باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة (أوراق بحثيّة)؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
ربّما يقال إنّ برهان الصدِّيقين هو الصورة المتعالية لبرهان الإمكان والوجوب؛ لذا نرى كثيرًا من متكلّمي الأشاعرة والإماميّة، تمسّكوا بهذا البرهان بدل برهان الإمكان والوجوب لما فيه من خصائص عدّة، وبعد مقارنة هذين البرهانين نرى أنّ برهان الإمكان والوجوب يرتبط مباشرةً ببرهان الصدِّيقين وربّما يكون مقدّمة له أو من خلفيّاته المعرفيّة، وبلغ هذا التقارب نحوًا جعل بعضهم يعدّ برهان الصدِّيقين من فروع برهان الإمكان والوجوب، ولكن كما سوف نرى فإنّ برهان الصدِّيقين برهانٌ مستقلّ، ويختلف عن برهان الإمكان والوجوب.
يُعدّ برهان الصدِّيقين من الأدلّة المعتبرة لإثبات وجود اللّه، نشأ في البداية من الفلسفة، ولاقى إقبالًا لدى جميع الفلاسفة، ويُعدّ ابن سينا (ت 428هـ) مبدع هذا البرهان وسمّاه (طريق الصديقين) لإثبات وجود اللّه، ثمّ دخل هذا البرهان في علم الكلام على يد الخواجة نصير الدين الطوسي (ت 672هـ) وسرعان ما قبله المتكلمون عنده وأصبح من أفضل البراهين لإثبات وجود اللّه.
ثمّ إنّ اهتمام متكلّمي الإماميّة بهذا البرهان وتداوله في مدرستَيْ الحلّة المتأخّرة وقم، وإسهامهم في تقديم تقارير متنوّعة له، دليلٌ على إقبالهم وتعاطيهم لهذا البرهان، وعلى سبيل المثال قد أصبح اهتمام متكلّمي مدرسة الحلّة المتأخّرة ببرهان الصدِّيقين بنحوٍ اكتفى بعضهم به في إقامة الدليل على
وجود اللّه تعالى، ولم يتطرّقوا إلى أيّ برهانٍ تقليديّ متداولٍ آخر كبرهان الحدوث والقدم أو حتى برهان الإمكان والوجوب.
تكمن أهميّة البحث في برهان الصديقين، وتحوّلاته في الكلام الإمامي أنّه أصبح من البراهين الفلسفية لإثبات اللّه المستخدمة في الكلام الإسلامي منذ منتصف القرن السادس الهجري، وعُدّ بعد قرنين من تلك المدّة وإلى يومنا الحاضر من أهمّ البراهين عند الفلاسفة والمتكلّمين، وعليه فله موقعيّة ممتازة من بين سائر براهين إثبات وجود اللّه تعالى.
يُطلق برهان الصدِّيقين على نوعٍ من البرهان لإثبات وجود اللّه تعالى، إذ يثبت وجوده من دون لحاظ المخلوقات، وبمجرّد الاستناد إلى أصل الوجود ومطلق الواقع وحقيقة الوجود الخارجي. ففي هذا البرهان يُجعل الواقع الخارجي أو وجود موجودٍ في العالم الخارجي مع قطع النظر عن ماهية ذلك الوجود وخصائصه، يجعل هذا دليلًا على وجود اللّه، ويثبت بهذا الطريق أنّ تحقّق موجودٍ في العالم الخارجي لا يمكن من دون وجود الواجب بالذات أو اللّه تعالى.
يثبت برهان الصديق وصفًا (أي وجوب الوجود) لمطلق الواقع والوجود، وهو وصف لله تعالى في الحقيقة، وبالمآل تثبت عينيّة اللّه مع مطلق الواقع والوجود. وبناءً على هذا يمكن إثبات وجود اللّه بهذا الاستدلال من دون توسّط المخلوقات وحتّى في حالة إنكارها. ولبّ برهان الصدِّيقين الوارد في جميع تقاريره المختلفة هو أنّ الوجود لا يتحقّق من دون وجود واجب الوجود بالذات؛ ولذا فإنّ تحقّق الوجود، ووجود الموجودات الخارجيّة، يدلّ على تحقّق واجب الوجود بالذات. وعليه فإنّ برهان الصدِّيقين يثبت اللّه تعالى بأنّه موجودٌ وأنّه خالقٌ وواجب الوجود.
ومع لحاظ التعريف المذكور أمكن القول بوجود أمرين في كلّ براهين الصديقين:
لزوم وجود قضيّةٍ ضمن مقدّماته الظاهرة أو المضمرة من قبيل: (الشيء
موجودٌ ضرورة)، أو (يوجد موجودٌ يقينًا)، أو (توجد واقعيّة حتمًا)؛ لأنّه مع مجرّد قضيّة كهذه يتم اتصال الاستدلال بالعالم الخارج عن الذهن، وبهذا يختلف برهان الصدِّيقين عن البرهان الوجودي الذي يُعد برهانًا بمحوريّة المفهوم.
الموجود أو الواقع الذي يكون الوساطة في إثبات وجود اللّه، لا بدّ ألّا يكون واقعًا خاصًّا أو بتعبيرٍ آخر لا يكون موجودًا متّصفًا بصفات المخلوقات من قبيل الإمكان أو الحدوث؛ لأنّ إنكارها في هذه الحالة يؤدّي إلى عدم إثبات وجود اللّه.
وعليه لا بدّ ألّا يتّصف الواقع المستند عليه في مقدّمات برهان الصدِّيقين بأوصافٍ خاصّة مثل الحدوث أو الإمكان التي تصدق على بعض الموجودات فقط، خلافًا لبرهان الحدوث والقدم أو برهان الإمكان والوجوب. هذه الخاصيّة في برهان الصدِّيقين تميّزه عن البراهين المعتمدة على المخلوقات التي تثبت وجود اللّه عن طريق الاستناد إلى الموجودات المخلوقة الخارجيّة.
ومع هذا البيان يظهر الفرق بين برهان الصدِّيقين وبرهان الإمكان والوجوب، فبرهان الصدِّيقين استدلالٌ يدور حول محور الموجود، وناظرٌ إلى الوجود العامّ، ويستند في مقدّماته لإثبات وجود اللّه -بدل الاستناد إلى موجودٍ أو عدّة موجوداتٍ معيّنةٍ ومتشخّصةٍ في الخارج- إلى مطلق الواقعيّة أو حقيقة الوجود الخارجيّة مع قطع النظر عن أيّ وصفٍ آخر، ويثبت جرّاء ذلك عدم إمكان تحقّق موجودٍ في الخارج من دون وجود اللّه تعالى. أمّا برهان الإمكان والوجوب فهو بالأساس نوعٌ آخر من براهين إثبات وجود اللّه، أي من البراهين الدائرة مدار المخلوقات، والناظرة إلى وجودٍ خاصّ، إذ يتم الاستناد في إثبات وجود اللّه تعالى إلى بعض الموجودات أو الظواهر مع صفات وخصائص متعيّنة خارجيّة. وبعبارةٍ أُخرى إنّ برهان الإمكان والوجوب من البراهين الكسمولوجيّة التي تستند -لإثبات وجود اللّه- على خاصيّة (الإمكان الذاتي) للموجودات المحسوسة المتشخّصة في العالم
الخارجي، فنقطة الشروع في هذا البرهان إثبات موجودٍ ممكن الوجود، وبعد التصديق بهذا الوجود الممكن يثبت وجود واجب، والحال أنّ نقطة الشروع في برهان الصدِّيقين هو الوجود المطلق.
إنّ الفرق بين برهان الصدِّيقين وبرهان الإمكان والوجوب كأسلوبين مختلفين للاستدلال على وجود اللّه، يلوح من كلمات بعض المتكلّمين أيضًا. وعلى سبيل المثال فإنّ القاضي عضد الدين الإيجي (ت 756هـ) من كبار متكلّمي الأشاعرة، يشير في كتاب (المواقف) المشهور إلى خمسة مناهج مختلفةٍ لإثبات وجود اللّه، وقد جعل برهان الإمكان والوجوب من البراهين المندرجة تحت عنوان (مسلك المتكلّمين)، وعدّ برهان الصدِّيقين منهجًا مختلفًا لإثبات وجود اللّه ضمن (مسلك الحكماء).
وكذلك الفخر الرازي في شرحه على الإشارات، يجعل برهان الصدِّيقين السينوي الذي يعتمد لإثبات الصانع على مجرّد النظر إلى حال الوجود، يجعله طريقًا ومنهجًا أوضح وأفضل من الاستدلال بالحدوث أو الإمكان، لإثبات وجود اللّه تعالى. ويذكر أيضًا في تلخيصه لكتاب الإشارات طريقين قويمين لإثبات واجب الوجود: الطريق الأوّل طريق بعض المحقّقين حيث يثبتون أوّلًا إمكان المحسوسات ثمّ يثبتون وجود الواجب (وهو برهان الإمكان والوجوب)، والطريق الآخر وهو أصدق وأبعد عن الشبهات، إذ ينظر لإثبات وجود اللّه إلى حال الوجود من حيث هو هو (وهو برهان الصدِّيقين). وهذه الشواهد تدلّ على أنّ الفخر الرازي يعتقد باستقلاليّة برهان الصدِّيقين عن برهان الإمكان والوجوب.
ولمّا كان منطلق برهان الصدِّيقين قد ظهر في الفلسفة السينويّة، واستمرّ عند تلامذته وأتباع مدرسته، فيلزم في البداية أنْ نتعرّف على تقرير ابن سينا لبرهان الصدِّيقين، ثمّ نعرّج على تحوّلات وتقارير هذا البرهان عند بعض متكلّمي الإماميّة.
كما هو معروفٌ فإنّ مبدع برهان الصدِّيقين هو فيلسوف الإسلام الشهير الشيخ الرئيس ابن سينا (ت 428هـ)، إذ لم نجد قبله برهانًا بهذا الأسلوب لإثبات وجود اللّه. وقد ورد في الكتب المنسوبة إلى أبي نصر الفارابي (ت 339هـ) من قبيل شرح رسالة زينون، فصوص الحكم، عيون المسائل، أدلّة عدّها بعض المعاصرين سوابق وخلفيّات أو تقارير صريحة لبرهان الصدِّيقين عند الفارابي. ولكن مع لحاظ التشكيك الجادّ في صحّة انتساب هذه الكتب إلى الفارابي، لا يمكننا قبول هكذا خلفيّات وسوابق، وعليه لو أردنا الاعتماد على المصادر والوثائق الموجودة والموثقة، لا بدّ أن نجعل ابن سينا هو المؤسّس والمبدع لبرهان الصدِّيقين.
وقد وسم ابن سينا برهانه ببرهان الصدِّيقين في مختلف كتبه من قبيل المبدأ والمعاد، النجاة، الإشارات والتنبيهات، وتقريره لهذا الاستدلال كما ورد في المبدأ والمعاد وكتاب النجاة هكذا: «لا شك أنّ هناك وجودًا، وكلّ وجودٍ فإمّا واجب وإمّا ممكن، فإنْ كان واجبًا فقد صحّ وجود واجب وهو المطلوب، وإنْ كان ممكنًا فإنّا نوضح أنّ الممكن ينتهي وجوده إلى واجب الوجود».
