فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)

مقدمة المرکز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(7)
(8)

 

المقدمة[1]

يهدف البحث إلى ذكر نماذج من مفردات الحياة الطيّبة في ظلّ دولة الإمام المهدي عليه‌السلام، على مختلف الصعد الثقافية والسياسية والاقتصادية وغيرها، من خلال استعراض النصوص الروائية الواردة في هذا الصدد، والمروية عن أهل بيت العصمة عليهم‌السلام، والواردة في بعض النصوص العامية كذلك.

وقد تناول ذلك في تمهيد في بيان الحياة الطيّبة في التراث الديني. ومبحثين، تناول المبحث الأوّل المبادئ العامة لحكومة الإمام المهدي عليه‌السلام. من خلال استعراض الأحاديث المبينة لتلك الأسس والمبادئ، التي تمثّل منطلقات الدولة المهدوية وبناها العلمية والعملية التحتية، مثل العمل بكتاب اللّه تعالى وسُنّة المعصومين عليهم‌السلام، القضاء والتطبيق العادل لأحكام الإسلام. وعالمية الحكومة، والبحث الثاني: سلّط الضوء على مفردات الحياة الطيّبة في ظل الدولة المهدوية.

ويخلص البحث إلى أنّ ما سيأتي به الإمام المهدي عليه‌السلام سيمثّل حلم الأنبياء والمرسلين عليهم‌السلام بالتطبيق الكامل الشامل للدين الإلهي، وبطريقةٍ غير

(9)

مسبوقة النظير، حتى أنّ الناظر في النصوص الواردة فيها يُخيل إليه أنّه يعيش في جنةٍ لكن على الأرض.

مصطلحات البحث

1. الحياة

تُطلق الحياة ويُراد منها معانٍ عديدة[1]، من قبيل النمو في حياة النبات، والإحساس في الحيوان، والإدراك في الإنسان، وتختلف مراتبها باختلاف الموجود الذي يتصف بها، فهي ذات مراتب طوليّة مشككة، وتتكامل بتكامل الموجود الذي يتّصف بها، فالحياة في الحيوان أكمل منها في النبات، وفي الإنسان أكمل منها في الحيوان، وفي الخالق أكمل منها من المخلوق، على أنّ علم الكلام أثبت أنّ الحياة في الخالق عزوجل حياةٌ مطلقةٌ لا متناهية، وبالذات لا بالغير، والتفاصيل في ذلك العلم.

وتطلق الحياة بإطلاقاتٍ مجازيةٍ أخرى، من قبيل: الراحة، فإنّ من يعيش مرتاحًا يُقال عنه حيٌّ مجازًا، وقد يكون الإنسان متصفًا بالحياة الحيوانية (النمو الإحساس)، بل والإنسانية (الإدراك)، إلّا أنّه لعدم راحته يكون هو والميت سواء، وفي هذا المعنى قيل:

           ليس من مات فاستراح بميت                   إنّما الميت ميّتُ الأحياءِ

وتطلق أيضًا على الحضارات التي تقوم على وفق نظريات يُعمل بها في الواقع، بمعنى أنّ أيّ حضارةٍ لا بدّ أنْ يكون عندها نظريات معينة، فإذا ما طُبّقت تلك النظريات على أرض الواقع، والتزم بها أتباع تلك الحضارة، وأخذت بالنمو والتوسّع وتسويق نفسها من خلال أتباعها ومن خلال نظرياتها ذات الأثر الإيجابي على أرض الواقع، كانت تلك الحضارة حيّة، وإلّا، فهي حضارةٌ ميّتة، ذات بضاعةٍ كاسدة.

والمقصود من الحياة في هذا البحث هو هذا المعنى الأخير، فهي حياة حضارة تطرح نظريات، يُعمل بها على أرض الواقع، وتأخذ بالنمو والتوسع

(10)

حتى لا تبقى أرضٌ إلّا وينادى فيها بلا إله إلّا اللّه، وسيدخل العدل بيوت الأرض بلا استثناء.

وفي ذلك روي عَنِ الْفُضَيْلِ بْنِ يَسَارٍ، قَالَ: سَمِعْتُ أَبَا عَبْدِ اللّه عليه‌السلام يَقُولُ - في سياق حديثه عن قيام الإمام المهدي عليه‌السلام -: «أَمَا وَاللّه لَيَدْخُلَنَّ عَلَيْهِمْ عَدْلُهُ جَوْفَ بُيُوتِهِمْ كَمَا يَدْخُلُ الْحَرُّ وَالْقُرُّ[1]» [2].

وفي رواية أبي جعفر عليه‌السلام: «ولا تبقى أرضٌ إلّا نُودي فيها بشهادة أنْ لا إله إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنّ محمدًا رسول اللّه، وهو قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ[3]﴾(آل عمران: 83).

2. الطيّبة

قال الراغب الأصفهاني: «أصل الطَّيِّبِ: ما تستلذّه الحواسّ، وما تستلذّه النّفس، والطَّعامُ الطَّيِّبُ في الشّرع: ما كان متناولًا من حيث ما يجوز، ومن المكان الَّذي يجوز فإنّه متى كان كذلك كان طَيِّبًا عاجلًا وآجلًا لا يستوخم، وإلَّا فإنّه - وإنْ كان طَيِّبًا عاجلًا - لم يَطِبْ آجلًا... والطَّيِّبُ من الإنسان: من تعرّى من نجاسة الجهل والفسق وقبائح الأعمال، وتحلَّى بالعلم والإيمان ومحاسن الأعمال...»[4].

فالمقصود من الطيّبة في البحث: الحياة التي تنعكس إيجابًا على الأفراد، بحيث تخلو من المكدّرات، فلا يكون هناك إلّا ما تستلذّ به النفس، وما تطمح له العين، وما ينعكس بالأخلاق الفاضلة والعلم النظري والسلوك العملي المطابق له على الإنسان.

3. الدولة المهدوية

بعيدًا عن الاصطلاحات التي ذُكرت للدولة، وأنواعها، وأركانها، وبعيدًا عن تعقيدات التعريفات، فإنّ المقصود من الدولة المهدوية هنا هو الآتي:

(11)

أ. الزمن الذي تنتهي فيه الغيبة الكبرى للإمام المهدي عليه‌السلام ويظهر بشخصيته الحقيقية للعلن.

ب. انتهاء حكم غير أهل البيت عليهم‌السلام وعدم تسنمهم أي منصب سياسي في حكومة العالم، وما يلازمه من انتهاء الحروب العلنية ضد الإمام المهدي عليه‌السلام.

ج. تسنّم الإمام المهدي عليه‌السلام حكم الدولة العالمية، وتقسيمه دول الأرض إلى (313) إقليمًا أو محافظةً أو ما شابه هذه المصطلحات، وهو المستفاد من بعض النصوص الدالة على أنّه عليه‌السلام سيُعيّن أصحابه الخاصين الثلاثمائة وثلاثة عشر حكّامًا على الأرض، فقد روي عن المفضَّل بن عمر، قال: قال أبو عبد اللّه عليه‌السلام: «كَأَنِّي أَنْظُرُ إِلَى القَائِمِ عَلَى مِنْبَرِ الكُوفَةِ وَحَوْلَهُ أَصْحَابُهُ ثَلَاثُمِائَةٍ وَثَلَاثَةَ عَشَرَ رَجُلًا عِدَّةُ أَهْلِ بَدْرٍ، وَهُمْ أَصْحَابُ الألوِيَةِ، وَهُمْ حُكَّامُ اَللهِ فِي أَرْضِهِ عَلَى خَلْقِهِ...»[1].

د. أنّ القانون التشريعي الرسمي هو القانون التشريعي الإسلامي، وتحت رعاية الإمام المهدي عليه‌السلام بما يملكه من صفة العصمة تجنبه الخطأ مطلقًا، وبما زوّده اللّه تعالى من علم لدنّي يكشف له الواقع، وبما يحيط به من أصحاب وأنصار مخلصين تمام الإخلاص.

وحينها، سيبدأ الإمام عليه‌السلام بتطبيق النظام الذي أشار القرآن الكريم إلى نتيجته الدنيوية حينما قال عليه‌السلام: ﴿وَأَنْ لَوِ اسْتَقَامُوا عَلَى الطَّرِيقَةِ لَأَسْقَيْنَاهُمْ مَاءً غَدَقًا﴾(الجن: 16).

فتحصل:

أنّ المقصود من البحث هي الإشارة إلى التطور الحضاري للدولة العالمية التي يحكمها الإمام المهدي عليه‌السلام، وتفجيره الطاقات بما يصبّ في تذليل الصعوبات في الدنيا، وفتح منافذ الرفاهية على أعلى مستوياتها، الأمر الذي يُخيّل لقارئ الروايات أنّ الناس يعيشون في الجنة، إلا أنّها جنة أرضية، على جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

(12)

 

تمهيد: الحياة الطيّبة في التراث الديني

أشار القرآن الكريم في آيةٍ واحدةٍ من آياته الكريمة، إلى أنّ الحياة الطيّبة تكون لمن آمن وعمل صالحًا، فقال عزّ من قائل: ﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طيّبة وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النحل: 97).

وقد تعددت المعاني في المقصود من هذه الحياة الطيّبة، ونذكر منها الآتي:

المعنى الأول: أنّ الحياة الطيّبة هي القناعة

وهو مفاد ما روي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام سُئِلَ عَنْ قَوْلِه تَعَالَى: ﴿فَلَنُحْيِيَنَّه حَياةً طيّبة﴾ فَقَالَ عليه‌السلام: «هِيَ الْقَنَاعَةُ» [1].

المعنى الثاني: أنها الحصول على ما يُحب الإنسان، بشرط أن لا يكون عن طريق ما يكره اللّه تعالى:

وهو مفاد ما جاء في دعاء الإمام زين العابدين عليه‌السلام: «فَأَحْيِنِي حَيَاةً طيّبة تَنْتَظِمُ بِمَا أُرِيدُ، وتَبْلُغُ مَا أُحِبُّ مِنْ حَيْثُ لَا آتِي مَا تَكْرَه، ولَا أَرْتَكِبُ مَا نَهَيْتَ عَنْه» [2].

المعنى الثالث: أنّها حياة السرور والكرامة وتمام العيش

وهو المستفاد من دعاء الإمام زين العابدين عليه‌السلام: واجعلني ممّن أطلت عمره، وحسّنت عمله، وأتممت عليه نعمتك، ورضيت عنه، وأحييته حياةً طيّبةً في أدوم السرور وأسبغ الكرامة، وأتم العيش [3].

ويجمع هذه المعاني أنّ الحياة الطيّبة هي الحياة التي تقوم وفق طاعة اللّه

(13)

تعالى، المتمثلة بالقناعة بالرزق، وهذه القناعة لا تنافي طلب الحلال، وإنْ كان بالحصول على كل ما يحب الإنسان، فالمهم أنْ يكون الطلب بالحلال، وأنْ تكون الحياة كريمة.

ويبدو أنّ المقصود من الحياة الطيّبة - وفق سياق الآية الكريمة - هي الحياة التي تكون نتيجة للالتزام بالإيمان والعمل الصالح، فيقال: «الحياة الطيّبة في هذه الدنيا هي النتاج الطبيعي للعمل الصالح النابع من الإيمان، أي أن المجتمع البشري سيعيش حينها حياة هادئة مطمئنة ملؤها الرفاه والسلم والمحبة والتعاون، بل وكل ما يرتبط بالمجتمع من المفاهيم الإنسانية، وفي أمان من الآلام الناتجة عن الاستكبار والظلم والطغيان وعبادة الأهواء والأنانية التي تملأ الدنيا ظلامًا وظلامات» [1].

وهذا هو المعنى المقصود في محل البحث، فإنّ النصوص واضحة في أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام وبعد أن يبسط نفوذه على كلّ ربوع الأرض، سيتوجّه الناس إلى عبادة اللّه تعالى والعمل الصالح، بحيث تكون الصبغة العامة لهم هي ذلك، ومن ثم، فإنّ القرآن الكريم وبحسب آية الاستقامة المتقدمة، وعد بأنّ الأثر التكويني للالتزام بالقانون الإلهي هو توفير أنواع النعم وصنوف الرفاهية في الحياة، الأمر الذي كُنّي عنه في الآية بأنّ اللّه تعالى يُسقي الناس ماءً غدقًا.

وسنعرف أهم المفردات في تلك الحياة الطيّبة من خلال البحث إنْ شاء اللّه.

ومنه يُعلم: أنّ المقصود من الآية هي الحياة الطيّبة في الدنيا، وهذا لا يمنع من وجود حياةٍ طيّبةٍ في الآخرة كما هو واضح، فما فُسّرت به الآية من كون المقصود منها هي الحياة بعد الموت صحيح إذا كان على نحو التطبيق وذكر مصداق غير حصري، أما لو قُصد حصر التفسير بها فقد عرفت عدم سلامته، وأنّ سياق الآية والنصوص الواردة واضحة في أنّ المؤمن الذي يعمل صالحًا يحصل على حياة طيّبة في الدنيا، وهذا البحث يريد بيان أنّ أهنأ الحياة الطيّبة في الدنيا تكون في زمن ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام.

(14)

 

البحث الأول:
المبادئ العامة لحكومة الإمام المهدي عليه‌السلام

هناك مبادئ عامة حكتها النصوص الشريفة، وتقتضيها ضرورات الدين والمذهب، ستكون هي الأساسات العامة لدولة الظهور المبارك، ومن خلالها ينطلق الإمام الحجةعليه‌السلام لتطبيق النظام الأكمل، ومن ثم توفير الرفاهية والحياة الطيّبة للبشر.

المبدأ الأول: العمل بكتاب اللّه تعالى وسنة المعصومين عليهم‌السلام

لكلّ نظامٍ دستور يمثّل البنى التحتية والجذور الأساسية لكل تشريعاته وتفريعاتها، وأيّ تشريعٍ لا يرجع في تخومه إلى ذلك الدستور يُعدّ مخالفةً له، ولا يجب العمل به، بل تلزم معارضته والإطاحة به، وهذا أمرٌ عقلائي في حدّ نفسه، وقد جرت سيرة الدول والأنظمة عليه.

