باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
(7)يُعدّ العلّامة السيّد محمّد حسين الطباطبائي قدسسره من أبرز فلاسفة القرن المعاصر، وقد تتلمذ على مدرسة الحكمة المتعالية التي أسّسها صدر المتألّهين الشيرازي في القرن الحادي عشر الهجري، كما كان رحمه اللّه مفسّرًا بارعًا، وعارفًا متألّهًا، وفقيهًا بارزًا.
عاش العلّامة الطباطبائي في فترة زمنيّة حرجة، كانت معترك الصراع الفكري والسياسي والاجتماعي، فقد غزي العالم الإسلامي من قبل التيّار الحسّي والمادّي الغربي من جهة، والتيّار الماركسي الشيوعي من جهة ثانية، كما شهد صعود وبروز التيّارات الإسلاميّة المختلفة: السلفيّة المحافظة والإصلاحيّة من جهة ثالثة.
ومن هذا المنطلق، ونظرًا لما أخذه اللّه على العلماء من وجوب إظهار الحقّ والدفاع عن الحقيقة عند ظهور الشبهات، بدأ العلّامة الطباطبائي رحمهالله حركته الإصلاحيّة لتصحيح المسارات، وبيان الحقيقة، والدفاع عن الإسلام وتعاليمه السامية، فقدّم رؤية كونيّة متكاملة، ومشروعًا فكريًّا رائدًا يعتمد تعاليم الثقلين (بشقّيه: القرآن والعترة) والعقل.
وقد استمرّ عطاؤه العلمي إلى يومنا الحاضر من خلال ما خلّفه من تراث علمي زاخر، وأيضًا من خلال تربية تلاميذ أخذوا بنهجه وساروا على دربه، فكانوا مصابيح الهدى في الظلمات الدجى.
إنّ الرؤية الكونيّة التي تبلور مشروع السيّد الطباطبائي الإصلاحي، هي الرؤية الكونيّة الإلهيّة التي تعتمد مركزيّة اللّه تعالى في العالم، ويتفرّع من هذه المركزيّة مفهوم عبوديّة الكون وخضوعه لإرادة اللّه تعالى وقدرته، ويتفرّع منها أيضًا مفهوم الولاية الخاصّة للنبي والإمام المعصوم عليهماالسلام التي أُلقي على عاتقها بيان سبل الهداية والضلال، وتطبيق مفهوم العبوديّة في الكون. كما يحتلّ الإنسان في هذه الرؤية والمنظومة الكونيّة مرتبةً ساميةً ألا وهي الخلافة الإلهيّة، وعليه فإنّ مشروع السيّد الطباطبائي المعرفي يتلخّص في: اللّه خالق الكون ومدبّره، والولي (وهو النبيّ والإمام المعصوم)، والإنسان (وهو الخليفة المختار لانتخاب سبل الهداية أو الضلال).
ومن هنا إذ نقوم باستقراء مشروع السيّد الطباطبائي المعرفي والإصلاحي، نحاول أن نلخّصه ضمن نقاطٍ كليّةٍ تبلور أساس الفكرة، وتبيّن معالمها العامّة من دون الخوض في التفاصيل، إذ ذلك بحاجةٍ إلى تأليف مجلّداتٍ وهو ما لا يسعه هذا المختصر.
وقد اعتمدنا بنحوٍ أساس على تفسير الميزان، إذ كما يقال: (كلّ الصيد في جوف الفَرَا). نعم ربّما تطرّقنا إلى باقي كتبه وآثاره بشكلٍ إجمالي وبحسب الضرورة. وفي ضوء ذلك جاء هذا البحث ضمن النقاط الآتية:
تعرّض العلّامة الطباطبائي في موضوع الدّين إلى عدّة أمورٍ نوجزها فيما يأتي:
أشار العّلامة الطباطبائي إلى تعريف الدّين في طيّات المباحث المتعلّقة بالدّين، وحياة الإنسان الاجتماعيّة، وذكر في تعريفه عباراتٍ مختلفةً متّحدة المعنى، فقال:
«حدّ الدّين ومعرّفه: أنّه نحو سلوك في الحياة الدنيا يتضمّن صلاح الدنيا بما يوافق الكمال الأخروي، والحياة الدائمة الحقيقيّة عند اللّه سبحانه».
وعرّفه تارةً أخرى بقوله أنّه «السنّة الاجتماعيّة التي يسير بها الإنسان في حياته الدنيويّة الاجتماعيّة».
وله تعريف ثالث وهو أفضلها، قال فيه بأنّ:
«حقيقة الدّين التي ترتد في المحصّلة الأخيرة إلى مجموعةٍ من العقائد والرؤى حول الكون والإنسان، وإلى سلسلةٍ من الوظائف العمليّة التي تجعل حياة الإنسان متّسقةً مع تلك العقائد».
وبهذا التعريف «يتّضح أنّ الدّين هو نهج الحياة، وأنْ ليس هناك فصلٌ بين منهج الدّين ومنهج الحياة». وذلك لأنّ الدّين أمرٌ فطري. بيان ذلك:
يتبنّى العلّامة نظريّة فطريّة الدّين للإنسان، ويعتمد عدّة مقامات لإثبات ذلك:
1. إنّ جميع الأنواع الموجودة في العالم سواء الحيّة أم الجامدة، تسير سيرًا تكوينيًّا معينًا له مراتب مختلفة، ولا تزال هذه الأنواع تستكمل بطيّ هذه
المنازل حتّى تنتهي إلى آخر المنازل، وهو كمالها النهائي. ويسمّى هذا التوجّه التكويني ـ لاستناده إلى اللّه تعالى ـ بالهداية العامّة الإلهيّة، وهذا مفاد قوله تعالى: ﴿رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَى كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَى﴾(طه: 50).
2. هذا الحكم يجري على نوع الإنسان أيضًا، بمعنى أنّ الهداية العامّة الإلهيّة تشمله بدءًا من النطفة وانتهاءً إلى الكهولة والشيب، ولكن الإنسان لسعته الوجوديّة وحاجاته التكوينيّة لا يقدر وحده على تتميم نواقصه، ورفع حوائجه، بل بحاجةٍ إلى اجتماعٍ منزليّ ومدنيّ، والمجتمع الإنساني هذا لايتمّ انعقاده إلّا بأصولٍ علميّةٍ وقوانين اجتماعيّةٍ ليطيب العيش بالعمل بها.
3. إنّ الإنسان يصل إلى الكمال والسعادة في ظلّ مجتمعٍ صالحٍ يحكم فيه بسننٍ وقوانينَ صالحةٍ تضمن وصوله إلى تلك السعادة، كما أنّ المقصود من حوائج الإنسان إنّما هي الحوائج الحقيقيّة التي تطلبها النفس الإنسانيّة بميولها وعزائمها، ويصدّقها العقل دون ما تمليه الأهواء.
وبعد هذه المقدّمات الثلاث يقول العلّامة:
«وقد عرفت أنّ الصنع والإيجاد قد جهّز كلّ نوعٍ من الأنواع ـ ومنها الإنسان ـ من القوى والأدوات بما يرتفع بفعاليّته حوائجه، ويسلك به سبيل الكمال... فتبيّن أنّ من الواجب أنْ يتّخذ الدّين ـ أي الأصول العلميّة والسنن والقوانين العمليّة التي تضمن باتّخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقيّة ـ من اقتضاءات الخلقة الإنسانيّة، وينطبق التشريع على الفطرة والتكوين، وهذا هو المراد بكون الدّين فطريًّا، وهو قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾(الروم: 30).
وبعبارةٍ أخرى فإنّ هذه الآية تشير إلى: «أوّلًا: طالما كانت سعادة الإنسان في الحياة مرتبطةً بالواقع التكويني للوجود، فلا بدّ للنظام الذي يصلح للناس أنْ ينبثق من ثنايا نظام الخلقة (الوجود) العام، ومن الحقيقة الخاصّة التي
ينطوي عليها تكوين الإنسان، بمعنى أنّ البشريّة لا يصلح لها إلّا النظام الذي يتّسق مع سنن الكون ونواميسه، ومع فطرة الإنسان وتكوينه.
ثانيًا: لما كان نظام الوجود والتكوين متّسمًا بالثبات، كان لزامًا أن يكون الدّين ومنهج الحياة المستمد منه ثابتًا أيضًا، لا يخضع للرغبات ولا يتبدّل مع الميول والأهواء، فلو اتّسم النظام بالتذبذب مع الميول والرغبات، فسينحرف الإنسان ويميل عامدًا عالمًا نحو الخطأ، برغم ما تدلّ عليه فطرته ويهدي إليه تكوينه من الصواب، يقول تعالى: ﴿أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَى عِلْمٍ﴾(الجاثية: 23)... .
ثالثًا: إنّ الخروج على أحكام الفطرة وتحدّي قوانينها، هو في حقيقته تحدٍّ النظام الكوني، وإعلان سافر لمواجهته. والذي يدخل في صراعٍ مع النظام الكوني المزوّد بقدراتٍ عظيمةٍ، عليه أنْ ينتظر إمّا الهزيمة والانسحاق أمامه، أو الإذعان والعودة ثانية إلى خطّه ومجراه».
يستشهد العلّامة الطباطبائي لأجل إثبات ضرورة الدّين بقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...﴾(البقرة: 213).
بيان ذلك: «إنّ الإنسان ـ وهو نوعٌ مفطورٌ على الاجتماع والتعاون ـ كان في أوّل اجتماعه أمّةً واحدةً، ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيويّة، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافاتٍ الطارئة، والمشاجراتٍ في لوازم الحياة، فأُلبست القوانين الموضوعة لباس الدّين، وشُفّعت بالتبشير والإنذار، بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيّين وإرسال المرسلين... فالدّين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، والمصلح لأمر حياته يصلح الفطرة بالفطرة،
ويعدّل قواها المختلفة عند طغيانها، وينظّم للإنسان سلوك حياته الدنيويّة والأخرويّة والماديّة والمعنويّة».
أمّا كون الإنسان مفطورًا على الاجتماع، فيبيّنه العلّامة على هذا النحو:
«إنّ نوع الإنسان مستخدم بالطبع، وهذا الاستخدام الفطري يؤدّيه إلى الاجتماع المدني وإلى الاختلاف والفساد في جميع شؤون حياته الذي يقضي التكوين والإيجاد برفعه، ولا يرتفع إلّا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعيّة برفع الاختلاف عنها، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين: إمّا بفطرته، وإمّا بأمر وراءه، لكنّ الفطرة غير كافيةٍ فإنّها مؤدّية إلى الاختلاف فكيف ترفعها؟ فوجب أنْ يكون بهدايةٍ من غير طريق الفطرة والطبيعة، وهو التفهّم الإلهي غير الطبيعي المسمّى بالنبوّة والوحي».
فهذه المقدّمات التي ذكرها العلّامة هي:
1. دعوة الفطرة إلى المجتمع المدني.
2. الإنسان بحسب فطرته سائرٌ نحو الاختلاف؛ لأنّه مستخدم بالطبع.
3. عناية اللّه تعالى بهداية عباده، ورفع الاختلاف بوساطة الدّين.
فهذه المقدّمات يصدّقها ويثبتها البحث والتجربة؛ أمّا البحث، فلأنّ الدّين يدعو إلى حقائق المعارف، وفواضل الأخلاق، ومحاسن الأفعال، فصلاح العالم الإنساني مفروضٌ فيه. وأمّا التجربة: فالإسلام أثبت ذلك في مدّةٍ يسيرةٍ حكَمَ فيها الدّين حيث ربّى أفرادًا أصلحوا نفوسهم، فأصلحوا نفوس غيرهم من الناس، كما أنّ الحضارة والتمدّن اليوم مرهونةٌ للتقدّم الإسلامي الماضي، وسريانه في العالم الدنيوي.
هناك شبهة طرحها الحسّيّون وأصحاب الاتّجاه المادّي، تدلّ على أنّ اتباع الدّين والانقياد له إنّما هو نوعٌ من التقليد، والعلم ينهى عن التقليد. وهؤلاء
قد قسّموا العالم وتاريخ البشريّة إلى أربعة أقسام: عصر الأسطورة، وعصر الدّين، وعصر الفلسفة، وعصر العلم، وزعموا أنّنا نعيش اليوم في عصر العلم، ولا حاجة إلى الدّين.
لكنّ العلّامة الطباطبائي يرى أنّ هذا الكلام لا يقوم على أساسٍ علمي، بل هو ضربٌ من الوهم والخرافة ويقول:
«إنّ الدّين هو مجموعةٌ من المعارف التي ترتبط بالمبدأ والمعاد، ومنظومةٌ من القوانين والضوابط العباديّة والاجتماعيّة والمعاملاتيّة، أُخذت عن طريق الوحي، وتلقّاها الإنسان بوساطة النبوّة. والوحي والنبوّة هما أمران ثابتان بالدليل والبرهان، فما يأتينا من الأخبار بوساطة رجلٍ صادقٍ تُعدُّ أخبارًا صادقةً تستند إلى العلم، لأنّنا نفترض في مثل هذه الحالة إنّا حقّقنا العلم بصدق المُخبِر عن طريق البرهان».
أمّا موضوع تقسيم أدوار البشريّة الأربعة فيخالفها العلّامة الطباطبائي بدليل واقع الحال والظاهر من تاريخ الدّين والفلسفة، فإنّ الفلسفة كانت قبل الدّين الإبراهيمي والعيسوي والمحمّدي، وعليه فإنّ التقسيم الصحيح المؤيّد من قبل القرآن هو التقسيم إلى عصر البساطة، وعصر وحدة الأمم، وعصر الحسّ والمادّة.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ معنى الإكراه هو الإجبار، والحمل على الفعل من غير رضى، وبعدما يستشهد بقوله تعالى: ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾(البقرة: 256) يقول بأنّ معناها نفي الدّين الإجباري؛ لأنّ الدّين من الأمور القلبيّة التي لا يحكم فيها الإكراه والإجبار، إذ هما يؤثران في الأعمال الظاهريّة والأفعال والحركات البدنيّة الماديّة، أمّا الاعتقاد القلبي فله عللٌ وأسبابٌ قلبيّةٌ، وعليه فإنّ ﴿لَا إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ﴾ إنْ كان قضيّةً إخباريّةً حاكيةً عن حال التكوين، أنتج حكمًا دينيًّا بنفي الإكراه على الدّين والاعتقاد، وإنْ كان حكمًا إنشائيًّا تشريعيًّا،
كما يشهد به ما عقبه تعالى من قوله: ﴿قَدْ تَبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ﴾ كان نهيًا عن الحمل على الاعتقاد والإيمان كرهًا، وهو نهيٌ متّكِئٌ على حقيقةٍ تكوينيّةٍ، وهي التي مرّ بيانها أنّ الإكراه إنّما يعمل ويؤثّر في مرحلة الأفعال البدنيّة دون الاعتقادات القلبيّة.
فللإنسان أنْ يختار لنفسه ما شاء من طرفَي الفعل والترك، وعاقبتَي الثواب والعقاب، وقد تبيّن أنّ الرشد في اتّباع الدّين والغيّ في تركه، فلا وجه لإكراه أحدٍ على الدّين، لكنَّ عدم الإكراه التكويني على الدّين لا يعني صوابيّة جميع الطرائق بل إنّ الدّين الحقّ واحدٌ تشريعًا يجب الالتزام به، ومن لم يلتزم فسوف يسلك سبيل الغي والضلال، وينال جزاءه وعقابه.
إنّ اللّه تعالى بعدما أرسل الرسل وبيّن الحقائق، لا يرضى بترك الدّين والجهل به بل يعدّ ذلك ظلمًا، نعم هناك استثناء واحدٌ وهو للمستضعفين الذين لا يجدون إلى معرفة الدّين طريقًا، وهذا الأمر يتحقّق في فئات من الناس يذكرهم العلّامة بقوله بأنّه:
«يتحقّق فيمن أُحيط به في أرضٍ لا سبيل فيها إلى تلقّي معارف الدّين لعدم وجود عالمٍ بها خبير بتفاصيلها، أو لا سبيل إلى العمل بمقتضى تلك المعارف للتشديد فيه بما لا يُطاق من العذاب مع عدم الاستطاعة من الخروج والهجرة إلى دار الإسلام والالتحاق بالمسلمين لضعف في الفكر، أو لمرضٍ أو نقصٍ في البدن، أو لفقرٍ ماليّ ونحو ذلك، كذلك يتحقّق فيمن لم ينتقل ذهنه إلى حقٍّ ثابتٍ في المعارف الدّينيّة، ولم يهتد فكره إليه مع كونه ممّن لا يعاند ولا يستكبر عنه أصلًا، بل لو ظهر عنده حقّ اتبعه، لكن خفي عنه الحقّ لشيءٍ من العوامل المختلفة الموجبة لذلك».
وعليه فإنّ الجهل بمعارف الدّين إذا كان عن قصورٍ وضعفٍ ليس فيه صنع للإنسان الجاهل، كان معذورًا عند اللّه سبحانه.
تحتلّ الفطرة في منظومة السيّد الطباطبائي الفكريّة مكانةً محوريّةً وتأسيسيّةً، حيث يعوّل عليها في كثيرٍ من المباحث السياسيّة والاجتماعيّة واللاهوتيّة والأخلاقيّة. فهي المفتاح الرئيس لفتح كثيرٍ من الأبواب المعرفيّة: النظريّة والعمليّة. فالفطرة أصبحت منهجًا مهمًّا ورئيسًا عند العلّامة الطباطبائي للولوج إلى تأصيل المعارف والردّ على الخصوم. ولعلّ العلّامة الطباطبائي هو الأوّل في كثرة استخدام هذا المنهج، وإعطائه المحوريّة في حلّ كثيرٍ من المسائل، وسنتتطرق في هذا البحث الى أهمّ الموارد التي اعتمد فيها السيّد الطباطبائي على المنهج الفطري.
ينقل العلّامة الطباطبائي ما قاله الراغب في المفردات حول معنى الفطرة:
« أصل الفَطْرِ: الشّقُّ طولا، يقال: فَطَرَ فلان كذا فَطْراً، وأَفْطَرَ هو فُطُوراً، وانْفَطَرَ انْفِطَاراً... ومنه الفِطْرَةُ. وفَطَرَ اللّه الخلق، وهو إيجادهُ الشيء وإبداعُه على هيئةٍ مترشّحةٍ لفعلٍ من الأفعال ».
ويذهب السيّد الطباطبائي إلى أنّ الفَطْر هو الإيجاد والإبداع عن عدمٍ بحت، وهو يختلف عن الخلق الذي هو إيجاد الصورة عن مادّةٍ على طريق جمع الأجزاء؛ لذا نراه يقول: «الفِطْرة بناءُ نوعٍ من الفطر بمعنى الإيجاد والإبداع».
تكمن أهميّة الفطرة في كونها منظومةً متكاملةً لا بدّ للإنسان أنْ يسير عليها إذا رام الصلاح، بل هي المصباح للوصول إلى المقصد، لذا يقول العلّامة الطباطبائي تأكيدًا لهذا الأمر: «للإنسان في حياته نظامٌ بحسب الفهم الفطري والشعورالباطني».
وهذه المنظومة الفطريّة بحسب الطباطبائي تحتوي على: عقائد، وآراء فكريّة يبني عليها الإنسان أعماله كي تسعده، وتحفظه من الشقاء، وخيبة المسعى، وعلى معارف فطريّة، وحقائق أوّلية التي بتذكّرها يهتدي الإنسان إلى معرفة كلّ حقٍّ، وتمييزه عن الباطل. كما أنّها تهدي الإنسان إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه، وتهتف له بما ينفعه ويضرّه في حياته، وعليه فللإنسان فطرةٌ خاصّةٌ تهديه إلى سنّةٍ خاصّةٍ في الحياة، وسبيل معيّنة ذات غايةٍ مشخّصةٍ ليس له إلّا أن يسلكها خاصّة.
وكفى في أهميّة الفطرة، ما قاله السيّد الطباطبائي من: إنّ الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة، وإنّ جميع السنن الفطريّة منتهيةٌ إلى اللّه تعالى؛ وبهذا يتبيّن سبب الاهتمام بالمنهج الفطري عند صاحب الميزان.
من الأمور الأُخر التي يشير إليها صاحب الميزان، موضوع ثبات الفطرة، وعدم بطلانها، فالفطرة لا تختلف ولا يتخلّف فعلها، وهي لا تقبل البطلان، ولا تخطئ ولا تتبدّل، كما أنّها لا تقبل التغيير بمتغيّر، وسبب ذلك أنّ النظام الفطري لا يقع فيه خطأ، إذ الخطأ والبطلان في الفطرة يساوي فناء الإنسان.
وهناك أمر آخر يشير إليه السيّد الطباطبائي ويجوّزه، وهو وقوع الغفلة للفطرة، إذ يقول: «إنّ الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة، ولكن تنافي التعمّد والبغي».
كما أنّنا عندما نشاهد انحرافًا مشهودًا عن أحكام الفطرة، فليس ذلك إبطالًا لحكمها، بل يعتقد السيّد الطباطبائي أنّه من باب استعمال الفطرة في غير ما ينبغي الاستعمال:
«نظير ما ربّما يتّفق أنّ الرامي لا يصيب الهدف في رميته، فإنّ آلة الرمي وسائر شرائطه موضوعٌ بالطبع للإصابة، إلّا إنّ الاستعمال يوقعها في الغلط، والسكاكين والمناشير والمثاقب والأبر وأمثالها، إذا عُبّئت في الماكينات تعبئةً معوّجةً، تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطعٍ أو نشرٍ أو ثقبٍ، وغير ذلك، لكن لا على الوجه المقصود، وأمّا الانحراف عن العمل الفطري، كأن يخاط بنشر المنشار، بأن يعوّض المنشار فعل الإبرة من فعل نفسه، فيضع الخياطة موضع النشر، فمن المحال ذلك».
وبعد إثبات حقيقة ثبات الفطرة وعدم بطلانها، يشير السيّد الطباطبائي إلى قابليّة الفطرة للتكامل، إذ يقول: «إنّ الفطرة إنّما تستعد للقبول، وتتهيّأ للإذعان إذا أحسّت بالحاجة».
الموضوع الآخر الذي يشير إليه صاحب الميزان ويضع له مصطلحًا خاصًّا، هو موضوع (الفطرة الساذجة) وهي الفطرة الأوّلية للإنسان الفطري غير المشوب ذهنه بالرسوم والآداب، ولا الحاكم فيه العرف والعادة.
وقد بيّن اللّه تعالى في قوله: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...﴾(البقرة: 213). فالآية تدلّ على: «أنّ الناس كانوا أوّل ما نشأوا وتكاثروا على فطرةٍ ساذجةٍ لا يظهر فيهم أثر الاختلافات والمنازعات الحيويّة، ثمّ ظهر فيهم الاختلافات، فبعث اللّه الأنبياء بشريعةٍ وكتابٍ يحكم بينهم بالحقّ فيما اختلفوا فيه، ويحسم مادّة الخصومة والنزاع». وكان ذلك قبل زمن نوح عليهالسلام لذا نرى أنّ اللّه تعالى أمر الأنبياء بمخاطبة البشر بما تلهمه فطرتهم الساذجة في عبادة اللّه.
استعان السيّد الطباطبائي بالمنهج الفطري كثيرًا لإثبات مختلف المباحث العقديّة وما يتفرّع عنها من المسائل الجزئيّة، فالمنهج الفطري ـ مع سائر المناهج الأُخر ـ هو المعتمد في إثبات الباري تعالى وتوحيده، وفي إثبات النبوّة والمعاد، وما يتعلّق بالحسن والقبح والهداية والضلال وغيرها من الجزئيّات التي تبحث في مناخ العقيدة، وسنشير فيما يأتي إلى أهمّها:
يشير العلّامة الطباطبائي إلى أهميّة مباحث التوحيد وصعوبتها قائلًا:
«لا يرتاب الباحث المتعمّق في المعارف الكلّية، إنّ مسألة التوحيد من أبعدها غورًا، وأصعبها تصوّرًا وإدراكًا، وأعضلها حلًّا لارتفاع كعبها عن المسائل العامّية التي تتناولها الأفهام، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس وتعرفها القلوب».
وتُعدُّ مباحث إثبات الصانع من أقدم المسائل الدائرة بين المتفكّرين، حتّى إنّ الوثنيّة إذا أمعنّا في حقيقة معناها، وجدناها مبنيّةً على إثبات الصانع وإثبات شفعاء عنده: ﴿...مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى...﴾(الزمر: 9).
وعليه لا يمكن تحديد تاريخٍ مشخّصٍ لبدء ظهور القول بالربوبيّة بين أفراد بني البشر، إذ نراها تصاحب الإنسان من أقدم العصور، حتّى إنّ الأقوام الوحشيّة الأولى كانت لديهم عقائد تتعلّق بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة، وهذا بعينه قولٌ بالربوبيّة. فالفطرة والمنهج الفطري يدعو إلى إثبات الصانع وتوحيده، وقد بيّن ذلك العلّامة الطباطبائي بعبارات شتّى، فتارة من حيث افتقار الإنسان وحاجته إلى قدرة عليا تسيّره، فإنّ:
«الفطرة إذا سلمت لم تنفكّ من أن تتنبّه شاهدةً لفقرها وحاجتها إلى أمرٍ خارج عنها، وكذا احتياج كلّ ما سواها ممّا يقع عليه حسٌّ أو وهمٌ أو عقلٌ إلى أمرٍ خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنةٌ مذعنةٌ بوجود موجودٍ غائبٍ عن الحسّ منه يبدأ الجميع وإليه ينتهي ويعود».
ويشرح الحاجة هذه بعبارة أخرى ويقول:
«نحن أوّل ما نفتح أعيننا، ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده، يقع إدراكنا على أنفسنا، وعلى أقرب الأمور منّا، وهي روابطنا مع الكون الخارج من
مستدعيات قوانا العاملة لإبقائنا، فأنفسنا وقوانا وأعمالنا المتعلّقة بها هي أوّل ما يدقّ باب إدراكنا، لكنّا لا نرى أنفسنا إلّا مرتبطةً بغيرها، ولا قوانا ولا أفعالنا إلّا كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان، يشاهدها من نفسه ومن كلّ ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة، وعند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسدّ خلّته، وإليه ينتهي كلّ شيء، وهو اللّه سبحانه، ويصدّقنا في هذا النظر والقضاء الإلهي قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾(فاطر: 15)».
وتتجلّى هذه الفطرة الدالّة على وجود اللّه تعالى في الشدائد والإحساس بالخطر بنحو جليّ، فالإنسان مفطورٌ على التوحيد والاعتراف بوجود اللّه تعالى، بحيث يلتجئ بالفطرة إلى اللّه تعالى عند انقطاع الأسباب الكونيّة، وهذا ما يستفيده العلّامة الطباطبائي من قوله تعالى: ﴿وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ﴾(النحل: 53)، فيقول في شرح هذه الآية:
«فالمعنى إنّ جميع النعم التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم، وأنتم تعلمون ذلك، ثمّ إذا حلّ بكم شيءٌ من الضرّ وسوء حالٍ يسيرٍ، رفعتم أصواتكم بالتضرّع، وجأرتم إليه لا إلى غيره، ولو كان لغيره صنيعةٌ عندكم لتوجّهتم إليه، فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضرّ، فما بالكم لا تخصّونه بالعبادة ولا تطيعونه.
والاستغاثة به تعالى والتضرّع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهريّة ضروريّة لا يرتاب فيها، فإنّ الإنسان ولو لم ينتحل أي دينٍ، ولم يؤمن باللّه سبحانه، فإنّه ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، ولا رجاء إلّا وهناك مرجوٌّ منه، فمن الضروري أن تحقّق ما لا يخلو من معنى التعلّق كالحبّ والبغض، والإرادة والكراهة، والجذب ونظائرها في الخارج لا يمكن إلّا مع تحقّق طرف تعلّقها
في الخارج، فلو لم يكن في الخارج مرادٌ لم تتحقّق إرادةٌ من مريد، ولو لم يكن هناك مطلوبٌ لم يكن طلب، ولو لم يكن جاذبٌ يجذب لم يتصوّر مجذوب ينجذب، وهذا حال جميع المعاني الموجودة، التي لا تخلو كينونتها عن نسبة.
فتعلّق الرجاء من الإنسان بالتخلّص من البليّة عند انقطاع الأسباب دليلٌ على أنّه يرى أنّ هناك سببًا فوق هذه الأسباب المنقطع عنها، لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا، ولا ينقطع عنه الإنسان ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ينسى قط. هذا شيءٌ يجده الإنسان من نفسه، وتقضي به فطرته...».
وهناك أمرٌ آخر يلجئ الإنسان نحو التوجّه إلى اللّه تعالى، وهو الخِلْقة أو (الفطرة التكوينيّة) على حدّ تعبير السيّد الطباطبائي وهي ثابتةٌ لا تتغيّر، فإنّ:
«التوحيد الفطري والعبوديّة التي تهدي إليه البنية الإنسانيّة بحسب نوع الخِلْقة التي أظهرها اللّه سبحانه على ذلك، ومن المعلوم أنّ الخِلْقة الإنسانيّة بما أنّها خِلْقةٌ إنسانيّةٌ لا تتغيّر ولا تتبدّل... فالدّين الحنيف الإلهي الذي هو قيّم على المجتمع الإنساني، هو الذي تهدي إليه الفطرة، وتميل إليه الخِلْقة البشريّة... وهذا أمرٌ لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ لأنّه مبنيٌّ على الفطرة التكوينيّة التي لا سبيل للتغيّر والتبدّل إليها...».
فالفطرة التوحيديّة هذه ثابتةٌ عند جميع البشر، ولا تخصُّ فئةً دون فئة، حتّى أنّها تشمل الأنبياء أيضًا؛ لأنّ «التوحيد ونفي الشركاء ليس ممّا يرجع فيه إلى بيان النبوّة، فإنّه ممّا يستقلّ به العقل وتقضي به الفطرة... بل هم والأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحدٍ وشرعٍ سواء». نعم إنّ الأنبياء يدعون إلى متابعة الفطرة، وأن يسير المجتمع الإنساني نحو ما تمليه عليه الفطرة من التوحيد.
ثمّ إنّ الفطرة التوحيديّة تدعو إلى إلهٍ واحدٍ غير محدود العظمة والكبرياء
ذاتًا وصفةً، وهو ما يستفاد من القرآن الكريم وخطب أمير المؤمنين عليهالسلام، غير أنّ الإنسان لأُلفته في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانب، وابتلائه بالوثنيّين وغيرهم من القائلين بتعدّد الآلهة من جانب آخر، طبع في أذهان الناس الوحدة العدديّة، ممّا أدى إلى إغفال الحكم الفطري بالوحدة المطلقة غير المحدودة.
والفطرة هذه كما تثبت اللّه تعالى، تثبت صفاته وأسماءه تعالى أيضًا، وذلك أنّنا:
«في سلوكنا الفطري إلى الأسماء، إنّما تفطّنا بها من جهة ما شاهدناه في الكون من صفات الكمال، فأيقنّا من ذلك أنّ اللّه سبحانه مسمّى بها طالما أنّه مالكها الذي أفاض علينا بها، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة فأيقنّا أنّه تعالى منزّهٌ عنها، متّصفٌ بما يقابلها من صفة الكمال، وبها يرفع عنّا النقص والحاجة فيما يرفع، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى اليقين بأنّ له سبحانه علمًا وقدرةً يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة، ومشاهدة الجهل والعجز في الوجود تدلّنا على أنّه منزّهٌ عنهما، ويتّصف بما يقابلهما من العلم والقدرة الذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ترفع، وهكذا في سائرها».
الدّين
يتطرّق العلّامة الطباطبائي إلى موضوع الدّين وحاجة الإنسان إليه، في تفسير قوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾(البقرة: 213). فهذه الآية تبيّن السبب في تشريع الدّين وتكليف الإنسان، وذلك أنّ الإنسان عند الطباطبائي مفطورٌ على الاجتماع والتعاون، وبعدما اجتمع ظهر فيه الاختلاف بسبب التنافس على اقتناء مستلزمات الحياة، فاستدعى هذا إلى وضع قوانين
ترفع الاختلاف، فهذا الاختلاف هو السبب في تشريع الدّين.
ثم يقول السيّد الطباطبائي:
«ولذلك شرّع اللّه سبحانه ما شرّعه من الشرائع والقوانين، واضعًا ذلك على أساس التوحيد والاعتقاد والأخلاق والأفعال، وبعبارة أخرى وضع التشريع مبني على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم».
والشريعة هذه لا بدّ أن تكون من قِبل اللّه تعالى لتتمكّن من دفع الاختلاف، «وقد دلّت البراهين العقليّة، وأيّدها تواتر الأنبياء والرسل من قبله تعالى، على أنّ القوانين الاجتماعيّة وسُنن الحياة، يجب أنْ تكون من عنده تعالى، وهي أحكامٌ ووظائفُ إنسانيّةٌ تهدي إليها الفطرة الإنسانيّة، وتضمن سعادة حياته، وتحفظ مصالح مجتمعه. وهذه الشريعة السماويّة الفطريّة واضعها هو اللّه سبحانه...».
ثمّ يؤكّد السيّد الطباطبائي فطريّة الدّين، فيقول:
«الدّين فطريٌّ، تقبله الفطرة وتخضع له القوّة المميّزة بعد ما بيّن لها، قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم: 30) فالدّين فطريٌّ على الخلقة لا تدفعه الفطرة أبدًا». لذا فإنّ الدّين الذي يشتمل عليه الكتاب الإلهي، هو المتضمّن لطرق الفطرة، وقد أكّد اللّه تعالى ذلك في هذه الآية، «وقال بأنّ الدّين القيّم الذي يقوم بحوائج الحياة هي الفطرة التي فطرَ الناس عليها».
ويشير السيّد الطباطبائي إلى موضوعٍ دقيقٍ، وهو أنّ الدّين كما هو فطري، فإنّ الفطرة تدعو إليه أيضًا وتطلبه، «فإنّ النوع الإنساني بالفطرة المودعة فيه، تطلب سعادته الحقيقيّة... وقد عرفت أنّ هذا هو الإسلام ودين التوحيد». وإنّ هدف الأنبياء في دعوتهم إنّما هو سوق الناس إلى ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد. وإلى هذا التزاوج والتأثير والتأثّر المتقابل يشير العلّامة الطباطبائي في كلامٍ آخر له ويقول:
«إنّ التكليف الإلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها، ومن المعلوم أنّ الفطرة التي هي نوع الخلقة، لا تدعو إلّا إلى ما جُهّزت به، وفي ذلك سعادة الحياة البتّة».
وبعد هذا كلّه ـ أي كون الإنسان اجتماعيًّا بالفطرة، وطالبًا الكمال بالفطرة، وإنّ الدّين فطريٌّ عنده ـ لا بدّ من الوقوف على معنى الدّين الفطري عند السيّد الطباطبائي، فإنّه يشير إلى ذلك في عدّة موارد من كتابه الميزان، فإنّه بعدما يقدّم مقدّمةً تدلّ على أنّ كّل نوعٍ من أنواع المخلوقات متوجّهٌ نحو كمالهِ المناسب له، ولا يتوقّف حتّى يصل إليه، والإنسان من جملة هذه الأنواع أيضًا، وله غايةٌ وجوديّةُ لا ينالها إلّا بالاجتماع المدني، ثمّ إنّ الاجتماع يحوّج الإنسان إلى أحكامٍ وقوانين ينتظم بها سلوكه، ويسعد بتطبيقها ويصل إلى كماله جرّاء الالتزام بها، وهذه الأحكام والقوانين منبعثةٌ عن الحوائج التي تهتف بها خصوصيّة وجود الإنسان وخلقته الخاصّة. ثمّ يقول السيّد الطباطبائي بعد هذه المقدّمة:
«وهذا معنى كون الدّين فطريًّا أي أنّه مجموع أحكام وقوانين يرشد إليها وجود الإنسان بحسب التكوين، وإنْ شئتَ فقل: سنن يستدعيها الكون العام، فلو أقيمت أصلحت المجتمع، وبلغت بالأفراد غايتها في الوجود وكمالها
المطلوب، ولو تركت وأُبطلت أفسدت العالم الإنساني، وزاحمت الكون العام في نظامه».
وبعبارة أخرى أنّه:
«الدّين الذي بنيت معارفه وشرائعه على خلقة الإنسان ونوع وجوده الذي لا يقبل التبدّل والتغيّر، فإنّ الدّين هو الطريقة المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، والسعادة الحقيقيّة هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركّب وجوده، وتجهّزه بوسائل الكمال... فالدّين الحقّ هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة...».
بعدما أثبت العلّامة الطباطبائي فطريّة التوحيد وفطريّة الدّين، يُشير إلى دور النبوّة في إيصال التعاليم والقوانين إلى الإنسان، فالدّين الفطري هو الذي يجري على لسان الأنبياء، وبعبارةٍ أخرى فإنّ الإنسان: «وإن كان مجهّزًا بفطرةٍ تذكّره حقّ الاعتقاد وصالح العمل، لكنّه مجبولٌ من جهةٍ أُخرى على العيشة الاجتماعيّة التي تدعوه إلى اتّباع الأهواء والظلم والفسق، فمجرّد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنّةٍ حقّةٍ عادلةٍ... فمن الواجب في العناية أنْ يُمدّ النوع الإنساني مع ما له من الفطرة الداعية إلى الصلاح والسعادة بأمرٍ آخر تُتلقّى به الهداية الإلهيّة، وهو النبوّة».
وعليه فإنّ: «تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة، وإلى الاختلاف من جهةٍ أخرى، وعنايته تعالى إلى تمام الخلقة، مبدأ حجّة على وجود النبوّة، وبعبارة أُخرى دليل النبوّة العامّة».
من الأمور الأخرى التي يثبتها العلّامة الطباطبائي بالفطرة موضوع المعاد، إذ الإنسان ـ على حدّ تعبيره ـ ينال حقائق الدّين الكليّة بفطرته، ومن تلك الحقائق المُودَعة في الفطرة موضوع المعاد، ودِين الفطرة يمهّد الإنسان بتعاليمه للحشر والجزاء. فالعالم المشهود مع ما فيه يستحيل أن يكون لعبًا باطلًا لا غاية ثابتة باقية له: «فمن الضروري أن يتعقّب هذا النظام المتحوّل المتغيّر الدائر إلى عالم ذي نظامٍ ثابتٍ باقٍ، وأن يظهر فيه أثر الصلاح الذي تدعو إليه الفطرة الإنسانيّة، والفساد الذي تردع عنه، ولم يظهر في هذا العالم المشهود أعني سعادة المتّقين وشقاء المفسدين، ومن المحال أنْ يُودع اللّه الفطرة دعوةً غريزيّةً أو ردعًا غريزيًّا بالنسبة إلى ما لا أثر له في الخارج ولاحظ له من الوقوع، فهناك يومٌ يلقاه الإنسان ويجزى فيه على عمله إن خيرًا فخيرًا، وإن شرًّا فشرًّا... فاليوم ضروري الوقوع والجزاء لا ريب فيه».
يرى العلّامة الطباطبائي إنّ الدعوة الإلهيّة تتوافق مع الفطرة، وهي التي تسمّى بالهداية، أو هدى اللّه كما في قوله تعالى: ﴿...قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَى﴾(الأنعام: 70) وسبب ذلك التوافق: «إنّ حقّ الهداية هو الذي ينطبق به الصنع والإيجاد الذي ليس إلّا لله، ولا نروم شيئًا من دِينٍ أو اعتقادٍ إلّا لابتغاء مطابقة الواقع، والواقع لله فلا يعدوه هداه، وأمّا أنّ هدى اللّه هو الهدى الحقيقي الذي يجب أنْ يُؤخذ به دون الدعوة الشيطانيّة فظاهر أيضًا؛ لأنّ اللّه سبحانه هو الذي إليه أمرنا كلّه من جهة مبدئنا ومنتهانا، وما نحتاج إليه في الدنيا والآخرة».
كما أنّ المراد من الاهتداء هو التسليم لما تهدي إليه الفطرة السليمة، واتّباع الحقّ. والهداية هدايتان بحسب ما يراه العلّامة الطباطبائي، الهداية الفطريّة العامّة: «وهي تنبيهٌ بسبب نوع خلقته، وما جُهّز به وجوده بإلهامٍ من اللّه سبحانه على حقّ الاعتقاد وصالح العمل، قال تعالى: ﴿فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(الشمس: 8)، وهداية قوليّة من طريق الدعوة ببعث الأنبياء، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتشريع الشرائع الإلهيّة...
ومن الفرق بين الهدايتين أنّ الهداية الفطريّة عامّةٌ بالغةٌ لا يستثنى منها إنسان، لأنّها لازم الخلقة الإنسانيّة، وهي في الأفراد بالسويّة غير إنّها ربّما تضعف أو يلغو أثرها لعوامل، وأسباب تشغل الإنسان، وتصرفه عن التوجّه إلى ما يدعو إليع عقله ويهديه إليه فطرته، أو ملكات وأحوال رديئة سيّئة تمنعه عن إجابة نداء الفطرة... وأمّا الهداية القوليّة، وهي التي تتضمّنها الدعوة الدّينيّة، فإنّ من شأنها أن تبلغ المجتمع، فتكون في معرضٍ من عقول الجماعة، فيرجع إليها من أثر الحقّ على الباطل...».
يؤكّد العلّامة الطباطبائي أنّ الإنسان يطلب السعادة الحقيقيّة بفطرته، والسعادة الحقيقيّة هي «استواؤه على عرش حياته الروحيّة والجسميّة معًا، حياة اجتماعيّة بإعطاء نفسه حظّه من السلوك الدنيوي والآخروي». كما إنّ سنّة اللّه تعالى مبنيّةٌ على ذلك، إذ «من الواجب في عناية اللّه أنْ يهدي الإنسان إلى سعادة حياته، وكمال وجوده». علمًا بأنّ هذه السعادة وإنْ كانت فطريّةً، غير أنّها اختياريّةٌ، ولم تكن إجباريّةً، فالإنسان«إنْ جرى على ما يهديه إليه الفطرة، فاز بالسعادة المقدّرة له، وإنْ تعدّى حدود فطرته وأفسد في الأرض،
أخذه اللّه بالسنين، والمثلات، وأنواع النكال والنقمة».
وهناك أمرٌ آخر بخصوص السعادة، فهي وإنْ كانت فطريّةً، وإنّ اللّه تعالى هدى الإنسان عن طريق الخلقة والفطرة إلى ما فيه خيره وسعادته، غير أنّها لا تكفي وحدها في الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، حتّى إنّ العقل العملي بمفرده لا ينفع فإنّه الداعي إلى الاستخدام المؤدّي إلى الخلاف: «فظهر أنّ هناك طريقًا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحقّ، ومنهج الكمال والسعادة غير طريق التفكّر والتعقّل، وهو طريق الوحي، وهو نوعٌ تكليمٌ إلهيٌّ يعلم الإنسان ما فوز بالعمل به والاعتقاد له في حياته الدنيويّة والأخرويّة».
لقد عالج العلّامة الطباطبائي كثيرًا من المسائل الاجتماعيّة بالمنهج الفطري، وجعله المعتمد في إثبات تلك المسائل أمام سائر المناهج الماديّة وغير الماديّة الأخرى، فعوّل عليه في نحت نظريّة الاستخدام، وفي الحاجة إلى الحكومة والقانون، وموضوع الحريّة، وكذلك عمارة الأرض، وغيرها من المباحث الاجتماعيّة الهامّة الأخرى ونحاول أن نذكر فيما يأتي بعضها:
تبتني رؤية العلّامة الطباطبائي حول اجتماعيّة الإنسان على فطرة الإنسان وطبعه، فللإنسان طبعان: الطبع الأوّلي وهو استخدام جميع الأشياء للانتفاع بها، الطبع الثانوي وهو كونه مدنيًّا تعاونيًّا اجتماعيًّا بالطبع، ومن هذا المنطلق ينحت السيّد الطباطبائي نظريّة الاستخدام.
بيان ذلك: إنّ اللّه تعالى أبدع هذا الإنسان من الأرض، وجعله مركبًا من جزئين: مادّة بدنيّة، وجوهر مجرّد هو النفس والروح، كما خلق له السمع والبصر والفؤاد، وأعطاه قوّة الإدراك والفكر، والارتباط مع كلّ شيءٍ،
والانتفاع من كلّ أمرٍ، ثمّ إنّ قوّة الفكر والإدراك من جهةٍ، ورابطة التسخير من جهةٍ ثانيةٍ، أولدت له عنايةً ثالثةً وهي أنْ يهيّئ لنفسه علومًا وإدراكاتٍ يعدّها بابًا للورود في مرحلة التصرّف في الأشياء للانتفاع بها.
فهذه الإدراكات هي التي تربط الإنسان بالعمل في المادّة، ومن جملة هذه الأفكار تصديق الإنسان بأنّه يجب أنْ يستخدم كلّ ما يمكنه استخدامه في طريق كماله أي ينبغي أنْ ينتفع لنفسه، ويستبقي حياته بأيّ سببٍ أمكن؛ لذا يأخذ في التصرّف في المادّة، فيبدأ بالتصرّف في الجماد والنبات والحيوان، وحتّى الإنسان الآخر من بني نوعه.
ولكن بما أنّ الإنسان ليس وحيدًا في هذا الاستخدام بل يشاركه غيره من بني نوعه في الاستخدام، اضطره إلى الاجتماع، وهذا معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع، فإنّه أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطرارًا، ولولا الاضطرار لم يقض به الإنسان أبدًا.
وهذا الاجتماع كوّنته ودعت إليه الطبيعة الإنسانيّة بإلهامٍ من اللّه سبحانه، وذلك لتكميل النقص ورفع الحوائج. ثمّ إنّ النبوّة جاءت سندًا وتفصيلًا لهذا الإجمال «فالقرآن الكريم يخبر أنّ أوّل ما نبّه الإنسان بالاجتماع تفصيلًا، واعتنى بحفظه استقلالًا نبّهته به النبوّة».
وقد أسهب العلّامة الطباطبائي في الحديث عن اجتماعيّة الإسلام، وأقام على ذلك أدلّةً متعدّدةً لا يسع المقام ذكرها، ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانّها.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ السلطة والحكومة من الاعتبارات الضروريّة التي لا غنى للإنسان عنها، لوقوع الخلاف بين الناس بسبب نظريّة الاستخدام: «ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارئة إلّا بجعل قوّةٍ قاهرةٍ على سائر القوى، مسيطرةً على جميع الأفراد المجتمعين، حتّى تعيد القوى الطاغية المستعلية إلى حاقّ الوسط، وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضًا، فتتّخذ جميع القوى من حيث المستوى، ثمّ تضع كلّ واحدةٍ منها في محلّها الخاصّ، وتعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه». لذا«فإنّ الحكومة في أعمال الأفراد وشؤونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزة الأفراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة».
فأصل الحكومة وإنْ كانت فطريّةً عند السيّد الطباطبائي، غير أنّه يؤيّدها بحكم القرآن أيضًا، فيقول:
«وأمّا إنّ المُلك من ضروريّات المجتمع الإنساني، فيكفي في بيانه أتمّ بيانٍ قوله تعالى بعد سرد قصّة طالوت: ﴿...وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(البقرة: 251). وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ تتعرّض للمُلك والولاية، وافتراض الطاعة ونحو ذلك... غير أنّ القرآن إنّما يعدّه كرامةً إذا اجتمع مع التقوى... ولذلك لم يدعُ القرآن الناسَ إلى الاجتماع على تأسيس المُلك وتشييد بنيان القيصريّة والكسرويّة... بل إنّما دعا الناس إلى الاجتماع والاتّحاد والاتّفاق على الدّين... فالقرآن لا يدعو الناس إلّا إلى التسليم لله وحده، ويعتبر من المجتمع المجتمع الدّيني».
ثمّ يعرّج العلّامة الطباطبائي على الحكومة الإسلاميّة، فيقول:
«إنّها حكومةٌ إنسانيّةٌ تراعي حقوق كلّ فردٍ، ومصلحة الضعيف والقويّ، والغنيّ والفقير، والحرّ والعبد، والمرأة والرجل، والفرد والجماعة على حدٍّ سواء».
يثبت العلّامة الطباطبائي الحريّة للإنسان بالمنهج الفطري، ويعبّر عن هذه الحريّة الفطريّة تارة بعنوان (الحريّة الموهوبة)، وتارة أخرى (الحريّة التكوينيّة)، وأخرى (الحرّية بالطبع)، ويقصد من هذه الحريّة الفطريّة اختياره في الفعل والترك تكوينًا وتشريعًا.
وعلى الرغم من هذا فإنّ الفطرة أجبرت الإنسان على عدم الحكم بالحريّة المطلقة، إذ تدعو الفطرة إلى الاجتماع، والتعاون والتعامل مع الآخرين، وهذا يحدّد الحريّة بنفسه، أوّلًا لأنّ الاجتماع لا يتمّ للفرد إلّا عن طريق احترام حقوق الآخرين والاعتراف بها لينتفع منهم كما ينتفعوا منه، وثانيًا لزوم وجود سنن وقوانين يلتزم بها الإنسان في المجتمع، وهذا بدوره يحدّد الحريّة المطلقة.
ومن هنا يعرّج العلّامة الطباطبائي على موضوع العبوديّة لله تعالى، فكما أنّ الإنسان حرٌّ إجمالًا بالقياس إلى سائر بني نوعه، وله أنْ يفعل أو يترك باختياره، غير أنّه لم يكن حرًّا أمام اللّه تعالى، لأنّ اللّه تعالى هو: «المالك على الإطلاق وليس لغيره إلّا المملوكيّة من كلّ جهةٍ، ولا للإنسان إلّا العبوديّة محضًا، فمالكيّته المطلقة تسلب أيّ حريّةٍ متوهّمةٍ للإنسان بالنسبة إلى ربّه، كما أنّها هي تعطيه الحريّة بالقياس إلى سائر بني نوعه، كما قال تعالى: ﴿أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ﴾(آل عمران: 64) فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير شرط فلا حريّة لأحدٍ قبال كلمة الحقّ».
علمًا بأنّ العبوديّة هذه ممّا تقضي به الفطرة أيضًا «فإذا قضى الإنسان أنّ للعالم إلهًا خلقه بعلمه وقدرته، لم يكن له بدّ من أن يخضع له خضوع عبادة اتّباعًا للناموس العام الكوني، وهو خضوع الضعيف للقويّ، ومطاوعة العاجز للقادر، وتسليم الصغير الحقير للعظيم الكبير، فإنّه ناموسٌ عامٌّ جارٍ في الكون، حاكمٌ في جميع أجزاء الوجود... ولا سبيل إلى ردع الإنسان عن هذا الخضوع، لاستناده إلى قضاءٍ فطريّ ليس للإنسان أنْ يتجافى عنه».
يجيب العلّامة على كيفيّة الجمع بين القول بالحريّة الفطريّة للإنسان وبين حكم الإسلام بالرقّ وعبوديّة الآخرين، متمسّكًا بالمنهج الفطري أيضًا ليقول بأنّ شريعة الفطرة تقضي بلزوم سلب الحريّة عن عدوّ المجتمع، وعليه فإنّ: «حقّ الاستعباد الذي اعتبره الإسلام، هو المطابق لشريعة الفطرة، وهو أنْ يُستعبَد أعداء الدّين الحقّ المحاربين للمجتمع الإسلامي، فيُسلب عنهم حريّة العمل، ويجلبوا إلى داخل المجتمع الدّيني، ويكلّفوا بأنْ يعيشوا في زيّ العبوديّة حتّى يتربّوا بالتربية الصالحة الدّينيّة، وينعتقوا تدريجًا، ويلتحقوا بالمجتمع الحرّ سالمين غانمين».
مع أنّ المباحث الفقهيّة لها أدلّتها الشرعيّة من القرآن والسنّة، فإنّ العلّامة الطباطبائي يحاول أن يثبت بعض الأحكام الفقهيّة عن طريق المنهج الفطري أيضًا، ليكون مؤيّدًا أو سندًا للنص، وربّما يهدف من هذا إثبات موافقة الشريعة للفطرة الإنسانيّة العامّة. فيقول في هذا الصدد:
«إنّ حقيقة التشريع هي أنّه فطر الناس على فطرةٍ لا تستقيم إلّا بإتيان أمورٍ هي الواجبات، وما في حكمها، وترك أمورٍ هي المحرّمات وما في حكمها، فما ينتفع به الإنسان في كماله وسعادته هو الذي أمر به وندب إليه، وما يتضرّر به هو الذي نهى عنه وحذر منه».
وبعبارةٍ أخرى: «فإنّ اللّه بنى شرائعه التي هي تكاليف الإنسان على مقتضيات فطرته وخلقته، ولا تقتضي فطرته إلّا ما يوافق النظام الأحسن الجاري في الحياة الإنسانيّة الأرضيّة».
الجهاد
يعتقد العلّامة الطباطبائي أنّ موضوع الدفع والغلبة من الأصول الفطريّة المودعة في الإنسان، بيان ذلك: إنّ القرآن يذكر أنّ الدّين مبنيٌّ على الفطرة، فإقامة الدّين والحفاظ عليه، يُعدّان من أهم حقوق الإنسانيّة المشروعة، ويذكر القرآن أيضًا أنّ الدفاع عن هذا الحقّ الفطري المشروع حقٌّ فطريٌّ آخر، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا﴾(الحج: 4). بمعنى أنّ قيام الدّين وثباته منوطان بالدفاع، فالدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام، إنّما هو دفاعٌ عن حقّ الإنسانيّة؛ ففي الشرك هلاك الإنسانيّة وموت الفطرة، وفي القتال عن حقّها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت.
لذا لا بدّ للإسلام أنْ يكون له حكمٌ دفاعيٌّ في تطهير الأرض من الشرك؛ لأنّ التوحيد هو الأساس الذي تُبنى عليه القوانين الفرديّة والاجتماعيّة، والدفاع عن هذا الأصل حقٌّ مشروعٌ للإنسانيّة يجب استيفاؤه بأيّ وسيلةٍ ممكنةٍ.
إنّ العدوّ لا يعدّ عند السيّد الطباطبائي من ضمن نسيج المجتمع، إذ يقول:
«إنّ العدو المحارب الذي لا همّ له إلّا أن يفني الإنسانيّة، ويُهلك الحرث والنسل، لا ترتاب الفطرة الإنسانيّة أدنى ريبٍ في أنّه يجب ألّا يُعدّ جزءًا من المجتمع الإنساني الذي له التمتّع بمزايا الحياة والتنعّم بحقوق الاجتماع، وأنّه يجب دفعه بالإفناء فما دونه.. والإسلام لمّا وضع بنية المجتمع ـ المجتمع
لدّيني ـ على أساس التوحيد وحكومة الدّين الإسلامي، ألغى جزئيّة كلّ مستنكفٍ عن التوحيد وحكومة الدّين من المجتمع الإنساني... لا يعامل معه إلّا معاملة غير الإنسان الذي للإنسان أنْ يحرمه عن أيّ نعمةٍ يتمتّع بها الإنسان في حياته، ويدفعه بتطهير الأرض من رجس استكباره وإفساده؛ فهو مسلوب الحرمة عن نفسه».
إنّ الزواج من السنن الفطريّة المُودَعة في الإنسان، وفي هذا الصدد يقول السيّد الطباطبائي:
«النكاح والازدواج من السُنن الاجتماعيّة التي لم تزل دائرةً في المجتمعات الإنسانيّة، أي مجتمعٍ كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم، وهو في نفسه دليلٌ على كونه سنّةً فطريّةً».
ومن الأدلّة الأخرى التي يذكرها العلّامة لفطريّة الزواج، أنّ الذكر والأنثى مجهّزان بحسب الخلقة بوسائل التناسل، وغريزة حبّ الأولاد، وأنّ الزواج سببُ بقاء النسل، وأنّ المرأة تُعدُّ سكنًا للرجل، ولزوم تأسيس البيت والأسرة في الأعراف الاجتماعيّة المختلفة. ثمّ يقول:
«والمجتمعات التي تحترم هذه الأصول والأحكام الفطريّة في الجملة، لا مناص لها من الإذعان بسُنّة النكاح على نحو الاختصاص بوجهٍ، بمعنى ألّا يختلط الرجال والنساء على نحوٍ يبطل الأنساب... فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويفسد الأنساب، أوّل ما تبغضه الفطرة الإنسانيّة القاضية بالنكاح».
يعتقد العلّامة أنّ أساس الأحكام والقوانين الإنسانيّة في الإسلام هو الفطرة
التي فطر الناس عليها. وقد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة، ثمّ بعد تأسيس هذا الأمر يبدأ بشرح طبقات الإرث وكيفيّته.
الرقّ
وقد مرّ بنا موقف الإسلام من الرقّ وما تهدي إليه الفطرة فراجع.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الحياة الإنسانيّة حياةٌ فكريّةٌ؛ ولذا حثّ القرآن الكريم على الفكر الصحيح، وعند التتبّع لآيات القرآن نرى أنّ ما يزيد عن ثلاثمائة آيةٍ تدعو إلى التفكّر والتعقّل، وقد أحال القرآن معرفة الفكر الصحيح إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة، وإدراكهم المركوز في نفوسهم، وبهذا يقول السيّد الطباطبائي:
«وهذا الإدراك العقلي أعني طريق الفكر الصحيح الذي يحيل إليه القرآن الكريم، ويبني على تصديقه... هو الذي نعرفه بالخلقة والفطرة، ممّا لا يتغيّر ولا يتبدّل، ولا يتنازع فيه إنسان، ولا يختلف فيه اثنان».
فهناك إذًا معارفُ فطريّةٌ أوّليّةٌ مودَعةٌ في صميم خلقة الإنسان بما هو إنسان، وهذه المعارف الفطريّة هي المحك والمعتمد في الوصول إلى سائر المعارف، وفي هذا يقول العلّامة:
«القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما فطرت على استعماله، وسلوك ما تألّفه وتعرفه بحسب طبعها، وهو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات، والذي فطرت العقول عليه هو أنْ تستعمل مقدّماتٍ حقيقيّةً يقينيّةً لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة وهو البرهان، وأنْ تستعمل فيما له تعلّق بالعمل من سعادةٍ وشقاوةٍ وخيرٍ وشرٍّ ونفعٍ وضررٍ، وما ينبغي أنْ يختار ويؤثّر، وما لا ينبغي وهي الأمور الاعتباريّة، المقدّمات المشهورة أو
المسلّمة وهو الجدل، وأنْ تستعمل في موارد الخير والشرّ المظنونين مقدّمات ظنيّة لإنتاج الإرشاد والهداية إلى خير مظنونٍ، أو الردع عن شرّ مظنونٍ».
كما أنّ الفطرة تدعو إلى اتّباع العلم، وتمنع عن اتّباع غيره، وذلك: «أنّ الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلّا إصابة الواقع، والحصول على ما في متن الخارج». وبهذه العلوم الفطريّة يردّ العلّامة الطباطبائي على السوفسطائيّين، إذ يرى أنّهم:
«محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافًا اضطراريًّا في أفعال الحياة الاختياريّة وغيرها، فإنّهم يتحرّكون إلى الغذاء والماء عند إحساس ألم الجوع والعطش، ...وبالجملة كلّ حاجةٍ نفسانيّةٍ ألهمتها إليهم إحساساتهم أوجدوا حركةً خارجيّةً لرفعها...».
ومن الأمور التي تذكر في مباحث نظريّة المعرفة، الإشارة إلى موانع المعرفة، وهنا يشير العلّامة إلى الذنوب والفسق وعدم التقوى من باب بوصفها موانع للمعرفة الصحيحة، وعليه فإنّ: «العقل إنّما يستقيم في عمله إذا استقام الإنسان في تقواه ودينه الفطري... قال تعالى: ﴿وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ...﴾(البقرة: 130). أي لا يترك مقتضيات الفطرة إلّا من فسد عقله فسلك غير سبيله. والاعتبار يساعد هذا التلازم بين العقل والتقوى، فإنّ الإنسان إذا أُصيب في قوّته النظريّة، فلم يدرك الحقّ حقًّا، أو لم يدرك الباطل باطلًا، فكيف يلهم بلزوم هذا أو اجتناب ذاك؟ ...وكذلك الإنسان إذا فسد دينه الفطري، ولم يتزوّد من التقوى الدّيني، لم تعتدل قواه الداخليّة... ومع اختلال أمر هذه القوى لا تعمل قوّة الإدراك الفطريّة عملًا مرضيًّا».
فليس معنى ذلك عدّ التقوى طريقًا مستقلًّا للمعرفة ونيل الحقائق، وراء
الطريق الفكري الفطري الذي يتعاطاه الإنسان تعاطيًا لا مخلص له منه، بل جعل التقوى وسيلةً لردّ النفس الإنسانيّة المدرِكة إلى استقامتها الفطريّة.
لقد أشار العلّامة الطباطبائي إلى مباحثَ تربويّةٍ كثيرةٍ في تفسيره الميزان، وحاول إثبات بعضها بالمنهج الفطري مضافًا إلى ما ورد فيها من نصوصٍ معتبرةٍ.
في مجال الأخلاق يرى أنّ الإنسان مفطورٌ على العمل الصالح، وينفر من الخبائث ومساوئ الأخلاق، فالخبائث التي تُسبّب مرض القلب تدلّ على الخروج من استقامة الفطرة، وعليه فإنّ الإنسان يميل بفطرته نحو الأخلاق الفاضلة، وينفر عن الخبائث، ومساوئ الأخلاق.
وفي مجال الوفاء بالعهد نرى تأكيد القرآن المتكرّر وتشديده على الحفاظ عليه، سواء كان العهد الفردي أم العهد الاجتماعي، وقد أخذت الآيات الدالّة على لزوم الوفاء بالعهد هذا الأمر متسالمًا عليه، وهذا يدلّ على: «أنّ ذلك ممّا يناله الناس بعقولهم الفطريّة، وهو كذلك، وليس ذلك إلّا لأنّ العهد والوفاء به ممّا لا غنى للإنسان في حياته عنه أبدًا، والفرد والمجتمع في ذلك سيّان».
وفي مجال الآداب الحسنة، وهي الهيئة الحسنة التي ينبغي أن يكون عليها فعل الإنسان، فقد أطبق العقلاء على ضرورة ذلك من دون اختلاف، لذلك تمنع الفطرة الإنسان من التمسّك بالخرافات؛ لأنّ: «الإنسان لما كانت آراؤه منتهيةً إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء، والطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة، فإنّه لا تخضع نفسه إلى الرأي الخرافي».
ومن الأخلاق الفطرية احترم الوالدين، وذلك أنّ العاطفة المودعة بين الأب والأم والأولاد، تعدّ من أعظم دعائم المجتمع الإنساني؛ لذا فإنّ السنّة الاجتماعيّة الفطريّة توجب احترام الوالدين والإحسان إليهما.
ومنها الدعاء والاستعانة باللّه تعالى والتضرّع إليه عند انقطاع الأسباب، فإنّها من الأمور الضروريّة التي يجدها كلّ إنسانٍ في نفسه ولم لو ينتحل دينًا خاصًّا، حيث إنّه لا ينقطع رجاؤه وأمله عند الشدائد، ولا رجاء إلّا وهناك مرجوّ منه، «فتعلّق الرجاء من الإنسان بالتخلّص من البليّة عند انقطاع الأسباب، دليلٌ على أنّه يرى أنّ هناك سببًا فوق لهذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا... هذا شيءٌ يجده الإنسان من نفسه وتقضي به فطرته». ومن هنا يلتجئ إلى الدعاء والتضرّع، «فإنّ حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب ويدعو به لسان الفطرة».
ومنها مسألة الغذاء والطعام الذي يتناوله الإنسان، حيث يرى العلّامة الطباطبائي أنّ نظام التكوين وناموس الخلقة هو الذي وضع حكم التغذّي للإنسان، كما أنّ نظام الخلقة أودع في الإنسان أجهزة الغذاء، والإسلام بما أنّه دِينٌ فطريٌّ يجوّز ما تهدي إليه الخلقة، وتقضي به الفطرة من نظام الغذاء، ولكن يقنّنه من حيث حكم العقل بلزوم اجتناب ما فيه ضرر بدني أو معنوي.
ومنها الزينة، وهي من أهم ما يعتمد عليه الاجتماع الإنساني، وهي من الآداب العريقة التي تلازم المجتمعات، ولو فرض ارتفاعها من أصلها في مجتمع من المجتمعات انهدم الاجتماع وتلاشت أجزاؤه، وقد ألهم اللّه الإنسان اتّخاذ أنواع الزينة لنفسه من طريق الفطرة، ويؤيّد هذا ما ورد في قوله تعالى: ﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ﴾(الأعراف: 32). قال العلّامة:
«واللّه سبحانه يذكر في هذه الآية أنّ هناك زينةً أخرجها لعباده، وأظهرها وبيّنها لهم من طريق الإلهام الفطري، ولا تلهم الفطرة إلّا بشيءٍ قامت حاجة الإنسان إليه بحسبها».
وكما أنّ الإنسان مفطورٌ على الزينة، فإنّه مفطورٌ أيضًا على حبّ المزايا الحيويّة التي يستكمل بها حياته، فالفطرة الإنسانيّة داعيةٌ إلى العمل والاكتساب، والتوسّل بالفكر والإرادة والاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، وهي التي توصل الإنسان إلى المقاصد الإنسانيّة والأغراض الصحيحة، ولو تمسّك الناس بهذه السنن الفطريّة، لارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، ولأجل أن يستقيم الإنسان ويأخذ بالطريق الصحيح والنهج القويم أمره تعالى بقوله: ﴿وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِنْ فَضْلِهِ﴾ (النساء: 34). فقد «صرفهم اللّه تعالى إلى نفسه، ووجّه وجوههم نحو فضله، وأمرهم أن يعرضوا عمّا في أيدي الناس ويُقبلوا إلى جنابه، ويسألوا من فضله فإنّ الفضل بيد اللّه، وهو الذي أعطى كلّ ذي فضلٍ فضله».
وبهذه الطريقة يمكن توجيه الفطرة الطالبة للكمال والمنافع نحو الطريق الصحيح، إذ: «الإسلام يؤيّد حكم الفطرة ويهذّبه من شوب الأهواء والأماني الفاسدة، ويصفي أمره في جميع الموارد، ويجعلها جميعًا شريعةً إنسانيّةً يسلكها الإنسان على الفطرة، ويخلّصها من ظلمة التناقض إلى نور التوافق والتسالم». لأن «متابعة الهوى وطول الأمل يمنع من الإصغاء إلى حكم الفطرة». وعليه فإنّ: «الشرائع الإلهيّة ثمّ الدواعي النفسانيّة الموافقة لها كلّها
فطريّة، والدواعي النفسانيّة الموافقة لهوى النفس المخالفة لأحكام الشريعة مخالفة للفطرة».
وقد أكّد العلّامة الطباطبائي كثيرًا في تفسير الميزان وفي موارد عدّة حقيقةَ التلازم الموجود بين الذنوب وبين إطفاء نور الفطرة، مضافًا إلى هذا فإنّ اللّه تعالى قد فطر الإنسان أيضًا على «تقبيح الفساد والاعتراف بشؤمه».
ومنها قضاء الفطرة بمتابعة الحقّ، والحقّ عند السيّد الطباطبائي هو الرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير غيّ، وحقيّة هذا الحقّ تنشأ في الأصل من اللّه تعالى يقول السيّد الطباطبائي:
«إنّ الحقّ من الاعتقاد والقول والفعل إنّما يكون حقًّا بمطابقة السنّة الجارية في الكون للّذي هو فعله، فالحقّ بالحقيقة إنّما يكون حقًّا بمشيئته وإرادته».
فالإنسان: «مفطورٌ على صلاحيّة إدراك الحقّ والخضوع له، فلو بُيّن له الحقّ من السبيل التي يألفها، لم يلبث دون أن يعقله، وإذا عقله اعترفت له فطرته، وخضعت له طويته».
وقد أشار العلّامة الطباطبائي في غير موردٍ إلى أنّ متابعة الحقّ من الأمور الفطريّة المودعة في الإنسان، كما أنّه بعدما يؤكّد على هذه الخاصيّة، يرى أنّ من المستحيل أنْ يتبع الإنسان الباطل بما هو باطل، وأنْ يقصد الشقاء والخسران بما هو شقاء وخسران، بل إنّه يلتبس عليه الأمر، فحينما يخلد إلى الأرض ويتبع الهوى، يزعم أنّه مهتدٍ، ويأخذ الباطل بعنوان أنّه حقٌّ، ويركن
إلى الشرّ بعنوان أنّه خيرٌ وسعادةٌ «فالإدراك الفطري محفوظٌ له غير أنّه يطبقه في مقام العمل على غير مصداقه».
وإنّ الفطرة كما تحكم بمتابعة الحقّ، تحكم كذلك بمتابعة الهادي إلى الحقّ لما عنده من الحقّ، إذًا « فمن الواجب ترجيحه على من لا يهدي إليه، أو يهدي إلى غيره؛ لأنّ اتّباع الهادي إلى الحقّ اتّباعٌ للحقّ نفسه الذي معه، ووجوب اتّباعه ضروري».
إنّ الدّين الصحيح في الوقت الراهن الذي يريده اللّه تعالى من العباد إنّما هو الإسلام، وعليه واستمرارًا لما ذكره العلامة الطباطبائي حول الدّين يمكن تقسيم مباحثه على وفق النقاط الآتية:
إنّ معنى الإسلام «هو التسليم للحقّ الذي هو حقّ الاعتقاد، وحقّ العمل، وبعبارةٍ أخرى هو التسليم للبيان الصادر عن مقام الربوبيّة في المعارف والأحكام». وهو أيضًا: «مجموعةٌ من أصول المعارف التي ترتبط بالمبدأ والمعاد، ومجموعةٌ ثانيةٌ من الأصول الأخلاقيّة، فهو ينطوي أيضًا على سلسلة من القوانين والأحكام التي تنظّم السلوك الإنساني في جميع جوانب الحياة على مستوى المجتمع الإنساني بكافّة أبعاده».
1. دين الفطرة لأنّ الفطرة الإنسانيّة تقتضيه وتهدي إليه.
2. ويسمّى إسلامًا لتسليم العبد أمام إرادة اللّه سبحانه.
3. ويسمّى دين اللّه؛ لأنّه الذي يريده اللّه من عباده من فعلٍ أو تركٍ.
4. ويسمّى سبيل اللّه؛ لأنّه السبيل الذي أراد اللّه أن يسلكه الإنسان للوصول إلى كماله وسعادته.
5. وهو الدّين الخاتم الذي ارتضاه اللّه تعالى لخلقه، وختم النبوّة به، ويدلّ على الاستكمال الإنساني، إذ «الاستكمال الفردي والاجتماعي للإنسان هو هذا المقدار الذي اعتبره القرآن في بيانه وتشريعه».
6. وهو «الدّين الذي لاقى قبول واحترام الملايين من البشر، لما تتّسم به
عقائده من طابعٍ برهانيّ استدلاليّ، ولما يحمله من قوانين وتشريعٍ إيجابي يعمّ المجالين الفردي والاجتماعي».
7. وهو المتطابق مع خصوصيّة الطبيعة البشريّة ومع الفطرة، ويقوم بتأمين حوائجه الواقعيّة دون المتطلبات السطحيّة الناتجة عن التصوّرات والتمنّيات العاطفيّة.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الإسلام يحتوي على بيان جميع حوائج الإنسان، فهو «متعرّض للجليل والدقيق من المعارف: الإلهيّة (الفلسفيّة) والأخلاق الفاضلة، والقوانين الدّينيّة الفرعيّة من عباداتٍ ومعاملاتٍ وسياساتٍ واجتماعيّاتٍ وكلّ ما يمسّه فعل الإنسان وعمله، كلّ ذلك على أساس الفطرة وأصل التوحيد».
وبعد إقرار هذه الشموليّة، يرى العلّامة أنّ الإسلام هو الغالب على الدنيا بالآخرة إذ العاقبة للتقوى، والإنسان يطلب بفطرته سعادته الحقيقيّة الروحيّة والجسميّة وهذا ما يقدّمه الإسلام بتعاليمه الشاملة.
ويستشهد بمجموعة آياتٍ من قبيل قوله تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم: 30) وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ كَتَبْنَا فِي الزَّبُورِ مِنْ بَعْدِ الذِّكْرِ أَنَّ الْأَرْضَ يَرِثُهَا عِبَادِيَ الصَّالِحُونَ﴾(الأنبياء: 105) وقوله تعالى: ﴿وَالْعَاقِبَةُ لِلتَّقْوَى﴾(طه: 132)، وغيرها من الآيات ليستنبط منها أنّ «هذه وأمثالها من آياتٍ تخبرنا أنّ الإسلام سيظهر ظهوره التّام فيحكم على الدنيا قاطبة».
يذهب العلّامة الطباطبائي إلى أنّ دعوة الإسلام ابتنت على ثلاثة أصول:
1. إنّ الإنسان يبحث عن السعادة في حياته، وقد تبلورت هذه السعادة في كلام رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم: «قولوا لا إله إلّا اللّه تفلحوا».
2. إنّ الإنسان يسعى لتحقيق سعادته في إطار النظرة الواقعيّة أي السعادة الواقعيّة والحقيقيّة لا الوهميّة، وهذا ما يتم تأمينه في الإسلام المبتني على الواقعيّة وطلب الحقّ ﴿فَمَاذَا بَعْدَ الْحَقِّ إِلَّا الضَّلَالُ﴾(يونس: 32)، وطلب الحقّ متوافقٌ مع وجدان الإنسان.
3. على الإنسان أن يتبع في حياته النهج العقلائي ولا ينقاد للعواطف والأهواء؛ إذ القوّة العقليّة هي المائز بين الإنسان والحيوان، وبها يستطيع التمييز بين الخير والشر، والنفع والضرر، فيختار ما يطابق مصلحته الواقعيّة. وحصيلة هذه الأصول لزوم تحقيق السعادة الواقعيّة عن طريق العقل.
ثمّ يعرّج العلّامة الطباطبائي على منهج دعوة الإسلام، ويذهب إلى أنّ اللّه تعالى أمر نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم تبليغ الدعوة بالرفق والتدرّج وذلك بسبب:
1. إنّ ما اشتمل عليه الدّين من المعارف الحقّة والقوانين التي تصلح شؤون الفرد والمجتمع، تكون ثقيلةً على الناس، ومن الصعب تبديل عقائدهم وترك عاداتهم التي ساروا عليها عقودًا من الزمن أو توارثوها أبًّا عن جد، فتدرّجت الدعوة كي لا ينفر الناس عنها.
2. السلوك التدريجي من حيث انتخاب المدعوين، وذلك أنّ دعوة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، وإن كانت عامّةً لجميع البشريّة، غير أنّ اللّه تعالى أمره أنْ يبدأ بأصل الدعوة بعشيرته أوّلًا، ثمّ أمره أنْ يوسّع الدعوة لقومه، ثمّ أمره بتوسعة الدعوة إلى جميع البشر.
3. الأخذ بالمراتب الثلاثة الآتية في الدعوة: أوّلًا: الدعوة بالقول، وهو ما ظهر منه صلىاللهعليهوآلهوسلم من تلاوة الوحي، وتبليغه وسائر ما أمر به، ونهى عنه. ثانيًا:
الدعوة السلبيّة وهي أنْ يعتزل المؤمنون الكافرين في دينهم وأعمالهم، ويكوّنوا مجتمعًا إسلاميًّا لا يمازجه غيرهم ممّن لا يوحّد اللّه تعالى، وثالثًا: الجهاد.
يذكر العلّامة الطباطبائي في هذا المحور، عدّة أمور تدلّ على أنّ الإسلام دينٌ اجتماعيّ، فيقول:
«لا ريب أنّ الإسلام هو الدّين الوحيد الذي أسّس بنيانه على الاجتماع صريحًا، ولم يهمل أمر الاجتماع في شأن من شؤونه».
ويضيف قائلًا، أنّ:
«صفة الاجتماع مرعيةٌ مأخوذةٌ في الإسلام في جميع ما يمكن أن يؤدّى بصفة الاجتماع من أنواع النواميس والأحكام بحسب ما يليق بكلّ منها من نوع الاجتماع، وبحسب ما يمكن فيه من الأمر والحثّ الموصل إلى الغرض... وأهمّ ما يجب هاهنا هو عطف عنان البحث إلى اجتماعيّة الإسلام في معارفة الأساسيّة، بعد الوقوف على أنّه يراعي الاجتماع في جميع ما يدعو الناس إليه من قوانين الأعمال (العباديّة والمعامليّة والسياسيّة) ومن الأخلاق الكريمة، ومن المعارف الأصليّة».
ثمّ إنّ العلّامة يستدلّ على اجتماعيّة الإسلام بعدّة أدلّة يمكن تلخيصها ضمن النقاط الآتية:
أوّلًا: عند المقارنة بين الإسلام وسائر الشرائع الحقّة والأديان التوحيديّة وغير التوحيديّة، والأمم المتمدّنة السابقة، نرى أنّ جميعها لم تولي عنايةً خاصّةً ومستقلّةً بأمر الاجتماع، بحيث تجعله موردًا للبحث والعمل، وهذا ما يشهد به التاريخ الموروث.
ثانيًا: الآيات الدالّة على دعوة الناس إلى سعادة الحياة، وطيب العيش مجتمعين، كقوله تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ﴾(الأنعام: 153) وقوله تعالى: ﴿وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا﴾(آل عمران: 103) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعًا لَسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْءٍ﴾(الأنعام: 159) وغيرها من الآيات المطلقة الدالة على أصل الاجتماع والاتّحاد.
ثالثًا: الفئة الأخرى من الآيات التي تأمر ببناء المجتمع الإسلامي على الاتّفاق والاتّحاد، كقوله تعالى: ﴿إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ فَأَصْلِحُوا بَيْنَ أَخَوَيْكُمْ﴾(الحجرات: 10)، وقوله تعالى: ﴿وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى﴾(المائدة: 2) وقوله تعالى: ﴿وَلْتَكُنْ مِنْكُمْ أُمَّةٌ يَدْعُونَ إِلَى الْخَيْرِ وَيَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ﴾(آل عمران: 104).
رابعًا: وجود رابطةٍ حقيقيّةٍ بين الفرد والمجتمع، تؤدّي إلى تشكيل أمّةٍ، وقد جعل القرآن لها وجودًا وأجلًا وكتابًا وشعورًا، كما اهتمّ واعتنى بتواريخ الأمم وقصص الأشخاص.
خامسًا: إنّ الإسلام وضع أهم أحكامه كالحج والصلاة والجهاد والإنفاق على أساس الاجتماع، مضافًا إلى قوى الحكومة الإسلاميّة التي تحفظ شعائر الدّين العامّة وحدودها.
يذكر العلّامة الطباطبائي شبهة بعضهم بأنّ الإسلام إذا كان بهذه المنزلة لماذا لم يتمكّن من التطبيق والإجراء إلّا برهة يسيرة ثمّ تحوّل إلى قيصريّةٍ وكسرويّةٍ، ثمّ يقول بعد تقرير هذه الشبهة بأنّ«هذا الذي أوردناه محصّل ما يختلج في صدور جمع من باحثينا معاشر الشرقيّين، وخاصّة المحصّلين من فضلائنا المتفكّرين في المباحث الاجتماعيّة والنفسيّة». ثمّ يقول في مقام الإجابة: أمّا القول بأنّ السنّة الاجتماعيّة الإسلاميّة غير قابلة للتطبيق في العصر الراهن، بمعنى (أنّ الأوضاع الحاضرة في الدّين لا تلائم الأحكام المشرّعة في الإسلام) فهو أمر طبيعي؛ إذ جميع السنن الدائرة في الجامعة الإنسانيّة إنّما تحدث بعد ما لم تكن، وتكون متناقضة مع الأوضاع السائدة آنذاك، فتنهض وتنازع السنن السائدة السابقة وتستمر، وتعود ثانيةً وثالثةً حتّى تغلب وتتمكّن، «فمجرّد عدم انطباق سنّة من السنن على الوضع الإنساني الحاضر ليس يكشف عن بطلانه وفساده، بل هو من جملة السنن الطبيعيّة الجارية في العالم... والإسلام كسائر السنن من جهة النظر الطبيعي والاجتماعي وليس بمستثنى من هذه الكليّة».
ومع هذا فإنّ هذا النموذج البسيط على قصر عمره، قد انبسط في أقلّ من نصف قرنٍ على مشارق الأرض ومغاربها، كما قد اعترف كثيرٌ من الباحثين بأنّ «المنشأ القريب والعامّ التامّ للتحوّل المعاصر المشهود في الدنيا، هو ظهور السنّة الإسلاميّة وطلوعها».
فالإسلام قد أثبت صلاحيّته لهداية الناس إلى سعادتهم الحقيقيّة، وتدلّ البحوث المعمّقة على أنّ النوع الإنساني سيبلغ غايته عند ظهور الإسلام بحقيقته في الدنيا وتولّيه التامّ أمر المجتمع الإنساني، كما قال تعالى: ﴿وَعَدَ
الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا﴾(النور: 55).
ثمّ إنّ ما أغفله هؤلاء أنّ الاجتماع الإسلامي شعاره الوحيد هو اتّباع الحقّ في النظر والعمل، أمّا الاجتماع المدني الحاضر فشعاره اتّباع ما يراه الأكثريّة، وهذان الشعاران يوجبان اختلاف الغاية «فغاية المجتمع الإسلامي السعادة الحقيقيّة العقليّة، بمعنى أنْ يأخذ الإنسان بالاعتدال في مقتضيات قواه، فيعطي للجسم مشتهياته مقدار ما لا يعوقه عن معرفة اللّه... ولذلك وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتّباع الحق، وشدّد في المنع عمّا يفسد العقل السليم، وألقى ضمان إجراء الجميع من الأعمال والأخلاق والمعارف الأصليّة إلى عهدة المجتمع، مضافًا إلى ما تحتفظ عليه الحكومة الإسلاميّة والولاية الإسلاميّة من إجراء السياسات والحدود وغيرها... أمّا غاية الاجتماع المدني الحاضر، فهي التمتّع من المادّة، ومن الواضح أنّ هذه تستتبع حياة إحساسيّة تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحق عند العقل أم لم يوافق... ولذلك كانت القوانين تتبع في وضعها وإجرائها ما يستدعيه هوى أكثريّة المجتمع وميول طباعهم... ولازم ذلك أنْ يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك، بما يوافق هواه من رذائل الشهوة والغضب فيستحسن كثيرًا ممّا كان يستقبحه الدّين... ولازم هذا أن يتحوّل نوع الفكرة عن المجرى العقلي إلى المجرى الإحساسي العاطفي».
فالنظرة الماديّة ترى أنّ السعاة في التمتّع بمتاع الدنيا والمادّة، غير أنّ الإسلام يخالف هذه النظرة ويرى أنّ السعادة أمر مؤلّف من سعادة الروح والبدن، وهي التي تضمن سعادته في الدنيا والآخرة.
هناك سؤال ربّما يتبادر إلى الذهن يذكره العلّامة الطباطبائي ويجيب عليه، وفحوى السؤال عن آليّات العيش في المجتمع الإسلامي، إذ «إنّ الاجتماع ـ أيّ اجتماعٍ كان ـ إنّما يتحقّق ويحصل بوجود غايةٍ واحدةٍ مشتركةٍ بين أفراده».
فالمجتمعات غير الدّينيّة تجعل غايتها الحياة الدنيويّة، والتمتّع من مزاياها وهي غاية السعادة عندهم. أمّا الإسلام «لما كان يرى أنّ الحياة الإنسانيّة أوسع مدارًا من الحياة الدنيا الماديّة، بل في مدار حياته الحياة الآخرويّة التي هي الحياة، ويرى أنّ هذه الدنيا لا تنفع فيها إلّا المعارف الإلهيّة التي تنحلّ بجملتها إلى التوحيد، ويرى أنّ هذه المعارف لا تنحفظ إلّا بمكارم الأخلاق وطهارة النفس من كلّ رذيلةٍ، ويرى أنّ هذه الأخلاق لا تتم ولا تكمل إلّا بحياةٍ اجتماعيّةٍ صالحةٍ معتمدةٍ على عبادة اللّه سبحانه، والخضوع لما تقتضيه ربوبيّته، ومعاملة الناس على أساس العدل الاجتماعي، أخذ (أعني الإسلام) الغاية التي يتكوّن عليها المجتمع البشري، ويتوحّد بها دين التوحيد، ثمّ وضع القانون الذي وضعه على أساس التوحيد، ولم يكتفِ فيه على تعديل الإرادات والأفعال فقط، بل تمّمه بالعباديّات وأضاف إليها المعارف الحقّة والأخلاق الفاضلة. ثمّ جعل ضمان إجرائها في عهدة الحكومة الإسلاميّة أوّلًا، ثمّ في عهدة المجتمع ثانيًا، وذلك بالتربية الصالحة علمًا وعملًا، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر».
وقد يتوهّم المتوهّم أنّ الإسلام حينما يجعل الأجر الاخروي هو المحور والغرض العام للحياة، فإنّه يغفل الحياة الطبيعيّة والماديّة! يردّ العلّامة الطباطبائي هذا التوهّم ويقول بأنّ الإسلام بنى شريعته على أصل التكوين، والإنسان يلزم أن يبني حياته على موافقة الأسباب الكونيّة، «فعند المرء
المسلم غايات وأغراض دنيويّة وأُخرى اخرويّة، وله مقاصد ماديّة وأُخرى معنويّة، لكنّه لا يعتني في أمرها بأزيد ممّا ينبغي من الاعتناء والاهتمام، ولذلك بعينه نرى أنّ الإسلام يندب إلى توحيد اللّه سبحانه، والانقطاع إليه والإخلاص له والإعراض عن كلّ سببٍ دونه ومبتغى غيره، ومع ذلك يأمر الناس باتباع نواميس الحياة، والجري على المجاري الطبيعيّة».
وهناك شبهة أخرى تقول بأنّ السنّة الإسلاميّة وإنْ كانت جامعةً غير أنّها لجامعيّتها، وانتفاء حريّة العقيدة فيها تستوجب ركود المجتمع؛ لأنّ السير التكاملي يحتاج إلى وجود القوى المتضادّة.
ويجيب العلّامة الطباطبائي بأنّ منشأ هذه الشبهة هو الماديّة الجدليّة وفيها خلطٌ ومغالطةٌ؛ وذلك أنّ عقائد الإنسان ومعارفه على نوعين: نوع يقبل التحوّل والتكامل وهو العلوم الصناعيّة، والإسلام لا يتقاطع مع تحوّلها بل يدعو إليها. ونوع آخر لا يقبل التحوّل وإنْ كان يقبل التكامل، وهو العلوم والمعارف العامّة الإلهيّة المتعلّقة بالمبدأ والمعاد والسعادة والشقاء «فوقوف هذه المعارف والآراء وثبوتها على حالٍ واحدٍ، لا يوجب وقوف الاجتماعات عن سيرها الارتقائي، كما نشاهد أنّ عندنا آراءًا كثيرةً كليّةً ثابتةً على حالٍ واحدٍ من غير أنْ يقف اجتماعنا لذلك عن سيره». فهذه المعارف الثابتة لا يستوجب تحولّها وتغييرها إلّا انحطاط المجتمع.
الشريعة في اللغة هي نهج الطريق الواضح، واستعير ذلك للطريقة الإلهيّة، كما في قوله تعالى: ﴿لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا﴾(المائدة: 48)، لأنّ الدّين طريقٌ ونهجٌ أيضًا، فهو يرادفٌ الشريعة من هذه الجهة، لكنّ القرآن جعل الشريعة أخصّ من الدّين، فالشريعة «هي الطريقة الممهدة لأمّة من الأمم أو لنبي من الأنبياء الذين بعثوا.. والدّين هو السنّة والطريقة الإلهيّة العامّة لجميع
الأمم، فالشريعة تقبل النسخ دون الدّين بمعناه الوسيع».
وهذا المعنى لا يتنافى مع قوله تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى﴾(الشورى: 13)؛ فالمعنى أنّ شريعة محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم هي مجموع وصايا اللّه سبحانه لنوح وإبراهيم وموسى وعيسى عليهمالسلام، مضافًا إلى ما أوحاه إلى محمّد صلىاللهعليهوآلهوسلم، وهذا إمّا كناية عن كون الإسلام جامعًا لمزايا جميع الشرائع السابقة وزيادة، وإمّا أنّ الشرائع جميعًا ذات حقيقةٍ واحدةٍ بحسب اللبّ، وإن كانت مختلفة بحسب اختلاف الأمم.
أمّا سبب الحاجة إلى الشريعة والقانون عند العلّامة الطباطبائي، أنّ الإنسان لا يستطيع أن يبلغ كماله وسعادته إلّا إذا اشترك مع الآخرين وتعاون معهم، وهذا الأمر يجعل الإنسان بحاجةٍ إلى قوانين وضوابط تحفظ حقوق الأفراد، بحيث يستفيد كلّ إنسانٍ من أعمال الآخرين من دون ظلمٍ واستضعافٍ، ومن الطبيعي أنّ هذه القوانين لا تؤثّر إلا إذا كان وراءها مجموعةٌ أخرى من النظم والقوانين الجزائيّة التي تهدّد المتخلّف بالعقاب، وتعد الملتزم بالثواب، وهذه أيضًا لا تؤثّر إلّا إذا اقترنت بسلطةٍ تتّسم بالعدل، ولها قوّة النفوذ في المجتمع، والسلطة هذه أيضًا لا بدّ أنْ تُعضد بسندٍ من الأخلاق الإنسانيّة الفاضلة؛ فإنّ «القوانين والضوابط لا تملك عادةً ما يضمن لها عدم التخلّف إلّا إذا استندت إلى قاعدة الأخلاق الإنسانيّة الفاضلة، والأخلاق لا يمكن أن تحقّق سعادة الإنسان وتدفعه للنهوض بالأعمال اللائقة إلّا إذا استندت إلى التوحيد. فالتوحيد يوفّر اعتقادًا للإنسان بأنّه والعالم الذي يعيش فيه لهما خالقٌ واحدٌ كان منذ الأزل وسيبقى إلى الأبد... وأخيرًا سيكون المنتهى إليه، حيث يرجع إليه الجميع فيجازي المحسن ويعاقب المسيئ».
وفي ضوء ما تقدّم يتبيّن أنّ التشريع الإسلامي مبنيٌّ على:
1. أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هي حقيقة أمرهم من المبدأ إلى المعاد، وأنّه يجب عليهم سلوك طريقةٍ في هذه الدنيا تنفعهم في غد.
2. إنّ غاية الإسلام السعادة الحقيقيّة العقليّة؛ لذا وضع الإسلام قوانينه على أساس مراعاة جانب العقل المجبول على اتّباع الحقّ. وبهذا يكون المجتمع محكومًا بتنفيذ القوانين التي تعدّ حقًّا في معايير العقل، حتّى ولو كانت مخالفةً لرغبات الأكثريّة وميولهم. وهذا يخالف ما نشاهده اليوم من القوانين الوضعيّة، حيث أنّها تتبع في وضعها وإجرائها على ما تمليه الأهواء، وينحصر ضمان الإجراء في المواد القانونيّة المتعلّقة بالأفعال، أمّا الأخلاق والمعارف الأصليّة، فلا ضمان لإجرائها.
ثمّ هناك شبهة تطرح عن مدى إمكانيّة مواكبة الشريعة مع الزمان ومتطلّبات العصر ومتغيراته؛ بلحاظ إنّ الشريعة ثابتةٌ، ومتطلبات العصر متغيّرةٌ، ويجيب العلّامة الطباطبائي على هذه الشبهة بما يأتي:
أوّلًا: إنّ اختلاف العصور من حيث صورة الحياة لا يرجع إلى كليّات شؤون الحياة من حيث الحاجة إلى الطعام واللباس والسكن وما شاكل، نعم تختلف المصاديق من عصرٍ إلى عصر، أي أنّ الوسائل والآليّات التي ينتخبها الإنسان لقضاء حوائجه تختلف من عصرٍ إلى عصر، وكذا الحال في القوانين الكليّة الموضوعة في الإسلام المبتنية على الفطرة والسعادة الحقيقيّة، فإنّها لا تبطل بظهور وسيلةٍ مكان وسيلةٍ أُخرى.
ثانيًا: إنّ أحكام الإسلام جاءت لتأمين المصلحة الواقعيّة للفرد والمجتمع،
وهي لا تتغيّر؛ لأنّها ناظرةٌ إلى التكوين الطبيعي، والبنية الوجوديّة للإنسان، وهما أمران غير قابلين للتغيّر ما دام الإنسان إنسانً.
ثالثًا: إنّ الدّين بنى أساسه على الكمال الروحي والجسمي معًا، وابتغى السعادة الماديّة والروحيّة جميعًا، ولازم هذا النظر إلى الإنسان المتكامل بالتكامل الدّيني، دون الإنسان المتكامل بالصنعة والسياسة، فالاجتماع الدّيني ليس كالاجتماع المادّي الجسماني القابل للتغيّر والتحوّل بسبب التحوّل المادّي في كلّ عصرٍ.
ثمّ بعد هذا ولحلّ الشبهة حلًّا جذريًّا، يطرح العلّامة الطباطبائي مفهوم الثابت والمتغيّر في أحكام الإسلام، ويرى أنّ أحكام الإسلام تنقسم إلى قسمين: الأحكام الثابتة والأحكام المتغيّرة. أما الأحكام الثابتة فهي التي ترتبط بواقع الإنسان الطبيعي، وتأخذ بعين الاعتبار التكوين الإنساني من دون لحاظ الجنس والزمان والمكان؛ لأنّها تتناسق مع البنية الوجوديّة للإنسان، وهي تتّسم بطبيعةٍ واحدةٍ وتقتضي وجود أحكامٍ وقوانين موحّدةٍ ومنسجةٍ.
أمّا الأحكام المتغيّرة فهي الضامنة لاستمرار حياة المجتمع الإنساني؛ إذ إنّ الإنسان الطبيعي على الرغم من اتّصافه ببنيةٍ ثابتةٍ موحّدةٍ، فإنّه يخضع إلى مقتضيات التحوّلات المكانيّة والزمانيّة المستمرّة التي ربّما استدعت تبديلًا لبعض الأحكام لتنسجم مع الأوضاع المستحدثة، وهذا الأمر يرجع إلى صلاحيّات ولي الأمر حصرًا، وبهذا يتم تأمين احتياجات الإنسان في عصرٍ من دون أن يطرأ أيّ تغييرٍ في الأحكام الثابتة.
وخلاصة القول «إنّ أحكام الإسلام الثابتة التي يُطلق عليها اسم الشريعة السماويّة، لا مجال لتغييرها أو تبديلها حتّى من قبل أولياء أمور المسلمين، فهي باقيةٌ دائمًا وواجبةُ التنفيذ أبدًا مهما كانت الشروط والأوضاع، أمّا
الأحكام المتغيّرة في الإسلام فهي قابلةٌ للتغيير تبعًا لما يستجيب لتحوّلات التكامل الاجتماعي في حياة الإنسان». فالأحكام المتغيّرة هي التي يأمر بها ولي الأمر في إطار ثوابت الشريعة ومصالح المجتمع، وهي واجبةُ الطاعة ونافذةٌ ما دامت تلك المصالح باقية.
هناك شبهة طرحت حول الإسلام بأنّه دين العنف، وقد انتشر بالسيف، وقد أثار هذه الشبهة كلّ من النصارى والمبشرين، والمدّعين للتمدّن والحريّة.
وفي مقام الإجابة يذكر العلّامة الطباطبائي أنّ القرآن في بدء الدعوة كان يأمر المسلمين بالصبر والكفِّ عن القتال، ثمّ بعد هذا مع تطوّر الدعوة نزلت آياتُ القتال مع مشركي مكّة وغيرهم من المشركين، وأهل الكتاب وأخيرًا مطلق الكفّار.
بيان ذلك: «إنّ القرآن يذكر أنّ الإسلام ودين التوحيد مبنيٌّ على أساس الفطرة، وهو القيّم على إصلاح الإنسانيّة في حياتها، كما قال تعالى: ﴿فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الروم: 30)، فإقامته والتحفّظ عليه أهم حقوق الإنسانيّة المشروعة كما قال تعالى: ﴿شَرَعَ لَكُمْ مِنَ الدِّينِ مَا وَصَّى بِهِ نُوحًا وَالَّذِي أَوْحَيْنَا إِلَيْكَ وَمَا وَصَّيْنَا بِهِ إِبْرَاهِيمَ وَمُوسَى وَعِيسَى أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ﴾(الشورى: 13)، ثمّ يذكر أنّ الدفاع عن هذا الحقّ الفطري المشروع حقٌّ آخر فطري، قال تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ﴾(الحج: 40)، فبين أنّ قيام دين التوحيد على ساقه وحياة ذكره منوطٌ بالدفاع، ونظيره قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا
دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ﴾(البقرة: 251)، وقال تعالى في ضمن آيات القتال من سورة الأنفال: ﴿لِيُحِقَّ الْحَقَّ وَيُبْطِلَ الْبَاطِلَ وَلَوْ كَرِهَ الْمُجْرِمُونَ﴾(الأنفال: 8)، ثمّ قال تعالى: بعد عدّة آيات: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا لِلَّهِ وَلِلرَّسُولِ إِذَا دَعَاكُمْ لِمَا يُحْيِيكُمْ﴾(الأنفال: 24)، فسمّى الجهاد والقتال الذي يدعى له المؤمنون مُحييًا لهم، ومعناه أن القتال سواء كان بعنوان الدفاع عن المسلمين أم عن بيضة الإسلام أم كان قتالًا ابتدائيًّا كلّ ذلك بالحقيقة دفاعٌ عن حقّ الإنسانيّة في حياتها ففي الشرك باللّه سبحانه هلاك الإنسانيّة وموت الفطرة، وفي القتال وهو دفاع عن حقّها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت.
ومن هناك يستشعر الفطن اللبيب أنّه ينبغي أن يكون للإسلام حكمٌ دفاعيّ في تطهير الأرض من لوث مطلق الشرك وإخلاص الإيمان لله سبحانه وتعالى، فإن هذا القتال الذي تذكره الآيات المذكورة إنّما هو لإماتة الشرك الظاهر من الوثنيّة، أو لإعلاء كلمة الحقّ على كلمة أهل الكتاب بحملهم على إعطاء الجزية، مع أنّ آلة القتال تتضمّن أنّهم لا يؤمنون باللّه ورسوله ولا يدينون دِين الحق فهم وإنْ كانوا على التوحيد لكنّهم مشركون بالحقيقة مستبطنون ذلك، والدفاع عن حقّ الإنسانية الفطري يوجب حملهم على الدّين الحقّ».
كما يشير العلّامة الطباطبائي إلى أنّ هذه الطريقة لم تنحصر بالإسلام، بل هي «دائرة بين الملل والدول، فإنّ المتمرّد المتخلّف عن القوانين المدنيّة يُدعى إلى تبعيّتها، ثمّ يحمل عليها بأيّ وسيلةٍ أمكنت، ولو انجرّ إلى القتال حتّى يطيع وينقاد طوعًا أو كرهًا».
الشبهة الأخيرة التي نتعرّض إليها فيما يتعلّق بالإسلام، هي السؤال عن سبب
تخلّف العالم الإسلامي رغم امتلاكه لبرنامجٍ شاملٍ لإسعاد الإنسان في الدنيا والآخرة. يجيب العلّامة الطباطبائي على هذه الشبهة بجوابٍ حَلّيّ وجوابٍ نقضيّ.
أمّا الجواب الحَلّيّ فهو يتعلّق بالمنعطف الخطير الذي مرَّ به الإسلام في مساره التاريخي، الذي أدّى إلى تخلّف العالم الإسلامي، وذلك من خلال الصراعات السياسيّة في صدر الإسلام التي حوّلت الكيان الإسلامي خلال مدّةٍ وجيزةٍ من منهجٍ إسلامي حرٍّ إلى منهجٍ امبراطوريّ قيصريّ وكسرويّ مظلم، وتمّ إفراغ الوعي الاجتماعي من الفكر القائم على أساس الواقعيّة والحقيقة، إلى فكرٍ سطحيّ يتزلّف إلى السلطان، فشوّهت معالم الإسلام الأصيل.
كما أنّ المجتمع الإسلامي ـ جرّاء ذلك ـ لم يطبّق تعاليم الإسلام عدا العبادات، فانظر إلى العالم الإسلامي، فأين تجد تطبيق أحكام وقوانين الإسلام والفرديّة والاجتماعيّة والجزائيّة والحقوقيّة.
أمّا الجواب النقضي، فيقول العلّامة أنّ التخلّف وعدم الرقي إذا كان دليلًا على انحطاط قوانين الإسلام، فلماذا لا يفلح المنهج الديمقراطي الغربي في أن يصلح حال البلاد الإسلاميّة وقد فشى فيها وطبّق منذ عقود، ولماذا لم يستطع هذا المنهج من صدّ المدّ الشيوعي؟ كما أنّ التخلّف لا يخصّ البلاد الإسلاميّة، بل يمتد ليشمل سائر البلاد الآسيويّة والإفريقيّة التي تعيش تحت حكم الغرب.
من المباحث المهمّة التي تطرّق إليها العلّامة الطباطبائي كثيرًا، مباحث الإنسان وما يتعلّق به، وسنحاول هنا الإشارة الإجماليّة إلى أهم ما ذكره رحمهالله حول الإنسان ضمن النقاط الآتية:
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ النوع الإنساني، نوعٌ أبدعه اللّه تعالى من الأرض حيث كانت السماوات والأرض ولا يوجد الإنسان، ثمّ خلق اللّه زوجين اثنين من هذا النوع وإليهما ينتهي هذا الإنسان الموجود، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾(الحجرات: 13).
وقد أودع فيه الشعور، وركّب فيه السمع والبصر، ومنحه قوّة الإدراك والفكر، «وقد اختار تعالى لهذا النوع وجودًا يقبل الارتباط بكلّ شيءٍ، ويستطيع الانتفاع من كلّ أمرٍ، أعم من الاتّصال أو التوسّل به إلى غيره بجعله آلةً وأداة للاستفادة من غيره».
فالقرآن يصرّح بأنّ البشريّة هذه مع اختلاف ألوانها ولغاتها ترجع إلى أبٍ اسمه آدم، وأمٍّ اسمها ـ كما في الروايات ـ حوّاء، وعليه فإنّ نظريّة دارون في المنشأ الحيواني للإنسان غير صحيحةٍ، والمسألة هذه قابلة للتأويل عند العلّامة وتفاصيلها ليست من ضروريّات الدّين، «نعم يمكن عدّ انتهاء النسل الحاضر إلى آدم ضروريًّا من القرآن... فظاهر الآيات القرآنيّة... انتهاء النسل الحاضر إلى آدم وزوجته المتكونين من الأرض من غير أبٍ وأُمٍّ».
ثمّ جعل اللّه تعالى هذا الإنسانَ المخلوق خليفته في الأرض، إذ قال سبحانه: ﴿وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً﴾(البقرة: 30)، «والخلافة هي قيام شيء مقام آخر لا تتم إلّا بكون الخليفة حاكيًا للمستخلف
في جميع شؤونه الوجوديّة وآثاره وأحكامه وتدابيره بما هو مستخلف»، علمًا بأنّ هذه الخلافة غير مقصورةٍ على شخص آدم عليهالسلام بل تعمّ أبناءه، ويؤيّده قوله تعالى: ﴿وَيَجْعَلُكُمْ خُلَفَاءَ الْأَرْضِ﴾(النمل: 62)، كما أنّها تدل على أنّ هذا الخليفة سيحمل أمرًا لم تتمكّن الملائكة من حمله.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الإنسان من حيث وجوده متحوّلٌ ومتكاملٌ، يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغيّر تدريجًا، ويقطعه مرحلةً مرحلةً في صراطٍ مستقيمٍ يسمّيه العلّامة بـ(صراط وجود الإنسان) ويقول مستعينًا بالقرآن: «إنّ الإنسان جزءٌ من الأرض غير مفارقها ولا مباين معها، انفصل منها ثمّ شرع في التطوّر بأطوراه حتّى بلغ مرحلةً أُنشئ فيها خلقًا آخر، فهو المتحوّل خلقًا آخر، والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثمّ يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوعَ أخذٍ يستوفيه، ثمّ يرجع إلى اللّه سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان».
والقرآن يربط هذا الوجود الإنساني المتحوّل باللّه تعالى: ﴿وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِنْ قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا﴾(مريم: 9). فالإنسان من جهة الإبداع والخلقة مرتبطٌ باللّه تعالى ومتعلّقٌ بأمره وملكوته. والأصالة إنّما هي لهذا الجانب الملكوتي؛ لذا «فإنّ الإسلام لا يرى في الدنيا قيمة للإنسان يقوم بها ولا وزنًا يوزن به، إلّا إذا كان على دين التوحيد».
والإنسان هذا مركب من جزءين: مادة بدنيّة، وجوهر مجرّد هي النفس والروح، وهما متلازمان متصاحبان في هذه الدنيا. علمًا بأنّ الأصالة هنا
للروح والنفس وليس للجسم المادّي، فالقراءة المتدبّرة في الآيات القرآنيّة «تفيد أنّ الإنسان بشخصه ليس بالبدن، لا يموت بموت البدن ولا يفنى بفنائه... فالنفس بالنسبة إلى الجسم الذي ينتهي أمره إلى إنشائها ـ وهو البدن الذي تنشأ منه النفس ـ بمنزلة الثمرة من الشجرة، والضوء من الدهن بوجه بعيد، وبهذا يتّضح كيفيّة تعلّقها بالبدن ابتداعًا، ثمّ بالموت تنقطع العلقة وتبطل المسكة، فهي في أوّل وجودها عين البدن، ثمّ تمتاز بالإنشاء منه، ثمّ تستقلّ عنه بالكليّة، فهذا ما تفيده الآيات الشريفة».
وهذه الغيريّة ربّما يغفل عنها الإنسان لكثرة انشغاله بالماديّات، غير أنّه يمتلك شعورًا يمثّل له حقيقة نفسه، ويعبّر عنها بـ(أنا) ممّا يعني أنّ نفسه سنخ مغاير لسنخ المادّة والماديّات، لما يشاهده من مغايرة خواصّ نفسه وآثارها لخواصّ الأمور الماديّة وآثارها. وعليه «فليست النفس هي البدن، ولا جزءًا من أجزائه، ولا خاصّةً من خواصّه... وأيضًا هذا الذي نشاهده؛ نشاهده أمرًا واحدًا بسيطًا ليس فيه كثرةٌ من الأجزاء ولا خليطٌ من خارج، بل هو واحدٌ صرف، فكلّ إنسانٍ يشاهد ذلك من نفسه، ويرى أنّه هو وليس بغيره، فهذا المشهود أمرٌ مستقلّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادّة ولا يوجد فيه شيءٌ من أحكامها اللازمة، فهو جوهرٌ مجرّدٌ عن المادّة، ومتعلّقٌ بالبدن نحو تعلّقٍ يوجب اتّحادًا ما له بالبدن، وهو التعلّق التدبيري وهو المطلوب».
وهناك من ينكر تجرّد النفس من الماديّين وبعض المتكلّمين والمحدّثين، وقد ردّ عليهم العلّامة الطباطبائي بشكل التفصيلي علمًا بأنّ مباحث معرفة النفس لم تقتصر على زماننا الحاضر، بل يرى العلّامة الطباطبائي أنّها كانت دائرةً في الأمم السابقة والعصور المتقدّمة؛ فيذكر تأكيدًا لذلك مباحث النفس عند البراهماتيّة والبوذيّة والمانويّة وغيرهم.
هذا، وفي مقام المفاضلة بين الإنسان والملائكة، ينقل العلّامة الطباطبائي مختلف الأقوال من الأشاعرة والمعتزلة والشيعة، ويذكر أنّ المعروف عند الأشاعرة والشيعة تفضيل الإنسان، غير أنّه لم يرتضِ الأدلّة المقامة من حيث اختيار الإنسان للطاعة والعبوديّة وما شاكل، وفي النهاية يستقرب تفضيل الإنسان من وجهٍ واحدٍ ويقول:
«نعم لما كان الإنسان إنّما ينال الكمال الذاتي تدريجًا بما يحصل لذاته من الاستعداد سريعًا أو بطيئًا، كان من المحتمل أن ينال عن استعداده مقامًا من القرب، وموطنًا من الكمال فوق ما قد ناله الملك ببهاء ذاته في أوّل وجوده، وظاهر كلامه تعالى يحقّق هذا الاحتمال، كيف وهو سبحانه يذكر في قصّته جعل الإنسان خليفة في الأرض، فضل الإنسان واحتماله لما لا يحتمله الملائكة من العلم بالأسماء كلّها، وأنّه مقام من الكمال لا يتداركه تسبيحهم بحمده وتقديسهم له، ويطهّره ممّا سيظهر منه من الفساد في الأرض وسفك الدماء».
إنّ موضوع أفعال الإنسان من المواضيع الفلسفيّة والكلاميّة المهمّة، وقد أدّت إلى ظهور مدارسَ وتيّاراتٍ مختلفةٍ في الفكر الإسلامي، وقد أولاها العلّامة الطباطبائي أهميّةً كبرى حيث تجد مباحث أفعال الإنسان موزعةً في كثيرٍ من أجزاء تفسير الميزان.
فالإنسان «لا يطأ موطأً في مسيره، ولا يسير ولا يسري إلّا بأعمالٍ قلبيّةٍ هي الاعتقادات ونحوها، وأعمال جوارحيّة صالحة أو طالحة، وما أنتجه عمله يومًا كان هو زاده غدًا... وقد جعل سبحانه غاية الإنسان وما ينتهي إليه أمره، ويستقرّ عليه عاقبته من حيث السعادة والشقاوة، والفلاح والخيبة مبنيّة على أحوالٍ وأخلاقٍ نفسانيّةٍ مبنيّةٍ على أعمال من الإنسان، تنقسم تلك الأعمال إلى صالحةٍ وطالحةٍ وتقوى وفجور».
ومدار البحث في أفعال الإنسان يقع تارةً في الجبر والاختيار، وتارةً ثانية في أحكام الأعمال نفسها وما يترتّب عليها، وثالثةً في التأثير والتأثّر بين العمل والطينة التي نشأ منها الإنسان، وسنوجز القول فيها.
وهو من المباحث الشائكة التي أسالت حبرًا كثيرًا منذ بزوغ الإسلام، وقد حاول العلّامة الطباطبائي تناولها من وجهة نظرٍ قرآنيّةٍ، فهو يرى من جهة أنّ اللّه تعالى ـ كما ينصّ عليه القرآن ـ مالكٌ على الأطلاق، والعالم مملوكٌ له مملوكيّةً على الاطلاق، وليس للأشياء ربٌّ من دون اللّه يملكها، وله حقُّ التصرّف فيها، ولازم هذا منع الغير عن أيّ تصرّفٍ في ملكه إلّا بما يشاء أو يأذن فيه، فاللّه هو المتصرّف الفاعل في ملكه، وليس لشيءٍ غيره شيءٌ من ذلك إلّا بإذنه ومشيئته، فهذا مقتضى ربوبيّته، واللّه تعالى في مقام التشريع جرى مجرى العقلاء في المجتمع الإنساني، ومن أحكامهم أنّ الأمر بالمعروف والنهي وكلّ حكمٍ تشريعي لا يتوجّه إلّا إلى المختار دون المضطر والمجبر، كما أنّ الجزاء الحسن أو السيّء لا يتعلّقان إلّا بالفعل الاختياري. وهنا تكمن الإشكاليّة من حيث الجمع بين هاتين الرؤيتين، أي عموم مشيئة اللّه تعالى وتملّكه لجميع الأمور، مع القول باختيار الإنسان في الأفعال ونفي الجبر المبطل للثواب والعقاب.
والعلّامة الطباطبائي يجيب على هذه الشبهة بتقارير مختلفة، فتارةً يجيب من باب تقسيم الأمور إلى حقيقيّةٍ واعتباريّةٍ، فعموم الخلقة والمالكيّة تتعلّق بالموضوعات والأفعال الواقعة في ظرف الاجتماع من حيث تكوينها وواقعيّتها الخارجيّة، أمّا جهات الحسن والقبح والمعصية والطاعة الطارئة على الأفعال والموضوعات فالخلق والإيجاد لا يتعلّق بها، وليس لها ثبوت إلّا في ظرف التشريع والاعتبار، وإذا تبيّن إنّ ظرف تحقيق الأمر والنهي والحسن والقبح غير ظرف التكوين وساحة الواقعيّة الخارجيّة التي يتعلّق بها
الخلق والإيجاد، ظهر أنّ عموم الخلقة لكلّ شيءٍ لا يستلزم المفاسد التي ذكروها من بطلان نظام الأمر والنهي والثواب والعقاب عند تعميم ملكيّة اللّه تعالى.
فالسيّئة والظلم والذنب وغيرها من الأفعال، معانٍ وعنواناتٌ غير حقيقيّةٍ، ولا تطلق على الشيء من جهة انتسابه إلى اللّه تعالى وخلقه له، بل إنّها أمورٌ وضعيّةٌ وجهاتٌ إضافيّةٌ اعتباريّةٌ لا تدخل في جهة التكوين. فإنّ الظلم ـ على سبيل المثال ـ بعنوانه الذي هو الظلم، قبيحٌ في ظرف الاجتماع ومعصيةٌ توجب العقاب، أمّا بحسب التكوين فهو أثرٌ وعملٌ خارجيّ واقعيّ، والسببيّة الإلهيّة إنّما تنتج جهة التكوين، أمّا عنوانه القبيح وما يلحق به، فإنّما هو مولود التشريع والاعتبار.
وهناك تقريرٌ آخر بيّنه العلّامة يرتكز على العلل الطوليّة لا العرضيّة، مفاده أنّ أفعال الإنسان مستندةُ الوجود إلى الإرادة الإلهيّة، والإرادةُ الإلهيّة تعلّقت بصدور الفعل من الإنسان باختياره، فلو كان هذا الفعل حين تحقّقه غير إراديّ وغير اختياريّ للإنسان، لزم تخلّف إرادته تعالى عن مراده وهو محال، وعليه فإنّ «الأفعال الإنسانيّة لها نسبةٌ إلى الفاعل، ونسبةٌ إلى الواجب، وإحدى النسبتين لا توجب بطلان الأخرى؛ لكونهما طوليّتين لا عرضيّتين». فلا بدّ من التمييز بين الفاعل بمعنى ما منه، والفاعل بمعنى ما به.
إنّ لأعمال الإنسان من حيث الثواب والعقاب والتأثير والتأثّر فيما بينها أحكامًا خاصّةً، فمن المعاصي ما يحبط الحسنات في الدنيا والآخرة كالارتداد، ومنها ما يحبط بعض الحسنات كالمشاقّة مع الرسول، ومنها ما ينقل حسنات فاعلها إلى غيره كالقتل، ومنها ما يوجب تضاعف العذاب،
كذلك فمن الحسنات ما يكفّر السيّئات في الدنيا والآخرة كالإسلام والتوبة، ومنها ما يكفّر بعض السيّئات كالصلاة المفروضة، ومنها ما يبدل السيّئات حسنات، ومنها ما يدفع سيّئات صاحبها إلى غيره ويجذب حسنات الغير إليه.
ومن تلك الأحكام أيضًا أنّ الأعمال محفوظة مكتوبة متجسّمة. ومنها أنّ بينها وبين الحوادث الخارجيّة ارتباط، فالحوادث الكونيّة تتبع الأعمال بعض التبعيّة، فالطاعة تستلزم نزول الخيرات، والمعصية توجب ظهور الفساد في البرّ والبحر. ومنها إنّ حسنات الأقوال والأفعال مطابقةٌ لحكم العقل، بخلاف السيّئات من الأفعال والأقوال.
ومنها إنّ عمل الإنسان خيرًا أو شرًّا ربّما عاد إليه في ذريّته وأعقابه، فالنعمة أو المعصية ربّما تحلّان بالإنسان بما كسبت يدا شخصه أو أيدي آبائه، فما يعامل به الإنسان غيره أو ذريّة غيره، فلا محيص من أن ينعكس إلى نفسه أو ينقلب إلى ذريّته إلّا أن يشاء اللّه.
يستشهد العلّامة الطباطبائي بما روي عن علي عليهالسلام حيث قال: «إنّ اللّهَ خلقَ آدمَ من أديمِ الأرضِ؛ فمنه السباخ، ومنه الملح، ومنه الطيّب، فكذلك في ذريّته الصالح والطالح». ويستنتج منها «إنّ المادّة الأرضيّة على اختلافها في أوصافها لها ارتباطٌ بأحوال الإنسان وأوصافه من حيث الصلاح والطلاح على حسب ما نشاهده في الخارج إنّ اختلاف المواد لها تأثير ما قطعي في اختلاف الصور الطارئة عليها، والآثار البارزة منها وإنْ كان ذلك على الاقتضاء دون العلّيّة التامّة».
في سياق المباحث الاجتماعيّة التي تخصّ الانسان يرى العلّامة الطباطبائي أنّ «الإنسان مستخدم بالطبع» بيان ذلك: إنّ اللّه تعالى خلق الإنسان وأعطاه:
1. قوّة الإدراك والفكر 2. قدرة الارتباط مع كلّ شيءٍ والانتفاع به. وهاتان العنايتان بعد الامتزاج أنتجت عنايةً ثالثةً وهي أن يهيّئ لنفسه علومًا وإدراكاتٍ ليقوم في عمليّة التصرّف في الأشياء للانتفاع بها، فهذه العلوم والإدراكات هي التي تربط الإنسان بالعمل في المادّة، وأن يستخدم كلّ ما يمكنه استخدامه في طريق كماله، وأن ينتفع لنفسه ويستبقي حياته بأيّ سببٍ أمكن.
ومن هنا تتولّد نظريّة (الإنسان مدنيّ بالطبع)، بيان ذلك: إنّ الإنسان لما وجد أنّ غيره من أبناء جنسه يريدون أنْ ينتفعوا منه على نحو ما يريدُ أنْ ينتفع منهم، اضطرّ للخضوع نحو المدنيّة والاجتماع التعاوني لينال كلّ ذي حقٍّ حقّه، فحكم الإنسان بالاجتماع المدني إنّما دعا إليه الاضطرار، ولولاه لما حكم به الإنسان أبدًا، وهذا معنى أنّ (الإنسان مدنيّ بالطبع) فهذا أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطرارًا.
وعليه فإنّ قريحة الاستخدام، وظهور الاختلافات الضروريّة بين الإنسان بسبب اختلاف الخلقة والمواد، يؤدّي إلى الاختلال بالنظم الاجتماعي، وهذا هو السبب في ظهور التشريع، وجعل قوانين كليّة يوجب العمل بها ارتفاع الاختلاف، ونيل كلّ ذي حقٍّ حقّه.
فالطبيعة الإنسانيّة هي التي تقتضي الاجتماع «لما استشعرت بإلهامٍ من اللّه سبحانه بجهات حاجتها في البقاء والاستكمال إلى أفعالٍ اجتماعيّةٍ، فتلتجئ إلى الاجتماع». ومن هذا المنظار يرى العلّامة الطباطبائي وبالاستناد إلى آيات القرآن من قبيل قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا﴾
(يونس: 19)، وقوله تعالى: ﴿كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ﴾(البقرة: 213) بأنّه «لم تبدء الدعوة إلى الاجتماع دعوة مستقلّة صريحة إلّا من ناحية النبوّة في قالب الدّين كما يصرّح به القرآن والتاريخ يصدّقه».
ثمّ إنّ نظريّة العلّامة الطباطبائي (بأنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع ومستخدمٌ بالطبع)، تؤدّي إلى نظريّة أصالة الفرد، وذلك أنّ الإنسان يبحث عن سعادته، والأصل في سعادته بحسب نظام الخلق والتكوين يكمن في سعادة الفرد، وتكون سعادة المجتمع فرعًا لها، وبعبارة أخرى: «إنّ المنظور في خلق الطبيعة الإنسانيّة هو الوجود الفردي، وليس الهيئة الاجتماعيّة للأفراد، وإنّما هُدي الإنسان نحو العقد الاجتماعي من أجل الحفاظ على الفرد؛ ولذا فإنّ الإنسان ينقاد إلى الأسلوب المنظّم للحياة ـ والذي لا بدّ أن يتبلور بالصورة الاجتماعيّة ـ من أجل هذا الهدف الأساس المائل في تحقيق السعادة الفرديّة».
كما أنّ العلّامة الطباطبائي يشكو من طغيان الجانب المادّي وانحسار الجانب المعنوي في الإنسان المعاصر، وبروز ظهور الشبهات حول الدّين، جرّاء التقدّم المادّي المدهش الذي شهده العالم المعاصر، ممّا أدّى لصرف طاقات الإنسان نحو هذا الاتّجاه، وبما أنّ طاقة الإنسان الوجوديّة محدودة، فإنّ صرف التوجّه نحو اتّجاهٍ واحدٍ يؤدّي إلى إغفال باقي الجوانب، وهكذا فإنّ التوجّه التّام نحو الماديّات أدّى إلى انحسار الجوانب المعنويّة في الإنسان المعاصر.
ومن المباحث الأخرى التي يشير إليها العلّامة وتدخل في نطاق المباحث الاجتماعيّة، مبحث الحريّة ونطاقها في الفكر الإسلامي، فالسيّد الطباطبائي
يعتقد أنّ الحريّة أمرٌ فطريٌّ إذ الإنسان «مجهّز بشعورٍ باطنيّ يميّز له ما يلتذّ به وما يتألّم به، بإرادةٍ تبعثه إلى جذب ما يلذّه ودفع ما يؤلمه، فكان له أن يختار لنفسه ما يشاء... وإذ كان كذلك كان من الواجب أن يعيش الإنسان حرًّا في نفسه، وحرًّا في عمله».
إنّ الإسلام يسمح بالحريّة الفكريّة، ويدعو المسلمين إلى التفكّر في حقائق الدّين، والاجتهاد في معارفه، وإن حصلت ثمّة شبهةٌ فلا بدّ من عرضها على كتاب اللّه وسُنّة رسوله بالتدبّر والتأمّل حتّى تنحل الشبهة، أمّا الإجبار وتحميل الاعتقاد على النفوس عنوةً وقهرًا « فحاشا ساحة الحق والدّين القويم أن يرضى به أو يشرع ما يؤيّده».
وكذلك الأمر فيما يخصّ الأعمال، فإنّ الإنسان حرٌّ في أنْ يعمل العمل الفلاني أو يدعه، ويطلق عليه الحريّة التكوينيّة، ويتبع هذه الحريّة التكوينيّة حريّةٌ تشريعيّةٌ، بمعنى أنْ يختار لنفسه ما يشاء من طرق الحياة والعمل، وليس للغير أن يستعبده. نعم حريّة الإنسان هذه لم تكن مطلقةً ومن دون قيود؛ إذ الإطلاق يوجب الإخلال في نظم الاجتماع، لذا فالقانون العام يقيّد تلك الحريّة.
النظريّة السياسيّة عند العلّامة الطباطبائي تعتمد على ركنين: أوّلًا الحكومة الإسلاميّة، ثانيًا مفهوم الولاية.
لقد أشار العلّامة إلى مفهوم (الحكومة الإسلاميّة) مرارًا، وقال بأنّها حكومةٌ إنسانيّةٌ في الواقع، فاللّه قد اختار للمجتمع الإسلامي الحكومة الإنسانيّة، يحفظ فيها حقوق كلّ فردٍ من أفراد مجتمعها، ويراعى فيها مصلحة الضعيف والقوي، والغني والفقير، والحُرّ والعبد، والرجل والمرأة، والفرد والجماعة، والبعض والكلّ على حدٍّ سواء وذلك أنّ الحكومة الإسلاميّة حكومةٌ إنسانيّةٌ بمعنى مراعاة حقوق كلّ فردٍ.
وهناك سؤال يُطرح عن ضرورة أصل الحكومة والسبب الداعي إلى تشكيلها، وفي مقام الإجابة يرى العلّامة أنّ الحكومة من الاعتبارات الضروريّة التي لا غنى للإنسان عنها بحكم طبعه المستخدم ومدنيّته، ولزوم تواجده في الاجتماع؛ وذلك أنّ حضوره الاجتماعي مثار الخلاف مع الآخرين، والخلاف يؤول إلى الشقاء والفساد، وعليه «فلا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارئة إلّا بجعل قوّة قاهرة على سائر القوى، مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين». وتأييدًا لهذا الأمر (إنّ الحكومة من ضروريّات المجتمع الإنساني) يستشهد العلّامة بقوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(البقرة: 251).
هذا بخصوص أصل الحكومة ولزومها، وليعلم أنّ الحكومة المرضيّة عند اللّه تعالى هي الحكومة الدّينيّة، حيث دعا القرآن «الناس إلى الاجتماع
والاتّحاد والاتّفاق على الدّين، ونهاهم عن التفرّق والشقاق فيه وجعله هو الأصل، فقال تعالى: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾(الأنعام: 153).. فالقرآن لا يدعو الناس إلّا إلى التسليم لله وحده، ويعتبر من المجتمع المجتمعَ الدّيني، ويدحض ما دون ذلك»[1].
ويرد على من يزعم تخلّي الدّين عن أمر الحكومة بقوله:
«وكيف يسوغ لمتوهّمٍ أنْ يتوهّم أنّ الدّين الذي يقرّر بسعته لعامّة البشر في عامّة الأعصار والأقطار جميع ما يتعلّق بالمعارف الأصليّة والأصول الخلقيّة، والأحكام الفرعيّة العامّة لجميع حركات الإنسان وسكناته، فرادى ومجتمعين على خلاف جميع القوانين العامّة لا يحتاج إلى حافظٍ يحفظه حقّ الحفظ؟».
فالحكومة الإسلاميّة هي الضامن لتطبيق الشريعة وإجراء القانون الإلهي.
موضوع الولاية يتعلّق بمسألة الحاكم في الحكومة الإسلاميّة، وهذه المسألة ترجع إلى الجانب الأنطولوجي والرؤية الكونيّة، فنظريّة «التوحيد التي يبنى عليها القرآن الشريف بنيان معارفه، لما كانت تثبت حقيقة التأثير في الوجود لله سبحانه وحده لا شريك له... كان الحكم الذي هو نوع من التأثير والجعل له تعالى، سواء في ذلك الحكم في الحقائق التكوينيّة أم في الشرائع الوضعيّة الاعتباريّة».
والآيات تدعم وتؤيّد هذه الرؤية، ففي مجال الحكم التكويني يقول القرآن: ﴿أَلَا لَهُ الْحُكْمُ﴾(الأنعام: 62)، وقوله تعالى: ﴿وَاللَّهُ يَحْكُمُ لَا مُعَقِّبَ لِحُكْمِهِ﴾(الرعد: 41)، وفي مجال التشريع يقول: ﴿إِنِ الْحُكْمُ إِلَّا لِلَّهِ أَمَرَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ﴾(يوسف: 40).
وعليه فإنّ «الحكم لله لا يشاركه فيه غيره... غير أنّه تعالى ربّما ينسب الحكم وخاصة التشريعي منه في كلامه إلى غيره، [وهذه الآيات تفيد] إنّ الحكم لله سبحانه بالأصالة وأوّلًا، لا يستقلّ به أحدٌ غيره، ويوجد لغيره بإذنه ثانيًا».
فالحاكميّة والولاية لله تعالى أوّلًا وبالذات، وتنحدر منه إلى صفوة أوليائه ثانيًا وبالعرض وبإذنه تعالى وتفويضه. وعليه فإنّ رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم كان هو الولي والحاكم على المجتمع الإسلامي، وقد صرّح القرآن بذلك في قوله: ﴿وَأَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ﴾(التغابن: 12) وقال تعالى: ﴿لِتَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ بِمَا أَرَاكَ اللَّهُ﴾(النساء: 105) «فهو صلىاللهعليهوآلهوسلم المتعيّن من عند اللّه للقيام على شأن الأمّة، وولاية أمورهم في الدنيا والآخرة، وللإمامة لهم ما دام حيًّا».
والولاية بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم تكون لأمير المؤمنين عليهالسلام عند الشيعة الإماميّة. فهنا أمران: الأوّل أصل الولاية التي لا تخصّ بزمانٍ محدّدٍ، والثاني الشخص الذي يحوز هذا المقام، ومعنى أنّ هذا الشخص الذي يتسلّم الولاية غير مقام الولاية، فغياب الشخص لا يعني زوال الولاية، إذ هي قضيّةٌ حيّةٌ متحرّكةٌ في زمن الغيبة كما في زمن حضور المعصوم.
وبهذا البيان يتّضح أنّ أمر الحكومة عند العلّامة الطباطبائي يكون إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ثمّ بعده إلى الإمام المعصوم عليهالسلام بأمر اللّه تعالى وتفويضه، ولكن أشكل الأمر في زمن الغيبة من حيث شكل الحكومة والحاكم، أمّا شكل الحكومة فيرى العلّامة أنّه لا يوجد «موقفٌ تشريعيٌّ ثابت للإسلام إزاء هذه الصيغ [أي صيغ أنواع الحكومات] بمعنى أنّ الإسلام بما هو شريعةٌ ثابتةٌ لم يتبنَّ إطارًا معيّنًا للحكم يدعو إليه ويعتبره الواجب دون غيره؛ لأنّ الشريعة
تتضمّن العناصر الدّينيّة الثابتة؛ لذلك فهي تنظر لقضيّة إطار الحكم وشكله كقضيّةٍ متغيّرةٍ قابلةٍ للتبدّل في المجتمعات بحسب التطوّر الحضاري؛ لذلك لا ينبغي للشريعة أنْ يكون لها موقفٌ ثابتٌ في قضيّةٍ تعتبر متغيّرة بطبعها».
أمّا شخص الحاكم فهو الذي يُنصب من قبل الناس على سُنّة الإمامة دون الملكويّة والإمبراطوريّة، قال العلّامة الطباطبائي:
«أمر الحكومة الإسلاميّة بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد غيبة الإمام ـ كما في زماننا الحاضر ـ إلى المسلمين من غير إشكال، والذي يمكن أن يستفاد من الكتاب في ذلك أنّ عليهم تعيين الحاكم في المجتمع على سيرة رسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم، وهي سُنّة الإمامة دون الملكويّة والإمبراطوريّة، والسير فيهم بحفظ الأحكام من غير تغيير، والتولّي بالشور في غير الأحكام من حوادث الوقت والمحلّ».
ويستفاد من قوله (سُنّة الإمامة) أنْ يكون الحاكم فقيهًا، وهو وإنْ لم يصرّح بنظريّة ولاية الفقيه في عصر الغيبة، ولكن يستفاد من مجموعة المقدّمات التي يذكرها من ضرورة الولاية واستمرارها لحفظ مصالح الفرد والمجتمع، وضرورة وجود الحكومة لحفظ الدّين وتطبيق الشريعة، وإنّ هذا الأمر لا يقوم به إلّا الفقيه دون سائر الناس، فمجموع هذه المقدّمات تسوقنا إلى تبنّي نظريّة ولاية الفقيه من قبل العلّامة الطباطبائي.
فإنّه حينما يُسأل عن أنّ الولاية هل هي عامّة لجميع المسلمين، أم أنّها تتعلّق بالعدول منهم، أو تختصّ بالفقيه؟ يوكل الإجابة إلى المباحث الفقهيّة، ولكن مع هذا يقول:
«إنّ الشخص الذي تتعيّن فيه الولاية، ينبغي أن يكون الأكثر تقوى من بين الآخرين، بالإضافة إلى تقدّمه على غيره في الكفاءة، وحسن التدبير في الوعي والإطّلاع». ومن المعلوم أنّ مصداق هذه الأوصاف هو شخص الفقيه الجامع للشرائط.
وهذه هي الولاية العامّة التي جعلت لولي أمر المسلمين «فهو يمتلك حقّ التصرّف في محيط الحياة العامّة تمامًا... وذلك بالتبع لما أولاه إيّاه الإسلام من ولايةٍ عامّةٍ تنفذ في منطقة حكمه، مضافًا لكونه في موقعه بمثابة الرأس المدبِّر لتوجّهات لمجتمع الإسلامي وأفكاره، والمركز الذي تتمركز فيه إرادة المجموع وإدراكاته. فالحاكم (ولي الأمر الشرعي) يستطيع في إطار التقوى، ومع رعاية الأحكام الإسلاميّة الثابتة، أن يتصرّف مثلًا في الأموال والبيوت والممتلكات ...».
وأخيرًا إنّ التدخّل في الأحكام المتغيّرة والجزئيّة المتعلّقة بالحوادث الجارية، كالأحكام المالية والانتظاميّة وطرق تسهيل الارتباطات والمواصلات ونحوها، فإنّها مفوّضة إلى اختيار الوالي ومتصدّي أمر الحكومة، مع مراعاة صلاح حال المجتمع بعد المشاورة مع المسلمين.
على الرغم من أنّ العلّامة الطباطبائي يعتقد بمشابهة المجتمع الإسلامي مع المجتمع الديمقراطي في الاشتمال على قوانين ثابتةٍ لا يمكن تغييرها، وقوانين متغيّرةٍ، غير «إنّ مثل هذا التّشابه لا ينبغي أن يؤدّي إلى تصوّر خاطئ يقول بتطابق منهج الإسلام في الحكم مع المنهج السائد في الأنظمة الديمقراطيّة والشيوعيّة... فالمنهج الإسلامي ـ في الحكم ـ يختلف عن المنهجين الديمقراطي والشيوعي».
وذلك أنّ منهج الإسلام في جانب القوانين الثابتة، يقول بمحوريّة اللّه تعالى في وضعها، أمّا باقي الأنظمة فتجعل هذه القوانين وليدة أفكار الأمّة. أمّا في جانب الأحكام المتغيّرة فإنّها في الأنظمة الديمقراطيّة تتبع رأي الأكثريّة سواء كان حقًّا أم باطلًا مع التضحية برأي الأقليّة، أمّا في الإسلام فإنّ الأحكام
المتغيّرة وإنْ كانت ثمرة المنهج الشوروي، غير أنّها تستند إلى قاعدة الحقّ دون رأي الأكثريّة، كما أنّها تقوم على أساس المصالح الواقعيّة دون الأهواء والميول، سواء كانت مطابقة مع رأي الأكثريّة أم لا.
ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي عندما يحلّل النهج الديمقراطي السائد في نطاق الأمم المتمدّنة، لايرى فيه فرقًا كبيرًا عمّا كانت عليه تلك الأمم من الاستبداد والديكتاتوريّة؛ حيث إنّها خرجت من إطار الاستبداد الفردي ودخلت في عصر الاستبداد والديكتاتوريّة الجماعيّة، فالعالم يُغزى من قبل الدول الكبرى تحت عناوين وشعاراتٍ برّاقة كبسط العدالة ونشر قيم الحقّ، «والحقيقة إنّ ما يشهده الواقع هو استمرار الظلم والعبوديّة والاستغلال، ولكن هذه المرّة تحت مسمّياتٍ جديدةٍ من أمثال الحماية، والإشراف، واشتراك المصالح، وتقديم المساعدات دون عوض، ونظائر ذلك».
لم يقدّم العلّامة الطباطبائي منظومةً مستقلّةً ومتكاملةً حول نظريّة المعرفة، نعم تناول مباحث العلم والإدراك من وجهة نظرٍ فلسفيّةٍ تارةً ـ كما في كتابه القيّم أصول الفلسفة الواقعية والتي شرحها الشهيد مطهري ـ وقرآنيّةٍ تارةً أُخرى، كما أشار إلى مدرسة الحسّ والتجربة والنسبيّة، وسنشير فيما يأتي إلى أهم النقاط التي ذكرها في هذا المضمار بشكلٍ موجزٍ.
لقد عرّف العلّامة الطباطبائي العلم بأنّه:
«حضورُ موجودٍ مجرّدٍ لموجودٍ مجرّدٍ، سواء كان الحاصل عينَ ما حصل له كما في علم الشيء بنفسه، أم غيره بوجهٍ كما في علم الشيء بالماهيّات الخارجة عنه».
وبهذا التعريف يقسّم العلّامة الطباطبائي العلم إلى حصولي وحضوري، فالحصولي هو حضور صورة الشيء الخارجي أو ماهيّته فينا، والحضوري هو حصول المعلوم للعالِم بوجوده كعلم الواحد منّا بذاته التي يشير إليها بـ(أنا).
على الرغم من أهميّة العلم في حياة الإنسان، فإنّ الإنسان البسيط ـ عند العلّامة الطباطبائي ـ لم يكن ملتفتًا إلى العلم بل يتعاطى ويتعامل مع الأعيان الخارجيّة، لكنّه عندما يصادف الشكّ أو الظن، يتنبّه إلى«أنّه لا ينفكّ في سيره الحيوي ومعاشه الدنيوي عن استعمال العلم، لا سيّما وهو ربّما يخطئ، ويغلط في تمييزاته، ولا سبيل للخطأ والغلط إلى خارج الأعيان، فيتيقّن عند ذلك بوجود صفة العلم... فما من موقفٍ علميّ، ولا واقعة عمليّة إلّا ومعوّل الإنسان فيه على العلم، حتّى أنّه إنّما يشخّص شكّه بعلمه أنّه شكّ، وكذا ظنّه أو وهمه أو جهله بما يعلم أنّه ظن، أو وهم، أو جهل هذا».
ثمّ إنّ العلّامة الطباطبائي يقسّم العلوم إلى نظريّة وعمليّة، فالعلوم النظريّة
هي التي لا تعلّق لها بالعمل من غير وساطةٍ كالمسائل المتعلّقة بالرياضيّات والطبيعيّات وماوراء الطبيعة، أمّا العلوم العمليّة فهي المتلعّقة بالعمل بلا وساطة كالمسائل المتعلّقة بما ينبغي فعله وما لا ينبغي.
والفرق بين العلوم النظريّة والعملية: «إنّ القسم الأوّل مأخوذٌ من نفس الخارج يطابقه حقيقةً، وهو معنى كونه صدقًا ويطابقه الخارج وهو معنى كونه حقًّا، فالذي في الذهن هو بعينه الذي في الخارج وبالعكس، وأمّا القسم الثاني فإنّ موطنه هو الذهن من غير أن ينطبق على خارجه إلّا أنّنا لمصلحة من المصالح الحيويّة نعتبره ونتوهّمه خارجيًّا منطبقًا عليه دعوى وإن لم ينطبق حقيقته».
وبعد هذا يعتقد العلّامة الطباطبائي أنّ:
«ما أولاه الإسلام من تجليلٍ واحترامٍ للعلم والمعرفة، وما أبداه من حضٍّ وترغيبٍ في تحصيلهما، لا يمكن أنْ نتلمّس له نظيرًا في الأديان والمذاهب الأخرى سماويّةً كانت أم غير سماويّة».
وبالتدبّر في الآيات القرآنيّة ربّما نعثر على ما يزيد على ثلاثمائة آيةٍ تتضمّن دعوة الناس إلى التفكّر أو التذكّر أو التعقّل، أو تلقّن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم الحجّة لإثبات حقّ أو إبطال باطل، أو تحكي الحجّة عن الأنبياء والرسل.
وأخيرًا يرى العلّامة الطباطبائي أنّ:
«جميع ما يحصل للإنسان من العلم إنّما هي هدايةٌ إلهيّة وبهدايةٍ إلهيّةٍ، غير أنّها مختلفةٌ بحسب النوع: فما كان من خواصّ الأشياء الخارجيّة، فالطريق الذي يهدي به اللّه سبحانه الإنسان هو طريق الحسّ، وما كان من العلوم الكليّة الفكريّة، فإنّما هي بإعطاء وتسخير إلهي من غير أن يبطله وجود الحسّ أو يستغني الإنسان عنها في حال من الأحوال، وما كان من العلوم العمليّة
المتعلّقة بصلاح الأعمال وفسادها وما هو تقوى أو فجور، فإنّما هي بإلهامٍ إلهيّ بالقذف في القلوب، وقرع باب الفطرة».
وهذه العلوم كلّها ترجع إلى مقام فعله تعالى، فإنّ الخارج الذي نعوّل عليه إنّما هو صنعه، وكذا العقل النظري الحاكم بالضرورة والإمكان، والعقل العملي الحاكم بالحسن والقبح، فإنّها كلّها تعتمد على مقام فعله تعالى.
ومن عظيم الجرم أن نحكّم العقل عليه تعالى فنقيّد إطلاق ذاته «فإنّ في تحكيم العقل النظري عليه تعالى حكمًا بمحدوديّته، والحدّ مساوق للمعلوليّة، فإنّ الحدّ غير المحدود، والشيء لا يحدّ نفسه بالضرورة، وفي تحكيم العقل العملي عليه جعله ناقصًا مستقبلًا تحكم عليه القوانين والسُنن الاعتباريّة التي هي في الحقيقة دعاوٍ وهميّةٍ».
لقد قام العلّامة الطباطبائي بنقد الغرب بشكلٍ غير مباشرٍ، وذلك من خلال تظهير القراءة التأصيليّة للدِين وتبيين دوره في سعادة الفرد والمجتمع، فجميع ما قدّمه العلّامة يصبّ في هذا المصبّ، وبهذا فهو ينتقد الغرب والتغريب بشكلٍ غير مباشر، ولم يجد الباحث في كتب العلّامة الطباطبائي منظومةً نقديّةً متكاملةً للغرب، نعم توجد إشارات هنا وهناك تتناول الغرب صريحًا، وسوف نشير إليها ضمن النقاط الآتية:
إنّ محور الحضارة الغربيّة الحديثة عند العلّامة الطباطبائي هي الماديّة، فغاية «الاجتماع المدني الحاضر التمتّع من المادّة، ومن الواضح أنّ هذه تستتبع حياةً إحساسيّةً تتبع ما يميل إليه الطبع سواء وافق ما هو الحقّ عند العقل أم لم يوافق، ولذلك كانت القوانين تتبع في وضعها وإجرائها ما يستدعيه هوى أكثريّة المجتمع وميول طباعهم، ...ولازم ذلك أنْ يعتاد المجتمع الذي شأنه ذلك، بما يوافق هواه من رذائل الشهوة والغضب، فيستحسن كثيرًا ممّا كان يستقبحه الدّين، وأنْ يسترسل باللعب بفضائل الأخلاق والمعارف العالية مستظهرًا بالحريّة القانونيّة».
هذه الخاصيّة لا تقتصر على حداثة الغرب، بل إنّها دأب جميع الأمم التي تقدّم الدنيا على الآخرة، من أقدم العصور ومختلف الحضارات الغابرة؛ لذا فإنّ الحضارة الغربيّة لم تكن بمعزلٍ عن هذه الحالة مع فارقٍ يشير إليه السيّد الطباطبائي بقوله:
«ولو تأمّلت حقّ التأمّل، وجدت هذه الحضارة الحاضرة ليست إلّا مؤلّفة من سنن الوثنيّة الأولى، غير أنّها تحوّلت من حال فرديّةٍ إلى حال الإجتماع، ومن مرحلة السذاجة إلى مرحلة الدقّة الفنيّة».
وقد استعمل الغرب جميع إمكاناته الماليّة والإعلاميّة والاستعماريّة لإلقاء تفوّق هذه الرؤية الماديّة على غيرها، فبعد تلقيننا بأنّ رؤيتنا الكونيّة أصبحت من مخلّفات الماضي ولا تنفع للحياة المعاصرة، أصبح الفكر الأوروبي هو السائد ولا طريق للإنسان في حياته سوى منهج الحياة الأوروبيّة كما أنّ الطريق العلمي ينحصر أيضًا بما أنتجه الغرب «لذلك ليس للإنسانيّة لبلوغ التقدّم سوى عملٍ واحدٍ، هو أنْ تنبذ رؤيتها وراء ظهرها، وتنصاع بالتبعيّة الكاملة إلى الأوروبيّين في الفكر والعمل، دون أنْ يبدر منها ما يدلّ على الاعتراض وحتّى النقاش».
ويتأسّف العلّامة الطباطبائي على أنّ المجتمع الإسلامي اليوم قد ترك العمل بسنّة الدّين والسيرة الإسلاميّة العامّة، وحلّ محلّها سيرة الكفّار، ولم تزل تستحكم أركانها وتثبّت قواعدها، كما يرى أنّ هذه الرذائل التي تحيط بنا والتي اقتبسناها من الكفّار، إنّما هي أضداد ما ذكره اللّه تعالى.
لا يفوته أيضًا أن يشير إلى حقيقةٍ في غاية الأهميّة ترتبط بواقع حال الحضارة الغربيّة، ووجهها المرعب الآخر الذي أخفته تحت قناع المَدنيّة، والدفاع عن الإنسان، فإنّه يقول في هذا الصدد:
«ولعمري لو طالع المطالع المتأمّل تاريخ حياتهم الاجتماعيّة من لدن النهضة الحديثة الأوروبيّة، وتعمّق فيما عاملوا به غيرهم من الأمم والأجيال المسكينة الضعيفة، لم يلبث دون أنْ يرى أنّ هذه المجتمعات التي يظهرون أنّهم امتلؤوا رأفةً ونصحًا للبشر، يفدون بالدماء والأموال في سبيل الخدمة لهذا النوع، وإعطاء الحرية والأخذ بيد المظلوم المهضوم حقًّا، وإلغاء سنّة الاسترقاق والأسر، يرى أنّهم لا همّ لهم إلّا استعباد الأمم الضعيفة مساكين الأرض ما وجدوا إليه سبيلًا بما وجدوا إليه من سبيل، فيومًا بالقهر، ويومًا بالاستعمار، ويومًا بالاستملاك، ويومًا بالقيمومة، ويومًا باسم حفظ المنافع
المشتركة، ويومًا باسم الإعانة على حفظ الاستقلال، ويومًا باسم حفظ الصلح ودفع ما يهدّده، ويومًا باسم الدفاع عن حقوق الطبقات المستأصلة المحرومة، ويومًا ويومًا....».
إنّ ابتناء الحضارة الغربيّة على الماديّة، أدّت بهم إلى اعتماد الحسّ والتجربة منهجًا للمعرفة، ويعد العلّامة الطباطبائي هذا من بلايا العصر الحديث ويقول:
«وقد ابتليت الحقيقة والحق اليوم بمثل هذه البليّة بالمدنيّة الماديّة التي أتحفها إليها عالم الغرب، فهي مبنيّة على الحس والمادّة، فلا يقبل دليل فيما بعد الحسّ، ولا يسأل عن دليل فيما تضمّن لذّة ماديّة حسيّة».
وقد احتجّ أكثر علماء الغرب نصرة للمنهج التجريبي بقولهم إنّ العقليّات المحضة يكثر وقوع الخطأ والغلط فيها مع عدم ما يميّز به الصواب من الخطأ، وذلك بخلاف الإدراكات الحسيّة، حيث إنّنا نجربها بالحسّ مرارًا لنقطع دابر الشكّ.
ويرد عليهم العلّامة الطباطبائي بقوله:
1. إنّ جميع المقدّمات المأخوذة فيها عقليّةٌ غير حسيّةٍ، فهي حجّةٌ على بطلان الاعتماد على المقدّمات العقليّة بمقدّماتٍ عقليّة، فيلزم من صحّة الحجّة فسادها.
2. إنّ الغلط في الحواس لا يقلّ عن الغلط والخطأ في العقليّات، فلو كان مجرّد الخطأ موجبًا لعدم الاعتماد، لكان عدم الاعتماد على الحسّ أولى وألزم.
3. إنّ التمييز بين الخطأ والصواب لا بدّ منه في جميع المدركات، غير أنّ التجربة ـ وهي تكرار الحسّ ـ ليست آلة لذلك التمييز، بل القضيّة التجربيّة تصير إحدى المقدّمات من قياسٍ يُحتجّ به على المطلوب، وهذا القياس متكوّنٌ من مقدّماتٍ عقليّةٍ لا حسيّة.
4. إنّ التجربة نفسها ليس ثبوتها بتجربةٍ أخرى وهكذا إلى غير النهاية، بل العلم بصحّتها من طريقٍ غير طريق الحسّ، فالاعتماد على الحسّ والتجربة اعتمادٌ على العلم العقلي.
5. إنّ الحسّ لا ينال غير الجزئي المتغيّر، والعلوم لا تستنتج ولا تستعمل غير القضايا الكليّة، وهي غير محسوسةٍ ولا مجربةٍ.
وأخيرًا فإنّ القرآن الكريم يُخطّئ طريق الحسيّين، إذ أوّل ما يُعنى ببيانه هو أمر توحيد اللّه تعالى، ثمّ يرجع إليه ويبني عليه جميع المعارف الحقيقيّة التي يبيّنها ويدعو إليها، ومن المعلوم أنّ التوحيد أشدّ المسائل ابتعادًا من الحسّ.
كما قام بالردّ على الماديّين في إنكارهم الروح لعدم العثور عليها ماديًّا بأنّه أمرٌ صحيحٌ، ولكن هذا لا يدلّ على انتفاء النفس المجرّدة أو الروح، وذلك أنّ «العلوم الطبيعيّة الباحثة عن أحكام الطبيعة وخواص المادّة، إنّما تقدر على تحصيل خواصّ موضوعها الذي هو المادّة، وإثبات ما هو من سنخها وكذا الخواص والأدوات الماديّة، وأما ما وراء المادّة والطبيعة فليس لها أن تحكم فيها نفيًا ولا إثباتًا، وغاية ما يشعر البحث المادّي به هو عدم الوجدان، وعدم الوجدان غير عدم الوجود».
يدعو بعض الباحثين إلى النسبيّة الشاملة التي تعني أنّ جميع المعارف تتغيّر بتغيّر الأوضاع الاجتماعيّة بمرور الأزمنة. فيردّهم العلّامة قائلًا:
«كفى في بطلان كلّيتها أنّها لو صحّت (أي كانت كليّة مطلقةً ثابتةً) أثبتت قضيّةً مطلقةً غير نسبيّةٍ وهي نفسها»[4].
وكفى في هذا لنفي المدعى.
أمّا بخصوص السفسطة، فإنّها موقفُ فكري لقومٍ نشأوا في عصر اليونان،
ونفوا وجود العلم أي الإدراك المطابق للواقع، وهؤلاء وإنْ لم يكونوا في البداية هكذا، أي لم نشاهدهم مثلًا يبكون في مكان الضحك، أو يصمتون للتكلّم، أو يستخدمون السمع للنظر وما شاكل، بل إنّهم في حياتهم العمليّة بعيدون عن السفسطة، غير أنّهم في مقام النظر والتفلسف ينكرون الواقع، والأخطر منهم من ينفي أيّ واقعٍ حتّى وجودهم الشخصي.
وأسهل طريقٍ للردّ عليهم، أنّهم عندما يتكلّمون لإثبات مرادهم والاستدلال عليه، يقومون بتصديق معلوماتٍ كثيرةٍ من حيث لا يشعرون، من قبيل: وجود المتكّلم، وجود المخاطب، وجود الكلام، وجود الدلالة والإرادة، ووجود التأثير، وهذا يكفي للردّ عليهم.
إنّ رؤية الغرب المعاصر تجاه الدّين ـ كما يراها العلّامة الطباطبائي ـ سلبيّةٌ، ويعود ذلك إلى سببين: الأوّل التاريخ الأسود الذي خلّفته الكنيسة تجاه العلم في القرون الوسطى، وساقت الملايين إلى التعذيب والموت. والثاني التقدّم الصناعي والعلمي المذهل الذي لم يترك مجالًا للدِين بزعمهم
وهذان العاملان أثّرا على مسار دراسة الدّين في الغرب، وقد بدأ الاهتمام بها بعد الحرب العالميّة الثانية، لذا طُرحت أسئلة شكّكت في مصداقيّة الدّين وأبديّته وشموليّته، حيث جعلوا الدّين ظاهرةً اجتماعيّةً كسائر الظواهر، تنتهي بالتحليل إلى سلسلة عوامل طبيعيّة، وأنّ الدّين ليس إلّا معطيات أفرزتها عبقريّة ثلّةٍ من الرجال لإصلاح المجتمع وحثّ الناس على اتّباعها، وهذه المعطيات سوف تتكامل بتكامل الزمان، وتتواكب مع متطلّبات العصر.
كما ذكروا أنّ الدّين يتعلّق بعصر خرافات العهد الثاني، حيث قسّموا
العصور التي مرّ بها الإنسان إلى أربعة: عصر الأساطير، وعصر الدّين، وعصر الفلسفة، وعصر العلم.
بينما القرآن يرفض هذه النظرة، ويرفضها التاريخ العلمي أيضًا، فالقرآن والإسلام عبارةٌ عن سلسلة النُظم المتطابقة مع مقتضيات نظام الوجود، ومع خلقة الإنسان بوصفه جزءًا من عالم الوجود، وهذه النظم ثابتةٌ غير قابلةٍ للتغيير، وترجع إلى النظام الكوني الذي قدّره اللّه تعالى بقدرته وإرادته، هناك أحكام متغيّرةٌ قابلةٌ للانطباق على متغيّرات العصر.
أمّا تقسيم حياة الإنسان إلى أربعة عصور، فإنّ تاريخ الدّين والفلسفة يكذّب ذلك، فإنّ دين إبراهيم عليهمالسلام كان بعد عهد الفلسفة في الهند ومصر وكلدان، ودين عيسى ودين محمّد عليهماالسلام كان بعد عهد اليونان، مضافًا إلى أنّ دِين التوحيد يتقدّم على جميع الأديان حيث رافق الخِلقة منذ البداية.
ثمّ إنّ السيد الطباطبائي يتأسّف على حالة الاستلاب التي تعيشها المجتمعات الإسلاميّة أمام الغرب، حيث بدأوا ينظرون إلى الدّين من منظار الغرب، ويقولون: «طالما لم يَعُد المجتمع المتمدّن الراقي ـ ويعنون به المجتمع الأوروبي ـ يتعايش مع الدّين أو يعترف بدورٍ له في المعاش، فعلينا إذًا أنْ نكيّف حياتنا على طبق هذا المنهج كي نواكب تيّار المعاصرة... بيد أنّ الأنكى من ذلك أنّ الاستلاب وفقدان التوازن، بلغا بنا شأوًا عظيمًا من الانحدار، إذ أصبحنا نكوّن صورتنا أزاء حقائق إسلامنا، ونفسّر وقائع تاريخنا من خلال ما تقوله أوروبا في هذا المجال». كما أشار أيضًا إلى اقتفاء النخب الإسلاميّة للمستشرقين وما قالوه عن العرفان.
تعدّ نظريّة دارون عن أصل الإنسان من المباحث المهمّة التي راجت كثيرًا في الوسط العلمي الغربي، وأصبحت حديث الساعة في الأنديّة العلميّة، وألقت بظلالها على العالم الإسلامي أيضًا ووجدت لها أنصارًا، كما قد استغلّها التيّار الإلحادي كثيرًا.
وقد أشار العلّامة الطباطبائي إلى هذه النظريّة إجمالًا وعلى هامش موضوع خلقة الإنسان، فهو يرى ـ طبقًا للآيات القرآنيّة ـ أنّ هذا النسل الموجود من الإنسان ـ لا كلّ نوعٍ إنساني ـ ليس نوعًا مشتقًّا من نوعٍ آخر حيوانيّ أو غيره، بل هو نوعٌ أبدعه اللّه تعالى من الأرض، فقد كانت السماوات والأرض ولا إنسان، ثمّ خلق زوجين من هذا النوع، وإليهما ينتهي هذا النسل الموجود، قال تعالى: ﴿إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ﴾(الحجرات: 13).
«وهذه الفرضيّة بخصوصها وإنْ لم يتسلّمها الجميع تسلّمًا يقطع الكلام، واعترضوا عليه بأمورٍ كثيرةٍ مذكورةٍ في الكتب، لكنّ أصل الفرضيّة وهي أنّ الإنسان حيوانٌ تحوّل إنسانًا، ممّا تسلّموه وبنوا عليه البحث عن طبيعة الإنسان».
فمضافًا إلى ما أشار إليه العلّامة الطباطبائي من عدم أخذها أخذ المسلّمات في الغرب، يشير في مقام نقدها إلى أنّها فرضيّة علميّة،
«والفرضيّة غير مستندةٍ إلى العلم اليقيني، وإنّما توضع لتصحيح التعليلات والبيانات العلميّة، ولا ينافي اعتبارها اعتبار الحقائق اليقينيّة بل حتّى الإمكانات الذهنيّة، إذ لا اعتبار لهذا أزيد من تحليل الآثار والأحكام المربوطة بموضوع البحث».
وبعبارةٍ أخرى: «أنّه فرْضٌ افترضوه لتوجيه ما يربط به المسائل من غير أنْ يقوم عليه دليلٌ قاطعٌ، فالحقيقة التي يشير إليها القرآن الكريم من كون الإنسان نوعًا مفصولًا عن سائر الأنواع غير معارضةٍ بشيءٍ علميّ».
«فالقول بتبدّل الأنواع بالتطوّر فرضيّةٌ حدسيّةٌ تبتني عليها العلوم الطبيعيّة اليوم، ومن الممكن أن يتغيّر يومًا إلى خلافها بتقدّم العلوم وتوسّع الأبحاث».
ينقل العلّامة الطباطبائي ما ذهب إليه الكثير من علماء الطبيعيّات من أنّ موجودات العالم تخضع في طيّ مسيرها التكاملي لقانوني: تنازع البقاء، وانتخاب الأصلح، وهذا الصراع عامٌّ يشمل الإنسان والحيوان والنبات، فكلّ نوعٍ من هذه الأنواع يدخل صراعًا يؤول إلى محو الضعيف وبقاء القوي، وهكذا تتحرّك الطبيعة نحو الكمال.
ودليلهم على ذلك التجارب العلميّة، حيث رأوا أنّ بعض أنواع الحيوان قد انقرض نسله في العصور السابقة، ممّا يدلّل على صحّة الدعوى.
يذكر السيّد الطباطبائي في مقام المناقشة، ما ذكره المعارضون لتلك الدعوى من بقاء كثيرٍ من الأنواع الضعيفة في عالم الطبيعة إلى جوار الأقوى. وممّا يرد عليه أيضًا أنّ هذه القاعدة غير صالحةٍ للتعميم لتكون أصلًا ثابتًا في جميع الموارد، كما أنّها تفتقر إلى الجنبة الأخلاقيّة، وتكون باعثًا لكثيرٍ من المفاسد لاسيّما لو طبّقت على الحالة الاجتماعيّة، إذ تبرّر الحروب وأنواع الخصومات وسلب حقوق المجتمعات الضعيفة.
والمعتمد عند العلّامة الطباطبائي ابتناء نظام الكون على أصل العلّيّة والمعلوليّة، واقتضاء العلّة الأقوى للسيطرة على المعلول الأضعف، بشرط ألّا تخرج الظواهر عن هذا الإطار، وفيما عداه يمكن النقض من وجهة نظرٍ فلسفيّةٍ.
ثمّ ينقل العلّامة رأي بعض المفسّرين حول بعض الآيات من حيث دلالتها
لصالح قانون تنازع البقاء وبقاء الأصلح، من قبيل قوله تعالى: ﴿وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ﴾(البقرة: 251). ولم يرتضِ ذلك التفسير، بمعنى أن تدلّ هذه الآيات على تلك القوانين تمامًا، ويطرح نظريّته البديلة المبتنية على أصل التسخير والاستخدام، وتكوين المجتمع وتعاونه في ظلّ هذا الأصل، لا على أصل استئصال المجاميع الضعيفة على وفق قانون الصراع بين القوي والضعيف.
تطرّقنا في رحلتنا هذه مع العلّامة الطباطبائي إلى ستّ محطّاتٍ فكريّةٍ مهمّةٍ تعالج أزمات الفرد والمجتمع المختلفة، وعرفنا أنّ منهج السيّد الطباطبائي الاعتماد على الوحي والعقل في تفسير المنظومة الكونيّة بمحوريّة التوحيد والفطرة، فاللّه تعالى خالق الكون ومدبّره، هو المبدأ والمنتهى، قد أرسل الرسل والأنبياء بالدّين والشريعة لإيصال الإنسان إلى كماله وسعادته الدنيويّة والآخرويّة. كما أنّ للفطرة دورًا محوريًّا ورئيسًا عند العلامة الطباطبائي في الدّين والاجتماع والسياسة والأخلاق.
وفي قبال هذه الرؤية الدّينيّة الإلهيّة، توجد رؤيةٌ أُخرى مادّية، تعكف على المادّة وترجع إليها في تفسير المنظومة الكونيّة، وتعتمد المنهج الحسّي والتجريبي.
والإنسان بانتخابه لإحدى هاتين الرؤيتين، سوف يتأثّر بها ويصطبغ بصبغتها، بحيث تختلف أعماله ومعرفته ومنظومته الفكريّة تمامًا عن الرؤية الأخرى.
1.القرآن الكريم
2.الطباطبائي، السيّد محمّد حسين. الميزان في تفسير القرآن. مؤسّسة الأعلمي للمطبوعات، 1973م.
3.ــــــــــــــ. بداية الحكمة. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1418هـ.
4.ــــــــــــــ. مقالات تأسيسيّة في الفكر الإسلامي. مؤسسة أم القرى للتحقيق والنشر، 1415هـ.
5.ــــــــــــــ. نهاية الحكمة. مؤسّسة النشر الإسلامي، 1428هـ.
6.ــــــــــــــ. أصول فلسفة وروش رئاليسم. بوستان كتاب، 1401ش.