ثمّ إنّ ابن سينا لأجل إثبات مدعاه بانتهاء ممكن الوجود إلى واجب الوجود، يقيم دليلًا ويثبت أنّ الدور والتسلسل محالٌ في العلل، كما يقدّم تقريرًا آخر عن برهان الصدِّيقين في كتابه الإشارات والتنبيهات ويقول: «كلّ موجودٍإذا التفت إليه من حيث ذاته - من غير التفات إلى غيره - فإمّا أنْ يكون بحيث يجب له الوجود في نفسه أو لا يكون. فإنْ وجب فهو الحقّ بذاته الواجب وجوده من ذاته، وهو القيوم. وإنْ لم يجب لم يجز أنْ يقال:
(إنّه ممتنع بذاته) بعد ما فُرض موجودًا. بلى إنْ قُرن باعتبار ذاته شرطٌ مثل شرط (عدم علّته) صار ممتنعًا، أو مثل (وجود علّته) صار واجبًا، وإنْ لم يُقرن بها شرطٌ - لا حصول علّة ولا عدمها - بقي له في ذاته الأمر الثالث - وهو الإمكان - فيكون باعتبار ذات الشيء الذي لا يجب ولا يمتنع. فكلّ موجودٍ إمّا واجب الوجود بذاته، وإمّا ممكن الوجود بحسب ذاته. ما حقّه في نفسه الإمكان، فليس يصير موجودًا من ذاته، فإنّه ليس وجوده أولى من عدمه من حيث هو ممكن، فإنْ صار أحدهما أولى فلحضور شيء أو غيبته. فوجود كلّ ممكن الوجود هو من غيره. إمّا أنْ يتسلسل ذلك إلى غير النهاية، فيكون كلّ واحدٍ من آحاد السلسلة ممكنًا في ذاته، والجملة متعلّقة بها فتكون غير واجبةٍ أيضًا، وتجب بغيرها... فكلّ سلسلةٍ تنتهي إلى واجب الوجود بذاته».
يرى ابن سينا أنّ أفضليّة هذا البرهان على سائر البراهين، إنّما هو في برهانيّته لأنّه يثبت وجود اللّه تعالى بمجرّد النظر والتأمّل في الوجود نفسه، من دون الحاجة إلى لحاظ أفعال اللّه أو المخلوقات أو وصف من صفاتها، كما هو الحال في سائر البراهين. ويرى ابن سينا أنّ هذه الطريقة أي النظر إلى الوجود نفسه، بنحو يدلّ ذات الوجود من حيث هو هو على وجود واجب الوجود، ثمّ دلالة وجود واجب الوجود على سائر الموجودات الحادثة عنه، أنّها أفضل وأمتن من الطريقة التي يثبت وجود اللّه عن طريق أوصاف المخلوقات أو أفعال اللّه. ويستشهد ابن سينا لتأييد كلامه بقوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾. ويقول: «إنّ هذا حكم الصدِّيقين الذين يستشهدون به لا عليه».
ثمّ إنّ الخواجة نصير الدين الطوسي يشير ابتداءً في شرح الإشارات إلى طريقين معروفين لإثبات وجود اللّه تعالى، أحدهما طريق المتكلّمين وحكماء
الطبيعة الذين يثبتون وجود اللّه عن طريق المخلوقات وصفاتها كالحدوث والحركة، والثاني طريق الإلهيّين الذين يثبتون وجود اللّه بالاستناد إلى الوجود نفسه، ثمّ يقول في وجه تسمية استدلال الإلهيّين ببرهان الصدِّيقين: «ولما كان طريقة قومه أصدق الوجهين، وسمهم بالصديِّقين، فإنّ الصدِّيق هو ملازمُ الصدق».
ولقد لاقى برهان الصدِّيقين بعد ابن سينا إقبالًا واسعًا من قبل الفلاسفة والمتكلّمين، ودليل هذا الإقبال الخصائص والمميّزات الموجودة فيه بالنسبة إلى سائر البراهين، وسنشير في النقطة الآتية إلى بعض تلك الخصائص.
ربّما يكون ابن سينا أوّل فيلسوف قام بإحداث تغييرٍ جزئي في برهان الإمكان والوجوب وحوّله إلى برهان الصدِّيقين، فالإبداع الذي عمله في هذا المجال، أنّه استبدل القضايا التالية: (يوجد ممكن بالذات)، أو (عالم الأجسام ممكن الوجود) - وهي من المقدّمات الأولى لبرهان الإمكان والوجوب، حيث تكون الحقيقة التي يُستند إليها لإثبات اللّه تعالى حقيقةً خاصّةً متّصفةً بوصف الإمكان بالذات - إلى قضايا: (يوجد وجود، واقع، موجود، شيء) وهي قضيّة عامّة تشمل اللّه تعالى وسائر المخلوقات، وكانت ثمرة هذا التغيير:
إنّ إنكار غير اللّه من الموجودات لا يضرّ في هذا البرهان لإثبات وجود اللّه، فلو ادّعى شخص عدم وجود أيّ مخلوقٍ في العالم، فنحن نتمكّن من إثبات وجود اللّه بهذا البرهان؛ (لأنّه لا يعتمد في استدلاله على وجود المخلوقات وأوصافها).
لا حاجة في هذا البرهان إلى إثبات أوصاف المخلوقات كالممكن بالذات أو الحادث؛ لأنّه يعتمد على أصل الوجود ومطلق الواقع وهما أمران بديهيّان وليسا نوعًا خاصًّا من الوجود والواقع. أمّا في برهان الإمكان والوجوب، لابدّ أوّلًا من إثبات وصف الإمكان بالذات للعالَم أو بعض الموجودات، كما يلزم
في برهان الحدوث والقدم، إثبات حدوث العالم أو بعض الموجودات في البداية، وعليه فإنّ قضيّة (يوجد موجود، واقع، شيء) في برهان الصدِّيقين قضيّةٌ بديهيّةٌ لا تحتاج إلى إثبات، ولكن في براهين الحدوث والقدم أو الإمكان والوجوب، فإنّ القضايا (العالم حادث)، أو (العالم ممكن الوجود)، فإنّها غير بديهيّةٍ وتحتاج إلى إثبات.
يوجد خلاف بين المتكلّمين في الإجابة على هذا السؤال، وللإجابة لا بدّ من معرفة معنى البرهان اللمّي أوّلًا. البرهان اللمّي هو الاستدلال على وجود المعلول بوجود العلّة، وهذا الاستدلال يوجب اليقين خلافًا للبرهان الإنّي حيث يستدلّ على العلّة بوجود المعلول، فإنّه ربّما لا يوجب اليقين. وعلى سبيل المثال عندما يُراد إعطاء هديّة لشخص، أمكننا ادراك أنّه سيفرح؛ لأنّ الهديّة علّة الفرح (الاستدلال من العلّة على المعلول) وكذلك عندما نشاهد شخصًا يبكي نعلم أنّه منزعج؛ لأنّ البكاء معلول الانزعاج (الاستدلال من المعلول على العلّة).
ثمّ إنّ تقسيم البرهان إلى لمّي وإنّي، وإنْ كثر استعماله في آثار المناطقة والفلاسفة، غير أنّه ورد في بعض آثار المتكلّمين أيضًا، وعلى سبيل المثال فقد أشار الملاحمي المعتزلي في أحد كتبه أنّ الاستدلال العقلي على نحوين:
أ. الاستدلال من الأثر على المؤثِّر (وهو ما يعادل برهان الإنّ عند المناطقة) وهذا الاستدلال نوعان أيضًا:
الأثر الصادر اختيارًا من مؤثّرٍ (فاعل) مختار، أي الفعل.
الأثر الصادر إجبارًا من مؤثّرٍ موجَبٍ (العلّة أو السبب) أي حكم العلّة أو مسبّب السبب.
ب. الاستدلال من المؤثّر والموجِب على الأثر والموجَب (وهو يعادل
(16)برهان اللمّ عند المناطقة).
إنّ برهان اللّم يفيد اليقين، لحصول العلم بالمعلول عن طريق العلم بالعلّة، ولكن برهان الإنّ الذي نعلم بالعلّة عن طريق المعلول لا يفيد اليقين، لاحتمال وجود عدّة عللٍ (مثل الانزعاج، الفرح، الوجع) لمعلولٍ واحدٍ (البكاء)، وعليه لا يحصل العلم بالعلّة الخاصّة عن طريق المعلول.
يرى ابن سينا لمّا كان اللّه ليست له أيّ علّةٍ وسبب، فلا يمكن إقامة أيّ برهانٍ لمّي على وجوده، فلم يكن برهان الصدِّيقين لمّيًا، بل إنّه قياسٌ شبيه البرهان، أو بعبارةٍ أخرى برهان يشبه البرهان اللمّي؛ لأنّه يستنتج وجوب الوجود من ذات الوجود. وفي الواقع إنّ خلاصة هذا البرهان إنّ الوجود نفسه يقتضي وجوب الوجود، ويدلّ على وجود واجب الوجود، وهذا المنهج من أكثر الأدلّة استحكامًا لإثبات وجود اللّه؛ لأنّه لا نتمسّك لإثبات وجود اللّه بأيّ فعلٍ من أفعاله أو آثاره، لذا حتّى لو افترضنا أنّ اللّه لم يخلق أيّ موجودٍ في العالم، ولم يظهر له أيّ فعلٍ وأثر، فمع هذا نتمكّن من إثبات وجود اللّه بعنوان واجب الوجود من مجرّد إثبات الوجود.
يقول الفياض اللاهيجي (ت 1072) المتكلّم الإمامي المشهور بخصوص برهان الصدِّيقين: «هو أوثق المناهج وأقواها وأتمّها وأهداها وأقلّها مؤنةً وأكثر معونةً، ويشبه أنْ يكون طريق الصدِّيقين الذين هم يستشهدون بالحقّ لا عليه، لكونه نظرًا في الوجود، وهو عين حقيقته تعالى، فيغني غناء البراهين اللمّية... فهذا الطريق لكونه لا من جهة الآثار يشبه اللمّ، ومن جهة أنّه ليس من العلّة ليس به».
وخلافًا لهذه الرؤية، فقد ذهب نصير الدين الطوسي في شرح الإشارات وفي شرح برهان الصدِّيقين السينوي، يقول بعد الإشارة إلى طريقين للاستدلال على وجود اللّه، أي الاستدلال من المخلوقات على وجود اللّه، والاستدلال
بالوجود نفسه على وجود اللّه، فسمّى الطريق الأوّل (برهان الإنّ)، والطريق الثاني (برهان اللمّ). وعليه حينما يشير الخواجة إلى أنّ الآية التي استشهد بها ابن سينا، - أي قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾- تدلّ على مرتبة الاستشهاد باللّه على وجود كلّ شيء، لا بدّ أن يكون المراد من (كلّ شيء) كلّ شيءٍ بما يشمل وجود اللّه تعالى أيضًا، ليثبت لمّية البرهان، بمعنى الاستدلال بالوجود نفسه لإثبات اللّه واجب الوجود. ولكن لو كان المراد من (كلّ شيء): سائر الموجودات غير اللّه تعالى، فيكون لمّية البرهان -كما سنذكره لاحقًا نقلًا عن الفاضل المقداد والقطب الرازي - بمعنى دلالة وجود اللّه - كعلّةٍ للموجودات - على وجود المخلوقات.
ثمّ إنّ العلّامة الحلّي بعد تقريره لبرهان الصدِّيقين قال عنه: إنّه أشرف الطرق وأمتنها وهو طريقة الأوائل. ولكن خلافًا لابن سينا واللاهيجي اللذين عدّاه برهانًا شبه لمّي، ذهب إلى أنّه برهان لمّي كما ذهب إليه الخواجة نصير. وكذلك ذهب ابن العتائقي الحلّي (كان حيًا في 790هـ) من متكلّمي مدرسة الحلّة المتأخّرة، إذ قال: «وإنّما كانت هذه الطريقة أشرف الطرق؛ لأنّا في هذا الطريق نظرنا إلى نفس الوجود من حيث هو وجود، فشهد بوجوب الواجب تعالى»، كما أنّه يعتقد بكون برهان الصدِّيقين استدلالًا لمّيًا، وأشرف وأمتن من برهان الحدوث والقدم، حيث لو تمّ لكان استدلالًا إنّيًا.
وأكّد ابن أبي جمهور الإحسائي على أفضليّة طريق الحكماء في إثبات وجود اللّه عن طريق النظر في أصل الوجود، وذكر أنّ المتكلّمين وحكماء الطبيعة يثبتون وجود اللّه تعالى عن طريق النظر في المخلوقات، والاستناد
إلى الحوادث وحركتها، وطريقتهم في الواقع هي الاستدلال بالمعلول على العلّة، وربّما لا يفيد هذا الاستدلال اليقين ولكن طريق الحكماء الإلهيّين في إثبات وجود اللّه، إنّما هو الاستدلال من العلّة على المعلول المفيد لليقين، وكما ذهب أيضًا تبعًا للخواجة نصير الدين إلى أنّ قوله تعالى: ﴿أَوَلَمْ يَكْفِ بِرَبِّكَ أَنَّهُ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾، يدلّ على الاستدلال على اللّه تعالى بأيّ شيءٍ موجود في العالم.
وقد عدّ الفاضل المقداد السيوري - المتكلّم الشهير من مدرسة الحلّة المتأخّرة - برهان الصدِّيقين استدلالًا لمّيًّا، ولكن ذكر في كتبه تفسيرين للمّية هذا البرهان، فقد قال في كتابه إرشاد الطالبين أنّ جهة لمّية هذا البرهان كونه استدلالًا من الوجود نفسه على وجود واجب الوجود، ولكن نرى في كتابه الآخر اللوامع الإلهيّة لم يجعل لمّية البرهان الاستدلال من الوجود المطلق نفسه على وجود اللّه، بل من حيث الوصول من العلّة (أي اللّه تعالى)، إلى المعلول (أي غير اللّه أو سائر الموجودات).
وقد قال قطب الدين الرازي (ت 766هـ) أيضًا: «الاستدلال بالعلّة على المعلول هو الاستدلال من واجب الوجود على معلولاته. فإنّا في الطريقة المختارة [أي برهان الصدِّيقين] نثبت واجب الوجود أوّلًا، ثمّ نستدلّ به على سائر الموجودات. وأمّا القوم فيثبتون سائر الموجودات ويستدلّون بها على وجود واجب الوجود. وبعبارةٍ أخرى: نحن نثبت الحقّ ونستدلّ به على الخلق، وأمّا هم فيثبتون الخلق ويستدلّون به على الحقّ، فطريقنا أشرف وأوثق».
يظهر أنّ الأصل في برهان الصدِّيقين وما يدور حوله من بحثٍ عند مقارنته مع سائر براهين إثبات وجود اللّه تعالى، إنّما هو مسألة أصل إثبات وجود
اللّه، وعليه فإنّ الميزة التي أراد ابن سينا وكذلك الخواجة نصير الدين إثباتها لبرهان الصدِّيقين، لا بد أنْ يكون ناظرًا بطبيعة الحال إلى مسألة وجود اللّه. فطبقًا لتفسير الفاضل المقداد وكذلك القطب الرازي، إذا كانت لمّية برهان الصدِّيقين ويقينيته من حيث الاستدلال بوجود اللّه -كعلّة الموجودات- على المخلوقات، فحينئذٍ لا تكون لهذا البرهان ميزةٌ بخصوص إثبات وجود اللّه، وبالمآل سوف لا يكون لهذا البرهان ترجيحٌ على سائر البراهين.
وبعبارة أخرى: إنّ أساس كلام ابن سينا والخواجة نصير، أنّ طريق برهان الصدِّيقين من أفضل الطرق لإثبات وجود اللّه؛ لأنّه استدلالٌ لمّيٌّ أو شبه لمّ، ولكن سائر البراهين أدلّة إنّيّة، والحال أنّ تفسير الفاضل المقداد والقطب الرازي الدالّ على ترجيح برهان الصدِّيقين على سائر البراهين يعني أنّ إثبات الممكنات بالاستناد إلى واجب الوجود أفضل من إثبات واجب الوجود عن طريق الممكنات. والمعلوم أنّ هذا التقرير للمّية برهان الصدِّيقين، لا يوجب له مزيّة من حيث إثباته لوجود اللّه، والحال أنّ لمّية برهان الصدِّيقين وصفٌ ناظرٌ إلى مسألة إثبات اللّه تعالى، ويعدّ ميزة لهذا البرهان بخصوص هذه المسألة.
والخلاصة فيما يتعلّق برأي متكلّمي الإماميّة حول برهان الصدِّيقين من حيث إنّه لمّيّ أو شبه لمّيّ، فقد ذهب كلٌّ من الخواجة نصير الدين الطوسي، والعلّامة الحِلّي، وابن العتائقي، والفاضل المقداد السيوري، وابن أبي جمهور الإحسائي إلى أنّه لمّيّ، إذ نصل من وجود العلّة (أي الوجود نفسه وهو حقيقة اللّه تعالى)، إلى وجود المعلول (أي وجود اللّه)، ولكن ذهب بعضٌ أمثال الفياض اللاهيجي تبعًا لابن سينا، إلى أنّه شبه لمّ.
مقارنة برهان الصدِّيقين مع براهين الحدوث والقدم والإمكان والوجوب
إنّ الخصائص الموجودة في برهان الصدِّيقين، كانت السبب في إقبال الفلاسفة والمتكلّمين على هذا البرهان، وخلافًا لبرهان (الحدوث والقدم) الذي يُعدّ استدلالًا إنّيًا يُثبت فيه وجود الباري عن طريق المخلوقات الحادثة - وهي أفعال اللّه وآثاره - لذا ربّما لا يوجب اليقين، فإنّ برهان الصدِّيقين برهان لمّي أو شبه لمّي على الأقلّ، ويمكن من خلال إثبات الوجود نفسه وحقيقته، إثبات وجود واجب الوجود، أي لم يكن طريق الاستدلال من المعلول إلى العلّة؛ ولذا فإنّه برهانٌ مفيد لليقين.
مضافًا إلى هذه الميزة لبرهان الصدِّيقين، فقد أشار نصير الدين الكاشاني (ت 755هـ) - من متكلّمي مدرسة الحلّة المتأخّرة - في مقام المقارنة بين برهان الحدوث والقدم مع برهان الصدِّيقين لابن سينا، إلى نقطةٍ أخرى بخصوص أفضليّة برهان الصدِّيقين وهي وضوح مقدّمات برهان الصدِّيقين وغموض مقدّمات برهان الحدوث والقدم، وحيث قال: «واعلم أنّ بيان الشيخ في إثبات الواجب أشرف من بيان المتكلّمين؛ لأنّه بيّنه بالنظر في الوجود وتقسيمه إلى الواجب والممكن، وهذه أمور جليّة عند العقل، وأمّا المتكلّمون فبيّنوا أوّلًا حدوث العالم، ثمّ استدلّوا منه على ثبوت الواجب ببيان لو لم يرجع فيه إلى بيان الشيخ - وهو إبطال التسلسل - لم يتم دلالته على المطلوب. فهذا البيان موقوف على بيان الشيخ وحدوث العالم الذي لا يتمّ لو تمّ إلّا بأدلّة غامضة».
ثمّ إنّ مقارنة هذين البرهانَيْن من حيث النتيجة، يكشف لنا أنّ برهان الحدوث والقدم لا يستطيع من إثبات صفة (وجوب الوجود) إلى اللّه تعالى بمفرده، بل يثبت مجرّد وجود مُحدِثٍ قديمٍ للعالم الحادث، ولكن برهان الصدِّيقين - مضافًا إلى هذا- يثبت وجود واجب الوجود أيضًا، وهي نتيجة
أعلى وأشرف؛ لأنّه يمكن إثبات كثيرٍ من صفات اللّه تعالى عن طريق الاستناد إلى صفة وجوب الوجود، وعليه فإنّ برهان الصدِّيقين أشرف وأفضل من برهان الحدوث والقدم.
إلى هنا بيّنا وجوه تفضيل برهان الصدِّيقين على برهان الحدوث والقدم، وسنشير فيما يلي إلى وجوه تفضيل برهان الصدِّيقين على برهان الإمكان والوجوب:
إنّ برهان الصدِّيقين يدور مدار الموجود، إذ يثبت وجود اللّه عن طريق ملاحظة الوجود نفسه وحقيقته فقط، ولا يستند إلى وجود المخلوقات أبدًا؛ لذا فإنّ إنكار المخلوقات لا يخلّ في إثبات وجود اللّه في هذا الطريق، ولكن إنّ برهان الإمكان والوجوب يدور مدار المخلوق، إذ إنّ إنكار المخلوقات أو الممكنات يمنع من إثبات وجود اللّه في هذا الطريق.
إنّ عدد مقدّمات برهان الصدِّيقين أقلّ من مقدّمات برهان الإمكان والوجوب؛ لأنّ في برهان الصدِّيقين لا نحتاج إلى إثبات هذه المقدّمة الدالّة على (أنّ العالم أو جزءًا منه ممكن الوجود)، مضافًا إلى أنّ بعض تقاريره لا تتوقّف على إبطال الدور والتسلسل. وقد ثبت في المنطق أنّ مقدّمات البرهان إذا كانت أقلّ كان ذلك البرهان أفضل وأشرف؛ لأنّ طريق إثبات نتيجة البرهان فيه أقصر والوصول إلى المطلوب فيه أسرع.
إنّ عدد مقدّمات برهان الصدِّيقين البديهيّة أكثر بالنسبة إلى برهان الإمكان والوجوب؛ لأنّه يوجد في برهان الصدِّيقين مقدّمتان بديهيّتان على الأقلّ أو في حكم البديهي:
أ. (يوجد واقعٌ أو وجود)، وهي قضيّةٌ بديهيّةٌ غنيّةٌ عن الإثبات.
ب. (هذا الوجود إمّا واجب بالذات أو ممكن بالذات) وهو تقسيمٌ يبتني على أصل امتناع التناقض وتعريف الكلمات المستعملة فيه؛ لذا فهو قضيّةٌ في حكم البديهي الأوّلي. وبعبارةٍ أخرى فإنّ الحصر العقلي يقتضي أنّ كلّ موجودٍ إمّا يجب له الوجود ذاتًا (أي واجب الوجود بالذات) وإمّا لا (أي
ممكن الوجود). ولكن عندما نعرّج على برهان الإمكان والوجوب، نرى أنّ هذه المقدّمة القائلة (بأنّ العالم ممكن الوجود) أو (يوجد موجود ممكن) تحتاج إلى إثبات، أو أنّها على أحسن الأحوال من البديهيّات الثانويّة.
ومن الواضح أنّ مقدّمات برهان الصدِّيقين التي تكون بديهيّةً أوّليّة، أكثر إتقانًا وترجيحًا من مقدّمات برهان الإمكان والوجوب التي تكون بديهيّةً ثانويّةً على أحسن الأحوال؛ لذا فإنّ قيمة برهان الصدِّيقين المعرفيّة أكثر من برهان الإمكان والوجوب.
إنّ برهان الصدِّيقين يمتاز بتنوّع التقارير المذكورة له، ولكن لا يمتاز برهان الإمكان والوجوب بهذا التنوّع.
وفيما يلي نشير إلى بعض هذه التقارير المتنوّعة عند متكلّمي الإماميّة:
التقارير المختلفة لبرهان الصدِّيقين عند متكلّمي الإماميّة
لا بدّ من متابعة التقارير الأولى لبرهان الصدِّيقين عند متكلّمي الإماميّة في تراث مدرسة الحلّة المتأخّرة، إذ إنّ متكلّمي هذه المدرسة، ونظرًا لأهميّة برهان الصدِّيقين وخصائصه قاموا باقتباسه من فلسفة ابن سينا وغيره، وجعلوه في صدارة براهين إثبات وجود اللّه.
فبرهان الصدِّيقين عُدّ في مدرسة الحلّة الكلاميّة المتأخّرة، وكذلك في مدرستَيْ قم وأصفهان، من أهم براهين إثبات وجود اللّه وأشهرها. وفي الحقيقة منذ عصر الخواجة نصير الدين الطوسي (ت 672هـ) - ونحتمل أنّه أوّل من استدلّ ببرهان الصدِّيقين على إثبات وجود اللّه في علم الكلام الإمامي - وإلى يومنا الحاضر، قد أولى متكلّموا الإماميّة اهتمامًا خاصًّا بشرح وتبيين هذا البرهان، حيث كان لهم دورٌ بارزٌ في تداول هذا البرهان وشرحه وكذلك إعطاء تقارير إبداعيّةٍ عنه، ممّا أدّى إلى تقوية هذا البرهان وتكامله في علم الكلام الإمامي.
ولم يتمّ شرح تاريخ برهان الصدِّيقين لحدّ الآن في كلام الإماميّة، كما لم يُبيّن نوعية مشاركة علماء الإماميّة في تأييده ونشره أيضًا؛ لذا ولأجل التعرّف على التطوّرات التاريخيّة التي مرّ بها برهان الصدِّيقين في علم الكلام الإمامي، منذ وروده إلى التراث الكلامي في القرن السابع الهجري وإلى مدّة تكوينه في مدرسة أصفهان، نقوم هنا بسرد التقارير المختلفة التي ذكرها بعض متكلّمي.
نحتمل - بحسب الكتب والمصادر المتوفّرة لدينا - أنّ الخواجة نصير الدين الطوسي هو أوّل متكلّمٍ إماميّ استدلّ ببرهان الصدِّيقين على إثبات وجود اللّه في كتبه. فقد قام الخواجة بتبيين برهان الصدِّيقين في شرحه لكتاب ابن سينا الإشارات والتنبيهات، وبعد أنْ رآه طريقًا قويمًا لإثبات وجود اللّه، استفاد منه في آثاره الكلاميّة المختلفة. وقد ذكر الطوسي في كتبه ثلاثة تقارير مختلفة لهذا البرهان، فالتقرير الأوّل يدلّ بوضوح على اقتباسه من ابن سينا، إذ جعل إثبات الواجب متوقّفًا على استحالة الدور والتسلسل. أمّا في التقرير الثاني فيثبت واجب الوجود حتّى على افتراض التسلسل، والتقرير الثالث - وهو من إبداعات الخواجة الطوسي - يُثبت وجود الواجب من دون التوقّف على إبطال الدور والتسلسل، وسنشير إلى هذه التقارير الثلاثة فيما يأتي:
إنّ تقرير المحقّق الطوسي الأوّل لبرهان الصدِّيقين، يعدّ خلاصةً لبرهان الصدِّيقين السينوي، حيث لخّصه الطوسي في تجريد الاعتقاد وقال: «الموجود إنْ كان واجبًا فهو المطلوب، وإلّا استلزمه، لاستحالة الدور والتسلسل».
وقد بيّن العلّامة الحِلّي هذا البرهان في شرحه على تجريد الاعتقاد هكذا:
«الدليل على وجوده أنْ نقول: هنا موجودٌ بالضرورة، فإنْ كان واجبًا فهو المطلوب، وإنْ كان ممكنًا افتقر إلى مؤثّرٍ موجود بالضرورة، فذلك المؤثّر إنْ كان واجبًا فالمطلوب، وإنْ كان ممكنًا افتقر إلى مؤثّرٍ موجود، فإنْ كان واجبًا فالمطلوب، وإنْ كان ممكنًا تسلسل أو دار، وقد تقدّم بطلانهما».
وقد أعاد الخواجة هذا البرهان نفسه في كتابه قواعد العقائد بتفصيلٍ أكثر ونسبه إلى الحكماء وقال: «وأمّا الحكماء فقالوا: [إن] الموجودات تنقسم إلى واجبٍ وممكن، والممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثّرٍ موجد، فإنْ كان موجده واجبًا فقد ثبت إنّ في الوجود واجب الوجود لذاته، وإنْ كان ممكنًا كان محتاجًا إلى مؤثّرٍ آخر، والكلام فيه كالكلام في الأوّل، والدور والتسلسل محال كما مرّ».
وقد بيّن العلّامة الحِلّي هذا الاستدلال في شرحه على قواعد العقائد هكذا: «إنّ هنا موجودًا بالضرورة، فإمّا أنْ يكون واجبًا لذاته أو ممكنًا، فإنْ كان الأوّل فالمطلوب، وإنْ كان الثاني افتقر في وجوده إلى مؤثّرٍ يوجده؛ للعلم الضروري بأنّ الممكن محتاجٌ إلى مؤثّر، والموجد له إنْ كان واجبًا لذاته فالمطلوب، وإنْ كان ممكنًا افتقر إلى مؤثّرٍ آخر، ويلزم عنه إمّا الدور أو التسلسل أو الانتهاء إلى واجب، والدور والتسلسل محالان لما مرّ، فتعيّن الأخير».
وهذا التقرير لبرهان الصدِّيقين، لم يكن في الحقيقة سوى صورةٍ تفصيليّةٍ لبرهان الصدِّيقين السينوي، ولا يوجد فيه ابتكار وإضافات. وقد وردت أدلّةٌ كثيرةٌ تناظر هذه التقارير لبرهان الصدِّيقين السينوي، في كتب متكلّمي الإماميّة لإثبات وجود اللّه تعالى. وهذا يكشف عن إقبال المتكلّمين على برهان
الصدِّيقين، ويبيّن موقعيّته الرفيعة في مباحث الإلهيّات في كلام الإماميّة.
يظهر أنّ أوّل تحوّلٍ لتقرير برهان الصدِّيقين في كلام الإماميّة ظهر على يد الخواجة نصير الدين الطوسي، إذ استلهم من تقرير ابن سينا لبرهان الصدِّيقين في كتاب النجاة، ولعلّه أيضًا استفاد من الفخر الرازي في برهان (مجموع الممكنات 1) وقام بإعطاء تقريرٍ جديدٍ لبرهان الصدِّيقين يقوم بإثبات الواجب حتّى على افتراض تسلسل الممكنات، ويظهر أنّ الفخر الرازي هو أوّل من ذكر هذا التقرير لبرهان الصدِّيقين.
بيان ذلك:
إنّ التقرير الثاني الذي ذكره نصير الدين الطوسي لبرهان الصدِّيقين، والذي يثبت وجود واجب الوجود حتّى على افتراض تسلسل الممكنات، هو ما ذكره في كتابه قواعد العقائد ونسبه إلى الحكماء، وهذا التقرير كما قلنا يشبه كثيرًا (برهان مجموع الممكنات) الذي ذكره الفخر الرازي في كتاب المعالم، بالاعتماد على استدلال ابن سينا في كتاب النجاة ورسالة المبدأ أو المعاد.
قال المحقّق الطوسي بهذا الصدد: «وأمّا الحكماء فقالوا: [إنّ] الموجودات تنقسم إلى واجبٍ وممكن، والممكن يحتاج في وجوده إلى مؤثّرٍ موجد، فإنْ كان موجده واجبًا فقد ثبت أنّ في الوجود واجب الوجود لذاته، وإنْ كان ممكنًا كان محتاجًا إلى مؤثّرٍ آخر، والكلام فيه كالكلام في الأوّل، والدور والتسلسل محال كما مرّ، وعلى تقدير ثبوته نأخذ جميع الموجودات الممكنة فيكون ممكنًا؛ لأنّه لا يتحصّل بدون أفراده، وأفراد غيره. ثمّ المؤثّر فيه لا يجوز أنْ يكون نفسه، ولا يجوز أنْ يكون داخلًا فيه؛ لأنّ الداخل لا
يكون مؤثّرًا في نفسه ولا في علله، فلا يكون مؤثّرًا [في المجموع، فلم يبق إلّا أنْ يكون] للجميع مؤثّر خارج، والخارج عن جميع الممكنات لا يكون ممكنًا فيكون واجبًا، فإذن وجود واجب وجوده لذاته ضروري، وهو المؤثّر للممكنات كلّها وهو المطلوب».
وقد بيّن في هذا الاستدلال أنّ جميع موجودات العالم لو كانت ممكنة الوجود، لحصل عندنا مجموعةٌ من الممكنات وهي [أي المجموعة] ممكنة الوجود أيضًا؛ لذا تحتاج في وجودها إلى علّة، وهذه العلّة لا يمكن أنْ تكون المجموعة نفسها أو فرد من أفرادها؛ لذا لا بدّ من وجود موجودٍ خارج هذه السلسلة من الممكنات، ومن المعلوم أنّ الخارج عن هذه السلسلة لا يكون إلّا واجب الوجود، وعليه فإنّ وجود سلسلة الممكنات دليلٌ على وجود موجود واجب بالذات.
وقد أثبت الخواجة في استدلاله هذا باستحالة وجود سلسلة من الممكنات - المتناهية أو غير المتناهية - من دون وجود واجب بالذات، وبناء على هذا فإنّ وجود الممكنات يستلزم دائمًا وجود واجب الوجود بالذات. وهذا الاستدلال عند قائليه كما يثبت وجود واجب الوجود على افتراض تسلسل الممكنات، يثبت أيضًا استحالة التسلسل، إذ يُعدّ إحدى أدلّة إبطال التسلسل المشهورة.
وقد استمرّ الاستدلال بهذا التقرير الثاني لبرهان الصدِّيقين لدى كثيرٍ من متكلّمي الإماميّة سواء بنفس اللفظ أم ببعض التغييرات، كما حاول ابن ميثم البحراني (ت حدود 699) المعاصر للمحقّق الطوسي إعطاء تقريرٍ جديدٍ له. وكذلك الأمر عند العلّامة الحِلّي (ت 726هـ) تلميذ الطوسي، الذي ذكر هذا
البرهان بهذا التقرير في مجموعة من كتبه، مضافًا إلى تمسّكه بالتقرير الأوّل أيضًا. وقد تبع شراح الباب الحادي عشر أدلّة العلّامة الحِلّي وقاموا بشرحه وتبيينه، أمثال ابن مخدوم الحسيني (ت 976هـ) وصفي الدين الطريحي وابن أبي جمهور الإحسائي وغيرهم.
ورغم كثرة تداول هذا البرهان بتقريره الثاني أي مجموع الممكنات، فقد انبرى بعضهم لنقده وعدم كفايته، وذلك أنّ هذا التقرير يبتني على افتراض وجود حقيقةٍ مستقلّةٍ لمجموعة الممكنات عدا فردٍ من هذه السلسلة، لتحتاج هذه المجموعة إلى علّةٍ مستقلّة، والحال أنّ (مجموع الممكنات) أمرٌ انتزاعيّ واعتبارٌ عقليٌّ محض لم يكن له وجودٌ واقعيّ خارجيّ مستقلٌّ عن أفراد تلك المجموعة؛ لذا لا يمكن افتراض علّةٍ مستقلّةٍ له، وقد قال الملّا صدرا بهذا الصدد: «إنّا لا نسلّم أنّ للمجموع وجودًا آخر سوى وجودات الأجزاء، فإنّ كلّ موجودٍ لا بدّ له من وحدةٍ حقيقيّة... فإذا لم يكن للمجموع وجودٌ حقيقيّ بل اعتباري، لا يحتاج إلى علّةٍ موجودة».
وبعد هذه النقود المتوجّهة إلى هذا التقرير من برهان الصدِّيقين، قام بعضهم بردّ هذه الانتقادات وحاولوا تصحيح البرهان بنحوٍ يخلو من النقد والإشكال، وهو ما أُطلق عليه (برهان مجموع الممكنات 2). وقد أشار صدر المتألّهين إلى هذا الأمر حيث قال: «والأصوب أنْ يُقرّر كلام المصنف بهذا الوجه وهو: أنّه إنْ لم يكن في الوجود موجودٌ واجبٌ بالذات لكانت الموجودات بأسرها سواء كانت غير متناهيةٍ بأنْ تتسلسل أو متناهية بأنْ تدور؛ ممكناتٍ صرفة، وكلّ ممكنٍ جائز العدم لذاته، فيجوز انتفاء الآحاد بأسرها بأنْ لا يوجد واحدٌ منها أصلًا. ويلزم من ذلك أن لا يكون شيءٌ منها مستندًا
إلى سببٍ، وذلك محال؛ لأنّ سبب الممكن ما لم يجب به وجوده ولم يمتنع عدمه لو يوجد ذلك الممكن، فلا محالة من أنّ وجودات الممكنات - متناهية أو غير متناهية - تحتاج إلى علّةٍ خارجةٍ عنها».
لقد ذكر نصير الدين الطوسي في رسالته الموجزة والقيّمة (الفصول) التي كتبها باللغة الفارسيّة، تقريرًا جديدًا لبرهان الصدِّيقين لا يتوقّف على إبطال الدور والتسلسل، وهذا التقرير قد عدّه بعض شرّاح هذه الرسالة كالفاضل المقداد السيوري وعبد الوهاب الأسترآبادي، برهانًا بديعًا لإثبات وجود اللّه تعالى، وجعلاه من إبداعات الخواجة. علمًا بأنّ الطوسي لم يدع بأنّ هذا التقرير من إبداعاته، وربّما يكون فاضل المقداد السيوري أوّل من صرّح من المتكلّمين بإبداعيّة هذا التقرير، وقد وصف الخواجكي الشيرازي هذا التقرير بأنّه (أسهل الطرق وأخصر الطرق) لإثبات وجود اللّه، وعدّه طريقة المتألّهين والصدِّيقين. وقد انبرى بعد الطوسي كثيرٌ من المتكلّمين الإماميّة والأشاعرة لاقتياس هذا التقرير.
قال المحقّق الطوسي في تقرير هذا البرهان اعتمادًا على ترجمة ركن الدين الجرجاني له-: «تقسيم: وجود كلّ شيءٍ إمّا أنْ يكون من غيره أو لم يكن، والأوّل ممكن الوجود والثاني واجب الوجود، والموجودات بأسرها منحصرة فيهما. والممكن إذا كان وجوده من غيره، فإذا لم يعتبر ذلك الغير لم يكن له وجود، وإذا لم يكن له وجود لم يكن لغيره عنه وجود، لاستحالة كون المعدوم موجِدًا. أصل: كلّ من عرف حقيقة الواجب والممكن كما قلناه
عرف بأدنى فكرٍ أنّه لو لم يكن في الوجود واجب الوجود لم يكن لشيءٍ من الممكنات وجود أصلًا؛ لأنّ الموجودات حينئذٍ كلّها تكون ممكنة، والممكن ليس له من نفسه وجودٌ ولا لغيره عنه وجود، فلا بدّ من وجود واجب الوجود ليحصل وجود الممكنات منه».
وقد قال الفاضل المقداد في وصف هذا التقرير: «ولنذكر هنا طرقًا شريفةً منها بديع ومنها مشهور: أمّا الأوّل فدليلان، الأوّل مخترع المحقّق الطوسي وتقريره: لو لم يكن الواجب موجودًا لم يكن لشيء من الممكنات وجود أصلًا، واللازم كالملزوم في البطلان».
وحاصل هذا الاستدلال أنّنا لو افترضنا عدم وجود واجب الوجود في العالم، وأنّ جميع الموجودات الخارجيّة ممكنة الوجود، وبما أنّ الممكنات ليس لها وجود ذاتًا يلزم عدم وجودها، ولكن من البديهي وجود موجودات في الخارج، فثبت وجود واجب الوجود. فهذا التقرير يثبت وجود اللّه من دون حاجة إلى إبطال الدور والتسلسل.
وقد ذكر الفاضل المقداد هذا البرهان بأدنى اختلافٍ في شرحه على فصول الطوسي حيث قال: «الواجب لذاته موجود في الخارج؛ لأنّه لو لم يكن موجودًا في الخارج لانحصرت الموجودات الخارجيّة كلّها في الممكن، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله. أمّا بيان الملازمة فلما سبق من انحصار الموجود الخارجي في الواجب والممكن. وأمّا بطلان اللازم فلأنّه لو انحصر الموجود الخارجي في الممكن لم يكن لموجودٍ ما وجودٌ أصلًا، لكن اللازم باطل فالملزوم مثله».
إنّ المحور الأساسي في هذا التقرير الإبداعي للمحقّق الطوسي، إنّما
هو الالتفات إلى فقر ممكن الوجود الذاتي والوجودي، وعدم استقلاله الذاتي في الوجود والإيجاد، من دون فرق بين الممكنات المتناهية أو غير المتناهية، كما أنّه يبتني على المبنى الأصيل القائل بـ(تقدّم ما بالذات على ما بالعرض)، أو قاعدة (كلّ ما بالعرض ينتهي إلى ما بالذات)، وفي الحقيقة فإنّ المحقّق الطوسي بعد تعريف ممكن الوجود بالموجود الذي لا وجود له ذاتًا وإنّ وجوده مأخوذٌ من الغير، وبعد تعريف واجب الوجود بالموجود الذي وجوده ذاتي ولم يؤخذ من الغير، قد استنتج أنّ موجودات العالم لو كانت جميعها ممكنة الوجود ولم يكن لها وجود ذاتًا، لزم أنْ تعتمد في وجودها على ما يكون وجوده ذاتي، وهذا الموجود لا يكون إلّا واجب الوجود، وبعبارةٍ أُخرى: إنّ الموجودات الخارجيّة إذا لم يكن وجودها من ذاتها، لكان وجودها بالعرض وناشئًا من الغير، ولا بد أنْ يكون هذا (الغير) موجودًا بالذات أي واجب الوجود. ففي الحقيقة لم يتحقّق أيّ موجودٍ في الخارج ما لم يكن وجودًا يعتمد في وجوده على ذاته. إنّ ممكن الوجود سواء كان متناهيًا أم غير متناهٍ سيكون بحكم موجودات بالقوّة من دون وجود واجب الوجود، ويكون وجودها مشروطًا بوجود واجب الوجود، فإذا لم يكن واجب الوجود لم توجد الممكنات.
لقد لاقى برهان المحقّق الطوسي الذي يثبت وجود اللّه تعالى من دون الحاجة إلى إبطال الدور والتسلسل، رواجًا كبيرًا بين متكلّمي الإماميّة، وقد استشهد كثيرٌ منهم في مباحث الإلهيّات بهذا البرهان، أو قاموا بالاقتباس منه وتدوين تقارير جديدةٍ عنه مع الحفاظ على بنية التقرير الذي أفاده المحقّق الطوسي. ومن هؤلاء فخر المحقّقين ابن العلّامة الحِلّي الذي استشهد في كتابه تحصيل النجاة في أصول الدين ببرهان الصدِّيقين بما يشبه هذا التقرير للمحقّق الطوسي، فقال: «من عرف حقيقة الواجب والممكن عرف بأدنى فكر وجود الواجب لذاته؛ لأنّه كلّما وُجد موجود وُجد الواجب لذاته. والأوّل
حقّ فالثاني مثله. أمّا الملازمة فلأنّ ذلك الوجود إمّا واجب أو ممكن، فإنْ كان واجبًا فالملازمة ظاهرة، وإنْ كان ممكنًا فلأنّه لا يكون بانفراده موجودًا، وكلّ ما لا يكون بانفراده موجودًا لا يكون مُوجِدًا. فلو كان جميع الموجودات ممكنًا، لم يكن شيءٌ منها بانفراده موجودًا ولا مُوجِدًا، فيلزم من كون جميع الموجودات ممكنًا عدم الموجودات وهو محال. فإذا لم يكن جميع الموجودات ممكنًا كان بعضها واجبًا».
يُعدّ علي بن محمّد بن عليّ نصير الدين الكاشاني (القاشي) الحِلّي (ت 755هـ) من كبار علماء الإماميّة في مدرسة الحلّة المتأخّرة، وكان عالمًا في مختلف العلوم كالكلام والفلسفة والمنطق والفقه. ولقد وصفه الفاضل المقداد بألقابٍ فخمةٍ من قبيل (سلطان المحقّقين، وارث الأنبياء والمرسلين، نصير الملّة والحقّ والدين، علي بن محمّد القاشي). ولم نقف على أساتذته بالتفصيل سوى جلال الدين جعفر بن علي بن صاحب دار الصخر الحسيني، ولكن وردت عدّة أسماء لامعة في عداد تلامذته من قبيل السيِّد حيدر الآملي (ت 787هـ)، وشمس الدين محمّد بن صدقة الحلّي، وعبد الرحمن بن محمّد بن إبراهيم العتائقي الحلّي (كان حيًا 790هـ).
وقد ألّف نصير الدين الكاشاني كتبًا كلاميّة مهمّة، منها: النكات بمسائل امتحانيّة في علمي المنطق والكلام، وموصل الطالبين إلى شرح نهج المسترشدين، وحاشية على معارج الفهم وغيرها. وقد قام الكاشاني بإعطاء تقريرٍ جديدٍ عن برهان الصدِّيقين يعدّ من إبداعاته، وقد أحدث تطوّرًا جديدًا في هذا البرهان عند الإماميّة، ولم يلق تقريره رواجًا كثيرًا ربّما لعدم انتشار كتبه، وربّما نسب برهانه هذا إلى المحقّق الطوسي خطأ.
وقد أورد الكاشاني تقريره الإبداعي لبرهان الصدِّيقين في شرحه على كتاب نهج المسترشدين للعلّامة الحِلّي الموسوم بـموصل الطالبين إلى شرح نهج المسترشدين، وقد جعله أفضل من برهان الصدِّيقين السينوي لعدم ابتنائه على بطلان الدور والتسلسل، وهو وإنْ لم يشر إلى إبداعيّة برهانه ولكن قد صرّح بذلك بعض متكلّمي الإماميّة المتأخّرين منهم السيِّد جلال الدين شرف شاه العلوي الحسيني (ت حدود 810هـ) حيث تكلّم عن هذا البرهان في شرحه على الباب الحادي عشر وقال عنه: «وهنا برهانٌ آخر أشرف من الأوّل على إثبات واجب الوجود بغير إبطال الدور والتسلسل، وذلك ممّا سنح لمولانا العالم الفاضل، وارث الأنبياء والمرسلين، سلطان الحكماء والمتكلّمين، نصير الملّة والحقّ والدين، علي بن محمّد القاشي قدّس اللّه نفسه وروّح رمسه».
وكذلك ذكره الفاضل المقداد (ت 826هـ) ومدحه وقال: «وهاهنا برهانٌ بديعٌ غير متوقّفٍ على إثبات الدور والتسلسل، سمعناه من شيخنا دام شرفه، وهو من مخترعات العلّامة سلطان المحقّقين، وارث الأنبياء والمرسلين، نصير الملّة والحقّ والدين، علي بن محمّد القاشي قدّس اللّه سرّه وبحظيرة القدس سرّه».
وكذلك الأمر عند ابن أبي جمهور الإحسائي (ت بعد 904هـ) حيث اطّلع عليه عن طريق كتب الفاضل المقداد، وقال عنه: «... وهو برهانٌ حسنٌ بديع، اخترعه وأجاد في تقريره، لم تمسّه أذهان المتقدّمين، ولا اهتدت إليه عقول الحكماء والمتكلّمين... وهذا البرهان مع حسنه وبداعة ألفاظه، اشتمل على شيءٍ لم تشتمل عليه البراهين المتقدّمة؛ لأنّه لم يُحتج فيه إلى إبطال الدور
والتسلسل».
إنّ برهان الصدِّيقين عند الكاشاني يبتني على مقدّمتين تصوّريّة وتصديقيّة، إنّه يقول بهذا الصدد: «وهنا برهانٌ آخر على إثبات واجب الوجود، أشرف من الأوّل لكونه غير متوقّفٍ على بطلان الدور والتسلسل، وتقريره موقوفٌ على مقدّمتين تصوّريّة وتصديقيّة، أمّا الأولى فهو أنّ مرادنا بالموجب التامّ، يكون كافيًا في وجود أثره، وأمّا الثانية فهو أنْ لا شيء من الممكن بموجِبٍ تامٍّ لوجود شيءٍ من الأشياء، بيانه: إنّ إيجاد الممكن لغيره يتوقّف على وجوده ووجوده من غيره، فإيجاده لغيره من غيره، فلا يكون موجبًا تامًّا. إذا تقرّر ذلك فنقول: هاهنا موجودٌ بالضرورة، فيفتقر إلى موجِبٍ تامّ بوجوده، وليس ذلك ممكنًا لما قلنا في المقدّمة التصديقيّة، فيكون واجبًا، فيكون الواجب موجودًا وذلك هو المطلوب».
إنّ برهان الكاشاني الإبداعي يشبه كثيرًا برهان المحقّق الطوسي، إذ إنّ كليهما يعتمدان على أصل (الفقر الذاتي، والوجود المشروط بالقوّة لممكن الوجود)، وأصل (عدم العلّية والأثر الذاتي لممكن الوجود).
وقد ورد في تقرير الكاشاني قوله: «هاهنا موجودٌ بالضرورة فيفتقر إلى موجِبٍ تامٍّ يوجده»، ويظهر منه استناده على إمكان الوجود الخارجي وحاجته إلى العلّة التامّة. وعليه يكون مراده من (الموجود) خصوص ممكن الوجود لا مطلق الموجود أعمّ من الواجب والممكن، فيتوقّف استدلاله حينئذٍ على إثبات إمكان الموجود الخارجي، وهذه المقدّمة تخرج برهان الكاشاني من نطاق برهان الصدِّيقين وتدخله في برهان الإمكان والوجوب.
وممّا يؤيّد هذا ما ذكره ابن أبي جمهور الإحسائي، حيث قرّره ضمن برهان الإمكان والوجوب غير المتوقّف على الدور والتسلسل، فقال: «وللعلامة
لإمام نصير الدين الكاشي هنا برهانٌ بديعٌ غير موقوفٍ على [إبطال الدور والتسلسل] تقريره أنْ يقال: هنا موجوداتٌ ممكنةٌ قطعًا، فلا بدّ لها من موجِبٍ تامّ، ونعني بالموجِب التامّ الكافي في وجود أثره، فيكون واجبًا؛ لأنّ الممكن لا يكون موجِبًا تامًّا لغيره؛ لأنّ الممكن ليس له وجودٌ ولا لغيره عنه وجود، فلا بدّ من مؤثّرٍ واجبٍ وهو المطلوب».
ويذكر الكاشاني هنا إشكالين ويُجيب على أحدهما ويترك الآخر من دون جواب، وقد ذكر الفاضل المقداد الجواب للإشكال الثاني. قال الكاشاني: «وعلى البرهان المذكور نقضان إجماليّان. أمّا الأوّل فتقريره أنْ يقال: لو كان هذا البرهان حقًّا للزم قدم الحادث اليومي، واللازم باطل فالملزوم مثله، بيان الملازمة: إنّ الحادث اليومي ممكنٌ مفتقرٌ إلى موجِبٍ تامٍّ يؤثّر فيه ويوجده، وليس ذلك ممكن كما قلتموه، فيكون واجبًا وهو المدعى، وقدم العلّة يستلزم قدم المعلول، فيكون الحادث اليومي قديمًا. والجواب: إنّا لا نسلّم أنّه يلزم من قدم الواجب قدم الحادث اليومي، وإنّما يلزم أنْ لو كان المؤثّر موجبًا، أمّا إذا كان مختارًا فلا، والمؤثّر هنا مختار كما سيأتي، فلا يلزم حينئذٍ قدم الحادث اليومي.
وأمّا الثاني فتقريره أنْ نقول: لو صحّ دليلكم للزم أنْ لا يكون في الوجود مؤثّرٌ غير اللّه تعالى. وبيان ذلك: «إنّ الأثر المذكور ممكنٌ، فيفتقر إلى مؤثّرٍ، وذلك ليس بممكنٍ كما قلتموه فيكون واجبًا وهو المطلوب»».
وقد أجاب الفاضل المقداد على الإشكال الثاني بقوله: «والأولى في الجواب أنْ يقال: المعتزلي لا يقول: إنّ هذا الشخص الممكن موجِبٌ تامٌّ لأفعاله بل مباشرٌ قريب. وحينئذٍ نقول: إنّ هذا الشخص ليس موجِبًا تامًّا،
ضرورة توقّف فعله على وجوده وعلى شرائط أُخر. ونحن لم نقل: إنّ الممكن لا يكون موجبًا مطلقًا، بل لا يكون موجبًا تامًّا بالنظر إلى ذاته، فلا يتمّ النقض».
وهاهنا ملاحظةٌ جديرةٌ بالإشارة إليها، وهي أنّه نُسب هذا التقرير خطأً إلى نصير الدين الطوسي، إذ طبع ملخّص هذا التقرير ضمن الرسائل المختصرة المطبوعة في كتاب تلخيص المحصل للمحقّق الطوسي تحت عنوان (برهان في إثبات الواجب)، فمع لحاظ أنّ هذا التقرير لم يرد في كتب الطوسي الأساسيّة، ومع لحاظ اعتراف الفاضل المقداد وشرف شاه الحسيني بأنّه من إبداعات الكاشاني، لا يبقى مجالٌ للشكّ في عدم صحّة تلك النسبة، وإنّ هذا البرهان للكاشاني لا المحقّق الطوسي.
علمًا بأنّ هذا التقرير لبرهان الصدِّيقين الذي ابتكره الكاشاني، قد انعكس في الكتب الكلاميّة إمّا بشكل نقل مباشرٍ وإمّا على شكل اقتباسٍ مع بعض التعديلات والإضافات، وممّن اعتمد على هذا البرهان كلٌّ من الفاضل المقداد وشرف شاه الحسيني -كما مرّ- وكذلك فخر المحقّقين حيث أعطى تقريرين جديدين لهذا البرهان، وكذلك الأمر عند نجم الدين خضر بن محمّد الحَبلَرودي (ق 9)، وسليمان أحمد القطيفي (ت 1266هـ).
بعدما بيّنا تطوّرات برهان الصدِّيقين في مدرسة الحلّة المتأخّرة، نعرّج على مدرسة قم لنرى تطوّرات هذا البرهان فيها، ونقتصر على بيان الفياض
اللاهيجي (ت 1072هـ)، إذ يُعدّ الممثّل الأبرز لهذه المدرسة. وقد حاول اللاهيجي وبالاعتماد على قاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) من إعطاء تقارير جديدةٍ لهذا البرهان بحيث لا يتوقّف على الدور والتسلسل، وسنشير فيما يلي إلى تقريرينلهذا البرهان عند اللاهيجي.
لقد ذكر اللاهيجي في شرحه لتجريد الاعتقاد أنّ برهان الصدِّيقين الذي ذكره المحقّق الطوسي (أي قوله: الموجود إن كان واجبًا فهو المطلوب، وإلّا استلزمه لاستحالة الدور والتسلسل)، يتوقّف على إبطال الدور والتسلسل، ولكن يمكن تقرير هذا البرهان بنحوٍ لا يتوقّف على إبطال الدور والتسلسل، ويكون أخصر وأسهم. والبرهان الذي يقرّره اللاهيجي يبتني على ما اقتبسه اللاهيجي من برهان إبطال التسلسل عند المحقّق الطوسي، حيث قال: «إنّ الممكن لا يجب لذاته، وما لا يجب لذاته لا يكون له وجود، وما لم يكن له وجود لا يكون لغيره عنه وجود، فلو كانت الموجودات بأسرها ممكنة لما كان في الوجود موجود، فلا بد من واجب لذاته، فقد ثبت واجب الوجود وانقطعت السلسلة أيضًا. وهذه طريقة حسنة حقّة مستقيمة خفيفة المؤنة».
وبعد هذه المقدّمة يقرّر اللاهيجي رأيه حول برهان الصدِّيقين من دون أنْ يتوقّف على إبطال الدور والتسلسل قائلًا: «واعلم أنّه يمكن أن يقرّر هذا الدليل على الوجه الذي قرّرنا به إبطال التسلسل بأنّ نقول: وهكذا فسواء رجعت الحاجة إلى الممكن الأوّل أو ذهبت إلى غير النهاية لا يمكن أنْ يجب بذلك وجود الممكن الأوّل، وإنّما يجب لو انسدّ عليه جميع أنحاء العدم، وهو غير ممكن مع انحصار الموجودات في الممكنات، فلا بدّ من الواجب الوجود لذاته ليستند إليه وجوب الواجبات بالغير من الممكنات بالغير من
الممكنات وهو المطلوب، وحينئذٍ لا توقّف لهذا الدليل على إبطال الدور والتسلسل وإن لزم منه إبطالهما».
لقد قسّم الفياض اللاهيجي براهين إثبات وجود اللّه في كتابه سرمايه ايمان إلى البراهين المتوقّفة على إبطال الدور والتسلسل والبراهين غير المتوقّفة على إبطالهما. وقد ذكر ما لا يتوقّف على إبطال الدور والتسلسل بإسهابٍ ومقدّماتٍ كثيرةٍ لا تخلو من إبداع، ونقدّم خلاصة استدلاله في قالب القياس الاستثنائي هكذا: إذا لم يكن هناك واجب الوجود، لا يتحقّق أيّ موجود، سواء كان الدور والتسلسل باطلًا أم لم يكن، ولكن ممكن الوجود موجود، فواجب الوجود أيضًا موجود.
وقد بيّن الفياض استدلاله هذا على النحو التالي:
إذا لم يكن ضمن موجودات العالم واجب الوجود، وكان الجميع ممكنًا، فتكون مجموع الممكنات حينئذٍ في العالم:
أ. إمّا موجودًا واحدًا حقيقيًّا متميّزًا، أي بأنْ يكون له مضافًا إلى أفراد المجموعة صورة وهيأة حقيقيّة في الخارج، ويكون لمجموعها من حيث كونها مجموعة وحدة حقيقيّة قائمة بأفراد تلك المجموعة، كالدار التي لها شكل وصورة حقيقيّة مضافًا إلى الأجزاء.
ب. وإمّا لا يكون موجودًا واحدًا حقيقيًّا متميّزًا، ولا يتحقّق في الخارج شيء سوى أفراد الممكن من تلك المجموعة، كأفراد الجنود في الجيش مثلًا.
إذا كانت مجموع الممكنات موجودًا واحدًا حقيقيًّا متميّزًا في الخارج، فحينئذٍ:
أ. بما أنّه قد افترضنا عدم وجود الواجب في الخارج، لا بد أنْ يكون هذا
الموجود الواحد الحقيقي المتميّز ممكن الوجود أيضًا.
ب. كلّ ممكن الوجود محتاجٌ إلى العلّة كي تمنح له وجوب الوجود.
ج. بما أنّ هذه المجموعة لم تكن واجب الوجود، لا يمكن أنْ تكون علّةً تامّةً لنفسها.
د. فالعلّة التامّة لهذه المجموعة إمّا أن تكون الأفراد والأجزاء وإمّا موجودًا خارجًا عنها.
هـ. إنّ العلّة التامّة لهذه المجموعة لم تكن أفراد تلك المجموعة؛ لأنّ العلّة التامّة لتلك المجموعة لا بدّ أنْ تكون علّة كلّ فردٍ من أفرادها، وعليه يلزم أنْ تكون علّة المجموعة علّة نفسها أيضًا لأنّها أحد أفراد المجموعة. ولكن ذلك الفرد من المجموعة - بحسب الافتراض- ممكن الوجود أيضًا، ويستحيل أن يكون الممكن علّة لنفسه.
و. لا تكون علّة هذه المجموعة موجودًا خارجًا عنها أيضًا؛ لأنّ الخارج من مجموعة الممكنات لا يكون إلّا واجب الوجود، وليس لنا واجب الوجود في الخارج بحسب الافتراض.
وعليه فإنّ مجموعة الممكنات لم تكن موجودًا واحدًا حقيقيًّا متميّزًا في العالم الخارجي [لعدم إمكان تصوّر علّة لها].
إذا لم تكن مجموعة الممكنات موجودًا واحدًا حقيقيًّا متميّزًا في العالم الخارجي، فلا تحتاج هذه المجموعة حينئذٍ إلى علّةٍ مستقلّة، لأنّه لا يوجد في الخارج سوى أفراد متعدّدين ومتكثّرين يكون كلّ واحدٍ منهم علّة الآخر، وعليه فتحقّق هذه المجموعة - وتعدّ اعتباريّة من حيث كونها مجرّد مجموعةٍ لا أكثر- بحاجة إلى تحقّق أفرادها، وكلّ واحدٍ منهم موجودٌبسبب الفرد الآخر بحسب الافتراض.
إنّ مجموعة الممكنات المركّبة من الأفراد، موجودٌ مستقلٌّ متكثّرٌ، وتختلف عن أفرادها، أي أنّها وجودٌ كثير -لا وجود واحد حقيقي- مستقلّ
عن وجود كلّ فردٍ من الأفراد، وتكون عين وجود الأفراد، ولمّا كان هذا الوجود الكثير المستقلّ يكون عين وجود الأفراد، لم يكن له علّة سوى العلل المتعلّقة بفرد فردٍ بحسب الافتراض (لأنّنا افترضنا أنّ كلّ فردٍ من أفراد المجموعة علّةٌ للآخر).
إنّ وجود مجموعة الممكنات من حيث إنّه عين وجود الأفراد، وإنْ لم يحتج إلى علّةٍ مستقلّةٍ غير علّة الأفراد، غير أنّه لأجل أنْ يكون واجب الوجود يحتاج إلى علّةٍ أُخرى غير علّة الأفراد؛ لأنّ هذه الأفراد لا تستطيع أنْ تكون سببًا لوجوب وجود مجموعة الممكنات، وفي الحقيقة أنّ وجود مجموعة الممكنات وجودٌ إمكانيّ وقابلٌ للعدم؛ وذلك أنّ وجود كلّ واحدٍ من أفراد تلك المجموعة وإنْ كان واجبًا بسبب وجود علّته - وهي فردٌ آخر من تلك المجموعة نفسها - ولكن مع هذا فإنّ انعدام مجموع تلك الأفراد الإمكانيّة سوية ممكن ومحتمل أيضًا بدليل إمكان كلّ واحدٍ من تلك الأفراد، وعليه بما أنّ انعدام تلك المجموعة من الممكنات جائز، لا يكون وجود مجموعها واجبًا، أي أنّ مجموعة الممكنات ممكنة.
إنّ كلّ ممكن الوجود لم يوجد ما لم يصل إلى مرتبة وجوب الوجود.
إنّ مجموعة الممكنات - المركب من وجوب الأفراد - لا يكون موجودًا ما لم يصل إلى وجوب الوجود.
لا يمكن أن تكون علّة وجود مجموعة الممكنات واحدًا من أفراد المجموعة؛ لأنّ هذه السلسلة أو المجموعة لا تكون إلّا عين وجود أفرادها. وعليه فلو كان فردٌ من أفراد هذه السلسلة علّة وجوب وجود جميع أفراد المجموعة والسلسلة، للزم أنْ يكون علّة لوجوب وجود نفسه أيضًا، أي يلزم أنْ يكون واجب الوجود بالذات والحال أنّنا افترضناه ممكن الوجود.
إنّ مجموع السلسلة لا يمكن أنْ تكون علّة وجوب الوجود أيضًا، لأنّ مجموع السلسلة تكون عين أفراد السلسلة ووجودها عين وجود الأفراد، وبما
(40)أنّ كلّ فردٍ منها ممكن الوجود، فمجموع السلسلة تكون ممكن الوجود أيضًا، وما كان ممكن الوجود لا يكون علّة لوجوب الوجود.
إذا لم تكن علّة وجوب وجود سلسلة الممكنات فردًا من الأفراد ولا المجموعة، لا بد أنْ تكون علّة وجوب الوجود موجودًا خارج سلسلة الممكنات.
إنّ الموجود الخارج عن سلسلة الممكنات لا بدّ أنْ يكون واجب الوجود بالذات.
إذا لم يكن هناك واجب الوجود بالذات، لم يتحقّق أيّ ممكن.
ولكن إنّ وجود الممكنات ثابت.
والنتيجة أنّ واجب الوجود بالذات موجود.
كما هو الملاحظ فإنّ استدلال اللاهيجي المطوّل يبتني على قاعدة (الشيء ما لم يجب لم يوجد) وملخّصه أنّ موجودات العالم إذا لم تصل إلى مرحلة وجوب الوجود، ولم تنتف جميع احتمالات عدمها، لا توجد أبدًا. ولكن نرى وجود موجوداتٍ في العالم الخارجي، ويتبيّن أنّها وصلت إلى مرحلة وجوب الوجود، ثمّ إنّ سبب وجوب وجود الموجودات لم يكن واحدًا من تلك الموجودات الممكنة ولا مجموعها؛ لأنّها لا تكون واجبة الوجود ذاتًا، و هي أيضًا قابلة للعدم، فمهما تعدّدت لا يمكنها أنْ تكون موجبًا لوجود شيءٍ آخر، فلا يكون أيّ ممكنٍ منشأ وجوب الممكنات وامتناع عدمها. وعليه يلزم وجود موجود واجب بالذات يمنح الممكنات وجوب الوجود. وبعبارةٍ أخرى: إنّ الممكنات - سواء المتناهيات أم غير المتناهيات - تكون موجودةً جميعها بالقوّة وبشكل مشروط، وما دام لم يكن واجب الوجود بالذات يوصلها إلى حدّ الوجوب والفعليّة، لا يوجد أيّ واحدٍ منها بالفعل. وفي مقام التشبيه يقال إنّ الموجودات الممكنة تكون بمنزلة الصفر، فمهما
كثرت الأصفار وتعدّدت يكون مجموعها صفرًا أيضًا، وما دام لم يأتِ العدد في بدايتها لم تنل التحقّق والفعليّة.
فهذا التقرير لا يبتني على إبطال الدور والتسلسل؛ لأنّه يؤكّد على أنّ مجموع ممكنات العالم، ممكنة الوجود لا تصل إلى مرحلة وجوب الوجود من دون وجود واجب الوجود بالذات، وعليه سواء كان الدور والتسلسل باطلًا أم لم يكن، يلزم وجود الواجب بالذات لتحقّق الموجودات الممكنة.
لقد شهد برهان الصدِّيقين في مدرسة أصفهان الفلسفيّة والكلاميّة في العصر الصفوي تحوّلًا كبيرًا بجهود الملّا صدرا (ت 1050هـ)، وقد استمرّ هذا التحوّل على يد أتباع مدرسة الحكمة المتعالية، ومنهم الملّا محسن الفيض الكاشاني (ت1091هـ) حيث رأى كغيره أنّ برهان الصدِّيقين أقوى وأسرع دليلٍ على إثبات وجود اللّه تعالى، ولا يحتاج في تقريره إلى لحاظ غير اللّه تعالى.
وقد ذكر الكاشاني تقريرين لهذا البرهان غير معتمدين على إبطال الدور والتسلسل في كتبه الكلاميّة، ولا يوجد فيهما أيّ إبداع خاصّ.
لقد ذكر الملّا محسن الفيض تقريره الأوّل تحت عنوان (آية أصل الوجود) وقال: «آية أصل الوجود، فإنّه إنْ كان قائمًا بذاته غير متعلّقٍ بغيره أصلًا، فهو اللّه المبدأ المبدئ، وإنْ كان قائمًا بغيره، وذلك الغير يكون وجودًا أيضًا، إذ غير الوجود لا يتصوّر أنْ يكون مقوّمًا للوجود، فننقل الكلام إليه وهكذا إلى أنْ يتسلسل أو يدور أو ينتهي إلى وجودٍ قائمٍ بذاته، غير متعلّقٍ بغيره أصلًا. ثمّ جميع تلك الوجودات المتسلسلة أو الدائرة في حكم وجودٍ واحدٍ في تقوّمها بغيرها، وهو اللّه القيوم جلّ ذكره».
التقرير الثاني
التقرير الثاني لبرهان الصدِّيقين عند الكاشاني يشبه كثيرًا تقرير الخواجة نصير الدين الطوسي المذكور في رسالة الفصول، حيث نقله الكاشاني مع اختلافٍ طفيفٍ تحت عنوان (آية الإمكان والفقر)، وقال: «لو لم يوجد الواجب - أعني الغني بالذات - لم يوجد الممكن - أعني المستغني بالغير- فلم يوجد موجود أصلًا؛ لأنّ ذلك الغير على هذا التقرير مستغنٍ بالغير، فإمّا أنْ يتسلسل أو يدور، وعلى التقديرين جاز انتفاء الكلّ بألّا يوجد شيءٌ منها أصلًا، فلا بدّ من مرجّحٍ خارج عنها يرجّح وجودها، وهو الغني بالذات: ﴿ واللّه الغنيّ وأنتم الفقراء﴾».
1. آل عبد الجبّار القطيفي، سليمان بن احمد. إرشاد البشر في شرح الباب الحادي عشر. قم: شركة دار المصطفى لإحياء التراث، 1429 هـ ق.
2.ابن أبي جمهور الأحسائي، محمد بن علي. مجلي مرآة المنجي. بيروت: جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث، 1434 هـ ق.
3.ــــــــــــــ. كشف البراهين لشرح زاد المسافرين. بيروت: جمعية ابن أبي جمهور الأحسائي لإحياء التراث، 1439 هـ ق.
4.ابن العتائقي الحلي، عبد الرحمن. الإيضاح والتبيين شرح مناهج اليقين. النجف: العتبة العلوية المقدسة، 1438 هـ ق.
5.ابن سينا، الحسين بن عبد اللّه. النجاة من الغرق في بحر الضلالات. تهران: انتشارات دانشگاه تهران، 1379 هـ ش.
6.ــــــــــــــ. المبدأ والمعاد. تهران: انتشارات مؤسسة مطالعات إسلامي دانشگاه تهران، 1383 هـ ش.
7.ــــــــــــــ. الإشارات والتنبيهات. قم: مؤسسة بوستان كتاب، 1387 هـ ش.
8.ابن مخدوم الحسيني، أبو الفتح. مفتاح الباب. مشهد: مؤسسة چاپ وانتشارات آستان قدس رضوي، 1372 هـ ش.
9.الإسترآبادي، السيد عبد الوهاب بن علي. شرح الفصول النصيريّة. كربلاء: قسم الشؤون الفكرية والثقافية في العتبة الحسينية المقدسة، 1433 هـ ق.
10.الإيجي، عضد الدين. المواقف في علم الكلام. بيروت: عالم الكتب.
11الباغنوي، ميرزا حبيب اللّه. الحاشية على المحاكمات بين شرحي الإشارات. تهران: ميراث مكتوب، 1381 هـ ش.
12.البحراني، ابن ميثم كمال الدين ميثم بن علي. قواعد المرام في علم الكلام. كربلاء: العتبة الحسينية المقدسة، 1435 هـ ق.
13.الحلّي، الحسن بن يوسف. الأسرار الخفية..
14.ــــــــــــــ. الباب الحادي عشر. قم: منشورات مكتبة العلامة المجلسي، 1430 هـ ق.
15.ــــــــــــــ. تسليك النفس الى حظيرة القدس. قم: مؤسسة الامام الصادق؟ع؟، 1426 هـ ق.
16.ــــــــــــــ. كشف الفوائد في شرح قواعد العقائد. بيروت: دار الصفوة، 1413 هـ ق.
17.ــــــــــــــ. كشف المراد في شرح تجريد الاعتقاد. قم: مؤسسة النشر الإسلامي، 1422 هـ ق.
18.ــــــــــــــ. مناهج اليقين في أصول الدين. مشهد: آستان قدس رضوي، 1388 هـ ش.
19.الرازي، فخر الدّين محمد بن عمر. معالم أصول الدين. كويت: دار الضياء، 1433 هـ ق.
20.ــــــــــــــ. شرح الإشارات والتنبيهات. تهران: انجمن آثار ومفاخر فرهنگي، 1384 هـ ش.
21.ــــــــــــــ. لباب الإشارات والتنبيهات.
22.الرازي، قطب الدين. الإلهيات من المحاكمات بين شرحي الإشارات. تهران: ميراث مكتوب، 1381 هـ ش.
23.السيوري الحلّي، مقداد بن عبد اللّه. اللوامع الإلهية في المباحث الكلامية. قم: مؤسسة بوستان كتاب، 1387 هـ ش.
24.ــــــــــــــ. الأنوار الجلالية في شرح الفصول النصيرية. مشهد: مجمع البحوث الإسلامية، 1392 هـ ش.
25ــــــــــــــ. إرشاد الطالبين الى نهج المسترشدين. قم: مكتبة آية اللّه المرعشي العامة، 1405 هـ ق.
26.الشيرازي، صدر الدين محمد. شرح الهداية الأثيرية. تهران: بنياد حكمت إسلامي صدرا، 1393 هـ ش.
27.الطريحي، صفي الدين. مطارح النظر في شرح الباب الحادي عشر. قم: نشر باقيات ومكتبة فدك، 1428 هـ ق.
28.الطوسي، نصير الدين. تجريد الاعتقاد. قم: مكتب الإعلام الإسلامي، 1407 هـ ق.
29.ــــــــــــــ. فصول العقائد. بغداد: مطبعة المعارف، 1380 هـ ق.
30.ــــــــــــــ. شرح الإشارات والتنبيهات. قم: نشر البلاغة، 1375 هـ ش.
31.ــــــــــــــ. قواعد العقائد. لبنان: دار الغربة، 1413 هـ ق.
32.الملاحمي الخوارزمي، ركن الدين محمود بن محمد. المعتمد في أصول الدين. تهران: ميراث مكتوب، 1390 هـ ش.
33.الكاشاني، ملا محسن. عين اليقين. قم: أنوار الهدى، 1427 هـ ق.
34.الكاشاني، نصير الدين. الحاشية على شرح الإشارات للطوسي. نسخة خطّي شماره 3220 كتابخانة احمد ثالث موزة طوپقاپو سراي تركيه.
35.الكاشاني، ملا محسن. أنوار الحكمة. قم: انتشارات بيدار، 1383 هـ ش.
36.الكاشاني، نصير الدين. موصل الطالبين إلى شرح نهج المسترشدين. نسخة خطّي شماره 1629 كتابخانة ملّي ملك تهران.
37.خواجگي شيرازي، محمد بن احمد. شرح فصول نصيريّة. تهران: كتابخانه، موزه ومركز اسناد مجلس شوراي إسلامي، 1390 هـ ش.
38.سليماني اميري، عسكري. برهان صديقين علامه طباطبايي. قم: پژوهشگاه حوزه ودانشگاه، 1395 هـ ق.
39.شرف شاه الحسيني، السيد جلال الدين. شرح الباب الحادي عشر. نسخة شماره 10706 كتابخانه مجلس شوراي إسلامي.
4.0عبوديت، عبد الرسول. اثبات وجود خدا به روش اصل موضوعي. قم: انتشارات مؤسسة آموزشي و پژوهشي امام خميني، 1389 هـ ش.
41.فخر المحقّقين الحلّي، محمد بن الحسن. «إرشاد المسترشدين». مجلة كلام إسلامي ، ش العدد الخامس (1372 هـ ش): صص 19 - 32.
42.ــــــــــــــ. تحصيل النجاة في أصول الدين. بابل: مركز العلامة الحلّي لإحياء تراث حوزة الحلة، 1438 هـ ق.
43.لاهيجي، ملا عبدالرزاق. شوارق الإلهام في شرح تجريد الكلام. قم: مؤسسة امام صادق عليهالسلام، 1430 هـ ق.
44.ــــــــــــــ. سرمايه ايمان. قم: انتشارات الزهراء، 1372 هـ ش.
45.پارسانيا، حميد. برهان صدّيقين (مباني وتطّورات). تهران: پژوهشگاه علوم انساني ومطالعات فرهنگي، 1390 هـ ش.
Rudolph, Ulrich. Philosophy in the Islamic World. vol 1: 8th-10th centuries – translated by Rotraud Hansberger. Brill – Leiden. 2017.