمًا إلى التعرّف على أسباب ظهور هذه الانحرافات والمشاكل، وإيجاد الحلول لها أو الهروب منها. وفي هذا الشأن وفي جميع العصور تمّ تشخيص الجهل بوصفه من أهمّ أسباب الانحرافات الاجتماعيّة، ومن هنا يؤكّد العلماء على ضرورة نشر الوعي من أجل التماهي مع الحياة الاجتماعيّة والثقافيّة. وبطبيعة الحال فقد رأوا أنّ أسلوب التماهي الثقافيّ يكمن في بثّ الوعي الأنجع والأدعى إلى الاطمئنان.

نبحث في هذه المقالة الدور الفذّ والفريد للأسرة في الحلّ أو التقليل من معضلة الانحرافات الاجتماعيّة. وبعد الاستعانة بالتحقيقات المبذولة من قبل المحقّقين والتعاليم الدينيّة، تمّ إثبات أن الأسرة هي العامل والسبب الوحيد الذي يلعب دورًا محوريًّا لا يمكن إنكاره في خفض

(387)

الانحرافات الاجتماعيّة. يمكن العمل ـ من خلال توظيف الأسلوب الصحيح والمؤيّد من قبل الدين ـ على بلورة سلوك الأولاد بما يتطابق مع القيم الحاكمة على المجتمع، أو العمل على تمهيد الأرضيّة لانحراف السلوك وعدم تناغم الأولاد في المجتمع بفعل سوء التربية أو المبالغة في التشدّد أو الإفراط في الإهمال والتسيّب في أساليب التربية.

أهمّيّة الحياة الاجتماعيّة

لا شكّ في أنّ الإنسان لا مندوحة له في الوصول إلى الكمال والسعادة والوصول إلى الهدوء والسكينة سوى اختيار الحياة الاجتماعيّة والتعاون مع أبناء جلدته. وتعدّ الحياة الاجتماعيّة اليوم من الأهمّيّة بحيث تُعدّ العزلة والحياة الانفراديّة وحظر التواصل مع الآخرين نوعًا من العقوبة. ومن هنا كانت عقوبة السجن الانفراديّ من بين الأساليب المتّبعة للحيلولة دون وقوع الجرائم، وثمّة من أكد على ضرورة وجودها وتطبيقها. وفي الوقت نفسه تمّ التحذير من مخاطر استمرار السجن الانفراديّ لفترة طويلة؛ إذ طبقًا للتحقيقات الجارية في سجون أغلب البلدان الأوروبيّة، تمّ التوصل إلى أن مدّة سجن الشخص في الزنزانة الانفراديّة يجب أن تكون محدودة وقصيرة، وإلّا فإّن السجين سوف يُصاب بأنواع الأمراض النفسيّة والجسديّة، ونتيجة لذلك سوف يرتفع عدد المجرمين والمرضى في المجتمع.[1]

كما يذهب إميل دوركهايم بدوره إلى الاعتقاد قائلًا: «لو تمّ تجريد الإنسان ممّا حصل عليه في ضوء الحياة الاجتماعيّة، فإنّه سوف يتنزّل إلى ما دون الحيوانات والبهائم».[2] إنّ النقطة الجديرة بالتأمّل في هذا الشأن هي أنّه في ظلّ التأكيد الكبير من قبل العلماء والمفكّرين من المتديّنين وغير المتديّنين، وكذلك التعاليم والمفاهيم الواردة في النصوص الدينيّة على الحياة الجماعيّة وما تنطوي عليه من الفوائد الكثيرة، فلماذا نجد إذن تشجيعًا للإنسان في بعض الروايات وكذلك في الأدب، على الحياة الفرديّة وفوائد العزلة. كما في هذه الرواية المأثورة عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، والتي يقول فيها: «وحدة الإنسان خير...».[3]

(388)

يجب البحث عن سرّ هذه التشجيع في المجتمع أو المجموعة التي يعيش الإنسان ضمنها؛ إذ مهما كان الإنسان مضطرًا إلى اختيار وتقبّل الحياة الجماعيّة من أجل بلوغ سعادته المادّيّة والمعنويّة، ولكن علينا في الوقت نفسه أن لا نتجاهل هذه الحقيقة أيضًا، وهي أنّه ليس بمقدور كلّ مجتمع إنساني أن يضمن السعادة للبشر؛ وذلك لأنّ المجتمع المنحرف والجماعة المتنكّبة للصراط، لن تخفق في توفير السعادة، ولن تفشل في إعداد أرضيّة الوصول إلى الكمال فحسب، بل سوف تكون أرضًا خصبة لقتل جذور الحياة الفرديّة لدى الإنسان، وتغلق عليه طريق الوصول إلى السعادة وتحقيق الكمال الإنسانيّ أيضًا، ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة في الحديث النبويّ؛ إذ يقول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «الوحدة خير من جليس السوء».[1]

وعليه فإنّ الحياة في المجتمع إنّما تكون مفيدة ومناسبة إذا كانت تخلو من الانحراف، ولم تكن فيها رفقة سوء تضرّ بروح الإنسان وعالمه، ولا شكّ في أنّ وجود هذا النوع من المجتمع الذي يخلو من جميع أنواع الانحراف إنّما هو أمر مثاليّ ليس له واقعيّة خارجيّة؛ وذلك لأنّ علماء الاجتماع يعتبرون الانحراف قرين الحياة الاجتماعيّة للإنسان، ويعدّون ذلك ظاهرة طبيعيّة في المجتمع الإنسانيّ. ويذهبون في الوقت نفسه إلى الاعتقاد بأنّ هذه الظاهرة لا تشبه سائر الظواهر الاجتماعيّة أبدًا؛ وذلك لأنّ وجودها وشيوعها في المجتمع يُخلّ بجميع الأفكار والتصوّرات المرتبطة بالأخلاق والسياسة الاجتماعيّة، وأنّ ضررها وسائر مخاطرها، قد جعلتها مرعبة ووحشيّة.[2]

أسباب الانحراف

هناك الكثير من الأبحاث حول ماهيّة الانحراف وكيف يجب تعريفه، وقد تمّ تقديم لكثير من التعاريف له. وهذا الأمر يُشير إلى المشاكل والمعضلات الماثلة في مسار معرفة الانحراف. ولكن قبل كلّ شيء فإنّ بيان أسباب ظهور وتبلور هذه الظاهرة الاجتماعيّة شغلت هاجسًا

(389)

أصليًّا لدى علماء الاجتماع، وقد بذلوا مساع كبيرة من أجل الوقوف على أسبابها وعللها.

والذي حظي باهتمام الباحثين من علماء الاجتماع في هذا الشأن قبل أيّ شيء آخر عبارة عن ثلاثة عوامل، وهي: العامل البيئيّ، والعامل النفسيّ، والعامل الاجتماعيّ. ثمّة من سعى إلى البحث عن أسباب الانحراف والسلوك المنحرف من خلال التأكيد على الخصائص البيئيّة وعلم الأنماط والتقسيمات الجسمانيّة، وثمّة من ذهب بزعامة سيغموند فرويد وتلاميذه إلى بيان الانحراف من خلال الاستناد إلى المعايير النفسيّة وتصنيف شخصيّة الأفراد، ليعملوا على حلّ المسألة بواسطة التفسير العلّيّ. وبطبيعة الحال فإّنّ بعض علماء الاجتماع، بدلًا من اعتبار الفرد هو المقصر والبحث في الأسباب البيئيّة والنفسيّة، ذهبوا في تحديدهم لسبب الانحراف إلى المجتمع، وألقوا باللائمة والتقصير على المجتمع بدلًا من الفرد، وكانت لهم من خلال التفسير البنيويّ جهود أنجح وأجدى من الجماعتين الأخريين، ولا سيّما تلك الطائفة من المحقّقين الذين يؤكّدون على التماهي الاجتماعيّ وأمثال ذلك. إلّا أنّ هذه الطائفة بدورها قد تجاهلت الإرادة والاختيار ـ الممنوح إلى الأفراد من قبل الله سبحانه وتعالى ـ مع ما لذلك من الدور الجوهريّ في تكوين الإنسان وتكامله. إنّ هذا التجاهل أدّى إلى الاختلال والنقص في التفسيرات الاجتماعيّة؛ وذلك لأنّ الأسباب الاجتماعيّة بدورها ـ مثل الأسباب البيئيّة والنفسيّة ـ لا تمتلك القدرة التي تمكّنها من بسط سلطتها على الأفعال الاختياريّة للإنسان والتي تعمل على صياغة وبلورة شخصيّته.

يذهب مؤلّف كتاب (المجتمع والتاريخ في القرآن) إلى الاعتقاد بأنّ الأسباب الفيزيقيّة والبيئيّة والنفسيّة والاجتماعيّة، لا تعمل على تعيين الأفعال الاختياريّة للبشر أبدًا، وإنّما هي مجرّد ممهّد لاختياره وانتقائه فقط. ولا شكّ في أنّ حجم استفادة الأفراد من هذه النعم الإلهيّة ـ مثل سائر النعم ـ ليس على وتيرة واحدة. وهناك من الأشخاص من يعمل من خلال عدم تفعيل هذه القوّة على إضعافها وفتورها بالتدريج. وهناك في المقابل من يعمل على توظيفها بشكل مستمرّ وصحيح، ويعمل بذلك على تقويتها بحيث تتمكّن من الصمود في مواجهة سائر العوامل والمقتضيات الأخرى، وهكذا فإنّه يستطرد في بيان أهمّيّة عامل الاختيار بحيث يعمل

(390)

على تعريف الشخصيّة بأنّها «مزيج من الأخلاق والسجايا والمعتقدات والعادات والملَكات التي تحصل بتأثير من الأفعال الاختياريّة للإنسان».[1]

وعلى هذا الأساس لا ينبغي في مسار بيان أسباب الانحرافات الاجتماعيّة ومعرفتها أن نغفل عن إرادة الإنسان واختياره؛ وذلك لأنّ الغفلة عن هذه الحقيقة، لا تعرّض البيان العلميّ الصحيح لهذه المسألة إلى الخلل فحسب، بل سوف تترتّب على ذلك تبعات وتداعيات اجتماعيّة خاطئة أيضًا. ومن ذلك إلغاء العقوبات التي تساهم بشكل مؤثّر في تقليل حجم الجرائم والانحرافات. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ إلغاء عقوبة الإعدام والقوانين الرادعة في المجتعات الغربيّة الحديثة، إنّما كانت حصيلة تحقيقات ودراسات تجاهل فيها الباحثون الدور المهمّ للإرادة والاختيار عند الإنسان، وأكّدوا قبل كلّ شيء على خلفيّات وقوع الجرائم، والتي هي عبارة عن العوامل الفيزيقيّة والنفسيّة والاجتماعيّة.[2]

وعلى حدّ تعبير إميل دوركهايم: «إنّ المجتمعات الحديثة والصناعيّة قد عملت ـ استنادًا إلى التحقيقات ـ على استبدال القوانين الحقوقيّة الترقيعيّة بالقوانين الحقوقيّة الردعيّة».[3] وتمّ النظر إلى المجرم على أنّه شخص مريض يجب العمل على إصلاحه ومعالجته بقوانين الحقوق الترقيعيّة؛ كما نعالج العضو المريض بواسطة الاستفادة من العقاقير النباتيّة أو الكيميائيّة.

جذور الخلل: الجهل والغفلة

للوقوف على الأسباب الرئيسة للانحراف والشذوذ في السلوك، يجب الرجوع ـ من وجهة نظر الدين ـ إلى ذات الإنسان وإرادته واختياره. ولا ينبغي التركيز على مجرّد العوامل الفيزيقيّة والنفسيّة والاجتماعيّة فقط. ويمكن الوقوف على هذه الحقيقة في القرآن الكريم بشكل واضح؛ وذلك عندما يقف المجرمون في يوم يوم القيامة بين يدي الله للحساب والجواب عن أعمالهم المنحرفة؛ حيث يعتبرون المجتمع الموبوء هو السبب في دفعهم نحو الانحراف وارتكاب الجرائم؛ إذ يقولون «كنا مستضعفين في الأرض»، ولكن الله سبحانه وتعالى يردّ على هؤلاء

(391)

المجرمين، بالقول: (أَلَمْ تَكُنْ أَرْضُ اللَّهِ وَاسِعَةً).[1] بمعنى أنّه كان بمقدوركم الابتعاد عن ذلك المجتمع، والانتقال إلى مجتمع أكثر صلاحًا. وكما نلاحظ في هذه الآية فإنّ الله سبحانه وتعالى لم يُنكر تأثير المجتمع الموبوء في انحراف الإنسان، وإنّما أشار إلى قدرة الإنسان على الوقوف بوجه المجتمع من خلال إرادته وحُسن اختياره؛ بمعنى أنّ انحراف المجتمع لا يرقى إلى حدّ تكبيل الإنسان وسلبه حرّيّته واختياره.

وعلى أساس هذه الحقيقة فإنّ علماء الأخلاق والمبلّغين للقيم لم يصبهم اليأس، ولم يقنطوا رغم الانحراف، ولم يفقدوا الأمل بهداية شخصيّة الأفراد وتربيتهم، وقد بذلوا كلّ ما بوسعهم في هذا الشأن. وقد حقّقوا نجاحات كبيرة طوال تاريخ الحياة الاجتماعيّة للإنسان. كما لا يمكن لمخاطبيهم ـ بالنظر إلى هذه الحقيقة ـ إحالة عدم الالتزام والقبول بالقيَم الإلهيّة إلى الجبر النفسيّ والبيئيّ والاجتماعيّ، وتبرئة نفسه من ذلك.

عدم الوعي ومشكلة انعدام الأمل

لو قيل: إنّ الجهل وعدم العلم واحد من الأسباب الرئيسة في تجاهل القيَم والابتلاء بالسلوك المنحرف، لم يكن هذا قولًا شططًا. إنّ الجهل في حدّ ذاته منشأ لظهور الكثير من المعضلات الاجتماعيّة والمشاكل الإنسانيّة. لا شكّ في أنّ الشخص المنحرف لو كان عالمًا بقدرته وتمكّنه من الوصول إلى الكمال الإنسانيّ، وكان على علم بأنّ القيَم الحاكمة في المجتمع، ولا سيّما منها القيَم الإلهيّة والمعنويّة، يمكن لها أن تكون بمنزلة القبس والمشعل الهادي له في الوصول إلى أهدافه الإنسانيّة السامية، وغاياته المادّيّة والمعنويّة، فإنّ احتمال إعراضه عن هذا القبس سوف يكون منخفضًا للغاية. وهذه حقيقة تؤيّدها الآيات والروايات. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ قوله تعالى: (أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)[2]، يبيّن بوضوح أنّ سبب سقوط الإنسان في مستنقع الحيوانيّة، بل وأدنى من مستوى الحيوانيّة، إنّما ينشأ من الجهل والغفلة.

كما صرّح الإمام عليّ عليه‌السلام بأنّ السبب الرئيس في الانحراف وارتكاب السلوك الخاطئ هو

(392)

الجهل، إذ يقول في دعائه: «ظلمت نفسي وتجرّأت بجهلي».[1]

وتوجّه الإمام زين العابدين عليه‌السلام ـ على ما ورد في (الصحيفة السجّاديّة) ـ بالاعتراف إلى الله قائلًا: «أنا الذي بجهله عصاك».

وفي قصة النبيّ يوسف عليه‌السلام ، كذلك كان نور البرهان الإلهيّ ـ في قبال جميع التمهيدات لاستثارة قوّة الشهوة ـ وحده هو الذي استطاع أن يُنجيه من الهلكة، والتخلّص بنور القيَم الإلهيّة من السقوط في الانحراف؛ إذ يقول تعالى: (وَلَقَدْ هَمَّتْ بِهِ وَهَمَّ بِهَا لَوْلَا أَنْ رَأَى بُرْهَانَ رَبِّهِ).[2]

وقد أشار الحكماء والعلماء بدورهم إلى هذه الحقيقة أيضًا. فقد ذهب سقراط (470 ـ 399 قبل الميلاد) إلى الاعتقاد بأنّ الانحراف يأتي في الأساس كنتيجة وثمرة للجهل وعدم العلم، وإنّ طريق الحلّ الوحيد في هذا الشأن يكمن في الاقتباس من نور العلم والمعرفة. وقال في هذا الشأن:

«علينا أن لا نتعامل مع الخاطئ بعنف وقسوة، بل علينا أن نعلّمه كيف يمتنع من ارتكاب الخطأ؛ لأنّ الخطأ من ثمار الجهل وانعدام المعرفة. وهناك الكثير من الأشخاص الذين لم يتمكّنوا من الحصول على العلم، فكانوا هم الذين يرتكبون الجرائم وأنواع الموبقات».[3]

وقال الحكيم والمفكّر الإسلاميّ أبو نصر الفارابي:

«فإذا علمت بالقوّة النظريّة السعادة ونصبت غاية وتشوّقت بالنزوعيّة واستنبطت بالقوّة المرويّة ما ينبغي أن تعمل حتّى تنال بمعاونة المتخيّلة والحواس على ذلك، ثمّ فعلت بآلات القوّة النزوعيّة تلك الأفعال، كانت أفعال الإنسان كلّها خيرات وجميلة. فإذا لم تعلم السعادة، أو عملت ولم تنصب غاية بتشوّق، بل نصبت الغاية شيئًا آخر سواها وتشوّقت بالنزوعيّة واستنبطت بالقوّة المرويّة ما ينبغي أن تعمل حتّى تنال الحواس والمتخيّلة، ثمّ فعلت تلك الأفعال بآلات القوّة النزوعيّة، كانت أفعال ذلك الإنسان كلّها غير جميلة».[4]

(393)

وعلى هذا الأساس، فإنّ من بين الأسباب التي تلعب دورًا محوريًّا في ظهور الانحرافات، هو الجهل وعدم العلم. وأمّا سائر الأسباب الأخرى فتأتي في مرحلة لاحقة، ويكفي للوقوف على أهمّيّة هذا العنصر أن نعلم أنّ الله سبحانه وتعالى، بالإضافة إلى القوّة العاقلة والرسول الباطنيّ، قد أرسل إلى الناس مئة وأربعة وعشرين ألف نبيّ، لإنقاذهم من الجهل، وتمهيد الطريق لهم كي يصلوا بسلوكهم لهذا الطريق إلى الكمال والسعادة بقبس ومشعل يحمل عنوان الفضائل والقيَم. وفي الوقت نفسه، قلّما تمكّن البشر من الاستفادة من هداية الأنبياء، وظلّوا سادرين في جهلهم وغيّهم، وواصلوا إصرارهم على جهلم، وعدم الاقتباس من نور العلم.

التماهي الثقافيّ

حيث علمنا أنّ الجهل وعدم العلم هو الجذر والأصل لارتكاب الكثير من الآفات والانحرافات الاجتماعيّة، فما هو الحلّ؟

في الجواب عن هذا السؤال، يمكن القول: إنّ الأسلوب الأكثر تأثيرًا في حلّ معضلة الجهل، هو العمل على بثّ الوعي ونشر العلم والمعرفة. وهذا الأمر يمكن تصويره ـ من وجهة نظر علماء الاجتماع ـ بصورتين، وهما: التماهي الثقافيّ، والتماهي الاجتماعيّ؛ بمعنى الأسلوبين اللذين يتمّ التأكيد عليهما من قبل المهندسين الاجتماعيّين في بناء المجتمع؛ وذلك لأنّ الإنسان يتربّى في أحضان المجتمع بحكم الضرورة، ولا يستطيع الانفصال أبدًا عن المجتمع والحياة الجماعيّة.

إنّ التماهي الاجتماعيّ[1] مسار يعلّم الإنسان طرق الحياة ومسالك العيش في المجتمع. وبعبارة أخرى: إنّ التماهي الاجتماعيّ مسار يعمل على مجرّد قولبة الفرد ليكون متناغمًا مع المعايير الاجتماعيّة. وهذا المسار إنّما يتحقّق على صورتين؛ فتارة تعمل الجماعة والمعايير واللوازم الاجتماعيّة على صبّ الفرد في بوتقة التماهي الاجتماعيّ عن عمد، وتارة تعمل الحياة الجماعيّة من تلقائها على جعل الفرد متماهيًا مع المجتمع.[2]

(394)

وأمّا التماهي الثقافيّ[1]، فهو مسار يجعل الفرد ينقاد بشكل عميق ومن جهات كثيرة ليتماهى ويتناظر مع ثقافة المجتمع. وذلك على خلاف التماهي الاجتماعيّ الذي يعمل على مجرّد أقلمة الشخص مع المعايير الاجتماعيّة. وبطبيعة الحال فإنّ مسار التماهي الاجتماعيّ، لو تحقّق واستمرّ بشكل عميق، فإنّ أفراد المجتمع سوف يحظون بتشابه وتماه كبيرين، ويصبحون متماثلين مع بعضهم بلحاظ القيم والمعايير. بحيث إنّ الأعضاء الجُدُد في المجتمع سوف يُسهمون بالتدريج في هذا المسار من الحياة المشتركة في مجتمعهم، ويتعلّمون تقاليده وطرائقه، وبذلك يتمّ التمهيد للتماهي الثقافيّ فيما بينهم.[2] يمكن جعل هؤلاء الأفراد متماهين مع الثقافة والقيّم الحاكمة على المجتمع.

الاختلاف بين التماهي الثقافيّ والتماهي الاجتماعيّ

إن الذي يميّز التماهي الثقافيّ من التماهي الاجتماعيّ، هو أن الفرد في التماهي الأول يكون مثل المجتمع والقيَم السائدة فيه، وفي التماهي الثاني يعمل الفرد على مجرد التأقلم مع القيَم والمعايير الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى: إنّ الشخص في التماهي الثقافيّ بالإضافة إلى تعلم الثقافة والقيَم الحاكمة على المجتمع، يحصل له اعتقاد قلبيّ والتزام عمليّ، وأمّا في مسار التماهي الاجتماعيّ، فإنّ الشخص إنّما يتماهى مع المجتمع والمعايير الموجودة بين الجماعة من باب «اسلك في روما كما يسلك أهل روما» أو تطبيقًا لمقولة «حشر مع الناس عيد». في حين أنّه في التماهي الثقافيّ لا فرق بين وجود الجمع وعدمه وحضوره وغيابه؛ وذلك لأنّه قد أصبح مؤمنًا بتلك المعايير على نحو راسخ. خذ بنظر الاعتبار سائق دراجة ناريّة يتّصف بالتماهي الثقافيّ، إنه حتّى لو كان يقود دراجته في منتصف الليل في شارع يكاد يخلو من السيّارات، ثمّ وصل إلى مفترق طرق وصادف إشارة المرور حمراء، فإنّه سوف يتوقّف ولا يواصل طريقه حتّى تضاء له الإشارة الخضراء، وسوف يلتزم بالوقوف والانتظار حتّى إذا كان المفترق خاليًا من السيّارات، وحتّى إذا لم تكن هناك كاميرات لشرطة المرور ترصد المكان. وأمّا إذا كان الشخص متّصفًا بالتماهي الاجتماعيّ فقط، فإنّه سوف يتجاوز الإشارة الحمراء حتّى في وضح النهار وفي ساعة الذروة،

(395)

وكان حقّ التقدّم للمركبات الأخرى، مشروطًا بأن لا يكون هناك شرطيّ مرور يراقب الوضع أو كاميرات ترصد المشهد.

وبذلك يتّضح أنّ التماهي الثقافيّ أنفع للمجتمع والأفراد من التماهي الاجتماعيّ بكثير؛ وذلك أوّلًا لأنّ الهدف في التماهي الثقافيّ والغاية المتمثّلة في تناظر الفرد مع المعايير الاجتماعيّة أكثر استمرارًا وثباتًا، ولن يزول بسهولة؛ إذ هو مدعوم بالاعتقاد والالتزام. بخلاف التماهي الاجتماعيّ الذي يكون فيه الانسجام مع المعايير من قبل الفرد المتماهي اجتماعيًّا متزلزلًا وغير مستمرّ وسريع الزوال. وثانيًا: ليست هناك في التماهي الثقافيّ حاجة إلى تواجد الشرطة ونصب الكاميرات؛ أي لا توجد ضرورة للسيطرة الرسميّة والقانونيّة. وأمّا في التماهي الاجتماعيّ فثمّة حاجة إلى بقاء عين القانون مفتوحة؛ بمعنى أنّه توجد حاجة إلى تواجد الشرطة والمنظومة الأمنيّة والسيطرة الرسميّة والقانونيّة. وفي حالة غياب السيطرة الرسميّة ـ التي تتولّى مهمّة ضمان أو تنفيذ القواعد والقوانين ـ سوف يكون المجتمع والمواطنون فيه عرضة للخطر. قال وليم جي بنت في تقرير له:

«انقطع التيّار الكهربائيّ يومًا في مدينة نيويورك لمدة 25 دقيقة. وقد شهدت هذه المدّة وقوع جرائم قتل بالعشرات، وحدثت خسائر ماليّة طالت المؤسّسات الخاصّة والحكومية قدّرت بآلاف الدولارات. وكان السرّ في ذلك أنّ انقطاع التيار الكهربائيّ قد أدّى إلى إصابة عين القانون بالعمى. ولم يعمل أيّ ضبط أو قانون للسيطرة على الجرائم التي وقعت في تلك الدقائق التي غابت فيها سطوة الدولة والقانون».[1]

إنّ هذا التقرير يُشير بوضوح إلى أنّ التماهي الاجتماعيّ لا يفتقر إلى الدوام والاستمرار فحسب، بل ولا يمكنه حتّى ضمان الأمن الاجتماعيّ والنفسيّ أيضًا. هذا في حين أنّ التماهي الثقافيّ يأتي معه بالأمن النفسيّ والاطمئنان الاجتماعيّ، وهو مطلب ينشده جميع أفراد المجتمع.

(396)

التأكيد الدينيّ على التماهي الثقافيّ

لا شكّ في أنّ الغاية من خلق الإنسان هي العمل على تكامل هذا الكائن الملغّز والزاخر بالأسرار. وبطبيعة الحال فإنّ هذا الكائن الفذّ والمخلوق الإلهيّ الفريد يحتاج في وصوله إلى القصد والغاية إلى تعليم وإرشاد سرمديّ ودائم. ومن هنا فإنّ الخالق الحكيم والرؤوف قد بعث الأنبياء لتحقيق هذه الغاية، وقد ورد التصريح بهذا الأمر في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِنْ كَانُوا مِنْ قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُبِينٍ).[1]

لقد كانت الثقافة الدينيّة والقيَم السماويّة هي المنهج الدراسيّ والتعليميّ للأنبياءعليهم‌السلام ، حيث تمّ إنزاله إلى البشر، وأخذوا يعلمونهم من طريق هذه المواد الدراسيّة، كي يتمكّنوا في ضوء هذه القيَم والثقافة الخالصة من سلوك طريق الوصول إلى الكمال والحصول على الطمأنينة الحقيقيّة في ساحل النجاة. وهنا يطرح هذا السؤال نفسه: أيّ الأسلوبين كان هو المتّبع من قبل الأنبياء في تعليم البشر، فهل قاموا بتوظيف أسلوب التماهي الثقافيّ أو أسلوب التماهي الاجتماعيّ، وعلى أساس أيّ أسلوب قاموا بأداء رسالتهم؟

إن الذي يمكن قوله بشأن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : هو أنّه قام بكلا الأسلوبين على أفضل وجه. ويمكن مشاهدة هذا الأمر بعد هجرة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم إلى المدينة المنورة بشكل واضح. لقد انتهج النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في إدارة الحكم والدولة أسلوب التماهي الاجتماعيّ في الغالب مع جماعات من قبيل: اليهود والنصارى؛ بمعنى أنّهم وإن لم يكونوا مكرهين على اعتناق الإسلام، ويمكنهم البقاء على دينهم بشرط عدم التآمر والعدوان، ولكن يجب عليهم مراعاة القوانين والمعايير الحاكمة على الحياة الاجتماعيّة والتواجد في المجتمع الإسلاميّ. فلا يحقّ لهم ـ مثلًا ـ تناول الخمور في الملأ العام، أو التجاهر بمعايير أديانهم والسلوك بما يتطابق معها.

وأمّا أسلوب النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في تعليم المسلمين والمتديّنين بدين الإسلام، فهو أسلوب التماهي الثقافيّ؛ بمعنى أنّ النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم كان يؤكّد على الإيمان كثيرًا، وليس الإسلام الذي يتحقّق بمجرّد النطق بالشهادتين وقول كلمة التوحيد المتمثّلة بـ «لا إله إلا الله»، دون أن تتجذّر التعاليم

(397)

الوحيانيّة والسماويّة في أعماق وجودهم، ودون أن يكونوا ملتزمين بها. كان النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يسعى جاهدًا ليُصبح أتباعه من المؤمنين. إنّ الإيمان في علم الاجتماع هو التماهي الثقافيّ.

وإنّ قوله تعالى: (قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أَسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإِيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ)[1] إنّما يُشير إلى هذه الحقيقة، وهو أنّ كلّ ما كان يهمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم هو أن يترسّخ تعليم القيَم الإلهيّة في أعماق وجود المؤمنين. إنّ هذا الأسلوب كان موردًا لتأكيد الأديان والأنبياء عبر التاريخ. لقد كان الأنبياءعليهم‌السلام يسعون على الدوام لكي يعيش المجتمع البشريّ في صلح وسلام، وأن تتجلّى الأخلاق الإنسانيّة والصفات الإلهيّة في المجتمع. ولن يكون هذا الأمر ممكنًا إلّا من طريق التماهي الثقافيّ.

إنّ قوله تعالى: (أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى)[2]، وكذلك قوله تعالى: (وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ)[3]، إنّما يشير إلى السيطرة الداخليّة وغير الرسميّة؛ بمعنى أنّ الأفراد يجب أن يخضعوا لتربية بحيث لا يحتاجون معها إلى السيطرة الرسميّة. وهذا الأمر إنّما يتحقق في ضوء التماهي الثقافيّ. في مسار التماهي الاجتماعيّ يحتاج الفرد إلى السيطرة الرسميّة، ولا يمكن أن نطلق له العنان من دون وجود جهاز للشرطة والمنظومة الحقوقيّة؛ وذلك لأنّه سوف يضرّ بنفسه ويُعرّض المجتمع للخطر أيضًا. في حين أنّ الفرد في التماهي الثقافيّ لا يحتاج إلى السيطرة والضبط الخارجيّ. وهذا الفرد لن يخطر في ذهنه حتّى التفكير في ارتكاب المعاصي؛ وذلك لأنّه شخص مؤمن بأنّ الله سبحانه وتعالى سوف يؤاخذه ويحاسبه في يوم القيامة. إنّ هذا الأسلوب هو الذي يمكنه تلقيح المجتمع بمصل الوقاية من المخاطر والآفات الإنسانيّة، وأن يضمن له السلامة النفسيّة والأمن الاجتماعيّ.

دور الأسرة في التماهي الثقافيّ

يدور البحث هنا حول الوقاية من الانحراف. تقدّم أن ذكرنا أنّ السبب الرئيس في ارتكاب الجرائم والسلوك المنحرف يعود إلى عدم وعي البشر وجهل الإنسان. وإنّ حلّ هذه المعضلة

(398)

يكمن في أسلوب مؤثّر وناجع باسم التماهي الثقافيّ، حيث يمكن الحصول ـ من خلال تحقّقه ـ على مجتمع آمن وأفراد منسجمين ومتماهين مع المعايير. ولكن ما هو دور الأسرة ـ من الأب والأمّ والإخوة والأخوات والأعمام والأخوال ـ في تحقيق التماهي الثقافيّ، والوقاية من الانحراف؟ هذا هو السؤال الذي يشكّل الموضوع الأصليّ لهذه المقالة.

لا شكّ في أنّ للأسرة دورًا فريدًا في حمل أبنائها على التماهي الثقافيّ. ولا يمكن لأيّ عنصر من العناصر الاجتماعيّة الأخرى في المجتمع ـ الأعمّ من المدرسة والتجمّعات والمحافل الدينيّة والعلميّة والإعلاميّة ـ أن يكون له حجم ومقدار ما للأسرة من التأثير في هذا الشأن؛ وذلك لأنّ الطفل يقضي بداية مرحلة حياته ـ وهي بطبيعة الحال من أهمّ المراحل في هذا المجال؛ إذ فيها تتبلور شخصيّته ـ ضمن حضن الأسرة الدافئ. ومن هنا فإنّ الطفل يقضي فترة زمنيّة أكبر في هذه المجموعة التي يرتبط معها بوشائج النسب. يُضاف إلى ذلك أنّ الطفل إنّما يعتمد ويثق بأسرته أكثر من أيّ شخص آخر، فإنّه يشعر بالأمن والسكينة ما دام يعيش بين أفراد أسرته. وباختصار فإنّه يرى أسرته هي الأرحم به والأحرص عليه.

إنّ الأسرة في ضوء المعارف الإسلاميّة وعلى أساس التأكيدات الواردة في النصوص الدينيّة تعدّ العنصر الأوّل، وقد تكون العنصر الفذّ في جعل الأبناء والأفراد يقبِلون على التماهي الثقافيّ. وعليه فلو قصّر الآباء في هذا الشأن، ولم يعملوا برسالتهم بشكل كامل فسوف يتعرّضون للمؤاخذة والحساب. وقد ورد في المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، أنّه قال: «ويل لأطفال آخر الزمان من آبائهم»! فقيل له: يا رسول الله، من آبائهم المشركين؟ فقال: «لا، من آبائهم المؤمنين، لا يعلّمونهم شيئًا من الفرائض...».[1] من الواضح أنّ التعليم في الإسلام قد تمّ التأكيد عليه من قبل أئمّة الدين بأسلوب التماهي الثقافيّ. وقد ورد في المأثور عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، أنّه قال لولده [الحسن عليه‌السلام ]: «إنّما قلب الحدث كالأرض الخالية ما ألقي فيها من شيء قبلته، فبادرتك بالأدب قبل أن يقسو قلبك ويشتغل لبّك».[2]

(399)

وحيث اتضح ما للأسرة من دور محوريّ في التماهي الثقافيّ بالنسبة إلى الأولاد، علينا أن نرى كيف يجب العمل على تحقيق هذا الأمر المهمّ. يرى علماء التربية أنّ الأسرة إذا أرادت أن تنجح في مسار جعل أفرادها يتماهون ثقافيًّا، فيجب عليها رعاية المراحل الآتية:

الأنس الدينيّ

إنّ من بين أهم مراحل التربية في الأساس، إيجاد الرؤية. ويذهب علماء النفس إلى الاعتقاد بأنّ ما نسبته خمسون بالمئة من عوامل النجاح في هذا الأمر يعود إلى الرؤية الإيجابيّة. وهناك من يرفع نسبة تأثير الرؤية الإيجابيّة في إنجاح الأمور إلى ثمانين بالمئة. ويجب على الوالدين هنا أن يخطّطوا بشكل خاصّ وأن يضعوا منهجًا وبرنامجًا خاصًّا لتوجّهات أولادهم نحو الدين والقيَم الإلهيّة في فضاء البيت وأجواء الأسرة التي تمثّل منشأ تكوينهم وازدهارهم وبلورة شخصيّتهم، وأن يعملوا على تحصين أبنائهم في هذا العالم المعاصر الموبوء بأنواع الإعلام المزوّق والذي يُعرّضهم لما لا يُحصى من الآفات؟

غالبًا ما نشاهد للأسف الشديد أنّ الوالدين أثناء أداء فريضة الصلاة يمنعون أولادهم الصغار من اللعب والكلام! أو يكون الأب مشغولًا بتلاوة القرآن الكريم ثمّ يصرخ على ولده المشاغب وينتهره ويعامله بقسوة، بدلًا من أن يتلطّف معه ويبيّن له حلاوة أسرار الصلاة، وما لتلاوة القرآن من عذوبة وطلاوة، وبذلك فإنّه يُسهم في أن تتكوّن في ذهن ولده وفلذة كبده طاقة سلبيّة تجاه القيَم الإلهيّة والفرائض الدينيّة، مثل الصلاة والقرآن الكريم. في حين أنّه يجب أن تعمّ أجواء البيت أثناء أداء فريضة الصلاة أو قراءة القرآن أجمل لحظات الحضور الأسريّ في كنف الدار؛ ليستمتع الأولاد في دفء الوالدين بحلاوة الصلاة وجمال قراءة القرآن الكريم.

إن هذا الأمر إنّما يتحقق فيما لو رأينا قيمة واعتبارًا للولد، وأن نعمل في الوقت المناسب على إشراكه في إيجاد النشاط، بأن نعمل على خلق الحافز لديه عندما نهمّ بالذهاب إلى المسجد لإقامة الصلاة جماعة؛ فنرغّبه بمرافقتنا ولو بإعطائه هديّة صغيرة، وبذلك سوف نخلق لدى الولد ميلًا إيجابيًّا إلى الدين والقيَم. وبعد تحقّق الاتجاه، نمهّد أمامه طريق التعليم وتحصيل لطائف القيَم الإلهيّة، وبذلك نعدّ الولد إلى المرحلة اللاحقة المتمثّلة بالتعوّد على أداء التكاليف والوظائف الدينيّة.[1]

(400)

العادة الدينيّة

إنّ مرحلة ما قبل البلوغ ـ أي المرحلة التي يحظى فيها الأطفال بخصوصيّتين بارزتين، وهما: الطمأنينة والقابليّة على التأثّر ـ هي في الأساس مرحلة مهمّة جدًّا؛ وذلك لأنّ العادات المكتسبة إنّما تتبلور في هذه المرحلة. ولكن غالبًا ما تهمل الأسر هذه المرحلة ولا تعيرها الاهتمام الكافي، وتذهب أغلب الأسر إلى تصوّر أنّ القسر والإجبار أمر خاطئ، وأنّه يجب أن يُمنح الأولاد حرّيّة كاملة لكي يختاروا القيام بالفرائض وأداء التكاليف بأنفسهم. وفي بعض الأحيان يستدلّون على صحّة هذا التصوّر بالحديث المعروف المأثور عن النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، إذ يقول في مضمونه: «يجب ترك الصبيّ لسبع سنين، واعتباره في هذه المرحلة بوصفه أميرًا»؛ وبذلك يغفلون عن حقيقة مهمّة، وهي أنّ الأمير لا يحقّ له القيام بكلّ ما يحلو له من الأمور، حتّى ولو لم تكن معقولة. والأمير والحاكم إنّما يكون حكمه مطاعًا وأمره مستجابًا، إذا كان أمرًا حكيمًا وصائبًا.

ولكن علينا أن لا نغفل عن هذه الحقيقة، وهي أنّ إجبار الأولاد على القيام ببعض الأمور التي يؤمنون بصحّتها، ولكنّهم قد يتقاعسون عن امتثالها أو يتهاونون في أدائها، أو يبدون مشاكسة في القيام بها، لا يعدّ قسرًا وإكراها لهم عليها، بل يمثّل حافزًا يرفع ثقل الكسل وعدم الاهتمام عن كواهلهم. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ لو كان الولد مؤمنًا بأصل الدين، ولكنه لا يجد من نفسه ميلًا إلى أداء الفرائض مثل الصلاة، ويتهاون أو يتساهل في القيام بها، ولا يُقيّد نفسه بامتثالها، فإنّ إجباره عليها في مثل هذه الحالة لا يكون غير ممدوح فحسب، بل وقد ورد التأكيد عليه في النصوص الدينيّة وفي الروايات المأثورة عن الأئّمة المعصومين عليهم‌السلام أيضًا، حيث ورد الأمر عنهم بإجبار الأولاد على الفرائض كي يعتادوا عليها. وبالنظر إلى وثاقة هذه الروايات ووضوحها وصراحتها، يتّضح أنّه لو كان هذا الإجبار ينطوي على تبعات سلبيّة، لما صدر مثل هذا الأمر عن الأئمّة المعصومين عليهم‌السلام .[1]

المعرفة الدينيّة

يدخل الأطفال منذ بلغوهم سنّ الثانية عشرة من أعمارهم في المرحلة الانتزاعيّة أو النموّ التجريبيّ؛ بمعنى أنّهم سوف يمتلكون القدرة على التفكير حول الأشياء والاستدلال عليها

(401)

والإيمان بها واعتناقها حتّى من دون رؤيتها. إنّ مرحلة المعرفة الدينيّة التي تتزامن تقريبًا مع مرحلة البلوغ، هي مرحلة البحث والتنقيب وطرح الأسئلة المتنوّعة من قبيل: لماذا يجب علينا أن نصلّي؟ وكيف يمكن لله الواحد أن يكون حاضرًا ومتواجدًا في كلّ مكان؟ والعشرات من الأسئلة المماثلة الأخرى. في هذه المرحلة يتعيّن على الوالدين أن يمهّدوا أرضيّة الأسئلة لأولادهم، ثمّ يعملون على الإجابة عنها. في حين أنّ أغلب الآباء والأمهات ولا سيّما في آخر الزمان ـ حيث تنبّأ النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بها ـ لا يقومون ـ للأسف الشديد!ـ بإعداد الأرضيّة اللازمة، إمّا بفعل الجهل أو عدم الالتفات، بل ويتّخذون ردّة فعل غير مناسبة تجاه أسئلة أبنائهم، وقد يعملون في بعض الأحيان على خلق (تابو) من هذه المواضيع التي تقع موردًا لتساؤل الأولاد، ويحرّمون عليهم أن يحوموا حولها، ويحذّرونهم من الاقتراب منها.

وللأسف الشديد! فإن أكثر الآباء والأمهات يعجزون عن الإجابة في خصوص الأسئلة الدينيّة التي يثيرها أبناؤهم بسبب القصور والجهل، وقد جعلهم هذا الأمر منفصلين عن الدين والتعاليم الدينيّة، وبسبب تصرّفاتهم الخاطئة، يتسبّبون في ابتعاد أبنائهم عن الدين.

في حين أنّ هذه المرحلة بالغة الدقّة وحسّاسة للغاية؛ لأنّهم يكونون عندها في مرحلة المعرفة الدينيّة؛ حيث يجب أن يخضع فيها الأولاد للتلقين الدينيّ والمعرفيّ، كي لا يتصوّروا وجود شرخ بين العلم والدين، وأنّ طريق الدين يختلف عن طريق العلم. إنّ ما يقوله الدين لا يتنافى مع العلم، وعليه يجب تربية الطفل بحيث لو بلغ مرحلة الشباب ودخل في رحاب الجامعة والدراسات العليا، فلن يشعر بالخجل من إظهار التديّن والتقيّد بالفرائض الدينيّة. وذلك نتيجة التصوّر القائم على الفصل بين العلم والدين، واعتبار أحدهما مخالفًا للآخر. في حين لا يوجد أيّ تناف بينهما؛ إذ إنّ العلم في حدّ ذاته يمثّل وسيلة لاكتشاف الدين والأوامر الإلهيّة.[1]

ولا بدّ من الالتفات ـ بطبيعة الحال ـ إلى أنّ مرحلة الأنس الدينيّ تغلب عليها حالة التلقين لدى الطفل، وفي مرحلة العادة الدينيّة تتبلور حالة التقليد، وأمّا في مرحلة المعرفة الدينيّة تسود الأولاد والأطفال ـ الذي يخوضون تجربة مرحلة اليافعين ـ حالة التأسّي والاقتداء أكثر من أيّ

(402)

شيء آخر. ومن هنا يجب العمل على تعريف الأولاد بمن هم قدوة وبالنماذج الدينيّة والإيجابية؛ وذلك لأنّ تقديم القدوة النموذجيّة للأولاد يضع في متناولهم أسوة جديرة بأن تحتذى، وهذا الأمر يشكّل عاملًا وحافزًا لتحريكهم، ويمثّل عنصرًا يحول دون انحرافهم، ويكون سببًا في تغيير الاتجاهات لديهم، وبالتالي فإنّه يكون دليلًا على أحقّيّة المذهب.[1]

الشاكلة الدينيّة

إنّ الشاكلة الدينيّة تعني أنّ الشخص إذا حصل على معرفة دينيّة، فإنّ الدين سوف يدخل في حياته، وتصبح رؤيته رؤية دينيّة. ونتيجة لذلك فإنّه سوف يسعى لكي يكون الدين في جميع أبعاد الحياة في صلب جميع أعماله. وسوف يكون كلّ اهتمامه منصبًّا على أن يكون سلوكه متطابقًا مع القيَم الإلهيّة. في هذه المرحلة لن يقوم الفرد بتقديم رغباته النفسانيّة على القيَم الدينيّة أبدًا، بل سوف يضحّي بنفسه من أجل القيَم الدينيّة.

لقد كان مسلم بن عبد الله المجاشعيّ مقاتلًا تحت لواء أمير المؤمنين عليه‌السلام ، وكان حاضرًا معه في حرب الجمل، فكان مصداقًا بارزًا لتبلور الشاكلة الدينيّة في شخصه. فعندما قال أمير المؤمنين عليه‌السلام لأصحابه قبل التحام الجيشين:

«من منكم يأخذ هذا المصحف فيدعوهم إليه وهو مقتول وأنا ضامن له على الله الجنة؟». لم يقم أحد إلّا مسلم، حيث قال: أنا أعرضه عليهم يا أمير المؤمنين، وقد احتسبت نفسي عند الله تعالى. فقال له الإمام عليه‌السلام : إنّهم سوف يقطعون يدك، ويمزقون جسدك. فقال مسلم: أنا مستعدّ لذلك... فدفع إليه المصحف وقال: «امض إليهم واعرضه وادعهم إلى ما فيه». فأقبل الغلام حتّى وقف بإزاء الصفوف ونشر المصحف أمام الأعداء، وقال: هذا كتاب الله ـ عزّ وجلّ ـ ولكنّهم لم يمهلوه حتّى يتمّ كلامه، إذ قطع أحد الأعداء يده بسيفه. فأخذ مسلم المصحف بيده الأخرى وصاح في الأعداء، فقطعوا له يده الأخرى. فلم يكن أمام مسلم إلّا أن اعتنق القرآن، وأخذ الأعداء يتناوشونه بأسيافهم ويطعنون جسده حتّى مزّقوه إربًا إربًا.[2]

(403)

وفي تاريخ الدفاع المقدّس في إيران الإسلاميّة، نلاحظ الكثير من المصاديق في هذا الشأن والتي تنير التاريخ في عصر الظلام وأنانية النفس والحكومات العلمانية والمادّيّة، وهم أشخاص من أمثال الشهيد حسين فهميدة الذي قام بتفخيخ جسده الغضّ بمجموعة من القنابل اليدويّة وألقى بنفسه تحت مدرّعة للأعداء وقام بتفجير نفسه فيها، فجسّد بذلك أروع الملاحم، وأثبت أنّ القيم الدينيّة والثقافة الإسلاميّة إذا عملت على بلورة الشاكلة الدينيّة للفرد، فإنّه سوف يسخر من حديد المدرّعات الصلد، وقذائف المدافع المدوّية، ويبهر العالم بأفعاله وصولاته البطوليّة.

ومن الواضح بطبيعة الحال أنّ الآباء والأمهات لو كانوا مصداقًا لحديث «كونوا دعاة الناس بغير ألسنتكم» في تعليم الدين لأولادهم من خلال أفعالهم وتصرّفاتهم، فسوف نشهد مجتمعًا لا يغضّ أفراده الطرف ببساطة عن القيَم الإلهيّة. ومن الطبيعيّ أنّه لا بدّ من الاستثمار والإنفاق في هذا المجال. فإذا لم يبد الوالدان استعدادًا إلى الإنفاق من أجل الحفاظ على الدين والقيَم الدينيّة وامتثال الأوامر الإلهيّة، فإنّ الأولاد بدورهم لن يبدوا استعدادًا لبذل كلّ وجودهم المادّيّ والمعنويّ في طريق الدين. ولا شكّ في أنّ الإنفاق لا يكون مادّيًّا فقط، فإنّ تحمّل الصعاب والتفاني والتضحية بالنفس يمثّل جزءًا من الإنفاق اللازم من أجل إحياء الدين أيضًا.

التفاعل الدينيّ التلقائيّ

إنّ هذه المرحلة إنّما تتبلور حيم يتلقّى الفرد من التعلم والتربية الدينيّة، بحيث لن يرضى أبدًا بأن يهدر لحظة من عمره عبثًا، وسوف يكون حريصًا أشدّ الحرص على عدم إهدار الفرص. إنّه يؤدي رسالته ومهامّه الدينيّة في كلّ زمان ومكان على أفضل وجه.[1] ولن يبالي سواء أتعرّض لسخرية الآخرين واستهزائهم به أم لا، ولا فرق لديه بين أن يكون في بيئة دينيّة وإسلاميّة أو في بلاد الكفر، فإنّه على كلّ حال لن يتخلّى عن عبوديّته لله سبحانه وتعالى. لقد رأيت في برلين بألمانيا شخصًا إيرانيًّا من الموظّفين في الإذاعة والتلفزيون الألمانيّ. لم يكن هذا الشخص ليترك فرائضه الدينيّة أبدًا، ولم يفوّت صلاة الظهر في وقته،ا رغم أنّ وقت الظهيره يشكّل ذروة العمل في الإذاعة، في حين أنّ

(404)

منتجات الإذاعة الألمانيّة غير دينيّة، بل هي موجّهة في الأعم الأغلب ضدّ الدين ولا سيّما الدين الإسلاميّ الحنيف.

وفي الحقيقة والواقع، فإنّ هذه المرحلة هي مرحلة التكامل الدينيّ. وبطبيعة الحال، فإنّ عدد الذين ينجحون في الوصول إلى هذه المرحلة قليل جدًّا، إلّا أّن ندرة الأشخاص الذين يصلون إلى هذه المرحلة من التفاعل الدينيّ التلقائيّ لا يشكّل دليلًا على استحالة وعدم إمكان هذه المرحلة. نواجه اليوم أنواع الحيل للعمل على اضمحلال الدين والتديّن في المجتمعات بما في ذلك المجتمعات الإسلاميّة أيضًا. والمهمّ في البين هو أن تعمل الأسَر من خلال الاستفادة من القيَم الشيعيّة الخالصة والأخذ من خوان التربية العلويّة متاعًا لتحصين أنفسهم وأولادهم تجاه الأفخاخ والمصائد المتنوّعة والخطيرة للتيّارت الإلحاديّة والمادّيّة والعلمانيّة.

وإن كنّا لا نستطيع إنكار حقيقة أن أغلب الأشخاص في المجتمع الإسلاميّ قلّما يصلون إلى المرحلة الرابعة والخامسة، ولا سيّما المرحلة الخامسة، وهي المرحلة التي تحتاج إلى تخطيط وبرمجة دقيقة وصعبة من قبل أولياء الدين والثقافة الإسلاميّة. يجب على الحوزات العلميّة والمؤسّسات الثقافيّة في هذا الشأن أن تكون في الطليعة، وأن تساعد الأسر في هذا المجال.

أساليب الأبوين في التماهي الثقافيّ

لا شكّ في أنّ الوالدين يبذلان جهدًا متساويًا تجاه جميع أولادهم، ويبذلان كلّ ما يمكنهما من أجل توفير الحياة الكريمة لهم لينعموا بمعيشة أفضل. تزعم أسرة أنّها قد سلكت أفضل السبل في إطار العمل على هداية أفرادها. لا سيّما الأسر المتديّنة والمحافظة؛ إذ تظنّ أنّها تؤدّي رسالتها الدينيّة في هذا الشأن على أحسن وجه. إلّا أّن الواقع لا يشهد بذلك. فإنّ الدراسات الاجتماعيّة والنفسيّة تثبت بشكل عامّ شيوع ثلاثة أنواع من الأساليب بين الأسر:

لقد عملت ديانا باومرايند ـ من خلال التحقيقات التي قامت بها في هذا الشأن ـ على تقسيم الأسَر إلى ثلاثة أقسام، وهي: الأسرة المتشدّدة، والأسرة المتساهلة، والأسرة المقتدرة. وفي ضوء هذا التبويب ذهبت إلى الاعتقاد بوجود ثلاثة أنواع من الأساليب التربويّة المختلفة في الأسر،

(405)

وأنّ لكلّ واحد من هذه الأساليب آثارًا متفاوتة في تبلور شخصيّة الأولاد ونطوّرهم وحسن تربيتهم على المستوى الاجتماعيّ والعاطفيّ والعقلانيّ وما إلى ذلك.[1]

وعلى الرغم من أنّ هذه الدراسة قد أنجزت بالنظر إلى البيئة الاجتماعيّة للغربيّين، ولكن بالنظر إلى تشابه أصل الأساليب بين الأسر، فإنّ بمقدور المجتمعات الإسلاميّة ـ ولا سّيما الأسر الإيرانيّة ـ أن تستفيد من هذه الدراسة الميدانيّة. إنّ التداعيات والتبعات التي تترتّب على كلّ واحد من الأساليب، تحتوي على قابليّة التعميم، ويمكن لها أن تقع موردًا للاستفادة أيضًا.

أسلوب الأسرة المتشدّدة

تظنّ بعض الأسَر المتديّنة بأنّه لا بدّ لها التصرّف بحزم وشدّة في أمور الأولاد، كي يتمّ التأثير عليهم وجعلهم يتقيّدون بالقوانين والتعاليم الدينيّة. وفي هذه الأسَر المتشدّدة يتمّ التأكيد في الأساس على قدرة الوالدين أكثر من الحدّ المطلوب. إنّ هذا الصنف من الأسَر تابع لقواعد الدكتاتوريّة والاستبداد؛ بمعنى أن يكون هناك شخص واحد يبسط سلطته وسيطرته على سلوك الآخرين. وغالبًا ما يكون هذا الشخص هو الأب، وفي بعض الأحيان تمارس الأم دور الأب في غيابه، وتقوم بأخذ دوره الرقابيّ في بسط السيطرة على سلوك الأولاد.

في هذا النوع من الأسر لا يتّخذ القرار سوى المستبدّ، وهو الذي يُبيّن الغايات والأهداف ويرسم الطريق ويحدّد وظائف الأفراد، ويعمل على تنظيم شؤون الحياة، ويجب على الجميع أن يتصرّفوا على وفق هواه وبما يتطابق مع إرادته ورغبته. فهو وحده الذي يحقّ له إبداء الرأي، ويجب على الآخرين أن يمتثلوا أوامره دون نقاش أو تردّد، فهو وحده الذي يستطيع تشخيص مصالح الأسرة والأولاد، وما على الآخرين إلّا أن يذعنوا لرؤيته. إّن الأب يتدخّل في الأعمال الخاصّة بأفراد الأسرة. وهو الذي يحدّد مواعيد العمل والتجوال والتنزّه والاسترخاء والنوم والدراسة وما إلى ذلك من الأمور التي يتعيّن على الأفراد فعلها.[2]

إنّ الوالدين في هذا النوع من الأسَر هم الذين يفرضون القواعد على الأولاد بما يتناسب

(406)

مع أعمارهم في ضوء تشخيصهم. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ التشدّد تجاه الضوضاء أثناء اللعب، والنظافة، ونوع الألعاب وأدوات اللعب، وطريقة اللبس وما إلى ذلك، وفي الأساس فإنّهما يتدخّلان في جميع شؤون الأولاد، ويمارسان الضغط عليهم. ولا يقتصر الأمر في ذلك على كلّيّات الأمور فحسب، بل ويخضعانهم لسيطرتهم حتّى في الأمور الجزئيّة. إنّ الخطوط العريضة لسلوك الأسَر المتشدّدة، عبارة عن:

ـ فرض القوانين بشكل لا يعرف المرونة، وعلى نحو لا يقبل الشرح والتوضيح.

ـ إظهار الغضب والامتعاض وعدم الرضى، وعدم تحمّل السلوك الخاطئ، والمبادرة إلى معاقبة الطفل.

ـ تجاهل رغبات ومطالب الأولاد، وعدم الاهتمام بما يرونه ويعتقدونه.

ـ من حيث الانضباط يتمّ الاعتماد على أساليب العنف والعقوبة، ويكون إظهار الحبّ والعطف من قبل الوالدين تجاه أولادهما في أدنى المستويات.[1]

من الواضح أنّ هذا النوع من السلوك والقوانين الحاكمة على الأسرة، يترتّب عليه ـ مثل أيّ سلوك آخر ـ بعض التداعيات والتبعات. ولا شكّ في أنّ أغلب الأشخاص والأسَر لا يطيقون حمل هذه التبعات، ولا يرتضون أبدًا ظهورها في بيوتهم وأسرهم، ولكن على الرغم من ذلك سوف تحدث هذه التداعيات حتمًا، وبعض هذه التداعيات عبارة عن:

ـ الصخب في السلوك وعدم الاستقرار العاطفيّ، وعدم الاستقلال، والشعور بعدم الأمان والاضطراب.[2]

ـ عدم مشاركة الأولاد في النشاطات الجماعيّة، وتنصّلهم عن مسؤوليّاتهم في الحياة الاجتماعيّة.[3]

ـ عدم الهدوء الفكريّ، واهتزاز الشخصيّة، والميل نحو الانحراف الأخلاقيّ والاجتماعيّ.[4]

(407)

ـ عدم الإبداع في الأفعال والنشاطات.[1]

ـ التشدّد الأعمى وعدم تحمّل الأفكار المختلفة.[2]

يذهب المحقّقون والمتخصّصون في العلوم التربوية إلى التأكيد على أنّ الأولاد في هذه الأسَر المتشدّدة وإن كانوا يبدون في الظاهر مطيعين ومنقادين، إلّا أنّ تصرّفاتهم في أكثر الموارد تكون مقرونة بالصخب. وهم لا يحظون بالشعبية والمحبوبية الكبيرة بين أقرانهم وأترابهم في اللعب؛ لأنهم لا يبدون احترامًا تجاه الآخرين؛ وذلك لأنهم تعلموا هذا السلوك من آبائهم وأمهاتهم. في فضاء الأسَر المتشدّدة يسود الخوف والرعب على أعضاء الأسَر. ويترتّب على ذلك أمران أساسيّان؛ أوّلًا: إنّ الأولاد ولا سيّما بعد بلوغهم مرحلة الشباب، يشعرون من الناحية الفكريّة بالانفصال والاغتراب عن آبائهم. وثانيًا: بفعل الانعدام الأمنيّ الحاصل، يقعون في أخطاء سلوكيّة متنوّعة، ويعدّ الهروب من المنزل واحدًا من بين هذه الأخطاء.[3]

وبطبيعة الحال، فإنّ المحدوديّة المطلقة في البيت، مع انتهاج الأسلوب التربويّ المتشدّد، لا تؤدّي إلى عدم التزام الأولاد بالقوانين، ولا إلى عدم التزامهم بالدين في الأسَر المتديّنة فحسب، بل ويؤدّي ذلك بهم إلى الانكسار النفسيّ وزوال الطاقة الخلّاقة، ويحول دون تفتّق الاستعدادات الكامنة في وجودهم أيضًا؛ وذلك لأنّ هذا الصنف من الأسَر لا يسمح للأولاد بممارسة النشاطات الإبداعيّة، ولا يتيح لهم فرصة تطوير قابليّاتهم.

أسلوب الأسرة المتساهلة

بعكس الأسَر المتشدّدة، تذهب بعض الأسر إلى الاعتقاد بوجوب ترك الأولاد ـ ولا سيّما منهم الأطفال الذين لم تتجاوز أعمارهم السبع سنوات ـ أحرارًا يفعلون كلّ ما يحلو لهم. وإنّهم يدعمون هذا التصوّر الخاطئ بالحديث المعروف الذي يقسّم أدوار تربية الأولاد إلى ثلاث مراحل، وترى في المرحلة الأولى أن يتمّ التعامل مع الطفل إلى سبع سنين بوصفه أميرًا. وبطبيعة

(408)

الحال، فإنّ هذا الحديث الشريف لا يعني إسلاس القياد إلى الطفل بالمرّة، وإنّما يعني الخضوع التامّ لمطالبه المعقولة. وعلى كلّ حال، فإنّ الأولاد في الأسَر المتساهلة يُسمح لهم بأن يفعلوا كلّ ما يحلو لهم، وأن يحقّقوا رغباتهم ومشتهياتهم، وإنّ الشعار الذي يرفعه هذا الصنف من الأسَر يقول: «لا شأن لأحد بأحد»، واسمحوا لكلّ شخص أن يفعل كلّ ما يريد بحرّيّة كاملة، وأن يكون مستقلًّا في أموره، ليتمكّن الأولاد من الوصول إلى الاعتماد الكافي على أنفسهم.

في هذا الصنف من الأسَر تكون الرغبات هي المحور الأصليّ الذي يحدّد جميع أنشطة الوالدين والأبناء. إنّ الآباء والأمّهات المؤيّدين للحرّيّة المطلقة في الأسَر، يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ رغبات الأولاد يجب أن تكون هي الحاكمة على سلوكيّاتهم.[1]

ومن بين الخصائص الأخرى لهذا الأسلوب والمنهج التربويّ، عدم الاهتمام بتعليم السلوكيّات الاجتماعيّة. في هذا النوع من الأسَر تكون القوانين بشكل عامّ محدودة للغاية. ولا يكون الأفراد ملتزمين أمام القوانين والآداب والتقاليد الاجتماعيّة كثيرًا. وفي هذا النوع من الأسر ثمّة تعدّد في الآراء والمعتقدات بعدد الأولاد وأفراد الأسرة الواحدة. ولا يوجد قانون خاصّ ينظّم سلوك الجميع، حتّى في الأمور الجزئيّة والتفصيليّة من قبيل تناول الطعام على سبيل المثال. وكلّ واحد من أعضاء الأسرة يختار طريقة تناوله للطعام على أساس القوانين الحاكمة على رغباته.

إنّ بعض الخطوط العريضة التي تحكم سلوك الوالدين المتساهلين، عبارة عن:

ـ عدم الإعلان عن القوانين بشكل واضح، وعدم العزم والتصميم على تنفيذها.

ـ عدم وجود مقرّرات وقوانين انضباطيّة متماثلة في الأسَر.

ـ ثمّة توقّع أو طلب متواضع تجاه السلوك المستقلّ والمزدهر.

ـ تجاهل السلوك القبيح للأولاد، والاستسلام لعناد الطفل وبكائه أو عتابه.

ـ إخفاء الغضب وعدم إبداء التشدّد إلّا في الحدود الدنيا.[2]

(409)

كثيرًا ما نشاهد أنّ الآباء المتساهلين يقرّون بأّنهم على الرغم من عدم انتهاج التشدّد في الأساليب التربويّة، وتركهم الأولاد أحرارًا في تصرّفاتهم، إلّا أنّهم أخفقوا في تحقيق النتائج المطلوبة والمتمثّلة في تنشئة أبنائهم على الطريقة الاجتماعيّة المثاليّة والمنشودة. والسرّ في ذلك يعود إلى أنّ الخطوط العريضة لسلوك الأسَر المتساهلة، تنطوي على بعض التداعيات والتبعات الآتية:

ـ يسود الهرج والمرج على العلاقات القائمة بين أفراد الأسرة.[1]

ـ يصبح الأولاد متهتّكين ولامبالين ومتساهلين وأنانيّين وغير هادفين.[2]

ـ عدم الاستقلال الفكريّ والعمليّ، والاهتزاز النفسيّ والروحيّ، ومعاناة الأولاد من ضعف الشخصيّة.[3]

ـ الاضطراب في التعامل الفرديّ والاجتماعيّ والنزاع مع الآخرين وعدم القدرة على حلّ المشاكل.[4]

ـ عدم القدرة على السيطرة وكبح الانحرافات الأخلاقيّة والاجتماعيّة.[5]

وحيث إنّ الوالدين يسعون ـ في هذا الأسلوب التربويّ ـ إلى تلبية جميع متطلّبات أولادهم، فإنّ الأولاد سوف يعتمدون في ذلك على آبائهم بشكل كامل، ولا يبذلون أيّ مجهود في ذلك، والنتيجة تكون هي عجزهم وعدم قدرتهم على القيام بمهامهم الخاصّة. ومن ناحية أخرى، بسبب عدم الاستفادة من الطاقات الكامنة في وجودهم بالقوّة، فإنّهم يصبحون في العادة خاملين وفاقدين للإرادة، أو لا يمتلكون سوى القليل من الإرادة في الحدّ الأدنى، ولا يمتلكون الجرأة والاندفاع من أجل مواجهة المشاكل غير المتوقّعة في الحياة، وبذلك فإنّهم سوف يشعرون بالضعة تدريجيًّا، مع أنّ المفروض بهم أن يتحوّلوا في المستقبل إلى رجال ونساء يحملون على عواتقهم

(410)

مهمّة بناء المجتمع في المستقبل. وهذا بدوره يكون منشأً للكثير من المشاكل والاختلالات الروحيّة -  النفسيّة والسلوكيّة الأخرى أيضًا.[1]

أسلوب الأسرة المقتدرة

إنّ المراد من الأسرة المقتدرة، هي الأسرة التي يتمّ فيها ترك الطفل حرًّا في اختيار الأسلوب الذي يبدو من وجهة نظره مورثًا للوثوق والاطمئنان بشكل قاطع. في هذه الأسرة يتمّ تشجيع الطفل على الاستقلال والحرّيّة الفكريّة. وفي الوقت نفسه يتمّ إخضاعه لنوع من القيود والسيطرة من قبل الوالدين أيضًا. هناك في هذه الأسَر تعبير عن الرأي وحوار متبادل بين الطفل والوالدين، والتواصل الكلاميّ معه على نطاق واسع. والحنان والدفء الأبويّ والأموميّ هو الأساس في إقامة التواصل على أسلوب منطقيّ وعقلانيّ.[2] في هذا الأسلوب التربويّ، يكون لكلّ واحد من أفراد الأسرة مهمّة بما يتناسب وحدود إمكانيّاته وقدراته في تعيين الأهداف والغايات واختيارها وبذل الجهود من أجل تحقيقها.

يكون الانضباط في الأسرة المقتدرة مقرونًا بالسلوك الإراديّ، حيث إنّ الوالدين عندما يمنعان الطفل من فعل شيء، أو يطلبان منه القيام بأمر معيّن، فإنّهما يشرحان له الغاية من المنع والطلب بوضوح، ويقدّمان له الدليل على ذلك. وفي هذه الصورة لو تقاعس الفرد في الأسرة عن القيام بمهامه، أو قام بفعل ما على خلاف ما تمّ تعيينه وإقراره من قبل الأسرة، فإنّ جميع أفراد الأسرة سوف يشاركون في تعيين العقوبة التي يستحقّها، وفيما يتعلّق بتحديد العقوبة يتمّ الاستناد إلى القرارات التي تمّ وضعها في هذا الشأن مسبقًا.

للحيلولة دون ارتكاب الأفعال القبيحة من قبل الأولاد، يسعى الوالدان في كلّ مورد إلى تنبيه أولادهم إلى تبعات أعمالهم، ويعملان على مساعدتهم ليديروا أفعالهم بأنفسهم. وعلى هذا الأساس تحلّ السيطرة الذاتيّة في تطبيق الانضباط في الأسرة والمجتمع محلّ السيطرة الخارجيّة.[3]

(411)

إنّ أسلوب حياة هذه الأسرة يقوم على أساس التشاور والتبعيّة للأسس العقليّة والتفكير في العواقب واختيار الطريق الأصلح. في هذا الأسلوب لا تخيّم المحدوديّة المطلقة بظلالها، ولا تسود معضلة الحرّيّة المطلقة، بل المعيار الذي يسود العلاقة بين الوالد / الولد، هو الحرّيّة النسبيّة والمتوازنة، وكذلك الانضباط الموجّه الذي يمنح الولد الفرصة الكافية للتعبير عن رأيه، ليشرح لوالديه ما يريده وما يعترض طريقه من المشاكل.[1]

وعلى نحو الإجمال يمكن بيان أساس التربية والتعليم في الأسرة المقتدرة على النحو الآتي:

ـ إنّ جميع أفراد الأسرة يحظون بالاحترام، ويمتلكون صلاحية إبداء الرأي والتعبير عن المسائل الخاصّة بهم.

ـ يمتلك جميع أفراد الأسرة حقّ التدخّل في اتّخاذ القرارات الأسريّة، ويعملون على تحديد الأهداف والغايات والأساليب بما يتطابق مع مصالح الأسرة بأجمعها.

ـ يقوم الأسلوب العقلائيّ في جميع شؤون حياة الأسرة، ويقوم النشاط فيها على أساس التعاون.

ـ توجد قوانين واضحة ومحدّدة، ويتمّ إبلاغها لجميع أفراد الأسرة، ويتمّ العمل على تنفيذها بشكل قاطع.

ـ يحظى السلوك البنّاء للطفل بالدعم والحماية، ويتمّ سؤاله عن آرائه، وتؤخذ مطالبه المعقولة بنظر الاعتبار، مع إرشاده إلى طرق الوصول إليها وتحقيقها.

ـ يتمّ الوقوف بوجه الطفل المتطلّب، ولا يتمّ الاستسلام لعناده، وإبداء الامتعاض وعدم الرضى بسلوكه الخاطئ.

ـ في حالة ارتكاب السلوك الخاطئ والجامح، يشترك جميع أفراد الأسرة في تعيين العقوبة له، ويبدون رأيهم في ذلك.

ـ إبداء العطف للأولاد والاقتراب منهم والتحاور والتجاوب معهم، وتوقّع سلوك مستقلّ وناضج من الطفل بما يتناسب مع سنّه.[2]

(412)

إنّ الأسلوب المقتدر ـ مثل سائر الأساليب الأخرى ـ ينطوي على آثار، نذكر منها ما يأتي:

ـ إنّ أغلب الأولاد في هذه الأسَر عصاميّون، ويتمتّعون بثقة عالية بالنفس.

ـ إنّهم أشخاص زاخرون بالطاقة والحيوّية، وفي الوقت نفسه طيّعون ويمكن ضبطهم والسيطرة عليهم وكبح جماحهم.

ـ يتعاونون مع الكبار، ويتصرّفون مع أقرانهم بشكل مناسب، ويقيمون معهم علاقات قائمة على المودّة والصداقة.

ـ يواجهون الضغوط النفسيّة بشجاعة، ويبدون رغبة تجاه الظروف المستجدّة، ويظهرون من أنفسهم شغفًا بالاستطلاع وحبّ المعرفة.

ـ يتمتّعون ببعد النظر والنظرة العميقة إلى الأهداف ويشعرون أنّهم طليعيّون.[1]

مع أدنى تأمّل في الأساليب المذكورة أعلاه، ندرك أنّ الأسلوب الممدوح الوحيد والذي تعمّ فوائده الإيجابيّة وتعود بالفضل والخير على الأسرة، وحتّى المجتمع، هو الأسلوب المقتدر. إنّ الأسرة من وجهة نظر الإسلام، وكذلك في منطق الروايات، لا يحقّ لها أن تنتهج أسلوب الاستبداد، ولا سلوك طريق التساهل في أمور حياتها وحياة أفرادها وشؤونهم. ولا يُكتفى بعدم السماح لهم بالتشدّد، بل ولا يحقّ لهم حتّى لعن أولادهم أيضًا؛ لأنّ الذي يلعن أولاده ويغضب عليهم، فإنّه سوف يفتقر[2]، أو أنّ الذي لا يعبّر عن حبّه لأولاده فهو ملعون. وفي المقابل فإنّ كلّ من يُقبّل ولده، فإنّ الله يكتب له بذلك عملًا صالحًا[3]، وفي الوقت نفسه جاء في الروايات الحثّ على المبادرة من أجل تعريف الشباب على أحاديث وثقافة أهل البيت عليهم‌السلام ، وأن يتشدّدوا في ذلك.[4] وفي الحقيقة فإنّ أسلوب الاقتدار والأسرة المقتدرة موضع تأييد العقل، كما يؤكّد عليه النقل أيضًا.

النتيجة

لا شكّ في أنّ الهدوء والسكينة من المطالب المهمّة والأساسيّة للإنسان الذي يختار العيش

(413)

في بحبوحة الحياة الاجتماعيّة. وعلى الرغم من حصول الإنسان على الكثير من فرص التقدّم على المستوى الفنّيّ والتنظيميّ من أجل تحقيق هذه الغاية المهمّة، ولكنّه لا يزال متخبّطًا في حلّ معضلة اسمها الاضطراب والانحراف السلوكيّ في المجتمع. وعلى الرغم من جميع وسائل السيطرة، نشهد ارتفاعًا مطّردًا في وتيرة الانحرافات الاجتماعيّة، وهكذا يواصل الناس حسرتهم في الحصول على الهدوء والحياة المطلوبة.

وبطبيعة الحال، فقد تمّ العمل على تقديم دراسات وجهود علميّة كثيرة من أجل حلّ هذه المعضلة العالميةّ، بيد أنّ الذي يتّفق عليه رأي الجميع هو أنّ أغلب هذه الانحرافات إنّما ينشأ بفعل الجهل وعدم الوعي، وإنّ طريقة الحلّ الوحيدة للتغلّب على هذه المشكلة تكمن في بثّ الوعي بطريقتين، وهما: طريقة التماهي الاجتماعيّ، وطريقة التماهي الثقافيّ. وبطبيعة الحال فإنّ الطريقة الثانية هي الأجدى والأكثر نفعًا، ولكنّها لم تعد ممكنة في المجتمعات الغربيّة، أو صار تطبيقها في غاية الصعوبة والتعقيد؛ لأنّ العنصر الوحيد فيها هو الأسرة التي فقدت قدرتها على السيطرة في الوقت الراهن.

لقد اثبتنا في هذه الدراسة أنّ الأسرة قادرة على حلّ معضلة الانحرافات أكثر من أيّ عنصر آخر. فهي العنصر الوحيد الذي يمكنه إنقاذ المجتمع من الانحرافات، وقد عملت بالفعل على حلّ هذه المعضلة إلى حدّ كبير. ولو تمّ انتهاج أحد الأسلوبين (المتشدّد أو المتساهل) في أسلوبها التربويّ، فإنّ المجتمع سوف يشهد الكثير من الاضطرابات والمشاكل التي لا قبل لمؤسّسات السيطرة الرسميّة في المجتمع على حلّها ومواجهتها. وأمّا إذا لجأت الأسرة إلى الأسلوب المقتدر، فإنّها سوف تقدّم إلى المجتمع جيلًا متماهيًا على المستوى الثقافيّ، والذي يكون التقليل من أعداد الجريمة والانحراف واحدًا من آثاره ونتائجه.

 

 

 

 

 

 

 

 

(414)

 

 

المصادر

- اتيكسون، ريتشارد وارنست هيلغارد، زمينه روان‏شناسي (خلفيّات علم النفس)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: مجموعة من المترجمين، طهران، انتشارات رشد، ط 6، 1371 ه‍ ش.

- أحدي، حسن وشكوه السادات بني جمال، روا‏‏ن‏شناسي رشد (علم النفس التنمويّ)، طهران، انتشارات بنياد، ط 3، 1374 ه‍ ش.

- أحمدي، محمدرضا ، «فرزند سالاري» (سيادة الأبناء)، مجلة كتاب زنان، العدد: 15، ص 14 ـ 27، ربيع عام 1381 ه‍ ش.

- آگ‌برن، ویلیام‌فیلدینگ، مایرفرانسیس نیم‌کوف، زمينه جامعه‏شناسي (خلفيّات علم الاجتماع)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: إيرج آريان بور، طهران، نشر گسترده، ط 3، 1380 ه‍ ش.

- دادستان، پريرخ، روان‏شناسي مرضى تحولي از كودكي تا بزرگسالي (علم النفس من الصغر إلى الكبر)، طهران، انتشارات سمت، ط 1، 1376 ه‍ ش.

- ترابي، علي‏أكبر، مباني جامعه‏شناسي (أسس علم الاجتماع)، طهران، نشر إقبال، ط 1، 1353 ه‍ ش.

- الجوادي آملي، عبدالله، شريعت در آينه معرفت (الشريعة في مرآة المعرفة)، قم، نشر فرهنگي رجاء، ط 1، 1372 ه‍ ش.

- حسيني دهشير، أفضل السادات، نگرشي به تربيت اخلاقي از ديدگاه اسلام (إطلالة إلى التربية الأخلاقيّة من وجهة نظر الإسلام)، قم، سازمان تبليغات اسلامي، ط 1، 1370 ه‍ ش.

- دانش، تاج زمان، مجرم كيست، جرم شناسي چيست؟ (من هو المجرم وما هو الجرم؟)، طهران، مؤسّسة كيهان، ط 1، 1369 ه‍ ش.

- دفتر همكاري حوزه و دانشگاه، روان‏شناسي رشد (علم النفس التنمويّ)، طهران، انتشارات سمت، ط 1، 1372 ه‍ ش.

- دوركهايم، إميل، درباره تقسيم كار اجتماعي (حول تقسيم العمل الاجتماعيّ)، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: باقر برهام، بابل، انتشارات كتاب‏سراي بابل، ط 1، 1369 ه‍ ش.

- شريعتمداري، علي، روان‏شناسي تربيت (علم النفس التربويّ)، طهران، انتشارات أمير كبير، ط 2، 1377 ه‍ ش.

- شعاري‏نجاد، علي‏أكبر، روان‏شناسي رشد (علم النفس التنمويّ)، طهران، نشر اطلاعات، ط 2، 1372 ه‍ ش.

- الحرّ العامليّ، محمّد بن الحسن، وسائل الشيعة، طهران، المكتبة الإسلاميّة، ط 6، 1362 ه‍ ش.

 

(415)

- قائمي، علي، حدود آزادي در تربيت (حدود الحرّيّة في التربية)، طهران، سازمان انجمن أولياء و مربيان جمهوري اسلامي، ط 1، 1379 ه‍ ش.

- الفارابي، أبو نصر، انديشه‏هاي اهل مدينه فاضلة (آراء المدينة الفاضلة)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: د. سعيد جعفر سجادي، طهران، انتشارات كتاب خانه طهوري، ط 1، 1361 ه‍ ش.

- القمي، الشيخ عباس، مفاتيح الجنان، قم، نشر آيين دانش، ط 1، 1387 ه‍ ش.

- كوئين، بروس، مباني جامعه‏شناسي (أسس علم الاجتماع)، ترجمه إلى الغة الفارسية واقتبس منه: غلام عباس توسلي، ورضا فاضل زرندي، طهران، نشر سمت، ط 5، 1372 ه‍ ش.

- مجموعة علم النفس في مؤسّسة الإمام الخميني، تقويت نظام خانواده و آسيب شناسي آن (تعزيز نظام الأسرة ومعرفة آفات ذلك)، قم، مؤسّسه آموزشي پژوهشي امام خميني، ط 1، 1386 ه‍ ش.

- ماسن، هنري باول، وآخرون، رشد و شخصيت كودك (النموّ وشخصيّة الطفل)، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مهشيد پاسايي، طهران، نشر مركز، ط 2، 1380 ه‍ ش.

- المجلسي، محمدباقر، بحار الأنوار، بيروت، مؤسّسة الوفاء، ط 3، 1410 ه‍.

- محمدي ري‏شهري، محمد، ميزان الحكمة، طهران، مكتب الإعلام الإسلاميّ، ط 1، 1363 ه‍ ش.

- مريجي، شمس‌‏الله، جامعه‏شناسي در عرصه تبليغ ديني (علم الاجتماع في حقل الإرشاد الدينيّ)، قم، بوستان كتاب، ط 1، 1389 ه‍ ش.

- ـــــــــــــــ، عوامل مؤثر در انحراف از ارزش‏ها (العوامل المؤثّرة في الانحراف عن القيَم)، مركز پژوهش‏هاي اسلامي صدا و سيما، ط 2، قم، 1387 ه‍ ش.

- المصباح اليزدي، محمدتقي، جامعه و تاريخ از ديدگاه قرآن (المجتمع والتاريخ في القرآن)، قم، سازمان تبليغات اسلامي، ط 2، 1372 ه‍ ش.

- منصور، محمود، احساس كهتري (الشعور بالضعة)، طهران، دانشگاه طهران، ط 1، 1371 ه‍ ش.

- مهكام، رضا، خانه‏گريزي دختران، (فرار الفتيات من البيوت)، قم، مركز پژوهش‏هاي اسلامي صدا و سيما، ط 1، 1383 ه‍ ش.

- نجفي‏يزدي، سيدمحمد، ازدواج و روابط زن و مرد (الزواج والعلاقات بين الرجل والمرأة)، قم، دفتر نشر انتشارات اسلامي، ط 3، 1378 ه‍ ش.

- هراتي، حسين، خانواده و تربيت فرزند «مجموعه سخنراني‌ها» (الأسرة وتربية الأولاد)، (سلسلة محاضرات)، طهران، سازمان انجمن أولياء و مربيان جمهوري اسلامي، ط 1، شهر آبان (8)، سنة 1378 ه‍ ش.

- هومن، أحمد، زندان و زنداني‏ها (السجن والسجناء)، طهران، دانشگاه طهران، ط 1، 1339 ه‍ ش.

(416)

الطمع بوصفه فقرًا، معرفة الآفات الثقافيّة للاستهلاك من زاوية التعاليم الإسلاميّة[1]

مسلم طاهري كلّ كشوندي[2]

الخلاصة

يعدّ الاستهلاك وثقافته الخاصّة ركنًا مهمًّا في المجتمعات المعاصرة، حيث ينتظم في أفق معرفة كلّ مجتمع وهويّته. والفقر بدوره ظاهرة اجتماعية تمتدّ بجذورها في المسائل الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة، ويمكن النظر إليه من مختلف الزوايا. لقد تمّ إنجاز هذه الدراسة من أجل الوصول إلى إطار نظريّ في تحليل ثقافة الاستهلاك في المجتمعات البشريّة ـ بشكل عامّ ـ ومسألة «الطمع» ـ بشكل خاصّ ـ من زاوية التعاليم الإسلاميّة. والسؤال الأصليّ هنا: ما هي أرضيّة تبلور الاستهلاك من قبل بعض أفراد المجتمع الإسلاميّ؛ بحيث يُعدّ مصداقًا للإسراف ويمتدّ بجذوره في الطمع، وما هي أضراره على المجتمع؟ إنّ الفرضيّة الأصليّة لهذا التحقيق هي أنّ الخروج عن الاعتدال في الاستهلاك سوف يؤدّي إلى الابتعاد عن النموذج الصحيح للاستهلاك القائم على الرؤية الدينيّة في المجتمع، وتعود جذور ذلك إلى سنخ من الفقر بمعناه الثقافيّ، ويستتبع نتائج من قبيل اختلاف القيَم وزيادة الفساد، والانحرافات الاجتماعيّة، والصراع من أجل المزيد من الاستهلاك. إنّ أسلوب التحقيق في هذه المقالة توصيفيّ -  تحليليّ، وتمّ جمع المعطيات بطريقة مكتبيّة. وبعد بيان المقدّمة تمّ رسم الإطار المفهوميّ للبحث، ليتمّ التعرّف

(417)

بعد ذلك على آفات نموذج الاستهلاك الجشع في المجتمع الإسلاميّ. وفي الختام تمّ بحث أرضيّات تبلور الجشع والطمع بحسب الأدلّة القرآنيّة والروائيّة والمستندات العقليّة، مع بيان بعض الطرق والحلول في حقل إصلاح نماذج الاستهلاك.

المقدّمة

يتمّ تحديد «الاقتصاد»[1] في المجتمعات الإسلاميّة في إطار مفهوم إنتاج الثروة وتوزيعها وكمّيّة استهلاك هذه الثروة وكيفيّة ذلك على المستوى الجزئيّ والمتوسّط والكلّيّ، وهو يؤثّر ويتأثّر بشكل متبادل في سائر الأمور الحيويّة في المجتمع، من قبيل: «الأمور السياسيّة»، و«الأمور الاجتماعيّة»، و«الأمور الثقافيّة».

ومن ناحية أخرى، فإنّ الدين الإسلاميّ هو دين الاعتدال والبُعد عن الإفرط والتفريط في إنتاج الثروة والاستهلاك والتوزيع. ومن هنا فقد تمّ التأكيد في القرآن الكريم والأحاديث الشريفة بشكل متواصل على الاعتدال والوسطيّة في الاستفادة العقلانيّة من الأموال المشروعة والمصادر المتوفّرة، الأعمّ من المصادر الطبيعيّة والمصادر البشريّة. إنّ الإسلام يخالف الإفراط والتفريط، ويرى ذلك مضرًّا بالحياة الدنيويّة والأخرويّة، وقد سعى على الدوام ـ من خلال بيان منظومة مفهوميّة من المعاني ـ من أجل تحذير أتباعه من جميع أنواع الإسراف والتبذير.

وعلى هذا الأساس، فقد نهى الإسلام عن الإسراف، ونهى في الوقت نفسه عن التشدّد في نفقات الحياة؛ بمعنى أنّه لا ينبغي السقوط في مستنقع البُخل والتضييق في الإنفاق بحّجة تجنّب الإسراف. إنّ وجوب مراعاة الاعتدال في الإسلام قبل أن يكون أمرًا سلوكيًّا، يعود بجذوره إلى الأفق المعرفيّ لأفراد المجتمع، حيث يجب تحديده بوصفه بُعدًا من الثقافة الدينيّة في الدائرة الفكريّة، ليتحوّل بعد ذلك في الحياة إلى سلوك لا يمكن اجتنابه، ويتمّ نبذ التجمّلات والأمور الكماليّة تبعًا لذلك؛ وذلك لأنّ الحياة الكماليّة والمترفة والجشع في الاستهلاك المفرط والذي يتجاوز الحدود يقضي على الروح العاطفيّة لدى الإنسان، ويجعله غير مبالٍ تجاه الآخرين.

إنّ رعاية الاعتدال في الاستهلاك قبل أن يؤدّي إلى الاقتصاد، يؤدّي إلى الطمأنينة الروحيّة

(418)

والنفسيّة، وينتشل المجتمع من براثن الفقر الثقافيّ والضائقة الاقتصاديّة، ويستوجب الكرامة والعزّة الاجتماعيّة ومرضاة الله سبحانه وتعالى.

وعلى هذا الأساس فإنّ نموذج الاستهلاك في المجتمع الإسلاميّ ـ الذي يتقيّد أكثر أفراده بالمباني القيَميّة للإسلام ـ يجب أن يكون بحيث يعدّ الثروات الضروريّة للازدهار والرقيّ المادّيّ والمعنويّ لهم؛ وذلك لأنّ الافتقار إلى النموذج الصحيح للاستهلاك في المجتمع، يؤدّي إلى الإسراف والتبذير والنتيجة هي الإتلاف، وإهدار الجزء الأعظم من الثروات الوطنيّة، وتضييع الأموال العامّة والنِعَم الإلهيّة  يسوق إمكانات الدولة نحو الاستهلاك، وسوف يشكّل ذلك معضلة وعقبة في طريق تبلور الحياة الطيّبة.

والسؤال الذي يطرح نفسه هنا هو: «لماذا يقع بعض أفراد المجتمع الإسلاميّ في هاوية الإفراط في الاستهلاك؟ وبعبارة أخرى: لماذا يصابون بالطمع في الاستهلاك إلى الحدّ الذي يمكن معه اعتبار بعض أعمالهم مصداقًا بارزًا للإسراف والتبذير؟».

في معرض الجواب عن هذا السؤال، لا بدّ من الالتفات إلى الإمكانات والقدرات والظرفيّات الكثيرة في المجتمع الإسلاميّ، والتي لم يتمّ توظيفها واستخدامها ـ بسبب الاستهلاك المنفلت ـ في مسار تطوير المجتمع، وبذلك يتمّ العمل على تضييعها وإهدارها. بالنظر إلى الإحصائيّات الرسميّة وغير الرسميّة المنتشرة في الحقل الكمّيّ والكيفيّ للاستهلاك في المجتمع الإسلاميّ، يتبيّن أن جزءًا كبيرًا من الظرفيّات العظيمة للبلاد تذهب هدرًا بسبب النموذج الخاطئ للاستهلاك في مختلف الأبعاد. وهذه المسألة تشمل جميع الأبعاد ابتداءً من الطاقة ووصولًا إلى التغذية والكفاءات العلميّة والثقافيّة الساطعة. إنّ جانبًا من الاستهلاك الجشع في المجتمع الإسلاميّ يخصّ الجانب العامّ / الدولة، كما ينتج في الجانب الآخر عن الأداء الخصوصيّ -  الفرديّ. إنّ حدوث هذه الحالة في كلا الجانبين، يعبّر عن خطأ النموذج الاستهلاكيّ وسيطرة الثقافة الاستهلاكيّة الخاطئة التي نشاهدها في المجتمع  المعاصر.

ومن هنا فإنّ هذه المقالة بصدد البحث عن الآفات الكامنة في جذور النموذج الخاطئ للاستهلاك الجشع في المجتمع الإسلاميّ، وتنظر إلى هذا النوع من الاستهلاك بوصفه نوعًا من

(419)

الفقر. كما أنّها تسعى إلى العثور على طرق لعلاج هذه الآفات والمعضلات.

وفيما يتعلق بجذور التحقيق الراهن، يمكن الإشارة إلى بعض الآثار التي تعرّضت إلى مسألة الطمع، ومن بينها ـ على سبيل المثال ـ أطروحة علميّة على مستوى الدكتوراه بعنوان (حرص، بخل و حسد از ديدگاه فقه أهل بيت عليهم‌السلام )[1]، حيث سعى فيها الباحث إلى الإجابة عن هذا السؤال القائل: ما هو رأي علماء الدين بشأن الحكم الفقهيّ للطمع والبخل والحسد؟ وقد عمد الباحث في هذه الأطروحة إلى التحقيق بأسلوب تحليليّ -  توصيفيّ، ولغرض الوصول إلى الأدلّة المعتبرة على أحكام الموضوعات المذكورة والآثار الفقهيّة المترتبة عليها، من خلال الاستفادة من المصادر المكتبيّة.

وتوجد أطروحة علميّة على مستوى الدكتوراه تحت عنوان (بازسازي معنايي فقر: تحليل گفتمان هاي تاريخي فقر در ايران)[2]، غايتها إخراج الفضاء الغالب على دراسات مفهوم الفقر في المجتمع الإيرانيّ، وسعى الباحث في هذه الدراسة إلى مقارنة الخطاب الجديد للفقر بما هو موجود في التاريخ التقليديّ لإيران، وقد تعرّض من خلال دراسة مسار التحوّلات الخطابيّة للفقر إلى كيفيّة تحوّلها إلى مشكلة اجتماعيّة.

إنّ بعض أهمّ أسئلة التحقيق، عبارة عن التالي: ما هو نوع الخطاب الموجود عن الفقر في تاريخ المعاصر؟ كيف يتحوّل الفقر إلى مشكلة؟ وما هو التبويب الخطابيّ للفقر الذي كان موجودًا في المراحل الزمنيّة السابقة ؟ وما هي الأحداث التي أدّت إلى ظهور نوع جديد من الخطاب والسلوك حول الفقر؟

أطروحة علميّة تحت عنوان (حرص از منظر قرآن و روايات)[3]، حيت تناول فيها الباحث دراسة مفهوم «الطمع» وخلفيّات ظهوره وطرق رفعه وعلاجه والقضاء عليه بأسلوب «توصيفيّ».

وأمّا أبعاد مسألة التحقيق الراهن، فهي تشمل توصيف وبيان مسألة الطمع والجشع في الاستهلاك، والفقر الناشئ من الاستهلاك الجشع، الذي يمكن تتبّع آثاره في نمط الحياة

(420)

الإسلاميّة، والنموذج المقبول للاستهلاك في هذا النمط والأسلوب من الحياة، ويعمل على توفير أساس ومبنى لمعرفة آفات الوضع القائم في حقل الاستهلاك المفرط والخارج عن حدود الاعتدال في المجتمع الإسلاميّ. وبعد تحديد الآفات يتمّ العمل على بيان طرق الحلّ للخروج من هذه الحالة في الأبعاد الثلاثة، وهي: البُعد الكلّيّ، والبُعد المتوسّط، والبُعد الجزئيّ في المجتمع؛ لكي يتمّ إصلاح نموذج الاستهلاك في المجتمع الإسلاميّ، وتوفير الأرضيّات للتقدّم في الجانب الأصليّ والبرامج المرنة للحضارة الإسلاميّة الجديدة تحت عنوان «أسلوب الحياة»، وتقديم نموذج خالص عنه للحياة الاجتماعيّة للإنسان في العصر الراهن.

الإطار المفهوميّ للبحث

الطمع

لقد تمّ اعتبار «الطمع» في التعاليم الإسلاميّة صفة إنسانيّة، ويكتسب الحرص والطمع بعدًا خاصًّا في التعامل مع الآخرين. وقد تمّ التعريف بالطمع تارة بوصفه رذيلة أخلاقيّة ومذمومة، وتارة أخرى بوصفه فضيلة وخلقًا محمودًا. فحيث يكون الطمع من أجل تحصيل المزيد من النعم المادّيّة في الدنيا بمعزل عن الاهتمام بالمقاصد الغائيّة للإنسان الفعّال، فإنّه يكون مذمومًا. وحيث يكون الطمع في اكتساب مرضاة الله سبحانه وتعالى فإنّه يكون ممدوحًا.

إنّ تحقّق الطمع المذموم في حياة البشر واستمراره ورسوخه، يعود بجذوره ـ من زاوية الآيات القرآنيّة ـ إلى الأفق المعرفيّ للإنسان؛ بمعنى أنّ مقدار الطمع ـ بوصفه فقرًا معرفيًّا وثقافيًّا ـ رهن بحصر أفق الحياة بهذه الدنيا المادّيّة والطبيعيّة، بحيث يبدأ الإنسان بالخوف من الموت، ويُعدّ ترك الدنيا بالنسبة إليه لوعة وعذابًا مريرًا.

ومن هنا نجد القرآن الكريم، يقول في وصف اليهود الذين أخلدوا إلى الأرض، بقوله تعالى: (وَلَتَجِدَنَّهُمْ أَحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أَشْرَكُوا يَوَدُّ أَحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ أَلْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أَنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ).[1]

(421)

«إنّ الحرص على حياة الدنيا إنّما ينتج عن اليأس من نعيم الآخرة؛ وذلك لأنّهم استغرقوا في الكفر، وعلموا بذلك أنّه لم يعد لهم من نصيب في نعيم الآخرة والجنّة. وإنّ الذين يئسوا من رحمة الله تعالى هم اليهود الذين هم من أحرص الناس على الدنيا، بل إنّهم أحرص عليها حتّى من الذين أشركوا، وهم المجوس الذين يرون اقتصار النعيم على الدنيا، ولا يتوقّعون الحصول على الخير في الآخرة، وإنّما خصّ الله المجوس بالذكر من بين الناس ليكون زيادة في تقريع اليهود؛ حيث إنّ المشركين من المجوس على الرغم من عدم اعتقادهم بيوم الجزاء، إلّا أنّهم أقلّ حرصًا على الدنيا من اليهود. وعليه فإنّ اليهود يعتقدون بدار الجزاء، ومع ذلك يكونون أحرص على الدنيا من المجوس، فيتّضح أنّ حرصهم على الدنيا يأتي من يقينهم بأنّهم سيدخلون جهّنم بعد الموت مباشرة، ومن هنا تأتي نكتة عطف الخاصّ على العامّ في هذه الآية. وعليه فإنّي أقول: إنّ الذي يعلم يقينًا أنّه سيدخل النار بمجرّد الموت، سوف يكون أشدّ حرصًا على طلب الحياة والتمسّك بها».[1]

وقد ورد في المأثور عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أنّه قال:

«إنّ علامة الراغب في ثواب الآخرة زهده في عاجل زهرة الدنيا، أمَا إنّ زهد الزاهد في هذه الدنيا لا ينقصه مما قسم الله ـ عزّ وجلّ ـ له فيها وإنْ زهد، وإنّ حرص الحريص على عاجل زهرة الحياة الدنيا لا يزيده فيها وإنْ حرص، فالمغْبُون من حُرِم حظّه من الآخرة».[2]

وقال أيضًا في خطبته المعروفة بخطبة «الوسيلة» في مسألة الحرص والطمع:

«الرغبة [في الدنيا] مفتاح التعب، والاحتكار [واكتناز المال] مطيّة النصب، والحسد آفة الدين، والحرص [والطمع] داع إلى التقحّم في الذنوب، وهو داع للحرمان».[3]

إنّ ضرورة النظر إلى مسألة الحرص والطمع من الزاوية الثقافيّة، تعود إلى التأثير والتأثّر بحياة الإنسان والنظام المفهوميّ الحاكم عليها. وإن كانت لها أبعاد شخصيّة، إلّا أنّ تحقّقها

(422)

يرتبط بالحياة الجماعيّة. وقد ورد في المأثور عن أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام أنّه قال في هذا الشأن:

«أيّها الناس أعجب ما في الإنسان قلبه، وله مواد من الحكمة وأضداد من خلافها، فإن سنح له الرجاء أذلّه الطمع، وإن هاج به الطمع أهلكه الحرص».[1]

كما أنّ الإسراف والتبذير في الاستهلاك يرتبط بالثقافة الإنسانيّة أيضًا. ومن هنا فقد ورد في كلام المعصوم عليه‌السلام أنّه قال: «أشرف الغنى ترك المنى، والصبر جنّة من الفاقة، والحرص علامة الفقر، والبخل جلباب المسكنة».[2]

إنّ الاستهلاك في الثقافة الإسلاميّة بمنزلة الطريق إلى ضمان وتوفير الاحتياجات الضروريّة؛ كما تمّ اعتبار منشأ ابتلاء آدم وحواء وخروجهما من الجنّة هو الحرص على تناول واستهلاك شيء تمّ منعهما منه؛ إذ قال الله ـ عزّ وجل ـ لهما: (وَكُلَا مِنْهَا رَغَدًا حَيْثُ شِئْتُمَا وَلَا تَقْرَبَا هَذِهِ الشَّجَرَةَ فَتَكُونَا مِنَ الظَّالِمِينَ).[3] بيد أنّ آدم وحواء قد آثرا أخذ شيء لم يكونا بحاجة إليه بسبب الحرص والطبع، وبقيت هذه الصفة راسخة في أعقابهما وذريّتهما إلى يوم القيامة. ومن هنا فإنّ أكثر ما يطلبه الإنسان يكون من الأمور التي لا يحتاج إليها.[4]

وفي المأثور عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، عن أبيه الإمام الباقرعليه‌السلام ، أنّه قال: «مثل الحريص على الدنيا مثل دودة القزّ، كلّما ازدادت من القزّ على نفسها لفًّا، كان أبعد لها من الخروج حتّى تموت غمًّا».[5]

وعن الإمام الصادق عليه‌السلام ، أنّه قال أيضًا: «أغنى الغنى من لم يكن للحرص أسيرًا»، وعنه أيضًا: «لا تشعروا قلوبكم الاشتغال بما قد فات؛ فتشغلوا أذهانكم عن الاستعداد لما لم يأت».[6]

كما عدّ الإمام الصادق عليه‌السلام الحرص والطمع مقرونًا بالحياة الإنسانيّة، حيث قال: «ما فتح

(423)

الله على عبد بابًا من أمر الدنيا، إلّا فتح الله عليه من الحرص مثله».[1]

ماهيّة أسلوب الحياة في حقل الاستهلاك

لقد اكتسب مصطلح «أسلوب الحياة»[2] في الوقت الراهن استعمالًا عامّيًّا واسع النطاق، وهو يأتي في الغالب للدلالة على ماهيّة وكيفيّة الاستهلاك في أمور من قبيل: المسكن، والمأكل، والملبس في الحياة الفرديّة. بيد أنّ لهذا المفهوم كلّيّة أوسع، ويشمل أمورًا خارجيّة وذهنيّة أكثر.

هناك من يعتبر «أسلوب الحياة» مجموعة منسجمة نسبيًّا من جميع السلوكيّات والنشاطات التي يقوم بها شخص معيّن في إطار الحياة اليوميّة، التي تستلزم مجموعة من العادات والتوجّهات، وعليه تكون مشتملة على نوع من الاتّحاد.

وهناك من يرى أنّ «أسلوب الحياة» عبارة عن مجموعة من أساليب الفهم والقيَم وطرق السلوك وأذواق الأشخاص.[3] بيد أنّ هذا المفهوم بشكل عامّ يشمل نماذج العلاقات الاجتماعيّة والتسليات والاستهلاك والموضة والأزياء، بل ويعكس حتّى آراء وتوجّهات وقيَم ومعتقدات الفرد والجماعة التي ينتمي إليها أيضًا.

وعلى هذا الأساس يجب الالتفات في دراسة أسلوب الحياة إلى مختلف أنواع العوامل؛ بيد أنّ الذي قد ارتبط بأسلوب الحياة بشكل وثيق وعميق، هو الاستهلاك (في جميع أبعاده ومراميه). وفي الحقيقة، فإنّ البحث عن أساليب الحياة إنّما تكون له موضوعيّة في المجتم، إذا كان الاستهلاك فيه كبيرًا وكانت تشيع فيه ثقافة الاستهلاك على نطاق واسع. إنّ هذه النزعة الاستهلاكيّة إنّما تظهر في المجتمع الذي يشهد وفرة في البضائع المادّيّة، وهي الظاهرة التي نشهدها في عصرنا الراهن. وفيما يلي سوف نبحث في ماهيّة «أسلوب الحياة الإسلاميّة».

موقع أسلوب الحياة الإسلاميّة في دائرة الحياة الاجتماعيّة

في ضوء مفهوم عامّ مستند إلى اللغة والعُرف العام، يكون أسلوب الحياة الإسلاميّة شاملًا

(424)

لجميع شؤون حياة الإنسان. ولو كان لنا توجّه توصيفيّ إلى مسألة «أسلوب الحياة الإسلاميّة»، فسوف يتمّ طرح الموضوع على النحو الآتي: كيف يعيش الناس؟ وما هي العوامل المؤثّرة في حياتهم؟ وما هي العناصر التي تتبعها طبيعة حياتهم؟ وأمّا إذا أخذناها على نحو الاقتراح والتوصية، فيجب علينا بيان طرح مثاليّ قائم على المعرفة الوحيانيّة، يبيّن نوع السلوك الذي يجب على الناس اتّباعه في حياتهم؟ إنّ تأكيد أسلوب الحياة الإسلاميّة يقوم على أساس الاعتدال في الحياة، وهو بصدد إيضاح العوامل التي يجب أن تكون أفعال الناس تابعة لها؟ وما هي المتغيّرات المؤثّرة فيها؟ أو ما هي التحوّلات التي يمكن العمل على إيجادها فيها؟ وبعبارة أخرى: ما هي العوامل التي تبلورت حياة الإنسان في المجموع منذ البداية وحتّى النهاية تحت تأثيرها، وكيف يمكن العمل على تغييرها؟

إنّ أسلوب الحياة التقليديّة -  الدينيّة ذات العناصر والأسس الشيعيّة والانتماء لمدرسة أهل البيت عليهم‌السلام يحظى بأصالة عريقة وراسخة لدى الأمّة؛ بيد أنّ أسلوب الحياة في المجتمع الإيرانيّ قد شهد في القرن الأخير وما قبله تحوّلات عميقة وجذريّة، وكانت مسألة الاحتكاك والصدام والقبول والطرد والمواجهة والتعايش بين الثقافة التقليديّة ـ الإسلاميّة ، وتسلّل الثقافة الغربيّة والأوروبيّة الحاملة لراية التجديد والحداثة ـ بالمعنى الدقيق للكلمة ـ مطروحة على الدوام، ولا يزال هذا الموضوع قائمًا في صُلب التحوّلات الفكريّة والثقافيّة في المجتمع. وعلى هذا الأساس هناك بين ما ندعوه «أسلوب الحياة الإسلاميّة» (الوضع المطلوب) وبين ما يجري في المجتمع حاليًّا (الوضع القائم)، اختلافات وتعارضات وتناقضات، سوف نبحث عن جذورها ضمن العناوين الآتية.

الاستهلاك في العالم المعاصر

إنّ «الاستهلاك» يعني الإنفاق[1]، وقد عرّف اللغويّون «الاستهلاك» على النحو الآتي: «الاستفادة من شيء أو الانتفاع به بشكل يقترن مع نقصان ذلك الشيء واستهلاكه».[2]

وفي المجموع، فإنّ الاستهلاك مفردة عربيّة، ويقابلها في اللغة الفارسيّة مصطلح «هزينه»، وفي اللغة الإنجليزيّة «Consumption»، أو «Consume».

(425)

ويمكن تقسيم استهلاك الإنسان إلى قسمين، وهما:

ـ الاستهلاك الأصليّ أو الضروريّ.

ـ الاستهلاك الفرعيّ أو الكماليّ.

وبين هذين الاستهلاكين بون شاسع، فالاستهلاك الأصليّ هو الاستهلاك الذي تقتضيه طبيعة الإنسان. ومن خصائص هذا النوع من الاستهلاك محدوديّته من الناحية الكيفيّة والنوع والشكل، مثل: الطعام والثياب، حيث لم يطرأ عليهما حتّى الآن تغيير كبير، ونحن بحاجة إليهما.

وإنّ الاحتياجات الأصليّة بدورها، على نوعين:

ـ الاحتياجات المادّيّة؛ مثل: المأكل والملبس والمسكن.

ـ الاحتياجات المعنويّة، من قبيل: حبّ الذات، وحبّ الآخرين، وحبّ الله.

وكما هو واضح فإنّ الاستهلاك الفرعيّ والكماليّ من بين هذين النوعين، لا تمسّ الحاجة إليه. إنّ الاستهلاك الفرعيّ والكماليّ هو الذي يعمل الإنسان على إيجاده بنفسه، وهو من حيث الكيفيّة والنوع والشكل غير محدود للغاية، ولا يزال مستمرًّا إلى الآن، ويزيد يومًا بعد يوم.

والاحتياجات الفرعيّة والكماليّة تنقسم بدورها إلى قسمين:

ـ الاحتياجات الإيجابيّة والقيّمة، من قبيل: الفنّ والأدب.

ـ الاحتياجات السلبيّة والمنحرفة، من قبيل: التجمّلات الكاذبة، والمعنويّات الزائفة، والإدمان على الموادّ المخدرة، والانشغال بالمتع الزائدة، والأوهام والآمال الواهية.[1] بمعنى أنّ الإنسان يكون في هذه الحالة قد تنزّل بمقامه ومنزلته إلى حضيض البهائم والحيوانات حقيقة.[2]

نموذج الاستهلاك من وجهة نظر الإسلام

إنّ «النموذج» في اللغة يعني المثال الذي يُقتدى به أو يُحتذى،[3] وكذلك يطلق النموذج توسّعًا

(426)

على الشخص أو الشيء الذي يمكن أن يُتخذ معيارًا ومثالًا للآخرين أو الأشياء الأخرى.[1]

وأمّا بحسب المصطلح، فيمكن القول: إنّ «النموذج» عبارة عن إطار للقيام بنشاط، حيث نعمد هنا من أجل إظهاره وبيانه إلى الاستفادة من مختلف الوسائل والأدوات. وأمّا المراد من «النموذج» في عبارة «نموذج الاستهلاك» هو المفهوم والمعيار الذي يتطابق مع التنفيذ.

إنّ حياة الإنسان من وجهة نظر القرآن الكريم عبارة عن حياة هادفة، ولتحقيق تلك الأهداف (من قبيل: العبوديّة، والقرب من الله وتحصيل مرضاته والوصول إلى الحياة الطيّبة)، تمّ توفير بعض الإمكانات، ليتمكّن الإنسان بواسطتها من الوصول إلى مطلوبه ومبتغاه في هذه الحياة.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ قول الله سبحانه وتعالى: (أَلَمْ تَرَوْا أَنَّ اللَّهَ سَخَّرَ لَكُمْ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً وَمِنَ النَّاسِ مَنْ يُجَادِلُ فِي اللَّهِ بِغَيْرِ عِلْمٍ وَلَا هُدًى وَلَا كِتَابٍ مُنِيرٍ).[2]

وبطبيعة الحال، فإنّ الإسلام قد حدّد للاستفادة من هذه الإمكانات واستهلاك النِعَم الإلهيّة أطرًا يجب تحديد الاستهلاك في ضوئها، وأن يعمل على إخضاع هذا الاستهلاك لتلك الشرائط.[3]

وبشكل عام يوجد شرطان أساسيّان لنموذج الاستهلاك المقبول في الإسلام، وهما أوّلًا: أن يكون الشيء المستهلَك «حلالًا»، والآخر: أن يكون «طيّبًا»، الأمر الذي يجعل من استهلاكه أمرًا مشروعًا.

ومن ناحية أخرى، فإنّ الإسلام لم يجعل مجرّد توفّر هذين الشرطين ملاكًا للاستهلاك. وبعبارة أخرى: إنّ السؤال الذي يجب بيانه هنا هو: لو كان الشيء حلالًا وكان طيّبًا، فهل يجوز للإنسان أن يتناول منه بجميع الأشكال والكمّيّات التي يريدها؟

الجواب عن هذا السؤال هو النفي؛ وذلك لأنّ الإسلام قد بيّن حدود استهلاك حتّى الأشياء التي تتوفّر على الشرطين أعلاه أيضًا، وحدُّ ذلك هو «الاعتدال» في الاستهلاك، وتجنّب «التقتير»

(427)

و«الإسراف».[1] وعلى هذا الأساس، يجب العمل على بيان نماذج الاستهلاك في المجتمع في إطار جواب الإسلام عن تبويب نماذج الاستهلاك في المجتمع الإنسانيّ.

بالنظر إلى ما تقدّم، يمكن أن نُشير إلى نوعين من نماذج الاستهلاك، وهما:

1. نموذج الاستهلاك المُسرف.

2. نموذج الاستهلاك المعتدل.

وفيما يلي سوف نعمل على شرح وبيان كلّ واحد من هذين النوعين:

نموذج الاستهلاك المُسرف

«الإسراف» كلمة جامعة تشمل كلّ إفراط في الكمّيّة والكيفيّة والتبذير والإتلاف وما إلى ذلك.[2] وقد ورد استعمال هذه الكلمة ـ بجميع مشتقّاتها ـ في القرآن الكريم لما يقرب من ثلاثة و عشرين مرّة. و«الإسراف» من مادّة «س ر ف»، وهي لغة بمعنى التجاوز والخروج عن الحدّ في كلّ أمر أو فعل يصدر من الإنسان.[3] وهناك من فسّر «الإسراف» لغة بأنّه المجازفة في تجاوز الحدّ الوسط، وتجاوز الحدود، والإفراط، والزيادة في التبذير والإتلاف وما إلى ذلك أيضًا.[4]

إنّ كلمة «الإسراف» بحسب المصطلح تعني الخروج عن حدّ الاعتدال وتجاوز الحدّ (نحو الزيادة) في كلّ عمل يقوم به الإنسان.[5]

يتحقّق نموذج الاستهلاك المُسرف بشأن الاستخدام الناقص أو الخاطئ أو الذي يفوق حدود الحاجة من البضائع الاستهلاكيّة أو الثروة من قبل شخص أو عدد من الأشخاص في المجتمع.

وقد ورد في المأثور عن الإمام الصادق عليهم‌السلام أنّه قال: «إنّما الإسراف فيما أفسد المال وأضرّ بالبدن».[6] فلو قام الشخص بمراعاة الاعتدال في الأكل واللبس والجِماع وركوب الدواب (وأسرف في ذلك)،

(428)

كان استخدامه لهذه الأمور حلالًا، وإلّا فهو حرام.[1]

ومن علامات هذا النموذج من الاستهلاك، يمكن الإشارة إلى هذه النقاط الثلاثة التي ذكرها أمير المؤمنين علي عليه‌السلام على النحو الآتي: «ص11».[2] وكذلك فإنّ من أكبر الأضرار التي تترتّب على هذا النموذج من الاستهلاك بالنسبة إلى الفرد والمجتمع، هو الفقر والحرمان من الرزق[3]، والمنع من تهذيب النفس[4]، وعدم استجابة الدعاء على الصعيد الفرديّ والاجتماعيّ[5]، وإتلاف الثروة الوطنيّة وما إلى ذلك.

نموذج الاستهلاك المعتدل

لقد ورد في التعاليم الدينيّة للإسلام الحثّ والتشجيع على الإنتاج، والاعتدال والقناعة في الاستهلاك. وثمّة الكثير من الآيات والروايات التي تدلّ على هذا الأمر. إنّ سعادة الإنسان ورفاهيّته الحقيقيّة لن تتحقّق في الاستهلاك المفرط، وإنّما السعادة تكمن في الاستغناء والاستقلال وعدم الحاجة إلى الآخرين. فإن أمكن للإنسان أن يخلّص نفسه من التعلّقات الدنيويّة ويصل إلى مرحلة الاستغناء عنها، فسوف يعيش في راحة أكبر منه فيما لو أراد أن يستغني عبر المزيد من الاستهلاك المفرط.[6]

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ بعض الأشخاص يرى الاستغناء في الاستهلاك الفاحش للبضائع الاستهلاكيّة، من قبيل: أن يبني لنفسه قصرًا منيفًا، ويقتني سيارة باهظة الثمن، وسائر الموارد الكماليّة وغير الضروريّة الأخرى، بينما يذهب آخرون إلى أنّ الاستغناء يكمن في القناعة والاستغناء عن هذه الأمور، وسائر الأمور التي تعدّ من زوائد الحياة. إنّ الكثرة الكاثرة من الروايات والأحاديث والدلالات العقليّة ترشد المجتمع الإسلاميّ نحو المعيشة والعبادة

(429)

الوسطيّة والمعتدلة.[1]

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ ما رُوي عن الإمام الصادق عليه‌السلام أنّه قال: «المال مال الله يضعه عند الرجل ودائع، وجوّز لهم أن يأكلوا قصدًا، ويشربوا قصدًا، ويلبسوا قصدًا، وينكحوا قصدًا، ويركبوا قصدًا».[2]

ومن بين الآثار والنماذج المترتّبة على الاستهلاك المعتدل في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة، يمكن الإشارة إلى سعة الأرزاق العامّة،[3] والسكينة النفسيّة للمجتمع في ظلّ الأمن الاقتصاديّ، والحيلولة دون الفقر الفرديّ والعامّ،[4] وحفظ الاستقلال وعدم التبعيّة،[5] واستجابة الدعاء،[6] والتأسيس لثقافة القناعة والزهد في المجتمع التي تمّ التعبير عنها في الروايات بـ «الثروة الكبيرة».[7]

بناء على هذه النماذج الثلاثة التي تمّ التعريف بها في هذا القسم، نبحث نموذج الاستهلاك في المجتمع، وعلى أساس الاستدلالات المذكورة، سوف نركّز على آفات نموذج الاستهلاك الحاكم على المجتمع وأضرار.

آفات نموذج الاستهلاك الجشع

بالنظر إلى المكانة الخاصّة والمرموقة لنموذج الاستهلاك في الحصول على هويّة الحياة الإنسانيّة، من الضروريّ أن نتعرّض بشكل معمّق لبحث العوامل والأسباب التي تؤثّر في ظهور نماذج الاستهلاك غير الإسلاميّ «المقتّر والمسرف» التي يمكن أن تنخر المجتمع الإسلاميّ من الداخل، وأن نبحث في عواقب وتبعات هذه الآفات بشكل أدقّ. إنّ الرؤية التي يحملها الإنسان المعاصر عن نفسه وعن العالم المحيط به، تقتضي منه أن يعتبر نفسه واحتياجاته المادّيّة

(430)

هي الأصل، وأن يصرف كلّ عزمه وهمّه نحو ضمان وتلبية تلك الاحتياجات.

إنّ الإسراف صفة ذاتيّة متأصّلة في الحضارة الغربيّة الحديثة، في حين أنّ الاعتدال في المعيشة واجتناب الإسراف صفة ذاتيّة ومتأصّلة في الحضارة الإسلاميّة الأصيلة. ومن الضروريّ في إطار التعرّف على آفات نموذج الاستهلاك في المجتمع أن نبحث في العوامل والأسباب المؤثّرة في ظهور نماذج الاستهلاك غير الإسلاميّ في حياة الناس على المستويات الثلاثة: الكلّيّ والمتوسّط والجزئيّ:

الاستهلاك الجشع على المستوى الكلّيّ

يمرّ المؤمنون في العصر الراهن بأزمة هويّة؛[1] وذلك لأنّ العالم الاجتماعيّ يتعرّض بجميع أبنيته إلى ضغوط تمارس ضدّه من قبل السياسات غير الدينيّة، بل وحتى السياسات المعادية للدين من قبل بعض تيّارات السلطة. وفي ضوء هذا التفسير يُعدّ «المجتمع الاستهلاكيّ» حاليًّا واحدًا من المعضلات الأساسيّة التي تأخذ بخناق المجتمع البشريّ. إنّ اصطناع الاحتياجات الزائفة وتضخيم مقولة الاستهلاك في المجتمعات[2] لن تنكص عن تقديم العون لرفاه البشر فحسب[3]، بل وتعرّض المجتمع إلى نوع من الافتقار المعرفيّ والثقافيّ. إنّ هذه الشرائط التي فرضت سلطتها وهيمنتها من قبل القوى الإعلاميّة والتيّارات المسيطرة على الاقتصاد والثقافة في العالم، صارت سببًا في تركيز الجانب الأعظم من ظرفيّات الحياة الإنسانيّة، على توفير الاحتياجات الجشعة وغير الضروريّة والاستهلاكيّة.

إنّ الذي يعمل عادة على تنفيذ هذا النوع من المشاريع على المستوى الكلّيّ والعامّ هي الدول والحكومات، فقد تعمل الدوَل ـ طبقًا لمشاريعها وخططها الطويلة الأمد ـ على التوصية باستهلاك بعض البضائع، أو أن ترفع التسعيرة عن بعض السلع الاستهلاكيّة من خلال الاستفادة من الأدوات الماليّة. هذا في حين أنّ الناس يشاهدون كلّ يوم الصوَر الخلّابة لعرض

(431)

السلع والبضائع المادّيّة على وسائل الإعلام ومواقع التواصل الاجتماعيّ (من قبيل: التلفزيون والأقمار الصناعية، والإنترنت، والإعلانات الجداريّة، والصحف والمعارض)؛ بيد أنّ طرق الوصول إلى تطوير المهارات للحصول على النقود من أجل شراء تلك السلع ليست متاحة لجميع الناس بشكل متكافئ.[1]

وفي المقابل يمكن للحكومات أن تعمل على دعم المُنتَج الداخليّ من خلال الاستناد إلى قوانين، من قبيل: التعرفات الجمركيّة المضاعفة على البضائع المستوردة من الخارج، وتحفيز المستهلِك وتشجيعه على شراء البضائع التي يتمّ إنتاجها في الداخل، أو أن تعمل ـ على سبيل المثال ـ على دعم بعض المفردات والسلال الغذائيّة، من قبيل: اللبن والخبز، بل وحتّى بعض الأدوية من أجل ضمان المجتمع ودعمه من ناحية السلامة والصحّة، والحيلولة دون الضغوط التي تصيب الطبقات الضعيفة في المجتمع. وإلّا ففي غير هذه الحالة فإنّ مشاهدة الاستهلاك بين الطبقة المرفّهة والارستقراطيّة في المجتمع، ومقارنتها من قبل فقراء المجتمع بأنفسهم، سوف تؤدّي إلى وقوع الانحرافات في المجتمع؛[2] وذلك لأنّ الشعور بعدم المساواة في الحصول على الإمكانات ونوع الاستهلاك بين مختلف الطبقات الاجتماعيّة، سوف يؤدّي إلى الامتعاض وعدم الرضى، وسوف يكتسب الاستهلاك المفرط والاستمتاع بالاستهلاك أصالة.

ويمكن الإشارة من بين مصاديق الإسراف في هذا المستوى، إلى هدر الثروات العامة في القطاع الصناعيّ والزراعيّ والخدماتيّ (من قبيل: أنواع الطاقة، وبيت المال العام)، والقيام بالأسفار والرحلات إلى الدول الأجنبية بشكل اعتباطي مع إنفاق الأموال الطائلة والمفسدة أحيانًا، وإقامة المؤتمرات على المستوى الوطنيّ والدوليّ وإنفاق الأموال الطائلة وغير الضروريّة عليها، وإنفاق الجزء الأكبر من الموازنة السنويّة على النفقات الجارية في البلد بدلًا من الاستثمار الثابت والمستمرّ، والكسب غير المشروع، والثروات الاعتباطيّة، وحصول بعض على مبالغ طائلة من الثروات العامّة للبلاد بسبب الاصطفافات السياسيّة -  الاقتصاديّة والحزبيّة،

(432)

واستغلال النفوذ السياسيّ، والسياسات الاقتصاديّة الخاطئة، والاستغراق في الكماليّات على مستوى السلطة، وترجيح كفّة البضائع الأجنبيّة على البضاعة الداخليّة، وغياب السيطرة والإشراف الكافي على رعاية الجودة اللازمة في المنتوجات الداخليّة بوصفها من الموارد التي تلحق أضرارًا بالغة وجادّة على المستوى الكلّيّ والعامّ فيما يتعلّق بنموذج الاستهلاك.

الاستهلاك الجشع على المستوى المتوسّط

إنّ هذا المستوى يرتبط بالتعامل والتعاطي المتبادل بين الفرد والمجتمع. فعندما تتخلّى القيَم الإسلاميّة عن موقعها لصالح القيَم غير الإسلاميّة، ويحلّ بالتدريج مسار الصيرورة الاجتماعيّة في بيئة تطغى عليها الرغبات الدنيويّة، ويعمل الأفراد في هذا المجتمع على تنظيمم سلوكيّاتهم على أساس القيَم الجديدة، فسوف يخضع هؤلاء الأفراد ـ طبقًا لنظريّة «الاختيار العقلائيّ» ـ لشرائط انتشار الثقافة الاستهلاكيّة وإشباع الاحتياجات الزائفة في المجتمع؛ حتّى إذا كانت هذه السلوكيّات غير إسلاميّة أيضًا؛ كأن تحلّ الثقافة الاستهلاكيّة الغربيّة محلّ ثقافة الدفاع عن قيَم الإسلامیة والتضحية في سبيلها.

ويمكن الإشارة من آفات وأضرار هذا المستوى من الاستهلاك إلى الأمثلة الآتية: فقدان الرؤية الاستقباليّة، وتجاهل أبعاد التنمية الثابتة والشاملة في حقل استثمار المصادر والثروات المادّيّة والمعنويّة واستهلاكها بشكل اعتباطيّ، وانتشار ظاهرة الإسراف العامّ بين المواطنين من قبل الإعلام والدعاية المفرطة في وسائل الإعلام الداخليّة، والاستعراض الصارخ لتسخير الدولة وعمّالها لبيت المال العامّ بشكل اعتباطيّ، وعدم الاهتمام بالمحتوى والمضمون في الاستهلاك الثقافيّ والتركيز على التشريفات الظاهريّة، وعدم التخطيط للنموذج المناسب والمعتدل عند الناس في حقل القدوة الاستهلاكيّة، والإفراط في الاستبدال المتكرّر لأثاث وزينة مكان العمل والمنازل.

الاستهلاك الجشع على المستوى الجزئيّ

يعمل كلّ شخص أو أسرة ـ بالنظر إلى محدوديّاته ـ على اختيار خليط من البضائع والسلَع؛

(433)

ليحصل على المزيد من الرفاه وإشباع الرغبة. ولو نظرنا إلى موضوع «نموذج الاستهلاك» من بُعده الجزئيّ، فسوف ندرك أنّ هناك نماذج استهلاكيّة بعدد الأفراد والأسَر، والملفت في البين أنّ كلّ شخص أو أسرة تذهب إلى الادّعاء بأنها قد اختارت ما يمكن من النموذج الأمثل.

ويمكن الإشارة من بين جذور الإسراف في هذا المستوى إلى عدم تقيّد الأفراد والأسر برعاية الأصول والضوابط والملاكات والمعايير العقليّة والأخلاقيّة والإسلاميّة المحمودة في اختيار أسلوب الحياة ونموذج الاستهلاك، وكذلك شراء السِلع والبضائع الغربيّة الاستهلاكيّة الزائدة وغير الضروريّة، وتأثيث البيوت ورفع المهور الزوجيّة، وشراء ما يزيد على الحاجة من الثياب، والمبالغة في شراء الأدوات الكماليّة ووسائل الزينة والتشريفات، وتجديد الأدوات والوسائل التجمّلية على أساس الموضة وحمّى الموديلات، وشراء السيارات الفارهة والباهظة الثمن، والنزعة الاستهلاكيّة الصارخة في الحياة بشكل عامّ.

الطرق المقترحة في حقل الحيلولة دون نموذج الاستهلاك الجشِع

بالنظر إلى شحّ المصادر والحاجة إلى الاعتدال الاقتصاديّ العامّ في البنى الاجتماعيّة من جهة، والسعي من أجل الارتباط بمستوى من المعرفة الوحيانيّة والدينيّة الناظرة إلى الحياة الإنسانيّة من جهة أخرى، يبدو أنّ تحقّق أهداف الحضارة الإسلاميّة أمر مستحيل، إلّا اللهم لو تمّ العمل على خفض مقدار استهلاك المصادر العامّة؛ بحيث تتحقّق الزيادة الممكنة الأكبر في المدخرات وتشكيل رؤوس الأموال والأعمال الحرّة وفرص العمل. إنّ هذا الأمر يحتاج إلى إصلاح البنية الاقتصاديّة على المستويات الثلاثة (الكلّيّة والمتوسّطة والجزئيّة)، ولا سيّما نماذج الاستهلاك والاستثمار، بدلًا من النفقات الجارية في كلّ واحد من القطاعات الخصوصيّة والحكوميّة. إنّ هذا الإصلاح يجب أن يتمّ لغرض الحيلولة دون ذهاب المصادر العامّة والخاصّة نحو الأعمال التي لا يكون لها سهم في تحقّق الحضارة الإسلاميّة.

إنّ الطرق والحلول التي نأتي على ذكرها فيما يلي، يمكن أن تعدّ في إطار هذه الإصلاحات للبنية التحتيّة في تحقيق الخطط والأجهزة المرنة للحضارة الإسلاميّة الحديثة (أي أسلوب الحياة في حقل النموذج الاستهلاكيّ):

(434)

التثقيف من أجل تغيير مزاج المستهلكين

أخذت البلدان الإسلاميّة تتبّع الأسلوب والنموذج الاستهلاكيّ المستفاد من الثقافة الاستهلاكيّة الغربيّة؛ وساعد على ذلك تسارع مسار «عولمة أسلوب الحياة الغربيّة» منذ العقود المنصرمة. والثقافة الغربيّة هي التي تعمل على تحديد قيمة الإنسان من خلال كماليّات حياته وكمّيّة -  كيفيّة الأشياء التي يشتريها ويلبسها ويأكلها؛ وهذا هو أسلوب الحياة المُسرفة التي أخذت حتّى بعض الدول الصناعيّة المتقدّمة ـ بالنظر إلى عدم وجود التوازن بين العرض والطلب ـ تسعى إلى البحث عن حلول لها.

يمكن الإشارة ـ على سبيل المثال ـ إلى حقل استهلاك الطاقة؛ حيث تمّ توجيه ثقافة الاستهلاك في هذا المجال في العالم الغربيّ نحو التدبير المستند إلى الشرائط البيئيّة، وتتمّ المبادرة إلى السيطرة على الاستهلاك المُسرف في هذا المجال. وأمّا في ثقافة استهلاك الطاقة ، فتشير الإحصاءات إلى اختلافات كبيرة في كمّيّة وكيفيّة الاستهلاك في هذا المجال. إنّ ضحايا هذا النوع من التنافس في الاستهلاك الأكبر، يتعرّضون إلى الإصابة والابتلاء بحمّى النزوع إلى نمط من العيش يفوق قدراتهم؛ فيضطرّون في سياق توفير النقص الناشئ من الاختلاف بين الدخل والاستهلاك غير المنطقيّ إلى اللجوء والاحتماء بالأساليب الفاسدة وغير الأخلاقيّة. وبالتالي يبقى استهلاك مجموع الزيادة وادخار النقص وتشكيل الثروة التي تقوم على المدّخرات الداخليّة غير كافٍ. وعلى هذا الأساس، يكتسب التقليل المتعادل للاستهلاك في هذه الحالة ـ التي نسمّيها بـ «الزهد المسؤول» ـ ضرورة جادّة. إنّ هذا الأمر إنّما يجب أن يتمّ من طريق التثقيف على إبقاء الاستهلاك في حدود ما يتحمّله المجتمع الإسلاميّ، وهذا يحتاج إلى إحداث تغيير جذريّ في أسلوب الحياة الشائع بين الناس في حقل الاستهلاك، ولا سيّما نموذج الاستهلاك عند الأثرياء في المجتمع. إنّ التأسيس لثقافة الزهد المسؤول، يدعو المجتمع الزاهد بوعي وذكاء إلى «التقليل من استهلاكه الراهن، وتوفير ما زاد على الاستهلاك، وتوظيفه في إنتاج البضائع والخدمات الضروريّة في المجتمع».[1] ويجب تحقيق هذه الغاية بواسطة الطرق الآتية:

(435)

أ) تعزيز الإيمان بالله، والتأسيس لمفاهيم من قبيل: التقوى والقناعة والإيثار في المجتمع.

ب) التكاتف الثقافيّ بين الوزارات، وهي: من أجل العمل على إشاعة ثقافة وآداب الاستهلاك الصحيح.

ج) تدخّل تقنية الإعلام المتعدّد، من قبيل: السينما والتلفزيون والأقمار الصناعيّة والإنترنت بشكل عامّ، والإعلام الوطنيّ بشكل خاصّ، في البرامج التعليميّة والنافعة لغرض الاستفادة من فنّ الدعاية والإعلام من أجل تعليم الناس طرق الاستهلاك الصحيح وصيانة فئة الصغار واليافعين والشباب والنساء والرجال في المجتمع الإسلاميّ، ومواجهة ظاهرة «الاستهلاك» و«أصالة اللذّة»، وذلك ـ على سبيل المثال ـ من خلال الدعاية لأسلوب حياة العلماء والأشخاص الذين كانوا ينتهجون نموذجًا استهلاكيًّا صحيحًا في حياتهم، وتسليط الضوء على هذا النموذج عبر مقاطع الأفلام القصيرة.

د) اضطلاع المساجد والمبلّغين الإسلاميّين بدورهم البنّاء في التعريف بالمفاهيم والنماذج الاستهلاكيّة الإسلاميّة الصحيحة، بالإضافة إلى شرح وبيان المزايا والنتائج الإيجابيّة لذلك في حياة الناس، وما يترتّب على النماذج المقتصدة والمسرفة من الثواب والعقاب.

التقنين في مجال النموذج المعتدل من الاستهلاك في المجتمع

بالإضافة إلى طرق التثقيف التي تتمّ بواسطة المؤسّسات والمنظمات الاجتماعيّة في حقل الاستهلاك الصحيح، تتكفّل السلطات في الدولة بدورها في المصادقة على القوانين المتناسبة مع نموذج الاستهلاك المعتدل في المجتمع بدعامة حقوقيّة وقانونيّة لتحقّق أساليب الأولويّات التي تحتوي على أرضيّات ثقافيّة أكثر ملاءمة وتناسبًا، وكذلك الإشراف على حُسن التنفيذ والاستفادة من ظرفيّات القانون، والعمل بشكل حسن من أجل تطبيقها وتنفيذها، والعمل عند مشاهدة التجاوز على القوانين المتّفق عليها من قبل المسؤولين أو الناس على المواجهة المناسبة والرادعة.

ويمكن سلوك وتعقّب هذه الطرق والحلول عبر الحالتين أدناه:

1. وضع القوانين التحفيزيّة للأشخاص والمسؤولين من أجل إصلاح نموذج الاستهلاك

(436)

الخاصّ بهم، والتحرّك نحو النموذج الاستهلاكيّ المعتدل في المجتمع. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن تتمّ خصخصة مقدار دفع النفقات في مجال الاستهلاك في حقل الطاقة، بمعنى أن يتمّ وضع حدّ لاستهلاك الطاقة؛ فيتمّ التشجيع على الحدّ الأدنى إلى الحدّ الذي يتمّ فيه تزويد الفرد الساعي إلى الاعتدال في استهلاك الطاقة، والعمل على توفيرها له بالمجّان.

2. وضع القوانين التأديبيّة والرادعة لمنع الأشخاص المسرفين في حقل الاستهلاك. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن يتمّ العمل في حقل استهلاك الطاقة على رفع سعر الاستهلاك على الذين يستهلكون الطاقة بكمّيّات كبيرة، ويهتمّون في الوقت نفسه بدفع النفقات أيضًا، أو العمل على التحصيص والسيطرة على استهلاك الطاقة بواسطة قطع تسهيلات من قبيل الكهرباء والماء أو الغاز على أولئك الذي يستهلكون الطاقة دون حدود، ولا يهتمّون في الوقت نفسه بدفع النفقات الطائلة.

إدارة الاستهلاك

إنّ الاستهلاك قابل للإدارة على نحو لا يمكن اجتنابه، وهذه الإدارة يجب أن تكون واعية لكي يصبح «الاستهلاك الناجع مثمرًا». إنّ الاستهلاك يجب أن يخضع ـ على حدّ تعبير قائد الثورة المعظّم ـ من وجهة نظر الإسلام وجميع العقلاء في العالم، لسيطرة العقل السليم. وفي غير هذه الحالة لا يمكن إدارة الاستهلاك بواسطة الأهواء أو الرغبات النفسيّة. وعلى هذا الأساس يجب العمل على إدارة الاستهلاك بتدبير وعقلانيّة، وأن نعمل على تبويب الأولويّات بين تلبية الاحتياجات الضروريّة والاحتياجات الزائفة، ثمّ نعمل بعد ذلك على تدوين النموذج الصحيح للاستهلاك بالنسبة إلى جميع المستويات الاستهلاكيّة.

ترشيد استهلاك الطاقة

يُقدّر متوسّط استهلاك الطاقة في إيران بـ 67 / 1 طن، بما يعادل التسعيرة السوقيّة للنفط الخام بإزاء كلّ ألف دولار من خالص الناتج الوطنيّ، في حين يتمّ تقدير هذا المتوسّط في العالم برقم 24 / 0، وفي البلدان المتقدّمة كاليابان بما يعادل 1 / 0. [1] وكذلك فإنّ شدّة استهلاك

(437)

الطاقة الكهربائيّة في قطرنا تبلغ 7 / 0 سنويًّا، وهو أكثر من الضعف بالقياس إلى استهلاك الطاقة على مستوى العالم. ومع ذلك فإنّ الخطط المطروحة في حقل ترشيد استهلاك الطاقة ـ للأسف الشديد ـ لا تتجاوز كونها مجرّد أداة لتحقيق بعض الأهداف غير المتناغمة (من قبيل: إلغاء دعم الطاقة، وإلغاء تهريب الوقود، وتوزيع استغلال النفوذ السياسيّ). إنّ غياب الأهداف والآراء المحدّدة والشفّافة، بالإضافة إلى عدم معرفة مسائل الاقتصاد في إيران من جهة، قد أدّى إلى فقدان برنامج مدوّن للطاقة على المستوى الوطنيّ، كما أدّى من ناحية أخرى إلى العجز عن تطبيق وتنفيذ خطط ومشاريع الطاقة أيضًا.[1] وعلى هذا الأساس، فإنّ «ترشيد استهلاك الطاقة» يعني الاستفادة الصحيحة من مصادر الطاقة (من قبيل: النفط، والغاز، والكهرباء، والماء) في حقل الاستهلاك العام والأسَر، بالنظر إلى الظرفيّات الكامنة والفنّيّة بشرط عدم الجنوح نحو نموذج الاستهلاك المقتّر أو المسرف في المجتمع.

دعم قطاع الإنتاج

إنّ انتقال الثروات العامّة في المجتمع يجب أن يكون لغرض الاستدارة من فضاء الاستهلاك المفرط نحو إيجاد التحرّك في فضاء الاستثمار والإنتاج. وبطبيعة الحال فإنّ الشرائط الجديدة قد تساعد على زيادة حجم الاستثمارات فقط. ومن هنا لا بدّ من الاطمئنان إلى أنّ زيادة الاستثمار لن تنتقل إلى إنتاج السلع والخدمات الكماليّة وغير الضروريّة، بل يجب أن تؤدّي إلى إنتاج البضائع والخدمات الضروريّة والقابلة للصدور نحو الإنتاج الاستثمارّي والمواد الأوّلية الضروريّة، الأمر الذي يستوجب إصلاح الاستفادة من الصنائع والمعادن، وتعديل القوانين المقيّدة والمعرقلة، لغرض الاستثمار في هذه المجالات الحيويّة في المجتمع. وبذلك فإنّ الاستدارة الاستثماريّة في ظلّ هذه الشرائط الجديدة سوف تتّجه من الاستيراد نحو الاكتفاء الذاتيّ وصولًا إلى التصدير.

(438)

النتيجة

بالنظر إلى التعاليم الإسلاميّة المؤكّدة في القرآن الكريم والروايات الكثيرة والأدلة العقليّة المعتبرة، يُعدّ أسلوب الحياة الوحيد المتناسب مع مقام إنسانيّة الإنسان، هو أسلوب الحياة المتواضعة والتي لم تنشأ من حبّ الذات والتجمّلات والتكبّر أو الانحطاط الأخلاقيّ. إنّ هذه الأساليب تؤدّي إلى الإسراف أو التقتير، والضغط على المصادر غير الضروريّة، وتقلّل من قدرة المجتمع على توفير الاحتياجات العامّة والأساسيّة. كما أنّ أسلوب الحياة غير المناسب هذا يعمل كذلك على انتشار طرق كسب الأرباح غير المطلوبة، ويؤدّي إلى عدم تساوي الأرباح، ويعمل على إظهار أنواع من الإجحاف تتجاوز حدود التوزيع الطبيعيّ المسموح به بواسطة الاختلافات المرتبطة بالسيطرة والدوافع والسعي والمخاطرة.

كما أنّ هذه الأساليب تضعف وشائج الأخوّة التي تعدّ من الخصائص الأساسيّة لمجتمع المسلمين. وللأسف الشديد فإنّ النموذج الحاكم اليوم على كميّة أو كيفيّة استهلاك لا يتطابق مع النموذج الاستهلاكيّ الإسلاميّ (نموج الاستهلاك المعتدل). إنّ هذه الحالة يجب أن تكون مطمحًا جادًّا، لكي يتمّ تحسين الوضع المزري للمجتمع من خلال إدخال إصلاحات في ثقافة الاستهلاك في إطار الحلول الأساسيّة على المستويات الثلاثة الموجودة في المجتمع.

 

 

 

 

 

 

 

(439)

 

 

المصادر

- إبن أبي فراس، ورام، تنبيه الخواطر ونزهة النواظر، تحقيق: علي أصغر حامد، قم، مكتبة الفقيه.

- ابن شعبة الحراّنيّ، حسن بن عليّ، تحف العقول عن آل الرسول  ؟ص؟، تصحيح: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرّسين، ط 2، 1404 ه‍.

- إسماعيل‏زاده، إلهام، حرص از منظر قرآن و روايات، أطروحة علمية على مستوى الماجستير صادرة عن كلّيّة الإلهيّات والمعارف الإسلاميّة من جامعة شيراز، 1394 ه‍ ش.

- أنوري، حسن، فرهنگ بزرگ سخن، طهران، نشر سخن، 1381 ه‍ ش.

- بورديو، بيير، نظريه كنش: دلايل عملي و انتخاب عقلاني، ترجمه إلى اللغة الفارسية: مرتضى مرديها، طهران، نشر نقش و نگار، 1380 ه‍ ش.

- پيري، صديق، بازسازي معنايي فقر: تحليل گفتمان‏هاي تاريخي فقر در ايران، أطروحة علمية على مستوى الدكتوراه صادرة عن كلّيّة العلوم الاجتماعيّة في جامعة طهران، 1395 ه‍ ش.

- التميمي الآمدي، عبدالواحد بن محمد، غرر الحكم ودرر الكلم، قم، دار الكتاب الإسلاميّ، 1366 ه‍ ش.

- الثقفي الطهراني، محمد، تفسير روان جاويد، طهران، نشر برهان، 1376 ه‍ ش.

- حاجي ميرزائي، علي؛ نادريان، محمد أمين، «آسيب شناسي برنامه هاي صرفه جوئي در ايران»، مجلة: اقتصاد و انرژي، العدد: 90 / 91، ص 22ـ44، سنة 1386 ه‍ ش.

- ديفيس، تشارلز، دين و ساختن جامعه؛ جستارهايي در إلهيات اجتماعي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: حسن محدّثي وحسين باب الحوائجي، طهران، نشر يادآوران، 1387 ه‍ ش.

- الراغب الإصفهاني، حسين بن محمّد، المفردات في غريب القرآن، تحقيق: صفوان عدنان الداودي، بيروت، دارالعلم، 1412 ه‍.

 

(440)

- رشاد، علي أكبر ومساعدوه، دانشنامه امام علي عليه‌السلام ، طهران، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، 1380 ه‍ ش.

- رفيع‏پور، فرامرز، تكنيك‏هاي خاص تحقيق، طهران، شركت سهامي انتشار، 1386 ه‍ ش.

- الصدوق، محمّدبن عليّ، الخصال، تحقيق: علي أكبر غفاري، قم، جامعة المدرّسين، ط 2، 1403 ه‍.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، الميزان في تفسير القرآن، ترجمه إلى اللغة الفارسية: السيد محمد باقر الموسوي الهمداني، قم، جامعة المدرّسين، 1374 ه‍ ش.

- عميد، حسن، فرهنگ عميد، طهران، أمير كبير، 1381 ه‍ ش.

- العيّاشي، محمدبن مسعود، تفسير العيّاشيّ، تحقيق: السيد هاشم رسولي محلاتي، طهران، المطبعة العلميّة، 1380 ه‍ ش.

- كلانتري، علي أكبر، «إسلام و الگوي مصرف؛ درآمدي بر كم و كيف مصرف در عرصه هاي گوناگون بر اساس فقه و اخلاق اسلامي»، صحيفة: جمهوري اسلامي، العدد: 16، ص 1 ـ 18.

- الكلينيّ، محمّدبن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي أكبر غفاري، طهران، دارالكتب الإسلاميّة، 1365 ه‍ ش.

- كيويستو، بيتر، انديشه‏هاي بنيادي در جامعه‏شناسي، ترجمه إلى اللغة الفارسية: منوچهر صبوري، طهران، نشر ني، 1378 ه‍ ش.

- المفيد، محمد بن محمد بن نعمان، أمالي المفيد، قم، مؤتمر الشيخ المفيد، ط 2، 1413 ه‍.

- المكارم الشيرازي، ناصر ومساعدوه، تفسير نمونه (الأمثل في تفسير كتاب الله المنزل)، دارالكتب الإسلاميّة، 1374 ه‍ ش.

- نمازي شاهرودي، علي، مستدرك سفينة البحار، تحقيق وتصحيح: حسن بن علي نمازي، قم، جامعة المدرسين، 1419 ه‍.

- وزارة الطاقة الإيرانيّة، آمار و نمودارهای انرژي در ايران و جهان، دفتر برنامه ريزي كلان برق و انرژي وزارت نيروي جمهوري اسلامي ايران، سنة 1390 ه‍ ش / 2006 م.

(441)

- يزداني، السيّد محمّد علي، حرص، بخل و حسد از ديدگاه فقه أهل بيت عليهم‌السلام ، أطروحة علمية على مستوى الدكتوراه، قم، مجتمع آموزشي عالي فقه -  مدرسه عالي فقه وأصول، جامعة المصطفى العالميّة، 1399 ه‍ ش.

- Davis, Nanette J. & Clarice Starz, Social Control Of Deviance: A Critical Perspective, New York, Mc. Graw Hill. https://farsi.khamenei.ir/speech.

 

 

(442)

 

 

القضايا الفقهيّة الناظرة إلى العناصر المهدّدة للأمن الاقتصاديّ[1]

محمد إسماعيل نباتيان[2]

المقدّمة

تعدّ مسألة «الإخلال والإفساد في النظام الاقتصاديّ» من المسائل المهمّة في الاقتصاد الإسلاميّ، وهي مسألة خطيرة حظيت باهتمام الفقه. قال الفقهاء في بيان الغاية من الفقه: «فائدته [أي: الفقه] نيل السعادة الأخرويّة، وتعليم العامّة نظام المعاش في المنافع الدنيويّة».[3] وثمّة من الفقهاء من رأى أن تنصيب الحاكم والقاضي ضروريًّا ولازمًا من حيث إنّ رفع النزاعات يتوقّف على تنصيبهما، ولا يستقيم نظام النوع الإنسانيّ إلّا بهما.[4] وهناك من بين الفقهاء من يرى أنّ إلهام مصالح الدين والدنيا من قبل الله سبحانه وتعالى من أجل استقرار نظام النوع الإنسانيّ في البدء والمنتهى (الدنيا والآخرة).[5] وقد ذهب جمع من الفقهاء إلى التعريف بدفع الظالم وإرجاع الحقّ إلى المظلوم واستيفاء حقوق الآخرين من أدلّة وأسباب قيام نظام النوع

(443)

الإنسانيّ.[1] وكذلك فإنّ الفقهاء يذكرون عادة اختلال النظام إلى جانب الهرج والمرج، وحفظ النظام إلى جانب الإخلال في النظام.[2]

إنّ المراد من النظام ـ بالنظر إلى العبارة أعلاه ـ أوّلًا عبارة عن بنية عامّة، حيث يصل الناس إلى السعادة من خلال المحافظة عليها وتطبيق حركاتهم ونشاطاتهم في ضوئها. إن كلّ شيء في هذه البنية يقع في موضعه الخاصّ به؛ وعلى هذا الأساس يكون المراد من النظام هو كلّ نظام إنسانيّ، وليس مجرّد النظام الإسلاميّ، وهذا النظام بتبع المضاف إليه في كلّ حقل مفهوميّ يكتسب معنى خاصًّا؛ من قبيل النظام الاقتصاديّ على سبيل المثال. ومن هنا فإنّ بعض الفقهاء لا يقيّدون حفظ النظام أو الإخلال في النظام بالنظام الإسلاميّ، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ فقيهًا بارزًا مثل الميرزا جواد التبريزيّ في جوابه عن استفتاء في خصوص التصرّف في أموال الحكومة في البلدان غير الإسلاميّة، من قبيل: فواتير الكهرباء والوقود، والتهرّب من دفعها وتسديدها للدولة، قال: «في مثل هذه الموارد، يجب دفع العوض؛ ولا تجوز مخالفة القوانين حتّى في البلدان غير الإسلاميّة؛ إلّا للضرورة».[3] «إنّ التصرّف على خلاف النظام، حتّى وإن كان في أموال الدولة غير الإسلاميّة، ليس جائزًا».[4]

إنّ دعامة الفقيه وسنده في الإفتاء بالوجوب عبارة عن حفظ النظام أو حرمة الإخلال بالنظام، بالإضافة إلى الأدلّة النقليّة، هو حكم العقل القائم على مراعاة المصالح العامّة.[5] وفي تتمّة البحث سوف نتناول دراسة وبيان بعض الموارد من قبيل: الاحتكار، والربا، مما يُعدّ من مصاديق الإخلال والفساد في النظام الاقتصاديّ، وبالإضافة إلى الأدلّة النقليّة الدالّة على حرمتها، فإنّ الحكم النقليّ -  العقليّ بشأن الإخلال في النظام يدلّ بدوره على حرمتها، ويصرّح بضرورة المنع والحيلولة دون جريانها أو استمرارها في المجتمع.

(444)

ومن بين العناصر المؤثّرة في تهديد الأمن الاقتصاديّ هي الحكومة الظالمة، وبسبب تفصيل البحث في هذا الشأن في فصول أخرى، سوف نكتفي هنا ـ بمقتضى ارتباط الدولة الجائرة بالأمن الاقتصاديّ ـ بالإشارة إلى دورها المزعزع والمهدّد للاقتصاد. إنّ من بين خصائص الحاكم الجائر وصفاته تقديم نفسه وماله على الآخرين، حتّى وإن كان ذلك على حساب آلاف الضحايا والتصرّف العدوانيّ في ممتلكات الآلاف من الناس[1]؛ ولهذا السبب تتعرّض أرواح وأموال وحتّى أعراض الناس في ظلّ الحكومات الجائرة والسلاطين الظلمة للخطر والمصادرة والنهب. وعلى حدّ تعبير العلّامة النائينيّ:

«يتعامل السلطان مع مملكته كما يتعامل المالكون بأموالهم الشخصيّة؛ فيعتبر البلد وما فيها ملكًا شخصيًّا له، ويجعل الشعب عبيدًا له، فهم كالأغنام والعبيد والإماء لم يُخلقوا إلّا له... فهو ينتزع الأموال من أصحابها متى شاء ويوزّعها على من يشاء ظلمًا وعدوانًا، ويأخذ الحقّ من أهله غصبًا... فإذا شاء احتفظ بالأموال، وإن شاء وهبها للمتملّقين والمتزلّفين... وربما تطاول على الناموس الأعظم وأظهر للملأ عدم التزامه بناموس من النواميس».[2] كانت إحدى التحدّيات المهمّة لملكيّة الناس على طول التاريخ، تكمن في تحكّم حكاّم الجور بهم ونقضهم لعهودهم.

وفيما يلي نشير إلى العوامل المهمّة التي تشكّل خطرًا وتهديدًا للأمن الاقتصاديّ، إذ يتمّ التعرّض لذلك في مختلف أبواب الفقه المتنوّعة.

الربا

يعتبر الربا من الأعمال القبيحة والمذمومة جدًّا من وجهة نظر التعاليم الإسلاميّة، وقد تمّ ذمّ وتحريم كلا نوعي الربا ـ وهما الربا القرضيّ والربا في المعاملة ـ في الفقه الإسلاميّ بشكل أكيد وشديد؛ بحيث إنّ الله سبحانه وتعالى قد عدّ أكل الربا في القرآن الكريم بمثابة إعلان الحرب على الله ورسوله؛ إذ يقول تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ * فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ).[3]

(445)

والربا من المحرّمات المسلّمة والثابتة في الفقه الإسلاميّ بالإجماع؛ إذ أجمع على تحريمه جميع الفقهاء من الشيعة وأهل السنّة؛ بل وقد ذهب بعض الفقهاء إلى اعتباره من ضروريّات الدين، إذ قال: «الفصل السابع في الربا المحرّم كتابًا[1] وسنّة[2] وإجماعًا من المؤمنين بل المسلمين، بل لا يبعد كونه من ضروريّات الدين، فيدخل مستحلّه في سلك الكافرين».[3]

وقد ذهب الشيخ محمّد جواد مغنية ـ من الفقهاء المعاصرين ـ في تأييد رأي صاحب الجواهر، إلى اعتبار حرمة الربا من ضروريّات الدين، ومن هنا فقد حكم بكفر من ينكر هذا الحكم.[4]

وقد ذهب صاحب الجواهر إلى الحكم بتعزير المرابي أيضًا، ونقل عن أبي بصير رواية جاء فيها: «قلت: آكل الربا بعد البيّنة؟ قال عليه‌السلام : يؤدَّب، فإن عاد أدِّب، فإن عاد قتل».[5]

وقد أشار السيّد الشهيد الصدر برؤية عميقة مع ذكر الروايات، إلى التداعيات الأخرويّة المترتّبة على أكل الربا أيضًا، وقال: «جاء في الحديث النبويّ: (إن شرّ المكاسب الربا)[6]، و(من أكله ملأ الله بطنه من نار جهنم بقدر ما أكل، وإن اكتسب مالًا لم يقبل الله شيئًا من عمله، ولم يزل في لعنة الله والملائكة ما كان عنده قيراط)».[7]

ومن بين المسائل المهمّة في خصوص الربا، هي فلسفة تحريمه. إنّ التأمّل في تحريم الربا وشدّة الآثار والتداعيات المترتّبة عليه، حتّى تمّ اعتباره أقبح من السرقة، أو ما ورد في الحديث من أنّ الربا عند الله أشدّ قبحًا حتّى من عشرين زنية[8]، يثبت أنّ التحريم الأكيد والمغلَّظ للربا يأتي من كونه يُعدّ في الحقيقة والواقع ظلمًا بحقّ المجتمع. إنّ الربا يحرف النظام الاقتصاديّ في

(446)

الإسلام عن مساره وغاياته المحدّدة. وبعبارة أخرى: إنّ الربا يُعدّ عقبة كأداء في مسار السيادة المعنويّة والإيثار والتعاون في المجتمع، فلو كان الربا حلالًا، وكان بمقدور كلّ شخص أن يحصل على ربح مضمون من خلال الإقراض، لن يبقى هناك في المجتمع من يجازف في رؤوس أمواله في مشاريع تجاريّة واقتصاديّة تنطوي على خطر المجازفة بها واحتمال خسارتها؛ وبالتالي فإنّ الكثير من الناس سوف يخرج من دائرة النشاط الإنتاجيّ والتجاريّ القائم على اكتساب الربح المعيّن والثابت، ولا يبقى هناك سوى القليل من السماسرة والوسطاء الذين يضطرّون إلى الاستفادة من هذا الربا والتوجّه به نحو ممارسة النشاطات التي تنطوي على المزيد من الربح، دون الدخول في النشاطات الضروريّة التي تعود بالنفع على المجتمع.[1] ومن هنا فإنّ إباحة الربا سوف تؤدّي إلى خروج الكثير من الأشخاص من دائرة النشاط الاقتصاديّ، ولن يتمّ العمل على إنتاج البضائع التي تمسّ حاجة الناس إليها. ولا يخفى أنّ هذا الأمر يشكّل تهديدًا خطيرًا وجوهريًّا على الأمن الاقتصاديّ؛ إذ من شأن ذلك بسبب عدم الإنتاج أن يفاقم من التبعيّة للأجانب وتقبّل هيمنتهم، الأمر الذي ينطوي من تلقائه على انعدام الأمن الاجتماعيّ والسياسيّ والوطنيّ أيضًا، ويرفع كذلك من نسبة البطالة، الأمر الذي يعدّ هو الآخر تهديدًا للأمن الاقتصاديّ والاجتماعيّ أيضًا، كما ويؤدّي أيضًا إلى ازدياد النشاطات الزائفة من قبل: السمسرة ولعبة الكمبيالات التي تعدّ من الأسباب التي تشكّل خطرًا على الاقتصاد السليم.

وقد ورد الكلام في الآثار الروائيّة والفقهيّة عن التبعات والنتائج السلبيّة للربا كثيرًا، والتي تعدّ في الواقع عللًا لتحريم الربا. وفيما يلي نشير إلى بعضها[2]:

1. إنّ انتشار الربا والتأسيس له في المجتمع يؤدّي إلى القضاء على روح التعاون والإحسان؛ فقد ورد في المأثور عن الإمام الرضاعليه‌السلام أنّه قال: «علّة تحريم الربا بالنسيّة، لعلّة ذهاب المعروف وتلف الأموال ورغبة الناس في الربح، وتركهم القرض، والقرض صنائع المعروف، ولما في ذلك من الفساد والظلم وفناء الأموال».[3]

(447)

من خلال التدقيق في هذه الرواية القيّمة عن الإمام الرضاعليه‌السلام ندرك أنّها قد اشتملت على عدد من العلل والأسباب لتحريم الربا، ويمكن بيان هذه العلل على النحو الآتي:

أ) إنّ الربا يؤدّي إلى ترك أفعال البرّ والمعروف؛ وذلك لأنّ الربا يُعدّ سببًا في جنوح المجتمع إلى الربح، وإضعاف روح الإيثار، وبالتالي زوال الدوافع إلى الإقراض والتصدّق والوقف؛ في حين أنّ الأمر بالمعروف من الواجبات في المجتمع الإسلاميّ.

ب) إنّ الربا يستوجب إتلاف الأموال. وفي الحقيقة فإنّ المال الذي لا يتمّ استعماله في إطار رفع حاجة الناس، يكون بحكم المال التالف.

ج) إنّ الربا يؤدّي إلى الظلم والفساد في المجتمع. وفي الحقيقة فإنّ الربح في الاقتصاد من أسباب تشديد الفقر، ويمهّد الأرضيّة إلى عدم المساواة في المجتمع.

2. إنّ أكل الربا يفاقم من حالة الجشع والطمع لدى الإنسان؛ في حين أنّ التعاليم الدينيّة تنصح الإنسان بالعمل على خلاف ذلك. فإنّ فلاح الإنسان وسعادته ـ في ضوء التعاليم الإسلاميّة ـ تكمن في مواجهة البخل والحرص والطمع الذي يعدّ ثمرة للربا وبسطه في المجتمع. قال تعالى في محكم كتابه الكريم:

ـ (فَخَرَجَ عَلَى قَوْمِهِ فِي زِينَتِهِ قَالَ الَّذِينَ يُرِيدُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا يَا لَيْتَ لَنَا مِثْلَ مَا أُوتِيَ قَارُونُ إِنَّهُ لَذُو حَظٍّ عَظِيمٍ).[1]

ـ (فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ وَاسْمَعُوا وَأَطِيعُوا وَأَنْفِقُوا خَيْرًا لِأَنْفُسِكُمْ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ).[2]

ـ (إِنْ تُقْرِضُوا اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا يُضَاعِفْهُ لَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ وَاللَّهُ شَكُورٌ حَلِيمٌ).[3]

3. إنّ أكل الربا سبب في استشراء الأحقاد والضغائن والعداوات. وفي الحقيقة فإنّ الذي يدفع الربا يحمل في قلبه على الدوام ضغينة وحقدًا دفينًا على المرابي؛ وذلك لأنّ الذي يدفع الربا يعيش في الغالب حالة من الفقر المدقع.

(448)

4. إنّ أكل الربا يؤدّي إلى ترك التجارة وانخفاض الإنتاج، فقد سُئل الإمام الصادق عليه‌السلام عن علّة تحريم الربا، فقال: «إنّه لو كان الربا حلالًا؛ لترك الناس التجارات وما يحتاجون إليه، فحرّم الله الربا لتنفّر الناس من الحرام إلى الحلال وإلى التجارات من البيع والشراء، فيبقى ذلك بينهم في القرض».[1]

وثمّة الكثير من الآيات الواردة في بيان بشاعة الربا وحرمته، ومن بينها قوله تعالى في القرآن الكريم: (يَمْحَقُ اللَّهُ الرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللَّهُ لَا يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ).[2]

قال العلّامة الطباطبائي في بيان الربا وتفسير الآية أعلاه ودور هذا العامل الخطير الذي يهدّد الأمن في التسبب بانعدام الأمن على المستوى الاقتصاديّ والسياسيّ والاجتماعيّ، ومقارنة هذه الظاهرة بحالة الإنفاق:

«إنّ الآثار السيّئة المترتّبة على الربا تقابل الآثار الحسنة المترتّبة على الصدقة وتحاذيها على الكلّيّة من غير تخلّف واستثناء، فكلّ مفسدة منه يحاذيها خلافها من المصلحة منها لنشر الرحمة والمحبّة، وإقامة أصلاب المساكين والمحتاجين، ونماء المال، وانتظام الأمر واستقرار النظام والأمن في الصدقة وخلاف ذلك في الربا».[3]

إنّ الله سبحانه وتعالى في هذه الآيات قد شدّد في أمر الربا بما لم يتشدّد به في أيّ مورد آخر من فروع الدين أبدًا، إلّا ما كان منه في مورد واحد فقط؛ إذ تشدّد فيه كما تشدّد في أمر الربا، وهو مورد ما إذا قام المسلمون بتحكيم أعداء الدين على أنفسهم.

إنّ الآيات والروايات وآراء الفقهاء الآنف ذكرها، تثبت أنّ الربا من الأسباب المؤثّرة في الإخلال بالنظام الاقتصاديّ والعلاقات الاقتصاديّة السليمة في المجتمع الإسلاميّ، وله دور كبير في انتشار ظاهرة الفقر ومفاقمتها وبؤس الفقراء والمساكين وانهيار العلاقات والمعاملات

(449)

المالية والاقتصاديّة السليمة في المجتمع. وبعبارة أخرى: إنّ الربا يُعدّ من الآفات الخطيرة التي تهدد الأمن الاقتصاديّ في النظام الإسلاميّ، وقد بذلت الشريعة الإسلاميّة جهودًا حثيثة من خلال تشريع الأحكام الرادعة وبيان النصائح والتوصيات الأخلاقيّة المؤكّدة؛ لتطهير المجتمع وحفظ السلامة الاقتصاديّة من دنس هذه الآفة الخطيرة، وقد أصرّت على هذا الحكم، بحيث تمّ اعتبار حرمة الربا من ضروريّات الدين، وأنّه يترتّب على ذلك القول بكفر من ينكر هذا الحكم.

الفقر

طبقًا لتعريف الأمن الاقتصاديّ، يُعدّ الفقر من أسباب انعدام الأمن من هذه الناحية، وقد ورد التعريف بهذه النظرة إلى الفقر في المصادر الدينيّة بشكل صريح. فقد ورد في الروايات أنّ الفقر من الآفات الخطيرة التي تهدّد الأمن الاقتصاديّ والاجتماعيّ والمعنويّ أيضًا. وقد عدّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم الفقر قرينًا للكفر؛ حيث قال: «كاد الفقر أن يكون كفرًا».[1] وقد شجب الإمام عليّ عليه‌السلام ظاهرة الكفر في الكثير من مواضع نهج البلاغة، ومن بينها قوله لابنه محمّد بن الحنفية: «يا بنيّ، إنّي أخاف عليك الفقر؛ فاستعذ بالله منه، فإنّ الفقر منقصة للدين، مدهشة للعقل، داعية للمقت».[2] كما أشار ـ في جملة وصاياه البديعة لابنه الإمام الحسن عليه‌السلام ـ إلى النتائج والآثار الفرديّة والاجتماعيّة للفقر، قائلًا:

«يا بنيّ، الفقير حقير؛ لا يسمع كلامه، ولا يعرف مقامه، لو كان الفقير صادقًا يسمّونه كاذبًا، ولو كان زاهدًا يسمّونه جاهلًا، يا بنيّ، من ابتلي بالفقر ابتلي بأربع خصال: بالضعف في يقينه، والنقصان في عقله، والرقّة في دينه، وقلّة الحياء في وجهه».[3]

وقد ورد ذكر مورد الفقراء والمساكين في الفقه الإسلاميّ بوصفه المورد الأوّل من موارد مصارف الزكاة: «الفقراء والمساكين، وهم الذين تقصر أموالهم في مؤونة سنتهم».[4] وجاء في كتاب الخمس: «يقسم الخمس ستّة أسهم:... وثلاثة للأيتام والمساكين وأبناء السبيل ممن انتسب

(450)

بالأب إلى عبد المطلب».[1]

وقد تحدّث القرآن الكريم عن ضرورة دفع الحقّ إلى الفقراء والمساكين، وقال في معرض بيان شجب الإسراف والتبذير: (وَآتِ ذَا الْقُرْبَى حَقَّهُ وَالْمِسْكِينَ وَابْنَ السَّبِيلِ وَلَا تُبَذِّرْ تَبْذِيرًا * إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ وَكَانَ الشَّيْطَانُ لِرَبِّهِ كَفُورًا).[2]

وفي الحقيقة فإنّه في الرؤية الفقهيّة يُعد الفقراء والمساكين ـ الذين لا يمتلكون ما يكفيهم لسنة كاملة من ضروريّات الحياة وسبل الشعور بالطمأنينة والسكينة ـ عرضة لعدم الأمن الاقتصاديّ، ويجب العمل من خلال مقدّمات من قبيل: الخمس والزكاة والصدقات والأنفال، وعبر التكافل العامّ أو مساعدات الدولة الإسلاميّة من طريق إقامة التوازن الاجتماعيّ في المجتمع، وكذلك توفير فرص العمل وضمان مصادر النشاط الاقتصاديّ، من أجل توجيه دفّة هذه الظاهرة الاجتماعيّة ـ التي تشكّل خطرًا وتهديدًا للأمن والسلم الاجتماعيّ ـ نحو الصيانة والأمن الاقتصاديّ. وعلى هذا الأساس يكون الفقر من الآفات والمخاطر الأمنيّة في كلّ مجتمع، وأنّه بالإضافة إلى حقل الاقتصاد يمكن أن يكون بالغ الضرر على الأمن الاجتماعيّ والثقافيّ وحتّى السياسيّ أيضًا.

الاحتكار

يُعدّ الاحتكار في الروايات وفي الكتب الفقهيّة من العناصر المضرّة في النظام الاقتصاديّ؛ وقد يصل في حالة احتياج الناس إلى بضاعة ما وشحّها في الأسواق إلى النهي والتحريم. وقد ورد في رواية عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «الجالب مرزوق، والمحتكر ملعون».[3] كما أوصى الإمام عليّ عليه‌السلام في شجب المحتكرين وقال بضرورة مواجهتهم من خلال وضع موازين العدل في المعاملات وفرض التسعيرات العادلة وغير المجحفة.[4]

(451)

يعدّ الاحتكار في الفقه، من المسائل التي يتمّ بحثها ضمن الأبواب المرتبطة بالمعاملات. قال الشيخ الأنصاري بشأن مفهوم وحكم الاحتكار والمحتكر: «مسألة احتكار الطعام، وهو كما في الصحاح وعن المصباح: جمع الطعام وحبسه يتربّص به الغلاء، لا خلاف في مرجوحيّته، وقد اختُلف في حرمته؛ فعن المبسوط والمقنعة والحلبيّ في كتاب المكاسب والشرائع والمختلف الكراهة، وعن كتاب الصدوق والاستبصار والسرائر والقاضي والتذكرة والتحرير والإيضاح والدروس وجامع المقاصد والروضة التحريم، وعن التنقيح والميسية[1] تقويته، وهو الأقوى بشرط عدم باذل الكفاية».[2]

إنّ المراد من المتاع مورد الاحتكار ـ استنادًا إلى عبارة الإمام علي عليه‌السلام في عهده إلى مالك الأشتر النخعي: «فامنع من الاحتكار؛ فإنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم منع منه»[3] ـ هو الأعمّ من الطعام وغيره ممّا يحتاج إليه الناس. وبطبيعة الحال، فإنّ الحكم بالحرمة أو الكراهة إنّما يتعلّق بالاحتكار فيما لو أصبحت تلك البضاعة شحيحة في السوق أو معدومة، وتمسّ حاجة الناس إليها.[4] وتوجد في هذا الشأن رواية يسأل فيها الحلبيّ الإمام الصادق عليه‌السلام عن الاحتكار؛ فأجابه الإمام عليه‌السلام بقوله: «إنّما الحكرة أن تشتري طعامًا وليس في المصر غيره فتحتكره، فإن كان في المصر طعام أو متاع غيره فلا بأس أن تلتمس بسلعتك الفضل [بأن تنتظر غلاء سعره ولا تبيعه]».[5]

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى القول بحرمة الاحتكار عند حاجة الناس؛ حيث قال: «فمع الحاجة لا يجوز الاحتكار ولو في أقلّ من ثلاثة أيّام ومع عدم الحاجة لا مانع من الاحتكار ولو أزيد من أربعين يومًا».[6]

وقال صاحب الجواهر في بيان حكم الاحتكار: «الاحتكار مكروه وقيل حرام، والأوّل

(452)

أشبه بأصول المذهب وقواعده التي منها الأصول وقاعدة تسلّط الناس على أموالهم».[1]

وقد روى الإمام الصادق عليه‌السلام عن أبيه عليه‌السلام أنّه قال: «ليس الحكرة إلّا في الحنطة والشعير والتمر والزبيب والسمن والزيت».[2] وقال شارح ومترجم كتاب من لا يحضره الفقيه في شرح الرواية أعلاه:

«إنّ المراد هو الأرزاق العامّة، ما دام يُعدّ ذلك من الاحتكار، حيث لا يكون هناك بائع آخر، أو كان هناك بائع آخر لكن بضاعته لا تفي بحاجة السوق، وهناك من الفقهاء من أضاف الملح إلى الموارد أعلاه، وهناك من الفقهاء من قيّد الاحتكار بشراء تلك الموارد بانتظار ارتفاع أسعارها، لا أن تكون من زراعته لحقله وثمار أشجاره».[3]

إنّ نظرة إلى آراء الفقهاء بشأن الاحتكار، تثبت أنّ الاحتكار أمر مضرّ ومخلّ في النظام الاقتصاديّ للمجتمع، حيث يترك تأثيرًا سلبيًّا في المسار السليم لتوزيع البضائع التي تمسّ إليها حاجة الناس، ويؤدّي إلى وقوع الناس في العسر والحرج والمشقّة في توفير معاشهم؛ ومن هنا، فإنّ الفقهاء حكموا بكراهته أو حرمته، وقالوا إنّ من مسؤوليّة الدولة أن تتعامل مع المحتكرين وتجبرهم على بيع البضائع التي يحتكرونها.[4] فقد رُوي في الأثر أنه مرّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمحتكرين؛ «فأمر بحكرتهم أن تخرج إلى بطون الأسواق وحيث ينظر الناس إليها».[5]

التطفيف

إنّ التطفيف من العناصر والأسباب التي تمثّل خطرًا وتهديدًا للأمن الاقتصاديّ، ويعدّ فسادًا وإفسادًا في النظام الاقتصاديّ؛ لا سيّما إذا أدّى بالتدريج إلى انعدام الثقة بين الناس؛ في حين أنّ الأصل الحاكم على السوق هو الثقة واعتماد الناس على بعضهم. وقد ورد النهي عن التطفيف في مواطن متعدّدة من القرآن الكريم؛ بحيث تمّ تخصيص سورة كاملة من القرآن في شجب هذه

(453)

الظاهرة وذمّها؛ إذ يقول تعالى: (وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ * الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ * وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ).[1]

كما أشار الله سبحانه وتعالى في آيات أخرى إلى التطفيف، وقال: (وَإِلَى مَدْيَنَ أَخَاهُمْ شُعَيْبًا قَالَ يَا قَوْمِ اعْبُدُوا اللَّهَ مَا لَكُمْ مِنْ إِلَهٍ غَيْرُهُ قَدْ جَاءَتْكُمْ بَيِّنَةٌ مِنْ رَبِّكُمْ فَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تُفْسِدُوا فِي الْأَرْضِ بَعْدَ إِصْلَاحِهَا ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ)[2]، وقال الله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)[3]، وقال الله سبحانه وتعالى في موضع آخر: (أَوْفُوا الْكَيْلَ وَلَا تَكُونُوا مِنَ الْمُخْسِرِينَ * وَزِنُوا بِالْقِسْطَاسِ الْمُسْتَقِيمِ).[4]

كما ورد ذمّ التطفيف على نحو مشدّد في الروايات أيضًا؛ فقد ورد في الأثر عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنّه قال بعد تلاوة آيات سورة المطفّفين: «ولم يجعل الويل لأحد، حتّى يُسمّيه كافرًا؛ قال الله عزّ وجل: (فَوَيْلٌ لِلَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ مَشْهَدِ يَوْمٍ عَظِيمٍ)[5]»[6]. كما توعّد الله المطفّفين بالقحط والجفاف والمجاعة وتسلّط الظالمين عليهم.[7]

قال الفقيه والمفسّر الكبير آية الله العلّامة الطباطبائي في تفسير قوله تعالى: (وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ)[8] النازلة بشأن التطفيف: «والجملة أعني قوله: (وَلَا تَعْثَوْا فِي الْأَرْضِ مُفْسِدِينَ) نهي مستأنف عن الفساد في الأرض؛ من قتل أو جرح أو أيّ ظلم ماليّ أو أو عرضيّ، لكن لا يبعد أن يُستفاد من السياق كون الجملة عطفًا تفسيريًّا للنهي السابق؛

(454)

فيكون نهيًا تأكيديًّا عن التطفيف ونقص المكيال والميزان؛ لأنّه من [مصاديق] الفساد في الأرض».[1]

وعلى هذا الأساس يُعدّ التطفيف من مصاديق الإفساد في الأمن الاقتصاديّ، وبالنظر إلى الحرمة القطعيّة للتطفيف يجب على الدولة الإسلاميّة أن تمنع من ذلك وأن تعاقب المطفّفين؛ ومن هنا كان أمير المؤمنين عليّ عليه‌السلام يجوب الأسواق وبيده السوط، وهو يتلو قوله تعالى: (وَأَوْفُوا الْكَيْلَ وَالْمِيزَانَ بِالْقِسْطِ)[2]. [3]

الإسراف والتبذير

يُعدّ الإسراف والتبذير من المحرّمات التي نصّ عليها القرآن الكريم صراحة، ونهى عنها بشدّة. وعلى الرغم من التقارب بين هذين المفهومين في المعنى، ولكن يوجد هناك اختلاف في تعريفهما؛ فقد قيل في تعريف الإسراف: «أسرف في ماله، أي: أنفق من غير اعتدال، ووضع المال في غير موضعه».[4] وأمّا في تعريف التبذير، فقد قال الشافعيّ: «التبذير إنفاق المال في غير حقّه، ولا تبذير في عمل الخير».[5] وعلى هذا الأساس، فإنّ الإسراف يعني الاستهلاك فوق الحدّ[6]؛ وأمّا التبذير فهو إفساد المال وإنفاقه في المعصية.[7] ولكلٍّ من مقولتي الإسراف والتبذير تداعيات وتبعات متشابهة على الأمن الاقتصاديّ في المجتمع. جاء في الروايات أنّ الإسراف مكروه: «يُستحبّ الاقتصاد في الأكل، ويُكره الإسراف والإفراط فيه والامتلاء من الطعام. قال الله تعالى: (كُلُوا وَاشْرَبُوا وَلَا

(455)

تُسْرِفُوا إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ).[1] وفي الحديث عن الإمام الصادق عليه‌السلام ، قال: أقرب ما يكون العبد من الله إذا خفّ بطنه، وأبغض ما يكون العبد من الله إذا امتلأ بطنه».[2]

والإسراف من جملة الأمور المذمومة التي ورد شجبها في القرآن الكريم، وقد ذمّه الله واستقبحه في القرآن بعبارات شديدة؛ إذ قال الله تعالى: (إِنَّ الْمُبَذِّرِينَ كَانُوا إِخْوَانَ الشَّيَاطِينِ).[3] ومن بين هذه الآيات، قوله تعالى: (وَلَوْ بَسَطَ اللَّهُ الرِّزْقَ لِعِبَادِهِ لَبَغَوْا فِي الْأَرْضِ وَلَكِنْ يُنَزِّلُ بِقَدَرٍ مَا يَشَاءُ إِنَّهُ بِعِبَادِهِ خَبِيرٌ بَصِيرٌ).[4] وقال تعالى: (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).[5] وقال تعالى: (وَإِذَا أَنْعَمْنَا عَلَى الْإِنْسَانِ أَعْرَضَ وَنَأَى بِجَانِبِهِ وَإِذَا مَسَّهُ الشَّرُّ كَانَ يَئُوسًا).[6]

والنقطة الجديرة بالذكر هي أنّ الله سبحانه وتعالى قد وضع حدًا معيّنًا لاستفادة الأشخاص من النِعَم. وفي الحقيقة والواقع، فإنّ من بين آليّات وأدوات ضمان الأمن الاقتصاديّ في المجتمع، هي مكافحة الطغيان والترف الماليّ، وكذلك فإنّ من بين الآليّات الأخرى التي يقترحها القرآن الكريم والشريعة تبعًا له، هي رعاية الابتعاد عن الإسراف والتبذير. وفي الحقيقة فإنّ المسرفين من خلال إفراطهم في الاستهلاك، يعملون على الإضرار والإخلال في النظام الاقتصاديّ المعتدل في المجتمع، ويمهّدون الأرضيّة لانعدام الأمن الاقتصاديّ.

كفران النعمة

قال المولى محمّد صالح المازندراني في شرحه لأصول الكافي، في وصف كفران النعمة:

«كفر النعم ضدّ للشكر بهذا المعنى، وهو سبب لزوال النعمة وعدم الزيادة، وتحقّق العقوبة في الدنيا والآخرة؛ ولذلك قال الله عزّ وجلّ على سبيل التأكيد من وجوه شتّى، (وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ

(456)

إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ)[1]»[2].

وقد ذهب بعض الفقهاء إلى الاعتقاد بأنّ كفران النعم الإلهيّة يستوجب العذاب الشديد، وقال: «إنّ الكفران موجب للعذاب الشديد، والعذاب يوجب التخويف، والتخويف يوجب الانقياد والتسليم إليه جلّ شأنه».[3]

إنّ تعاليم الوحي والدين تؤكّد على أنّ الإنسان الموحّد والمؤمن يمكنه التنعّم بجميع أبعاد الأمن؛ وذلك لأنّ الإنسان الموحّد من خلال شكر النِعَم الإلهيّة، يوفّر الأرضيّة الروحيّة، وتبعًا لذلك الأرضيّة البدنيّة للأمن. وإنّ زيادة النعم الناشئة عن شكرها، هي التي يتمّ التعبير عنها بالأمن الاقتصاديّ.

وهناك الكثير من الآيات والروايات التي تشير إلى كفران النعمة وتداعياتها على حياة الإنسان، وقد تمّ بيان هذا الحكم الإلهيّ في العديد من الأمثلة، ويمكن الإشارة من بين هذه الآيات إلى قوله تعالى:

ـ (وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ وَلَئِنْ كَفَرْتُمْ إِنَّ عَذَابِي لَشَدِيدٌ).[4]

ـ (كَلَّا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَيَطْغَى * أَنْ رَآهُ اسْتَغْنَى).[5]

وجاء في بيان الكفر وتداعياته وضرورة القضاء عليه:

«كما أنّ النار المادّيّة تحرق الأجسام، كذلك الكفر هو نار تحرق المادّيّات والمعنويّات، فإنّ الكفر يسبّب تكالب الناس على الماّدة ويوجب إشعال الحروب والثورات ويؤدّي إلى القتل وسفك الدماء وما أشبه ذلك؛ فالواجب على الإنسان إخماد نيرانه، وإذا تمكّن من إزالة أصل الكفر في مكان، وجب. وإذا لم يتمكّن، وتمكن من إخماد نيرانه ـ ولو بقدر ـ وجب حسب القدرة».[6]

(457)

الهيمنة والسلطة الاقتصاديّة للكفار

ومن بين عناصر انعدام الأمن الاقتصاديّ والمخاطر التي تهدّد النظام الإسلاميّ هيمنةُ الكفار وسيطرتهم على الأمور الاقتصاديّة في النظام الإسلاميّ؛ وذلك لأنّ السيطرة والسبيل للكافرين يؤدّي إلى أن تكون لهم الولاية على المسلمين؛ في حين لا يمكن أن تكون هناك ولاية للكافرين على المسلمين أبدًا:

«منها: عدم ثبوت الولاية للكافر، حيث ترجع الولاية على مسلم والتحكّم عليه، فلا عبرة بإذنه في أحكام الأموات، لأنّه لا ولاية له ولا أولويّة له في الميراث. وعدم ثبوت حقّ له في ذمّة المسلم من جانب الله تعالى في زكاة أو خمس أو كفّارة أو نحوها».[1]

النقطة الأخرى هي أنّ المراد ـ في بحث سلطة الكفار ـ جميع أنواع السلطة وأقسامها، وليس مجرّد السلطة السياسيّة على المجتمع الإسلاميّ فقط. ومن هنا فقد ذهب المير عبد الفتاح إلى الاعتقاد قائلًا: «إنّ السبيل عامّ يعمّ جميع أنواع التسلطات التي ذكرناها في بيان الموارد».[2]

إنّ من بين المصاديق البارزة لسلطة الكفار على المسلمين، هي السيطرة على أموالهم واقتصادهم. وفي الأساس، فإنّ السيطرة والسلطة الاقتصاديّة تمثّل مقدّمة لسلطة الكفار وهيمنتهم على جميع أبعاد حياة المسلمين؛ وذلك لأنّه بسبب الدور الواضح للاقتصاد في جميع مجالات الحياة البشريّة، فإنّ سيطرة الكفار على العصب الاقتصاديّ في المجتمع الإسلاميّ، سوف يشكّل أرضيّة لبسط سيطرتهم على جميع المجالات الأخرى أيضًا؛ من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ سيطرة الإنجليز على النفط في إيران سنة 1909 م فصاعدًا، قد انتقلت شيئًا فشيئًا من البُعد الاقتصاديّ، لتشمل جميع حقول وأبعاد حياة الإيرانيّين، ابتداءً من السياسة ووصولًا إلى الثقافة؛ ومن هنا فإنّ ثورة تأميم النفط في إيران كانت ثورة سياسيّة أكثر منها ثورة اقتصاديّة. لقد حذّر الله سبحانه وتعالى في القرآن الكريم من سلطة الكفّار على المسلمين بشدّة، كما في قوله: (وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا).[3]

(458)

إنّ هذا الحكم والأمر الإلهيّ من الأهمّيّة في الفقه الإسلاميّ، بحيث إنّ الفقهاء قد أسّسوا في ضوئه قاعدة تحت عنوان «نفي السبيل»، وقد تمّ اتخاذ هذه القاعدة مبنى وملاكًا للكثير من الأحكام الإسلاميّة.

العناصر الأخرى

1. الظلم: الظلم من عناصر التهديد والخطر، وقد تمّ بحثه في فصل الأمن الاجتماعيّ[1]، ولذلك سوف نكتفي هنا بالإشارة إليه على نحو الإجمال.

إنّ قبح الظلم من الأحكام الفطريّة للبشر؛ والفطرة السليمة تستقبح الظلم وتدين الظالم. وثمّة الكثير من الآيات[2] والروايات[3] الدالّة على قبح الظلم، وقد تمّت الاستفادة منها في الفقه تبعًا لذلك من هذه الناحية.[4]

وفي الأساس فقد ورد في الروايات اعتبار الظلم معيارًا وملاكًا في سقوط الحكومات والدول؛ بمعنى أنّ الدولة إذا قامت على أساس الظلم فإنّها سوف تحكم على نفسها بالسقوط حتّى إذا كانت دينيّة، وفي المقابل لو كانت الدولة كافرة ولكنّها لم تقم في سياستها على أساس الظلم، فإنّها سوف تبقى ثابتة ولن تسقط؛ فقد ورد في الحديث المأثور عن رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنّه قال: «الحكم يبقى مع الكفر، ولا يبقى مع الظلم».[5] وهذه سنّة إلهيّة، فإن كلّ شخص يرتكب الظلم يكون قد حكم على نفسه بالسقوط. ومن بين الأبعاد المهمّة للظلم هو البُعد الاقتصاديّ وتضييع أموال العباد. وقد تمّت الإشارة في الأبواب الفقهيّة إلى مسألة الظلم في هذه المواضع.[6]

2. التمييز والمحاباة: إنّ من بين العناصر التي تهدد الأمن الاقتصاديّ، مسألة التمييز

(459)

والتحيّز. وهذه المسألة من الأهمّيّة بحيث عدّها بعض الفقهاء قاعدة فقهيّة. والمساواة تعني التكافؤ وعدم المحاباة بين الأفراد وتساويهم في الحقوق والأموال والأمور الأخرى. والنقطة الجديرة بالذكر أنّ المراد من عدم التمييز ـ بالنظر إلى سيرة أهل البيت عليهم‌السلام ـ هو عدم التمييز والتساوي أمام القانون، والتساوي أمام المحاكم القضائيّة[1]، وكذلك التساوي في الحصول على الحقوق والامتيازات الحكوميّة الماليّة وغير الماليّة.[2] إنّ وجود المحاباة والتمييز في المجتمع، سواء في الحقول الاقتصاديّة والثقافيّة وصولًا إلى الحقول القضائية والاجتماعيّة والسياسيّة، يؤدّي إلى انعدام الأمن النفسيّ والاجتماعيّ، وإلى انهيار العلاقات القائمة على أساس الثقة والاعتماد. وفي الحقيقة فإنّ البُعد الذهنيّ والثقافيّ للأمن الاجتماعيّ سوف ينحسر بمجرّد انتشار ظاهرة التمييز والمحسوبيّة والمحاباة في المجتمع، ونتيجة لذلك سوف ينهار أصل الأمن ـ الذي هو عبارة عن الشعور بالأمان ـ في المجتمع.

 

 

(460)

 

 

المصادر

- القرآن الكريم.

- ابن طي الفقعاني، عليّ بن عليّ بن محمّد، الدرّ المنضود في معرفة صيَغ النيّات والإيقاعات والعقود، قم، مكتبة إمام العصر (عج) العلميّة، 1418 ه‍.

- ابن منظور الأفريقيّ، جمال الدين محمّد بن مكرم، لسان العرب، بيروت، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع ودار صادر، ط 3، 1411 ه‍.

- الأنصاريّ، مرتضى، كتاب المكاسب المحرّمة، قم، المؤتمر العالميّ لإحياء ذكرى الشيخ الأعظم الأنصاريّ، 1415 ه‍.

- التبريزي، الميرزا جواد، استفتاءات جديد، قم.

- الحرّ العامليّ، محمّدبن الحسن، وسائل الشيعة، قم، مؤسّسة آل البيت عليهم‌السلام ، 1409 ه‍.

- الحسينيّ الحائريّ، السيّد كاظم، «الاحتكار»، مجلّة فقه أهل البيت عليهم‌السلام ، العدد: 68، شتاء عام: 1389 ه‍ ش.

- الحكيم، السيّدمحمّدسعيد الطباطبائي، منهاج الصالحين، بيروت، دار الصفوة، 1415 ه‍.

- الخوئيّ الموسويّ، السيّدأبوالقاسم، التنقيح في شرح المكاسب، قم، طبع تحت إشراف السيد لطفي، 1418 ه‍.

- السبزواري، محمّدباقربن محمّد مؤمن، كفاية الأحكام، قم، دفتر انتشارات إسلامي التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم، 1423 ه‍.

- سعدي، أبوجيب، القاموس الفقهيّ لغة واصطلاحًا، دار الفكر، ط 2، دمشق، 1408 ه‍.

- سعدي الشيرازي، مصلح‏الدين، ديوان گلستان (الروضة)، تقديم: السيّد محّمد دبير سياقي، طهران، انتشارات پيام محراب، ط 4، 1374 ه‍ ش.

- السيّد الشريف الرضيّ، حسين، نهج البلاغة، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمد دشتي، قم، نشر إمام علي عليه‌السلام ، ط 2، 1369 ه‍ ش.

(461)

- الشريف المرتضى، علي‏بن الحسين، رسائل الشريف المرتضى، قم، دار القرآن الكريم، 1405 ه‍.

- شميم، علي‏اصغر، إيران در دوره سلطنت قاجار، طهران، انتشارات زرياب، ط 6، 1390 ه‍ ش.

- الصدوق، محمّد بن عليّ بن بابويه، من لا يحضره الفقيه، قم، دفتر انتشارات اسلامي التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم، ط 3، 1413 ه‍.

- ـــــــــــــــــ، ترجمة من لا يحضره الفقيه، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: علي أكبر غفاري، ومحمّد جواد صدر بلاغي، طهران، نشر صدوق، 1409 ه‍.

- الطباطبائي، السيّدمحمّدحسين، الميزان في تفسير القرآن، دار الأعلميّ، بيروت، 1417 ه‍.

- ـــــــــــــــــ، الترجمة الفارسيّة لكتاب الميزان في تفسير القرآن، ترجمة: السيّدمحمّدباقر الموسوي الهمداني، قم، دفتر انتشارات اسلامي التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم.

- عبد الرحمن، محمود، معجم المصطلحات والألفاظ الفقهيّة.

- الحلّيّ، الحسن بن يوسف، تحرير الأحكام الشرعيّة على مذهب الإماميّة، قم، مؤسّسة الإمام الصادق عليه‌السلام ، 1420 ه‍.

- علي‏دوست، أبو القاسم، فقه و مصلحت، طهران، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، 1388 ه‍ ش.

- فخرالمحقّقين الحلّيّ، محمّد بن الحسن، إيضاح الفوائد في شرح مشكلات القواعد، قم، مؤسّسة إسماعيليان، 1387 ه‍ ش.

- فوران، جان، مقاومت شكننده، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: أحمد تديّن، القسم الثاني والثالث، طهران، مؤسّسة رسا، ط 2، 1378 ه‍ ش.

- قرشي، سيدعلي أكبر، قاموس قرآن، دار الكتب الإسلاميّة، ط 6، 1412 ه‍.

- الكلينيّ، محمّدبن يعقوب، الكافي، تحقيق: علي‏أكبر غفاري، طهران، دار الكتب الإسلاميّة، 1407 ه‍.

- المازندراني، المولى محمد صالح بن أحمد، شرح أصول الكافي، طهران، المكتبة الإسلاميّة، طهران، 1382 ه‍.

- المجلسيّ، محمّدباقر، بحار الأنوار، بیروت، مؤسّسة الطبع والنشر، 1410 ه‍.المحقّق الحلّيّ، جعفربن حسن، شرائع الإسلام في مسائل الحلال والحرام، قم، مؤسّسة إسماعيليان، ط 2، قم، 1408 ه‍.

(462)

- المراغي، الميرعبدالفتاح، العناوين الفقهيّة، قم، دفتر انتشارات اسلامي التابع لجامعة المدرّسين في الحوزة العلميّة بقم، 1417 ه‍.

- المنتظري، حسين علي، مباني فقهي حكومت اسلامي، ترجمه إلى اللغة الفارسيّة: محمود صلواتي، وأبو الفضل شكوري، قم، مؤسّسه كيهان، 1409 ه‍.

- ـــــــــــــــــ، نظام الحكم في الإسلام، قم، نشر سرائي، ط 2، 1417 ه‍.

- الموسوي الخميني، السيدروح‏الله، تحرير الوسيلة، قم، مؤسّسة مطبوعات دار العلم.

- ـــــــــــــــــ، البيع، طهران، مؤسّسة تنظيم و نشر آثار إمام خميني، 1421 ه‍.

- ميرمعزي، سيدحسين، نظام اقتصادي اسلام، طهران، پژوهشگاه فرهنگ و انديشه اسلامي، 1391 ه‍ ش.

- النائينيّ، الميرزا محمّد حسين، تنبيه الأمّة وتنزيه الملّة، تحقيق: سيد جواد ورعي، قم، بوستان كتاب، 1424 ه‍.

- النجفيّ، محمّدحسن، جواهر الكلام في شرح شرائع الإسلام، بيروت، دار إحياء التراث العربيّ، ط 7، 1404 ه‍.

- وجداني‏فخر، قدرت الله، الجواهر الفخريّة في شرح الروضة البهيّة، قم، انتشارات سماء قلم، ط 2، 1426 ه‍.

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

 

(463)
(464)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف