لم يَعُد مفهوم الاستراتيجيّة في عالمنا المعاصر محصورًا في إطار الخرائط العسكريّة، أو التخطيطات السياسيّة، أو الحسابات التجاريّة؛ بل إنّ كلّ ساحةٍ حَيَويّة تَتَطلّب تدبيرًا للمستقبل، وإدارةً للتحدّيات، ورسمًا لآفاقٍ جديدة، باتت مضطرّة، لا محالة، إلى تَبنّي نهجٍ استراتيجيّ رصين. وفي خضمّ ذلك، أضحت مجالات الدين والثقافة والاجتماع ـ التي تتعرّض لتلاطم أمواج التيّارات الفكريّة المتنافسة والتحوّلات العالميّة المتسارعة ـ بحاجة ماسّة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، للانتقال من موقع ردود الأفعال الانفعاليّة والجزئيّة، إلى صدارة المبادرات التأسيسيّة والمدروسة.
وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة الحَيَويّة، وسعيًا لصيانة الثغور العقائديّة، تأسّس «المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة» التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة في النجف الأشرف؛ ليكون بمثابة مرصدٍ ذكيّ يترصّد التحوّلات الفكريّة والثقافيّة بدقّة، ويعمل على صياغة الخرائط الاستراتيجيّة في حقل المعرفة الدينيّة. وتتجسّد الرسالة الكبرى لهذه المؤسّسة في إعادة قراءة التراث الإسلاميّ العظيم برؤية معاصرة، والإجابة عن الشبهات الناجمة عن تحوّل النماذج المعرفيّة العالميّة من الإيمان بالغيب إلى الرؤية المادّيّة، فضلًا عن تزويد نُخَب العالم الإسلاميّ بسلاح المنطق والاستدلال؛ لمواجهة الغزو الناعم للمدارس والأفكار المنحرفة.
وقد أثمرت هذه الجهود، بفضل الله تعالی، عن تأليف ونشر ما يربو على (300) عنوان من الكتب والمجلّات التخصّصيّة، التي غطّت مساحةً واسعةً من الموضوعات الحيويّة، أمثال: الكلام والعقائد، ونقد الاستشراق، والاستغراب ونقد الفكر الغربيّ، وتاريخ العلوم الإسلاميّة، ودراسات في المنهج، وفلسفة العلم ونظريّة المعرفة، ودراسات المرأة والأسرة، ونمط الحياة، وتاريخ الاستعمار، والفكر الإسلاميّ المعاصر.
(13)وفي سياق هذه الأهداف السامية، وبُغية سدّ الفراغات الماثلة في الأدبيّات الدينيّة المعاصرة، بادر المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة إلى إعداد ونشر مجموعة بحثيّة موسومة بـ «سلسلة الدراسات الدينيّة المعاصرة»، صدر منها حتّى الآن تسعة عشر مجلّدًا. وتُمثّل هذه السلسلة محاولةً جادّة للمواجهة العلميّة مع التساؤلات النابعة من التفاعلات والتحدّيات العميقة التي يواجهها الفكر الدينيّ والمتديّنون أمام مبادئ العالم الحديث ومقوّماته، وذلك بالاستعانة بآراء كبار المفكّرين وأصحاب النظر في حقل الدراسات الدينيّة.
لقد تجاوز النطاق الموضوعيّ لهذه السلسلة حدود المباحث التجريديّة المحضة، ليمتدّ ويشمل الساحات العينيّة والتطبيقيّة. ومن أهمّ المباحث التي جرى تناولها في المجلّدات السابقة: المجتمع، والحضارة، والتنمية، والثقافة، والتكنولوجيا، وعلم النفس، والروحانيّة، وحقوق الإنسان، والأخلاق.
ويرمي المركز الإسلاميّ من خلال نشر هذه الآثار إلى وضع نصوص بين يَدَي النخبة الحوزويّة والأكاديميّة، تمتلك القدرة على مواجهة تحدّيات وتعقيدات الإنسان المعاصر، وتكون خطوة في طريق تبيين المعارف الإلهيّة وتعميق المعتقدات الدينيّة في عالم اليوم.
ويُعَدّ الكتاب الماثل بين أيديكم، والموسوم بـ «المباني والمناهج: مقدمات تمهيديّة لفهم الخطاب الديني»، الحلقة التاسعة عشرة من هذه السلسلة، ليمثّل حجر الزاوية في مشروعنا المعرفي؛ إذ لا يمكن الولوج إلى عمق المسائل الكلامية المستجدة أو معالجة إشكاليات فلسفة الدين دون امتلاك العدّة المنهجية الكافية. إنّ هذا الأثر العلمي، لا يتوقف عند حدود عرض الآراء، بل يغوص في تحليل الإطار النظري والمنهجي العام الذي يسبق عملية «الفهم»، مؤسّساً بذلك لما يمكن تسميته بـ «فلسفة الفهم الديني».
لقد توخّى المؤلف في هذا الكتاب رسم خارطة طريق إبستمولوجية تضبط حركة العقل الباحث، وذلك عبر استنطاق مستويين متداخلين: المباني والمناهج.
أما في صعيد «المباني»، فقد انطلق الكتاب من رؤية مفادها أنّ كلّ موقف ديني أو استنتاج
(14)عقدي هو في الحقيقة ثمرة لافتراضات مسبقة صامتة، لذا عمد المؤلف إلى تشريح هذه الركائز وتفكيكها؛ فبدأ بـ (المبنى الأنطولوجي) الذي يبحث في أصل الوجود وعلاقة المبدأ بالأثر، مركّزاً على المعرفة الإلهية كمبدأ أول لكل معرفة. ثم انتقل إلى (المبنى الإبستمولوجي) ليحدّد إمكانية المعرفة وحدودها ومصادر اليقين، مؤكداً أنّ الاضطراب في هذا المبنى يؤدي بالضرورة إلى انحراف في فهم النص وتأويله. ولم يغفل الكتاب (المبنى الأنثروبولوجي)، إذ إنّ فهم «الإنسان» - بصفته المتلقي للخطاب الإلهي - ومعرفة قواه الإدراكية وغايات وجوده، يمثّل ركيزة أساسية في تحديد كيفية تفاعله مع الدين. كما استعرض (المباني الدينية والقيمية) التي تضفي الصبغة المعيارية على السلوك البشري، وتجعل من الخطاب الديني منظومة متكاملة تخاطب العقل والوجدان في آن واحد.
وفي الجانب الآخر، وهو «المناهج»، قدّم الكتاب جردة علمية دقيقة للأدوات الإجرائية التي اعتمدها العقل الإسلامي عبر تاريخه الطويل؛ فحلّل (المنهج النقلي) بآلياته الاستظهارية، و (المنهج العقلي) بمساراته البرهانية، مفرّقاً بين ما هو كلامي يهدف للدفاع عن العقيدة، وما هو فلسفي يبحث في كنه الحقائق. كما سلّط الضوء على (المنهج الفطري) الذي يربط المعرفة بجذور النفس البشرية، و(المنهج العرفاني) الذي يعتمد الكشف والشهود طريقاً للوصول، وصولاً إلى (المنهج الأصولي) الذي يضبط قواعد الاستنباط. إنّ هذا التعدّد المنهجي الذي يعرضه الكتاب ليس مجرد سرد تاريخي، بل هو تحليل وظيفي يبيّن للباحث متى وكيف يستخدم كل أداة في موضعها الصحيح.
إنّ الأهمية الاستراتيجية لهذا العمل تكمن في تصدّيه لظاهرة «الفوضى المنهجية» التي اجتاحت الكثير من القراءات المعاصرة للدين؛ حيث نجد خلطاً بين الأدوات، وتوظيفاً للمباني المادية في فهم النصوص الغيبية، مما أنتج خطابات قاصرة أو مشوّهة. ومن هنا، يأتي هذا الكتاب ليعيد الاعتبار لـ «الانضباط المعرفي»، موضحاً أنّ الانفكاك عن هذه المقدمات التمهيدية يجعل الباحث عرضة للتأثر بالتيارات الفكرية المتقلبة دون وعي بجذورها.
(15)إنّ ما يميّز قلم الدكتور الميلاني في هذا البحث هو الجمع بين الدقة التخصصية والبيان الواضح، حيث استطاع تحويل المباحث التجريدية المعقدة إلى هيكل معرفي متسق يخدم المتخصص والأكاديمي، ويمدّ طالب الحقيقة برؤية شاملة.
وختاما، نتقدّم بجزيل الشكر والامتنان للمؤلّف الفاضل سماحة الحجّة الدكتور السيّد هاشم الميلانيّ، على دقّة نظره وعمق طرحه وسعة تتبّعه في هذا المبحث المهمّ. كما نشكر مسؤول وحدة النّشر الأستاذ السيّد محمّد رضا الطباطبائيّ، لِما بذله من دقّةِ نظرٍ علميّة وفنيّة ومتابعاتٍ تنفيذيّة فعّالة.
ونأمل أن يكون هذا الكتاب نافعًا للباحثين والمهتمّين بهذا المجال، ولطلبة الحوزات العلميّة والجامعات، وسائر النخب الفكريّة والثقافيّة، وأن يساهم في الرقيّ الثقافيّ للمجتمع نحو الصلاح والتخلّق بالأدب الإلهيّ، بمنّه وكرمه، إنّه سميعٌ مجيب.
السيّد محسن الموسويّ
المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة - فرع قمّ المقدّسة
(16)
لم يكن هذا الكتاب كتابًا كلاميًّا قديمًا أو جديدًا، بل مقدّمة تمهيديّة تبيّن الإطار النظري والمنهجي العام الذي يلزم التأطّر به قبل الخوض في المسائل الكلامية المعاصرة، أو مباحث فلسفة الدين؛ إذ لولاه يقع الإنسان في فوضى منهجيّةٍ ومعرفيّةٍ من حيث لا يشعر.
وفي البدء لابدّ أنْ نشير إلى أمرين محوريين في هذه المقدّمة يُعدّان الأساس في تدوين هذا الكتاب:
إنّ الله تعالى خلق الخلق شعوبًا وقبائل، وأودع في الإنسان قوى مختلفةً ليدبّر بها حياته في الدنيا، ومن تلك القوى - وربّما أهمّها - قوّة الإدراك والفهم والمعرفة، التي يدرك الإنسان عن طريقها مصالحه ومفاسده، فيتمكّن من الارتباط مع الآخرين، وعمارة الأرض التي تعدّ من مهام الإنسان في هذه الدنيا: (هُوَ أَنشَأَكُم مِّنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا)(هود: 61).
ثمّ إنّ عمليّة الفهم والإدراك هذه ربّما تبدو في الوهلة الأولى سهلةً بسيطة، غير أنّ الدراسات الحديثة كشفت عن تعقيد المسألة، وعن العوامل التي تؤثّر على عمليّة الفهم والإدراك، فظهرت الدراسات الهرمنوطيقيّة والألسنيّة الحديثة.
وربّما يشير قوله تعالى: (قُلْ كُلٌّ يَعْمَلُ عَلَىٰ شَاكِلَتِهِ)(الإسراء: 84) إلى هذا
التعقيد، إذ تربط الآية الكريمة العمل بالشاكلة، والعمل أعمّ من عمل الجوارح والجوانح؛ وعليه فالمعرفة والإدراك عمل أيضًا، فهذا العمل الإدراكي مرتبطٌ بالشاكلة الموجودة في كلّ إنسان. فلهذه الشاكلة دورٌ محوريٌّ في عمليّة الفهم والإدراك.
ويأتي سؤالٌ آخر: ما هي هذه الشاكلة وكيف تتكوّن؟ إنّ الشاكلة هي المنظومة المعرفيّة، وهي كينونة الإنسان وهويّته الشخصيّة، وهذه الشاكلة تُصاغ من قبل عدّة عوامل، قال تعالى: (وَاللَّهُ أَخْرَجَكُم مِّن بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ)(النحل: 78).
فالمولود الجديد عندما يخرج من بطن أمّه يخرج ساذجًا وخالي الذهن، ومن دون شاكلة، وتبدأ عمليّة صياغة الشاكلة بعد الولادة مباشرة، بفضل ما أودعه الله تعالى في الإنسان (السمع والبصر والفؤاد)، فيدرك حاجته إلى الغذاء فيتّجه نحو صدر أمّه، وهكذا تبدأ عمليّة صياغة الشاكلة بالتدريج.
إنّ العوامل التي تُؤثّر على صياغة هذه الشاكلة عديدة، منها العوامل الوراثيّة، والمحيط، والبيئة، والتربية الأُسريّة، والتربية المدرسيّة، والمجتمع، والعوامل السياسيّة والاقتصاديّة والنفسيّة المختلفة، فكلُّ هذه الأُمور تُؤثّر في عمليّة صياغة الشاكلة، وبالتبع تُؤثّر على عمليّة الفهم والإدراك، ومن هنا يظهر الاختلاف بين بني البشر، وتظهر التعارضات والتناقضات، ويختلط العقل الفِطريّ بالعقل الأداتيّ المادّيّ، كما يختلط الوهم بالخيال، فتتداخل الأمور وتحدث الفوضى. وهنا يأتي التدخُّل الإلهي:(كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ
وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)(البقرة: 213).
وفي آيةٍ أخرى تؤيّد أصل الاختلاف قال تعالى: {وَمَا كَانَ النَّاسُ إِلَّا أُمَّةً وَاحِدَةً فَاخْتَلَفُوا}(يونس: 19).
فالله تعالى العالم بعباده وكيفيّة خلقتهم، والعالِم بحصول هذا الاختلاف بسبب تركيبة الخلقة، وطبيعة القوى والغرائز المودعة في كلّ إنسان، أرسل الأنبياء والحجج ليكونوا ميزانًا لمعرفة الحقّ من الباطل، والصحيح من الخطأ، فالمعرفة التي يقدّمها الحجّة هي المعرفة الصائبة التي يمكن الاطمئنان بها والركون إليها. فالنبيّ والإمام هما المعيار والمحك. قال تعالى: (وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَن يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَن يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلَالًا مُّبِينًا)(الأحزاب: 36). وفي آيةٍ أخرى تؤكّد هذا الأمر أيضًا: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(الحديد: 25). فالنبيّ يأتي بالميزان والبيّنات وينير على المعرفة الصحيحة ليتمسّك بها الناس، ويقيموا القسط والعدل في جميع المستويات الفرديّة والاجتماعيّة، والثقافيّة والسياسيّة، والاقتصاديّة.
إنّ النبيّ والإمام المعصوم يمثلان حجّة الله الظاهرة، وهناك حجّة أخرى أودعها الله في ضمير كلّ إنسان وهي حجّة العقل، وأحدهما يعين الآخر، إذ ربّما تسدل الأهواء والذنوب الستار على نور العقل فيختفي (ثُمَّ كَانَ عَاقِبَةَ الَّذِينَ أَسَاءُوا السُّوأَىٰ أَن كَذَّبُوا بِآيَاتِ اللَّهِ وَكَانُوا بِهَا يَسْتَهْزِئُونَ)(الروم: 10). وهنا يأتي دور الحجّة الظاهرة لتميط اللثام عن وجه العقل، وتحاول أن تعطيه صعقة كهربائيّة ليفيق ويبدّد الأوهام، كما ورد عن أمير المؤمنين عليهالسلام : «وَ يُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ».
بعدما ثبت من خلال الواقع المعاش، وطبيعة خلقة الإنسان من حدوث الاختلاف المعرفي والإدراكي عند الإنسان بشكل عامّ، لم يكن موضوع الدين بمعزلٍ عن هذا الاختلاف، صحيح أنّ الله تعالى أرسل الدين لرفع الاختلاف، لكن هذا الدين رغم ثبوته وحقانيّته ومعياريّته يُصاب بسوء الفهم وتعدّد القراءات لا سيّما بعد موت النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وعدم التمكين للوصيّ، إذ مهمّة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم تتحوّل إلى الوصي ليكون عاصمًا من الانحراف والضلال كما هو مفاد حديث الثقلين المتواتر.
إنّ الدين الذي جاء لحلّ الاختلاف، سوف يُصاب باختلافٍ آخر في كيفيّة فهمه وتفسيره وإدراكه؛ لذا ظهرت الفرق والمذاهب المختلفة، وكلّها تدور مدار كيفيّة فهم الدين وإدراكه، وهنا يأتي دور حديث (الفرقة الناجية)، وهل أنّ جميع هذه القراءات صحيحة وحقّة؟ أم أنّ هناك قراءةً صحيحةً واحدةً دون غيرها؟!
إنّ الله تعالى لا يدير المجتمع بالمعجزة والإجبار على سلوك طريق واحد، بل إنّ سنّة الله في الخلق جرت على وضع المنهاج والمعيار الصحيح (وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ)، ليكون مصباح الطريق، ويتمسّك به الناس للوصول إلى الهداية والابتعاد من الضلال (لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)، فالهداية اختياريّة وليست إجباريّة، والله تعالى قادرٌ على إجبار الناس لسلوك طريق الهداية (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً)، ولكن جرى قضاء الله وقدره خلاف هذا (لِّيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَن بَيِّنَةٍ وَيَحْيَىٰ مَنْ حَيَّ عَن بَيِّنَةٍ)(الأنفال: 42).
فليست هناك قراءاتٌ صحيحةٌ مختلفةٌ -كما يزعم العلمانيّون- بل هناك قراءة صحيحة واحدة توجب الهداية، وقراءات زائفة تدعو إلى الهلاك والضلال، ولا بد أن يسعى الإنسان نحو الوصول إلى الحقيقة والتمسّك بها.
فالتعدديّة ونسبيّة المعرفة وعدم إمكان الوصول إلى الحقيقة المطلقة التي نسمعها اليوم جرّاء التثاقف مع الغرب، واستيراد آرائه ونظريّاته التي لا تتوافق مع بيئتنا وثقافتنا وهويّتنا، خاطئة تمامًا وتعدّ من أهم أسباب الانحراف الفكري والمعرفي والتي أدّت إلى تغليب الخطاب العلماني في تفسير الدين، فبدل البحث عن الحقيقة الواحدة تتمّ الدعوة إلى التعدديّة، والقول بأنّ جميع المعارف صحيحة، ولها قسط من الحقيقة وإنْ كانت متعارضةً ومتخالفةً.
يقول الشيخ مصباح اليزدي رحمهالله : «هذه الشبهة هي أخطر شبهة واجهها الدين من بدء تاريخ الإنسان إلى اليوم، ولم يواجه أيّ دينٍ بشبهةٍ أخطر من هذه الشبهة، ولم يسبق لها نظيرٌ في أيّ عصر وفي أيّ قطر ٍمن أقطار العالم، فهي شبهةٌ مستجدّةٌ، ولها خطرها الأعظم على الدين كلّه، وعلى المعرفة الإنسانيّة بصورةٍ عامّة».
يرى بعض المختصين بالشأن الحضاري أنّنا اليوم نشهد انبثاقًا حضاريًّا جديدًا بدأت بوادره الأولى من خلال استفحال أزمات الغرب لا سيما الخُلقية والإنسانية من جهة، وظهور قوى دوليةٍ مؤثرةٍ في صنع القرار العالمي من جهةٍ ثانية، وظهور بوادر نهضة الأمة الإسلاميّة من جهةٍ ثالثة، وما المخاضات العسيرة التي تشهدها المنطقة اليوم إلّا شاهد صدقٍ على هذه الولادة الجديدة.
ومع قطع النظر عن قبولنا، أو ردنا لنظرية صراع الحضارات، فإنّ المشروع الحضاري الجديد لا بد أنْ يكافح على عدة جبهاتٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ ليتمكن من ترسيخ أقدامه على الأرض أمام سائر المنافسين.
وربما يكون أهمّ كفاح تقوم به الحضارة الإسلاميّة هو الكفاح النظري والمعرفي
الذي يعد قوام الحضارة وشاكلتها الثقافيّة التي تميّزها عن سائر الحضارات المنافسة والبديلة، وتكون بمنزلة العمود الفقري لتلك الحضارة. وأهم مصاديق هذا الكفاح النظري والمعرفي، إنّما هو تبيين آليات الفهم والمعرفة الصحيحة، وهذه الآليات هي المباني والمناهج التي يتخذها كل شخص وكل تيار للفهم والمعرفة.
فالدين الإسلامي في قراءته الصحيحة، والحضارة الإسلاميّة في انبثاقها الجديد، لابد أن يعتمدا في بعدهما النظري على المباني والمناهج السليمة، وبما أنّ الدين الإسلامي هو المقوّم الأساس لهذه الحضارة، فلا بد أن تُستنبط هذه المباني والمناهج من حاق الدين الإسلامي وصميمه لتكون إسلاميّةً بحتةً (لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ)(النور: 35).
والمباني هذه تعد المياه التي تسقي شجرة الحضارة الإسلاميّة، فإذا كانت عذبةً وصالحةً انبتت نباتًا حسنًا، وإن كانت آسنةً لم تنبت إلّا عفنًا، وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام :
«واعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتًا، وكُلُّ نَبَاتٍ لَا غِنَى بِه عَنِ الْمَاءِ، والْمِيَاه مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُه طَابَ غَرْسُه وحَلَتْ ثَمَرَتُه، ومَا خَبُثَ سَقْيُه خَبُثَ غَرْسُه وأَمَرَّتْ ثَمَرَتُه».
لقد سعى الخطاب العلماني في العالم الإسلامي، وبهدف مواكبة العصر واللحاق بالغرب إلى تبنّي المباني والمناهج الغربيّة لتفسير وفهم المنظومة الدينيّة وبناء الحضارة عليها، إذ زعم بعد ما رأى تقدّم الغرب الصناعي والتقني والحداثي، أنّ سبب ذلك ترك السماء والغيب، والالتفات إلى الأرض والمادة؛ لذا اعتقد أنّ الطريق الصحيح هو تبنّي تلك الطرق نفسها التي سلكها الغرب.
غير أنّنا نرى مجانبة هذا الرأي للصواب؛ إذ لكلّ حضارةٍ مبانيها وظروفها الخاصّة، نعم لا ندعو إلى القطيعة الحضاريّة، والشروع من الصفر، بل نعتقد بالتعاون والتبادل الإيجابي والخلّاق بين الحضارات، ولكن لا نقرّ بالتبعية المحضة، واستنساخ وصفة الغرب للعالم الإسلامي، بل نرى لزوم اعتماد الحضارة الإسلاميّة على مبانيها الخاصّة التي تستنبطها من الدين الإسلامي، مضافًا إلى الاستفادة من تجارب الآخرين.
وذلك أنّ الله سبحانه وتعالى خلق الكون على قاعدة التسخير، وسخّر الكائنات بأجمعها بعضها لبعض، لاستمرار الحياة، فلا ضير في الاستفادة من الغرب لتسخير ما أودعه الله فيه لرفع الحوائج الخاصّة والعامّة، قال تعالى: (أَهُمْ يَقْسِمُونَ رَحْمَتَ رَبِّكَ نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا)(الزخرف: 32).
سنتطرّق في هذا الكتاب إلى أهمّ المباني والمناهج التي ينبغي الاعتماد عليها في رسم خارطة المستقبل، وفهم الدين وتفسيره بشكل صحيح، وقسّمناه إلى قسمين: القسم الأول نتطرق فيه إلى المباني الأنطولوجية والإبستمولوجية والأنثروبولوجية والقيميّة والدينيّة. أما القسم الثاني فيختصّ بالمناهج التي تعطينا آليات تطبيق المنظومة الدينيّة والمباني النظريّة على أرض الواقع، وهي كلٌّ من المنهج النقلي والعقلي والكلامي والفطري والفلسفي والعرفاني والأصولي، وبتلك المباني وهذه المناهج نبني واقعنا المعاصر، ونناقش سائر المذاهب والمدارس الفكريّة والنظرية، وتكون كمدخلٍ نظريّ وإطارٍ فكريّ للباحث، قبل الولوج في مباحث علم الكلام الجديد وفلسفة الدين او سائر المباحث المعرفية والنظرية والمساجلات الفكرية.
المبنى هو القوام والأساس الذي يُبنى عليه ومنه تتفرع المسائل والمواضيع المختلفة، إذ لكلّ علمٍ أو اتجاهٍ فكريّ خاصّ مبانٍ كليّةٍ يعتمد عليها في مساره العام، وقبل الخوض في أي موضوعٍ لابد من تنقيح هذه المباني؛ إذ هي الأساس، ومن خلال تنقيحها نتخلص من الوقوع في المغالطات أو سوء الفهم أو اختلاط المفاهيم، ونتمكن من تحليل الآخر بشكلٍ سليمٍ، ونقده بشكلٍ صحيح، وإلا سندور في حلقةٍ فارغةٍ، ومجادلاتٍ تافهةٍ لا توصلنا إلى أي نتيجة.
لا يعتمد تقسيم المباني على قانونٍ ثابتٍ، بل هو أمرٌ اعتباري، فيمكن التوسّع فيها أو الاكتفاء بأصول المباني، ودرج الفروع ضمن الأصول كلّ بحسبه، ونحن هنا سنحاول تقسيم هذه المباني بالاعتماد على المباني الأساسية التي تعد القوام والمحك والمعيار بحسب رأينا، وندرج الباقي تحت أحد هذه المباني الكلية. ونحاول أنْ نتسلسل في التقديم والتأخير بحسب أهميّة المبنى وأولويته.
الأنطولوجيا تعني أصل الوجود، وما يتعلّق به ويتفرّع عنه، فهي الأساس في جميع المباحث؛ إذ إنّ سؤال الوجود من أهمّ الأسئلة المحوريّة التي يواجهها الإنسان في حياته وعلى حدّ تعبير هايدغر: «إنّ سؤال لماذا وجود الموجودات بدلًا من العدم؟ هو السؤال الأوّل من حيث المكانة الفلسفيّة بين الأسئلة
الأخرى». ويذكر أنّ سبب ذلك يعود إلى: «أنّه سؤالٌ بعيد المدى في إشارته. لأنّه أكثر الأسئلة الفلسفيّة عمقًا. لأنّه السؤال الأكثر أصالةً وجوهريّةً من بين كلّ الأسئلة الأُخرى».
والوجود يعتمد على عدّة قواعد:
أولًا: أنّه أمرٌ بديهيّ غنيّ عن الاستدلال، ويحصل التصديق به بمجرد تصوّره.
ثانيًا: ينقسم إلى الواجب والممكن، فالواجب ما وجوده ذاتي، والممكن هو المحتاج في تحققه إلى غيره.
ثالثًا: يوجد تـأثير وتأثّر بين الموجودات حيث ترتبط بعضها ببعضٍ بعلقة العلّيّة.
رابعًا: تنقسم الموجودات إلى ماديةٍ ومجرّدة، والموجود المجرّد لا يُدرك بالحواس المادّيّة الظاهريّة.
وبعد هذا عندما يلقي الإنسان نظرةً بسيطةً على ما حوله يرى أرضًا وسماءً، وجبالًا وأشجارًا، يرى أنّ الكون والمنظومة الكونيّة مليئةً بالأفلاك والنباتات والحيوانات المتنوّعة، ثمّ يرى نفسه وما يحمل من عقلٍ وعاطفةٍ وفهمٍ وغرائز مختلفة. ومن الطبيعي أن يتولّد سؤال الوجود عند الإنسان بعد هذه النظرة الإجماليّة: كيف حصل الوجود؟ ولماذا؟ ومتى؟
وفي مقام الإجابة عن هذه الأسئلة، ظهر تيّاران عامّان في الساحة الفكريّة المعرفيّة لا ثالث لهما: 1. التيار الإلهي 2. التيار المادي.
التيار الإلهي يجعل الله تعالى المبدأ والمعاد، فهو الخالق والرازق وإليه المنتهى، فعندما يتحدّث الإلهي ويفكّر في المنظومة الكونيّة، وعندما يريد أنْ يبيّن رؤيته
الكونيّة، فإنّه ينطلق من منطلق الله: (هُوَ الْأَوَّلُ وَالْآخِرُ وَالظَّاهِرُ وَالْبَاطِنُ وَهُوَ بِكُلِّ شَيْءٍ عَلِيمٌ)(الحديد: 3). وعلى خلافه التيار المادي الذي لا يؤمن بالألوهيّة، ولا بالغيب، ولا بالمسائل الميتافيزيقيّة؛ فإنّه ينطلق من منطلقٍ مادّي بحتٍ في تفسير الكون، وما يمتّ إليه بصلة.
وعليه فعندما نريد أنْ نبحث في المباني والمناهج، لا بدّ أن نحدّد الوجهة قبل كلّ شيءٍ ليتحدّد المسار والمنطلق، إذ هو الأساس الذي يُبنى عليه، ويفسّر في ضوئه جميع المباحث المتعلقّة بالمنهج.
ونحن في بحثنا هذا ننتمي إلى التيار الإلهي، وننطلق منه ونعالج الظواهر الدينيّة وغير الدينيّة بالرؤية الإلهية، وعليه لزم الخوض في منشأ الوجود ومجاري الدين، أي المجاري التي مرّ بها الدين ليصل إلى الإنسان، فهو ينحدر من الله، عبر النبيّ، والإمام ليصل إلى الإنسان. وسنقف وقفاتٍ مختصرةً إجماليّةً حول كلّ مفردةٍ من هذه المفردات.
بيّنَ أمير المؤمنين عليهالسلام في كلامٍ نورانيّ أنّ الخطوة الأولى للتعرّف على الدين إنّما هي معرفة الله تعالى، حيث قال: «أَوَّلُ الدِّينِ مَعْرِفَتُهُ وَ كَمَالُ مَعْرِفَتِهِ التَّصْدِيقُ بِهِ وَكَمَالُ التَّصْدِيقِ بِهِ تَوْحِيدُهُ».
فمعرفة الله تعالى وتصديقه وتوحيده هي الخطوة الأولى في مسير التعرّف على الدين. ثمّ إنّ معرفة الله تعالى تكون على نحوين: أوّلًا: المعرفة الحضوريّة، وثانيًا: المعرفة الحصوليّة.
المعرفة الحضوريّة
المعرفة الحضوريّة هي التي تعتمد على الكشف والجهد القلبي، ولها وجود مشكّك تبدأ من المراحل الأولى التي هي الشهود الفطري المطبوع في جبلة الإنسان، وتشتدّ بحسب سلوك الإنسان المعنوي، وتهذيبه لنفسه، ومدى إخلاصه لربّه.
يُستدلّ على المعرفة الحضوريّة بقوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا ۚ لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ۚ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ). فالآية تأمر بالتوجّه التام نحو الدين، ثمّ تشير إلى أنّ هذا العمل يتوافق مع الفطرة، ويقع بمقتضاها، وقد خلق الله تعالى الإنسان هكذا، ولا تبديل لهذا الخلق، وهذا هو الدين القيّم.
والمراد من فطريّة الدين هنا هو فطريّة معرفة الله الحضوريّة والقلبيّة، كما ورد في رواية الإمام الباقرعليهالسلام عن زرارة حيث قال: «قُلْتُ لِأَبِي جَعْفَرعليهالسلام : أَصْلَحَكَ اللَّهُ قَوْلُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ فِي كِتَابِهِ: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)؟ قَالَ فَطَرَهُمْ عَلَى التَّوْحِيدِ عِنْدَ الْمِيثَاقِ عَلَى مَعْرِفَتِهِ أَنَّهُ رَبُّهُمْ...».
كما يستدلّ أيضًا على المعرفة الحضوريّة بآية الميثاق أي قوله تعالى: (وَإِذۡ أَخَذَ رَبُّكَ مِنۢ بَنِيٓ ءَادَمَ مِن ظُهُورِهِمۡ ذُرِّيَّتَهُمۡ وَأَشۡهَدَهُمۡ عَلَىٰٓ أَنفُسِهِمۡ أَلَسۡتُ بِرَبِّكُمۡۖ قَالُواْ بَلَىٰ شَهِدۡنَآۚ أَن تَقُولُواْ يَوۡمَ ٱلۡقِيَٰمَةِ إِنَّا كُنَّا عَنۡ هَٰذَا غَٰفِلِينَ أَوۡ تَقُولُوٓاْ إِنَّمَآ أَشۡرَكَ ءَابَآؤُنَا مِن قَبۡلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّة مِّنۢ بَعۡدِهِمۡۖ أَفَتُهۡلِكُنَا بِمَا فَعَلَ ٱلۡمُبۡطِلُونَ).
هذه الآية رغم وضوح معناها تعدّ من الآيات المتشابهة الغامضة، وأصبحت مثارًا للجدل بين المفكّرين والمفسّرين. ومهما يكن من أمر فإنّ مفادها الواضح
يدلّ على حصول مواجهة حضوريّة بين الله والعباد، أخذ فيها الميثاق منهم بالإقرار بربوبيّة الله تعالى، وهذا الإقرار لا يمكن إنكاره يوم القيامة إذ لم يكن من وراء حجاب أو عن بعد أو عن طريق علمٍ حصوليٍّ وما شاكل، بل كان شهودًا وحضورًا مباشرًا يقطع أيّ عذر عن الإنسان.
والروايات الواردة في ذيل الآية تؤيّد هذا المعنى، فقد روي عن الإمام الباقرعليهالسلام أنّه قال: «فَعَرَّفَهُمْ وَأَرَاهُمْ نَفْسَهُ، وَلَوْ لاَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ»، وفي رواية أخرى عن الإمام الصادق عليهالسلام : «وَلَوْلاَ ذَلِكَ لَمْ يَدْرِ أَحَدٌ مَنْ خَالِقُهُ وَرَازِقُهُ».
فالمعرفة الحضوريّة هذه هي الأساس في معرفة الله تعالى؛ لأنّها لو لم تكن، كانت معرفة الإنسان بالله حصوليّةً بحتة، وعن طريق العقل والاستدلال، وهي تثبت الصانع وصفاته فقط، ولا تعيّن شخصه ومصداقه، فإذا رأيت بناءً علمت أنّ له بنّاءً، وأنّ له صفات كذا وكذا، ولكنّك لم تتعرّف على شخصه ومصداقه، ولا يحصل هذا إلّا عن طريق الشهود والحضور.
فالمعرفة الحصوليّة عن طريق الاستدلال العقلي تثبت لنا وجود الخالق لهذا الكون مع صفاتٍ تليق به، غير أنّ هذا المفهوم الكلّي لا يهدينا إلى المصداق، وعليه فإذا لم تكن تلك المعرفة الحضوريّة والشهود القلبي السابق لم نتمكّن من معرفة الله تعالى، وهذا معنى قوله عليهالسلام : «لَوْ لاَ ذَلِكَ لَمْ يَعْرِفْ أَحَدٌ رَبَّهُ».
والخلاصة أنّ المعرفة الحضوريّة بالله تعالى موجودةٌ عند كل إنسان، غير أنّها مشكّكة وقابلة للقوّة والضعف؛ ففي عامّة الناس تكون ضعيفةً لانشغالهم بأمور الدنيا، وتبرز في حالاتٍ حرجةٍ عندما ينقطع الإنسان عن الأسباب الظاهريّة،
وهي عند أولياء الله تعالى والعباد والزهاد قويّة بحيث يصل إلى مقام يقول فيه: «أيكون لغيرك من الظهور ما ليس لك».
وهناك آيات أخرى تدعم مفاد هذه الآية وتؤيّد المعرفة الحضوريّة الفطريّة، بحيث حتّى المشركين يقرّون بالله تعالى: (وَلَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَسَخَّرَ الشَّمْسَ وَالْقَمَرَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ)(العنكبوت: 61).
(قُلْ مَن يَرْزُقُكُم مِّنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ أَمَّن يَمْلِكُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَمَن يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَيُخْرِجُ الْمَيِّتَ مِنَ الْحَيِّ وَمَن يُدَبِّرُ الْأَمْرَ فَسَيَقُولُونَ اللَّهُ)(يونس: 31)، (قُلْ مَنْ رَبُّ السَّمَوَاتِ السَّبْعِ وَرَبُّ الْعَرْشِ الْعَظِيمِ سَيَقُولُونَ لِلَّهِ).
المعرفة الحصوليّة تحصل للإنسان من خلال المفاهيم الذهنيّة والاستدلالات العقليّة، وهذه المعرفة تشتمل على جميع البراهين التي أقامها المتكلّمون والفلاسفة لإثبات الله تعالى، من قبيل برهان النظم، وبرهان الحدوث، وبرهان الحركة، والبرهان الوجودي، وبرهان الصديقين، وغيرها.
ومن وجهة نظرٍ فلسفيّةٍ فإنّ هذه البراهين تنقسم إلى ثلاثة أنواع كما ذكرها الشيخ الجوادي الآملي:
-البراهين المعيوبة التي لا تنهض لإثبات الباري تعالى، ولا تفيد اليقين المعرفي.
-البراهين الصحيحة الناقصة التي لا تثبت الواجب تعالى، بل بإمكانها إثبات صفة من صفاته، أو اسمٍ من أسمائه.
-البراهين التامّة المفيدة لليقين كبرهان الصديقين.
ثمّ إنّ المعرفة الحضوريّة مقدّمةٌ على الحصوليّة، ولا بدّ من امتزاج الحصوليّة مع الحضوريّة للوصول إلى معرفةٍ تامّةٍ لا يشوبها نقصٌ وخلل، وذلك لأنّ المفهوم الحصولي ما دام لم يخرج من إطار المفهوم والصورة الذهنيّة لم يتمكّن من إثبات ذات الواجب تعالى؛ لأنّ المفهوم الذهني بما أنّه لم يمتلك التشخّص العيني يقبل الصدق على كثيرين، وعلى فرض المحال لو أقمنا واجبًا وجودًا آخرَ لصدقت هذه المفاهيم والصور الذهنيّة عليه، وهذا على خلاف المعرفة الشهوديّة أو الحضوريّة؛ إذ إنّها أرفع من الخيال والوهم والعقل الحصولي، ومتشخّصة بالعينيّة الخارجيّة؛ لذا لا تنطبق على كثيرين، ولها مصداق واحد لا غير.
والدليل الثاني على تقديم المعرفة الحضوريّة على الحصوليّة، أنّ المعرفة الحصوليّة كلّية دائمًا، وتنتج للإنسان معرفة موجودٍ خلق العالم ودبّره لكنّه غائب، ولكن المعرفة الحضوريّة لا تبحث عن معرفة موجودٍ عامٍّ وكلّي، بل في هذه المعرفة يجد الإنسان ربّه في أعماقه من خلال العلقة التي تربطه به.
اختلفت الأقوال في حدود معرفة الله تعالى: هل يمكن الوقوف على كنه ذات الله تعالى؟ أم أنّنا نعرف الله من خلال صفاته وأسمائه وأوصافه؟ وهل يمكننا فهم معاني هذه الصفات والأسماء أم لا؟
عندما نراجع القرآن ونتلو الآيات الكثيرة التي تذكر أسماء الله وصفاته، ندرك أنّ القرآن استخدم مفاهيم وألفاظًا يدركها البشر، وله علقة ذهنيّة معها، ولم تكن مجرّد كلمات أطلقها الله تعالى وأراد منّا قبولها هكذا من دون أن نفهم معناها. فعندما يقول القرآن: (أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ)(الملك: 14)، فماذا يريد من كلمة العلم؟ هل يقصد منها معنى غير مفهوم للبشر، وعليه أن يردّدها
توقيفيًّا من دون أن يدرك معناها، أم أراد منها معنى يقابل الجهل مثلًا؟
وكذلك قوله تعالى: (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَ سَبْعَ سَمَاوَاتٍ وَمِنَ الْأَرْضِ مِثْلَهُنَّ يَتَنَزَّلُ الْأَمْرُ بَيْنَهُنَّ لِتَعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ وَأَنَّ اللَّهَ قَدْ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا)(الطلاق: 12). فالهدف من الخِلقة أن يصل الإنسان إلى معرفة صفات الله تعالى كالقدرة والعلم، وهكذا يقتضي وضوح معناهما لديه.
ومن أنكر إمكانيّة معرفة المعاني والمفاهيم، قد وقع في شبهة المفهوم والمصداق، وقال بما أنّنا لا ندرك المصداق كذلك لا ندرك المفهوم، والحال أنّ هذا غير صحيح؛ إذ مفهوم علم الله تعالى لا يختلف عن معنى العلم المرتكز في أذهان الناس، غير أنّنا لم ندرك كنه العلم وحدود مصداق العلم الإلهي ومداه، وهذا هو مفاد كلام أمير المؤمنين عليهالسلام حيث قال: «لَمْ يُطْلِعِ اَلْعُقُولَ عَلَى تَحْدِيدِ صِفَتِهِ وَ لَمْ يَحْجُبْهَا عَنْ وَاجِبِ مَعْرِفَتِهِ».
هناك مباحث كثيرةٌ تندرج ضمن هذه الفقرة، وتتعلق بالإلهيات من قبيل أقسام التوحيد، وتعداد الصفات الإلهية وتقسيمها، وكذلك مباحث القضاء والقدر والعدل والشرور، وغيرها من الأمور الكلامية التي لابد من متابعتها في الكتب الكلامية المعدّة لهكذا مباحث، وقد اكتفينا هنا بالمقدار الضروري المتعلق بتوضيح وبيان أصل المبنى.
بعد أن ثبتت الألوهيّة في الرؤية الأنطولوجية التي نتبنّاها، يرد سؤالٌ آخر مفاده أنّ الله تعالى لماذا خلق هذا الكون، وهل له هدفٌ من الخلقة أم لا؟ وإذا كان هناك هدفٌ للخلقة، فما هو؟ وكيف يصل إلى يد البشر؟ من هذه الأسئلة وغيرها يتولّد
مفهوم النبوّة حيث تكون المجرى الصحيح والأمين لنقل رسالة الرب إلى الخلق ليبلغوا أهداف الخلقة باختيارهم. فالنبوّة هي المجرى الصحيح لنقل الرسالة الإلهيّة (الدين) إلى الناس.
وقد اتّفق المسلمون على ضرورة النبوّة، غير أنّهم اختلفوا في الاستدلال عليها، فذهب الفلاسفة إلى إثباتها عن طريق لزوم الحياة الاجتماعيّة، وأنّ الإنسان مدني بالطبع، ولا بد له من قانون لتنظيم حياته الفرديّة والاجتماعيّة، وهذا القانون لا بدّ أن يكون عامًّا شاملًا وهو لا يصدر إلّا من لدن حكيمٍ عليم، والله تعالى ويرسله إلى البشر عن طريق النبي.
أمّا المتكلّمون فتمسّكوا لإثبات النبوّة بلزوم التكليف للإنسان وكذلك قاعدة اللطف، كما أنّ العرفاء أثبتوا النبوّة لتكون عونًا على السير إلى الله تعالى وطي مراتب السلوك، ولزوم وجود الإنسان الكامل في الكون.
والسبب في هذا التنوّع إنّما هو اختلاف المباني، وباختلاف المباني تختلف المعاني، ويمكن الجمع بين هذه الأدلّة وجعلها دليلًا واحدًا يبتني على مقدّمات أربعة:
1. إنّ الله تعالى خلق الإنسان للوصول إلى الكمال المطلوب والسعادة.
2. الكمال والسعادة منوط بالعمل، والعمل منوط بوجود الطريق الموصل إلى الكمال.
3. العلوم البشريّة لا تكفي لمعرفة المصالح والمفاسد، وتعيين الطريق الصحيح عن الزائف.
4. وعليه فلو لم يجعل الله تعالى طريقًا آخر للإنسان كي يصل إلى الكمال والسعادة، تكون خلقته عبثًا، وهذا الطريق هو النبوّة.
علمًا بأنّ هذه المقدّمات متسلسلة والإذعان بالأولى يقتضي الإذعان بالثانية
وهكذا، فالإنسان الموحّد المعتقد بالله تعالى، لا يشك في أنّ هناك هدفًا للخلقة، وأنّ الكون بما فيه الإنسان لم يخلق عبثًا وجزافًا، وأنّ للإنسان مزيةً وشرفًا على باقي المخلوقات، وأنّه خلق ليصل إلى غاية وهدف هي السعادة والكمال.
إنّ الوصول إلى الكمال لم يتم اعتباطًا، بل لا بدّ من وجود طريق ودليل على هذا طريق يعين الإنسان على سلوكه ليصل إلى المقصد المطلوب، إذ الإنسان بمفرده لا يتمكّن من معرفة الطريق وسلوكه مهما أُوتي من علمٍ ومعرفةٍ وذكاءٍ؛ لأنّ هذا الطريق ممتد من الأرض إلى السماء، من الدنيا إلى الآخرة، وليس باستطاعة الإنسان الإحاطة به إحاطة تامّة كاملة.
والسبب في أنّ علم الإنسان وما يملك من معارف مختلفةٍ لا تستطيع إيصاله إلى الطريق، إنّ علوم الإنسان ومعارفه إمّا هي إدراكات حسيّة يقف الإنسان عليها من خلال الحواس الظاهريّة، فهي مقتصرة على ما تدركه بالحواس ولا تتعدّاه وتفيدنا بهذا المقدار لا أكثر.
وإمّا هي عقليّة تدرك الكليات والبديهيّات مع قطع النظر عن الحواس الظاهريّة كاستحالة اجتماع النقيضين، والكل أكبر من الجزء، ولزوم العلّة لكلّ معلول وهكذا، وهذه أيضًا فائدتها محدودة وجزئيّة، ولا تنير لنا الدرب بأكمله.
وإمّا هي تجريبيّة أي خليط من الحسّ والعقل، حيث أنّ الإنسان بعدما يدرك شيئًا بالحواس، يجرّده العقل ويعمّمه لتحصيل إدراكات جديدة للإنسان، وهذه المعارف تقتصر على الحياة التجريبيّة الماديّة فهي ناقصة أيضًا.
وعليه فنحن نرى أنّ البشريّة رغم مرور مئات القرون وآلاف السنين لم تتمكّن لحدّ الآن من رسم خارطة طريقٍ متّفقٍ عليها تنير الدرب لسعادة الإنسان الدنيويّة والآخرويّة، كما أنّ القوانين البشريّة الوضعيّة لم تستطع فكّ شفرة الأعمال
(34)الدنيويّة واكتشاف تأثيراتها الأخرويّة، كي تبني القواعد والقوانين طبقًا لها لا طبق المصالح والمفاسد الآنية الماديّة المنقطعة عن الغيب.
فبهذه المقدّمات لا سبيل عند الموحّد المعترف بالألوهيّة، إلّا الاعتراف والقول بضرورة الوصول إلى كمال الدنيا والآخرة عن طريق الرسل والأنبياء.
وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام : «فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ ووَاتَرَ إِلَيهِم أنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُم ميثاقَ فِطْرَتِهِ ويُذَكِّرُوهُم مَنسِيَّ نِعمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيهِم بِالتَّبْليغِ وَيُثِيرُوا لَهُم دَفائِنَ العُقولِ».
فالنبي يُبعث من قبل الله تعالى ويقوم بالمهام والأعمال التالية التي تصب كلّها مصبًا واحدًا وهو هداية الإنسان وإيصاله إلى الكمال المطلوب، وهذه المهام هي:
الهداية التشريعية: فالإنسان لوحده لا يتمكّن من تعيين الطريق وبرنامج السلوك الموصل إلى الكمال، فلا بدّ من العمل بالأوامر والنواهي والتعاليم المنزلة بوساطة النبي، وهذا هو الأمر الذي تلقته البشريّة بعد الهبوط إلى الدنيا: (قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَن تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(البقرة: 38).
وقوله تعالى: (يَا بَنِي آدَمَ إِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي فَمَنِ اتَّقَىٰ وَأَصْلَحَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ)(الأعراف: 35).
فهاتان الآيتان وغيرهما تدلان على لزوم التمسّك بالهداية التشريعيّة النبويّة للوصول إلى الفوز والفلاح.
- إتمام الحجّة: فالحجة تتم على الناس بالنبي، إذ الإنسان بعد ما لم يتمكّن من الاهتداء بنفسه، يرى نفسه بحاجة إلى من يهديه ويرشده، وعند مجيء النبي ترتفع هذه الحاجة ويكون حجّة عليه، كما قال تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ
لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا)(الأعراف: 165).
- الدعوة إلى التوحيد وعبادة الله تعالى: (وَلَقَدْ بَعَثْنَا فِي كُلِّ أُمَّةٍ رَسُولًا أَنِ اعْبُدُوا اللَّهَ وَاجْتَنِبُوا الطَّاغُوتَ) (النحل: 36).
- التذكير بالمعاد: إنّهم يذكرون الناس بوجود المعاد، وأنّ الآخرة هي دار القرار ودار الجزاء، وأنّ الدنيا مقدّمة للآخرة وهي مزرعة الآخرة، وكانت هذه وظيفة جميع الأنبياء: (يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْإِنسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ يَقُصُّونَ عَلَيْكُمْ آيَاتِي وَيُنذِرُونَكُمْ لِقَاءَ يَوْمِكُمْ هَٰذَا ۚ قَالُوا شَهِدْنَا عَلَىٰ أَنفُسِنَا)(الأنعام: 130).
- دفع التحريف عن الدين الإلهي: إنّ الدين الإلهي كان يناله التحريف والدسّ من خلال مختلف العوامل، وهو ممّا يدعو إلى تجديد النبوّة في البرهة بعد البرهة لكي لا تخلو الأرض من حجّة صحيحة كاملة تامّة.
- الإنذار والتبشير: وهما أيضًا من أهم وظائف النبوّة، حيث إنّ الإنسان بحاجة إلى الإنذار وبيان عواقب أعماله السيئة، والتبشير من جهةٍ ثانيةٍ ووعده بما يكسبه من إيجابيّاتٍ على أعماله الصالحة في هذه الدنيا وفي الآخرة. وقد ورد الإنذار والتبشير في كثير من الآيات القرآنيّة كقوله تعالى: (فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنذِرِينَ)(البقرة: 213) (إِنَّا أَرْسَلْنَاكَ بِالْحَقِّ بَشِيرًا وَنَذِيرًا)(البقرة: 119).
- مكافحة الظلم: فالنبي إلى جنب الدعوة إلى الله تعالى، كان يكافح الظلم ويدافع عن المظلومين والمضطهدين.
- إقامة القسط والعدل: فالنبيّ لم يكتف بالدعوة إلى الله تعالى ومكافحة الظلم فحسب، بل يسعى لإقامة القسط والعدل في المجتمع بمساعدة الناس كما قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنْزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ)(الحديد: 25).
بعدما أثبتنا أنّ رؤيتنا الكونيّة في الوجود تعتمد على نظام الألوهيّة، بمعنى أنّ للكون خالقًا حكيمًا مدبرًا عليمًا، خلق الخلق لحكمة ومصلحة، وأرسل نظامًا وقانونًا تسير عليه البشريّة عن طريق رسل وأنبياء، وأنّ هذا القانون جارٍ إلى يوم يبعثون؛ لاستمرار حاجة الناس إلى الهداية الربانيّة، وبعدما انقطعت النبوّة بشخص رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، كانت الإمامة هي الخط الموصول بين الله تعالى والعباد كنتيجة طبيعيّة للرؤية الكونيّة المبتنية على نظام الألوهيّة. إذ البشريّة مهما بلغت من الرقي والكمال لا تهتدي إلى طرق السماء والغيب بمفردها.
وقد سلك المتكلّمون طريقين لإثبات الإمامة الطريق العقلي والطريق النقلي. أمّا الطريق العقلي فهو ما مرّ من لزوم النبوّة واستمرارها في الإمام، فالأرض لا بدّ أن لا تخلو من حجة إلهيّة كي تتم الحجّة على الناس ولا يعترض أحد بعدم وصول الحق إليه.
أمّا الدليل النقلي فينقسم إلى الدليل القرآني والدليل الروائي، ومن أهم الأدلّة القرآنيّة آية التبليغ والاكمال، ومن أهم الأدلّة الروائيّة حديث الثقلين وحديث الغدير وحديث الأئمّة الاثني عشر، والأمر في تفصيل هذه الأدلّة متروكٌ إلى كتب الكلام من قبيل الشافي للسيّد المرتضى، وكشف المراد للعلّامة الحلي، وعبقات الأنوار للمير حامد حسين الكهنوي، والغدير للعلّامة الأميني، وغيرها من الكتب والمصادر المعتمدة في علم الكلام والمسائل الخلافيّة.
فالمؤمن الموحّد يعتمد في رؤيته الميتافيزيقيّة والأنطولوجيّة على هذه الروافد والمجاري الثلاثة للوصول إلى المنهج الذي يعتمد عليه.
ولا بد هنا من التنويه إلى أمرٍ في غاية الأهميّة، وهو الإجابة على السؤال التالي
(37)بعد تصديق المقدمات التي ذكرناها: أي الله تعالى، النبوّة والإمامة. والسؤال هو: كيف السبيل للوصول إلى التفسير الصحيح للدين في عصر غيبة المعصوم؟ وهل يُعقل وجود شخصٍ على قيد الحياة طول هذه المدّة؟
بخصوص السؤال الثاني فقد ذكر المتكلّمون عدّة أدلّة على إمكان طول العمر لا نريد الخوض في تفاصيلها، ونكتفي بدليلٍ قرآني واحد، وهو ما يتعلّق بنبي الله يونس عليهالسلام ، حيث عندما خرج من قومه مغاضبًا فالتقمه الحوت، جعله الله حيًّا في بطن الحوت ولم يمت، وبدأ بالتسبيح والاستغفار إلى أن تاب الله عليه وألقاه الحوت حيًّا في الساحل. والشاهد الذي يعتمد عليه قوله تعالى: (فَلَوْلَا أَنَّهُ كَانَ مِنَ الْمُسَبِّحِينَ لَلَبِثَ فِي بَطْنِهِ إِلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ)(الصافات: 143-144).
وذلك أنّ الحياة والموت بيد الله، وأنّ الله تعالى هو الذي يقدّر الآجال، فهناك من يموت بإذن الله تعالى في الساعة الأولى من حياته، وهناك من قد يبقى حيًّا ليموت يوم يبعثون بإذن الله تعالى أيضًا، فالله تعالى القادر على إبقاء يونس حيًّا في ظلمات البحار وظلمات بطن الحوت إلى يوم يبعثون، فهو أقدر على إبقاء صاحب الزمان عليهالسلام طيلة هذه الأعوام.
وإذا ثبتت الحياة للحجّة عليهالسلام ، نأتي إلى السؤال الأوّل حول كيفيّة الانتفاع به عليهالسلام في عصر الغيبة الظاهريّة، وللإجابة لا بد من ذكر عدّة نقاط:
أوّلًا: قد دلّ الدليل المعتبر النقلي على استمرار الإمامة إلى يوم القيامة، وذلك في حديث الثقلين المتواتر وهو قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم في ألفاظ مختلفة وفي مواطن مختلفة مع اتّحاد المعنى: «أَنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ الثَّقَلَيْنِ كِتَابَ اَللَّهِ وَعِتْرَتِي مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا بَعدي أَبَدًا وَأنَّهُما لَن يَفتَرِقا حَتَّى يَرِدا عَلَيَّ الحَوض». فهذا الحديث الشريف يدلّ دلالةً واضحةً على استمرار الإمامة بعد النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى يوم القيامة، والإمام هو
الذي يتقلّد المهام التي كان النبي يتقلّدها عدا جانب تلقي الوحي المباشر، ويقوم بجميع المهام من هداية وإرشاد وتفسير الدين وقيادة ما شاكل.
ثانيًا: لم يغب الإمام عليهالسلام باختيار نفسه، بل اقتضت الحكمة الإلهيّة بذلك حفاظًا على حياته لاستمرار الحجيّة في الأرض، وهو تعالى العالم بالمصالح والقادر على ما يريد.
ثالثًا: قد وضع المتكلّمون قاعدة مفادها: (وجوده لطفٌ، وتصرفه لطفٌ آخر، وعدمه مِنّا). فاستمرار وجود الإمام لازم بمقتضى قاعدة اللطف؛ لأنّ دور الإمام تكويني وتشريعي، فعند غيبة المعصوم ينعدم الدور التشريعي ظاهرًا، ويبقى الدور التكويني؛ لذا قال (وتصرّفه لطفٌ آخر)، ثمّ إنّ غيبة الإمام ليس من عنده ليقع اللوم عليه بل (عدمه مِنّا)، فالأمّة بسوء صنيعتها سبّبت الغيبة. فالإمام عند غيبته لا ينعدم منه الدور التكويني، أمّا الدور التشريعي فهو كما يأتي في النقاط التالية.
رابعًا: إنّ الأمّة وإنْ حرمت نفسها من وجود الإمام، غير أنّ دور الإمام التشريعي لم ينعدم أيّام الغيبة تمامًا من خلال أوّلًا: إرجاع الناس إلى العلماء كما ورد في التوقيع الشريف، وثانيًا يقتضي العقل والعرف الرجوع إلى الأعلم من العلماء والأقدر على استنباط الأحكام من أدلّتها الشرعيّة، وثالثًا: يجتهد العالم الأعلم لتفسير الدين وإيصال الأحكام إلى المكلّفين، وهو في اجتهاده هذا معذورٌ وإن أخطأ، رابعًا: يعمل الناس طبقًا لفتوى المجتهد الأعلم وعملهم منجز ومسقط للتكليف، وإن أخطأ المجتهد في الواقع ونفس الأمر، خامسًا: إنّ الإمام المعصوم يتدخّل في موارد خاصّة لتحديد المسار الصحيح عند الضرورة، وبالطرق التي يراها هو وربّما لم تنكشف لنا.
(39)وبناءً على هذا فإنّ القول الحق موجودٌ بين الأقوال وعلى الإنسان أن يجتهد للوصول إليه، وإذا أخطأ بعد الاجتهاد فلا يعاقبه الله تعالى، وتبقى تبعة ذلك ملقاةً على من سبّب غيبة الإمام، وانحراف مسير الإمامة عن مجراها الصحيح الذي رسمه الله تعالى للبشريّة، وبيّنه رسوله عليهالسلام في عدّة أماكن آخرها واقعة الغدير وما تلاها من محاولة كتابة الوصية التي حيل دون كتابتها.
فالمبنى الأنطولوجي يعتمد على الوجود، وينقسم الوجود إلى الواجب والممكن، الوجود الواجب هو الله تعالى ومنه ينشأ الخلق وجميع الممكنات، وهذا الوجود الواجب لم يخلق الخلق عبثًا، بل لأجل غاية بيّنها من خلال الانبياء وأوصيائهم المعصومين. نحن في رؤيتنا الكونية نعتمد على هذا المبنى الأنطولوجي التوحيدي، ونبتعد عن سائر المباني المادية في تفسير الكون والإنسان، وما يتعلق بهما، فلا بدّ أن يمتدّ ويسري هذا المبنى ومعطياته في جميع حياة الإنسان وطريقة تفكيره وسلوكه ونمط حياته.
باتت مباحث المعرفة من أهمّ المباحث في تاريخ الفكر البشري، وتكوّنت في ضوئها مدارس مختلفة. وهذه المباحث هي: كيف تتكوّن المعرفة؟ وما هي قيمتها؟ وكيف تحصل؟ وما هي أدواتها؟ وغيرها من المباحث المهمّة.
ثمّ إنّ المباحث التي تطرح في (نظريّة المعرفة)، أو ما يصطلح عليه بالإبستمولوجيا كثيرة، غير أنّ ما يهمّنا هنا هو عدّة أمور فقط، وإلّا فالبحث عن جميع فروع نظريّة المعرفة، وطريقة تكوّن الإدراك والفهم لدى الإنسان وغيرها من المباحث، يخرجنا عن هدف هذا الكتاب؛ لذا نقتصر على موضع الحاجة ونبحث في الأمور التالية:
الواقعيّة والمثاليّة مدرستان ولدتا على هامش المعرفة البشريّة، وقد شهدتا تطوّرات وانقسامات عديدة طيلة القرون المنصرمة، ومع قطع النظر عن التفصيلات نشير فيما يلي إلى المحور الأساس في كلّ واحدةٍ منهما.
المثاليّة: يُعدّ أفلاطون أوّل من استخدم المثاليّة، وقد أطلقها على مجموعة حقائق مجرّدةٍ أبدعها هو، وقد عُرفت بالمُثُل الأفلاطونيّة. فقد جعل أفلاطون لكلّ نوعٍ من أنواع الموجودات الماديّة وجودًا مجرّدًا، وهذا الوجود المجرّد هو الأصل، ويكون الوجود المادّي ظلًّا له من دون أن ينفي أفلاطون الأعيان الخارجيّة، بل كان يعتقد أنّها متغيّرة وجزئيّة وفانية.
وقد استمرّ هذا المعنى من المثاليّة إلى أواخر القرن السابع عشر، غير أنّه استعمل في معانٍ مختلفٍة كثيرةٍ في الحقبة اللاحقة، واستقرّت المثاليّة لا سيّما عند الماديّين على إعطاء الأصالة للتصوّرات الذهنيّة سواء فيها الحسيّة أم الخياليّة أم العقليّة، بمعنى أنّ جميع التصوّرات يصنعها الذهن، ولا يوجد في الخارج شيء إزاء هذه الصور، وهنا تقترب المثاليّة من السفسطة وترادفها في المعنى والمحتوى وتقع أمام الواقعيّة.
الواقعيّة: لقد تغيّر معنى الواقعيّة أيضًا عمّا كانت عليه في اليونان، فالواقعيّة عند اليونان تعني البحث عن الكلّي، وهل له وجودٌ خارجي، أم له وجودٌ ذهني فقط، فالواقعيّون ذهبوا إلى وجود واقعٍ مستقلٍّ للكلّي في الخارج. يقابلهم الاسميّون الذين لا يرون حقيقة للكلّي لا في الخارج ولا في الذهن، وكذلك المثاليّون القائلون بالوجود الذهني للكلّي، والوجود الخارجي ضمن وجود الأشخاص.
أمّا المعنى المراد المعاصر للواقعيّة فهو القائل بأصالة الواقع الخارجي، ويقع
(41)نقيض المثاليّة. وعليه فنحن لسنا من أنصار المثاليّة المعرفيّة، بل نعتقد بالواقعيّة ووجود وقائع حقيقيّة في الخارج تتعلّق المعرفة بها.
تعدّ مباحث القصديّة من أهم المباحث فينظريّة المعرفة، والقصديّة تعنى أنّ المؤلّف أو المتكلّم عند الكتابة أو التكلّم يقصد إيصال معنى للمخاطب، ونحن عند قراءة الكتاب أو سماع الكلام لا بد وأن نبحث عن قصد المؤلِّف أو المتكلِّم للوصول إلى المعنى المراد.
وقد ظهر جدلٌ واسعٌ بهذا الخصوص بين فلاسفة المعرفة، هل لا بدّ من البحث عن قصد المؤلِّف في عمليّة التفسير؟ أو يمكننا تفسير المتن وفهمه مع قطع النظر عن قصد المؤلِّف؟ فقد ذهب كثيرٌ من العلماء في الشرق والغرب إلى لزوم القصديّة، وأنّ هدف التفسير إنّما هو كشف قصد المؤلِّف، غير أنّه في بدايات القرن العشرين ظهرت مدارس جديدة نفت هذا الأمر، وذهبت إلى أنّ للمتن حياةً مستقلّة عن المؤلّف، وتطوّر الأمر عند الهرمنيوطيقيا الفلسفيّة والبنيويّة وما بعد البنيويّة، إلى نظريّة موت المؤلِّف، واستقلال النصّ في المعنى.
نعم نحن عندما نقول بالقصديّة لا نعني عدم الإمكان العقلي لتفسير متن المؤلِّف من دون إعطاء المحوريّة لقصده، إذ كثيرًا ما يتم تفسير المتون مع قطع النظر عن قصد المؤلِّف ممّا يطلق عليه (التفسير بالرأي)، فلا يوجد منعٌ عقلي من ذلك، غير أنّ ما نذهب إليه هو أنّ المعنى المعتبر والتفسير الصحيح هو الذي يدور مدار قصد المؤلِّف.
ويمكن إقامة عدّة أدلّة لتأييد هذه الطريقة:
إنّ الإرتكاز الذهني وعرف العقلاء يدعو إلى القصديّة، وذلك أنّ الإنسان عندما يقرأ نصًّا يريد أن يصل إلى مراد المؤلّف، وكذلك عندما يعرض نصًا من المؤلّف على مقطع آخر من متنه أو كتاب آخر له، فإنّه في الواقع يريد أن يقف على حاق المعنى المراد عند المؤلِّف.
ولو لم يكن الأمر كذلك، فما الفرق بين نصٍّ معين، وملايين النصوص الأخرى التي تم تأليفها من قبل مختلف الأشخاص، فلو حذفنا المؤلِّف من عملية التفسير وفهم النص، لم تكن النصوص سوى مجموعةٍ كثيرةٍ من علاماتٍ لغويّةٍ تفقد المحتوى والمعنى المراد.
إنّ القصديّة تتناسق مع فلسفة الكتابة والتكلّم؛ لأنّ الكتابة والتكلّم يتحقّقان تبعًا لهدفٍ وغايةٍ يشكّلان فلسفتهما، وهذه الفلسفة والغاية هي نقل معلومة إلى المخاطَب والتعبير عن شيء، ولو لم نقل بالقصديّة فلا يتحقّق غرض المؤلِّف أو المتكلّم من إبداع هذا النص أو الكلام.
إنّ المؤلّف أو المتكلّم يسعى لأن يُفهم بالنحو الصحيح من قبل الآخرين، ولا يُساء فهم كلامه، وهذا دليلٌ عقلائيٌ واضحٌ على أنّ المؤلِّف يقصد إيصال معنى إلى المخاطَب.
مع القصديّة يمكن فتح باب النقد والتحكّم والقول بضعف نصٍّ أو قوّة نصٍّ آخر في تفسير مراد المؤلِّف، ولولاها لا يمكن البحث عن الحجيّة والاعتبار، ولكنّا أمام قراءاتٍ متعدّدةٍ متوازيةٍ لا رجحان لأحدها على الآخر، وتؤول إلى النسبيّة المعرفيّة.
إنّ مباحث القصديّة تتضاعف أهميّتها عندما نواجه الوحي والتعاليم الإلهيّة؛ إذ إنّ الإيمان يقتضي الالتزام العملي والنظري بتلك التعاليم، والالتزام يتفرّع على
(43)فهم مراد الله تعالى، ولولا ذلك لما تمكّنا من الإيمان والالتزام وبالمآل النجاة يوم القيامة. فالله تعالى يقصد إيصال معانٍ خاصّة للإنسان عن طريق الوحي ليلتزم بها الإنسان وينال السعادة والنجاة.
بمعنى أنّ معنى النصّ لا بدّ أنْ يتطابق مع قصد المؤلِّف، لأنّ لكلّ نصٍّ معنى حقيقيًّا وواقعيًّا، وهو ما يقصده المؤلِّف من تأليفه، وعمليّة التفسير والفهم لا بدّ أنْ تدور مدار هذا القصد والمعنى المراد.
من المسائل المهمّة التي تطرّق إليها علم أصول الفقه، مباحث حجيّة الظهور؛ إذ إنّها تشكّل أساس المعرفة الدينيّة في جميع المجالات والفروع، سواء أكانت فقهيّة أم غير فقهيّة. فحجيّة الظهور التي تتفرّع من موضوع القصديّة، تدّعي وجود معانٍ للألفاظ والكلمات (اللغة)، وأنّ هذه المعاني والظهور من اللغة حجّة، وأنّها منجِّزةٌ ومعذِّرة.
وقد قُسّم الظهور إلى الظهور التصوّري والتصديقي، والمراد من الظهور التصوّري هو الدلالة الوضعيّة للألفاظ. أو ما يبدو في الوهلة الأولى من اللفظ مع قطع النظر عن قصد الخطاب، أمّا الظهور التصديقي فهو الفهم الذي يتضمّن التصديق بقصد المتكلّم، والمقصود هنا في مباحث حجيّة الظهور والتواصل المعرفي إنّما هو الظهور التصديقي، والفهم الذي ينطوي على قناعةٍ تصديقيّةٍ بالمقاصد وإرادة المعنى.
وقد قال المحقّق النائيني بهذا الخصوص: «نعني بحجيّة الظواهر الحكم بأنّ ما تكلّفه الكلام من المعنى الظاهر فيه هو المراد النفس الأمري، والبناء على أنّ
الكلام بظاهره قد سيق لإفادة المراد، ولا إشكال في أنّ بناء العقلاء على ذلك في الجملة، بل عليه يدور رحى معاشهم ونظامهم، فإنّه لولا اعتبار الظهور والبناء على أنّ الظاهر هو المراد، لاختلّ النظام ولما قام للعقلاء سوق».
لقد ناور الخطاب الهرمينوطيقي بصيغته الفلسفيّة على الخلفيّات الفكريّة للمفسِّر ودورها في تفسير النص كثيرًا، بحيث أفقدت النص من المعنى، وأعطت الدور النهائي في فهم النص لخلفيّات المفسِّر الفكريّة والمعرفيّة، هذا من جهة، ومن جهةٍ ثانيةٍ لا يمكن التجرّد التام في عمليّة التفسير، ولا بدّ من وجود مرتكزاتٍ ينطلق منها الإنسان في عمليّة الفهم والتفسير، وإلّا أصبح الكلام أشبه بالمهمل، وفيما يلي نشير إلى أهمّ النقاط التي ينبغي التعرّف عليها بخصوص الخلفيّات الفكريّة والمسبوقات الذهنيّة ودورها في عمليّة الفهم والتفسير.
أولًا: هناك مجموعةٌ من الخلفيّات الفكريّة، تكون بمنزلة الآلة والوسيلة للفهم، فمفسّر القرآن على سبيل المثال لا بدّ أن يتعلّم قبل التفسير اللغة العربيّة وقواعدها، وعلم القراءات، والناسخ والمنسوخ وهكذا، وإلّا لم يتمكّن من التفسير الصحيح، فالخلفيّات الآليّة هي مجموعة علومٍ ومعارف تعدّ بمنزلة العنصر المشترك في عمليّة الفهم والتفسير، من دون فرقٍ بين نصٍّ وآخر، إذ كلّ نصٍّ بحاجة إلى نوعيّةٍ خاصّةٍ من العلوم والمعارف لفهمه كما قلنا، وعليه فلا غنى عن هذه الخلفيّات والمفروضات.
ثانيًا: إنّ الخلفيّات الفكريّة تسبّب استنطاق النص لاستنباط معانٍ جديدة منه، فالعلوم والمعارف المختلفة التي يكتسبها الإنسان، تسبّب تنوّع الأسئلة التي
تطرح على النص لاستنطاقه والوصول إلى أجوبةٍ خاصّة، فالمباحث المطروحة حول صلة الدين بالمذاهب والمدارس الجديدة وما ولّدته من نظريّاتٍ جديدةٍ يعدّ من هذا القبيل، كمباحث الدين والعلمانيّة، أو الدين والديمقراطيّة، والدين والشيوعيّة وهكذا.
ثالثًا: هناك خلفيّات تعدّ بمنزلة القرائن المنفصلة تعين في تعديل معنى النص، وهي وإنْ لم تكن داخلةً ضمن الظهور اللفظي والمعنى اللغوي، غير أنّها تحدّد المعنى وتصرفه عن ظاهره، وتدلّ على المراد الجدي لدى المؤلِّف، وذلك من قبيل قوله تعالى على سبيل المثال: (وَجَاءَ رَبُّكَ وَالْمَلَكُ صَفًّا)(الفجر: 22). فالمعنى الظاهري لكلمة (جاء) وإنْ كانت بمعنى المجيئ والانتقال من مكانٍ إلى مكانٍ آخر، ولكن لوجود قبلياتٍ معرفيّةٍ أخرى لا دخل لها بأصل اللغة، تدلّ على استحالة الجسميّة على الله تعالى، ينصرف المعنى عن ظاهره بهذه القرينة ليكون بمعنى الحضور والإحاطة. وكذلك الحال في قوله تعالى: (يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ)(الفتح: 10)، لتكون اليد بمعنى القوّة والتأييد والحماية. فتعيين المعاني الاستعاريّة أو المجازيّة أو الكنائيّة إنّما يتمّ عن طريق المفروضات أو الخلفيّات الذهنيّة للمفسّر.
رابعًا: لولا وجود المفروضات الذهنيّة ما تمكّن الإنسان من فرز المعاني المستعملة من المعاني المهملة؛ إذ لولاها لأصبحت الجمل كلماتٍ لغويّةً مجرّدةً من دون ربط بينها، ومعرفة صحّة محتواها، فلا فرق حينئذٍ بين (زيد جاء)، أو (ديز جاء)، فالذي يصبغ على الجمل معناها المستعمل إنّما هو القبليات الذهنيّة والمعرفيّة.
خامسًا: إنّ المرفوض في مسألة الخلفيّات الفكريّة، إنّما هو إقحام هذه الخلفيّات على النص، بحيث يحاول المفسِّر تطبيق النص وفقًا لمفروضاته الذهنيّة كيفما اتّفق، ومن دون أنْ يلتزم بقواعد التفسير والانضباط في الفهم، وقبل تنقيح
هذه الخلفيّات، وإنّها هل تتوافق مع النص وحمولاته المعنائيّة وقرائنه الداخليّة والخارجيّة وشواهده الأخرى أم لا؟ فهذا ما هو مرفوض، وربّما يطلق عليه (التفسير بالرأي) المذموم.
وهنا لا بدّ من الالتفات إلى أمرين:
لزوم تحديد وتقييد الخلفيّات الذهنيّة و القبليات العلميّة والمعرفيّة؛ كي لا تتدخل اعتباطًا في عمليّة التفسير.
إنّ هذه الخلفيّات لا بدّ ألّا تخرج عن حدودها المرسومة لها، لتتحوّل إلى إلغاء دور النصّ والمؤلِّف، والاعتماد على أفق المفسِّر حصرًا في عمليّة الفهم والتفسير كما وقعت فيه أنواع الهرمنيوطيقا الفلسفيّة.
وعليه فالعلاقة بين المؤلِّف والمفسِّر، ترسم من خلال قصد المؤلِّف، لا على أساس علائق المفسِّر وأفقه الفكري. وبما أنّ قصد المؤلِّف لم يرسم ولم يتكوّن من خلال خلفيّات المفسِّر الفكريّة، فكذلك لا بد ألّا تتدخل هذه الخلفيّات لدى المفسِّر عند محاولته لفهم المراد الجدّي لدى المؤلِّف.
إنّ (المعرفة) من المفاهيم البديهيّة التي لا تقبل التعريف؛ لأنّنا نعرف جميع الأشياء بالعلم، وإذا أردنا أنْ نعرف العلم بالعلم حصل الدور المصرّح، وإذا أردنا معرفته بغير العلم لزم أوّلًا معرفة غير العلم بالعلم، ثمّ نعرف العلم به، ويعود هذا إلى الدور المصرّح أيضًا. فما يقال في تعريف العلم والمعرفة لم يكن تعريفًا حقيقيًّا، بل تعريف تنبّهيٌّ ينبّه الذهن لتقريب المعنى.
الإبستمولوجيا أونظريّة المعرفة تقع في مقام الإثبات بعد كثيرٍ من المسائل العقليّة؛ لأنّها بحاجةٍ إلى مقدّماتٍ كثيرةٍ للوقوف على جميع أبعادها، غير أنّها في مقام الثبوت مقدّمة على جميع البحوث؛ لأنّنا لا نتمكّن من التطرّق إلى المسائل الكلاميّة والفلسفيّة وغيرهما من دون تحليل نظريّة المعرفة، واتّخاذ الموقف منها، فمن زعم أنّ العالم غير قابلٍ للمعرفة، أو أنّ طريق المعرفة ينحصر في الحسّ والمادّة، فإنّه لا يتمكّن من الولوج إلى المباحث الفلسفيّة والميتافيزيقيّة.
يقسّم الشيخ الجوادي الآملي طرق المعرفة إلى:
- معرفة الفعل والمعلول عن طريق معرفة الفاعل والخالق، وهو أفضل الطرق.
- التحليل الداخلي للشيء، بمعنى أن نتعرّف عليه عن طريق تحليل البنى والأسس التي تُعد قوام الشيء.
- المعرفة عن طريق الآثار والأوصاف، وهي أضعف الطرق.
أمّا مناهج المعرفة فهي كالآتي:
- منهج الوحي: وهو سلطان جميع المعارف وأفضل المناهج؛ فالوحي معصومٌ ومصونٌ من تطرّق الوهم والخيال ووساوس الشيطان، وهو يقيني وقطعي.
- منهج الكشف والشهود: ورتبته بعد الوحي، وهو على قسمين: أ. إذا كان المشهود والمكشوف كليًّا موسّعًا كانت المشاهدة قطعيّة. ب. إذا كان المشهود
والمكشوف جزئيًّا ومقيّدًا، فربّما يشوبه التزلزل والتشويش وعدم الوصول إلى اليقين والقطع. والسبب في ذلك أنّ الشهود على قسمين: إمّا هو صادق وهو عندما يتّصل الإنسان بالمثال المنفصل والحقائق العينيّة، وتتمثّل في باطنه التمثّلات الملكوتيّة والرحمانيّة، فهو صادق؛ لأنّ متعلّقه الإلقاءات الملكوتيّة والرحمانيّة. وإمّا هو كاذب وهو عندما يتّصل الإنسان بالمثال المتّصل والأهواء النفسانيّة بمعنى أن يكون شهود الإنسان الخواطر النفسيّة أو الإلقاءات الشيطانيّة، فهكذا شهود يكون كاذبًا. والميزان في الوقوف على الكشف الصادق من الكاذب هو كشف المعصوم عليهالسلام .
-المنهج العقلي والبرهاني: إنّ المعرفة العقليّة على نوعين: نظريّة وبديهيّة، والبديهيّة إمّا أوّليّة وإمّا غير أوّليّة. وتعود المعارف النظريّة العقليّة إلى المعارف البديهيّة والعقليّة الأوّليّة. وللمعرفة العقليّة دورٌ بارزٌ في تقييم المعرفة الحسّيّة، وتبيين المعارف الشهوديّة، وإيصال السالك إلى الوحي، ومن حُرم من الإدراك العقلي لا ينتفع بالعلم الحسّي ولا النقل الديني ولا الشهود الجزئي.
-المنهج النقلي: يعدّ الدليل النقلي المعتبر من إحدى طرق التعرّف على حقائق الكون، إذ أفضل طريق لمعرفة الكون مودعٌ عند المعصوم المتلقّي للوحي، وبإمكان سائر الناس التعرّف على حقائق الكون بالاستعانة من المنهج النقلي، وعليه فإنّ المنهج النقلي كالمنهج العقلي يُعدّ طريقًا من طرق الاستدلال، فيكون قول المعصوم حدًّا وسطًا في القياس، ويقال: إنّ هذا الكلام مأخوذٌ مباشرة من الله تعالى عن طريق شخص معصومٍ لا يسهو ولا يُخطئ، فمن كان كذلك فإنّ ما يقوله هو كلام الله، وكلام الله حقٌّ محضٌ وحجّة، فكلام المعصوم حجّة.
-المنهج الرياضي: وهو نافعٌ في مباحث الرياضيّات ومباحث الكم والكيف،
(49)لكنّه لا ينفع لمباحث الميتافيزيقا؛ إذ لا يمكن من خلاله التعرّف على مبدأ الكون وهل توجد ملائكة أم لا، وهل الملائكة من المجرّدات أم لا؟ فالمنهج الرياضي لا يمكنه إثبات أو نفي هذه الحقائق، وليس له سوى عدم العلم والسكوت.
-المنهج التجريبي: وهو أضعف المناهج المعرفيّة، ورغم فائدة هذا المنهج للعلوم، غير أنّه لا يكفي في مجال النظرة الكونيّة ومسائل الميتافيزيقا، كما أنّ المعرفة الحسّيّة ما لم تقترن بالمعرفة العقليّة لم تنتج سوى الوهم والخيال والشك.
من المباحث المهمّة في نظريّة المعرفة الوقوف على معيار المعرفة، وتمييز المعرفة الصادقة من الكاذبة. ويقع البحث هاهنا تارةً في مقام الثبوت، وأخرى في مقام الإثبات.
ففي مقام الثبوت توجد عدّة آراء طرحت لتكون معيارًا للمعرفة، فهناك من يجعل المعرفة مجرّد أداةٍ للانتفاع سواء كشفت عن الواقع أم لا، فالصحيح هو الذي ينتفع منه. وهذا الرأي غير مقبول؛ لأنّه أوّلًا: هناك أمور ليس لها ثمرةٌ ونفعٌ عمليّ، وهي صحيحة من قبيل أزليّة العالم أو خلوده، فإنّها ليست كالطب والصناعات المثمرة عمليًّا. وثانيًا: يستلزم منه الحكم بصحّة شيء وإنْ خالف الواقع، والحكم ببطلان الشيء وإنْ وافق الواقع، وذلك أنّ المعيار هو النفع وليس مطابقة الواقع. وثالثًا عدم وجود أيّ فرقٍ بين المعارف النظريّة والعمليّة، والحال توجد فوارق جوهريّة بينهما.
ثمّ هناك من ذهب إلى أنّ معيار المعرفة هو تطابق صورة الذهن مع الموجود الخارجي العيني، وهذا أيضًا غير صحيح؛ لأنّه أوّلًا يستلزم إخراج مسائل
الميتافيزيقا التي لم يكن لها وجودٌ مادّيٌّ خارجي، وثانيًا خروج المسائل الرياضيّات أيضًا حيث ليس لها ما بإزاء خارجي، وكذلك المعقولات المنطقيّة الثانية.
وهناك من لم يجعل المعرفة كاشفةً عن الواقع، بل جعلها مولّدةً للواقع، أي إنّ الواقع هو الذي يقبله العالم ويذعن به، وهذا ما يسمّى بنظريّة التصويب، ويرد عليه أنه لم يفرق بين المسائل التكوينيّة والاعتباريّة، فالمسائل الكونيّة والطبيعيّة والرياضيّة مسائل واقعيّة لا ترتبط بوجود الإنسان أو عدمه، بمعنى أنّها موجودة وإنْ لم يوجد الإنسان، فلا معنى لجعل الإنسان معيارًا لصحّتها وصدقها.
وهناك من جعل التجربة العمليّة معيارًا للصحّة والصدق، فما صح في التجربة العمليّة فهو صحيح وإلّا فلا، ويرد على هذا أوّلًا أنّه لا يشمل المعارف غير القابلة للتجربة ككثير من المبادئ التصديقيّة كامتناع اجتماع النقيضين وما شاكل، وثانيًا يلزم منه تغيّر الواقع بتغيّر التجربة وهذا يؤدّي إلى النسبيّة. وثالثًا: يخرج من نطاق البحث الماضي والمستقبل؛ لأنّهما غير قابلي للتجربة.
وأخيرًا فإنّ أفضل معيار للمعرفة، هو مطابقة المعرفة مع نفس الأمر، والمقصود من نفس الأمر أن يكون للشيء في حدّ ذاته -ومن دون لحاظ عوارضه وأوصافه، ومع قطع النظر عن وجوده الذهني عند المفكّر أو وجوده الخارجي- وجودٌ حقيقيٌّ وواقعيٌّ لا يتطرّق إليه أي تغيير.
أمّا في مقام الإثبات، وهو البحث عن وسائل تعيننا على معرفة الصحّ والخطأ في الآراء والمعتقدات، فإنّ المنطق الأرسطي هو الذي يعيننا في تشخيص المعرفة الصحيحة من الباطلة[1].
إنّ نسبيّة المعرفة وعصرنة الفهم هو الوجه الآخر للسفسطة والشك، بيان ذلك:
أنّ أصحاب نسبيّة المعرفة وإنْ حاولوا تسويق معتقدهم تحت عنوان الواقعيّة المعقّدة لكنّها لم تكن شيئًا سوى الشكوكيّة، وبطلان الشكوكيّة لا يخفى على أحد.
إنّ القول بنسبيّة المعرفة يزلزل جميع القضايا التي تقوّم آراء أصحاب هذه المدرسة؛ لأنّها قابلة للتغيير والزوال أيضًا.
إنّ إثبات أصل الواقع وإثبات تحقّقه يُعدّ فهمًا بشريًّا، ويلزم بناء على رأي أنصار نسبيّة الفهم وعصرنته أن تكون هذه القضيّة نسبيّة أيضًا، والتردّد في الواقع يؤول إلى السفسطة.
إنّ من خصائص العلم الذاتيّة حكايته عن الخارج، فلا يمكن للمفهوم أن يتغيّر في أزمنةٍ مختلفةٍ لحكايته عن الواقع الخارجي، فلا يصحّ القول إنّ العلم بهذه الواقعيّة الخارجيّة يعني كذا، ثمّ بعد مدّة زمنيّة وبحسب شرائط أخرى يتغيّر المعنى ليكون شيئًا آخر، فالعلم مثلًا بزمن ومكان ولادة النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ثابت في جميع الأزمان.
إنّ جميع الأدلّة الفلسفيّة المقامة على تجرّد العلم وكونه غير مادّي، تدلّ على ثباته ودوامه وعدم عصريّته ونسبيّته أيضًا.
إذا كانت جميع المعارف مبتنية على فرضيّات قبليّة، يلزم أن تكون المعارف الجديدة مبتنية على المعارف السابقة وأن تكون المعارف العلميّة تحصل بالتدرّج فلا يمكن حينئذٍ ظهور معرفة جديدة لا تتناسب مع المفروضات القبليّة، ولكن نحن نرى خلاف ذلك، فكم من معرفةٍ جديدةٍ تهدم جميع المفروضات السابقة،
كما يحصل في التحوّل الفكري لبعض الفلاسفة فينتقلون من مدرسةٍ فكريّةٍ إلى مدرسةٍ فكريّةٍ أُخرى.
هناك من يزعم أنّ جميع المعارف البشريّة مرتبطة بعضها ببعض كالسلسلة الممتدّة، وأيّ تغييرٍ يحصل في أيّ معرفةٍ بشريّةٍ، سوف يؤثّر لا محالة على سائر المعارف.
و يرد على هذه النظريّة:
أوّلًا: لا يمكن القول بأنّ جميع المعارف سيّالة، بل لابد من وجود ثوابت معرفيّةٍ في كلّ منظومةٍ من المنظومات المعرفيّة ، لا تتغيّر ولها معنى ثابتٌ ومستقرّ.
ثانيًا: لا نصحّح ادّعاء ترابط جميع العلوم بعضها مع بعض، بل هناك علومٌ وجودها وعدمها لا يؤثّر على سائر العلوم، وهذا يكفي لنقض كليّة المدّعى.
من المباحث المهمّة التي تتفرّع عن أصل نظريّة المعرفة موضوع المعرفة الدينيّة، وهل أنّها ثابتةٌ أو نسبية ومتغيّرة، فمن ذهب إلى نسبيّة المعرفة بشكلٍ عام، فإنّه سيقول حتمًا وتبعًا لذلك بنسبيّة المعرفة الدينيّة أيضًا، والفرق الموجود عند بعض المفكّرين بين نسبيّة المعرفة العامّة ونسبيّة المعرفة الدينيّة، أنّهم -ولاعتبارات عدّة- جعلوا الدين والشريعة أمرًا ثابتًا، وأفتوا بعدم ثبات فهم الدين.
ثم إنّ القول بجواز تغيير المعرفة الدينيّة، يؤول إلى إنكار ضروريّات الدين، فالنسبيّون وإنْ لم ينفوا الضرورات بالصراحة غير أنّهم يقولون بسلب الضرورة واليقين عن القضايا العلميّة والدينيّة، وهذا يؤول إلى عدم الثبات والى النسبيّة
والإنكار. وبعبارةٍ أخرى إنّ من يجعل المعارف البشريّة مرهونةً بالفرضيّات القبليّة، والمتغيّرة بحسب تطوّر العلوم والمعارف، وقابلةً للنقد والفحص المستمر، فإنّه لا يتمكّن من الحكم بالضرورة واليقين المنطقي.
ثمّ إنّ الإشكال الآخر على أنصار نظريّة نسبيّة المعرفة الدينيّة، أنّ القول بها يؤول إلى نفي القدسيّة عن المعارف الدينيّة، نعم أنّه لا ينفي قدسيّة أصل الدين بل يفتي بعدم قدسيّة فهم الدين، إذ يعتبره فهمًا عرفيًّا كسائر الإدراكات البشريّة.
وفي مقام الردّ على أنصار هذه النزعة، لا بدّ أن نذهب إلى إمكان معرفة الواقع، والقول بتجرّد المعرفة وثباتها، وكذلك ثبات ودوام المعارف البشريّة والمعرفة الدينيّة فيما لو طابقت الواقع.
وعلى سبيل المثال فإنّ الإبستمولوجي ليس من وظائفه البحث عن صحّة فتوى الفقيه ومطابقتها للواقع أو عدم مطابقتها؛ لأنّه بحثٌ فقهيٌّ وخارج عن دائرة اهتماماته العلميّة، نعم له أنْ يقول إنّ الفتوى الخطأ التي أفتاها المفتي غير مقدّسة، وتُعد معرفةً بشريّة، أمّا الفتوى التي أصابت الواقع وإنْ كان فهم الفقيه لها فهمًا بشريًّا، غير أنّ مفهوم الفتوى ومحتواها لم يكن بشريًّا؛ لأنّه يحكي كلام الله ويكون مقدّسًا، فالإبستمولوجي ليس له الحكم ببشريّة جميع الفتاوى ونفي قدسيّتها مطلقًا، نعم له أنْ يحكم ببشريّة الفتاوى الخاطئة، وعدم قدسيّتها حصرًا.
ومن الأمور الأخرى المتفرعة من موضوع المعرفة الدينيّة مسألة تعدد
القراءات، وقد قال الشيخ مصباح اليزدي إنّ: «هذه الشبهة هي أخطر شبهةٍ واجهها الدين من بدء تاريخ الإنسان إلى اليوم، ولم يواجه أيّ دينٍ بشبهة أخطر من هذه الشبهة، ولم يسبق لها نظيرٌ في أيّ عصرٍ وفي أيّ قطرٍ من أقطار العالم، فهي شبهةٌ مستجدّة، ولها خطرها الأعظم على الدين كلّه، وعلى المعرفة الإنسانيّة بصورةٍ عامّة».
علمًا بأنّ قضيّة تعدّد القراءات ظهرت في أوروبا منذ ما يقارب أربعة قرون، حيث وقعت في أوروبا حوادث أفرزتها ظروف اجتماعيّة وسياسيّة ودينيّة وثقافيّة خاصّة، أدّت إلى القول بتعدّد القراءات.
وبعدما دخلت هذه النظريّة العالم الإسلامي، تمسّك أنصارها بعدّة أدلّة لإثباتها، ومن تلك الأدلّة موضوع اللغة وأنّها تتغيّر من حينٍ إلى آخر، وتأخذ معاني مختلفة.
ويجيب الشيخ المصباح على هذه الشبهة بأنّ المراد إنْ كان تغيّر جميع اللغات والمعاني بتغيّر الأزمان، فهذا أمرٌ واضح البطلان، ولازمه ألّا نعرف من معلومات الماضين واحدًا من المعاني التي أرادوها، وهذا لا يقبله أيّ عاقل. وإنْ كان المراد تغيّر بعض اللغات والمعاني، فنسأل: كيف يتميّز هذا البعض الذي تغيّر معناه عن غيره؟ ثمّ نحن نعترف أيضًا بإمكان التغيير الجزئي لكن بشرط أن يخضع لقواعد واضحة كالاستعمال المجازي مثلًا أو حصول وضع ثانوي واستثنائي، فالتغيّر ممكن على نحو الإجمال وبشكل استثنائي وضمن قواعد واضحة، وهذا لا يتوافق مع مدّعى القوم.
الدليل الآخر الذي يتمسّكون به موضوع تغيّر الفتاوى من وقتٍ إلى آخر، وهذا يدلّ على نسبيّة المعرفة الدينيّة، وفي مقام الجواب يقول الشيخ المصباح رحمهالله بأنّ: «تغيّر الفتوى أمرٌ مسلّمٌ به، لكن السبب في تغيّر المعنى ليس تغيّر الفهم الديني تبعًا لتغيّر الذهنيّات الآتية من قبل العلوم الطبيعيّة، فليس اختلاف الفتاوى بين المجتهدين تابعًا لاختلاف العلوم الطبيعيّة... فالتمسّك لتعليل اختلاف الفتاوى بأنّ الفهم الإنساني يختلف تبعًا لاختلاف العلوم الطبيعيّة والاجتماعيّة أمرٌ غير واقعي، وهي مغالطة واضحة».
وبعبارةٍ أخرى فإنّ بعض الأحكام الفقهيّة تأتي بصورةٍ ظنيّةٍ واجتهاديّة، وفيها فتاوى مختلفة، ولكن توجد في الفقه أيضًا آلاف القضايا القطعيّة واليقينيّة، بل إنّ بعضها من ضروريّات الدين وإنكارها يوجب إنكار أصل الدين، ولا طريق إلى تعدّد القراءات فيها، نعم يجوز ذلك فيما لا يوجد دليلٌ يقينيٌّ على الحكم، أو في الآيات المتشابهة.
ومن الأدلّة الأخرى تمسّكهم بتعدّد تفاسير الآيات القرآنيّة، الذي يدلّ بزعمهم على تعدّد القراءات، وفي مقام الإجابة يذهب الشيخ المصباح إلى أنّ مجال تعدّد التفسير في الآيات القرآنيّة محدود جدًّا، وليس جميع الآيات تخضع لتعدّد التفاسير، إذ إنّه يكون مصداقًا للتفسير بالرأي المذموم عند العلماء، إذ لا يتبع صاحبه القواعد والأساليب العقلائيّة وقواعد الحوار لفهم وتفسير الآية.
وأخيرًا يرى الشيخ المصباح رحمهالله أنّ سبب انتشار موضوع تعدّد القراءات ودعم الغرب والمتغرّبين له، دعم الليبراليّة في العالم الإسلامي، إذ الثقافة الليبراليّة لا
تلزم الإنسان بقيود الدين والأخلاق وحكم العقل والفطرة، ولا شك في أنّ أعظم سدّ يقف في وجه أمواج الليبراليّة إنّما هو الإسلام؛ لذا يحاولون كسر هذا السدّ عبر نشر ثقافة تعدّد القراءات[1].
بعد ما حددنا موقفنا في المبنى الأنطولوجي والإبستمولوجي ، لا بدّ من إعطاء رؤيةٍ عامّةٍ وإجماليّةٍ عن الإنسان، ومع قطع النظر عن الخلافات الجزئيّة الخاصّة بكلّ مدرسةٍ فلسفيّةٍ أو فكريّة، فهناك رؤيتان عامّتان حول الإنسان، رؤيةٌ طوليّةٌ توصل الإنسان إلى الأعلى وتربطه بالغيب، ورؤيةٌ أفقيّةٌ تجعل الإنسان في عرض سائر الكائنات وتربطه بالأرض.
الرؤية الأولى تجعل الإنسان حيًّا متألّهًا لتعرج به إلى السماء، أمّا الثانية فتقول إنّه حيوان ناطق لتلصقه بالأرض.
وعليه فإنّ الإنسان المتلقّي للدين لا يمكنه إلّا أن يكون من القسم الأوّل، ليرقى بالدين إلى السماء ويصبح متألّهًا طبقًا لهدف الخلقة (وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ)(الذاريات: 56).
وبعبارةٍ أُخرى فهناك رؤيتان حول الإنسان:
أ. رؤية تبحث عن الإنسان في إطار المعارف البشريّة. فهنا ندرس الإنسان إمّا من وجهة نظرٍ فلسفيّةٍ أو بايلوجيّةٍ أو سياسيّةٍ أو نفسيّةٍ وما شاكل. وبحسب منطلقات كلّ علمٍ ومدرسةٍ تختلف الرؤية تجاه الإنسان، فمن يتمسّك بالمدرسة العدميّة لا يمكنه أن يتصوّر أفقًا سعيدًا للإنسان، ولا يرسم له أهدافًا وغايات، ومن يقتصر في تفسير الإنسان على الرؤية البايلوجيّة، لا يمكنه أن يتصوّر الأبعاد
المعنويّة في الإنسان، وهكذا. وهذه الرؤية غالبًا ما تبحث عن بعدٍ واحدٍ من أبعاد الإنسان وتعمّمها.
ب. رؤية تبحث عن الإنسان في إطار المعارف الوحيانيّة. هذه الرؤية تنظر إلى جميع حوائج الإنسان وأبعاده؛ لأنّها تعتمد على ما يذكره خالق الإنسان العالم بسرّه وعلنه، كما أنّها تجعل معرفة الإنسان مقدّمةً لمعرفة الخالق، وتستتبع معرفة النبيّ والإمام من جهتين: الجهة الأولى أنّ النبي والإمام لا بدّ أن يكونا بشرًا، ومن جهةٍ ثانيةٍ فإنّ هذا النبيّ مبعوثٌ من قبل الله تعالى لهداية البشر، ويتبعه الإمام لاستمرار الهداية، ويمكن عن طريقه أيضًا البحث في ضرورة المعاد وامتلاك الإنسان لروح وجسم.
وهذه الرؤية تمتاز عن الرؤية الأولى بعدّة أمور:
أوّلًا: الجامعيّة؛ لأنّها تعتمد على معطيات الوحي، ومعطيات الوحي مطلقة، وليست لها نواقص المعطيات البشريّة المحدودة.
ثانيًا: الإتقان وعدم الخطأ في شرح وتفسير الإنسان وأوصافه ومتطلباته الطبيعيّة والمعنويّة، فبعد ثبوت نسبة شيءٍ إلى الدين والوحي، لا يمكن التشكيك فيه، بل يكون قطعيًّا يقينيًّا.
ثالثًا: الالتفات إلى المبدأ والمعاد بوصفهما بعدين من أبعاد وجود الإنسان، فله مبدأ وله منتهى، مع ذكر تفاصيل كلّ واحدٍ منهما، وهذا ما لا ترقى إليه الرؤية الماديّة أو العقليّة البحتة.
رابعًا: الرؤية المتماسكة والمنسجمة للإنسان، وتفسير ضمن المنظومة الكونيّة العامّة، ممّا تعطي انسجامًا وتناغمًا بين الإنسان وسائر المخلوقات.
وهنا لابد من الإشارة إلى عدة أمور مهمة:
(58)على ضوء ما تقدّم ينتقد الشيخ الآملي تعريف الإنسان بالحيوان الناطق حيث يشترك مع سائر الحيوانات في الحياة، ويمتاز عنها بالنطق، وهذا التعريف يخالف التعريف القرآني، فالجنس والفصل المستعمل قرآنيًّا في تعريف الإنسان هو تعريفه بـ (الحيّ المتألّه).
فالجنس هو (الحيّ) ويمتاز عن الحيوانات بالبقاء وعدم الفناء، إذ روح الإنسان لا تفنى ولا تخرج من مدار الوجود وإنْ تلاشى جسمه وفنى، أمّا الفصل المميّز للإنسان قرآنيًّا فهو (التألّه)، وطلب الوصول إلى الله تعالى، إذ بدونه لا يستقرّ الإنسان ولا يصل إلى ساحل الأمن والاطمئنان، ويستنبط من القرآن أنّ الله تعالى خلق الإنسان حيًّا متألّهًا كما في قوله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ)(الروم: 30).
فالإنسان الحقيقي هو الذي يتجاوز الحدود الحيوانيّة والطبيعيّة، ويقوم بتفعيل الجانب الألوهي والفطري المودع فيه، ليصل إلى مقام الخلافة الإلهيّة ومظهريّة الأسماء الحسنى والتخلّق بأخلاق الله تعالى.
فالحيّ المتألّه يشمل جميع البشر، حيث إنّ الحياة الإلهيّة مودعةٌ في فطرة الجميع منذ الخلقة، ولكن تفعيل هذه الفطرة من القوّة إلى الفعل منوطٌ بمسير الإنسان وانتخابه، فكم ممّن دفن فطرته تحت ركام من ظلام الجهل والعصيان والعبوديّة للأهواء والشيطان، فهؤلاء لم يكونوا أحياءً في المصطلح القرآني وإن وصفهم العرف العام بالحياة الظاهريّة.
إنّ لمعرفة الإنسان أهميّة قصوى من جهاتٍ عدّة، نشير إليها ضمن النقاط التالية:
أوّلًا: معرفة الإنسان مقدمة لمعرفة الله تعالى:
استشهد الشيخ الآملي بالحديث المشهور: «من عرف نفسه فقد عرف ربّه»، وذهب إلى أنّ معرفة الله الحاصلة من خلال معرفة النفس تختلف عن معرفة سائر الظواهر الطبيعيّة؛ لذا لا يقال (من عرف الحجر فقد عرف الله)، وذلك أنّ هذه المعرفة تنتج معرفة أنّ الإنسان خليفة الله، وأنّ صبغة الخلافة الإلهيّة هي حقيقته، فمعرفة الخليفة تستلزم معرفة المستخلَف عنه.
كما أنّ الإنسان مصبوغٌ بروحٍ إلهيّةٍ نفخت فيه في عالم الملكوت، ومعرفة هذا الإنسان بهذه الصفة يستلزم معرفة الله النافخ للحياة فيه. فالحديث يقول: من عرف نفسه أي روحه الذي نفخ الله فيه، فقد عرف ربّه.
ثانيًا: معرفة الإنسان مقدمة لتهذيب النفس:
من عرف نفسه سهل عليه معرفة الله تعالى ومعرفة أسمائه وصفاته، ممّا يستدعي عدم نسيان الله تعالى والتعلّق به والاستعداد للقائه، فمباحث معرفة الإنسان تشتمل على المعرفة العلميّة والإقدام العملي على التزكية والتهذيب، وعليه فمن لم يعرف نفسه وقع في الخطأ والتيه.
ثالثًا: معرفة الإنسان سبب للخلاص من نسيان الذات:
إنّ من لم يعرف نفسه ولم يقم بتنظيم قواه وتعديلها، يقع في فخ نسيان الذات والغفلة عن النفس، فمن نسي نفسه يقع أسيرًا للمادّة والشهوات والدنيا؛ لذا نهى
الله تعالى عن ذلك وقال: (وَلَا تَكُونُوا كَالَّذِينَ نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ أُولَٰئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ)(الحشر: 19). وقد أمر الله تعالى نبيّه بالابتعاد عن هؤلاء: (فَأَعْرِضْ عَن مَّن تَوَلَّىٰ عَن ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا)(النجم: 29).
رابعًا: معرفة الإنسان ودورها في سائر العلوم:
يمكننا رسم دور معرفة الإنسان في سائر العلوم من عدّة جهات:
أ. من حيث مبادئ سائر العلوم: حيث إنّ جميع العلوم تبتني على المعرفة، والمعرفة تبتني على معرفة الإنسان.
ب. من حيث موضوع العلوم الإنسانيّة: حيث إنّ موضوعها الإنسان، وحقيقة الإنسان من المنظور القرآني روحه، ومن دون معرفة الروح لا يمكن الوصول إلى معرفة صحيحة للإنسان. وبما أنّ الروح مجرّدة، والظواهر المجرّدة تعدّ من أقسام الوجود، فلا يمكن معرفة الروح من دون معرفة الوجود وانقسامه إلى مادي ومجرّد، والنتيجة أنّ معرفة الوجود تبتني على الرؤية الكونيّة الإلهيّة، فيكون التسلسل هكذا: معرفة المنظومة الكونيّة الإلهيّة، ثمّ معرفة الوجود، ثمّ معرفة الإنسان، وهذه المعرفة تعدّ أصلًا موضوعيًّا لجميع العلوم الإنسانيّة.
ج. من حيث غاية العلوم: حيث إنّ غاية جميع العلوم هو الإنسان؛ لأنّه المستفيد من تلك العلوم. فلو اقتصر الإنسان على معرفة الكون وظواهره وما فيه منقطعًا عن صلتها بالله تعالى، لجعل الكون وما فيه مسخرًا للمادّة والطبيعة، ولم يستخدمه لتعالي الإنسانيّة المرتبطة بالألوهيّة، وعليه إنّ من الضروري للمجتمع البشري الوقوف على معرفة حقيقة الإنسانيّة.
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الإنسان من حيث وجوده متحوّلٌ متكامل، يسير في مسير وجوده المتبدّل المتغيّر تدريجًا ويقطعه مرحلةً مرحلةً في صراط مستقيم يسمّيه العلّامة بـ(صراط وجود الإنسان) ويقول مستعينًا بالقرآن: «إنّ الإنسان جزءٌ من الأرض غير مفارقها ولا مباين معها، انفصل منها، ثمّ شرع في التطوّر بأطوراه حتّى بلغ مرحلة أُنشئ فيها خلقًا آخر، فهو المتحوّل خلقًا آخر، والمتكامل بهذا الكمال الجديد الحديث، ثمّ يأخذ ملك الموت هذا الإنسان من البدن نوع أخذ يستوفيه، ثمّ يرجع إلى الله سبحانه، فهذا صراط وجود الإنسان».
والقرآن يربط هذا الوجود الإنساني المتحوّل بالله تعالى: (وَقَدْ خَلَقْتُكَ مِن قَبْلُ وَلَمْ تَكُ شَيْئًا)(مريم: 9)، فالإنسان من جهة الإبداع والخلقة مرتبط بالله تعالى ومتعلّق بأمره وملكوته.
والأصالة إنّما هي لهذا الجانب الملكوتي، لذا «فإنّ الإسلام لا يرى في الدنيا قيمةً للإنسان يقوم بها، ولا وزنًا يوزن به، إلّا إذا كان على دين التوحيد».
والإنسان هذا مركّبٌ من جزءين: مادة بدنيّة، وجوهر مجرّد هو النفس والروح، وهما متلازمان متصاحبان في هذه الدنيا. علمًا بأنّ الأصالة هنا للروح والنفس، وليست للجسم المادّي، فالتدبّر في الآيات القرآنيّة «تفيد أنّ الإنسان بشخصه ليس بالبدن، لا يموت بموت البدن ولا يفنى بفنائه... فالنفس بالنسبة إلى الجسم الذي ينتهي أمره إلى إنشائها - وهو البدن الذي تنشأ منه النفس - بمنزلة الثمرة
من الشجرة والضوء من الدهن بوجهٍ بعيدٍ، وبهذا يتّضح كيفيّة تعلّقها بالبدن ابتداعًا، ثمّ بالموت تنقطع العلقة وتبطل المسكة، فهي في أوّل وجودها عين البدن، ثمّ تمتاز بالإنشاء منه، ثمّ تستقلّ عنه بالكليّة، فهذا ما تفيده الآيات الشريفة».
وهذه الغيريّة ربّما يغفل عنها الإنسان لكثرة انشغاله بالماديّات، غير أنّه يمتلك شعورًا يمثّل له حقيقة نفسه، ويعبّر عنها بـ(أنا) ممّا يعني أنّ نفسه سنخٌ مغايرٌ لسنخ المادّة والماديّات، لما يشاهده من مغايرة خواص نفسه وآثارها لخواص الأمور الماديّة وآثارها.
علمًا بأنّ مباحث معرفة النفس لم تقتصر على زماننا الحاضر، بل يرى العلّامة الطباطبائي أنّها كانت دائرةً في الأمم السابقة والعصور المتقدّمة، وعليه يشيررحمهالله إلى مباحث النفس عند البراهماتيّة والبوذيّة والمانويّة وغيرهم.
وعليه «فليست النفس هي البدن ولا جزءًا من أجزائه ولا خاصّة من خواصّه... وأيضًا هذا الذي نشاهده؛ نشاهده أمرًا واحدًا بسيطًا ليس فيه كثرة من الأجزاء ولا خليط من خارج، بل هو واحد صرف، فكلّ إنسانٍ يشاهد ذلك من نفسه، ويرى أنّه هو وليس بغيره، فهذا المشهود أمرٌ مستقلٌّ في نفسه، لا ينطبق عليه حدّ المادّة ولا يوجد فيه شيء من أحكامها اللازمة، فهو جوهر مجرّدٌ عن المادّة، متعلّقٌ بالبدن نحو تعلّقٍ يوجب اتّحادًا ما له بالبدن، وهو التعلّق التدبيري وهو المطلوب».
إنّ الإنسان من وجهة نظر وحيانيّة، يمتاز بعدّة خصائص، نشير فيما يأتي إلى أهمّها:
أ. الخلافة الإلهيّة: لقد تشرّف الإنسان بالنفحة الإلهيّة في بداية الخلقة: (ثُمَّ سَوَّاهُ وَنَفَخَ فِيهِ مِن رُّوحِهِ)(السجدة: 9) (إِنِّي خَالِقٌ بَشَرًا مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ فَإِذَا سَوَّيْتُهُ وَنَفَخْتُ فِيهِ مِنْ رُوحِي فَقَعُوا لَهُ سَاجِدِينَ)(الحجر: 28-29)، هذه الروح هي التي هيّأت الإنسان للخلافة الإلهيّة دون سواه من المخلوقات. فقد قال تعالى بهذا الخصوص: (وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً...) (البقرة: 30)، وهذه الخلافة لم تكن عامّةً لجميع البشريّة، بل هي تختصّ بمن اصطفاه الله تعالى لذلك، نعم سائر الناس بإمكانهم سلوك طريق الكمال والاقتراب من هذا المقام المنيع لنيل الكرامة الإلهيّة. كما نبيّنه في الفقرة التالية.
ب. الكرامة: قال تعالى: (وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ)(الإسراء: 70)، وهذه الآية بحاجة إلى شرحٍ وتفسيرٍ في ضوء باقي الآيات، لترى هل أنّ هذه الكرامة عامّةٌ لجميع البشر ولها أصالة، أم أنّها لا بدّ أن تفسّر تبعًا لمسألة الخلافة والعبوديّة، فمن ينسلخ عن مقام العبوديّة فلا كرامة له.
علمًا بأنّ المدارس الحديثة تبعًا لنظريّة الإنسان الغربيّة، جعلت مسألة الكرامة الإنسانيّة مطلقةً وحاكمةً على جميع المبادئ حتّى الدينيّة منها، فالإنسان حرٌّ ومطلقٌ مهما كان، ومهما فعل، وتبعًا لهذه الرؤية ألغوا كثيرًا من الأحكام الدينيّة بزعمهم أنّها تخالف كرامة الإنسان.
والكرامة التي نقصدها غير ناظرةٍ إلى الكرامة التكوينيّة، أي بوصف الإنسان أفضل من الحيوان والنبات والجماد تكوينًا، بل نقصد هنا البعد القيمي والتشريعي،
كما في قوله تعالى: (إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ) فالتقوى وسائر مكارم الأخلاق تفعّل الكرامة، وعلى عكسها فإنّ الذنوب والآثام تطفؤها. وقد ورد في قصّة بلعم باعور: (وَاتْلُ عَلَيْهِمْ نَبَأَ الَّذِي آتَيْنَاهُ آيَاتِنَا فَانسَلَخَ مِنْهَا فَأَتْبَعَهُ الشَّيْطَانُ فَكَانَ مِنَ الْغَاوِينَ)(الأعراف: 175) فإنّه انسلخ من الكرامة الإنسانيّة وأصبح شيطانًا مجسّمًا ومن الغاوين.
وفي آيةٍ أخرى يكون حال هذا الإنسان المنسلخ أتعس من الأنعام: (لَهُمْ قُلُوبٌ لَّا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَّا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَّا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(الأعراف: 179).
ج. البحث عن الكمال: إنّ الإنسان يطلب الكمال بفطرته، ويسعى لتحصيله في جميع أعماله، فطلب الكمال هو المحرك الأساس لجميع أعمال الإنسان، وهناك آراء مختلفة في بيان الكمال النهائي للإنسان، فبعض المدارس تجعله الوصول الى إشباع الغرائز، وبعضها تراه في الوصول إلى العلم والمعرفة، وأخرى تراه في الكمالات المعنوية.
إنّ الرؤية الإسلاميّة تعدّ الكمال النهائي للانسان المؤمن الوصول الى الله تعالى والتقرب منه؛ لانّ الإنسان يطلب بفطرته الوصول الى أعلى مراتب الكمال، ولا يوجد ذلك إلّا عند الله تعالى؛ لذا نرى أنّ الأئمةعليهمالسلام يجعلون القرب من الله تعالى غاية الكمال، يقول الإمام السجاد عليهالسلام : «وَقُرْبُكَ غٰايَةُ سُؤْلِي»، ويقول أيضًا: «وَغُلَّتِي لَا يُبَرِّدُهٰا إلاَّ وَصْلُكَ، وَلَوْعَتِي لَا يُطْفِيهٰا إلَّا لِقٰاؤُكَ، وَشَوْقِي إلَيْكَ لَا يَبُلُّهُ إلَّا النَّظَرُ إلىٰ وَجْهِكَ، وَقَرٰارِي لَا يَقِرُّ دُونَ دُنُوِّي مِنْكَ، وَ غَمِّي لَا يُزِيلُهُ إلَّا قُرْبُكَ».
د. العقل: تعدّ مسألة العقل من المباحث المحوريّة في التعاليم الدينيّة وقد وردت آياتٌ ورواياتٌ كثيرةٌ تحثّ على التعقّل واستعمال العقل وما شاكل. ونحاول فيما يأتي الإشارة إلى أهم الأمور في هذا الخصوص.
ينقسم العقل إلى العقل التجريدي المحض المستخدم في الفلسفة، والعقل التجريبي المستخدم في العلوم التجريبيّة، والعقل المتوسّط بالتجرّد المستخدم في الرياضيّات، والعقل الخالص الخاص بالعرفان النظري. ويلزم أنْ يكون مفاد ومؤدّى العقل هذا إمّا يقينيًّا وقطعيًّا، وإمّا يفيد الاطمئنان العقلائي، فيخرج ما يفيد الوهم والظنّ والقياس. كما أنّ العقل هنا يشمل العلم والفلسفة، وإن تمّ التفرقة بينهما في عصر الحداثة حيث أطلقوا العلم على العلوم التجريبيّة والإنسانيّة، وفصلوه عن الفلسفة المطلقة، والعرفان النظري.
وسنتطرق الى مباحث العقل بشكل تفصيلي في المنهج العقلي.
هـ. الفطرة: يُعدّ موضوع الفطرة موضوعًا محوريًّا في الفكر الديني، وتبنى عليه أمورٌ عقديّةٌ وأخلاقيّةٌ ومعرفيّةٌ عدّة، كما أنّ الفطرة قوام إنسانيّة الإنسان، وأنّها مجمع الفضائل، والتوجّه نحو الفطرة يوصل الإنسان إلى الأفق الأعلى، كما في قوله تعالى: (وَهُوَ بِالْأُفُقِ الْأَعْلَى ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَى)(النجم: 7-9).
إنّ القرآن يرسم حياتيْن للإنسان: الحياة الطبيعيّة والحياة الفطريّة، الحياة الطبيعيّة هي الخلقة الطينيّة والماديّة للإنسان، والحياة الفطريّة هي التي تبدأ من نفخ الروح الإلهيّة في الإنسان، وعليه عندما نواجه آيات ذم الإنسان في القرآن،
نجدها ترجع إلى الجانب المادّي المصنوع من الطين، وعندما نواجه آيات المدح والثناء الدالّة على كرامة الإنسان وخلافته، نجدها ترجع إلى الجانب الروحي والفطري في الإنسان.
ثمّ إنّ الفطرة المذكورة في القرآن تختلف عن الفطريّات أو الأمور الفطريّة المذكورة في المنطق والفلسفة، كما أنّها تختلف عن الطبيعة الموجودة في جميع الموجودات، وهي غير الغريزة أيضًا الموجودة في الإنسان والحيوان، بل الفطرة المرادة هنا نوعُ موجودٍ مخلوقٍ يتقوّم بها حقيقة الإنسان وهي شهودٌ محضٌ وانجذابٌ خالصٌ نحو الخالق. فالشهود والعبوديّة للمشهود يعدّان البنية الأساسيّة للإنسان لا صفة من الصفات.
الفطرة هي الأصل المشترك بين جميع بني البشر، ولها ثلاث خصائص: 1. إنّها تعرف الله وتطلبه 2. إنّها مودعة في جميع البشر بحيث لم يخلق أيّ إنسانٍ من دون الفطرة الإلهيّة 3. لا يعتريها التغيير والزوال والتبديل (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ). نعم يعتريها الضعف والهوان وتغطيها الذنوب والآثام وتسترها ولكن لا تنمحي.
ثمّ إنّ للفطرة مقامين: 1. مقام الثبوت بمعنى هل هناك أمور فطريّة؟ وما هي خصائصها؟ 2. مقام الإثبات وهو السؤال عن الأمور الفطريّة وغير الفطريّة، أو البحث عن المصاديق.
ففي المقام الأوّل نذعن بوجود الفطرة، وهي الحقائق العامّة والمشتركة التي
يذعن بها الإنسان في كلّ زمانٍ ومكان، أمّا المقام الثاني فيبحث عن المصاديق وطرق إثباتها كي لا يقع الإنسان في المغالطة، فيجعل ما ليس بفطري فطريًّا، أو العكس، وهنا يلتجئ إلى البرهان والاستدلال للوقوف على ذلك، فما أثبته البرهان يكون فطريًّا، وإلّا فلا.
ويطرح هنا سؤال حول الفطريات من أنّها هل تحتاج إلى دليل أم لا؟ والجواب أنّ الأمور الفطريّة لا تحتاج إلى علّةٍ ثبوتيّةٍ غير أنّها بحاجةٍ إلى إثبات أو علّةٍ إثباتيّةٍ في مقام النظر والاستدلال، وبعبارةٍ أخرى أنّ الأمور الفطريّة مجبولةٌ مع ذات الإنسان، وبها قوام هويّته فلا تحتاج إلى علّة في مقام الثبوت؛ لأنّها من الذاتيّات والذاتيّات لا تعلّل، ولكن هذه الأمور الفطريّة نفسها تحتاج إلى دليلٍ في مقام الإثبات، وعلى سبيل المثال فإنّ قضيّة (الله موجود) من القضايا الفطريّة التي تصاحب ذات الإنسان، غير أنّها في مقام الإثبات بحاجة إلى استدلالٍ وإقامة البرهان.
علما بأنّ مباحث الفطرة من مختصات القرآن، فالقرآن أضاف الدليل الفطري إلى الأدلّة العقليّة لإثبات المبدأ أو المعاد، وقال بأنّ ضمير كلّ إنسانٍ يميل نحو الحقيقة المطلقة، وهذا الأمر لم يرد في كتب المتكلمين، ولا كتب الفلاسفة.
ويمكن تصنيف الآيات القرآنيّة الدالّة على فطريّة التديّن والاتّجاه الباطني نحو الله تعالى ضمن سبعة فئات:
وهي الآيات التي تجعل النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم مذكِّرًا، أو القرآن والدين ذكرى، واستعمال التذكرة والذكرى يكون فيما لو سبقت معرفة الإنسان بشيءٍ، ثمّ تخلّله النسيان، فالذكرى تزيح الستار عن ذلك النسيان، وتسبّب ازدهار المعرفة السابقة من جديد، فالله تعالى يخاطب نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: (فَذَكِّرْ إِنَّمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ لَسْتَ عَلَيْهِمْ بِمُصيْطِرٍ)(الغاشية: 21-22)، وهذا يدلّ على أنّ الله أودع في باطن الإنسان وضميره الفطرة التوحيديّة والتوجّه نحو الآخرة والمعاد، ويكون دور النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم التذكرة ورفع غبار النسيان عن الفطرة، علمًا بأنّ التذكرة هذه لا تخصّ المؤمنين، بل عامّة لجميع البشر، نعم إنّ المؤمن ينتفع بالتذكرة هذه ويرجع إلى هداه: (وَذَكِّرْ فَإِنَّ الذِّكْرَىٰ تَنفَعُ الْمُؤْمِنِينَ)(الذاريات: 55)، ولكن الكافر والملحد لا ينتفع بها ويصرّ على العناد والعمى.
ثانيًا: آيات النسيان
وهي طائفةٌ من الآيات تدلّ على نسيان الله والآخرة، كما في قوله تعالى: (نَسُوا اللَّهَ فَأَنْسَاهُمْ أَنْفُسَهُمْ)(الحشر: 19)، وقوله تعالى:(وَضَرَبَ لَنَا مَثَلًا وَنَسِيَ خَلْقَهُ)(يس: 78)، ويستفاد من كلمة النسيان أنّ التوجّه نحو الله والآخرة مودعٌ في ضمير كلّ إنسانٍ وباطنه، ولكن ربّما يطرأ النسيان على الإنسان.
ثالثًا: آيات الميثاق
الفئة الثالثة من الآيات الدالّة على فطريّة التوحيد ومعرفة الله، هي آيات العهد والميثاق التكويني، كقوله تعالى: (وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِن بَنِي آدَمَ مِن ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ
وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُواْ بَلَى شَهِدْنَا أَن تَقُولُواْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ أَوْ تَقُولُواْ إِنَّمَا أَشْرَكَ آبَاؤُنَا مِن قَبْلُ وَكُنَّا ذُرِّيَّةً مِّن بَعْدِهِمْ أَفَتُهْلِكُنَا بِمَا فَعَلَ الْمُبْطِلُونَ)(الأعراف: 172-173).
تدلّ الآية على أنّ الله تعالى أشهد الناس في موطن مّا على حقائقهم وعلى الربوبيّة والعبوديّة، وأخذ منهم العهد والميثاق وأشهدهم على ذلك، وشهادة الإنسان هذه تعني إذعانه بمشاهدة حقيقته، وبعبارةٍ أُخرى: إنّ الإنسان عندما شاهد حقيقته في ذلك الموطن، أدرك أنّ حقيقته لم تكن سوى العبوديّة لله، فمشاهدة حقيقة العبوديّة تتلازم مع مشاهدة ربوبيّة الله؛ لأنّ العبد لا حقيقة له سوى الارتباط والفقر.
هناك بعض الآيات تدلّ على أنّ أصل الدين فطري والدين هو الإسلام والتسليم أمام الله تعالى، فكما أنّ فطرة الإنسان لا تتبدّل فكذلك الدين الإلهي ثابت ولا يتغيّر؛ لأنّه فطري، كما في قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا ۚ فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا)(الروم: 30). فالدين يعدّ في الواقع ازدهارًا للفطرة؛ لأنّ الفطرة لا تسلك سوى سبيل الرشاد والكمال.
هناك آيات تدلّ على لجوء الإنسان إلى الله تعالى عند إحساس الخطر، وهذا عام ولا يخصّ المؤمن، كما في قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ
فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)(النحل: 53)، فالأخطار والبلايا هذه تكشف عن خواء الأسباب الظاهريّة والمادّيّة وعدم قدرتها على مساعدة الإنسان، وهنا ينجلي الحقّ المحض أمام الإنسان وترفع الأستار ليناديه من أعماقه وفطرته.
سادسًا: الالتجاء إلى اللّه تعالى في السفر
وهو قريبٌ من الطائفة الخامسة، حيث إنّ الإنسان يلتجأ إلى الله تعالى عند السفر لينجيه من الأخطار: (فَإِذَا رَكِبُوا فِي الْفُلْكِ دَعَوُا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ فَلَمَّا نَجَّاهُمْ إِلَى الْبَرِّ إِذَا هُمْ يُشْرِكُونَ)(العنكبوت: 65)، فالاعتقاد بالله مودعٌ في فطرة الإنسان.
وممّا يدلّ على فطريّة التوحيد والاعتقاد بالله تعالى، الآيات التي تشير إليها في قالب المحبّة، فالقرآن يصف الله والدين بأنّهما محبّبان لدى الإنسان: (وَلَٰكِنَّ اللَّهَ حَبَّبَ إِلَيْكُمُ الْإِيمَانَ وَزَيَّنَهُ فِي قُلُوبِكُمْ)(الحجرات: 7)، فالدين محبوب الإنسان، والله تعالى محبوب له أيضًا، وما كان محبوبًا للإنسان ذاتًا تميل الفطرة إليه، فالله تعالى والدين فطريّان، كما قال إبراهيم عليهالسلام عند احتجاجه: (لَا أُحِبُّ الْآفِلِينَ)(الأنعام: 76)، وعن هذا الطريق -أي عدم حبّ الآفلين- يصل إلى مقام يقول فيه: (إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ)(الأنعام: 79)، ومن هنا يظهر أنّ حبّ الله وحبّ الدين طريق لتبيين الفطرة.
رغم أنّ معرفة الله ومسألة الدين من الفطريّات، غير أنّ الله تعالى أرسل الأنبياء ليثيروا فطرة الإنسان، وقد أشار القرآن الكريم إلى عدّة عوامل توجب ازدهار الفطرة، نشير فيما يأتي إلى أهمّها:
إنزال التعاليم الإلهيّة عن طريق الأنبياء: لقد ذكر الله تعالى وظائف النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله تعالى: (يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ)(آل عمران: 164)، وتعاليم الأنبياء على نوعين: التعاليم العقليّة التي يهدي القرآن إليها عن طريق الاستدلال العقلي، والتعاليم الفطريّة وإثارة المعارف الباطنيّة المودعة في الإنسان عند الخلقة.
التقوى وتزكية النفس: وذلك أنّ من طهرت نفسه وباطنه بالمجاهدة والتقوى فإنّه يشاهد ملكوت العالم، وتجري ينابيع الحكم المستورة في باطنه على لسانه.
على غرار العوامل النافعة لازدهار الفطرة، توجد عوامل أخرى تمنع ذلك الازدهار وتغطّي الفطرة تحت ركام من الأستار، ومن هذه الموانع:
-الغفلة: إنّ الغافل عن الله وعن آياته، يتوقّف عن الحركة العلميّة لمعرفة الحق وشهوده كما يتوقّف عن الحركة العمليّة لازدهار الفضائل أيضًا؛ لأنّ الغفلة رجس تمنع الإنسان من الوصول إلى الكمال. وقد أشار القرآن إليها: (وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإِنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أَعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَٰئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أَضَلُّ أُولَٰئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ)(الأعراف: 179).
-وساوس الشيطان: إنّ الإنسان معرّضٌ لوساوس الشيطان الذي يريه الباطل حقًّا، والحق باطلًا ليمنعه من مشاهدة الملكوت وفي الحديث: «لولا أنّ الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماوات».
-العقل الأداتي: إنّ العقل الأداتي المنشغل بإصلاح مظاهر الحياة الدنيا يمنع من ازدهار الفطرة، وهذا العقل وإنْ كان لازمًا وضروريًّا في مسيرة الحياة إلّا أنّه يصبح عقالًا ومانعًا أمام الوصول إلى الكمالات والمراتب العليا.
-الكبر: قال تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آيَاتِ اللَّهِ بِغَيْرِ سُلْطَانٍ أَتَاهُمْ إِن فِي صُدُورِهِمْ إِلَّا كِبْرٌ مَّا هُم بِبَالِغِيهِ)(غافر: 56)، فالجدال ينشأ من الكبر، والكبر يوجب الرجس وظلام القلب، ومن اسودّ قلبه منع من شهود الحق فالكبر من موانع ازدهار الفطرة.
-حبّ الدنيا: من الأمور الأخرى المانعة من ازدهار الفطرة حبّ الدنيا، وفي الحديث الشريف: «حُبُّ اَلدُّنْيَا رَأْسُ كُلِّ خَطِيئَةٍ». والقرآن ينهى الإنسان من حبّ الدنيا إذ هذا الحبّ يوجب تعلّق القلب بالدنيا، والقلب المنشغل بالدنيا لا يمكنه التوجّه نحو التوحيد والفضائل الفطريّة.
-اسوداد القلب: وهذا أيضًا من أهم موانع ازدهار الفطرة، وقد ورد في القرآن الكريم: (كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَىٰ قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ)(المطففين: 14)، والسرّ في أنّ البعض لا يستطيع النظر إلى حقائق الدين هو اسوداد قلبه بسبب الانغماس في الملاذ والأهواء.
لم تنفك البشريّة عن ظاهرة الدين يومًا ما، وكان الدين حاضرًا بالتزامن مع خلقة الإنسان حيث إنّ آدم أبا البشر وأوّل مخلوقٍ على وجه الأرض كان نبيًّا، وقد استمرّ وجود الدين في العالم باستمرار الأنبياء والرسل، ولكن مع هذا وعلى غرار الدين الإلهي ولدت أديان وضعيّة أو مذاهب محرّفة جرّاء الابتعاد عن الدين الصحيح أو تحريفه.
وبناءً على هذا ينقسم الدين إلى:
1. الدين البشري الذي وضعه الإنسان ودوّنه لنفسه وبمقتضى مصالحه التي يحتاجها في مسيرة حياته، وهذا الدين لانقطاعه عن الغيب وخالق الكون يشوبه عدم التعهّد والخضوع للرغبات الفرديّة أو المصالح الاجتماعيّة الجزئيّة أو الإقليميّة، كما أنّه يخالف الدين الإلهي المنزل على يد الأنبياء.
2. الدين الإلهي هو الدين الذي أنزله خالق الكون وخالق الإنسان عن طريق الأنبياء والرسل.
أو الدين الحق والدين الباطل؛ لأنّ مجموعة العقائد والأحكام والأخلاق إمّا أن تكون حقًّا أو باطلًا، فالدين الحقّ هو الذي يتكوّن من مجموعة حقّه تتطابق مع الواقع وحوائج الناس ومصالحهم الدنيويّة والآخرويّة، وهي المنزلة من قبل الله تعالى، كما في قوله تعالى: (الْحَقُّ مِن رَّبِّكَ)(آل عمران: 60)، فالمُنزَل من الله لا يكون إلّا حقًّا.
أمّا الدين الباطل فهو الذي جاء به الطواغيت متناغمًا مع رغباتهم ومع المصالح والمطامع والغرائز الدنيويّة، كما سنّه فرعون لقومه حيث قال لهم في
مقام الاعتراض على نبي الله موسى ودينه الحق: (إِنِّي أَخَافُ أَن يُبَدِّلَ دِينَكُمْ أَوْ أَن يُظْهِرَ فِي الْأَرْضِ الْفَسَادَ)(غافر: 26).
إنّ مدار البحث حول الدين إنّما هو الدين الإلهي، ولكن ما هو تعريف الدين؟ وقبل الخوض في تعريف الدين، لابد من عدم الخلط بين الدين والتديّن والإيمان، حيث إنّ بعض التعاريف الواردة لا تميّز بين ذلك.
وهناك من يذهب إلى عدم إمكان إعطاء تعريف ماهوي للدين، بل لا بدّ من تعريفه مفهوميًّا؛ لأنّ التعريف الماهوي يتضمّن بيان الماهيات والذاتيّات، وهو تعريف للشيء: «بالجنس والفصل أو الجنس والرسم، أو بالحدّ التام أو الناقص، ولا يمكن تعريف الدين من خلال هذه الأمور؛ لأنّ الدين ليس له وحدة حقيقيّة، وما لا وحدة حقيقيّة له لا وجود حقيقي له، وما يفقد الوجود الحقيقي لا ماهية له، وفاقد الماهية لا جنس له ولا فصل؛ لذا لا يمكن تعريف الدين بالحدّ التام أو الناقص وبعبارةٍ أخرى ليس للدين تعريفٌ منطقيٌّ مركّب من الجنس والفصل».
أمّا التعريف المفهومي فلا ضير منه، وعليه فإنّ الدين هو (مجموعة عقائد وقوانين ومقرّرات ناظرة إلى الأصول النظريّة للبشر، وكذلك الأصول العمليّة، كما أنّها تشتمل على الأخلاق وتغطّي جميع شؤون حياة البشر. وبعبارةٍ أخرى: الدين مجموعة عقائد وأخلاق وقوانين ومقرّرات أنزلت لإدارة الفرد والمجتمع،
وتربية الإنسان عن طريق الوحي والعقل).
فالدين الإلهي ينقسم إلى عدّة أقسام:
-العقائد، وتشتمل على التوحيد والنبوّة والمعاد، وما يتعلّق بكلّ واحد منها من فروع.
-الأخلاق، والتعرّف على المكارم والرذائل، وتهذيب النفس.
-الشرائع والمناسك والأحكام التي تقرّر علاقة الفرد مع خالقه، ومع نفسه، ومع الآخرين.
يتبنّى العلّامة الطباطبائي نظريّة فطريّة الدين للإنسان، ويعتمد على عدّة مقامات لإثبات ذلك:
1. إنّ جميع الأنواع الموجودة في العالم سواء الحيّة أم الجامدة، تسير سيرًا تكوينيًّا معينًا له مراتب مختلفة، ولا تزال هذه الأنواع تستكمل سيرها بطيّ هذه المنازل حتّى تنتهي إلى آخر المنازل وهو كمالها النهائي. ويسمّى هذا التوجّه التكويني -لاستناده على الله تعالى- بالهداية العامّة الإلهيّة، وهذا مفاد قوله تعالى: (رَبُّنَا الَّذِي أَعْطَىٰ كُلَّ شَيْءٍ خَلْقَهُ ثُمَّ هَدَىٰ)(طه: 50).
2. هذا الحكم يجري على نوع الإنسان أيضًا، بمعنى أنّ الهداية العامّة الإلهيّة تشمله أيضًا تبدأ من النطفة وتنتهي إلى الكهولة والشيب، ولكن الإنسان لسعته الوجوديّة وحاجاته التكوينيّة لا يقدر على تتميم نواقصه ورفع حوائجه وحده؛ لذا هو بحاجةٍ إلى اجتماعٍ منزليّ ومدني، والمجتمع الإنساني هذا لا يتمّ انعقاده إلّا
بأصولٍ علميّةٍ وقوانين اجتماعيّةٍ ليطيب العيش بالعمل بها.
3. إنّ الإنسان يصل إلى الكمال والسعادة في ظلّ مجتمعٍ صالحٍ تحكم فيه سننٌ وقوانينُ صالحةٌ تضمن وصوله إلى تلك السعادة، كما أنّ المقصود من حوائج الإنسان إنّما هي الحوائج الحقيقيّة التي تطلبها النفس الإنسانيّة بميولها وعزائمها، ويصدّقها العقل دون ما تمليه الأهواء.
وبعد هذه المقدّمات الثلاثة يقول العلّامة: «وقد عرفت أنّ الصنع والإيجاد قد جهّز كلّ نوعٍ من الأنواع -ومنها الإنسان- من القوى والأدوات بما يرتفع بفعاليّته حوائجه، ويسلك به سبيل الكمال». ثمّ يضيف قائلًا: «فتبيّن أنّ من الواجب أنْ يتّخذ الدين -أي الأصول العلميّة والسنن والقوانين العمليّة التي تضمن باتّخاذها والعمل بها سعادة الإنسان الحقيقيّة- من اقتضاءات الخلقة الإنسانيّة، وينطبق التشريع على الفطرة والتكوين، وهذا هو المراد بكون الدين فطريًّا، وهو قوله تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ).
وبعبارةٍ أخرى فإنّ هذه الآية تشير إلى:
«أوّلًا: طالما كانت سعادة الإنسان في الحياة مرتبطةً بالواقع التكويني للوجود، فلا بدّ للنظام الذي يصلح للناس أنْ ينبثق من ثنايا نظام الخلقة (الوجود) العام، ومن الحقيقة الخاصّة التي ينطوي عليها تكوين الإنسان، بمعنى أنّ البشريّة لا يصلح لها إلّا النظام الذي يتّسق مع سنن الكون ونواميسه، ومع فطرة الإنسان وتكوينه.
ثانيًا: لما كان نظام الوجود والتكوين متّسمًا بالثبات، كان لزامًا أنْ يكون الدين
ومنهج الحياة المستمد منه ثابتًا أيضًا لا يخضع للرغبات ولا يتبدّل مع الميول والأهواء، فلو اتّسم النظام بالتذبذب مع الميول والرغبات، فسينحرف الإنسان ويميل عامدًا عالمًا نحو الخطأ، برغم ما تدلّ عليه فطرته ويهدي إليه تكوينه من الصواب، يقول تعالى: (أَفَرَأَيْتَ مَنِ اتَّخَذَ إِلَٰهَهُ هَوَاهُ وَأَضَلَّهُ اللَّهُ عَلَىٰ عِلْمٍ)(الجاثية: 23).
ثالثًا: إنّ الخروج على أحكام الفطرة وتحدّى قوانينها، هو في حقيقته تحدٍّ النظام الكوني، وإعلانٌ سافر لمواجهته. والذي يدخل في صراع مع النظام الكوني المزوّد بقدرات عظيمة، عليه أن ينتظر إمّا الهزيمة والانسحاق أمامه، أو الإذعان والعودة ثانية إلى خطّه ومجراه».
من المباحث المهمّة المطروحة حول الدين، مبحث ضرورة الدين، ويمكن إثبات ذلك عقلًا ونقلًا وذوقًا.
يستشهد العلّامة الطباطبائي لأجل إثبات ضرورة الدين بقوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ...) (البقرة: 213).
ثم يقوم بتفسيرها تفسيرًا اجتماعيًّا ويقول: «إنّ الإنسان -وهو نوعٌ مفطورٌ على الاجتماع والتعاون- كان في أوّل اجتماعه أمّةً واحدةً، ثمّ ظهر فيه بحسب الفطرة الاختلاف في اقتناء المزايا الحيويّة، فاستدعى ذلك وضع قوانين ترفع الاختلافات الطارئة، والمشاجرات في لوازم الحياة، فألبست القوانين الموضوعة لباس الدين،
وشُفّعت بالتبشير والإنذار، بالثواب والعقاب، وأصلحت بالعبادات المندوبة إليها ببعث النبيّين وإرسال المرسلين... فالدين الإلهي هو السبب الوحيد لسعادة هذا النوع الإنساني، والمصلح لأمر حياته يصلح الفطرة بالفطرة، ويعدّل قواها المختلفة عند طغيانها، وينظّم للإنسان سلوك حياته الدنيويّة والاخرويّة والماديّة والمعنويّة».
أمّا كون الإنسان مفطورًا على الاجتماع، فيبيّنه العلّامة بالنحو الآتي: «إنّ نوع الإنسان مستخدِمٌ بالطبع، وهذا الاستخدام الفطري يؤدّيه إلى الاجتماع المدني، وإلى الاختلاف والفساد في جميع شؤون حياته الذي يقضي التكوين والإيجاد برفعه، ولا يرتفع إلّا بقوانين تصلح الحياة الاجتماعيّة برفع الاختلاف عنها، وهداية الإنسان إلى كماله وسعادته بأحد أمرين: إمّا بفطرته، وإمّا بأمر وراءه، لكن الفطرة غير كافيةٍ، فإنّها مؤدية إلى الاختلاف فكيف ترفعها؟
فوجب أنْ يكون بهدايةٍ من غير طريق الفطرة والطبيعة، وهو التفهّم الإلهي غير الطبيعي المسمّى بالنبوّة والوحي».
فالمقدّمات التي ذكرها العلّامة هي:
1. دعوة الفطرة إلى المجتمع المدني.
2. الإنسان بحسب فطرته سائر نحو الاختلاف؛ لأنّه مستخدِمٌ بالطبع.
3. عناية الله تعالى بهداية عباده ورفع الاختلاف من خلال الدين.
فهذه المقدّمات يصدّقها ويثبتها البحث والتجربة؛ أمّا البحث، فلأنّ الدين يدعو إلى حقائق المعارف، وفواضل الأخلاق، ومحاسن الأفعال، فصلاح العالم
الإنساني مفروضٌ فيه. وأمّا التجربة: فالإسلام أثبت ذلك في مدّة يسيرة حكم فيها الدين حيث ربّى أفرادًا صلحت نفوسهم وأصلحوا نفوسهم، ونفوس غيرهم من الناس، كما أنّ الحضارة والتمدّن اليوم مرهونةٌ للتقدّم الإسلامي الماضي وسريانه في العالم الدنيوي.
أمّا الشيخ الجوادي الآملي فقد تمسّك بالآيات الواردة في القرآن الكريم والروايات لإثبات ضرورة الدين، منها قوله تعالى: (رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ)(النساء: 165). وقوله تعالى: (وَلَوْ أَنَّا أَهْلَكْنَاهُمْ بِعَذَابٍ مِنْ قَبْلِهِ لَقَالُوا رَبَّنَا لَوْلَا أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولًا فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَذِلَّ وَنَخْزَىٰ)(طه: 134). فهاتان الآيتان تدلّان على أنّ سبب إرسال الرسل وإنزال الكتب والأديان إنّما هو هداية الناس، ولئلّا يحتجوا على الله تعالى يوم القيامة بعدم العلم والمعرفة، كما أنّها تدل على ضرورة الدين أيضًا، وعدم كفاية العقل وحده في عمليّة هداية الإنسان والوصول إلى السعادة الأبديّة والخالدة.
وكذلك قوله تعالى: (أَرْسَلْنَا فِيكُمْ رَسُولًا مِّنكُمْ يَتْلُو عَلَيْكُمْ آيَاتِنَا وَيُزَكِّيكُمْ وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُم مَّا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ)(البقرة: 151). حيث تؤكّد الآية الكريمة على ضرورة الدين من حيث لزوم التعليم والهداية إذ الإنسان بمفرده لا يتمكّن من الوصول إلى أهداف وغايات الخلقة.
وعن الإمام الصادق عليهالسلام في روايةٍ مفصّلةٍ: «إِنَّا لَمَّا أَثْبَتْنَا أَنَّ لَنَا خَالِقًا صَانِعًا مُتَعَالِيًا عَنَّا وَعَنْ جَمِيعِ مَا خَلَقَ وَكَانَ ذَلِكَ الصَّانِعُ حَكِيمًا مُتَعَالِيًا لَمْ يَجُزْ أَنْ يُشَاهِدَهُ خَلْقُهُ وَلاَ يُلاَمِسُوهُ فَيُبَاشِرَهُمْ وَيُبَاشِرُوهُ وَيُحَاجَّهُمْ وَيُحَاجُّوهُ، ثَبَتَ أَنَّ لَهُ سُفَرَاءَ فِي
خَلْقِهِ يُعَبِّرُونَ عَنْهُ إِلَى خَلْقِهِ وَعِبَادِهِ وَيَدُلُّونَهُمْ عَلَى مَصَالِحِهِمْ وَمَنَافِعِهِمْ وَمَا بِهِ بَقَاؤُهُمْ وَفِي تَرْكِهِ فَنَاؤُهُمْ فَثَبَتَ الْآمِرُونَ وَالنَّاهُونَ عَنِ الْحَكِيمِ الْعَلِيمِ فِي خَلْقِهِ، وَالْمُعَبِّرُونَ عَنْهُ جَلَّ وَعَزَّ وَهُمُ الْأَنْبِيَاءُ عَلَيْهِمُ السَّلاَمُ وَصَفْوَتُهُ مِنْ خَلْقِهِ حُكَمَاءَ مُؤَدَّبِينَ بِالْحِكْمَةِ مَبْعُوثِينَ بِهَا غَيْرَ مُشَارِكِينَ لِلنَّاسِ عَلَى مُشَارَكَتِهِمْ لَهُمْ فِي اَلْخَلْقِ وَالتَّرْكِيبِ فِي شَيْءٍ مِنْ أَحْوَالِهِمْ...».
ذهب متكلّمو الإماميّة والمعتزلة -خلافًا للأشاعرة- إلى وجوب البعثة وضرورة وجود الدين والشريعة، وذلك تمسّكًا بقاعدة اللطف وحسن التكليف.
يعتمد الدليل الفلسفي على أنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع؛ إذ لا يمكنه أنْ يعيش منفردًا، ولابدّ أنْ يختلط مع الآخرين في عمليّة الإفادة والاستفادة، ثمّ إنّ العيش المشترك يسبّب الاختلاف والتعدّي على حقوق الآخرين، ممّا يستدعي سنّ قوانين للحيلولة دون ذلك، والقانون المعتمد السليم هو القانون الإلهي، وبمتابعته يحصل السلام والسعادة.
ويعتمد على نظريّة الخلافة الإلهيّة والفناء في الله حيث لا بدّ للسالك من دليلٍ يدلّه على الطريق ليقطع المفاوز بمعونته.
إنّ الإنسان خُلِقَ ليصل إلى كماله الوجودي، ولا يتأتّى ذلك إلّا من خلال تحصيل ملكة العدالة والحكمة النظريّة، وملكة العدالة تعني رعاية الاعتدال في جميع الأفعال والأعمال، وتتوقّف على معرفة أثر كلّ فعلٍ على النفس، وهذا لا يحصل عليه الإنسان إلّا من قبل الله تعالى خالق الإنسان والكون، فهو الذي يضع القوانين كي يعلّم الإنسان طريق السلوك، والأنبياء هم الوسطاء لإيصال الإنسان إلى ملكة العدالة وتهذيب النفس، وعليه فإنّ تحصيل العدالة متوقفٌ على وجود الأنبياء والدين.
إنّ الإجابة عن سؤال منشأ الدين تتوقّف على النظرة الكونيّة التي يحملها الإنسان؛ إذ باختلاف هذه النظرة تختلف الإجابة، فمن اعتقد بوجود الله، وأنّه خالق الكون والمدبّر له، وهو الذي يحقّ له سنّ القوانين، يكون جوابه عن سؤال منشأ الدين أنّه الله تعالى، وأمّا إذا لم يعتقد بوجود الله، فإنّه حينئذٍ يبحث عن المناشئ البشريّة للدين، فيجعله إمّا ناشئًا من الخوف، وإمّا لتفسير الكون والظواهر الطبيعيّة التي لا يجد الإنسان لها جوابًا، وإمّا من اختراع أصحاب رؤوس الأموال لاستغلال الناس وهكذا.
للدين مصدران اثنان: العقل، والوحي (يشتمل الوحي على القرآن والسنّة بما فيها قول المعصومين عليهمالسلام ، والإجماع الكاشف عن قول المعصوم). أمّا الوحي فمن الطبيعي أن يكون مصدرًا للدين، أمّا العقل فهو أيضًا من مصادر الدين
بشكلٍ مستقلٍّ، وسيأتي مزيد بيانٍ له في محلّه.
ولكن لا بدّ من التنويه إلى أنّ الشيخ الآملي يحاول إرجاع العقل إلى الوحي والإلهام الإلهي؛ ليبقى هو المصدر الوحيد للدين؛ وذلك أنّ الله تعالى ألهم الإنسان الخير والشر، وعلّمه الحكمة النظريّة والحكمة العمليّة، أي أودعهما في ضميره وقرارة نفسه، وأرسل الأنبياء ليثيروا لهم العقول؛ فالعقل شعبةٌ من الإلهام المستتر في فطرة الإنسان، وهو هاتفٌ غيبيّ ورسولٌ إلهي.
اختلفت الأقوال في تحديد نطاق الدين ومدى سعته وضيقه، فهناك من ذهب إلى أنّ الدين يقتصر على الجوانب الفرديّة من عبادة ومسائل الأخلاقيّة، أمّا الفضاء العام وما يخصّ الدولة والحقوق وغيرهما من الأمور الاجتماعيّة فالدين ساكتٌ عنها، ولا يتطرّق إليها.
وهناك رأيٌ آخر يعمّم الدين إلى النطاق الخاصّ الفردي والنطاق العام الاجتماعي، ونحن من أنصار القسم الثاني، وندعمه بالدليل العقلي المقام لأجل إثبات النبوّة العامّة، وهو الدال على أنّ الإنسان مدنيٌّ بالطبع، ولا بدّ له من الاجتماع لتأمين حوائجه ومصالحه في ضوئه، ومن الواضح لزوم وجود قوانين لحفظ حقوق الجميع، وواضع القانون لا بدّ أنْ يكون مطّلعًا تمامًا على مصالح الإنسان المتنوّعة، ولا تحكمه الأهواء والرغبات والمطامع، وهكذا قانون لا يأتي إلّا من لدن عليمٍ حكيمٍ خالقٍ للإنسان، فالدين هنا لم يكن لتنظيم العلاقات الفرديّة بين الإنسان وخالقه فحسب، بل جاء لإقامة القسط والعدل، وتنظيم العلاقات الاجتماعيّة بين بني البشر أيضًا.
إنّ لغة الدين واضحةٌ ومفهومةٌ، وليس فيها أيّ غموضٍ أو رمزيّة، وإلّا لما تحقّق الهدف الأعلى، وهو هداية الناس، فلغة الدين لا بدّ أن تكون مفهومةً للجميع، والدليل على ذلك:
أوّلًا: بعثة الأنبياء بلسان قومهم؛ كي يكون كلامهم مفهومًا عندهم: (وَمَا أَرْسَلْنَا مِنْ رَسُولٍ إِلَّا بِلِسَانِ قَوْمِهِ)(إبراهيم: 4).
ثانيًا: إنّ الأنبياء تكلّموا مع الناس وحاججوهم بلسانهم، وأجابوا على أسئلتهم وشبهاتهم، والناس بدورهم وبعد سماع تلك الأدلّة والحجج إمّا يقبلونها أو يرفضونها وهذا يستلزم مفهوميّة كلامهم لدى الناس ووضوحه.
ثالثًا: قال تعالى: (لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ)(الحديد: 25) والبيّنات تعني الحقائق الواضحة والبيّنة والمفهومة.
علما بأنّ أساس الإشكاليّة حول لغة الدين ظهرت بعد ظهور العلوم الجديدة، وما يلوح من تعارضٍ بينها وبين الدين؛ لذا قال بعضهم بأنّ لغة الدين أسطوريّة أو رمزيّة، ولغة العلم واقعيّة؛ ومن هنا ظهرت مباحث لغة الدين في الكلام الجديد، وفلسفة الدين.
وفي مقام الجواب لا بدّ أن نعتمد ثلاثة أصول:
الأصل الأوّل: إنّ لغة العلم يمكن أن تجتمع مع لغة الدين، فكما أنّ العلم حقٌ وناظرٌ إلى الواقع فكذلك الدين، ولو حصل ثمّة تعارضٌ لا بدّ من حلّه.
الأصل الثاني: كما يمكن رفع التعارض الحاصل داخل كلّ علم، كذلك يمكن رفع التعارض بين العلم والدين.
الأصل الثالث: التعارض ينشأ عند من يجعل العقل أمام النقل، والحال أنّ الدين يستنبط من مصدرين: العقل والنقل، فكلاهما حجّة، ويوصلنا إلى الحكم الإلهي.
وعليه فإنّ لغة الدين لغةٌ حقيقيّةٌ واقعيّةٌ، وليست أسطوريّةً أو رمزيّةً؛ وذلك لأنّنا لا نعتقد بانحصار الواقع في القضايا الحسّيّة والتجريبيّة كي ننفي كلّ ما سواها، ونرميه إلى عدم المعنى، وإلى الرمزيّة أو الأسطورة، فالوجود كما يكون ماديًّا يكون مجرّدًا أيضًا، وطريق معرفة المجرّدات البرهان العقلي، أو النقل المعتبر، أو الكشف والشهود.
إنّ جوهر الدين وصدفه، ولبّ الدين وقشره، وذاتي الدين وعرضيّه، عناوين مترادفةٌ نشأت في مباحث فلسفة الدين تهدف الوصول إلى النقطة المركزيّة والأساسيّة في الدين، غير أنّ التيّار العلماني يحاول استغلال هذه الثنائيّات لصالح مشروعه ليقول إنّ جوهر الدين أو لبّه هو الأمر الفلاني، أمّا الشريعة والأحكام فإنّها قشور؛ وعليه لا بدّ أن تتغيّر بتغيّر الزمان والمكان.
والفرض الصحيح هو أن يراد من جوهر الدين وصدفه: أصل الدين وفروعه، فيكون التوحيد هو الأصل، وباقي التعاليم فروعه، ولا بدّ من إتيان جميع الفروع بالابتناء على أصل التوحيد، وبعبارةٍ أخرى إنّ جميع المسائل العقديّة والأخلاقيّة والأحكام العمليّة، تكون تفسيرًا وتفصيلًا لذلك الأصل، وعليه لا يمكن التفوّه بإمكان ترك القشور أو الصدف أو العرضي والاهتمام حصرًا بالجوهر واللب الذاتي كما زعمه العلمانيّون وبعض المتصوّفة.
شغل سجال العلم والدين مساحةً كبيرةً من مباحث فلسفة الدين، ذهب فريقٌ من العلماء إلى وجود التعارض بينهما، ونفى فريقٌ آخر هذا التعارض، وقال بالتوافق، وللشيخ الجوادي الآملي رأي حول هذا الموضوع يصنّفه ضمن تيّار التوافق؛ فهو في البدء يبيّن أنّ العلوم والمعارف كانت في بدايتها مجتمعةً بعضها مع بعض؛ فالطالب كان يدرس الطبيعيّات والرياضيّات والفلسفة والكلام وغيرها من العلوم، وكانت العلوم الطبيعيّة تعيش على هامش العلوم والمعارف الميتافيزيقيّة، وتستقي من أسسها ومبانيها، ولكن انفصلت العلوم واستقلّت بالتدريج منذ القرن الثالث عشر الميلادي، فاستقلّت العلوم الطبيعيّة عن الميتافيزيقا.
والسبب في ذلك يعود إلى مخالفة الكشوفات العلميّة الجديدة مع ما ورد في التوراة والإنجيل المحرّفة، إذ إنّ الأحبار والقساوسة قاموا بتحريف الكتاب المقدّس بما يتوافق مع مصالحهم وأطماعهم التي كانت تخالف الأصول البرهانيّة والقواعد العقليّة، وعليه حصلت فجوةٌ بين نتائج العلم وتحريفات هؤلاء العلماء، وأدّى إلى رواج القول بتعارض العلم مع الدين، وبعد أنْ كانت الكنيسة تحارب العلم، وتحاكم العلماء، وربّما تحرقهم وتحرق كتبهم، استفحل العلم وبدأ بمهاجمة الدين وطرده عن الساحة المعرفيّة.
يعتقد الشيخ الآملي أنّ منشأ التوهّم في تعارض العلم والدين جعل الدين محدودًا بالنقل، ليخرج العقل عن نطاق المعرفة الدينيّة، وينتج من هذا أنْ يكون
ما يدركه العقل الحسّي أو التجريدي خارج نطاق الدين، فهنا يحصل التعارض، إذ العقل المنفصل عن الدين يعد المنظومة الكونيّة ضمن المظاهر الطبيعيّة ولا يجعلها مخلوقة، كما لا يهتم بالعلّة الفاعليّة والغائية.
والحلّ عند الشيخ الآملي أنْ نجعل العقل في قبال النقل لا الدين، إذ الله الذي وهب الحجيّة لأدلّة النقل، وهبها أيضًا لمدركات العقل، فالعقل والنقل مصدرا المعرفة الدينيّة. فإذا حصل تعارضٌ بين دليلٍ نقليّ ومعرفةٍ علميّة لا يكون هذا شاهدًا على تعارض العلم والدين، بل يكون من قبيل تعارض العلم والنقل، وهذا أمرٌ طبيعي، إذ كما يحصل التّعارض بين النقل والنقل، قد يحصل التعارض بين العلم والنقل أيضًا، وحينئذٍ لا بدّ من رفع التعارض كما يحصل في المتعارضين النقليين. أمّا العقل (بمعناه الواسع) فلا يمكن أنْ يتعارض مع الدين؛ لأنّه من مصادر الدين فكيف يتعارض معه؟!.
علمًا بأنّ التعارض المذكور بين العلم والنقل لا يمكن أنْ يتحقّق فيما يقع خارج نطاق التجربة إذ العلم هنا ساكت، فهناك أمورٌ غيبيّةٌ كالمعجزة، وأثر الدعاء، والصدقة، وصلة الرحم وغيرها، لا تدخل في نطاق التجربة، فلا معنى للقول بحصول تعارضٍ بينها، فالعلم التجريبي في هكذا أمور لا يحقّ له أنْ يرد، أو أن يؤيّد، ولا أنْ يشك؛ لأنّها خارجة تخصّصًا عن نطاقه فهو ساكت حيالها. كما أنّ التجربة العلميّة لها أنْ تتحدّث عن فروضاتها ونتائجها، وما يخضع لتجربتها، وليس لها أنْ تحصر جميع الأمور في طرائقها هذه لتنفي باقي الطرق المعرفيّة غير التجريبيّة.
فالعلم في ذاته لا يتعارض مع الدين، نعم إنّ الفلسفة الإلحاديّة تتعارض مع الدين؛ لأنّها جاءت لنفيه، مع أنّ العلوم الطبيعيّة والتجربيّة لا تقتضي الإلحاد في ذاتها، ولكن الإلحاد يستغلّها، بيان ذلك: أنّ كلّ علمٍ يبتني على فلسفة علمٍ خاصّة (الفلسفة المضافة)، وفلسفة العلم تبتني على الفلسفة المطلقة (النظرة الكونيّة العامّة)، فالفلسفة المطلقة الإلحاديّة التي تقول للدين: (إِنْ هَٰذَا إِلَّا أَسَاطِيرُ الْأَوَّلِينَ)(المؤمنون: 83)، لا يمكنها أن تجتمع مع الدين، أمّا الفلسفة المطلقة الإلهيّة التي تعتقد بالخالق تجتمع مع الدين، وترفد المعارف الدينيّة بالمعلومات، وربّما تتعارض مع الدليل النقلي، فلا بدّ من القيام بحلّ التعارض.
لقد أولت دراسات علم الكلام الجديد وفلسفة الدين أهميّةً كبرى للتعدّديّة الدينيّة، حيث وزّعت بعض التيّارات النجاة بين جميع الأديان، ونفت انحصار النجاة في دينٍ واحد، ولكن الشيخ الآملي يخالف هذا المعتقد ويذهب إلى انحصار الدين في واحد ويقول إنّ «فرضيّة تعدّد الأديان ليست صائبة؛ لأنّ الدين جاء بهدف تربية الإنسان، وقد تمّ إثبات أنّ الإنسان يجسّد حقيقةً واحدةً في عالم الوجود، ومن هذا المنطلق لا بدّ وأنْ يكون الدين الهادف إلى تربيته واحدًا لا أكثر».
وعليه فإنّ الرؤية الأنثروبولوجية تؤثّر في موضوع التعدّدية بمعنى أنّنا لو جعلنا للإنسان حقيقةً واحدةً وفطرةً واحدةً ممتدةً في الإنسان على مر العصور مهما اختلف جنسه وعرقه ولونه؛ فيلزم منه أنْ يكون الدين واحدًا وثابتًا. كما أنّ القران الكريم ينفي التعددية الدينيّة في قوله تعالى: (إنّ الدِّينَ عندَ اللهِ الإسلامُ)
(آل عمران: 19) وقوله تعالى: (ومَنْ يبتغِ غيرَ الإسلامِ دينًا فلن يُقبلَ منهُ)(آل عمران: 85). ومفهوم هاتين الآيتين أنّ الدين الحقّ واحدٌ لا أكثر.
لكنّ القول بانحصار الدين الحقّ في دينٍ واحدٍ لا يعني دخول أتباع سائر الأديان في النار، وعدم إمكان العيش السلمي والمشترك معهم، إذ إنّ من اتّبع الباطل وترك الدين الحق ربّما لم يكن مقصرًا في ذلك؛ لأنّه عجز عن تشخيص الحق رغم إفراغ الوسع وبذل الجهد، وهؤلاء هم المرجون لأمر الله الوارد ذكرهم في القرآن الكريم: (وَآخَرُونَ مُرْجَوْنَ لأَمْرِ اللَّهِ إِمَّا يُعَذِّبُهُمْ وَإِمَّا يَتُوبُ عَلَيْهِمْ).
والسبب الأساس لمن ذهب إلى التعدّديّة، إنّما هو النزعة الشكّيّة والنسبويّة، مضافًا إلى المناهج التي يتمسّك بها الباحث لدراسة الدين.
هذا المبنى هو عصارة المباني السابقة ونتيجتها وتطبيقها العملي على أرض الواقع؛ إذ بعد ما يتمسّك الإنسان بالمباني التي ذكرناها، يلزم عليه اتخّاذ سلوكٍ معيّنٍ ونمطٍ للحياة يتناسق مع تلك المباني، وعلى سبيل المثال لو اعتقد في المبنى الأنطولوجي بوجود الله ونظام الخالقية؛ فلا يمكنه اتّخاذ القيم التي تخالف هذا المبنى، وكذلك الأمر في سائر المباني. والنظام القيمي هذا يعتمد على الحسن والقبح العقلي، وابتناء المنظومة الكونية على مفهوم الخير.
وعليه لا بدّ من رسم النظام القيمي والأخلاقي في ضوء المباني السابقة للمشاركة الفاعلة في الانبثاق الحضاري الجديد، ويلزم كتابة وثيقة الحياة الطيبة
لتقديم نمط حياةٍ إسلاميّةٍ فاعلةٍ تساعد الإنسان على العيش في معترك الحياة المعاصرة ومستلزماتها المستحدثة بالاعتماد على النص الديني، والعقل السليم، والفطرة الالهية.
(90)
يُعدّ المنهج الوسيلة الوحيدة لخوض غمار الآراء والنظريات وتطبيقها في ميدان العلم والمعرفة؛ إذ النظريات والمباني تبقى جامدةً في الفكر من دون المنهج الذي يطبّقها ويفعّلها، ولا يتمكن الباحث أن يخطو خطوةً إلى الأمام إلّا إذا كان متسلّحًا بالمنهج، حتى أصبح المنهج عند بعض الباحثين العامل الأساس في تصنيف العلوم وتبويبها، فهناك من يميز العلوم بعضها عن بعض بحسب الموضوع، وهناك من يميزها بحسب المنهج.
إنّ الاهتمام بالمنهج لم يكن وليد المرحلة الراهنة، بل كان مستخدمًا منذ قديم الأيام، وما كتاب المنطق لأرسطو إلّا خطوةٌ منهجيّةٌ للوصول إلى المعرفة الصحيحة، وربّما يكون السبب في إهمال الإشارة إلى المنهج، هو تقارب النظريّة والمنهج، إذ الثاني هو التطبيق في مقام الواقع، فتطبيق النظريّة على أرض الواقع والاستفادة منها بحاجةٍ إلى وسائل وآليّات، وهذه الوسائل والآليّات هي ما سمّاها المتأخّرون بالمنهج.
بعدما بدأت عملية التدوين في نهايات القرن الأوّل الهجري، طفق العلماء على تدوين وتجميع الروايات والأحاديث النبويّة وأقوال الصحابة والتابعين في كلّ ما يمتّ إلى الدين بصلة، ثمّ تشعّبت علوم الدين جرّاء التثاقف الحضاري الناشئ
(91)من الفتوحات، والاطّلاع على باقي الثقافات من جهة، وظهور مستحداثٍ دينيّةٍ وعلميّةٍ ومعرفيّةٍ من جهة ثانية، فولدت علوم القرآن والحديث والتاريخ والسيرة والفقه والأصول والأخلاق وهكذا. ومن جهةٍ ثالثةٍ ظهرت تيّاراتٌ ومدارس فكريّةٌ مختلفةٌ كالمرجّئة والخوارج والمعتزلة والأشاعرة والماتريديّة وغيرها ، إذ كان لكلّ تيّارٍ علومه، وتفسيره الخاصّ عن الدين.
وكانت مباحث المنهج والمنهجيّة كامنةً خلف الستار، ولها الدور البارز في تشعّب العلوم الإسلاميّة وتطوّرها واختلاف اتّجاهاتها، وبدل أنْ يهتم العلماء بهذا الكامن الخفي، طفقوا على تدوين الكتب والمؤلّفات حول تصنيف العلوم وتشعّابتها المختلفة، مع الإشارة إلى مبدعها أو أوّل من كتب فيها، ومن دون إغفالٍ لفوائدها وموضوعاتها وتطوّراتها.
ربما يُعدّ الفارابي (ت: 339هـ) أوّل من قام بإحصاء العلوم وتصنيفها في كتابه الشهير (إحصاء العلوم)، حيث حاول إحصاء العلوم وتصنيفها في خمسة أقسام، وهدفه من ذلك ما يقوله في مقدّمة كتابه: «وينتفع بما في هذا الكتاب الإنسان إذا أراد أن يتعلّم علمًا من هذه العلوم وينظر فيه، علم على ماذا يُقدِم وفي ماذا ينظر، وأيّ شيءٍ سيفيد نظره، وما غناء ذلك، وأيّ فضيلةٍ تُنال به، ليكون إقدامه على ما يقدم عليه من العلوم على معرفةٍ وبصيرةٍ، لا على عمى وغرر».
وتلاه ابن النديم (ت: 384هـ) في الفهرست، حيث صنّف العلوم، وذكر من ألّفها وما يتعلّق بسيرتهم، ثمّ عرّج ابن رشد (595هـ) على الفرق الكلاميّة، واستعمل ربّما لأوّل مرّة كلمة (المنهج) في عنوان كتابه (الكشف عن مناهج الأدلّة في عقائد الملّة)، وتطرّق إلى أربع فرقٍ، هي الأشعريّة، والمعتزلة، والباطنيّة،
والحشويّة، ويذكر طريقة فهمهم للعقائد من جهة، وابتعادهم عن مقصد الشرع من جهةٍ ثانية، من حيث اقتصار الاعتماد على السمع أو العقل أو الكشف.
وفي القرن الثامن انبرى ابن الأكفائي (ت: 749هـ) لتصنيف جديد وشامل للعلوم بغية الوصول إلى تكميل النفوس البشريّة في قواعدها النظريّة والعمليّة، من خلال العلم بحقائق الأشياء على ما هي عليه، لذا: «وجب علينا أن نعلم العلم المتكفّل بتحقيق الحقائق وما هو إليه كالوسائل، وما يشتمل على بيان ما يجب أن يُقصد من الفضائل، ويُتجنّب من الرذائل، فأردت أن أذكر في هذه الرسالة أنواع العلوم على التفصيل؛ ليتبيّن منها هذا الغرض».
واستمرّ العلماء في الكتابة حول تصنيف العلوم، فكتب طاش كبرى زاده (ت: 968هـ) مفتاح السعادة، وكتب ابن خلدون (ت: 808) في مقدّمته أصناف العلوم مع آراء كل فرقة، كما تطرّق حاجي خليفة (ت: 1068هـ) في كتابه كشف الظنون إلى أسماء المؤلّفين ومصنفاتهم في علومٍ وفنونٍ مختلفة، وجاء في هذا الاتّجاه التهانوي (ق: 12) في كشّاف الاصطلاحات، وصديق حسن خان (ق: 13) في أبجد العلوم.
وبعد ظهور مباحث المنهج وفلسفة العلم في الغرب، بدأت النخب في العالم الإسلامي بالاهتمام بهذا الحقل العلمي الوافد، فبعضهم طفق ينهل منها، ويأخذها أخذ المسلّمات، ويحاول تطبيقها في العالم الإسلامي، وبعضٌ آخر حاول تسليط الضوء على المناهج الإسلاميّة، وبيان أسبقيّة المسلمين ببعض هذه المناهج كالمنهج الاستقرائي، إذ صرّح غير واحدٍ من علماء الشرق والغرب
بأسبقيّة المسلمين في التمسّك به، وهناك من حاول تأطير المناهج الإسلاميّة بقواعد كونيّةٍ أنطولوجيّةٍ عامّةٍ تكون مهيمنةً على تلك المناهج الجزئيّة.
وعليه فإنّ الاهتمام بالمنهج في الوضع الراهن لا سيّما في عالمنا الإسلامي يعد حاجةً مزدوجةً؛ فمن جهة عندما ننظر التخلّف المشهود والتردي في العالم الإسلامي، وفي المناخ الفكري والمعرفي والثقافي، نجده يرجع إلى ضعف التمسك بالمنهج الأصيل لاستنباط المعارف الصحيحة من النصوص الدينيّة، ومعالجة الأزمات في ضوئها، ومن جهةٍ ثانيةٍ نرى أنّ التيار العلماني في العالم الإسلامي يتمسّك بالمناهج الغربيّة لعلمنة الخطاب الديني، ويبذل قصارى جهده لتحقيق هذه الغاية، ويظهر هذا بأدنى مراجعةٍ للكمّ الهائل من الكتب والدراسات المنشورة من قبل التيار العلماني.
النهج في اللغة هو الطريق الواضح، قال ابن منظور: «طريق نَهْجٌ: بَيِّنٌ واضِحٌ... ومنهج الطريق: وَضَحُه، والمنهاج كالمنهج، وفي التنزيل: (لِكُلٍّ جَعَلْنَا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَمِنْهَاجًا ...) أَنهَجَ الطريقُ وضَحَ واسْتَبانَ، وصار نهجًا واضحًا بيّنًا... والمنهاج: الطريق الواضح، اسْتَنْهَجَ الطريقُ: صار نهجًا... ونَهَجْتُ الطريقَ: أَبَنْتُه وأَوضَحتُه. يُقَالُ: اعْمَلْ عَلَى مَا نَهَجْتُه لَكَ. ونَهَجتُ الطريقَ: سَلَكتُه، وفلانٌ يَستَنهِجُ سبيلَ فلانٍ أَي يَسلُكُ مَسلَكَه. والنَّهْجُ: الطريقُ المستقيمُ».
أمّا المعنى الاصطلاحي فلم يكن بعيدًا عن المعنى اللغوي، إذ هو الطريق
الواضح والمسلوك للوصول إلى المعارف، قال محمود قاسم: «المنهج ليس إلّا المسلك الذي يتّخذه العالم تجاه طائفةٍ معيّنةٍ من الظواهر»، وعرّفه عبد الرحمن بدوي بقوله: «إنّه طائفة من القواعد العامّة المصوّغة من أجل الوصول إلى الحقيقة في العلم». وقال باحثٌ آخر: «أمّا المنهج فهو تجمّعٌ نسقي من عمليّات معرفيّة ترتبط بتقنيّاتٍ نوعيّةٍ أو بإجراءاتٍ خاصّة».
وتمّ تقسيم المنهج في موسوعة (لالاند) إلى قسمين: طريقٍ نصل من خلالها وبها إلى نتيجةٍ معيّنة، حتّى وإنْ كانت هذه الطريق لم تتحدّد من قبل تحديدًا إراديًّا ومتروّيًا، هنا يطلق اسم الترتيب على فعل الفكر الذي يكون له حول موضوعٍ واحدٍ ... عدّة أفكار، عدّة أحكام، وعدّة أدلّة، وهذا ما يسمّى أيضًا منهجًا. بهذا المعنى غالبًا ما تقال هذه الكلمة على أساليب وطرق مألوفة لعقل أو لمجموعة عقول، وهي طرق يمكن لحظها وتحديدها بالاستدلال، سواء لتطبيقها لاحقًا بنحو أوثق، أم لنقدها وإظهار عدم صلاحها.
برنامج ينظّم مسبقًا سلسلة عمليّات ينبغي إكمالها، وتدلّ على بعض الأخطاء الواجب تجنّبها، بغية بلوغ نتيجة معيّنة.
فالمنهج هو الطريقة التي يتّخذها الباحث للوصول إلى نتائج معرفيّةٍ لتفسير الكون وما ينبغي وما لا ينبغي وتمييز الصحيح من الخطأ. ومن هنا تظهر أهميّة المنهج؛ إذ هو الطريق والوسيلة الوحيدة للوصول إلى النتائج المتوخاة في العمليّة والمعرفيّة، وهو مدار تقييم الآراء والنظريّات والحكم عليها بالصحّة أو الفساد.
إذا كان المنهج هو الطريق نحو الوصول إلى المعرفة، فالمنهجيّة هي علم المنهج. أي «العلم الباحث في الطرق المستخدمة للوصول إلى الحقيقة».
فالمنهجيّة تعد علمًا من الدرجة الثانية؛ إذ تولد جرّاء النظر في المناهج المعرفيّة، ويكون المنهج موضوع المعرفة في المنهجيّة (علم المناهج)، وهذه المعرفة كما تتأثّر بموضوعها، تتأثّر كذلك بسائر العوامل الصانعة للمعرفة من قبيل: العالم، والأهداف، والخلفيّات المعرفيّة الأنطولوجيّة والإبستمولوجيّة والأنثروبولوجيّة، كما أنّ المنهجيّة بالنظر إلى الفرضيّات المقبولة عندها - في أي علم من العلوم - تقترح مناهج خاصّةً ليسلكها الباحث للوصول إلى مرامه.
ويمكن أن نحدد أهداف علم المناهج (المنهجيّة) ضمن النقاط التالية:
-التعرّف على المناهج المستخدمة في الدراسات العلميّة،
-المساعدة للتعرّف على المباني المنهجيّة لدى المفكّرين،
-المساعدة للتعرّف على المباني المنهجيّة الموجودة في التيّارات والمكاتب الفكريّة المختلفة.
إذا كان المنطق الصوري يهتم بصورة الاستدلال، فالمنهجيّة تهتم بقواعد مادّة الاستدلال ومحتواه، وترشدنا إلى طريقة استخدام هذه القواعد للوصول إلى المعرفة.
ربّما يحصل خلطٌ بين النظريّة والمنهج؛ لذا ينبغي التفريق بينهما، أمّا النظريّة فتعني البيان الدقيق لمجموعة ظواهر علميّة، وأمّا المنهج فهو طريقةٌ منتظمةٌ من القواعد للوصول إلى تلك الظواهر العلميّة.
وبناءً على هذا فللمنهج سبقٌ منطقيٌّ على النظريّة؛ لأنّ صدق النظريّة وقبولها، يرجع إلى صدق المقدّمات أو قبولها، كما يرجع إلى سلامة الانتقال من تلك المقدمات إلى النتائج، غير أنّ المنهج ربّما يسبق النظريّة زمنًا، وربّما يتأخّر عنها تارةً أخرى: «فبعض العلوم يسبق منهجها نظريّاتها في الزمن، وقد يتأخّر الإدراك الواضح للمنهج في بعضها الآخر على إقامة النظريّة».
وعلى سبيل المثال فإنّ المنهج في الفلسفة متأخّرٌ زمنًا دائمًا عن النظريّة، أمّا بخصوص العلوم الطبيعيّة، فبعض العلماء صاغوا نظريّاتهم بعد إدراكٍ واضحٍ لمنهج البحث في العلوم الطبيعيّة، كما أنّ بعضهم الآخر أقاموا نظريّاتهم قبل إمكان صياغة المنهج، كما هو الحال عند جلبرت وغاليلو، حيث إنّهما بعدما أقاما نظريّاتهما، استطاعا واستطاع علماء المناهج صياغة مناهجهما بوضوح.
من المسائل المهمّة التي يتطرّق إليها علماء المنهج، ما يتعلّق بوحدة المنهج أو تعدّده، بمعنى أنّه هل يوجد منهجٌ واحدٌ يمكن تطبيقه على جميع الفروع العلميّة، أم أنّ كلّ تخصّصٍ، وكلّ فرعٍ علمي له منهجه الخاصّ، كما يُطرح سؤالٌ آخر عن
إمكانيّة استخدام عدّة مناهج في موضوعٍ واحد. وعليه فيمكن البحث في هذا المجال ضمن عدّة نقاط:
أوّلًا: بعدما اكتسحت الفلسفة الوضعيّة والتيّار العلموي السّاحة الثقافيّة في الغرب، حاولت تعميم المنهج الوضعي -الذي يصنّف ضمن المناهج الكمّيّة- على جميع الأصعدة سواء في العلوم الطبيعيّة أم العلوم الإنسانيّة.
هذا الأمر أدّى إلى ظهور مواجهاتٍ علميّةٍ عنيفةٍ بين أصحاب الفلسفة التحليليّة الملتزمين بالمناهج الكمّيّة، وبين أصحاب الفلسفة القارّيّة الملتزمين بالمناهج الكيفيّة، يقول ريكمان بهذا الصدد: «إنّ الاعتقاد بأنّ مناهج العلوم الطبيعيّة هي النموذج الأوحد المطلوب للمعرفة الثابتة الدقيقة، إنّما يرتبط بالمنهج الوضعي، ذلك الذي يهدف إلى تجسيد الدراسات الإنسانيّة في جسمٍ علمي موحّدٍ تتمايز الأنساق فيه تبعًا لموضوعات وطرق كلّ نسقٍ، وتتآلف تبعًا لاستخدامها لمنهج علمي مشترك».
وهذا السجال مستمرٌ إلى اليوم بوجوهٍ مختلفة، كما يشير إلى ذلك جيدنز قائلًا: «الرغبة في إقامة علمٍ طبيعي لدراسة المجتمع يسعى إلى امتلاك بناءٍ منطقيّ، وتحقيق إنجازاتٍ على غرار تلك السائدة في العلوم الطبيعيّة، ما تزال ملمحًا بارزًا في عالم اليوم».
ومن الردود التي أُثيرت ضد هذه الفكرة في العالمين الإسلامي والغربي، يمكن أن نشير إلى النقاط التالية:
«إنّ مهمّة الدراسات الإنسانيّة تختلف عن مهمّة العلوم الطبيعيّة؛ إذ العلوم
الطبيعيّة تهتم بصياغة بناءاتٍ فرضيّةٍ تتعلّق بتتابع وارتباط الأحداث، وتعالج الدراسات الإنسانيّة عالمًا ينطوي على معنى بالنسبة للفعاليّة، وهي تعمّق فهمنا لمختلف ألوان التعبير، إنّها تجعل فهمنا أكثر عمقًا وتنظيمًا».
«على الرغم من أنّ للإنسان خواصًا فيزيقيّةً هي موضوع العلم، فإنّ صفته الحاسمة أو الفاصلة هي أنّه عاقل، أنّه يفكّر ويفعل ويتعقّب الغايات، أنّه يبدع العلم والفن والمدن والآلات والقانون والنظم، وكلّ هذه سياقاتٌ ذات معنى يمكن بل ويجب أن تفهم. ومن ثمّ فلا يمكن أن نقتصر فقط في وصف الإنسان على وقائعه الفيزيقيّة وحدها، بل يجب أن نفهم العمليّات العقليّة التي يعطي بها الإنسان لعالمه معنى».
يرى أنور الجندي أنّ حريّة الإرادة تتدخّل في الظواهر الإنسانيّة، وتتكفّل بتغيير مجراها قد يصعب إخضاعها لقانونٍ علمي بحت، كما يصعب في الظواهر الإنسانيّة التنبّؤ العلمي لنفس السبب. إنّ التجربة التي تعدّ قوام العلوم الطبيعيّة، يتّعذر إجرائها في العلوم الإنسانيّة. إنّ قوانين الطبيعة عامّةٌ وصادقةٌ في كلّ مكانٍ بخلاف الظواهر الإنسانيّة حيث تخضع لمتغيّراتٍ كثيرة. إنّ مرجع القوانين الطبيعيّة إلى المنهج الكمّي الرياضي، أمّا العلوم الإنسانيّة فيتعذّر إخضاع موضوعاتها لهذا الضبط الكمّي، ويستحيل تصويرها بالمعادلات الرياضيّة الدقيقة.
إنّ التمايز الماهوي بين العلوم الطبيعيّة والإنسانيّة، ينتج الاختلاف في المنهج أيضًا، إذ إنّ العلوم الطبيعيّة تعتمد على التبيين العلّي، بخلاف الثانية التي تعتمد على الفهم والتفسير للمعنى.
«إنّ الإسراف واللهث وراء محاكاة العلم الطبيعي واحتذائه أدّى إلى اختزال وتشويه ظواهر العلوم الإنسانيّة، وتفريغها من خصوصيّتها، وعزلها عن سياقاتها التاريخيّة، كما أدّى إلى التوجّه نحو ما هو سطحي وبسيط ممّا يمكن إخضاعه للقياس والإحصاء، وإهمال ما هو كيفي وروحي وخلّاق».
«الفارق بين الطبيعة والمجتمع هو أنّ الأولى ليست نتاجًا بشريًّا، وليست مخلوقةً من خلال أفعال الإنسانيّة. وعلى حين أنّ المجتمع ليس نتاجًا لأفعال شخص بعينه، وهو ينتج ويعاد إنتاجه من جديد، وإن لم يكن ذلك من العدم، من خلال كافة المشاركين في كل موقف اجتماعي».
هذه النقاط وغيرها دعت أنصار تعدّد المناهج لرفض نظريّة وحدة المنهج، واستعمال المنهج الوضعي العلمي المستخدم في العلوم الطبيعيّة للعلوم الإنسانيّة والاجتماعيّة، وهذا الرفض دعا أنتوني جيدنز للقول بأنّ: «أيّ اتّجاه يسعى إلى تبنّي المنطلقات المعرفيّة وأهداف العلوم الطبيعيّة في العلوم الاجتماعيّة، محكومٌ عليه بالفشل، ولن يؤدّي في النهاية إلّا إلى فهمٍ قاصرٍ للمجتمع الإنساني».
وأضاف: «إنّ أولئك الذين ما يزالون ينتظرون وصول نيوتن العلمي إلى ميدان علم الاجتماع، إنّما هم يترقّبون وصول قطار لن يأتي أبدًا؛ لأنّهم ببساطة ينتظرونه على المحطّة الخطأ تمامًا».
وتعدّى ريكمان هذا الحدّ وصعّد في لغته ليقول بأنّ: «تشييد الدراسات الإنسانيّة على غرار العلوم الطبيعيّة بحيث تكون نموذجًا مشابهًا لها تمامًا، هو
الإنسانيّة متعدّدة، نعم لا يجوز استخدام المناهج المتعدّدة والمتقاطعة في دراسة موضوعٍ خاصٍّ كما سيأتي في النقطة التالية.
وعليه لايمكن حصر العلم بمنهجٍ واحد، والمنهج يتحدّد بطبيعته الموضوع، فلكلّ موضوعٍ منهجه الخاصّ ولا يوجد شيءٌ أضرّ للعلم من تحديده بمنهجٍ واحد، وقد شهد التاريخ مدارس مختلفةً ادّعت وحدة المنهج لجميع العلوم، وقد باتت بالفشل جميعها، ولنعلم ما قال بعض الباحثين: «تنوّع الوجود بمنازله ومراتبه، أوسع من أيّة طريقة، ومن يعبد طريقةً واحدةً معيّنةً ولا يترك لسعة الوجود ذاتها أنْ تشقّ طرقها الواسعة إليه، ينته إلى كشف جزءٍ ضيّقٍ من الوجود، وبتر الأجزاء الأخرى أو تشويهها».
ثانيًا: الأمر الآخر الذي لابدّ أن يبحث هنا هو إمكانيّة استخدام عدّة مناهج في موضوعٍ خاص، يظهر من السياق المعرفي الدال على لزوم التقيّد بالمنهج الملائم للموضوع، عدم جواز ذلك؛ إذ ربّما يؤدّي إلى الفوضى المنهجيّة، واستخدام مناهج متقاطعة للوصول إلى نتائج محدّدة مسبقًا، كما نراه مستخدمًا عند أغلب الحداثيّين. نعم ربّما يمكن ذلك بخصوص المناهج المتّحدة في المباني الأنطولوجيّة والإبستمولوجيّة، فلا يمكن الاستخدام بغير هذه الصورة، إذ كيف يمكن الجمع بين المنهج المبتني على نسبيّة المعرفة، وبين المنهج المبتني على واقعيّة المعرفة؟!
من هذا المنطلق اعترض بعض الباحثين على هذه الفوضى المنهجيّة قائلًا: «من المدهش حقًّا أنْ نجد من بين العلوم الإنسانيّة من يتّخذ لنفسه أكثر من منهجٍ يتعارض الواحد مع الآخر تمامًا، تعارضًا جذريًّا، كاتّخاذ منهج التحليل النفسي،
والمنهج التجريبي، والقياسي في علم النفس، وكاتّخاذ المنهج التاريخي والمنهج التجريبي الإحصائي في علم الاجتماع».
وبعد هذه المقدمة يبدأ ببيان أهمّ المناهج الإسلاميّة المعتمدة في فهم الدين والمنظومة الكونية ضمن المباحث التالية.
المنهج النقلي هو المنهج الذي يعتمد على النصّ في الوصول إلى المعارف، وما نقصده هنا من المعارف إنّما هي المعارف الدينيّة - محور العمل في هذا الكتاب - وليس جميع المعارف البشريّة؛ وعليه سيحدّد النص بالنصّ الديني، أي القرآن والحديث الشريف المتمثّل بسنّة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ومرويات الأئمّة الإثني عشر عند الشيعة الإماميّة.
بعدما حدّدنا المنهج النقلي بالنصّ الديني المقدّس، أي القرآن الكريم والحديث الشريف، كان علينا تحديد نقطة انطلاق العمل بهذين النصّين، ومن الواضح البيّن أنّهما انطلقا منذ بدء الدعوة النبويّة وبعثته المباركة للرسالة، حيث تلقّى صلىاللهعليهوآلهوسلم القرآن أوّلًا، ثمّ تلته السنّة المطهّرة المفسّرة والمبيّنة للقرآن عدا الوحي غير القرآني، وقد تبلورت السنّة تبعًا لنزول القرآن بشكلٍ تدريجي خلال 23 سنة، وتلتها ورايات المعصومين عليهمالسلام ، طيلة 250 سنة تقريبًا.
أمّا من حيث الاستخدام فإنّ المنهج النقلي من أوائل المناهج التي طبّقها
المسلمون في حياتهم الفكريّة لتفسير الكون والوجود والمسائل المتعلّقة بحياتهم الفرديّة أو الجمعيّة، الماديّة أو المعنويّة، وذلك أنّ المسلم آنذاك كان يعيش فترة نزول الوحي وحضور المعصوم، ومن الطبيعي أن يتّجه إلى شخص النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لمعرفة ما يخصّ حياتها النظريّة أو العمليّة.
والقرآن الكريم مليءٌ بهكذا أسئلة وأجوبة نظريّة وعمليّة كقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أَيَّانَ مُرْسَاهَا)(الأعراف: 187)، وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَ أَيَّانَ يَوْمُ الدِّينِ)(الذاريات: 12)، وقوله تعالى: (وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّي)(الإسراء: 85)، وقوله تعالى: (يَسْأَلُونَكَ مَاذَا أُحِلَّ لَهُمْ...) (المائدة: 4)، وقوله تعالى: (وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ)(البقرة: 186). كما أنّ القرآن الكريم حثّ على السؤال من المعصوم فيما يجهلونه: (فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ)(الأنبياء: 7). ولكثرة الأسئلة ورد النهي عن بعضها: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ)(المائدة: 101).
ومضافًا إلى القرآن توجد رواياتٌ كثيرةٌ تتضمّن أسئلة المسلمين عن النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وسائر المعصومين عليهمالسلام وقد دوّن بعضها الطبرسي رحمهالله في كتابه القيّم الاحتجاج.
ومن روائع ما أجاب به أمير المؤمنين عليهالسلام ، ما ورد في نهج البلاغة من قوله حينما سأله شامي: أكان مسيرنا إلى الشام بقضاءٍ من الله وقدر؟ فقال عليهالسلام : «ويحك لعلّك ظننت قضاء لازمًا وقدرًا حاتمًا، ولو كان ذلك كذلك لبطل الثواب والعقاب، وسقط الوعد والوعيد. إنّ الله سبحانه أمر عباده تخييرًا، ونهاهم تحذيرًا، وكلّف يسيرًا ولم يكلّف عسيرًا، وأعطى على القليل كثيرًا، ولم يعص مغلوبًا، ولم يطع مكرهًا...».
إنّ زمن حضور المعصوم عليهالسلام بين الناس، فرصةٌ ثمينةٌ لتفاعل الناس مع الوحي المنزل ومع مفسّر الوحي المعصوم، حيث يستقون معارفهم النظريّة والعمليّة منه، إذ المعصوم يجمع بين الحجّتين: حجّة الرسالة، وحجّة العقل، فيكون كلامه حكمًا قطعيًّا لا يتطرّق إليه الخطأ أو الشك.
وعليه فمن الطبيعي أنْ يتّجه المسلمون نحو المنهج النقلي، أي الوحي والسؤال عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في كلّ صغيرةٍ أو كبيرة، نظريّة أو عمليّة، والرسول أيضًا يجيب على الأسئلة تارة بالوحي ومن منطلق وحياني بما أنّه رسول لا سيّما في المسائل العمليّة، وتارة أخرى يجيب من منطلق عقلاني بما أنّه العقل الكامل لا سيّما في المباحث النظريّة، وكلاهما حجّة قطعيّة للمسلم.
فالمنهج النقلي ذو وجهين، يمكن أنْ يستعان به في المباحث النظريّة زمن حضور المعصوم، كما يستعان به في المباحث العمليّة أكان في زمن حضور المعصوم أم في غيبته، وهو حجّة في كلا الحالتين.
إنّ الدليل النقلي (القرآن والحديث) إذا لم يكن حجّةً قطعيّةً قابلةً للاعتماد، كيف يمكن أنْ نتّخذه كمنهجٍ سليمٍ لفهم الدين، والوصول إلى مختلف المعارف، فموضوع حجيّة الدليل النقلي من المباحث المحوريّة في هذا المضمار. وبما أنّ الدليل النقلي يقسّم إلى: القرآن والحديث، فلا بدّ من الكلام في كليهما.
لا كلام في أنّ القرآن الكريم حجّةٌ قطعيّةٌ عند المسلمين، وحجيّة القرآن هذه تبتني على أدلّةٍ عقليّةٍ وأدلّةٍ نقليّة.
أمّا الدليل العقلي فيبتني على عدّة مقدّمات، فنحن بعدما أثبتنا بالدليل العقلي
وجود خالقٍ قادرٍ عليمٍ للكون، وأنّ الكون لم يحدث صدفة، بل خُلق بقدرةٍ قاهرة، وبعدما أقمنا الأدلّة العقليّة والبراهين الاستدلاليّة لإثبات وجود الباري، كان لزامًا علينا التعرّف على هذا الخالق، إذ لم تكن الخلقة عبثًا من جهة، ولم يتمكّن الإنسان من معرفة تفاصيل خالقه وأوامره ونواهيه بمفرده، وهنا يأتي دور الرسول ليكون واسطة بين الله الخالق والإنسان المخلوق.
وبهذا الصدد يقول أمير المؤمنين عليهالسلام : «وَاصْطَفَى سُبْحَانَهُ مِنْ وَلَدِهِ أَنْبِيَاءَ أَخَذَ عَلَى اَلْوَحْيِ مِيثَاقَهُمْ وَعَلَى تَبْلِيغِ الرِّسَالَةِ أَمَانَتَهُمْ ... فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ وَوَاتَرَ إِلَيْهِمْ أَنْبِيَاءَهُ لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثَاقَ فِطْرَتِهِ وَيُذَكِّرُوهُمْ مَنْسِيَّ نِعْمَتِهِ وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ...، وَلَمْ يُخْلِ اللَّهُ سُبْحَانَهُ خَلْقَهُ مِنْ نَبِيٍّ مُرْسَلٍ أَوْ كِتَابٍ مُنْزَلٍ أَوْ حُجَّةٍ لاَزِمَةٍ أَوْ مَحَجَّةٍ قَائِمَةٍ...» .
ثمّ إنّ وجود الرسول بمفرده لا يحقّق هدف الخلقة ونفي العبثيّة، بل لا بدّ هناك من قانونٍ وبرنامجٍ للعمل، يكشف مراد الله تعالى وأوامره ونواهيه، وهذا ما تجسّد في الإسلام في القرآن الكريم، حيث إنّه دليل النبوّة والمعجزة الخالدة والحكم الفصل والمعتمد الأمين، لقطعيّة صدوره وسلامة الطريق النازل من خلاله وعصمته.
وقد ذكر العلّامة محمّد تقي الحكيم أنّ «الحديث حول حجيّته [أي القرآن] موقوف على تمام مقدّمتين: أولاهما ثبوت تواتره الموجب للقطع بصدوره، وهذا ما لا يشكّ فيه مسلم امتحن الله قلبه للإيمان، والثانية ثبوت نسبته لله عزّ وجلّ، وعقيدة المسلمين قائمة على ذلك».
ولسنا هنا بصدد إثبات إعجاز القرآن، وسلامته من التحريف، وما يحتويه من معارف، إذ هذا يخصّ سائر الأبواب والعلوم الإسلاميّة، كالكلام والفقه والتفسير وما شاكل.
وأمّا الدليل النقلي في حجيّة القرآن، فيأتي كإرشاد ودعم للدليل العقلي، كي لا نقع في شبهة الدور وهو ما ورد في القرآن وكذلك الروايات، من التأكيد على حجيّة القرآن وإعجازه وكونه تبيانًا لكلّ شيء، وإنّ فيه خبر ما قبلنا وما بعدنا.
وذلك كقوله تعالى: (إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ)(البقرة: 185)، وقوله تعالى: (كِتَابٌ أَنْزَلْنَاهُ إِلَيْكَ لِتُخْرِجَ النَّاسَ مِنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِ رَبِّهِمْ)(إبراهيم: 1)، وقوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ قَدْ جَاءَكُمْ بُرْهَانٌ مِنْ رَبِّكُمْ وَأَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ نُورًا مُبِينًا)(النساء: 174)، وقوله تعالى: (وَنَزَّلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ تِبْيَانًا)(النحل: 89).
وقد عقد الكليني بابًا في كتابه الكافي تحت عنوان (الردّ إلى الكتاب والسنّة، وأنّه ليس شيء من الحلال والحرام، وجميع ما يحتاج الناس إليه إلّا وقد جاء فيه كتاب أو سنّة).
وقد روى عن الإمام الصادق عليهالسلام قوله: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْزَلَ فِي الْقُرْآنِ تِبْيَانَ كُلِّ شَيْءٍ حَتَّى وَاللَّهِ مَا تَرَكَ اللَّهُ شَيْئًا يَحْتَاجُ إِلَيْهِ الْعِبَادُ حَتَّى لاَ يَسْتَطِيعَ عَبْدٌ يَقُولُ لَوْ كَانَ هَذَا أُنْزِلَ فِي الْقُرْآنِ إِلاَّ وَقَدْ أَنْزَلَهُ اللَّهُ فِيهِ».
وفي كتاب البحار عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «إِنَّ هَذَا الْقُرْآنَ هُوَ النُّورُ اَلْمُبِينُ وَاَلْحَبْلُ الْمَتِينُ وَالْعُرْوَةُ الْوُثْقَى، ... مَنِ اِسْتَضَاءَ بِهِ نَوَّرَهُ اللَّهُ وَمَنْ عَقَدَ بِهِ أُمُورَهُ عَصَمَهُ اللَّهُ وَمَنْ تَمَسَّكَ بِهِ أَنْقَذَهُ اللَّهُ وَمَنْ لَمْ يُفَارِقْ أَحْكَامَهُ رَفَعَهُ اللَّهُ... وَمَنْ طَلَبَ الْهُدَى فِي غَيْرِهِ
أَضَلَّهُ اللَّهُ وَمَنْ جَعَلَهُ شِعَارَهُ وَ دِثَارَهُ أَسْعَدَهُ اللَّهُ وَمَنْ جَعَلَهُ إِمَامَهُ الَّذِي يَقْتَدِي بِهِ وَمُعَوَّلَهُ الَّذِي يَنْتَهِي إِلَيْهِ آوَاهُ اللَّهُ إِلَى جَنَّاتِ النَّعِيمِ».
وفي نهج البلاغة عن أمير المؤمنين عليهالسلام : «ثُمَّ أَنْزَلَ عَلَيْهِ الْكِتَابَ نُورًا لاَ تُطْفَأُ مَصَابِيحُهُ وَسِرَاجًا لاَ يَخْبُو تَوَقُّدُهُ وَبَحْرًا لاَ يُدْرَكُ قَعْرُهُ وَمِنْهَاجًا لاَ يُضِلُّ نَهْجُهُ وَشُعَاعًا لاَ يُظْلِمُ ضَوْءُهُ وَفُرْقَانًا لاَ يُخْمَدُ بُرْهَانُهُ وَتِبْيَانًا لاَ تُهْدَمُ أَرْكَانُهُ وَشِفَاءً لاَ تُخْشَى أَسْقَامُهُ وَ عِزًّا لاَ تُهْزَمُ أَنْصَارُهُ وَحَقًّا لاَ تُخْذَلُ أَعْوَانُهُ فَهُوَ مَعْدِنُ الْإِيمَانِ وَبُحْبُوحَتُهُ وَيَنَابِيعُ الْعِلْمِ وَبُحُورُهُ وَرِيَاضُ الْعَدْلِ وَغُدْرَانُهُ وَأَثَافِيُّ الْإِسْلاَمِ وَبُنْيَانُهُ وَأَوْدِيَةُ الْحَقِّ وَغِيطَانُهُ ... جَعَلَهُ اللَّهُ رِيًّا لِعَطَشِ الْعُلَمَاءِ وَرَبِيعًا لِقُلُوبِ الْفُقَهَاءِ وَمَحَاجَّ لِطُرُقِ الصُّلَحَاءِ وَدَوَاءً لَيْسَ بَعْدَهُ دَاءٌ وَنُورًا لَيْسَ مَعَهُ ظُلْمَةٌ وَحَبْلًا وَثِيقًا عُرْوَتُهُ وَمَعْقِلًا مَنِيعًا ذِرْوَتُهُ وَعِزًّا لِمَنْ تَوَلاَّهُ وَسِلْمًا لِمَنْ دَخَلَهُ وَهُدًى لِمَنِ اِئْتَمَّ بِهِ وَعُذْرًا لِمَنِ اِنْتَحَلَهُ وَبُرْهَانًا لِمَنْ تَكَلَّمَ بِهِ وَشَاهِدًا لِمَنْ خَاصَمَ بِهِ وَفَلْجًا لِمَنْ حَاجَّ بِهِ وَحَامِلًا لِمَنْ حَمَلَهُ...» .
إنّ الدليل العقلي الذي دلّ على حجيّة القرآن، يدلّ أيضًا على حجيّة الحديث الشريف، وذلك أنّ القرآن صامت أوّلًا، وفيه المحكم والمتشابه والناسخ والمنسوخ والمغيبات وغيرها من الأمور التي بحاجة إلى شرحٍ وبيانٍ وتفصيلٍ ثانيًا، ولولا وجود الرسول وما يقوم به من مهمّة شرح وتوضيح القرآن واستنطاقه، لم ينتفع المسلمون به، ولعاد الأمر كما أنّه لم ينزل، فلا بد أنْ يكون الحديث شريف حجّةً أيضًا في استقاء المعارف الدينيّة، وما يمتّ إليها بصلة.
وقد قال العلّامة محمّد تقي الحكيم أيضًا: «لولاها لما اتّضحت معالم الإسلام،
ولتعطّل العلم بالقرآن، ولما أمكن أن يُستنبط منه حكم واحد بكلّ ما له من شرائط وموانع؛ لأنّ أحكام القرآن لم يرد أكثرها لبيان جميع خصوصيّات ما يتّصل بالحكم، وإنّما هي واردةٌ في بيان أصل التشريع، وربّما لا نجد فيه حكمًا واحدًا قد استكمل جميع خصوصيّاته قيودًا وشرائط وموانع».
أمّا الدليل النقلي على حجيّة الحديث فمن القرآن والحديث نفسه، فقد قال تعالى: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَأَطِيعُوا الرَّسُولَ)(النساء: 58)، وقال تعالى: (وَمَا آتَاكُمُ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانتَهُوا)(الحشر: 7).
أمّا ما ورد في السنّة الشريفة ودورها في حياة الإنسان المسلم، كما في كلام الإمام الصادق عليهالسلام ، حيث قال: «مَا مِنْ شَيْءٍ إِلَّا وَفِيهِ كِتَابٌ أَوْ سُنَّةٌ»».
وكذلك حديث الثقلين المتواتر الوارد عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بألفاظ مختلفة يجمعها قوله: «إِنِّي تَارِكٌ فِيكُمُ [الثَّقَلَيْنِ] مَا إِنْ تَمَسَّكْتُمْ بِهِمَا لَنْ تَضِلُّوا [بَعْدِي أَبَدًا]، وَإِنَّهُمَا لَنْ يَفْتَرِقَا حَتَّى يَرِدَا عَلَيَّ الْحَوْضَ: كِتَابَ اللَّهِ وَعِتْرَتِي أَهْلَ بَيْتِي» فهذا الحديث الشريف يدلّ بوضوحٍ على حجيّة الحديث الشريف الوارد عن أئمّة الهدى عليهمالسلام ، وإنّ التمسّك به وبالقرآن يوجب الهداية والنجاة من الضلال.
وفي روايةٍ أُخرى عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «إِنْ أَرَدْتَ الْعِلْمَ الصَّحِيحَ فَعِنْدَنَا أَهْلَ الْبَيْتِ، فَنَحْنُ أَهْلُ الذِّكْرِ الَّذِينَ قَالَ اللَّهُ: (فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ)».
وعن الصادق عليهالسلام : « أَيَّتُهَا الْعِصَابَةُ، عَلَيْكُمْ بِآثَارِ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم وَآثَارِ الْأَئِمَّةِ الْهُدَاةِ مِنْ أَهْلِ بَيْتِ رَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَآلِهِ مِنْ بَعْدِهِ وَسُنَّتِهِمْ فَإِنَّهُ مَنْ أَخَذَ بِذَلِكَ فَقَدِ اِهْتَدَى وَمَنْ تَرَكَ ذَلِكَ وَ رَغِبَ عَنْهُ ضَلَّ..».
من المباحث المتعلّقة بحجيّة الدليل النقلي، التقسيمات الطارئة عليه، وهل أنّ الدليل النقلي حجّةٌ في جميع حالاته وتقسيماته أم لا؟ وهذا ما سنبحثه بشكلٍ موجزٍ هنا.
تنقسم آيات القرآن إلى محكمةٍ ومتشابهة، ناسخةٍ ومنسوخة، وهناك تقسيماتٌ أخرى لا تعنينا حاليًّا في مبحثنا هذا.
أمّا التقسيم إلى المتشابه والمحكم، فرغم أنّه جارٍ وسارٍ حتّى في كلام البشر، غير أنّ القرآن الكريم قد نصّ على اشتماله على ذلك في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ)(آل عمران: 7).
فالمحكم هو الكلام المتقن الواضح الدلالة، أمّا المتشابه فهو الذي يشتبه فيه المعنى المراد، حيث تتشابه المعاني المختلفة من الآية، ولا يعلم أيّها المقصودة في الخطاب بشكل يقيني وقطعي، «فهكذا آيات لا هي تدلّ على المعنى القطعي المقصود من قبل الله تعالى، ولا هي مصونة من سوء الفهم والتحريف المعنوي، لذا يلزم إرجاعها إلى المحكمات، وبهذا الإرجاع يتّضح المراد من الآية المتشابهة، ويضمحلّ تشابه المعاني».
وكما أنّ الآية تدلّ على لزوم إرجاع المتشابه إلى المحكم، فقد أكّدت الروايات على ذلك أيضًا، فعن الإمام الرضاعليهمالسلام أنّه قال: «مَنْ رَدَّ مُتَشَابِهَ الْقُرْآنِ إِلَى مُحْكَمِهِ فَقَدْ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ».
فالآيات المتشابهة حجّة أيضًا، ونازلة من عند الله تعالى، غير أنّ تعيين معناها والمراد القطعي منها يتوقّف على إرجاعها إلى المحكمات ليتّضح المعنى المراد النهائي.
أمّا موضوع النسخ في القرآن، فهو ممّا أكّد عليه القرآن أيضًا في قوله تعالى: (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ عَلَىٰ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ)(البقرة: 106)، وفي آية أُخرى أيضًا: (وَإِذَا بَدَّلْنَا آيَةً مَّكَانَ آيَةٍ وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يُنَزِّلُ قَالُوا إِنَّمَا أَنتَ مُفْتَرٍ بَلْ أَكْثَرُهُمْ لَا يَعْلَمُونَ)(النحل: 101).
فالآيات المنسوخة من قبل الله تعالى، منسوخة الحكم ولا يجب العمل بها، فهي حجّةٌ من حيث نزولها من قبل الله تعالى لمصالح مؤقّتةٍ في الحكم لم يبيّنها الله تعالى لمصالح هو أعرف بها، فلا كلام في حجيّتها وإعجازها وكونها من عند الله، غير أنّها لا تطبّق ونُسخ حكمها مع وضوح معناها. ولا يسع المقام أكثر من هذا، ومن أراد التفصيل فعليه بمراجعة كتب علوم القرآن والتفاسير آيات النسخ.
هذا كلّه بالنسبة إلى القرآن الكريم. أمّا الحديث الشريف فيقسّم إلى الخبر الواحد والخبر المتواتر، ولا بد من الإشارة إلى حجيّة كلّ واحدٍ منهما.
عرّف الشهيد الثاني الخبر المتواتر بقوله: «هو ما بلغت رواته في الكثرة مبلغًا أحالت العادة تواطؤهم على الكذب، واستمرّ ذلك الوصف في جميع الطبقات حيث تتعدّد، فيكون أوّله كآخره ووسطه كطرفيه، ولا ينحصر ذلك بعدد خاصّ».
فالخبر المتواتر ما تنقله جماعةٌ يمتنع تطواؤهم على الكذب، و هذه شروط الجماعة فثلاثة:
1. أن ينتهي في الكثرة إلى حدٍّ لا يصحّ معه أن يتّفق الكذب على المخبر الواحد منها. 2. أن يُعلم أنّه لم يجمعها على الكذب جامعٌ من تواطؤٍ أو ما يقوم مقامه.
3. أن يكون اللبس والشبهة زائلين عمّا خبّرت به.
والدليل على حجيّة الخبر المتواتر سيرة العقلاء الذين بنو حياتهم الفرديّة والجمعيّة والعلميّة عليه، وقد أشار إلى ذلك السيّد المرتضى رحمهالله ونسب الحجيّة إلى العادة وقال: «وأمّا الطريق إلى العلم بحصول هذه الشروط في الجماعة فواضح؛ لأنّه متعلّقٌ بالعادات، ولا شيء أجلى ممّا استند إليها».
وهناك من أناط حجيّة المتواتر بصدور مضمونه، والعلم حجّةٌ ذاتيّةٌ لا تقبل الوضع والرفع.
شغلت مسألة الخبر الواحد المتكلّمين والفقهاء قديمًا وحديثًا، فالمتكلّمون تطرّقوا إلى مباحث الخبر الواحد من حيث حجيّته أو عدم حجيّته في المسائل العقديّة، أمّا الفقهاء فتناولوه من حيث الاستعانة به في الوصول إلى الحكم الشرعي وعليه لا بدّ من التطرّق إلى كلا الأمرين: أوّلًا: حجيّة الخبر الواحد في الأحكام العمليّة والفقهية، ثانيًا: حجيّة الخبر الواحد في المسائل العقديّة.
لقد تطرّق الفقهاء في كتبهم الأصوليّة والكلاميّة إلى موضوع الخبر الواحد، فالسيّد المرتضى نفى العمل به جملة وتفصيلًا، وأقام عدّة أدلّة على ذلك، ولم يكتفِ بذلك، بل نسب النفي إلى جميع علماء الشيعة حيث قال: «ولا شك أنّ علماء الشيعة الإماميّة يذهبون إلى أنّ أخبار الآحاد لا يجوز العمل بها في الشريعة ولا التعويل عليها، وأنّها ليست بحجةٍ ولا دلالة. وقد ملؤوا الطوامير وسطروا الأساطير في الاحتجاج على ذلك والنقض على مخالفيهم... ويجري مذهبهم في أخبار الآحاد، مجرى ظهوره في إبطال القياس في الشريعة وحظره وتحريمه، وأكثرهم يحظر القياس والعمل بأخبار الآحاد عقلًا... وقد علمنا أنّ كل من صنّف من علماء هذه الطائفة كتابًا ودوّن علمًا، فمذهبه الذي لا يختلّ ولا يشتبه ولا يلتبس، أنّ أخبار الآحاد ليست بحجّة في الشريعة».
أمّا الشيخ الطوسي فيخالف أستاذه المرتضى، ويقول بجواز العمل بالخبر الواحد الإمامي فقط حيث يقول: «إنّ خبر الواحد إذا كان واردًا من طريق أصحابنا القائلين بالإمامة، وكان ذلك مرويًا عن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم أو عن واحد من
الأئمّة عليهمالسلام ، وكان ممّن لا يُطعن في روايته، ويكون سديدًا في نقله، ولم تكن هناك قرينة تدلّ على صحّة ما تضمّنه الخبر -لأنّه إنْ كانت هناك قرينة تدلّ على صحّة ذلك، كان الاعتبار بالقرينة وكان ذلك موجبًا للعلم- جاز العمل به. والذي يدلّ على ذلك إجماع الفرقة المحقّة، فإنّي وجدتها مجمعة على العمل بهذه الأخبار التي رووها في تصانيفهم، ودوّنوها في أصولهم، لا يتناكرون ذلك ولا يتدافعونه...».
واستمرّ النقاش محتدمًا إلى أن انتصر القول الذاهب إلى جحيّة الخبر الواحد في الأحكام الشرعيّة، وقد أشار الشيخ الأنصاري في كتابه الرسائل الى غلبة تيار الحجية وقال: «ثمّ اعلم أنّ وجوب العمل بالأخبار المدوّنة في الكتب المعروفة ممّا أُجمع عليه في هذه الأعصار، بل لا يبعد كونه ضروري المذهب».
ويؤيّد الشيخ الأنصاري الإجماع المدّعى من قبل الشيخ الطوسي، وينتصر له بنقل عبائر سائر العلماء، ثمّ يقول: «وإذا ضممت إلى ذلك كلّه معظم الأصحاب بل كلّهم -عدا السيّد وأتباعه- من زمان الصدوق إلى زماننا هذا إلى حجيّة الخبر الغير العلمي... ثمّ إذا ضممت إلى ذلك ظهور عبارة أهل الرجال في تراجم كثير من الرواة في كون العمل بالخبر الغير العلمي مسلّمًا عندهم، مثل قولهم: فلان لا يعتمد على ما ينفرد به، وفلان مسكون إلى روايته، وفلان صحيح الحديث، والطعن في بعض بأنّه يعتمد الضعفاء والمراسيل وغير ذلك، وضممت إلى ذلك ما يظهر من بعض أسئلة الروايات السابقة من أنّ العمل بالخبر الغير العلمي كان مفروغًا عنه عند الرواة، تعلم علمًا يقينيًّا صدق ما ادّعاه الشيخ من إجماع الطائفة».
فثبت بما قدّمنا من أقوال العلماء أنّ الخبر الواحد حجّةٌ في الشرعيّات للأدلّة العقليّة والنقليّة والعرفيّة التي ذكرها العلماء، ومن أراد التفصيل فعليه بكتب علم الكلام وعلم أصول الفقه، طبعًا نحن لا نقصد بالحجيّة حجيّة جميع الروايات الواردة في المجاميع الروائيّة، بل الرواية المقبولة لا بدّ أن تخضع الضوابط وقوانين؛ لذا قال الشيخ الأنصاري بعد إثبات الحجيّة: «والإنصاف أنّ الدال منها لم يدلّ إلّا على وجوب العمل بما يفيد الوثوق والاطمئنان بمؤدّاه، وهو الذي فسّر به الصحيح في مصطلح القدماء».
لقد اختلف العلماء في حجيّة الخبر الواحد المظنون في أصول الدين وما يتعلّق بالاعتقاد، وكلّ من أفتى بعدم حجيّته في السمعيّات أفتى بذلك في العقائد أيضًا، وقد صرّح الشيخ المفيد بذلك فقال: «ولا يجوز أن يُقطع بخبر الواحد في الدين...» . كما أنّ السيّد المرتضى نفى جواز التمسّك بالخبر الواحد في إثبات القرآن والنبوّة. ويعلّل نصير الدين الطوسي سبب عدم الجواز بقوله: «الظن ممكن الزوال، وفي زواله خطر عظيم، وقد ورد النصّ الصريح بالأمر بالاحتراز عن الخطر، فتعيّن الأمر بتحصيل اليقين قطعًا».
وهناك من جوّز العمل بالخبر الواحد المظنون في العقائد كالإخباريّين وأهل الحديث، حيث صنّفوا كتب العقائد بحسب الروايات ككتاب التوحيد للشيخ الصدوق وكتاب التوحيد لابن خزيمة، أو كتاب الرؤية للدار قطني وما شاكل.
وقد جمع الشيخ الأنصاري رحمهالله الأقوال في المسألة وجعلها ستة، وهي كما يلي:
1- اعتبار العلم في أصول الدين الحاصل من النظر والاستدلال، وهو المعروف عند الأكثر، وادّعى العلّامة الحلّي إجماع كافّة العلماء عليه في كتابه مختصر المصباح،
2- اعتبار العلم ولو من التقليد،
3- كفاية الظن مطلقًا، وهو المحكي عن جماعة منهم الشيخ البهائي، والمجلسي والمحدث الكاشاني،
4- كفاية الظنّ المستفاد من النظر والاستدلال دون التقليد، ونسبه الشيخ البهائي إلى البعض،
5- كفاية الظن المستفاد من أخبار الآحاد، وهو ما ينسب إلى الأخباريّين،
6- كفاية الجزم بل الظن الحاصل من التقليد، مع كون النظر واجبًا مستقلًّا لكنّه معفو عنه[1].
وبعد نقل هذه الأقوال يرى الشيخ الأنصاري أنّ محلّ الكلام غير منقّح؛ لذا يقوم بتنقيح المناط، ويقسّم مسائل أصول الدين - التي يلزم فيها الاعتقاد الباطني والتديّن الظاهري - على قسمين:
أحدهما: ما يجب على المكلّف الاعتقاد والتديّن به غير مشروطٍ بحصول العلم كالمعارف، فيكون تحصيل العلم من مقدّمات الواجب المطلق فيجب.
الثاني: ما يجب الاعتقاد والتديّن به إذا اتّفق حصول العلم به، كبعض تفاصيل المعارف.
فالقسم الثاني (وهو ما لا يجب الاعتقاد به إلّا بعد حصول العلم به) حيث كان المفروض عدم وجوب تحصيل المعرفة العلميّة، كان الأقوى القول بعدم
وجوب العمل فيه بالظنّ لو فرض حصوله، ووجوب التوقّف فيه، للأخبار الكثيرة الناهية عن القول بغير علم والآمرة بالتوقّف، ولا فرق في الأمارة الواردة في تلك المسألة أن تكون خبرًا صحيحًا أو غيره، فهنا لا يجوز العمل بغير العلم عند الشيخ الأنصاري.
أمّا القسم الأوّل الذي يجب فيه النظر لتحصيل الاعتقاد، فيقع الكلام فيه تارة:
أ. القادر على تحصيل العلم،
ب. العاجر عن تحصيل العلم.
فالقادر على تحصيل العلم يكون حكمه التكليفي تحصيل العلم وعدم الاكتفاء بالظنّ، فمن ظنّ بنبوّة نبيّنا محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم أو بإمامة أحد من الأئمّة عليهمالسلام ، فلا يجوز له الاقتصار بل يجب عليه زيادة النظر، ودليله جميع الآيات والروايات الدالّة على وجوب الإيمان والعلم والتفقّه والمعرفة والتصديق وعدم الرخصة في الجهل والشكّ ومتابعة الظنّ، أمّا حكمه الوضعي فالأقوى بل المتعيّن فيه الحكم بعدم الإيمان للأخبار المفسّرة للإيمان بالإقرار والشهادة والتديّن والمعرفة وغيرها من العبائر الظاهرة.
وهنا كلامٌ آخر يقع في كفاية الجزم الحاصل من التقليد للقادر على العلم، فنفاه قوم كالعلّامة الحِلّي حيث قال: «أجمع العلماء على وجوب معرفة الله وصفاته الثبوتيّة، وما يصحّ عليه وما يمتنع عنه، والنبوّة والإمامة والمعاد بالدليل لا بالتقليد».
أمّا الشيخ الأنصاري فلا يقبل هذا الرأي، ويقول: إنّ الأقوى كفاية الجزم
الحاصل من التقليد، لعدم الدليل على اعتبار الزائد على المعرفة والتصديق والاعتقاد، وتقييدها بطريقٍ خاصٍّ لا دليل عليه. ويضيف قائلًا: إنّ النظر والاستدلال بالبراهين العقليّة للشخص المتفطّن بوجوب النظر في الأصول؛ لا يفيد بنفسه الجزم لكثرة الشبه الحادثة في النفس والمدوّنة في الكتب، حتّى إنّهم ذكروا شبهًا يصعب الجواب عنها للمحقّقين الصارفين لأعمارهم في فنّ الكلام، فكيف حال المشتغل به مقدارًا من الزمان لأجل تصحيح عقائده، ليشتغل بعد ذلك بأمور معاشه ومعاده، خصوصًا والشيطان يغتنم الفرصة لإلقاء الشبهات والتشكيك في البديهيّات.
أمّا العاجز عن تحصيل العلم، فيردّ الشيخ الأنصاري أوّلًا مزاعم من ينفي إمكان تحقّق العاجز في الواقع الخارجي؛ لأنّه يقسّم الناس إلى مؤمنٍ وكافرٍ فلا يتحقّق العاجز، ولكن الشيخ الأنصاري ينفي هذه المزاعم ويقول إنّ ما يقتضيه الإنصاف هو شهادة الوجدان بقصورٍ بعض المكلّفين ويدعمه ما ورد في بعض الروايات.
أمّا ثانيًا فإنّ العاجز عن تحصيل العلم لا يجب عليه تحصيل الظنّ عند الشيخ الأنصاري؛ لأنّ المفروض عجزه عن الإيمان والتصديق المأمور به، ولا دليل آخر على عدم جواز التوقّف. نعم لو رجع الجاهل بحكم هذه المسألة إلى العالم، ورأى العالم منه التمكّن من تحصيل الظنّ بالحق، فلا يبعد وجوب إلزامه بالتحصيل؛ لأنّ انكشاف الحقّ ولو ظنًّا أولى من البقاء على الشك فيه.
أمّا ثالثًا في الحكم الوضعي لهذا الشخص، هل يُحكم عليه بالكفر أو الإسلام؟! فيقول الشيخ الأنصاري بأنّ هذا الشخص إن لم يقرّ في الظاهر بما هو مناط
الإسلام فالظاهر كفره، أمّا لو أقرّ ظاهرًا بما هو مناط الإسلام مع بقاء الشك في باطنه من دون إظهار له، فإنّه غير كافر على الظاهر.
بعد ما أشرنا في النقطة السابقة إلى حجيّة الدليل النقلي مع ما فيه من تقسيمات، كان لزامًا علينا التطرّق إلى نطاق المنهج النقلي وحدود الاستفادة منه، وهنا لا بدّ من لحاظ تقسيم معارف الدين إلى فروع وأصول، فالفروع كلّ ما يتعلّق بالجوانب العمليّة في الحياة الفرديّة والاجتماعيّة من عباداتٍ ومعاملاتٍ وأخلاقٍ وسياسةٍ واقتصادٍ وما شاكل، والأصول كلّ ما يتعلّق بالاعتقاد والمباحث النظريّة.
وعليه فإنّه يصحّ التمسّك بالمنهج النقلي (القرآن والحديث المتواتر والخبر الواحد) في الفروع جميعًا، أمّا استخدام المنهج النقلي في الأصول فمحلّ إشكال، إذ أكثر العلماء على لزوم تحصيل العلم واليقين عن طريق النظر والاستدلال في أصول الدين، نعم ربّما أمكن الحكم بجواز الاعتماد على المنهج النقلي في الجزئيّات والتفاصيل المتعلّقة بالمباني والأصول العامّة، كالدليل على جزئيّات المعاد والإمامة وما شاكل.
بعدما انتهينا من تعريف وإثبات الدليل النقلي وحجيّته، ونطاق استخدامه، لا بأس بالإشارة المختصرة إلى الفئات التي تستخدم المنهج النقلي للوصول إلى بعض تعاليم الدين ومعارفه.
إنّ وظيفة الفقيه إستنباط الحكم الشرعي من الأدلّة، وهذه الأدلّة هي القرآن والحديث في الدرجة الأولى، وعليه فإنّ المنهج النقلي هو الأساس في عمل الفقيه للوصول إلى الأحكام الشرعيّة.
ثمّ إنّ الفقيه كلّما ابتعد عن عصر الحضور، اضطر لاستخدام مجموعة أدواتٍ يستعين بها لاستنباط الحكم الشرعي، فإنّ البعد عن عصر الحضور سبّب الغموض في بعض النصوص من حيث التّعارض أو الإجمال أو التقييد أو الإطلاق وما شاكل، ناهيك عن عمليّة الوضع والدسّ والتحريف، مضافًا إلى السهو والنسيان وسائر العوارض البشريّة الطارئة للرواة، فهذه الأمور أدّت إلى ولادة علومٍ جديدةٍ تعين الفقيه في الوصول إلى الحكم الشرعي الصحيح، فولد علم الأصول والرجال والدراية والحديث وما شاكل.
إنّ مهمّة الخطيب أو الواعظ، تربية النفوس وإلقاء تعاليم الدين للناس، ومن الواضح أنّ النصّ الديني هو المبدأ الوحيد لتلبية حاجة الخطيب والواعظ؛ لذا نرى كثرة استخدام المنهج النقلي في دروس الأخلاق، وكذلك في إلقاء الخطب والمحاضرات الدينيّة.
هناك فئةٌ من المفسّرين حصروا فهم القرآن على ما يرد من المعصوم عليهالسلام ، وعليه اعتمدوا في تفسير القرآن على المنهج النقلي، فترى أنّ كتبهم التفسيريّة مليئةٌ بسرد الروايات في ذيل كلّ آية، أمثال تفسير نور الثقلين للماحوزي والبرهان للسيّد هاشم البحراني وغيرهما.
(120)إنّ علم الحديث هو العلم الوحيد الذي يعتمد على الحديث مباشرة ومن دون توسّط علوم أخرى، وعليه يكون جلّ اعتماد المحدّث على المنهج النقلي.
رغم أنّ أصول علم الكلام ومبانيه الأساسيّة عقليّة، فإنّ بعض المتكلّمين من أهل الحديث اعتمدوا على المنهج النقلي في علم الكلام، فصنّفوا كتبهم الكلاميّة بحسب ما ورد من رواياتٍ في كلّ موضوعٍ ومسألةٍ ككتاب التوحيد للشيخ الصدوق، وكتاب الرجعة للحرّ العاملي وما شاكل.
هناك خلاف بين العلماء في نشأة المدرسة الإخباريّة، فالأخباريّون أنفسهم يعتقدون بأنّهم امتداد لزمن الأئمّةعليهمالسلام وأصحابهم، فقد قال الملّا أمين الأسترابدي في كتابه دانشنامة شاهي بعد أن عرّف الأخباريّين بأنّهم المتمسّكون بأحاديث وروايات الأئمةعليهمالسلام فيما يخطأ فيه العقل، قال: «وجميع أصحاب الأئمّة كانوا على هذه الطريقة، وإنّ الأئمّة نهوا أصحابهم عن فنّ الكلام وفن أصول الفقه المدوّن بحسب النظر العقلي... وطريق الأخباريّين هذا كان سائدًا إلى آخر زمن الغيبة الصغرى... بل كان شائعًا في أوائل الغيبة الكبرى».
ثمّ يذكر الأسترآبدي بأنّ أستاذه الشيخ محمّد الأسترآبدي أمره أنْ يقوم بإحياء طريقة الأخباريّين بعدما اندرست، ويحمد الله أن وفّقه لذلك في كتابه الفوائد المدنيّة. كما أنّ الشيخ يوسف البحراني قد وصف الشيخ الصدوق برئيس
الأخباريّين . ولكن ذهب المتأخّرون من الأصوليّين إلى أنّ المنهج الأخباري أُسّس في بداية القرن الحادي عشر على يد الملّا أمين الأسترابدي.
ثمّ إنّه مع قطع النظر عن هذا، لا شكّ في أنّ المنهج الأخباري في جميع المباحث هو المتبع زمن حضور المعصوم عليهالسلام ، حيث كان يرجع الناس إليه في مقام بيان الحكم، والاعتماد على ما يصدره الإمام من حكم وفتوى في مقام العمل والنظر، ولكن الكلام كلّ الكلام يقع في زمن الغيبة، وهل أنّ الأخبار الواصلة إلينا عبر الكتب والموسوعات الحديثة حجّةٌ ومعتبرةٌ جملةً وتفصيلًا كما يدّعيه المنهج الإخباري، أم أنّها بحاجةٍ إلى تمحيصٍ، وإلى وضع آليّةٍ للتّعامل معها للوقوف على الصحيح من الزائف أو الضعيف، لا سيّما بعد وجود وضّاعين وضعوا الحديث بحسب أهوائهم الدينيّة والسياسيّة.
والمنهج الأخباري يعتمد في مقام الفتيا على الروايات من دون التعويل على أصول الفقه وعمليّة الاجتهاد المتعارفة عند الفقهاء، مضافًا إلى التزامه بصحّة الروايات الواردة في الكتب الأربعة، وقد أقام الأسترآبادي اثني عشر دليلًا على صحّة ما ورد في الكتب الأربعة، وجواز التمسّك بها في مقام العمل، بل ادّعى أنّ كتابًا واحدًا منها يكفي فضلًا عن غيره، إذ قال: «وبالجملة كتاب من لا يحضره الفقيه كافٍ لنا في حصول القطع بورود الحكم عنهم عليهمالسلام ، في جميع أبواب الفقه، فما ظنّك إذا انضمّ إليه كتاب الكافي مع ما ذكره مصنّفه في أوائله من صحّة كلّ ما فيه، وإذا انضمّ إليه كتاب رئيس الطائفة مع ما ذكر مصنّفهما من أنّه لم
يعمل إلّا بالأحاديث المأخوذة من الأصول المجمع على صحّتها».
والأسترآبادي وإن ادّعى كفاية كتابٍ واحدٍ للوقوف على الأحكام الشرعيّة، غير أنّ سائر الأخباريّين لم يوافقوه الرأي، فينقل صاحب الحدائق عن السيّد نعمة الله الجزائري بأنّ الكتب الأربعة لا تستوفي جميع الأحكام الفقهيّة، بل لا بدّ من مراجعة باقي الكتب الروائيّة، مثل باقي كتب الصدوق وكتاب الاحتجاج وغيرها.
لقد أطلق الأستاذ محمّد رضا حكيمي رحمهالله ، عنوان (مدرسة التفكيك) على التيّار المعارفي الذي ظهر في خراسان في القرن الرابع عشر الهجري على يد السيّد موسى زرآبادي القزويني، والميرزا مهدي الغروي الأصفهاني، والشيخ مجتبى القزويني.
ويُقصد بمدرسة التفكيك، تفكيك المنهج القرآني والمنهج الفلسفي والمنهج العرفاني بعضها عن بعض؛ للوصول إلى معارف الدين بمعزلٍ عن التأويل والمزج مع باقي المناهج والمباني؛ كي تنجلي حقائق الوحي ويُصان العلم الصحيح.
ويعتقد أتباع هذا الاتّجاه، أنّ العلماء والمفكّرين لو اتّبعوا الأنبياء والوحي الإلهي، وتمسّكوا بالمعرفة الوحيانيّة التي تعدّ الطريق الوحيد لمعرفة الحقيقة، ولو قيّدوا العقل بالوحي إذ لا يهتدي العقل بمفرده ومن دون تعليم الأنبياء إلى معرفة حقائق الكون، فلو فعلوا ذلك لوصلوا إلى العلم الصحيح، ولما ابتلوا بهذه التناقضات والحجب العقليّة والالتباسات الكشفيّة.
وعليه فإنّ الحقائق العلميّة والمعارف الدينيّة، تكون صحيحةً فيما لو أُخذت من طريق الوحي الإلهي والعلم الربّاني؛ لأنّ العالِم الوحيد بالحقائق هو خالق الحقائق، وهو العارف بها، فهو الذي لا بد أن يعلّمها (عَلَّمَ الإنسان مَا لَمْ يَعْلَمْ)(العلق: 5). من دون أن تمتزج هذه المعارف بسائر الآراء والنحل، ومن دون أنْ ينالها التحريف أو التأويل.
فلا ينبغي أنْ تختلط الحكمة القرآنيّة مع الفلسفة اليونانيّة والعرفانيّة، وسائر المدارس الإسكندرانيّة والهنديّة ونحوها، ليصل الإنسان إلى معارف القرآن الخالصة. مع قطر النظر عن سائر الآراء والنظريّات والمدارس والتيّارات، إذ القرآن لم يكن محتاجًا إليها في أيّ بعد من أبعاده؛ لأنّ حقائق القرآن وحي منزل، وأين الوحي من سائر العلوم البشريّة؟!
فلا بدّ إذن وللوصول إلى العلم الصحيح ومعرفة الحقيقة، من الاستفادة من الكلام النوراني (كلام الله ورسوله، وكلام الأئمّة عليهمالسلام ) من دون أن يمزج مع أيّ شيءٍ آخر غيره.
قد أشرنا في القسم الأول إلى موضوع الفطرة إجمالًا وأهميّتها في رسم المباني النظريّة، أما هنا فنريد أن نتحدّث عن الفطرة كمنهجٍ للبحث، والمعتمد في مباحث الفطرة هو قوله تعالى:
(... فِطْرَتَ ٱللهِ ٱلَّتِي فَطَرَ ٱلنَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ ٱللهِ ذَٰلِكَ ٱلدِّينُ ٱلْقَيِّمُ...)(الروم:
30). وسوف نعتمد على العلّامة الطباطبائي، حيث يُعدّ من المفكّرين الكبار الذين خاضوا في علومٍ ومعارف عديدة، وقد استخدم مجموعة مناهج، إذ كان خبيرًا ومتخصّصًا في الفلسفة والعرفان وعلم الكلام والفقه والأصول والتفسير والحديث، وقد اعتمد في تفسيره الميزان على المنهج الفطري كثيرًا، وأعطاه مكانةً محوريّةً في مختلف المباحث، وسنحاول فيما يلي تسليط الضوء على هذا المنهج واستخداماته عند السيّد الطباطبائي ضمن مباحث:
ينقل العلّامة الطباطبائي ما قاله الراغب في المفردات حول معنى الفطرة، بأنّ الفَطْر هو الشقّ طولًا، يقال: فَطَر فلان كذا فطرًا، وأفطر هو فطورًا، وانفطر انفطارًا... ومنه الفطرة، وفطر الله الخلق هو إيجاده الشيء وإبداعه على هيأةٍ مترشّحةٍ لفعلٍ من الأفعال.
ويذهب السيّد الطباطبائي إلى أنّ الفطر هو الإيجاد والإبداع عن عدم بحت، وهو يختلف عن الخلق الذي هو إيجاد الصورة عن مادّةٍ على طريق جمع الأجزاء؛ لذا نراه يقول:
«الفطرة بناء نوع من الفطر بمعنى الإيجاد والإبداع».
تكمن أهميّة الفطرة في كونها منظومةً متكاملةً لا بدّ للإنسان أنْ يسير عليها إذا رام الصلاح، بل هي المصباح للوصول إلى المقصد؛ لذا يقول العلّامة الطباطبائي تأكيدًا لهذا الأمر: «للإنسان في حياته نظام بحسب الفهم الفطري والشعور الباطني».
وهذه المنظومة الفطريّة بحسب الطباطبائي تحتوي على: عقائد وآراء فكريّةٍ يبني عليها أعماله كي تسعده وتحفظه عن الشقاء وخيبة المسعى، وعلى معارف فطريّةٍ وحقائق أوّليةٍ التي بتذكّرها يهتدي الإنسان إلى معرفة كلّ حقٍ وتمييزه عن الباطل.
كما أنّها تهدي الإنسان إلى تتميم نواقصه ورفع حوائجه، وتهتف له بما ينفعه ويضرّه في حياته، وعليه فللإنسان فطرة خاصّة تهديه إلى سنّةٍ خاصّةٍ في الحياة، وسبيلٍ معيّنة ذات غايةٍ مشخّصةٍ ليس له إلّا أن يسلكها خاصّة.
وكفى في أهميّة الفطرة، ما قاله السيّد الطباطبائي: إنّ الإنسان بحسب خلقته على نور الفطرة، وإنّ جميع السنن الفطريّة منتهية إلى الله تعالى، وبهذا يتبيّن سبب الاهتمام بالمنهج الفطري عند صاحب الميزان.
من الأمور الأخرى التي يشير إليها صاحب الميزان، موضوع ثبات الفطرة وعدم بطلانها، فالفطرة لا تختلف ولا يتخلّف فعلها، وهي لا تقبل البطلان، ولا تخطئ ولا تتبدّل، كما أنّها لا تقبل التغيير بمتغيّر، وسبب ذلك أنّ النظام الفطري لا يقع فيه خطأ، إذ الخطأ والبطلان في الفطرة يساوي فناء الإنسان.
نعم هناك أمر آخر يشير إليه السيّد الطباطبائي ويجوّزه، وهو وقوع الغفلة للفطرة، إذ يقول: «إنّ الفطرة لا تنافي الغفلة والشبهة، ولكن تنافي التعمّد والبغي».
كما أنّنا عندما نشاهد انحرافًا مشهودًا عن أحكام الفطرة، فليس ذلك إبطالًا لحكمها، بل يعتقد السيّد الطباطبائي أنّه من باب استعمال الفطرة في غير ما ينبغي الاستعمال «نظير ما ربّما يتّفق أنّ الرامي لا يصيب الهدف في رميته، فإنّ آلة الرمي وسائر شرائطه موضوع بالطبع للإصابة، إلّا أنّ الاستعمال يوقعها في الغلط، والسكاكين والمناشير والمثاقب والأبر وأمثالها، إذا عُبّئت في الماكينات تعبئةً معوّجة، تعمل عملها الذي فطرت عليه بعينه من قطع أو نشر أو ثقب وغير ذلك، لكن لا على الوجه المقصود.
وأمّا الانحراف عن العمل الفطري، كأن يخاط بنشر المنشار، بأن يعوّض
المنشار فعل الإبرة من فعل نفسه، فيضع الخياطة موضع النشر، فمن المحال ذلك».
وبعد إثبات ثبات الفطرة وعدم بطلانها، يشير السيّد الطباطبائي إلى قابليّة الفطرة للاستكمال إذ يقول: «إنّ الفطرة إنّما تستعد للقبول وتتهيّأ للإذعان إذا أحسّت بالحاجة».
الموضوع الآخر الذي يشير إليه صاحب الميزان ويضع له مصطلحًا خاصًّا، هو موضوع (الفطرة الساذجة) وهي الفطرة الأوّلية للإنسان الفطري غير المشوب ذهنه بالرسوم والآداب، ولا الحاكم فيه العرف والعادة.
وقد بيّن الله تعالى في قوله: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)(البقرة: 213).
فالآية تدلّ على «أنّ الناس كانوا أوّل ما نشأوا وتكاثروا على فطرة ساذجة لا يظهر فيهم أثر الاختلافات والمنازعات الحيويّة، ثمّ ظهر فيهم الاختلافات، فبعث الله الأنبياء بشريعة وكتاب يحكم بينهم بالحق فيما اختلفوا فيه، ويحسم مادّة الخصومة والنزاع». وكان ذلك قبل زمن نوح عليهالسلام ؛ لذا نرى أنّ الله تعالى أمر الأنبياء بمخاطبة البشر بما تلهمه فطرتهم الساذجة في عبادة الله.
استعان السيّد الطباطبائي بالمنهج الفطري كثيرًا لإثبات مختلف المباحث العَقَديّة وما يتفرّع عنها من المسائل الجزئيّة، فالمنهج الفطري - مضافًا إلى سائر المناهج - هو المعتمد في إثبات الباري تعالى وتوحيده، وفي إثبات النبوّة والمعاد، وما يتعلّق بالحسن والقبح والهداية والضلال وغيرها من الجزئيّات التي تبحث في مناخ العقيدة، وسنشير فيما يلي إلى أهمّها:
يشير العلّامة الطباطبائي إلى أهميّة مباحث التوحيد وصعوبتها: «لا يرتاب الباحث المتعمّق في المعارف الكلّية، أنّ مسألة التوحيد من أبعدها غورًا، وأصعبها تصوّرًا وإدراكًا، وأعضلها حلًّا لارتفاع كعبها عن المسائل العامّية التي تتناولها الأفهام، والقضايا المتداولة التي تألفها النفوس وتعرفها القلوب».
كما أنّ مباحث إثبات الصانع تعدّ من أقدم المسائل الدائرة بين المتفكّرين، حتّى إنّ الوثنيّة إذا أمعنّا في حقيقة معناها، وجدناها مبنيّةً على إثبات الصانع وإثبات شفعاء عنده: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى).
وعليه لا يمكن تحديد تاريخٍ معينٍ لبدء ظهور القول بالربوبيّة بين أفراد بني البشر؛ إذ نراها تصاحب الإنسان من أقدم العصور، حتّى إنّ الأقوام الوحشيّة الأولى كانت لديهم عقائد تتعلّق بقوى عالية هي وراء مستوى الطبيعة، وهذا بعينه قول بالربوبيّة. فالفطرة والمنهج الفطري يدعو إلى إثبات الصانع وتوحيده،
وقد بيّن ذلك العلّامة الطباطبائي بعباراتٍ شتّى، فتارة من حيث افتقار الإنسان وحاجته إلى قدرةٍ عليا تسيّره، فإنّ «الفطرة إذا سلمت لم تنفك من أن تتنبّه شاهدة لفقرها وحاجتها إلى أمر ٍخارج عنها، وكذا احتياج كلّ ما سواها ممّا يقع عليه حسٌّ أو وهمٌ أو عقلٌ إلى أمرٍ خارج يقف دونه سلسلة الحوائج، فهي مؤمنةٌ مذعنةٌ بوجود موجود غائبٍ عن الحسّ منه يبدأ الجميع وإليه ينتهي ويعود».
ويشرح الحاجة هذه بعبارة أخرى ويقول: «نحن أوّل ما نفتح أعيننا ونشاهد من مناظر الوجود ما نشاهده يقع إدراكنا على أنفسنا وعلى أقرب الأمور منّا، وهي روابطنا مع الكون الخارج من مستدعيات قوانا العاملة لإبقائنا، فأنفسنا وقوانا وأعمالنا المتعلّقة بها هي أوّل ما يدقّ باب إدراكنا، لكنّا لا نرى أنفسنا إلّا مرتبطة بغيرها، ولا قوانا ولا أفعالنا إلّا كذلك، فالحاجة من أقدم ما يشاهده الإنسان، يشاهدها من نفسه ومن كلّ ما يرتبط به من قواه وأعماله والدنيا الخارجة، وعند ذلك يقضي بذات ما يقوم بحاجته ويسدّ خلّته، وإليه ينتهي كلّ شيء، وهو الله سبحانه، ويصدّقنا في هذا النظر والقضاء الإلهي قوله تعالى: (يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ).
وتتجلّى هذه الفطرة الدالّة على وجود الله تعالى في الشدائد والإحساس بالخطر بنحوٍ جليّ؛ فالإنسان مفطور على التوحيد والاعتراف بوجود الله تعالى، بحيث يلتجئ بالفطرة إلى الله تعالى عند انقطاع الأسباب الكونيّة، وهذا ما يستفيده العلّامة الطباطبائي من قوله تعالى: (وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ثُمَّ إِذَا مَسَّكُمُ الضُّرُّ فَإِلَيْهِ تَجْأَرُونَ)(النحل: 53) . فيقول في شرح هذه الآية: «فالمعنى أنّ جميع النعم
التي عندكم من إنعامه تعالى عليكم، وأنتم تعلمون ذلك، ثمّ إذا حلّ بكم شيءٌ من الضرّ وسوء حالٍ يسير، رفعتم أصواتكم بالتضرّع، وجأرتم إليه لا إلى غيره، ولو كان لغيره صنيعة عندكم لتوجّهتم إليه، فهو سبحانه منعم النعمة وكاشف الضرّ، فما بالكم لا تخصّونه بالعبادة ولا تطيعونه.
والاستغاثة به تعالى والتضرّع إليه عند حلول المصائب وهجوم الشدائد التي ينقطع عندها الرجاء عن الأسباب الظاهريّة ضروريّة لا يرتاب فيها، فإنّ الإنسان ولو لم ينتحل إلى دين، ولم يؤمن بالله سبحانه، فإنّه ينقطع رجاؤه عند الشدائد إذا رجع إلى ما يجده من نفسه، ولا رجاء إلّا وهناك مرجوّ منه، فمن الضروري أن تحقّق ما لا يخلو من معنى التعلّق كالحبّ والبغض والإرادة والكراهة والجذب ونظائرها في الخارج لا يمكن إلّا مع تحقّق طرف تعلّقها في الخارج، فلو لم يكن في الخارج مراد لم تتحقّق إرادة من مريد، ولو لم يكن هناك مطلوب لم يكن طلب، ولو لم يكن جاذب يجذب لم يتصوّر مجذوب ينجذب، وهذا حال جميع المعاني الموجودة، التي لا تخلو كينونتها عن نسبة.
فتعلّق الرجاء من الإنسان بالتخلّص من البليّة عند انقطاع الأسباب دليل على أنّه يرى أنّ هناك سببًا فوق هذه الأسباب المنقطع عنها، لا تعجزه عظائم الحوادث وداهمات الرزايا، ولا ينقطع عنه الإنسان ولا يزول ولا يفنى ولا يسهو ولا ينسى قط. هذا شيء يجده الإنسان من نفسه، وتقضي به فطرته...» .
وهناك أمرٌ آخر يلجئ الإنسان نحو التوجّه إلى الله تعالى، وهو الخلقة أو (الفطرة التكوينيّة) على حدّ تعبير السيّد الطباطبائي، وهي ثابتة لا تتغيّر، فإنّ «التوحيد الفطري والعبوديّة التي تهدي إليه البنية الإنسانيّة بحسب نوع الخلقة
التي أظهرها الله سبحانه على ذلك، ومن المعلوم أنّ الخلقة الإنسانيّة بما أنّها خلقةٌ إنسانيّةٌ لا تتغيّر ولا تتبدّل... فالدين الحنيف الإلهي الذي هو قيّم على المجتمع الإنساني، هو الذي تهدي إليه الفطرة، وتميل إليه الخلقة البشريّة... وهذا أمرٌ لا يتغيّر ولا يتبدّل؛ لأنّه مبنيٌّ على الفطرة التكوينيّة التي لا سبيل للتغيّر والتبدّل إليها...» .
فالفطرة التوحيديّة هذه ثابتةٌ في جميع البشر، ولا تخصّ فئةً من دون فئة، حتّى إنّها تشمل الأنبياء أيضًا؛ لأنّ «التوحيد ونفي الشركاء ليس ممّا يرجع فيه إلى بيان النبوّة، فإنّه ممّا يستقلّ به العقل وتقضي به الفطرة... بل هم والأنبياء في أمر التوحيد على مستوى واحد وشرع سواء».
نعم إنّ الأنبياء يدعون إلى متابعة الفطرة، وأنْ يسير المجتمع الإنساني نحو ما تمليه عليه الفطرة من التوحيد.
ثمّ إنّ الفطرة التوحيديّة تدعو إلى إلهٍ واحدٍ غير محدود العظمة والكبرياء ذاتًا وصفةً، وهو ما يستفاد من القرآن الكريم وخُطب أمير المؤمنين عليهالسلام ، لكنّ الإنسان لأُلفته في ظرف حياته بالآحاد العدديّة من جانب، ولابتلائه بالوثنيّين وغيرهم من القائلين بتعدّد الآلهة من جانبٍ آخر، طبع في أذهان الناس الوحدة العدديّة، ممّا أدى إلى إغفال الحكم الفطري بالوحدة المطلقة غير المحدودة.
والفطرة هذه كما تثبت الله تعالى، تثبت صفاته وأسماءه تعالى أيضًا؛ وذلك أنّنا «في سلوكنا الفطري إلى الأسماء، إنّما تفطّنا بها من جهة ما شاهدناه في الكون من
صفات الكمال، فأيقنّا من ذلك أنّ الله سبحانه مسمّى بها طالما أنّه مالكها الذي أفاض علينا بها، وما شاهدنا فيه من صفات النقص والحاجة فأيقنّا أنّه تعالى منزّهٌ منها متّصف بما يقابلها من صفة الكمال، وبها يرفع عنّا النقص والحاجة فيما يرفع، فمشاهدة العلم والقدرة في الكون تهدينا إلى اليقين بأنّ له سبحانه علمًا وقدرةً يفيض بهما ما يفيضه من العلم والقدرة، ومشاهدة الجهل والعجز في الوجود تدلّنا على أنّه منزّهٌ عنهما ويتّصف بما يقابلهما من العلم والقدرة الذين بهما ترفع حاجتنا إلى العلم والقدرة فيما ترفع، وهكذا في سائرها».
يتطرّق العلّامة الطباطبائي إلى موضوع الدين وحاجة الإنسان إليه، في تفسير قوله تعالى: (كَانَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً فَبَعَثَ اللَّهُ النَّبِيِّينَ مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ وَأَنْزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقِّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ)(البقرة: 213).
فهذه الآية تبيّن السبب في تشريع الدين وتكليف الإنسان، وذلك أنّ الإنسان عند الطباطبائي مفطور على الاجتماع والتعاون، وبعدما اجتمع ظهر فيه الاختلاف بسبب التنافس على اقتناء مستلزمات الحياة، فاستدعى هذا إلى وضع قوانين ترفع الاختلاف، فهذا الاختلاف هو السبب في تشريع الدين.
يقول السيّد الطباطبائي: «ولذلك شرّع الله سبحانه ما شرّعه من الشرائع والقوانين، واضعًا ذلك على أساس التوحيد والاعتقاد والأخلاق والأفعال، وبعبارةٍ أخرى وضع التشريع مبني على أساس تعليم الناس وتعريفهم ما هو حقيقة أمرهم من مبدئهم إلى معادهم».
والشريعة هذه لا بدّ أن تكون من قبل الله تعالى لتتمكّن من دفع الاختلاف؛ لذا يقول السيّد الطباطبائي: «وقد دلّت البراهين العقليّة، وأيّدها تواتر الأنبياء والرسل من قبله تعالى، على أنّ القوانين الاجتماعيّة وسنن الحياة، يجب أن تكون من عنده تعالى، وهي أحكام ووظائف إنسانيّة تهدي إليها الفطرة الإنسانيّة، وتضمن سعادة حياته، وتحفظ مصالح مجتمعه. وهذه الشريعة السماويّة الفطريّة واضعها هو الله سبحانه...» .
ثمّ يعرّج السيّد الطباطبائي على أنّ الدين فطري أيضًا، ويقول: «الدين فطريٌّ تقبله الفطرة وتخضع له القوّة المميّزة بعد ما بيّن لها، قال تعالى: (فَأَقِمْ وَجْهَكَ لِلدِّينِ حَنِيفًا فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لَا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَٰلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ)(الروم: 30). فالدين فطريٌّ على الخلقة لا تدفعه الفطرة أبدًا».
وعليه فإنّ الدين الذي يشتمل عليه الكتاب الإلهي، هو المتضمّن لطرق الفطرة، وقد أكّد الله تعالى ذلك في هذه الآية، وقال بأنّ الدين القيّم الذي يقوم بحوائج الحياة هي الفطرة التي فطر الناس عليها.
ويشير السيّد الطباطبائي إلى موضوعٍ دقيق، وهو أنّ الدين كما هو فطري، فإنّ الفطرة تدعو إليه أيضًا وتطلبه، «فإنّ النوع الإنساني بالفطرة المودعة فيه، تطلب سعادته الحقيقيّة... وقد عرفت أنّ هذا هو الإسلام ودين التوحيد». كما أنّ هدف
الأنبياء في دعوتهم إنّما هو سوق الناس إلى ما تنطق به فطرتهم من كلمة التوحيد.
وإلى هذا التزاوج والتأثير والتأثّر المتقابل يشير العلّامة الطباطبائي في كلامٍ آخر له ويقول: «إنّ التكليف الإلهي يتبع بحسب طبعه الفطرة التي فطر الناس عليها، ومن المعلوم أنّ الفطرة التي هي نوع الخلقة، لا تدعو إلّا إلى ما جُهّزت به، وفي ذلك سعادة الحياة البتّة».
وبعد كلّ هذا - أي كون الإنسان اجتماعيًّا بالفطرة، وطالبًا للكمال بالفطرة، وإنّ الدين فطريّ له - لا بدّ من الوقوف على معنى الدين الفطري عند السيّد الطباطبائي، فإنّه يشير إلى ذلك في عدّة موارد من كتابه الميزان، فإنّه بعدما يقدّم مقدّمةً تدلّ على أنّ كلّ نوعٍ من أنواع المخلوقات متوجّهٌ نحو كماله المناسب له، ولا يتوقّف حتّى يصل إليه، والإنسان من جملة هذه الأنواع أيضًا، وله غاية وجوديّة لا ينالها إلّا بالاجتماع المدني، ثمّ إنّ الاجتماع يحوّج الإنسان إلى أحكام وقوانين ينتظم بها سلوكه ويسعد بتطبيقها، ويصل إلى كماله جرّاء الالتزام بها، وهذه الأحكام والقوانين منبعثةٌ عن الحوائج التي تهتف بها خصوصيّة وجود الإنسان وخلقته الخاصّة. ثمّ يقول السيّد الطباطبائي بعد هذه المقدّمة: «وهذا معنى كون الدين فطريًّا، أي إنّه مجموع أحكام وقوانين يرشد إليها وجود الإنسان بحسب التكوين، وإنْ شئت فقل: سنن يستدعيها الكون العام، فلو أقيمت أصلحت المجتمع، وبلغت بالأفراد غايتها في الوجود وكمالها المطلوب، ولو تركت وأُبطلت أفسدت العالم الإنساني، وزاحمت الكون العام في نظامه».
وبعبارةٍ أخرى أنّه: «الدين الذي بنيت معارفه وشرائعه على خلقة الإنسان
ونوع وجوده الذي لا يقبل التبدّل والتغيّر، فإنّ الدين هو الطريقة المسلوكة التي يقصد بها الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، والسعادة الحقيقيّة هي الغاية المطلوبة التي يطلبها الشيء حسب تركّب وجوده، وتجهّزه بوسائل الكمال... فالدين الحقّ هو الذي يوافق بنواميسه الفطرة...» .
بعدما أثبت العلّامة الطباطبائي فطريّة التوحيد وفطريّة الدين، يؤكّد على دور النبوّة في إيصال التعاليم والقوانين إلى الإنسان، فالدين الفطري هو الذي يجري على لسان الأنبياء، وبعبارةٍ أخرى فإنّ الإنسان «وإن كان مجهّزًا بفطرة تذكّره حق الاعتقاد وصالح العمل، لكنّه مجبولٌ من جهةٍ أُخرى على العيشة الاجتماعيّة التي تدعوه إلى اتّباع الأهواء والظلم والفسق، فمجرّد ذكرى الفطرة لا يكفي في حمله على سنّةٍ حقّةٍ عادلة... فمن الواجب في العناية أن يمدّ النوع الإنساني مع ما له من الفطرة الداعية إلى الصلاح والسعادة بأمرٍ آخر تتلقّى به الهداية الإلهيّة وهو النبوّة».
وعليه فإنّ «تأدية الفطرة إلى الاجتماع المدني من جهة، وإلى الاختلاف من جهة أخرى، وعنايته تعالى إلى تمام الخلقة، مبدأ حجّة على وجود النبوّة، وبعبارةٍ أُخرى دليل النبوّة العامّة».
من الأمور الأخرى التي يثبتها العلّامة الطباطبائي بالفطرة موضوع المعاد، إذ الإنسان -على حدّ تعبيره- ينال حقائق الدين الكليّة بفطرته، ومن تلك الحقائق المودعة في الفطرة موضوع المعاد، ودين الفطرة يمهّد الإنسان بتعاليمه للحشر والجزاء.
فالعالم المشهود مع ما فيه يستحيل أنْ يكون لعبًا باطلًا لا غاية له ثابتة باقية «فمن الضروري أن يتعقّب هذا النظام المتحوّل المتغيّر الدائر إلى عالم ذي نظامٍ ثابتٍ باقٍ، وأن يظهر فيه أثر الصلاح الذي تدعو إليه الفطرة الإنسانيّة، والفساد الذي تردع عنه، ولم يظهر في هذا العالم المشهود أعني سعادة المتّقين وشقاء المفسدين، ومن المحال أنْ يودع الله الفطرة دعوةً غريزيّةً أو ردعًا غريزيًّا بالنسبة إلى ما لا أثر له في الخارج ولاحظ له من الوقوع، فهناك يوم يلقاه الإنسان ويجزى فيه على عمله إنْ خيرًا فخيرًا، وإنْ شرًّا فشرًّا... فاليوم ضروري الوقوع والجزاء لا ريب فيه».
يرى العلّامة الطباطبائي أنّ الدعوة الإلهيّة تتوافق مع الفطرة، وهي التي تسمّى بالهداية، أو هدى الله كما في قوله تعالى: (قُلْ إِنَّ هُدَى اللَّهِ هُوَ الْهُدَىٰ)(البقرة: 120)، وسبب ذلك ـ أيْ موافقة دعوة الفطرة لهدى الله ـ «أنّ حق الهداية هو الذي ينطبق به الصنع والإيجاد الذي ليس إلّا لله، ولا نروم شيئًا من دين أو اعتقاد إلّا لابتغاء
مطابقة الواقع، والواقع لله فلا يعدوه هداه، وأمّا أنّ هدى الله هو الهدى الحقيقي الذي يجب أن يؤخذ به دون الدعوة الشيطانيّة فظاهر أيضًا؛ لأنّ الله سبحانه هو الذي إليه أمرنا كلّه من جهة مبدئنا ومنتهانا، وما نحتاج إليه في دنيا أو آخرة».كما أنّ المراد من الاهتداء هو التسليم لما تهدي إليه الفطرة السليمة واتّباع الحقّ.
والهداية هدايتان بحسب ما يراه العلّامة الطباطبائي، الهداية الفطريّة العامّة «وهي تنبيه بسبب نوع خلقته، وما جُهّز به وجوده بإلهام من الله سبحانه على حق الاعتقاد وصالح العمل، قال تعالى: (فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا)(الشمس: 8) ... وهداية قوليّة من طريق الدعوة ببعث الأنبياء، وإرسال الرسل، وإنزال الكتب، وتشريع الشرائع الإلهيّة... ومن الفرق بين الهدايتين أنّ الهداية الفطريّة عامّةٌ بالغةٌ لا يستثنى منها إنسان؛ لأنّها لازم الخلقة الإنسانيّة، وهي في الأفراد بالسويّة غير أنّها ربّما تضعف أو يلغو أثرها لعوامل وأسباب تشغل الإنسان وتصرفه عن التوجّه إلى ما يدعو إليه عقله، ويهديه إليه فطرته، أو ملكات وأحوال رديئة سيّئة تمنعه عن إجابة نداء الفطرة... وأمّا الهداية القوليّة، وهي التي تتضمّنها الدعوة الدينيّة، فإنّ من شأنها أنْ تبلغ المجتمع، فتكون في معرض من عقول الجماعة، فيرجع إليها من أثر الحقّ على الباطل...» .
يؤكّد العلّامة الطباطبائي على أنّ الإنسان يطلب السعادة الحقيقيّة بفطرته، والسعادة الحقيقيّة هي «استواؤه على عرش حياته الروحيّة والجسميّة معًا، حياة
اجتماعيّة بإعطاء نفسه حظّه من السلوك الدنيوي والآخروي».كما أنّ سنّة الله تعالى مبنيّة على ذلك، إذ «من الواجب في عناية الله أن يهدي الإنسان إلى سعادة حياته وكمال وجوده».
علمًا بأنّ هذه السعادة وإنْ كانت فطريّةً، غير أنّها اختياريّةٌ، ولم تكن إجباريّة، فالإنسان «إنْ جرى على ما يهديه إليه الفطرة، فاز بالسعادة المقدّرة له، وإنْ تعدّى حدود فطرته وأفسد في الأرض، أخذه الله بالسنين والمثلاث وأنواع النكال والنقمة».
وهناك أمر آخر بخصوص السعادة، فهي وإنْ كانت فطريّة، وإنّ الله تعالى هدى الإنسان عن طريق الخلقة والفطرة إلى ما فيه خيره وسعادته، غير أنّها لا تكفي لوحدها في الوصول إلى السعادة الحقيقيّة، حتّى إنّ العقل العملي بمفرده لا ينفع فإنّه الداعي إلى الاستخدام المؤدّي إلى الخلاف «فظهر أنّ هناك طريقًا آخر لتعليم الإنسان شريعة الحق ومنهج الكمال والسعادة غير طريق التفكّر والتعقّل وهو طريق الوحي، وهو نوع تكليمٍ إلهيّ يعلم الإنسان ما يفوز بالعمل به، والاعتقاد له في حياته الدنيويّة والآخرويّة».
لقد عالج العلّامة الطباطبائي كثيرًا من المسائل الاجتماعيّة بالمنهج الفطري، وجعله المعتمد في إثبات تلك المسائل أمام سائر المناهج الماديّة وغير الماديّة الأخرى، فعوّل عليه في نحت نظريّة الاستخدام، وفي الحاجة إلى الحكومة
والقانون، وموضوع الحريّة وكذلك عمارة الأرض، وغيرها من المباحث الاجتماعيّة الهامّة الأخرى ونحاول أن نذكر فيما يلي بعضها:
تبتني رؤية العلّامة الطباطبائي حول اجتماعيّة الإنسان على فطرة الإنسان وطبعه، فللإنسان طبعان: الطبع الأوّلي وهو استخدام جميع الأشياء للانتفاع بها، الطبع الثانوي وهو كونه مدنيًّا تعاونيًّا اجتماعيًّا بالطبع، ومن هذا المنطلق ينحت السيّد الطباطبائي نظريّة الاستخدام.
بيان ذلك:
إنّ الله تعالى أبدع هذا الإنسان من الأرض، وجعله مركبًا من جزئين: مادّة بدنيّة، وجوهر مجرّد هو النفس والروح، كما خلق له السمع والبصر والفؤاد، وأعطاه قوّة الإدراك والفكر والارتباط مع كل شيء والانتفاع من كل أمر، ثمّ إنّ قوّة الفكر والإدراك من جهة، ورابطة التسخير من جهة ثانية، أولدت له عنايةً ثالثةً، وهي أن يهيّئ لنفسه علومًا وإدراكاتٍ يعدّها اعتبارًا للورود في مرحلة التصرّف في الأشياء للانتفاع بها.
فهذه الإدراكات هي التي تربط الإنسان بالعمل في المادّة، ومن جملة هذه الأفكار تصديق الإنسان بأنّه يجب أنْ يستخدم كلّ ما يمكنه استخدامه في طريق كماله أي ينبغي أنْ ينتفع لنفسه ويستبقي حياته بأيّ سببٍ أمكن؛ لذا يأخذ في التصرّف في المادّة، فيبدأ بالتصرّف في الجماد والنبات والحيوان وحتّى الإنسان الآخر من بني نوعه.
ولكن بما أنّ الإنسان ليس وحيدًا في هذا الاستخدام بل يشاركه غيره من
بني نوعه في الاستخدام، اضطره إلى الاجتماع، وهذا معنى كون الإنسان مدنيًّا بالطبع، فإنّه أمر ولّده حكم الاستخدام المذكور اضطرارًا، ولولا الاضطرار لم يقض به الإنسان أبدًا.
وهذا الاجتماع كوّنته ودعت إليه الطبيعة الإنسانيّة بإلهامٍ من الله سبحانه، وذلك لتكميل النقص ورفع الحوائج، ثمّ إنّ النبوّة جاءت سندًا وتفصيلًا لهذا الإجمال «فالقرآن الكريم يخبر أنّ أوّل ما نبّه الإنسان بالاجتماع تفصيلًا، واعتنى بحفظه استقلالًا نبّهته به النبوّة»، وقد أسهب العلّامة الطباطبائي رحمهالله في اجتماعيّة الإسلام، وأقام على ذلك أدلّةً متعدّدةً لا يسع المقام ذكرها ومن أراد التفصيل فليرجع إلى مظانّها.
يرى العلّامة الطباطبائي رحمهالله أنّ السلطة والحكومة من الاعتبارات الضروريّة التي لا غنى للإنسان عنها، لوقوع الخلاف بين الناس بسبب نظريّة الاستخدام «ولا سبيل إلى رفع هذه الغائلة الطارئة إلّا بجعل قوّةٍ قاهرةٍ على سائر القوى مسيطرة على جميع الأفراد المجتمعين، حتّى تعيد القوى الطاغية المستعلية إلى حاق الوسط، وترفع الدانية المستهلكة إليه أيضًا، فتتّخذ جميع القوى من حيث المستوى، ثمّ تضع كلّ واحدةٍ منها في محلّها الخاصّ، وتعطي كلّ ذي حقٍّ حقّه».
وعليه «فإنّ الحكومة في أعمال الأفراد وشؤونهم، تنشأ عن فطرة المجتمع وغريزة الأفراد المجتمعين بحسب الشرائط الموجودة».
فأصل الحكومة وإنْ كانت فطريّةً عند السيّد الطباطبائي، غير أنّه يؤيّدها بحكم القرآن أيضًا، ويقول: «وأمّا إنّ المُلك (بالضم) من ضروريّات المجتمع الإنساني، فيكفي في بيانه أتمّ بيان قوله تعالى بعد سرد قصّة طالوت: (وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَفَسَدَتِ الْأَرْضُ وَلَٰكِنَّ اللَّهَ ذُو فَضْلٍ عَلَى الْعَالَمِينَ)(البقرة: 251)، وفي القرآن آياتٌ كثيرةٌ تتعرّض للمُلك والولاية وافتراض الطاعة ونحو ذلك... غير أنّ القرآن إنّما يعدّه كرامةً إذا اجتمع مع التقوى... ولذلك لم يدع القرآن الناس إلى الاجتماع على تأسيس الملك وتشييد بنيان القيصريّة والكسرويّة... بل إنّما دعا الناس إلى الاجتماع والاتّحاد والاتّفاق على الدين... فالقرآن لا يدعو الناس إلّا إلى التسليم لله وحده، ويعتبر من المجتمع المجتمع الديني».
ثمّ يعرّج العلّامة الطباطبائي على الحكومة الإسلاميّة، و يبيّن بأنّها حكومةٌ إنسانيّةٌ تراعي حقوق كلّ فردٍ، ومصلحة الضعيف والقويّ، والغنيّ والفقير، والحرّ والعبد، والمرأة والرجل، والفرد والجماعة على حدٍّ سواء.
يثبت العلّامة الطباطبائي الحريّة للإنسان بالمنهج الفطري، ويعبّر عن هذه الحريّة الفطريّة تارةً بعنوان (الحريّة الموهوبة)، وتارةً أخرى (الحريّة التكوينيّة)،
وأخرى (الحرّية بالطبع)، ويقصد من هذه الحريّة الفطريّة اختياره في الفعل والترك تكوينًا وتشريعًا.
ورغم هذا فإنّ الفطرة أجبرت الإنسان على عدم الحكم بالحريّة المطلقة، إذ تدعو الفطرة إلى الاجتماع، والتعاون والتعامل مع الآخرين، وهذا يحدّد الحريّة بنفسه، أوّلًا لأنّ الاجتماع لا يتمّ للفرد إلّا عن طريق احترام حقوق الآخرين والاعتراف بها لينتفع منهم كما ينتفعوا منه، وثانيًا: لزوم وجود سننٍ وقوانين يلتزم بها الإنسان في المجتمع، وهذا بدوره يحدّد الحريّة المطلقة.
ومن هنا يعرّج العلّامة الطباطبائي على موضوع العبوديّة لله تعالى، فكما أنّ الإنسان حرّ إجمالًا بالقياس إلى سائر بني نوعه، وله أنْ يفعل أو يترك باختياره، غير أنّه لم يكن حرًّا أمام الله تعالى؛ لأنّ الله تعالى هو «المالك على الإطلاق وليس لغيره إلّا المملوكيّة من كل جهة، ولا للإنسان إلّا العبوديّة محضًا، فمالكيّته المطلقة تسلب أيّ حريّةٍ متوهّمةٍ للإنسان بالنسبة إلى ربّه، كما أنّها هي تعطيه الحريّة بالقياس إلى سائر بني نوعه، كما قال تعالى:
(أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَلَا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئًا وَلَا يَتَّخِذَ بَعْضُنَا بَعْضًا أَرْبَابًا مِنْ دُونِ اللَّهِ)(آل عمران: 64)، فهو سبحانه الحاكم على الإطلاق والمطاع من غير شرطٍ فلا حريّة لأحدٍ قبال كلمة الحق».
علمًا بأنّ العبوديّة هذه ممّا تقضي به الفطرة أيضًا «فإذا قضى الإنسان أنّ للعالم إلهًا خلقه بعلمه وقدرته، لم يكن له بدّ من أن يخضع له خضوع عبادة اتّباعًا
للناموس العام الكوني، وهو خضوع الضعيف للقويّ ومطاوعة العاجز للقادر، وتسليم الصغير الحقير للعظيم الكبير، فإنّه ناموسٌ عامٌّ جارٍ في الكون، حاكمٌ في جميع أجزاء الوجود... ولا سبيل إلى ردع الإنسان عن هذا الخضوع، لاستناده إلى قضاء فطري ليس للإنسان أن يتجافى عنه».
وأخيرًا يجيب العلّامة على كيفيّة الجمع بين القول بالحريّة الفطريّة للإنسان وبين حكم الإسلام بالرقّ وعبوديّة الآخرين، فإنّه يتمسّك في مقام الإجابة بالمنهج الفطري أيضًا ليقول بأنّ شريعة الفطرة تقضي بلزوم سلب الحريّة عن عدوّ المجتمع، وعليه فإنّ «حقّ الاستعباد الذي اعتبره الإسلام، هو المطابق لشريعة الفطرة، وهو أن يستعبد أعداء الدين الحقّ المحاربين للمجتمع الإسلامي، فيسلب عنهم حرية العمل، ويجلبوا إلى داخل المجتمع الديني، ويكلّفوا بأنْ يعيشوا في زي العبوديّة حتّى يتربّوا بالتربية الصالحة الدينيّة، وينعتقوا تدريجًا ويلتحقوا بالمجتمع الحرّ سالمين غانمين».
مع أنّ المباحث الفقهيّة لها أدلّتها الشرعيّة من القرآن والسنّة، فإنّ العلّامة الطباطبائي يحاول أنْ يُثبت بعض الأحكام الفقهيّة عن طريق المنهج الفطري أيضًا، ليكون مؤيّدًا أو سندًا للنص، وربّما يهدف من هذا إثبات موافقة الشريعة للفطرة الإنسانيّة العامّة.
ويقول بهذا الصدد: «إنّ حقيقة التشريع هي أنّه فطر الناس على فطرةٍ لا تستقيم
إلّا بإتيان أمورٍ هي الواجبات وما في حكمها، وترك أمورٍ هي المحرّمات وما في حكمها، فما ينتفع به الإنسان في كماله وسعادته هو الذي أمر به وندب إليه، وما يتضرّر به هو الذي نهى عنه وحذر منه».
وبعبارةٍ أخرى: «فإنّ الله بنى شرائعه التي هي تكاليف الإنسان على مقتضيات فطرته وخلقته، ولا تقتضي فطرته إلّا ما يوافق النظام الأحسن الجاري في الحياة الإنسانيّة الأرضيّة».
الجهاد
يعتقد العلّامة الطباطبائي أنّ موضوع الدفع والغلبة من الأصول الفطريّة المودعة في الإنسان، بيان ذلك:
إنّ القرآن يذكر أن الدين مبنيٌّ على الفطرة؛ فإقامة الدين والحفاظ عليه، يُعدّ من أهم حقوق الإنسانيّة المشروعة، ويذكر القرآن أيضًا أنّ الدفاع عن هذا الحق الفطري المشروع حقٌّ فطريٌّ آخر، قال تعالى:
(وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ)(الحج: 4)، بمعنى أنّ قيام الدين وثباته منوطٌ بالدفاع، فالدفاع عن المسلمين أو عن بيضة الإسلام، إنّما هو دفاعٌ عن حق الإنسانيّة، ففي الشرك هلاك الإنسانيّة وموت الفطرة، وفي القتال عن حقّها إعادة لحياتها وإحيائها بعد الموت.
لذا لا بدّ للإسلام أنْ يكون له حكمٌ دفاعيٌّ في تطهير الأرض من الشرك؛ لأنّ
التوحيد هو الأساس الذي تبنى عليه القوانين الفرديّة والاجتماعيّة، والدفاع عن هذا الأصل حقّ مشروع للإنسانيّة يجب استيفاؤه بأيّ وسيلةٍ ممكنة.
كما أنّ العدوّ لا يعدّ عند السيّد الطباطبائي من ضمن نسيج المجتمع، إذ يقول: «إنّ العدو المحارب الذي لا همّ له إلّا أنْ يُفني الإنسانيّة ويُهلك الحرث والنسل، لا ترتاب الفطرة الإنسانيّة أدنى ريب في أنّه يجب ألّا يُعدّ جزءًا من المجتمع الإنساني الذي له التمتّع بمزايا الحياة والتنعّم بحقوق الاجتماع، وأنّه يجب دفعه بالإفناء فما دونه... والإسلام لمّا وضع بنية المجتمع -المجتمع الديني- على أساس التوحيد وحكومة الدين الإسلامي، ألغى جزئيّة كلّ مستنكفٍ عن التوحيد وحكومة الدين من المجتمع الإنساني... لا يعامل معه إلّا معاملة غير الإنسان الذي للإنسان أن يحرمه عن أيّ نعمةٍ يتمتّع بها الإنسان في حياته، ويدفعه بتطهير الأرض من رجس استكباره وإفساده، فهو مسلوب الحرمة عن نفسه».
إنّ الزواج من السنن الفطريّة المودعة في الإنسان، وبهذا الصدد يقول السيّد الطباطبائي: «النكاح والازدواج من السنن الاجتماعيّة التي لم تزل دائرةً في المجتمعات الإنسانيّة، أيّ مجتمعٍ كان على ما بيدنا من تاريخ هذا النوع إلى هذا اليوم، وهو في نفسه دليل على كونه سنّةً فطريّة».
ومن الأدلّة الأخرى التي يذكرها العلّامة لفطريّة الزواج، أنّ الذكر والأنثى مجهّزان بحسب الخلقة بوسائل التناسل، وأيضًا وجود غريزة حبّ الأولاد،
وأنّ الزواج سبب بقاء النسل، وأنّ المرأة سكنًا للرجل، ولزوم تأسيس البيت والأسرة.
ثمّ يقول: «والمجتمعات التي تحترم هذه الأصول والأحكام الفطريّة في الجملة، لا مناص لها من الإذعان بسنّة النكاح على نحو الاختصاص بوجه، بمعنى أن لا يختلط الرجال والنساء على نحوٍ يبطل الأنساب... فالفحشاء والسفاح الذي يقطع النسل ويفسد الأنساب، أوّل ما تبغضه الفطرة الإنسانيّة القاضية بالنكاح».
يعتقد العلّامة أنّ أساس الأحكام والقوانين الإنسانيّة في الإسلام هو الفطرة التي فطر الناس عليها، وقد بنى الإرث على أساس الرحم التي هي من الفطرة والخلقة الثابتة. ثمّ بعد تأسيس هذا الأمر يبدأ بشرح طبقات الإرث وكيفيّته.
يرى العلّامة الطباطبائي رحمهالله أنّ الحياة الإنسانيّة حياةٌ فكريّة؛ ولذا حثّ القرآن الكريم على الفكر الصحيح، وعند التتبّع لآيات القرآن نرى أنّ ما يزيد عن ثلاثمائة آية تدعو إلى التفكّر والتعقّل، وقد أحال القرآن معرفة الفكر الصحيح إلى ما يعرفه الناس بحسب عقولهم الفطريّة، وإدراكهم المركوز في نفوسهم، وبهذا يقول السيّد الطباطبائي: «وهذا الإدراك العقلي أعني طريق الفكر الصحيح الذي يحيل إليه القرآن الكريم ويبني على تصديقه... هو الذي نعرفه بالخلقة والفطرة، ممّا لا يتغيّر ولا يتبدّل ولا يتنازع فيه إنسان ولا يختلف فيه اثنان».
فهناك إذًا معارف فطريّةٌ أوّليّةٌ مودعةٌ في صميم خلقة الإنسان بما هو إنسان، وهذه المعارف الفطريّة هي المحكّ والمعتمد في الوصول إلى سائر المعارف، وبهذا يقول العلّامة: «القرآن الكريم يهدي العقول إلى استعمال ما فطرت على استعماله، وسلوك ما تألّفه وتعرفه بحسب طبعها، وهو ترتيب المعلومات لاستنتاج المجهولات، والذي فطرت العقول عليه هو أن تستعمل مقدّماتٍ حقيقيّةً يقينيّةً لاستنتاج المعلومات التصديقيّة الواقعيّة وهو البرهان، وأن تستعمل فيما له تعلّق بالعمل من سعادةٍ وشقاوةٍ وخيرٍ وشرٍّ ونفعٍ وضررٍ، وما ينبغي أن يختار ويؤثّر وما لا ينبغي وهي الأمور الاعتباريّة، المقدّمات المشهورة أو المسلّمة وهو الجدل، وأنْ تستعمل في موارد الخير والشرّ المظنونين مقدّمات ظنيّة لإنتاج الإرشاد والهداية إلى خيرٍ مظنون، أو الردع عن شرّ مظنون».
كما أنّ الفطرة تدعو إلى اتّباع العلم وتمنع عن اتّباع غيره، وذلك «أنّ الإنسان بفطرته الموهوبة لا يريد في مسير حياته باعتقاده أو عمله إلّا إصابة الواقع، والحصول على ما في متن الخارج».
وبهذه العلوم الفطريّة يردّ العلّامة الطباطبائي على السوفسطائيّين، إذ يرى أنّهم «محجوجون بما تعترف به نفوسهم اعترافًا اضطراريًّا في أفعال الحياة الاختياريّة وغيرها، فإنّهم يتحرّكون إلى الغذاء والماء عند إحساس ألم الجوع والعطش، ... وبالجملة كلّ حاجةٍ نفسانيّةٍ ألهمتها إليهم إحساساتهم أوجدوا حركةً خارجيّةً لرفعها...» .
ومن الأمور التي تذكر في مباحث نظريّة المعرفة، الإشارة إلى موانع المعرفة، وهنا يشير العلّامة إلى الذنوب والفسق وعدم التقوى من باب أنّها موانع للمعرفة
الصحيحة، وعليه فإنّ «العقل إنّما يستقيم في عمله إذا استقام الإنسان في تقواه ودينه الفطري... قال تعالى: (وَمَنْ يَرْغَبُ عَنْ مِلَّةِ إِبْرَاهِيمَ إِلَّا مَنْ سَفِهَ نَفْسَهُ)(البقرة: 130)، أي لا يترك مقتضيات الفطرة إلّا من فسد عقله فسلك غير سبيله. والاعتبار يساعد هذا التلازم بين العقل والتقوى، فإنّ الإنسان إذا أُصيب في قوّته النظريّة، فلم يدرك الحقّ حقًّا، أو لم يدرك الباطل باطلًا، فكيف يلهم بلزوم هذا أو اجتناب ذاك؟ ...وكذلك الإنسان إذا فسد دينه الفطري ولم يتزوّد من التقوى الديني، لم تعتدل قواه الداخليّة... ومع اختلال أمر هذه القوى لا تعمل قوّة الإدراك الفطريّة عملًا مرضيًّا».
فالتقوى وإن لم تكن طريقًا مستقلًّا للمعرفة ونيل الحقائق وراء الطريق الفكري الفطري الذي يتعاطاه الإنسان تعاطيًا لا مخلص له منه، بل اعتبار التقوى لردّ النفس الإنسانيّة المدركة إلى استقامتها الفطريّة.
لقد أشار العلّامة الطباطبائي إلى مباحث تربويّةٍ كثيرةٍ في تفسير الميزان، وحاول إثبات بعضها بالمنهج الفطري مضافًا إلى ما ورد حولها من نصوصٍ معتبرة.
في مجال الأخلاق نرى أنّ الإنسان مفطورٌ على العمل الصالح، وينفر من الخبائث ومساؤى الأخلاق، فالخبائث التي تُسبّب مرض القلب تدلّ على الخروج من استقامة الفطرة، وعليه فإنّ الإنسان يميل بفطرته نحو الأخلاق الفاضلة، وينفر عن الخبائث ومساوئ الأخلاق.
وفي مجال الوفاء بالعهد نرى تأكيد القرآن المتكرّر عليه سواء فيه العهد الفردي أم العهد الاجتماعي، وقد أخذت الآيات الدالّة على لزوم الوفاء بالعهد هذا الأمر متسالمًا عليه، وهذا يدلّ على «أنّ ذلك ممّا يناله الناس بعقولهم الفطريّة، وهو كذلك، وليس ذلك إلّا لأنّ العهد والوفاء به ممّا لا غنى للإنسان في حياته عنه أبدًا، والفرد والمجتمع في ذلك سيّان».
وفي مجال الآداب الحسنة، وهي الهيأة الحسنة التي ينبغي أنْ يكون عليها فعل الإنسان، فقد أطبق العقلاء على ذلك من دون اختلاف، ومنها أنّ الفطرة تمنع الإنسان من التمسّك بالخرافات؛ لأنّ «الإنسان لما كانت آراؤه منتهية إلى اقتضاء الفطرة الباحثة عن علل الأشياء، والطبيعة الباعثة له إلى الاستكمال بما هو كماله حقيقة، فإنّه لا تخضع نفسه إلى الرأي الخرافي».
ومنها احترم الوالدين، وذلك أنّ العاطفة المودعة بين الأب والأم والأولاد، تعدّ من أعظم دعائم المجتمع الإنساني، وعليه فإنّ السنّة الاجتماعيّة الفطريّة توجب احترام الوالدين والإحسان إليهما.
ومنها الدعاء والاستعانة بالله تعالى والتضرّع إليه عند انقطاع الأسباب، فإنّه من الأمور الضروريّة التي يجدها كلّ إنسانٍ من نفسه ولم لو ينتحل دينًا خاصًّا، حيث إنّه لا ينقطع رجاؤه وأمله عند الشدائد، ولا رجاء إلّا وهناك مرجوّ منه، «فتعلّق الرجاء من الإنسان بالتخلّص من البليّة عند انقطاع الأسباب، دليلٌ على أنّه يرى أنّ هناك سببًا فوق لهذه الأسباب المنقطع عنها لا تعجزه عظائم الحوادث
وداهمات الرزايا... هذا شيء يجده الإنسان من نفسه وتقضي به فطرته». ومن هنا يلتجئ إلى الدعاء والتضرّع، «فإنّ حقيقة الدعاء والسؤال هو الذي يحمله القلب، ويدعو به لسان الفطرة».
ومنها مسألة الغذاء والطعام الذي يتناوله الإنسان، حيث يرى العلّامة الطباطبائي أنّ نظام التكوين وناموس الخلقة هو الذي وضع حكم التغذّي للإنسان، كما أنّ نظام الخلقة أودع في الإنسان أجهزة الغذاء، والإسلام بما أنّه دين فطري يجوّز ما تهدي إليه الخلقة وتقضي به الفطرة من نظام الغذاء، ولكن يقنّنه من حيث حكم العقل بلزوم اجتناب ما فيه ضرر جسماني أو معنوي.
ومنها الزينة، وهي من أهمّ ما يعتمد عليه الاجتماع الإنساني، وهي من الآداب العريقة التي تلازم المجتمعات، ولو فرض ارتفاعها من أصلها في مجتمع من المجتمعات انهدم الاجتماع وتلاشت أجزاؤه، وقد ألهم الله الإنسان اتّخاذ أنواع الزينة لنفسه من طريق الفطرة، ويؤيّد هذا ما ورد في قوله تعالى: (قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ)(الأعراف: 32). قال العلّامة: «والله سبحانه يذكر في هذه الآية أنّ هناك زينة أخرجها لعباده، وأظهرها وبيّنها لهم من طريق الإلهام الفطري، ولا تلهم الفطرة إلّا بشيء قامت حاجة الإنسان إليه بحسبها».
وكما أنّ الإنسان مفطورٌ على الزينة، مفطورٌ أيضًا على حبّ المزايا الحيويّة التي يستكمل بها حياته، فالفطرة الإنسانيّة داعيةٌ إلى العمل والاكتساب، والتوسّل
بالفكر والإرادة والاجتهاد في تنظيم العوامل والعلل، وهي التي توصل الإنسان إلى المقاصد الإنسانيّة والأغراض الصحيحة، ولو تمسّك الإنسان بهذه السنن الفطريّة، ارتفعت عن قلوبهم العداوة والبغضاء، ولأجل أنْ يستقيم الإنسان ويأخذ بالطريق الصحيح والنهج القويم أمره تعالى بقوله: {وَاسْأَلُوا اللَّهَ مِن فَضْلِهِ}. فقد «صرفهم الله تعالى إلى نفسه، ووجّه وجوههم نحو فضله، وأمرهم أن يعرضوا عمّا في أيدي الناس ويُقبلوا إلى جنابه، ويسألوا من فضله فإنّ الفضل بيد الله، وهو الذي أعطى كلّ ذي فضلٍ فضله».
وبهذه الطريقة يمكن توجيه الفطرة الطالبة للكمال والمنافع نحو الطريق الصحيح، إذ «الإسلام يؤيّد حكم الفطرة ويهذّبه من شوب الأهواء والأماني الفاسدة، ويصفي أمره في جميع الموارد، ويجعلها جميعًا شريعة إنسانيّة يسلكها الإنسان على الفطرة، ويخلّصها من ظلمة التناقض إلى نور التوافق والتسالم». علمًا بأنّ متابعة الهوى وطول الأمل يمنع من الإصغاء إلى حكم الفطرة. وعليه فإنّ «الشرائع الإلهيّة ثمّ الدواعي النفسانيّة الموافقة لها كلّها فطريّة، والدواعي النفسانيّة الموافقة لهوى النفس المخالفة لأحكام الشريعة مخالفة للفطرة».
وقد أكّد العلّامة الطباطبائي كثيرًا في تفسير الميزان وفي موارد عدّة على التلازم الموجود بين الذنوب وبين إطفاء نور الفطرة، مضافًا إلى هذا فإنّ الله تعالى قد
فطر الإنسان أيضًا على «تقبيح الفساد والاعتراف بشؤمه».
ومنها قضاء الفطرة بمتابعة الحق، والحقّ عند السيّد الطباطبائي هو الرأي والاعتقاد الذي يطابقه الواقع ويلازمه الرشد من غير غيّ، وحقيّة هذا الحقّ تنشأ من الله تعالى يقول السيّد الطباطبائي: «إنّ الحقّ من الاعتقاد والقول والفعل إنّما يكون حقًّا بمطابقة السنّة الجارية في الكون للّذي هو فعله، فالحقّ بالحقيقة إنّما يكون حقًّا بمشيئته وإرادته».
فالإنسان «مفطورٌ على صلاحيّة إدراك الحقّ والخضوع له، فلو بيّن له الحقّ من السبيل التي يألفها، لم يلبث دون أن يعقله، وإذا عقله اعترفت له فطرته، وخضعت له طويته».
وقد أشار العلّامة الطباطبائي في غير مورد إلى أنّ متابعة الحقّ من الأمور الفطريّة المودعة في الإنسان، كما أنّه بعدما يؤكّد على هذه الخاصيّة، يرى أنّ من المستحيل أن يتبع الإنسان الباطل بما هو باطل، وأنْ يقصد الشقاء والخسران بما هو شقاء وخسران، بل إنّه يلتبس عليه الأمر، فحينما يخلد إلى الأرض ويتبع الهوى، يزعم أنّه مهتدٍ، ويأخذ الباطل بعنوان أنّه حق، ويركن إلى الشرّ بعنوان أنّه خير وسعادة «فالإدراك الفطري محفوظ له غير أنّه يطبقه في مقام العمل على غير مصداقه».
ثمّ إنّ الفطرة كما تحكم بمتابعة الحقّ، تحكم كذلك بمتابعة الهادي إلى الحق لما عنده من الحق، وعليه «فمن الواجب ترجيحه على من لا يهدي إليه أو يهدي إلى غيره؛ لأنّ اتّباع الهادي إلى الحقّ اتّباع لنفس الحقّ الذي معه، ووجوب اتّباعه ضروري».
إنّ كلمة ( العقل ) من أكثر الكلمات استعمالًا وأصعبها شرحًا وبيانًا، إذ الكلّ يظهر استناده إلى العقل ويتمسّك به، وله تفسيرٌ خاصٌّ عنه، فترى استعماله في النصوص الدينيّة والفقه والكلام والفلسفة والعرفان وعلم الاصول، مع اختلاف في المراد والمعنى، وعليه ربما لا نصل إلى معنى جامع وشامل للعقل رغم كثرة استعمال المنهج العقلي في التراث الإسلامي.
نحن هنا في المنهج العقلي لا نريد الخوض في العلوم والمعارف التي تستند الى العقل كالفلسفة، والمنطق، والكلام، وما شاكل؛ إذ سنبحث عنها في موردها لاحقًا، مضافًا إلى أنّ العقل متقدمٌ على هذه العلوم رتبةً، والعقل هذا يستعين به ويعتمد عليه في المعرفة حتى الجاهل بهذه العلوم والمعارف العقلية، إذ هو الحجة الثانية التي أودعها الله في الإنسان جنبًا إلى جنب الوحي، أي الحجّة الظاهرة.
فالعقل تلك القوة الاستدلالية والإدراكية التي أودعها الله في الإنسان؛ لتكون مصدرًا داخليًّا للمعرفة، وحجةً باطنيةً تعين الإنسان في حياته الدنيوية للوصول إلى الحق، وسلوك الطريق الصحيح، وهذا المعنى هو الذي ورد التأكيد عليه في القرآن والروايات، ويتّحد هذا العقل مع الإمام المعصوم عليهالسلام في الخارج ليصبح المعصوم عقلًا ووحيًا ومصداقًا أتم للجمع بين العقل والدين.
ورد استخدام العقل وما يرادفه من مصطلحاتٍ - كاللبّ، والقلب، والعلم- كثيرًا في القرآن، ويجمعها العلّامة الطباطبائي تحت معنى الإدراك والفهم بنحوٍ عام، إذ يقول بعد ذكر الآيات المترادفات: «فقد تبيّن من جميع ما ذكرنا أنّ المراد بالعقل في كلامه تعالى هو الإدراك الذي يتم للإنسان مع سلامة فطرته، وبه يظهر معنى قوله سبحانه:(كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللهُ لَكُمْ آَيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(البقرة: 242)، فبالبيان يتم العلم، والعلم مقدمة للعقل ووسيلة إليه كما قال تعالى: (وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إِلَّا الْعَالِمُونَ)».
وبناءً على هذا فإنّه يعرف العقل بقوله: «المراد بالعقل هنا لطيفةٌ ربانيةٌ يدرك بها الإنسان حقيقة الأشياء، ويميز بها بين الخير والشر، والحقّ والباطل، وبها يعرف ما يتعلق بالمبدأ والمعاد. وله مراتب بحسب الشدّة والضعف».
علمًا بأنّه لم تستخدم مفردة (العقل)، أو جمعها (العقول) في القرآن الكريم، لكن مشتقاتها الفعلية تصل إلى (47) حالة. في بعض الحالات جاء مفهوم العقل بعباراتٍ متنوعة منها: (أَفَلَا يَعْقِلُونَ/تَعْقِلُونَ)(13 مرة)، و{لَا يَعْقِلُونَ}(البقرة: 170، 171؛ المائدة: 58، 103؛ الأنفال: 22؛ يونس: 42، 100؛ العنكبوت: 63؛ الزمر: 43؛ الحجرات: 4)(11 مرة)، و(لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ)(البقرة: 73، 242؛ الأنعام: 151؛ يوسف:
2؛ النور: 61؛ غافر: 67؛ الزخرف: 3؛ الحديد: 17)، و(لَآيَاتٍ/لَآيَةً لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ)(البقرة: 162؛ الرعد: 4؛ النحل: 12، 67؛ العنكبوت: 35؛ الروم: 24، 28؛ الجاثية: 5)، و(إِنْ كُنْتُمْ تَعْقِلُونَ)(آل عمران: 118؛ الشعراء: 28)، و(وَلَوْ كَانُوا لَا يَعْقِلُونَ)(يونس: 42)، و(أَفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ)(يس: 62)، و(عَقَلُوهُ}(البقرة: 75)، (يَعْقِلُهَا)(العنكبوت: 43)، و(نَعقِلُ)(الملك: 10).
وقد استعمل القرآن مفرداتٍ أخرى تعطي المعنى نفسه من قبيل الفكر واللب والحِجر وما شاكل.
لم يرد مفهوم الفكر في القرآن الكريم بصيغته الاسمية، وعلى شكل مفرد أو جمع، لكن مشتقات فعله وردت 17 مرة في القرآن. الفكر بمعنى الفهم والإدراك، وفي المصطلح القوة التي يحصل بها العلمُ بالمعلوم. بعبارةٍ أخرى إنّه التفكير والبحث والغور لنيل حقيقة الأمور.وقد جاءت هذه الاستعمالات بأشكالٍ مختلفة: (لَآيَاتٍ/لَآيَةً لِقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ)(يونس: 24؛ الرعد: 3؛ النحل: 11، 69؛ الروم: 21؛ الزمر: 42؛ الجاثية: 13)، و(لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ)، و(لَعَلَّهُمْ يَتَفَكَّرُونَ)(البقرة: 219، 266؛ الأعراف: 176؛ النحل: 44؛ الحشر: 21)، و(أَوَلَمْ يَتَفَكَّرُوا)(الأعراف: 184؛ الروم: 8)، و(أَفَلَا تَتَفَكَّرُونَ؛ يَتَفَكَّرُونَ؛ تَتَفَكَّرُوا؛ فَكَّر)(على الترتيب: سبأ: 46، المدثر: 18؛ الأنعام: 50؛ آل عمران: 191).
وجاء مفهوم التدبّر في القرآن الكريم 44 مرةً بحالتيه الاسمية والفعلية وبصيغتي المفرد والجمع. والتدبّر مستلٌّ من الدُبُر والخلْف على الضدّ من القُبُل والوجْه. كما أنّ التدبير هو التفكير في الأمور وعواقبها. ومن جملة صيغه الفعلية:
(يُدَبِّرُ)(يونس: 3، 31؛ الرعد: 2؛ السجدة: 5)، و(أَفَلَا يَتَدَبَّرُونَ؛ أَفَلَمْ يَدَّبَّرُوا؛ لِيَدَّبَّرُوا)(ص: 29؛ النساء: 82؛ محمد: 24؛ المؤمنون: 68).
وورد مفهوم النظر بمشتقاته الاسمية والفعلية 129 مرةً في القرآن الكريم. إنّه يعني النظر بالعين، والفهم، والانتظار، والحيرة، وقد جاء في الآيات القرآنية والروايات بهذه المعاني أيضًا. بالمستطاع الإشارة في هذا المضمار إلى عبارات من قبيل: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا، أَفَلَا يَنْظُرُونَ، أَفَلَمْ يَنْظُرُوا، فَانْظُرُوا، فَلْيَنْظُر ...)(الأعراف: 185؛ الغاشية: 17؛ ق: 6؛ النحل: 36؛ الحج: 15)الخ.
كما ورد مفهوم اللّبّ بصيغة الجمع (الألباب) 15 مرةً في القرآن الكريم. اللبّ في اللغة بمعنى الخالص من كلّ شيء، وبهذا الاعتبار يطلق على العقل أيضًا؛ لأنّ العقل يُدرِك المعاني الخالصة من أية شوائب وريب فكريّة، أو المراد به العقل الخالص والمزكّى. وكما أسلفنا فقد وردت هذه المفردة في كلّ مكانٍ من القرآن بصيغة الجمع (أولو الألباب) .
ومن التعابير الأخرى التي استخدمت في القرآن الكريم بمعنى العقل: الحِجْر بعبارة (لِذِي حِجْرٍ). والنُّهى (جمع نهية) بعبارة (لِأُولِي النُّهَى)(طه: 54، 128).
وهناك الحِلْم وصيغ جمعه التي وردت في القرآن الكريم 21 مرةً. كما ذكر الحِلْم بمعنى ضبط النفس والطبع من هياج الغضب، أو بمعنى العقل(الطور: 32).
ثمّ عندما نعرج إلى الروايات الشريفة، نراها تستعمل العقل بما يقابل الشهوات والأهواء والآمال، وحديث جنود العقل والجهل خير شاهدٍ على ذلك، وقد قال أمير المؤمنين عليهالسلام في ذلك: «اِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ رَكَّبَ فِي الْمَلَائِكَةِ عَقْلًا بِلَا شَهْوَةٍ وَرَكَّبَ فِي الْبَهَائِمِ شَهْوَةً بِلَا عَقْلٍ وَرَكَّبَ فِي بَنِي آدَمَ كِلْتَيْهِمَا فَمَنْ غَلَبَ عَقْلُهُ شَهْوَتَهُ فَهُوَ خَيْرٌ مِنَ الْمَلَائِكَةِ وَمَنْ غَلَبَ شَهْوَتُهُ عَقْلَهُ فَهُوَ شَرٌّ مِنَ الْبَهَائِمِ».
إنّ النقطة المهمّة التي يمكن الحصول عليها من بين مجموع الروايات، هي أنّ العقل ينقسم إلى بُعدين؛ وهما: البُعد الفطري وغير الاكتسابي، والبُعد الاكتسابي، وأنّ الإنسان من خلال قيامه ببعض الأمور والأفعال، يعمل على زيادة عقله أو خفضه.
إنّ العقل قد عُدّ في بعض الروايات هبةً إلهية، أو أنّه من أفضل ما أنعم الله به على الإنسان. يقول أبو هاشم الجعفري: كنا عند الرضاعليهالسلام ، فتذاكرنا العقل والأدب، فقال عليهالسلام : «يَا أَبَا هَاشِمٍ، الْعَقْلُ حِبَاءٌ مِنَ الله».
وهناك أحاديث أيضًا ترى أنّ التجربة تزيد في العقل. من ذلك على سبيل المثال ما روي عن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «يَثَّغِرُ الْغُلاَمُ لِسَبْعِ سِنِينَ وَيُؤْمَرُ بِالصَّلاَةِ لِتِسْعٍ وَيُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ لِعَشْرٍ وَيَحْتَلِمُ لِأَرْبَعَ عَشْرَةَ سَنَةً وَمُنْتَهَى طُولِهِ لاِثْنَتَيْن
[1]. الراغب الأصفهاني، مفردات ألفاظ القرآن، 129؛ الطريحي، مجمع البحرين، 1: 565؛ .
[2]. الصدوق، علل الشرائع، 4، المجلسي، بحار الأنوار، 60: 299.
[3]. الكليني، الكافي، 1: 23.
وَعِشْرِينَ سَنَةً وَمُنْتَهَى عَقْلِهِ لِثَمَانٍ وَعِشْرِينَ سَنَةً إِلاَّ التَّجَارِبَ». وروي عن الإمام الحسين عليهالسلام ، أنّه قال: «طُولُ التَّجَارِبِ زِيَادَةٌ فِي الْعَقْلِ».
كما ورد الكلام في الأحاديث عن عوامل متعدّدة لازدهار العقل وزيادته، وهي عبارة عن: الوحي، والعلم، والأدب، والتجربة، والضرب في الأرض، والمشورة، والتقوى، وجهاد النفس، وذكر الله سبحانه وتعالى، والزهد في الدنيا، واتّباع الحقّ، ومجالسة الحكماء، والترحّم على الجهلاء، وتناول بعض الأطعمة.
إنّ هذه الأحاديث تشير من جهةٍ إلى درجات العقل، وتشير من جهةٍ أخرى إلى دور إرادة الإنسان في تغيير درجات عقله. وقد عمد أمير المؤمنين عليهالسلام في حديثٍ مأثورٍ عنه، إلى تقسيم العقل إلى قسمين، وهما: عقل الطبع، وعقل التجربة، وذلك في قوله: «العقل عقلان: عقل الطبع وعقل التجربة، وكلاهما يؤدّي إلى المنفعة».
وقال عليهالسلام في ما يُنسب إليه من شعر:
.
وكما نعلم فإنّ نور الشمس وحده لا يكفي في الرؤية والمشاهدة، وإنّما نحتاج في ذلك إلى الرؤية البصرية أيضًا؛ كما أنّنا في إدراك المعقولات لا نكتفي بالعقل
المسموع والمكتسب فقط، بل نحتاج بالإضافة إلى ذلك إلى عقل الطبع أيضًا.
فالعقل في الاستعمال الروائي عام وشامل، ويكون بمنزلة النور الذي يدرك حقائق الأشياء.
حجيّة العقل
لا إشكال في حجية العقل بهذا المعنى، غير أنّه برز خلافٌ بين المدارس الفكريّة الإسلاميّة في حجية العقل، ويعود سبب الخلاف الى رؤيتهم إليه بعد ما اختلط بسائر العلوم كالفلسفة وما شاكل.
ويمكن تصنيف موقف علماء الإسلام تجاه حجية العقل ضمن ثلاث طوائف كبرى:
هذه الطائفة تنفي دور العقل والمنهج العقلي بتاتًا، وتكتفي بالمنهج النقلي ولا تتعدّاه، وهم الحشويّة وأصحاب الحديث المنضوون تحت عنوان السلفية العام.
هذه الطائفة تقبل بالمنهج العقلي، ولكن في ضمن حدود وضوابط محدّدة بحيث تقيّده بالسمع، وترفع عنه الاستقلالية والانفراد في الوصول إلى المعارف إلّا فيما لا بدّ منه كي لا يلزم الدور، مثل إثبات الواجب تعالى وأصل الرسالة.
يمثّل هذه الطائفة جميع الأشاعرة وبعض الشيعة، وما يميّزهم عن الطائفة الأولى هو فسح المجال للعقل، ومحاولة المزاوجة بينه وبين السمع، مع تقديم السمع عليه، وفيما يأتي نشير إلى بعض كلماتهم:
قال الشيخ المفيدرحمهالله (ت: 413هـ): «واتفقت الإمامية على أنّ العقل محتاجٌ في علمه ونتائجه إلى السمع، وأنّه غير منفكٍّ عن سمعٍ ينبّه العاقل على كيفية
الاستدلال، وأنّه لا بدّ في أول التكليف وابتدائه في العالم من رسول، ووافقهم في ذلك أصحاب الحديث، وأجمعت المعتزلة والخوارج والزيدية على خلاف ذلك، وزعموا أنّ العقول تعمل بمجردها من السمع والتوقيف، إلّا أنّ البغداديين من المعتزلة خاصّة يوجبون الرسالة في أول التكليف ويخالفون الإمامية في علّتهم لذلك، ويثبتون عللًا يصححها الإمامية ويضيفونها إلى علتهم فيما وصفناه».
فالشيخ المفيدرحمهالله لا ينفي المنهج العقلي، بل يقيّده بالسمع، ويفسح له مجال الاستنباط في هذه الدائرة.
وعندما نصل إلى الغزالي(ت: 505هـ) نراه يعطي فسحةً صغيرةً للعقل كي يثبت للإنسان الرسالة، ثمّ ينحيه من دائرة الاستدلال ويبعده؛ لأنّ طريق الآخرة، وفهم دقائق سنن الشرع وآدابه وعقائده، ليس في سعة العقل وقوّته، و«كما أنّ العقول تقصر عن إدراك منافع الأدوية مع أنّ التجربة سبيل إليها، فالعقول تقصر عن إدراك ما ينفع في الحياة الآخرة مع أنّ التجربة غير متطرّقة إليها... فيكفيك من منفعة العقل أن يهديك إلى صدق النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ويفهمك موارد إشاراته، فاعزل العقل بعد ذلك عن التصرّف، ولازم الاتباع فلا تسلّم إلّا به».
فالغزالي إذن يفسح المجال للمنهج العقلي لإثبات الإلوهية والرسالة، ثمّ يربطه بالسمع ويلزمه أن يدور مداره.
ثمّ إن أبا إسحاق الصفار(ت: 534هـ) الماتريدي، يرى أنّ الدليل المؤدي إلى اليقين إمّا عقلي، وإمّا سمعي، ويقدّم العقل في أمورٍ مثل إثبات الواجب تعالى، كما يرى أنّ العقل في بعض العلوم متبوع والسمع تابع له، كما أنّ السمع
في بعضها الآخر متبوع والعقل تابع له، مع اعترافه بأنّ السمع لا يستغني عن العقل؛ لأنّه لا يعرف السمع الصحيح إلّا بالعقل.
ثمّ إنّ موقف ابن خلدون(ت: 808هـ) وإن كان يشبه موقف الطائفة الأولى من العقل، إلّا أنّنا نورده هنا؛ لأنّه يعترف بالعقل ومداركه، وبأنّه ميزان صحيح وأحكامه يقينية لا كذب فيها، لكنّه مع هذا يعزله عن ساحة التوحيد وأمور الآخرة وحقيقة النبوة وحقائق الصفات الإلهية.
وذلك أنّه يرى أنّ: (مسائل الكلام إنّما هي عقائد متلقاةٌ من الشريعة كما نقلها السلف من غير رجوعٍ فيها إلى العقل ولا تعويل عليه، بمعنى أنّها لا تثبت إلّا به، فإنّ العقل معزول عن الشرع وأنظاره».
وسبب عدم اعترافه بالعقل في هذه المسائل يعود أولًا إلى أنّها خارج نطاق إدراك العقل؛ فدخوله فيها يسبّب الضلال والدخول في الأوهام، وثانيًا أنّ مدارك صاحب الشريعة أوسع لاتساع نطاقها عن مدارك الأنظار العقلية، فهي فوقها ومحيطة بها، لاستمدادها من الأنوار الإلهية.
ومع هذا فابن خلدون يعترف بالمنهج العقلي كمنهج آلي للردّ على الخصوم فقط من دون أنْ يكون له استقلالية بالأمر.
وأخيرًا الفيض الكاشاني (ت: 1097هـ) الذي ينقل عن بعض الفضلاء ويرتضيه بأنّ: «العقل لا يهتدي إلّا بالشرع، والشرع لا يتبيّن إلّا بالعقل، والعقل
كالأُسّ والشرع كالبناء ولن يثبت بناء ما لم يكن أسُّ ... وأيضًا فالشرع عقلٌ من خارج، والعقل شرعٌ من داخل، وهما يتعاضدان، بل يتّحدان ... واعلم أنّ العقل بنفسه قليل الغناء، لا يكاد يتوصّل إلّا إلى معرفة كليّات الشيء دون جزئياته، ... والشرع يعرف كليّات الشيء وجزئياته، ويتبيّن ما الذي يجب أنْ يعتقد في شيء شيء ... فالشرع نظام الاعتقادات الصحيحة والأفعال المستقيمة، والدال على مصالح الدنيا والآخرة، من عدل عنه فقد ظل سواء السبيل».
هذه الطائفة لا ترى استقلالية العقل فحسب، بل تقدّمه على الدليل النقلي عند التعارض، فإما أنْ تردّ الدليل النقلي أو تؤوله بما يتناسب مع الدليل العقلي. وقد أشار الشيخ المفيدرحمهالله إلى هذه الطائفة ونسبها إلى المعتزلة والخوارج والزيدية، حيث أنّهم «زعموا أنّ العقول تعمل بمجرّدها من السمع والتوقيف».
كما أنّ الفلاسفة عندما يبحثون في الإلهيات يصنّفون ضمن هذه الطائفة؛ لأنّهم يبحثون عن الدليل البرهاني القطعي المبتني على المقدمات البرهانية القطعية العقلية وإن خالف ظواهر النصوص. ويصرّح الفياض اللاهيجي بهذا الأمر عندما يذكر الفارق بين الكلام والفلسفة، أي العلم الإلهي - بحسب تعبيره - فيقول: «إنّ مبادئ الأدلّة الكلاميّة في الكلام يجب أن يكون على قانونٍ يطابق ما ثبت من ظواهر الشريعة، بخلاف مبادئ العلم الإلهي، فإنّها لا يعتبر فيها مطابقة ظواهر الشرع، بل المعتبر فيها مطابقة قوانين العقلية الصرفة، سواء طابقت الظواهر أم لا ، فإنْ طابقت فذاك، وإلّا فيؤولون الظواهر إلى ما يطابق
قوانين المعقول، فهذا هو الفرق من الكلام والإلهي».
وإلى هذا الأمر ذهب أيضًا العلّامة الطباطبائي حيث كان يرى أنّ الغوص والتعمّق في المعارف الفلسفيّة ضروري قبل الدخول في صلب الأبحاث والدراسات الوحيانيّة. وبالنظر إلى أصالة فهم العقل البشري في المنظومة الفكريّة للعلامة الطباطبائي، فإنّ فهم العقل سوف يكون من الناحية العمليّة هو المناط والملاك في التقييم وفي إثبات اعتبار الأدلة النقليّة.
وبعد هذا نقول: نعتقد أنّ البرهان العقليّ يُعدّ بمنزلة الدّليل النّقليّ المعتبر، ولكن هل موقعيّته واعتباره قبل النقل أو بعده أو أنّه متقارن معه؟ هنا يحكّم العقل نفسه، ويقول: «إنّ البرهان العقلي قد يكون في بعض الأمور قبل اعتبار الدليل النقلي المعتبر، وفي بعض الأمور الأخرى مع الدليل النقلي، وفي أخرى أيضًا بعد الدليل النقلي».
بيان هذه الموارد الثلاثة:
1. إنّ البرهان العقلي يكون قبل النّقل في أصول الدين؛ لأنّ العقل يحكم بحاجة الإنسان إلى الدين، ويقول العقل في مقام الحكمة النظريّة: إنّ المجتمع البشري بحاجةٍ إلى الوحي، وهذا الوحي ينزل على الإنسان الكامل (النبي) عن طريق الملك. كما يحكم العقل في مقام الحكمة العمليّة بقبح الممانعة من دين النبيّ أو الحرب معه، أو منع تعاليم النّبيّ وحرمان الناس من فيوضاتهم، أو قتل الأنبياء، بل يفتي العقل - في قبال هذه الأمور - بحُسن الدفاع عن النبيّ وطاعته وتهيئة المقدّمات لنشر رسالته.
وبناءً على هذا، فالعقل نفسه الذي يفتي بضرورة بعثة الأنبياء في مقام الحكمة النظريّة، يفتي - بمعرفة صحيحة - بحُسن نشر تعاليم النبي وقبح الممانعة من تعاليمه في مقام الحكمة العمليّة.
2. يفتي العقل كالنّقل في حدود الدين، والعقل والنقل يؤيّد أحدهما الآخر، كما نرى في المباحث العقليّة تعاضد دليلين عقليين، أو في مسائل نقليّة صرفة، دليلين نقليين متعاضدين، ففي المباحث الدينيّة يتعاضد الدليل العقلي مع الدليل النقلي.
3. تم بيان تأخّر العقل عن النقل، في مباحث أصول الفقه بشكل مبسوط، فلو لم يجد العقل - بعد سعيه - حكمًا خاصًا ولم يرد فيه أيضًا دليلًا نقليًّا، وكان من باب ما لا نصّ فيه، فهنا قد يحكم العقل بالبراءة أو الاحتياط أو التخيير، وقد يفتي بنفي الحرج والضرر. وعلى سبيل المثال قد يقول العقاب بلا بيان قبيح، وتارة أخرى عند اشتغال ذمة الإنسان بطلب براءة الذّمّة ويحكم بالاحتياط. وبعبارةٍ أخرى، فإنّ يد العقل مفتوحة فيما لا يوجد فيها نقل.
هذا التقرير، يُبيّن المراحل الثلاثة للدليل العقلي أمام الدليل النقلي، والمهم هو تشخيص موقعيّة العقل (ومكانته) كي لا يختلط موقع العقل والنقل، وكي نعدّ العقل والنقل جناحي الدين. وعلى هذا الأساس لو وجب شيءٌ بحكم العقل أو النقل ـ وبما أنّ أيّ عمل لا يتحصّل من دون مقدّمات ـ يحكم العقل بلزوم تحصيل المقدّمات، كما أنّ الدليل النّقلي المعتبر يحكم بوجوب الصلاة، ويعلن عن وجوب الوضوء والطهارة من باب المقدّمة. فالواجب العقلي أيضًا هكذا، وكما أنّ ترك الواجب ومقدّماته طبقًا للدليل النقلي حرام وموجب للعقاب، يكون
ذلك قبيحًا أيضًا طبقًا للدليل العقلي ومخالفته توجب العقاب والذم.
وفي ختام المنهج العقلي لا بأس بالإشارة إلى تقسيمات العقل وأنحاء الاستفادة منه في مختلف العلوم والمدارس، وعليه يمكن تقسيم العقل كالتالي:
إنّ للعقل في الثقافة الإسلاميّة معاني ومفاهيم متعددة ومختلفة. ويمكن تقسيم هذه المعاني من أبعاد مختلفة:
التقسيم الأنطولوجي: إنّ العقل يُستعمل تارةً بمعنى قوّة من قوى النفس الإنسانية، وتارةً بمعنى الجوهر والوجود المستقل. والمعنى الأول بدوره ـ الذي هو قوّة من قوى النفس الإنسانية ـ يكون إمّا بمعنى القوّة الإدراكية وإمّا بمعنى القوة العملية.
إذا كان العقل قوّة إدراكية للنفس، فهو يُسمّى بـ (العقل النظري). وإذا كان العقل قوّة عملٍ بشريّة، فهو (العقل العملي). وإذا كان حقيقةً جوهريةً مستقلةً، سُمّي جوهرًا عقليًا مجرّدًا. وهناك من يرى أنّ هذه المعاني الثلاثة مشتركًا لفظيًا. وهناك من يبحث عن معنى ومفهومٍ مشتركٍ في هذه الأمور الثلاثة.
كما أنّ للعقل بلحاظ مرتبة وطريقة الوجود أقسامًا أيضًا، من قبيل: العقل بالقوّة، والعقل بالملَكة، والعقل بالفعل، والعقل المستفاد، والعقل الفعّال، والعقل الطولي، والعقل العرضي.
إنّ العقل بالقوّة، بمعنى اعتبار العقل في قوة الموجود، وهو العقل الذي يوجد في الطفل البشري، ولا يوجد في صغار الحيوانات الأخرى. والعقل بالملَكة، إدراك الأوليات والضروريات ونظائر ذلك. في العقل بالملَكة تصل المراتب الأولية للإدراكات العقلية إلى مرحلة الفعلية. وإنّ العقل بالفعل عبارة عن إدراك الحقائق التي يتمّ فهمها بوساطة الاستدلال والتفكير والبرهان. إنّ العقل الإدراكي للإنسان يكتسب في هذه المرتبة فعليةً أكبر من المراتب السابقة. إنّ العقل المستفاد مرتبةٌ من مراتب العقل الشهودي وهو في غنى عن الاستدلال المفهومي والبرهاني. إنّ القوّة الإدراكية للإنسان في هذه المرتبة تتصل من الناحية الوجودية بالعقول الجوهرية.
وعلى الرغم من أنّ المرتبة الوجودية لكلّ واحدةٍ هذه القوى تختلف عن الأخرى، فإنّها بأجمعها من مراتب وجود النفس الإنسانية، وإنّ ظهور كلّ واحدٍ منها مقرونٌ بتحوّلات النفس البشرية. كما أنّ للعقل مرتبةً وجوديةً أخرى هي أسمى من هذه المراحل، وبفعل ما لها من الكمال، تكون من الحركات الاستكمالية للحصول، بل إنّها تضمن لكمالات النفس العبور واجتياز نقاط ضعفها ونقصها. إنّ الفلاسفة المشائين يسمّون هذه المرتبة الوجودية ـ التي تتكفل بعملية تدبير النفوس والموجودات الطبيعية ـ بـ(العقل الفعّال). ويذهب الفلاسفة الإشراقيين
إلى الاعتقاد بوجود كثيرٍ من العقول في هذه المرحلة، وتسمّي تلك التي تكون في عرض بعضها بـ(العقول العرضية). وتسمّي العقول الأخرى التي تفوق العقل الفعّال أو العقول العرَضية والتي تقع في طول بعضها بـ (العقول الطولية) ، ويسمّون أسمى الموجودات العقلية بـ(العقل الأول).
كما أنّ العقل ـ الذي هو قوّة إدراكية ـ له أقسام من حيث موضوع إدراكه أيضًا؛ والتقسيم الأول هو تقسيمه إلى قسمين، وهما: العقل النظري، والعقل العملي. والعقل النظري هنا هو غير العقل النظري في المصطلح السابق. إنّ المراد من العقل النظري هنا يمثل جزءًا من القوّة الإدراكية للإنسان والتي تنظر إلى تلك الكينونات التي توجد بغض النظر عن عمل الإنسان. والعقل العملي جزءٌ من القوّة الإدراكية للإنسان والتي تنظر إلى الكينونات التي توجد بوساطة إرادة الإنسان، أي بوساطة المعنى الأول للعقل العملي.
إنّ للعقل النظري والعملي في هذا المعنى الأخير، من حيث التقسيمات اللاحقة لموضوعاته، أقسامًا أخرى أيضًا، من قبيل: العقل الميتافيزيقي، والعقل الرياضي، والعقل الطبيعي أو العقل الأخلاقي والعقل السياسي. إنّ هذه المجموعة من أقسام العقل عبارةٌ عن مصطلحات تنظر إلى الموضوع الذي يدرسه العقل النظري.
إنّ العقل الميتافيزيقي يبحث بشأن أحكام الوجود بما هو وجود. والعقل الرياضي يبحث حول الكمية والمقدار. والعقل الطبيعي يعمل على التعريف بالكائنات المادية والزمنية. والعقل الأخلاقي والسياسي ينظر إلى حقله الدراسي.
(168)إنّ العقل ـ بمعنى القوى الإدراكية، أي: العقل النظري ـ ينقسم بلحاظ منهجه المعرفي إلى عدّة أقسام، من قبيل: العقل الشهودي أو الحضوري والعقل المفهومي أو الحصولي، وكذلك تقسيم العقل الحصولي والمفهومي إلى العقل التجريدي، والعقل شبه التجريدي، والعقل التجريبي. ويمكن لتقسيم العقل إلى العقل البرهاني والعقل الجدلي والعقل الخطابي والعقل المغالطي أن يكون نوعًا من التقسيم المنهجي أيضًا؛ وذلك لأنّ العقل يتعرّف على أساليب مختلفة في حقل البرهان والجدل والشعر والخطابة والمغالطة أيضًا، وإذا أجاز الاستفادة من بعض هذه الفنون، فإنّه سوف يعمل على توظيفها بأساليبها الخاصة بها.
إنّ للعقل أقسامًا أخرى من حيث الاستعمال والتطبيق أيضًا، من قبيل: العقل الآلي، والعقل الارتباطي، والعقل الانتقادي. وإنّ العقل الآلي ينشط من أجل السيطرة على عالم الطبيعة وتوظيف موضوعات دراساته. والعقل التفهيمي أو العقل الارتباطي يستعمل من أجل فهم المعاني والقيَم والأفعال التي يعمل الإنسان على بلورتها. وأمّا العقل الانتقادي فيسلك اتجاهًا انتقاديًا بالنسبة إلى القيَم والسلوكيات والمعاني الموجودة في حقل الحياة الإنسانية.
إنّ هذه المعاني للعقل قد تتداخل مع الأقسام السابقة، من ذلك ـ على سبيل المثال ـ أنّ العقل الآلي يكتسب في الغالب صورةً تجريبيّةً وطبيعيّةً، وأنّ العقل الانتقادي والتجويزي يكتسب صبغةً تجريدية، وهو أكثر من نوع العقل العملي.
إنّ الأقسام الخمسة، وهي: البرهان والجدل والشعر والخطابة والمغالطة، من الأقسام المنهجيّة والأسلوبية أيضًا؛ لأنّ كلّ واحدٍ منها يقترن بأسلوبٍ خاص؛
(169)ولكنّها في الواقع عملية وتطبيقية قبل أن تكون أسلوبية؛ بمعنى أنّ تبلور كلّ واحد منها رهنٌ باستعمالها، وغالبًا ما تتمّ الاستفادة من استعمالها في التعريف بها. إنّ البرهان معرفة يُستفاد منها في معرفة الحقيقة. والجدل معرفة تتبلور من أجل التغلب على الخصوم والمناوئين. والخطابة معرفة من أجل إقناع الآخرين. والشعر يُصار إلى توظيفه من أجل إثارة المشاعر والدوافع والأحاسيس. والمغالطة من أجل إيقاع الخصم في الغلط أو التعرّف على الأخطاء بغية اجتنابها والابتعاد عنها. يرى ابن سينا أنّ الاطلاع على المعرفة البرهانية والمغالطة ضروري لمن يتوخى طلب الحقيقة.
إنّ للعقل تقسيمات من حيث المنشأ والمبدأ، من قبيل: العقل العلماني، والعقل القدسي، والعقل المتأصّل. إنّ العقل العلماني هو العقل الذي يتصوّر له مبدأ دنيويًا وعالميًا، ويرونه مجرّد واقعيةٍ تاريخيةٍ وثقافيّة. وإنّ العقل بهذا المعنى هو نتاج الحياة البشريّة في هذا العالم. ولو عددنا المعرفة العقلية نتيجةً وثمرةً للعلاقات الإنسانية والنشاطات العرفية للبشر، فإنّ العقل الارتباطي والعقل العرفي سوف يتداخلان مع العقل العلماني.
إنّ الاتجاهات البراغماتية، إنّما تقدّم للعقل مجرّد تفسير دنيوي وماهوي عرفي وعلماني بحت. وفي الرأي المقابل تكون للعقل هويّةٌ إلهيّةٌ قدسيّةٌ سماويّةٌ ما فوق طبيعية وميتافيزيقية. إنّ العقل في هذه الرؤية وإنْ كان يسجّل حضوره في التاريخ وفي الثقافة، ويكون له تعاملٌ مؤثّرٌ مع التاريخ، إلّا أنّ حضوره إنّما يكون بالتجلّي، ولا يتم خفض حقيقته إلى هذا الأفق، وإنّما ترصد له مساحة ثابتة ومجرّدة وسماويّة.
(170)إنّ العقل في رؤية هيجل وإن لم يكن مجرّد ظاهرة عرفية وارتباطية صرفة، إلّا أنّ له هويةً متأصّلة؛ بحيث يعمل على بلورة وتنظيم جميع الكائنات في مسار تحوّلاتها، ويكون سببًا لوجود كلّ شيء، ويكون هو العلة النهائية والأخيرة. يمكن أخذ مصطلح المتأصّل في هذا المعنى باعتبار المبدأ الوجودي له. كما يتمّ استعمال هذا المصطلح بالنظر إلى البُعد المعرفي والإبستمولوجي للعقل أيضًا، على ما سيأتي شرحه وبيانه.
إنّ للعقل من حيث رقعة ومساحة حضوره في حقل الثقافة والحياة الاجتماعيّة للإنسان تقسيمات، من قبيل: العقل الغربي، والعقل الشرقي، والعقل العربي، والعقل العرفي، والعقل اليوناني.
إنّ العقل العُرفي في بعض المصطلحات، جزءٌ من المعرفة العقلية حيث يكون له حضورٌ في العُرف الاجتماعي. إنّ هذا القسم يتماهى مع الأصول المنطقيّة المتعارفة والمقبولة من قبل الجميع. إنّ العقل العرفي في بعض مصطلحاته الأخرى، يعني كلّ نوعٍ من أنواع المعرفة والإدراك المشترك الذي يكون له وجود في المستوى العام للمجتمع. إنّ العقل العربي هو العقل الذي يحظى بالقبول من قبل المجتمعات العربية، والعقل اليوناني جزءٌ من المعرفة العقلية الحاضرة في الثقافة اليونانية.
إنّ هذا التقسيم بدوره متداخلٌ مع التقسيمات السابقة؛ إذ إنّ بعض المعاني السابقة له حضورٌ أكبر وأوسع في بعض الثقافات. وفي بعض الحقول الثقافيّة تكون هناك فرصةٌ أكبر لظهور جانبٍ من تلك المعاني والمفاهيم المذكورة آنفًا. ويرى ماكس فيبر أنّ العقل الآلي من خصائص العقل الحديث.
كما يتم تقسيم العقل من حيثية أخرى أيضًا؛ وذلك بحسب الجماعات والتيارات التي تستعمله؛ من قبيل: العقل الفلسفي، والعقل الكلامي، والعقل الفقهي، والعقل العرفاني. إنّ هذا النوع من التقسيم بدوره يتداخل مع التقسيمات السابقة؛ وذلك لأنّ العقل الذي يستعمله الفلاسفة هو العقل البرهاني غالبًا؛ وأنّ العقل الذي يستفيد منه المتكلّمون في الغالب هو العقل الجدلي، والعقل الذي يستعمله العرفاء ليس هو العقل العلماني أو المتأصّل، بل هو العقل القدسي والإلهي.
إنّ للعقل من الناحية المعرفيّة والإبستمولوجية ـ بوصفه قوّةً إدراكيةً للإنسان ـ تقسيمات، من قبيل: العقل التنويري، والعقل الموضوعي والمتأصّل، والعقل النقلي أو الاستنباطي، والعقل الأشعري، والعقل المعتزلي، والعقل الظني.
إنّ العقل التنويري الحديث هو العقل الذي يصل بمدى المعرفة العقلية إلى شواطئ الوجود، ويرى أنّ جميع أبعاد الوجود يمكن التعرّف عليها بوساطة العقل. وإنّ للعقل الديكارتي والعقل الهيجلي مثل هذه الخصائص والمواصفات. وقد كان العقل التجريبي متماهية مع هذا الادعاء لفترة من الزمن. وهناك من يذهب إلى الاعتقاد بأنّ العقل المعتزلي أو العقل الفلسفي لابن رشد يمتلك مثل هذه الصفة، وإنْ كان هذا الأمر يدعو إلى التأمّل.
إنّ العقل المتأصّل تعبيرٌ يُطلق على العقل التنويري؛ من حيث اكتفائه بذاته، ويرى نفسه مرجعًا نهائيًا للمعرفة العلميّة، ولا يقبل معرفة فوق ذلك؛ أو أنّه بغض النظر عن سائر المستويات المعرفيّة الأخرى، يرى أنّ مرجعيته تامّة لتحقق المعرفة. إنّ التأصّل إذا استعمل بهذا المعنى ينظر إلى البُعد المعرفي من العقل. إنّ
الذين لا يؤمنون بالعقل التنويري والحديث، ولا يقصرون المعرفة العلميّة على المعرفة العقلية المفهومية، لديهم آراء مختلفة بشأن كيفية نسبة أو تعامل المعرفة العقلية مع سائر مستويات المعرفة الأخرى، من قبيل: المعرفة الوحيانية أو النقلية.
وقد استعملت مفرد التأصيل في اللغة الفارسية بصيغة (خودبنياد) في المرحلة المعاصرة، وتمّ إطلاقها على معان مختلفة؛ بحيث إنّ بعضهم يستعملها مقترنةً مع الوصف الديني أيضًا. وإنّ أول من استعمل هذه المفردة هو الأستاذ الراحل السيّد أحمد فرديد، وذلك في سياق ترجمة الكلمة الإنجليزية «subjective»، وإذا كان العقل المتأصل مرادفًا للذاتية، سوف يكون له بعدٌ معرفي. إنّ العقل الذاتي، عقل يرتبط ـ في ضوء التفسير الكانطي والكانطية المحدثة ـ بالموضوع الإنساني، وبهذا المعنى لا يكون نورًا يهدي إلى حقيقة فيما وراء ذاته، أو أنّه يكشف عنها. بل هو عبارة عن مجموعةٍ من الأمور السابقة من ناحية الموضوع المعرفي، أي الإنسان الذي يفرض نفسه على معرفة الحقائق، أو هو من صنعٍ إنسانيّ وتاريخيّ يعمل ـ بدلًا من معرفة الحقيقة ـ على خلقها وإبداعها. إنّ الحقيقة على هذا الأساس مفهومٌ نسبيٌّ وتاريخيّ، يتم صنعه في صلب الحياة الإنسانية.
إنّ العقل الأشعري، هو العقل الذي ينشط ضمن دائرة الخطوط الحُمر والمسلّمات الشرعية. والعقل الاستنباطي هو العقل المجدي في الاستنباط من النقل. وهناك من يرى أنّ العقل الاستنباطي وحده هو الناجع في معرفة الوجود ولا يرى اعتبارًا لغيره؛ بمعنى أنّه لا يؤمن بالمستقلات العقلية. والعقل الظني هو العقل الذي لا تكون نتيجته المعرفيّة يقينية أو قطعية.
لم يخلُ الإنسان منذ نشأته على هذه المعمورة من آراءٍ ومبانٍ فكريّةٍ يعتقدها ويتمسّك بها، وهذه الرؤى والأفكار هي التي تُكوّن منظومة الإنسان المعرفيّة، وهي بمنزلة المحرّك الوحيد لجميع فعاليات الإنسان وأنشطته المادية والمعنوية، فتراه ينافح ويدافع عمّا التزم به واعتقده صحيحًا؛ إنْ كان أعمالًا وصناعات أو رؤى ومعتقدات.
تعدُّ المعارف الدينيّة الخاصة بالمبدأ والمعاد من أهمّ معتقدات الإنسان؛ إذ بها النجاة والخلاص من الهلاك، وهذه المعارف في عملية صيرورتها وتكوّنها واجهت من جهةٍ خصومًا أشدّاء، ومن جهةٍ أخرى سوء فهم أو التباس من قبل الصفّ الداخلي، ممّا كان سببًا لقيام أرباب الدين بعملية الدفاع ورفع الستار بموازاة عملية التأصيل والتبيين والدعوة.
هذه العملية تسمّى في العالم الإسلامي بعلم الكلام المتكفّل بتبيين المعارف الدينيّة العقدية والدفاع عنها، وهو وإنْ تأخّر في الظهور كمصطلح لكنّه مورس منذ بزوغ الدعوة الإسلاميّة على نطاقٍ واسع.
وفيما يلي نتطرق إلى أهم الأمور التي تتعلّق بعلم الكلام والمنهج الكلامي:
الكلام في أصل اللغة هو الأصوات المفيدة، وعند المتكلّمين: المعنى القائم بالنفس الذي يعبّر عنه بألفاظ، وفي اصطلاح النحاة: الجملة المركبة المفيدة أو شبهها ممّا يكتفي بنفسه.
والكلام هو القَوْل، وقيل: إنّ الكلام ما كان مكتفيًا بنفسه وهو الجملة،
والقول ما لم يكن مكتفيًا بنفسه وهو الجزء من الجملة.
هذا هو المعنى اللغوي، وما يهمّنا هنا المعنى الاصطلاحي للكلام المستعمل بوصفه علمًا على حدة، يتطرّق إلى تأصيل العقائد الدينيّة والدفاع عنها.
ولا يخفى أنّنا لم نعلم بالضبط تاريخ نحت هذا المصطلح أي(علم الكلام) ولم نعثر على تعريفٍ منسجمٍ له في القرن الأول والثاني الهجري؛ إذ إنّ المتكلمين آنذاك ما كان يهمّهم تقديم تعريفٍ منسجمٍ ومتكاملٍ عن عملهم، بقدر ما كانوا مهتمين بالمناقشات والمناظرات مع مختلف المذاهب والفرق وكذلك الأديان.
فعلم الكلام كان ممارسًا منذ بداية الدعوة الإسلاميّة على يد رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، ومن ثمّ أصحابه سواء في زمنه أم بعد رحيله، فهذا البغدادي (ت: 429هـ) يصف أمير المؤمنين عليهالسلام بأنّه أول متكلّم فيقول: «أوّل متكلّمي أهل السنّة من الصحابة علي بن أبي طالب لمناظرته الخوارج في مسائل الوعد والوعيد، ومناظراته القدرية في القدر والمشيئة والاستطاعة». ويشهد لذلك أيضًا ما ذكره التفتازاني (ت: 793هـ)، حيث قال: «ودخل علم علماء الصحابة بذلك]أي بالاعتقادات[ فإنّه كلام وإن لم يكن سمّي في ذلك الزمان بهذا الاسم».
وفي مقام التعريف الاصطلاحي قال الفاضل مقداد السيوري: «وعلم الأصول هو ما يبحث فيه عن وحدانية الله تعالى وصفاته وعدله، ونبوة الأنبياء والإقرار بما جاء به النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، وإمامة الأئمّةعليهمالسلام ، والمعاد».
سبق أن أشرنا إلى أنّ علم الكلام -بمعنى التأصيل والدفاع العقدي- ظهر مع ظهور الإسلام والدعوة النبوية من خلال الآيات القرآنية، والسلوك النبوي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، في الدعوة إلى الدين وتبيين أسسه، والإجابة عن الأسئلة الدينيّة والعَقَدية، وردّ الشبهات المثارة، واستمر بعده وتوسّع بسبب مختلف الظروف.
غير أنّ بداية تدوين هذا العلم وأسباب نشوئه كمنظومة مفاهيم متتالية ومسائل منتظمة، وكذلك بداية نحت هذا المصطلح لهذا العلم، تبقى غامضةً نوعًا ما، وقد اجتهد العلماء - كلٌّ بحسبه- لوضع فرضياتٍ في ذلك، نوجزها فيما يأتي:
يرى الغزالي (ت: 505هـ) أنّ الخلفاء الأوائل كانوا فقهاء، ولم تكن بهم حاجةٌ إلى وجود فقهاء يعينونهم، ولكن بعدما انتقلت الخلافة إلى أقوام تولوها بغير استحقاق ولا علم بالفتاوى والأحكام، احتاجوا إلى الفقهاء وإلى استصحابهم، فشرع الناس آنذاك في طلب علم الفقه لنيل الحظوة عند الخلفاء.
ثمّ ظهر بعدهم من الخلفاء من يسمع مقالات الناس في قواعد العقائد، ويخوض في المناظرات والجدل، فأكبّ الناس على علم الكلام وأكثروا فيه التصانيف، وزعموا أنّ غرضهم الذبّ عن الدين وقمع المبتدعين.
وأنت ترى أنّ هذا السبب ربما يكون من أسباب انتشار علم الكلام، لكنّه لم يذكر بداية نشأته، بل يدلّ على انتشار مسائل الكلام قبل هذه الفترة، ثمّ مالت قلوب بعض الخلفاء إليها فانتشر الاهتمام بالكلام.
أشار بعض المتكلّمين إلى أنّ ظهور البدع والفتن في الإسلام أدّى إلى نشوء علم الكلام، للإجابة عن الشهبات المثارة، وهؤلاء لم يذكروا ما هي تلك البدع، بل أطلقوا القول هكذا، ويمكن الوقوف عليها من خلال سائر النقاط.
يشير الشهرستاني (ت: 548هـ) إلى مجموعة خلافاتٍ سياسيةٍ عَقَديّةٍ ظهرت في صدر الإسلام، ثم يقول بعدها: «ثم طالع بعد ذلك شيوخ المعتزلة كتب الفلاسفة حين فسّرت في أيام المأمون، فخلطت مناهجها بمناهج الكلام، وأفردتها فنًّا من فنون العلم وسمّتها باسم الكلام». وتبعه ابن ميمون (ت: 600هـ) وقال بأنّ المعتزلة هم أوّل فرقةٍ من الإسلام ابتدأت بهذه الطريقة. كما يشير التفتازاني(ت: 793هـ) إلى أنّ المعتزلة أوّل فرقة أسّست قواعد الخلاف.
وأنت ترى أنّ نص الشهرستاني يشير إلى وجود مناهج كلامية قبل المعتزلة، غير أنّ المعتزلة أسّست منهجًا جديدًا، فهو يدلّ على مراحل متأخرة، كما أنّ نص التفتازاني غير دقيقٍ؛ إذ لا يذكر ما هي هذه القواعد التي أسّستها المعتزلة، وفي أيّ حقبةٍ زمنيةٍ كانت؟! وكذلك مدّعى ابن ميمون.
ولكن رغم هذا يحدّد طاش كبرى زادة (ت: 968هـ) ظهور علم الكلام على أيدي المعتزلة والقدرية في حدود المائة من الهجرة.
أشار إلى هذا السبب الجرجاني (ت: 816هـ) في معرض كلامه عن أسباب تسمية علم الكلام بالكلام، فقال: «أو لأنّ مسألة الكلام يعني قدم القرآن وحدوثه أشهر أجزائه وسبب أيضًا لتدوينه». وهو أيضًا يشير إلى التدوين دون النشأة.
ذهب إلى هذا الرأي ابن خلدون (ت: 808هـ) حيث يرى بأنّ الشارع كلّفنا الإيمان بالله تعالى وتنزيهه وتوحيده، وكذلك الإيمان بالنبوة والمعاد، وبيّن هذه الأمور كلّها في القرآن، وكذلك وردت في السنّة، وأخذ العلماء أدلّتهم منهما، غير أنّه عرض بعد ذلك خلاف في تفاصيل هذه العقائد بسبب وجود الآيات المتشابهة، فدعا ذلك إلى الخصام والتناظر والاستدلال بالعقل زيادة إلى النقل: «فحدث بذلك علم الكلام».
لاشكّ في أنّ ترجمة الفلسفة اليونانية إلى اللغة العربية، كان لها الدور الكبير في تطوّر علم الكلام، حتى إنّ بعضهم قسّم الكلام إلى مرحلتين: مرحلة ما قبل الترجمة، ومرحلة ما بعدها، فسمّى الأولى بالكلام عند المتقدّمين، والثانية بالكلام عند المتأخّرين. ومضى كلام الشهرستاني في أنّ المعتزلة خلطوا مناهج الفلسفة بمناهج الكلام، وسيأتي البحث عن التأثيرات الخارجية على علم الكلام، ونتطرّق إلى هذه المسألة لاحقًا.
لكنّ ابن ميمون اليهودي(ت: 600هـ) انفرد برأي خاصّ، وأرجع جميع ذلك إلى اليونانيين والسريانيين، ورأى أنّ علم الكلام كلّه مأخوذٌ من هناك، فقال: «واعلم أنّ كلّ ما قالته [فرق] الإسلام في تلك المعاني، المعتزلة منهم والأشعرية، هي كلها آراء مبنيةٌ على مقدّمات، تلك المقدّمات مأخوذةٌ من كتب اليونانيين والسريانيين الذين راموا مخالفة آراء الفلاسفة ودحض أقاويلهم، وكان سبب ذلك أنّه لما عمّت الملّة النصرانية لتلك الملل ... وكانت آراء الفلاسفة شائعةً في تلك الملل، ومنهم نشأت الفلسفة ونشأ ملوك يحمون الدين، رأوا علماء تلك الأمصار من اليونان والسريان، أنّ هذه دعاوى تناقضها الآراء الفلسفيّة مناقضةً عظيمةً بيّنة، فنشأ فيهم هذا علم الكلام، وابتدأوا ليثبتوا مقدماتٍ نافعةً لهم في اعتقادهم، ويردّوا على تلك الآراء التي تهدّ قواعد شريعتهم، فلما جاءت ملّة الإسلام ونقلت إليهم كتب الفلاسفة، نقلت إليهم أيضًا تلك الردود التي ألّفت على كتب الفلاسفة ... فتمسّكوا به وظفروا بمطلبٍ عظيمٍ بحسب رأيهم، واختاروا أيضًا من آراء الفلاسفة المتقدّمين كلّ ما رآه المختار أنّه نافع».
وأنت ترى ما في هذا الكلام من دعاوى دون إثباتها خرط القتاد، إذ الكتب المترجمة آنذاك مذكورةٌ ومدوّنةٌ ولم يرد فيها أسماء كتب النصارى العقدية المترجمة، علمًا بأنّ المسلمين آنذاك كان لهم نظامٌ عَقَديّ منسجم، وإن لم يتبلور بشكلٍ منتظم، يغنيهم عن الأخذ من النصارى، ثمّ إنّ موقف المتكلّمين كان سلبيًا تجاه النصارى، وقد خصّصوا فصولًا من كتبهم للردّ عليهم، فكيف يعقل اعتمادهم عليهم وتكوين علم الكلام بالاقتباس منهم؟!
ذكرنا عن ابن ميمون أنّ مقدمات الكلام أخذها المسلمون من النصارى عندما ردّوا على الفلاسفة دفاعًا عن العقيدة، فانتقلت هذه الكتب بعد عصر الترجمة وأخذها المسلمون ودوّنوا علم الكلام.
وقد وسّع المستشرقون هذه الفرية، فهذا المستشرق غولد تسهير يذكر التأثيرات المسيحية على علم الكلام، كما ينقل لنا الكسندر تريجر مجموعة أقوالٍ من المستشرقين أمثال كوك وتنوس تؤيد هذا المدّعى.
وسيأتي مزيد بيانٍ في المبحث الآتي حول علم الكلام والعلوم الأخرى.
ذهب إلى هذا الرأي المستشرق الألماني المعاصر فان اس، حيث يرى أنّ الأشخاص الذين كانوا يحملون تعليمًا دينيًا كانوا يسمّون في القرن الأول القرّاء، ثم بعد ذلك بدأ التمايز وتشعبوا إلى فقهاء ومفسرين ومتكلّمين، وكانت العلوم آنذاك تتناقل شفهيًا ومن خلال المحاضرة أو الدرس أو الخطبة والمناظرة: «كانت المناظرات هي الوسيلة الحاسمة في نشر وتكريس وجهات النظر الدينيّة، من هنا تطوّر فقه إسلامي بالمعنى الصحيح، علم الكلام».
ذهب إلى هذا الرأي المستشرق اليهودي غولد تسهير(ت: 1921م) حيث يقول: «كان الانقلاب الأموي أولى الفرص التي سنحت في الإسلام لإثارة مسائل
كلامية إلى جانب الحالة السياسية والدستورية الجديدة، للحكم على الأنظمة الجديدة، مع رعاية وجهة نظر المطالب الدينيّة».
ويشرح مدّعاه بأنّ بني أمية لم يكونوا متدينين ولا متظاهرين بالتقوى، وكانت حياتهم لا تحقّق ما كان ينتظره الأتقياء من رؤساء الدولة الإسلاميّة طبقًا لما روي من خصال للوالي في الحديث، ومع ذلك كان هؤلاء الحكام يرون أنفسهم على رأس الحكومة الدينيّة ومن البديهي «أنّ هناك فرقًا كبيرًا بين الطريقة التي كانوا يفهمونها عن حكومة الأمة الإسلاميّة وما كان ينتظره منهم الزهّاد».
ثمّ إنّ الأمويين كانوا يتعاملون مع من خرج عليهم معاملة الثائر على الإسلام؛ لذا «كان الأمويون إذا ما حاربوا العصاة المتمردين والثائرين الذين كانوا يثورون لأسبابٍ دينيّةٍ في رأيهم، كانوا يعتقدون يقينا بأنّهم من أعداء الإسلام، وأنّه من الواجب أو من صالح عظمة الإسلام وبقائه أن يؤدبوهم بالسيف».
ثمّ إنّه «كان من واجب الحزب الديني المتمسّك برأيه أنْ يحارب إلى النهاية أمثال هؤلاء الناس، أو على الأقل أنْ يتخذ بإزائهم موقفًا سلبيًّا». ومن هنا ظهرت إشكالية جديدة في أنّ مخالفي الشريعة هل هم كفّار أو مؤمنون رغم معصيتهم؟ فقد ظهرت فرقة المرجّئة جرّاء هذا الجدل . فهكذا ظهر علم الكلام الإسلامي عند غولدتسهير.
أشار غير واحدٍ من الباحثين إلى أنّ العامل السياسي كان له دورٌ بارزٌ في نشأة علم الكلام، وأنّ الكلام السياسي وُلد قبل الكلام العَقَدي أو الإيماني.
فقد مضى ما قاله غولدتسهير من أنّ الانقلاب الأموي، وما دار حوله من معنى الإيمان، وهل المذنب مؤمن أم لا؟ كان سبب ظهور علم الكلام وهو أمرٌ سياسيّ بامتياز؛ إذ الحاكم إذا كان كافرًا بارتكاب المعاصي فلا يستحقّ الخلافة ولا بدّ من عزله.
كما أنّ ماجد فخري يرى أنّ الصلة الوثيقة بين السياسة والدين في الإسلام، ولّدت منذ البداية مناظراتٍ دينيّةً سياسيةً معقّدةً مهّدت لها النزاعات السياسية الأولى، وإنْ أشار لاحقًا إلى عوامل أخرى في نشوء علم الكلام.
كما أشار الجابري إلى سبق العامل السياسي والكلام السياسي على علم الكلام العَقَدي أو الإيماني، لكن اختلف موقفه في تحديد هذا العامل؛ فتارةً جعله قضية التحكيم حيث قال: «بعد حادثة التحكيم التي أنهت الحرب بين علي ومعاوية، بدأ الكلام في السياسة بتوسط الدين، لقد كانت المواقف السياسية - وهي جزئية بطبيعتها- يبحث لها عن سندٍ عامٍّ من الدين، وكان ذلك أولى الخطوات التنظيرية التي أسّست ما سيطلق عليه فيما بعد اسم علم الكلام، وإذن فعلم الكلام في حقيقته التاريخية لم يكن مجرّد كلام في العقيدة، بل كان ممارسةً للسياسة في الدين».
لكنّه في مكانٍ آخر يستلهم من الشهرستاني ليجعل أوّل ممارسة الكلام هو ظهور الخلاف زمن النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والخلفاء الأوائل، ليجعل أوّل خلافٍ بعد زمن أمير المؤمنين هو الخلاف السياسي أولًا في الإمامة، وثانيًا مسائل القدر.
ذهب لفيفٌ من الباحثين إلى أنّ ظهور علم الكلام ونشأته، كان خليطًا من عوامل وأسباب مختلفة، تتفاعل هذه العوامل بين داخل البيئة الإسلاميّة (عوامل داخلية)، وخارجها (عوامل خارجية).
يرى الدكتور علي سامي النشّار (ت: 1980م) أنّ ميتافيزيقيا القرآن هي الفلسفة الإسلاميّة الحقيقية، وهي تبعًا للقرآن كانت فلسفةً عمليةً ترى السيطرة على الحياة وتملكها، ومنها تكوّن المذهب التجريبي الإسلامي، وهذه الفلسفة كانت نقيض الفلسفة اليونانية التي احتقرت التجربة والتجريب، فالمسلمون من اليوم الأول أدركوا أنّ مسائل الجوهر والماهية والكنه لم تكن مورد اهتمامهم، بل اهتموا فقط بالخواص.
كما أنّهم رأوا أنّ طبيعة عملهم الذي رسمه القرآن لهم هو تحقيق الأفعال الإنسانية، وتجنّب المسائل الاعتقادية الجدليّة، هذه هي نشأة الدراسات الفلسفيّة الإسلاميّة الحقّة- أو قل علم الكلام - حتّى تطورت بعد ذلك، ولكن تطوّرها كان أولًا في نطاق العمل فقط، فالإسلام عند النشّار لم يدع إلى قيام تفسير لميتافيزيقياه، ولكن حدثت مجموعة عوامل خارجية وداخلية لقيام هكذا تفسير بالاستناد إلى القرآن الكريم.
أما العوامل الخارجية فقد عدّها النشار كما يأتي:
1. اليهودية وما أحدثت من مناقشاتٍ عقليةٍ عنيفةٍ داخل المناخ الإسلامي،
2. المسيحية وما نجم من صراعٍ فكريّ خلافيّ في بداية الدعوة، وبعد وصول الإسلام
إلى الشام والعراق ومصر، حيث بدأ التفكير الفلسفي الحقيقي في الإسلام آنذاك،
3. الفلسفة اليونانية وما أحدثت من مسائل كان للإسلام أنْ يبيّن موقفه منها،
4. المذاهب الغنوصية الشرقية، وكانت من أخطر المذاهب.
فالمسلمون اتصلوا بكلّ هذه الثقافات، وبدأت بينهم وبينها مناقشاتٌ عدّة، وخلال هذه المناقشات تكوّنت العقائد الإسلاميّة الفلسفيّة أو علم الكلام.
أما العوامل الداخلية فهي:
1. العوامل السياسية إذ بدأت بعد وفاة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ،
2. العوامل اللغوية ولا سيّما المفاهيم القرآنية،
3. العوامل الاقتصادية من قبيل الاختلاف حول الكنوز، وأنّ المال هل هو مال الله أو مال المسلمين؟ وما استتبعه من ظهور فكرتي الجبر والاختيار.
أقول: هذه مجموعة أقوالٍ ذكرت في نشأة علم الكلام، وهي كما ترى لم تحدّد بالضبط تاريخ النشأة وسببها، والحق كما ذهبنا إليه أنّ علم الكلام نشأ وولد بميلاد الإسلام وبجهود رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم في تأصيل الدين الجديد، والإجابة عن الأسئلة المثارة وردّ الشبهات، أما مسألة تدوين الكتب فهو يرجع إلى مرحلةٍ متأخرةٍ لأسباب مختلفة، وأن يكون الحديث ممنوعًا من التدوين - وهو بمكانٍ من الأهمية - فضلًا عن غيره من العلوم، فهذا لا يعني عدم التداول الشفهي لبعض مسائل علم الكلام بعد وفاة النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فما تبنّاه أمير المؤمنين عليهالسلام في خطبه وكلماته الغرّاء من تبيين الموقف العَقَدي بحسب حاجة المجتمع الإسلامي، خير دليلٍ على تداول مسائل الكلام بين المسلمين آنذاك.
قد بات الجدل كبيرًا بين المتكلّمين وغيرهم من الفقهاء والإخباريين بل وحتى الفلاسفة والمتصوّفة، في شرعية علم الكلام أو ذمّه وحرمته، وكلّ واحدٍ يستند إلى أدلّةٍ لدعم مدّعاه، وقد تطوّر البحث من التشاجر اللفظي إلى التأليف وتدوين الكتب وإلى الحكم بالتضليل والتكفير، فكتب الأشعري (ت: 330هـ) استحسان الخوض في علم الكلام، وكتب عبد الله الأنصاري الهروي(ت: 481هـ) ذمّ الكلام، وكتب الغزالي(ت: 505هـ) إلجام العوام عن علم الكلام، وكتب السيوطي(ت: 911هـ) صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام، وهكذا تستمر القائمة قرنًا بعد قرن، وجيلّا بعد جيل.
وفي هذا الصدد يقول الغزالي (ت: 505هـ): «اعلم أنّ للناس في هذا غلوًّا وإسرافًا في أطراف، فمن قائل إنّه بدعة وحرام، وإنّ العبد إن لقى الله عزّ وجلّ بكل ذنب سوى الشرك خير له من أن يلقاه بالكلام، ومن قائل إنّه واجب وفرض، إمّا على الكفاية أو على الأعيان، وإنّه أفضل الأعمال وأعلى القربات، فإنّه تحقيق لعلم التوحيد، ونضال عن دين الله تعالى».
هذا الجدل كلّه يكشف عن عمق الخلاف بين التيارين: التيار المؤيّد، والتيار الناقد، وإنْ كان عمل التيار الناقد، ونوعيّة استدلالاته، هو صنعة كلامية بحدّ ذاتها أيضًا. ونحاول هنا تلخيص ما دار حول هذه المسألة، والاقتصار على أهمّ أدلّة النفاة مع الإشارة إلى بعض الملاحظات الجزئية على كلامهم.
استند الذامّون لعلم الكلام بأدلّةٍ عدّة:
من ذلك قوله تعالى: ﴿مَا ضَرَبُوهُ لَكَ إِلَّا جَدَلًا﴾(الزخرف: 58)، وكذلك قوله تعالى: ﴿وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ﴾(الأنعام: 68) وغيرها من الآيات.
يلاحظ عليه: أنّ الجدل على ضربين: جدل بالحقّ، وجدل بالباطل، أمّا الأوّل فهو مأمورٌ به ومحبّذ، وقد أمر الله تعالى نبيّه صلىاللهعليهوآلهوسلم في قوله: ﴿وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(النحل: 125)، وأمر الله تعالى جميع المسلمين: ﴿وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ﴾(العنكبوت: 46).
أما الجدل الباطل فهو الجدال في آيات الله لدفعها وإيقاع الشبهة فيها، كقوله تعالى: ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ يُجَادِلُونَ فِي آَيَاتِ اللَّهِ أَنَّى يُصْرَفُونَ﴾(غافر: 69).
أما الآية الثانية، فالمراد بالخوض فيها هو اللجاج والعناد وعدم الانصياع إلى الحقّ، وليس المراد منها النظر والاستدلال الصحيح، مضافًا إلى أنّ القرآن مليءٌ بمناظرات ومحاججات الأنبياء مع خصومهم.
تمسّك نفاة علم الكلام بمجموعة روايات زعموا أنّها تدلّ على ذم علم الكلام والنهي عنه، وقد صنّفها الهروي(ت: 481هـ) ضمن مجموعاتٍ، منها روايات تدلّ على أنّ الأمم السابقة لما خاصموا ضلّوا وهلكوا، وروايات كراهية تشقيق الكلام،
وروايات ذمّ الجدل والمراء، وروايات ذمّ الرأي، وغيرها من الروايات الكثيرة.
يلاحظ عليه أنّ بليّة منع تدوين الحديث من قبل جهاز الخلافة في صدر الإسلام، أدّى إلى فوضى عارمة عند أهل السنّة، إذ بعدما تمّ السماح للتدوين، امتزج كثيرٌ من المدخول بالصحيح، ولا سيّما أنّ أيام التدوين كانت محتدمةً بالصراعات السياسية والدينيّة، وكان كلّ تيارٍ يستشهد لنصرة مذهبه بالقرآن والسنّة، مضافًا إلى كثرة المتزلّفين لهذا أو ذاك، ممّا هيّأ مناخًا خصبًا لوضع الحديث لصالح هذا أو ذم ذاك، مضافًا إلى عروض النسيان للرواة والحفظة، ممّا أفقد النص قرائنه الحالية أو المقاليّة، وكان سببًا في التقديم والتأخير أو النقل بالمعنى.
فهذا زيد بن أرقم قد جاءه يزيد بن حيان وحُصين بن سبرة وعمر بن مسلم له بعدما مدحوه: حدثنا يا زيد ما سمعت من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، قال: يا ابن أخي والله لقد كَبِرَتْ سنّي، وقدم عهدي، ونسيت بعض الذي كنت أعي من رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم .
فهذه الروايات الذامّة لعلم الكلام أو لفئةٍ دون أخرى أو لتيارٍ خاص، التي دوّنت بعد مدةٍ طويلة، لا يمكن الاعتماد التام عليها، إلّا بعد الفحص والتدقيق، حتى إنّ الغزالي(ت: 505هـ) يقول في الروايات المنسوبة إلى النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم في الصفات، وما يلوح منها من تجسيمٍ وتشبيهٍ أو غيرهما، يقول: «وإنّما كثرت الروايات الشاذة الضعيفة التي لا يجوز التعويل عليها، ثمّ ما تواتر منها إنْ صحّ نقلها عن العدول فهي آحاد كلمات، وما ذكرصلىاللهعليهوآلهوسلم كلمة منها إلّا مع قرائن وإشارات يزول معها إيهام التشبيه، وقد أدركها الحاضرون المشاهدون، فإذا نقل
الألفاظ مجرّدة عن تلك القرائن ظهر الإيهام...».
ثمّ إنّ كثيرًا من هذه الروايات غير ناظرةٍ إلى علم الكلام، بل تخصّ الجدل والمراء مثلًا، وهما مذمومان سواء عند المتكلّم أم الفقيه أم المفسّر، أم إنّ بعضها يمكن تفسيره وتأويله بغير ما فهمه نفاة علم الكلام.
وعلى سبيل المثال يذكر الفخر الرازي (ت: 606هـ) ما تمسّكوا به من قول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «عَلَيْكُمْ بِدِينِ الْعَجَائِزِ» ويرى أنّ معناه تفويض الأمور كلّها إلى الله تعالى والاعتماد في كل الأمور على الله.
أما ما ورد عندنا فقد ذكر الشيخ الصدوق(ت: 381هـ) في كتابه (الاعتقادات) روايات تدلّ على النهي عن الجدل في الدين، وقد ردّ عليه الشيخ المفيد(ت: 413هـ)، وذكر روايات تدلّ على أمر الأئمّةعليهمالسلام بالمحاججة ومناظرة المخالفين، من قبيل قول الإمام الكاظم عليهالسلام لمحمد بن حكيم: «كَلِّمِ النَّاسَ وَبَيِّنْ لَهُمُ الْحَقَّ الَّذِي أَنْتَ عَلَيْهِ وَبَيِّنْ لَهُمُ الضَّلاَلَةَ الَّتِي هُمْ عَلَيْهَا».
يرى الغزالي(ت: 505هـ) أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم والصحابة بأجمعهم ما سلكوا في المحاجّة مسلك المتكلّمين في تقسيماتهم وتدقيقاتهم. كما نقل عن أهل الحديث قولهم: بأنّ الصحابة مع أنّهم أعرف بالحقائق، وأفصح بترتيب الألفاظ، ما سكتوا عن علم الكلام إلّا لعلمهم بما يتولّد منه من الشر، وإنّ ذلك لو كان من الدين لكان أهمّ ما يأمر به رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ويعلّم طرقه، ويثني عليه، وعلى أربابه، كما أنّ
مصطلحات الكلام أمثال الجوهر والعرض وغيرهما ما كانت معهودةً آنذاك.
ويلاحظ عليه أنّ القرآن مليءٌ بمحاججات الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مع مختلف الأديان والفرق والتيارات الفكريّة السائدة آنذاك في الجزيرة العربية، وهذا المقدار يكفي لإثبات جواز المحاججة في الدين.
مضافًا إلى أنّ عدم استخدام بعض الأدلّة أو بعض المصطلحات في الصدر الأوّل لا يدلّ على الحرمة؛ إذ إنّ الشبهات تطوّرت شيئًا فشيئًا، وكلّما اختلط المسلمون بأناسٍ مختلفين، حصل بينهما تأثيرٌ وتأثّرٌ متبادل، فالحاجة هي التي كانت تملي استخدام أدوات ومناهج جديدة.
ثمّ إنّ حال الكلام حال سائر العلوم الإسلاميّة التي نشأت وتطوّرت تدريجيًا وبمرور الزمن، ولحقها مصطلحاتٌ وأدلّةٌ لم تكن في الصدر الأول، كعلم الفقه والأصول وعلوم القرآن وما شاكل.
ينقل طاش كبرى زاده آراء أئمّة المذاهب الأربعة في نقد علم الكلام، فينقل عن أبي حنيفة أنّه نهى ابنه عن علم الكلام، وكذلك يذكر تراجعه عن علم الكلام بعدما كان مولعًا به، أما مالك فكان لا يجيز شهادة أهل البدع والأهواء أي أهل الكلام، وكان يرى الشافعي في أهل الكلام أنْ يُضربوا بالجريد ويُطاف بهم في العشائر والقبائل. أما أحمد كان يرى أنّ صاحب الكلام لا يفلح، وأنّ المتكلّم في قلبه مرض.
أقول: إنّ الإنسان إما أنْ يأخذ بكلام هؤلاء عن نظرٍ واستدلالٍ أو عن تقليد،
فإنْ كان الأول فهو المطلوب، فقد ثبت صحة الخوض والاستدلال، وإنْ كان الثاني فليس تقليد هؤلاء بأولى من تقليد غيرهم ممّن يجيز الخوض في علم الكلام، بل يوجبه. هذا أولًا.
وثانيًا: إنّ نهي هؤلاء السلف محمولٌ على أهل البدعة، أو المتعصّب في الدين، القاصر عن تحصيل اليقين، والقاصد إفساد عقائد المسلمين، أو إنّ المذموم عند الأئمّة إما الفلسفة التي اشتبهت بالكلام، وإمّا كلام أهل الاعتزال، وإمّا كلام يدخل صاحبه العجب والهوى.
يعتمد المنهج الكلامي على مجموعة مصادر مختلفة في عملية الإثبات والدفاع عن العقيدة والمعارف الدينيّة، وهذه المصادر هي:
المصدر الأوّل لعلم الكلام الإسلامي هو القرآن الكريم، إذ تكفّل رسم المعالم العامة للعقيدة الصحيحة التي يجب على كلّ مسلمٍ الالتزام بها .
المصدر الثاني هو الرسول الأمين الذي تعدّ سيرته القولية والفعلية العَقَديّة شرحًا وتوضيحًا وبسطًا للمصدر الأول.
المصدر الثالث هو العترة الطاهرة المتمثّلة بسيّدها أمير المؤمنين علي بن أبي طالب عليهالسلام ، إذ إنّه انتهل من ذلك المنهل العذب، وارتوى منه إثر التزامه الدائم به منذ نعومة أظفاره وإلى وقت انتقال الرسول الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى الملأ الأعلى. إذ كان يقول صلىاللهعليهوآلهوسلم : «وَقَدْ عَلِمْتُمْ مَوْضِعِي مِنْ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم بِالْقَرَابَةِ الْقَرِيبَةِ وَالْمَنْزِلَةِ الْخَصِيصَةِ
وَضَعَنِي فِي حَجْرِهِ وَأَنَا وَلِيدٌ يَضُمُّنِي إِلَى صَدْرِهِ وَيَكْنُفُنِي فِي فِرَاشِهِ وَيَمُسُّنِي جَسَدَهُ وَيُشِمُّنِي عَرْفَهُ وَكَانَ يَمْضَغُ الشَّيْءَ ثُمَّ يُلَقِّمُنِيهِ وَمَا وَجَدَ لِي كِذْبَةً فِي قَوْلٍ وَلاَ خَطْلَةً فِي فِعْلٍ ... وَلَقَدْ كُنْتُ أَتَّبِعُهُ اِتِّبَاعَ الْفَصِيلِ أَثَرَ أُمِّهِ يَرْفَعُ لِي فِي كُلِّ يَوْمٍ مِنْ أَخْلاَقِهِ عَلَمًا وَيَأْمُرُنِي بِالاِقْتِدَاءِ بِهِ وَلَقَدْ كَانَ يُجَاوِرُ فِي كُلِّ سَنَةٍ بِحِرَاءَ فَأَرَاهُ وَلاَ يَرَاهُ غَيْرِي وَلَمْ يَجْمَعْ بَيْتٌ وَاحِدٌ يَوْمَئِذٍ فِي الْإِسْلاَمِ غَيْرَ رَسُولِ اللَّهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم وَخَدِيجَةَ وَأَنَا ثَالِثُهُمَا أَرَى نُورَ الْوَحْيِ وَالرِّسَالَةِ وَأَشُمُّ رِيحَ النُّبُوَّةِ وَلَقَدْ سَمِعْتُ رَنَّةَ الشَّيْطَانِ حِينَ نَزَلَ الْوَحْيُ عَلَيْهِ صلىاللهعليهوآلهوسلم فَقُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ مَا هَذِهِ الرَّنَّةُ؟ فَقَالَ: هَذَا الشَّيْطَانُ قَدْ أَيِسَ مِنْ عِبَادَتِهِ إِنَّكَ تَسْمَعُ مَا أَسْمَعُ وَتَرَى مَا أَرَى إِلاَّ أَنَّكَ لَسْتَ بِنَبِيٍّ وَلَكِنَّكَ لَوَزِيرٌ وَإِنَّكَ لَعَلَى خَيْرٍ» .
وممّا يؤيد مصدرية العترة الطاهرة للعقائد الإسلاميّة وعلم الكلام، حديث الثقلين المتواتر الدال بألفاظه المختلفة والمتقاربة على أنّ رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم قد خلّف في الأمة كتاب الله والعترة، وأنَّهما لن يفترقا حتى يردا عليه الحوض، وأنّ المتمسك بهما لن يضل أبدًا.
وقد أشرنا الى هذا المصادر الثلاثة في مبحث المنهج النقلي حيث تدخل في ضمن الدليل النقلي.
المصدر الرابع هو العقل القويم الذي يُعدّ حجة الله الباطنة، وكما أنّ الحجج الأولى الظاهرة يمكن أن تُغيّب وتُقهر من قبل المناوئين - كما يشهد بذلك التاريخ- فهذه الحجة الباطنة يمكن أنْ تُقهر وتغيب أيضًا من قبل الأهواء والآمال فتصدّأ مرآتها ويخبو نورها، وهنا يأتي دور الحجة الظاهرة لترفع الستار وتنير المصباح.
وقد أشار أمير المؤمنين عليهالسلام إلى هذه الحالة فقال: «...فَبَعَثَ فِيهِمْ رُسُلَهُ، وَواتَرَ إِلَيْهِمْ
أَنْبِيائِهِ، لِيَسْتَأْدُوهُمْ مِيثاقَ فِطْرَتِهِ، وَيُذَكِّرُوْهُمْ مَنْسِىَّ نِعْمَتِهِ، وَيَحْتَجُّوا عَلَيْهِمْ بِالتَّبْلِيغِ وَيُثِيرُوا لَهُمْ دَفَائِنَ اَلْعُقُولِ» .
فالعقل عندما يستضيء بنور الإيمان، ويصدّق حجج الرحمن، يكشف الطريق الصحيح والسبيل القويم، إذ العقل آلة يعمل بحسب نوعية الوقود التي يتقد بها، فالوقود النوراني ينتج استدلالًا عقليًا صحيحًا، والوقود الظلماني ينتج إلّا المكر والشيطنة كما وصف أمير المؤمنين عليهالسلام معاوية بذلك. ويؤيد ذلك أيضًا ما ورد عنه عليهالسلام حيث قال: «وَ اِعْلَمْ أَنَّ لِكُلِّ عَمَلٍ نَبَاتًا وَكُلُّ نَبَاتٍ لاَ غِنَى بِهِ عَنِ الْمَاءِ وَالْمِيَاهُ مُخْتَلِفَةٌ فَمَا طَابَ سَقْيُهُ طَابَ غَرْسُهُ وَحَلَتْ ثَمَرَتُهُ وَمَا خَبُثَ سَقْيُهُ خَبُثَ غَرْسُهُ وَأَمَرَّتْ ثَمَرَتُهُ» . فالعقول التي تستقي من مياه العترة الطاهرة تجتني ثمارًا عطرة، والتي تستقي من مياهٍ آسنةٍ لا تنتج سوى الشبهات.
هذا فيما يخصّ النظريات، أمّا البديهيات العقلية فالكلّ يشترك فيها، وهي التي تدرك في البداية لزوم الخلق والنبيّ كي لايلزم الدور.
المصدر الخامس هو المقبولات والمشهورات، فالمقبولات هي القضايا المأخوذة ممّن يوثق بصدقه تقليدًا، وهو إمّا أنْ يكون نبيًّا وإمّا إمامًا، وإمّا من يوثق بعقله وخبرته من مختلف صنوف العلماء، فمنشأ الاعتقاد في هذه المقبولات وملاك القبول فيها هو التقليد. أما المشهورات فهي القضايا التي اشتهرت بين الناس وذاع التصديق بها عند جميع العقلاء أو أكثرهم أو طائفة منهم، فتدخل فيها الأوليات، والفطريات، واليقينيات، وكذلك المشهورات التي لا سبب في تصديقها سوى الشهرة، ولو خُلّي الإنسان وعقله لما حكم بها.
يُعدّ المنهج الفلسفي من المناهج المعتبرة في تفسير المنظومة الكونيّة، وقد أخذ بالانتشار في العالم الإسلامي بنحوٍ تدريجي على هامش سائر العلوم، ولم يصبح المنهج الغالب ولم يرقَ إلى مستوى المنهج الكلامي والنقلي، غير أنّه استمرّ في حياته شرق العالم الإسلامي وغربه، وهو وإن انحسر عند أهل السنّة وانقضى بعد ابن رشد، والهجوم الشرس الذي شنّه الغزالي في تكفير الفلاسفة وكذلك فتوى ابن الصلاح بحرمة تعاطي الفلسفة، غير أنّه استمرّ عند الشيعة وازدهر على يد ملّا صدرا إلى يومنا الحاضر.
ولا بد من التوقّف في عدّة محاور للتعرّف على المنهج الفلسفي، نحاول إيجازها في النقاط التالية:
كلمة (فلسفة) مأخوذةٌ من أصلها اليوناني (فيلوسوفيا) بمعنى محبّ الحكمة، وهي جهدٌ عقليٌّ لفهم الكون والوجود، وكانت تستخدم قديمًا بالمعنى العامّ الشامل لجميع العلوم العقليّة والتجريبيّة والرياضيّة، أمّا اليوم فقد انحسرت كثيرًا وانفصلت منها علوم كثيرة.
يرى الشيخ المطهري رحمهالله : «أنّ كلمة فلسفة بوصفها عنوانًا اصطلاحيًّا قد مرّت بتعريفاتٍ كثيرةٍ ومتعدّدة، فقد عرّفتها كلّ مجموعةٍ من الفلاسفة بتعريف مخصوص. إلّا أنّ هذا الاختلاف في التعاريف والتعابير لا يرجع إلى حقيقةٍ واحدةٍ؛ فكلّ مجموعةٍ استعملت هذا اللفظ في معنى مخصوص وعرّفته على أساسه، فإنّ ما يكون فلسفةً في نظر بعضٍ لا يكون كذلك في نظر غيرهم، فإنّهم إمّا أن ينكروا
(193)أهميّته، وإمّا يطلقوا عليه تسميةً أُخرى، أو يعدّوه جزءًا من علمٍ آخر».
علمًا بأنّ الفلسفة آنذاك كان لها معنى عامٌّ؛ إذ كانت تطلق على جميع العلوم العقليّة أعمّ من الإلهيّات والرياضيّات والطبيعيّات والسياسة والأخلاق وتدبير المنزل. وهذا ما صرّح به الفارابي بقوله: «إنّ موضوعات العلوم وموادّها لا تخلو من أن تكون إمّا إلهيّة، وإمّا طبيعيّة، وإمّا منطقيّة، وإمّا رياضيّة، وإمّا سياسيّة، وصناعة الفلسفة هي المستنبطة لهذه والمخرجة لها، حتّى أنّه لا يوجد شيءٌ من موجودات العالم إلّا وللفلسفة فيه مدخلٌ وعليه غرض»؛ لذا قال الكندي في تعريف الفلسفة إنّها «علم الأشياء بحقائقها بقدر طاقة الإنسان».
وقال الفارابي: «إنّها العلم بالموجودات بما هي موجودة». وقال ابن سينا: «الحكمة صناعة نظرٍ يستفيد منها الإنسان تحصيل ما عليه الوجود كلّه في نفسه، وما عليه الواجب ممّا ينبغي أنْ يكسبه فعله، لتشرف بذلك نفسه وتستكمل، وتصير عالمًا معقولًا مضاهيًا للعالم الموجود، وتستعدّ للسعادة القصوى بالآخرة، وذلك بحسب الطاقة الإنسانيّة». وقال الملّا صدرا: «إنّ الفلسفة استكمال النفس الإنسانيّة بمعرفة حقائق الموجودات على ما هي عليها، والحكم بوجودها تحقيقًا بالبراهين لا أخذًا بالظنّ والتقليد، بقدر وسع الإنسان، وإنْ شئت قلت: نظم العالم نظمًا عقليًّا على حسب الطاقة البشريّة ليحصل التشبّه بالباري تعالى». وقيل
أيضًا إنّها تعني «صيرورة الإنسان عالمًا عقليًّا مضاهيًا للعالم العيني».
وعليه فإنّ غاية التفلسف إنّما هو استكمال النفس، إذ النفس تستكمل إمّا عن طريق تحصيل العلم والمعرفة، وإمّا بسبب أنّ تحصيل المعرفة يعين الإنسان على معرفة الحسن والقبيح، وهذه الغاية تحصل عن طريق التعرّف على حقائق الموجودات كما هي، فلو كانت الصورة عندنا تتخالف مع الواقع لما حصل الاستكمال.
ثمّ ليست الفلسفة حصول أيّ نوعٍ من المعرفة لدى الإنسان، بل الملاك هو المعرفة البرهانيّة؛ لذا لم تكن المعرفة الحاصلة عن طريق الحسّ أو التجربة والوحي فلسفةً وإن طابقت الواقع، وبحسب وسع الإنسان وقدرته، وهذا لا يعطي العصمة للدليل البرهاني إذ ربّما يخطئ الفيلسوف في مقدّمات البرهان.
الفلسفة وليدة التفكّر العقلاني لدى الإنسان، وبهذا المعنى لم ينفك الإنسان عن التفلسف يومًا ما، وإنْ تبلور هذا التفلسف على يد اليونانيّين، غير أنّهم لم يكونوا مبدعين ولا مؤسّسين للفلسفة، بل سبقتهم المدارس الفلسفيّة الهنديّة والصينيّة والإيرانيّة.
وقد ذهب بعض أنصار الفلسفة إلى أنّها كانت بإلهامٍ من الله تعالى وبتعليم الأنبياء، وقد أرجع السهروردي الفلسفة إلى أمثال هرمس وأنباذقلس وفيثاغورس وأفلاطون واعتقد بنبوّة بعضهم. وذهب الشهرزوري إلى أنّ فيثاغورس أخذ الفلسفة من أصحاب سليمان في مصر. أمّا ملّا صدرا فيرى
أنّ الحكمة بدأت حياتها منذ نبي الله آدم عليهالسلام ، واستمرّت في حياتها على يد سائر الأنبياء: شيث وهرمس ونوح.
ولا يمكن إثبات هذه الدعاوي بسهولة، ولا سيّما لو علمنا مخالفة بعض تعاليم الفلسفة للأصول الثابتة دينيًّا، أو خروج بعض هؤلاء الفلاسفة عن حدود الأخلاق والأدب، إمّا في السلوك الفردي، وإمّا في التنظير الفلسفي والعمل السياسي.
ولكن الأصوب هو القول بأنّ التفكّر العقلي والتفلسف قرين الإنسان منذ نشأته، ووجدت مدارس فلسفيّة عدّة في مختلف أصقاع العالم، إلى أن انتهى التفلسف إلى اليونان وتطوّر على يديهم وانتظم.
نشأت الفلسفة في العالم الإسلامي جرّاء ترجمة كتب اليونان في عصر المأمون العباسي إثر رؤيا رآها وهو يحاور أرسطو، ثمّ بعدها كتب إلى ملك الروم وطلب منه نقل بعض الكتب إليه، وبعد وصولها أمر بترجمتها في بيت الحكمة.
ويرى بعض مؤرّخي الفلسفة أنّ الترجمة في البداية كانت من اللغة السريانيّة إلى العربيّة، ثمّ تحوّلت فيما بعد من اللغة اليونانيّة إلى العربيّة مباشرة وعدّوا من المترجمين كلًّا من: حنين بن إسحق، وقسطا بن لوقا، وأبي بشر متى، ويحيى بن عدي، ثابت بن قرّة، وأبي عثمان الدمشقي.
لاقت الفلسفة منذ دخولها إلى العالم الإسلامي معارضات كثيرة من قبل رواة
الحديث والمتكلّمين والمتصوّفة، فقد كتب هشام بن الحكم -من أصحاب الإمام الصادق عليهالسلام - كتابًا في الردّ على أرسطاطاليس في التوحيد، وكتب الشهرستاني (مصارع الفلاسفة)، وكتب الغزالي (تهافت الفلاسفة) وكفّرهم فيه، وكان كتابه هذا الضربة القاضية على الفلسفة عند أهل السنّة بعد ابن رشد.
والفلسفة وإن استمرّت عند الشيعة ولم تنتهِ مع ابن رشد، غير أنّها لم تسلم من النقد ولا سيّما من الأخباريّين، فقد كتب الملّا محمّد طاهر القمي (ق: 12) رسالةً بعنوان (حكمة العارفين في ردّ شبه المخالفين من المتصوّفين والمتفلسفين)، وكذلك (الفوائد الدينيّة في الردّ على الحكماء والصوفية)، ولكن رغم هذا فقد استمرّت الفلسفة عند الشيعة، وبلغت ذروتها على يد صدر المتألّهين واستمرّت بحياتها إلى اليوم.
وفي قبال هذا الهجوم قام الفلاسفة بالدفاع عن أنفسهم، وبيان وتوضيح مقاصدهم، فكتب المحقّق الطوسي (مصارع المصارع) في نقد الشهرستاني، وأجاب عن إشكالات الفخر الرازي على ابن سينا، كما كتب ابن رشد (تهافت التهافت) في الردّ على الغزالي، ومنهم من انبرى لبيان التوافق التامّ بين الدين والفلسفة كما في كتاب (جامع الحكمتين) لناصر خسرو، أو كتاب (فصل المقال في ما بين الحكمة والشريعة من الاتّصال) لابن رشد.
من الأمور التي يكرّرها دائمًا خصوم الفلسفة في العالم الإسلامي، وكذلك المستشرقون وغيرهم من مفكّري الغرب، هو التّشكيك في أصالة الفلسفة الإسلاميّة، فذهب كثيرٌ من مؤرّخي الفلسفة إلى أنّ تاريخ الفلسفة ينحصر في الغرب والباقي عيال عليه، وقد أورد مصطفى عبد الرازق أقوال بعض مفكّري
الغرب في ذلك، ومن جملة ما نقله عن تينمان في كتابه (المختصر في تاريخ الفلسفة) أنّ هناك عدّة أسبابٍ منعت المسلمين من الاهتمام بالفلسفة، وهي:
1. كتابهم المقدّس الذي يعوق النظر العقلي الحرّ،
2. حزب أهل السنّة، وهو حزب متمسّك بالنصوص،
3. أنّهم جعلوا لأرسطو سلطانًا على عقولهم من دون حسن التفهّم لمذهبه،
4. ما في طبيعتهم القوميّة من ميل إلى التأثّر بالأوهام.
ثمّ قال: «من أجل ذلك لم يستطيعوا أنْ يصنعوا أكثر من شرحهم لمذهب أرسطو وتطبيقه على قواعد دينهم الذي يتطلّب إيمانًا أعمى، وكثيرًا ما أضعفوا مذهب أرسطو وشوّهوه». وقد بلغ التعصّب بالمفكّر الفرنسي أرنست رينان مبلغًا من الشطط أنْ أدخل الأعراق في المعركة، وذهب إلى أنّ العرق السامي لا يفقه من الفلسفة شيئًا، بل إنّ فلسفته ليست إلّا اقتباسًا وتقليدًا للفلسفة اليونانيّة.
ويرى برتراند راسل أنّ المسلمين كانوا شرّاحًا للفلسفة اليونانيّة ليس أكثر، إذ يقول: «كان علماؤهم يقرأون باليونانيّة ويكتبون عليها الشروح... وكان العرب من ميدان الفلسفة شرّاحًا أقدر منهم مفكّرين أصيلين، وأهميّتهم لنا قائمة على كونهم هم الذين كانوا ورثةً مباشرين لتلك الجوانب من التراث اليوناني... ولقد عرف الغرب أرسطو عن طريق اتّصاله بالمسلمين في إسبانيا...» .
ومهما يكن من أمرٍ فنحن لا ننكر أنّ الفلسفة الإسلاميّة متأثّرةٌ بالفلسفة اليونانيّة، ولكن هذا لا يعني التبعيّة المحضة، وأنْ يصبح فلاسفة الإسلام شرّاحًا
للفلسفة اليونانيّة، بل إنّهم شرحوا فلسفة اليونان، وانتقدوها، وأضافوا عليها، وأحدثوا نظمًا فلسفيّةً مستقلّة.
وبهذا الصدد يقسّم الشهيد مطهري المسائل الفلسفيّة عند فلاسفة المسلمين إلى أربعة أقسام، فيقول:
1. المسائل التي بقيت على صورتها الأولى، ولم يمسّها يد التغيير من قبل المسلمين، أو حصل فيها تغييرٌ طفيف، ومن ذلك أكثر مسائل المنطق، ومبحث المقولات العشر، والعلل الأربعة، وتقسيمات العلوم، وقوى النفس عند أرسطو.
2. المسائل التي تمّ تكميلها في الفلسفة الإسلاميّة، بمعنى استحكام مبانيها وسهولة الاستدلال عليها من خلال إضافة بعض البراهين وما شاكل، وذلك من قبيل امتناع التسلسل، وتجرّد النفس، وإثبات الواجب وتوحيده، وامتناع صدور الكثير من الواحد، واتّحاد العاقل والمعقول، وغيرها.
3. الإضاءة على بعض المسائل المظلمة والمبهمة في الفلسفة اليونانيّة، فأصبحت واضحةً ومبرهنةً عند المسلمين، مع الحفاظ على عنوانها، إذ نرى تفاوتًا كبيرًا بين ما ورد عند اليونانيين وما ورد عند المسلمين. وذلك من قبيل علاقة الحركة بالعلّة، وعلاقة الله بالعالم، مسألة المُثُل الأفلاطونيّة، ومسألة صرف الوجود الواجبي، وأقسام التقدّم والحدوث، وأقسام الوحدة والكثرة وغيرها.
4. المسائل الإبداعيّة التي لم ترد عند اليونان، وتعدّ من إبداعات الفلسفة الإسلاميّة، وذلك من قبيل: أصالة الوجود، وحدة الوجود، والوجود الذهني، وأحكام الوجود السلبيّة، ومسألة الجعل، ومناط الحاجة إلى العلّة، وقاعدة بسيط الحقيقة، والحركة الجوهريّة، وتجرّد النفس في مقام الخيال، وانقسام العلم إلى تصوّر وتصديق لدى
الفارابي، وتقسيم القضايا إلى حقيقيّة وخارجيّة وذهنيّة عند ابن سينا وغيرها.
ويؤيّد رشدي راشد -مؤرّخ العلوم الإسلاميّة- هذه الرؤية فيقول: «علينا أنْ نرجع إلى تاريخ نشأة الفكر العلمي والفلسفي [عند العرب] ودور الأصول اليونانيّة فيه، عندئذٍ سنرى أنّ هذا النقل لم يكن نقل نسخٍ وتقليدٍ واستيعاب، ولكنّه كان نقل إصلاحٍ وتجديد، أدّى إلى خلق فكرٍ علميّ وفلسفيّ مبتكَر».
لقد طال السجال بين الفلاسفة والفقهاء والمحدّثين وبعض المتكلّمين حول علاقة الفلسفة بالدين، هل هي علاقة موافقة أم مخالفة أم معاضدة؟!
فالكندي (ت: 256) أوّل فيلسوف في الإسلام يشير في رسالته إلى المعتصم بالله العباسي حول الفلسفة إلى هذا الخلاف الحاد، ويندّد بمن كفّر الفلاسفة، ويصفه بعدم معرفة الدين ويقول:
«ذبًّا عن كراسيهم المزوّرة التي نصبوها عن غير استحقاق، بل للترؤّس والتجارة بالدين، وهم عدماء الدين؛ لأنّ من تَجَر بشيءٍ باعه، ومن باع شيئًا لم يكن له، فمن تَجَر بالدين لم يكن له دين، ويحقّ أنْ يتعرّى من الدين من عاند قُنية علم الأشياء بحقائقها وسمّاها كفرًا».
فهو هنا يكفّر أيضًا من طعن على الفلاسفة وكفّرهم ممّا يكشف شدّة الصراع في بدايات ظهور الفلسفة؛ لذا يقوم بمحاولة الدفاع والتبرير، وبيان توافق الدين والفلسفة وتعاضدهما، فنراه يقول في رسالته إلى أحمد بن المعتصم حينما سأله عن معنى سجود النجوم والشجر لله كما في القرآن:
«ولعمري أنّ قول الصادق محمّدصلىاللهعليهوآلهوسلم ، وما أدّى عن الله عزّ وجلّ، لموجود جميعًا بالمقاييس العقليّة التي لا يدفعها إلّا من حُرم صورة العقل، واتّحد بصورة الجهل من جميع الناس».
أمّا ابن سينا (ت: 427) فيقول في مقالته المعروفة عن (أقسام العلوم العقليّة) - بعد أنْ يسرد أقسام الفلسفة وأبوابها ــ: «فقد دللت على أقسام الحكمة، وظهر أنّه ليس بشيءٍ منها يشتمل على ما يخالف الشرع، فإنّ الذين يدّعونها ثمّ يزيغون عن منهاج الشرع، إنّما يضلّون من تلقاء أنفسهم، ومن عجزهم وتقصيرهم، لا إنّ الصناعة نفسها توجبه، فإنّها بريئة منه».
فهو هنا يؤيّد تلويحًا انحراف بعض الفلاسفة عن الشريعة، ولكن لا ينسب هذا الانحراف إلى الصناعة في الفلسفة، بل ينسبه إلى قلّة بضاعة المتعلّم للفلسفة، وإلّا فهي آلة صرفة للتفكير ولا يوجد فيها ما يخالف الدين، وإنّما تتّجه نحو ما يوجّهها المستفيد منها إنْ خيرًا فخيرًا وإنْ شرًّا فشرًّا.
وبالاتّجاه نفسه يحاول ابن رشد (ت: 595هـ) الجمع بين المعقول والمنقول، حيث يرى استحالة مخالفة النظر البرهاني للشرع؛ فإنّ الحقّ لا يضادّ الحقّ، بل يوافقه ويشهد له.
فإذا دلّ النظر على شيء، فلا يخلو الأمر من أنّ الشارع سكت عنه أو عرّف به، فإذا سكت عنه فلا كلام ولا تعارض، وإنْ نطقت الشريعة به، فإمّا أنّها نطقت بما يتوافق مع النظر وإمّا يخالفه، ففي الأولى لا تعارض أيضًا، أمّا في الثانية -أي المخالفة- يلزم تأويل الشرع.
ويظهر أنّ القرن الخامس كان محتدمًا بين الفلاسفة وأصحاب الشريعة لكثرة الكتب والرسائل المناهضة للفلسفة، وربّما أشدّ المعارضات كانت من قبل الغزالي (ت: 505هـ) حيث كفّر الفلاسفة، ففي تهافت الفلاسفة بعدما قسّم مسائل الفلسفة قال: «القسم الثالث ما يتعلّق النزاع فيه بأصلٍ من أصول الدين، كالقول في حدوث العالم وصفات الصانع، وبيان حشر الأجساد والأبدان، وقد أنكروا جميع ذلك، فهذا الفنّ ونظائره هو الذي ينبغي أنْ يُظهر فساد مذهبهم فيه دون ما عداه».
ويشتدّ على الفلاسفة في كتابه المنقذ في الضلال، وبعدما يصنّف الفلاسفة إلى دهريّين وطبيعيّين وإلهيّين، ويذكر أرسطو وأنّه ردّ على كثيرٍ من الفلاسفة الدهريّين، وبعده يقول: «إلّا أنّه استبقى أيضًا من رذائل كفرهم وبدعتهم بقايا لم يوفق للنزوع عنها، فوجب تكفيرهم وتكفير شيعتهم من المتفلسفة المسلمين كابن سينا والفارابي وغيرهما، ...ومجموع ما صحّ عندنا من فلسفة أرسطاطاليس -بحسب نقل هذين الرجلين- ينحصر في ثلاثة مسائل: 1. قسم يجب التكفير به، 2. وقسم يجب التبديع به، 3. وقسم لا يجب إنكاره أصلًا».
وبعدها يذكر أنّ ما يوجب التكفير هو ثلاث مسائل، وما يوجب التبديع سبعة عشر. أمّا ما يوجب التكفير فهو: 1. عدم حشر الأجساد، 2. عدم علم الله بالجزئيّات، 3. قدم العالم وأزليّته.
سنوافيك بيانه. طبعًا فإنّ الجدل بين الدين والفلسفة مستمرٌّ إلى يومنا الحاضر، ونحن نعتقد بلزوم تعلّم الفلسفة والاستفادة من المنهج الفلسفي للدفاع عن الدين أمام التيّارات الفلسفيّة المنحرفة والماديّة، حيث لا يمكن مقارعتها إلّا بالدليل العقلي والبرهاني.
ويحسن بنا أنْ نشير هنا إلى سؤالين:
ما هي الضرورة الداعية إلى استفادة الفلسفة من الدين؟ وما هي حاجة الفيلسوف إلى الدين؟
كيف يمكن للفيلسوف أنْ يستفيد من الدين في تفلسفه؟
أمّا الجواب عن السؤال الأوّل فيبتني على ثلاثة نقاط:
أوّلًا: إنّ الفلسفة الإسلاميّة تقع في أفق الدين، إذ إنّها تدور حول الله تعالى؛ لذا تسمّى بالفلسفة الأولى، غير أنّها تلج المسائل بالبرهان والدليل العقلي، وتستفيد من المعقولات الفلسفيّة الثانوية في تحليل المسائل وفهمها وعرضها.
ثانيًا: كون النظرة الأنطولوجيّة الدينيّة أفضل من النظرة الفلسفيّة، وذلك أنّ الفيلسوف المسلم، من خلال المقدّمات المسلّمة التي يتبنّاها، يصل إلى نتيجة مفادها تفضيل الرؤية الوجوديّة الدينيّة على الرؤية الفلسفيّة؛ لأنّه يرى أنّ الدين هو مخّ الحقيقة والمبيّن للواقع، فالفيلسوف يثبت ذات الباري تعالى وكذلك النبوّة، ويرى أن النبيّ هو العقل الكامل بل رتبته أعلى من العقل؛ فلذا تكون شريعته أرقى وأقدس ورؤيتها الأنطولوجيّة أفضل، ولا يمكن حصول تعارضٍ
بينهما، وإنْ حصل فالإشكال موجودٌ في مقدّمات البرهان لا الدين الحقّ.
ثالثًا: وجود النقص في عمل العقل، فرغم أنّ العقل طريق إلى الواقع، غير أنّ النواقص تعتريه أيضًا؛ لذا لا بد من الاستعانة بالدين، ويمكن الإشارة إلى هذه النواقص:
1. إنّ الأمور ما بعد الطبيعيّة أمورٌ غامضةٌ ومعقّدة ربّما لا يرقى إليها عقل الفيلسوف.
2. محدوديّة العقل البشري، إذ لا يمكنه السير للوصول إلى لوازم كلّ شيءٍ إلى ما لا نهاية. وهذا ما يفسح المجال لاحتمال الخطأ في الفكر.
3. إنّ فكر الإنسان يصل إلى الحقائق بالتدريج، وهناك حقائق لم يرقَ إليها ولم يشبعها بحثًا.
لذا يرى الفيلسوف ضرورة الرجوع إلى الدين للوصول إلى الحقائق المصونة من الخطأ والزلل.
أمّا الجواب عن السؤال الثاني حول كيفيّة استفادة الفلسفة من الدين، فنقول: إنّ الفيلسوف إذا أراد الاستفادة من القضايا والمعارف الدينيّة، لا يمكنه أنْ يجعلها مقدّمة البرهان هكذا ومن دون ترتيب مقدّمات خاصّة.
إذ الفيلسوف مقيّد بالمنهج العقلي والاعتماد على البرهان، فالقضايا الدينيّة غير المشتملة على الاستدلال العقلي والبرهان القياسي لا يمكنها أنْ تستعمل في الفلسفة، بل لا بدّ من عقلنتها أوّلًا، ثمّ الاستفادة منها. أي على الفيلسوف أنْ يعمد إلى إثبات القضايا الدينيّة بالبرهان أوّلًا لتتحوّل إلى قضايا فلسفيّة، ثمّ يستعملها ويستفيد منها في الفلسفة، حالها حال سائر القضايا الفلسفيّة. وإلّا لم تكن الفلسفة فلسفةً، ولم يكن منهجها عقليًّا، بل تصبح كسائر العلوم النقليّة التي تستعمل القضايا الدينيّة وتستشهد بها.
تنقسم الفلسفة الإسلاميّة بحسب المباني والمناهج المعتمدة إلى: مشائيّة، وإشراقيّة، ويمانيّة، وصدرائيّة. وفيما يلي نشير إلى كلٍّ منها.
تأخذ هذه الفلسفة مبانيها وأصولها الفكريّة ومنهجها العقلي من فلسفة أرسطو، وبما أنّ أرسطو كان يُعلّم في حالة المشي سمّيت فلسفته بالمشائيّة، وأُطلق على أتباعه في العالم الإسلامي الاسم نفسه.
ويُعدّ الكندي أوّل الفلاسفة المشائين في العالم الإسلامي، ويتلوه الفارابي وابن سينا وابن رشد وغيرهم، مع تفاوتٍ فيما بينهم من حيث معالجة القضايا والمسائل الفلسفيّة، واشتراكهم في الاعتماد على العقل البرهاني الاستدلالي حصرًا للوصول إلى المعارف.
إنّ الفيلسوف - لأجل الوصول إلى اليقين في المعارف - يتمسّك بالمنهج الفلسفي الذي يعتمد على القياس البرهاني دون القياس الجدلي والخطابي والأدبي الشعري والمغالطة. فهاجس الفيلسوف والمفكّر في تمسّكه بالمنهج الفلسفي إنّما هو الوصول إلى اليقين الحقيقي عن طريق البرهان.
ولا نقصد من اليقين هنا اليقين السيكولوجي النفسي، بل اليقين الواقعي في نفس الأمر، فاليقين النفس الأمري هو الاعتقاد والتصديق المطابق للواقع، وهو العلم والمعرفة الحقيقيّة التي تحكي عن الواقع وتكشف عنه.
لقد تحدّث ابن سينا عن البرهان كثيرًا؛ لأنّه عماد الفلسفة، وقيّد البرهان اليقيني بشروط ثلاثة لولاها لم يحصل اليقين. قال ابن سينا بهذا الخصوص: «إنّ
التصديق على مراتب، فمنه يقيني يُعتقد معه اعتقاد ثانٍ -إمّا بالفعل أو بالقوّة القريبة من الفعل- إنّ المصدّق به لا يمكن ألّا يكون على ما هو عليه إذا كان لا يمكن زوال هذا الاعتقاد فيه».
وقال أيضًا: «فالعلم الذي هو بالحقيقة يقين، هو الذي يُعتقد فيه أنّ كذا كذا، ويعتقد أنّه لا يمكن ألّا يكون كذا، اعتقادًا لا يمكن أن يزول».
وقال أيضًا: «العلم التصديقي هو أنْ يُعتقد في الشيء أنّه كذا، واليقين منه هو أنْ يُعتقد في الشيء أنّه كذا، ويعتقد أنّه لا يمكن ألّا يكون كذا، اعتقادًا وقوعه من حيث لا يمكن زواله، فإنّه إنْ كان بيّنًا بنفسه لم يمكن زواله، وإن لم يكن بيّنًا بنفسه فلا يصير غير ممكن الزوال أو يكون الحدّ الأوسط الأعلى أوقعه».
بيان ذلك: إنّ البرهان له شروطٌ ثلاثة للكشف عن الواقع والإيصال إلى اليقين، وهي:
الاعتقاد بالشيء وتصديقه. فتخرج بهذا الشرط الشعريّات.
الاعتقاد بأنّ نقيض هذا الشيء لا يمكن تحقّقه ولا يكون صادقًا. وبهذا الشرط تخرج التصديقات الظنيّة كالخطابة إذ احتمال صدق النقيض فيها جائزٌ، ولا ينتفي.
الاعتقاد بأنّ هذا الاعتقاد الثاني ثابتٌ ولا يزول.
والسبب في ثبات هذا المعتقد التصديقي وعدم زواله، هو أنّه إمّا أن يعتمد على الأوّليات - وهي التي يحصل التصديق بها بمجرّد تصوّر الموضوع والمحمول- وإمّا يعتمد على حدّ الوسط لينتفي النقيض؛ وبهذا القيد يخرج الجدل والسفسطة
والجهل المركب والمغالطة؛ فإنّها ليست يقينيّةً، بل شبه يقينيّة.
فالمنهج الفلسفي يعتمد البرهان، والبرهان قياسٌ يوصل إلى كشف الواقع، ويعطي المعرفة اليقينيّة؛ لأنّه يتكوّن من مقدّماتٍ يقينيّةٍ، إذ هي إمّا بديهيّة وإمّا تنتهي إلى البديهي، وإمّا نظريّات تمت البرهنة عليها سابقًا.
ثمّ إنّ المناطقة قسّموا البرهان إلى البرهان اللمّي والبرهان الإنّي. أمّا البرهان اللّمي فهو الاستدلال بالعلّة على المعلول، وعلى عكسه البرهان الإنّي، أي الاستدلال بالمعلول على العلّة.
ففي البرهان اللّمي يكون الحدّ الأوسط علّةً لثبوت الأكبر للأصغر، كما في المثال: هذه الحديدة ارتفعت حرارتها (الصغرى)، وكلّ حديدةٍ ارتفعت حرارتها فهي متمدّدة (الكبرى)، فهذه الحديدة متمدّدة (النتيجة)، فالحدّ الأوسط هنا أي (ارتفاع حرارة الحديدة) هو علّة لثبوت الحد الأكبر، أي (تمدّد الحديدة) للحد الأصغر (أي هذه الحديدة).
أمّا البرهان الإنّي الذي يكون الحدّ الأوسط فيه معلولًا للحدّ الأكبر في وجوده في الأصغر فمثاله: هذه الحديدة متمدّدة (الصغرى)، وكلّ حديدةٍ متمدّدة مرتفعة درجة حرارتها (الكبرى)، فهذه الحديدة مرتفعة حرارتها (النتيجة)، فهنا يكون الحدّ الأوسط (حديدة متمدّدة) معلولًا لإثبات كون الحدّ الأكبر (مرتفعة حرارتها) موجودًا في الحدّ الأصغر (هذه الحديدة).
وهناك نوعٌ آخر من البرهان الإنّي، وهو أنْ يكون الحدّ الأوسط والحد الأكبر كليهما معلولين لعلّةٍ واحدة، حيث يستكشف من وجود أحدهما وجود الآخر.
الأمر المنهجي الآخر الذي اهتمّ به الفلاسفة المشاؤون، تقسيم العلوم التي يتعاطاها الإنسان في حياته، فقد قسّم ابن سينا الحكمة إلى قسمين: قسم نظري، وقسم عملي، فالنظري يُراد منه حصول الاعتقاد اليقيني بحال الموجودات التي لا يتعلّق وجودها بفعل الإنسان، والعملي يُراد منه صحّة الاعتقاد بحصول أمرٍ يحصل بكسب الإنسان، أو قلّ حصول رأي لأجل عمل.
والحكمة النظريّة تنقسم إلى:
1. العلم الأسفل، ويسمّى العلم الطبيعي،
2. العلم الأوسط، ويسمّى العلم الرياضي،
3. العلم الأعلى، ويسمّى العلم الإلهي.
والحكمة العمليّة تنقسم أيضًا إلى ثلاثة: 1. الأخلاق 2. تدبير المنزل 3. السياسة.
وبعد هذا التقسيم الكلّي، يبدأ ابن سينا بتفكيك سائر العلوم الجزئيّة ليفرغها في هذه القوالب الكلّيّة، فيقول:
الحكمة الطبيعيّة قسمان: قسم يقوم مقام الأصل، وقسم يقوم مقام الفرع. أمّا ما يقوم مقام الأصل فثمانية:
1. قسمٌ به تعرف الأمور العامّة لجميع الطبيعيّات، مثل المادّة، والصورة، والحركة، والطبيعة، ويشتمل عليه كتاب الكيان.
2. القسم الثاني يُعرف به أحوال الأجسام التي هي أركان العالم، وهي السماوات والعناصر الأربعة وحركاتها... ويشتمل عليه كتاب السماء والعالم.
3. القسم الثالث يعرف منه حال الكون والفساد... ويشتمل عليه كتاب الكون والفساد.
4. القسم الرابع في الأحوال التي تعرض في العناصر الأربعة قبل الامتزاج لما يعرض لها من أنواع الحركات والتخلخل، فتشمل الشهب والنجوم والأمطار والرعد والبرق... ويشتمل على ثلاث مقالاتٍ من كتاب الآثار العلويّة.
5. القسم الخامس يعرف منه حال الكائنات، ويشتمل عليه كتاب المعادن، وهو المقالة الرابعة من كتاب الآثار العلويّة.
6. القسم السادس يُعرف منه حال الكائنات النباتيّة، وهو كتاب النبات.
7. القسم السابع يُعرف منه حال الكائنات الحيوانيّة، وهو كتاب طبائع الحيوان.
8. القسم الثامن يشتمل على معرفة النفس والقوى الدراكة، وهو كتاب النفس.
أمّا ما يقوم مقام الفرع من الحكمة الطبيعيّة، فهو: الطبّ، ومعرفة النجوم، وعلم الفراسة، وعلم التعبير، وعلم الطلسمات والنيرنجيّات أي تمزيج القوى في جواهر العالم الأرضي ليحدث عنها قوّة يصدر عنها فعل غريب، وكذلك علم الكيمياء أي سلب الجواهر المعدنيّة خواصّها، وإفادتها خواص غيرها، وإفادة بعضها خواص بعض ليتوصّل إلى اتّخاذ الذهب والفضّة من غيرها من الأجسام.
أمّا الحكمة الرياضيّة، فهي علم العدد والهندسة والهيئة والموسيقى.
ولكلّ واحدٍ من الحكمة الرياضيّة فروع، ففروع العدد: الجمع والتفريق بالهندي، وعمل الجبر والمقابلة، وفروع الهندسة: علم المساحة وعمل الحيل المتحرّكة وجرّ الأثقال وعلم الأوزان، وعلم المرايا والمناظر، وفروع الهيئة: الزيجات والتقاويم، وفروع الموسيقى: اتّخاذ الآلات العجيبة والغريبة.
أمّا الحكمة الإلهيّة فهي خمسة:
1. النظر في معرفة المعاني العامّة لجميع الموجودات، وتشمل الوحدة والكثرة، والوفاق والخلاف، والقوّة والفعل، والعلّة والمعلول.
2. النظر في الأصول والمبادئ مثل علم الطبيعيّين والرياضيّين وعلم المنطق.
3. النظر في إثبات الحقّ الأوّل وتوحيده، وأنّه واجب الوجود بذاته.
4. النظر في إثبات الجواهر الأول الروحانيّة التي هي مبدعاته وأقرب مخلوقاته منزلة عنده وهي الملائكة.
5. في تسخير الجواهر الجسمانيّة السماويّة والأرضيّة لتلك الجواهر الروحانيّة.
6. أمّا فروع الحكمة الإلهيّة فهي: معرفة كيفيّة نزول الوحي والمعاد.
فهذا التفكيك والتركيب يتناسب مع التعريف الذي قدّمه المشاؤون للفلسفة أي ليصير الإنسان مضاهيًا للعالم، فمن حاز هذه العلوم وتعرّف عليها وتمسّك بها في سلوكه العلمي والعملي، يصبح مضاهيًا للواقع الخارجي والعالم العيني.
تنسب الفلسفة أو الحكمة الإشراقيّة إلى مؤسّسها شهاب الدين يحيى بن حبش السهروردي (ت: 587هـ)، ولد السهروردي عام 549هـ، في سهرورد من توابع محافظة زنجان الإيرانيّة.
كان السهروردي في بداية شبابه وحياته الفلسفيّة مشائيًّا، ثمّ بعد مدّة وبعد حصول مكاشفات له تركها، وأسّس الحكمة الإشراقيّة، وبهذا الصدد يقول
هو: «وصاحب هذه الأسطر كان شديد الذبّ عن طريقة المشائين في إنكار هذه الأشياء، عظيم الميل إليها، وكان مصرًّا على ذلك لولا أن رأى برهان ربّه».
إنّ السهروردي أودع فلسفته الإشراقيّة في كتابه المهم (حكمة الإشراق)، فإنّه يقول في مقدّمة كتابه بعدما يشير إلى سائر كتبه المؤلّفة على طريقة المشائين: «وهذا سياقٌ آخر، وطريقٌ أقرب من تلك الطريقة، وأنظم وأضبط وأقلّ إتعابًا في التحصيل، ولم يحصل لي أوّلًا بالفكر، بل كان حصوله بأمر آخر، ثمّ طلبت عليه الحجّة حتّى لو قطعت النظر عن الحجّة مثلًا، ما كان يشكّكني فيه مشكّك».
فإنّه وإن لم يصرّح بالطريق الآخر، غير أنّه لم يكن سوى المكاشفات القلبيّة التي نالها بعد طول عناء في المجاهدة، ثمّ ألبسها لباس البرهان، فإنّها بالنسبة له صادقةٌ ويقينيّةٌ وإن لم يقم البرهان عليها، وهو يعترف بأنّها أُلقيت إليه من نافث قدسي: «وقد ألقاه النافث القدسي في روعي في يوم عجيب دفعة، وإنْ كانت كتابته ما اتّفقت إلّا في أشهر لموانع الأسفار».
علمًا بأنّ الفلسفة الإشراقيّة تمتاز عن غيرها بثلاثة مبانٍ وأسس:
1. المنهج الإشراقي 2. المحتوى الفلسفي المبتني على علم الأنوار 3. علم النفس الإشراقي، وما يهمّنا هنا الإشارة إلى المنهج.
لماذا سمّى السهروردي عمله بالحكمة الإشراقيّة، ولم يسمّها بسائر الألفاظ المترادفة التي استعملها كثيرًا في كتبه، من قبيل: النور، والتألّه، والكشف والشهود، والذوق وما شاكل؟!
إنّ شرّاح كتاب حكمة الإشراق عندما يصلون إلى كلام السهروردي: «وبعد اعلموا إخواني أنّ كثرة اقتراحكم في تحرير حكمة الإشراق». يذكرون وجهين في تفسير الإشراق: 1. الحكمة المبتنية على الكشف والشهود والإشراق 2. الحكمة التي نشأت من المشرق. وما يظهر من السهروردي نفسه هو الوجه الثاني حيث يشتمل على الوجه الأوّل أيضًا، فإنّه قال في مقدّمة كتابه: «وعلى هذا يُبنى قاعدة الشرق في النور والظلمة التي كانت طريقة حكماء الفرس... ومن قبلهم». وقاعدة الشرق -كما ورد عند شرّاح السهروردي- هي الأصول والقواعد الحكميّة المأخوذة من المشرق الجغرافي.
وممّا يدلّل على إرادة المشرق الجغرافي عند السهروردي، اعتراضه على ابن سينا وكتابه (منطق المشرقيّين) حيث يعتقد أنّه لا يختلف عمّا كتبه ابن سينا متأثّرًا بالفلسفة المشائيّة الأرسطيّة المغربيّة كثيرًا، ثمّ يقول: «ولا يتقرّر به الأصل المشرقي المقرّر في عهد العلماء الخسروانيّة».
فهناك تناسقٌ بين المشرق الجغرافي، والإشراق الشهودي، وهذا ما دعا السهروردي ليسمّي عمله بحكمة الإشراق، فالإشراق يشتمل على النور وهو أساس وعماد الفلسفة السهرورديّة، كما أنّه يدلّ على المنهج الإشراقي المبتني على الكشف والشهود، مضافًا إلى أنّه يلحظ علم النفس النوري القائل بأنّ النفس انسلخت من عالم النور، ووقعت في الظلمة، ولا بد أنْ ترجع إلى النور بالإشراق.
لقد اعتمدت الفلسفة الإشراقيّة على عدّة مصادر، وهذه المصادر أثّرت في صياغتها سواء على نحو التأثّر المباشر أم من خلال النقد والتحليل، وهذه المصادر سبعة:
كانت الفلسفة المشائيّة أيّام السهروردي هي الفلسفة الوحيدة التي تُدرس في الأندية العلميّة، كما أنّ السهروردي كان مشائيًّا في بدايات أمره -كما مرّ- وللفلسفة المشائيّة حضورٌ قويٌّ في الفلسفة والحكمة الإشراقيّة، بنحو أنّ من لم يعرف هذه الفلسفة لم يتمكّن من هضم الفلسفة الإشراقيّة، إذ الحكمة الإشراقيّة ولدت على هامشها وكانت في كثير من قضاياها امتدادًا وإصلاحًا ونقدًا لها.
يعتمد السهروردي كثيرًا على حكماء اليونان القدامى: أفلاطون ومن قبله؛ لذا نرى كثرة الاستشهاد بهم في كتبه، أمثال هرمس، وسقراط، وأفلاطون، وأغاثاذيمون، وأنباذقلس، وفيثاغورس.
وعلى سبيل المثال يقول في حكمة الإشراق: «وما ذكرته من علم الأنوار، وجميع ما يبتني عليه وغيره، يساعدني عليه كلّ من سلك سبيل الله عزّ وجلّ، وهو ذوق إمام الحكمة ورئيسها أفلاطون صاحب الأيد والنور، وكذا مَنْ قبله مِن زمان والد الحكماء هرمس إلى زمانه من عظماء الحكماء، وأساطين الحكمة، مثل أنباذقلس وفيثاغورس وغيرهما».
ولم يكتف بهذا، بل يحاول أنْ يدافع عن أخطائهم بقوله: «وكلمات الأوّلين مرموزة، وما رُدّ عليهم وإن كان متوجّهًا على ظاهر أقاويلهم، لم يتوجّه على مقاصدهم، فلا ردّ على الرمز».
تعدّ الحكمة الفهلويّة أو الفارسيّة من أهمّ المصادر في الحكمة الإشراقيّة، فإنّه أخذ منها نظام النور والظلمة والبحث عن أرباب الأنواع والملائكة، حتّى إنّه سمّى عمله بـ(علم الأنوار)، أو (فقه الأنوار). يقول السهروردي بهذا الصدد: «وكانت في الفرس أمّة يهدون بالحقّ وبه كانوا يعدلون، حكماء فضلاء غير مشبّهة المجوس، قد أحيينا حكمتهم النوريّة الشريفة التي يشهد بها ذوق أفلاطون ومن قبله من الحكماء في الكتاب المسمّى بحكمة الإشراق».
كما أنّه يتبرّأ من ثنويّة المجوس ويقول: «وعلى هذا يبتني قاعدة الشرق في النور والظلمة، التي كانت طريقة حكماء الفرس مثل جاماسب وفرشاوشتر وبوزرجمهر ومن قبلهم، وهي ليست قاعدة كفرة المجوس وإلحاد ماني، وما يُفضي إلى الشرك بالله تعالى».
لم يطّلع السهررودي بشكلٍ تفصيليّ على فلسفة حكماء الشرق: مصر، وبابل، والهند، والصين، كاطّلاعه على حكمة اليونان وإيران، ولكن مع هذا يظهر من طيّات كتبه أنّه كان مطّلعًا عليها إجمالًا، وتعدّ هذه الفلسفات من مصادره
العلميّة، وذلك لاعتقاده باتّحاد الخميرة الأولى للحكمة بين جمع الحكماء.
وعلى سبيل المثال يقول بعد ذكره للأنوار القاهرة: «وحكماء الفرس والهند قاطبة على هذا». ويقول في مكانٍ آخر: «قال بوذاسف ومن قبله من الشرقيّين: إنّ باب الأبواب لحياة جميع الصياصي العنصريّة الصيصة الأنسيّة». ويقول قطب الدين الشيرازي في شرحه على حكمة الإشراق إنّ بوذاسف كان من حكماء الهند، والمراد من الشرقيّين حكماء بابل والهند والصين وإيران.
إنّ العرفاء وإن لم يدخلوا في عداد الفلاسفة، غير أنّ تعريف السهروردي للحكمة يجعلهم أساس الحكمة، وورد التأكيد على ذلك في الرؤيا المناميّة التي رآها السهروردي والتي غيّرت مسار حياته الفكريّة والمعرفيّة، حيث رأى أرسطو وسأله عن أمثال با يزيد البسطامي والتستري وغيرهما من العرفاء، فاستبشر أرسطو وقال أولئك هم الفلاسفة والحكماء حقًّا.
فالسهروردي استخدم مصطلحات العرفاء كثيرًا، وقام بشرحها وتوضيحها والتعليق عليها، كما في رسالته كلمة التصوّف، قصة الغربة الغربيّة، كلمات ذوقيّة وغيرها.
يعدّ الدين من أهمّ مصادر السهروردي في فلسفته الإشراقيّة، وقد عمل على تطبيق المباني الفلسفيّة مع المباني الدينيّة، وعلى سبيل المثال فإنّه يعتمد على
النصوص الدينيّة في شرح وتفصيل ميتافيزيقا النور، فيعتمد على قوله تعالى: (اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ) وعلى قول النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إِنَّ لِلِّهِ سَبْعًا وَسَبْعِينَ حِجَابًا مِنْ نُورٍ ...».
ويقول بعد شرحه لنظريّة المُثل المعلّقة: «وهذا العالم المذكور نسمّيه: عالم الأشباح المجرّدة، وبه تحقّق بعث الأجساد والأشباح الربانيّة وجميع مواعيد النبوّة».
إنّ المصدر الأساسي في حكمة الإشراق، ما شاهده السهروردي بنفسه جرّاء السير والسلوك والرياضة، فمشاهداته هذه ربّما تعدّ اللبنة الأولى في معارفه وما بناه من الحكمة الإشراقيّة، فإنّه يعترف بذلك في مقدّمة كتاب حكمة الإشراق ويقول: «وما زلتم يا معشر صحبي... تلتمسون منّي أن أكتب لكم كتابًا أذكر فيه ما حصل لي بالذوق في خلواتي ومنازلاتي».
ويقول في مكانٍ آخر حول عمله: «ولم يحصل لي أوّلًا بالفكر، بل كان حصوله بأمرٍ آخر، ثمّ طلبت عليه الحجّة». فهو يصرّح بأنّه ألبس مشاهداته لباس الاستدلال، ويقول بخصوص نظريّته النوريّة: «وقد ألقاه النافث القدسي في روعي في يوم عجيب دفعة».
إنّ المنهج الإشراقي يعتمد على الكشف والشهود، كما يعتمد على البحث والنظر والاستدلال، إنّ مهمّة السهروردي القيام بعقلنة الكشف والشهود؛ لذا يدخل عمله ضمن مناخ الفلسفة، فلو اكتفى بالشهود من دون الاستعانة بالبرهان والاستدلال، لسار في مناخ العرفان لا الفلسفة؛ لذا نراه يقول في مقدّمة كتابه (حكمة الإشراق): «وكتابنا هذا لطالبي التألّه والبحث، وليس للباحث الذي لم يتألّه أو لم يطلب التألّه فيه نصيب... فمن أراد البحث وما فيه وحده، فعليه بطريقة المشائين...».
كما أنّه يعترض في مكانٍ آخر على المتفلسفة ويقول: «وبظهور مثل هذه المباحث انقطعت الحكمة، واندرست علوم السلوك القدسي، وانسدّ السبيل إلى الملكوت، وبقيت أسطر من أقاويل، واغترّ المتشبّهة بالحكماء بها، ظنًّا منهم أنّ الإنسان يصير من أهل الحكمة بمجرّد قراءة كتاب، دون أن يسلك سبيل القدس، ويشاهد الأنوار الروحانيّة».
فإذا عرفت هذا، فإنّ المباني التي يعتمد عليها المنهج الإشراقي، يمكن تلخيصها ضمن النقاط التالية:
يرى السهروردي أنّ الحكمة الحقيقيّة هي التي تعتمد على الكشف الحاصل من السير والسلوك والمجاهدة، مع لزوم عقلنة هذه المشاهدة، فالحكيم يحتاج إلى
بحث وإلى كشف، وبهذا الصدد يقول السهروردي: «فكما أنّ السالك إذا لم يكن له قوّةٌ بحثيّةٌ هو ناقص، فكذا الباحث إذا لم يكن معه مشاهدة آيات من الملكوت يكون ناقصًا غير معتبرٍ ولا مستنطق من القدس».
فالحكيم عند السهروردي هو المتألّه الذي يشاهد الأمور المتعالية ويتذوّقها، ويتوافق عقله وقلبه، أمّا الفيلسوف فمن حرم عن ذلك واكتفى بالبحث، يقول السهروردي: «فإذا أطلقت الفلسفة يعنى بها معرفة المفارقات والمبادئ والأبحاث الكلّيّة المتعلّقة بالأعيان، واسم الحكيم لا يُطلق إلّا على من له مشاهدة للأمور العلويّة، وذوق مع هذه الأشياء وتألّه».
إذا كانت الحكمة تعني الوصول إلى الواقع والحقيقة، فهي لا تكون في الواقع ونفس الأمر إلّا واحدة؛ لأنّ الواقع واحد، لذا فإنّ جميع الحكماء يدورون في فلك هذه الحكمة الواحدة، لذا يقول السهروردي: «وأودعنا علم الحقيقة في كتابنا المسمّى بحكمة الإشراق، أحيينا فيه الحكمة العتيقة التي ما زالت أئمّة الهند وفارس وبابل ومصر وقدماء يونان إلى أفلاطون يدورون عليها، ويستخرجون عنه حكمتهم وهي الخميرة الأوليّة».
فالحكمة تعتمد على الخميرة المقدّسة، وهي واحدة، ولا يكون الحكيم حكيمًا ما لم يطّلع عليها: «ولا يعدّ الإنسان في الحكماء ما لم يطّلع على الخميرة المقدّسة
وما لم يخلع ويلبس». كما يشير في كتابٍ آخر إلى لزوم السير والسلوك للوصول إلى الخميرة فيقول: «لا يكون الإنسان من الحكماء ما لم يحصل له ملكة خلع البدن والترقّي، فلا يلتفت إلى هؤلاء المتشبّهة بالفلاسفة المخبطين الماديّين، فإنّ الأمر أعظم ممّا قالوا».
هناك من يذهب إلى تعارض العقل والكشف، حيث إنّ العقل لمحدوديّته لا يرقى إلى مقام الشهود، فلا يمكنه تصديق المشاهدات، بل يراها متناقضة، كما هو الحال في موضوع الوحدة والكثرة في موضوعٍ واحدٍ فالعالم عند العرفاء واحد وكثير بالوقت نفسه، وهذا هو التناقض عند العقل.
أمّا السهروردي فيرى التّوافق بين أفق الذوق وأفق العقل والتّعامل فيما بينهما، وإذا حصل تعارضٌ بينهما فلا بدّ من وجود خلل إمّا في الشهود وإمّا في مقدّمات العقل، نعم من المحتمل ألّا يرقى العقل إلى بعض المعارف الشهوديّة فيسكت حيالها لا أن يحكم بالتّعارض والتّناقض، فإنّ التّناقض محال حتّى في طور الكشف والشهود والعرفان.
تُنسب الفلسفة أو الحكمة اليمانيّة إلى مؤسّسها السيّد محمّد باقر ابن الأمير شمس الدين الداماد، المولود في النصف الثاني من القرن العاشر الهجري، وعلى أكتافه
شُيّدت مدرسة أصفهان الفلسفيّة، وكان فيلسوفًا فقيهًا ومحدّثًا، ولسعة علومه لُقّب بالمعلّم الثالث، فالمعلّم الأوّل أرسطو والثاني الفارابي.
وهذا اللقب ورد في سؤال سائل سأله عن جواز تسمية الإمام الحجّة باسمه الشريف، حيث قال السائل في وصف السيّد الداماد: «ناقد الفلسفة اليونانيّة، وماهد الحكمة الحقّة اليمانيّة الإيمانيّة، ثالث المعلّمين».
وميرداماد هذا كان أستاذ صدر المتألّهين وله الفضل عليه والسبق في منهجه الفلسفي، ويعترف صدر المتألّهين بهذا ويقول في رسالة إلى أستاذه ميرداماد: «فإنّ استنادي في جميع الأمور إليه، وكلّ خيرٍ وصل إليّ من لديه». ويصفه في مكانٍ آخر بقوله: «أخبرني سيّدي وسندي وأستاذي واستنادي في المعالم الدينيّة، والعلوم الإلهيّة، والمعارف الحقيقيّة، والأصول اليقينيّة...».
لقد أطلق الميرداماد على فلسفته عنوان (الحكمة اليمانيّة)، وأعاد هذا العنوان في كثيرٍ من مباحثه، كما تنوّع في العبارات عند إطلاق هذا اللقب على نفسه من قبيل: (معلّم الحكمة اليمانيّة)، و(من حمل عرش تعليم الحكمة اليمانيّة)، و(ونحن حكماء الحكمة الحقيقيّة اليمانيّة)، و(مقنّن الحكمة الحقّة اليمانيّة)، و(من سنّ تقنين الحكمة اليمانيّة الإيمانيّة). وما شاكل.
لم يذكر الميرداماد سبب تسمية فلسفته بالحكمة اليمانيّة لنعتمد عليها، نعم له تعليقة كتبها بنفسه على عبارة من عبارات كتابه (الصراط المستقيم)، حيث قال في معرض ذكر طلب بعضهم بيان وشرح موضوع ربط الحادث بالقديم: «على
طريقتَيْ الفلسفة اليونانيّة والحكمة اليمانيّة، وتحقيق كلام الملّيّين والذبّ عنهم»
فكتب في التعليقة على كلمة المليّين: «أيّ الملّة الإسلاميّة على طريق الاقتباس من قوله صلىاللهعليهوآلهوسلم : «الإيمان يماني والحكمة يمانيّة»».
فربّما يكون سبب التسمية هو الاقتباس من هذا الحديث الشريف، ويرى هانري كوربان بأنّ التسمية مأخوذةٌ من المعنى الرمزي لليمن والحجر اليماني في الكعبة؛ لذا ورد في هذا الحديث الشريف كلمة الإيمان واليمن جنبًا إلى جنب.
وعنه أيضًا كما نقله السيّد حسين نصر أنّ المراد من الفلسفة اليمانيّة، الحكمة التي أنزلها الله تعالى إلى البشر بوساطة الأنبياء عن طريق الوحي أو الإشراق، واليمن تمثيل للجهة اليمنى أو جهة الشرق للوادي الذي سمع موسى منه كلام الله؛ لذا يكون الشرق منشأ الأنوار الإلهيّة في قبال الغرب مركز الفلسفة المشائيّة، فالغرب تمثيل للظلمة والانحطاط الفلسفي أو قل أصالة العقل.
هناك خلاف بين الباحثين في أنّ فلسفة الميرداماد هل هي مشائيّةٌ ليُحسب على المنهج المشائي؟ أم إشراقيّة ليُحسب على المنهج الإشراقي؟ إذ له إشاراتٌ وإرجاعاتٌ إلى كلا الفلسفتين، لا سيّما أنّ أسماء بعض كتبه وفصولها تشير إلى مدى تأثّره بالحركة الاشراقيّة، من قبيل: القبسات، والجذوات، والرواشح السماويّة، وهكذا.
ولكن حقيقة الأمر أنّ الميرداماد لم يكن مشائيًّا ولا إشراقيًّا بالمعنى الاصطلاحي،
بل شقّ لنفسه طريقًا ثالثًا يجمع محاسن من سبقه مع إضافاتٍ إبداعيّةٍ سمّاها بالحكمة اليمانيّة.
كان يرى ميرداماد أنّ الفلسفة اليونانيّة غير ناضجة، وبحاجةٍ إلى تعديل وتصحيح المسار، إنّها ليست حكمة بل شبح الحكمة كما قال في موضوع معرفة الماهية: «طريقة السطحيّين المشدوهين عن اللبوب بالقشور، وعن الأسرار بالظواهر في الفلسفة اليونانيّة أعني التي ليست هي الحكمة بالحقيقة، وإنّما هي شبح الحكمة، ولا هي حقيقة العلم، وإنّما هي شبيهة المعرفة».
ويقول أيضًا بعدما ينقل الأقوال حول وجود الزمان: «فهذه هي المذاهب المسلوكة في الأعصار السالفة قبل نضج الحكمة، حُكي عنها في طبيعي الشّفاء...».
وهذا يعني أنّ الفلسفة اليونانيّة بحاجةٍ إلى طبخ لتنضج، وهذا ما قام به ميرداماد، إذ يقول: «أمّا الحكمة النضيجة التي أُوتيتها من فضل ربي ورحمته، ويشبه أن تكون هي طبخًا للفلسفة اليونانيّة». فهذا الطبخ هو الذي نسخ الفلسفة اليونانيّة «الفلسفة المنسوخة اليونانيّة، والحكمة الناسخة اليمانيّة».
وهذا النضج لا يتحقّق إلّا عن طريق العقل والقلب، إذ لا يصل إليه الإنسان إلّا بإعمال القوّة العقليّة البحثيّة، زائدًا السير والسلوك وتهذيب النفس لكشف الآفاق، وهذا ما أكّد وأشار إليه ميرداماد مرارًا، إذ يقول على سبيل المثال: «وإذ قد نفضنا النفس نفضًا، ورفضنا الوهم رفضًا، فومضت لنا بارقة الحقّ ومضًا،
ورمضت ساهرة العقل رمضًا، فبلغنا بسلوك السرّ وصعود الروع حدًّا من تقويم الحكمة وترميم الفلسفة».
ويقول أيضًا: «استصباح ما حصّلناه من الحكمة اليمانيّة النضيجة المنضّجة بإنضاجات القوّة العقلانيّة ريثما أدّت إليه القياسات البرهانيّة، والإفاضات الربانيّة».
وكذلك قوله في مقدّمة كتابه تقويم الإيمان: «وما كنت مؤثّرًا إلّا قراح الحقّ، وصراح العلم، إمّا التقاطًا ممّا يهتف به صريح البرهان، وقويم الدليل، وإمّا استنباطًا ممّا تنطق به آيات القرآن الحكيم، وأحاديث تراجمة الوحي وخزنة التنزيل».
وعليه فإنّ المنهج الذي اتّخذه ميرداماد للولوج إلى معرفة الكون هو الاعتماد على البرهان العقلي، والكشف الناتج عن السير والسلوك، زائدًا النص المقدّس أي القرآن وروايات العترة الطاهرة، ومن هذه الأثافي الثلاثة صاغ فلسفته أو الحكمة اليمانيّة التي فتحت الطريق أمام الحكمة المتعالية، لتأخذ بهذا المنهج إلى ذروته. وهذا ما أشار إليه هانري كوربان أيضًا.
ولد صدر المتألّهين في مدينة شيراز الإيرانيّة عام (979هـ)، وتنقّل بين مختلف المدن طلبًا للعلم، وتتلمذ على يد كبار العلماء والمفكّرين والفلاسفة، أمثال الشيخ البهائي والميرداماد، إلى أنْ صار خبيرًا في الفلسفة اليونانيّة والإسلاميّة، وكذلك بالعرفان وعلم الكلام وسائر العلوم الإسلاميّة، ومن بين هذا الكمّ الهائل من العلوم والمعارف، وُلدت الحكمة المتعالية، واستمرّت بحياتها طيلة أربعة قرون، وأصبحت الفلسفة الحاكمة في الأندية العلميّة في عصرنا الراهن.
لقد جمع ملّا صدرا بين العقل والنقل والكشف، فكان منهجه في الحكمة المتعالية منهجًا بحثيًّا إشراقيًّا. ونقصد بالمنهج البحثي هو المنهج المعتمد على البحث والاستدلال لأجل الوصول إلى الحقائق، وذلك من خلال اعتماد الصغرى والكبرى، وكذلك اعتماد المبادئ الأوّليّة أو الموصلة إليها في مقدّمات الاستدلال، للوصول إلى نتائج صادقة وحقيقيّة، وهذا المنهج تمّ اعتماده في الفلسفة المشائيّة.
أمّا المنهج الإشراقي فهو المعتمد على الكشف والشهود للوصول إلى الحقائق، فكما أنّ البرهان والاستدلال يوصل إلى الواقع، فكذلك الشهود القلبي، بل هو أقوى وأفضل، وهذا المنهج هو المتبع في الفلسفة الإشراقيّة.
وقد حاول صدر المتألّهين الجمع بين هذين المنهجين في الحكمة المتعالية، من دون أن يخرج عن إطار الفلسفة والعمل الفلسفي، ليدخل في علم الكلام، أو
العرفان، أو التفسير، بل حافظ على تفلسفه، واستعان بهذين المنهجين. والسبب في هذا التركيب، أنّ العقل البحثي متصلبٍ وغير مرنٍ لو ترك وحاله، ولا يمكنه الوصول إلى الحقائق الأعلى من طور العقل، وهنا يأتي الشهود ليصير بصر العقل حديدًا، ويفتح له آفاقًا جديدة، وإلى هذا الجمع بين المنهجين يشير ملّا صدرا ويقول: «وألهمني... الحقائق المتعالية... قد اندمجت فيه العلوم التألّهيّة في الحكمة البحثيّة، وتدرّعت فيه الحقائق الكشفيّة بالبيانات التعليميّة».
وفي مكانٍ آخر يطلق صدر المتألّهين عنوان (البراهين الكشفيّة) على عمله، فهي من جهةٍ براهين استدلاليّة ومن جهةٍ أخرى كشفيّة: «علومنا هذه ليست من المجادلات الكلاميّة، ولا من التقليدات العامية، ولا من الأنظار الحكميّة البحثيّة والمغالطات السفسطيّة، ولا من التخيّلات الصوفيّة، بل هي من البرهانات الكشفيّة التي شهد بصحّتها كتاب الله وسنّة نبيّه وأحاديث أهل بيت النبوّة والولاية والحكمة سلام الله عليهم أجمعين».
ويقول في مكانٍ آخر داعمًا ضرورة الاستعانة بالكشف: «واعلم أنّ هذه الحقيقة وأمثالها من أحكام الموجودات لا يمكن الوصول إليها إلّا بمكاشفاتٍ باطنيّة، ومشاهداتٍ سرّيّة، ومعايناتٍ وجوديّة، ولا يكفي فيها حفظ القواعد البحثيّة، وأحكام المفهومات الذاتيّة والعرضيّة، وهذه المكاشفات والمشاهدات لا تحصل إلّا برياضاتٍ ومجاهداتٍ في خلوات، مع توحّشٍ شديدٍ عن صحبة الخلق، وانقطاعٍ من أعراض الدنيا وشهواتها الباطلة، وترفّعاتها الوهميّة، وأمانيها الكاذبة».
ومع تأكيد صدر المتألّهين على الكشف والشهود، فإنّه لا يعتقد بكفايته للعمل الفلسفي، بل لا بدّ من مزجه بالبحث والاستدلال ليكون عملًا فلسفيًّا، وإلّا سيدخل ضمن العرفان النظري، فهنا يلزم على الفيلسوف الكشفي أنْ يقولب مشاهداته في قالب البرهان والاستدلال، وذلك للزوم إثبات القضايا الفلسفيّة بالبرهان وإعمال العقل.
وتأييدًا لهذا الأمر يقول صدر المتألّهين: «لا يحصل كلامنا على مجرّد المكاشفة والذوق، أو تقليد الشريعة من غير ممارسة الحجج والبراهين، والتزام القوانين، فإنّ مجرّد الكشف غير كافٍ في السلوك من غير برهان، كما أنّ مجرّد البحث من غير مكاشفةٍ نقصان عظيم في السير».
فلا يمكن الاستفادة من الشهود القلبي في الفلسفة، وجعله مقدّمةً للاستدلال الفلسفي، إلّا بعد أنْ تتقولب هذه المعرفة الشهوديّة في قالب البرهان والاستدلال، ثمّ تصلح لتكون مقدّمةً للاستدلال الفلسفي؛ ولهذا تدخل الحكمة المتعالية في نطاق الفلسفة، وإلّا ستكون في عداد العرفان النظري، يقول ملّا صدرا: «من عادة الصوفيّة الاقتصار على مجرّد الذوق والوجدان فيما حكموه عليه، وأمّا نحن فلا نعتمد كلّ الاعتماد على ما لا برهان عليه قطعيًّا، ولا نذكره في كتبنا الحكميّة».
إنّ العرفان النظري لا يعتمد على الاستدلال والبحث؛ ولذا نرى العرفاء لا يعتمدون أيضًا على ذلك، وينقلون ما شاهدوه كما هو سواء وافق البرهان أم لم يوافقه، لزعمهم بأنّ طور العرفان أعلى من طور البرهان، ويرى صدر المتألّهين أنّ سبب ذلك يعود إلى أمرين، إمّا أنّهم لم يمارسوا البحث والنظر، وإمّا لكونهم
مستغرقين في الشهود ولم تحصل لهم الفرصة لإقامة البرهان؛ ولذا يقول بعد بيان مسألة الأعيان الثابتة وفقًا لما يقتضيه الإشراق والبرهان: «فهذا تقرير مذهبهم على الوجه الصحيح المطابق للقوانين الحكميّة البحثيّة، لكنّهم لاستغراقهم بما هم عليه من الرياضات والمجاهدات، وعدم تمرّنهم في التعاليم البحثيّة والمناظرات العلميّة، ربّما لم يقدروا على تبيين مقاصدهم، وتقرير مكاشفاتهم على وجه التعليم، أو تساهلوا ولم يبالوا عدم المحافظة على أسلوب البراهين، لاشتغالهم بما هو أهمّ لهم من ذلك؛ ولهذا قلّ من عباراتهم ما خلت عن مواضع النقوض والإيرادات، ولا يمكن إصلاحها وتهذيبها إلّا لمن وقف على مقاصدهم بقوّة البرهان وقدم المجاهدة».
ثمّ إنّ الأسباب التي دعت ملّا صدرا لاتّخاذ هذا المنهج البحثي الإشراقي عديدة منها:
وجود النصوص الدينيّة المؤيّدة للعلوم الباطنيّة كقوله تعالى في حقّ الخضرعليهالسلام : (عَلَّمْنَاهُ مِنْ لَدُنَّا عِلْمًا)(الكهف: 65). أو في الحديث: «من أخلص لله أربعين يومًا فجّر الله ينابيع الحكمة من قلبه على لسانه».
الدعوة إلى التعقّل واستعمال العقل، وهي كثيرة في القرآن والسنّة كقوله تعالى: (أَوَلَمْ يَنْظُرُوا فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَمَا خَلَقَ اللهُ مِنْ شَيْءٍ)(الأعراف: 185) أو قول المعصوم في الرواية: «أصل معرفة الله توحيده، ونظام توحيد الله نفي الصفات عنه، لشهادة العقول أنّ كل صفة وموصوف مخلوق».
وجود الأرضيّة العلميّة السابقة: إنّ الفلاسفة منذ ابن سينا بدأوا بالتدريج
للاتّجاه إلى الإشراق بنحوٍ بطيءٍ وبسيط، ثمّ تطوّر الأمر عند السهروردي، وبلغ ذروته عند صدر المتألّهين، فملّا صدرا لم يبدأ عمله من الصفر، بل كانت هناك أرضيّةٌ علميّةٌ مهّدت له الطريق.
الاستفادة من العرفان النظري ولا سيّما عرفان ابن عربي، حيث أحسن ملّا صدرا الاستفادة منه، الأمر الذي لم يكن متاحًا لابن سينا ولا السهروردي.
إنّ المنهج الذي اتّبعه صدر المتألّهين في حكمته المتعالية، يعتمد على عدّة مبانٍ نوجزها فيما يلي:
يرى صدر المتألّهين أنّ البرهان الحقيقي المعتمد على العقل المنوّر، لا يمكن أنْ يخالف الكشف، وإنْ كانت ثمّة مخالفة فإنّها ترجع إلى وجود الخلل في مقدّمات البرهان، أو من قبيل مخالفته العقل النازل للكشف لا العقل الحقيقي. إنّ حجّيّة العقل والكشف ذاتيّة والذاتي لا يختلف: «البرهان الحقيقي لا يخالف الشهود الكشفي».
إنّ العقل عند ملّا صدرا محدود، وليس له أنْ يرقى إلى مراتب متعالية لوحده؛ لذا ربّما لا يتمكّن من تشخيص الحدّ الأوسط بشكلٍ دقيق، فيقع في الخطأ والزلل، ولأجل هذا القصور في ساحة العقل يفتي بلزوم تنوير العقل عن طريق الكشف والشهود، فالعقل المنوّر بالكشف يمكنه الرقيّ إلى المراتب العليا، وجرّاء هذا الرقي والتنوير يمكنه إقامة البرهان على المعارف والحقائق من دون أن يقع في الخطأ والزلل.
ومن تلك الأمور التي لا يرقى إليها العقل مسألة المعاد، يقول صدر المتألّهين بهذا الصدد: «ومن جملة الأشياء التي لا يمكن أنْ يصل إلى معرفتها الإنسان بمغالطته البتراء، وبصيرته الحولاء، بل إدراكه يحتاج إلى ولادةٍ ثانيةٍ، وفطرةٍ مستأنفةٍ، وطورٍ آخر من العقل، هي أمور القيامة وأحوال الآخرة».
يرى ملّا صدرا أنّ العمل الفلسفي إنّما هو عملٌ عقلي، وإذا أراد الإنسان أن يكون نتاجه العلمي فلسفيًّا لا بدّ أن يسلك الطريق المعهود في الفلسفة، وإلّا سوف لا يكون عمله فلسفة، بل سيكون إمّا علم كلامٍ، وإمّا عرفانًا نظريًّا أو غيرهما؛ لذا يقول ملّا صدرا: «لا يحصل كلامنا على مجرّد المكاشفة والذوق أو تقليد الشريعة من غير ممارسة الحجج والبراهين، والتزام القوانين، فإنّ مجرّد الكشف غير كافٍ في السلوك من غير برهان، كما أنّ مجرّد البحث من غير مكاشفةٍ نقصانٌ عظيمٌ في السير».
الأمر الأخير الدخيل في المنهج الصدرائي، ويدخل ضمن مبانيه الأساسيّة، لزوم الاستمرار بالرياضات والمجاهدات الشاقّة، للوصول إلى كشفٍ صحيحٍ خالٍ من الشوائب، وهذا ما أكّد عليه في كثيرٍ من كتبه وأبحاثه، فقال رحمهالله : «واعلم أنّ هذه الدقيقة وأمثالها من أحكام الموجودات، لا يمكن الوصول إليها إلّا بمكاشفاتٍ باطنيّةٍ، ومشاهداتٍ سريّة، ومعايناتٍ وجوديّة، ولا يكفي فيها حفظ القواعد البحثيّة، وأحكام المفهومات الذاتيّة والعرضيّة، وهذه المكاشفات والمشاهدات لا تحصل إلّا برياضاتٍ ومجاهداتٍ في خلواتٍ مع توحّشٍ شديدٍ عن صحبة
الخلق، وانقطاعٍ من أعراض الدنيا وشهواتها الباطلة، وترفعاتها الوهميّة، وأمانيها الكاذبة».
للعرفان تاريخٌ طويل في العالم الإسلامي، يرجعه بعض الباحثين إلى التعاليم المعنويّة الموجودة في القرآن الكريم وروايات الأئمّة عليهالسلام ، ناهيك عن أنّ السلاسل الصوفيّة تنسب نفسها إلى أمير المؤمنين عليهالسلام ، وإلى هذا أشار ابن أبي الحديد في مقدّمة شرحه على نهج البلاغة حيث قال: «ومن العلوم علم الطريقة والحقيقة وأحوال التصوّف، وقد عرفت أنّ أرباب هذا الفنّ في جميع بلاد الإسلام، إليه ينتهون وعنده يقفون، وقد صرّح بذلك الشبلي والجنيد وسري وأبو يزيد البسطامي وأبو محفوظ معروف الكرخي وغيرهم. ويكفيك دلالة على ذلك الخرقة التي هي شعارهم إلى اليوم، وكونهم يسندونها بإسنادٍ متّصلٍ إليه عليهالسلام ».
وإذا قسّمنا العرفان إلى عملي ونظري، فإنّ جذور العرفان العملي موجودةٌ في روايات الأئمّةعليهمالسلام وأدعيتهم، فالمناجاة الواردة في الأدعية، والأوصاف المذكورة فيها للإنسان أمام خالقه، وكذلك الروايات الزهديّة والآمرة بتهذيب النفس والجهاد معها، كلّها تعاليم عرفانيّة عمليّة، أمّا العرفان النظري وتدوينه بشكلٍ منسجمٍ فيرجع تأسيسه إلى ابن عربي، ولا قبل هذه المرحلة إلّا على نحو كتاباتٍ متفرقةٍ وغير منسجمةٍ في نظامٍ معرفيّ متكامل.
ونحن هنا نشير إلى المنهج العرفاني بنحوٍ عامّ، ليشمل العملي والنظري، وإنْ كان تخصيصه بالنظري أولى؛ كونه يعطي نظرةً أنطولوجيّةً قابلةً للاستدلال
والاقتداء. بخلاف العرفان العملي الذي ليس هو إلّا سلوكًا زُهْديًّا خاصًّا، وربّما يختلف من شخصٍ إلى شخصٍ آخر، ومن تيّار إلى تيّارٍ غيره.
العرفان أو التصوّف - مع قطع النظر عن جذوره في الثقلين - نشأ في العالم الإسلامي في وقتٍ مبكّر؛ إذ إنّ اصطلاح الصوفي أُطلق في القرن الثاني الهجري على أشخاصٍ من قبيل أبي هاشم الصوفي، وسفيان الثوري، ولقد أرجع المستشرقون القدامى نشأة التصوّف إلى التأثّر بالثقافات الهنديّة والمسيحيّة والغنوصيّة والأفلاطونيّة المحدثة، غير أنّ الدراسات اللاحقة أبدت زيف هذا المدّعى، وأثبتت أصالة العرفان في الثقافة الإسلاميّة. لكن العرفان الإسلامي في سيره التطوّري، وبعد اطّلاعه على الحركات الباطنيّة الأخرى، وهضمه لهذه التيّارات وما أبدته مع علومٍ ومعارف صحيحة، طوّر ذاته في غنائه وتراثه المعرفي.
ويمكن إقامة عدّة شواهد على وجود جذور العرفان في الثقلين:
أوّلًا: ما صرّح به كبار العرفاء من أنّ ما عندهم وما بأيديهم إنّما كان بمتابعة القرآن والسنّة، يقول جنيد البغدادي: «الطرق كلّها مسدودة على الخلق إلّا من اقتفى أثر الرسول، واتّبع سنّته، ولزم طريقته». وعنه أيضًا: «من لم يحفظ القرآن، ولم يكتب الحديث، لا يُقتدى به في هذا الأمر؛ لأنّ علمنا مقيّدٌ بالكتاب والسنّة».
ثانيًا: إنّ كثيرًا من المصطلحات العرفانيّة المستعملة في قاموسهم، يمكن استكشافها من نصوص القرآن والسنّة.
ثالثًا: إنّ وجود الأرضيّة المناسبة، ووجود الجذور العرفانيّة في الكتاب والسنّة، كان دافعًا مهمًّا لقيام الأشخاص بالسير والسلوك.
ثمّ إنّ العرفان شهد ثلاثة أدوار في العالم الإسلامي:
الدور الأوّل: من ظهور العرفان بوصفه تيّارًا ثقافيًّا مستقلًّا في أواخر القرن الثاني الهجري، حتّى ظهور ابن عربي. يمتاز هذا الدور بالعناية بالعرفان العملي إذ لم يتبلور العرفان النظري فيه بشكلٍ منسجم؛ لذا لم نشهد كتابًا أو رسالة في العرفان النظري خلال هذه المدة مع وجود وفرةٍ في الرسائل المتعلّقة بالعرفان العملي، مثل كتاب منازل السائرين للخواجه عبد الله الأنصاري.
الدور الثاني: من ظهور ابن عربي إلى بداية ظهور صدر المتألّهين، حيث بلغ العرفان النظري ذروته، وأصبح منظومةً منسجمةً في تفسير الكون بالابتناء على نظريّة وحدة الوجود والكشف والشهود.
الدور الثالث: من ظهور صدر المتألّهين إلى عصرنا الراهن، حيث اختلط العرفان النظري بالفلسفة البحثيّة، وتبنّى تلامذته الدفاع عن العرفان النظري وشرحه وبيانه في ظلّ الحكمة المتعالية.
لقد قسّم العرفاء العرفان إلى قسمين:
القسم الأول: العرفان العملي الذي يهتمّ بالسير والسلوك وتهذيب النفس للوصول إلى الكمال النهائي، وهنا يتعرّف السالك على المنجيات والمهلكات، وما يوجب القرب وما يسبّب البعد عن الساحة الربوبيّة، كما يكون الاهتمام
(232)بأعمال الجوانح أكثر من أعمال الجوارح، إذ إنّ الاهتمام بالجوارح أمرٌ مفروغٌ عنه في العرفان الصحيح، ولكن المهمّ هو السلوك القلبي فالعرفان العملي هو مجموعة أوامر وقواعد تتعلّق بأعمال وأحوال القلب، يوجب متابعتها حصول الكمال النهائي والوصول إلى مقام الفناء ومشاهدة الحقّ.
القسم الثاني: العرفان النظري وهو تفسير وتوضيح الحقائق والمعارف التوحيديّة -أي الوحدة الشخصيّة ولوازمها- التي شاهدها العارف. وموضوعه هو الحقّ تعالى إذ هو الحقيقة المحضة الموجودة في الكون، والباقي كلّه تجلّيات وتعيّنات وشؤون تلك الحقيقة الواحدة.
علمًا بأنّ هناك ترابطًا قريبًا بين العرفان العملي والنظري؛ إذ إنّ الحقيقة التي تكون عماد وأساس العرفان النظري، تنتج من الطريقة والسير والسلوك، بمعنى أنّ العرفان النظري يتعامل مع الحقائق والمعارف الحاصلة من سلوك العارف ومشاهداته. فالعرفان العملي سلوك عملي للوصول إلى الحقيقة المحضة، والعرفان النظري سلوك معرفي لترجمة تلك الحقيقة.
رغم وجود تيّار العرفان العملي في العالم الإسلامي، يمكن طرح سؤال عن سبب ظهور العرفان النظري، وفي مقام الإجابة نشير إلى عدّة عوامل أدّت إلى ذلك:
1. إنّ مراحل السير والسلوك في العرفان العملي، تؤدّي لا محالة إلى الكشف والشهود، فالسالك يصل في سلوكه إلى مقام الفناء في الله والبقاء بعد الفناء، وبهذا يجرّب وحدة الوجود، ووحدة الوجود هذه تعطي منظومةً أنطولوجيّةً كونيّة، فهي في البداية كانت ساذجةً من حيث التعبير عنها والاستدلال عليها، غير أنّ التنظير لها يكتمل على يد ابن عربي.
2. المعارف والحقائق التوحيديّة الكثيرة الموجودة في نصوص الثقلين، فالعارف متمسّك بها بشدّة، ومن خلالهما يبدأ رحلته إلى أنْ يصل إلى مقام التنظير لها في العرفان النظري بعد الكشف والشهود.
3. العامل الثالث هو عامل جانبي، وهو وجود تيّار أنصار علم الكلام في الدور الأوّل، إذ هو العلم الوحيد المدافع عن التوحيد؛ لذا كان العرفاء أمام تيّارٍ منافس، ومن هنا نرى التعارض بين الصوفيّة الأوائل مع المعتزلة، أمّا الكلام الأشعري وإن حصل تقارب بينهما في القرن الثالث والرابع، غير أنّهما افترقا فيما بعد، فهذا التّعارض بين الكلام والعرفان، ثمّ بين العرفان والفلسفة المشائيّة، أدّى إلى بلورة المصطلحات والمباني العرفانيّة بالتدريج، وضمن منظومةٍ مستقلةٍ، وهو ما يسمّى بالعرفان النظري، ولا سيّما في موضوع التوحيد ومسألة الولاية.
إنّ الأساس في المنهج العرفاني، يتعلّق بالعرفان النظري المتكفّل لبيان المنظومة العرفانيّة في رؤيتها الكونيّة، وهو سلوكٌ معرفي بحاجةٍ إلى منهجٍ في العمل، والمنهج هنا هو الكشف والشهود الناتج من السير والسلوك.
فالعارف لأجل تفسير رؤيته الكونيّة عن الوجود، يعتقد بالوحدة الشخصيّة للوجود، واعتباريّة ما سوى هذه الحقيقة، ويعتمد في الوصول إلى هذه الرؤية على المنهج الكشفي، حيث يجد ذلك ويشاهده من أعماق وجوده أن ليس في الدار غيره ديّار.
بعدما عرفنا أنّ المنهج العرفاني هو الكشف والشهود، فيأتي سؤال عن مدى كاشفيّة هذا الشهود عن الواقع ومطابقته له، فكيف يمكن للعارف الاعتماد على
شهوده والجزم بموافقته للواقع؟ وهل يوجد محكٌّ وميزانٌ لذلك؟!
وبعد التفحّص في كلمات العرفاء نجد ثلاثة طرق ذكروها للاطمئنان:
1. لزوم تطابق الشهود مع الشريعة، وعدم وجود أيّ مخالفةٍ بينها وبين الحقائق الدينيّة الثابتة، وهذا ميزانٌ عامٌّ يشمل جميع الأشخاص وبأيّ مستوى كانوا. والسبب في اعتماد الشريعة كميزانٍ عامٍّ، هو القاعدة العامّة العرفانيّة القائلة بأنّ الكشف الأضعف لا بدّ أن يخضع للكشف الأعلى، وبما أنّ أعلى وأرقى كشف هو كشف خاتم النبيّين صلىاللهعليهوآلهوسلم المعبّر عنه بالكشف التامّ أو الأتمّ، والكشف التامّ هذا هو الحقائق الدينيّة المنزلة على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ، فلا بدّ حينئذٍ من تطابق كشف العرفاء مع الشريعة. وهذا القيد لا يحوّل المنهج العرفاني إلى المنهج النقلي، بل إنّ العارف وبالاعتماد على المنهج الكشفي يشاهد الحقائق، ثمّ لأجل الاطمئنان من صحّتها يرجع إلى الشرع ليرى مدى مطابقتها معه؛ ولذا نرى كثرة الشروح والتفاسير العرفانيّة على الآيات والروايات.
2. استناد السلوك إلى الأستاذ: لقد تمّ التأكيد في تراث العرفاء على لزوم التمسّك بالشيخ والمرشد في طريق السلوك، ولولا الشيخ سيقع السالك في مخاطر عظيمة، لكن علوم أوحقائق الأستاذ والشيخ لا بدّ أن تكون متطابقةً مع الشرع أيضًا، فهذا الميزان يعود بالمآل إلى الأوّل. والسبب في ذلك أنّ الشيخ مطّلع على ضمير السالك وباطنه، واقف على نواقصه الظاهريّة والباطنيّة، وقادر على رفع الأمراض المعنويّة، كما أنّه يعرف قابليّة السالك في تلقّي الجرع المعنويّة، فيعطيه ما يناسبه بحسب كلّ مرحلة، كالطبيب الذي يداوي المرض بالتدريج وبحسب وضع المرض والمريض.
العقل: الميزان الثالث هو العقل، وقد أضاف العرفاء هذا الميزان بعد نضوج العرفان ووصوله إلى مراتب متعالية، لكن المراد من العقل هنا ليس العقل المشائي، بل يقصدون بالعقل العقل المنوَّر، كما مرَّ.
يُعدّ علم الأصول من أهمّ العلوم الإسلاميّة الأصيلة المستخدمة في استنباط الحكم الشرعي، وقد توسّع وتطوّر كثيرًا منذ نشأته الأولى في عصر الأئمّةعليهمالسلام وإلى يومنا الحاضر، وكفى في أهميّته أنّه لولاه لاختلّت عمليّة استنباط الأحكام الشرعيّة من مظانها.
وذلك أنّ الإنسان مكلّف بالعمل وفق الأوامر والنواهي الإلهيّة في حياته الفرديّة والاجتماعيّة، وبما أنّنا نعيش عصر الغيبة، والحرمان عن حضور الإمام المعصوم عليهالسلام حضورًا مباشرًا، وللابتعاد عن عصر نزول النصّ، وما يكتنف عمليّة فهم معنى النصوص من غموض، فلذلك كلّه لا بدّ من الاستعانة بعلمٍ يكشف لنا المراد من النصوص الدينيّة، ويعطينا الحكم الشرعي في الوقائع، وهذا العلم هو علم أصول الفقه. وقد عبّر الشهيد الصدررحمهالله عنه بمنطق الفقه وقال: «نطلق على علم الأصول اسم منطق علم الفقه؛ لأنّه يلعب بالنسبة إلى علم الفقه دورًا إيجابيًّا مماثلًا للدور الإيجابي الذي يؤدّيه علم المنطق للعلوم والفكر البشري بصورةٍ عامّة، فهو على هذا الأساس منطق علم الفقه، أو منطق عمليّة الاستنباط بتعبير آخر».
قال الآخوند الخراساني رحمهالله في تعريف الأصول: «العلم بالقواعد الممهّدة لاستنباط الأحكام الشرعيّة». والأولى في تعريفه بأنّه: «صناعة يُعرف بها القواعد التي يمكن أنْ تقع في طريق استنباط الأحكام، أو التي ينتهي إليها في مقام العمل».
وقد بسط الشهيد الصدر القول في تعريف علم الأصول، فقدّم مقدّمةً مسهبةً في لزوم اتّباع أحكام الشرع، وطريقة فهمها واستنباطها من أدلّتها، ثمّ قال إنّ هناك عناصر مشتركة تساعد الفقيه على استكشاف الحكم، وعليه فإنّ علم الأصول هو «العلم بالعناصر المشترَكة في عمليّة استنباط الحكم الشرعي».
وللتوضيح قال أيضًا: «في علم الأصول تدرس العناصر المشترَكة في عمليّة الاستنباط التي لا يقتصر ارتباطها على مسألةٍ فقهيّةٍ خاصّةٍ بالذات، وفي علم الفقه تدرس العناصر الخاصّة بكلّ عمليّةٍ من عمليّات الاستنباط في المسألة التي ترتبط بتلك العمليّة».
لم يشعر المسلمون في عصر النزول بحاجتهم إلى علمٍ يعينهم على استنباط الحكم الشرعي؛ لتواجدهم في صميم الحدث الرسالي، وسؤالهم مباشرةً النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أو أحد أصحابه المقرّبين. ولكن بعد رحيل الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وبعد منع تدوين الحديث، وكذلك توسّع العالم الإسلامي بالفتوحات، وورود ثقافاتٍ مختلفةٍ إلى العالم الإسلامي، م أدّت إلى غياب النصّ الصريح والواضح، تحرّك المسلمون لاستكشاف علمٍ يساعدهم على الوصول إلى الحكم الشرعي يحلّ لهم المتعارضات ويبيّن لهم القواعد العامّة التي تعينهم في فهم النص.
وقد اختلفت الأقوال في أوّل مؤسّسٍ لهذا العلم، ومن أين ظهرت جذوره والإحساس بالحاجة إليه، فمن قائل إنّه أبو حنيفة، أو بعض تلامذته، وآخر إنّه الشافعي، وثالث إنّه هشام بن الحكم ورسالته في الألفاظ، وغير ذلك من أقوال.
ولقرب الأحداث وتسارعها آنذاك من جهة، وبعدنا الزمني عن تلك المرحلة، ربّما لا نتمكّن من تحديد وقت ظهور علم الأصول بدقّة، وكذلك تسمية أوّل من استخدمه أو أسّسه. ولكن الثابت أنّ هشام بن الحكم كانت له رسالة حول الألفاظ، وهذا يعني وجود هكذا مباحث أصوليّة بنحوٍ بدائي في عصره، مضافًا إلى وجود رواياتٍ تدلّ على اهتمام الأئمّةعليهمالسلام بالقاء طريقة الاستنباط إلى أصحابهم، من ذلك ما رواه عبد الأعلى قال: قلت لأبي عبد الله عليهالسلام : «عثرت فانقطع ظفري، فجعلت على إصبعي مرارة فكيف أصنع بالوضوء؟ قال: «يعرف هذا وأشباهه من كتاب الله عزّ وجلّ، قال الله تعالى: (وَمَا جَعَلَ عَلَيْكُمْ فِي الدِّينِ مِنْ حَرَجٍ) امسح عليه»».
ونحوه ما رواه زرارة قال: قلت لأبي جعفر عليهالسلام : «ألا تخبرني من أين علمت وقلت إنّ المسح ببعض الرأس وبعض الرجلين؟ فقال: «يا زرارة قاله رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ونزل به الكتاب من الله عزّ وجلّ؛ لأنّ الله عزّ وجلّ قال: (... وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ) فعرفنا حين قال (برؤوسكم) أنّ المسح ببعض الرأس لمكان الباء، ثمّ وصل الرجلين بالرأس، كما وصل اليدين بالوجه فقال: (وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ) فعرفنا حين وصلهما بالرأس أنّ المسح على بعضهما، ثمّ فسّر ذلك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم للناس فضيّعوه»».
ففي هاتين الروايتين قواعد أصوليّة مثل حجيّة الظهور وقاعدة لا حرج وطريقة الاستنباط من القرآن.
وعندما نراجع كتب الرجال والتراجم، نرى أنّ كثيرًا من أصحاب الأئمّةعليهمالسلام
لهم رسائل حول بعض القواعد الأصوليّة، من قبيل رسالة في اختلاف الحديث ليونس بن عبد الرحمن، أو رسالة ابطال القياس لأبي السهل النوبختي من علماء الغيبة الصغرى، ومرّت رسالة هشام في الألفاظ، وقد امتازت هذه المرحلة ببساطة المسائل وتدوين الرسائل المختصرة.
وعليه فإنّ تدوين علم الأصول كان من قبل الشيعة، وبتعليم من الأئمّةعليهمالسلام ، وقد استفادت سائر المدارس أيضًا من هذه القواعد إمّا من خلال التتلمذ عند الأئمة، وإمّا من خلال المناظرات مع أصحاب الأئمة.
لقد توسّع علم الأصول عند الإماميّة بالتدريج، وأخذ شاكلته على يد الشيخ المفيد والسيّد المرتضى، فكتب الشيخ المفيد (التذكرة بأصول الفقه)، وكتب السيّد المرتضى (الذريعة إلى أصول الشريعة)، وكتب الشيخ الطوسي (كتاب العدّة في أصول الفقه)، فهذه الكتب الثلاثة تُعدّ قفزةً نوعيةً في أصول الفقه الإمامي، واستمرت العملية بعدهم قرنًا بعد قرن إلى حين ظهور الحركة الإخباريّة على يد ملّا أمين الأسترآبادي في القرن الحادي عشر.
بقيت الحركة الإخباريّة نشطةً في الوسط الشيعي لعدّة عقود، إلى أنْ ظهر الوحيد البهبهاني (ت: 1205) الذي أحيا الحركة الأصوليّة من جديد، وازدهر العمل الأصولي على يد الشيخ الأنصاري (ت: 1281هـ)، واستمرّ عمله إلى اليوم، وأصبح مورد اهتمام العلماء والحوزات العلميّة.
يعتمد أصول الفقه لاستنباط الحكم الشرعي على الأدلّة الأربعة: القرآن والسنّة والعقل والإجماع، وللوصول إلى الحكم الشرعي من هذه الأدلّة يعتمد المنهج التركيبي، إذ المنهج الأصولي لا هو نقلي صرف، ولا عقلي صرف، ولا استقرائي، ولا برهاني، بل هو منهجٌ تركيبيّ، من مختلف عناصر المعرفة العامّة والمنطق ومعطيات النصوص وكيفيّة الاستدلال منها.
فالمنهج الأصولي يعتمد في طريقة الاستدلال بالأدلّة الأربعة، للوصول إلى الحكم الشرعي، على الخطوات الآتية:
1. البحث: يقوم بالفحص والبحث عن المسألة التي يريد استخراج الحكم الشرعي منها.
2. التقييم: وهنا يقوم المجتهد بتقييم المسألة والبحث عن دورها وموقعيّتها في المنظومة الأصوليّة.
3. الاستدلال: وهنا يقوم المجتهد بالاستدلال على المسألة المراد إثباتها ونفي ونقد باقي الأدلّة المذكورة.
4. الاستكشاف: وهنا بعد الاستدلال والنقد والإثبات يصل المجتهد إلى استكشاف حكم المسألة.
ثمّ إنّ هذه المسألة المبحوث عنها والمراد إثبات الحكم الشرعي لها:
1. إمّا توجد بإزائها رواياتٌ وآياتٌ واضحةٌ وكافية، ومن دون إجمالٍ وغموضٍ، بأنْ تكون الأدلّة بمنزلة النصّ الواضح، ولا يوجد لها معارضٌ؛ فهنا يمكننا الوصول إلى الحكم مباشرة.
[1]. تمّ الاعتماد في هذا المقطع على كتاب: عابدي الشاهرودي، سنجش واكتشاف، 110 فما بعد.
2. وإمّا أن يتمّ الاعتماد على الأمارات أي الأدلّة الظنيّة، وتشمل الخبر الواحد والسيرة المتشرّعة، والظهورات، والإجماع المنقول، والشهرة، وهنا يتمّ استنباط الحكم الشرعي من هذه الأمارات.
3. والطريق الثالث هو الوصول إلى الحكم عن طريق قاعدة الملازمة بين العقل والشرع، فيعمد المجتهد إلى الدليل العقلي ليستنبط الحكم الشرعي عن طريق الملازمة، ومع قطع النظر عن الخلاف القائم بين الأصوليّين والإخباريّين حول هذا الطريق، فلا يوجد خلافٌ بينهما في تلازم العقل الفطري والضروري مع الشرع.
وبناءً على تقسيم المعارف الدينيّة إلى نظريّة وعمليّة، لا بدّ من اختيار المنهج المناسب لكلّ واحدٍ منهما، وما يذهب إليه الباحث هو اعتماد المنهج الكلامي في المباحث النظريّة المتعلّقة بالرؤية الكونية والأمور الميتافيزيقيّة، واعتماد المنهج الأصولي في المباحث العمليّة المتعلّقة بفروع الدين والأحكام الشرعيّة الخمسة: الواجب، والحرام، والمستحب، والمكروه، والمباح. علمًا بأنّ المنهج الإخباري ينفع أيضًا في بعض المباحث العمليّة كمسائل الأخلاق والتزكية والسلوك الفردي والاجتماعي، من باب التمسّك بأدلّة التسامح في السنن أو أخبار من بلغ.
أمّا سبب انتخاب المنهج الكلامي في المباحث النظريّة المتعلّقة بالرؤية الكونيّة والميتافيزيقا، دون غيره من المناهج النقليّة والفلسفيّة والعرفانيّة، فهو أنّ المنهج النقلي لا يمكن الاعتماد عليه بمفرده في زمن غيبة المعصوم للوصول إلى رؤيةٍ معرفيّةٍ نظريّةٍ متكاملةٍ تخصّ نظام الخلقة؛ لما طرأ على الحديث من دسٍّ ووضعٍ
من قبل مختلف التيّارات والمذاهب في العالم الإسلامي، بل لا بدّ من اعتماد أمورٍ أخرى ذكرها العلماء في علم الرجال والدراية للاقتراب من الحقيقة، مضافًا إلى تعضيد العقل السليم.
أمّا المنهج الفلسفي فرغم اعتماده على القياس البرهاني والدليل العقلي، لكنّه غير كافٍ في فهم الدين والظاهرة الدينيّة وذلك للأمور الآتية:
أوّلًا: إنّ المنهج الفلسفي يهتمّ بالكليّات، ويجعل الإلهيّات والظاهرة الدينيّة وما يتعلّق بها من مباحث نظريّة، قسمًا من أقسام الوجود الذي يبحث عنه، فالله تعالى ومسائل الألوهيّة وجود على غرار باقي الوجودات، بينما المنهج الكلامي يجعل موضوع بحثه الإلهيّات لإثباتها والدفاع عنها ويفسّر نظام الخلقة تفسيرًا لاهوتيًّا، وبهذا الصدد يستخدم العقل والنقل والمشهورات والمقبولات والجدل، كلٌّ بحسبه وفي مورده الخاصّ.
ثانيًا: ليست للفلسفة تلك المرونة والانعطاف كي تتمكّن من إثبات الدين وظواهره والدفاع عنها، إذ تعتمد على منهجٍ عقليٍّ كلّيٍّ صارمٍ وجافٍ، بحيث يعجز عن إثبات الجزئيّات مضافًا إلى عدم تمكّنه للمناورة في مقام الدفاع عن الدين؛ إذ إنّ هذا بحاجة إلى استخدام الجدل والتمسّك بمسلّمات الخصم وما شاكل.
ثالثًا: إنّ مباحث الفلسفة أكثر ما تكون انتزاعيّةً تنظر إلى المجرّدات، والمنظومة التي يقدّمها المنهج الفلسفي ربّما لا تّمت إلى الواقع العملي والمعاش والجزئي بصلة، والحال أنّ مسائل المنهج الكلامي تنظر إلى الواقع العملي، وتقدّم منظومةً معرفيّةً كونيّةً تقترب من فاهمة عامّة النّاس.
وعليه يكون المعتمد في فهم المنظومة الكونيّة، وما يتعلّق بمباحث الميتافيزيقا
[1]. للمزيد راجع: حیدرپور، ظرفيتهاى تمدني علم كلام، 196.
هو المنهج الكلامي، علمًا بأنّ المنهج الكلامي لخصوصيّته في إثبات القضايا الدينيّة والدفاع عنها وردّ الشبهات، يستعين بمختلف المناهج الأخرى التي تنفعه في هذا المقام، فلا ضير من استخدام الأدلّة أو البراهين الفلسفيّة مثلًا في مقام إثبات قضيّة من قضايا الدين، أو الردّ على بعض الشبهات النظريّة الدقيقة، فالمتكلّم بإمكانه استخدام بعض القضايا الفلسفيّة سواء اقتنع بها واعترف بصحّتها، أم لم يقتنع بها، بل اعتمد عليها للردّ على شبهةٍ من الشبهات مثلًا لاعتراف الخصم بالدليل الفلسفي.
وعندما نعرّج على المباحث والمعارف العمليّة في المنظومة الدينيّة المتعلّقة بالحلال والحرام، فالمعتمد في استنباط تلك المعارف والأحكام هو المنهج الأصولي؛ إذ المنهج الإخباري لا ينفع في هذا المقام، ونحن نعيش عصر الغيبة واختفاء الإمام المعصوم، ووجود الدسّ والوضع والتزوير في الروايات، ممّا يؤدّي إلى لزوم اعتماد المنهج الأصولي في مقام الاستنباط.
وكذلك المنهج المقاصدي لا ينفع أيضًا، وذلك أنّ الأحكام الشرعيّة وإن ابتنت على المصالح والمفاسد، وعلى تلك المقاصد التي ذكروها، غير أنّ الذي يسنّ تلك القوانين قد راعى تلك المقاصد والمصالح في سنّ القوانين، وقد أبلغها النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم لأمّته، وترك لهم الثقلين للتمسّك بهما في مقام المباحث النظريّة والعمليّة. ولكن لسوء صنيع الأمّة وحرمانها من التمسّك بالثقلين المكمّل الواحد منهما الآخر، والوقوع في التيه والفوضى، لم يكن لنا سبيل لمعرفة الأحكام والوصول إليها إلّا باستخدام المنهج الأصولي للوصول إلى اليقين أو الظنّ المعتبر أي الوصول إلى المنجزيّة والمعذريّة، إلى أن يمنّ الله على العباد بكشف الغمّة والتعجيل في الفرج الميمون لولي الله الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم .
(243)وعليه فإنّ المشرّع هو الذي يراعي تلك المقاصد والمصالح، ويسنّ القوانين في ضوئها، أمّا غيره من الفقهاء والعلماء فليس لهم ذلك، ويبقى دورهم الوحيد استكشاف تلك الأحكام دون سنّ أحكامٍ جديدةٍ بناء على مقاصد مزعومةٍ كما يذهب إليه التيّار الحداثي في العالم الإسلامي.
أمّا الحاجيات والتحسينيّات فيتكفّل علم الأصول باستنباطها من خلال قواعده المتبعة وبحسب المباني والمناهج المعتمدة، ونعني بعلم الأصول العلم الذي يعتمد على دليل القرآن والسنّة والعقل دون غيرها من الأدلّة الظنيّة كالقياس والاستحسان وما شاكل التي لا تكون معذِّرة ولا منجِّزة.
وعليه فالمنهج المختار عند الباحث في المسائل والمعارف النظريّة هو علم الكلام بما يملك من أدواتٍ عقليّةٍ ونقليّةٍ وعرفيّةٍ في إثبات الدين والدفاع عنه، كما أنّ المتبع في المعارف العمليّة المتعلّقة بفروع الدين هو المنهج الأصولي عند الإماميّة، الذي يعتمد على الأدلّة المعتبرة الموجبة للوصول إلى الحكم الشرعي.
لكنّ هذا لا يعني نفي وإبطال سائر المناهج الإسلاميّة وحتّى الغربيّة منها، إذ لكلّ منهجٍ صلاحيّته المحدودة ونظامه الخاصّ، حيث يمكن الاستفادة منه في ذلك النطاق الخاصّ وبحدوده، دون التوسّع إلى ما لا يدخل ضمن صلاحيّته، كما هو الحال في المناهج الغربيّة التي ولدت لظرفٍ خاصٍّ ولبيئةٍ ثقافيّةٍ خاصّة، حيث يمكن الاستفادة منها في موردها الجزئي وبحسب الحاجة.
والخلاصة أنّنا من خلال المباني التي ذكرناها في هذا الكتاب، ومن خلال المنهج الكلامي والأصولي، يمكننا الولوج في دراسة علم الكلام الجديد ومباحث فلسفة الدين، إذ بهذه المباني والمناهج يمكننا الوصول الى الرأي الإسلامي السليم إنْ شاء الله تعالى.
(244)
(254)