الدولة المهدوية لها دستورها الخاص الذي تنبع منه بقية التشريعات، ويتمثّل ذلك الدستور بمصدرين أساسيين، ترجع إليها بقية المصادر:

المصدر الأول: القرآن الكريم.

المصدر الثاني: سُنّة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم والمعصومين الطاهرين ، بما يشمل قولهم وفعلهم وتقريرهم.

أما مصدرية القرآن الكريم فلا كلام فيها وفي كونه مصدرًا بالمطلق، وإنْ كان هناك نقاشٌ فليس في أصل صدروه ولا في مصدريته، ولا في حجية نصوصه، إنّما الكلام - لو كان - في حجية ظواهره لغير المعصومين عليهم‌السلام، حيث ذهب بعض - وهو ما نُسب إلى الإخباريين - إلى أنّ ذلك مختص بالمعصومين عليهم‌السلام، وأنّ الحجة علينا هو النصّ فقط، على أنّ هذا المبنى نوقش

(15)

في محله في علم أصول الفقه، وأثبت العلماء أنّ ظواهره كنصوصه حجّةٌ علينا، نعم، وفق شروط وضوابط خاصّة ذُكرت هناك.

وأما مصدرية السُنّة، فلا إشكال ولا ريب في حجيّة سُنّة النبيّ الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمطلق، وهو مبني على عصمة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم التي نصّ عليها القرآن الكريم في أكثر من آية، ومنها قوله تعالى: ﴿وَمَا يَنْطِقُ عَنِ الْهَوَى إِنْ هُوَ إِلَّا وَحْيٌ يُوحَى﴾(النجم: 3 و4)، فضلًا عن الأمر الصريح بطاعته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمطلق، قال عز من قائل: ﴿وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا وَاتَّقُوا اللّهَ إِنَّ اللّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ﴾(الحشر: 7)

نعم، العامة ذهبوا إلى عدم عصمته صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالمطلق، وهو بحث تم تفصيله في علم الكلام.

وأما سُنّة المعصومين عليهم‌السلام، فهي حجة وبالمطلق عند أتباع المذهب الحق، وهم في ذلك يستندون إلى أدلةٍ مستفيضة، بل بعضها قرآنية، ويكفي أنّ الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أمر بالرجوع إليهم على حدّ الرجوع إلى القرآن الكريم في حديث الثقلين المتواتر لدى الفريقين.

فحجيّة السُنّة بهذا المعنى ممّا لا خلاف فيه بين أبناء المذهب الحق.

وقد دلّت النصوص على أنّ دولة الإمام المهدي عليه‌السلام تستند في تشريعاتها إلى هذين المصدرين، على أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام كما هو واضح آخر الأئمة المعصومين عليهم‌السلام، فهو بنفسه يمثل مصدر التشريع.

عَنْ أَحْمَدَ بْنِ عُمَرَ قَالَ: قَالَ أَبُو جَعْفَرٍ عليه‌السلام وأَتَاه رَجُلٌ فَقَالَ لَه: إِنَّكُمْ أَهْلُ بَيْتِ رَحْمَةٍ اخْتَصَّكُمُ اللّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى بِهَا فَقَال عليه‌السلام لَه: «كَذَلِكَ نَحْنُ والْحَمْدُ للهِ، لَا نُدْخِلُ أَحَدًا فِي ضَلَالَةٍ ولَا نُخْرِجُه مِنْ هُدًى، إِنَّ الدُّنْيَا لَا تَذْهَبُ حَتَّى يَبْعَثَ اللّهُ عَزَّ وجَلَّ رَجُلًا مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، يَعْمَلُ بِكِتَابِ اللّهِ، لَا يَرَى فِيكُمْ مُنْكَرًا إِلَّا أَنْكَرَه» [1].

وفي ما يتعلق بإحياء سنة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم روي عَنْ هِشَامِ بْنِ سَالِمٍ، عَنِ الصَّادِقِ جَعْفَرِ بْنِ مُحَمَّدٍ، عَنْ أَبِيهِ، عَنْ جَدِّهِ عليه‌السلام، قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللّهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم:

(16)

«الْقَائِمُ مِنْ وُلْدِي اسْمُهُ اسْمِي، وَكُنْيَتُهُ كُنْيَتِي، وَشَمَائِلُهُ شَمَائِلِي، وَسُنَّتُهُ سُنَّتِي، يُقِيمُ النَّاسَ عَلَى مِلَّتِي وَشَرِيعَتِي، وَيَدْعُوهُمْ إِلَى كِتَابِ رَبِّي، مَنْ أَطَاعَهُ فَقَدْ أَطَاعَنِي، وَمَنْ عَصَاهُ فَقَدْ عَصَانِي، وَمَنْ أَنْكَرَهُ فِي غَيْبَتِهِ فَقَدْ أَنْكَرَنِي، وَمَنْ كَذَّبَهُ فَقَدْ كَذَّبَنِي، وَمَنْ صَدَّقَهُ فَقَدْ صَدَّقَنِي، إِلَى اللّهِ أَشْكُو المُكَذِّبِينَ لِي فِي أَمْرِهِ، وَالْجَاحِدِينَ لِقَوْلِي فِي شَأْنِهِ، وَالمُضِلِّينَ لِأُمَّتِي عَنْ طَرِيقَتِهِ‏، ﴿وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ﴾(الشعراء: 227)[1].

وفي حديث جامع يُبين فيه الإمام الصادق عليه‌السلام أن العمل بالإسلام ومصادره بمعنى الكلمة وكما يريده اللّه تعالى لا يكون إلا على يدي الإمام المهدي عليه‌السلام، حيث روي أنه عليه‌السلام قال لبريد: «يَا بُرَيْدُ، لَا واللّهِ، مَا بَقِيَتْ للهِ حُرْمَةٌ إِلَّا انْتُهِكَتْ، ولَا عُمِلَ بِكِتَابِ اللّهِ ولَا سُنَّةِ نَبِيِّه فِي هَذَا الْعَالَمِ، ولَا أُقِيمَ فِي هَذَا الْخَلْقِ حَدٌّ مُنْذُ قَبَضَ اللّهُ أَمِيرَ الْمُؤْمِنِينَ صَلَوَاتُ اللّهِ وسَلَامُه عَلَيْه، ولَا عُمِلَ بِشَيْءٍ مِنَ الْحَقِّ إِلَى يَوْمِ النَّاسِ هَذَا»، ثُمَّ قَال عليه‌السلام : «أَمَا واللّهِ لَا تَذْهَبُ الأَيَّامُ واللَّيَالِي حَتَّى يُحْيِيَ اللّهُ الْمَوْتَى ويُمِيتَ الأَحْيَاءَ، ويَرُدَّ اللّهُ الْحَقَّ إِلَى أَهْلِه، ويُقِيمَ دِينَه الَّذِي ارْتَضَاه لِنَفْسِه ونَبِيِّه، فَأَبْشِرُوا، ثُمَّ أَبْشِرُوا، ثُمَّ أَبْشِرُوا، فواللّهِ مَا الْحَقُّ إِلَّا فِي أَيْدِيكُمْ» [2].

المبدأ الثاني: القضاء والتطبيق العادل لأحكام الإسلام

لا تكون الشريعة ذات ثمرة من دون تطبيقٍ عادلٍ على الجميع، وفق مقتضيات المصالح والمفاسد العامة، والتي - حسب المفترض - يحددها الحاكم الأعلى للدولة ومن ينوب عنه ويقوم مقامه بتعيين منه، وفي الدولة المهدوية حيث إنّ الحاكم الأعلى هو الإمام المعصوم، وحيث إنّ من ينوب عنه هم أصحابه الخلّص، حينها سيكون التطبيق للشريعة على مستوى عالٍ من الشفافية، بحيث يضمن الأفراد عدم التعدي على حقوقهم وعدم سلبها، ووجود أذنٍ صاغية لشكاواهم لو كانت.

(17)

وتتجلّى هذه العدالة بكون الإمام المهدي عليه‌السلام معصومًا، فيكون قضاؤه حقًا لا باطل معه، وهو ما عبّرت عنه بعض النصوص بأنه يحكم بحكم داود عليه‌السلام، من دون بينة، فقد روي عن أبي عبد اللّه  أنَّه قال: «... المهدي يحكم بحكم داود عليه‌السلام ولا يريد بيِّنة»[1].

هذا، وقد حصل الاتفاق بين المذاهب الإسلامية كافة على أنّ القاضي يجوز له أنْ يحكم بعلمه فيكون العمل بحكم داود ليس خارجًا عن الحكم الإسلامي وإنّما هو نمطٌ خاصٌّ يدخل في ضمن صلاحيات القاضي.

إن مسألة حكم الحاكم بعلمه ليست خارجة عن الأطر العامة للقوانين الإسلامية، ونذكر في هذا المجال بعضًا من الكلمات:

قال السيِّد الخوئي رحمه‌الله : «كما أنَّ للحاكم أنْ يحكم بين المتخاصمين بالبيِّنة وبالإقرار وباليمين، كذلك له أنْ يحكم بينهما بعلمه»[2].

وهكذا عند العامَّة، حيث بنى كثيرٌ منهم على صحَّة حكم القاضي بعلمه وعدم احتياجه إلى بيِّنة، بل إنَّه يجوز له مخالفة البيِّنة إذا علم الواقع، وننقل هنا بعض كلماتهم:

قال محيي الدين النووي: «... على الصحيح أنَّ القاضي يقضي بعلمه»، وقال: «... وإذا علم القاضي عدالة الشاهد أو فسقه عمل بعلمه في قبوله وردِّه...»[3].

وقال زكريا الأنصاري: «... ولا يقضي (أي القاضي) بخلاف علمه وإنْ قامت به بيِّنة، وإلَّا لكان قاطعًا ببطلان حكمه، والحكم بالباطل محرَّم...»[4].

وهكذا يكون حكمه وفق ما يريده اللّه تبارك وتعالى بلا أدنى ريب، وهو ما عبرت عنه بعض النصوص بأنّه يقوم بالحق، فقد روي عن محمد بن عجلان، عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام قال: «إذا قام القائم عليه‌السلام دعا الناس إلى الإسلام جديدًا،

(18)

وهداهم إلى أمر قد دثر فضلّ عنه الجمهور، وإنما سمي القائم مهديًا لأنّه يهدي إلى أمر قد ضلّوا عنه، وسمي بالقائم لقيامه بالحق» [1].

والمقصود هو قيامه بالحق المطلق، وعلى جميع المستويات، وبهذا الإطلاق اختلف عليه‌السلام عن قيام غيره بالحق، إذ ما من أحد يقوم بالحق إلّا ويكون نسبيًا، في منطقة من الأرض دون غيرها، وفي مجموعة من الناس دون جميعهم، ولا يكون قيام بالحق المطلق وعلى جميع المستويات إلّا عند ظهوره عليه‌السلام، وقد أشارت بعض النصوص إلى أن اللّه تعالى سيقطع حجة كل من يدّعي أنّه لو أمسك الحكم لعدل مثل عدالته عليه‌السلام، حيث روي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام، قَالَ: «دَوْلَتُنَا آخِرُ اَلدُّوَلِ، وَلَنْ يَبْقَ أَهْلُ بَيْتٍ لَهُمْ دَوْلَةٌ إِلَّا مُلِّكُوا قَبْلَنَا، لِئَلَّا يَقُولُوا إِذَا رَأَوْا سِيرَتَنَا: إِذَا مُلِّكْنَا سِرْنَا مِثْلَ سِيرَةِ هَؤُلَاءِ، وَهُوَ قَوْلُ اَلله: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلْمُتَّقِينَ﴾(الأعراف: 128)[2]. [3]

وقد عبّرت بعض النصوص عن ذلك الحق المطلق بتعبير آخر، مفاده أن ما سيأتي به يكون غير ما سبقه، فقد روي عَنْ أَبِي خَدِيجَةَ، عَنْ أَبِي عَبْدِ اَلله عليه‌السلام، قَالَ: «إِذَا قَامَ اَلْقَائِمُ عليه‌السلام جَاءَ بِأَمْرٍ غَيْرِ اَلَّذِي كَانَ»[4].

ومن ثَمّ سيكون حكمًا عادلًا يسري على الجميع مهما كانت درجة قربه منه عليه‌السلام الأمر الذي حكته النصوص بألفاظٍ مختلفة، تحكي عن أنّه عليه‌السلام لا يُجامل في الحق، فيُجريه على الجميع مهما كانت درجة قربه منه، ومن ثم إذا رأى الناس ذلك من الحاكم، لا شكّ في أنّهم سيعملون على تطبيق القانون بحذافيره، خوفًا من أنْ تنالهم العدالة التي تقتضي معاقبة المخالف، لئلا يحدث التسيب والفوضى وعدم الالتزام بمقتضيات القانون.

(19)

وفي نصٍّ آخر يُبين أنه عليه‌السلام سيأخذ سبعين رجلًا، يبدو من النص أنّهم ذوو جاه بين الناس، ولكنّهم يكذبون على اللّه تعالى وعلى رسوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهم بهذه الصفة يكونون من أئمّة الضلال الذين وعدهم اللّه تعالى بالعذاب حينما قال تعالى: ﴿وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لَا يُنْصَرُونَ. وَأَتْبَعْنَاهُمْ فِي هَذِهِ الدُّنْيَا لَعْنَةً وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ هُمْ مِنَ الْمَقْبُوحِينَ﴾(القصص: 41 و 42).

وهذا المعنى هو ما جاء فيما روي عَنْ مَالِكِ بْنِ ضَمْرَةَ، قَالَ: قَالَ أَمِيرُ المُؤْمِنِينَ عليه‌السلام: «يَا مَالِكَ بْنَ ضَمْرَةَ، كَيْفَ أَنْتَ إِذَا اخْتَلَفَتِ الشِّيعَةُ هَكَذَا - وَشَبَّكَ أَصَابِعَهُ وَأَدْخَلَ بَعْضَهَا فِي بَعْضٍ؟». فَقُلْتُ: يَا أَمِيرَ المُؤْمِنِينَ، مَا عِنْدَ ذَلِكَ مِنْ خَيْرٍ؟ قَالَ عليه‌السلام: «الْخَيْرُ كُلُّهُ عِنْدَ ذَلِكَ، يَا مَالِكُ عِنْدَ ذَلِكَ يَقُومُ قَائِمُنَا فَيُقَدِّمُ سَبْعِينَ رَجُلًا يَكْذِبُونَ عَلَى اللّه وَعَلَى رَسُولِهِ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فَيَقْتُلُهُمْ، ثُمَّ يَجْمَعُهُمُ اللّهُ عَلَى أَمْرٍ وَاحِدٍ»[1].

فلاحظ أنّ الرواية تقول بأنّ اللّه تعالى يجمع أمرهم على أمرٍ واحدٍ بعد أنْ يقتل الإمام المهدي عليه‌السلام أولئك السبعين، وهذا يؤكّد ما ذكرناه من أنّهم ممّن يجتمع الناس على رأيهم، أو ممّن يكون لهم تأثير على فئةٍ كبيرةٍ من الناس، بحيث يكون قتلهم عاملًا من عوامل وحدة الناس على الحق.

وعلى كلّ حال، فقيامه عليه‌السلام بالحق، وتطبيقه العادل لقانون السماء، هو ممّا اتفقت عليه كلمة العامة والخاصة؛ ولذا تجد أنّ وصفه بأنّه (يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا) ممّا ورد عند جميع من ذكره، بل هو وصف يتبادر مع ذكره عليه‌السلام.

المبدأ الثالث: حكومة عالمية

تختلف توجهات الدول باختلاف توجهاتها الداخلية والخارجية، ولا ريب أنّ وجود دول أخرى إلى جنبها يفرض عليها تصرفات معينة، كالتنافس معها، ومحاولة حماية نفسها من تدخلاتها، وقد تعمل الدولة على نقل المشاكل إلى

(20)

خارج أراضيها بإلقائها إلى أراضي دول أخرى، وغيرها من الإشكاليات التي تحدث جرّاء وجود دول متعددة، والواقع خير شاهد.

أمّا إذا كانت الدولة واحدةً على الأرض، بنحو تنعدم معها الدول الأخرى، وتدخل جميع أقاليم الأرض تحت لوائها هي فقط، حينها سيكون توجه الدولة ونظرها إلى تنظيم أمورها الداخلية فحسب، إذ الفرض أنّه لا توجد دولة أخرى تنافسها.

من جهة أخرى فإنّ إدارة دولة بهذه الضخامة لا تُتاح لأيّ إنسانٍ إلّا إذا كان ذا مواصفات استثنائية، بحيث يتمكن من ضبط الأمور وإدارة المشاريع وتطبيق الدستور على جميع مناطق نفوذه، خصوصًا إنّه يهدف إلى التطبيق العادل الذي يشمل الجميع، والذي ينعدم معه الظلم بأقل صوره، فإنّه قد يكون ضربًا من الخيال بالقياس إلى ما نجده في صفات البشر العاديين.

إلا إنّ مثل هذا الخيال يُصبح واقعًا حقيقيًا إذا كان قائد الدولة رجلًا إلهيًا بمواصفاتٍ غيبيةٍ ضخمة، تتمثل بالنصّ الإلهي على تعيينه واختياره، وبالعلم اللدني، وبالعصمة، وما يتفرع عن هذه الصفات من الولاية التكوينية، وكل هذه المواصفات قد أثبتها علم الكلام بما لا يبقى معه محل للريب لمن تفكر وتأمل فيها.

أضف إليه، تواجدُ قادة أفذاذ مخلصين معه، كما ورد في النصوص.

ومن هنا، فقد نصت الروايات على أن دولة الإمام المهدي عليه‌السلام هي دولة عالمية، بمعنى أنّها الدولة الوحيدة التي سيكون حكم الأرض - كل الأرض - بيدها، وسيهدف الإمام المهدي عليه‌السلام إلى رفع لواء دولته على كلّ ربوع الكرة الأرضية، وما يستلزمه ذلك من عمل جادٍّ لتطبيق الدستور العادل فيها، ومن ثم سيعيش جميع البشر عدالته وقسطه، الأمر الذي سيمثل مدخلًا من مداخل السعادة والحياة الطيّبة لكل البشر بلا تمايز عنصري أو عرقي أو مذهبي، فكل الناس على دينٍ واحد، وكلّهم على مذهبٍ واحد، وتحت قيادةٍ واحدة.

والنصوص الدالة على عالمية الدولة المهدوية عديدة، ومنها الروايات

(21)

التي ذكرت تأويل آية التمكين الإلهي في الأرض بهم عليه‌السلام، وحيث إنّ الألف واللام في كلمة (الأرض) جنسية، فتدلّ على العموم، ممّا يعني أنّ المقصود عموم الأرض لا بقعة خاصة فيها.

ومن ذلك ما روي عن أبي الجارود، عن أبي جعفر عليه‌السلام في قوله عزوجل: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الأَرْضِ أَقامُوا الصَّلاةَ وآتَوُا الزَّكاةَ وأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ ونَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وللهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾(الحج: 41). قال: «هذه [ الآية ] لآل محمّد. المهديّ عليه‌السلام وأصحابه، يملَّكهم اللّهُ مشارق الأرض ومغاربها، ويظهر الدّين، ويميت اللّهُ عزّوجلّ به وبأصحابه البدع والباطل، كما أمات السّفهة الحقّ، حتّى لا يُرى أثر من الظَّلم، ويَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ، ويَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ. ﴿وللّهِ عاقِبَةُ الأُمُورِ﴾(الحسيني الأسترآبادي، تأويل الظاهرة: 1: 343، ح25).

وممّا يدلّ على ذلك أيضًا ما روي عن أبان بن تغلب عن أبي جعفر محمد بن علي عليه‌السلام في قوله تعالى: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وللهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج: 41)، قال عليه‌السلام: «فينا واللّه، نزلت هذه الآية» [1].

وعلى هذا المنوال الروايات المتواترة من الفريقين في أنّه عليه‌السلام يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بالتقريب المتقدم نفسه، ومن روايات العامة في هذا المعنى ما رواه القندوزي في ينابيعه بسنده عن ابن عباس، قال: قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «إنّ عليًا إمام أمتي من بعدي، ومن ولده القائم المنتظر الذي إذا ظهر يملأ الأرض عدلًا وقسطًا كما ملئت جورًا وظلمًا... »[2].

والروايات في هذا المجال أكثر ممّا ذكرنا بكثير، نكتفي بهذه النماذج.

مصير غير المسلمين في الدولة المهدوية:

أمّا ما هو مصير غير المسلمين أو من لا يعتقد بإمامته عليه‌السلام، فهذا له بحث مستقل، ونشير إليه إشارةً سريعةً في هذا المجال:

(22)

لا ريب في أنّ الخطوة الأولى التي سيقوم بها عليه‌السلام تجاههم هو العمل على هدايتهم، وذلك من خلال فتح باب النقاش العلمي معهم، والعمل على إقناعهم بالحق، وبهذا سيمهد الطريق لهداية قسم من أتباع الديانات والمذاهب الأخرى، وهو عمل عقلائي فضلًا عن كونه شرعيًا، وممّا يشير إلى قيامه بهذه الخطوة هو ما ورد من أنّه سيعمد إلى الجلوس مع أهل الديانات ويحاجّهم بكتبهم التي يؤمنون بها، غايته أنه يملك النسخ غير المحرفة التي تثبت حقانيته وحقانية الدين الإسلامي، وفي ذلك رويَ عن الإمامِ الصادقِ عليه‌السلام أنَّه قال: «... فإنَّما سُمّيَ المهدي؛ لأنَّه يهدي لأمرٍ خفي، يستخرجُ التوراةَ وسائرَ كُتُبِ اللّهِ من غارٍ بأنطاكية، فيحكمُ بينَ أهلِ التوراةِ بالتوراة، وبينَ أهلِ الإنجيل بالإنجيل، وبينَ أهلِ الزبورِ بالزبور، وبينَ أهلِ الفرقانِ بالفرقان...»[1].

هذا فضلًا عن إظهار بعض الكرامات والقدرات لديه ولدى أتباعه أمام الآخرين، علّه ينفع في هدايتهم، وهو أمرٌ يشير إلى تعدد الطرق التي يستعملها عليه‌السلام من أجل هداية الناس مهما كان توجههم، ومن ذلك ما روي من أنه عليه‌السلام يرسل جنودًا إلى القسطنطينية (إسطنبول حاليًا) يمشون على الماء، مما يُسبب في فتح المدينة سلمًا ومن دون قتال، فقد روي عن الإمامِ الباقر عليه‌السلام  قال: «إِذَا قَامَ الْقَائِمُ بَعَثَ فِي أَقَالِيمِ الْأَرْضِ فِي كُلِّ إِقْلِيمٍ رَجُلًا، يَقُولُ: عَهْدُكَ فِي كَفِّكَ، فَإِذَا وَرَدَ عَلَيْكَ أَمْرٌ لَا تَفْهَمُهُ وَلَا تَعْرِفُ الْقَضَاءَ فِيهِ فَانْظُرْ إِلَى كَفِّكَ وَاعْمَلْ بِمَا فِيهَا».

قَالَ: «وَيَبْعَثُ جُنْدًا إِلَى الْقُسْطَنْطِينِيَّةِ، فَإِذَا بَلَغُوا الْخَلِيجَ كَتَبُوا عَلَى أَقْدَامِهِمْ شَيْئًا وَمَشَوْا عَلَى المَاءِ، فَإِذَا نَظَرَ إِلَيْهِمُ الرُّومُ يَمْشُونَ عَلَى المَاءِ قَالُوا: هَؤُلَاءِ أَصْحَابُهُ يَمْشُونَ عَلَى المَاءِ، فَكَيْفَ هُوَ؟ فَعِنْدَ ذَلِك‏ يَفْتَحُونَ لَهُمْ أَبْوَابَ المَدِينَةِ، فَيَدْخُلُونَهَا، فَيَحْكُمُونَ فِيهَا مَا يُرِيدُونَ»[2].

أضف إلى هذا كلّه، نزول النبي عيسى عليه‌السلام وصلاته خلفه عليه‌السلام كما اتفقت

(23)

عليه النصوص الخاصة والعامة، فإنّ له أثرًا في هداية جمع كبير من المسيحيين، حيث يرون نبيهم يأتم بالإمام المهدي عليه‌السلام ويدعو إليه، فقد روي عن رسول اللّه الأعظم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أنَّه قال: «... المهدي الذي يملؤها قسطًا وعدلًا كما مُلِئَت جورًا وظلمًا، والذي بعثني بالحقِّ نبيًّا، لو لم يبقَ من الدنيا إلَّا يوم واحد، لطوَّل اللّه ذلك اليوم، حتَّى يخرج فيه ولدي المهدي، فينزل روح اللّه عيسى بن مريم عليهما‌السلام فيُصلّي خلفه، وتشـرق الأرض بنوره، ويبلغ سلطانه المشرق والمغرب»[1].

أمّا إذا لم تنفع معهم هذه الطرق - وغيرها مما لم نذكره هنا أو لم يصل إلينا في النصوص - فيُحتمل أمران - تبعًا للنصوص في هذا المجال؛ إذ إنّها مختلفة - وهما:

الأمر الأول

أنْ يُسمح لهم بالبقاء على أديانهم ومذاهبهم، ويتعامل معهم معاملة أهل الجزية، فيبقون تحت ولاية الدولة المهدوية، ولكن لا يُسمح لهم بإظهار أي مظاهر مخالفة لنظام الدولة التشريعي، ولعلّ ممّا يدلُّ على ذلك ما رويَ عن رسولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «من أبغضنا أهلَ البيتِ بعثه اللّهُ يهوديًا، قيل: يا رسولَ اللّه، وإنْ شهدَ الشهادتين؟ قالَ: نعم، إنّما احتجبَ بهاتين الكلمتينِ عن سفكِ دمه، أو يؤدّي الجزيةَ وهو صاغر، ثم قالَ: من أبغضنا أهلَ البيت بعثه اللّهُ يهوديًا. قيل: وكيفَ يا رسولَ اللّه؟ قال: إنْ أدركَ الدجّالَ آمنَ به» [2].

وقد أشارت بعض النصوص إلى أنّه يُخرجهم إلى مناطق خاصة بهم، ولعلّه لأجل ألّا يؤدي اختلاطهم بسائر المؤمنين بتشكيكهم أو اختلاط الحق عليهم، فقد روي عن سَلَّامِ بْنِ المُسْتَنِيرِ قَالَ: «سَمِعْتُ أَبَا جَعْفَرٍ عليه‌السلام يُحَدِّثُ: إِذَا قَامَ القَائِمُ عَرَضَ الإِيمَانَ عَلَى كُلِّ نَاصِبٍ، فَإِنْ دَخَلَ فِيه بِحَقِيقَةٍ، وإِلَّا ضَرَبَ عُنُقَه أَوْ يُؤَدِّيَ الجِزْيَةَ [3]، كَمَا يُؤَدِّيهَا اليَوْمَ أَهْلُ الذِّمَّةِ، ويَشُدُّ عَلَى وَسَطِه

(24)

لهِمْيَانَ، ويُخْرِجُهُمْ مِنَ الأَمْصَارِ إِلَى السَّوَادِ» [1].

الأمر الثاني

ألّا يسمح لأيّ أحدٍ إلّا بأنْ يعتنق الإسلام، ومذهب الحق؛ لأنّه بعد اكتمال الحجة، وإثبات الحق بالدليل القطعي، وإظهار الإمام المهدي عليه‌السلام الكرامات المتنوعة التي لا تُبقي لمعتذر عذرًا، فلا مجال للإنكار ولا للمخالفة، ومن يخالف يجري عليه حكم الشريعة المناسب.

فقد رويَ في شأنِ النبي عيسى عليه‌السلام ما يدلُّ على أنّه عليه‌السلام يحملُ الناسَ على الإسلامِ ولا يقبلُ منهم الجزية، فقد رويَ عن رسولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ويكونُ عيسى عليه‌السلام في أمّتي حكمًا عدلًا، وإمامًا مُقسطًا، ويدقُّ الصليب[2]، ويقتل الخنزير[3]، ويضع الجزية...»[4].

أي: يحملُ الناس على دينِ الإسلام، فلا يبقى ذِمّي تجري عليه الجزية [5].

وقال العلّامة المجلسي قدس‌سره في ذيل هذه الرواية: وقوله (ويضع الجزية) معناه أنّه يضعها من أهل الكتاب، ويحملهم على الاسلام، فقد روى أبو هريرة، عن النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في نزول عيسى عليه‌السلام: «ويهلك في زمانه الملل كلّها إلا الإسلام، ويهلك الدجال، فيمكث في الأرض أربعين سنة، ثم يتوفى فيصلي عليه المسلمون... » [6].

(25)

وتخصيص النبي عيسى عليه‌السلام بالذكر لأجل تواتر النصوص بنزوله مع الإمام المهدي عليه‌السلام وصلاته خلفه، ولكثرة أتباعه اليوم، فيكون دوره مهمًا في هداية الناس إلى الحق.

وممّا يدلُّ أيضًا على أنّه عليه‌السلام لا يقبلُ الجزيةَ منهم هو ما رويَ عن أميرِ المؤمنين أنّه قال: «فإنَّ اللّهَ (تبارك وتعالى) لن يذهبَ بالدُنيا حتى يقوم مِنّا القائم، يقتلُ مُبغضينا، ولا يقبلُ الجزية، ويكسرُ الصليبَ والأصنام، ويضعُ الحرب أوزارها، ويدعو إلى أخذِ المالِ فيقسمه بالسوية، ويعدلُ في الرعية»[1].

ومنه: ما رويَ عن أبي جعفرٍ الباقر عليه‌السلام: «ولا تبقى أرضٌ إلا نوديَ فيها شهادةُ أنْ لا إلهَ إلا اللّه وحده لا شريك له، وأنَّ محمدًا رسولُ اللّه، وهو قوله: ﴿وَلَهُ أَسْلَمَ مَنْ فِي السَّماواتِ وَالأَرضِ طَوْعًا وَكَرْهًا وَإِلَيْهِ يُرْجَعُونَ﴾(آل عمران: 83)، ولا يقبلُ صاحبُ هذا الأمر الجزيةَ كما قبلَها رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، وهو قولُ اللّه: ﴿وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلهِ﴾(الأنفال: 39)، قالَ أبو جعفر عليه‌السلام: يُقاتلون واللّهِ حتى يوحَّد اللّهُ ولا يُشرَك به شيئًا، وحتى تخرج العجوزُ الضعيفةُ من المشرقِ تُريدُ المغربَ ولا ينهاها أحد، ويخرجُ اللّهُ من الأرضِ بذرها، وينزلُ من السماءِ قطرها... » [2].

فهذه الرواياتُ واضحةٌ في أنَّ الإمامَ المهدي عليه‌السلام سيحملُ الجميعَ على أنْ يكونوا مسلمين، ولن يقبلَ منهم غيره، وذلك لكمالِ الحُجّةِ ووضوحِها عليهم، فلا يبقى أحدٌ معارضًا للإسلامِ إلّا المُعاند والمُلحد، وهو بلا ريب سيكونُ مُحاربًا للإمامِ ومُعترضًا عليه، فلا سبيلَ له إلا الإسلام أو القتل.

(26)

الجمعُ بينَ الروايات

لاحظنا أنَّ الرواياتِ بعضَها يُشيرُ إلى قبولِ الإمامِ المهدي عليه‌السلام الجزيةَ من أهلِ الكتاب، وبعضها يقولُ بأنّه لا يقبلُ الجزية ويحملهم على الإسلام رغمًا عنهم، فما وجهُ اُلجمعِ بينَ هذه الروايات؟

الجواب: يمكن ذكر وجهين:

الوجه الأول

 إنّه عليه‌السلام يقبلُ الجزيةَ من غيرِ النواصبِ ومن غيرِ الذين يقاتلونه، وأمّا النواصبُ ومن يرفعُ السلاحَ بوجهه عليه‌السلام فإنّه لن يقبلَ منه الجزية، وسوف يُقاتلهم أو يُسلمون.

 ولعلَّ ممّا يُشيرُ إلى وجهِ الجمعِ هذا هو ما رويَ عن أبي بصير عن أبي عبدِ اللّه عليه‌السلام قال: قال عليه‌السلام  لي: «يا أبا محمد، كأنّي أرى نزولَ القائمِ عليه‌السلام في مسجدِ السهلةِ بأهله وعياله... قلت: فما يكونُ من أهلِ الذمّةِ عنده؟

قال عليه‌السلام: يُسالمُهم كما سالمهم رسولُ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ويؤدّون الجزيةَ عن يدٍ وهم صاغرون.

قلت: فمنْ نصبَ لكم العداوة؟

فقال عليه‌السلام: «لا يا أبا محمد، ما لمن خالفنا فيه في دولتِنا من نصيب، إنَّ اللّهَ قد أحلَّ لنا دماءهم عند قيامِ قائمنا، فاليوم مُحرّمٌ علينا وعليكم ذلك، فلا يغرنّك أحد، إذا قامَ قائمُنا انتقمَ للهِ ولرسولِه ولنا أجمعين» [1].

الوجه الثاني

إنّه في أوائلِ زمانِه عليه‌السلام يقبلُ الجزية، وبعدَ أنْ تستتبَّ له الأمورُ وتتضحَ الحُجّةُ ويبينَ الحقُّ بنحوِ القطعِ واليقين، فإنّه لا يقبلُ منهم إلا الإيمانَ أو القتل.

وإليه الإشارةُ من المازندراني في شرحه لروايةِ سلام بن المستنير المتقدمة، حيث قالَ في شرحها:

«والمُرادُ بحقيقةِ الإيمان: الإيمانُ الخالص، وبالناصبِ: غير الإمامية من

(27)

فرق الإسلام، وفي هذا الخبرِ دلالةٌ على أنّه عليه‌السلام يقبلُ الجزيةَ منهم إنْ لم يؤمِنوا إيمانًا خالصًا، إلاّ أنّه ضعيفٌ، وعلى تقديرِ العملِ به، فلعلَّ الجمعَ بينه وبينَ ما رويَ من أنّه يضعُ الجزيةَ عندَ ظهوره أنّه يضعُها عن أهلِ الكتابِ - فإنّهم حينئذٍ بمنزلةِ الحربي- لا يرفعُ عنهم السيفَ حتى يؤمنوا أو يُقتلوا. واللّهُ أعلم»[1].

وعلى كلّ حال، فبعد الاعتقاد بعصمة الإمام المهدي عليه‌السلام لا يبقى شكٌّ في أنّه يتعامل مع الجميع وفق مقتضيات الحق والمصلحة العامة، وبما يُرضي الباري عزوجل ، وبما يرجع بالسعادة إلى الجميع، ومن ثم تحقيق الحياة الطيّبة على الأرض.

[1]. المازندراني، شرح أصول الكافي، 12 : 303 – 304. 

(28)

البحث الثاني:
من مفردات الحياة الطيّبة في ظل الدولة المهدوية

كل من يتابع التراث الديني في ما يتعلق بدولة العدل الإلهي، يجد أنّه قد خصّص قدرًا معتدًا به من النصوص لبيان ما سيكون في تلك الدولة، من خيراتٍ وبركاتٍ وراحة بالٍ وحياةٍ طيّبة، وهو أمر ليس بدعًا من طريقة الشريعة في تحفيز الأتباع على الالتزام بالدين وعلى العمل لأجل الوصول بالمجتمع إلى درجة من المقبولية لدى الخالق  عزوجل، ولذا نجد أنّ هناك كمًا كبيرًا من الآيات الكريمة قد نصّت على ما لا أذن سمعت ولا عين رأت ولا خطر على قلب بشر من النعيم في جنة الخلد، والآيات وإنْ ذكرت إلى جنب ذلك العذاب وما سيواجهه المذنبون من آلام ومخاطر، إلا أنّها لم تغفل أبدًا التركيز كثيرًا على ذكر النعيم المقيم، على مستوى نعيم البدن، وعلى مستوى نعيم الروح.

الأمر ذاته هو ما وجّهت النصوص الدينية مقدارًا مهمًا من اهتمامها نحوه فيما يتعلّق بدولة العدل الإلهي، ففي الوقت الذي ذكرت أنه عليه‌السلام سيكون شديدًا مع المنحرفين بعد أنْ يفتح لهم باب التوبة، ويعمل على هدايتهم بمختف الطرق، وإنْ كانت هي طريقة (ألزموهم بما ألزموا به أنفسهم)؛ ولذلك يجلس مع أهل الديانات ليناقشهم بمحتوى كتبهم، كما ورد هذا المعنى في بيان تسميته عليه‌السلام بالمهدي، إذ روي عن جابر بن يزيد الجعفي، عن الإمام الباقرعليه‌السلام أنَّه قال: «... فمن أطاعه فقد أطاع اللّه ومن عصاه فقد عصـى اللّه، فإنَّما سُمّي المهدي؛ لأنَّه يهدي لأمرٍ خفي، يستخرج التوراة وسائر كتب اللّه من غار بأنطاكية، فيحكم بين أهل التوراة بالتوراة، وبين أهل الإنجيل بالإنجيل، وبين أهل الزبور بالزبور، وبين أهل الفرقان بالفرقان...»[1].

(29)

أو كانت بمستوى إظهار الكرامات التي لا يمكن لغير المعصوم أنْ يأتي بها، كما ورد هذا المعنى في ما يفعله الإمام المهدي عليه‌السلام مع الحسني أمام جيشه الجرار، ففي رواية: «ويلحقه الحسني في اثني عشـر ألفًا، فيقول له: أنا أحقُّ منك بهذا الأمر، فيقول له: هات علامة، هات دلالة، فيومئ إلى الطير فيسقط على كتفه، ويغرس القضيب الذي بيده فيخضـرّ ويعشوشب، فيُسلِّم إليه الحسني الجيش، ويكون الحسني على مقدمته...»[1].

على كلّ حال، فإنّ الإمام عليه‌السلام في الوقت الذي يكون شديدًا في هذا الجانب، فإنّه أيضًا سيعمل على أنْ يجعل الناس يعيشون حياةً مستقرةً مطمئنةً هادئةً دافئةً خاليةً من المشاكل والأمراض والفقر والجهل، حياة ملؤها العنفوان والطيب والرزق والعطاء والتعاون، هي - كما أسلفنا - جنة أرضية.

والمفردات التي تدل على هذه الحقيقة كثيرة جدًا، لكن سنختار بعض العنوانات المتعلقة بها، كنماذج تحكيها بكل وضوح، ضمن المفردات الآتية:

المفردة الأولى: مكافحة الجبابرة وإماتة الظلم

يقضُّ مضاجعَ كثيرٍ من الناس - اليوم وأمس - وجودُ المتسلّطين على رقابهم، أو على مصادر أرزاقهم، فالظلمة - كانوا وما زالوا - يعملون على إشغال شعوبهم بما يجعلهم يفقدون التركيز على متابعة ظلم الظلمة، وبما يجعلهم منشغلين بتوفير ما يسدّ رمقهم، ولا يهمهم بعد ذلك من تسلط عليهم أو كيف تسلط عليهم، وشعار الظلمة في ذلك: (جوّع كلبك يتبعك)[2]!

(30)

لقد اتبع الظلمة على طول خط التاريخ أساليب متنوعة لذلك، منها ما تقدم، ومنها التنظير إلى نظريات معينة وتسويقها على أنّها هي الحق، والتي تكون نتيجتها ضرورة الرضوخ لحكم الظالم مهما كان، بل وتبرير ظلمه بمقولات تنسب إلى الدين، وعلى كلّ حال، فقد تعدّدت أساليب الظلمة في تبرير ظلمهم، وتمريره على الناس، وإرغامهم على القبول به، ولذا بقيت الأرض تئنّ من ظلمهم، وما زال عدد المظلومين في ازدياد، وما زالت القوى الكبرى تتحكم بمصائر الشعوب.

ذلك كلّه ليس أبديًا، وليس خالدًا، فإنّ الوعد الإلهي صرّح مذ بداية الإسلام ﴿كَتَبَ اللّهُ لَأَغْلِبَنَّ أَنَا وَرُسُلِي إِنَّ اللّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(المجادلة: 21). غايته أنّه يكون في الوقت المناسب حسب العلم والحكمة الإلهية، وهو ما يكون على يدي المنقذ الإمام المهدي عليه‌السلام، والنصوص الدالة على ذلك كثيرة جدًا، ومنها النصوص المتواترة لدى الفريقين من أنّه يملأ الأرض قسطًا وعدلًا بعدما ملئت ظلمًا وجورًا، ومنها النصوص الخاصة الدالة على ذلك ومنها ما روي عن حذيفة قال: سمعت رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يقول: «إذا كان عند خروج القائم، ينادي منادٍ من السماء: أيّها الناس، قُطع عنكم مدة الجبارين، وولي الأمر خير أمة محمد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، فالحقوا بمكة...»[1].

وواحدٌ من أفراد الظلمة والجبابرة ممن سيقضـي عليهم الإمام المهدي عليه‌السلام هو الشيطان، إذ روي عن وهب بن جميع مولى إسحاق بن عمّار، قال: سألت أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن قول إبليس: ﴿قالَ رَبِّ فَأَنْظِرْنِي إِلى يَوْمِ يُبْعَثُونَ. قالَ فَإِنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ. إِلى يَوْمِ الْوَقْتِ الْمَعْلُومِ﴾، قال له وهب: جُعلت فداك، أيّ يوم هو؟ قال: «يا وهب، أتحسب أنَّه يوم يبعث اللّه فيه الناس؟ إنَّ اللّه أنظره إلى يوم يُبعَث فيه قائمنا، فإذا بعث اللّه قائمنا كان في مسجد الكوفة، وجاء إبليس

(31)

حتَّى يجثو بين يديه على ركبتيه، فيقول: يا ويله من هذا اليوم، فيأخذ بناصيته فيضـرب عنقه، فذلك يوم الوقت المعلوم»[1].

ويمكن أنْ يكون بمعنى القتل الحقيقي، ويمكن أنْ يكون بمعنى قتل الجذور التي يُحرِّكها إبليس في داخل الإنسان، فينتفي الحافز لاتّباع خطواته. وهذا ما يُفسِّـر لنا وصول المجتمع الإنساني عمومًا إلى مرحلة عالية من العبادة والإخلاص في العمل لله تعالى.

وصرحت بعض النصوص بأنّ الظلم سينعدم تمامًا زمن ظهوره عليه‌السلام، فقد روى القندوزي في ينابيعه في قوله تعالى في سورة الحج: ﴿الَّذِينَ إِنْ مَكَّنَّاهُمْ فِي الْأَرْضِ أَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآَتَوُا الزَّكَاةَ وَأَمَرُوا بِالْمَعْرُوفِ وَنَهَوْا عَنِ الْمُنْكَرِ وَلِلَّهِ عَاقِبَةُ الْأُمُورِ﴾(الحج: 41). عن أبي الجارود عن الباقر عليه‌السلام قال: «هذه الآية نزلت في المهدي عليه‌السلام وأصحابه، يملّكُهم اللّه مشارق الأرض ومغاربها، ويُظهر اللّه بهم الدين، حتى لا يُرى أثر من الظلم والبدع»[2].

وعلى كلّ حال، فهذا الأمر من الوضوح بمكان، فلا نحتاج إلى الإطالة بذكر النصوص الدالة عليه.

المفردة الثانية: عموم الأمن

إنّ زوال الظلم والجبابرة، وهيمنة المعصوم على دفة الحكم، ووجود القادة والجنود المخلصين في دولته، يلازم تحقق مفهوم آخر، وهو الأمن، ووضع الشيء في موضعه، وعدم أخذ شيء إلّا بحق، وعدم الخوف من أي ظالم.

العدل والأمن زمن الظهور سيشمل الجميع بلا استثناء، فأمن الطرق متوفر، وأمن المرأة على نفسها موجود، وهكذا في كلّ مناحي الحياة.

والأمر المثير للتعجب، أنّ الأمن الذي سيكون زمن الظهور لا يختص بالبشر، وإنّما يعم حتى الحيوانات، وهو ما ذكرته النصوص - الخاصة والعامة - بوضوح.

(32)

عن أميرِ المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «...ولو قد قامَ قائمُنا لأنزلتِ السماءُ قطرها، ولأخرجتِ الأرضُ نباتها، ولذهبَ الشحناءُ من قلوبِ العباد، واصطلحتِ السباعُ والبهائمُ، حتى تمشي المرأةُ بينَ العراقِ إلى الشام لا تضعُ قدميها إلا على النبات، وعلى رأسِها زينتها (زنبيلها) لا يُهيجها سبعٌ ولا تخافه»[1].

وعن ابن عباس في قوله (تعالى): ﴿لِيُظْهِرَهُ عَلَى الدِّينِ كُلِّهِ وَلَوْ كَرِهَ الْمُشْرِكُونَ﴾(التوبة: 33) قال: «لا يكونُ ذلك حتى لا يبقى يهوديٌ ولا نصرانيٌ ولا صاحبُ ملّةٍ إلا دخلَ في الإسلامِ، حتى أمنَ الشاةُ والذئبُ والبقرةُ والأسدُ والإنسانُ والحيةُ، وحتى لا تقرض فأرةٌ جرابًا...»[2].

وفي سفرِ إشعيا جاء: «...إِنَّمَا يَقْضِي بِعَدْلٍ لِلْمَسَاكِينِ، وَيَحَكُمُ بِالإِنْصَافِ لِبَائِسِي الأَرْضِ، وَيُعَاقِبُ الأَرْضَ بِقَضِيبِ فَمِهِ، وَيُمِيتُ الْمُنَافِقَ بِنَفْخَةِ شَفَتَيْهِ، لأَنَّهُ سَيَرْتَدِي الْبِرَّ، وَيَتَمَنْطَقُ بِالأَمَانَةِ، فَيَسْكُنُ الذِّئْبُ مَعَ الْحَمَلِ، وَيَرْبِضُ النِّمْرُ إِلَى جِوَارِ الْجَدْيِ، وَيَتَآلَفُ الْعِجْلُ وَالأَسَدُ وَكُلُّ حَيَوَانٍ مَعْلُوفٍ مَعًا، وَيَسُوقُهَا جَمِيعًا صَبِيٌّ صَغِيرٌ، تَرْعَى الْبَقَرَةُ وَالدُّبُّ مَعًا، وَيَرْبِضُ أَوْلاَدُهُمَا مُتجَاوِرِينَ، وَيَأْكُلُ الأَسَدُ التِّبْنَ كَالثَّوْرِ، وَيَلْعَبُ الرَّضِيعُ فِي (أَمَانٍ) عِنْدَ جُحْرِ الصِّلِّ، وَيَمُدُّ الفَطِيمُ يَدَهُ إِلَى وَكْرِ الأَفْعَى (فَلاَ يُصِيبُهُ سُوءٌ)...»[3].

إنّ هذا المعنى (فيما يخص اصطلاح الحيوانات المفترسة مع فرائسها) في الوقت الذي يمكن أنْ يكون بالمعجزة، يُمكن حمله على تطور وسائل ترويضها، بحيث لا تتجاوز على بقية الحيوانات، وحقيقة الحال فيها عند الظهور تنكشف، أدركنا اللّه وإياكم به.

وعلى كلّ حال، فهذا أمرٌ من شأنه أنْ يضيف دفئًا للحياة وإحساسًا بالطمأنينة، وشعورًا بالرضا، مما يجعل منها لوحةً خضراء لا تجد فيها النفس إلا ما يسرّها.

(33)
المفردة الثالثة: تنمية العلم والثقافة

لا تجد حضارةً تريد أنْ تتربع على عرش القلوب وكرسي الحكم ما لم تكن مستندةً إلى العلم والمعرفة، فالأمة لا تنمو مع الجهل، والحياة لا تستمر معه، إنّما هو العلم، مصباح يكشف الظلمات، وبه تتطور الحياة، وهو أمرٌ بديهي وجداني، ومن ثم فإنّ السعادة لا تكون مع الجهل، ولا مع التخلف، وأيّ حضارةٍ ترنو إلى إضفاء السعادة على حياة أتباعها لا بدّ لها من العلم والمعرفة، مشفوعةً بالعمل على وفق المناهج المعرفية المطروحة.

نعم، هذا لا يعني الخلود لأيّ حضارةٍ قامت على العلم والمعرفة، ما لم يكن ذلك مصحوبًا بالإيمان باللّه تعالى، هكذا كانت سُنّة اللّه تعالى في  هذه الدنيا؛ ولذا ذكر القرآن الكريم حضاراتٍ كبيرةً طُمست وأُهلكت؛ لأنّها لم تكن مؤمنةً باللّه تعالى، كقوم عاد، وأصحاب الأيكة، وغيرهم، ولسنا في صدد بيان ذلك، إنّما هي إشارة سريعة.

وعلى كل حال، فإنّ الدولة المهدوية ليست دولةً متخلفة، ولا دولة تقف بالضد من العلم، بل إنّها دولة العلم، إلى جانب العمل، وهما - أعني العلم والعمل- ركنا التطور ومركب الحضارة وسلم النجاح، والنصوص الدالة على هذه الحقيقة أكثر من أنْ تُحصى، إلّا أنّه سيُركَّز هنا على تبويبها منهجيًا حسب ما يسمح به البحث.

إنّ النصوص المستقبلية تحكي لنا تطورًا هائلًا في العلوم والمعارف، على وفق منهجيةٍ منطقيةٍ علميةٍ وغيبية، يترأس إدارتها الإمام المهدي عليه‌السلام، ويمكن تنقيط تلك المنهجية بالآتي:

أولًا: ترؤس الإمام المهدي عليه‌السلام عملية التطوير الذهني والمعرفي

وتسنمه هذا الموقع من شأنه أنْ يأتي بأفضل الطرق في سبيل تحقيق ذلك؛ لأنّه الإمام المعصوم، وصاحب العلم اللدني، فلا ريب في إتيانه بما هو الأفضل مطلقًا في تحقيق هذا الأمر.

(34)

وفي ذلك روي عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام قَالَ: «إِذَا قَامَ قَائِمُنَا وَضَعَ اللّهُ يَدَه عَلَى رُؤُوسِ الْعِبَادِ، فَجَمَعَ بِهَا عُقُولَهُمْ، وكَمَلَتْ بِه أَحْلَامُهُمْ»[1].

هذا التعبير واضح في أن الإمام عليه‌السلام سيكون على رأس العمل العلمي والأخلاقي في دولته المباركة، ومن ثَمّ سيعمل على جمع العقل وإكمال الأحلام والأفهام، بما سيمهد لنشر العلم والمعرفة بطريقة لم يسبق لها نظير.

ترؤس الإمام عليه‌السلام عملية التطوير الذهني، سيؤدي إلى الانفتاح العلمي الهائل الذي لم يسبق له نظير، بحيث يكون كلّ ما وصل إليه العلم إلى يومنا هذا - الذي نرى فيه قفزات مهولة وآخرها الذكاء الاصطناعي- جزءًا يسيرًا ممّا سيأتي به عليه‌السلام، وهو ما ورد صريحًا فيما روي عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام أنّه قال: «العلم سبعة وعشرون حرفًا، فجميع ما جاءت به الرسل حرفان، فلم يعرف الناس حتى اليوم غير الحرفين، فإذا قام القائم عليه‌السلام أخرج الخمسة والعشرين حرفًا، فبثّها في الناس، وضمّ إليها الحرفين، حتى يبثَّها سبعة وعشرين حرفًا»[2].

وهذا سيؤدي إلى الوصول بالعلم والمعرفة إلى غايتها وآخرها ونهايتها، فصحيح أنّ العلوم كثيرة جدًا، إلّا أنّ الإنسان لما كان متناهيًا، وله قدرات محدودة وقابليات لها سقف تنتهي إليه، فالعلوم التي يتمكن من إدراكها أيضًا تكون محدودةً بحدود تلك السُقف والقابليات، والوصول بالمعلوم والمعارف إلى غايتها القصوى الممكنة للبشر لا يكون إلا على يدي الإمام المهدي عليه‌السلام، وهذا يعني أنّ العلم والمعرفة التي ستصل إليها البشرية زمن ظهوره عليه‌السلام هي أقصى وآخر محطة يمكن أنْ تحصل في الدنيا، وهو ما عبّر عنه أمير المؤمنين عليه‌السلام فيما روي عنه من أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام سيختم كل العلوم التي سيفتحها هو عليه‌السلام، فقد روي عنه عليه‌السلام أنّه قال لكميل بن زياد: «يا كميل ما من علم إلَّا وأنا أفتحه، وما من سرٍّ إلَّا والقائم عليه‌السلام يختمه»[3].

(35)

وكلّ ذلك سيؤدي إلى الوصول بالمجتمع إلى الرقي العلمي، الأمر الذي عبّرت عنه بعض النصوص بإتيان الناس الحكمة، بنحوٍ أنّ المعارف تصل مبلغًا يجعل المرأة تحكم بكتاب اللّه تعالى، وهذا التعبير يشير إلى نمو المعرفة - خصوصًا الدينية منها - لدى مختلف طبقات المجتمع، فقد روي عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام أَنَّهُ قَالَ:‏ «... وَتُؤْتَوْنَ الْحِكْمَةَ فِي زَمَانِهِ، حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ لَتَقْضِي فِي بَيْتِهَا بِكِتَابِ اللّه تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » [1].

ثانيًا: تطوّر الإدراك لدى المؤمنين

يتطوّر الإدراك عند المؤمنين بنحو تكون عندهم القدرة على رؤية ما وراء المادة، وبيانه:

نحن مقيّدون بعالم المادة وأحكامه، فلا نرى إلا بشروط، ولا نرى إلّا المادي، بل لا نرى كلّ مادي، وإنّما نرى ما يُمكن للعينين أنْ تلتقطه؛ ولذلك احتجنا إلى المجاهر - على اختلافها - لرؤية الماديات الصغيرة والدقيقة.

نحن لا نرى إلّا الماديات؛ ولذا لا نتمكن من رؤية الملائكة، رغم تواجدها بيننا، خصوصًا في أوقات وأماكن العبادة، وبعيدًا عن تفصيل أسباب ذلك، فإنّ القدر المتيقن منها هو أنّ مدارك عموم البشر لم تصل إلى مستوى خرق حجاب المادة وتجاوزه وصولًا إلى إدراك المعنويات والمجردات، رغم وجود القابليات على ذلك، إلا أنّ هناك موانع عديدة تمنع من ذلك، منها الذنوب، ومنها عدم التوفر على الطرق المناسبة لتجاوز حدود المادة.

الرسل كانوا يرون الملائكة، وربما رآهم بعض الأولياء، ولا نريد ذكر الشواهد على ذلك؛ لأنّها ليست محل البحث، المهم أنْ نشير إلى بعض النصوص تصرح بأنّ مدارك المؤمنين ستتطور زمن الظهور المبارك، بحيث يتمكنون من التواصل المباشر مع الملائكة، وبحيث يصبحون بمقام يأمرون الملائكة في قضاء حوائجهم، ولا غرابة، فإنّ إمامهم هو المهدي عليه‌السلام وهو الذي سيكمل عقولهم وأحلامهم.

(36)

وتواجد الملائكة لخدمة المؤمنين لا شك في أنّه يدخل في سياق توفير الحياة الطيّبة للمؤمنين، وأيّ حياة!

إنّها حيث تكون الملائكة مستعدةً لقضاء أي حاجة يريدها المؤمن.

رويَ عن أبي الحسن الرضا عليه‌السلام قال: «إذا قامَ القائم، يأمرُ اللّهُ الملائكةَ بالسلامِ على المؤمنين، والجلوسِ معهم في مجالسهم، فإذا أرادَ واحدٌ حاجةً أرسلَ القائمَ من بعضِ الملائكةِ أنْ يحمله، فيحمله الملكُ حتى يأتيَ القائم، فيقضي حاجته، ثم يرده. ومن المؤمنين من يسيرُ في السحاب، ومنهم من يطيرُ مع الملائكة، ومنهم من يمشي مع الملائكة مشيًا، ومنهم من يسبقُ الملائكة، ومنهم من تتحاكمُ الملائكةُ إليه، والمؤمنون أكرمُ على اللّهِ من الملائكة، ومنهم من يُصيّرُه القائمُ قاضيًا بين مائةِ ألفٍ من الملائكة»[1].

ثالثًا: تطور الصناعات

إنّ عصب الحياة المدنية هي الصناعة، وتقديم ابتكارات جديدة مؤشر لنجاحها، وتسهيل عقبات الحياة من خلال الآلة أضحى اليوم هدفًا يسعى إليه الجميع، بحيث أصبح مقياس الرقي والتقدم هو تقدم الصناعة وتنوع الابتكارات.

الدولة المهدوية لن تغفل هذا الجانب، وستقدم الصناعة أفضل ما يمكن تقديمه من أجل تسهيل حياة الناس والانتقال بها إلى حياة اليسر والنعمة والرفاهية، وهو أمر قد حكته النصوص بمختلف التعبيرات.

وقبل أنْ نذكر بعض النصوص نشير إلى قضيةٍ مهمةٍ في عموم مثل هذه الروايات، وهي:

أنّ فهم تلك النصوص يمكن أنْ يكون على أحد نحوين:

الأول: الفهم الحرفي لها، وذلك بأنْ نحمل الألفاظ الواردة فيها على معانيها التي وضعت لها، من دون حملها على الكنايات أو المجاز وما ناظر هذه الأساليب البلاغية.

(37)

وحينئذٍ، إنْ أمكن فهم معانيها بما يتلاءم مع القانون الطبيعي للحياة، أخذنا به، وإلا فنحملها على المعجزة.

الثاني: أنْ نفهم الكناية من تلك النصوص، وأنّ المقصود الجدّي للمعصوم حينما ذكر تلك الألفاظ هي الإشارة إلى التطور الصناعي الهائل، غايته أنّ الناس في زمن صدور النصّ لم يكن بوسعهم فهم التطور الهائل؛ ولذا استعمل المعصوم الألفاظ التي يفهمون معانيها، ولكنّه كان يقصد معاني متناسبةً مع التطور.

وسيتبين معنى هذين النحويين عند عرض بعض النصوص في ذلك.

وعلى كلّ حال فالنصوص الدالة على تطور الصناعة وما يلحق بها كثيرة، نختار منها عنوانين:

الأول: ديمومة النور والضياء، بحيث يُستغنى عن ضوء الشمس

فقد روي عن المفضل بن عمر الجعفي، قال: «سمعت أبا عبد اللّه عليه‌السلام يقول: إنّ قائمنا إذا قام أشرقت الأرض بنور ربّها، واستغنى العباد عن ضوء الشمس، وصار الليل والنهار واحدًا، وذهبت الظلمة... » [1].

يُمكن أنْ نفهم المعنى الحقيقي لألفاظ هذه الرواية، ويكون المعنى أنّ اللّه تعالى بقدرته التكوينية المطلقة، يذهب بالظلمة، ويُبقي النور مستمرًا، إلا أن الراجح هو حملها على معنى آخر متناسب مع التطور العلمي والصناعي، وهو: أنْ تتطور شبكات الكهرباء -أو طاقة أخرى ستُكتشف في وقتها- بحيث تستمر الإضاءة ليلًا، بحيث يستغني الناس عن الشمس؛ لأنّ الإضاءة قوية ومستمرة، وتعبير الرواية بأنّ العباد يستغنون عن ضوء الشمس لعله يؤيد هذا المعنى.

الثاني: تطوّر وسائل التواصل

نشهد اليوم قفزات علمية هائلة في شبكات الاتصال والتواصل، إذ أضحى العالم كقرية صغيرة، يمكن أنْ تزور وتطلع على أيّ جزء منها بنقرة على شاشة

(38)

بين يديك، وما زال التسابق مستمرًا لتقديم ابتكارات جديدة في هذا الشأن.

النصوص تشير إلى تطوّرٍ كبيرٍ في التواصل زمن الظهور، ما ورد فيها يُمكن فهمه بكلّ يسر بعد أنْ رأينا التطور العلمي الهائل في التواصل والاتصال؛ ولذا لا يتعب الفكر كثيرًا في إمكان حملها على القانون الطبيعي لا الإعجاز الخارج عن قدرات البشر، نعم، هذا لا يعني أنْ ما يأتي به عليه‌السلام مشابهٌ للموجود في عصرنا، وإنّما لا شك في أنّه سيكون أرقى بكثير، خصوصًا إذا تذكرنا رواية تقدم العلوم والإتيان بأجزاء العلم كلّها وبثّها بين الناس.

عن أبي عبدِ اللّه عليه‌السلام أنّه قال: «إنَّ قائمَنا إذا قامَ مدَّ اللّهُ لشيعتِنا في أسماعِهم وأبصارِهم، حتى يكونَ بينهم وبينَ القائمِ بريد، يُكلِّمُهم ويسمعون وينظرون إليه وهو في مكانه» [1].

فهذه الروايةُ تقول: بأنّ المسافة بينَ المؤمنِ وبينَ الإمامِ عليه‌السلام ستكونُ في زمنِ الظهور بمقدار (بريد) أي أربعة فراسخ، أي ما يقربُ من (20 كم)، ومع ذلك يسمعونَ الإمامَ وينظرونَ إليه، وربما يكون (البريد) مثالًا لا موضوعية له، فيكون المقصود هو سماع الإمام ورؤيته من مسافات بعيدة.

وفي روايةٍ أخرى إضافة (لا) قبل (يكون) أي هكذا: «حَتَّى لَا يَكُونَ بَيْنَهُمْ وبَيْنَ الْقَائِمِ بَرِيدٌ، يُكَلِّمُهُمُ فَيَسْمَعُونَ ويَنْظُرُونَ إِلَيْه وهُوَ فِي مَكَانِه» [2].

والمقصودُ حينئذٍ هو أنَّ التواصُلَ بينهم يكونُ من دونِ حاجةٍ إلى (بريد) أي رسول يتوسّطُ في نقلِ كلامِ بعضهم إلى بعضهم الآخر.

وروي عن أبي عبدِ اللّه عليه‌السلام أنّه قال: «إنَّ المؤمنَ في زمانِ القائمِ وهو بالمشرقِ ليرى أخاه الذي في المغرب، وكذا الذي في المغربِ يرى أخاه الذي في المشرق» [3].

(39)

والروايةُ واضحةٌ في أنَّ بُعدَ المسافات لن يُشكِّلَ مانعًا من التواصُلِ المُباشرِ بينَ المؤمنين زمن الظهور المبارك.
وروي عن أبي جعفر عليه‌السلام أنّه قال: «إذا قامَ القائمُ بعثَ في أقاليمِ الأرضِ في كُلِّ إقليمٍ رجلًا يقول: عهدُك في كفّك، فإذا وردَ عليك أمرٌ لا تفهمه ولا تعرفُ القضاءَ فيه، فانظرْ إلى كفّك واعملْ بما فيها... » .
فهذا النص يشير إلى وجود شيء عند المؤمن يجيبه عن كلّ سؤال يرد عليه، ولعله من خلال جهاز متطوّر، أو لعلّه بالمعجزة (إذا أبى أحدهم عن فهم الرواية بما يتناسب مع القانون الطبيعي).

المفردة الرابعة: الرفاهية الاقتصادية 

التدهور الاقتصادي، وعدم استقرار أسعار الصرف، وتذبذب القوة الشرائية للعملات، وعدم توفر وحدات سكن كافية للجميع، والديون، والفقر، وعدم وجدان الأساسيات فضلًا عن الكماليات، مشاكل كانت وما زالت تجثم على صدور كثير من بني البشر، وكابوس أرعب المستيقظين فضلًا عن النائمين، وفي الوقت ذاته، أضحت الرفاهية الاقتصادية حلمًا ورديًا يخدع الظلمة به مستضعفي بني آدم، حينما يرسمون لهم لوحات منها على ورق الخيال، وينسجون لهم قصورًا فارهة على قارعة الوهم، فحقنوهم من مصل الأوهام والخديعة ما جعلهم يفدون أنفسهم لأجلهم، فأضحوا كذاك الذي باع دنياه وآخرته بدنيا غيره!

الأمل لم ينقطع، والحلم لا بدّ أنْ يتحقّق، والرفاهية الاقتصادية وعد إلهي وعد به المنتظرين والمؤمنين يحقّقه لهم حال ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام  ليكون الاقتصاد أحد الجوانب التي سيوليها عليه‌السلام أهميةً قصوى، لينسى الناس آنذاك ما مرّوا به من زلازل اقتصادية، وليناموا على رغد العيش في ظلّ دولته المباركة، وليعيشوا حياةً طيّبةً لا تشبهها حياة دنيوية البتة.

(40)

وتحدثنا النصوص الدينية عن أنّ الرفاهية الاقتصادية ستكون على أعلى مستوياتها إبان الظهور المبارك، وأنّ تلك الرفاهية ستكون بمستوى ينتعش المجتمع من جميع النواحي، وحتى تتضح الصورة نذكر الآتي:

أولًا: تدفق الخيرات التكوينية بين يدي الإمام المهدي عليه‌السلام

هناك خيراتٌ كامنةٌ في الأرض، وأخرى عالقةٌ في السماء، تنتظر اليوم الموعود لتنفض عنها تراب التاريخ، وتخرج لبني آدم فتكون في خدمتهم.

هناك ثرواتٌ هائلةٌ في باطن الأرض، وهناك أرض كانت وما زالت عطشى ترنو لقطرات السماء لتغيثها من الظمأ، وإذا أمطرت السماء، وخرجت كنوز

لأرض، فإنّ أحد أهم ما يترتب على ذلك هو انتعاش الزراعة من جهة، وتوفر الموادّ الأولية للصناعات من جهة ثانية، وسيولة القوة الشرائية - بالبيع والشراء أو المقايضة أو أي طريقة أخرى - من جهةٍ ثالثة.

وتلك الأمور كلّها ستكون حاضرةً عند الظهور المقدّس، حيث صرّحت النصوص الخاصة والعامة بأنّ الأرض ستخرج كنوزها، وأنّ السماء ستنزل قطرها، لتنتعش الأرض ومن فيها ببركات ذلك.

فقد روي عن محمد بن مسلم الثقفي قال: سمعت أبا جعفر محمد بن علي الباقر عليه‌السلام يقول: «القائم منا منصور بالرعب، مؤيد بالنصر، تطوى له الأرض وتظهر له الكنوز، يبلغ سلطانه المشرق والمغرب... » [1].

وعن المفضل بن عمر، عن أبي عبد اللّه عليه‌السلام «وتظهر الأرض كنوزها حتى يراها الناس على وجهها، ويطلب الرجل منكم من يصله بماله ويأخذ منه زكاته فلا يجد أحدًا يقبل منه ذلك، استغنى الناس بما زرقهم اللّه من فضله» [2].

(41)
ثانيًا: إعادة تقسيم الثروات

في تقارير عالمية، أنّ الثروات محبوسةٌ تحت أيدي نسبة ضئيلة جدًا من البشر «وبحسب التقرير فإنّ أغنى 1 بالمئة في العالم يمتلكون 46 بالمئة من جميع الأصول الخاصة، في حين أنّ أغنى 10 بالمئة يمتلكون 82 بالمئة من الثروة العالمية»[1].

ومن ثم، فإنّ الثروات لم توزع بطريقةٍ عادلةٍ على البشر، وقد عمل القانون الإسلامي على التكافل الاجتماعي بتشريعه النفقات الواجبة منها والمستحبة، حتى أنّ بعض النصوص عدّت فقر الفقراء بسبب منع الأغنياء من إعطاء ما عليهم من حقوق، فقد روي أنّ أمير المؤمنين عليه‌السلام قال: «إِنَّ اللّهَ سُبْحَانَه فَرَضَ فِي أَمْوَالِ الأَغْنِيَاءِ أَقْوَاتَ الْفُقَرَاءِ، فَمَا جَاعَ فَقِيرٌ إِلَّا بِمَا مُتِّعَ بِه [مَنَعَ. خ.ل] غَنِيٌّ، واللّهُ تَعَالَى سَائِلُهُمْ عَنْ ذَلِكَ» [2].

وروي عنه عليه‌السلام أنّه قال: «إن اللّه فرض على الأغنياء في أموالهم بقدر ما يكفي فقراءهم، وإن جاعوا وعروا وجهدوا فبمنع الأغنياء، وحق على اللّه أن يحاسبهم يوم القيامة ويعذبهم عليه» [3].

من هذا يُعلم أنّ أحد أسباب تفشي الفقر بين الناس هو انحصار الثروة بيد القلائل منهم، وعيش البقية منهم على فتات وكسرات خبزهم.

ولعلّه لأجل ذلك، تذكر بعض النصوص الروائية أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام عندما يظهر، فإنّه سيأخذ الأموال من الناس، وأنّه سيتعامل مع الظلمة والكفرة منهم ممن يعاند ويطغى بالقوة، بحيث يخرجه صاغرًا من أرضه وأملاكه، ومن تلك النصوص:

«عن عمر بن يزيد قال: سمعتُ رجلًا من أهل الجبل يسأل أبا عبد اللّه عليه‌السلام عن رجل اخذ أرضًا مواتًا تركها أهلها فعمرها وأكرى أنهارها وبنى فيها بيوتًا

(42)

وغرس فيها نخلًا وشجرًا؟ قال: فقال أبو عبد اللّه عليه‌السلام: كان أمير المؤمنين عليه‌السلام يقول: من أحيا أرضًا من المؤمنين فهي له، وعليه طسقها، يؤدّيه إلى الامام في حال الهدنة، فإذا ظهر القائم عليه‌السلام فليوطّن نفسه على أنْ تؤخذ منه» [1].

والطسق: كلمة فارسية معربة، وتعني: خراج الأرض [2].

والهدنة: الصلح والموادعة بين المسلمين والكفار وبين كل المتحاربين[3].

والمقصود من زمان الهدنة في الرواية هو زمن ما قبل ظهوره؟عج؟، بقرينة المقابلة بينه وبين زمن ظهوره عليه‌السلام في ذيلها.

وعلى كلّ حال فالرواية واضحة في أمر المؤمنين بتوطين النفس على تسليم الأرض وما يملك للإمام المهدي عليه‌السلام، وهذا - كما قلنا - يدخل تحت خطة إعادة تقسيم الثروات.

وفي نصٍّ آخر يبيّن أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام سيتعامل في هذا الشأن مع فئتين من الناس:

فئة المؤمنين، وهؤلاء سيأخذ منهم خراج الأرض ويُبقي الأرض تحت أيديهم.

وفئة الكافرين، وهؤلاء سيُخرجهم من الأرض صاغرين.

وفي ذلك روي عَنْ عُمَرَ بْنِ يَزِيدَ قَالَ: «رَأَيْتُ مِسْمَعًا بِالْمَدِينَةِ وقَدْ كَانَ حَمَلَ إِلَى أَبِي عَبْدِ اللّهِ عليه‌السلام تِلْكَ السَّنَةَ مَالًا، فَرَدَّه أَبُو عَبْدِ اللّهِ عليه‌السلام. فَقُلْتُ لَه: لِمَ رَدَّ عَلَيْكَ أَبُو عَبْدِ اللّه عليه‌السلام الْمَالَ الَّذِي حَمَلْتَه إِلَيْه؟ قَالَ: فَقَالَ لِي: إِنِّي قُلْتُ لَه حِينَ حَمَلْتُ إِلَيْه الْمَالَ: إِنِّي كُنْتُ وُلِّيتُ الْبَحْرَيْنَ الْغَوْصَ، فَأَصَبْتُ أَرْبَعَمِائَةِ أَلْفِ دِرْهَمٍ، وقَدْ جِئْتُكَ بِخُمُسِهَا بِثَمَانِينَ أَلْفَ دِرْهَمٍ، وكَرِهْتُ أَنْ أَحْبِسَهَا عَنْك، وأَنْ أَعْرِضَ لَهَا وهِيَ حَقُّكَ الَّذِي جَعَلَه اللّهُ تَبَارَكَ وتَعَالَى فِي أَمْوَالِنَا. فَقَالَ عليه‌السلام: «أوَمَا لَنَا مِنَ الأَرْضِ ومَا أَخْرَجَ اللّهُ مِنْهَا إِلَّا الْخُمُسُ يَا أَبَا سَيَّارٍ؟! إِنَّ الأَرْضَ كُلَّهَا لَنَا،

(43)

فَمَا أَخْرَجَ اللّهُ مِنْهَا مِنْ شَيْءٍ فَهُوَ لَنَا». فَقُلْتُ لَه: وأَنَا أَحْمِلُ إِلَيْكَ الْمَالَ كُلَّه. فَقَالَ عليه‌السلام: «يَا أَبَا سَيَّارٍ، قَدْ طَيَّبْنَاه لَكَ وأَحْلَلْنَاكَ مِنْه، فَضُمَّ إِلَيْكَ مَالَكَ، وكُلُّ مَا فِي أَيْدِي شِيعَتِنَا مِنَ الأَرْضِ فَهُمْ فِيه مُحَلَّلُونَ، حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا فَيَجْبِيَهُمْ طَسْقَ مَا كَانَ فِي أَيْدِيهِمْ، ويَتْرُكَ الأَرْضَ فِي أَيْدِيهِمْ، وأَمَّا مَا كَانَ فِي أَيْدِي غَيْرِهِمْ، فَإِنَّ كَسْبَهُمْ مِنَ الأَرْضِ حَرَامٌ عَلَيْهِمْ، حَتَّى يَقُومَ قَائِمُنَا، فَيَأْخُذَ الأَرْضَ مِنْ أَيْدِيهِمْ ويُخْرِجَهُمْ صَغَرَةً» [1].

علمًا أننا في هذا البحث لسنا في مقام الفتوى ولا من أهلها، إنّما هو استنطاق للنصوص في هذه المفردة، وربما هناك طريقة معينة يستعملها الإمام عليه‌السلام في تقسيم الثروة غير ما يبدو لنا من النصوص، بحيث تكون النصوص كنايةً عن تقسيم الثروة بطريقةٍ أخرى، واللّه العالم.

إنْ قلت: أليس هذا ظلمًا، لا بدّ أنْ ننزّه المعصوم عنه؟

قلت: إنّ الجواب يكمن في السؤال نفسه، فما دام هو عليه‌السلام معصومًا، فلا ريب أنّ ما سيفعله موافق للأمر الإلهي، وهو موضع رضاه جلّ وعلا، ومن ثم لا بدّ أنْ يكون لحكمةٍ بالغة؛ لأنّه معصوم.

على أنّ الذي يبدو من النصوص أنّ هذه عملية - كما تبين من العنوان - هي إعادةٌ لتقسيم الثروات؛ ولذا تذكر النصوص أنّ الغنى سيملأ القلوب، وأنّ صاحب الزكاة لا يجد فقيرًا ليعطيه زكاة أمواله، وأنّ الفقر سينعدم، وأنّ من يريد مالًا فإنّه سيجد الخزائن مفتحةً له ليأخذ منها بغير حساب، ضمن عملية ستتبين لاحقًا إن شاء اللّه.

ويبدو أنّ المقصود من هذه النصوص هو أنّ الإمام عليه‌السلام سيفعل ذلك في بداية ظهوره وقبل استقرار الدولة أمنيًا واقتصاديًا، وإلّا، فإنّه سيقوم بتوزيع الثروات على كلّ الناس، وهو ما سنذكره الآن.

(44)
ثالثًا: توزيع الثروات على الناس عمومًا

بتتبع النصوص الواردة في هذا المضمار، يظهر أنّ الإمام المهدي عليه‌السلام سيعمد إلى سياسة مالية لا نظير لها، ليوصل أفراد المجتمع جميعًا - ومن دون استثناء - إلى حالةٍ من الغنى، بحيث يستغنون معها عن الأموال، وهذه السياسة تتضمن:

1. توزيع مرتبات نصف شهرية،

2. توزيع مرتبات نصف سنوية،

فقد روي عَنْ حُمْرَانَ بْنِ أَعْيَنَ، عَنْ أَبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام أَنَّهُ قَالَ:‏ «كَأَنَّنِي بِدِينِكُمْ هَذَا لَا يَزَالُ مُتَخَضْخِضًا[1]، يَفْحَصُ بِدَمِهِ[2]، ثُمَّ لَا يَرُدُّهُ عَلَيْكُمْ إِلَّا رَجُلٌ مِنَّا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَيُعْطِيكُمْ فِي السَّنَةِ عَطَاءَيْنِ، وَيَرْزُقُكُمْ فِي الشَّهْرِ رِزْقَيْنِ، وَتُؤْتَوْنَ الْحِكْمَةَ فِي زَمَانِهِ، حَتَّى إِنَّ المَرْأَةَ لَتَقْضِي فِي بَيْتِهَا بِكِتَابِ اللّه تَعَالَى وَسُنَّةِ رَسُولِ اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »[3].

3. توزيع الأموال على الناس عمومًا بالسوية،

4. فتح الخزائن لمن يريد مالًا ليأخذ كل ما يحتاج إليه.

فقد روي عن أبي سعيد الخدري قال: قال رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «أبشركم بالمهدي عليه‌السلام، يبعث في أمتي على اختلاف من الناس، وزلزال، فيملأ الأرض قسطًا وعدلًا، كما ملئت جورًا وظلمًا، يرضى عنه ساكن السماء، وساكن الأرض، يقسم المال صحاحًا».

فقال له رجل: ما صحاحًا؟

قال عليه‌السلام: «بالسوية بين الناس».

(45)

قال صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم: «ويملأ اللّه قلوب أمة محمد غنىً، ويسعهم عدله، حتى يأمر مناديًا فينادي، فيقول: من له في المال حاجة؟ فما يقوم من الناس إلّا رجل واحد، فيقول: أنا، فيقال له: ائت السادن - يعني الخازن - فقل له: إنّ المهدي يأمرك أنْ تعطيني مالًا، فيقول له: احث. فيحثي، حتى إذا جعله في حجره وأبرزه في حجره ندم، فيقول: كنت أجشع أمة محمد نفسًا، أو عجز عني ما وسعهم، فيرده فلا يقبل منه، فيقال له: إنا لا نأخذ شيئًا أعطيناه» [1].

المفردة الخامسة: تقوية البنى التحتية للدولة

تمثّل البنى التحتية عنصرًا مهمًا من عناصر قياس التقدم الحضاري، وسببًا من أسباب راحة المجتمع؛ لأنّها تدخل في موجبات الاستقرار العام، وهذا أمرٌ واضح.

إنّ البنى التحتية التي ستكون في الدولة المهدوية كثيرة، منها ما تقدمت الإشارة إليه - خصوصًا ما يتعلق بانتشار الأمن والعدل والاطمئنان على الحقوق وعدم الخوف من سلبها -، ومنها عناوين أخرى سنقتصر- اختصارًا - على العناوين الآتية:

أولًا: تقوية الروابط الاجتماعية وفق الإخاء الديني

كلّما قويت الروابط الاجتماعية بين أفراد المجتمع، اقترب الجميع من الطمأنينة والراحة، فالرجل- مثلًا - عندما يُسافر سيكون مطمئنًا على عياله لو كان مرتاح البال من جهة جيرانه ألّا يؤذوهم، فضلًا عما لو كان متيقنًا من أنّهم لن يتركوا عياله محتاجين، وهكذا على جميع المستويات الأخرى.

النصوص المهدوية صرحت في أكثر من مناسبة على أنّ الروابط الاجتماعية ستكون على أعلى مستوياتها المتصورة زمن الظهور، بنحو سيعدّ الفرد كلّ أفراد المجتمع عائلته، يحميهم ممّا يحمي أباه وأمه وزوجته وولده، ويدفع عن الجميع ما يدفع عنهم، وفي ذلك روي عن أبي عبد اللّه أنّه قال: «إن أصحاب القائم يلقى بعضهم بعضا كأنهم بنو أب وأم، وإنْ افترقوا عشاء

(46)

التقوا غدوة» [1].

وعن إسحاق بن عمار قال: كنت عند أبي عبد اللّه عليه‌السلام  فذكر مواساة الرجل لإخوانه ما يجب له عليهم، فدخلني من ذلك أمرٌ عظيم، فقال عليه‌السلام: «إنّما ذلك إذا قام قائمنا وجب عليهم أنْ يجهزوا إخوانهم وأنْ يقوُّوهم» [2].

وفي نصٍّ آخر بيّن الإمام الباقر عليه‌السلام أنّ المزاملة الحقيقية تحصل زمن ظهور القائم عليه‌السلام، فقد رويَ عَنْ بُرَيْدٍ العِجْلِيَّ، قَالَ: قِيلَ لأبِي جَعْفَرٍ عليه‌السلام: إِنَّ أصْحَابَنَا بِالكُوفَةِ جَمَاعَةٌ كَثِيرَةٌ فَلَوْ أمَرْتَهُمْ لأطَاعُوكَ وَاتَّبَعُوكَ، فَقَالَ: «يَجِيءُ أحَدُهُمْ إِلَى كِيس أخِيهِ فَيَأخُذُ مِنْهُ حَاجَتَهُ»؟، فَقَالَ: لا، قَالَ عليه‌السلام: «فَهُمْ بِدِمَائِهِمْ أبْخَلُ».

ثُمَّ قَالَ عليه‌السلام: «إِنَّ النَّاسَ فِي هُدْنَةٍ، نُنَاكِحُهُمْ وَنُوَارثُهُمْ، وَنُقِيمُ عَلَيْهِمُ الحُدُودَ، وَنُؤَدَّي أمَانَاتِهِمْ، حَتَّى إِذْ قَامَ القَائِمُ جَاءَتِ المُزَامَلَةُ، وَيَأتِي الرَّجُلُ إِلَى كِيس أخِيهِ فَيَأخُذُ حَاجَتَهُ لاَ يَمْنَعُهُ»[3].

ويبدو أنَّ المعنى اللُغوي للزميلِ والمُزاملة: يعني الرفاقةَ والصداقةَ الخالصة، مأخوذٌ من قولهم: زامله: أي صارَ عديلَه على البعيرِ والمحمل فكانَ هو في جانبٍ وصاحبُه في الجانبِ الآخر، فهما سيّان عدلان لا يستقيمُ ولا يثبتُ أحدُهما إلّا بوجودِ الآخر، ولا يستقرُّ المحملُ إلّا بتوازنِهما وتساويهما في الأثقالِ والأزوادِ وغير ذلك[4].

ولعله يُستفادُ منه أنَّ واحدًا من أسبابِ الغِنى زمنَ الظهور هو هذا التكافُلُ الاجتماعي على أعلى مُستوياته.

ثانيًا: أمن الطرق

تقدم أنّ الأمن سيكون على أعلى مستوياته زمن الظهور، وقد بيّنت الروايات أنّ الأمن لا ينحصر على المناطق التي يقطن فيها الناس، بل إنّه

(47)

يشمل حتى الطرق التي عادة ما تكون موطئ قدم قطاع الطرق وملجأهم ونقطة انطلاقهم، وتذكر بعض النصوص أنّ المرأة تسير في مناطق تعدّ اليوم من المناطق الخطرة؛ كونّها صحراوية، فيُحتمل وجود قطاع الطرق فيها، أو الحيوانات الكاسرة، إلا أنّها تسير يومذاك بكل اطمئنان ولا تخاف من بشر ولا من حيوان، فقد روي عن أميرِ المؤمنين عليه‌السلام أنّه قال: «...ولو قد قامَ قائمُنا لأنزلتِ السماءُ قطرها، ولأخرجتِ الأرضُ نباتها، ولذهبَ الشحناءُ من قلوبِ العباد، واصطلحتِ السباعُ والبهائمُ، حتى تمشي المرأةُ بينَ العراقِ إلى الشام لا تضعُ قدميها إلا على النبات، وعلى رأسِها زينتها (زنبيلها) لا يُهيجها سبعٌ ولا تخافه» [1].

وفي نصٍّ عن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يقول فيه: «واللّه ليتمنّ هذا الأمر حتى يسير الراكب من صنعاء اليمن إلى حضرموت، لا يخاف إلا اللّه، والذئبُ على غنمه، ولكنكم تعجلون» [2].

ثالثًا: تطوّر الصحة والعلاج

تعدّ المشكلة الصحية واحدةً من أهم المشاكل التي تقضّ مضاجع الجميع، إمّا من جهة عدم وجود العلاج، وإمّا من جهة وجوده مع عدم وجود ما يتمكن به من شرائه، فضلًا عن الفزع من الأمراض التي لا علاج لها، ومن الأمراض التي ما زالت يد الدهر تخفيها علينا، بل إنّ الخوف - كما نشاهده اليوم - حاصل حتى من صناعة بعض الأمراض والفيروسات لأجل مآرب لا يعلم بها إلا اللّه تعالى.

تلك المخاوف كلّها ستنتهي عند ظهور المولى عليه‌السلام، فالأمراض ستنعدم، والعاهات ستذهب، فقد رويَ عن الإمامِ عليٍ بن الحسين عليه‌السلام أنّه قال: «إذا قامَ القائمُ أذهبَ اللّهُ عن كُلِّ مؤمنٍ العاهة، وردَّ إليه قوته» [3].

(48)

وفي نقلٍ آخر عنه عليه‌السلام قال: «إذا قامَ قائمُنا أذهبَ اللّهُ عن شيعتِنا العاهة، وجعلَ قلوبهم كزُبُرِ الحديد، وجعلَ قوّةَ الرجلِ منهم قوّةَ أربعين رجلًا...» [1].

وهذا الارتفاع إمّا يكون بمعنى أنَّ الحالةَ العامةَ للناسِ هي الصحة، وإنْ كانتِ الأمراضُ موجودة، لكنّها قليلةٌ جدًا، بحيث لا تُعطى رقمًا مُهِمًّا في مقياسِ الصِحةِ العالمي لو صحَّ التعبير، أو بمعنى أنَّ الأمراضَ يُحكَمُ عليها بالارتفاعِ والإذهابِ بسبب: أنَّ الطبَّ تطوّرَ جدًا، وأنّه وَجَدَ علاجًا لكُلِّ مرض، فلا مرضَ إلا وله علاجٌ ناجعٌ وسريعُ المفعول، فلا يمرضُ الإنسانُ إلا ويتمكّنُ من علاجِ المرضِ ورفعه بكُلِّ سرعةٍ ويُسر، وفي هذه الحالةِ يُعبّرُ بارتفاعِ كُلِّ الأمراضِ مجازًا، على أنّه يمكن أنْ يراد منها الموجبة الكلية وذهاب الأمراض تمامًا عن جميع الناس، فهذا ما لا يُستبعد في جنة الظهور الأرضية.

رابعًا: توسعة الطرق وتنظيم السير

واحدة من مشاكل الحياة اليوم هي ضيق الطرق وعدم استيعابها للناس وآلاتهم، ممّا أدى إلى حدوث كثيرٍ من الحوادث التي تذهب على إثرها الكثير من النفوس والأموال، ولكن في زمن الظهور ستنتهي هذه المشكلة أيضًا؛ لأنّ الإمام عليه‌السلام سيوسع الطرق الرئيسة (والتي عبرت عنها بعض النصوص بالطريق الأعظم)، وينظم الحركة فيها بحيث تقل ّ كثيرًا - إنْ لم تنعدم - مشاكل السير والطرقات.

أضف إليه: أنّ من مشاكل الطرق اليوم هي التجاوزات التي تحصل عليها من بعض، كإبراز البناء أكثر من حدّه بحيث يدخل على الطريق المارّ، وفتح منافذ المياه على الطرقات ممّا يؤدي إلى تلوثها والتقليل من صلاحيتها بل إلى تلفها والإضرار بها في بعض الأحيان، ذلك كلّه سيمنعه الإمام المهدي عليه‌السلام ليجعل الطريق سالكة من دون أي معوقات.

(49)

وفي ذلك روي عن أبي جعفرعليه‌السلام : «إذا قام القائم... ووسّع الطريق الأعظم، وكسر كلّ جناحٍ خارج في الطريق، وأبطل الكنف والميازيب إلى الطرقات»[1].

وفي مقام تنظيم السير وتطبيق قوانينه، يأمر الإمام عليه‌السلام أصحاب المركبات (وقد عبر عنهم النص بالفرسان) بالسير في وسط الطريق، فإنْ سار في أطرافه ودهس شخصًا فعليه الدية، ويأمر الناس بالسير في أطرافه، فإنْ ساروا في وسطه ودُهسوا فلا دية لهم، فقد روي عن علي بن سويد، عن أبي الحسن موسى عليه‌السلام  قال: إذا قام قائمنا عليه‌السلام قال: «يا معشر الفرسان، سيروا في وسط الطريق، يا معشر الرجال، سيروا على جنبي الطريق، فأيّما فارس أخذ على جنبي الطريق فأصاب رجلًا عيبٌ ألزمناه الدية، وأيّما رجل أخذ في وسط الطريق فأصابه عيبٌ فلا دية له» [2].

(50)

ختام واعتذار

إنّ البحث عن جوانب الحياة الطيّبة في الدولة المهدوية أوسع من أن تحيط به هذه الوريقات، واستقصاءها يخرج بها عن البحث إلى الكتاب؛ لذا اقتصرت على هذه الجوانب واختصرت بعضها خوفًا من الخروج عن الهدف.

نتائج البحث

1. يعالج البحث عنوان الحياة الحضارية الطيّبة لجميع أفراد المجتمع عند ظهور الإمام المهدي عليه‌السلام واستقرار دولته، وتفجيره الطاقات بما يصبّ في تذليل الصعوبات في الدنيا، وفتح منافذ الرفاهية على أعلى مستوياتها، الأمر الذي يُخيّل لقارئ الروايات أنّ الناس يعيشون في الجنة، إلا إنّها جنةٌ أرضية، على جميع المستويات الثقافية والاقتصادية والأمنية وغيرها.

2. مُهّد للدخول في البحث - بعد بيان الكلمات المفتاحية للبحث - بذكر الحياة الطيّبة في التراث الديني، من خلال تتبع النصوص التي فسّرت ذلك، وقد وجدنا أنّها تفسرها بالقناعة، وبالحصول على ما يُحب الإنسان، بشرط أنْ لا يكون عن طريق ما يكره اللّه تعالى، وبالسرور والكرامة وتمام العيش، وكلّها ستوجد في الحياة في كنف الدولة المهدوية.

3. المبادئ العامة لحكومة الإمام المهدي عليه‌السلام هي: العمل بكتاب اللّه تعالى وسُنة النبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم، والقضاء والتطبيق العادل لأحكام الإسلام، وأنّ الحكومة المهدوية حكومة عالمية.

4. إنّ مفردات الحياة الطيّبة في الدولة المهدوية كثيرةٌ جدًا، وأهمها:

أ. مكافحة الجبابرة وإماتة الظلم،

ب. عموم الأمن،

ج. وتنمية العلم والثقافة (وهذا الأمر يتم عبر: ترؤس الإمام المهدي عليه‌السلام

(51)

عملية التطوير الذهني والمعرفي، والانفتاح العلمي الهائل الذي لم يسبق له نظير، بحيث يتم الوصول بالعلم والمعرفة إلى غايتها وآخرها ونهايتها، وبالمجتمع إلى الرقي العلمي، حتى يتطور الإدراك لدى المؤمنين، فضلًا عن تطور الصناعات).

د. الرفاهية الاقتصادية، حيث ستتدفق الخيرات التكوينية بين يدي الإمام المهدي عليه‌السلام، وسيقوم عليه‌السلام بتقسيم الثروات، وتوزيعها على الناس عمومًا.

هـ. تقوية البنى التحتية للدولة، وذلك عبر تقوية الروابط الاجتماعية وفق الإخاء الديني، وأمن الطرق، وتوسيعها وتطبيق قوانينها بدقة، وتطور الصحة والعلاج.

5. البحث اقتصر على ما تسعه أوراقه، وإلا فيمكن توسعته أكثر ممّا ذُكر، وما ذُكر فيه نماذج من مفردات الحياة الطيّبة كما أُشير إليه.

 

(52)

 

 المصادر 

1.القرآن الكريم.

2.نهج البلاغة: الشريف الرضي، ضبط نصّه الدكتور صبحي صالح، ط1، بيروت، 1387هـ.

3.التوراة والإنجيل.‏

4.ابن أبي جمهور الإحسائي، محمد بن زین ‌الدین. عوالي اللآلي. ايران ــــ قم: انتشارات سيد الشهداء‏ عليه‌السلام، 1403هـ.‏

5.ابن الأثير، مجد الدين. النهاية في غريب الحديث والأثر. قم - إيران: مؤسسة إسماعيليان للطباعة والنشر والتوزيع، 1364 ش.‏

6.ابن المشهدي، محمد. المزار. قم: نشر القيّوم، 1419هـ.‏

7.ابن شعبة الحرانيّ، الحسن بن عليّ. تحف العقول عن آل الرسول. قم: مؤسَّسة النشر الإسلامي، 1404هـ.‏

8.ابن‌ طاووس، علی بن موسی. إقبال الأعمال. الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي، 1414 هـ.‏

9.ــــــــــــــ. الملاحم والفتن. أصفهان: مؤسَّسة صاحب الأمر، 1416هـ.‏

10.ابن ماجة، محمد بن يزيد أبو عبد اللّه القزويني. سنن ابن ماجة. لبنان- بيروت: دار الفكر.‏

11.ابن منظور، محمد بن مکرم. لسان العرب. قم، إيران: مطبعة نشر أدب الحوزة، محرم الحرام 1405هــ.‏

12.الأصفهاني، أبو الفرج. مقاتل الطالبين. النجف الأشرف: المكتبة الحيدرية ومطبعتها، 1385هـ.‏

(53)

13.الأنصاري، زكريا. فتح الوهاب. الناشر: منشورات محمد علي بيضون، دار الكتب العلمية، 1418 - 1998 م.‏

14.البرقي، أحمد بن محمد بن خالد. المحاسن. طهران: دار الكتب الإسلاميّة، 1370هـ.‏

15.الجوهري، إسماعيل بن حماد. الصحاح. بيروت ـ لبنان: دار العلم للملايين، 1407 - 1987 م.‏

16.الحسيني الأسترآبادي، ‌شرف الدين. تأويل الآيات الظاهرة. قم: مدرسة الإمام المهدي، 1407هـ.‏

17.الحلّي، الحسن بن سليمان. مختصر بصائر الدرجات. النجف الأشرف: منشورات المطبعة الحيدرية، 1370هـ.‏

18.الخصيبي، الحسين بن حمدان. الهداية الكبرى. بیروت: مؤسَّسة البلاغ، 1411هـ.‏

19.الخوئي، السيد أبو القاسم الموسوي. مباني تكملة المنهاج. قم: المطبعة العلمية، 1396.‏

20.الدينوري، ابن قتيبة. الإمامة والسياسة. مؤسسة الحلبي.‏

21.الراغب الإصفهاني، الحسين بن محمد. مفردات ألفاظ القرآن. طليعة النور، 1427.‏

22.سكاي نيوز عربية. «رغم أزمات الاقتصاد.. عدد مليونيرات العالم سيواصل الارتفاع».آخر تعديل 21 أغسطس 2024.

https://www.skynewsarabia.com/business/1780207

23.السيوطي، جلال الدين. تاريخ الخلفاء. مصر: السعادة، 1371هـ.‏

24الصدوق، محمد بن علي. الخصال. قم: جماعة المدرِّسين، 1403هـ.‏

25.ــــــــــــــ. علل الشرائع. النجف الأشرف: منشورات مكتبة الحيدرية، 1385هـ -1966م.‏

26.ــــــــــــــ. كمال الدين وتمام النعمة. قم: مؤسَّسة النشر الإسلامي، 1405هـ.‏

 

(54)

27.ــــــــــــــ. مصادقة الإخوان. مكتبة الإمام صاحب الزمان العامة.‏

28.الطبرسي، رضي الدين أبو نصر الحسن بن الفضل. إعلام الورى بأعلام الهدى. قم: مؤسسة آل البيت عليه‌السلام‏ لإحياء التراث، 1417هـ.‏

29.ــــــــــــــ. الاحتجاج. دار النعمان، 1386هـ.‏

30.طبری الآملی، محمد بن جریر. دلائل الإمامة. قم: مؤسَّسة البعثة، 1413هـ.‏

31.الطوسي، محمد بن الحسن.  الغيبة. قم: مؤسَّسة المعارف الإسلاميَّة، 1411هـ.‏

32. ــــــــــــــ. تهذيب الأحكام. طهران: دار الكتب الإسلاميّة، 1364ش.‏

33.العياشي، محمد بن مسعود. تفسير العياشي. طهران: المكتبة العلمية الإسلاميَّة.‏

34.الفتال النيسابوري، محمد بن حسن. روضة الواعظين. قم - إيران: منشورات الرضي.‏

35.القندوزي، سليمان بن إبراهيم. ينابيع المودة لذوي القربى. دار الأسوة للطباعة والنشر، 1416.‏

36.الكليني، محمد بن يعقوب. الروضة من الكافي. طهران: دارالكتب الإسلامية، 1389 هـ.‏

37.الكوفي، ابن عقدة. فضائل أميرالمؤمنين عليه‌السلام‏..‏

38.الكوفي، فرات بن إبراهيم. تفسير فرات الكوفي. طهران: مؤسَّسة طبع ونشر التابعة لوزارة الثقافة والإرشاد الإسلامي، 1410هـ.‏

39.المازندراني، محمد صالح‏. شرح أصول الكافي. بیروت: دار إحياء التراث العربي، 1421هـ.‏

40المتقي الهندي، علي بن حسام الدين. كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال. بیروت: مؤسسة الرسالة، 1409.‏

41.المجلسي، محمد باقر. بحار الأنوار. بیروت: مؤسَّسة الوفاء، 1403هـ.‏

42.المفيد، محمد بن محمد بن النعمان. الإرشاد في معرفة حجج اللّه على العباد. بيروت: دارالمفيد، 1414هـ.‏

43.المقدسي الشافعي، يوسف بن يحيى بن علي السلمي. عقد الدرر في أخبار المنتظر عليه‌السلام دار نصائح، 1416 ه‍.‏

 

(55)

44.المكارم الشيرازي، ناصر. الأمثل في تفسير كتاب اللّه المنزل.‏

45.المیداني، أحمد بن محمد. مجمع الأمثال. المعاونية الثقافية للآستانة الرضوية المقدسة، 1366 ش.‏

46.النجفي، السيد بهاء الدين. منتخب الأنوار المضيئة. قم: مؤسسة الإمام الهادي‏ عليه‌السلام ، 1420 ‏‎ 1378‎‏ ش.‏

47.النعماني، محمد بن إبراهيم. الغيبة. أنوار الهدى، 1422هـ.‏

48.النووي، محيي الدين بن شرف. المجموع شرح المهذب. دار الفكر، لات.‏

(56)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف