فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)
(5)
(6)
(7)
(8)

مقدمة المرکز

باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.

إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.

من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.

وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.

(9)
(10)

 

 توطئة[1]

بعد بيان «ماهية الثقافة» على أساس القواعد الفلسفية، يجب البحث حول ثلاثة أبحاث رئيسة أخرى، تشمل «مساحة الثقافة»، و«طبقات الثقافة» وصولًا إلى «كيفية تبلور الثقافة». في البحث عن مساحة الثقافة سوف نسعى ـ ضمن تقسيم ـ إلى العناصر والأمور المتعددة التي تعدّ جزءًا من الثقافة، والحصول على فهم الثقافة بوضوح أكبر إلى حدّ ما، ومن ناحية أخرى أن هذا البحث يؤدّي إلى فهم سعة مساحة الثقافة، وفي نهاية المطاف فإن بحث مساحة الثقافة بالإضافة إلى الطبقات الثقافية سوف يساعدنا على حلّ مسألة الثقافة. إن هذا البحث يساعد من جهة على رصد ماهية الثقافة، ويمثل من جهة أخرى مقدمة لبحث أسلوب الوجود الذي يُعد من الأسئلة الأساسية في هذا الكتاب. ليس المراد في هذا البحث هو تحليل الأمور المعرّفة، وإنما الهدف هو بحث كمية وكيفية سعة ومساحة الثقافة. ولا بدّ من التذكير بأن معنى التبويب المنجز في مساحة الثقافة ليس هو القول بوجود جميع هذه التبويبات في جميع الثقافات وكافة المجتمعات، بل تُرى على شكل نوعي، بمعنى أن الثقافات تشتمل نوعًا ما على التبويبات المعدودة في بحث مساحة الثقافة، وإن كان من المحتمل أن تكون بعض الثقافات بسبب غياب البسط والتفصيل محرومة من بعض المساحات، وإن هذه الاختلافات بدورها سوف تكون مختلفة بما يتناسب مع اختلاف المجتمعات أيضًا. من قبيل أن لا يكون هناك

(11)

وجود للخط والكتابة في مجتمع ما، ويكون القائم عبارة عن الثقافة الشفوية. وبعبارة أخرى: كلما كان المجتمع يحتوي على بسط أكبر[1]، فإن احتمال فهم المعاني من الأمور المختلفة سوف يكون بدوره أكبر أيضًا، وبالتالي إمكان إلحاقها بالحقل الثقافي لتلك المجتمعات. ثم إن إحصاء مساحة الثقافة قد تمّ على نحو استقرائي، وتوجد فيها إمكانية زيادة سعتها ومساحتها. ومن هنا يحتمل أن تكون بعض المساحات المهمة الممتازة من أمور مساحة الثقافة موجودة، ولم يتمّ عدّها في هذه المقالة، حتى وإن كان السعي قائمًا على أساس الاستقراء التام نسبيًا.

تعريف مساحة الثقافة

إن المشاركة المفهومية بين أفراد المجتمع قابلة للتحقق في جميع الأمور المرتبطة بالمجتمع وأبعاد الحياة الاجتماعية للإنسان. يعمل الأشخاص بحسب الاحتياجات، والأذواق، والمعارف، والذكريات، والتأثيرات، والتجارب، والمهارات، وتوزيع الأعمال، والمؤسسات الاجتماعية، وسائر الأمور الأخرى، إلى القيام فيما بينهم بخلق مفاهيم مشتركة في المجتمع، حتى تتراكم هذه الأمور شيئًا فشيئًا بحسب اتساع المجتمع وتراكم التجارب وارتقاء الأفكار واللغات. ومن هنا نواجه مساحة واسعة من الأمور الاجتماعية والثقافية المفهومية. ونحن نسمّي جميع هذه الحقول والمساحات المرتبطة بالثقافة في البيئة الاجتماعية بـ «دائرة الثقافة».

أهمية إحصاء مختلف مساحات الدائرة الثقافية

بالإضافة إلى ما سبقت الإشارة إليه، فإن إحصاء مساحة مختلف أبعاد الثقافة تحظى بالأهمية من عدّة جهات، وهي:

(12)

1. لو لم يتم وضع الأبعاد الواسعة للأمور الثقافية على طاولة بحث المحقق بشكل جيد، فسوف يتمّ النظر إلى الثقافة والأمور الثقافية بوصفها جزءًا ضئيلًا من المجتمع، بل وسوف يتمّ إنكار الثقافة والمجتمع مع هويتها المتعيّنة بشكل أيسر. ومن ناحية أخرى حيث يتمّ البحث عن الثقافة عادة بين الأذهان والأفكار، فإن الثقافة والمجتمع سوف تتراجع وتنخفض إلى مستوى الأمور الذهنية. وبعبارة أخرى: إن عدم التعرّف على الموضوع بشكل دقيق، يؤدّي إلى رؤية الثقافة بشكل ضعيف ورفيع جدًا، وإن ذات هذا التضاؤل والرؤية المجتزئة تؤدّي إلى إنكار الناحية العامة والاجتماعية المستقلة من الثقافة، وسوف يتمّ الاكتفاء بالتقريرات الفردانية البسيطة عنه.

2. إن الأمثلة التي يذكرها المحققون الرسميون في حقل الثقافة، من أمثال علماء الاجتماع في حق الثقافة، أولًا: لا تشمل الحقول المتعددة من حضور الثقافة. وثانيًا: بسبب عدم البدء بالأبحاث الأنثروبولوجية وعدم أخذ بعض الأبحاث في الثقافة، نشاهد نوعًا من غياب الانضباط المنهجي، من قبيل: أن المجتمع الذي لا يُشير إلى بعض جوانب الثقافة، يعمل فجأة في تضاعيف الأبحاث على التأمل والبحث في أمر مذكور في الأبعاد الأخرى، ويحصلون في هذا الباب على نتائج ثقافية.

3. قد تترتب على إحصاء مساحة الثقافة في بعض الموارد الكثير من الآثار الأخرى، من قبيل: آثار المعرفة الدينية أيضًا، كما لو تمّ التعرّف على مساحة المجتمع والثقافة، سوف يحصل هذا السؤال المهم على جواب مختلف، وهو: هل تكون جهود الأنبياء عليهم‌السلام ناظرة إلى الأفراد فقط، أم ينظر الأنبياء عليهم‌السلام إلى عموم المجتمع وعامة الناس بوصفهم مخاطبين لهم أيضًا؟ كما سبق أن ذكرنا فإن الفارابي وصدر المتألهين كانا يقولان بأن الركيزة الأصلية لنشاط الأنبياء عليهم‌السلام تقوم على أساس إقامة حركة اجتماعية، وأما الأفراد فيكونون مخاطبين بشكل ثانوي ولاحق. تمامًا مثل الشخص الذي يدرك حقيقة المجتمع والثقافة بوضوح ويكون قد تسلل إلى أعماقها، وإلا لما كان موقف الأنبياء ونشاطهم وحركتهم على هذه الشاكلة.

(13)
(14)

الأبعاد والمساحات المتعدّدة للثقافة

في ضوء التعريف الذي قدّمناه عن مساحة الثقافة، فإنا نواجه مساحات متعددة في الثقافة، ونحن هنا بصدد إحصاء هذه المساحات. وبحسب الدراسة التي قمنا بها، فقد توصلنا إلى معرفة ثمانية من هذه المساحات، وهي عبارة عن:

المساحة الأولى: الأجزاء المتسالم عليها في الثقافة

إن من بين الأبعاد والمساحات الواسعة للثقافة، عبارة عن الأمور التي يعترف الجميع بكونها من الثقافة. إن هذا الاعتراف العام والشامل يثبت في الواقع وضوح وبداهة تعلّق هذه المجموعة من الأمور بالثقافة. وعلى هذا الأساس يمكن اعتبار هذه الأمور من أوضح الأبعاد الواسعة من الثقافة. إن هذه الأمور عبارة عن: «المعتقدات، والعقائد، والآراء، والقيَم، والمشاعر، والتعلقات العامة».

إن جميع هذه الموارد بقيد التعميم والشمولية تعدّ من الأجزاء الثابتة والمسلّمة للثقافة، وإلا فإن المعتقدات الشخصية والفردية أو مشاعر وقيَم الأشخاص لا تستطيع أن تكون جزءًا من الثقافة. في هذه الأمور يتبلور في الواقع نوع من تراكم المعنى بشكل عام في الفاهمة العامة للمجتمع، ومن هذه الناحية يمكن اعتبارها من الأمور الثقافية. من الواضح أن قدرة ومنزلة كل واحد من هذه الأمور في الثقافة تختلف عن الموارد الأخرى، وإن هذه الموارد لم تؤخذ في الثقافة على وتيرة واحدة، وإن تعيين فوارقها ومراتبها رهن ببيان بحث طبقات الثقافة التي يجب تناولها في سياق الثقافية الواسعة. فيما يتعلق بهذا القسم من الأبعاد بواسطة الهوية المفهومية للمعتقدات والعقائد

(15)

والمشاعر والتعلقات العامّة، تمّ اعتبار هذه الأمور من الحقائق الثقافية. لقد سبق أن ذكرنا أن أساس جميع المعاني في مرحلة الفعل والمحاصيل الإنسانية عبارة عن المعاني والمفاهيم الكامنة خلف كواليس العمل والتي عبّرنا عنها بالموطن الأول من المعنى، وإن جميع ما ذكر في هذا القسم الأول يُعدّ من الموطن الأوّل من المعاني. وعلى هذا الأساس فإننا في هذا القسم قبل كل شيء وأكثر من أيّ شيء نواجه المعاني والمفاهيم. وإن الخصوصية المهمّة والبارز الأخرى التي تبدو للعيان عبارة عن وجود البُعد الإنساني الواضح فيها، حيث يمارس الإنسان أفعاله بواسطة هذه الأمور، ويعيش ويمارس حياته على أساس هذه الأمور، ويتعامل مع الآخرين من خلالها.

(16)

لمساحة الثانية: الأمور الآلية للثقافة (المعاني على خشبة المسرح الاجتماعي)

كما سبق أن ذكرنا في الجانب الفردي، فإن الأمور الإظهارية والبيانية الإنسانية بدورها تحظى بالمعنى والمفهوم أيضًا. ولكن حيث أن الأفعال تنقسم إلى فردية واجتماعية، وإن ذات الفعل والنشاط بدوره ـ على ما مرّ بحثه في القسم الفردي ـ يقبل التقسيم إلى النشاط البياني وغير البياني[1]، يمكن عدّ النشاطات الاجتماعية المبيّنة للمعنى ضمن الدائرة والمجموعة الثانية من مساحة الثقافة. إن النقاط المهمة بشأن هذه المجموعة من الأمور، عبارة عن:

ضرورة القبول العام للأمور البيانية للثقافة

إن النشاطات الاجتماعية البيانية إنما تكون جزءًا من الثقافة فيما لو كان المعنى المبيّن قد تمّ القبول به بشكل عام. هناك بعض الأمور التي يتمّ بيانها اجتماعيًا، ولكنها لا تحظى بالقبول العام. وحتى هذا الافتراض القائل بظهور محصول ثقافي في المجتمع ـ والذي يعمل على بيان المعنى ويقوم مثلًا بإظهار فكرة ما ـ ويكون في الوقت نفسه «ضدًّا للثقافة»[2] في ذلك المجتمع، لن يكن افتراضًا نادرًا وغير ممكن. إن جميع الأمور البيانية للمعاني العامّة بقيد القبول العام، تعدّ في حدّ ذاتها ثقافة. من الطبيعي أن الرؤية والفهم العام لهذه الأمور يجب أن تحظى بحالة وأجواء ثقافة المجتمع وليست شيئًا آخر غير الثقافة المقبولة، من قبيل الكتاب الذي يشعر الناس أنه يحتوي في الحدّ الأدنى على

(17)

ما نسبته 90% من التطابق مع ثقافتهم. يعمل المجتمع أحيانًا على إعادة النظر في ثقافته أو ينفصل لأيّ سبب من الأسباب عن ثقافته القديمة. إن المعاني الجديدة المبيّنة تتحوّل بشرط التقبّل العام إلى ثقافة. وعلى كل حال فإن فهم المعنى وإدراكه بدوره من دون شرط القبول، لا يكون ملاكًا للتحوّل إلى ثقافة بأيّ شكل من الأشكال؛ فقد يدرك الأجانب ـ بفعل ارتباطهم وصلاتهم مع المجتمعات الأخرى ـ المعاني والمفاهيم الثقافية لتلك المجتمعات، ولكنهم لم يضعوا ذلك المضمون موردًا للقبول.

الأ‌مور البيانية وتنمية الثقافة

إن الأمور البيانية للثقافة يجب عدم حصرها في مجرّد إظهار وبيان الثقافة فقط. إن هذه الأمور هي في حدّ ذاتها تعدّ جزءًا من الثقافة، فهي من الثقافة الماثلة على أرض الواقع والمتعيّنة والواقعة على مرأى من العين. يحدث نوع من امتداد حقيقة الثقافة من قبل الأمور البيانية للثقافة. يجب القول بأن الأمور البيانية تمثل نوعًا من تنمية الثقافة، وفي هذا البيان تنمو الثقافة. وسبق أن ذكرنا أن المحاصيل الإنسانية ولا سيّما منها الأمور البيانية تستوجب تعيّن المعنى في الخارج.

أمثلة عن الأمور البيانية في دائرة الثقافة

سوف نبحث فيما يلي بعض المصاديق العامّة للأمور البيانية للثقافة الشاملة لـ «المتون المرجعية»، و«النماذج الاجتماعية»، و«اللغة»، و«المناهج التعليمية»، و«الدين الاجتماعي المكتوب»، وفي نهاية المطاف «أنواع البيانات الفنية»، ونخضعها للدراسة والتحقيق، وسوف نعمل في هذا السياق بشأن هذه المصاديق على ذكر بعض الأوصاف الثقافية / الاجتماعية الخاصة.

ـ النصوص المرجعية

إن النص المرجعي هو النص الذي تحقق القبول الاجتماعي في مورده. لقد تمّ في النصوص المرجعية تقديم عدد من المعاني المقبولة في المجتمع، وتمّ

(18)

تدوينها على شكل نصّ وأثر مكتوب. بغض النظر عن طرق تحقق هذا التقبل وما هي أسبابه، حتى ولو كان  قد تحقق بواسطة القهر والغلبة الاجتماعية؛ من قبيل أن يتحوّل النص المكتوب في المجتمع الاستبدادي بواسطة الملك الظالم أو النص الذي صادق عليه هذا السلطان الجائر، إلى نصّ مقبول لدى عامّة الناس. ويأتي ذكرنا لهذا المثال من باب التأكيد على أن ظهور الثقافة وانتشارها قد لا يكون مستندًا إلى أدلة وأسباب عقلانية أو منطقية تمامًا.

وفي ثقافتنا نجد ديوان الشاعر المعروف شمس الدين حافظ الشيرازي بحيث أصبح في الحدّ الأدنى مقبولًا من قبل شريحة واسعة من أبناء المجتمع. وعلى هذا الأساس فإن النص الديني يحظى من تلقائه بمقبولية اجتماعية في المجتمعات الدينية، كما يحظى القرآن الكريم والروايات المأثورة عن أهل البيت عليهم‌السلام  بمقبولية في مجتمعنا.

ـ المرجعية وتبلور الثقافة في النصوص المرجعية

إن المقبولية الاجتماعية في حدّ ذاتها تنقسم إلى قسمين، وهما: المقبولية الإجمالية والمقبولية التفصيلية. ومن العجيب أن المقبولية الإجمالية بدورها لها آثار خاصة في بسط الثقافة ونشرها. في المقبولية الإجمالية والابتدائية لنص مرجعي من قبيل النص الديني لا تخضع جميع تفصيلاته للاهتمام والرعاية من قبل عامّة الناس، حيث يقبلون بجميع النص وكل ما ورد في ذلك النص دون الالتفات إلى جزئياته والعلاقة القائمة بين جميع أجزاء ذلك النص. إن هذه المقبولية بالإضافة إلى المقبولية من قبل المفسرين لبيان وشرح ذلك النص المرجعي يؤدّي بدوره إلى القبول من قبل عامّة الناس بالتفصيلات المستخرجة والمبيّنة من قبل أولئك المفسرين أيضًا. وعلى هذا الأساس نواجه تحوّلًا من المقبولية الإجمالية إلى المقبولية التفصيلية، كما نشهد بسطًا للثقافة من الوضع الإجمالي إلى الوضع التفصيلي أيضًا.

إن القوانين والدساتير التي تحصل على المقبولية الاجتماعية، تحظى بمثل هذا الوضع تمامًا. وإن مقبولية المصادر والمراجع من أجل تفسير هذه

(19)

القوانين في المجتمعات بالإضافة إلى القبول بهذه القوانين، سوف يؤدّي إلى بسط الثقافة.

ـ تفاوت المحصول الثقافي ‌يساعد الثقافة ذات النصوص المرجعية

مع قليل من التدقيق والملاحظة ندرك أن الأمور البيانية من قبيل النصوص المرجعية، لا يمكن اعتبارها مجرّد محصول ثقافي أو عامل مساعد للثقافة، وإن هذه الأمور في حدّ ذاتها ثقافة، وتؤثر في بسط وتبلور الثقافة. ومن هنا تمّ اختيار عنوان المرجعية لمثل هذه النصوص البيانية. وبعبارة أخرى: إن مرجعية هذه الأمور البيانية يؤدّي إلى أن تكون هي ذات الثقافة وأن تعمل على بلورة الثقافة فيما وراءها، ولا تقف عند حدود بيان وإيضاح الثقافة أو البيان الصرف للثقافة. إن الوصول إلى أعماق الثقافة يعدّ من المهام الخاصّة لبعض النصوص المرجعية في الثقافة؛ وذلك لأن البيان والإظهار يؤدّي إلى حدوث الاحتكاك ودعوة الأشخاص إلى إعادة التفكير بعمق، والتأثير فيما وراءها.

ـ النماذج والرموز الاجتماعية

إن النماذج والرموز تندرج بدورها ضمن الأمور البيانية أيضًا. ومن الطبيعي أن تكون هناك نماذج ورموز مختلفة في المجتمعات المتنوّعة. بيد أن المهمّ في البين هو أن كل نموذج ورمز يحتوي على نوع من إظهار وبيان المعنى، ويكون مفهومًا ومقبولًا من قبل عامّة أفراد ذلك المجتمع. وبطبيعة الحال هناك في كل رمز حيثيتان حيثية فعليه وحيثية بيانية، ولكن من الناحية العملية تكون هذه الحيثية البيانية هي الغالبة. وفيما يتعلق بمسألة المقبولية العامّة لا يكون مجرّد معرفة الرمز والنموذج بوصفه نموذجًا ورمزًا في المجتمع هو المطروح، وإن المراد من المقبولية العامة بالنسبة إلى الرمز هو مقبولية دلالة هذا الرمز على المعنى؛ إذ الأصل في الرمزية هو دلالته على المعنى الخاص الذي يُشير إليه الرمز والنموذج، وليس ذات الكينونة الرمزية. وعلى أساس هذه النقطة القائلة بأن الأمور البيانية هي ذات الثقافة، تكون الرموز والنماذج بدورها محصولات ثقافية، ولكنها في الوقت نفسه تعدّ جزءًا من الثقافة.

(20)

وهناك في المجتمع الكثير من الرموز والنماذج الأخرى التي قد لا يعلم عامة الناس بمعناها، أو أنهم على الرغم من معرفتهم لمعانيها لم يتقبلوها. وبطبيعة الحال فإن هذه الموارد لا تدخل في دائرة بحثنا. والفرضية الأولى من قبيل شعار وعلامة مؤسسة صغيرة قد تمّ تأسيسها مؤخرًا ولها مساحة نشاط محدودة[1]، والفرضية الثانية من قبيل الرموز والنماذج المخالفة للثقافة[2]، والتي لا تنسجم مع ثقافة المجتمع.

ـ وجود المضمون السلبي والإيجابي في النماذج والرموز

إن الثقافة لا تنطوي على مضمون إيجابي فقط، وإنما تنطوي على مضمون سلبي أيضًا. ويمكن في الرمز تتبّع آثار هذا المضمون السلبي والإيجابي للثقافة، كما نشاهد في مراسيم العزاء أن اللون الأحمر في الثياب يرمز إلى «الشمر» الشرير؛ بيد أن هذا الرمز وهذه الدلالة لا تقوم ضدّ الثقافة، بل إن الثقافة في هذا المثال هي التي تقوم في الواقع بتقييم الرمز. فإن هذا الرمز يُعدّ من الرموز الداخلية في هذا المجتمع، وإن كان في حد ذاته رمزًا يُشير إلى الشر.

ـ اللغة

إن اللغة تعدّ زاخرة بالظرفيات والإمكانات، لا من حيثيتها الوضعية والجعلية والاعتبارية، بل من حيث اختزانها لمعانيها الثقافية في دائرتها البيانية. من ذلك مثلًا أن عبارة: «إنه الشمر» التي تبدو بسيطة في ظاهرها، هناك معان ثقافية زاخرة، ولا تشمل على مجرّد تشبيه بسيط، وإنما هي زاخرة بالمعاني العامّة

(21)

والشاملة. وعلى هذا الأساس يتمّ التذكير بحق أنه في تعلّم كل لغة أخرى يتمّ بالتدريج تلقين الكثير من المسائل الثقافية للناطقين بتلك اللغة[1].

ـ اشتمال اللغة على القوّة الزاخرة من الناحية الثقافية

حيث أن هوية اللغة عبارة عن الهوية البيانية، فلا بدّ بطبيعة الحالة من توظيف الاستعارات والتشبيهات والكثير من الأمور الأخرى. وإن أغلب هذه الإمكانيات اللغوية، ضاربة بجذورها في ثقافة تلك اللغة. وتارة يكون حتى المثل الذي ينتسب إلى شخص بعينه أو مكان خاص مقرونًا بالمشاعر الخاصة بالنسبة إلى ذلك الشخص وذلك المكان. وبالإضافة إلى الأمثال الزاخرة بالأحداث الخاصة المرتبطة بتلك الثقافة، هناك في اللغة تشبيهات واستعارات وأمور أخرى أيضًا تعمل على توفير المزيد من الظرفيات والإمكانات الثقافية الزاخرة أيضًا. وتارة يكون تعبير أو اسم لعبة مشتملًا على الكثير من الكلمات، من ذلك على سبيل المثال أن لعبة الغميضة ـ وهي لعبة شائعة بين الأطفال في جميع أنحاء العالم تقريبًا ـ تسمّى في اللغة الفارسية بـ «قائم باشك»، ولا يخفى أن هذا التعبير ناظرة إلى اختفاء الإمام الحجة؟عج؟، عن الأنظار بسبب دخوله في مرحلة الغيبة الكبرى. وفي الحقيقة فإن اسم هذه اللعبة في اللغة الفارسية يعكس ذلك البعد من الثقافة وبيان هذه الرؤية الإسلامية الخاصة. إن هذا الزخم والخلفيات الثقافية هي التي تؤدّي في بعض الأحيان عند مواجهة لغة أخرى إلى عدم التفاتنا بوضوح إلى الأسباب التي جعلت هذه الكلمات تدلّ على هذا المعنى الخاص، أو لماذا نشاهد في مورد مصطلح خاص مثل هذا التعاطي في تلك اللغة.

ـ إمكان اختفاء الجذور وتغطيتها بغزارة اللغة

تارة تختفي بعض الجذور اللغوية حتى بالنسبة إلى ثقافتها، وهذا الأمر يُعدّ من الظواهر العجيبة؛ فعلى الرغم من أن هذه الجذور كانت موجودة وحاضرة في

(22)

بداية تبلور وظهور المفردات وتطوّرت وازدهرت معها، إلا أن هذه الجذور تختفي بمرور الزمن ويطويها النسيان ، ولا يبقى منها سوى المعنى المتعارف فقط.

ـ أنواع النصوص العلمية

إن جميع نصوص العلوم الإنسانية والفلسفية والنصوص العرفانية، والأخلاقية، والحقوقية والفقهية والسياسية، تعدّ بأجمعها جزءًا من الثقافة شريطة أن تكون هذه الأمور بالنسبة إلى المجتمع بيانًا للثقافة الحاكمة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا في نموذج الفلسفة لا يمكن ـ بطبيعة الحال ـ اعتبار كل نص فلسفي موجود في مجتمع جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. ولن يكون جزءًا من النصوص البيانية لثقافة المجتمع إلا إذا كان معبّرًا عن ثقافة ذلك المجتمع أو في إطار التعبير عنه. وعلى هذا الأساس لو أمكن لنصّ فلسفي أن يعمل على تحليل الفضاء العلماني الذي يُعدّ هو الثقافة المهيمنة على العالم الغربي، فسوف يكون هذا النص جزءًا من ثقافة الغرب قطعًا. ويمكن القول إن هذه هي ثقافة الغرب، وهي الثقافة التي تتجلى على خشبة مسرح المجتمع الغربي بشكل عيني ويمكن أن نراه ماثلًا أمامنا.

ـ أنواع ارتباط الفلسفة بثقافة المجتمع

إن الكتب والنصوص الفلسفية تارة تقع موردًا للقبول من قبل عامّة الناس، وذلك عندما لا تكون هذه النصوص معقدة ومستعصية على فهم العامّة بحيث يمكن لهم إقامة التواصل والارتباط بها، وبعد هذا الارتباط يعتبرونها معبّرة عن ثقافتهم. وتارة تكتب النصوص الفلسفية بطريقة بعيدة عن الفضاء العام بحيث لا يمكن لغير العلماء أن يتواصلوا معها، وفي هذه الحالة لو انتقلت نتائج فهم هؤلاء العلماء لتلك النصوص إلى المجتمع، يمكن الادعاء بأن هذه النصوص تعدّ جزءًا من الثقافة أيضًا.

وحتى إذا لم تكن النصوص بيانًا للأفكار، وكانت تعمل على بيان التطلعات ولو في شكلها التفصيلي، وتمّ القبول بهذه التطلعات والأهداف من قبل الثقافة وعامة الناس، فسوف تكون هذه الأمور جزءًا من الثقافة أيضًا.

(23)

وبعد ذلك سوف تتضح مكانة ومنزلة الفلسفة في بحث طبقات الثقافة على نحو أعمق، ولكن تبيّن من خلال النقاط المتقدمة على نحو الإجمال أن الفلسفة تقوم بنشاط عملي على خشبة المسرح الاجتماعي، وإن لم يكن لهذا المسار ذلك الوضوح الكامل.

والخلاصة هي أن جميع الموارد التي يتمّ القبول بها في المجتمع بشكل عام، أو يتم تصوير نوع من المرجعية لها تعدّ جزءًا من الثقافة حتى ولو افترضنا ـ مثلًا ـ أنه تمّ القبول بها في المجتمع من قبل عدد من الأشخاص بوصفهم من الوجوه العرفانية، ففي مثل هذه الحالة يكون كلامهم وتفسيرهم وبيانهم مقبولًا من الناحية العملية أيضًا، وبذلك فإن ما ينتجونه سوف يكون جزءًا من الثقافة بطبيعة الحال.

ـ العلوم الإنسانية والحضور في الثقافة في ضوء القبول بها

في مورد العلوم الإنسانية لا بدّ من التأكيد بشكل أكثر على أن المجتمع بكل ما يحتوي عليه من المضامين المشتملة على نوع من التماهي والتناغم أو يتمّ اعتبارها بيانًا لثقافته، يجب اعتبار جميع هذه الموارد جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. ويعود سبب التأكيد على العلوم الإنسانية إلى أن أبحاث هذه العلوم أكثر مساسًا بحقائق الحياة الاجتماعية. خلافًا للعلوم التجريبية التي تشحّ فيها الإلهامات الثقافية ولا يكون لها ظهور في الغالب إلا في دائرة المعرفة والأبستمولوجيا المرتبطة بالعلوم التجريبية. لا ينبغي أن يذهب الظن ببعض الأشخاص إلى اعتبار تبلور كل نظرية في الاقتصاد أو في علم الاجتماع أو في علم النفس أو السياسة جزءًا من الثقافة، بل المهمّ في البين هو مقدار التقبل الاجتماعي المتحقق بالنسبة إلى هذه النظرية ولو على مستوى التماهي والتعاطف. وباختصار فإن العلوم الاجتماعية المقبولة سوف تعدّ في حدّ ذاتها جزءًا من الثقافة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الثقافة المادية الغربية تظهر في مختلف علومها الإنسانية، وإن جميع تلك التفاصيل وكل ذلك البروز والظهور يندرج ضمن دائرة هذه الثقافة.

(24)
ـ قلّة ارتباط العلوم التجريبية بالثقافة قياسًا إلى العلوم الإنسانية

حيث أن أساس العلوم التجريبية لم يرتبط بالشكل الثقافي، وفي الغالب ترسّخت بعض الأفكار من قناة المعرفة والأبستمولوجيا المرتبطة بالعلوم التجريبية، من قبيل: الأفكار الوضعية في العلوم التجريبية الغربية، يمكن أن ندعي وجود حظ أقل من الناحية الثقافية للعلوم التجريبية بالقياس إلى العلوم الإنسانية بوصفها من الأمور التي تعمل على إظهار وبيان الثقافة، من حيث أن الأمور البيانية تعدّ ثقافة، وذلك لأن العلوم التجريبية غالبًا ما تتبع التجارب التي تنبثق عن الواقعية وتعمل على تقرير تلك الأمور. لا بدّ من التذكير بأن العلوم التجريبية سوف تؤثر في تطوّر التقنية، وسوف تكون لها بعض الأبعاد الثقافية بطبيعة الحال. ومن ناحية أخرى فإن العلوم التجريبية  تتوصل إلى أمور جديدة تؤدّي إلى التوسعة في الحياة، وهذا الأمر بدوره يستوجب التأثير في الثقافة بطبيعة الحال. وإن كانت هذه الأمور من الآثار الجانبية للعلوم التجريبية وليست أثرًا لذات العلم.

ـ الدين الاجتماعي والمقبول على نحو مكتوب

إن الدين[1] المقبول اجتماعيًا في شكله المكتوب يُعدّ جزءًا من الثقافة، وإن المراد من الدين الاجتماعي المقبول هو أن يكون جميع أفراد المجتمع ـ مثلًا ـ يدينون بدين خاص، وذلك بمقدار ما له من القبول بطبيعة الحال. إن هذا

(25)

الدين الاجتماعي هو غير ذلك الدين في شكله الواقعي والحقيقي.

من قبيل أن يقوم شخص أو مجتمع ما بقبول إسلام لا يوجد فيه أيّ بُعد اجتماعي أو حكومي أصلًا. في الأسلام الواقعي تكون مسألة الحكومة موجودة، بل وحتى يمكن لذلك الشخص أو ذلك المجتمع أن يقبل بأن هذا البُعد الحكومي موجود في الإسلام الواقعي، ولكنه لا يأخذ به، حيث يكون اسم هذا الدين هو الدين الاجتماعي المقبول. إن هذا الدين الاجتماعي جزء من الثقافة، وإذا كان شكله غير المكتوب هو المنظور فيمكن إحالته إلى المساحة الأولى من دائرة الثقافة بمعنى قسم العقائد، وأما في البحث الجاري حيث الكلام يدور حول الأمور البيانية، فإن الشكل المكتوب لهذا الدين المقبول اجتماعيًا سوف يندرج بوصفه جزءًا من المساحة الثانية من دائرة الثقافة. من الواضح بداهة أن المعنى المقبول للدين في المجتمع قد يكون بحيث يشمل جميع المساحات والأبعاد، وفي مجتمع آخر يكون من الضمور والضعف بحيث يتحوّل إلى مجرّد دين شخصي. وعلى كل حال فإن سعة دائرة ومساحة هذا الدين رهن بالقبول الذي حظي به والمحتوى الذي تمّ القبول به منه. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الدين الشخصي بدوره يؤثر في جميع حقول الحياة. إن تأثير الاعتقاد بهذا الدين الشخصي سوف يكون على هذا النحو وهو أن أغلب مجالات الحياة سوف يتمّ تنظيمها بواسطة الأشخاص أنفسهم. وفي المقابل لو كان الدين السماوي هو الدين المقبول في المجتمع، فسوف يتعيّن على الشخص في مسرح المجتمع أن ينظر إلى الحكم الإلهي، ولا يقوم بنفسه بتنظيم أيّ شيء أصلًا، وإنما سوف يتبع مقاصد وتعاليم الشريعة في تلك الأبعاد والمجالات. هذا في حين أن الأديان الشخصية لا تتكفل بحل مسائلها؛ وذلك لأنهم قد قبلوا بأن ذلك يحال إلى ذات الأشخاص وأمزجتهم وأذواقهم. ولذلك لا يتمتع الدين الشخصي بتلك السعة التي يتمتع بها الدين الاجتماعي. وفي الأساس فإن كل رؤية مهما كانت منعزلة عن المجتمع تحتوي على معطيات اجتماعية، ناهيك عن الدين

 

(26)

الشخصي الذي هو أوسع بكثير من الفكر المنعزل عن المجتمع، ومع ذلك فإن سعة الدين الشخصي أقل بكثير من الدين الاجتماعي[1].

ـ أنواع البيانات الفنية المقبولة

إن أنواع البيانات الفنية القبولة تعدّ جزءًا من الفن، ومن الواضح أن أنواع البيانات الفنية ـ على شرط أن تكون مقبولة ـ لا تعمل على بيان الثقافة فقط، بل وتذهب إلى أبعد من ذلك بكثير، وتكون بنفسها جزءًا من الثقافة. ولذلك فإن كل ما يتبلور في الأدبيات والأفلام والرسم وما إلى ذلك من الفنون الأخرى، يكون جزءًا من الثقافة. تعد لوحة عصر عاشورًا للرسام الإيراني محمود فرشجيان مثالًا مناسبًا إلى الحد الذي مهما تمّ رسم ما يُشبهها، تبقى ذات تلك المعاني والأجواء هي التي تخطر إلى الذهن عند رؤية تلك اللوحة الأصلية. وإن كل ما يجري عليه القبول الاجتماعي ويندرج ضمن الذاكرة التاريخية، يكتسب مثل هذه الحالة أيضًا.

(27)
المساحة الثالثة: الآداب والتقاليد المكوّنة للسلوكيات الاجتماعية

هناك الكثير من الذين يعتبرون الآداب والتقاليد جزءًا من الثقافة، بل وهناك من نصّ عليهما بالاسم في تعريف الثقافة، ولكن لا بدّ من الالتفات إلى أن الآداب والتقاليد يجب أن تكون واسعة جدًا وشاملة لكل فضاء يمكن له أن يخلق سلوكًا اجتماعيًا عامًا. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن بعض المجتمعات تعتبر جلوس الفتى اليافع على كتف والده سلوكًا غير مؤدّب، إن عدم مراعاة الأدب المناسب في التعامل بين الأب والأولاد يعني أن هذه الآداب والتقاليد تعدّ من خصائص تلك المجتمعات، وعلى هذا الأساس فإنها تكون جزءًا من ثقافتهم. وذات هذا السلوك قد لا يعتبر في مجتمع آخر قبيحًا ومذمومًا حتى بالنسبة إلى الابن البالغ والرشيد، وفي هذه الحالة يمكن القول إن هذا الأدب الخاص ليس جزءًا من ثقافة ذلك المجتمع. وعلى هذا الأساس يجب اعتبار الآداب واسعة جدًا. المثال الآخر: الاحتفاء بأطول ليلة في السنة وهي التي تعرف في أوساط المجتمع الإيراني بليلة يلدا والتي تسجّل حضورًا لبعض الاحتفاليات والآداب والتقاليد الخاصة في قطرنا، وإن هذه الآداب والتقاليد تجعل من ليلة يلدا وقواعدها وآدابها جزءًا من ثقافة مجتمعنا. ويبدو أن للآداب والتقاليد فضاء واسعًا خاصًا، يشمل جميع مراحل الحياة ابتداءً من الولادة إلى الموت والمقبرة، سواء أكان ذلك في فضاء الأسرة أو في الفضاءات الأعم والأوسع. يمكن الحديث في هذه المساحة الثالثة عن الآداب الخاصة بطريقة تناول الطعام (من قبيل: أكل الطعام باليد أو بالملاعق والشوكات أو بالأعواد[1] [على الطريقة الصينية])، وارتداء الثياب (من قبيل: الثياب المحتشمة، والثياب غير المحتشمة)، وطريقة الكلام (من قبيل: البدء بالبسملة قبل تناول الطعام، أو افتتاح المائدة بالدعاء)، والاحترام والتوقير (من قبيل: رفع القبعة عن الرأس أو اعتمار القبعة)، والزواج (من قبيل: إقامة مراسم الزواج في الكنيسة أو قراءة العقد الخاص، والاحتفال ليوم

 

(28)

واحد أو لعدّة أيام، واتخاذ الزي الخاص لكل من الزوج والزوجة)، وإقامة مراسم العزاء (من قبيل: اللطم على الصدر أو على الرأس أو على اليد أو النواح بطريقة خاصّة)، وبناء البيوت (من قبيل: بناء الجناح الداخلي، والجناح الخارجي)، والتعبير عن السخط أو الحزن (من قبيل التلفّع بلفاع أسود أو وضع شارة سوداء على الصدر أو الكُمّ)، والتشجيع والتأييد والمؤازرة (من قبيل: التصفيق والصفير والاستحسان)، والتصرّف عند اللقاء (من قبيل: التسليم أو الترحيب بشكل آخر)، والتصرّف عند الانفصال (من قبيل: القول وداعًا أو Bye)، وما إلى ذلك من آلاف الموارد الأخرى التي يمكن ذكرها من الأمور المقبولة بشكل عام، وتنعكس على نطاق واسع وعام بشكل واحد على تصرّفات وأفعال الناس.

ـ اكتشاف الآداب في تشابه سلوك أفراد المجتمع

إن التشابه السلوكي يعني أن يتصرّف الجميع في مجتمع حول موضوع خاص على طريقة واحدة، الأمر الذي يثبت أن هذا الأمر يندرج في خانة الآداب، وبالتالي يجب عدّ هذه الآداب جزءًا من الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن التشابه السلوكي في الموقعيات والمواقف المتحدة سوف يكون كاشفًا عن آداب وثقافة المجتمعات. ومن الطبيعي أن يكون التشابه السلوكي بدوره كاشفًا عن المقبولية الاجتماعية، وهو الشرط والقيد الذي تمّ اعتباره من لوازم الثقافة.

وعلى الرغم من أن الآداب تتجلى على شكل سلوك اجتماعي، وإن السلوكيات تعدّ جزءًا من الأفعال والنشاطات، ولكن حيث تكون هذه الآداب حاملة لمعانيها الخاصة معها، فإن إدراجها ضمن دائرة الثقافة سوف يكون أمرًا معقولًا تمامًا.

(29)
المساحة الرابعة: المصنوعات الاجتماعية

لقد سبق لنا أن كنا نستعمل المصنوعات الإنسانية في معنى عام يشمل حتى الآثار المنبثقة عن الفعل البياني، والذي يشمل حتى الأمور الاعتبارية أيضًا، بيد أن مرادنا في هذا البحث هو المصنوعات الاجتماعية الأخص والتي تشير نوعًا ما إلى الأشياء المصنوعة يدويًا[1]. ويعود السبب في ذلك إلى التمكن من إحصاء مجالات أدق. تموج النوايا والمفاهيم الإنسانية ـ في بعض هذه الأشياء في المساحة الشعورية لدينا ـ بوصفها أثرًا إنسانيًا؛ وقد سبق في مورد تعامل الأشخاص مع مصنوعاتهم والأشياء التي أبدعوها أن ذكرنا أن الأشخاص يتعاملون مع هذه الأشياء بشكل خاص، وقد ورد التوضيح بشأن مفهومية هذه الأشياء المصنوعة من قبلهم في المساحة الإنسانية. والآن يمكن القول من خلال تعميم بوجود مفهوم اجتماعي لهذه الأشياء، واعتبارها نتيجة لذلك جزءًا من الثقافة. والشرط المهم في ذلك هو أن تعدّ هذه المصنوعات الاجتماعية ثقافية بمقدار ما اكتسبه المعنى الإنساني بشكل عام وأخذ عامة الناس يفهمون منها معنى عامًا. وعلى هذا الأساس لا يمكن عدّ جميع المصنوعات ثقافية، بل إن الثقافي منها هو خصوص الذي يدرك منه المجتمع معنى ومفهومًا، وإن حجم تعلقه بدائرة الثقافة يكون بمقدار المعنى المفهوم منها. كما قيل في البحث الفردي إن كل مقدار يعمد فيه الفرد إلى إشباع المعنى في هذه الأشياء، يكتسب صبغة إنسانية.

أمثلة ونماذج عن المصنوعات الاجتماعية

يمكن على سبيل المثال بيان قائمة ببعض المصنوعات الاجتماعية حيث تندرج ضمن دائرة الثقافة. ويُشار هنا إلى بعض المصاديق في هذا الشأن، ومن

(30)

بينها: «المسجد»، و«العمارة المدنية»، و«المنبر»، و«الأزياء الاجتماعية»، و«التكنولوجيا». إن وزن وسعة هذه الأمثلة مختلف، وإن بعضها يختص بالثقافة الإيرانية أو الإسلامية، وإن كان يمكن للقارئ المحترم حدس بدائلها في الثقافات الأخرى أيضًا. من قبيل المسجد حيث يكون البديل له في الثقافات الأخرى ظواهر من قبيل: المعابد أو الكنائس. ومن بين الأمثلة تمّ الخوض بشكل أكبر حول التكنولوجيا، وبهذه المناسبة ورد ذكر نقاط تفصيلية أكثر، ومن هذا المثال تمّت استفادة تعميم خاص بشأن جميع المصنوعات الاجتماعية.

ـ المسجد

لا ينبغي اعتبار المسجد مجرّد بناء يقوم في بقعة معيّنة، بل إننا نحمل رؤية خاصة عن المسجد. إن لهذا البناء من الناحية الاجتماعية آلية اجتماعية، وأنه قد أشبع في ذلك المعنى الخاص. من الواضح بداهة أن هذا البحث غير ناظر إلى جميع ما يحدث في هذا المسجد، وأنه بمقدار المعاني الكامنة والمشبعة فيه ويدركها المجتمع، يمكن اعتبار المسجد بناء ثقافيًا. فأن يتمّ السعي في عمارة المدن الإسلامية إلى بناء المسجد في وسط المدينة، إنما يأتي في الواقع من هذا الفهم العام لمعنى المسجد. وقد كان الموقع الجغرافي لحرم السيّدة فاطمة المعصومة ÷ في مدينة قم المقدسة في مرحلة ما بحيث تؤدّي جميع الشوارع إلى مرقدها المطهر، وسبب ذلك يعود إلى التأكيد على معنى محورية هذا الحرم وشخصية السيّدة فاطمة المعصومة ÷ بالنسبة إلى مدينة قم المقدسة. والأمثلة الأخرى عبارة عن سائر الأبنية المدنية من قبيل: المدرسة، والمستشفى وما إلى ذلك حيث يمكن لها ـ  بمقدار المعنى العام الذي يفهمه عامة الناس ـ أن تكون جزءًا من الثقافة.

ـ أنواع العمارة المدنية

تارة يكون جميع بناء المدينة وطريقة صفّ البيوت وسائر أجزاء المدينة بحيث يقع مفهومها الخاص موردًا لفهم عامة الناس. من قبيل الموارد التي يتمّ فيها

(31)

بناء المدينة أو المجمّع السكني على شكل خاص. وفي جميع هذه الموارد يكون المعنى الكامن فيها قليلًا تارة، وكثيرًا تارة أخرى. وإن المثال الواضح في هذا المورد عبارة عن الاستفادة من مصادر الحرارة والتدفئة المركزية في بعض البلدان والمدن الشيوعية، الأمر الذي يحكي عن معنى خاص[1] وثقافة خاصة لهذه البلدان. من الواضح بداهة أن المعنى المفهوم يجب أن يكون مقبولًا أيضًا. وإن كانت ذات الاستفادة من البنية والرصف الدال على ذلك المعنى، بمنزلة قبول ذات المعنى. وعلى هذا الأساس فإن مصنوعات من هذا النوع، عندما تكتسب حالة اجتماعية، سوف يُفهم منها معنى، وإن كانت تقع موردًا للقبول من الناحية الاجتماعية.

في هامش هذا البحث يمكن اعتبار الأساليب المعمارية بدورها جزءًا من دائرة الثقافية، من قبيل أن يكون الأسلوب المعماري في كل مرحلة تاريخية في ثقافة ما بطريقة خاصّة. إن انتشار الأساليب المذكورة يُشير إلى نوع من القبول العام والاجتماعي بالنسبة إلى تلك الأساليب.

ـ المنبر

إن المنبر في الفهم والتقبّل الاجتماعي ليس مجرّد موضع يُتخذ للجلوس عليه، بل تستفاد منه مفاهيم خاصة. والنقطة المهمة هي أنه من الممكن أحيانًا أن لا تتدخل يد الإنسان في صناعة المنبر، كأن يتمّ اتخاذ صخرة مرتفعة ـ على سبيل المثال ـ لتكون موضعًا للوقوف عليها وإلقاء المواعظ الدينية، فتكون هذه الصخرة في الواقع بمنزلة المنبر. وعليه يجب اعتبار هذه الصخرة مصنوعًا اجتماعيًا.

ـ الأزياء الاجتماعية

لا بد هنا أيضًا من تقيد الثقافية بحجم ومقدار الفهم والتقبّل الاجتماعي أيضًا، وإن مجرّد الزي أو البناء لا موضوعية له في البحث. إن زي الشرطة

(32)

أو المضمّد أو عالم الدين بل وحتى الثياب الخاصة بالعزاء تعد من الثياب الاجتماعية. إن هذه الأزياء تعبّر عن الشؤون الاجتماعية لهذه المجموعات، وتبرز للعيان أدوارهم الخاصّة.

إن البحث عن الأزياء والثياب ونسبتها إلى الثقافة لا يقتصر على بحث الأزياء الاجتماعية، وإنما يشكل مجموع بحث الأزياء والثياب في المجتمعات. إلى الحدّ الذي يمكن القول معه: إن جميع أنواع الثياب والألبسة تحتوي على فضاء اجتماعي خاص، كما أن الحضارة الغربية الراهنة ـ على سبيل المثال ـ تعمل على إلقاء معنى خاص من الثياب والأزياء، ووقعت موردًا للقبول. وفي بعض المجتمعات وفي ضوء محورية الدنيا واللذة وطلب الراحة، يتمّ العمل على توجيه ثياب النساء وأزيائهن نحو التعرّي وإبراز مفاتن الجسد، وفي بعضها الآخر بحسب محورية العفاف والكرامة الإنسانية ومضاعفة الاهتمام بالروحانية والمعنوية، حيث اقترنت ثياب النساء بالستر والحشمة، وأخذ يُفهم منها معنى خاص. ومن هذه الزاوية يمكن بيان سياسة فرض خلع الحجاب الخاص في عصر رضا شاه البهلوي في المجتمع الإيراني وآثاره الاجتماعية والعينية من الأبحاث المهمّة الجديرة بالبحث.

وفي مجتمعنا الراهن تعدّ الكوفية مثالًا جيدًا؛ حيث تفيد مفهومًا خاصًا على نحو واضح جدًا.

وبالإضافة إلى بحث الموضات في الثياب بمعنى الأساليب أو الأسلوب المقبول من الناحية الاجتماعية، يجب الاهتمام بالأزياء في المجتمعات أيضًا؛ وذلك لأن كل ثقافة تحتفظ بأزيائها وموضتها الخاصة. من قبيل الثقافة التي تمّ القبول فيها بعشرة أنواع من الثياب في الحقل المفهومي. وبطبيعة الحال فإن أساليب الستر بدلًا من القبول العام قد تواجه رفضًا عامًّا[1].

(33)

ـ التكنولوجيا[1]

يمكن إدراج التكنولوجيا بشكل واضح تحت بحث المصنوعات الاجتماعية. ومن خلال المزيد من التدقيق يمكن العثور على ثلاثة فضاءات مفهومية مختلفة فيما يرتبط بالتكنولوجيا، حيث يتطلب كل واحد منها توجهات وأحكام خاصّة به. وإن هذه الفضاءات الثلاثة تحتوي على المعاني والمفاهيم الموجودة في التكنولوجيا والآداب التي تقترن بها، وفي نهاية المطاف تشمل حتى اللوازم الناشئة عنها.

ـ المفاهيم الكامنة في التكنولوجيا

إن المعاني الكامنة في التكنولوجيات تعدّ في حدّ ذاتها جزءًا من الأبحاث المرتبطة بالتكنولوجيا. إن هذه المعاني تمور في التكنولوجيات وتكون قابلة للفهم. من قبيل المثال المعروف حول السيارات؛ حيث يقال: إن السيارات الشخصية تتناسب مع الثقافة الفردانية للمجتمع الليبرالي، وإن الحافلات ووسائط النقل العامة تتناسب مع الثقافة الاشتراكية. ويمكن في تعميم تصوّر فضاء يعمل فيه بلد ـ مثلًا ـ على مساعدة الطبقة الفقيرة، إن هذه الرؤية يمكن لها أن تحمل معانيها الخاصّة في الفضاء التكنولوجي بشكل طبيعي. كما يمكن أن نرى ما يُشبه هذا الوضع في المصنوعات الأخرى، مثل العمران وشق الطرق، من قبيل: المشاريع التي يتمّ تنفيذها حاليًا تحت عنوان «من الحرم إلى الحرم» بالنظر إلى فضاء قطرنا حيث الأهمية التي تحظى بها العتبات والمواضع المقدسة في مجتمعنا. إن هذه المشاريع تحتوي بشكل واضح تمامًا على معان كامنة تعكس تلك الأفكار والاهتمام بها. ومن الطبيعي أن المراد في هذا التحليل ليس هو التماهي مع الرؤى القائلة بنوع من الخبث الذاتي التكنولوجي، بل بغض النظر عن الناحية الإيجابية أو السلبية

(34)

للمعاني الكامنة في التكنولوجيا، تكون القضية الكلية لوجود المعاني الكامنة في التكنولوجية قابلة للإقرار على نحو عام نسبيًا. بل ويجب حتى القول بأن الاعتقاد بنوع من الخبث التكنولوجي الخفي أو وجود نوع من التنزّل الحتمي في ذات التكنولوجيا بالنسبة إلى الشأن الإنساني، لا يبدو صحيحًا. إن المهمّة الخاصة للتقنيات عبارة عن ارتقاء مستوى الرفاه الاجتماعي أو مستوى العمل الاجتماعي، أجل إن الأمر الذي يجب أن يتمّ العمل على مراقبته من تلك الناحية هو أن بعض التقنيات تحمل معها معان كامنة.

ـ الآداب المقرونة بالتكنولوجيا

إن بعض المسائل الثقافية المنبثقة عن التكنولوجيا، لا تكون بسبب المعنى الكامن فيها بل بواسطة الآداب المقرونة بها. من قبيل جهاز التلفزيون فإنه منذ أن دخل إلى مجتمعاتنا حتى أصبح مركز الثقل في بيوتنا، الأمر الذي شغل الجميع. من الطبيعي أن هذا الأمر لا ينشأ من المعاني الداخلية للتلفزيون، بل ينشأ من الآداب المقرونة بالتلفزيون، سواء أكان لهذه الآداب سابقة في بلدان أخرى أو كانت خاصة بمجتمعنا وتمّ القبول بها على هذه الشاكلة. وعلى كل حال فإن هذه الآداب المقرونة بالتقنية تحتوي على أهمية كبيرة أيضًا. إن هذا التفكيك بين الآداب والمعاني المقرونة بها تكمن أهميتها من حيث أن بعض الانتقادات القاسية والعنيفة جدًا لا تتجه إلى ذات التكنولوجيا، وإنما تعود إلى آدابها. من قبيل أن القنوات الاجتماعية المرتبطة بفضاء الإنترنيت قد حوّل الأشخاص الذين يستخدمون الهواتف المحمولة إلى أشخاص منفصلين بالكامل عن الواقع ومنقطعين تمامًا عمّا يدور حولهم. من الواضح بداهة أن هذه الآداب والسلوكيات قابلة للتصحيح أو أن يتمّ تغييرها، وعلى كل حال فإن هذا الانفصال عن الواقع والمحيط ليس معنى ناشئًا من ذات التقنية، وليس بحيث لا يمكن أن ينفك عنها. ويجب التذكير بأن المراد من الآداب عبارة عن طريقة السلوك العام والذي يحظى بالمقبولية العامّة التي يمكن مشاهدتها بالنسبة إلى هذه التقنيات.

(35)
ـ اللوازم المقرونة بالتقنية؛ التمهيد للتجليات الثقافية الحديثة

إن النوع الثالث من المعاني الناشئة عن التقنيات، لا ينشأ في بعض الأحيان من المعاني الكامنة فيه، ولا من الآداب المقرونة به، بل تنشأ من أن ذات التقنية تشكّل أرضية لمجموعة من التجليات الثقافية المستحدثة. والمثال البارز والمعروف هو اختراع الآلة الكاتبة (الطباعة) التي أحدثت ثورة كبرى في حقل الثقافة. لقد نشطت هذه الصناعة من الناحية العملية في خدمة التنمية الواسعة للجزء البياني من الثقافة، وقد شهد هذا البُعد من الثقافة ازدهارًا منقطع النظير. وبعبارة أخرى: إن الذي أدّى إلى هذه التحوّلات الثقافية الحديثة إنما كان بتأثير اللوازم المقرونة بتقنية الطباعة.

المثال الآخر: وسائل التواصل الاجتماعي التي أدّت إلى نوع من التكثيف الثقافي، كما أدّت في الوقت نفسه إلى الفوضى والتشتت الثقافي أيضًا. والمثال الواضح على ذلك انتشار ظاهرة السفور من قبل الإذاعة والتلفزيون الإيراني بعد انتصار الثورة. يمكن الإقرار والاعتراف ـ دون بحث المضمون السلبي أو الإيجابي لموقف الإذاعة والتلفزيون حول مسألة الحجاب ـ بأن مشاهدة صور المناطق التي ينتشر فيها السفور تمثل بالنسبة إلى الأشخاص الذين يقطنون في أقصى بقاع البلاد نوعًا من الأسوة والنموذج المعياري غير المقصود؛ فإن مجرّد مشاهدة مرور السافرات أمام عدسات الكاميرات أثناء تصوير اللقاءات، حتى وإن لم يكن له صلة ببحث الحجاب والعفاف، يترك في حدّ ذاته تأثيرات ثقافية كثيرة. إن خلق التكنولوجيا لفضاء جعل كل شيء في متناول اليد، يعدّ من لوازم التكنولوجيا.

ـ فضاءان مختلفان لوسائل الإعلام الحديثة؛ الفضاء البياني والفضاء التكنولوجي

إن وسائل الإعلام المطروحة على هامش المصنوعات الاجتماعية، تحتوي في حدّ ذاتها على بُعدين، وهما: البُعد المضموني الذي يقع ضمن المساحة البيانية من الثقافة، والبُعد التكنولوجي لها حيث يمكن من جهة ـ باعتبار هذه

(36)

المساحة ـ بحث الوسيلة الإعلامية على هامش المصنوعات الاجتماعية، ومن ناحية أخرى فقد أوجدت بنفسها وبواسطة هذه المساحة ولوازمها المقرونة بها الكثير من التحوّلات بحيث أن القنوات الاجتماعية الحديثة حاليًا قد عملت على إيجاد علاقات خاصة، حيث كان من نتائجها على المستوى العملي جديّة تبلور الثقافة العالمية الواحدة غير الثقافات الخاصة للمجتمعات[1]. كما تحوّلت كرة القدم لذات هذا السبب إلى معضلة عالمية. وبعبارة أخرى: إن وسائل الإعلام التكنولوجية الحديثة تمتلك القدرة العملية على خلق الهواجس والثقافة العالمية. إن تبلور هذه الثقافة العالمية يعني في بعض الأحيان حذف الثقافات، وتارة بمعنى خلق مجموعة من المشتركات العامّة على المستوى العالمي وبلورة نوع من المعنى المتفاهم عليه عالميًا. إن هذه الثقافة المفهومة لم تكن ظاهرة للعيان حتى ما قبل مرحلة تسلل وتكوين الإنترنيت كثيرًا، وكان يمكن للمجتمعات والأشخاص الابتعاد عن الفضاء العالمي. وحتى بث مختلف الأفلام المنتجة من قبل المجتمعات الشرقية والغربية كانت تعمل في الحدّ الأقصى على خلق نوع من الفهم المشترك، وأما في المرحلة الراهنة فإن الذي يحدث أكثر بكثير من تبلور فهم مشترك وقليل، وإن العلاقات والاتصالات بلغت مستوى التعامل. فكما يوجد هناك حجم كبير بين الأفراد في المجتمع الواحد، فقد عملت وسائل الإعلام المستحدثة على إيجاد تواصل عالمي بين أبناء المجتمعات المختلفة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أننا نرى الكثير من الأطفال  في كافة أنحاء العالم يتعاملون فيما بينهم على وتيرة واحدة من خلال لعبة مشتركة. ويجب القول في الأساس إن ذات وسائل الإعلام الحديثة تعمل على بلورة فهم عالمي عام. مع هذا التذكير الهام، وهو أن هذه المساحة تخضع حاليًا للإدارة، وهناك آخرون منشغلون

(37)

بإدارة بلورة الثقافة العالمية بما يتطابق مع مطالبهم. ولهذا السبب يجب علينا أن نضطلع بدور فعال وأن نقوم بأعمال الإدارة طبقًا لأهدافنا وتطلعاتنا الثقافية، وأن لا نتخلى عن هذه المهمّة كما نغفل عنها حاليًا.

سريان بحث التكنولوجيا إلى جميع المصنوعات الاجتماعية

إن ما تقدّم ذكره حول التكنولوجيا القائمة على وجود المعاني الكامنة في الآداب وما يقترن بها واللوازم الناشئة عن التقنية، قابل للسريان إلى جميع المصنوعات الاجتماعية. في مورد جميع المصنوعات الاجتماعية يمكن مشاهدة هذه الأبعاد الثلاثة، على الرغم من أنه قد لا يُشاهد اجتماع هذه الأبعاد الثلاثة بالنسبة إلى بعض الأشخاص. فقد تكون المعاني الكامنة وكذلك الآداب المصاحبة لها هي وحدها القابلة للرصد، وفي بعض الموارد الأخرى لا يمكن العثور حتى على المعاني الكامنة أيضًا بحسب المتفاهم العام. بل ويبدو حتى إمكان تسرية هذه الأبعاد الثلاثة بشأن بعض الأقسام الأخرى من الثقافة أيضًا، من قبيل تعميم التربية والتعليم في البلدان كان له تأثيرات كثيرة من الناحية العملية، في حين أن مساحة التربية والتعليم لا تندرج ضمن التكنولوجيا ولا يمكن تصنيفها حتى ضمن المصنوعات الاجتماعية.

(38)

لمساحة الخامسة: التاريخ

لا يمكن للتاريخ بشكل مطلق وبأيّ معنى من المعاني التي نعرفها عن التاريخ أن يكون جزءًا من الثقافة. وإنما التاريخ الذي يرد بيانه وذكره بوصفه واحدًا من رباعي: الثقافة والتاريخ والمجتمع والحضارة، ويعمل على بلورة الذاكرة العامة للمجتمع، هو الذي يندرج ضمن الثقافة. إن هذه الذاكرة غالبًا ما تكون واعية ومدركة، ولكن كما سبق أن ذكرنا بشأن اللغة، قد تختفي تطوّراته وجذورها ومناشئها في الفاهمة العامّة أحيانًا. إن لذكر التاريخ بوصفه جزءًا من مساحة الثقافة تأثيرًا كبيرًا في البحث عن كيفية وجود الثقافة؛ وذلك لأنه يحرر الثقافة من قيود المكان والزمان الحاضر، ويحقق نوعًا من الاتصال بالنسبة إلى الماضي واتصال آخر بالنسبة إلى المستقبل. ثم إن التاريخ بنفسه يؤدّي إلى اتساع كبير لحقل الثقافة، كما أننا حاليًا لسنا منفصلين أبدًا عن الحقائق والأحداث والأفكار التاريخية من قبيل: أنواع المقاومة والصمود، وحتى أنواع الإذلال التاريخي، وإن جميع هذه الموارد موجودة حاليًا في ذاكرتنا الجماعية.

تارة نلاحظ في ثقافة فريدة بحسب الظاهر، عداوة لبعض المجموعات، من قبيل الشعور الذي كان يحمله الفرنسيون تجاه الإنجليز؛ حتى أنهم يتوقون إلى مواجهتهم بشدّة. وربما يعود السبب في ذلك إلى أن اللغة الفرنسية التي كانت تعد لغة عالمية، قام الإنجليز بإسقاطها من عرشها بلباقة وخفة يد خاصّة، وأقامت اللغة الإنجليزية بدلًا منها. إن هذا العداء وإظهاره إنما هو نتيجة لبيان الذاكرة التاريخية لدى الفرنسيين؛ على الرغم من أن الفرنسيين المعاصرين لم يعيشوا في تلك المرحلة، ولا يعلمون بتفاصيل تحوّلاتها وتطوّراتها أيضًا، بيد أن هذا الشعور وهذا النوع من التفكير حاضر في ذاكرتهم بقوّة. وهو أمر نراه بوضوح حتى في تعاطي الفرنسيين مع السائحين الأجانب الذين يتحدّثون باللغة الإنجليزية.

وإن بعض ردود الأفعال التي نشاهدها حاليًا في العالم الثالث تجاه

(39)

الاستعمار يُعدّ جزءًا من الذاكرة التاريخية لشعوب العالم الثالث وناشئًا من تلك الظاهرة. وإن كانت بعض جزئيات وتفاصيل الأحداث قد تضيع في مسار الزمن.

إن الحديث عن الوعي الذاتي لهذه الذاكرة، لا يعني أن اللاوعي التاريخي لا يُعدّ جزءًا من الثقافة. يجب عدّ اللاشعور ضمن مساحة الثقافة أيضًا، بيد أن ظهوره يكون على المشهد وفي مواجهة خاصّة يفرضها اللاشعور فجأة ويعمل على إظهارها بوضوح. وتارة تختفي هذه الذاكرة اللاواعية بالمرّة. إن مثال اللاوعي الذي يتجلى ويظهر فجأة، من قبيل: الحروب الصليبية التي قد نشعر أنها قد اختفت في طيات الأزمنة الماضية، ولكن عندما نسمع فجأة ذكرها يجري على لسان رئيس الولايات الأمريكية المتحدة في حينها، يتضح أنها لم تختف تمامًا وأنها لا تزال عالقة في الثقافة، وكل ما هنالك أنها ظهرت على لسانه. وقد سبق لنا أن أوضحنا كيفية حضور اللاوعي، وتقدّم أيضًا أن اللاوعي بحسب الفضاء الشعوري / الإرادي للحياة الإنسانية هو في الواقع واع بشكل من الأشكال ولكن على شكل وعي ذاتي يكتنفه الكثير من الغموض. إنه غموض يعمل على بلورة السلوك والفعل ويؤدّي إلى ردّة الفعل. في كلتا المساحتين التاريخيتين الواعية وغير الواعية هناك شرط في القبول، غاية ما هنالك أن لهذا القبول في الذاكرة اللاواعية شكلًا مجملًا ومستترًا. يمكن القول بأن موت التاريخ لن يكون ممكنًا بالنسبة إلى ثقافة ما، إلا إذا قام مجتمع ما بإلغاء ثقافته ليتمكن من اعتناق ثقافة أخرى، عندها سوف يمكن لموت التاريخ السابق لتلك الثقافة أن يتحقق أيضًا. ولكن مع ذلك وتحت ظل هذا النوع من التصوّر لا ينبغي أن نغفل عن رواسب الثقافة التاريخية القديمة.

المساحة الواسعة للتاريخ

إن ذات التاريخ بوصفه واحدًا من أجزاء الثقافة الواسعة يشمل مساحة واسعة وبلدانًا شاسعة. من ذلك مثلًا أن من بين الأمور التاريخية  عبارة عن

(40)

المصنوعات الاجتماعية لأسلافنا والتي تندرج حاليًا ضمن تاريخ وأصول الثقافة. أو أن الكثير من الآداب والتقاليد الراهنة إنما هي آداب وتقاليد مأثورة عن الأسلاف، وكذلك يمكن أن نأتي بشاهد من اللغة التي ناطحت بقامتها قامة التاريخ، ولا تزال تواصل حياتها.

التاريخ والثقافة السابقة الممتدة إلى هذه اللحظة

إن مساحة التاريخ من السعة بمكان، حتى لكأن التاريخ هو الثقافة السابقة وأنه زحف بنفسه إلى الثقافة الراهنة. وبعبارة أخرى: إن التاريخ ليس ذاكرة اجتماعية منفصلة عن سائر مساحات الثقافة وإلى جوارها، ويمكن في التاريخ رؤية جميع الأبعاد الأخرى من الثقافة الأعم من الآراء والعقائد والأساطير والأبنية والآداب والتقاليد والأمور البيانية، والنصوص المرجعية وما إلى ذلك. وبعبارة أدق: إن هذه الأمور التاريخية والقديمة في ظاهرها، قد امتدت إلى راهن الثقافة ولها حضور فيها. وعلى هذا الأساس فإنه في التعاطي مع ظاهرة ثقافية من قبيل مواكب العزاء في عاشوراء، لا ينبغي ملاحظتها بوصفها أمرًا راهنًا؛ إن هذه المواكب ضمن كونها مجموعة من مختلف أبعاد الثقافة، فإن جميع تلك الأبعاد في الوقت نفسه تحظى بجذور تاريخية حيث أظهرت نفسها على الشكل الراهن.

التاريخ بوصفه مادّة للثقافة الراهنة

إن الثقافة الراهنة كأنها حصيلة أخذ التاريخ والثقافة السابقة بوصفها مادة للثقافة الجديدة، وإن إضفاء الصوَر الحديثة عليها في عين التعامل الفاعل مع الماضي والحاضر في إطار التوجيه وردّة الفعل وإعادة الإنتاج وحتى الإضافات الحديثة. تمامًا مثل الشجرة التي كان لها من العمر سنة واحدة، وقد بلغت الآن سنتها العاشرة، فهي عبارة عن ذات ذلك الجذع، وذات تلك الأغصان، وذات تلك الجذور، وقد كبر حجمها الآن واكتسبت شكلًا جديدًا، وذات الجذور تحوّلت إلى جذور أكثر عمقًا، وكذلك ذات ذلك الجذع

(41)

وتلك الأغصان اكتسبت هذه الصورة والهيئة الجديدة وأضيفت لها في بعض الأحيان أغصانًا أخرى. إن تاريخ الشعب في كل عصر يعيد صياغة نفسه بما يتناسب وذلك العصر. وتارة تظهر الروح الكلية للتاريخ القديم نفسها في ظل الظروف والاقتضاءات العصرية، وتارة يقع في جزء منتقى من الروح القديمة على جدول أعمال الشعب والمجتمع في ظل الظروف والشرائط الحديث ويبدأ بالانتشار والاتساع، وتارة تعمل المقتضيات والشرائط الجديدة على إضافة تكنولوجيا جديدة وتارة سلوكيات جديدة إلى التاريخ القديم؛ وهو أمر لم يكن له من أثر أو خبر في السابق.

إن من بين الأبحاث المهمة في حقل التاريخ والثقافة، عبارة عن طريقة قراءة الثقافة الراهنة للتاريخ والثقافة التي سبقتها. إن تعاطي الثقافة الراهنة مع ظاهرة النوروز، أو بشكل عام النظرة إلى الأساطير (من قبيل عوج بن عناق) في الثقافة الجديدة، والتقرير عن الأبطال والرموز الكبرى (مثل أبي الفضل العباس عليه‌السلام في الثقافة الشيعية)، تندرج بأجمعها ضمن هذا البحث. إن هذه الموارد تتبلور نوعًا ما بشكل انتقائي ويعاد خلقها وإنتاجها، وتارة يُشاهد فيها توجيه خاص.

(42)

المساحة السادسة: الأمور الجعلية والاعتبارية

إن الأمور الجعلية تعدّ واحدة من المساحات المهمّة في دائرة الثقافة، إلى الحدّ الذي لم يتمّ فيه وصف الثقافة في بعض التصوّرات إلا من هذه الزاوية. وكما سبق أن ذكرنا فإن هذه الأمور الجعلية تستمد كثيرًا من الدائرة الخلاقة. إن الإنسان يعيش من خلال الإبداع تجربة الكثير من الأمور الجعلية المتنوّعة، وإن كان عنصر الخلاقية يسري في سائر الأبعاد الأخرى أيضًا.

يبدو أنه على الرغم من أهمية هذه المساحة، ولكن لا ينبغي اعتبارها من السعة بحيث تشمل جميع الأمور الثقافية. لأن خفض الأمور الأخرى بها يقترن بخلل ولا ينسجم مع الرأي الصحيح في هذا الشأن، حيث يجب بحث ذلك في محله[1]. وعلى كل حال مهما كان البيان والتوصيف للثقافة، لا يمكن إنكار أهمية ودور هذه الأمور أبدًا. وفي هذا المقام سوف نعمل على تقديم وصف للأمور الجعلية، كما سوف نذكر أمثلة عن الأمور الجعلية والاعتبارية أيضًا.

حقيقة الأمور الجعلية في المساحة الإنسانية

كما تقدّم في المباحث الفردية، فإن الأمور الجعلية من حيث أنها ترد في المساحة الإنسانية تكون واقعية؛ بمعنى أن المواجهة مع المجعولات في هذه الساحة تكون مواجهة واقعية وعلى هذا الأساس يتم حل وفصل الكثير من الأمور المرتبطة بها والقائمة على أساسها. إن الأمور الجعلية في هذه المساحة لها واقعية كما لها آثار حقيقية أيضًا، وإن التسميات الاعتبارية لا تأثير لها في كيفية التعامل معها.

إن الأمور الجعلية من الكثرة بحيث يصعب إحصاؤها، وحتى بعض الأمثلة الآتية هي في حدّ ذاتها تمثّل بابًا واسعًا من الأمور الجعلية، وإن عدّ مصاديقها لن يكون بالعملية السهلة والبسيطة.

(43)
ـ مبرر الاستفادة من مفردة الجعل في وصف الأمور الجعلية

إن الإنسان يمتلك القدرة على خلق أنواع الأبنية، وليس أمامه طريق أحادي الاتجاه، ولكنه ينتقي باختياره من بين الخيارات الموجودة خيارًا واحدًا حتى في تطبيق رؤية واحدة، ومن هنا يجعل من اعتبار وجعل هذا الخيار أمرًا خاصًّا. إن بناء النظام الخاص ضمن هذه الأمور التي تتحقق بالجعل والاعتبار. والتوضيح الأكثر في هذا الشأن أنه كما للنحل والنمل نظامها الخاص، فإن لأبناء البشر بدورهم أنظمتهم التي يعملون على بلورتها أيضًا، غاية ما هنالك أن الفرق يكمن في أن الأنظمة المتبعة من قبل الحيوانات والحشرات يسير أبدًا على وتيرة واحدة حيث يتمّ وضع هذا النظام الخاص بها وتطبيقه على أساس ما تقتضيه غريزتها، وأما في الأنظمة البشرية فحيث يمتلك الإنسان القدرة على الاختيار، فإنه يعمل على خلق أنواع الأنظمة، وفي هذا الخلق يكون جعله واعتباره هو المهم، وليس قانون الغريزة القهرية. وعلى هذا الأساس تكون الأنظمة البشرية أنظمة جعلية، وذلك إذ يتمّ اعتبارها من قبل الإنسان نفسه. والملفت بشكل أكبر هو أنه بعد كل جعل تتبلور التعاملات الإنسانية في إطار ذلك الجعل، وإن الإنسان يتعامل في ضوء هذه الأمور الجعلية ويعيش في ظلها ويواصل حياته الاجتماعية ويمضي قدمًا. وقد سبق لنا أن أوضحنا مرادنا من الجعل تحت عنوان «الاعتبار والتنمية في الساحة المفهومية» في مباحث النشاط الإنساني في المساحة الفردية.

أمثلة عن الأمور الجعلية التي هي جزء من الثقافة

إن ملاك الأمور الجعلية في مساحة الثقافة عبارة عن أن تحظى بالقبول العام؛ بمعنى أن الملاك في كون الشيء ثقافيًا أن يكون حاصلًا على مثل هذا المعنى العام المتفاهم عليه. إن معنى هذا الكلام هو أن الثقافة في هذه الأمور تقوم بإظهار نفسها على شكل أمور جعلية.

(44)
ـ المثال الأول: تعميم الأبنية الاجتماعية أو البناء الاجتماعي العام

هناك في كل مجتمع تقوم بنية اجتماعية عامّة، حيث يعمل أفراد ذلك المجتمع على إيجادها، والمراد من تعميم البنية عبارة عن القرارات العامّة التي يتخذها المجتمع في إطار كيفية إدارة نفسه، فإن البنية الاستبدادية الملكية ـ على سبيل المثال ـ لها معناها الخاص. إن هذا المقدار من المعنى الذي يظهر نفسه في هذه البنية والذي يتمّ إشباعه فيها، يحكي عن ثقافية هذه البنية. إن المعنى الحاضر في هذه البنية عبارة عن استيلاء الملك على جميع السلطات، ابتداء من السلطة التشريعية وصولًا إلى السلطة التنفيذية والقضائية؛ فجميع الأمور تقع تحت يده وسلطانه. وعلى الرغم من إمكان فهم هذا النوع من المفاهيم في الأنظمة القبلية أيضًا، بيد أن هناك في الأنظمة الواسعة والراقية، نرى لازمًا باسم انتقال النشاطات إلى الأفراد والجماعات، كما تعمل في  النظام الاستبدادي الملكي أحيانًا مجموعة بالنيابة عن الملك في تحقيق تلك الأهداف والغايات، ومن الطبيعي أن هذا المعنى المضاف إذا كان موردًا للفهم العام، فسوف يندرج ضمن حقل الثقافة. وأما في البنية المتبلورة على أساس الديمقراطية، فيمكن فهم معنى آخر بشكل واضح.

من الواضح بداهة أن المراد في هذا البحث ليس هو ذات البنية؛ إذ سبق أن ذكرنا أن الأبنية إنما تندرج في حقل البنية الاجتماعية التي هي جزء من المشاركة العينية، التي تقع في مقابل الثقافة، وإن مجموع هذين الأمرين الذي هو عبارة عن المشاركة العينية والثقافة، هو الذي يعمل على بناء المجتمع. وأما المعنى الكامن والمشبع في هذه الأبنية فإنه يؤدّي إلى إمكان فهم الأبنية المعتبرة بوصفها جزءًا من الثقافة. وبعبارة أخرى: إن الأبنية تشتمل على عينية وعلى مفهوم كامن؛ وإن القسم العيني من البنية هو المؤسس للبناء الاجتماعي، وإن قسم المفهوم هو المؤسس للثقافة. وكأنما هو روح قد تجلّت في وجود وبدن. لا ينبغي اعتبار هذا المثال بوصفه أساسًا للعلاقة الحقيقية للثقافة والبناء الاجتماعي، ولكن يتضح الفرق بين هاتين المساحتين من خلال هذا المثال بشكل واضح.

(45)

وحتى في الموارد التي يكون المتلقي للمعنى هو العُرف الخاص، فإنه على شرط أن يكون العُرف العام للمجتمع قد قبل بمرجعية هذا العُرف الخاص ـ بأيّ شكل كان هذا القبول حتى ولو بحدّ السيف والقهر والغلبة ـ فإن هذا النوع من المعاني التي تقع موردًا لفهم العُرف الخاص بدورها سوف تكون جزءًا من الثقافة العامّة أيضًا. إن وجود هذه المعاني الكثيرة والمشبعة، ولا سيّما في مورد الأبنية الاجتماعية العامة واضح بشكل كامل؛ وإن الأمثلة التي هي بمنزلة النموذج لإدارة المجتمع، وإن كان لها عند العُرف الخاص مفاهيم أكثر ثراء، وتكتسب فهمًا أعمق بيد أن العُرف العام بدوره يدرك أصل مفهوم هذه الأبنية العامّة بشكل واضح أيضًا، إلى الحدّ الذي يمكن معه القول بأن الأبنية الاجتماعية العامة تحظى بجعل اجتماعي. فعلى سبيل المثال لو قام مجتمع على أساس النظام الليبرالي الديمقراطي أو على أساس النظام الشيوعي أو على أساس الديمقراطية الدينية، فسوف يحتوي على معان كثيرة، وينفصل كل واحد من هذه المعاني بمساحته المفهومية عن سائر المعاني الأخرى. تنعكس هذه النماذج العامّة في دساتير المجتمعات وقوانينها بوضوح. إن الدساتير في حدّ ذاتها باعتبار النص المرجعي تكون جزءًا من الثقافة، ولكن بالنظر أن النماذج الأساسية ومثال البناء الأساس الذي يتمّ اعتباره بالنسبة إلى المجتمعات إنما يُستخرج من صلب تلك القوانين على مستوى المجتمع، وإن هذا الظهور والتجلي بدوره يحتوي على مفهوم أيضًا، فمن هذه الناحية سوف تكون جزءًا من الثقافة أيضًا. وفي مقام القياس والمقارنة لا تشتمل الأبنية الجزئية الاجتماعية على كل هذه المساحة الواسعة من النفوذ والإشباع المفهومي أيضًا.

ـ المثال الثاني: جزيئات الأبنية الاجتماعية

هناك في كل مجتمع بالإضافة إلى التركيبة والبنية العامة المستقرة فيه، هناك أبنية وأنظمة جزئية أيضًا، من قبيل: نظام التربية والتعليم، والنظام الاقتصادي،

(46)

والنظام السياسي[1]، والنظام الأمني، والنظام الحقوقي، والنظام الاجتماعي وما إلى ذلك من الأنظمة الجزئية الأخرى أيضًا. وعلى الرغم من أن المعاني المشبعة في هذه الأنظمة أقل من الأبنية العامّة، ولكننا مع ذلك نشاهد إشباع المعنى بكثرة في كل واحد من هذه الأبنية الجزئية أيضًا. إن هذه المعاني الكامنة تؤدّي إلى إمكان اعتبار الأبنية والأنظمة الجزئية جزءًا من الثقافة أيضًا. من الطبيعي أن يختلف النظام الاقتصادي من مجتمع إلى مجتمع آخر، وعلى هذه الشاكلة يصحّ هذا الكلام بالنسبة إلى سائر الأنظمة الأخرى أيضًا.

ـ المثال الثالث: التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية

إن المراد من التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية، هو كل نوع من أنواع التقسيمات التي حظيت باهتمام من قبل المجتمعات وتكون لها معان ومفاهيم خاصّة، من ذلك أن العسكريين في باكستان يمتازون من سواهم، حيث يكتسب الانتساب إلى الجيش معان خاصة[2]. أو التقسيم بين ما هو ديني وما هو غير ديني له مفهومه ومعناه في بعض المجتمعات. وكذلك كان لطبقة علماء الحقوق في اليونان القديمة نوعًا من الامتياز والمفهوم الخاص. أو في بعض السلاسل الملكية تحظى طبقات علماء الدين والكهان بامتياز خاص. أو في بعض المجتمعات قد يحصل العلماء على امتياز يرفعهم على غيرهم، بل ومن الممكن أن يُعدّ الانتساب إلى مدينة أو محافظة ذا معنى ومفهوم خاص، أو من قبيل تقسيم الأشخاص ما بين سيّد ينتسب إلى سلالة رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وغير سيّد في المجتمعات الشيعية بل وحتى الإسلامية الأعم حيث يكتسب المنتسب إلى رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم شرفًا ومفهومًا خاصًا. إن جميع هذه الموارد التي تشتمل فيها هذه التشقيقات والتقطيعات على معان مفهومة بشكل عام، سوف تكون جزءًا من الثقافة.

(47)

بالنظر إلى الأمثلة أعلاه، لا ينبغي خفض هذه التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية إلى ذلك المعنى المنظور في علم الاجتماع عن الطبقية. فقد يتماهى هذان المفهومان في بعض المجتمعات وقد لا يتماهيان، بل يجب القول بأن التشقيقات الاجتماعية أعم بكثير وأكثر اتساعًا من المعنى الخاص من الطبقة والطبقية في علم الاجتماع.

ـ الآثار الكثيرة للتشقيقات الاجتماعية

إن الآثار الكثيرة والامتيازات الحاصلة بفعل التشقيقات قد تؤدّي في بعض الأحيان إلى تبلور الكثير من الحركات والنشاطات الاجتماعية، من قبيل: سعي بعض الأشخاص إلى ضمّ مدنهم وأقضيتهم إلى محافظات أخرى أو المطالبة بتحويلها إلى محافظة مستقلة، وبذلك فإنهم في الحقيقة يسعون إلى جرّ الآثار المترتبة على هذا الجعل والتشقيق الاجتماعي إلى مناطقهم ومدنهم والحصول على المزيد من الفوائد والمنافع المترتبة على ذلك. من الواضح أن التقسيم على أساس المحافظات والفصل بين المدن بحسب الجغرافيا تقسيم وضعي وجعلي واعتباري، وليس لهذا التقسيم ضرورة حتمية مئة بالمئة، وإن كانت تترتب عليه بعض المصالح. إن لهذه التشقيقات الاجتماعية آثارًا كثيرة بالنسبة إلى اللغة، كما أن اللغة بنفسها لها تأثير في تبلور الكثير من التشقيقات والتقطيعات الاجتماعية أيضًا. من قبيل تقسيم المجتمع إلى ناطق باللغة الآذرية وغير الآذرية وأنواع التعاملات المتبلورة على هذا الأساس.

ـ المثال الرابع: اللغة

إن اللغة على الرغم من كونها من الأمور الجعلية والاعتبارية، ولكن الثقافة تزخر فيها. والدليل على هذا الأمر ـ كما سبق أن ذكرنا ـ عبارة عن أنواع انتقاء المفردات والتشبيهات والأمثال والكنايات وما إلى ذلك مما هو موجود في اللغة، وهي بأجمعها من الأمور الجعلية والاعتبارية. إن اللغة باعتبار مضمونها تعد جزءًا من الأمور البيانية في الثقافة، ولكن على الرغم من حيثيتها الجعلية هنا يمكن مع ذلك أن نعتبرها جزءًا من الثقافة أيضًا.

(48)

ـ المثال الخامس: الألعاب والرياضات

إن لكل شعب مجموعة من الألعاب والرياضات الخاصة، وجميع هذه الموارد من الجعل والاعتبار الخاص بذلك الشعب وتلك الأمّة، وإن بعض هذه الألعاب والرياضات لها مفاهيم كثيرة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ الرياضة الوطنية التي تعدّ من مختصات الإيرانيين وحقل الثقافة الإيرانية وزاخرة بالمعاني والمفاهيم. كما يمكن الإشارة إلى رياضة الفروسية أيضًا. وإن كان في المقارنة بين هاتين الرياضتين تكون الرياضة الوطنية بالنسبة إلى المتفاهم العام أكثر إشباعًا فيما يتعلق بفهمها وإدراكها. في رياضة كرة القدم الناشئة عن الحضارة الغربية، حيث تحظى عرقلة المهاجم الخصم ـ ومنعه من تسديد الهدف بأي ثمن كان حتى ولو على حساب ارتكاب إعاقة خطيرة له ـ بمقبولية من قبل المشجعين للفريق المدافع والمدربين، يمثل دليلًا على نشوئها من رؤية خاصّة وفكر خاص يقع إلى الضد من الأساليب والأفكار البطولية والروح الرياضية الزاخرة بالمروءة. والمثال الواضح الآخر لمفهوم كرة القدم بالنسبة إلى المواطنين في البرازيل حيث يبدو أنها قد أصبحت بمنزلة الهوية لهم. أو النسبة التي نقيمها حاليًا نحن الإيرانيون مع رياضة المصارعة لما تحتوي عليه من المعنى الخاص الكامن فيها.

لا بدّ من التذكير بأن الترفيهات لا تندرج عادة ضمن الجعليات والاعتباريات، على الرغم من أنه قد يكون لكل قطر أو قوم بعض الترفيهات الخاصّة، ولكن يمكن بشكل رئيس وضع الألعاب والرياضات ضمن الأمور الجعلية والاعتبارية. بل من الممكن عدّ الترفيهات من حيث الآداب والتقاليد المقرونة بها أو اللحاظات الأخرى بوصفها جزءًا من الجعليات والاعتباريات. أجل قد يمكن عدّ الترفيهات بلحاظ الآداب والتقاليد المقرونة بها أو باللحاظات الأخرى جزءًا من الجعليات والاعتباريات. من قبيل شيوع الرحلات على الطريقة الفرنسية / الإنجليزية ثم الأمريكية لاحقًا، بعد الثورة الفرنسية الكبرى، واكتسب ثقلًا مفهوميًا مضافًا، من قبيل: «ندوات

(49)

الذين حصلوا على حق الإدلاء بالأصوات حديثًا»، و«الاعتراض السياسي»، و«إحياء اليوم الوطني للاستقلال». وحتى بغض النظر عن هذه المعاني المضافة، فإن كيفية وطريقة التنفيذ قد تحتوي على اختلافات جادّة بغض النظر عن التجوّل والسياحة في الطبيعة في سائر المجتمعات. أو النموذج الآخر في «المهرجان المقدس» أو مهرجان الألوان في الهند الذي يخلق نوعًا من النشاط والبهجة من خلال تقاذف المشاركين بمقادير كبيرة من المساحيق الملوّنة على وجوه وأجساد بعضهم، ولكنه حيث يحتوي على مفاهيم اعتبارية يمكن أن يكون جزءًا من الأمور الجعلية والاعتبارية. بيد أن ذات أصل الترفيه سواء في نموذج الرحلات الغربية أو مهرجان الألوان الشرقي، لا يؤدّي إلى اعتبار مطلق الترفيهات جزءًا من الجعليات والاعتباريات. كما أن للترفيهات تناسبًا مع طبيعة الجغرافيا أيضًا، وإن كان يتمّ ضمّ بعض المعاني الخاصة الأخرى إلى هذه الظرفيات البيئية أيضًا.

ـ المثال السادس: الأساليب والقوانين المطبّقة والمتعيّنة[1] في المجتمع

إن القوانين الاجتماعية السارية في المجتمع وكذلك الطبقات الظاهرة على السطح ـ وإن لم تكن مكتوبة ـ بغض النظر عن منشئها ـ الأعم من أن يكون عبارة عن القوانين المصادق عليها من قبل المؤسسات القانونية أو المحلية أو المتفق عليها من قبل جماعة غير مصرّح بها ـ من حيث أن الناس يتعاطون معها ويكون لها حضور في المشهد، ويفهم منها الناس المعاني، فسوف تكون جزءًا من الثقافة. وبطبيعة الحال فإنه على الرغم من أن هذه المجموعة ترتبط بالنظام الحقوقي، ولكنها غير ذلك النظام الحقوقي. وحتى لو كانت جميع هذه القوانين مأخوذة من النظام الحقوقي، ولكن من حيث أنها متعيّنة وقد تمّ إقحام الجميع فيها وأضحت جزءًا من الفضاء العيني للمجتمع،

(50)

تنطوي على معنى مختلف عن النظام الحقوقي. ومن هنا تكون هذه الطائفة من الأمور الاعتبارية جزءًا من الثقافة أيضًا.

ـ المثال السابع: النماذج والرموز

إن النماذج والرموز باعتبار محتوياتها تدخل ضمن مساحة الأمور البيانية في دائرة الثقافة، ولكنها بواسطة الحيثية الجعلية والاعتبارية تكون جزءًا من الثقافة أيضًا. ليست هناك أيّ ضرورة خاصة في أن يكون هناك بين الرموز والمعاني المفهومة منها نوع من النسبة الواقعية والحقيقية، من ذلك ـ مثلًا ـ أن المطرقة التي تمثل في علم الاتحاد السوفيتي السابق رمزًا للطبقة العاملة، كان من الممكن أن تكون رمزًا لشيء آخر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الإبرة على الرغم من صغرها ودقتها، يمكن أن تتخذ رمزًا للقوّة، ويعود سبب هذا الأمر إلى سقوط الملك الخصم وموته بواسطة حقنه بإبرة، وإن السلالة التي حلت محله قد اكتسبت بعد الإطاحة به سلطة كبيرة، وكان بوسعها أن تعمل على توظيف هذا الرمز للإحالة إلى هذه السابقة التاريخية.

(51)

المساحة السابعة: الأمور الطبيعية والبكر

لقد سبق أن ذكرنا أن بعض الأمور الطبيعية والجغرافية تكتسب ـ دون أن يتمّ مسّها أو التصرّف فيها ـ لونًا وصبغة إنسانية من قبل البشر، ودون أن يتصرّف بها أو يتدخل فيها تكتسب معنى خاصًا بالنسبة إلى الإنسان. وبطبيعة الحال فإن ذات هذا المطلب يكون قابلًا للذكر والبيان في الفضاء الجماعي أيضًا؛ فتارة يكتسب شيء أو موضع أو أمر طبيعي بالنسبة إلى المجتمع مفهومًا خاصًا دون أن يحدث فيه أدنى تصرّف أو تغيير. إن هذه الأمور بدورها تكون جزءًا من الثقافة لذات هذا السبب. وإن حجم الثقافية بدوره رهن بحجم المعنى المقرون بها والمستفاد من تلك الظواهر الطبيعية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن قمّة جبل دماوند بوصفها رمزًا خاصًا قد اكتسبت بعد انتصار الثورة الإسلامية دلالة واضحة عامة تفيد مفاهيم ومعان من قبيل: الصمود والشموخ والعزّة وما إلى ذلك. أو تارة حتى ذكر اسم منطقة ما مثل «الشلامجة»، عندما يتمّ سماعه ـ بغض النظر عن إحداث أيّ تصرّف فيها ـ ينصرف الذهن إلى مفهوم خاص بسبب اقتران تلك المنطقة بالمقاومة والصمود المقرون بالشهادة والتضحية والفداء. ويمكن أن يكون لدى كل شعب ما يشبه هذه الحالة حيث تكون لديه أماكن خاصة وطبيعية بسبب وقوع حادثة مهمة فيها، فتكتسب مفهومًا إنسانيًا. والمثال على هذا الأمر الصحراء بالنسبة إلى سكان البوادي، أو البحر والغابة بالنسبة إلى المواطنين الذين يقطنون في شمال إيران حيث ينعكس ذلك على لغة وسلوك ونشاط سكان تلك المنطقة بشكل واضح ويكون لها معناها ومفهومها الخاص. أو حتى الأحداث التاريخية تعمل أحيانًا على تحول نقطة صغيرة جدًا وتجعلها زاخرة بالمعاني، من قبيل: «غار حراء» بالنسبة إلى المسلمين؛ حيث أن مجرّد سماعهم لهذا الاسم يكفي لاستحضار الكثير من المعاني. وتارة حتى لون البشرة يمكن أن يحتوي على الكثير من المعاني من قبيل اللون الأسود واللون الأبيض. إن جميع هذه الأمور الطبيعية تكون بمقدار تشبّعها بالمعاني جزءًا من الثقافة. إن هذ النوع من الأمور ليس

(52)

من المصنوعات الإنسانية، ولم يحدث بشأنها جعل واعتبار، بل اكتسبت صبغة إنسانية في الفضاء الاجتماعي، وأصحبت ذات معنى في الفهم العام والذاكرة العامّة. إن سبب اكتساب هذه الصبغة الإنسانية يعود أحيانًا إلى التقبل الذاتي وتأثر الإنسان بالبيئة المحيطة به وتارة أخرى التعاطي الكبير مع هذه الأمور وتارة يعود إلى أسباب أخرى. وأيًّا كان السبب إذا اكتسبت الظاهرة الطبيعة مثل هذه الحالة، فإنها سوف تعدّ قطعًا جزءًا من الثقافة.

إن تعلق الناس بالوطن يُعدّ مثالًا آخر في هذا الشأن. وعلى الرغم من أن بحث الوطن بدوره في الأساس يتقوّم بالجعل والاعتبار أيضًا، إلا أنه يُعدّ تعلقًا بالجغرافيا والتراب، وهذا التعلق هو الذي يضفي على الوطن مفهومًا بوصفه وطنًا، ولذلك يمكن اعتبار الوطن بدوره جزءًا من الأمور الطبيعية التي تندرج ضمن الثقافة.

إن الفرق الواضح بن الرموز وهذه المجموعة، هو أن الرموز اعتبارية، والحال أن الأمور الطبيعية التي تتحوّل إلى أمور ثقافية ليست جعلية ولا اعتبارية، وإنما تحضر المعاني ذات الصلة في الفهم العام بواسطة مساحة التقبّل البشري والأنس الحاصل منها.

(53)

المساحة الثامنة: النشاطات الاجتماعية

إن المعنى يزخر في كل نشاط اجتماعي، وبمقدار ما يكون هناك حضور للمعنى تكون الثقافة حاضرة أيضًا. ولهذا السبب تقع النشاطات الاجتماعية في دائرة الثقافة. وبعبارة أخرى يمكن القول: إن كل نشاط اجتماعي يمثل نوعًا من الثقافة المتعيّنة. إن ذات النشاط ـ بطبيعة الحال ـ هو مثل الصناعة الذاتية العينية ليس جزءًا من المعنى العام، بل يندرج ضمن دائرة المجتمع، ولكنه يُعدّ ثقافيًا بواسطة المعنى العام المشبع فيه. ومن هنا نشاهد بسبب اتساع رقعة النشاطات الاجتماعية، توسعًا لحجم الثقافة بنفس المقدار أيضًا. ثم إنه مع انسحاب مساحة الثقافة إلى بعض الأمور الاجتماعية التي تمثل بحسب الظاهر المساحة التجسيدية للمجتمع، يحدث نوع من تجسّد المعنى في صلب نشاطها، كما يحدث في المساحة الاجتماعية، وكذلك على الرغم من بقاء امتياز البناء العيني والنشاط من الثقافة والمعنى، نشاهد مع ذلك نوعًا من الارتباط في السطح والعينية الخارجية بين هذين الأمرين. والخلاصة هي أن وقوع النشاط الاجتماعي في دائرة الثقافة يعني تقبّل تجسّد المعنى في العمل بشكل اجتماعي.

إن المراد من النشاط الاجتماعي هو نشاط الفرد في المجتمع ونشاط المجتمع بشكل عام، وإن كان المعنى الثاني يمثل المصداق البارز لهذا البحث، إلا أن نشاط الفرد في المجتمع يُعدّ بدوره نشاطًا اجتماعيًا أيضًا.

إن الأمثلة عن النشاط الاجتماعي العام، عبارة عن: التعبير عن الغضب العام والتعبير عن الفرح العام. وتارة يكون سبب هذا الفرح مسألة من قبيل الانتصار في حرب داخلية أو خارجية أو تجاوز أزمة أو أسباب ومناشئ أخرى. وتارة لا نشاهد فرحًا اعتياديًا في بعض المجتمعات، وإنما نشاهد نوعًا من تفجّر الفرح العارم حيث يكتسب في ظلّ هذه الظروف مفهومًا مضاعفًا. والنموذج الآخر مراسم العزاء في شهر محرّم الذي يمثل نوعًا من العزاء العام في فضاء عالم التشيّع، أو مسيرة الأربعين التي اكتسبت في الوقت الراهن شكلًا خاصًا.

(54)

كما أن لكل مجتمع مجموعة من المشاعر الخاصة به، ويعمل على بيان أفكاره في إطار الأفراح العامّة. والأمر الذي يُشاهد حاليًا ـ على سبيل المثال ـ عند إحراز الفوز في مباريات كرة القدم على المستوى العام في العالم الغربي، يُعدّ من هذا القبيل. إن وجود فلاسفة الثقافة والمهندسين للثقافة هو الذي يحدد ما هو مقدار الفرح الذي يجب أن يتحقق، ولأيّ الأمور يجب أن يحدث. إن الذي يحدث من قبلهم هو نوع من بناء التقاليد والسنن، وإن النشاطات التي تتبلور في إطار هذه التقاليد والأفكار والمشاعر التي يتمّ بيانها تعدّ من خصائص المجتمعات.

ـ أنواع تعاطي النشاط الاجتماعي مع الثقافة

وعلى هذه الشاكلة فإن كل نشاط اجتماعي، إما أن يستوجب ظهور ثقافة موجودة ـ وذلك لأن الثقافة حاضرة في ذلك النشاط ـ أو يؤدّي إلى تعميق الثقافة وترسيخها، أو يستوجب إعادة بناء الثقافة. وبعبارة أخرى: في بعض الأحيان لا يحدث أمر جديد في النشاط سوى أن تلك الثقافة تظهر بواسطة هذا النشاط ويمكن مشاهدته. ولكن في بعض الأحيان يكون لتحقق النشاط الاجتماعي أثر أعمق من ذلك، أو يؤدّي إلى إعادة بناء الثقافة أو يؤدّي إلى تعميقها وترسيخها. ومن خلال التدقيق بشكل أكبر يمكن الادعاء بأن كل نشاط يكون مقرونًا بنوع من التجديد، وعلى كل حال يحدث نوع من إعادة البناء أو تعميق الثقافة[1]، ولكن ربما أمكت القول بلحاظ أبسط: إن بعض النشاطات هي ذات سنخ الثقافة القائمة، دون أن يحدث أمر جديد في البين.

(55)
(56)

نقاط حول مساحة الثقافة

بعد تعداد مختلف مساحات وأبعاد دائرة الثقافة، نستعرض فيما يلي قائمة بأهمّ النقاط ـ وهي في الحدّ الأدنى ست نقاط ـ لتكون بمنزلة التكملة في هذا الشأن، وذلك على النحو الآتي:

إمكان إدراج الأمور الثقافية والاجتماعية ضمن بعض المساحات المختلفة من دائرة الثقافة

إن إدراج بعض الأمور الثقافية والاجتماعية ضمن واحدة من المساحات والدوائر المتنوّعة للثقافة لا يكون من حيث أن كل أمر ثقافي ينحصر ضمن ذلك العنوان، وإنما يأتي هذا التقسيم في إطار الفرز والفصل بين الأقسام. كما يمكن حتى وضع بعض الأمور ضمن هذه المساحات الثلاث أو أكثر. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن اللغة تكون في الحدّ الأدنى جزءًا من الثقافة من ثلاث زوايا، وهي أولًا: بواسطة الحيثية البيانية. وثانيًا: بواسطة الحيثية الجعلية والاعتبارية. وثالثًا: بواسطة جذورها التاريخية. كما أن ذات التاريخ بدوره يندرج ضمن المساحات المختلفة من دائرة الثقافة. وبعبارة أخرى: إن أغلب الظواهر الاجتماعية ينطوي على خليط ومزيج من الأمور والمساحات المذكور. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن تقليد حمل المشاعل في بعض المواكب النجفية، يُعدّ من جهة ظاهرة رمزية، وهو من جهة ثانية يُعدّ من الجعل والاعتبار. وهو من جهة ثالثة يستند إلى التاريخ وإلى الجذور التاريخية أيضًا، وهو في الوقت نفسه يُعدّ من جهة أخرى نشاطًا اجتماعيًا. والمثال الآخر مواكب العزاء في أيام شهر محرّم؛ حيث يكون لها جذور تاريخية، وجذور اعتقادية، وهي في الوقت نفسه تعدّ نشاطًا اجتماعيًا. إن طريقة حضور هذه

(57)

المساحات والأبعاد في الظواهر المركّبة من عدّة مساحات مختلفة تارة يكون على شكل مزيج وخليط حيث يتواجد عدد من المساحات في تلك الظاهرة دون أن يكون لبعضها غلبة على بعضها الآخر، وتارة أخرى على الرغم من حضور عدد من المساحات فيها، تكون إحدى المساحات هي المساحة الأبرز وتمثّل الوجه الغالب من بينها.

وعلى هذا الأساس يمكن الحصول ـ من خلال النظر في كل ظاهرة اجتماعية ـ على مختلف الأبعاد المحتملة من بين المساحات الثمانية، والعمل بذلك على إحصاء نوع من «الخصائص» وتعريفها بشكل أدق، دون أن يحدث بالضرورة نوع من التقليل والخفض إلى منظومة رياضية أو كمية، أو يتمّ نسيان أو تجاهل البُعد الإرادي والفضاء الإنساني من المساحات الثمانية.

ومن الممكن بحسب الغلبة، أن تندرج بعض الظواهر الثقافية في واحدة من المساحات فقط، ولا تبدو سائر المساحات الأخرى للعيان كثيرًا، من قبيل نظرية نيوتن حول قانون الجاذبية في الأرض، حيث تمّ طرحها في بادئ الأمر بوصفها فكرة، واعترضت على التصور الغالب في حينها والذي كان يقول بالحركة الذاتية لكل شيء نحو مكانه الطبيعي، وبعد مدّة حيث أصبحت هذه الفكرة عامّة وشاملة وإلى بيان منعكس، تمكّنت من إعادة بناء وإصلاح سائر المساحات والأبعاد الاجتماعية والعلمية بما يتناسب معها. وبطبيعة الحال لو أن فكرة تحوّلت في كل مرحلة إلى فكرة عامّة وشاملة دون أن يكون لها تأثير في سائر الأبعاد الاجتماعية، سوف نواجه في الواقع نوعًا من الاعتقاد الخالص.

تعقيد الظواهر الثقافية وضرورة الرصد التام لأبعادها

يُشاهد أحيانًا في التحليلات الثقافية أو دراسة الظواهر الاجتماعية والثقافية تبلور تبسيط مفرط، في حين أنه يجب من أجل الوصول إلى الحقيقة رصد جميع أبعاد الظاهرة. وبعبارة أخرى: إنه قد تكون هناك مساحات ثقافية متنوّعة في ظاهرة ثقافية تثبت أن المعرفة الدقيقة للتعقيدات الثقافية تتوقف على معرفة جميع أبعادها.

(58)

إن من بين نماذج الظاهرة الثقافية المعقدة عبارة عن الرمز؛ إذ يحتوي الرمز على جعل واعتبار، وهو في الوقت ذاته إبراز وبيان، كما هو معتقد، وهو تاريخ، وصناعة اجتماعية أيضًا. من ذلك مثلًا أنه يمكن رصد الكثير من هذه الأبعاد في «الوثن»، وفي الأساس فإنه ما لم يتمّ هذا الرصد بالنسبة إلى الرمز وسائر الظواهر الثقافية المعقدة، لا يمكن لنا أن ندعي المعرفة والإشراف التام على الظواهر الثقافية. من ذلك أنه يمكن ـ على سبيل المثال ـ أن تكون هناك ظاهرة في حالة التبلور حيث تقوم بنشاط الرمز، ولكن بسب عدم التعرّف والوصول إلى حقيقة الرمز، يكون هناك احتمال كبير في أن تتمّ الغفلة عنها. من خلال الإشراف التام على هذه الأبعاد المختلفة للرمز يمكن فهم كيفية تبلور الرمز، ويمكن أن نتعلّم كيفية صناعة الرمز. والنموذج الآخر عبارة عن اللغة نفسها حيث تجتمع فيها أنواع المساحات الثقافية، وهي تشتمل حتى على الحيثية والجهة الرمزية أيضًا، بحيث يمكن القول: إن اللغة مصدر ثقافي بالغ الثراء. وبعبارة أخرى: إن اللغة ليست مجرّد إظهار ما في الضمير فقط، وإنما تحتوي كذلك على مسائل أخرى تبدأ من التاريخ وتنتهي إلى الأفعال والنشاطات. من ذلك أن حنان الأم على وليدها ـ مثلًا ـ عندما تشمّه وتلثمه وهي تشفع ذلك بقولها: «فديتك»، يمثل نوعًا من الأفعال التي تظهر حتى في لغتها وكلماتها أيضًا. وكذلك في الأبعاد الاجتماعية نجد أن الأدبيات التي تبلورت بالنسبة إلى حجّة اللّه في حقل مسائلنا الولائية، قد عملت على تشكيل مساحة واسعة.

والذي يحظى بالأهمية في هذا الشأن هو أساليب رصد هذه الأبعاد الثقافية الكامنة في الظواهر، حيث يمكن الإشارة إلى ثلاثة أساليب منها في الحد الأدنى:

1. الفهم الارتكازي للثقافة: بمعنى التماهي مع الثقافة وفهمها واستنشاق الهواء من رئتها. إن الذين يعيشون ضمن ثقافة ما، يلمسون الجهات المتعدّدة للظواهر الثقافية بكل وجودهم، من قبيل: مواكب العزاء في عاشوراء حيث

(59)

تسجّل حضورًا بجميع أبعادها في فهم وارتكاز الشيعة. ومن هنا لو تمّ إعداد أسئلة متعددة وتمّ السؤال عنها، سوف يكون الجواب عنها بحسب الارتكاز الذي يغطي جميع جوانبها وأبعادها. وفي هذه الموارد وحدها يجب الاستفادة من القدرة على بسط وتحليل الارتكاز، والعمل على إظهار تلك الجوانب.

2. الفهم من طريق آثار الثقافة: بمعنى أنه من خلال رصد الآثار والنتائج المأخوذة من ظاهرة ما يمكن السؤال والتحقيق بشأن أسباب هذه الآثار، والتوصّل من خلال هذا المسار إلى الأسس والأبعاد التي أظهرت هذه النتائج. من قبيل أن يحتوي حضور بناء بسيط مثل «الكعبة» أو بيت اللّه، على كل هذه الآثار، وعندها يرد التساؤل عن الأسباب التي أدّت إلى اشتمال هذا البيت على هذه الآثار، وعندها يمكن الوصول إلى الأبعاد المختلفة الكامنة في هذا الأمر. وبعبارة أخرى: إن كثرة الآثار والتأمّل في الآثار يعكس الأسس والأبعاد الكثيرة الكامنة في الظاهرة.

3. النصوص البيانية للثقافة التي تعمل على بيان الثقافة من زاوية المؤسسين لها.

الامتزاج والتأثيرات الإيجابية والسلبية للأبعاد والمساحات الثقافية المختلفة في بعضها.

إن المساحات والأبعاد المذكورة ليست بمنزلة الجزر المنفصلة عن بعضها، والتي يكون لها في بعض الأحيات تأثيرات في بعضها من بعيد، أو أن تكون هذه التأثيرات ملحوظة في عدد من الظواهر الخاصّة فقط، بل يمكن الادعاء على شكل قاعدة عامّة أن مختلف مساحات وأبعاد الثقافة تحتوي على نوع من التشابك والتفاعل فيما بينها بحيث أن التغيير في بُعد وساحة يؤدّي إلى متغيّرات إيجابية وسلبية في سائر الأبعاد والمساحات الأخرى. وكما أن هذه الأبعاد تجتمع برؤية فردية في شخص واحد، ويكون بينها تعاط فعال، كذلك فإن هذه الأمور عندما تجتمع في الفاهمة العامة سوف تحتوي على تعامل واسع وعجيب فيما بينها، حيث يجب أن يكون ذلك مطمح نظر الباحثين في

(60)

الشأن الثقافي، وأن يتأمّلوا فيها كثيرًا. إن المراد من هذا الامتزاج والتعامل ليس هو وجوده في الظواهر المركّبة من مختلف المساحات، وحتى في الفرض القائل بأن كل ظاهرة تندرج ضمن مساحة واحدة فقط، فإن التصرّف في ظواهر من هذا النوع سوف يكون مؤثرًا في الظواهر والمساحات الأخرى أيضًا.

إن فهم هذا الامتزاج والإذعان به، يمكن بيانه من خلال بعض الأمثلة بسهولة؛ فحيث يتمّ الحديث عن الارتباط الثقافي لكل نشاط اجتماعي ـ على سبيل المثال ـ في حقل الاقتصاد، يكون ذلك دليل على القبول بأن النشاط الاقتصادي يمكن أن ينطوي على تداعيات ثقافية، وللتصرّف بحذر تجاه هذه الآثار والتداعيات يجب القيام بعملية التواصل والارتباط الثقافي. وبعبارة أخرى: إن التحوّل في بُعد ثقافي واجتماعي ليس بحيث يكون بشكل منعزل ومنفصل وعلى الهامش؛ فبواسطة هذا الامتزاج يعمل تحوّل ما في بعض الأحيان على تضييق مساحة سائر الأبعاد الأخرى، أو أن يعمل على توسيع مساحة بعضها إلى حدّ كبير. إن القبول بهذا الامتزاج هو الذي يجعل ضرورة أخذ التحليلات الثقافية للظواهر بجدية أمرًا لا يمكن اجتنابه.

المثال الآخر هو أن مجرّد بيان المعنى والثقافة يتحوّل في بعض الأحيان إلى تيار اجتماعي، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه من خلال الإنتاج المتراكم من الأفكار الاجتماعية يمكن العمل على إيجاد حركة ونشاط في المجتمع، والقيام من الناحية العملية بجسر الفجوة بين البيان والفعل بذات ذلك البيان. وتارة أخرى على العكس من ذلك؛ بمعنى أنه قد تكون هناك آداب في المجتمع ثمّ تتحوّل إلى بيان للفكر وإظهار للمفهوم والمعنى.

إن المثال الجزئي والمحسوس، عبارة عن التجربة القائمة على السعي والخطأ في الجمهورية الإسلامية في التماهي وإقامة المماثلة مع النظام الرأسمالي في قسم نموذج الشأن الاقتصادي في بعض الفترات، وهو وإن تمّ على أساس الاختبار والخطأ، ولكنه ترك الكثير من الآثار الثقافية، وقد

(61)

تمخّض في بعض الأحيان عن الكثير من الاضطرابات الثقافية. ويعود السبب في ذلك إلى ذات هذا التشابك، حيث لا يتوقف التحول في بُعد على ذات ذلك البُعد، وإنما يسري إلى سائر الأبعاد الأخرى أيضًا.

المثال الآخر أنه حيث نعيش في عصر الرخاء ووفرة النعمة والقدرة على تناول الأشياء بسهولة، ظهر نوع من الرفاه النسبي، وقد كان لهذا الرفاه النسبي تأثيره في محو بعض الأفكار، وسوف يحدث تغييرًا في بعض المفاهيم، من قبيل: مفهوم الزهد حيث سيتغيّر فضاءه بشكل كامل. ليس المراد هنا هو نفي الرفاه، وإنما مجرّد الإشارة إلى وجوب العمل على هندسة حجم الرفاه، وإلا فإنه يمكن لذلك بفعل التشابك أن ينطوي على الكثير من الآثار والتبعات غير المطلوبة. إن هذا الرفاه بطبيعة الحال يبدو من مقتضيات عصر التكنولوجيا، حيث يؤدّي التطوّر إلى تحقق الحدّ الأقصى من ذلك الرفاه. وفي إطار المزيد من التوضيح يمكن طرح السؤال القائل: لو تمكن جميع أفراد المجتمع لهذا السبب من بلوغ مستوى من الرفاه البالغ في نسبته تسعين في المئة، فهل يجوز لهم العمل على ترقية هذه النسبة لتبلغ مئة في المئة؟ بعبارة أخرى: يجب الالتفات إلى لوازم هذا التطوّر التكنولوجي، والعمل على هندسة وتنظيم الرفاه الناشئ عن ذلك من الناحية الشرعية والعقلية.

إن ذات هذا الاتساع التكنولوجي بالإضافة إلى إيجاده لنوع من الرفاه العام على نحو نسبي، قد أوجد على المستوى العملي نوعًا من التشابه بين المجتمعات المختلفة. لو كان هناك لكل مجتمع وثقافة حضارة خاصة يمكن تصوّرها، فإن الثقافة والحضارة الغربية قد تمكنت من الناحية العملية من إيجاد الكثير من التشابه في مختلف نقاط العالم وبين المجتمعات المختلفة. وهذا الأمر يدلّ على أن الاستفادة من التكنولوجيا قد انطوى على كل هذه الآثار، وإنه بواسطة ذلك التشابك لم يتمّ الاكتفاء بمجرّد الشبه الآلي في حقل الحضارات والثقافات المختلفة، وقد عمل من الناحية العملية في الحدّ الأدنى على إلغاء الأفكار والمفاهيم وجانب من الثقافات من مضمار الفعلية

(62)

الاجتماعية. من الطبيعي أن تظهر هذه الأمثلة ضرورة الهندسة وفتح المجال أمام تمدّد الثقافة الموالية. مع التذكير بأن سرعة التغييرات التكنولوجية أحيانًا وظهور الحقول الجديدة كان بحيث قضى على فرص النشاط الفعال واتخاذ القرار المناسب أيضًا.

إعادة بناء وتنظيم الثقافة بحسب الظروف الاجتماعية الجديدة (الأعم من الحقيقية أو الوهمية)

لقد سبق أن ذكرنا بعض المطالب حول «الموقع الذي يحتله الإنسان»، وذكرنا هناك أن الإنسان دائمًا يحتل موقعه، وأن الثقافة والمجتمع يتبلوران من خلال تواجد الإنسان في موقعه بالنسبة إلى الأشخاص الآخرين. ويجب أن نضيف هنا أن الفاهمة العامّة إذا اكتسبت أفكارًا أخرى، فسوف تحدث موقعية جديدة، ويقع المجتمع في واقع جديد بالكامل. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن المجتمع الذي لا يؤمن بوجود اللّه، يتمّ تعريف موقعه من خلال ثنائية الإنسان والطبيعة، وحتى تاريخه يكون متعلقًا به. ولكن ما أن يتدخل الأمر القدسي الأعم من الوهمي (الوثن) أو الحقيقي (اللّه) حتى تتمّ إعادة النظر في كل شيء وإعادة إصلاح كل شيء. من ذلك أن الإنسان في الرؤية التوحيدية يكون على الدوام في موقع العبودية لله سبحانه وتعالى، ويتعيّن عليه تعريف كل شيء ضمن هذا المفهوم. وبعبارة أخرى: إن ذات ذلك الأمر الذي هو جزء من الثقافة من قبيل الاعتقاد ـ إذا كان ينطوي على صفة خاصّة ـ يمكن أن يعمل على تغيير الجغرافيا الثقافية بشكل مضاعف. إن المسجد، وصلاة الجماعة، وليلة القدر، والحج، والثياب الخاصة وما إلى ذلك، تنشأ بأجمعها من الموقع الذي يرى الإنسان المسلم نفسه متواجدًا فيه. وكذلك في التفكير الغربي حيث يغيب كل أمر قدسي ويعتبر اللّه بوصفه إلهًا شخصيًا، يؤدّي إلى تفسير جميع الأبعاد الاجتماعية والثقافية على نحو آخر، من ذلك أن ظاهرة الإفراط في إظهار الجسم المتفشية في العالم الغربي على نطاق واسع، يعود سببه إلى وضع الإنسان في المحور والمركز. وفي المقابل تكون الأهمية في

(63)

الفكر الديني لخلافة اللّه والكرامة، وهذا الأمر يشمل جميع الأبعاد، إلى الحدّ الذي يقول معه اللّه سبحانه وتعالى: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ﴾ [1].

إن الأمر القدسي لا يعمل على إيجاد كل هذا التغيير بالضرورة، وإنما لو أضحت فكرة ما محورية وظهر لها نوع من الانحصار، فسوف تمتلك مثل هذه القدرة التي تمكنها من صبغ جميع المساحات والأبعاد بصبغتها، شريطة أن تصبح عامة وشاملة. ومن الجدير ذكره أن المجتمع إذا اتجه نحو الفضاء الحضاري، فإن شدّة تغيير الموقعية وإعادة بناء الثقافة على نحو شامل سوف تكون أكبر بكثير؛ وذلك لأن حضارة التمدد وامتداد نظام المعتقدات والقيَم بل ومجموع الثقافة في جميع الأبعاد والمساحات، أمر عيني.

قد تختلف المسألة من ثقافة إلى ثقافة أخرى؛ بيد أن المسألة الأساسية هي أن يكون الإنسان في موقع الصانع للثقافة، ولكن هناك في الثقافة أمور يمكن لها أن تضع هذه الثقافة في موقعية جديدة حيث يجب الالتفات إليها، والعمل على فهم جميع أجزاء الثقافة وأبعادها على أساس هذه الموقعية الجديدة. ولا بد من التذكير بأنه ليس كل أمر جديد يمتلك مثل هذه القدرة. إن بعض الأمور تمثل جزءًا جديدًا للثقافة السابقة، وإن بعض الأمور الجديدة ليست مجرد جزء فقط، بل هي تخلق بُعدًا للثقافة السابقة. وبعبارة أخرى يمكن القول: كما يقوم الإنسان في موقعه بصناعة الثقافة، فإن المجتمع ـ الذي هو ظاهرة إنسانية وبسط للروح الإنسانية ـ بدوره كذلك يعمل من الموقع الثقافي على مضاعفة الثقافة وإعادة بنائها وتنظيمها وتعميقها أيضًا.

لا يصحّ تصوّر أن المساحات الثمانية المذكورة آنفًا تظهر في جميع الثقافات المختلفة على نسق واحد، بل بالنظر إلى الموقع الخاص لكل مجتمع تختلف هذه المساحات والأبعاد بدورها اختلافًا جذريًا أيضًا.

(64)

عمق وسعة وعظمة الثقافة

بالنظر إلى تعداد المساحات الثمانية المذكورة بوصفها مساحة ودائرة لحضور ونفوذ الثقافة وكذلك تضاعف الثقافة، يمكن الإقرار بهذا المطلب على المستوى العملي، وهو أنه ليس هناك أيّ أمر أو حركة في المجتمع إلا وهو يحتوي على صبغة ورائحة ثقافية، إلى الحد الذي يمكن معه مشاهدة صبغة الثقافة وشمّ رائحتها في أكثر مساحات حياة الإنسان فردية. إن بعض علماء الاجتماع بدورهم حيث وجدوا صبغة ورائحة ثقافية في كل مكان ذهبوا إليه وتفقدوه، وقلما وجدوا مكانًا يخلو من الثقافة، لذلك فقد أصدروا حكمًا كليًا وعامًا، حيث قالوا: ليس هناك في الأساس أمر يمكن تصوّره باسم الأمر الفردي، وعليه يجب إلغاء فكرة التصوير الفردي من الذهن. ولكن هناك في البين هذه الإضافة المهمّة جدًا، وهي:

إمكان العبور على الثقافة والتغيير في الثقافة على شكل فردي وجماعي

لا بدّ من الالتفات إلى أن الاستغراق في هذه الشبكة من المعاني العامّة، لا يعني الانفعال في مواجهة الثقافة، ولا يمكن أن نستنتج من ذلك أن الإنسان واقع في قبضة الثقافة بحيث لا يمكنه الخلاص منها، كما ذهب إلى ذلك بعض السائرين على النهج الهيجلي. وعليه يمكن للفرد أن ينفصل عن دائرة هذه الثقافة المستقرة، وكذلك يمكن للمجتمع أن يقوم بإرادته الاجتماعية بنوع من التبديل والتغيير الثقافي، ويعمل على إخراج نفسه من الثقافة السابقة؛ بمعنى أن تبدّل ثقافة المجتمع على نحو اجتماعي ممكن ومتصوّر أيضًا. إن من بين نماذج انفصال الفرد عن دائرة الثقافة، هم الأشخاص الذين أنفقوا جزءًا كبيرًا من أعمارهم في الوحدة والعزلة واختاروا الحياة في أعماق الغابات أو على شعاف الجبال، وعلى الرغم من أنهم يحملون شيئًا من آثار الثقافة والفضاء العام، ولكن لا يمكن مشاهدة شدّة وعمق الثقافة في المجال الاجتماعي عليهم، لا سيّما إذا كان الشخص قد ولد ومات لأيّ سبب من الأسباب في عزلة تامّة عن المجتمع، وعليه سوف يكون هذا الشخص منفصلًا عن الثقافة

(65)

بشكل كامل. إن الانفصال عن الثقافة الموجودة بشكل فردي قد لا يحصل من خلال الاعتزال الاجتماعي بالضرورة، بل إن المصلحين الاجتماعيين ـ مثلًا ـ قاموا أولًا بالانفصال عن الثقافة القائمة، وعملوا على حذف بعض أجزائها في مساحتهم الشخصية دون اعتزال المجتمع، ثم سعوا بعد ذلك إلى استقطاب أفراد المجتمع إلى صفهم. إن إيجاد السنن الجديدة والثقافية في المجتمع يسلك في العادة مسارًا طويلًا؛ وفي مراحل تبلورها، حيث لم تتحوّل بعد إلى سنّة عامة، يمكن مشاهدة ذات هذا الانفصال للظاهرة الجديدة عن الثقافة العامة، وإن حظيت بالقبول من قبل مجموعة من الناس ـ العرف الخاص ـ ويُشاهد نوع من الانعكاس الثقافي فيها، ولكنها لا تعرف بعد بوصفها من المتفاهم العام والثقافة المقبولة.

في انفصال المجتمع عن ثقافته على الرغم من إمكان أن يكون البادئ بهذا المسار في الغالب هم الأشخاص المؤثرون والذين يمتلكون الكاريزما الخاصّة في داخل ذلك المجتمع ويعملون على قيادة مجتمعهم نحو هذا الاتجاه، بيد أن الذين يطلقون شرارة التحوّلات الاجتماعية قد لا يكونون من القادة الاجتماعيين بالضرورة. إن جميع الناس أو القسم الأكبر من أفراد المجتمع قد يشعرون بوجود خلل في أمر ما، ويتعيّن على جميع الأفراد أن يتخذوا موقفًا مناسبًا تجاه ذلك الأمر. بل ويجب التصريح بأن تغيير الثقافة السابقة ـ سواء أكان بواسطة القيادة الاجتماعية أو من دونها ـ إنما يكون من خلال مسار الثقافة القائمة، كما أن الحركة الجذرية التي قام بها رسول اللّه عليهما‌السلام  في تغيير الثقافة الجاهلية لم تكن تعني نبذ جميع مفردات الثقافة السابقة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الكثير من الآداب الجاهلية التي كانت قد تمكنت في اللغة العربية آنذاك، قد تمّ حذفها من قبل هذه الحركة الإصلاحية، في حين أن اللغة العربية قد بقيت هي ذات اللغة وإن كانت قد ازدادت ثراءً وعمقًا، من قبيل الأبناء في الأسرة المهذّبة؛ فإنهم على الرغم من معرفتهم لمفهوم الشتائم الشائعة في مجتمعهم، ولكنهم يتورّعون عن استعمالها ويعملون

(66)

على حذفها من قواميسهم. وهكذا فإن رسول اللّه صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  على الرغم من أنه كان يعيش ضمن هذه الثقافة واللغة، ولكنه عمل من خلال توظيفه لذات إمكانات وظرفيات تلك الثقافة واللغة على تغييرها وتطويرها نحو الأفضل. وفي الأساس فإن فرضية القول بخطأ جميع مفردات ثقافة ما لا تبدو صحيحة؛ وذلك لأن هذا الافتراض يساوق شيطنة جميع أجزاء المجتمع وثقافته، وهذا يعني أن على الجميع أن يفترسوا بعضهم، هذا في حين أن جميع الثقافات لا تخو من شيء من العقلانية التي توفّر الأرضية لإمكانية إحداث الإصلاح فيها والعمل على تهذيبها.

وبعبارة أخرى: إن الإنسان في شبكة المعاني والمفاهيم مستغرَق وغير مستغرَق؛ فهو مستغرَق لأن الناس يتعاملون فيما بينهم بشكل وآخر، وبمجرّد تحقق التعامل يتبلور نوع من المعاني التي يتمّ التفاهم بواسطتها، وهو غير مستغرَق لأن الإنسان يمتلك إرادة ويمكنه بواسطة هذه الإرادة أن يبادر إلى إحداث التغيير في العلاقات الاجتماعية والعمل على إصلاح الثقافة أيضًا. والمجتمع بدوره ليس شيئًا آخر غير بسط الروح الإنسانية في حالتها العامة، وتبقى خصيصة هذه الروح ـ بطبيعة الحال ـ باقية في هذا البسط على حالها؛ يمكن للإرادة الجماعية أن تتحقق وأن تبادر إلى إحداث تغيير في الثقافة السابقة.

إن هذه القدرة الإنسانية الكامنة في البُعد الفردي والجماعي ـ بغض النظر عن القبول بها أو عدم القبول بها ـ ظاهرة باسم «الوحي»؛ إذ بعد الإيمان بالوحي يكون الإقرار بهذا المطلب ممكنًا، وهو أن الوحي في مقام الفهم لا يقع في حصار الثقافة، وإنما يمارس دوره خلال المسار في التعامل مع الثقافة القائمة، فيعمل على تبديلها وتهذيبها وإصلاحها وتطويرها وارتقائها. إن الوحي يفوق الزمان والمكان، ومن هنا فإنه يمتلك ظرفية بناء وصنع الثقافات المتعدّدة، وإن كان يحظى بتعيّن وتشخّص خاص، ولا يستجيب لكل ثقافة، ولكنه في الوقت نفسه ثقافة كلية، وليس ثقافة جزئية ومتعيّنة

(67)

في الزمان والمكان تمامًا، ولكنه يمتلك القدرة على صناعة عدد كبير من الثقافات المعيّنة. من ذلك أن الإسلام ـ مثلًا ـ له لون ونكهة ثقافية خاصة في بلدان الحوض الجنوبي من الخليج الفارسي، في حين أن له في إيران صبغة ورائحة أخرى، وكذلك تجلى في تركيا بشكل آخر. ومن الضروري التذكير بهذه النقطة وهي إنه ليس المراد القبول بأيّ أمر إيجابي وسلبي للثقافات المذكورة باسم الإسلام، وإنما المثال ناظر إلى الموارد التي كانت عين الإسلام ثم اكتسبت في تلك الأصقاع صبغة ونكهة خاصّة.

(68)

نتائج وتفريعات بحث مساحة الثقافة

بالإضافة إلى النقاط المذكورة أعلاه هناك نوع من النتائج[1] والفروع ـ المشتملة على سبعة موارد ـ من المساحات والأبعاد المختلفة لمساحة الثقافة، يمكن بيانها على النحو الآتي:

النتيجة الأولى: الثقافة أمر عيني عابر للذهن

بالنظر إلى الأبعاد والمساحات المختلفة التي تمّ عدّها للثقافة، من الواضح أنه لا يعود بالإمكان بعد ذلك كما نرى في بعض الأفهام والبيانات بشأن الثقافة، اعتبار الثقافة مجرّد ظاهرة ذهنية، بل إن الثقافة أمر عيني عابر للذهن. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ حيث تتمّ اعتبار الأمور البيانية ـ من قبيل: النصوص المرجعية مثل الدساتير والقوانين أو ديوان حافظ الشيرازي ـ جزءًا من الثقافة، فإنه بسبب التعيّن الخارجي لهذه الأمور، يمكن القول إن الثقافة أمر عيني وخارجي. أو في الأمور الجعلية والاعتبارية من قبيل الأبنية الاجتماعية العامة، لا يعود بالإمكان ادعاء الذهنية، بل الجميع منهمك ومشغول بنوع من التعامل الفعال مع هذا الأمر الثقافي المتعيّن. وكذلك فإن للغة تعيّنًا واضحًا، كما أن التاريخ لا يكون في الذاكرة الجمعية فقط، وإن الآثار التاريخية الباقية والتي تقع موردًا للتفاهم العام بدورها خارجية أيضًا، وتكون موضعًا للتعامل في عالم التعيّن. ربما كانت المصنوعات الاجتماعية من الأمور الواضحة جدًا، حيث أنها تكون ثقافية بواسطة المعاني التي تمور فيها، وفي الوقت

(69)

نفسه فإنها عينية وخارجية بشكل كامل. كما أن النشاطات الاجتماعية هي الأخرى تمثل نموذجًا آخر لعينية الثقافة؛ وذلك لأن المعنى يمور في صلب النشاط، وليس مجرّد أمر كامن في ذهن  الفاعل فقط، وقد وصل هذا المعنى إلى مستوى العمل الاجتماعي، ومن الواضح أن للعمل الاجتماعي تعيّنًا أيضًا. إن القول بعينية الثقافة لا يعني إنكار الهوية المعرفية للثقافة في صلب المجتمع؛ وكأن عمق الثقافة بوصفها الروح أو العقل المفكر للمجتمع حاضر بشكل مؤثر وبقوّة خلف الكواليس، ولكن في الوقت نفسه لا ينبغي إيقاف الثقافة عند هذا الحدّ. إن الثقافة خارجة عن الفضاء الذهني والذاتي[1] البحت، وسوف يكون قابلًا للتعامل بوصفه أمرًا عينيًا[2].

هناك الكثير من النتائج والقيَم الكبيرة التي تترتب على القول بعينية الثقافة. من ذلك على سبيل المثال أنه لا يتعيّن الرجوع إلى ذهن وضمير الأفراد بالضرورة للتعرّف على ثقافتهم. في هذه الرؤية يتمّ بيان إمكان التصرّف الثقافي على نحو أيسر. وكما سبق أن ذكرنا عندما تتغيّر البنية العينية، يكون الأمر كما لو أن نظامًا اقتصاديًا خاصًّا قد تمّ تعزيزه في المجتمع، دون أن يتمّ العمل في البداية على تغيير التفكير في الذهن، فيؤدّي ذلك إلى تركه للآثار الثقافية، وهذا يعني كأن الثقافة مزيج مركّب من الذهن والعين؛ وسوف نشير إلى ذلك في معرض الحديث عن كيفية وجود الثقافة.

النتيجة الثانية: الصناعة المستمرة للثقافة

إن كل ثقافة إما أن تكون على نحو دائم ومستمرّ في حالة بسط وتعمّق بالنسبة إلى حاضنتها السابقة، أو في حالة نشوء ونماء للأمور المعارضة للثقافة بالنسبة إلى الحاضنة السابقة، وعلى كل حال يمكن القول إن الثقافة في حالة تغيّر وتبدّل بشكل مطلق؛ سواء أكان هذا التغير موافقًا للثقافة السابقة أو كان مناقضًا لها. وبعبارة أخرى: إن الثقافة ليست راكدة، ولا يمكن اعتبار موضع

(70)

خاص بوصفه حدًا للثقافة. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ عندما يتمّ عدّ الآثار الثقافية بوصفها جزءًا من الثقافة البيانية، فعلى هذا الأساس فإن صنع كل أثر فني جديد سوف يُعدّ بمنزلة اتساع مساحة الثقافة والبسط الثقافي؛ سواء أكان هذا البسط إيجابيًا أو سلبيًا[1]. أو عندما يتمّ اعتبار اللغة جزءًا من الثقافة، يجب القبول بهذا البسط الثقافي أيضًا؛ إذ حتى في العصور الماضية التي كانت تشهد تغيّرات ثقافية وحضارية بطيئة للغاية بالقياس إلى المرحلة المعاصرة، فإن اللغة كانت من الظواهر التي تشهد تغيّرًا وتحوّلًا متسارعًا[2]. وبطبيعة الحال فإن التحوّلات اللغوية تعني حدوث تحوّلات في الثقافة. أو حتى من خلال التأمّل في المصنوعات الاجتماعية من قبيل: الثياب، والأبنية، والتقنيات وما إلى ذلك يمكن بالإضافة إلى القبول بالتغيّر المستمر في هذه الأمور، القول بالتغيير المتواصل في الثقافة. أو حتى تغيير القوانين السابقة، بل إن التأكيدات الخاصّة على تلك القوانين السابقة تؤدّي إلى تبلور مناخات جديدة في الثقافة السابقة. مثال آخر في الأمور البيانية، من قبيل الأفكار المستحدثة. إن المثال المناسب على ذلك عبارة عن الأفكار الفلسفية للعلامة الطباطبائي فإنها بالإضافة إلى عظمتها قد تسللت شيئًا فشيئًا إلى الثقافة وفضاء المثقفين، خلافًا لبعض العلماء الكبار والمفكرين الذين على الرغم من عظمتهم، إلا أن أفكارهم لم تحظ بالاهتمام من قبل المثقفين. وبشكل عام فإن كل رؤية فلسفية جديدة تتحول بالتدريج إلى ثقافة، ثم تترك تأثيرها على الكثير من الأمور الأخرى، وهذا الأمر يدلّ بوضوح على التغيّر الدائم في الثقافة وبسطها. من ذلك أن أفكار كارل ماركس ـ على سبيل المثال ـ قد حظيت

(71)

باستقبال وترحيب في العالم الغربي، بل وأدّت إلى التحوّلات الاجتماعية الكبيرة لاحقًا، وإن جميع تلك التحوّلات والعقبات السابقة يمكن عدّها بوصفها جزءًا من البسط والخلق المستمرّ للثقافة أيضًا. والملفت بشكل أكبر هو أن النشاطات في المجتمع والتي تقع بشكل مستمر ولحظة بلحظة، هي إما تعميق لتلك الثقافة السابقة أو تغير في الثقافة السابقة، وإذا لم يكن النشاط متناسبًا أو لم يكن في حدود المتوقع، يُقال أحيانًا بشأن المجتمع «حسنًا، لم تحدث ردّة فعل»، وإذا استمرّ هذا المسار، دلّ ذلك على تبلور نوع من الفتور والضعف أو التغيير السلبي في الثقافة. وعلى هذه الشاكلة نشاهد أن جميع المساحات والأبعاد التي تمّ عدّها للثقافة حيث تتعرّض للتغيير والتبدّل، وتصبّ هذه الأمور في الثقافة، يمكن القول: إن الثقافة في حالة خلق متواصل باستمرار وعلى الدوام. كما هو الحال بالنسبة إلى التغيير بواسطة الأمور الطبيعية التي لم يتمّ التصرّف فيها، فهي بدورها لها أمثلة واضحة، من قبيل: اكتشاف منطقة جديدة بوصفها منطقة مناسبة للسياحة، ثم تتجه الأنظار إليها وتحدث تعاملات جديدة مع تلك المنطقة. من قبيل الصحراء المستديرة التي بدأت بالاتساع مؤخرًا. وبذلك يجب التأكيد على أنه في التغيير الثقافي ليس من اللازم أن يتبلور أمر مستحدث في ساحة أو بعد من أبعاد الثقافة، بل حتى لو اكتسبت تلك الأمور السابقة تقريرًا مختلفًا، وتمّ القبول بهذا التصوّر والفهم الجديد في الساحة الاجتماعية العامّة، يكون قد حدث نوع من البسط الثقافي. كما أن الذهاب إلى المسجد قبل الثورة والذهاب إلى المسجد بعد انتصار الثورة ـ على سبيل المثال ـ وإن كان يبدو أمرًا واحدًا وهو الذهاب إلى المسجد على كل حال، ولكن الذهاب إلى المسجد بعد انتصار الثورة قد اكتسب معنى ومفهومًا مختلفًا، وبذلك فقد انحسرت الثقافة السابقة في الذهاب إلى المسجد لصالح الثقافة الجديدة في هذا المورد.

وحتى الأمر الذي يُعرف باسم «الركود الثقافي» يعدّ بدوره تعبيرًا عن

(72)

التغيير والتبدّل الدائم للثقافة أيضًا؛ فقد وقع واحد من هذين الأمرين: إما حصل تراجع وبطء في حركة الثقافة في المسار المتناسب معها، وهذا بدوره يُعدّ تغيرًا في الثقافة، أو فوق ذلك يعمل بالتدريج وشيئًا فشيئًا على حذف ثقافته السابقة، حيث يمكن الحديث بشكل أوضح عن التغيير والخلق المستمرّ والدائم للثقافة.

وأما اليوم فحيث تنتشر وسائل التواصل الاجتماعي ويُعرف عصرنا بعصر الارتباطات، فقد تسارعت وتيرة التغيّر الثقافي إلى حدّ كبير، حتى أن الممثل في مسلسل تلفزيزني لا يكاد ينطق بكلمة في المساء، حتى تجدها في الصباح التالي وهي تتردد على ألسنة الجميع من الصغار والكبار وصولًا إلى النُخب. وبعبارة أخرى: في الماضي التاريخي ربما احتجنا في بعض الأحيان إلى رصد جامع وعميق لكي نفهم التغيير الثقافي، وأما الآن وبتأثير من عصر الارتباطات وانتشار منصات التواصل الاجتماعي فقد أصبحت الثقافة شديدة الهشاشة وتقبل التغييرات بسرعة فائقة.

إن هذا الخلق والبناء الدائم ـ كما سبق أن ذكرنا ـ يؤدّي في بعض الأحيان إلى إلغاء الثقافة وحذفها؛ ومن خلال تبلور الضدّ النوعي للثقافة تزول الثقافة السابقة، وقد تؤدّي في بعض الأحيان إلى تعمّق الثقافة؛ بمعنى أن تعمل الثقافة الجديدة على تقوية الثقافة اللاحقة.

ـ لوازم قبول الخلق الدائم والمستمر للثقافة

إن القول بالخلق الدائم والمستمر للثقافة، تترتب عليه نتائج ولوازم ومن بينها الأمور الأربعة الآتية:

ـ رصد متغيّرات الثقافة والراصدون للثقافة وأساليب الرصد

بالنظر إلى الخلق المتواصل والدائم للثقافة، يمكن القول: إن الثقافة يجب أن ترصد ليمكن الوقوف على متغيّراتها. إن هذه المتغيّرات تكون بادية للعيان بوضوح أحيانًا بحيث يمكن لكل ناظر أن يراها ويدركها، ولكنها في

(73)

بعض الأحيان الأخرى تحتاج إلى رصد من أشخاص وراصدين آخرين أكثر احترافًا، وعلى كل حال فإن فهم المتغيّرات يكون في الحدّ الأدنى[1] مقدورًا من طريقين:

1. الطريق التركيبي (من الأعلى إلى الأسفل): إن الوصول إلى الروح الحاكمة والمهيمنة على كل ثقافة، يؤدّي إلى إمكان إصدار أحكام واضحة بشأن بسط الثقافة، وتعميق الثقافة، وتسريعها، وحجم ومقدار تطوّرها وما إلى ذلك. بمعنى العثور على الأصل والعمل على بسطه إلى شكل جوهري على ما سيأتي ذكره في بحث طبقات الثقافة. من أجل العثور على الروح لا ينبغي توجيه الأنظار إلى الروح فقط، بل يجب النظر في جميع السطوح والمستويات، والتمكن من العثور على الروح في تلك الأبعاد أيضًا، أو في الحدّ الأدنى نحو الأبعاد التي تعكس الروح نفسها بشكل أفضل. إن العثور على روح الثقافة ليس بالأمر المحال أو البعيد عن المنال؛ من ذلك بالنسبة إلى المجتمعات التي تتمتع بالنصوص المرجعية ـ على سبيل المثال ـ والتي تتمحوّر حول الأفراد أو الدين، يكون الرجوع إلى مثل هذه الأمور معبّرًا في الواقع عن تلك الروح الحاكمة على هذه الثقافة والمجتمع. إن العثور على روح الثقافة ـ بما في ذلك من طريق الثقافة البيانية ـ أمر ممكن، على الرغم من أن الثقافة البيانية حتى في التعريف بسائر أجزاء الثقافة وليس مجرّد الروح مجدية للغاية. كما يمكن التعريف بطرق أخرى للوصول إلى روح الثقافة من قبيل: طريق التأويل، بيد أن بيان هذا المسار لا يقع على عاتق هذا البحث.

2. الطريق التحليلي: إن الالتفات إلى النتائج والمعطيات والمخرجات

(74)

العينية للثقافة هو الذي يمكنه رصد ذلك على نحو يكون من الأسفل إلى الأعلى. لو بحث شخص في مخرجات ونتائج ثقافة ما وأمكنه إحداث فجوة توصله إلى داخلها، والعثور على عناصرها ومكوناتها بطريقة التجزئة والتحليل، فسوف يكون بمقدوره الوصول شيئًا فشيئًا إلى عمق روح الثقافة والعناصر الأولية للثقافة.

وعلى هذا الأساس يمكن ـ بالنظر إلى هذه السعة وكل هذه الظرائف والدقائق ـ توقع أن يتحوّل الرصد الثقافي بوصفه فنًا وحقلًا، وتحول الرصد الثقافي بوصفه فنًا وعلمًا يمكن تأسيسه وتعليمه وتعلّمه. وكذلك يمكن توقع أن يبيّن لنا هذا الفن والحقل ـ على سبيل المثال ـ ما هي المعايير التي يجب الالتفات إليها من أجل رصد الأمور الجعلية والاعتبارية، وما هي المساحات التي يجب المرور بها، وهل يجب الرجوع إلى جميع أفراد المجتمع، أم يكفي الرجوع إلى شريحة صغيرة من المجتمع وما إلى ذلك. إن نتيجة وحصيلة هذا النوع من الحقل هو إيجاد الاقتدار في حقل معرفة الثقافة والتصرّفات الثقافية.

ـ الحصول على المعايير لبيان الثقافة

بالنظر إلى الخلق الدائم وقابلية الرصد الثقافي، يمكن الحديث عن المعايير الناظرة إلى بيان التسارع، وبيان التغيير، وبيان الضد النوعي للثقافة، وبيان البسط والأعماق الجديدة للثقافة، وبذلك إمكان جعل الثقافة قابلة للبيان والتقرير.

ـ إمكان تحليل المتغيّرات الانفجارية للثقافة

يبدو أن بعض الأمور في الثقافة قد حدثت بشكل انفجاري، والحال أن منشأ هذا الأمر يعود إلى الخلق المستمر والدائم للثقافة، بمعنى أنه قد يحدث في بعض الأحيان أن يتبلور مطلب في الفضاء العام على شكل حاجة أو رغبة، وينسحب هذا الأمر إلى مستوى الإنتاج وإعادة التدوير، ويتواصل هذا المسار بالتدريج، حتى يحدث فجأة شعور التغيير الانفجاري بالنسبة إلى الوضع الأولي. في حين أن جذور وسوابق هذا الأمر تعود في الواقع إلى

(75)

إعادة الإصلاح المتكرر والمستمر وكأنه قام بفتح باب مرّة واحدة. وبعبارة أخرى: إن عدم رؤية المراحل العادية للتغيير والخلق المستمر والدائم في مثل هذه الموارد مع إضافة مقارنة النتيجة الحاصلة بالوضعية الأولية، يؤدّي إلى يتبلور الشعور بالانفجار في فهم الأفراد.

ـ أهمية رصد المتغيّرات الجزئية والصغيرة في فهم المتغيرات الثقافية الكبرى

إن أصغر انعكاس للمتغيرات الثقافية ولا سيّما في العصر الراهن يحكي أحيانًا عن المتغيّرات الثقافية الكبيرة والمتسارعة. والمثال الواضح على ذلك كيفية الاهتمام وتزيين شواهد القبور التي نراها في المزارات، وهو أمر يبدو أنه لم يكن ينطوي على أهمية كبيرة، فهو مجرّد تغيير ثقافي بالغ الصغر. إن ذات هذا الأمر الصغير يمكن أن يكون انعكاسًا للكثير من الكواليس والمتغيّرات الثقافية الكبيرة؛ ففي مرحلة كان ترسيم ونحت السبحة للرجال والمشط للنساء معبّرًا عن الكثير من المفاهيم، ولكن بعد مضي ما يقل عن عقدين من الزمن، لم يتم تصوير صوَر النساء المتوفيات على قبورهن فحسب، بل وصل الحدّ إلى إظهار تلك الصوَر وهي تعبّر عن نوع من الانطباع الموزون من قبلهن! إن هذا التغيير الذي يبدو بسيطًا في ظاهره ينطوي على روايات تفصيلية عن المتغيّرات الثقافية العميقة. وهذا الأمر في حدّ ذاته يعدّ نموذجًا عن الرصد من طريق الأسلوب التحليلي والنتائج.

وفي المقابل يمكن للراصد النبيه أن يستطيع بسهولة ـ من خلال التركيز على بعض الأبعاد البيانية للثقافة والأفكار المتبلورة والتيارات المرتبطة ـ توقع إلى أين ستنتهي هذه الرؤية في السنوات العشر القادمة وما هي الأبعاد الاجتماعية التي ستنتهي إليها. وبعبارة أخرى: إن الرصد هنا قد تمّ من خلال الطريقة التركيبة والانطلاق من الجذور والمبادئ.

والأمثلة الملموسة الأخرى في هذا الشأن، عبارة عن:

1. لقد تمّ اعتبار تسلل دمية «باربي» إلى قطرنا بوصفه مسألة عابرة؛ فهي

(76)

مجرّد دمية لا أكثر، والحال أن انعكاسات هذه الدمية المتكررة في جميع الأدوات والوسائل الخاصة بالأطفال، من قبيل: الحقائب المدرسية، وبإشكال مختلفة قد حمل معه مفاهيم جديدة إلى المنظومة الفكرية والثقافية لفتياتنا الصغيرات واليافعات.

2. بعد انتصار الثورة الإسلامية لم تكن هناك من الناحية العملية فرص كثيرة للرأسمالية والثقافة المرفهة لكي تبرز وجودها؛ ففي البداية كانت الطبقة المرفّهة تظهر بشكل عادي حتى لا تكاد تميّزهم من الناس العاديين؛ حيث كانوا يسجلون حضورهم في المجتمع دون المزيد من البهرجة، وأما في منتصف عقد الستينات أخذوا يظهرون بالتدريج ويسجلون حضورهم في المجتمع بوصفهم طبقة متميّزة، إن ذات هذا التغيير القليل والصغير كان مؤشرًا على تغيير كبير في تبدّل ثقافة الثورة وجنوحها نحو بعض القيَم المذمومة في تقديس الرفاهية.

النتيجة الثالثة: إنتاج البناء العيني للثقافة وإنتاج الثقافة للبناء

لقد سبق أن ذكرنا أن البنية والنشاط في حدّ ذاته ليس ثقافة، ولكن حيث يكون هذان الأمران زاخرين بالمعاني، فقد اندرجا بهذا الاعتبار ضمن الثقافة، سواء بالنسبة إلى الأبنية العامة والكلية أو بالنسبة إلى الأبنية الخاصة والجزئية، وسواء بالنسبة إلى النشاطات الفردية في المجتمع أو بالنسبة إلى النشاطات الاجتماعية. وعلى هذا الأساس فإنه على الرغم من أن أبحاث البنية العينية والنشاط تندرج ـ بسبب أن هويتها ليست هوية معنوية ـ ضمن حقل المعرفة وبحث الماهية وكيفية وجود المجتمع؛ لأن المجتمع إنما يتبلور من حقلي المشاركة العينية الخارجية والثقافة[1]، بسبب المفهوم الذي تنطوي عليه والمعنى الذي تزخر به، يمكن القول: إن ذلك المعنى والثقافة قد زحفت حتى

(77)

وصلت إلى مستوى البنية والنشاط، ولذلك فإن البنية والنشاط يتمخضان من رحم الثقافة؛ بمعنى أن كل ثقافة ومفهوم يفرز بنية خاصة. إن القول بأن المعنى يمور في صلب البنية والنشاط، يعني أن الثقافة تتجلّى على شكل هذه البنية أو هذا النشاط الخاص، وأن الثقافة قد أدّت إلى إفراز هذا النشاط وهذه البنية الخاصة. وبطبيعة الحال فإن هذا البناء الثقافي يتحقق على نحو تلقائي وبشكل طبيعي وبواسطة مقتضيات ذات المفهوم والثقافة، حيث أن الأبنية والنشاطات تتبلور على شكل خاص. وقد سبق أن ذكرنا في الأمثلة السابقة بشكل واضح تأثير الأفكار الخاصة في ظهور الأنظمة والأبنية الاجتماعية الخاصة والجزئية والكلية. وباختصار فإن إنتاج الثقافة يؤدّي إلى تبلور النشاط والبنية.

وبعبارة أخرى: حيث أن الثقافة توصل نفسها إلى المساحة الأكثر تعيّنًا في المجتمع، يجب القول على هذا الأساس: إن المعنى والثقافة قد أظهرت نفسها وتجلت على هذه الشاكلة. ومن هنا فإنه بالإضافة إلى وجوب تصوير الثقافة والبنية العينية والخارجية بشكل مستقل، يجب العمل في الوقت نفسه على فهم التداخل والتشابك بين هذين الأمرين أيضًا. يقوم هناك نوع من العينية ونوع من الغيرية بين الثقافة والبنية العينية والخارجية، وإن البنية العينية لا تساوي الثقافة والمعنى. وفي الوقت نفسه هناك نوع من التناسب والانسجام بين هذين الأمرين إلى الحدّ الذي يمكن القول معه: إن هذه البنية وهذا النشاط إنما يحصلان وينتجان عن هذا المفهوم وعن هذه الثقافة.

إن ولادة البنية بواسطة الثقافة إنما هي جزء من الأمر، والجزء الآخر عبارة عن ولادة الثقافة بواسطة الثقافة نفسها؛ فإن الثقافة تواصل حديثها، وهي تستمر في بيان لوازم كلامها ومفاهيمها تباعًا. إن الفكرة الأولية تشهد بسطًا وتفصيلًا، وهي في مراحل البسط والتفصيل تواصل الإنتاج ومتابعة اللوازم على الدوام أيضًا. وبعبارة أخرى: إن «المعنى» ليس راكدًا، وإن كان في كل مرحلة مع بلوغ خط النهاية والوصول إلى قوّة، تستمر هذه الصيرورة باتساع أكبر.

إن كل ثقافة تعمل على إعادة إنتاج ذاتها وتقوم بإصلاح نفسها وتوسيع

(78)

دائرتها، وإن جميع هذه الأمور مجتمعة تعمل على بيان المراد من إنتاجية الثقافة. وفي البحث عن عوامل بناء الحضارة لا بدّ من الإشارة إلى هذه الولادة الثقافية التي تستوجب ظهور الحضارة.

ـ عدم أحادية جهة الإنتاج البنائي وتمخّض الثقافة عن المجتمع

كما سبق أن أوضحنا في مثال الأسرة، فإنه بالإضافة إلى المعنى الموجود في صلب الأسرة، هناك نوع من المشاركة والارتباط العيني والخارجي بين أفراد هذه الأسرة أيضًا، حيث هو غير المعنى الحاضر والذي يمور في بؤرة المشهد. كما أن كل مجتمع يحتوي على هذين القسمين أيضًا. وعلاوة على ذلك فإن كل بناء عيني بواسطة حضور المعنى ومورانه فيه، يقع ضمن دائرة التعامل مع سائر أجزاء الثقافة، ويترك تأثيره فيها. وقد سبق أن ذكرنا أن تغيير البنية يؤدّي إلى تغيير الثقافة. وعليه فمن خلال ملاحظة هذين الأمرين الآنفين، يتضح أن تأثير الثقافة في البنية والمجتمع لا يكون من طرف واحد فقط، وإن البنية بدورها يمكن أن تترك تأثيرها في الثقافة أيضًا. ومن هنا لا يمكن الاتفاق والتماهي بسهولة ومن دون قيد أو شرط مع بعض التحليلات والآراء التي تعدّ الثقافة هي العامل الرئيس في المجتمع، وترى لها إشرافًا عامًا وشاملًا على المجتمع.

النتيجة الرابعة: تصاعديّة الثقافة

بلحاظ المقدمات الثلاث يمكن أن نستنتج أن للثقافة حالة تصاعدية وأنها حالة تتضاعف. وهذه المقدّمات عبارة عن:

1. إن المساحات الثمانية للثقافة مترابطة ومتشابكة ببعضها، حيث هذه هي أن النقطة الثالثة من بين النقاط الستة في دائرة الثقافة.

2. إن الثقافة تنطوي على عمق وعلى سعة وعلى عظمة خاصة، وهذه هي النقطة الخامسة من بين النقاط المذكورة.

3. إن الثقافة في حالة خلق وولادة مستمرّة ودائمة، وهذه هي النتيجة الثانية من بين النتائج النهائية لبحث دائرة الثقافة.

بالنظر إلى هذه المقدمات يتضح أن الثقافة غير راكدة وإنما هي متحرّكة،

(79)

وإن هذه الحركة وتغيير الشكل لا تحدث بخطوة أو بخطوتين، وإنما تحدث على نحو القفزة؛ وعليه نحتاج إلى نوع من المعادلة ذات العشرة مجاهيل، لكي يكون بمقدورها توصيف تبلور المخاض الثقافي الجديد. وبعبارة أخرى: من خلال عدد من المتغيّرات والحركات الابتدائية، تحدث فجأة عشرات آلاف المتغيرات الموردية في مجموع الثقافة. وحتى التغيير الصغير في المجموعة الثقافية الكبيرة تؤثر في المجموعة بأكملها، وتعرّض آلاف الأمور إلى التحوّل، ويمكن التعبير عن هذه المتغيّرات الكثيرة بالمتغيّرات التصاعدية والمضاعفة في الثقافة.

من خلال هذه الخصوصية الموجودة في الثقافة يمكن إلى حدّ ما فهم أسباب المتغيّرات المتسارعة في المجتمعات في بعض الفترات والمراحل التاريخية. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه بعد رحيل النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  بسنة واحدة، شهد المجتمع الديني ما لا يُحصى من التأثيرات في تلك الحقبة وما بعدها. إن هذه الحالة الثقافية الهشّة هي التي تؤدّي إلى هذه التغيّرات على نحو مفاجئ. من قبيل أن تتبلور أدبيات خلال بضعة أيام، ثم تترك بعد ذلك ما لا يُحصى من التأثيرات.

النتيجة الخامسة: قابلية فهم الثقافة وانتقالها

عندما يمور المعنى وتزخر الثقافة في صلب النشاط والبناء يصبح فهم الثقافة أمرًا ممكنًا. يضاف إلى ذلك أنه عندما يتمّ الاهتمام بالأمور البيانية، فإنه بسبب هوية هذه الأمور البيانية ـ التي هي عبارة عن إظهار الأفكار الأصلية للثقافة، بل وبيان ثقافة المجتمع ـ فإن ذلك يؤدّي إلى إمكان فهم الثقافة. من خلال الأمور البيانية تتوفّر إمكانية تقرير الثقافة، واستنادًا إلى هذه الجذور الأصلية يحظى الإنسان بالمفهوم والمعنى، ولهذا السبب يمتلك القدرة على اكتساب المعنى، وبهذه الخصوصية تنبسط الروح الإنسانية في مساحة المجتمع، يمكن أن نستنتج أن اكتساب الثقافة سوف يكون أمرًا ممكنًا ومقدورًا بشكل

(80)

كامل. وفي الأمور البيانية نجد هناك حصولًا وتحققًا للمعاني بشكل صريح، بل وفوق ذلك يمكن القول: إن الثقافة يمكن الحصول عليها وفهمها من طريق جميع أبعاد الثقافة، وليس من خلال الأمور البيانية فقط.

إن النتيجة المهمّة جدًا والأصلية من قابلية الحصول على الثقافة، هي أنها سوف تجعل التعليم والتربية في الثقافة أمرًا ممكنًا. وإن التأثير الثقافي والمعياري وإمكان النشر والإشاعة وما إلى ذلك إنما تطلق على الثقافة في ضوء هذه الثقافة. وعلى هذا الأساس فإن من بين الخصائص المهمّة ـ التي يرد ذكرها في التعريف بالثقافة من قبل علماء الاجتماع ـ عبارة عن هذا التعليم والتعلّم؛ بمعنى أن الثقافة أمر اكتسابي وقابل للتعليم[1].

إن النقطة المهمّة للغاية هي أن تعليم الثقافة لا يكون بالضرورة على شكل تعليم رسمي، ويمكن أن يحدث من خلال البناء الثقافي أيضًا. وإن البناء الثقافي يتبلور بشكل رئيس من طريق التكرار والاعتياد والتأثر؛ وقد سبق أن تحدّثنا بشأن الإنسان من خلال الإشارة إلى مفهوم التأثر، وقلنا هناك: إن الإنسان يتأثر ولا سيّما إذا كان عرضة لتكرار أمر بشكل متتابع. وهذه هي المساحة التي يكون فيها التكرار بالنسبة إلى عموم الناس مستوجبًا للتقبّل، بخلاف أصحاب الفكر والتحقيق الذين يكون معيار القبول والرفض عندهم هو الدليل. وعلى حد تعبير سماحة آية اللّه الجوادي الآملي: «بالنسبة إلى الشخص المحقق والفيلسوف لا يكون التكرار معيارًا للقبول، بل المعيار هو نفس الاعتقاد والاستدلال الكامن فيه؛ فهو الذي يستوجب القبول، ولكن بالنسبة إلى عامّة الناس يكون التكرار هو المعيار في القبول». استنادًا إلى هذه المباني القائمة على أساس أن أفراد المجتمع في نقل أمر ما ـ من قبيل الفكر ـ إلى الجيل الآخر، يتمّ القيام بتكرار الأمر في جميع أبعاد الثقافة؛ ابتداءً من العالم الفكري وصولًا إلى المصنوعات وما إلى ذلك. وعلى

(81)

هذا الأساس يتبلور تيار البناء الثقافي؛ حيث تكون المقبولية العامّة حصيلة ونتيجة للعمل. إن التكرار في مختلف ساحات الثقافة سوف يؤدّي إلى التأثر والأنس والاعتياد والتقبّل على نحو عام وشامل. وبطبيعة الحال فإن تيار البناء الثقافي لا يكتفي بالأمور البيانية فقط، ومع ذلك فإنه بالنظر إلى تسمية العالم المعاصر بعصر الارتباطات ووسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي، يتم توظيف التكرار بأشكال متنوّعة في وسائل الإعلام، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنها تأخذ الفكرة من الرمز وصولًا إلى اللغة والمصنوعات، وتضعها أمام مرأى الناس بأشكال مختلفة حتى يسهل على أفراد المجتمع تقبّلها. من البديهي بالنظر إلى نوع وقوّة الأعمال الثقافية والتعامل الثقافي المناسب، قد يتغيّر حجم وتاريخ تقبّل الثقافة السابقة. وتارة تكون هذه الأمور قد تمّ تنظيمها بقوّة بحيث تنتقل جميع الثقافة في الصغر إلى الجيل الجديد.

هناك كلام وتحليل للشيخ أبو علي ابن سينا ـ بالنظر إلى تعليم الأطفال منذ الصغر وتأثرهم بالثقافة ـ حول الآراء التعارفية؛ بمعنى الآراء الاصطلاحية (المتفق عليها بين عامّة الناس)، والتعارفية (المتعارفة بين الناس)، ويتم التعبير عنه بالعقل المدني والاجتماعي والعقل المشهور. وقد ذكّر بأن أكثر أشخاص المجتمع عند اتخاذ القرار على أساس العقل العملي، يستفيدون من العقل العملي في إنجاز الأمور من هذه الآراء المتعارفة والأفكار المشهورة بين الناس. وبعبارة أخرى: إن قرار العقل العملي ينسجم نوعًا ما مع الثقافة، ومن الممكن الحصول عليه في مرحلة الصغر أيضًا. وقد تحدّث آخرون من أمثال الشيخ الإصفهاني عن هذا الفضاء تحت عنوان المصطلحات التأديبية؛ وقد أخذ أصل هذه الفكرة عن الشيخ ابن سينا، ولكنه لم يعكس الصورة التي عرضها ابن سينا عن الحكمة العملية ضمن هذه الأبحاث.

بالإضافة إلى تيار البناء الثقافي، يمكن ذكر الهندسة الثقافية بوصفها داعمة لهذا التيار البنائي. وبطبيعة الحال فإن المجتمعات التي تبادر نوعًا

(82)

ما إلى الهندسة الثقافية، إنما تهتم بمجرّد الحفاظ على هوية المجتمع والثقافة السابقة، وأما الهندسة الثقافية المبنائية والصحيحة فهي التي تتحقق بعد تقييم الثقافة وتشخيص الثقافة الصحيحة من السقيمة. وفي هذا البين تكون أهمية الأمور البيانية كبيرة جدًا، لا سيّما إذا تمكن المجتمع من صبّ أفكاره الجوهرية في بوتقة فلسفته، لتخرج في الحدّ الأدنى من طريق النُخَب المرتبطين بالفلسفة في المجتمع.

إن النقطة التكميلية هي أن التربية والتعليم والتأثير الثقافي لا تكون مقدورة بشأن ثقافة المجتمعات فحسب، بل وهي مقدورة حتى بشأن الضد النوعي للثقافة[1] أيضًا. ولذلك فإنه من بين الطرق التي يعتمدها الغرب في توسيع دائرة نفوذه وبسط سيطرته عبارة عن تعليم وتربية النُخَب في المجتمعات الأخرى بطرق متعددة،  سواء عبر تخطيط كامل ومدروس وعبر مخاطبين بعينهم أو بشكل عام وكلي. بحيث يمكن بوضوح رؤية بعض الأساتذة والنُخَب في جامعات العالم الشرقي بسبب اعتناقهم لفلسفة الغرب أو تعلّمهم للعلوم الإنسانية الغربية قد اصطفّوا من الناحية العملية في الجبهة الفكرية للغرب، وعندما يتحدّثون يبدون وكأنهم ناطقين باسم الثقافة والحضارة الغربية. بل ويسعى بعضهم إلى هدم القيَم والمعتقدات الثابتة في مجتمعاتهم واحدة واحدة بمعول متبنياتهم الغربية، وذلك لأن المعيار والمدار والثقافة التي أصبحوا يؤمنون بها ويعتنقونها هي ذات الثقافة الغربية. كما أن ما يحدث في بعض بلدان جنوب شرق آسيا ـ في ضوء بعض التقارير ـ من خلال تعليم عدد قليل من الأشخاص المؤثرين  والنُخَب وتربيتهم على الطريقة الغربية من قبل الولايات المتحدة الأمريكية، يُعدّ على المستوى العملي بمنزلة غرس

(83)

بذرة لضمان المصالح الغربية والدفاع عن سياسة الولايات المتحدة الأمريكية في تلك المجتمعات. وعلى هذا الأساس نشاهد كيف يتحول حقل التربية والتعليم الثقافي إلى خطر يهدد الذين يتبنون ثقافة مختلفة عن الثقافة الغربية.

النتيجة السادسة: تأثر الثقافة بالنشاط والبنية

على الرغم من هيمنة الثقافة، يمكن للبنية والنشاط أن يؤثر في الثقافة، سواء على مستوى تعميقها وبسطها أو على مستوى تغيير مسارها أيضًا. وفي المجموع يمكن تصوّر نوع من التأثير من الأسفل إلى الأعلى. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ يتمّ في بعض الأحيان توقع نشاط اجتماعي مناسب، ولكن لو تقاعس المجتمع ولم يقم بنشاط مناسب، فإن هذا الأمر سوف يؤدّي إلى خمول الثقافة نفسها، وإن الثقافة سوف تتضرر بسبب عدم تحقق هذا النشاط المناسب. ناهيك عن أن النشاطات يمكن لها أن تعمل من الناحية الإيجابية والتحققية على إحداث الكثير من المتغيّرات في الثقافة.

وفي بعض الأحيان يمكن لمساحة هذا التغيير ـ مثلًا ـ بواسطة التغيير في عموم البنية أو حتى التغيير في النظام السياسي أن تكون بحيث تؤسس لثقافة جديدة وبديلة. وحتى في بعض الموارد التي يكون فيها الحكم الجديد مفتقرًا إلى الشرعية، وفارضًا سلطته بقوّة السلاح أو انتهاج سياسة الاغتيالات أو الانقلابات العسكرية بشرط أن يحافظ على تماسكه، يكون تحقيق مثل هذا التغيير الثقافي الكلي والشامل أمرًا ممكنًا. وعلى هذا الأساس يمكن لمساحة تأثير البنية على الثقافة أن تصل إلى حدّ التغيير والتحوّل الشامل بالنسبة إلى الثقافة السابقة أيضًا.

قد يكون التغيير في البنية السابقة قليلًا جدًا في بعض الأحيان، حتى قد لا يشعر المجتمع بحدوث هذا الضدّ النوعي لثقافتهم، ولكن ذات هذا التغيير البنيوي الطفيف يمكن أن ينطوي على آثار وتداعيات ثقافية كبيرة جدًا. إن

(84)

التغيير البنيوي قد لا يحدث في بعض الأحيان بقصد التغيير الثقافي، ولا يوجد أي معنى توافقي لهذا التغيير البنيوي في الثقافة ليتقبله، ولكن بسبب ذات هذا التغيير البنيوي الذي هو مجرّد تغيير بنيوي بحت، يمكن للثقافة أن تتأثر إلى حدّ كبير. من قبيل أن يتمّ في المجتمع بلحاظ ظروف الحرب أو ظروف ما بعد الحرب مجرّد اتباع نوع من النموذج الجديد في البنية الاقتصادية بغية إيجاد المزيد من الانتعاش، ثم يؤدّي هذا الأمر شيئًا فشيئًا إلى خلق ثقافة مختلفة بعد ذلك؛ كما حدث ما يُشبه هذا الأمر في الظروف الخاصّة التي مرّت بها الجمهورية الإسلامية في إيران خلال الأعوام التي أعقبت الحرب المفروضة حيث كانت المتغيّرات الاقتصادية المتبعة في تلك المرحلة تستند إلى مجرد ضرورة تقوية الاقتصاد فقط.

كما تصدق هذه القاعدة بشأن النشاطات أيضًا، من قبيل أن يقوم شخص لمجرّد الوصول إلى غايته باتباع وسائل غير مناسبة أو غير متناغمة مع ثقافته، ولكنه يؤدّي من الناحية العملية إلى حدوث تغييرات ثقافية. وقد حدث ما يُشبه ذلك في سنوات ما بعد انتصار الثورة الإسلامية؛ فعلى الرغم من كون الرأسمالية والمبالغة في الرفاهية تعدّ ضدًا نوعيًا للثقافة، فإن هذه النشاطات المعارضة قد أدّت في سنوات منتصف العقد السادس إلى حدوث نوع من إحياء الثقافة الرأسمالية وتقديس الرفاهية.

أن يكون سلوك ونشاط ودين الملوك والحكام مؤثرًا في السلوك العام للناس ويلقي بظلاله عليهم حتى قيل: «الناس على دين ملوكهم»، إنما يعود إلى حقيقة أن أفعال الحكام ونشاطاتهم تعمل على إيجاد وبناء الثقافة. وبعبارة أخرى: على الرغم من أن هذا السلوك الحكومي الناشز لا يتمّ تعميمه على الثقافة السابقة، بيد أن ذات هذا السلوك سوف يترك تأثيره في مساحة الزمن، وسوف يعمل على تدجين وترويض الثقافة والمناخ العام لكي يتماهى وينسجم معه. أو ظاهرة السفور والتبرّج التي قد تكون في البداية ظاهرة

(85)

سلوكية فردية بالكامل، ولكنها سوف تتحوّل شيئًا فشيئًا إلى ثقافة تحمل معها ما يوافقها ويتماهى معها.

وقد تنبّه بعض علماء الاجتماع في الغرب إلى التأثير المتبادل بين الثقافة والبنية بشكل واضح[1]، ولا سيّما منهم علماء الاجتماع البنيويين حيث يؤكدون على انتقال الثقافة من طريق العناصر البنيوية والفعلية، بيد أن الذي يحظى بالأهمية هو توضيح وشرح أسباب هذه الظاهرة، ولا سيّما في مجال تأثير البنية على الثقافة.

من الواضح بداهة أن مساحة تأثير المتغيرات البنيوية في الثقافة يستند إلى الكثير من العوامل والعناصر المتنوّعة، وليس الأمر كما لو أن كل تغيير في البنية يحدث تغييرًا كليًا وجذريًا في الثقافة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنه في مقام المقارنة بين تغيير الحكم السياسي وتغيير آداب تناول الطعام، من الطبيعي أنه يجب اعتبار مساحة النفوذ والتأثير الثقافي الأكبر من نصيب التغيير في بنية السلطة السياسية.

والنقطة المهمّة هي أنه لا ينبغي اعتبار تأثير البنية في الثقافة بواسطة امتلاك البنية للثقافة السابقة؛ إذ أن هذا المعنى المنطوي والموّار في البنية والنشاط لم يصل بعدُ بحسب الفرض إلى التفاهم العام، وإن فرض الثقافة المستبطنة في البنية الجديدة على الثقافة السابقة قد تمّ بواسطة ذات البنية، ومن بينها ـ على سبيل المثال ـ الاعتماد على اعتياد الإنسان على الأمور الثقافية. وعلى هذا الأساس فإن ذات البنية والنشاط هو الذي ترك تأثيره في الثقافة، وفرض المفهوم والثقافة المتناسبة معه على الثقافة والمفهوم العام السابق. وبعبارة أخرى: إن البنية والنشاط يعملان شيئًا فشيئًا على تأسيس المعاني والمفاهيم، لا أن المعنى وثقافته يعملان منذ البداية على تنقيح الثقافة السابقة؛ وذلك لأن مسار تقبّل هذا المعنى المخالف يحدث من قبل عامّة الناس بشكل تدريجي أيضًا.

(86)

إن من بين الأرضيات المساعدة على إيجاد المتغيّرات الثقافية من قبل الأبنية غير المتناغمة، عبارة عن أن المجتمع لا يلتفت بالضرورة وعلى الدوام إلى المعاني والمفاهيم والتداعيات الكامنة في الأبنية والنشاطات. وفي المساحة الإنسانية ـ خلافًا للمساحة الربوبية؛ حيث يكون إمكان كل نوع من أنواع التنافر بمعنى افتراض التناقض ـ الأعم من الفردية والجماعية، لن يكون وجود التنافرات الثقافية والنشاطية (بالنسبة إلى بعضها أو في محيط كل واحد منهما) بواسطة عدم الإشراف التام من قبل الإنسان والمجتمع ليس أمرًا مستحيلًا، بل وإنه يقع على نطاق واسع. من ذلك مثلًا أن التغيرات التي قام بها الشاه رضا خان البهلوي فيما يتعلق بمسألة الثياب والحجاب ربما قرئت على أنها قليلة جدًا، بيد أن ذات هذه المتغيّرات القليلة وذلك في هذا النطاق الثقافي والاجتماعي المحدود (الثياب) أدّى إلى الكثير من المتغيّرات. وحتى الموارد التي يبادر فيها شخص أو أشخاص ببعض التغييرات البنيوية غير المتناغمة بوعي وإدراك منهم، بيد أن هذا الأمر لا يعني بالضرورة الاهتمام التفصيلي من قبل المجتمع وفهمه للتبعات والأمور الناشزة الكامنة فيها. وعلى هذا الأساس فإن المقاومة الثقافية العالية وردود الأفعال المبكرة تجاه التحوّلات الناشزة وغير المنسجمة مع الثقافة تحظى بأهمية بالغة للغاية. يلاحظ في بعض المجتمعات حجم المقاومة الثقافية العالية في مواجهة الضدّ النوعي لثقافتهم، بحيث لم تتغيّر أزياؤهم السابقة في العصر الحديث والراهن حتى ولو بشكل طفيف[1]، وفي بعض المجتمعات الأخرى كان مقدار هذه المقاومة منخفض جدًا، وتخضع لظواهر الضدّ النوعي لثقافتها بكل سهولة، بحيث يمكن من هذه الناحية تقسيم المجتمعات والثقافات المختلفة إلى مقاومة وقليلة المقاومة.

(87)

على سبيل المثال هناك من يعتبر الثقافة اليابانية بسبب أسس العقيدة الوثنية التي تعتنقها والتي هي نوع من الديانة الإنسيابية والمرنة التي تنسجم مع جميع الأوضاع والتحوّلات، فإنها تفتقر إلى المقاومة الثقافية العالية. أو المجتمع الشيعي فإنه على الرغم من احتوائه على الأسس الثقافية القوية، إلا أنه يعتبر مجتمعًا منفتحًا إلى حدّ كبير. ولا سيّما بسبب الطريقة الاجتهادية السيئة وعدم الاستفادة من الظرفيات العالية للاجتهاد في المراحل المتأخرة وطريقة التساهل والتسامح في مواجهة الحداثة وآثارها، والحمل السهل لحكم المباح على معطيات الحداثة، وربما لأسباب تاريخية أخرى من قبيل سياسات الشاه رضا خان البهلوي، حيث أضحى شحّ هذه المقاومة الثقافية مشهودًا على المستوى العملي. وبعبارة أخرى: إن نوعًا من التسامح في تشخيص الموضوع وعدم الالتفات إلى الكليات الحاكمة، من قبيل الروح والفكر الحداثوي في قبال الروح والتفكير الإسلامي، يؤدّي من الناحية العملية ومن خلال نمط من القول بأصالة الإباحة إلى نوع من الخمول والضعف في قدرة الثقافة على المقاومة. وهو أمر يُشاهد في نوع نظرة الفقهاء في تلك المرحلة. وبعبارة أخرى: إن ذريعة مواكبة العصر لا ينبغي أن تؤدّي إلى التخلي عن التمحيص والتدقيق. من قبيل السياسة التي تمّ انتهاجها في الفترة القريبة الماضية بشأن تحديد النسل والسيطرة على الزيادة السكانية التي اكتسبت نوعًا من التسلل البنيوي، وكانت الحجّة المذكورة فيها أمور من قبيل كيفية ضمان الرفاه للكثير من الناس، وقد أدى ذلك إلى الكثير من التداعيات الثقافية السيئة والسلبية. الأمر الذي كان يبدو ببساطة غير قابل للعودة إلى الوراء، إلى الحدّ الذي أدّت معه تلك الملاحظات البنيوية إلى إيجاد أدبياتها المناسبة، واستوجبت نوعًا من الثقافة العامة ومن بينها الخوف العام من ازدياد عدد الأولاد. وبعبارة أخرى: إن عدم المقاومة الثقافية وتبلور التيار والأمر السلبي في الثقافة لا يمكن الرجوع عنه ببساطة، إلى الحد الذي لم يتمكن فيه حتى أمير المؤمنين

(88)

علي عليه‌السلام ـ وهو الإمام المعصوم والمنصوب من قبل اللّه سبحانه وتعالى ـ من إعادة الأمور ـ في الكثير من الظواهر الثقافية التي أسس لها عثمان بن عفان ـ إلى سابق عهدها وما كانت عليه في سُنة وسيرة النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم. ومن ذلك صلاة التراويح ـ على سبيل المثال ـ حيث كانت تقام في عصر خلافة أمير المؤمنين عليه‌السلام على الرغم من اعتراضه عليها.

إن الشهيد مرتضى المطهري رحمه‌الله على الرغم من اعتراضه الشديد على التعصّب المقرون بالجهل، ولكنه في العديد من المواطن الأخرى يبدي ردّة فعل سلبية تجاه تفسير العصبية على أنها تعني التصلب والتشبّث بالعقيدة الحقة، واستنباط التهاون والتحلل من «عدم التعصّب» أيضًا[1]. وبعبارة أخرى: حيث يمكن لـ «العصبية» أن تؤدّي إلى مقاومة التغييرات الإيجابية، فهي لذلك تعدّ ظاهرة غير مناسبة وتعتبر معارضة للقيَم بشكل مطلق، ويتمّ التوجه إلى مخالفتها. كما يجب الاعتراف في الوقت نفسه بتأثير هذه العناصر في إيجاد المقاومة الثقافية، بيد أن المقاومة الثقافية المشتملة على عناصرها الأساسية الخاصّة، من قبيل ما لو كانت الرؤية حاضرة مع لوازمها في ذهن الفرد والمجتمع على الدوام، وتكون الأضداد النوعية للوازم تلك الرؤية ماثلة

(89)

أمام عينيه، وتكون بحسب المصطلح مفهومة لعامة الناس بشكل تفصيلي نسبيًا، فسوف يتبلور لدى المجتمع نوع من الوضوح والإشراف، ولا يعود يتماهى بسهولة مع الظواهر التي يبدو عليها أنها لا تشكل خطرًا أو تتنافى في الواقع وتعارض الثقافة المستقرة، وسوف يبدي ردّة فعل مناسبة تجاهها. إن إيصال المجتمع إلى هذا الموقف الذي يمكنها من الحفاظ على أسس وأفكار المجتمع في ذاكرته، وأن يُحضر في نظره وذهنيته عدم تناغم أضداد الثقافات مع ثقافته، يكون ذلك في الحقيقة والواقع عبارة عن «الأمر المعروف والنهي عن المنكر» في أبعاد ثقافية.

إن تأثير المتغيّرات البنيوية في الثقافة، حتى في المجتمعات التي تمتلك ثقافة وبنية سابقة منسجمة ومتماهية، تعدّ أمرًا محتملًا أيضًا. فأن تكون البنية جزءًا من القسم الأدنى من المجتمع، وكيف يمكن لتغيير صغير في هذا الجزء أن يزعزع ثقافة منسجمة تحتوي على أبنية محكمة ومتينة للغاية، وأن يحدث في بعض الأحيان متغيّرات أساسية، بالنظر إلى هذه النقطة يتضح أن الأبنية على الرغم من كونها من القسم الأسفل والأدنى من المجتمعات، ولكنها تمثل بمعنى من المعاني ناصية المجتمعات، وإن الأشخاص في تعاملهم مع الأمور الأولى التي يواجهونها سوف يواجهون ذات هذه الأبنية. إن هذا النوع من المواجهات السريعة والمتكررة مع الأبنية، يؤدّي إلى حدوث تواصل وارتباط سريع مع الحافظة الجماعية، ويعمل على إيجاد تحوّل في الفهم. إن هذا الأمر إنما يكون حيث لا تكون هناك مقاومة ثقافية أو أن تكون قليلة جدًا، وحتى إذا كانت الثقافة المفترضة قوية، ولكنها تكون من حيث المقاومة ـ لأيّ سبب من الأسباب ـ ضعيفة، يمكن للأبنية الجزئية والصغيرة والنشاطات الجزئية بدورها من الناحية العملية أن تحدث في الثقافة تصرفات كبيرة وجوهرية. والأكثر صراحة من ذلك أن الذي يضمن الحفاظ على الثقافة من التحوّلات والمتغيّرات غير المطلوبة وغير المقارنة، عبارة عن وجود المقاومة الثقافية،

(90)

وإن الاستقامة الكاملة والشاملة لأسس الثقافة المستقرة لا تقع في الدرجة الأولى من الأهمية. إن المجتمع الذي لا يمتلك مقاومة ثقافية هو مجتمع يفتقر إلى الدرع الحصين، وإن كان من حيث القوةّ الثقافية يمتلك سيفًا صارمًا وبتارًا. إن امتلاك المقاومة الثقافية يعني أنه يجب على ذات الثقافة أن تقوم بهذه المقاومة وأن تتخذ الاتجاه المتناسب معها.

إن إيجاد المقاومة الثقافية أمر مقدور، وله أساليب متعدّدة، من قبيل:

1. كما سبق أن ذكرنا فإن أحد الطرق هو أن تكون الأمور الأساسية والأفكار الجوهرية نصب عين المجتمع على الدوام. من قبيل المجتمع الذي يقوم بنحو من الأنحاء على أساس التوحيد، من الطبيعي أن هذا الاستناد والتركيز الكثير على التوحيد سوف يعمل على طرد ونبذ كل أمر يتنافى معه في خضم صيرورة هذا المجتمع؛ وهذا نوع من المقاومة حاضر في بعض الأجزاء الأساسية من ثقافة المجتمع، حيث لا يتحمّل العبور عليه، ويكون هو على الدوام ـ بواسطة الحضور الفاعل لتلك الجهة ـ معيارًا للقياس في الذاكرة العامة. وبعبارة أخرى: إن شدة التقبل العام لرؤية وفكرة ما، تؤدّي إلى حذف وإلغاء الأمور الناشزة، ويمكن القول من الناحية العملية إن شدّة التقبل يعدّ عنصرًا قويًا لإيجاد المقاومة الثقافية العالية. وبذلك يمكن اعتبار أحد طرق الهندسة الثقافية من أجل الحفاظ على الهوية الجامعة، عبارة عن إيجاد الاستحكام في هوية وروح تلك الثقافة من أجل بناء المقاومة الثقافية العالية.

2. إيجاد مقاومة بنيوية من قبيل بلورة مجموعة رصد ذات مرجعية أيضًا، وإن هذه المرجعية وملاحظة آرائها، من شأنها أن تعمل على حل وفصل الكثير من المسائل المستحدثة بل والمعارضة لها في بعض الموارد. أو من قبيل ما نجده في باكستان بلحاظ نمط وأسلوب الحياة هناك؛ ففي باكستان من أجل الحفاظ على الأسر الكبيرة التي تضمّ في كيانها الأجداد وصولًا إلى الأولاد والأحفاد حيث يقطنون في بيت واحد، على الرغم من غياب الالتزام

(91)

بالحجاب بشكل كامل، ولكننا نشاهد على المستوى العملي رعاية للعفاف والطهر بوضوح. وبعبارة أخرى: في هذا النوع من الارتباط والتواصل يتمّ انتقال الثقافة بيُسر، كما يكون الحفاظ على الثقافة من آفاتها وتداعياتها مقدورًا على نحو أيسر.

واستنادًا إلى هذه النتيجة يمكن القول: إذا لم تكن الحضارة ذات ثقافة ملائمة، فإن فضاءها سوف يشهد تلاطمًا واضطرابًا وتكون عرضة للتحوّل، والعكس صحيح أيضًا. وفي الأساس فإن أحد خصائص الحضارة الناجحة هي أن تحيط الثقافة بجميع أبعادها العينية، وتكون هذه الثقافة قد حظيت بانتشار وانبساط مناسب، وإلا فإن الانحرافات الثقافية والحضارية سوف تكون واقعة لا محالة، ويعود السبب في ذلك إلى طبيعة المساحات المنظمة للحضارة[1].

(92)

النتيجة السابعة: تجذّر الثقافة في أعماق التاريخ

في ضوء الأبحاث الثقافية الواسعة والأبعاد والمساحات المختلفة لها، يجب الاعتراف بأن الثقافة تمتدّ بجذورها في أعماق التاريخ، ورفعت هامتها من هناك. إن المراد من التاريخ ليس هو التاريخ الذي تمّ تقريره من قبل علم التأريخ، بل هو ذلك الأمر الذي يسجل حضوره في الفهم العام وفي الثقافة العامّة. إن التاريخ الذي أصبح ثقافة وصار مفهومًا بشكل عام، يعدّ جذرًا للثقافة الأعم من أن يكون من الثقافة التي يتم الشعور بها أو لا يتمّ الشعور بها[1]. لا ينبغي تفسير وفهم الثقافة ضمن الدائرة الزمنية الراهنة. إن فهم الثقافة، وهوية الثقافة، والتعاطي الثقافي، والتعاليم الثقافية، تمتدّ بجذورها في أعماق التاريخ، وسوف يكون لهذه الجذور التاريخية تأثير مهم بشأن طريقة وكيفية وجودها.

من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أن الحركة الاجتماعية الواسعة التي نشهدها حاليًا في إيران حول ملحمة عاشوراء، لو تمّت إعادة قراءتها بالنظر إلى الخلفيات التاريخية، فسوف ندرك تبلور هذا الأمر شيئًا فشيئًا طوال التاريخ، وقد تحوّل الآن إلى أسلوب ونشاط اجتماعي بشكل رسمي. إن هذا المثال بسبب ظهوره الاجتماعي الواضح، وكذلك التقبل العام الذي حصل عليه في إيران، يعمل على تحديد ما كان عليه الأمر في خلفياته وفي جذوره الأولى. إن الشعب الإيراني يعمل في الواقع من خلال هذه المواكب على إحياء ذلك الماضي في الوقت الحاضر.

المثال الآخر عبارة عن اللغة حيث لا ينبغي تفسيرها باللحظة الراهنة، فإن اللغة بدورها ضاربة بجذورها في أعماق التاريخ، ولا تزال تلك الأعماق والجذور موجودة حاليًا في صلب اللغة بشكل زاخر ومكثّف. من قبيل لفظ «السلام» في الترحيبات وإلقاء التحيات الشائعة، حيث يمكن تعقب جذورها في الحدّ الأدنى إلى عصر النبي الأكرم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وبعبارة أدق: إن الجذور

(93)

التاريخية قد امتدّت إلى هذا اليوم. إن التاريخ ليس بمنزلة محطة عبور لهذه الثقافة، إنما التاريخ والأرومة قد حضرت في الوقت الحاضر، وهي في حالة من النموّ والازدهار في اللحظة الراهنة. من قبيل الشجرة التي لها من العمر عشر سنوات، وصار بالإمكان رؤية تلك الجذور ونمائها في اللحظة الراهنة على هذا الشكل المعاصر.

إن القول بأن التاريخ قد تمّ أخذه في الثقافة بنظر الاعتبار ليس بالأمر الصعب، بيد أن المهم في البين هو أنه لا ينبغي فهم تجذّر الثقافة في التاريخ برؤية ميكانيكية. إن التاريخ حاضر في جميع مواطن الثقافة. إن الثقافة الراهنة على الرغم من كونها ثقافة عصرية ولكنها مشبعة بعبق الماضي وعبير التاريخ. إن الثقافة الراهنة حيثما بلغت وأيًا كان التعامل الذي يتبلور حولها، إنما تتجلى من خلال اشتمالها على تلك الجذور التاريخية، وتكون لها تجليات متناسبة مع متغيّرات الثقافة. إلى الحدّ الذي تظهر معه فجأة تلك الجذور التاريخية في صلب حادثة تبدو معاصرة بالكامل، وتظهر إلى الوجود بوصفها تاريخًا وتتجلى على نحو واضح. من ذلك ـ على سبيل المثال ـ إشارة رئيس الولايات المتحدة الأمريكية إلى الحروب الصليبية بعد أحداث الحادي عشر من أيلول والتفجير الذي أدّى إلى انهيار برجي التجارة في نيويورك مباشرة، حيث تظهر هذه الإشارة الحضور الجاد للتاريخ الماضي في الحاضر.

(94)

المصادر:

1.القرآن الكريم.

2.ريترز،‌ جورج،‌ نظریه جامعه‌شناسی در دوران معاصر،‌ ترجمه إلى اللغة الفارسية: محسن ثلاثي، منشورات علمي، طهران، ط 19، 1393 هـ ش.

36.3المطهري، مرتضى، مجموعه آثار (الأعمال الكاملة)، ج 21، وج 24، انتشارات صدرا، طهران / قم، 1381 هـ ش.

 

 

(95)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف