مقدمة المركز
باتت الثقافة في عصر الثورة المعلوماتيّة الهائلة والذكاء الاصطناعيّ، سلعةً رخيصةً سهلة التناول؛ ممّا أدى إلى صياغة منظومة الإنسان المعرفيّة على نحوٍ تملّ الإطالة والإسهاب، وتجنح إلى الوجبات المعرفيّة السريعة الجاهزة؛ هذا ما يُنذر بظهور الكسل المعرفيّ والضعف البحثيّ، وانزياح العقل رويدًا رويدًا عن وظيفته الأساسيّة في التفكير والتنظير لصالح التقنيّة الافتراضيّة الحديثة، مع ما لها من إيجابياتٍ، وسلبياتٍ ربما تفوق تلك الإيجابيات.
إذ بعدما تصبح الأوعية المعرفيّة الافتراضيّة متاحةً لكلّ شخص، يصبح العلم أسيرًا في دهاليز الخوارزميّات التي نسجتها الإمبرياليّة المعرفيّة والثقافيّة المهيمنة على العالم، ويكون لعبةً جوفاء لا تُنبئ عن مدى توغّل صاحبها في الحقل المعرفي المبحوث، ومدى تخصّصه فيما يكتب، ويقول، وربما لا يعدو الأمر أن يكون أوراقًا مصقولةً منمّقةً بنماذج التقنية الافتراضيّة، ومعلومات متناثرة ــ وربما موجّهة بأيدٍ خفيّة ــ جمعها الذكاء الاصطناعي من هنا وهناك، لتُعطي إجابةً سريعةً يطلبها عقلٌ خاملٌ استسلم لراحة الكسل العلمي.
من هذا المنطلق، واستجابةً لضرورة المرحلة، وحفاظًا على النشاط العلمي وأثرائه بالدراسات الجادّة والعميقة والمختصرة ارتأينا إصدار سلسلة «أوراق بحثيّة»؛ لتكون منارًا بحثيًا رصينًا، يهدي الباحثين في دروب العلم والمعرفة، وذلك من خلال تقديم كرّاساتٍ معرفيّةٍ مختصرةٍ في شتّى المواضيع العلميّة والبحثيّة.
وآخِرُ دَعْوانا أَنِ الحمدُ لِلَّهِ ربِّ العالَمينَ، والصَّلاةُ والسَّلامُ على أشرفِ الخَلْقِ محمَّدٍ وآلِهِ الطَّيّبينَ الطَّاهرينَ.
(7)
إنّ كل نظريّةٍ تفسيريّةٍ لا بدّ من أن تشتمل على استراتيجيّاتٍ وتوصياتٍ وإلزاماتٍ بشأن التفسير والتواصل مع النصّ معنائيًّا أو المواجهة المعنائيّة للنص، وهو ما نسمّيه «أخلاقيّات المعنى». أخلاقيّات الـمعـنى أو لوازمه أو إلزاماته هي فـي الواقع الجانب التكليفي والأوامري والقيميفـي نظريّة التفسير، وتتولّـى معالـجة ما ينبغي وما لا ينبغي في مضمار التفسير.
كلّ تصوّرٍ عن ماهيّة الـمعنى والفهم والتفسـير، شأنه شأن أيّ تصوّرٍ عن العلم والمعرفة، له لوازمه و«ينبغيّاته»، ويمكن التمثيل لذلك بالتصوّر الـحديث للعلم الذي نشاهد تبلوره في عصر التنوير؛ حيث إنّه يرى التوصّل إلى الحقيقة ممكنًا عن طريق الاتباع الصائب لمنهجيّة كلّ حقلٍ علميّ؛ لذا فهو يقدّم توصياتٍ وإلزاماتٍ معيّنةً للعالِم نظير أنّه «ينبغي على العالِـم أنْ يسعى نحو العلم العيني»، و«أنْ يـحذر هذا العالِم من إسهام أحكامه المسبقة في عملية البحث العلمي»، و«أنْ يعتمد في كل أحكامه التي يصدرها الشواهدَ التجربيّةَ ليس إلّا». هذه التوصيات والإلزامات الثلاثة -التي ذكرناها من باب المثال- نابعةٌ بشكلٍ مباشرٍ من علم المعرفة الفلسفيّ في العصر الحاضر، والتصوّر ما بعد الحداثي للعلم والمعرفة لا يوجِّه للعالِم تلك الإلزامات
والتوصيات والـمسـؤوليّـات الأخلاقيّـة -عن العـلم- الـخاصّـة بعصـر التنوير. طبـقًا لنظـريّة ما بعـد الحداثيين، فإنّ بنية الطبيعة وتعيّنات العالَـم ليست أمرًا يكتشف من قبل العالِـم، إنّمـا هي تفسيره للعالَم والطبيعة.
إنّ التـوصيـة والإلـزام الأخلاقي الوحيـد النـابع مـن علم الـمعـرفـة أو علـم العـلم (السيانتولوجيا) الفلسـفي ما بعد الحداثي هو الـمقاومة بوجه أيّ مـحـاولـةٍ تريد تسييد أوتسـليـط قـراءةٍ وتفـسـيرٍ معـيّنٍ عن العـالَـم والطبيـعـة (موضوع الـمعرفة والعلم)؛ ذلك أنّ النظرة ما بعد الحداثيّة للمعرفة تقرع دومًا طبول التنوّع والاختلاف والتعددية.
استعمال مفردة «الأخلاقيّات» ينبغي ألّا يصرف الأذهان إلى أنّ «نظريّة التفسير» هذه تصطبغ بلون «الأخلاق» بالمعنى المصطلح الدارج للكلمة؛ ذلك أنّ الإلزامات وما ينبغي وما لا ينبغي تُطرح في ميادين عدّة، ولا تختصّ بالمجال الأخلاقيّ. من باب الـمثال «اليـنبغـيّات واللايـنبغـيّات» الـحقـوقيّـة والفقـهيّـة غير «الينبغيّات واللايـنبغـيّات» السياسيّة، وهاتان غير الإلزامات والينبغيّات الأخلاقيّة (علم الأخلاق).
إذًا، فالبحث الحالي في أخلاقيّات المعنى والتفسير يختصّ باللوازم والينبغيّات في مجال تفسير النصّّ وفهمه بعيدًا عن حيز الأخلاق المصطلحة (ethics)، فمفردة «الأخلاق» هنا تستعمل بمعناها الواسع الذي يرادف مطلق الإلزام والقواعد التي ينبغي مراعاتها (morals)، وقيد «المعنى»، و«التفسير» يقيّد هذه الإلزامات (الأخلاقيّات) بحيز تفسير النصّّّ، ويميّزه عن الإلزامات الحقوقيّة والسياسيّة والأخلاقيّة.
نستعرض في هذا البحث إلزامات المعنى والتفسير وأخلاقياتهما أربع قضايا أساس؛ نـدرس أولًا مكانة الإلـزامـات فـي النظرية التفـسـيريّة ومصدرها ووضعها فـي مختلف النظـريّات التفسـيرية، ونخصص المحـور الثـاني لدراسـة الإلزامات العـامّة، والمـراد مـن الإلزامات العامّة تلك التوصيات والأخلاقيّات التي لا تـختصّ بنظريّةٍ تفسيريّةٍ معينة، بل تشترك
فيها كلّ التصوّرات والنظريّات المختلفة عن تفسير النصّّ. السؤال الرئيس في هذا المحور هو: هل يوجد مثل هذا الإلزام العامّ؟
ونستعرض في الـمحور الثالث من هذا البحث لائحةً تتضمّن أخلاقيّات التفسير في نظريتنا الـمتبنّاة. والواقع أنّنا سنشير فـي هذا المحور إلى الخطوط الكليّة للتوصيات والاستراتيجيّات التفسيريّة على أساس تصوّراتنا الـمتبنّاة الـمختارة حول ماهيّة المعنى وعلم معرفة الـمعنى وآليات حصول الفهم.
وسوف نسلّط أضواء البحث والدراسة على بعضها بشكلٍ خاصّ، نظير ضرورة اتّباع التفسير الـمعتبر؛ أما الـمحور الـختامي في هذا البحث فيختصّ بإلزامات النصّّ الوحيانـي.
السؤال الرئيس في هذا المحور هو: هل للنصوص الوحيانيّة مقتضياتها الهرمنوطيقيّة الخاصّة، أم إن القرآن لا يختلف بشيءٍ عن باقي النصوص ولا ترافقه أخلاقيّات تفسيريّة خاصّة؟
والواقع أنّ هذا البحث يستدعي الإشارة إلى «نظريّة النصّ» حول القرآن والنصّ الوحياني.
إنّ كلّ نظريّةٍ تفسيريّةٍ تتضمّن نظريّةَ نصٍّ، وتنقيحَ تصوّرها عن ماهيّة النصّ. ومبحث أخلاقيّات المعنى على وجه الخصوص يرتبط ارتباطًا وثيقًا بتصوّر كلّ نظريّة تفسيريّةٍ عن ماهيّة النصّ.
والنقطة المهمة هنا هي: هل تعمل مرتكزاتنا وتصوّراتنا المسبقة وقبلياتنا حول الوحي والنصّ القرآني التي تشكلّ «نظريّة النصّّ القرآني»، كرصيدٍ ودعامةٍ لتوصياتٍ واستراتيجياتٍ تفسيريّةٍ خاصّة؟
تؤدّي الإجابة الإيجابيّة عن هذا السؤال إلى نتيجةٍ فحواها أنّ قارئ النصّّ القرآني يـجب أنْ يأخذ بالاعتبار معايير وقواعد وإلزامات معيّنة، وأنَّ قراءة هذا النصّّ على الرغم من اشتراكها مع ضوابط قراءة النصوص الأخرى، لها لوازمها وأخلاقيّاتها الخاصة.
تُطرح الينبغيّات واللاينبغيّات والضوابط والإلزامات والتوصيات في كلّ ميدانٍ عندما يمكن تكوين صورةٍ عن الخير والحسن والصحة والسقم في ذلك الـميدان. من باب المثال، في ميدان السياسة والاجتماع يمكن باسم العدالة الاجتماعيّة توجيه إلزاماتٍ، وينبغيّاتٍ، ولاينبغيّاتٍ للحكومة، والدولة، والسلطة، ومؤسّسات المجتمع عندما تتوفّر لدينا صورةٌ عن المجتمع العادل، ونموذجٌ للعلاقات الاقتصاديّة والسياسيّة والثقافيّة كبنيةٍ محبّذةٍ وعادلةٍ للعلاقات الاجتماعيّة. فـي هذه الحالة فقط، وفي ضوء تلك الحالة والوضعية المحبّذة المنشودة العادلة نستطيع رسم الينبغيّات واللاينبغيّات التي تؤمَّن الوصول إلى ذلك الخير المنشود. في خصوص التفسير والبحث عن معنى النصّ أيضًا تسود هذه القاعدة والضابطة العامّة، وهي أنّ أخلاقيّات المعنى وإلزامات التفسير لها جذورها في «الخير التفسيري، أو التفسير الأخلاقي» ، بمعنى أنّه إذا لم تتوفّر لدينا صورةٌ عن القراءة المحبّذة المنشودة والقراءة غير المحبّذة وغير المنشودة للنصّ، ولـم تكن لدينا حدودٌ مرسومةٌ واضحةٌ بين «قراءة النصّ»، و«إساءة قراءة النصّ»، أو «سوء قراءة النصّ»، فلن يبقى ثمّة متّسعٌ للنقاش حول أخلاقيّات المعنى والتفسير.
يرتبط هذا «الخير التفسيري»، أو الفرز بين القراءة الجيّدة للنصّ وسوء قراءته، بإجابات أنصار نظريّةٍ تفسيريّةٍ ما عن الأسئلة والمسائل المهمّة والأساس في حيِّز فهم النصّ. وبعبارةٍ أخرى: تتكوّن رؤية صاحب النظريّة التفسيريّة الشاملة عن «الخير التفسيري»، وحسن قراءة النصّ حسب تصوراته عن اللغة، والمعنى، والنصّ، والمؤلِّف، والخلفيّة التاريخيّة، وذهنيّة الـمُفسِّـر وأفقه الـمعنائي، وسائر القضايا الـمهمّة في مضمار التفسير؛ ولـهذا يمكن الادّعاء أنّ إلزامات مـجال التفسير وفهم النصّ وما يـجب وما لا يـجب فيه -التي نسمّيها «أخلاقيات الـمعنى والتفسير»- نابعةٌ من «واقعيّات»
حول المحاور الـمهمّة والأساس في التفسير وفهم النصّ. والواقعيّات هنا هي واقعيّاتٌ من زاوية نظر أحد المُنظّرين، وقد لا يعدُّها منظِّرون آخرون واقعياتٍ، نظير «نصر حامد أبو زيد» الذي يعدُّ العناصر الثقافيّة والتاريخيّة في عصر النزول واقعياتٍ مساهمة في الوحي. هذا الامتزاج بين النصّ الدينيّ وثقافة العصر والواقعيّات التاريخيّة في ذلك العصر هو من وجهة نظره واقعٌ يلزمنا أنْ نعترف به، ونقرأ النصّ في ضوئه. هذا الواقع الـمُخمَّن يلزم القارئ بنحوٍ حتميّ بإلزاماتٍ وينبغيّاتٍ ولاينبغيّاتٍ، نظير أن ألّا يعدّ الـمعنى ثابتًا وغير سيّال، ويجب أنْ يسعى فـي ضوء تغيّر القناعات الثقافيّة في الزمن الـمعاصر إلـى تقديم تفسير للنصّ الدينيّ يتناغم مع الواقعيّات الثقافيّة. وعليه، يُتهم الذين يحاولون جعل المعنى الأصلّي للنصّ مطلقًا، وهو محاطٌ بالظروف التاريخيّة لذلك العصر بسوء قراءة النصّ الدينيّ، ويوصف الذين يؤكّدون هذه التاريخانيّة، ويلتزمون بلوازمها، ويستجيبون لها بأنّهم رعاةُ الخير التفسيريّ، وأنّهم عمدوا إلى قراءة النصّ قراءة صحيحة.
وعليه، فــنزاع النظـريّات التفسـيريّة بعضها مع بعـض هو فـي الـحقيقة نـزاعٌ علـى الواقعيّات الموجودة في أنحاء المباحث والمسائل الجديدة في حيز التفسير، والتي يدّعي كلّ واحدٍ اكتشافها والعلم بها.
يدّعي كاتب السطور أنّ كلّ النظريّات التفسيريّة تشتمل علـى «خيرٍ تفسيريّ»، وترسم حدودًا واضحةً بين «القراءة»، و«سوء القراءة». وحتى التفكيكيّة وهي أكثر الـمناحي التفسيريّة تطرفًا وراديكاليةً من حيث تـحيّزها لاستقلال النصّ والقراءة عن العوامل التي تقيّد المعنى وتعيـّنه من قبل المؤلِّف والخلفيّة التاريخيّة، بل واستقلالهما حتى عن قيود اللغة وقواعدها، حتى هذه التفكيكيّة لها تعريفها لقراءة النصّ الجائزة المحبّذة ولـ«سوء قراءته». من وجهة نظر التفكيكيين إنّ أيّ قراءةٍ تبقى وفيّةً لجزءٍ من «الإطلاق
(13)التفسيري»، وميتافيزيقا التواجد هي «سوء قراءة» للنـصّ، فقراءة النصّ يـجب ألّا تـخضع لسيطرة أوتوجيـه أيّ عامـلٍ خارجـيّ يُعـيّن الـمعـنى ويُـقــيّد حريّة الـمـفـسِّـر. هـذه الـحدود الفـاصـلة بــين حسـن قـراءة النصّ (القراءة التفكيكية غير المتأثرة بميتافيزيقا التواجد)، وسوء قراءته، من شأنها أنْ تجعل للتفكيكيّة أيضًا أخلاقيّات معنى وتفسير، وأنْ توجد داخل مضمون نظريتها التفسيريّة إلـزاماتٌ تفـسـيريّةٌ وينبـغـيّات ولاينبـغـيّات، فـتمـنع مـحـوريّـة الكـلام ومـحوريّة العقل، وتصرّ علـى ضرورة اجتناب شتّى صنوف ميتافيزيقا التواجد، وتوصـي بقـراءة تفكيكيّة للنص، وبلعبةٍ حُـرّةٍ مع النصّ بوصفه نظام علامات.
في تـحليل الصلة بين أخلاقيّات الـمعنى وسائر العوامل والعناصر المساهمة في النظريّة التفسيريّة، قد تطرح آراء تحليليّة مختلفة. يعتقد «وان هوزر» أنّه وراء كلّ «منهجٍ تفسيريّ» يكمنُ «هدفٌ تفسيريٌّ»، ويكمن خلف كلّ هدفٍ تفسيريّ تصوّرٌ لـ«الخير التفسيري». طبقًا لهذا النموذج يعود البحث حول «أخلاقيات التفسير»، وهل ثمّة ينبغيّات وإلزامات عامّة لعمليّة التفسير والمواجهة المعنائيّة للنص؟ يعود إلى السؤال القائل: هل توجد «مبادئ أخلاقيّة عامّة» في عمليّة فهم النصّ؟ إذا تصوّرنا مثل هذه الخيرات العامّة، فمن الطبيعي أنْ تكون لها إلزاماتٌ وأوامر ُونواهٍ وينبغيّاتٌ ولاينبغيّاتٌ عامّةٌ وكليّةٌ يُطالَب بها كلّ المفسرين والقرّاء. وسوف نتحدّث عن هذا الجانب أكثر في الفقرة القادمة.
حين اعتبرنا أخلاقيّات الـمعنى الـجانب الأوامريّ والقيميّ للمعـنى والتفسـير، فينبغي أنْ لا يصرفنا هذا إلى الاعتقاد بأنّ كلّ ما له طابعٌ معياريٌّ
وقيميٌّ وأوامريّ وله استخدامه ودوره بوجهٍ من الوجوه في عمليّة التعامل مع النصّ، هو من ضمن أخلاقيّات التفسير وإلزاماته. من شواهد ذلك أنّه في التعامل النقدي مع أيّ نصّ، عادةً ما يستعين القارئ الناقد بمعايير خارجيّة لنقد النصّ، ومن الطبيعي أنْ تكون تلك المعايير القيمَ والضوابطَ التي يقبلها الناقد ويتبنّاها، ويفحص بها النصّ ومعناه، ويحكم عليهما بها. وعلى الرغم من إسهام هذه المعايير الخارجية مباشرةً في التعامل النقدي مع النصّ إلّا إنّها لا ترتبط أبدًا بأخلاقيّات التفسير وإلزاماته. وعليه فالمعايير والضوابط التي يختارها المفسِّر لا يمكن أنْ تعدّ داخلةً في دائرة إلزامات المعنى. نعم، إذا ركّزنا البحث في نوعٍ معيّنٍ من أنواع التعامل مع النصّ، واعتبرنا جملةً من الأصول والضوابط والإلزامات العامّة شرطًا لتحقيق الغاية المنشودة من ذلك التعامل، نكون قد دخلنا في دائرة أخلاقيّات المعنى. في خصوص نقد النصّ مثلًا، إذا جعلنا بعض الضوابط والمعايير لازمةَ المراعاة لنقد النصّ، وبرهنّا على ضرورة التزام كلّ ناقدٍ بتلك المعايير والضوابط العامّة وسوّغناها، فستكون تلك الضوابط والمعايير جزءًا من أخلاقيّات المعنى. من الواضح أنّ مثل هذه المعايير والضوابط الشكليّة تختلف اختلافًا كبيرًا عن المعايير والقيم التي يبادر كلّ ناقدٍ إلى نقد النصّ ومضامينه المعنائية من منطلق رغبته فيها وحبّه لها.
النقطة الأخرى هي أنّ دائرة الإلزامات التفسيريّة ومدياتها تختلف بحسب المضمون الداخليّ للنظريّات التفسيريّة. طبقًا لبعض النظريّات التفسيريّة، فإنّ حجم هذه الإلزامات وسعتها كبيرةٌ ومتنوّعةٌ، وطبقًا لاتجاهاتٍ تفسيريّةٍ أُخَر، فإنّ دائرة هذه الإلزامات محدودةٌ وضيّقةٌ جدًا.
وثمّة علاقةُ مباشرةُ بين الاعتقاد بعوامل تعيين المعنى، واتّساع مديات الإلزامات التفسيريّة. النظريات التفسيريّة التي تقول بوجود معنى متعيّنٍ للنصّ، وتقيّد المعنى في دائرةٍ محدودةٍ من الضوابط والعوامل، تملي على
القارئ إلزاماتٍ أكثر. على سبيل المثال كلّ النظريّات التفسيريّة التي ترى لقصد المؤلِّف نصيبًا في دائرة المعنى وفي الهدف التفسيريّ تلتزم بالقاعدة والإلزام الهرمنوطيقي القائل: «أيّ شيءٍ لم يقصده الكاتب يجب أنْ لا ننسبه إلى النصّ»، بينما لا يلتزم منكرو محوريّة قصد المؤلِّف في أنطولوجيا المعنى وإبستمولوجيا المعنى بهذا الإلزام الأخلاقيّ في مضمار التفسير؛ لأنّهم يعدّون معنى النصّ مستقلًا عن المؤلِّف؛ ولهذا على الرغم من أنّ «هانس غادامر» يعترف بأنّ هذا الإلزام قانونٌ هرمنوطيقيٌّ مقبولٌ عمومًا، إلّا أنّه يؤكد أنّ المعنى المقصود من قبل المؤلِّف، وكذلك إدراك القرّاء الأصليين الأوائل لا يمكنهما تقييد الأفق المعنائي للنصّ. ما يثبت في النصّّ يجب النظر إليه بنحوٍ مستقلٍّ وبمعزلٍ عن المؤلِّف، ليساعد على ارتباطاتٍ جديدةٍ بشكلٍّ حرٍّ ومنعتق.
أولًا إنّ أيّ نظريةٍ تفسيريّةٍ لا يمكنها أنْ تخلو من أخلاقيّات للمعنى وإلزامات تفسيريّة، وثانيًا بالنظر إلى أنّ سعة وضيق دائرة الإلزامات والعناصر المضمونيّة لأخلاقيّات الـمعنى مرتبطةٌ بمضمون النظريّة التفسيريّة، واستقلال أو عدم استقلال معنى النصّ عن العناصر الأصليّة والمهمّة من قبيل المؤلِّف والقارئ، والخلفيّة التاريخيّة، والمتلقِّين الأوائل، والقواعد والأصول اللغويّة؛ لذا سيكون لكلّ نظريّةٍ تفسيريّةٍ أخلاقيّاتُ معنىً خاصّةٌ بها، ويمكن إلى جانب ذلك التحدّث عن «أخلاقيّاتٍ عامّةٍ للمعنى»، شريطة أنْ يمكن اكتشاف وتسجيل عناصر مشتركة داخل هذه الإلزامات التفسيريّة الخاصّة في كلّ نظريّة تفسيريّة.
البحوث التي سقناها في الفصول الماضية أجْلَت لنا بكلّ وضوحٍ أنّ العثور على أوجهٍ مشترَكةٍ بين النظريّات والاتجاهات التفسيريّة المتعدّدة، عمليّةٌ صعبةٌ وبعيدةُ المنال، فهذا التشتّت وهذه التعدّدية يحولانِ دون صياغة تصوّرٍ
إجماعيّ مشتركٍ للوضعيّة التفسيريّة المحبّذة «الخير التفسيري»، وكما سبق أنْ أشرنا فإنّ الإلزامات والتوصيات التفسيريّة العامّة تدور حول مـحور الـخير التفسيري وحول تصوّرٍ واضحٍ عن القراءة المحبّذة.
إذا كان العموم والكليّة في أخلاقيّات المعنى يعني وجود إلزاماتٍ إجماعيّةٍ مشترَكةٍ بين كلّ الـمدارس والنظريّات التفسيريّة، فهذا شيءٌ متعذّرٌ ومستحيلٌ تمامًا؛ ذلك أنّ وجود التفكيكيّة بين مجموعة النظريّات التفسيريّة يحول دون أيّ إجماعٍ حول الأوجه المختلفة للمعنى والتفسير.
ولنتذكر هنا أنّ التفكيكيّة تسعى للعبٍ حرٍّ مع النصّّ، والقراءة التفكيكيّة المتطرّفة لا تـرى معنى النصّّ مستقلًّا عن هيمنة الـمؤلِّف والـخلفيّة، وأيّ عاملٍ خارجيّ يقيّد قراءة النصّّ وحسب؛ بل وتراه مستقلًّا أيضًا حتى عن قواعد اللغة وأصولها ومبادئها ومقتضياتـها، وبذلك فهي تترك القارئ حرًّا تمامًا فـي مواجهته المعنائية للنص.
هذا التحرّر والاستقلال عن القيود اللغويّة حالةٌ لا تطيقها حتى النظريّات والمناحي الذاتانيّة الأخرى القائلة بمحوريّة القارئ.
وعليه، إذا كنا نسعى للوصول إلى أوجهٍ إجماعيّةٍ مشتركةٍ بين كافّة النظريّات التفسيريّة، فإنّ مثل هذا الإجماع لن يتحقّق بسبب تطرّف التفكيكيّة، ولن تظهر إلـى النور «أخلاقيّات عامّة للمعنى» بالـمعنى الدقيق للكلمة وبحيث تدور حول محور الاشتراك الحقيقي في الرؤية والإجماع التام بين النظريّات التفسيريّة.
يعتقد كاتب السطور أنّنا لو صرفنا النظر عن تقرير التفكيكيّة المتطرّف للمعنى والتفسير، لأمكن التوصّل إلى محورٍ مشتركٍ بين النظريّات التفسيريّة والتحدّث على أساسه عن «إلزاماتٍ عامّةٍ للمعنى والتفسير». ولا مندوحة من أنْ يتمثّل هذا المحور المشترك في اللغة ومبادئها والقواعد التي تسودها، فأيّ شيءٍ غير هذا سيبقى موضع اختلافٍ وتباينٍ في الآراء. على سبيل المثال إذا
أخذنا بالاعتبار المؤلّف والإلزامات المتعلّقة بمحوريّة قصد المؤلّف، فإنّ جميع الاتجاهات الذاتانيّة وغير العينيّة متّفقةٌ على إقصاء المؤلّف كهدف تفسيريّ؛ أي إنّ المؤلّف وقصده لا يمثل بالنسبة إليها هدفًا يسعى إليه المفسر، وبهذا فلن تستطيع التناغم مع النزعة العينيّة المبتنية على قصد المؤلّف. وإذا جرى التأكيد على محوريّة النصّ، تناغمًا مع البنيويين، فلن يكون باستطاعة جميع الاتجاهات القائلة بمحوريّة القارئ مواكبة هذه الرؤية وموافقتها. وإذا أردنا في ضوء العناية بدور «الخلفية التاريخية» في التفسير تقرير إلزاماتٍ يجب أن يلتزم بها المفسِّر، فإنّ العديد من الاتجاهات التفسيريّة، وخصوصًا الاتجاهات الذهنيّة والذاتانيّة، لا ترى دورًا للخلفيّة التاريخيّة في عمليّة الفهم، حتى تخضع في ضوء ذلك للإلزامات المذكورة.
اللغة وقواعدها ومبادئها ومقتضياتها هي المحور الوحيد الذي تلتزم به كلّ الاتجاهات والنظريّات التفسيريّة -ما عدا التفكيكيّة- على الرغم من تشتّتها وتعدّديتها الكبيرة، ولا ترى معنى النصّّ مستقلًّا عن متطلّباتها. وعليه فأيّ فهمٍ للنصّ يروم تجاهل هذه المبادئ وقواعدها وتجاوز حدودها سيكون قراءةً غير مبرّرةٍ للنص، ونوعًا من «سوء القراءة». إذًا، ففي إطار حسن القراءة المبتني على مبادئ المحاورة وقواعد اللغة يمكن إملاء إلزاماتٍ وتوصيات ٍعلى القارئ والمفسّر، ونسبة هذه الإلزامات والأخلاقيّات إلى كلّ تلك الاتجاهات والمناحي التفسيريّة للحفاظ على طابعها العام.
قبل الإشارة إلى نماذج من الإلزامات النابعة من العناية باللغة وقواعدها ومبادئها، من المناسب الإلفات إلى أنّ تأكيدنا اشتراكَ كلّ النظريّات التفسيريّة، باستثناء التفكيكيّة، في عدم استقلال معنى النصّّ عن اللغة ومقتضياتها وعدم تحرّر المفسِّر من قيود اللغة، لا يعني أبدًا ضرورة التزام الاتجاهات التفسيريّة بالتفسير الحرفيّ أو أرجحيّة وغلبة التفسير الأدبي، إنّما المراد هو أنّ المفسِّر مهما كان غرضه وهدفه التفسيريّ، ومهما كانت رؤيته للعناصر
والعوامل المساهمة في قراءة النصّّ لا يمكنه تجاهل مقتضيات اللغة ومبادئها وقواعدها، والقواعد التي تسود الحوار واستعمال اللغة، ولا يحقّ له تجاوزها عالمًا عامدًا.
كمثال على ما نقول، ثمّة في أجواء علم الحقوق وتفسير القوانين وفهمها، مدارسُ وأهدافٌ تفسيريّةٌ متعدّدةٌ تشترك جميعًا -على الرغم من اختلافاتها وتغايراتها- في القول بالحاجة إلى اللغة من أجل فهم القوانين.
ولا شكّ في أنّ درجة الالتزام وابتناء الفهم على الدقائق اللغويّة ليست واحدةً في هذه المدارس التفسيريّة، فعلى سبيل المثال كان لمدرسة «التفسير الحرفي» في البداية؛ أي في العهد الحقوقي الكلاسيكي، أسلوبٌ أدبيٌّ تمامًا، وكانت المحاولات منصبّةً على استخراج مراد المشرِّع من نصّ القانون بأسلوبٍ أدبيّ، والوصول إلى المعنى الصحيح للمادة القانونيّة موضوع النقاش من الكلمات نفسها، ومن موضع الكلمات في الجملة، وحتى من الأمور الجزئيّة نظير طريقة التنقيط بين جزئين من الجملة، ووجود حرف الربط «الواو» أو «الياء».
ظهر هذا التصوّر لعمليّة التفسير على أساس فكرة أنّ النصّّ القانونّي صِيغَ على أساس تفكير المشرِّع، وأنّ المشرِّع استعمل معادلاتٍ متطابقةً تمامًا مع قصده؛ لذلك ينبغي التركيز والجمود على ألفاظ النصّّ القانونيّ من أجل اكتشاف قصد المشرِّع. كانت هذه المدرسة أو المنهجيّة التفسيريّة متبعةً في فرنسا خلال الشطر الأكبر من القرن التاسع عشر، لكنهم تنبّهوا تدريجيًّا إلى أنّ مجرد الشرح الأدبيّ للمواد القانونيّة لا يُلبّي الاحتياجات الجديدة، وينبغي اكتشاف هدف المشرِّع بمعونة الأدوات المنطقيّة والتاريخيّة، بمعنى أنّه فضلًا عن عبارات المواد القانونيّة ينبغي الاستعانة أيضًا بروح القانون لحلّ المسائل.
يهتم أنصار «التفسير المنطقيّ» للقوانين باللغة والقواعد والمبادئ التي
تسودها مع أنّهم لا يجمدون على التفسير الأدبيّ لعبارات القانون كما كان عليه الحال في العهد الكلاسيكي للحقوق. التفسير المنطقي هو التحقيق لاكتشاف إرادة المشرِّع عن طريق الاستنتاج العقليّ والقواعد الـمنطقيّة، وتنصبّ الـمحاولة فـي هذا المنهج على معالجة التعارضات والغموض وعدم الانسجام في القوانين، وإنْ بنحوٍ ظاهريّ فقط، وذلك عن طريق الاستدلالات المعقولة والمنطقيّة، فالمفترض أنّ المشرع له قصده المنطقيّ المعقول عند المصادقة على القانون، وعادةً ما يُستعمل هذا المنهج إلى جانب المناهج التفسيريّة الأخرى. والمادة القانونيّة لا تؤخذ مجردةً ومنفردةً عن باقي المواد القانونيّة، وعلى الرغم من الاهتمام بعبارات النصّ، إلّا أنّهم لا يكتفون بها، بل يصار إلى استنباط مفهوم المواد القانونيّة بمعونة القواعد العقليّة والمنطقيّة.
بل يمكن الادعاء أنّه حتى في «المدرسة التاريخية» التي تعدّ الحقوق غير القانون، وترى القانون تابعًا للحقوق وفي خدمتها، يحتلُّ عنصر فهم القانون ومراجعة اللغة وقواعدها ومبادئها مكانةً خاصّةً. وفي هذه المدرسة
أيضًا يجب اتّباع النصوص القانونيّة والالتزام بها، مع فارق هو أنّها بخلاف المدرسة الكلاسيكيّة التي تتقيّد بالشرح الحرفيّ والدقيق لنصّ القانون الذي يسعى لإدراك إرادة المشرِّع في المدّة التاريخيّة لسنّ القوانين، لا تهتمُّ المدرسة التاريخيّة بإرادة المُقنِّن خلال مدّةٍ زمنيّةٍ معيّنةٍ، إنّما تفسّر نص القانون طبقًا للتحولات الاجتماعيّة، بمعنى أنّه بدلًا من البحث عن قصد المشرِّع الحقيقيّ، يبحثون عن إرادته المحتملة في الظروف الحالية الراهنة.
ما تمت الإشارة إليه من ضرورة الاهتمام باللغة وقواعدها ومبادئها في مناخ علم الحقوق وتفسير القانون، يوجد في باقي المناخات التفسيريّة أيضًا من قبيل التفسير الأدبي، وتفسير النصوص الدينيّة، وتفسير النصوص التاريخيّة، وليس بوسع الاتجاهات والمدارس التفسيريّة المختلفة تجاهل دائرة اللغة ومقتضياتها الخاصّة التي تراعى عن طريق المبادئ والقواعد اللغويّة.
ولتعريف القارئ المحترم على نوعيّة هذه الإلزامات التفسيريّة العامّة، نشير إلى نماذج منها:
أ. عدم جواز انتقاء أجزاء من النصّّ، وضرورة قراءة النصّّ قراءةً كليّةً شاملة؛ إذ إنّ للنصّ هويّةً متصلةً، والعبارات والكلمات والجمل تأتي فيه متتابعةً لتفيد قصدًا ومرادًا كليًّا، وتنقل للمتلقّي مضمون رسالة ما؛ لذا فانتقاء جزءٍ من أجزاء النصّّ من بدايته أو نهايته أو وسطه والحكم معنائيًّا على النصّّ انطلاقًا من ذلك الجزء الصغير منه بعيدًا عن الأجزاء الأخرى، لا ينسجم مع نسيج اللغة وحبكتها والمبادئ التي تسود طريقة فهمها. من هنا يجب استخراج معنى النصّّ في ضوء كلّ أجزاء النصّّ المترابطة بعضها مع بعض.
ب. ضرورة تقديم الجمع العرفي بين العبارات على احتمال التعارض والتناشز والتهافت. قد تلاحظ على بعض النصوص حالاتٌ يكون فيها مدلول عبارةٍ ما، غيرَ متلائمٍ مع مدلول عبارةٍ أخرى، ويلاحظ بينهما تعارضٌ
مضمونيّ. وفي بعض حالات التعارض يمكن الجمع بين المدلولين بمعونة إعمال القواعد اللغويّة والضوابط العقلائيّة والعرفيّة، على سبيل المثال إذا كانت جملةٌ من إعلانٍ ما يُستفاد منها العموم، وكانت جملةٌ أخرى منه ذات مدلولٍ خاصٍّ غير منسجمٍ مع الجملة العامّة، من قبيل أنّ الجملة الأولى تقول: «تُلغى إجازات جميع الجنود حتى إشعار آخر»، بينما مضمون الجملة الخاصة هو: «بوسع الجنود المتزوّجين التمتّع بإجازة يومين من كلّ شهر»، فعلى الرغم من أن التعارض بين المدلولين مشهودٌ بوضوحٍ للوهلة الأولى، بيد أنّ عرف أهل اللغة سيحمل الجملة الثانية على تخصيص تلك الجملة الأولى العامّة، ولا يرى إحداهما نافيةً للأخرى، وسيفهم العرف العامّ من هاتين الجملتين أنّ إجازات كلّ الجنود غير المتزوّجين قد ألغيت، بينما يحقّ للجنود المتزوّجين التمتع بيومين إجازة في كلّ شهر. إذًا، بدل أن نضطر بدافع استقرار التعارض إلى إلغاء أو إهمال إحدى الجملتين، أو أنْ نتهم القائل أو الكاتب بالاضطراب والتهافت وعدم الدقّة، نحافظ على كلا المدلولين بالجمع العرفي العقلائي الذي يخصّص الجملة العامّة بالجملة الخاصّة، ومع أنّ الجملة العامّة تبقى عامّة في ظهورها الاستعمالي، لكنّها تتخصّص بالجملة الخاصّة من حيث المراد الجديّ للكاتب. من هنا يضعُ علماء الأصول قاعدةً تفسيريّةً: «الجمع مهما أمكن أولى من الترك».
ج. ضرورة مراعاة شروط الإطلاق والتقييد. في الحالتين الماضيتين كانت توجد إشارة إلى إلزام وضرورة عامّة وكليّة من حيث الموضوع، وتفرض نفسها على كلّ نصٍّ وفي كلّ الظروف، بينما هذا الإلزام الثالث يتعلّق بحالةٍ خاصّة هي حالة الإطلاق أو الحمل على مقيّد، وهي حالةٌ شائعةٌ خصوصًا في النصوص الفقهيّة والحقوقيّة. الإطلاق والتقييد يحصلان أحيانًا في كلمة، وأحيانًا أخرى في مضمون جملةٍ كاملةٍ. تصرِّح كتب علمائنا الأصوليين بأنّه أينما لا يتسنّى الإطلاق والحمل على الإطلاق في جملةٍ ما أو كلمةٍ ما، وأنّ المتكلِّم أو المؤلِّف لم يُقيّد مراده بقيدٍ، بل أراده على نحو الإطلاق، فتبعًا للظروف التي تسمّى «مُقدّمات الحكمة»، إذا كانت إحداها مفقودة تعذّر حملُ
(22)الكلام على الإطلاق، مثلًا يجب أنْ يكون القائل أو المؤلِّف في مقام البيان من جهة الإطلاق، ومثال ذلك الحديث النبوي القائل «الناس مُسلَّطون على أموالهم»، وهو حديثٌ شريفٌ انعكس في قانوننا المدني (في المادة 30) على النحو الآتي: «يحقُّ لكلّ مالكٍ أنْ يتصرّف في ملكه وينتفع منه بأيّ شكلٍ باستثناء الحالات التي يستثنيها القانون»، يمكن الادعاء أنّ صاحب الكلام في مقام البيان حول الأموال والممتلكات؛ لذلك يشمل كلامه مطلق الأموال والممتلكات، بينما لم يحرز مقامُ البيان بالنسبة إلى قيود وشروط التسلّط وإعمال السلطة على المال؛ أي لم يُحرز أنّ القائل هنا أراد التطرّق لشروط التسلّط على الأموال وبيانها؛ لذلك لا يمكن بالتمّسك بإطلاق «الناس مُسلَّطون على أموالهم»، لاستنتاج أنّه: «لا يوجد أيّ قيدٍ أو شرطٍ في إعمال السلطة والتصرّف في المال؛ إذ لو كان مثل هذا القيد أو الشرط لوجب بيانه في مفاد الحديث»، والسبب هو أنّ صاحب الكلام لم يكن في مقام بيان القيود والشروط التي من قبيل الإطلاق والتقييد، وعدم وجود قدرٍ متيقَّن، وعدم وجود قيد وقرينة تقييديّة من باقي مقدّمات الحكمة، وشروط الإطلاق التي تطرق إليها علماء الأصول بالتفصيل في كتبهم. على كلّ حالٍ، مراعاة هذه الضوابط والقيود للإطلاق والإلزام والقيود التي تفرض نفسها على المفسِّر، وتجعل فهمه للنصّ مقعّدًا بقواعد، بحيث يغدو إطلاقه مُبرَّرًا معقولًا عندما يكون ضمن إطار لوازم الإطلاق وضوابطه.
وكما سلفت الإشارة، فإنّني هنا لست في مقام إحصاء هذه الينبغيّات والإلزامات اللغويّة، وإلّا ففي مجالاتٍ مختلفةٍ من قبيل إدراك معنى الألفاظ، والحمل على الحقيقة أو المجاز، واستخلاص المفاهيم (المفاهيم المخالفة أو الموافقة)، وتخصيص العام، وتخصيص العام بمفهوم مخالف، والحروف ذات المعاني والاستعلامات المتنوّعة (من قبيل حرف الواو الذي يستعمل للعطف، وللاستئناف، وللترادف، وللمقابلة، وللملازمة)، وبمعنى «مع» و«ما شاكل»، توجد إلزامات وقواعد وشروط كلّها من مقتضيات اللغة والبيئة العقلائيّة والعرفيّة للتفهيم والتفاهم العقلائيّ، و من دون الالتفات إليها، والوفاء بها، ومراعاتها بشكلٍ صحيحٍ لن يتأتّى الفهم الدقيق لمراد صاحب
(23)الكلام، وإقامة التواصل اللغوي بشكل كاملٍ، وكلّ الضوابط والقواعد التي تندرج في إطارها هي من مصاديق «الأخلاقيّات العامّة للمعنى»، والإلزامات والينبغيّات المشتركة العامّة لحيز تفسير النصّ.
لقد سبق أنْ ذكرنا، لكلّ نظريّةٍ تفسيريّةٍ ينبغيّاتها وإلزاماتها التي تفرض نفسها على قارئ النصّ ومفسِّره؛ لذلك سنعمد في هذه الفقرة إلى ذكر الخطوط والمحاور الأساس للإلزامات والأخلاقيّات النابعة من نظرتنا التفسيريّة في باب أنطولوجيا المعنى والتفسير، وإبستمولوجيا المعنى والتفسير. إنّ أجزاء هذه الأخلاقيّات وعناصرها هي في الواقع بحكم النتيجة العمليّة والانعكاسات الطبيعيّة لتصوّراتنا حول المعنى وآليات فهمه في مضمار الاستراتيجيّات والأُطر التي تسود عمليّات تفسير النصّ والتعامل معه. هنا أيضًا تنصبّ المحاولة على عرض مجموعة من الينبغيّات والإلزامات المهمة النابعة من نظريتنا المتبنّاة من دون أن نرمي إلى إحصاء واستقصاء الحالات كلّها، مضافًا إلى أنّني أحاول وفي ضوء أهمية بعض الحالات، استعراضها بمزيدٍ من التفصيل.
إدراك المعنى المراد وما يروم النصّ إلقاءه وبيانه هو الهدف الرئيس من قراءة النصّ ومراجعته، بيد أنّ قارئ النصّ يعرض أفكارًا متعدّدةً حول النصّ ليست كلّها بيانًا لمراد النصّ، إنّما هي حول معنى النصّ.
وينبغي المحافظة على هذه الحدود ومراعاتها والتنبّه لها. إنّ ما يشكلّ التفسير بالمعنى الأخصّ للكلمة هو إيضاح وإعلان المعنى الذي قصده المؤلِّف من صفّ ألفاظ النصّ أو إلقاء الكلام.
من هنا فإنّ الكلام أو الكتابة حول ما يريد النصّ نقله وإبداءه يعدّ نوعًا آخر من التعامل مع النصّ غير التعامل التفسيريّ مع النصّ.
في التفاسير الرسميّة للقرآن، بل حتى في الروايات التفسيريّة توجد أفكارٌ
وآراءٌ كثيرةٌ لا تتعلّق مباشرة بالكشف عن معنى الآية، إنمّا هي «حول» تلك الفكرة التي تروم الآية الكريمة بيانها إجمالًا؛ ولذلك لا يمكن الانتفاع من تلك الروايات لتفسير الآية وإدراك المعنى المقصود منها.
بعض أنواع التعامل مع النصّ من قبيل النقد والحكم والمقارنة لا تفضي إلى نسبة معنًى ما إلى النصّ، إنّما هي كلام «حول» مضمون النصّ ومعناه بعد الفراغ من إدراك ذلك المعنى. ومن الطبيعي أنْ تكون هذه الأنواع من التعامل خارج نطاق عمليّة اكتشاف المعنى وتعيينه، لذلك لن يبقى معنى لمحوريّة قصد المؤلِّف في مثل هذه الأنواع من التعامل. أما في الأنواع التي ينصبّ فيها نشاط القارئ على إدراك محتوى رسالة النصّ ومعناه، فحسب نظريتنا المتبنّاة التي ترى أولًا أنّ للنص معنىً متعينًا، وترى ثانيًا أنّ هذا المعنى مستقلٌ عن عمليّة قراءة النصّ، وثالثًا تربط قيام هذا المعنى المتعيّن ووجوده «عامل تعيين المعنى» بقصد المؤلّف ونيّته، حسب هذه النظرية فإنّ أنواع التعامل مع النصّ يجب أنْ تعنى باكتشاف المراد الجدي للمؤلِّف والمعنى الذي قصده. كذلك في استنطاق النصّ، مع أنّ القارئ يطرح أسئلةً، وعمليةُ الاستنطاق تبدأ من القارئ وذهنيته وأسئلته التي يطرحها، بيد أنّ الجواب يأتي من النصّ، ونتيجةُ الاستنطاق هي بوجه من الوجوه مقصود المؤلِّف، وهو ما مرّ بنا شرحه في الفصل السابق، حيث قلنا إنّها من المدلولات اللزوميّة لكلام المؤلِّف ومراده.
الاعتقاد بأنّ الهدف من التواصل اللغويّ، وإبداع النصّ هو نقل المعنى الذي يقصده المؤلِّف وتفهيم مراده الجاد للمتلقِّي، لا يترك مجالًا لمحوريّة القارئ وتركه حرًّا في عمليّة قراءة النصّ، وحيث إنّ النزعة العينيّة بكلّ أشكالها ممتزجةٌ بالنزعة المنهجيّة، ففي قضيّة تفسير النصّ أيضًا نعتقد بالنزعة
العينيّة التفسيريّة والالتزام بوجود معنى متعيّنٍ للنصّ مستقلٍّ عن القارئ وقراءته، وهو ما يؤكّد ضرورة مراعاة الضوابط والـمراحل والشروط التي تسود الـمنهج الصحيح للوصول إلـى ذلك الـمعنى الـمتعين وفـهـمـه.
المراد من القراءة المنهجيّة المقعّدة للنصّ هو أنّ إشراك أيّ عاملٍ والاهتمام بأيّ شاهدٍ وقرينةٍ في إدراك معنى النصّ وفهمه يجب أنْ يكون مسوَّغًا وعقلانيًّا.
إنّ قبليّة كون اللغة صناعةً اجتماعيّةً ووسيلةَ تواصلٍ وتفهيمٍ وتفاهمٍ عرفيّةً بين العقلاء، مضافًا إلـى قبليّة أخرى تقول: إنّ الـمتكلم أو الـمؤلِّف بوصفه مستعمِلًا للغة لـم يـخرج عن طريقة التفهيم والتفاهم اللغـويّة، ومن الـمفترض أنّـه ملتـزمٌ بالأصـول والضـوابط والطريقـة العقـلائيّـة للتواصل اللغوي، هاتان القبـليتـان تأخذان بأيدينا إلى نتيجةٍ فحواها أنّ من واجب الـمفسِّر فـي عمليّة فهم النصّ وقراءته عدم العدول عن الأصول والمبادئ والضوابط العقـلائيّة للتفهـيم والتفـاهم، وليس من حقّه عنـد قراءة النـصّ فرض ذوقـه الشخصيّ واحتمالاته غير المألوفة وغير المتطابقة مع المنهج العقلائيّ المعهود.
لذلك لا يجوز اعتماد قرائن لا يعدّها عرفُ العقلاء قرائنَ، كما إنّ الظهور الشخصيّ للكلام يبقى بلا قيمةٍ ولا اعتبارٍ ما لم يؤيّده العرفُ، وما لم ينسجم مع الظهور النوعي للكلام.
في كثير من النظريّات التفسيريّة، وخصوصًا النظريّات الذاتانيّة القائلة بمحوريّة القارئ، يُعدُّ الاختلاف في الفهم مبدأً وأساسًا في التعامل مع النصّ، فالاختلاف في فـهم النـصّ الواحـد ليس حالةً مذمومـةً؛ بل هو حالةٌ مـحبّـذةٌ ومسـوّغة؛ بل إنّ بعض النظريّات التفسيريّة ركزت جلّ اهتمـامها في تبيين وتسويغ هذه التعدّدية في الفهوم، وكما لاحظنا في القسم الأول من الفصل الثالث، تعارض التفكيكيّة كلّ المناحي التوحيديّة في عمليّة التفسير التي تروم
وضع القارئ داخل إطار معينٍ والسيطرة على فهم النصّ وتقعيده وضبطه ومراعاة جملة من الإلزامات والمعايير المقيِّدة لعمليّة التفسير، فهي تـرفـض وتـدين مسـبقًا هـذه الـمعتـقـدات والنـزاعات وتطـلق عليها عنـاوين مـن قبيـل «ميتـافـيزيقـا التـواجـد»، و«محـوريّة الكـلام»، و«محـوريّة العقـل». وفي الاتجاهات الذاتانيّة المحافظة مثل الهرمنوطيقا الفلسفيّة الأساس هو الاختلاف والتفاوت في الفهم أيضًا، بحيث حتى لو كان القارئ واثقًا من مراد المؤلِّف وقصده، فلا يوجد أيّ شيءٍ يلزمه بقبوله هذا المعنى المقصود وجعله معيارًا لفهم النصّ، ومن الطبيعي أنّه عندما لا يكون ثمّة معيارٌ لرجحان وتفوّق فهم على فهم آخر، فسوف يكون المؤلِّف أحد قرّاء النصّ ليس إلّا، ومفسِّرًا إلى جانب باقي المفسرين والقرّاء، وستغدو تعدّدية الفهم وتباينه أمرًا طبيعيًّا متطابقًا مع الأصل والقاعدة.
المعيار والمؤشّر في فهم النصّ، في النظريّة التفسيريّة المتبنّاة هو قصد المؤلِّف ونيّته؛ ولذا فالاختلاف والتباين في الفهم ليس قيمةً ولا متطابقًا مع الأصل والقاعدة، إنمّا الوضع الطبيعي والمألوف لفهم النصّ وقراءته هو أنْ يُفهم المعنى الذي قصده المؤلِّف ويُدرَك مضمون رسالته (بوصفه فاعل التواصل الذي استعمل الشواهد والقرائن والدالّات العقلائية والمقبولة عرفيًّا عند أهل اللغة بهدف التفهيم) من قبل متلقّي النصّ وقرائه، بيد أنّ هذا لا يعني عدم جواز الاختلاف والتباين في الفهم؛ بل يعني أنّ اختلاف الفهم يجب أنْ يقوم حين يقوم على أساس قرائن وشواهد، وأنْ توجد دلائل تسويغيّة كافية لفهم النصّ بنحوٍ مختلفٍ، كما إنّ النظريّة التفسيريّة المتبنّاة لا ترى الاختلاف في الفهم حالةً اختياريًةً حرّةً بلا ضوابط. طبقًا لهذه النظرية؛ لأنّ المفسرين لهم هدفٌ وغايةٌ مشتركةٌ هي إدراك المراد الجدِّي للمؤلِّف؛ لذا يجب أنْ يتحرّكوا باتجاه الوصول إلى ذلك المعنى المتعيّن المشترك الواحد،
وإذا حصل اختلافٌ وتباينٌ في الفهم، فيجب أنْ يكون بسبب وجود عوامل ومشكلات تجعل الاختلاف ممّا لا مناصَ منه.
يعود السبب في اختلاف التفاسير في الاتجاهات التفسيريّة الذاتانيّة والقائلة بمحوريّة القارئ في الغالب إلى القارئ نفسه وذهنيته، فأمور من قبيل «المجتمع التفسيري» الذي ينتمي إليه القارئ، والأفق المعنائي للمفسِّر، وأفق توقعات المفسِّر وترقّباته وميوله، ورغبة المفسِّر في اللعب لعبًا معنائيًّا متحرّرًا من أيّ عاملٍ مقيِّدٍ لعمليّة القراءة، كلّها عللٌ وأسبابٌ تُطرح عادةً من قبل النظريّات التفسيريّة الذاتانيّة مثل البراغماتيّة المحدثة، والهرمنوطيقا التفسيريّة، والتفكيكيّة، لتبرير الاختلاف بين الفهوم والتفاسير. أمّا في النظريّة التفسيريّة المتبنّاة، فغالبًا ما يعود السبب في تباين الفهوم وتعدّديتها عندما يحصل مثل هذا التباين -ونؤكد هنا أنّ الاختلاف والتباين في النظريّة المتبنّاة ليس سياقًا مألوفًا وحالةً طبيعيّةً متطابقةً مع الأصل- غالبًا ما يعود إلى أمورٍ خارج ذهنيّة المفسِّر وإرادته.
الاختلاف في الفهم والتفسير يحصل أحيانًا بسبب أنّ الحروف في اللغة تستعمل بمعانٍ متعدّدة، ولكلّ استعمالٍ من هذه الاستعمالات شواهدها وقرائنها في اللغة. وفي بعض الحالات ليس من الواضح أيّ استعمالٍ من تلك الاستعمالات هو المقصود، وهذا ما يؤدّي إلى الاختلاف في الفهم والتفسير. على سبيل المثال يستعمل حرف «الباء» في اللغة العربيّة بمعانٍ عدّة، وفي الآية القرآنيّة الكريمة المتعلّقة بمسح الرأس عند الوضوء: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلَاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ﴾، إذا كانت الباء في ﴿بِرُءُوسِكُمْ﴾ بمعنى «التبعيض»، فسيكون المعنى لزوم المسح على جزءٍ من الرأس، وإذا كان القصد هو باء التأكيد، فسيكون المعنى مسح كلّ أطراف الرأس، واستعمال الباء في كلا المعنيين «التأكيد
[2]. المائدة: 6.
والتبعيض» جائزٌ ومألوفٌ وله شواهده في اللغة العربية. والمثال الآخر هو أن حرف الواو يستعمل أيضًا بمعانٍ متعدّدة؛ وفي الآية المتعلّقة بأكل لحم الذبيحة من سورة الأنعام: ﴿وَلَا تَأْكُلُوا مِمَّا لَمْ يُذْكَرِ اسْمُ اللَّهِ عَلَيْهِ وَإِنَّهُ لَفِسْقٌ ۗ﴾ من المحتمل أنْ يكون حرف الواو في ﴿إِنَّهُ لَفِسْقٌ﴾ واو الاستئناف، ومن المحتمل أنْ تكون الواو الحاليّة، فإذا كانت واو الاستئناف سيكون معنى الآية عدم جواز الأكل من الحيوان المذبوح دون ذكر اسم اللّه عليه، حتى لو كان الذابح مسلمًا لكنّه لم يذكر اسم اللّه عليه عند الذبح. أما إذا كانت الواو في الآية حاليةً لكان المعنى: إذا لم يذكر اسم اللّه على الذبيحة عند الذبح عن فسقٍ، فلا يجوز الأكل من تلك الذبيحة. في هذه الحالة إذا كان الذابح مسلمًا ولم يذكر اسم اللّه بسبب الغفلة، فلن تكون ثمّة مشكلة، أما إذا كان الذابح كافرًا أو مشركًا وذكر اسم آلهته أو صنمه عند الذبح عن فسقٍ وكفرٍ منه ولم يذكر اسم اللّه عند الذبح، فلا يجوز الأكل من لحم تلك الذبيحة.
وفي سورة آل عمران من المحتمل أن تكون الواو في ﴿وَالرَّاسِخُونَ﴾ في الآية الكريمة: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا﴾ واو العطف، ومن المحتمل أن تكون واو الاستـئنـاف، وسيتغيّر معـنى الآيـة فـي هاتين الحالتين؛ إذ لو كانت واو عطفٍ، فسيكون معنى الآية: أنّ الراسخين فـي العلم يعلمون أيضًا تأويل القرآن كما يعلمه اللّه. أما إذا كانت واو استئنافٍ، فسيكون الراسخون في العلم بدايةَ عبارةٍ جديدةٍ، ولا صلة لها بمضمون العبارة السابقة التي تحصر العلم بتأويل القرآن الكريم باللّه (عزّ وجلّ).
أحيانًا يكون منشأ الاختلاف في التفسير كون بعض الألفاظ والكلمات مشتركًا لفظيًّا أو أنّ استعمالها الحقيقي بأكثر من معنى، مثل كلمة «قُرْء» في اللغة العربية التي تعني «الطُّهْر» والنظافة، وتعني «الحيض» أيضًا؛ لذلك يقع
لاختلاف في تفسير الآية الكريمة من سورة البقرة: ﴿وَالْمُطَلَّقَاتُ يَتَرَبَّصْنَ بِأَنْفُسِهِنَّ ثَلَاثَةَ قُرُوءٍ﴾ ، فهل زمن عِدّة المرأة المطلّقة إتمام ثلاث حيضات أم إتمام ثلاثة أطهار، وأحد هذه الأطهار الثلاثة هو الطُهر الذي وقع فيه الطلاق؟ والنموذج الآخر مفردة «تخوّف» في الآية الكريمة من سورة النحل: ﴿أَوْ يَأْخُذَهُمْ عَلَىٰ تَخَوُّفٍ فَإِنَّ رَبَّكُمْ لَرَءُوفٌ رَحِيمٌ﴾ التي تعني الخوف، وتعني أيضًا على لغة هُذيل «التنقّص»، وهو ما يسبغ على الآية معنىً آخر.
وأحيانًا يكون للاختلاف في التفسير جذرٌ منهجيّ . على سبيل المثال يصرُّ بعض مفسّري القرآن على ضرورة إشراك روايات المعصومين عليهمالسلام وأحاديثهم في فهم القرآن، وفي المقابل يذهب فريقٌ آخر من المفسّرين
ومنهم العلامة الطباطبائي في تفسير الميزان إلى أنّ القرآن نفسَه يُفسِّر نفسَه، ويمكن الاستعانة بآيات القرآن لتفسير القرآن، ولا حاجة لمراجعة الأحاديث لفهم مضامين القرآن وإدراك معانيه. هذا على الرغم من أنّ العلّامة الطباطبائي يحاول إثبات أنّ نتيجة تفسير القرآن بالقرآن قريبةٌ جدًا من نتيجة تفسيره بالأحاديث. وبالطبع فإنّ هذين الرأيين المختلفين في منهجيّة تفسير القرآن يؤدّيان في بعض الحالات إلى اختلافات في فهم المعنى، خصوصًا وأن الأحاديث التفسيريّة متنوّعةٌ وكثيرةٌ، وفي غالب الأحيان ظنيّة الدلالة وغير قطعيّة، واعتماد هذه الروايات العديدة الظـنيّـة الـدلالـة يفـتح الباب أمـام تعدّديـة الفهـوم واتّسـاعها، كمـا إنّـه فـي الفـقـه حيث يقـع العبء الأكبر علـى عاتق الروايات والأدلة النقليّة لكونـها مصدرًا للشريعـة، تكـثـر الاختلافات فـي الفهم بسبب ظنيّة السند وظنيّة الدلالة فـي الأحاديث.
ومن جملة حالات الاختلاف في الفهم التي لها جذورها في ركائز التفسير الرؤيةُ غير المُسوَّغة لبعض المفسّرين القائلة إنّه إذا كان للمفردة معنى ما لدى قبيلةٍ من قبائل العرب، أو إنّ طائفةً من العرب تجيز استعمال لفظٍ ما بمعنى مُعيّن، فهذا يجيزُ أخذ تلك المفردة بذلك المعنى النادر الشاذ بغض النظر عن اللغة واللسان الذي نزل به القرآن وما هو مراد اللّه (تعالى) من تلك الآية. إذًا لا يجوز أنْ يذهب المفسِّر إلى أيّ احتمالٍ في تشخيص المعنى.
ينبغي الاعتراف -استنادًا إلى الواقع القائم- بأنّ الاختلاف في الفهم والتفسير يقع أحيانًا بسبب إشراك المفسِّر لقبلياته الكلاميّة في فهم النصّ بنحوٍ غير مسوَّغ لاسيمّا في الآيات المتعلِّقة بالمعارف الدينيّة والمعتقدات الكلاميّة التي هي موضع اختلافٍ بين الفرق والنحل المسلمة فمن الشائع أنْ يفرض المفسِّر -بسبب انتمائه لفرقةٍ كلاميّةٍ معينةٍ وبنحوٍ واعٍ أو غير واعٍ- مرتكزاته ومعتقداته الكلاميّة على الآية القرآنيّة، فيحاول تفسيرها ضمن إطار معتقده الكلاميّ. من باب المثال على ذلك يمكن الإشارة إلى بعض علماء الكلام الذين يعتقدون بإمكان تجسّم اللّه وتجسّده؛ لذلك نراهم يحافظون
(31)على المعنى الحرفي للآيات القرآنيّة التي ظاهرها نسبة الجسمانيّة إلى اللّه، ويعزفون عن تفسيرها استعاريًّا أو حملها على المجاز. وسبقت الإشارة إلى أنّ هذه الممارسة يمكن أنْ تُعدَّ من مصاديق التفسير بالرأي.
المراد من النصّ هو النصُّ الذي يمتاز بوضوحٍ في الدَّلالة بنحو لا يحتمل معنى غير ذلك المعنى الواحد المعين الذي يفيده بصراحة. في مثل هذه الحالات يجب أنْ يتمسّك القارئ بالمعنى المنصوص ولا يحاول باجتهاد غير مُبرَّر تجاهل المعنى الصريح للنصّ، وتقوية الاحتمالات الضعيفة عبر تجميع قرائن غير عقلائيّة وغير مألوفة.
قيل إنّ الدائرة المعنائيّة المحتملة لنصٍّ من النصوص أوسع دائمًا من المعنى المقصود والمتيقّن للنصّ. في عمليّة فهم النصّ من زاوية نظريتنا المتبنّاة ينبغي على المفسِّر أنْ ينحاز لأقوى الاحتمالات المعنائيّة، وأنْ يتمسّك بالمعنى الأظهر من باقي المعاني المختلفة التي تظهر من النصّ؛ لأنّ درجة كشفه وحكايته عن مراد المؤلِّف وقصده أشدُّ من المعاني المحتملة الأخرى. إنّ ركيزة هذا الإلزام الأخلاقيّ في مضمار التفسير هي طريقة العقلاء في التفهيم والتفاهم، حيث لا يميلون إطلاقًا عن المعنى الأقوى والأرجح لصالح المعنى المرجوح والأضعف؛ لأنّ أساس العناية بالظواهر المعنائيّة قدرتها على الكشف والحكاية عن مراد المؤلِّف وقصده، والمنطق الذي يسود الاحتمالات بنحو عقلائيّ يستدعي ملاحظة قوّة الاحتمالات المعنائيّة وضعفها في الحكاية عن الواقع (عند قصد المؤلف).
(32)
نَبذَ كثيرٌ من الاتجاهات والنظريّات التفسيريّة قضية «الاعتبار» في التفسير، فمن وجهة نظر هؤلاء لا ضرورة لأنْ يبحث المفسِّر في مناخ تعدّد الاحتمالات المعنائيّة والفهوم المتفاوتة للنصّ عن فهمٍ معتبرٍ، وقراءةٍ أفضل وأنسب للنصّ.
طبقًا لنظريتنا المختارة المتبنّاة، فإنّ تمييز التفسير «المعتبر»، من الفهم والقراءة «غير المعتبرة» للنصّ حالةٌ لها معناها ومسوَّغةٌ تمامًا، فليست الفهوم المتفاوتة لنصٍّ واحدٍ كلّها معتبرة، أو إذا تخلينا عن قضية المعتبر وغير المعتبر، فإنّ هذه القضيّة سوف تزول جذريًّا وبشكلٍ حقيقيّ، وسيغدو كلّ تفسيرٍ مرحّبًا به، وستكون تعدّدية الفهوم وتبايناتها أمرًا رسميًّا لا مندوحة منه. التفسير بالرأي مصداق جَليٌّ جدًّا للتفسير غير المعتبر، بيد أنّ التفسير غير المعتبر لا يقتصر على «التفسير بالرأي»، فقد يكون فهم النصّ غير معتبرٍ وغير حُجّةٍ ليس بسبب فرض المعنى على النصّ؛ بل بسبب قصور في فهم المراد الجدّي للمؤلِّف، أو عدم دقّة في القرائن والشواهد الدالّة على المعنى المقصود.
السؤال المهم والأساس هو هل توجد معايير ومؤشّرات لفحص الفهوم، والحكم على فهمٍ بأنّه معتبرٌ، وتمييزه عن الفهم غير المعتبر؟ هل يوجد لدى العلماء المسلمين وفي نظريتنا الـمختارة شيء اسمه «منطق الاعتبار» يمكن على أساسه تـمييز الفهم الـمعتبر والحجة للنصّ عن الفهوم غير الصائبة وغيرمعتبرة؟ نخوض في الإجابة عن هذا السؤال بطرح بحوثٍ تمهيديّةٍ عدّة.
ألمعنا فـي فصول سابقةٍ إلـى أنّ الطريـق الإثباتي للمتلقّي والـمفسِّر نحـو
وهو يعلم حتمًا أن منطق الاحتمالات يتعامل بمؤشّرات ومعايير كميّة عادةً، بينما لا تتسع المقولات الإنسانيّة والتاريخيّة، نظير تفسير النصّ، للمؤشّرات الكمية؛ لكنّه
ثم بمساعدة المؤشّرات الكيفيّة، معرفةُ الفهم والتفسير الأكثر احتمالًا والأرجح على باقي التفاسير. يوافق هرش الركيزة التي يطرحها كارل پوپر حول القضايا العلميّة وأنّ طبيعة القضايا العلميّة هي قابليتها للدحض وليس قابليتها للإثبات، مؤكدًا أنّ حقانية فهم أوتفسير وصحّته واعتباره مماّ لا يمكن إثباته، كما لا يمكن إثبات النظرية العلميّة؛ وهذا يعني عدم إمكان القطع باعتبار ذلك التفسير وأحقّيته. إنّ التفسير بوصفه «حكمًا محتملًا» حول المعنى الذي قصده المؤلِّف يمكنه أنْ يُطرح كتفسير أكثر رجحانًا واحتمالًا من باقي التفاسير، وهذه العمليّة لا تتمُّ بطريقة الإثبات المباشر لأحقيّة التفسير واعتباره؛ بل عن طريق دحض الأحكام والفهوم الأخرى المحتملة لـمعنى النصّ. وهذا الدحض يـحصل بمعونة القرائن والشواهد. لكن في حالات تعارض هذه القرائن والشواهد، وعدم توفّر مؤشرٍ كيفيّ يرجّح حكمًا محتملًا على باقي الأحكام، ستكون الظروف بنحوٍ لا يمكن ترجيح تفسير ٍوفهمٍ خاصّ باعتباره الفهم المعتبر والأكثر احتمالًا.
ولا يبقى إريك هرش وفيًّا تمامًا لركيزة كارل پوپر؛ ذلك أن پوپر لا يعدُّ القضايا العلميّة قابلةً للإثبات ولا قابلة للتأييد؛ بل يرى أنّ سمتها هو القابلية للدحض فقط، أما أريك هرش فمع أنّه يعدّ تفسير النصّ في عدم قابلية النظريّات والقضايا العلميّة للإثبات بشكل متساوٍ؛ لكنّه يرى أنّ الأحكام والفهوم المحتملة حول معنى النصّ قابلة للتأييد. من وجهة نظره من أجل تأييد أن تفسيرًا ما محتملٌ أكثر من غيره يجب الالتفات إلى أصول ومعايير أربعة يسمّيها هو «ضوابط تأييد التفسير»:
الضابطة الأولى للتفسير هي «الشرعية» أو «المشروعية» (legitimacy)؛ بمعنى أنّ قراءة النصّ يجب أنْ تكون أمرًا ممكنًا محتملًا في ضوء القيم والمعايير اللغويّة، وأنْ تعدّ مشروعةً أو شرعيةً وجائزةً وفق تلك المعايير اللغويّة للفهم والقراءة.
الضابطة الثانية هي تمتع تلك القراءة بـ«المطابقة»، بمعنى أنْ يكون ذلك الفهم أو تلك القراءة متطابقةً مع أجزاء النصّ، فلا تتجاهل جانبًا من النصّ.
الضابطة الثالثة أن يتجانس التفسير مع النمط المعنائي والنوع الذاتـي للنصّ تـجانسًا من حيث السنخ، فمثلًا لو فسّرنا نصًّا علميًّا تفسيرًا رمزيًّا إشاريًّا نكون قد تجاهلنا ضابطة التجانس من حيث السنخ.
أما الضابطة الرابعة فهي مراعاة المطلوبية أو الانسجام (coherency). فالقراءة التي تتقدّم وترجّح على سائر القراءات هي تلك التي تتمتّع بعنصر الانسجام مع النصّ أكثر
(34)إدراك مراد المؤلِّف أو المتكلّم الجدّي هو «ظهور» الكلام والنصّ؛ فالحجّة والمعتبر في عرف العقلاء هو ما يظهر من النصّ والكلام في تعيين المدلول المطابقي والمدلول اللزومي. إنّ حُجّيّـة ظـواهر الكـلام واعتبـارها، وهو ما يسمّى «أصالة الظهـور» مبدأ عقـلائيّ تتعلّق به سيرةُ العقلاء؛ فهم يعنون ويأبهون لما يظهر من الكلام، ويعدّونه ظهورًا معتبرًا. وتؤيّد سيرة المتشرِّعة هذا المبدأ، ففي الأجواء الدينيّة والسيرة العمليّة لأهل الشريعة أيضًا يُعتمد ويُتّخذ ما يظهر من الآيات والنصوص القرآنيّة والروائيّة. ولا تعود أصالة الظهور وحُجيّة ظواهر النصوص واعتبارها إلى التعبّد العقلائي وموضوعيّة الظهور؛ بل إلى كاشفية الظهورات عن مراد صاحب النصّ ومقصوده، فلها إذًا طابعٌ طريقيّ، فلمّا كان ظهور النصّ كاشفًا عن المعنى الذي يقصده المؤلّف،
وهو طريقنا نحو المراد الجدي الذي قصده المؤلِّف؛ لذا يهتمّ العقلاء
بالظهورات ويعدّونها حجّةً معتبرةً، لا من باب أنّ الظهور هو ظهور للكلام، وبغض النظر عن كاشفيته وطريقيته نحو شيءٍ ما «مراد صاحب النصّ».
النقطة الأخـرى هي أنّ الظهـور الشخصـي والفـردي لا يقـوم مقـام الصغـرى والمصداق لكبرى أصالة الظهور، إنّمـا الظهور الحجّة والـمعتبر للكلام هو الظهور النوعي والموضوعي، بمعنى أنّ المفسِّر لا يرى الكلام ظاهرًا بهذا المعنى لأسبابٍ فرديّةٍ ولملابساتٍ واهتماماتٍ وعلاقاتٍ شخصيّة؛ بل إنّ العرف وأهل اللغة يفهمون من هذا الكلام هذا المعنى بشكل نوعيّ موضوعيّ.
وفي حالة إحراز أنّ ظهور الكلام ناجمٌ عن رغباتٍ وملابساتٍ وعلاقاتٍ فرديّة، فسيكون مثل هذا الظهور ظهورًا شخصيًّا ذاتيًّا للكلام، ولن يُعدَّ حجّةً أو معتبرًا.
المقدّمة الثالثة هي أنّ احتمال عدم التطابق بين الظهور النوعيّ العرفيّ للنصّ، وبين المراد الجدّي للمؤلِّف احتمالٌ منتفٍ معدوم، والسبب في ذلك هو أنّ أسباب ومصادر عدم التطابق المحتمل هذا لا يُؤبه لها حسب الأصول والمبادئ العقلائيّة السائدة على التواصل اللساني.
من باب المثال، قد يكون من أسباب عدم تطابق ظاهر الكلام مع المراد الجدّي للمؤلِّف أنّ صاحب الكلام ربّما لم يقصد من كلامه أو كتابته التعبير عن مراده الجدّي. في هذه الحالة مع أنّ الظهور النوعي يمارس دور الطريقيّة والكاشفيّة عن المراد الجدي، ولكن بسبب الفقدان الثبوتي والواقعي لمثل هذا المراد والقصد (بسبب الإهمال وعدم التموضع في مقام البيان) لا يحصل التطابق بين الظهور النوعيّ والمراد الجدّي لصاحب الكلام.
كما يلاحظ، لا يمكن لهذا الاحتمال أن يكون ذريعةً للشكّ أو إضعاف احتمال تطابق الظهور النوعيّ للنصّ مع المراد الجدّي للمؤلِّف؛ لأنّ العقلاء والعرف يعدّون الإهمال وعدم التموضع في مقام البيان من قبل مؤلِّف يُقدِم على كتابة نصٍّ ما حالةً أو احتمالًا لا يُؤبه له وغير مبرر.
(36)
نموذج آخر لمنشأ أو سبب عدم التطابق بين الظهور النوعي وبين المراد
الجدّي للمؤلِّف هو أن يتكِّئ المتكلّم في بيان مراده وقصده على قرينة متّصلة أو منفصلة بقيت خافيةً عن أنظار المتلقّين والعرف.
في هذه الحالة حتى لو أحرزنا قطعيًّا أنّ ما فهمناه من النصّ هو ظهوره النوعيّ، فلا يمكن الاطمئنان إلى أنّ ظاهر الكلام هو المراد الجدّي للمؤلِّف؛ وذلك بسبب احتمال وجود قرينةٍ يغيّر الاطلاع عليها مصير ظهور الكلام. هنا أيضًا يجب القول إنّ المبادئ والقواعد التي تسود اللغة وسيرة العقلاء في التفهيم والتفاهم لا تتّسع لمثل هذه الاحتمالات، فهم لا يتخلّون عن كاشفيّة الظهور النوعيّ عن المراد والقصد النهائيّ للنصّ لاحتمالٍ مجرّدٍ بوجود قرينةٍ لا يوجد عليها أيّ شاهدٍ لُغَويّ أو غير لُغَويّ.
والمقدّمة الأخيرة هي أنّ كاشفيّة الظهور النوعي عن المراد الجدّي ظنيّةٌ في أغلب الحالات، ولا تكون قطعيّةً ويقينيّةً إلّا في حالاتٍ قليلةٍ وخاصّةٍ يُعدُّ فيها النصّ كما في المصطلح «نصًّا» على المعنى المراد، ولا يَحتمِل فيها القارئُ والمتلقّي معنًى سوى ما يظهر به النصّ. وعليه إذا كان الظهور النوعي محورًا وأساسًا لفهمٍ معتبرٍ ومعيارًا لتمييزه عن الفهم غير الـمعتبر، فلهذا الـمعيار طابعٌ ظنيٌّ غير قطعيّ، وبعبارةٍ أخرى: الـحُجيّة والاعتبار في تفسير النصّ لهما في أغلب الأحيان تأثيرٌ ظنيّ.
يتجلّى من مـجموع هذه الـمقدّمات -طبقًا للمبنى التفسيري لعلمائنا الأصوليين وحسب التحليل الذي يعرضه عادةً الفقهاء والعلماء المسلمون لآليّة فهم النصّ حول محوريّة الظهور النوعيّ وأصالة الظهور- إن التفسير المعتبر يُرادف مع الظهور النوعي للكلام، وكلّ ما يُصنَّف ضمن التفسير والفهم غير المعتبر للنصّ هو في الواقع فهمٌ غير متطابق مع الظهور النوعيّ. إذًا، ففي النظريّة التفسيريّة الشائعة بين العلماء المسلمين، على افتراض إحراز الظهور النوعيّ لن نواجه شيئًا اسمه «منطق الاعتبار» كمجموعةٍ من المؤشّراتٍ والمعايير. إنّ التفاسير المتفاوتة للنصّ ليست في عرض بعضها،
(37)ولا يعرف المعتبر منها من غير المعتبر بوساطة سلسلة من المؤشّرات
والمعايير، إنمّا إذا تطابق تفسيرٌ مع الظهور النوعيّ للكلام، فلن ترتقي سائر التفاسير غير المتطابقة مع الظهور النوعي إلى مرتبته إلى أنْ يتحدّد الـموقف منها بوساطة الـمؤشّرات والمعايير «منطق الاعتبار». إحراز أن فهمًا وتفسيرًا للنصّ يتطابق مع الظهور النوعيّ سيكون المعيار الوحيد للفرز بين التفسير الـمعتبر وغير الـمعتبر. وتبرز الحاجة لمنطق الاعتبار بوصفه مجموعةً من الـمؤشّرات والمعايير عندما يكون الظهور النوعيّ حالةً متشابهةً غير أكيدة وتوجد ادّعاءات متعارضة بخصوص إحرازها، وهذا ما سوف نتطرق له قريبًا.
تعود المشكلة كلّها في هذا التحليل للاعتبار في التفسير إلى السؤال القائل: كيف يتسنّى إحراز أنّ فهمًا ما يتطابق مع الظهور النوعي؟ الشيء الذي يجعل هذه المشكلة أكثر واقعيةً هو التنبّه إلى نقطةٍ معينةٍ، وهي أنّ عمليّة الاستظهار من النصّ (طلب الظهور) تحصل في كلّ قراءةٍ من قبل شخص المفسِّر؛ لذا يبقى دائمًا احتمالُ أنْ تكون حصيلة هذه العمليّة وهذا الاستظهار ظهورًا شخصيًّا وذاتيًّا، وليس ظهورًا نوعيًّا وعرفيًّا للكلام، وبالنتيجة سيكون ادّعاء الوصول إلى الظهور النوعيّ من قبل كلّ مفسِّرٍ متعارضًا مع ادّعاء باقي المفسِّرين في تطابق استظهارهم مع الظهور النوعيّ.
وعليه فالسؤال أنّه أيّ ادّعاء يتطابق مع الواقع؟ وأيّ واحدٍ من الاستظهارات هو الظهور النوعيّ؟ ثم ما الظهور المتطابق مع المراد الجدّي للمؤلِّف والكاشف عنه؟ في مثل هذه الوضعيّة يمكن التحدّث عن «منطق الاعتبار» بوصفه مجموعةً من المؤشّرات والضوابط التي تستطيع تشخيص الظهور النوعيّ الحقيقيّ من بين الادّعاءات الشخصيّة القائلة جميعها باكتشاف الظهور النوعيّ.
الإجابة عن هذا السؤال منوطةٌ بحلّ قضيةٍ: كيف نستطيع إحراز الظهور النوعيّ الموضوعيّ؟ إذا قال قائلٌ: إنّ لهذا الإحراز طابعَ (التعبّد العقلائي)، بمعنى أنّ القاعدة والأصل في العرف العام وعند العقلاء هو أنّ ما يفهمه
(38)كلّ شخصٍ من الكلام وما يشخّصه ظهورًا للكلام هو معيار ومؤشّر الظهور
النوعي، وفهمه للكلام وما يتبادر إلى ذهنه من الكلام هو «أمارةٌ عقلائيّةٌ» لإحراز واكتشاف الظهور النوعيّ، وفي هذه الحالة أيّ مفسِّرٍ يدّعي أنّ الظاهر الذي استظهره من النصّ هو الظهور النوعي، فهذا الادّعاء يُصدَّق من قبل العرف والعقلاء، وإذا تكرّر هذا الادّعاء من قبل مفسرين عدّة باستظهاراتٍ متباينةٍ سيعترف العقلاء والعرف بكلّ هذه الفهوم المتعدّدة بوصفها فهمًا معتبرًا، مع أنّه في الواقع (دون أخذ هذا المبنى والتعبير العقلائي بالاعتبار) من غير المعقول ومن غير الممكن أنْ تكون كلّ هذه الاستظهارات كاشفةً عن الظهور النوعيّ، ومتطابقةً مع المراد الجدّي للمؤلف.
الحلّ الثاني هو أنْ نقول: إنّ هذا الإحراز يجب أنْ يكون وجدانيًّا وتحليليًّا، بمعنى أنّ استظهار شخصٍ ما لا يمكنه أنْ يكون طريقًا ودليلًا نحو الظهور الموضوعيّ والنوعيّ، إنّما يجب أخذ الفهوم والتبادرات الذهنيّة لأشخاصٍ متعدّدين عن نصٍّ ما بالاعتبار ومتابعتها، حتى تكون النتيجة قائمةً على تجميع الاحتمالات، وطبقًا لحساب الاحتمالات، فإنّ اشتراك الفهم بين أفراد متعدّدين لنصٍّ واحدٍ يكشف عن نقطةٍ مشتركةٍ تسببت في هذا التقارب في الفهم، والنقطة المشتركة هي أنّ فهم هؤلاء الأفراد قام على أساس القواعد العامّة والأصول التي تسود المحاورات، وليس من المقبول طبقًا لحساب الاحتمالات أنْ نتصوّر أنّ كلّ واحدٍ من هؤلاء الأشخاص المتعدّدين وصل إلى هذا الفهم المشترك في ضوء دلائل وقرائن شخصيّة، وأنّ اشتراكهم في الآراء تصادفي تمامًا.
بل اشتراكهم في الفهم سببه أنّهم جميعًا وصلوا إلى الظهور النوعيّ، وأنّ استظهارهم للنصّ لم يكن ذا طابعٍ ذاتيّ وشخصيّ.
يعتقد كاتب السطور أنّ التحليل الأوّل لطريقة إحراز الظهور الموضوعيّ أقرب إلى الواقع؛ فإنّ السياقات والأجواء التي تسود قضية التفسير في الحقول العلميّة
المختلفة ذات الصلة بقضيّة فهم النصّ وتفسيره لا تنيط اعتبار التفسير وصحّة الفهم المعروض للنصّ بعملٍ ميدانيّ كمّيّ باتجاه تجميع فهومٍ مشتركةٍ ومتساوية، ثم تنتقل بمساعدة حساب الاحتمالات من تقارب فهوم أشخاص متعدّدين إلى تطابق هذه الفهوم مع القواعد العقلائيّة للفهم واستحصال الظهور النوعيّ.
ولهذا السبب يلحظُ في مناخ علم الحقوق وتفسير القوانين وفي أجواء الفكر الدينيّ وتفسير النصوص الدينيّة ليس الدارج عند الاختلاف في الفهم والتفسير أنْ يتمسّكوا بكثرة الفهوم المتساوية المتوافقة المشتركة (مؤشر كمّي وتجربي نابع من إحصاء الحالات التفسيريّة) لإثبات اعتبار الفهم والتفسير.
والحقّ هو أنّ العرف والعقلاء يثمّنون مساعي المفسِّر في استظهار النصّ بشرط أنْ يكون منهجيًّا مقعّدًا مضبوطًا يمتاز بالدقّة في جمع القرائن والشواهد وتشخيص دلالاتها، وبهذا الشرط يعتبرون فهمه كاشفًا عن المراد، ويرون الأصل والأساس أنّ استظهاره هو نفسه الظهور النوعيّ للكلام، وفي حال تعارض هذا الاستظهار مع فهوم وتفاسير سائر مفسّري ذلك النصّ، لا يخطِّئون المفسِّر الأول؛ بل يجيزون أنْ توجد فهوم معتبرة متعدّدة في ظروف الاختلاف في الفهم وادّعاء تعدديّة واختلاف الظهور النوعي للنصّ.
بمعنى أنّه على الرغم من أنّ المراد الجدِّي للمؤلِّف مراد متعين وليس بالأمر المتعدّد، ولكن لا يوجد في الطريق الإثباتي للوصول إليه، مؤشّرٌ قطعيٌّ يقينيٌّ لتمييز أوتشخيص أيُّ فهمٍ هو الفهم الذي يتطابق بدقّة مع المراد الجدّي.
من هنا، يُعدُّ إدراك وفهم المفسّرين الذين بذلوا جهودهم وطاقاتهم بطريقةٍ منهجيّةٍ لفهم الـمراد، ولـم تَدحضِ الشواهدُ والقرائنُ اللفظيّةُ وغير اللفظيّة دعاوى ظهورهم الموضوعيّ والنوعيّ، فيعد إدراكهم وفهمهم مسوَّغًا ومعتبرًا. وعلى هذا الأساس إذا افترضنا وجود فهوم منهجيّة مقعّدة عدّة تدّعي كلُّها الظهورَ النوعيّ استنادًا إلى شواهد وقرائن معيّنة، فلن يكون ثمّة شيءٌ اسمه «منطق الاعتبار» يحتوي مؤشراتٍ وضوابطَ عامّةً ومشتركةً يتبنّاها جميع العقلاء في عملية تفسير النصوص، ويعطي في حالات النزاع حول الظهور النوعيّ
(40)وتعدّد الاحتمالات حكمًا حاسمًا نهائيًّا قاطعًا يفصل في الاختلافات التي تقع بين الاستظهارات.
ومن باب الاتفاق فإنّ السياق والوتيرة السائدة فـي تفسير القوانين وتفسير النصوص الدينية ينسجم ويتفق مع التحليل المذكور، فقد كان الجاري منذ القدم ألّا يُـحكَم بخطأ اجتهاد الـمجتهدين وفهم الفقهاء للنصوصّ والـمصادر الدينيّة لمجرد الاختلاف في الفهم والاجتهاد؛ إذ لم يكن الاتفاق والتطابق في الآراء شرطًا في صحّة الاجتهاد وسلامة الجهود التفسيريّة. وبعبارةٍ أخرى: فإنّه إلى جانب الالتزام بأنّ المراد الجدّي والمعنى المقصود من روايةٍ ما متعينٌ ومحدّدٌ في الواقع وفي نفس الأمر، لكن يجوز مع ذلك تقديم فهومٍ متعدّدةٍ لها، شريطة أنْ تؤيّد القواعد اللغويّة والشواهد والقرائن تلك الفهوم. وفي مناخات القضاء والمحاكم أيضًا يُمنح القاضي حقّ أنْ يقضي ويحكم ويرفع النزاعات طبقًا لتشخيصه وفهمه للقانون، ولا يشترط في ذلك إحراز صحّة تفسيره إحرازًا قطعيًّا، أو إحراز تطابق تفسيره مع تفسير الآخرين وفهمهم تحصيلًا وجدانيًّا.
نؤكّد مرّةً أخرى أنّ قبول التعدّدية في دائرة «التفسير المعتبَر»، والفرز بين «التعيّن المعنائيّ للنصّ»، وإمكان «تعدد الفهم المعتبر» له، لا يعني إفساح المجال للتفاسير المزاجيّة غير المنضبطة وغير المنهجيّة للنصّ بذريعة القول بتعدّدية التفسير المعتبر. فواضح أنّ الفهوم التي تُجترح بتجاهل الشواهد والقرائن، وبعدم الخضوع لأصول التحاور والقواعد اللغويّة، واضح أنّها غير معتبرة.
النقطة التي رمنا التأكيد عليها هي أنّه عندما تتعدّد ادعاءات الوصول إلى الظهور النوعيّ، ويكون ثمّة شواهد دالّة على كل ادعاء، ولا يمكن الحكم بين هذه الادعاءات بحكمٍ حاسمٍ، والتمييز بين المعتبر وغير المعتبر منها، فلا يوجد مسوِّغٌ لعدّها كلّها غير معتبرة، أو ترجيح بعضها على بعض من دون شواهد وأدلّة، وبنحو غير مُسوَّغ. في مثل هذه الحالات يتاح عدُّ الفهوم
(41)والتفاسير المنهجيّة لمفسّرين متعدّدين معتبرةً في حقّ أنفسهم وفي حقّ من يرون أدلّتهم وشواهدهم كافية.
بنـاءً عـلى ما مـرّ بـنـا يتّـضـح أنّ أداء «منطق الاعتبار» وفاعليتـه علـى افـتراض عـدم إحراز الظهور النوعيّ، وعلى افتراض وجود ادّعاءاتٍ متعارضةٍ في معنى النصّ -ومن المحتمل أنْ تكون بعض هذه الفهوم المتعدّدة المتباينة مزاجيّةً وغير منهجيّةٍ، وغير وفيّة للمبادئ والضوابط اللغويّة والعقلائيّة للفهم، وغير آبهةٍ للإلزامات التفسيريّة- سيكون منطق الاعتبار وأصوله ومعاييره ميزانًا لتشخيص الفهوم والتفاسير غير المعتبرة، ودليلًا على أيّ تلك التفاسير عَدَلَت عن المعايير العرفيّة والعقلائيّة للفهم وقدَّمت فهمًا غير معتبرٍ وغير مقبول.
وبعبارة أدق: ليس المتوقَّع من «منطق الاعتبار» أنْ يُشخِّص الظهور النوعي إيجابًا، وأنْ يكون حكمًا نهائيًّا قاطعًا بين الادعاءات المتعارضة للمفسّرين حول المعنى المراد والظهور النوعيّ للكلام، وأنْ يكشف النقاب عن حقيقة الأمر بنحوٍ ملزمٍ وحاسمٍ، وأنْ يُعيّن الظهور النوعيّ والموضوعيّ.
إنّ فاعليـة «منطق الاعتبار» أو وظيفته لـها طابعٌ سلبيّ، فهو يـحكم علـى أيّ التفاسير والفهوم انحرف عن جادة الأصول والقواعد والإلزامات التفسيريّة، ويوفّر المؤشّرات والمعايير اللازمة لتشخيص التفسير غير المنهجي وغير المقعَّد وغير المنضبط؛ ولهذا السبب -على افتراض عدم إحراز الظهور النوعي وجدانيًّا (في ظروف تعدّد الادعاءات بشأن الادعاء النوعي)- لن نصل بإعمال «منطق الاعتبار» واستعماله إلى تفسيرٍ معتبرٍ بالضرورة، إنما قد ننبذ التفاسير غير المعتبرة وغير المنهجيّة لنصل إلى أكثر من تفسيرٍ واحدٍ يندرج داخل عنوان «التفسير المعتبر»، وهذا في حالة تكافؤ الأدلّة، بمعنى أنّ لكلِّ تفسيرٍ أدلّةً وقرائن وشواهد تؤيّده، بحيث لا يمكن ترجيح وتفضيل تفسير ٍمعتبرٍ على غيره من التفاسير المعتبرة، ولا يكون ثمّة شكٌ في أنّها كلّها تلتزم بالضوابط العامّة والأصول والقواعد العقلائيّة للفهم والتفسير.
(42)
كل ما يُعرف باعتباره من الأخلاقيّات العامّة للتفسير، وهو ما ينتمي في الحقيقة لقواعد اللغة وأصول التحاور العقلائيّة، يدخل في «منطق الاعتبار»، ويكوّن عناصره الأصليّة، وقد سبق أنْ أشرنا إلى بعض هذه الأصول والمبادئ والإلزامات كنماذج، كما تندرج ضمن مجموعة عناصر ومعايير (منطق الاعتبار) بعض الينبغيّات والإلزامات التفسيريّة الخاصّة النابعة من نظريتنا التفسيريّة المختارة المتبنّاة، وهي ينبغيّات وإلزامات تـمـارس -بوصفها مؤشّرات ومعايير- دورَ الحكم بشأن تشخيص التفسير غير المعتبر. على سبيل المثال جميع التفاسير غير الملتزمة بالبند «ب» من أخلاقيّات نظريتنا التفسيريّة (ضرورة محوريّة قصد المؤلف) تُنْبَذ باعتبارها قراءاتٍ غير معتبرة، أو لأنّها لم تراعِ البند «و»، إذ قدّمت المعنى الظاهر على المعنى الأظهر، وطرحت بناءً على آراء شاذة فـي الآداب واللغة تفسيرًا للنص يُعَدُّ من مصاديق التفسير غير المعتبر.
ناقشنا تحت عنوان أنطولوجيا المعنى قضيّة إمكان تعدّدية المعاني الطوليّة، ويعتقد كثير من العلماء المسلمين أنّ للنص الوحياني فضلًا عن معناه الظاهري معانٍ طوليّةً أعمق، وإدراك تلك الطبقات المعنائيّة الأعمق لا يمسُّ بالمعنى الظاهري لألفاظ النصّ، فالتوصّل للمعاني الطوليّة ممكنٌ بالحفاظ على المعنى الظاهري واعتباره.
من جهةٍ ثانيةٍ لا سبيل إلى إنكار أصل تسرّب «الأمثال السائرة» إلى النصّ الدينيّ، ذلك أنّ استعمال الأمثال من الأساليب الشائعة والمقبولة في أيّ لغةٍ طبيعيةٍ من أجل تفهـيم الـمضامـين بصـورةٍ أسهـل للمتـلقّين، وخصـوصًا فـي نقـل الـمضـامـين الـتربـويّـة والأخـلاقيّـة.
والآيات القرآنيّة تصرّح بوجود الأمثال في القرآن الكريم:
(43)﴿وَلَقَدْ أَنْزَلْنَا إِلَيْكُمْ آيَاتٍ مُبَيِّنَاتٍ وَمَثَلًا مِنَ الَّذِينَ خَلَوْا مِنْ قَبْلِكُمْ وَمَوْعِظَةً لِلْمُتَّقِينَ﴾.
﴿وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَٰذَا الْقُرْآنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
﴿يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ لِلنَّاسِ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ﴾.
لكنّ المسألة هي أنّه هل تتسرّب اللغة التمثيليّة إلى القرآن الكريم؟ والمراد من اللغة التمثيليّة هو بدل التعبير عن حقيقة ما بصورةٍ خبريّةٍ حواريّةٍ مباشرةٍ، تطرح تلك الحقيقة على شكل قصّةٍ، وتكون عناصر تلك القصّة بيانًا تـمثيليًّا للحقائق الكامنة وراءها.
ويلحظ أنّ بعض الاتجاهات والتيارات الـمنحرفة في تاريخ الفكر الإسلامي من قبيل الباطنيّة والغلاة يميلون إلى تفسير القرآن كلّه تفسيرًا رمزيًّا تـمثيليًّا باطنـيًّا، وبذلك يستبعدون المعنى الظاهري للآيات بالمرّة.
على سبيل المثال، يقول الشاعر الإيراني ناصر خسرو، وهو من دعاة الفرقة الإسماعيلية: «الشريعة الناطقة كلّها رموز وأمثال؛ لذلك منْ لمْ يعتبرِ الأمثلةَ معانيًا والإشاراتِ رموزًا كان عاصيًا، ولا أساس للوصول إلى المعاني سوى عن طريق التأويل».
ولا أروم هنا الخوض في تفاصيل آراء الباطنيين، بيد أنّ ما أريد التأكيد هو أنّهم لم يتركوا طريقًا للتمسّك بالمعنى الظاهري، واعتبروا كلّ شيء رموزًا وتأويلات بالمعنى الباطني، وهذه نقطة تحدّثنا مرارًا عنها في هذا الكتاب وهي أنّ فلسفة التواصل اللغويّ والكلام والكتابة هي إلقاء المعاني، وإرسال الرسائل، ونقل المعاني المقصودة إلى المتلقّين، والنصوص الوحيانيّة والدينيّة التزمت بهذه الطريقة العقلائيّة.
لهذا يُعرِّف اللّهُ تعالى القرآنَ الكريم بأنه «بيان للناس» ونور وهداية، وإذا
(44)كان كلامًا رمزيًّا تمثيليًّا باطنيًّا لا يمكن حلُّ رموزه وشفراته والوصول إلى معانيه الحقيقيّة والباطنيّة إلّا من قبل عدد قليلٍ من الناس (هم في الأصل الرسول ووصيه والأئمّة)، فهذا ما لا ينسجم مع هذه التعابير القرآنيّة التي تعرِّف القرآن الكريم بهذه الطريقة.
المعنى الظاهري للكلام (الظهور النوعي) -طبقًا لنظريتنا التفسيرية- حجّة ومعتبر، وحمل الكلام على أنّه كلامٌ تمثيليٌّ ورمزيٌّ يستلزم وجود قرينةٍ؛ أي إنّ الطبع الأوّلي والأصل والقاعدة هي أنّ مراد القائل هو المضمون والمفهوم الظاهري للألفاظ، إلّا إذا كانت توجد شواهد وقرائن تمنع من الاحتفاظ بذلك الظاهر.
وعليه فقصص مثل قصّة الخلقة، وتكلّم اللّه مع الملائكة حول خلقة آدم يمكن اعتبار بيانها رمزيًّا تمثيليًّا عندما يتوفّر شاهدٌ عقليٌّ وبرهانيٌّ على تعذّر الاحتفاظ بالمعنى الظاهري للآيات.
تدلّ مراجعة كتابات الباطنيّة والغلاة على أنْ حمل الآيات القرآنيّة على التمثيل والرموز وعرض معنى باطنيّ، وفكّ شفرات الآيات، ممارسات حصلت بشكل ذوقيّ ومن دون أساس، وبالنتيجة لم يُراعَ هذا الإلزام التفسيري الواضح.
ط. النهي عن اتباع المتشابَه وضرورة الاعتصام بالمحكمات
ورد فـي سورة آل عمران أنّ الآيات القرآنية تنقسم إلـى قسمين: الـمُحْكَمات والـمتُشابِهات: ﴿هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ ۖ فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاءَ الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاءَ تَأْوِيلِهِ ۗ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ ۗ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِنْ عِنْدِ رَبِّنَا ۗ وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾.
تشير هذه الآية إلى أنّ بعض الناس، ولأغراضٍ غير سليمة بل وسيّئة وبسبب مرض في قلوبهم، يتّبعون الآيات المتشابهة، ويعتصمون بها لإثارة الفتنة ولتأويلها؛ لذلك كان من الإلزامات التفسيريّة - لاسيّما في النصّ القرآني- ضرورة اجتناب اِتّباع المتشابهات، ومن الضروري توضيح الفرق بين هاتين النقطتين، فما هو المراد من «المتشابهات»، واتّباع المتشابه؟ هل هو التمسّك بـ«المتشابه المفهومي»؟ أم أن حدود البحث تتعلّق بـ«المتشابه المصداقي»، وعرض تأويلات غير مبررة وغير جائزة حول مصاديق الآيات المتشابهة؟
المشهور بين علماء الأصول أنّهم يصنّفون نصّ القرآن وظاهره على المُحْكَمات، ويعدّون المتشابهات آياتٍ مجملةً من حيث المعنى، إذ فيها جهة غموض، وليس واضحة المعنى. ومن سمات هذه الآيات المتشابهة أنّها تتقبّل احتمالات معنائيّة متعدّدة ولا يوجد فيها ظهور. وفي مقابل هذا الرأي المشهور بين العلماء الأصوليين، يعتقد الإخباريون أنّ نصوص القرآن الصريحة فقط هي من المُحْكَمات، وتبقى ظواهر القرآن متشابهة؛ لذلك يمنعون التمسّك بها كما هو الحال بالنسبة إلى المجمل. وطبقًا لرأي الأخباريين فإنّ نصوص القرآن التي هي قطعيّة الدلالة هي الحجة فقط، والمعتبرة في حقنا، وبالنظر للآية السابعة من سورة آل عمران، لا يمكن الأخذ بظواهر القرآن من دون الاستعانة بالروايات والأحاديث وكلام المعصومين عليهمالسلام.
أشرنا إلى أنّ المتشابه يمكن أنْ يكون مفهوميًّا أو مصداقيًّا، والسؤال الآن هو: أيُّ واحدٍ من هذين النوعين نهت الآية الشريفة عنه؟ يذهب الشهيد محمّد باقر الصدر إلى وجود دليلين على أنّ مراد الآية هو النهي عن اتباع المتشابه المصداقي، وليس القصد المتشابه المفهوميّ.
الدليل الأول هو أنّ الآيات القرآنيّة بتصريح القرآن نفسه «بيان»، و«تبيان»،
و«نور»، و«هداية»، وقد أنزلت ﴿بِلِسَانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾، إذًا كيف يمكن أنْ تشتمل على إجمالٍ وتشابهٍ مفهوميّ؟ والدليل الثاني هو أنّ في الآية القرآنيّة المذكورة نفسها قرائن تهدينا إلى أنّ المقصود هو التشابه المصداقيّ.
على سبيل المثال مفردة «اتّباع» تصحّ في المواطن التي يوجد فيها مدلولٌ ظاهريٌّ معيّنٌ صالحٌ للاتباع؛ ولذلك على افتراض الإجمال وعدم وجود مدلولٍ ظاهريّ لن يبقى محل للاتّباع والأخذ بمضمون الآية المتشابهة، وذلك بخلاف «التشابه المصداقيّ»، حيث يكون للآية الـمتشابهة مدلولٌ ظاهريٌّ، ويبقى التشابه والغموض في المصداق. مثلًا المدلول اللغويّ والظاهريّ لـ«العرش»، و«الكرسي» واضحٌ، أمّا حقيقة مصداق هذه الكلمات، فهي محلٌّ تشابهٍ وتشويشٍ وضبابيّة.
القرينة الثانية هي وجود كلمة «التأويل» في الآية، والتأويل يعني حمل اللفظ على خلاف معناه ومفهومه؛ أيّ إنّ أهل الزيغ والانحراف عند مواجهتهم للآيات المتشابهة يسعون إلى تأويلها.
وفي خصوص التشابه المفهوميّ لا يبقى مـحلٌّ للتأويل بالمعنى المذكور بسبب إجمال الآية المتشابهة وعدم وجود مدلولٍ ومعنى ظاهريّ. أما إذا كان مراد الآية المتشابه المصداقيّ، فبسبب وجود مدلولٍ ظاهريّ للآية المتشابهة سيكون ثمّة مجالٌ للتأويل، بمعنى حمل المدلول الظاهريّ على خلاف معناه ومفهومه .
لكنّ هذه الأدلة على حصر المتشابه القرآني في المتشابه المصداقي غير كافية وغير مجزية؛ ذلك أنّ وجود المتشابه المفهوميّ في القرآن لا يتنافى مع كونه نورًا وهدايةً وبيانًا، إذ يحدث عدم الانسجام هذا عندما يكون هذا التشابه المفهوميّ والإجمال مستقرًا ودائميًّا، أمّا إذا أرجعت المتشابِهات إلى المُحْكَمات، كما تشير هذه الآية نفسها، فسيمكن رفع الإبهام والإجمال، وسيرتفع التشابه المفهوميّ ولا يعود مستقرًّا ومستمرًا.
إنّ وجود الإجمال والمتشابه حالة عاديّة وطبيعيّة ولا مفرَّ منها في أيّ لغةٍ طبيعيّةٍ؛ لذلك يناقش خبراء الآداب والـمنطق وعلم الأصول (أسباب الإجـمـال)، وعادةً ما يدرسون أسباب الإجمال على صعيدين أصليين هما: اللفظ المفرد، واللفظ المركَّب؛ إذ لو عَرَضَ الإجمالُ على اللفظ المفرد أو المفردات المنفردة بسبب أمورٍ من قبيل الاشتراك اللفظيّ أو تعدّد المعنى المجازيّ، فسيتطرق الإجمال والتشابه إلى المركَّبات أيضًا بوساطة أمورٍ نظير التشكيك وعدم الوضوح في مرجع الضمير، والتشكيك في مراد المتكلم من كون المخصص موصولًا ومجهولًا.
أما القول بإنّ «الاتِّباع» لا يتصوّر في المتشابه المفهوميّ؛ لأنّ الاتّباع يحتاج مسبقًا إلى وجود مدلولٍ ظاهريّ معيّنٍ، فهو رأيٌّ غير مقبول، ففي المتشابه المفهوميّ أيضًا، حيث يكون معنى النصّ أو المفردة مشكوكًا ومتردّدًا بين احتمالين أو أكثر من الاحتمالات المعنائيّة، يمكن تصور اتّباع أحد الاحتمالات، خصوصًا إذا لم تكن لهذا الاحتمال مفاسد وتبعات كلاميّة وعقديّة غير صائبة، مع أنّه اتباع غير مبرر، وغير مستساغ، فالغموض والإجمال والتشابه المفهوميّ لا يغلق الطريق على أصل الاتّباع، إنّما يوفر الأرضيّة والمجال لاتّباع غير مسوَّغٍ وغير مقبول.
كما إنّ مفردة «التأويل» على افتراض التشابه المفهومي يمكن أنْ تعني الحمل المزاجيّ غير المنضبط للفظ على غير مراد المتكلم، بمعنى أنّ شخصًا منحرفًا له أغراضٌ فاسدةٌ يتمسّك بآيةٍ متشابهةٍ فيُؤوّلها إلى المعنى الذي يرغب فيه ويسيء استغلال إجمالها المفهوميّ. وعليه يُستشفّ أنّه لا ضرورة لحصر المتشابهات المذكورة في الآية الكريمة بالتشابه المصداقيّ، إنّما تسري ضرورة اجتناب اتباع المتشابهات على كلا نوعي التشابه المفهوميّ والمصداقيّ.
في ختام هذه الفقرة نؤكّد مرةً أخرى أنّ إلزامات حيّز التفسير حسب
النظريّة التفسريّة المختارة عندنا لا تنحصر بالنقاط والجوانب المذكورة؛ إذا الإحصاء التامّ لأخلاقيّات المعنى والتفسير يزيد حجم الكتاب ومحتوياته وهذه اللائحة بشكلٍ ملحوظ. مضافًا إلى أنّ محتويات الفقرة الآتية هي الأخرى ليست عديمة الصلة بمضامين هذه اللائحة؛ لذلك سنكتفي هنا بهذا القدر من استعراض أخلاقيّات التفسير.
ما مرّ بنا إلى الآن في هذا الفصل حول أخلاقيّات المعنى وإلزامات التفسير ذو طابعٍ عامّ؛ فلم تكن الأفكار تختصّ بنصٍّ معيّنٍ دون غيره أو بنوعٍ محدّدٍ من النصوص، إنّما أردنا الإشارة إلى أنّ عمليّة التفسير، وبغض النظر عن نوع النصّ الذي يُراد تفسيره، يجب أنْ تتمّ في إطار أصولٍ وإلزاماتٍ يُعدّ تجاوزها من ناحيةٍ عدولًا عن قواعد التحاور ومبادئه، ومن ناحيةٍ أخرى تجاهلًا للمحتوى الداخليّ للنظريّة التفسيريّة المختارة. أما ما نرنو إلى طرحه ومعالجته في هذه الفقرة فهو نقطة أساس فحواها: هل القرآن بوصفه نصًّا وحيانيًّا وكلامَ اللّه له خصوصيّات وسمات تفسيريّة خاصّة به؟ وبتعبير آخر نريد أنْ نعرف هل يختلف القرآن عن النصوص العاديّة في كيفيّة قراءته وفي أخلاقيّات قراءته والشروط التي ينبغي على قارئه أو مفسِّره مراعاتها؟ الإجابة بنعم عن هذا السؤال تعني أنّ للقرآن مقتضياته الهرمنوطيقيّة الخاصّة به، فهو يتطلّب قراءةً خاصّةً مُقعَّدةً، كما إنّ مفسره وقارئه يجب أنْ يتحلّى بشروطٍ خاصّة.
الأساس في طرح هذه القضيّة ملاحظة حقيقة أنّ المسلمين لهم قبليّاتهم الفلسفيّة والكلاميّة الخاصّة حول صاحب الوحي وماتن القرآن ومؤلِّفه؛ أي اللّه تعالى، وهي قبليّات تصوغ نظريّاتهم وآراءهم حول اللّه (المبدأ-المنشأ) والتوحيد. من جهةٍ أخرى توجد حول القرآن نفسه قبليّاتٌ ومبانٍ ومرتكزاتٌ كلاميّةٌ وعقديّةٌ خاصّة.
وبناءً عليه يُتاح طرح السؤال السابق على هذا النحو أيضًا: ما هو دور ومكانة المرتكزات التوحيديّة والآراء حول الوحي (ركائز علم القرآن) في حيز تفسير القرآن وفهمه؟ هل هذه المباني والقبليّات المتعلِّقة بالمتن والماتن أجنبيّةٌ عن تفسير القرآن، أم أنّ لها انعكاساتها ومخرجاتها في مضمار فهم القرآن، وتفرض على قارئ هذا النصّ مقتضياتٍ وإلزاماتٍ خاصّة؟
من الضروري في مستهلّ البحث إيضاح نقطةٍ مهمّةٍ، وهي أنّ منحانا في خصوص هذا البحث مقتصر على جهةٍ معيّنةٍ خاصّةٍ، وهي إننا في كل المحاور نسعى إلى تحليل وإيضاح تأثيرٍ أو تأثيراتٍ محتملةٍ لكلّ واحدٍ من مرتكزات النظريّات حول التوحيد واللّه والقرآن، على مجال الفهم والتفسير، وليست لدينا نظرةٌ مستقلّةٌ في هذه البحوث الكلاميّة أو الركائزيّة، إنّما نرصد فقط انعكاسات هذه المرتكزات وإسقاطاتها على قضيّة تفسير القرآن.
في الكتابات المألوفة الدارجة التي هي نتاج الإبداعات والجهود الفكريّة لكتّابها ومؤلِّفيها من البشر، وبسبب السمات الإنسانيّة العامّة المشتركة، و الخصوصيّات الفرديّة لكـلّ مـؤلِّفٍ، لا يـنتـفـي وجـود احتمـالاتٍ تسـتلزم أنـواعًا من الـخلـل والنقـص؛ فمـن المواصفات العامّة المشتركة بين أبناء البشر محدوديّة علومهم ومعارفهم، وتوفرهم على زاوية نظر ٍمعيّنةٍ محدودة، واحتمال خطأ نظرتهم، وعدم تحلّيّهم بالجامعيّة والشمول والاستيعاب، والخضوع لتأثيرات العواطف والمشاعر.. إلخ، وهي صفات تُعرِّض كتاباتهم ونصوصهم وأقوالهم دائمًا للأخطاء والوقوع في الباطل والنظرات الحديّة المتجهة وما إلى ذلك.
وإذا أضفنا إلى ذلك بعض السمات الفرديّة الخاصّة ببعض المؤلّفين من قبيل أنّ لهم ميولًا وأهدافًا فرديّةً وأغراضًا وعصبيّاتٍ عرقيّةً وإيديولوجيّةً.. إلخ، فسيكون معنى النصّ والرؤية والميول والمضامين التي يفيدها النصّ -وكقاعدة عامة- خاضعةً لميول الـمـاتن وصـاحب الأثـر ورؤيتـه، وتعكس
(50)تصوراته وأفكاره ونـزعاتـه؛ وهكـذا فعـند مواجهة النصوص العادية التي يؤلّفها أبناء البشر، فستبقى هذه الاحتمالات واردة دائمًا بشأن مضامينها ومعانيها، وستسري نواقص المؤلِّف وثغراته إلى مضمون نصوصه ومحتوياته.
أما مؤلف النصّ الوحياني وصاحبه، فهو اللّه المنزّهةُ ساحته عن كلّ صنوف الضعف والنقص البشري. إنّ المعتقدات الكلاميّة والتأمّلات الفلسفيّة فـي مضمـار الإلهيّات وصورة اللّه في المصادر الدينيّة الأصيلة بالنحو الذي لا تترك مجالًا لأنسنة اللّه تعالى وافتراضه شبيهًا بالبشر، والمعتقدات الكلاميّة التي تنادي بتمايز اللّه أنطولوجيًّا عن مخلوقاته وتنزيه ذاته الواجبة عن الصفات الإمكانيّة لدى الموجودات الأخرى، متنوعة وكثيرة جدًا، لكنها ليست كلّها ذات صلةٍ بموضوع فهم النصّ وتفسيره. في ما يأتي نشير إلى بعض صفات اللّه (تعالى) التي يلوح أنّ الاعتقاد بها يستدعي إلزاماتٍ وتبعاتٍ في مجال فهم الكلام الإلهي وتفسيره.
يرى بعض المتكلّمين مثل الفخر الرازي أنّ «الحكيم» بمعنى «العليم»، فجعلوا الحكمة من صفات الذات: «إنّ الحكمة هي معرفة أفضل المعلومات بأفضل العلوم، فالحكيم هو العليم»[1].
ويوافق صدر المتألهين الشيرازي على صلة الحكمة بالعلم، ويعدّها من الصفات الفاعليّة أيضًا، بمعنى أنّ رصانة علمه ومتانته من شأنها أنْ تجعل صنعه وفعله رصينًا متقنًا، ويقول في هذا المجال: «إنّ الحكمة هي أفضل علم بالمعلومات، وأحكم فعل في المصنوعات، وواجب الوجود يعلم من ذاته كلّ شيءٍ من الأشياء بعللّه وأسبابه، ويفعـل النظـام الأتـمّ لغـاية حقـيقـة يـلزمـه، فهـو بـهذا الـمعنى حكـيمٌ فـي علمـه، مـحكمٌ فـي صنعـه وفعـله»[2].
ويرى العلامة محمّد حسين الطباطبائي أنّ الحكمة من الأسماء الحسنى الفعليّة للّه تعالى والدالة على إتقان وإحكام صنعه وخلقه، كما إنّ إتقان علمه
ورصانته سبب في اتصافه بالحكمة.
حيث إنّ القرآن وإنزال الوحي من مصاديق الفعل الإلهيّ؛ لذلك سندرس صفة الحكمة كصفةٍ فاعليّة، ونصرف النظر عن الحكيم بمعنى العليم. من معاني الحكيم كصفـةٍ فاعليّـةٍ الـهدفيّة والغائيّة، فالـحكيم هو الشخص الذي لأفعـاله هـدفٌ وغـايةٌ معقولة، وهو المنزَّه عن القيام بأفعالٍ عبثيّةٍ اعتباطيّةٍ غير معقولة. طبقًا لهذا التعريف «اللّه حكيمٌ»، بمعنى أنّ لأفعاله ومخلوقاته غاياتٍ وأنّه جعل نظام العالم بحيث تصل الأشياء والوجودات إلى الأهداف والغايات التي خُلقت من أجلها، ويشير الشهيد مرتضى مطهري لهذا المعنى من الحكيم حينما يقول في كتابه العدل الإلهي: «مفهوم الحكمة بخصوص الباري (تعالى) تساوي مفهوم العناية وإيصال الأشياء إلى غاياتها. من وجهة نظر الحكماء كلّ فعلٍ له غاية، والذات الإلهيّة المقدَّسة غايةُ كلّ شيءٍ؛ أي غاية الغايات، فالأشياء كلّها منه وإليه».
جدير بالذكر أنّ بعض المتكلّمين الأشاعرة لا يوافقون هذا المعنى من الحكمة للّه تعالى؛ لأنّ الهدفيّة ووجود أغراض وغايات من الأفعال تعني نقص الفاعل وحاجته إلى تحقيق غاياتٍ وأهدافٍ لسدّ نواقصه، والحال أنّ اللّه تعالى غنيٌّ مطلقٌ صمدٌ غير محتاج، وبهذا فأفعاله مُنزَّهةٌ عن الغايات والأغراض والأهداف. بينما يذهب علماء الشيعة والمعتزلة إلى أنّ الغاية والهدف تتعلّق بالفعل ولا تتعلق بالفاعل، ولهذا تتبلور الحكمة الإلهيّة في إيصال المخلوقات إلى غاياتها وكمالاتها، وإلّا فالذات الكاملة للّه تعالى مُنزَّهة عن الحاجة إلى أهدافٍ أو غايات.
مطابقة هذا الـمعنى للحكمة على القرآن والكلام الإلهيّ يعني ترتّب
أغراضٍ وغاياتٍ كماليّةٍ معيّنةٍ على نزول الوحي وإيجاد الكلام الإلهي (القرآن)، وأنّ الآيات القرآنيّة جاءت متفرِّقةً على مدى (23) سنةً لتأمين أهدافٍ معقولةٍ معيّنة. يرى المرحوم العلامة الطباطبائي أنّ ذلك الغرض الأصلّي النهائيّ هو التوحيد بجميع أبعاده، ويذهب إلى أنّ تأكيد اللّه أنّ آيات القرآن أُحْكِمت أولًا من قبل اللّه الحكيم، ثم فُصِّلت وبُسِطت في موضوعاتٍ مختلفة، يشير إلى أنّ روحًا وغرضًا واحدًا يسود القرآن الكريم كلّه. يقول الطباطبائي تعقيبًا على هذه الآية الكريمة من سورة هود: ﴿الر كِتَابٌ أُحْكِمَتْ آيَاتُهُ ثُمَّ فُصِّلَتْ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ خَبِيرٍ﴾، إنّ المراد من إحكام القرآن ربط آياته بعضها ببعضٍ، بحيث تشكلّ كلّها أمرًا واحدًا بسيطًا. وهذا الإحكام والوحدة النابعة منه هما من حيث المضمون والمعنى لا من حيث الألفاظ والكلمات. فيبقى معنى ومضمونٌ واحدٌ هو التوحيد محفوظًا موجودًا في القرآن كلّه. مع أنّ لآيات القرآن مضامين مختلفة، وحسب الظاهر فإنّ لكلّ واحدٍ من هذه المضامين أهدافًا وأغراضًا خاصّة بها، لكنّ تشير كلّها من ناحيةٍ أخرى إلى مضمونٍ واحدٍ وغرضٍ مشخّصٍ هو التوحيد بأبعاده المختلفة. فالتوحيد هو الروح الواحدة السارية في كلّ معارف القرآن وأحكامه وقصصه وحكاياته وأخلاقيّاته.
أنْ يكون اللّه الحكيم (بهذا المعنى من الحكمة) خالق الوحي القرآنيّ ومبدأه ومصدره، فهذا يعني أنّ للّه أهدافه وغاياته الحكيمة المعقولة من إنزال الوحي بين البشر، والتي أشار إليها في بعض الآيات القرآنيّة من قبيل أنّ هذا الكتاب كتاب هداية: ﴿ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ﴾، وهـو لإنـذار البـشــر، ويـطـرح مـراده بـوضـوح وجـلاء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ* عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ * بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ﴾.
ومن الأهداف الأخرى لـهذا الكتاب فلاحُ الناس وهدايتهم إلـى جانب شفـائهم من الأمراض الروحيّة والمعنويّة والأخلاقية: ﴿وَلَوْ جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا أَعْجَمِيًّا لَقَالُوا لَوْلَا فُصِّلَتْ آيَاتُهُ أَأَعْجَمِيٌّ وَعَرَبِيٌّ قُلْ هُوَ لِلَّذِينَ آمَنُوا هُدًى وَشِفَاءٌ...﴾.
وعلى هذا الأساس لا يمكن قبول أيّ تحليلٍ لماهيّة الكلام والوحي الإلهيّ ينتهي إلى نتيجة إفراغ الوحي من أهدافه وغاياته الـمعقولة الحكيمة، نظير أنْ نعدّ كلّ هذا الكتاب رموزًا وإشاراتٍ لا يعلمها إلّا الرسول، أو أنْ نعدّ المعنى الظاهري للآيات غير مقصود، لذا يجب تأويلها كلّها، أو أنْ نعتقد أنّ هذا الكتاب جاء لبثّ الحيرة وطرح الألغاز ومضاعفتها، ولـم يقصد من آياته أيّ معنى محدّد. كلّ هذه الاحتمالات بشأن النصّ القرآني تتعارض مع المعنى المتقّدم للحكمة، والاعتقاد بحكمة اللّه مؤلف القرآن الكريم.
المعنى الآخر للحكيم كصفةٍ فاعليّةٍ هو نفي القبح عن أفعال اللّه. اللّه حكيمٌ بمعنى أنّه منزَّهٌ عن كلّ قبحٍ، ولا تصدرُ عنه أفعالٌ يستحقُّ فاعلُها الذمّ والعتاب.
هذا الـمعنى للحكمة قائمٌ على القول بالـحسن والقبح الذاتـي للأفعـال، بمعـنى أنّ القائلين إنّ عقل الإنسان قادرٌ بشكلٍ مستقلٍّ عن الأوامر والنواهي الشرعيّة على تشـخيص حسـن الأفعـال وقبحها، ويستـطيع بنـحوٍ ذاتـيّ -من دون حـاجة لإرشـادات الشرع- تـحليـلَ الأفعـال والتميـيز بـينها من حيث أيّـها يستـحقّ فاعلُها الذمّ والـلوم والتوبيخ والعتاب، وأيّها يستحقُّ فاعلُها المدح والثواب، القائلون بهذا يَرَوْنَ اللَه حكيمًا بـهذا الـمعنى.
وعلى هذا الأساس، من وجهة نظر العدلية (الشيعة والمعتزلة) لا يصدر عن اللّه أيٌّ من مصاديق القبيح وأفراده؛ والسبب في ذلك هو أنّ سبب أوجذر صدور الفعل القبيح إمّا الجهل أو الحاجة؛ ولأنّ اللّه تعالى عالم مطلق وغني، لذلك يستحيل صدور القبيح عنه.
صدور الوحي والقرآن عن مبدأ حكيم، بمعنى أنّه لا سبيل لأيّ باطلٍ أو كذبٍ أو خدعـةٍ إلـى القـرآن، وكلّ ما يُعـدُّ قبيحًا غير لائـق فـي مقام التكلّم والـمحاورة بعـيدٌ عن ساحة هذا الكتاب الشريف:
﴿لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ ۖ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ﴾.
﴿اللَّهُ لَا إِلَٰهَ إِلَّا هُوَ ۚ لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَا رَيْبَ فِيهِ ۗ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثًا﴾.
﴿وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ سَنُدْخِلُهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ۖ وَعْدَ اللَّهِ حَقًّا ۚ وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ قِيلًا﴾.
﴿قُرْآنًا عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ لَعَلَّهُمْ يَتَّقُونَ﴾.
المعـنى الثـالث للحـكمـة كصـفـةٍ فـاعليّـةٍ للّه هـو إتقان الـخلـق وإحـكام الصـنـع. «اللّه حكيم» بهذا المعنى إشارة إلى أنّ نظام العالـم والتكوين فـي غاية الكمال والتمام، وأفعال اللّه فـي كلّ المجالات فـي منتهى الكمـال والإتقان ولا سبيل للخلل والنقص والفطور إليها. وكما يقول الفخر الرازي: «معنى الإحكام في حقّ اللّه تعالى في خلق الأشياء هو إتقان التدبير فيها وحسن التقدير لها».
تلقّى الرسول الأكرم - صلىاللهعليهوآلهوسلم القرآن الكريم من اللّه الحكيم: ﴿وَإِنَّكَ لَتُلَقَّى الْقُرْآنَ مِنْ لَدُنْ حَكِيمٍ عَلِيمٍ﴾، وطبقًا لهذا المعنى الثالث للحكمة لا يتسرّب أيّ نقصٍ أو فطور أو خلل إلى القرآن الكريم، فهو خالٍ من التحريف والتهافت والتناقض الداخلي وعدم التناسق في المحتوى والمعنى. وبسبب حكمة هذا الكتاب يدعو اللّه فيه متلقّي رسالته إلى التدبّر والتعقّل والتفكّر في الآيات القرآنيّة دائمًا. إنّ الصدور عن حكيم والإتقان المضموني والتناسق
(55)والانسجام المعنائي بين أجزاء القرآن يضمن معقوليته وقابليته للفهم والتدبر.
يتجلّى من هذا الشرح الإجمالي لمعنى الحكمة في أنّ اعتقاد المفسِّر القرآن ومتلقّيه بحكمة ماتنه، وبأنّ القرآن كلام اللّه الحكيم، يجعله لا يقرأ هذا النصّ كسائر النصوص البشريّة، وقد ألمحنا إلى لوازم حكمة القرآن بوصفه فعلًا من أفعال اللّه تعالى عقب كلّ واحدٍ من المعاني الثلاثة للحكمة.
على سبيل المثال تتسنى الإشارة إلى نقطةٍ معينّةٍ هي أنّ احتمال أنْ يكون المراد من الآيات القرآنيّة التي تـخبر عن نعـيم الـجنان والعذابات الأخرويّـة وكلّ ذلك الوعـد والوعيد، مجرد تخويف العاصين وترغيب المحسنين، لا أنّها مراد جدّي قصده اللّه تعالى بعينه، هو احتمـالٌ لا ينسجم مع الحكمة الإلـهيّة ومع كون القرآن كتابًا حكيمًا؛ لأنّه يستدعي إخلاف الوعود والـخداع والباطل، والحكمة الإلـهيّة لا تتلاءم مع اجـتراح أفعالٍ قبيحةٍ غير مقبولة، والكتاب الحكيم بعيدٌ عن الباطل والكذب.
اللّٰه عالِمٌ مطلق
معتقد آخر من المعتقدات الكلاميّة عند المسلمين حول اللّه تعالى هو أنّه عالِمٌ مطلق، ولا سبيل لأيّ جهلٍ إليه، فهل لهذه القبليّة الكلاميّة تأثيرها في مواجهة الإنسان المسلم المعنائيّة للقرآن؟
لا ريب في أنّ لهذه العقيدة التوحيديّة آثارها المتعدّدة، من قبيل أنّها تعزِّز لدى المتلقّي أسس الاعتقاد والإيمان بمحتوى النصّ القرآني. وبعبارةٍ أخرى: إنّها تكرّس ثقة قارئ الآيات القرآنيّة ومتلقّيها بصدق ما يقوله اللّه له وصحّته وإحكامه، وسوف يصدق قلبيًّا وإيمانيًّا ما يفهمه عقله وذهنه من الآيات القرآنيّة. وهكذا، في ظلّ مثل هذا الاعتقاد باللّه تُصدَّق تصديقًا إيمانيًّا كلّ الـمعارف التي جاء بـها القرآن حول أمورٍ غير محسوسةٍ وغير مشهودةٍ وبعيدةٍ عن متناول العقل والعلوم البشريّة، من قبيل الحياة بعد الموت، وأحداث يوم القيامة، ومصير الكائنات، والمصير النهائيّ للإنسان، وقصص الأنبياء والأمم الخوالي، فكلّ هذه الأمور تُصدَّق بوصفها أمورًا حقيقيّةً صادقةً صحيحةً قيلت
(56)
من قبل اللّه العالِـم بكلّ الأشياء والأحداث.
إنّ هذا المعتقد الكلاميّ يدفع أيضًا نحو عدّ التعاليم القيميّة والتكليفيّة القرآنيّة المتبلورة على شكل أحكامٍ شرعيّةٍ وتأكيداتٍ لقيمٍ أخلاقيّة، يدفع إلى عدّها منسجمةً متواكبةً مع البنية الوجوديّة للإنسان والمقتضيات الواقعيّة لطبيعة الإنسان وفطرته؛ لأنّها منبثقةٌ من تشخيص اللّه العارف والعالم بكلّ حقائق الوجود وزوايا الكيان البشريّ. والتأثير الآخر هو أنّ هذا الاعتقاد التوحيديّ يمهّد الأرضيّة لتقبّل عقل المتلقّي المؤمن مجموعةً من المضامين والمعاني الفرارة من العقل (وليس المعاني المتناقضة مع العقل أو غير المعقولة) والغريبة على العقل. فالعقل غير العارف بالفلسفة والمصلحة الواقعيّة لبعض الأحكام والتوصيات الدينيّة والذي قد لا يكون مستأنسًا بها أو سريع التصديق لها، سوف يتقبّلها من باب الثقة بالعلم الإلهيّ المطلق ويؤمن بصحّتها وضرورتها.
وإذا ما اعترفنا بترتّب مثل هذه الآثار على هذا المبدأ التوحيديّ، فسيكون السؤال: هل لهذا المعتقد الكلاميّ تأثيره ودوره في عمليّة فهم النصّ القرآني وتفسيره، وإدراك المعنى المقصود من الآيات؟
الحقيقة هي أنّ استظهار النصّ وإدراك المعنى المقصود عن طريق ألفاظ القرآن والعلاقات اللغويّة السائدة بينها يدور مدار المبرزات اللغويّة والأصول العقلائيّة للتحاور والقرائن الموجودة، وليس لصفة العليم المطلق التي يتّصف بها اللّه -وهي من صفات اللّه الذاتية- دور في ذلك، بخلاف صفة الحكمة بالمعاني التي تعود بها إلى الصفة الفاعليّة، وما تمليه من خصوصيّات للقرآن ذاته بوصفه فعلًا من أفعال الخالق.
قد يتصور بعضٌ أنّ الإيمان التوحيديّ لدى المفسِّر وبأن صاحب الوحي عليمٌ مطلقٌ مع أنّه لا يؤثّر في فهم المعنى اللفظي والمراد الظاهري للآيات، لكن له دوره في باقي أنواع تعامل المفسِّر مع النصّ القرآني من قبيل التدبّر في القرآن، وفهم الطبقات الأعمق من المعاني، وكذلك استنطاق القرآن وتوجيه
(57)أسئلةٍ جديدةٍ له، وإدراك هذا اللون من المدلولات اللزوميّة.
إنّ التفطّن إلى أنّ القرآن هو كلام ذي العلم التامّ بكلّ الكائنات، ومن لا تغيب عنه أيّ حادثةٍ أو كائنٍ أو شاردةٍ أو واردة، ومن يخضع كلُّ شيء لإحاطته العلميّة، فهو عالم ببدء كلّ شيءٍ وخاتمته، إنّ التفطن إلى هذا كلّهِ يحضّ المفسِّر على عدم اعتبار كلامه من سنخ النصوص العاديّة.
ففي النصوص العاديّة يرى المتلقّي أنّ كلّ ما يجب عليه فعله هو استظهار النصّ، وإدراك معناه الظاهري بمساعدة القواعد اللغويّة ومبادئ التحاور العقلائيّ، أمّا في المواجهة المعنائيّة لنصّ العليم المطلق، فإنّ الاكتفاء بالمعنى الظاهري للآيات القائم على المعنى اللغويّ والمبادئ والقواعد المألوفة للتفهيم والتفاهم لن يكون كلّ ما ينبغي القيام به، وليس هذا وحسب بل إنّ مثل هذا الاكتفاء سيعدّ على حدّ قول العلّامة الطباطبائي من مصاديق التفسير بالرأي.
التفطّن إلى كون اللّه عالمًا مطلقًا واستحضار هذه العقيدة يؤدّي إلى أنْ يهتمّ المفسّر اهتمامًا جديًّا بالترابط بين الآيات، وأنْ يتأمّل ويتدبّر في كلّ جزءٍ من الآيات، وأنْ يدقّق ويُعنى بالطبقات المعنائيّة العميقة للآيات؛ فإنّ كلام الخالق حول حقائق العالم، وأسماء اللّه وصفاته، وعوالم الوجود، ونهاية الكائنات ووقوع القيامة، وسائر المعارف القرآنيّة لا يقبل المقارنة إطلاقًا مع أخبار فيلسوفٍ أو كلامٍ استدلاليّ لحكيمٍ من الحكماء حول نظام الوجود؛ ولهذا نجد أنّ المفسّرين والحكماء وأصحاب التأمّل والتدبّر دقّقوا تدقيقًا مثيرًا للإعجاب في آيات القرآن المعارفيّة نظير آية النور، والآيات الأخيرة من سورة الحشر، وسورة الحمد، وسورة التوحيد، وسورة القدر، واستخرجوا بذلك معارفَ غنيّةً وراقيةً من هذه الآيات.
وحول استنطاق النصّ من الجدير ذكره أنّ نتيجة استنطاق نصٍّ من النصوص والإجابة التي تُستخلَص من قلب النصّ للسؤال المطروح عليه، تُعدّ من المدلولات اللزوميّة للنصّ، والمدلول اللزوميّ يُعدُّ من مصاديق المعنى
الذي قصده المؤلِّف، على الرغم من أنّ هذه القصديّة لا تعني بالضرورة أنّ لدى المؤلِّف العادي البشري وعيًا بتلك المداليل اللزوميّة، إنّما من باب أنّ «الالتزام بالشيء التزامٌ بلوازمه» تنسب بعض اللوازم المعنائيّة إلى المؤلِّف وتعدُّ من ضمن مراده وقصده، حتى لو لم يكن عند أداء المضمون المطابقيّ للكلام ملتفتًا متفطّنًا إلى تلك اللوازم، وبعبارةٍ أخرى: عندما يقصد المؤلِّف نوعًا معنائيًّا ذاتيًّا أو مضمونًا معينًا، ويكون عالمًا مطلقًا، فهذا يعني أنّ كل لوازم الكلام المعنائيّة كانت مقصودةً من قبله عن وعيّ تامٍ، فضلًا عن أنّ كل الاحتمالات المعنائيّة في نطاق المدلولات اللزوميّة للنصّ ستكون ممكنة النسبة إليه، ولا يمكن تصوّر حدود وقيود من هذه الناحية.
تكلّم اللّٰه مع البشر
من القبـليّات الـمهمّة والأساس لدى الـمسلمين عند مواجهتهم للقـرآن هي أنّ القرآن الكريم كلام اللّه، وأنّ اللّه تكلّم مع رسوله محمّد صلىاللهعليهوسلم عن طريق الوحي، إذًا فالقرآن بوصفه نصًّا هو من تأليف اللّه نفسه. وإذا طرحت هذه القضية تـحت عنوان «وحيانيّة القرآن»، فيمكن أنْ تندرج في إطار أسس علم القرآن أو علوم القرآن ومبانيها وقبلياتها، ولكن حيث إنّ المهم بالنسبة إلينا هو: هل «اللّه تعالى» هو ماتن القرآن ومؤلفه؟ أم أنّ ألفاظ القرآن وكلماته من الرسول الأكرم محمّد صلىاللهعليهوسلم، وأنّ شخصيّةً إنسانيّة بشريّة هي ماتنة القرآن ومؤلفته؟ لذا أدرجناه تحت غطاء الـمباني والقبليّات التوحيديّة.
إنّ هذا البحث هو من نتائج وتفريعات البحث حول حقيقة الوحي التي كانت منذ القدم محورًا مهمًّا لمساجلاتٍ ونقاشاتٍ جادةٍ بين العلماء المسلمين لاسيّما الفلاسفة منهم، وقد كان الفارابي أوّل من عكف على تحليل حقيقة الوحي وشرحها بمنهجيّة فلسفية.
من المحاور الأساس لتحليل حقيقة الوحي، هو إيضاح دور الرسول في عمليّة تحقّق الوحي. وتستدعي دراسة هذا الدور الإجابة عن مجموعةٍ من الأسئلة من قبيل: على أيّ مستوى يحصل اللقاء والمواجهة بين النبي ومَلاك الوحي؟ هل هذه المواجهة محصورة فقط بالمرتبة الروحانيّة وإدراك المعاني
العقليّة؟ أم إنّها تمتدّ إلى مستوى الحسّ ورؤية وجه الملاك وملامحه وسماع كلماته وألفاظه؟ هل حقيقة الوحي وما يصدر عن اللّه كان منذ البداية من سنخ الكلام والصوت والألفاظ، وكان ملاك الوحي حاملًا وموصلًا لهذه الرسالة اللفظيّة والكلاميّة؟ أم إنّنا أمام حقيقةٍ متنزلةٍ هابطةٍ من عليائها، ولم تكن بداية حقيقة الوحي من سنخ الألفاظ والكلام، إنّما أُدرجت وظهرت في قالب الألفاظ والكلمات عندما هبطت ونزلت إلى مدارج أدنى، وبعد وصولها إلى عالم المادة وإلى مرتبة التجلّي الحسّيّ الماديّ؟ هل كان الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم مجرّد مستمع ومُتلقٍّ لمفاد الوحي وقالبه اللفظي والكلامي؟ أم أنّه هو الذي كان يدرج المضامين والحقائق الوحيانيّة التي يتلقّاها في عالَم العقل وفي التجليّات الملكوتيّة للرسالة الإلهيّة، داخل قوالب الألفاظ والكلمات؟ وبذلك ستكون روح الوحي ومعانيه من اللّه تعالى وقالبه اللفظي وظهوره اللغوي من الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم؟
يؤكّد صدر الدين الشـيرازي (صدر الـمتألّـهـين) أنّ الأمة الإسلاميّة مـجمـعةٌ على أنّ الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى جبرئيل والملائكة حملة الوحي بعينه، وكان يسمع كلمـات الوحي: «فالأمّة مطبقةٌ علـى أنّ النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يرى جبرئيل وملائكة اللّه المقربين عليهمالسلام ببصره الجسماني، ويسمع كلام اللّه الكريم على لسانهم القدسيّ بسمعه الجسدانيّ الشخصيّ».
وهذا الإجماع والاتفاق لا يمنع وقوع اختلاف فـي وجهات النظر حول تحليل الأوجه المختلفة وتبيينها لهذه الحقيقة. وقد ركز فلاسفة كبار نظير الفارابي وابن سينا وصدر المتألهين على قضيّة الاتّصال والتلاقي بين الوجود البشريّ -أي الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم- وبين مبدأ أو مصدر إفاضة الوحي أو «العقل الفعّال» بلغة فلسفية ، و«جبرئيل» بلغة دينيّة، محاولين تبيين طريقة اتصال
نفس النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم واتّحادها بالعقل الفعّال، والكشف عن كيفيّة وطريقة تحوّل هذا الاتّصال الروحانيّ إلى إدراكٍ حسّي. ومن الطبيعي بسبب اختلاف المشارب والمرتكزات في حقيقة العلم وماهيّة الإدراك الحسّي والخيالي، وتحليل حقيقة الإبصار.. إلخ، أنْ تبرز اختلافات في وجهات النظر بخصوص تبيين الوحي وتحليله فلسفيًّا.
من بين هذه البحوث الفلسفيّة والكلاميّة العميقة، ما يرتبط منها أكثر من غيره بموضوعنا في هذا الفصل وبعنوان بحثنا هو دراسة وتـحليل النقطة القائلة: هل تنضيد ألفاظ القرآن ومحتواه اللغويّ اللسانيّ من فعل اللّه، وأنّه تكلّم مع الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم عن طريق ملاك الوحي، أم أنّ كلمات الآيات القرآنيّة وألفاظها تنسب إلى الرسول نفسه صلىاللهعليهوآلهوسلم مع أنّ إلقاء الـمضامين والـمعاني والمرادات على ضمير الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وذهنه وروحه كان من اللّه؟
بتعبير ثانٍ: السؤال المحوري في هذا البحث هو هل للوحي طبيعةٌ وسمةٌ لُغَويّةٌ وما يرسل من اللّه تعالى إلى البشر كوحي يكتسب في آخر مراحله ومنازله طابعًا لغويًّا ولسانيًّا وكلاميًّا أيضًا؟ وفي مقابل هذه الرؤية يقف
الاحتمال القائل إنّ ما يدخل ضمن حدود الوحي وما له ماهيّة ماورائيّة يفتقر للطابع الكلاميّ واللسانيّ، والرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم الذي يتلقّى الوحي هو الذي يخلع عليه لبوس اللغة والألفاظ.
تبنّى عددٌ قليلٌ من الكتّاب المسلمين المعاصرين الرأي الأخير ، ويذكر السيوطي في الإتقان في علوم القرآن هذا الرأي كرأيّ شاذٍّ نادرٍ، ممّا يدلّ على وجود قلائل في العصور الماضية قالوا بهذا الرأي، وذهبوا إلى أنّ الوحي لم يكن لسانيًّا لفظيًّا. الشاهد القرآنـي الوحيـد لصـالح ما ذهب إليه هؤلاء النفر القليل طبقًا لـما نقـله السـيوطي هـو الآيـة الكـريمـة: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾، فهـي تـدلّ مـن وجهـة نظـرهم عـلى أنه لـو كان القرآن والوحي الإلـهي لسـانيًّا ومن سـنخ الكـلام، لنزل على أذن الرسول الكريم صلىاللهعليهوآلهوسلم وسمعه، وتصريح الآية بأن جبرئيل وملاك الوحي الإلهي أنزله على قلب الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم شاهد على لالغوية الوحي وعلى أنه من سنخ المعاني لا من سنخ الألفاظ.
وكما سبقت الإشارة فالقول الغالب المشهور والقريب من الضروري عند العلماء المسلمين هو لسانية الوحي، وثمة العديد من الشواهد القرآنية تعضد هذا الرأي، ونشير فيما يأتي إلى طائفة منها:
﴿وَاتْلُ مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ كِتَابِ رَبِّكَ ۖ لَا مُبَدِّلَ لِكَلِمَاتِهِ وَلَنْ تَجِدَ مِنْ دُونِهِ مُلْتَحَدًا﴾.
﴿وَقُرْآنًا فَرَقْنَاهُ لِتَقْرَأَهُ عَلَى النَّاسِ عَلَىٰ مُكْثٍ وَنَزَّلْنَاهُ تَنْزِيلًا﴾.
﴿إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ * إِنَّا أَنْزَلْناهُ قُرْآناً عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ﴾.
﴿لا تُحَرِّكْ بِهِ لِسانَكَ لِتَعْجَلَ بِهِ * إِنَّ عَلَيْنا جَمْعَهُ وَ قُرْآنَهُ﴾.
﴿سَنُقْرِئُكَ فَلَا تَنْسَىٰ﴾.
يستفاد من مجموعة هذه الآيات الإلهيّة التي ذكرناها كنماذج نقاطٌ كثيرةٌ تتعلّق ببحثنا الحالي، منها:
أوّلًا: القرآن كتابٌ إلهيّ أُمر النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم بتبليغه كما نزلَ إليه حرفيًّا، ولا سبيل لأيّ تغييرٍ أو تبديلٍ في كلمات هذا الكتاب.
ثانيًا: عربيّة القرآن منسوبةٌ إلى اللّه، فهو الذي أنزلَ هذا الكتاب باللغة العربيّة، وهذه الآيات هي نصّ على لُغَويّة الوحي.
ثالثًا: يطمئن اللّهُ تعالى الرسولَ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم بأنّه تكفّل بحفظِ القرآن المنزَل عليه، فلا يُكلّف نفسَه مهمّةَ حفظه، ولا يخشى من نسيانه؛ فاللّه تعالى هو ضامن جمع كلمات القرآن وحفظها دون أيّ زيادةٍ أو نقصان، وأن يفعل بالمعجزة الإلهيّة الباهرة ما من شأنه ضمان عدم نسيان الآيات القرآنيّة على الرغم من طولها وتفصيلها، حتى بعد إلقائها وقراءتها لمرةٍ واحدةٍ من قبل جبرئيل عليهالسلام على الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم.
الشاهد الآخر هو أنّ القرآن خاطب الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بكلمة «قل» لأكثر من ثلاثمائة مرة، وفي هذا دلالة على أنّ دور الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم في عملية الهداية الوحيانيّة يتلخّص في تكرار ما يقال له وإبلاغه.
أما استشهاد بعضٍ بالآية الكريمة فـي سورة الشعراء: ﴿نَزَلَ بِهِ الرُّوحُ الْأَمِينُ * عَلى قَلْبِكَ لِتَكُونَ مِنَ الْمُنْذِرِينَ﴾ على عدم لُغويّة الوحي وأنّه من سنخ
المعاني لا من سنخ الألفاظ -لأنّ ما ينزّل على القلب ليس من سنخ الكلام والألفاظ، لذلك سيكون الوجه اللغوي واللساني واللفظي من القرآن منسوبًا للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم- فهو استدلالٌ غير صحيحٍ بالمرّة وناجمٍ عن تجاهل حقيقة أنّ نفس الإنسان وحقيقته والتي يعبّر عنها بــ«القلب» هي مركز إحساس الإنسان وإدراكه، والأعضاء والجوارح الطبيعية كالعين والأذن أدوات ووسائل لحصول الإدراك، وعليه ففي كلّ أنواع الإدراك والشعور تقوم نفس الإنسان وحقيقته بالفهم والشعور. لذلك لا يختلف الأمر ما إذا دخل شيءٌ إلى دائرة إدراك الإنسان وشعوره عن طريق الأذن أو العين أو اللمس، ففي كلّ هذه الحالات ستكون نفس الإنسان أو قـلبـه هو الذي يُـدرك ويفهم. وفـي خصوص نزول الوحي ومشاهدة ملاك الوحي وسماع صوته، ليس من الضروري تدخل الحواس الظاهرية والأعضاء الطبيعية من قبيل العين والأذن؛ إنّما تحصل هذه الرؤية والاستماع بالحواس الباطنيّة، فيُدركُ قلبُ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم -وما هو إلّا نفسه وروحه- كلامَ ملاك الوحي وملامحه المتمثّل له من دون أن يكون ذلك المَلاك وكلامه مرئيًّا ومسموعًا بالعين والأذن والحواس الظاهريّة للرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم فضلًا عن حواس باقي الأشخاص الحاضرين في مشهد نزول الوحي.
الردّ الآخر على هذا التصور غير الصائب للآية الكريمة المذكورة يتعلّق ببحثٍ مهمٍّ وأساسٍ هو بحث نزول القرآن من عوالم الوجود العُلْوِيّة الفوقيّة، وهو ما ينبغي متابعته في كتب الفلسفة والعرفان المعتبرة، لكننا نقول هنا على نحو الإجمال: إنّ عالم الوجود لا يـختزل فـي عالم المادة والطبيعة والوجودات المحسوسة الملموسة الماديّة؛ إذ يوجد وراء عالم المادة عالمان اثنان هما عالم «المثال المنفصل»، و«عالم العقل»، وعلى الرغم من تجرّدهما وتنزّههما عن المادة وأحكامها فإنّ لهما وجودات متعينة ومنحازة ومستقلّة. ليست هذه العوالم منفصلةً وأجنبيّةً بعضها عن بعض؛ بل هي متطابقةٌ وحاكيةٌ بعضها عن بعض، بمعنى أنّ وجودات عالم المثال هي الوجودات المُتنزلة
الهابطة عن عالم العقل، والوجودات الماديّة والطبيعيّة هي المُتنزلة الهابطة عن عالم المثال. وهكذا فكلّ ماهيّةٍ لها ثلاثة أنحاء من الوجود في ثلاثة عوالم متطابقة، ووجودها المثالي أرقى من وجودها المادي، ووجودها العقلي أرقى من وجودها المثالي والمادي.
بكلمةٍ أخرى: الوجود الطبيعي والمادي للشيء مرتبةٌ نازلةٌ من الخزائن والوجودات المثاليّة والعقليّة لذلك الشيء، وعليه فالقرآن والوحي الإلهي الذي ظهر وتجلّى في عالم المادة والطبيعة على شكل ألفاظٍ وكلماتٍ أوحاها ملاك الوحي لرسول اللّه صلىاللهعليهوآلهوسلم لها في صورتها وقالبها المثالي حقيقةٌ مثاليّةٌ-متفاوتة، والوجود العقلي للقرآن أرقى من وجوده المثالي ووجوده الماديّ، وهو مختلفٌ عنهما. ونزول الوحي الإلهي يحصل بحفظ مراتبه الوجوديّة؛ ولهذا يدرك الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم بمرتبته العقليّة الحقيقةَ العقلانيةَ للقرآن، ويدرك بمرتبته المثاليّة الحقيقة المثاليّة للقرآن، ويسمع في مرتبة الحسن والظاهر، ألفاظ القرآن وكلماته التي يتلوها عليه ملاك الوحي، وهذه المراتب الثلاث لا تتداخل في ما بينها ولا تتنافى في ما بينها، إنّما تحكي كلّ مرتبةٍ عن المرتبة الأعلى منها، وعلى حدّ تعبير صدر المتألهين الشيرازي: «ليعلم أنّ العوالم متطابقةٌ متحاكيةٌ، فكلّ ما يُدرك هذا الإنسان من عالم العقل يقع له حكاية منه في عالم الأشباح الباطنيّة، فذات العقل المفيض للمعارف يتشبّح له صورة
حسيّة متكلّمًا بكلامٍ فصيحٍ مطابقٍ لتلك المعاني مطابقةَ البدن للروح واللفظ للمعنى، فيكون الصورة الـمحاكية للجوهر الشريف العقلي هو الـملك الذي يراه النبي».
يدلّ التقرير الذي عرض لكيفيّة نزول الوحي ومراتبه على أنّ حقيقة الوحي كحقيقة الإنسان لها مراتب وجوديّة، وله وجوده وحضوره في العوالم الثلاثة الخلقيّة الوجوديّة (بغض النظر عن العالم الربوبي)، وتلقّي الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم للوحي يحصل في كلّ العوالم الوجوديّة الثلاثة للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم، فتُدرك نفس الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم، بتجرّدها المثالي الصورة اللسانيّة والكلاميّة للوحي، وتُدرك وتشهد المرتبة العقليّة والباطنية (القلبيّة) للرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم الحقيقةَ العقلانيّةَ والعلوية للوحي والقرآن. وإن نزول القرآن على القلب لا يتنافى مع رؤية ملاك الوحي، والاستماع إلى كلامه.
كما يتجلّى من هذا الإيضاح أن التفسير «القَضَوي» لحقيقة الوحي لا يتّسم بالصحّة؛ لأنّ التحليل القَضَوي لحقيقة الوحي يرى أنّ محتوى ما يُلقى من قبل اللّه (تعالى) على الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم هو «قضايا» وليس جملًا أو كلماتٍ تنتمي
للغة الطبيعيّة، فالقضيّة من حيث هي قضية مستقلّةٌ عن اللغة الطبيعيّة، مثلًا عندما نطلب بلغة الإشارة من متلّقٍ ألّا يمشي على مساحةٍ معيّنةٍ، أو ننصب علامةً هناك تفيد مثل هذا المضمون وتطلبه من المتلّقين، نكون قد نقلنا لهم مضمونًا قضويًّا من دون أن نستعمل لغةً طبيعيّةً معيّنةً من قبيل العربيّة أو الإنجليزيّة أو الفارسيّة. يمكن عرض القضيّة أو العبارة المنطقيّة بطرقٍ مختلفةٍ وبلغاتٍ طبيعيّةٍ متعدّدة.
الحقائق الوحيانيّة من زاوية الرؤية القضويّة هي قضايا مستقلّةٌ عن اللغات الطبيعيّة، فهي حقائق ألقاها اللّه أو ملاك الوحي على قلب الرسول الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، وليس لها صور أو قوالب لُغَوية معينة؛ بل هي من سنخ المعلومات والرسائل والقضايا، والرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم هو الذي يخلع عليها لبوس اللغة ويخرج هذه الرسائل والمعلومات والقضايا إلى أسماع الناس باللغة العربيّة.
يعتقد مؤلِّف كتاب الوحي والأفعال الكلاميّة أنّ الفلاسفة المسلمين، ابتداءً من الفارابي وابن سينا -بل بعض المتكلّمين أيضًا من أمثال الغزالي- كانوا من أتباع النظريّة القَضَويّة في خصوص الوحي، وتقاريرهم لماهيّة الوحي لا تدّل على لُغَويّة الوحي. بل يؤكّد أنّ تقرير الشهيد مرتضى مُطهّري أيضًا لنزول القرآن يبتني تحديدًا على الرؤية القَضَويّة للوحي، فالتحليل القَضَوي محبوكٌ ومنسوجٌ في صميم هذا التقرير كما هو الحال بالنسبة إلى تقارير سائر الفلاسفة لماهيّة الوحي.
يحاول كاتب السطور إيضاح جملةٍ من النقاط على نحو الاختصار، والإجابة عن ثلاثة أسئلةٍ مهمّة: أوّلًا، هل صحيح أنّ تحليل الفلاسفة المشّائين لماهيّة الوحي لا يمكنه تسويغ لُغَويّة الوحي؟ وثانيًا، هل من الصحيح تسمية
رؤية هؤلاء الفلاسفة بـ«القضويّة»؟ وثالثًا، ما هو الفرق العملي للقول بلغويّة الوحي؟ وما هي ثمرة هذا الرأي؟ وما هي تبعات واستحقاقات الرؤية القضويّة -أو النظرية القائلة بعدم لغويّة الوحي- على تفسير القرآن وفهمه؟
أوضحنا في التحليل الذي عرضناه لحقيقة الوحي بمعونة مرتكزات الحكمة المتعالية أنّ الصورة السمعيّة والبصريّة لتحقّق الوحي كما تحتاج إلى تقرير مراتب وجودية للرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم ومتلقي الوحي، تستلزم أيضًا تقرير مراتب تنزليّة لحقيقة الوحي وإنزاله. وبعبارةٍ أخرى: يجب تنزّل الوحي ومَلاك الوحي إلى مرتبةٍ ممكنةِ الرؤية ليستطيع الرسول رؤيته بمرتبة إدراكه الحسّي وسماع صوت ملاك الوحي وكلامه. وعلى الرغم من أنّ للوحي وكلماته مراتب وجوديّة أعلى يستطيع الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم شهودها بسبب تمتعه بالقدرة على الارتقاء والصعود الروحي والمعنوي إلى تلك المراتب الوجوديّة الأرقى، فإنّ تحقّق المرتبة الحسيّة والكلاميّة للوحي يستدعي تنزّل الوحي وملاك الوحي عن مراتبه العليا إلى مرتبة المثاليّة والمرتبة المحسوسة حتى يصبح مرئيًّا، كما إنّ الرسول صلىاللهعليهوآلهوسلم كمشاهدٍ وراءٍ لا يقوم بهذه الرؤية بمرتبته العقلانيّة المتفوّقة؛ بل يحقّق هذه الرؤية وهذا الاستماع بمرتبته الحسيّة وبمساعدة حواسه الباطنيّة. يعتقد كاتب السطور أنّ المشكل والنقص الأساس في تقارير الفلاسفة المشّائين، كالفارابي وابن سينا، لقضية الوحي هو أنّهم قالوا بهذا التنزّل عن مراتب الوجود العليا إلى مرتبة الحسّ والمشاهدة في أجواء الرائي والمشاهد «الرسول» فقط، ولم يأخذوا بالاعتبار في تبيينهم الفلسفي التمثّل والتجسّد الحقيقي والخارجي لمَلاك الوحي؛ ولأجل إيضاح هذا النقص أو المشكل أكثر، نستعرض باختصار خلاصةً لتقرير الفارابي وابن سينا لقضيّة تنزيل الوحي.
في الرؤية الكونيّة المشائيّة، وفي إطار تقسيم كليّ، يصار إلى تفكيك العالم إلى عالمين اثنين: العالم الروحاني (الملكوتي) الذي يشمل موجوداتٍ تمتّعت منذ بداية وجودها بكلّ كمالاتها، فهي موجوداتٌ تامّةٌ وعقلانيّة.
والعالم الثاني هو العالم المادي الذي يشمل موجوداتٍ ناقصةً تستطيع تلافي نقصها تدريجيًّا، وإحراز كمالات تتناسب مع ذاتها .
يطبّق الفارابي عالم العقول على الملائكة الإلهيين، ويسمّي العقل العاشر أو العقل الفعّال الذي يضطلع بدورٍ أساسٍ في تدبير أمور عالم المادّة، الروحَ الأمينَ أو روحَ القدس (جبرئيل): «الثواني (تامّات أو مفارقات، وهي نفسها العقول) هي التي ينبغي أن يقال فيها الروحانيون والملائكة وأشباه ذلك.. والعقل الفعّال هو الذي ينبغي أن يقال إنّه الروح الأمين وروح القدس ويسمّى بأشباه هذين من الأسماء».
يصل الإنسان إلـى الكمـال الأعلى عن طريق الاتصال بالعقل الفعّال، وعندئذٍ يسمّي الفارابي مثل هذه الإنسان (الرئيس الأول)، وهو شخصٌ يصل بفضل الاتصال بالعقل الفعّال وبطيّ مراحل الرشد العقلي -من العقل الـهيولانـي إلى العقل بالفعل، ومن ثَمّ العقل بالملكة، وأخيرًا يصل إلى مقام العقل المستفاد- يصل إلى درجةٍ تحصل له معها كلّ المعارف بالفعل، ولا يعود بحاجةٍ إلى مرشدٍ أودليلٍ أورئيسٍ، فهو أكمل أفراد المجتمع .
الرئيسُ الأول حكيمٌ وفيلسوفٌ من حيث إنّه واصلٌ إلى الكمال على صعيد العقل النظري، ومنتقلٌ من العقل بالفعل إلى العقل المستفاد، ويتوفّر بالاتّحاد والاتّصال بالعقل الفعّال على كلّ المعارف العقليّة، كما إنّه نبيٌّ مرسلٌ من حيث إنّه استطاع بوساطة كمال قوّته المتخيّلة الاتّصالَ بالعقل الفعّال والتوفّر على تفاصيل الحقائق والأخبار الغيبيّة. يقول الفارابي في بيان ذلك: «فيكون بما يفيض منه إلى عقله المنفعل حكيمًا وفيلسوفًا ومتعقّلًا على التمام، وبما يفيض منه إلى قوّته المتخيلة نبيًّا منذرًا بما سيكون ومخُبِرًا بما هو الآن من الجزئيات».
في التحليل المشّائي للوحي تضطلع القوة المتخيّلة للنبي بدورٍ كبيٍر[1]؛ فمن وجهة نظر المشّائين، تكون رؤيةُ ملاك الوحي واستماع صوته حدثًا يقع في وعاء القوة المتخيّلة، بمعنى أنّ ملاك الوحي أو العقل الفعّال يفيض حقائق ما على القوّة المتخيّلة للنبي.
وتقوم هذه القوّة بتنزيل تلك الحقائق إلى صورةٍ محسوسةٍ هي تَكلُّم ملاك
[1]. يشير ابن سينا في تبيينه لماهيّة النبوّة والوحي إلى القوة القدسيّة للنبيّ وهي تمتعه بقوّة الحدس. بسبب تحلّي النبيّ بقوة الحدس لن يكون محتاجًا كالأفراد العاديين إلى كسب المعقولات والمعلومات عن طريق التفكير والتأمّل والبحث في المبادئ؛ بل يكتسب المعرفة بأسرع ما يمكن بفضل موهبته العقليّة هذه. (ابن سينا، المبدأ والمعاد، 116).
(70)