يهدف هذا الكتاب إلى إعادة قراءة حقبة الاستعمار البريطاني في العراق مطلع القرن العشرين، وتحديد أوجه الأهداف التي تحرّك في ضوئها، وبيان الأضرار التي أحدثها في بنية العراق الداخليّة والخارجيّة، في شتّى الشؤون السياسيّة والاقتصاديّة والمدنيّة والتعليميّة والاجتماعيّة والدينيّة، وموقفه من المؤسّسات الدينيّة، وعلماء الدين، وحملة الفكر، والقادة الجماهيريين.
ولا يُنكر بأنّ الاستعمار اتّخذ بعض الاجراءات التي أسهمت في تطوير بعض القطاعات في العراق، واحتوت على منافع غير أنّها كانت جزئيةً عابرةً، ومبنيةً على أهدافٍ تخدم مشروعه الاستيطاني والمنظومة الاستعماريّة بنحوٍ عام.
يأتي هذا الكتاب ضمن سلسلة إصداراتٍ تهدف بيان وجه الحقيقة المظلمة التي عاشتها الشعوب تحت وطأة جور الدول الغربية المستعمرة، فتبيّن المعاناة التي كابدتها المنطقة المستعمرة ومنها العراق جرّاء سلوك المنظومة الاستعمارية وفترة الانتداب، وآثار الغزو الثقافي على هوية العراق الثقافيّة والدينيّة والعرفيّة، وبنيته الاجتماعيّة والأضرار بالمواطنة، والتشكيك بقيمه، وتغريب الوعي، وتمزيق الوحدة بإيجاد الاختلافات وتنمية الانقسامات وبثّ الفرقة، وتعميق الاختلاف الطائفي والعنصري والقومي والديني وافتعال الأزمات، وتكوين ثقافةٍ بديلةٍ تقوم على تعظيم ثقافة المحتلّ، وتهويل قوته العسكريّة والسياسيّة، لصناعة أجيالٍ تؤمن بعظمة المحتلّ وقوته، وتوهين القدرة الذاتيّة على النهوض، ومن ثم إشعار العالم الإسلامي والعربي بالضحالة والعجز.
(7)
ولا يغفل الاستكتاب عن دور المقاومة الدينيّة والفكريّة والعلميّة والأدبيّة والجماهيريّة، والسياسية في مناهضة مشروع الاستعمار، وبيان الروح الوطنية التي تحلّى بها أبناء البلد.
يسعى الكتاب إلى قراءة هذه السياسات والمواقف قراءةً واعيةً موضوعيّة، وقراءة دواعي المحتلّ البريطاني لإيجادها، وآثار ذلك حتى الوقت الراهن؛ للخروج بصورةٍ واضحةٍ عن السياسة الاستعمارية، وما تُخلِّف من خرابٍ مُستدامٍ في واقع الشعوب؛ ممّا يسهم في فهم الآخر والواقع، وتكوين وعيٍ وطنيّ مستقلٍّ للحاضر والمستقبل.
فإنَّ ِذا الكتاب عماده استكتابٌ وجّه للباحثين، مشتملًا على أبوابٍ بحثيّةٍ تغطّي أبرز المجالات التي يمكن العمل عليها، منها باب يتعلّق ببدايات الاستعمار وإرهاصات الاحتلال البريطاني للعراق، ومنها ما يتعلّق بالاستعمار والمؤسّسات العلميّة والثقافيّة والإعلاميّة مثل اختياره أنظمة التربية ومناهج التعليم التي تناسبه، ووضع القوانين النفعية التي تعود عليه في مجالات التراث العلمي والمخطوطات والآثار. أو توظيفه للصحافة والإعلام ووسائلهما لصالحه. ومنها ما يتعلّق بحقل الاستعمار والمؤسّسات العسكريّة والحقوقيّة مثل المؤسّسات العسكريّة والأمنيّة، والمؤسّسات الحقوقيّة والقضائيّة. ومنها ما يتعلّق بالاستعمار والتنمية والاقتصاد مثل مجالات الثروات والصناعات الوطنيّة، والزراعة والتجارة. ومنها حقل يتعلّق بسياسة الاستعمار النقديّة في العراق، والتصرّف في الاحتياط النقدي، والديون والقروض. وأبرز الأبواب بابٌ يتعلّق بالاستعمار وآليات تغريب القضايا الاجتماعيّة، مثل مشاريعه في تغريب أنظمة السلوك والأعراف والثقافات والعادات العامة، ومشروع الانقسامات والفتن الطائفيّة والقوميّة والعنصريّة.
(8)
وأخيرًا وُضِع بابٌ يبيّن موقف الشعب العراقي من الاستعمار عبر مناهضته ومقامته بوساطة المؤسّسة الدينيّة في النجف الأشرف ودورها في حركة التحرير، وموقفها من الانتداب والنفوذ البريطاني، ودور الحركة العلميّة والشعريّة والأدبيّة الفنون في المقاومة. ودور الثوّار مثل زعماء العشائر، والأحزاب، والحركات الوطنيّة والشبابيّة في المقاومة والجهاد وتكوين الثورات الوطنيّة الكبرى من البصرة الى النجف الأشرف حيث ثورة العشرين الخالدة.
ليثمر الاستكتاب عبر هذا الكتاب على ستة عشر بحثًا موزعة ًعلى المحاور والموضوعات المستهدفة، وقد جاءت في جزئين:
الجزء الأول تضمّن ثمانية بحوث، البحث الأوّل (إرهاصات الاحتلال البريطانيّ للعراق)، يعرض للواقع العراقيّ السياسيّ والاجتماعيّ والاقتصاديّ والثقافيّ، وفيه قراءة لتأريخ الاستعمار، وأسباب الاحتلال البريطاني للعراق، وأهدافه، ودوافعه، وطرقه.
والبحث الثاني بعنوان (الإدارة الاقتصاديّة والمدنيّة للعراق في عهد الاستعمار البريطاني)، بيّن سياسية بريطانيا وتجاهلها لحقوق العراقيين بفرضها جملةً من القوانين النفعية، وسنّها لقوانين اقتصاديةٍ تفرض زيادة الواردات والضرائب الباهظة على المزارعين لتغطية نفقات جنودها وتعزيز مواردها المالية؛ مما أسهم في ترك كثير من الفلّاحين للزراعة، فتضرّر البلد بذلك، فضلًا عن فرض نظامٍ عزّز الاقطاعيات. بل شمل نظام الضرائب شتى ضروب الانتاج، والثروات الحيوانية والصناعيّة البسيطة.
أمّا البحث الثالث فعنوانه (التنظيم القانوني للآثار العراقية في ظلّ الاستعمار البريطاني)، وقد أوضح كيف عملت المس بيل على إصدار قوانين تفرض قسمة
(9)الآثار المستخرجة بين الجهات القائمة على التنقيب، والتحايل بقرارٍ يفرض منع تهريب الآثار الى العراق وليس منه، ممّا سبّب زيادة التهريب والسرقة لآثار البلد.
ثم جاء البحثان الرابع والخامس عن دور وسائل الإعلام والصحافة في بيان الواقع السياسي والسلوكيات الاستعمارية التي سلبت العراقيين حقوقهم ومنعتهم من حكم نفسهم، وقد اتّخذا من جريدتي الاستقلال والفرات النجفيتين مثالًا لذلك.
وتلا ذلك البحث السادس عن (الاستعمار البريطاني والملف العسكري والقضائي للعراق) الذي تناول فرض الاستعمار للحاكم العسكري ووضع أفرادٍ للشرطة والشبانة لفرض الأمن العام، التي كان تركيزها الرئيس وهدفها الأساس خدمة الجانب البريطاني؛ إذ كلّفت بحماية الطرق والمواصلات التي تسلكها القوات البريطانيّة، ومخازن أسلحتها.
وجاء البحث السابع بعنوان (خطط التنمية الزراعيّة للإدارة البريطانيّة وآثارها على العراق)، وقد كشف فيه الباحث عن الخطّة الزراعيّة السيّئة التي وضعها الاحتلال لنظام الزراعة في العراق لغرض ربطة بالسوق العالمي بالاعتماد على استيراد المضخّات المكلفة، فتسبب ذلك بترك الزراعة المحلّية لعدم القدرة على شرائها، أو يتم إقراض المزارع برأس مال وفوائد عالية، فضلًا عن استيراد البذور الأجنبيّة وترك البذور المحليّة، وغير ذلك ممّا سبّب تباطئ النمو الاقتصادي للزراعة، فنجمَ عن ذلك انقسامٌ كبيرٌ في الطبقات الاجتماعيّة بنشوء طبقة الاقطاعيين وسيطرتها على طبقة الفلّاحين. ذلك كلّه يدخل في سعي بريطانيا للاستيطان أكثر في العراق بتضييق الخناق عليه، وإبقائه تحت أغلال الحاجة إليها.
(10)أما البحث الثامن (موقف الإدارة الاستعماريّة البريطانيّة في العراق حيال القوميّات والأقليّات الدينيَّة) فقد أظهر كيف استغلت الإدارة البريطانيّة إثارة قضايا القوميّات والأقليّات، في تمزيق النسيج الاجتماعي، وافتعال الأزمات، ثم استغلال بحجّة حمايتهم كورقة ضمانٍ يعزّز حجة وجودهم واستيطانهم.
أما الجزء الثاني فقد تضمن تغطيةً واسعةً لملف مناهضة الاستعمار ومقاومته من شتّى الجهات التي أسهمت في تحرير العراق، مع تبيين الأسباب الكامنة وراء الثورات العسكريّة. وتم التركيز على الدور الكبير للمرجعية الدينية في النجف الأشرف حيث الفتوى بالجهاد، والتعبئة المنظّمة، والتحشيد الهائل، والاستجابة العظمى للثوّار في محافظات وسط العراق وجنوبه. وتضمّن البحث الرصين في بيان الحقائق في توقيت فتوى المرجعية وأسبقيّتها على الأحداث التي وقعت متفرقة في العراق، لردّ تلك المحاولات التي سعت إلى التغطية على أسبقيّة المرجعية ودورها في بدء النهضة، ونسبت ذلك إلى مسمّيات هنا وهناك.
وكان من أبرز الشخصيات الدينيّة التي أسّست لمناهضة الاستعمار البريطاني الميرزا محمد تقي الشيرازي - وهو من علماء الحوزة في العراق - الذي أفتى بالجهاد، فنهضت الأمة ملبيةً نداءه، ونجله الشيخ محمد رضا، والشيخ فتح الله الأصفهاني (شيخ الشريعة) الذي تسلّم زمام القيادة خلفًا للميرزا الشيرازي، والسيد هبة الدين الشهرستاني، والقائد الفذ السيد محمد سعيد الحبوبي، والشيخ مهدي الخالصي، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والشيخ محمد جواد الجزائري، والشيخ محمد رضا الشبيبي، والسيد أبو القاسم الكاشاني.
ولم تغفل بحوث نهضة المقاومة عن إبراز دور كثيرٍ من الشخصيّات
(11)الاجتماعيّة الكبيرة التي كان لها أثر ٌواضحٌ في الاستجابة والنصر والتحرير، ودور الجمعيّات والصحافة والمثقّفين والأدباء وزعماء العشائر والشخصيّات الاجتماعيّة ذات التأثير في الوسط الاجتماعي.
وقدمت بحوث هذا الجزء تفصيلًا كبيرًا عن الثورات التي حصلت في جنوب العراق ووسطه منذ اليوم الأول للاستعمار سنة 1914 حتى الثورة الكبرى 1920م، مع التركيز الدقيق على أسباب تلك الثورات، وصور الوحشية التي مارسها الاحتلال البريطاني، وصور ظلمه، وانتهاكه للحقوق، وسلبه للحريّات، وإشعاله للفتن، ونهبه للثروات الوطنيّة والشخصيّة، وإرهاق العراقيين بالضرائب والجبايات. وغير ذلك من أسبابٍ قادت إلى النهضة والتحرير.
هذه المحتويات جاءت متفرقةً في الجزء الثاني في بحوثٍ منها (قيادة المرجعيّة الدينيّة لثورة العشرين)، و(مناهضة الاستعمار البريطاني ومقاومته «الثوّار والثورات»)، و(مصاديق الجهاد ضدّ الاستعمار وفق رؤية السيّد هبة الدين الشهرستاني)، و(مقاومة الكوفة للاستعمار البريطاني)، و (دور الحركة العلميّة والأدبيّة في مقاومة الاستعمار).
إنّ تجديد الكتابة في هذا الموضوع يبيّن الصور المأساويّة والأضرار العميقة التي يخلّفها الاستعمار أينما حلّ، فإحياء الكتابة فيه واستدامتها بمنزلة التحذير من خططه الجديدة وأساليبه المعاصرة الأكثر إيهامًا وخديعةً وفتكًا؛ لتجنّب إعادة مأساة الماضي، والخلاص من أغلال الحاضر، ومواجهة تحدّيات المستقبل.
أخذ هذا المشروع الاستكتابيّ الجماعيّ طريقه إلى الاكتمال بمشاركة مجموعةٍ من الباحثين، وعرفانًا بإسهاماتهم في إنجاز الكتاب يتقدّمُ المركز الإسلاميّ لهم
بوافر الشكر والتقدير على ما جادت به أفكارُهم، من جهودٍ علميّةٍ كريمة. كما تقدّم إدارة التحرير بالغ شكرها إلى الأخوة المسهمين في إنجاز العمل، بدءًا من الدكتور فضاء ذياب لجهوده في التدقيق اللغوي، والأستاذ علاء الأعسم، والدكتور فرقان الحسيني، والأستاذ مصطفى الشمري.
نأمل أنْ يحقّق هذا الكتاب منفعةً علميّةً للقرّاء الكرام، ويُثري موضوعَه الذي كُتب فيه.
والحمدُ للهِ ربِّ العالمينَ
وصلّى اللهُ على رسولهِ الأمينِ محمدٍ وعلى أهلِ بيتهِ الطيّبينَ الطاهرينَ
د. عمّار عبد الرزّاق علي الصغير
المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة / النجف الأشرف.
التاسع من ذي الحجة 1446 هـ
2025/6/6
د. ياسين شهاب شكري
الملخّص
اهتمت بريطانيا بموقع العراق والرغبة في السيطرة على إمكاناته منذ وقتٍ مبكّرٍ امتد لأكثر من قرنٍ ونصفٍ من الزمان قبل احتلالها المباشر له عام 1914م، حيث بدأ الاهتمام من حيث الاستفادة من الموقع الاستراتيجي الرابط بين الخليج العربي من جهة، والبحر المتوسط من جهة أخرى، والإمكانات الاقتصاديّة المتوفّرة فيه من الملاحة والنقل والتجارة في أنهار العراق، وكذلك المواصلات وخطوط التلغراف، وتبنّي مشاريع لمد سكك الحديد التي تربط المصالح البريطانيّة في الهند والشرق الأقصى بأوربا.
وهذه المصالح تقاطعت مع الوجود العثماني في العراق، ومن منافسات الدول الأخرى مثل: ألمانيا، وهذا ما دفع بريطانيا إلى وضع الخطط والتمهيد لغزو العراق منذ مطلع القرن العشرين، وتكلّلت الظروف عند قيام الحرب العالميّة الأولى ودخول العثمانيين الحرب، فتم التحرك البريطاني لاحتلال العراق عبر حملةٍ عسكريةٍ انطلقت من الهند باتجاه الخليج العربي، ومن ثم نحو أقصى جنوب العراق، غير أنّ القوات البريطانيّة احتاجت إلى أربع سنواتٍ لاستكمال السيطرة على جميع مناطق العراق، بسبب المقاومة الشعبية الملبية لفتاوى الجهاد الصادرة من المرجعية الدينية.
الكلمات المفتاحية: الاحتلال البريطاني، درّة التاج البريطاني، سكّة حديد وادي الفرات، النفوذ الألماني، الدولة العثمانيّة.
اهتمّت بريطانيا ــ التي كان يطلق عليها إنكلترا ( حتى القرن الثامن عشر الميلادي) ــ منذ وقتٍ مبكّرٍ في الوصول إلى الشرق بحثًا عن التجارة، خاصة بعد تأسيس شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة عام 1600م، ولئن كان العراق قد زاره العديد من الرحالة الإنكليز، وهم في طريقهم إلى الهند وبلاد فارس، ودونوا ما شاهدوه عن مدنه ومناطقه أمثال: جون نيو بري (١٥٨٣م )، وراف فتش (١٥٨٣م)، وجون إيلدرد (١٥٨٣م)، والأخوين شيرلي (١٥٨٩م) ، وتوماس هربرت (1628م) ...الخ ، إلّا أنّ اكتشاف أهميّة موقع العراق جاء بمحض الصدفة لحادثةٍ حدثت في منتصف القرن الثامن عشر الميلادي أثناء قيام حرب السنوات السبع (1756-1763م) في أوربا، إذ كان الخليج العربي يشهد تنافسًا كبيرًا بين الفرنسيين والبريطانيين، ووصلت أخبار الحرب إلى الفرنسيين أوّلًا عن طريق رسائل القناصل الفرنسيين من طريق حلب بصرة للقوافل التجاريّة بعد خمسة أشهر من قيامها، فقامت السفن الفرنسية بهاجمة ميناء بندر عباس حيث مقرّ شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة، وتم الاستيلاء على المقرّ بعد حرق عددٍ من السفن الإنكليزيّة، في الوقت الذي تأخّر وصول أخبار الحرب إلى الإنكليز عن طريق رأس الرجاء الصالح بالدوران حول أفريقيا بعد سنة كاملة، ومن هنا تنبه الإنكليز إلى ضرورة زيادة النفوذ التجاري والسياسي في شمال الخليج وتحديدًا
في البصرة والعراق، إذ قامت الشركة بنقل مقرّها التجاري في الخليج من بندر عباس إلى البصرة عام 1763م، ومن هنا بدأ العراق يكتسب أهميّةً كبيرةً لدى البريطانيين ومحاولاتهم للتغلغل الاقتصادي والسياسي فيه.
أولت بريطانيا اهتمامًا أكبر في زيادة نفوذها في العراق في أواخر القرن الثامن عشر ومطلع القرن التاسع عشر الميلاديين نتيجة للحملة الفرنسيّة على مصر(1798-1801م)، إذ توقّع الإنكليز أنّ هدف الحملة هو التوجّه بعد مصر نحو الهند، ورشحوا أنْ يكون ذاك من طرقٍ متعددةٍ أهمها وأيسرها طريق العراق عبر بادية الشام نزولًا إلى بغداد، ثم البصرة، والخليج، وإلى الهند، ولغرض مواجهة هذا الاحتمال قامت بريطانيا بنقل المقيمية التابعة لها من البصرة إلى بغداد؛ لتكون قريبةً من مركز قرار الحكم، ومراقبة التطورات التي تحدث في المنطقة، واحتماليّة تعاون حكومة المماليك في بغداد مع الفرنسيين، حتى زوال الخطر الفرنسي على المصالح البريطانيّة بعد فشل الحملة على مصر عام 1801م وخروجهم منها .
ازداد التمثيل السياسي البريطاني في العراق خلال القرن التاسع عشر من خلال وجود مقيميتين بريطانيتين إحداها في البصرة والأخرى في بغداد، والمقيميّة البريطانيّة في بغداد كانت متربطةً بقسم الشؤون الخارجيّة في حكومة الهند من جهة، وكذلك بوزارة الخارجية البريطانيّة عبر السفير البريطاني في إسطنبول، كما تم تأسيس وكالة قنصلية في الموصل عام 1839م تحت إشراف
القنصل البريطاني العام في بغداد لحماية المصالح البريطانيّة الاقتصاديّة والدينيّة من خلال النشاط البريطاني في الأوساط المسيحيّة هناك، وأوجدت بريطانيا في كربلاء وكيلًا أو ممثّلًا لها منذ منتصف القرن التاسع عشر الميلادي بهدف رعاية مصالح رعايا من المسلمين الهنود الزائرين، وقد تولّى إدارة تلك الوكالة بعض الرعايا من الهنود أو الأفغان أمثال: الميرزا محمد حسن محسن الأفغاني خلال المدة ( 1903-1914م ).
بدأ التوجّه البريطاني نحو العراق خلال القرن التاسع عشر يأخذ طابع المصالح الاقتصاديّة، بسبب أهميّة العراق كموقعٍ استراتيجيّ وما فيه من إمكاناتٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ، حيث عملت بريطانيا على توقيع اتفاقيةٍ مع الدولة العثمانيّة عام 1809م، ضمنت فيها ترجيح بريطانيا على بقيّة الدول الأوربيّة من حيث الامتيازات التجاريّة بحيث إنّها كانت تدفع رسوم 3% فقط عن التجارة الإنكليزيّة في أراضي الدولة العثمانيّة ومنها العراق، ولعب المقيم البريطاني الدبلوماسي في بغداد كلوديوس جيمس ريج (Claudius James Rich) دورًا كبيرًا في زيادة المصالح البريطانيّة التجاريّة في العراق، خاصة وأنّه كان قد عمل قنصلًا لمدّةٍ طويلةٍ من الزمن (1808- 1821م) ، ويبدو أنّ النفوذ البريطاني في العراق تعدّى المصالح الاقتصاديّة إلى التدخّل في شؤون الحكم من قبل المقيم البريطاني المذكور، وكاد الأمر أنْ يُحدث مواجهةً عسكريّةً بين حرّاس المقيميّة البريطانيّة وبين والي بغداد داوود باشا( 1817-1831م)،
لولا تراجع الأخير بسبب خشيته من تعاظم المشكلة مع بريطانيا .
كانت الدولة العثمانيّة تسيطر على العراق بشكلٍ غير مباشرٍ من خلال وجود حكم المماليك في بغداد طيلة المدة (1750-1831م)، ثم وجدت الدولة في ضرورة إنهاء هذا الحكم والسيطرة المباشرة على العراق، فتم إرسال حملةٍ عسكريةٍ بقيادة والي حلب علي رضا باشا اللازر، فيما ضغط السفير البريطاني في استانبول من أجل التريّث في تحرك العثمانيين، ويبدو أنّ هدف البريطانيين كان الخشية من تعرض مصالحهم السياسية والاقتصاديّة في العراق إلى الخطر في حال عودة السلطة المركزيّة العثمانيّة المباشرة إلى العراق، إلّا أنّ قائد الحملة كان قد تعهّد لهم بالمحافظة على مصالحهم فيها، وقد تمكّنت الحملة من السيطرة على بغداد عام 1831م.
وفي الثلاثينيّات من القرن التاسع عشر الميلادي ظهرت بوادر التوجّه البريطاني نحو الاستفادة من موقع العراق في أعمال النقل والتجارة عبر إيجاد طريقٍ يربط بين الشرق والغرب يمرّ إما بمصر وإمّا بالعراق، وبدأ التفكير من قبل شركة الهند الشرقيّة الإنكليزيّة بالملاحة في نهري دجلة والفرات؛ ولهذا الغرض تم إرسال بعثةٍ إنكليزيةٍ عام 1830م بقيادة الضابط الإنكليزي جسني (Chesney)، الذي قام بمسح المنطقة في رحلته من أعالي نهر الفرات في الشام نزولًا إلى الفلوجة وبغداد والبصرة خلال المدة 1830-1831م، جمع فيها معلوماتٍ واسعةً وخرائط مفيدةً عرضها على المسؤولين في لندن عام
1832م، ذكر فيها بأنّ هناك صعوباتٍ تمنع الملاحة فيه من احتمالية مهاجمة العشائر للسفن، وأنّه من الضروري استرضاؤها القبائل ، عاد جسني بعدها من جديدٍ إلى العراق عام 1834م، وبطلبٍ من الحكومة البريطانيّة لغرض دراسة الملاحة في نهر الفرات من جديد، وبيان مدى إمكانية الاستفادة منه في فتح طريقٍ سريعٍ إلى الهند ولتنمية التبادل التجاري، ونقل البريد بين بريطانيا والهند، إذ عمل في النهر عام 1835م، طيلة ثلاث سنواتٍ أخرى، وتوصل إلى نتيجةٍ مفادها فشل الملاحة في الفرات لوجود الموانع الطبيعية، كما جرت محاولاتٌ أخرى للبحث في الملاحة في نهر دجلة غير أنّ النهر كان أصعب من الفرات .
وبالرغم من تقارير بعثة جسني المخيبة للآمال فإنّ مشروع الملاحة في نهر الفرات ظلّ يراود البريطانيين، ففي عام 1861م، تم تأسيس أوّل شركةٍ تجاريةٍ بريطانيةٍ في العراق وهي شركة لنج ( Lynch )، التي قامت بأبحاثٍ في الملاحة ونقل في نهر الفرات، وبدأت نشاطها التجاري فيها عام 1862م، من خلال عددٍ من السفن التجاريّة التي كانت تعمل في النهر لنقل السلع والبضائع من البصرة إلى بغداد، ومن هناك يتم نقلها إلى حلب برًا، غير أنّ سفن الشركة كانت تواجه صعوبات في النقل والتجارة، خاصة ما تعلق منها بهجمات العشائر الموجودة على ضفتي النهر في حالة عدم دفع الإتاوات من قبل السفن.
ولم يكن الاهتمام البريطاني بالعراق منصبًّا فقط على الملاحة والتجارة في
أنهار العراق، وإنّما القيام بمشروع فتح المكاتب البريدية في مدن العراق، حيث تولت بواخر (شركة لنج) بموجب الاتفاقيّة التي تم التوقيع عليها مع الحكومة العثمانيّة سنة 1279هـ/1862م على نقل البريد الذي يأتي من الهند إلى البصرة إلى بغداد ومنها إلى أوربا ، وقد افتتحت بريطانيا عام 1868م مكتبين بريديين، الأول في البصرة، والثاني في بغداد .
كما اهتمّت بريطانيا بإنشاء خطوط التلغراف في العراق من أجل ربط بريطانيا بمستعمراتها في الهند، خاصة بعد قيام ثورة الهندوس ضد الاستعمار البريطاني في الهند عام 1857م، وشعور بريطانيا بأهميّة إقامة خطوط اتصالاتٍ سريعةٍ مع مستعمراتها في الهند عبر آسيا الصغرى والعراق وفارس والخليج العربي، فتمّ مدّ تلك الخطوط بعد حصول الإنكليز على موافقة الدولة العثمانيّة عام 1861م، وجرى افتتاح الخط البرقي الممتد بين بغداد وإسطنبول في عام 1861م، كما جرى اتفاقٌ بين الدولتين عام 1863م، تعهدت فيه بريطانيا على مد خطين للتلغراف فوق الأراضي العراقيّة على نفقتها الخاصة، الخطّ الأول يمتد بين بغداد وخانقين، ومنها إلى كرمنشاه وطهران، ثم إلى ميناء بوشهر على الخليج العربي حيث ترتبط بخطوط الاتصال البرقي مع الهند، وجرى افتتاحه عام 1864م، أما الخطّ الثاني فيمتد بين البصرة إلى القرنة ليتفرع منها إلى فرعين، يمتدّ الأول من القرنة إلى بغداد عبر مدن دجلة ليرتبط بخطٍّ آخر عبر كركوك وأربيل ونصيبين وماردين وديار بكر، ثم إلى إسطنبول، والخط
الآخر من القرنة إلى بغداد عبر مدن الفرات، ماراً بسوق الشيوخ والسماوة والديوانية.
وفي مجال مدّ خطوط السكك الحديدية، فإنّ الإنكليز حاولوا الاستفادة من موقع العراق من خلال طرح فكرة مدّ سكك الحديد عبر أراضيه للربط بين أوربا من جهة، وبين الهند والشرق الأقصى من جهةٍ أخرى عبر سلسلةٍ من الخطوط الممتدّة من مناطق شبه القارة الهندية المستعمرة البريطانيّة الأكبر في العالم، التي كان يطلق عليها (درة التاج البريطاني)، ومنها نحو الخليج العربي مرورًا بالعراق وبلاد الشام وسواحل البحر المتوسط، ومن ثم النقل بحرًا إلى أوربا، وصولًا إلى بريطانيا بمسافة تصل إلى أكثر من ستة إلاف ميل، وفقًا للخريطة التالية:
وتعود بدايات التفكير في إنشاء خط سكة الحديد للنقل التجاري إلى عام 1856م، عندما طرح أحد المهندسين الإنكليز ويدعى آندرو ( Andraw ) ــ وهو من العاملين في سكة الحديد بالهند عام 1857م ــ على حكومة بلاده مشروع إنشاء سكة حديدٍ للربط عبر العراق وبلاد الشام، وتم الحصول على التأييد والدعم من الحكومة والبرلمان البريطاني، غير أنّ الشركة عجزت عن البدء بالعمل؛ بسبب عدم توفّر الأموال اللازمة للقيام بذلك، وتم تأجيل المشروع لمدة خمس عشرة سنة، ثم أعيد التفكير به خلال المدة (1871-1872م)، بعد شعور بريطانيا بتضرر مصالحها الاقتصاديّة نتيجة لافتتاح قناة السويس عام 1869م، فشكّلت لجنة خاصّة لدراسة المشروع، وقامت باستشارة الخبراء والمهتمين بالمشروع، وقدّمت جميع الآراء والمقترحات الداعمة للفكرة في تقريرٍ مفصّلٍ من سبعين صفحة، وتمت طباعته ونشره في لندن سنة 1872م بعنوان (سكة حديد وادي الفرات) (The Euphrates Valley Railway) ، وفي الوقت ذاته نشر تقريرٌ آخر سنة 1873م، كان قد أعدّ منذ سنة 1858م بعنوان: (الأهمية الاستراتيجية لسكة حديد وادي الفرات) (The Strategical Importance of The Euphrates Valley Railway)، رُكّز فيه على أهمية هذه الخط لمواجهة تغلغل روسيا القيصرية في الدولة العثمانيّة، التي ستهدد المصالح البريطانيّة في المنطقة.
تناول التقرير الأوّل (سكة حديد وادي الفرات) أهمية الطريق وضرورة الاستفادة منه لمد سكة حديدٍ تربط أوربا بالهند عبر بادية الشام والعراق، بنحوٍ تكون أكثر أهميّة من قناة السويس، كما طرح التقرير الآراء المتعددة حول بداية الطريق، واستقر الرأي بأنْ تبدأ السكة من نقطة أو ميناء ما على البحر المتوسط
كالإسكندرونة باتجاه حلب، ومن هناك إلى منطقة مسكنة، إلى دير الزور، وعبر وادي الفرات باتجاه عانة وحديثة، ومنها إلى بغداد، ومن ثم إمكانية تفرع الخط إلى فرعين عبر دجلة والفرات إلى البصرة، مع وجود خطوطٍ فرعيةٍ ترتبط الخطّ من الموصل ومن مندلي باتجاه الحدود الإيرانية، وبين التقرير المعوقات والتكاليف مقابل النتائج الاقتصاديّة الكبيرة والإيرادات المالية الهائلة في حالة إنجاز الخط وتشغيله، فضلًا عن الاستفادة من موقع العراق وخيراته.
أهملت الحكومة البريطانيّة التقرير لمدة ثلاث سنوات، لكونها كانت تفضّل الاستحواذ على طريق قناة السويس المنجز آنذاك، عبر قيامها بشراء حصة مصر من أسهم قناة السويس سنة 1875م تمهيدًا للسيطرة الكاملة على القناة بدلًا من الذهاب إلى مشروع سكة لا يزال في طور التخطيط والبحث، فظلّ مشروع سكة حديد وادي الفرات حبيس الوثائق والأدراج لدى الحكومة والبرلمان البريطاني حتى سنة 1909م، عندما أعيد طرح المشروع من قبل الحكومة من جديد كمحاولة منها لإيجاد طريقٍ منافسٍ لخط سكة ( حديد برلين- بغداد ) المزمع إنشاؤه من قبل ألمانيا بعد منحها الامتياز من قبل الدولة العثمانيّة عام 1902م، وقيام بريطانيا بإحياء مشروعها القديم لم يكن الهدف منه وجود رغبة حقيقية لإنشائه، وإنّما الضغط على ألمانيا والدولة العثمانيّة من أجل الوقوف ضد المشروع الألماني، فتحرّكت بريطانيا باتجاه إعادة طرح فكرة مشروع سكّة وادي الفرات، ومن الجدير بالذكر هنا أنّ الخط البريطاني كان يمتاز بأنّه أقصر من الخط الألماني، وتكاليف إنشائه أقل من الناحية المادية؛ لكونه يمرّ بمناطق منبسطةٍ من حلب إلى بغداد والبصرة، في الوقت الذي كان المشروع الخط الألماني يمرّ بمناطق
وعرة في الأناضول حتى الوصول إلى مدينة الموصل، غير أنّ الحكومة البريطانيّة لم تكن جادةً في طرح المشروع، وإنّما كانت تحاول من خلاله الضغط على الدولة العثمانيّة وألمانيا للقبول بتسوية ودية لمشروع سكة حديد برلين- بغداد قبيل قيام الحرب العالمية الأولى، وفي الوقت ذاته فإنّ دخول ألمانيا على خط مد النفوذ والمصالح الاقتصاديّة إلى العراق والمنطقة، دفع ببريطانيا إلى التفكير الجدي في كيفية السيطرة على العراق ولو بالقوة العسكرية.
كانت بريطانيا ترى بأنّ التغلغل السياسي والاقتصادي في العراق سيؤدي حتمًا يومًا ما إلى السيطرة عليه؛ لذا اهتم البريطانيون في إيجاد موطئ قدمٍ لهم في الواقع الاجتماعي العراقي عن طريق التبشير الديني البروتستانتي من خلال إرسال رجال الدين بروتستانت بغية خلق جماعات تعتمد عليها بريطانيا في حماية مصالحها في العراق، فكان جوزيف وولف(Wolff ) (1796-1862) أوّل مبشِّرٍ أوفدته جمعية لندن لنشر البروتستانتية بين اليهود، حيث وصل إلى سنجار والتقى بعدد من اليهود واليزيديين، كما أنّ بعثة جسني المار ذكرها سابقًا كانت قد اصطحبت معها أحد المبشِّرين البريطانيين ويدعى صموئيل (Samuel)، فبدأ نشاطه في البصرة، ثم انتقل إلى بغداد، وقد وجد بعض العراقيين أنّ وجود هذا المبشِّر وحماسه الكبير في دعم البعثة الملاحية جزءٌ من خطّةٍ عامّةٍ نحو احتلال البلاد الإسلامية، وتحويل المسلمين إلى النصرانية، فأُخرج من العراق.
وفي عام 1838م، أقرت الجمعية الجغرافية الملكية البريطانيّة (Royal
Geographical Society)، وجمعية تعزيز المعرفة المسيحية (Society For The Promotion Of Christian Knowledge) مشروعًا مشتركًا لمدة سنتين عرف بـ (بعثة استكشاف كردستان)، والهدف المزعوم للبعثة هو اكتشاف وسط وشرق الأناضول وشمال العراق، وتقديم تقرير عن الكنائس النسطورية واليعقوبية وعن القبائل الكردية واليزيدية ولغتها ومعتقداتها وأحوالها العامة ، واستمر النشاط التبشيري البريطاني في العراق خلال العقود اللاحقة، خاصة في أوساط الطوائف الدينية المسيحية وتحديدًا النساطرة، حيث اختار لهم رئيس أساقفة كنتربري البريطانيّة عام 1886م تسميةً جديدةً هي (الآثوريين) أو (الآشوريين)، وأوفد بعثةً تبشيريةً إليهم لتغيير التسمية بهدف رفع منزلتهم التاريخية في الأوساط العالمية، كما تم فتح مقر للإرسالية التبشيرية البروتستانتية في منطقة العمادية شمال العراق عام 1911م.
بدأت بريطانيا بجمع المعلومات والأخبار عن الجوانب السياسية والاقتصاديّة والاجتماعيّة في العراق من خلال تقارير المقيم البريطاني والقناصل المنتشرين في بعض مدن العراق، كما أنّها أرسلت الجواسيس بعناوين مختلفة للاطلاع على الأوضاع عن كثب، فمثلًا قام النقيب البريطاني ماونسل (Maunsel) بجولاتٍ في شمال العراق في عامي 1888 و 1892م، زار خلالها دهوك والعمادية والزيبار وأربيل والموصل، وكذلك قام الميجر سون ( E. soon ) بزيارة إلى شمال العراق وتحديدًا الى السليمانية متنكرًا باسم ميرزا غلام حسين الشيرازي، وكتب تقريرًا
تضمن في ملحقه تفاصيل عن القبائل الكردية وفروعها ومواطن انتشارها على الحدود العراقيّة - الإيرانية.
ولعلّ من أشهر الشخصيات الإنكليزية التي زارت العراق قبل الاحتلال الرحّالة الآثارية المس جترود بيل (G. Bell) عام 1909م، التي قُدّر لها أنْ تلعب دورًا أساسيًا في تاريخ العراق بعد الاحتلال كسكرتيرة المندوب السامي البريطاني، إذ إنّها جمعت معلوماتٍ تفصيليةً عن العشائر العراقيّة من خلال زياراتها لمناطق حوض دجلة، كما زارت القبائل الكردية في شمال العراق والأقليّات غير المسلمة التي تسكن المنطقة الشمالية كالنصارى واليزيدية وغيرهم، وقد أقامت سنةً كاملةً في خيام البدو عند قبيلتي شمر وعنزة، وأصبحت لها علاقاتٌ كبيرةٌ مع عددٍ كبيرٍ من الإقطاعيين في مناطق العراق المختلفة .
ومن الجواسيس البريطانيين الآخرين الكولونيل ليجمن (Leachman) الذي زار العراق عدّة مراتٍ ما بين 1911-1913م، والهدف من الزيارة تأليب زعماء العشائر ضد الحكم العثماني في العراق .
تباينت رؤية المصادر التاريخية في النظر إلى الغزو البريطاني للعراق عام 1914م، من حيث بيان دوافعها الأساسية، وهل أنّها جاءت ردّة فعلٍ لدخول العثمانيين الحرب العالمية الأولى إلى جانب ألمانيا ضد كلٍّ من بريطانيا وفرنسا وروسيا؟ فأرادت بريطانيا فتح جبهةٍ جديدةٍ للحرب انطلاقًا من الخليج العربي باتجاه العراق الواقع تحت سيطرة العثمانيين، أم أنّ فكرة الغزو والتخطيط لاحتلال العراق قد سبق ذلك بفترةٍ زمنيةٍ طويلةٍ كجزءٍ من التوجهات الاستعمارية البريطانيّة للسيطرة على المناطق الحيوية في العالم.
والحقيقة أنّ دوافع الغزو البريطاني للعراق قد ارتبطت بمحاولاتها السابقة للتغلغل السلمي عبر المصالح السياسية والاقتصاديّة، ثم التفكير بإعداد خطةٍ عسكريةٍ للاحتلال، تم الإعداد لها قبل الحرب بسنوات، ناهيك عن المتغيرات السياسية والاقتصاديّة الإقليمية والدولية، والتي دفعت بالبريطانيين ضمن عوامل وأهداف عديدة، وعلى النحو التالي:
عملت بريطانيا على تثبيت نفوذها ومصالحها السياسية والاقتصاديّة في منطقة الخليج العربي وما يجاورها منذ منتصف القرن الثامن عشر الميلادي، ووقعت العديد من الاتفاقيات والمعاهدات الثنائية خلال القرن التاسع عشر مع المشيخات الخليجية ابتداءً من معاهدة 1820م، مع الساحل العماني وعرب القواسم، وحتى معاهدة الحماية البريطانيّة للكويت عام 1899م، والدولة القاجارية في إيران في السنوات (1872م ، 1890م)، التي منحت الأفضلية لبريطانيا في المصالح السياسية والاقتصاديّة على بقية الدول الأوربية بحيث
أصبح الخليج في مطلع القرن العشرين كأنّه بحيرةٌ بريطانية ، وهذا ما أعطاها فرصةً التدخل وزيادة النفوذ في المنطقة، غير أنّ مصالحها الحيوية في أراضي الدولة العثمانيّة والعراق جزءٌ منها، كانت تواجهها العراقيل والسياسات المتضاربة بين الجانبين؛ فالعثمانيون كانوا يرون أنّ نفوذهم التاريخي على الجزء الغربي من ساحل الخليج العربي يعطيهم المشروعية في حكم المناطق الممتدة من جنوب العراق والكويت والإحساء وقطر والبحرين، وهذا ما أدّى إلى توتر العلاقات العثمانيّة البريطانيّة في الخليج العربي طيلة الفترة الممتدة من عام 1871م، ولغاية عام 1914م، وهذا ما دفع الساسة البريطانيين إلى التعبير صراحةً بضرورة المحافظة على المصالح السياسية والتجاريّة، وتأمين الطريق إلى الهند عبر الأملاك العثمانيّة، خاصة بالنسبة للعراق.
لقد عبر الساسة البريطانيون منذ وقتٍ مبكّرٍ عن فكرة الذهاب إلى احتلال العراق، فمنذ منتصف القرن التاسع عشر أرسل القنصل البريطاني في بغداد راولنسون (Rawlinson) بمذكرةٍ إلى وزارة الخارجية البريطانيّة في 3 حزيران ،1853 أشار فيها بأنّه في حالة تقسيم الإمبراطورية العثمانيّة فعلى بريطانيا العمل على القيام «باحتلال جنود من الهنود كامل قطاع الإقليم من الزاب الأسفل إلى البحر»، وتكررت فكرة الاحتلال في العقود اللاحقة مع ازدياد أهمية العراق بالنسبة لبريطانيا، إذ أكّد حاكم الهند أو نائب الملك البريطاني اللورد كيرزن (Gurzon) في عام 1892م بأنّ «بغداد تقع ضمن موانئ الخليج، ويجب أنْ تدخل ضمن السيادة البريطانيّة التي لا تنازع»، وأشار في خطابه بمجلس
اللوردات البريطاني عام ١٩١١م إلى ذلك بالقول: «من الخطأ أنْ نفترض أنّ مصالحنا السياسية تنحصر في الخليج، فإنّها ليست كذلك، كما أنّها ليست منحصرةً بالمنطقة الواقعة ما بين البصرة وبغداد، وإنّما تمتد شمالًا إلى بغداد نفسها»، وحدثت العديد من التوترات السياسية والعسكرية بين الدولتين في شمال الخليج، بعد أنْ وجدت بريطانيا أنّ العثمانيين يحاولون إعادة فرض نفوذهم في رأس الخليج والتضييق على النشاط التجاري البريطاني، وهو ما يمثّل تهديدًا لمصالحها الحيوية، وأنّه لا بدّ من التحرّك سياسيًّا وعسكريًّا لمنع ذلك، فجاءت الحرب العالمية الأولى فرصةً سانحةً للبريطانيين للقضاء على النفوذ العثماني في الخليج العربي والعراق.
كانت ألمانيا قد حقّقت وحدتها عام 1871م، وبدأت بالظهور على مسرح الأحداث الأوربية والعالمية كقوةٍ سياسيةٍ واقتصاديةٍ وعسكريةٍ كبيرة، ونشطت دعوات المفكّرين الألمان إلى ضرورة الاستفادة الألمانية من الإمكانات الاقتصاديّة في مناطق الدولة العثمانيّة وتحديدًا بالنسبة للعراق، حيث قام المفكر الألماني شبنغلر (Schpringer) برحلةٍ طويلةٍ في الدولة العثمانيّة، وكتب كتابًا بعنوان بابل أغنى بلدٍ في الماضي وأكثر المناطق ملائمةً للاستيطان في الحاضر، وأنّه لا توجد في العالم كلّه منطقة أكثر ملائمةً منها لاستيطان الألمان مثل العراق، وأمّا المفكر الألماني هوجو كروتة (Hougo Kroteh ) فقد أصدر عام 1902م، كتابًا بعنوان (سكة حديد بغداد والفلاحون الشفابيون فيما وراء القفقاس وفلسطين)، حمل فيها دعواتٍ إلى الاستيطان في العراق.
حدث آنذاك تقاربٌ كبيرٌ بين ألمانيا وبين الدولة العثمانيّة منذ أواخر القرن التاسع عشر الميلادي، واعتقد العثمانيون بأنّ ألمانيا ليس لها أطماعٌ استعماريةٌ في أراضي الدولة العثمانيّة كبريطانيا وفرنسا وروسيا، كما أعجب العثمانيون بالتقدّم الكبير الذي حدث في ألمانيا خاصّةً في المجال العسكري والاقتصادي، وعملوا على الاستفادة من تجربتها من أجل زيادة قوة الدولة العثمانيّة لمواجهة تدخلات الدول الكبرى، وجرى تعاونٌ كبيرٌ بين الدولتين من خلال إرسال البعثات العسكرية العثمانيّة إلى ألمانيا أو جلب الضباط العسكريين الألمان لتنظيم وتدريب الجيش العثماني، وكذلك العمل على زيادة النشاط الاقتصادي الألماني في أراضي الدولة العثمانيّة من خلال المؤسسات المالية التابعة لها.
بدأت المفاوضات بين الدولتين من أجل الوصول إلى امتياز منح إنشاء خط سكك حديد بغداد- برلين منذ سنة 1898م، وتكلّلت بمنح العثمانيين امتياز بناء سكّة حديد بغداد- برلين إلى شركة حديد الأناضول المدعومة من البنك الألماني في 5 آذار 1902م، وحدد بنود الاتفاق على أنْ يكون الامتياز لمدةٍ زمنيةٍ طويلةٍ (99 عامًا)، وأخرى تتعلّق باستغلال المناطق المجاورة لخط السكة اقتصاديًّا من قبل الشركة، فضلًا عن بنودٍ أخرى جرى التعديل على بعض منها بعد مرور سنة واحدة إذ كانت ألمانيا ترغب في الاستفادة من هذا الخط من أجل زيادة نفوذها الاقتصادي لمناطق بعيدةٍ ذات أهميةٍ اقتصاديةٍ كبيرةٍ، ومنها العراق الذي وجدت فيه مصدرًا مهمًا للمواد الأولية والغذائية الداخلة في الصناعات والاحتياجات الألمانية، خاصّة بالنسبة للحبوب التي كانت تستوردها آنذاك من
روسيا، إلى جانب إمكانية تطوير بعض المحاصيل الزراعية الضرورية للألمان في العراق كالقطن .
كان الامتياز ينصّ على تمديد خطّ سكّة الحديد من قونية إلى الموصل، ومن هناك إلى بغداد، وعبر مدن الفرات الأوسط وصولًا إلى الناصرية، ثم البصرة والخليج العربي، مع إقامة عددٍ من الخطوط الفرعية لها منها خط خانقين- بغداد من أجل ربط الحدود والدواخل الإيرانيّة بالمدن العراقيّة، وتحديدًا مدن العتبات المقدسة لنقل المسافرين من الزوار والتجار.
عارضت بريطانيا منح الامتياز، ورأت في المشروع تهديدًا لنفوذها السياسي والاقتصادي في المنطقة، إذ إنّ مدّ سكك الحديد إلى تلك المنطقة سيكون بمنزلة بداية لاقتحام ألمانيا للمنطقة ومنافسة للطريق البحري المار عبر قناة السويس الذي كانت تسيطر عليه بريطانيا آنذاك ، وقد أشارت بعض التقارير البريطانيّة إلى ذلك بالقول: «إن الآثار المحتملة لمد سكة حديد بغداد إلى الخليج سوف لن يكون تأثيرها على المصالح البريطانيّة في العراق فقط وإنما ستؤثر على مصالح كلٍّ من بريطانيا والهند في منطقة الشرق الأوسط وخاصّةً في إيران والخليج».
وجرت مناقشاتٌ واسعةٌ في الأوساط السياسية والبرلمانية البريطانيّة حول مدى إمكانية مشاركة بريطانيا في هذا المشروع، وفي الوقت ذاته عملت بريطانيا على الاحتفاظ بمكانتها المتقدمة في نشاطها التجاري مع العراق لمنع تغلغل التجارة الألمانية إليه، حيث إنه ازدادت الصادرات البريطانيّة إلى العراق عام 1903م إلى (1.258.000 ) جنيه إسترليني، التي شكلت نسبة 80%
من المستوردات الأجنبية الداخلة إلى العراق، كما قامت بدعم نشاطات شركة (لنج) البريطانيّة العاملة في النقل النهري بالعراق عبر دعم مطاليبها في زيادة عدد بواخرها العاملة في هذا المجال، كما حاولت بريطانيا الضغط على ألمانيا لقبول مشاركة بريطانيا في الامتياز من خلال إعادة طرح فكرة مشروع (سكة حديد وادي الفرات) المار ذكرها سابقًا عام 1909م، غير أنّ المشروع البريطاني لم يكن سوى تهديدٍ للقبول بتسوية لمشروع سكة حديد برلين- بغداد، فتم الاتفاق بين بريطانيا والدولة العثمانيّة في حزيران سنة 1913م حول النفوذ البريطاني في الخليج وتحديدًا في الكويت، وكذلك تم الاتفاق بين بريطانيا وألمانيا في حزيران عام 1914م، حول القبول بوجود مساهمين بريطانيين في شركة سكة الحديد، وبأنْ يكون نهاية الخط في مدينة البصرة والتنازل عن مدّه إلى ساحل الخليج العربي، وعلى أيّة حالٍ كانت الشركة المنفذة للامتياز قد تمكنت من إنجاز معظم خط سكة حديد بغداد- برلين قبيل قيام الحرب العالمية الأولى، وتم تشييد أول قطار بين بغداد وسميكة ( الدجيل) في حزيران 1914م.
كانت أجواء التحالفات السرية والعلنية في أوربا قبيل قيام الحرب العالمية الأولى تنذر بنشوبها، حيث أفرزت في النهاية بروز جبهتين رئيستين هما: تحالف الوسط (ألمانيا، إمبراطورية النمسا والمجر، الدولة العثمانيّة، بعض الدول الصغيرة)، وجبهة الحلفاء (بريطانيا، فرنسا، روسيا، إيطاليا، وبعض الدول
الأوربية الأخرى)، وجاء اغتيال ولي عهد النمسا (فرانز فرديناند) في حزيران 1914م، من قبل جماعةٍ صربيةٍ قوميةٍ متشددةٍ في مدينة سراييفو ليكون السبب المباشر لاندلاع الحرب العالمية الأولى.
كانت الدولة العثمانيّة التي تسيطر على العراق قد تعاطفت مع ألمانيا قبيل قيام الحرب، إذ تأثر جماعة (الاتحاد والترقّي) الحاكمة بالمؤسسة العسكرية الألمانية وإنجازاتها، فحدث تقاربٌ كبيرٌ بين الدولتين في المجالات السياسية والعسكرية والاقتصاديّة، وأشارت المصادر التاريخيّة بأنّ اتفاقًا سريًّا جرى بين الدولة العثمانيّة وألمانيا في 2 آب 1914م، في اليوم التالي لإعلان ألمانيا الحرب على روسيا، والذي نصّ على تزويد الجيش العثماني بالأسلحة والعتاد والتنسيق العسكري المشترك بين الطرفين ضد روسيا .
كانت القيادة العسكريّة والسياسيّة العثمانيّة منقسمةً بين مؤيّدٍ للانضمام إلى ألمانيا في الحرب، وبين معارضٍ لذلك ومطالب بالبقاء على الحياد، وتغلبت وجهة نظر المؤيّدين بالرغم من إعلان الدولة العثمانيّة الوقوف على الحياد في بادئ الأمر، وردت كلٌّ من بريطانيا وروسيا وفرنسا بالقبول باحترام استقلال الدولة العثمانيّة شريطة بقائها على الحياد المعلن، وإبعاد الخبراء من الضباط الألمان من الخدمة في جيشها، غير أنّ الأتراك رفضوا الشرط الأخير، وصادف أنْ رفضت بريطانيا تسليم طرادين بحريين كانت الدولة العثمانيّة قد أوصت عليهما بعد أن تم دفع ثمنهما من تبرعات الأهالي في أرجاء الدولة الأمر الذي ولد ردة فعلٍ عنيفةٍ ضد بريطانيا لدى الأوساط العامة، وبالمقابل كان هناك طرّادان ألمانيان قد دخلا المضايق التركية هربًا من الأسطول البريطاني في البحر المتوسط فجرى
بيعهما بشكلٍ صوري للأتراك، كما قام الأتراك بغلق المضايق أمام السفن الأجنبية وإلغاء الامتيازات الأجنبية الممنوحة سابقا للدول الأوربية، فسمح الدولة العثمانيّة للطرادين وتحت قيادة أحد الضباط الألمان بالدخول إلى البحر الأسود ومهاجمة السفن والموانئ الروسية في 29 تشرين الأول 1914م؛ فاحتجّ الحلفاء على ذلك وأعلنوا الحرب على الدولة العثمانيّة في 2 تشرين الثاني لتصبح أراضي الدولة وولاياتها، ومنها العراق ضمن جبهات الحرب آنذاك.
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ احتمالية قيام الحرب العالمية الأولى وانضمام العثمانيين إليها إلى جانب ألمانيا قد تمت مناقشتها من قبل البريطانيين منذ وقتٍ مبكّر، إذ تم تأليف لجنةٍ بريطانيةٍ حكوميةٍ عام 1911م من أربعة خبراء سياسيين وعسكريين من بينهم المقيم السياسي البريطاني في الخليج السير بيرسي كوكس (Percy Cox )، فوضعت اللجنة تقريرًا في 15 كانون الثاني سنة 1912م، تضمّن توصياتها بتعزيز نفوذ بريطانيا في الخليج، وتأييد احتلال البصرة، إلّا أنّ حكومة الهند عدّت الاحتلال سابقًا لأوانه، إلّا في حالة قيام الحرب مع الدولة العثمانيّة.
كانت الدوائر السياسية البريطانيّة في العراق تراقب الأوضاع العامة في العراق من خلال التقارير السرية التي كان يرسلها قناصلها الموجودين في بغداد والبصرة والموصل حول أوضاع الجيش العثماني وتحركاته، وإرسال الخرائط عن الأماكن والطرق في العراق، وكذلك مواقف العراقيين من الحرب ومن الدولة العثمانيّة نفسها التي حكمتهم منذ أكثر من أربعمائة عام، ومدى تذمّرهم
من سياسة الولاة المتعاقبين وممارسات السلطة، والموقف من التجنيد الإجباري العثماني، وهذه الأمور كانت تراه بريطانيا ذات أهميةٍ كبيرةٍ قبل قيامها بغزو العراق.
كانت الأوضاع في الدولة العثمانيّة قد تدهورت بشكلٍ كبيرٍ منذ أواخر الفرن التاسع عشر الميلادي ومطلع القرن العشرين؛ نتيجةً للسياسات الداخلية والتدخلات الخارجية، الأمر الذي أدّى إلى قيام ثورة الاتحاد والترقّي عام 1908م، ضدّ حكم السلطان عبد الحميد الثاني، وتسلّط فئة عسكريةٍ ذات توجّهاتٍ قوميةٍ على السياسات العثمانيّة من خلال اتباع سياسة التتريك، ومن ثم الطورانيّة اتجاه الشعوب والقوميات في مناطق الدولة، ولم يكن العراق بمنأى عن تلك الأحداث، إذ حدث انقسامٌ كبيرٌ داخل المجتمع العراقي بين أنصار الحرية والتقدّم من المثقّفين والنخب المطالبين بتغيير الواقع المزري الذي عاشه العراقيون، والمطالبة بالحرية والتعددية والمساواة التي جاءت بها جماعة الاتحاد والترقّي من خلال نشر تلك الأفكار والمطاليب في الصحف والمجلات التي أنشأت آنذاك، لكن هؤلاء سرعان ما اصطدموا بالواقع الجديد وما قام به الحكّام الاتحاديون الجدد من ممارساتٍ سياسيةٍ متشددة، وكذلك محاولة التدخّل في نتائج الانتخابات لانتخاب ممثلي الولايات العراقيّة في مجلس المبعوثين العثماني.
وفي المقابل وقفت الاتجاهات المحافظة ضد الحكم الجديد وعدّت ما قام به الاتحاديون من ثورةٍ بأنّها موجّهةٌ ضد الدين الإسلامي، خاصةّ أنّ بعض الممارسات التي حدثت آنذاك أثرت على هذا الموقف من خلال قيام بعضٍ من الفئات بممارساتٍ خاطئةٍ باسم الحرية والمساوة من قبيل استخدام الحرية بشكلٍ مفرطٍ كشرب الخمور وارتكاب الموبقات وانتشار الأسلحة والملاهي في بغداد،
وهي سلوكيّاتٌ كانت منافيةً للقيم الدينيّة والعادات الاجتماعيّة .
ومن جهةٍ أخرى، فإنّ الأوضاع العامة ازدادت سوءًا في العراق، فمن الناحية الإداريّة لم تتغير كثيرًا من قبيل تعيين عددٍ كبيرٍ من الولاة على الولايات العراقيّة وقصر مدة حكمهم، وتولّي عددٍ منهم من الولاة الفاسدين الذين لم يكن يههم سوى الحصول على الأموال والتسلط على المجتمع ، وانعكس ذلك على انتشار الفساد الإداري والمالي بين الموظفين الذين كان معظمهم من غير العراقيين من حيث استخدام مناصبهم ونفوذهم في زيادة الثراء على حساب السكّان المحليين من خلال الرشوة التي انتشرت بشكلٍ فاحشٍ آنذاك، فيما لم تكن الإدارة الحكوميّة تفسح المجال لأهل القطر أنْ يتولوا المناصب الإدارية المهمةّ .
أمّا بالنسبة للجوانب الاقتصاديّة، فإنّ سياسة توزيع الأراضي الأميريّة وتفويضها قد أدى إلى ظهور فئات كبار الملّاكين من شيوخ العشائر وكبار المتنفّذين وأصحاب الأموال، فيما تحوّلت حياة الفلاحين إلى شبه القنانة لدى صاحب الأرض، وقد يؤدّي ظلم كبار الملّاكين للفلاحين إلى قيام انتفاضاتٍ فلاحيةٍ كبيرةٍ ضدّهم كالذي حدث في لواء المنتفق عام 1913م، وقد أدّى ذلك كلّه إلى زيادة هجرة الفلاحين للبحث عن فرص العمل في المدن، وانتشار البطالة والفقر في الأوساط الاجتماعيّة المتوسطة والدنيا.
كان أكثر ما يعانيه العراقيّون من الحكم العثماني هو التجنيد الإجباري الذي كان يحتم على الأفراد الخدمة الإلزامية لسنواتٍ طويلةٍ وفي أماكن بعيدةٍ حتى في خارج العراق، ثم يصار إلى تسريحهم إلى مناطقهم لخدمة الاحتياط (الرديف)
لسنواتٍ أخرى؛ لذا وقف العراقيون ضد عمليات التجنيد الإلزامية التي كانت تقوم بها السلطات العثمانيّة منذ محاولات تطبيقها عام 1869م ، وكذلك ما جرى من قبل سكّان النجف وكربلاء عام 1877م عندما حاولت السلطات أخذ الأفراد للخدمة العسكريّة بغية إرسالهم إلى الحرب مع روسيا ، والمرة الثالثة والأخيرة التي تم فيها إرسال الجنود إلى الخارج كانت إبّان قيام الحرب العالمية الأولى عندما أرسلت القوات العسكريّة من بغداد إلى الجبهة الروسية في قفقاسيا .
كانت التقارير الاستخبارية البريطانيّة تشير بأنّ السكّان العراقيين متذمّرون من سياسات الحاكم العثمانيين، وأنّ الجيش العثماني المتواجد فيه في حالة ضعفٍ كبيرٍ من حيث الاستعداد للدخول في حروبٍ تقليديةٍ مع جيوش الدول الأخرى، خاصةً بالنسبة للجيش البريطاني الذي كان يعد من أقوى جيوش دول العالم آنذاك، فالجيش العثماني لم يتم تهيئته أو تدريبه للقتال والقيام بالمناورات العسكريّة التي تقوم بها الجيوش لمحاكاة الحرب وظروف القتال المختلفة، فضلًا عن نقص التجهيز والتموين والافتقار إلى الأسلحة الحديثة، ومن هنا تحرّك البريطانيون لإعداد الخطط العسكريّة لاحتلال العراق مستفيدين من أوضاع العراق المضطربة، وضعف المؤسسة العسكرية العثمانيّة فيها.
دخلت الدولة العثمانيّة الحرب العالمية الأولى في 2 تشرين الثاني 1914م، إلى جانب ألمانيا وإمبراطورية النمسا والمجر، فأعلنت كلٌّ من بريطانيا وفرنسا وروسيا الحرب على الدولة العثمانيّة ضمن ست جبهاتٍ عسكرية، ومنها جبهة الحرب في العراق، وتم إعداد خطةٍ عسكريةٍ بقيام قواتٍ بريطانيةٍ انطلقت من الهند باتجاه الخليج في 2 تشرين الأول 1914م بقيادة الجنرال ديلامين (Delamine)، وأعطيت تلك القوات الرمز السري (D)، حيث وصلت القوات من الهند إلى البحرين التي اتّخذتها القوات البريطانيّة كنقطة انطلاقٍ رئيسةٍ نحو شمال الخليج بحجة حماية المصالح النفطية البريطانيّة في عبادان والمحمرة، التي كانت الشركات البريطانيّة قد حصلت على حق التنقيب والاستخراج فيهما. وأصدرت بريطانيا عشية الغزو بيانًا على لسان الضابط السياسي المرافق للقوات البريطانيّة بيرسي كوكس (Percy Cox) برر فيه قيام الحملة وتوجهها نحو جنوب العراق بالقول: «إنّ حكومته قد أجبرت على الحرب نظرًا للموقف المعادي للعثمانيين؛ لذا أرسلت بريطانيا قواتها لحماية تجارتها وأصدقائها، وإجلاء الأتراك من المنطقة، وأنّها لا أعداء لها مع العرب شريطة ألّا يحموا الجنود العثمانيين، ولا يحملوا السلاح في تجوالهم، وأكد مهددا على منع ذلك لكي يجرد السكان من وسائل الدفاع عن أنفسهم في ظروف غابت فيه السلطة المحلية الحامية ...».
بدأت الحرب بين العثمانيين والبريطانيين في العراق بعد نزول القوات البريطانيّة المؤلّفة في بادئ الأمر من 4500 مقاتل في أقصى جنوب العراق في الفاو بتاريخ 6 تشرين الثاني 1914م، وحدثت ثلاث معارك بين الطرفين
على الطريق بين الفاو والبصرة: (معركة السنية) في 8 تشرين الثاني 1914م، و(معركة سيحان) في 15 تشرين الثاني 1914م، و(معركة ساحل (كوت الزين)) في 17 تشرين الثاني 1914م، وخسرها الجيش العثماني جميعا ، وقاموا بالانسحاب إلى مدينة البصرة نفسها، وأدركت السلطات العثمانيّة في بغداد بأنّه من الضرورة بما كان الاتصال بالمرجعية الدينيّة الشيعيّة في النجف وكربلاء من أجل الحصول على الدعم والفتوى، فأرسلت السلطات العثمانيّة في بغداد وفدًا رفيع المستوى إلى مدينة النجف، وصادف ذلك مع وصول نداء الاستغاثة من وجهاء وأعيان البصرة في 9 تشرين الثاني جاء فيها: «ثغر البصرة الكفّار محيطون به، الجميع تحت السلاح نخشى على بقايا بلاد الإسلام، ساعدونا بأمر العشائر بالدفاع»، فحدث اجتماعٌ عاجلٌ في مسجد الهندي قرب مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام حضره العلماء وشيوخ العشائر الوفد المرسل من بغداد، وتم إعلان الجهاد ووجوب الدفاع عن البلاد الإسلامية، خاصة بعد سقوط البصرة بأيدي القوات البريطانيّة من دون قتال في23 تشرين الثاني 1914.
انطلقت قوافل المجاهدين من النجف وكربلاء والكاظمية، ولحقت بها بقية المدن العراقيّة وكان العلماء في مقدمة القوافل، وممن كانوا يقودونها: السيد محمد سعيد الحبوبي، وشيخ الشريعة فتح الله الأصفهاني، والشيخ عبد الكريم الجزائري، والسيد محسن الحكيم، والسيد هبة الدين الشهرستاني، وآخرون، وشاركت العشائر وبكثافة في حركة الجهاد من خلال التحرك بجموعها نحو مناطق القتال، فيما كانت العشائر الأخرى القريبة من القوات البريطانيّة تهاجم
قطعاته ومعسكراته منذ المعارك الأولى، وقبل تقدّم البريطانيين لاحتلال البصرة، وهذا ما لم تكن بريطانيا ترغب فيه؛ لأنّها ستواجه السكاّن المحليين والعثمانيين معًا، في الوقت الذي حاولت الظهور ومن خلال بياناتها بأنّها لا تستهدف في حملتها العراقيين .
كانت قوافل المجاهدين العراقيين قد انقسمت إلى ثلاثة أقسام، القسم الأول: كان محور نهر الفرات، والثاني: محو نهدر دجلة، والثالث: ضمن محور الحويزة ، وكان القسم الأول هو الأكثر فاعلية بقيادة السيد محمد سعيد الحبوبي الذي وصل إلى الناصرية في منتصف كانون الثاني 1915م، وبدأ بزيارة العشائر وتحريضها على المشاركة في الجهاد، فلبّت نداءه من خلال الجموع التي حضرت للانطلاق من الناصرية إلى الشعيبة في 19 كانون الثاني، والتي بلغت حوالي ثلاثين ألفًا من المشاة وعشرة الآف من الخيالة، وأمّا محور نهر دجلة فقد تحرك العلماء باتجاه تحريض العشائر في العمارة وغيرها يتقدّمهم الشيخ مهدي الخالصي ونجله الشيخ محمد، والسيد محمد اليزدي نجل المرجع الديني السيد كاظم اليزدي في النجف وآخرون، وكذا الحال مع المحور الثالث وبمشاركة عشائر الأحواز بعد محاولة البريطانيين التقدم باتجاه المحمرة.
بعد احتلال البصرة قامت القوات البريطانيّة بالتقدم شمالًا نحو القرنة الموقع الاستراتيجي المهم، حيث ملتقى نهري دجلة والفرات وإمكانية استفادة البريطانيين من ذلك في التحرك بسهولة، وهناك حدثت المواجهات بينها وبين الجيش العثماني وبمساعدة العشائر العربية، غير أنّ البريطانيين تمكّنوا من الاستيلاء على القرنة في 9 كانون الأول 1914م، بعد أنْ فقد العثمانيون أكثر من
لفي جندي من قواتهم، وبعد وصول المزيد من التعزيزات العسكرية للجيش البريطاني من الهند والمناطق الأخرى، بدأ التحرك من القرنة باتجاه الشمال وبمسارين محاذيين لنهري الفرات ودجلة، وعلى النحو التالي:
كانت المعارك أشد ضراوةً في جبهة الفرات نتيجة لوجود المقاومة الشعبية ومشاركة المجاهدين والعشائر للقوات العثمانيّة، خاصّةً بعد وصول أعدادٍ كبيرةٍ منهم من النجف وبقية المدن الأخرى بقيادة العالم الديني السيد محمد سعيد الحبوبي إلى الناصرية في منتصف كانون الثاني 1915م، وبعدها إلى سوق الشيوخ، ثم الشعيبة التي بدأ التحضير فيها للمعركة مع البريطانيين، حيث حدثت المواجهة العسكرية هناك في معركة (الشعيبة) بتاريخ 12- 14 نيسان 1915م، حاول فيها العثمانيون طرد البريطانيين واستعادة مدينة البصرة غير أنّهم فشلوا بعد ثلاثة أيام من القتال، وذلك بسبب فارق التسليح والتخطيط بين الجيشين والأخطاء التي وقع فيها القائد سليمان العسكري، فخسر الجيش العثماني ومن معه المعركة وكانت النتيجة انتحار القائد العثماني، وتراجع الجيش إلى الناصرية .
استمر تقدّم القوات البريطانيّة على جبهة الفرات، وحدثت مواجهاتٌ أخرى مع الجيش العثماني في (هور الحَمّار) في 19 حزيران 1915م، تكبد فيها الطرفان خسائر كبيرةً بالأرواح والمعدات، وفي 25 تموز 1915م، دخلت القوات البريطانيّة مدينة الناصريّة، وهناك تغيرت الخطط العسكرية البريطانيّة في
عدم الاستمرار بالمسير في مدن ومناطق الفرات الأوسط؛ لأنّها أدركت بأنّ ذلك سيؤدي إلى المزيد من المواجهات مع العشائر والمجاهدين، خاصّة مع وجود مدن العتبات المقدسة في النجف وكربلاء التي تمثّل مركز النشاط الديني والجهادي ضد البريطانيين، وفضّل البريطانيون التحرّك من الناصرية باتجاه طريق الشمال الشرقي نحو مناطق الشطرة والغراف والحي للالتقاء بالمحور الآخر الذي كان قد وصل إلى الكوت على نهر دجلة، ومن الجدير بالذكر هنا أنّ مناطق الفرات الأوسط قد شهدت اختلالات أمنية كبيرة جرّاء خسارة العثمانيين لكثيرٍ من المعارك؛ فثار السكّان ضد السلطة العثمانيّة التي كانت تمارس آنذاك التعسّف والاستهانة ضدّ السكّان المحليين بذريعة البحث عن الفارين من الخدمة العسكريّة ومن جبهات الحرب بعد الهزيمة في معركة الشعيبة، وهذا ما أدّى إلى ثورةٍ شعبيةٍ في تلك المناطق ضد الإدارة العثمانيّة الموجودة في بعض المدن والمناطق مثل: النجف، وكربلاء، والحلة، وطويريج، فطردت جميع الحاميات العسكرية والإدارات الحكومية العثمانيّة منها ، فاضطرت السلطات العثمانيّة إلى إصدار عفوٍ عامٍّ بهدف تهدئة الأوضاع شريطة عودة السلطة العثمانيّة وإداراتها إلى تلك المناطق وعدم تكرار ما حدث مرة أخرى .
كان تحرّك القوات العسكرية البريطانيّة من القرنة باتجاه (العمارة - علي الغربي- الكوت) سريعًا، وتفاجأ العراقيون بحركة القوات البريطانيّة وعدم قدرة الجيش العثماني على الصمود، إذ سقطت مدينة العمارة بأيدي البريطانيين
في 3 حزيران 1915م، بعد استسلام أكثر من ألفي جندي من القوات العثمانيّة للقوات البريطانيّة، وهذا ما أعطى الثقة للجيش البريطاني في التقدم شمالًا باتجاه الكوت واحتلالها من دون قتال في 29 أيلول1915م .
وبعد أسبوعين بدأ البريطانيون بالزحف شمالًا نحو العزيزيّة التي تقع في منتصف المسافة بين الكوت وبغداد الأمر الذي أحدث صدمةً للعراقيين بسبب سرعة تقدم البريطانيين بقيادة الجنرال تاونزند (Townshend)، ففقد الأهالي الثقة بالجيش العثماني، فأخذ سكّان بغداد يتهكمون على القوات العسكرية العثمانيّة وهزائمها المتتالية، وشعروا بالتهديد الجدي والحقيقي من قبل البريطانيين لمدينتهم بعد أنْ تجاوزوا مدينة العزيزية، ووصلوا إلى المدائن (سلمان باك) التي لا تبعد عن بغداد سوى 30 كيلو مترا، إلى الجنوب الشرقي منها، وهذا يعني إمكانية سرعة تقدم البريطانيين ووصولهم إلى بغداد خلال أيام أو أسابيع ، ومن هنا بدأ التحرّك من جديد للدعوة إلى الجهاد من قبل المرجعية الدينية في النجف الأشرف، وتوجيه المجاهدين من المتطوعين للقتال على هذه الجبهة للحيلولة دون تقدّم البريطانيين نحو بغداد، فبدأت الموجه الثانية من الدعوة إلى الجهاد في النجف الأشرف من خلال الحضور الجماهيري الواسع قرب مرقد الإمام علي عليهالسلام وإلقاء الكلمات الحماسيّة فيهم، حيث تم إخراج العلم الشريف كرايةٍ للجهاد من أعلى قبة المرقد في يوم 11 محرم/ 19 تشرين الثاني 1915م، وهذا ما ألهب الحضور وتطوعوا للدفاع عن بغداد ومنعها من السقوط بأيدي البريطانيين، وجيء بالعلم الحيدري مع جموع المتطوعين يتقدمهم عددٌ العلماء إلى
بغداد حيث جرى استقبالٌ كبيرٌ ومراسيم خاصةٌ للعلم ومواكب المتطوعين فيما تحركت الجموع من بغداد باتجاه الكوت بعد وصول الأنباء بهزيمة البريطانيين وانسحابهم إلى الكوت ومحاصرتهم فيها .
كان الجيش العثماني قد استعد للمواجهة المصيريّة في منطقة سلمان باك، وبعد وصول القوات البريطانيّة إلى هناك تمكّن العثمانيون من تحقيق أول نصرٍ مهمٍ عليهم خلال المعارك التي دارت هناك لأربعة أيام 10-13 تشرين الثاني 1915م، خسر فيها البريطانيون أكثر من ألفي قتيل، وعدّ ذلك أول هزيمةٍ عسكريةٍ للجيش البريطاني في العراق منذ قيام الحرب، حيث انسحبت القوات البريطانيّة بشكلٍ غير منظّم من منطقة المدائن تاركةً خلفها كثيرًا من القتلى والأسلحة والعتاد، فشنّت القوات العثمانيّة وبمعية بعض العشائر والمجاهدين الهجوم المعاكس لملاحقة القوات المنسحبة ولأكثر من ثلاثين كيلو مترا، وكانت لتلك للانتصارات صدى واسع لدى الأوساط الرسميّة والشعبيّة في العراق؛ فأقيمت الاحتفالات في بغداد، وزيّنت جميع المباني الرسمية والأسواق والمحلات.
تمكّنت القوات العثمانيّة من ملاحقة القوات البريطانيّة المنسحبة حتى مدينة الكوت التي وصلها الجنرال تاونزند في 3 كانون الأول 1915م، من أجل اتخاذها كموقع للصمود لحين وصول المزيد من التعزيزات العسكرية البريطانيّة من جنوب العراق، وقد تمكّنت القوات العثمانيّة من فرض الحصار العسكري على البريطانيين هناك منذ يوم7 كانون الأول 1915م، وحاولت القوات
البريطانيّة الموجودة في جنوب العراق إرسال التعزيزات العسكريّة إلى مدينة العمارة ومنها إلى الكوت لغرض إنقاذ المحاصرين غير أنّ تلك المحاولات باءت بالفشل نتيجة لتصدي القوات العثمانيّة .
كان حصار القوات العثمانيّة للجنرال تاونزند وجنوده شديدًا، واعتمد الأخير على ما هو متوفر من مؤنٍ وأغذيةٍ داخل المدينة سواء تلك التي كانت مخزنةً لدى قواته أم ما قام به من عمليات شراء من الأهالي، ثم مصادرة جميع ما هو متوفر في الأسواق والبيوت ، وفي الوقت ذاته استمرت المحاولات البريطانيّة لإيصال النجدات والمساعدات للقوات المحاصرة من خلال العديد من المعارك التي حدثت مع الأتراك: (الفلاحية الأولى) في 21 كانون الثاني 1916م، و(الفلاحية الثانية) في 22 شباط، و(سابس) في 8 آذار، و(الفلاحية الثالثة) 5-9 نيسان، إلا أنّها جميعا لم تغيّر من الواقع شيئًا من حيث استمرار حصار القوات العثمانيّة للقوات البريطانيّة في الكوت.
نتيجةً لتكبّد البريطانيين الخسائر الكبيرة من المعارك، ونفاذ المواد الغذائية لديهم، والشعور باليأس من إمكانية اختراق القوات العثمانيّة، بدأ التفكير في استسلام القوات البريطانيّة، حيث بدأ الجنرال تاوزند اتصالاته لذلك الغرض بقائد الجيش العثماني خليل بك، حيث جرت عملية الاستسلام في يوم 25 نيسان[4]، وأقيمت الاحتفالات الكبيرة في مدن العراق بهذه المناسبة، وبعد
أيام وصل الجنرال تاونزند وثلاثة عشر ألفًا من الجنود البريطانيين الأسرى إلى بغداد.
كانت عملية استسلام القوات البريطانيّة في الكوت بمنزلة انتصارٍ عسكريّ كبيرٍ لدى العثمانيين، وتركت صدى واسعًا لدى كبار رجالات الدولة في إسطنبول. وتعبيرًا عن الامتنان من قبل الدولة قام وزير الحربية أنور باشا بزيارة بغداد في 6 مايس 1916م، فأقيمت الاحتفالات طيلة أسبوعٍ كاملٍ من مدة مكوثه في بغداد، كما قام الوزير المذكور بزيارة العديد من الأماكن الدينية في الأعظميّة والكاظميّة، وقدّم الهدايا إليها وأرسل هدايا أخرى إلى العتبات المقدّسة في النجف وكربلاء، وفي الوقت ذاته اطّلع الوزير على الخطط العسكريّة للجيش العثماني السادس لمرحلة ما بعد الانتصار في الكوت قبل أنْ يغادر بغداد عائدًا إلى العاصمة إسطنبول، ويبدو أنّ الخطة العسكريّة العثمانيّة تركزت على مواجهة التهديد الروسي القادم من إيران الذي بدأ يقترب من الحدود العراقيّة عبر كرمنشاه، بدلًا من مواصلة تعقّب الجيش البريطاني المتواجد في جنوب العراق، فتحرّكت القوات العثمانيّة نحو الحدود لمواجهة هذا الخطر الجديد وتوغّلت في الأراضي الإيرانية حتى تمكّنت من دخول مدينتي كرمنشاه همدان بعد مواجهاتٍ عسكريةٍ كبيرةٍ مع الجيش الروسي .
كان حصار الكوت واستسلام القوات البريطانيّة للعثمانيين صدمةً كبيرةً
لبريطانيا ومخططاتها في السيطرة على العراق، وهذا ما أخّر التحرّكات العسكرية البريطانيّة باتجاه بغداد بضعة شهور، فيما لم يستفد الأتراك من ذلك الانتصار لمواصلة القتال والزحف باتجاه العمارة والبصرة من أجل استعادتها من الجيش البريطاني، وقد جرى تغييرٌ في القيادة العسكريّة البريطانيّة في العراق بتعيين الجنرال مود (Maude)، القادم من جبهة الدردنيل على رأس القوات العسكرية البريطانيّة في محور دجلة في 11 تموز 1916م، كما أصبحت الحكومة البريطانيّة هي المسؤولة على تنفيذ السياسات في العراق بدلًا من حكومة الهند، وأعطي الجنرال المذكور مطلق الصلاحيات في إعادة الهيبة والاعتبار لبريطانيا وجيشها بعد الانكسار التاريخي الذي أصابها، فبدأ بدراسة الخطط العسكريّة الممكنة للتقدّم من جديد بعد تحركه للمواقع القريبة من مدينة الكوت، وتمكن من الاستيلاء عليها من جديد بعد معارك سريعة مع القوات العثمانيّة الموجودة هناك، التي اضطّرت إلى الانسحاب إلى بغداد في 25 شباط 1917م، وبعد يومين وبتاريخ 27 شباط 1917م، صدرت أوامر أخرى من الوالي بسحب جميع المخازن والمؤن والأسلحة من بغداد باتجاه سامراء شمالًا بعد أنْ وصلت الأنباء بوصول الجيش البريطاني سريعًا إلى العزيزيّة.
كانت الأجواء في بغداد تنذر بوقوع الاحتلال البريطاني للمدينة، فالموظفون العثمانيّون بدأوا بمغادرة المدينة والمستودعات الحكومية أفرغت من جميع ما فيها، وشعر السكّان بقرب وقوع الكارثة فقاموا بتخزين المواد الغذائية التي ارتفعت أسعارها بشكلٍ كبيرٍ فيما قام التجّار بنقل ما لديهم في محلات البيع إلى أماكن أكثر أمنًا خشية النهب أو السرقة.
اجتمع الوالي خليل باشا بأركان قواته وللمرة الأخيرة في بغداد مساء يوم العاشر من آذار للتباحث بشأن الصمود والقتال في بغداد أم الانسحاب منها، وكان الرأي الغالب هو الانسحاب خشية وقوع الجنود الأتراك تحت وطأة الحصار والاستسلام، وتكرار ما حدث للبريطانيين في الكوت، فتم اتخاذ القرار بالانسحاب الذي بدأ فعلًا في الليلة ذاتها، فلم يبقَ في صباح يوم 11 آذار أحدٌ من القادة والجنود، فيما تم تفجير ما تبقى من ذخائر وأعتدة، وكذلك الجسر الرابط بين ضفتي نهر دجلة ببغداد بهدف إعاقة حركة البريطانيين ومنعهم من الاستفادة منه، ومع اشتعال النيران في المدينة حدث هياجٌ كبيرٌ في بغداد وهرب السجناء من السجون، وحدث النهب في الأسواق والخانات وبعض الدور والمحلات، ولم تسلم منها أيضًا مقرات الحكومة والدوائر، ودخلت القوات البريطانيّة بغداد صباح اليوم التالي في 11 آذار 1917م.
بعد احتلال الإنكليز لمدينة بغداد بدأ التحرك العسكري لاستكمال السيطرة لبقية مناطق العراق عبر ثلاثة محاور هي: (محور دجلة شمالًا باتجاه سامراء تكريت - الموصل)، (محور الفرات باتجاه الفلوجة - الرمادي - عانة)، (محور الشمال الشرقي باتجاه ديالى)، فبالنسبة لمحور دجلة كان الأتراك قد انسحبوا إلى سامراء قبل سقوط بغداد بعد أنْ تركوا بعض القطعات المعيقة لحركة الجيش البريطاني في الطريق، وحدثت معارك شديدة شمال بغداد بالقرب من المشاهدة في 24 آذار 1917م، تكبد فيها الطرفان خسائر كبيرة، ثم استأنف الجيش البريطاني الزحف بعد استكمال التعزيزات في المنطقة حتى تمكنوا من السيطرة على منطقة
بلد في 8 نيسان، وسامراء في يوم 24 نيسان، بعد دخولهم في معركة ضارية مع الأتراك.
وفي محور الفرات تقدّمت القوات البريطانيّة وسيطرت على العديد من المناطق حتى مدينة الرمادي، حيث جرت هناك في يوم 11 تموز معركةٌ كبيرةٌ مع القوات العثمانيّة التي كانت قد انسحبت من منطقة الفرات الأوسط، وتعدادها حوالي ألف جندي استطاعوا الصمود بوجه القوات البريطانيّة التي اضطرّت إلى الانسحاب بعد خسارتها حوالي مائة وخمسين قتيلًا عدا من مات بسبب الحر الشديد آنذاك، فيما كان خسائر الأتراك مائة وخمسون فقط ، وفي الوقت ذاته وصلت الإمدادات العسكرية العثمانيّة من حلب إلى الرمادي لتقوية صمود المقاتلين فيها، فيما جهّز الجنرال مود فرقةً عسكريةً كاملةً لاحتلال الرمادي ومنع اتّخاذها قاعدةً للعمليات العسكرية العثمانيّة في غرب العراق بعد أنْ كان الأتراك قد صمموا على استعادة بغداد عبر هذا الطريق من خلال تشكيلهم قوات الصاعقة من الجيشين السادس في العراق والسابع في سورية وبخبرات ألمانية، فتمكّنت القوات البريطانيّة من محاصرة الجيش العثماني في الرمادي وإجباره على الاستسلام في 29 أيلول 1917م، واستمر التقدّم البريطاني نحو بقية المناطق الأخرى بعد خوضها لمعارك عديدة مع القوات التركية القادمة من سورية، حتى تم استكمال سيطرتها عليها بالكامل في آذار 1918م.
أما جبهة ديالى التي كانت تتضمن القوات التركية من الفرقة الثالثة عشرة المنسحبة من إيران، والتي كانت قد توغلت في أعقاب الانتصار في معركة الكوت، وبعد ورود أخبار سقوط بغداد عادت إلى العراق وتحديدًا إلى خانقين،
غير أنّها واجهت القوات البريطانيّة المتقدمة من بغداد والقوات الروسية التي كانت تلاحقها من كرمنشاه، وحدثت المواجهة العسكرية بين القوات البريطانيّة والأتراك في 25 آذار 1917م في المنطقة الواقعة بين شهربان وقزلرباط، تكبّد فيها البريطانيون خسائر كبيرة، فيما كان الروس قد استغلوا ذلك وتمكّنوا من احتلال خانقين في الأول من نيسان، لكن الأتراك استطاعوا العودة إليها في أواخر حزيران بعد طرد القوات الروسية، وظلّوا فيها حتى نهاية شهر آب 1917م، عندما انسحبوا منها باتجاه العظيم وكركوك بعد وصول القوات البريطانيّة الى خانقين.
ولم يبقَ أمام البريطانيين سوى التقدّم نحو الموصل لاستكمال السيطرة على العراق بالكامل، حيث طلبت الحكومة البريطانيّة من القائد العسكري البريطاني مارشال الذي كان قد خلف الجنرال مود بعد وفاة الأخير ببغداد في 18 تشرين الثاني 1917م، بالتقدم من أجل السيطرة على الموصل، فنشبت عدة معارك في الطريق إليها خلال المدة 18-29 تشرين الثاني، تمكنت خلالها القوات البريطانيّة من الوصول إلى جنوب الموصل عند منطقة (القيارة)، في الوقت الذي كانت تجرى مفاوضات الاستسلام بين الأتراك والحلفاء في جزيرة مودروس حيث تم عقد الهدنة في 30 تشرين الثاني 1918م، وكان على القوات البريطانيّة إيقاف تقدمها إلّا أنّها واصلت زحفها في اليوم التالي لضم مدينة الموصل، وهذا ما تم فعلًا بعد دخول القوات البريطانيّة للمدينة بالرغم من احتجاج الأتراك على ذلك، وبذلك استكملت بريطانيا السيطرة على جميع مناطق العراق، وليبدأ فصلٌ جديدٌ من تاريخ العراق تحت الاحتلال البريطاني.
في ضوء ما تقدّم في هذا الفصل يمكن الإشارة إلى الاستنتاجات الآتية:
إنّ بريطانيا بدأت الاهتمام الفعلي في مدّ نفوذها إلى العراق منذ النصف الثاني من القرن الثامن عشر الميلادي، وتحديدًا بعد حرب السنوات السبع في أوربا، نتيجة لاكتشاف سرعة وصول المعلومات وأهمية الطريق الواصل من خلاله بين الهند والخليج من جهة وأوربا من جهةٍ أخرى، وازدادت رغبتها في مد النفوذ بعد إحكام سيطرتها على الخليج العربي، والذي يمثّل العراق فيه الرأس ونقطة الاتصال مع الدواخل في المشرق العربي والدولة العثمانيّة وإيران، خاصة مع وجود طموحات وتنافس إقليمي ودولي للسيطرة على المنطقة.
تحوّل الاهتمام البريطاني بالعراق خلال القرن التاسع عشر الميلادي من التركيز على الأهمية الاستراتيجيّة والسياسيّة إلى التغلغل الاقتصادي عبر الملاحة والنقل والتجارة في أنهار العراق، وكذلك المواصلات وخطوط التلغراف، وتبنّي مشاريع لمد سكك الحديد تستطيع من خلالها ربط مصالحها الحيوية في الهند والشرق الأقصى بأوربا من خلالها.
تقاطعت المصالح البريطانيّة في العراق مع الوجود العثماني في العراق، وكذلك رغبات دول أخرى في تثبيت مصالحها الحيوية في المنطقة، خاصة بالنسبة لألمانيا؛ لذا فإنّ البريطانيين منذ مطلع القرن العشرين بدأوا في التفكير ووضع الخطط للسيطرة المباشرة على العراق عبر احتلاله.
كانت الأوضاع المضطربة في العراق تساعد على توجهات البريطانيين لاحتلال العراق؛ بسبب ممارسات السلطات العثمانيّة، وسوء الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعية.
(53)امتدت العمليات العسكرية لاحتلال العراق لمدة أربع سنوات 1914-1918م، نتيجة للمقاومة الشعبية للاحتلال، الأمر الذي خالف توقعات البريطانيين في أنْ تكون الحرب قصيرة نتيجة لضعف العثمانيين.
كانت لفتاوى الجهاد الصادرة من قبل المرجعية الدينيّة الشيعيّة الأثر البارز في تحريك المجتمع العراقي لمواجهة الاحتلال البريطاني حتى احتلال بغداد.
1.إبراهيم خليل أحمد وجعفر عباس حميدي، تاريخ العراق المعاصر، الموصل، 1989م.
2.أحمد سوسة، ملامح من التاريخ القديم ليهود العراق، الطبعة الثانية، بيروت، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، 2001م.
3.أحمد عبد الرحيم مصطفى، في أصول التاريخ العثماني، بيروت، دار الشروق، 1982م.
4.ألكسندر أداموف، ولاية البصرة ماضيها وحاضرها، ترجمة: هاشم صالح التكريتي، البصرة، 1989م.
5.التميمي، حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1979م.
6.ج.ج لوريمر، دليل الخليج، ترجمة: مكتب أمير دولة قطر، الدوحة: 1967م، القسم التاريخي الجزء الرابع، القسم الجغرافي الجزء الثالث.
7.حارث يوسف غنيمة، البروتستانت والإنجيليون في العراق، بغداد، مطبعة الناشر المكتبي، 1998م.
8.حسين محمد القهواتي، دور البصرة التجاري في الخليج العربي 1869-1914، بغداد، مطبعة الإرشاد، 1980م.
9.خليل علي مراد، دوافع رحلات الإنكليز الى الموصل وأطرافها في القرن التاسع ومطلع القرن العشرين، جامعة الموصل، 1997م.
10.رسل برادون، حصار الكوت في الحرب بين الإنكليز والأتراك في العراق 1914-19118م، ترجمة: سليم طه التكريتي وعبد المجيد ياسين التكريتي، بغداد، دار إحياء التراث العرب، 1985م.
11.ز. ي هرشلاغ، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، نقله إلى العربية مصطفى الحسيني، بيروت، 1973م.
12.سير أرنولد ويلسون، تاريخ الخليج، ترجمة: محمد أمين عبد الله، سلطنة عمان، 1981م.
13.شكري محمود نديم، حرب العراق 1914-1918، الطبعة الرابعة، بغداد، شركة النبراس للنشر والتوزيع، 1964م.
14.صالح خضر محمد، الدبلوماسيون البريطانيون في العراق 1831-1914م، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 2005م.
15.صالح محمد العابد، موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي 1798-1810، بغداد، مطبعة العاني، 1979م.
16.طونزند، مذكرات الفريق طونزند، ترجمة: حامد أحمد الورد، ط2، بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1986م.
17.عبد العزيز سليمان نوار، تاريخ العراق الحديث من نهاية داوود باشا إلى نهاية مدحت باشا، الطبعة الثانية، بغداد، وزارة الثقافة، 2013م.
18.18.عبد العزيز عبد الغني إبراهيم، حكومة الهند البريطانيّة والإدارة في الخليج العربي، الرياض، دار المريخ، 1981م.
19. عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، بغداد، مطبعة الأهالي، 1935م.
20.عبد الله فهد النفيسي، دور الشيعة في تطور العراق السياسي الحديث، بيروت، دار النهار، 1973م.
21.العزاوي، عباس، تاريخ العراق بين إحتلالين، بغداد، مطبعة بغداد، 1956م.
22.علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، قم، مطبعة أمير، 1371ه ش.
23.العمري، محمد أمين، تاريخ حرب العراق، بغداد، مطبعة النجاح، 1935م.
24.غانم محمد صالح وخليل فضيل محمد الكبيسي، الخليج العربي، بغداد، مطبعة جامعة بغداد، 1985م.
25.فخري الزبيدي، بغداد من 1900 حتى سنة 1934، الطبعة الثانية، بغداد: وزارة القافة والإعلام، 2013م.
26.فیلیب ویلارد ایرلاند، العراق دراسة في تطوره السیاسي، ترجمة: جعفر الخیاط، بيروت، دار الكشاف للنشر والطباعة والتوزیع، ١٩٤٩م.
27.لؤي يونس بحري، سكة حديد بغداد - برلين دراسة في تطور دبلوماسية قضية سكة حديد
برلين بغداد حتى عام 1914، بغداد، شركة الطبع والنشر الأهلية، 1967م.
28.المس بيل، العراق في رسائل المس بيل، ترجمة: جعفر الخياط، بيروت، الدار العربية للموسوعات، 2003م.
29.مصطفى النجار وآخرون، تاريخ الخليج العربي الحديث والمعاصر، البصرة، مطبعة جامعة البصرة، 1984م.
30.ن. براي، مغامرت ليجمن في العراق والجزيرة العربية 1908-1920م، ترجمة: سليم طه التكريتي، بغداد، دار واسط 1990م.
31.الياسري، عبد الشهيد، البطولة في ثورة العشرين، النجف، مطبعة النعمان، 1966م.
32.ياسين شهاب شكري، المرجع في تاريخ العراق الحديث، بغداد، بيت الحكمة، 2021م.
33.يوسف رزق الله غنيمة، تجارة العراق قديمًا وحديثًا، بغداد، مطبعة الرابطة، 1992م.
34.حسين كريم علاوي، مدينة بغداد في كتابات الرحالة الأجانب، (رسالة ماجستير)، جامعة الكوفة، كلية الآداب، 2024م.
35.محمد داخل كريم السعدي، المصالح الأجنبية في الموصل 1834-1914، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة الموصل، كلية الآداب، 1999م.
36.ياسين شهاب شكري، ولاية بغداد: 1872-1909م (رسالة ماجستير)، جامعة الموصل، كلية الآداب،1994م.
37. Baron k Von Kohenfield, The Strategical Importance of The Euphrates Valley Railway, (London: 1873).
38.Mustafa Aksakal ,The Ottoman Empire and the First World War, Cambridge ,University Press, 2008 )
39.Stuart Acohen, British policy in Mesopotamia 1903-1914, (London, 1967)
40.William Francis Ainsworth, The Euphrates Valley Railway, (London: 1872)
(57)41.التكريتي، هاشم صالح، (التغلغل الألماني في المشرق العربي قبيل الحرب العالمية الأولى)، مجلة المؤرخ العربي، العدد 27، السنة الثانية عشرة، بغداد 1986م.
42.ستيفن لونكريك، (عراق البريطانيين والأتراك خلال 1915-1916م)، ترجمة: سليم طه التكريتي، مجلة آفاق عربية، العدد 6، شباط، بغداد، 1979.
43.العمر، عبد الجبار، (ذيل مطالع السعود أو تاريخ الشاوي)، مجلة آفاق عربية، العدد السادس والسابع، السنة السادسة، بغداد شباط آذار 1981م.
44.ياسين شهاب شكري، (العراق ومشروع سكة حديد وادي الفرات دراسة تاريخية في ضوء التقارير البريطانيّة)، مجلة كلية التربية للبنات /جامعة الكوفة، العدد 24، السنة الثالثة عشرة، 2019م.
45.جريدة الزوراء، العدد 12، 23 جمادي الأولى 1286هجرية، 19 أغسطس 1285 شمسي.
46. جريدة الزوراء، العدد 2526، 16 رمضان المبارك 1333، 16 تموز 1331، السنة السابعة والأربعون.
47. جريدة الزوراء، العدد 2544، 24 محرم الحرام 1334، 19 تشرين الثاني 1331، السنة الثامنة والأربعون.
48. جريدة الزوراء، العدد 2547، 16 صفر الخير 1334، 10 كانون الأول 1331، السنة الثامن والأربعون.
49.جريدة الزوراء، العدد 2566، 2 رجب الفرد 1334، 21 نيسان 1332، السنة الثامنة والأربعون.
50. جريدة الزوراء، العدد 2567، 9 رجب الفرد 1334، 28 نيسان 1332، السنة الثامنة والأربعون.
51. جريدة الزوراء، العدد 2568، 23 رجب الفرد 1334، 12 مايس1332، السنة الثامنة والأربعون.
د. صباح كريم رياح الفتلاوي
الملخّص
إنَّ التنافس الاستعماري من أجل الحصول على مناطق نفوذ جديدة بدأ من القرن السابع عشر، وقد عَرَّض المنطقة العربيّة للسيطرة الأجنبيّة، فالتنافس الفرنسي ـ الإنكليزي أدّى بالأخيرة إلى احتلال مصر 1882م، إلَّا أنَّ هذا التنافس قد تلاشى ظاهريًّا بعد أنْ وجدت هاتان الدولتان ما يُهدّد مصالحها بظهور ألمانيا دولةً قويةً منافسةً لهما، فقد توطَّد الوفاق بين الدولتين والذي ظهرت آثاره خلال الحرب الأولى في توزيعات سايكس ـ بيكو.
وفي الوقت الذي تُعلن فيه الدول الاستعماريّة المُتنافسة أهدافها الظاهريّة في تخليص المنطقة من السيطرة العثمانيّة، كما تُعلن أنَّها تهدف إلى تطوير المنطقة وإنمائها، نراها في حقيقة الأمر تُخطِّط من أجل أهدافها الجوهريّة الرامية إلى خدمة مصالحها الاستعماريّة.
وبعد الحرب الأولى وفي الوقت الذي ركَّزت بريطانيا نفسها في مصر بإعلان
الحماية عليها، وتركيزها بالذات في قناة السويس بوصفها القاعدة البريطانيّة البحريّة في منطقة الشرق الأوسط، كانت تحاول في الوقت نفسه إيجاد مناطق أخرى للدفاع الجوي، فاتجهت نحو العراق بوصفه موقعًا وسطًا بين مصر والهند. وهكذا تجسَّدت المواقف البريطانيّة بناءً على إستراتيجيّةٍ واضحة، بدفعٍ من الرأسمال البريطاني التجاري في محاولةٍ لإيجاد أسواقٍ وموارد، كالمواد الأوليّة مع تصاعد أهميّة المنطقة من الناحية الدفاعيّة والإستراتيجيّة.
وفي هذهِ الدراسة سنُسلِّط الأضواء على دوافع وتطوّرات العلاقات البريطانيّة ـ العراقيّة حتَّى عهد الانتداب 1922م، من خلال النظرة البريطانيّة إلى أهميّة العراق الإستراتيجية آنذاك.
تضمَّنت الدراسة مقدمةً ومبحثين، تناول المبحث الأول بإيجاز علاقة بريطانيا بالعراق وعوامل الاهتمام البريطاني به، بينما تطرّق المبحث الثاني إلى أثر الأوضاع الدوليّة في علاقات بريطانيا بالعراق وعوامل الاهتمام البريطاني به، وجاءت خاتمة الدراسة بأهمِّ الاستنتاجات والخلاصة في تحديد عوامل وتطورات علاقة بريطانيا بالعراق، فيما احتوت قائمة المصادر على جملةٍ من الكتب والوثائق باللغتين العربيّة والإنكليزيّة فضلًا عن الكتب المُعرّبة.
الكلمات المفتاحية: الاحتلال العثماني، التنافس الاستعماري، المصالح البريطانية، سايكس بيكو.
ارتبط مفهوم العلاقة بين بريطانيا والعراق منذ البدء بالمصالح والأطماع والاستعمار، وكان ذلك مع أوائل القرن السابع عشر، حين كان العراق ثلاث ولاياتٍ تابعة للدولة العثمانيّة (The Ottoman Empire) المُترامية الأطراف، ومع مرور الأيام توسَّعت وترسَّخت هذهِ العلاقة، حتَّى أخذت شكلها الاستعماري بقيام بريطانيا بغزو وادي الرافدين واحتلالهِ أثناء الحرب العالمية الأولى، ومع النتائج المعروفة التي آلت إليها تلك الحرب، أُسِّست دولة العراق المعاصر كدولةٍ واقعة تحت الانتداب البريطاني، بيد أنَّ ذلك لم يكن شيئًا عابرًا، فقد ترسَّخ في العقل الجَمعي العراقي، مفهوم الاستعمار المُرتبط ببريطانيا، فهي التي احتلت العراق في الحرب العالمية الأولى بعد حربٍ داميةٍ مُكلّفة استغرقت أربعة أعوامٍ بحجَّة التحرير، وهي التي فرضت عليه الاحتلال، وهي التي أسَّست الجيش العراقي، ثمَّ قامت (بإنشاء) الدولة المعاصرة من الولايات العثمانيّة السابقة (بغداد، البصرة، الموصل)، وفرضت عليه الانتداب ونصَّبت عليهِ ملكًا من الحجاز، ثمَّ كبَّلته بالمُعاهدات الاستعماريّة، وأنشأت فيه القواعد العسكرية.
لقد تركت هذهِ العلاقة المعقَّدة بصماتها الواضحة بعُمق على الدولة والمجتمع العراقي، فكان بناء العراق المعاصر، والانتقال بهِ من المجتمع المتخلف، يحمل بصمات وطبائع وأهداف بريطانيّة، فبريطانيا كانت وراء إنشاء كلّ مؤسَّسات الدولة الجديدة، وأصبحت اللغة الإنكليزيّة هي اللغة الثانية في العراق، وكانت هي اللغة الأولى والسائدة في مؤسَّساتٍ كثيرة كالتعليم العالي والسكك والموانئ
والطيران، وهذا يعني من بين أمور أخرى انعكاس الأنظمة البريطانيّة على مناحٍ كثيرةٍ من الحياة في العراق ممّا يتطلَّب وجود جاليةٍ بريطانيّةٍ كبيرةٍ فيه، لا سيَّما أنَّ كثيرًا من مؤسَّساتهِ كانت تُدار بصورةٍ مباشرةٍ أو غير مباشرةٍ من الإنكليز كشركات النفط والمصافي، وأنَّ الأمر يتطلب وجود المستشارين كما في كلِّ الوزارات والجيش والدوائر المهمة الأخرى، الأمر الذي أوجد دورًا مهمًّا وخطيرًا للسفارة البريطانيّة في بغداد؛ إذ جعلها تتحكَّم في كلِّ أمور الحياة. ولسعة وتشعب هذهِ العلاقة، سنقف على أهمِّ المحطَّات التي تخدم الغرض من هذهِ الدراسة وبحدود ما يسمح بهِ البحث.
بعد سلسلةِ حروبٍ متصلةٍ بين الدولتين العثمانيّة والصفوية، أصبح العراق جزءًا من الدولة العثمانيّة وذلك منذ القرن السادس عشر الميلادي، عندما احتلّ السلطان سليم الأول مدينة بغداد في العام 1534م، ومن المعروف أنَّ الدولة العثمانيّة استمرت تبسط سلطانها على المنطقة العربيّة في قلب الشرق الأوسط ما يقرب من أربعة قرون، لحين زوال تلك السلطة نهائيًا من هذهِ المنطقة في القرن العشرين عند انتهاء الحرب العالمية الأولى، وعلى هذا فإنَّ مصير (العراق) ومستقبله كان قد تقرر استنادًا إلى علاقات الدولة العثمانيّة مع الدول الأوربية،
لا سيَّما أنَّ التوجهات العثمانيّة نحو الشرق قد اصطدمت بجدار دولة فارس الصفوية.
كانت ملامح الضعف والتراجع في الدولة العثمانيّة قد بدأت في الظهور أواخر القرن الثامن عشر، وقد شغل أذهان الساسة في أوروبا التفكير في مصير هذهِ الدولة ووراثة أملاكها، ومنذ ذلك الوقت المُبكِّر وأثناء القرن التاسع عشر، كانت بريطانيا وروسيا وفرنسا هي الدول الأكثر اهتمامًا بمصير الدولة العثمانيّة ومصير أملاكها، فبريطانيا رغبت في تأمين طُرق مواصلاتها إلى الشرق الأقصى والهند خصوصًا، سواء عن طريق قناة السويس والبحر الأحمر أو عن طريق الخليج العربي ونهري دجلة والفرات، أمَّا روسيا فقد أرادت أن تجد لها منفذًا من البحر الأسود إلى البحر المتوسط بالاستيلاء على القسطنطينية ومضايق البسفور والدردنيل، فضلًا عن أحلامها في الوصول إلى المياه الدافئة في الخليج العربي، بينما أخذت فرنسا على عاتقها منذ زمنٍ مبكِّر حماية مصالح رعايا الدولة (المسيحيين في شرق المتوسط)، إنَّ هذهِ الدول الثلاث كما سنرى فيما بعد هي
الدول التي شاركت في رسم قسمة أملاك العثمانيين، (رجل أوروبا المريض) أثناء الحرب فيما عُرف باتفاقية (سايكس ـ بيكو).
ركَّزت الدول الأوروبيّة عند النظر في مصير الدولة العثمانيّة، على ضرورة المُحافظة على توازن القوى، وعدم الإخلال بالتوازن الدولي في أوروبا. ولقد ترتَّب على محاولة الوصول إلى حلٍّ لمشكلة مصير الدولة العثمانيّة وأملاكها في القرن التاسع عشر وحتَّى أوائل القرن العشرين، أنْ برز ما صار يُعرف باسم (المسألة الشرقيّة). وانبرى كثيرون لتعريف هذا المصطلح في ضوء المُحاولات التي هدفت للتوفيق بين مصالح الدول المُتضاربة على حساب الدولة العثمانيّة،
وكان واضحًا أنَّ أكثر اهتمام الدول الأوربية كان موجَّهًا لتقرير الكيفيّة التي يمكن بها ملء الفراغ الذي ينجم من تقلص الحكم العثماني في أوروبا (البلقان)، بيد أنَّ الدول الأوروبية تمكَّنت من إيجاد حلٍّ للمسألة الشرقيّة عن طريق مؤتمر برلين (1878م)، إذ استطاعت تصفية القسم الأكبر من هذهِ المسألة باستقلال دول البلقان، وهكذا يصح القول إنَّه أمكن تسوية المسألة الشرقية قبل قيام الحرب العالمية الأولى.
من الواضح أنَّ التسوية التي تمَّ الاتفاق عليها قد تركَّزت في أملاك تركيا في البلقان، ولذلك لم تفقد تركيا من أملاكها العربية سوى ليبيا، إذ بقيت الدولة العثمانيّة محتفظةً بسلطانها الفعلي أو بحقوق سيادتها أو بنفوذها الاسمي على المنطقة العربية في الشرق الأوسط، حتَّى قيام الحرب العالمية الأولى.
تجدّد البحث في مصير الدولة العثمانيّة وأملاكها التي بقيت لها بعد الحروب السابقة، منذ أنْ بدأت الحرب العالميّة الأولى عام 1914م، وذلك لانضمام تركيا إلى جانب ألمانيا والنمسا ضدَّ دول الوفاق الثلاثي (بريطانيا وفرنسا وروسيا) في هذهِ الحرب. ولهذا فإنَّ كسب الحرب وهزيمة الدولة العثمانيّة كانا أمرين ضروريين لتحقيق هدف تجريد الدولة العثمانيّة من أملاكها وإنهاء نفوذها في الشرق الأوسط،
قبل معالجة موضوع ملء الفراغ الذي نشأ في تلك المنطقة، ويبدو أنَّه على خلاف ما حدث عند تسوية المسألة الشرقية، لم تشأ دول الوفاق أن يملأ الفراغ المنتظر حدوثه وحدات سياسية ذات كيانٍ مستقلّ، كالدول التي أُسِّست في البلقان، بل أرادت إخضاع المنطقة إمَّا لسلطانها الفعلي وإمَّا لنفوذها غير المباشر.
وكانت مسألة التعجيل في هزيمة الأتراك وإخراجهم من الشرق الأوسط هي الشغل الشاغل لدول الوفاق ـ لا سيَّما بريطانيا ـ، إذ رأت تلك الدول أنَّ الحلَّ يكمن في تحريض العرب في تلك المنطقة على الأتراك؛ لذلك حرك الإنكليز بوساطة جواسيسهم ورجالهم في المنطقة ومنهم (لورانس)القبائل العربيّة في الحجاز لإعلان الثورة، وسعوا لاستمالة الشريف حسين بن علي شريف مكَّة إلى جانبهم، ومساعدته في إعلان الثورة، بيد أنَّ مطامح الإنكليز كانت ترنو بشغف ورغبة كبيرة إلى منطقة وادي الرافدين.
أكَّد السير مكماهونفي رسائل عدَّة بعث بها إلى الشريف حسين، ضرورة
قيام العرب بالثورة ضدَّ الأتراك، ووعد بمُساعدتهم في نيل الاستقلال، وجاء في بعضٍ من تلك الرسائل ما يلي: «أمَّا في خصوص ولايتي بغداد والبصرة، فإنَّ العرب تعترف أنَّ مركز بريطانيا العظمى الموطَّدة ومصالحها هناك تستلزم اتخاذ تدابير إدارية، لا سيَّما لوقايةِ هذه الأقاليم من الاعتداء الأجنبي، وزيادة خير سكَّانها، وحماية مصالحنا الإقتصادية المتبادلة»، وأكَّد السير مكماهون للشريف حسين: «أنَّ حكومة بريطانيا العظمى كما سبقت فأخبرتكم مستعدة لأن تعطي كلَّ الضمانات والمساعدات إلى المملكة العربية، ولكن مصالحها في ولاية بغداد تتطلَّب إدارة ودية ثابتة كما رسمتم، على أنَّ صيانة هذهِ المصالح كما يجب تستلزم نظرًا أدق وأتمّ ممّا تسمح بهِ الحالة الحاضرة والسرعة التي تجري بها هذهِ المفاوضات».
يرجع تفكير بريطانيا في العراق إلى عهودٍ سابقة طويلة سبقت الحرب العالمية الأولى، فنظرًا لموقعهِ الجغرافي، ومركزه السوقي، وعلاقته الوثيقة بجنوب إيران وخليج البصرة، فإنَّه من غير الطبيعي أنْ تغفل عنه دولةٌ استعماريّةٌ وتجاريّةٌ كبرى كبريطانيا العظمى، ولم يكن الاهتمام بسلامة المواصلات الإمبراطوريّة
والمحافظة على طريق الهند (درَّة التاج البريطاني) الحافز الوحيد للتفكير والاهتمام بأرض ما بين النهرين، إذ كانت هناك أسبابٌ مهمّةٌ أخرى لاهتمام بريطانيا بالعراق، منها:
1. إنَّ موقع العراق الإستراتيجي بين الشرق والغرب، كان عاملًا جوهريًّا وأساسيًّا في توجيه انتباه البريطانيين وتحديد مسارات تغلغلهم ونفوذهم فيه، وإنَّه قلب الشرق الأوسط، وخطورة موقعهِ هذا تُفسِّر جوانب من صراعهِ الطويل مع قوىً أجنبية عديدة.
إنَّ لكلِّ دولةٍ من عالمنا هذا موقع جغرافي له ميزاته الخاصّة، ولكن هناك دول لَعِبَ موقعها الجغرافي أخطر دور في تاريخها، ومن هذهِ الدول (العراق)، فهو معبر عالمي بين الشرق والغرب، كما أنَّه قلب العالم الإسلامي، وفي الوقت نفسهِ يقع على الطرف القصي الشرقي للوطن العربي. ويقع العراق في موضعٍ يجعله طريقًا عالميًا، وفي الوقت نفسهِ مُلتقى لطرق العالم كلِّها، ولقد كانت هذهِ القطعة من الأرض تبدو بالنسبة إلى القطعان البشرية الجائعة خلال العصور، كنزًا للكثير من أولئك الذين كان يحركهم الشعر القائل (وطن الإنسان هو المكان الذي يجد رفاهه فيه)، فأين يمكن العثور على منطقةٍ مثل هذهِ، كبيرة كانت أم صغيرة، قد منحت العالم، أو أخذ منها العالم هذا الشيء الوفير؟.
وفي ظلِّ اشتداد التنافس الاستعماري الذي شَهِدته المنطقة في القرن التاسع عشر، تمكَّنت بريطانيا من تحقيق الأرجحيّة في العراق، حتَّى غدا يشغل حيزًا كبيرًا في تفكيرها الإستراتيجي.
إنَّ ثلاثة عقودٍ من القرن التاسع عشر (1830-1860م) كانت خطيرةً جدًا في تاريخ العراق؛ إذ تميَّزت بتضخم مصالح بريطانيا، وتعدد مشاريعها واستقرار نفوذها في ربوعهِ، فقد كان الهدف الإستراتيجي البريطاني في تأمين السيطرة على خطوط المواصلات الدوليّة المؤديّة إلى الهند، يعني الدفاع عن وجود الإمبراطوريّة البريطانيّة التي لا تغيب عنها الشمس، والعراق عظيم الأهميّة من وجهة نظر الدفاع عن هذهِ الإمبراطوريّة وحفظ مواصلاتها.
2. كان الموقف السياسي في العراق أثناء القرن الثامن عشر، يساعد على تغلغل النفوذ البريطاني، فقد كان المماليك يحكمون العراق منذ العام 1704م، وكان هؤلاء رغم تبعيتهم الاسميّة للسلطان العثماني، ينفردون بالحكم في العراق؛ ولذلك هم في حاجة إلى المُساعدة وتأييد دولةٍ كبرى ضدَّ أيَّ محاولةٍ من جانب السلطة العثمانيّة لإرجاع نفوذها المباشر في العراق، وفي الوقت نفسهِ ضدَّ محاولات فارس في بسط نفوذها على العراق، وقد نتج عن ذلك تقارب بين ولاية بغداد والسلطات البريطانيّة في بومباي، فقد وافق ولاة بغداد على تطبيق قاعدة الامتيازات التي كانت تمنحها الدولة العثمانيّة للأوروبيين، كما أنَّ بغداد كانت في أشدِّ الحاجة إلى مساعدة بريطانيا لمواجهة الخطر الوهابي الذي ظهر في نجد، جنوب العراق.
3. الصراع الدولي، فقد شَهِدت منطقة الخليج العربي منذ بداية القرن السابع عشر صراعاتٍ دامية بين الدول المتنافسة، فكان الصراع البريطاني البرتغالي، ثمَّ الصِدام البريطاني الهولندي، وانتهت الأمور أخيرًا لصالح السيادة البريطانيّة في
الخليج، ففي أواخر القرن الثامن عشر أصبحت لبريطانيا العظمى الأرجحية تجاريًّا وسياسيًّا.
لكن التطوّر الخطير في سياسة بريطانيا وموقفها ليس تجاه الخليج العربي فحسب، بل تجاه وادي الرافدين ومنطقة الشرق الأوسط حدث مع بداية القرن التاسع عشر، وعند ذلك لم يعد إحراز الأرجحية في نظر بريطانيا مجرد أمر مُحبَّذ أو مرغوب فيه، بل لا بدَّ منه لصيانة مصالحها، وهيبتها في هذهِ البقعة من العالم، ولقد كان العامل الأكبر في حدوث هذا التطور الخطير، ظهور منافس عتيد على مسرح الشرق، ذلك هو نابليون بونابرت بقيامهِ بغزو مصر، واتضاح خطرهِ على الهند، فكان عصر نابليون هو العصر الذي أسَّس فيه النفوذ البريطاني في الشرق الأوسط بصورةٍ جدية.
وكان على العراق أن يتحمّل المزيد من عبء الصراع الدولي الذي أخذ أبعادًا أكثر تعقيدًا وخطورة، لا سيَّما مع التقارب التركي الألماني والأطماع الروسية في فارس والخليج العربي، ومعها دخلت المصالح الإستراتيجية البريطانيّة في العراق مرحلةً جديدة شَهِدت أوجهًا أخرى من التغلغل البريطاني، من خلال العديد من المنافذ والوسائل ومنها: خطوط السكَّك الحديد، والمواصلات التلغرافية، ومشاريع التنقيب الآثاري، ومؤسَّسات التبشير، والجاليات البريطانيّة، وتعدد
القنصليات، فضلًا عن زيادة عدد الشركات التجارية والمِلاحية البريطانيّة. وهذا يعني أنَّ أهميّة العراق الإستراتيجية في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، لم تزد إلاَّ قوةً وتأكيدًا، بل إنَّ العراق أصبح منطقة نفوذ بريطانية فعلًا، لذلك عبَّر أحد الإنكليز المهتمين بالسياسة والتاريخ، قائلًا: «لم يكن ليغيب عن بال الجميع في العراق، أنَّ مستقبل بريطانيا العظمى في العراق سائرٌ إلى الأهميّة لا محالة، وربما ليصبح شيئًا أعظم».
4. العامل الاقتصادي، فقد كان العراق مصدرًا مهمًا للموارد الاقتصادية والمواد الأولية التي تغذي الصناعة البريطانيّة، كما يُعد سوقًا مهمًا لصناعتها وبضاعتها التي تحتاج إلى أسواق لتصريفها.
ولقد قامت بعثات الخبراء البريطانيون وفي المقدمة منهم مهندسو الري بإرسال بعثةٍ فنيّةٍ للقيام بمسح مشاريع الري القديمة في العراق، وتحديث التصاميم اللازمة لإحيائها، وإنَّ مهمة بعثة الري الفنية هذهِ التي استمرت زهاء سنتين، تمكَّنت من دراسة مختلف نواحي العراق وطبيعة أرضهِ وتضاريسهِ، وهي خطوةٌ مهمّةٌ عززت فيها بريطانيا من نفوذها في العراق قبل نشوب الحرب العالميّة الأولى.
وفضلًا عن النفوذ التجاري والاقتصادي المُتزايد فقد سعى البريطانيون في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في الكشف عن سُبُلٍ جديدةٍ للتوغل في أرض ما بين النهرين، فأنشؤوا مثلًا دوائر بريد بريطانية هندية في بغداد والبصرة،
وكذلك كانت طريقًا لأسلاك البرق التي تصل الهند بإنكلترا، التي تربط الأسلاك البرية للخط التركي بأسلاك بحرية تتصل عبرَ مدينة الفاو، كما وضعوا الخطط اللازمة لإنشاء خط سكَّة حديدية يمتد من بغداد إلى البصرة؛ لاستخدامها في المواصلات العسكرية والاقتصادية التي تخدم مصالح بريطانيا الحيوية داخل العراق وخارجهِ من خلال ربطهِ بالخليج العربي.
إنَّ المصالح الاقتصادية كما هي الحال عَبرَ التاريخ، تجلب معها النفوذ السياسي والتدخل الأجنبي، فقد تحول خليج البصرة إلى بحيرةٍ بريطانية هندية، الأمر الذي دفع بـ (اللورد كرزون) نائب الملك في الهند إلى القول بأنّ: «العلاقة بين بريطانيا والخليج قد انفصلت عن دفاتر التجارة إلى حقائب السَّاسة».
5. الحرب العالمية الأولى، فهناك عوامل عدَّة ربطت دخول بريطانيا الحرب العالمية الأولى، بالعراق. ومن أبرز تلك العوامل ما يأتي:
أ. إنَّ العراق جزءٌ من الدولة العثمانيّة التي انضمت إلى جانب ألمانيا والنمسا ضدَّ دول الوفاق (بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية)، فمن الطبيعي أنْ تهاجم بريطانيا (العراق) بوصفهِ من أملاك الدولة العثمانيّة، فضلًا عن ميراث الموقع والثروات والخصائص الأخرى التي يمتلكها.
ب. النفط: حصلت بريطانيا بوساطة المهندس البريطاني (وليام دارسي) في سنة 1901م من مظفَّر الدين شاه على امتياز التنقيب عن النفط، واستخراجه في منطقة جنوب إيران لمدة ستين سنة، فتشكَّلت (شركة النفط الإنكليزية الفارسية)، لتتولَّى القيام باستثمار ينابيع النفط في الأراضي الإيرانية، ولمَّا نشبت الحرب العالمية الأولى، تبيَّن للجميع أنْ لا سبيل إلى النصر إلّا بتأمين إمدادات النفط، إذ أصبح النفط المحرّك الرئيس لماكنة الحرب، بيد أنَّ هناك من كان يعتقد أنَّ الدفاع عن مصالح شركة النفط البريطانيّة في إيران، هو الباعث إلى حملة العراق، مع أنَّ الحكومة البريطانيّة كانت تعتقد أنَّ النفط وحده لا يدعو إلى إرسال حملة كحملة العراق، فثمَّة مصالح أخرى ذات أهميّةٍ بالغةٍ وذات جذورٍ تاريخيّةٍ دعت إلى تلك الحملة، ولكن سرعان ما ازداد الأمر أهميّةً بعد أنْ أصبح النفط المُجهَّز من حقول عبَّادان، العامل الأول في تحقيق أهداف الحرب، الأمر الذي جعل الشركة تُضاعف جهودها، فقد زاد إنتاج شركة النفط الإنكليزيّة
الفارسيّة من (270) ألف طن في عام 1914م، إلى (900) ألف طن في نهاية الحرب.
كانت بريطانيا تنظر إلى ولاية البصرة أثناء تلك الحِقبة، بوصفها جزءًا وثيق الصِلة بالقسم الجنوبي من إيران والخليج، فكثَّفت جهودها لتثبيت مركزها العسكري والسياسي والاقتصادي في البصرة وإيران والخليج، ولقد كانت البصرة وما يُحيط بها ذات أهميّة حيوية للإنكليز، أمَّا القسم الشمالي (بغداد والموصل) فلم يكن يمثل الأهميّة الإستراتيجية للإمبراطورية البريطانيّة، وكان هذا التقسيم واضحًا في أذهان البريطانيين منذ العام 1898م، إذ إنَّ النصف الجنوبي من العراق يؤلِّف جزءًا من الخليج، وهو المنطقة «التي خلقت فيها الدبلوماسية البريطانيّة لمدة قرنين وضعًا فريدًا، تتداخل فيه المصالح الإنكليزية والمِلاحة البحريّة، والطريق الإستراتيجي إلى الهند جميعًا».
كتب لويد جورج رئيس وزراء بريطانيا في أواخر أيلول 1914م: «أصبح واضحًا أنَّ تركيا ستنضم إلى الدول العدو على الأرجح، وهذا الأمر جعل من المهم على الفور اتخاذ خطواتٍ للمحافظة على تجهيز النفط في الخليج والتي كانت مملوكةً لشركة النفط الإنكلو ـ فارسيّة، كوسيلةٍ لتأمين تجهيزات الوقود النفطي للبحريّة».
ومع اندلاع الحرب العالمية الأولى عام 1914م، تحركت قوةٌ عسكريّةٌ بريطانيّةٌ نحو جنوب البصرة، وفي 6/ تشرين الثاني نزلت في الفاو، ثمَّ تقدمت إلى البصرة فاحتلتها. ويمكن الاستنتاج بأنَّ الهدف البريطاني الأساس لم يكن احتلال كل العراق، بقدر ما كان ضمان المصالح البريطانيّة في الخليج وجنوب إيران، ولكن فيما بعد وللسهولة التي أحرزتها القوات البريطانيّة الهندية في احتلال البصرة وانسحاب القوات التركية شمالًا، واستثمارًا للفوز الذي حصل، ومع الواقع السياسي الجديد والتحالفات الناشئة، فقد اندفعت القوات البريطانيّة شمالًا حتَّى أكملت احتلال العراق مع نهاية الحرب.
وكان من الواضح قبل الحرب العالمية الأولى أنَّ العراق قد أصبح من مناطق النفوذ البريطانيّة المهمة، فتعمَّقت مصالح بريطانيا في هذا الجزء من الدولة العثمانيّة وتشعَّبت، وكان منها وضع العراق الزراعي وأهميته كمجال حيوي لاستيطان عددٍ كبير من السكَّان الذين يفيضون عن قابلية الهند، وأيضًا أطماع بريطانيا الإقليميّة في العراق ورغبتها في احتلال القسم الجنوبي منه على وجه الخصوص وربطهِ بالهند؛ ولذلك قامت بريطانيا بعد احتلال البصرة باتخاذ إجراءاتٍ على الأرض، لربط الجزء الجنوبي من العراق بنظام حكومة الهند البريطانيّة، وذلك باعتماد النُّظُم والقوانين الإدارية الهندية؛ لغرض ضمِّ جنوب العراق للهند تحقيقًا للسياسة التي أنتجتها المدرسة الهندية البريطانيّة من رجال الاستعمار البريطاني، التي كانت تُهيمن على دائرة نائب الملك في بومباي؛ لذلك فإنَّ تلك السياسة قد تمَّ تثبيتها تمامًا مع بداية الحرب، ففي 28/تشرين ثاني/1914م كتب ويلسون
ــ الذي أصبح وكيل الحاكم البريطاني العام في العراقــ: «أودّ أنْ أُعلن أنَّه من الضروري ضم ما بين النهرين إلى الهند كمُستعمرةٍ للهند والهنود، بحيث تقوم حكومة الهند بإدارتها وزراعة سهولها الواسعة بالتدريج، وتوطين أجناس البنجاب المُحاربة فيها».
لقد كانت سياسة ويلسون ومشروع ربط العراق بالهند. من أخطر المشاريع الاستعماريّة البريطانيّة التي لو حالفها النجاح لغيّرت مستقبل العراق والمنطقة بالكامل، ومن المعروف والمُسلَّم بهِ أنَّ ثورة 1920م في العراق كانت هي العامل الحاسم الذي أطاح بتلك السياسة وذلك المشروع.
اهتمت بريطانيا بتعزيز طموحاتها في بسطِ سيطرتها على بلاد وادي الرافدين، من خلال العديد من المشاريع والوسائل، منها:
مشروع سكَّة حديد بغداد:
يُعد مشروع سكَّة حديد بغداد، أحد أهمّ أسباب اهتمام بريطانيا بالعراق، فضلًا عن كونهِ أحد أهمّ الدوافع التي أدّت إلى خوض غِمار الحرب العالميّة الأولى.
كانت بريطانيا تنشد منذ أوائل القرن التاسع عشر طريقًا سهلًا قصيرًا إلى جوهرة إمبراطوريتها يومذاك (الهند)، وفي سنة 1837م، أنفقت مالًا كثيرًا على مسح وادي الفرات لهذهِ الغاية، وحصلت من تركيا على امتياز مدِّ خط سكَّة حديد تصل الإسكندرية على البحر المتوسط بالخليج العربي وكان ذلك سنة 1851م، إلاَّ أنَّ بريطانيا نبذت مشروع المِلاحة في الفرات سنة 1876م، عندما استطاعت شراء ما قيمته (4) أربعة ملايين باون من أسهم قناة السويس، ورأت أنَّ الإفادة من القناة أفضل من الاستفادة من مشروع مِلاحة وسكَّة حديد عَبرَ الفرات وواديه، وقبل الحرب العالمية الأولى أخذت ألمانيا تفكر في مشروع سكَّة حديد تمتد من برلين فاستانبول فبغداد فالبصرة، وهذا شيء أقلق مضاجع الساسة البريطانيين، وهم الذين كانوا يسعون جاهدين إلى الحفاظ على حياد تركيا وإبعاد النفوذ الألماني عنها، فلقد أراد الألمان من وراء سكَّة حديد برلين البصرة، التقرب من الهند وخلق المتاعب وإثارة القلاقل في أرجاء العالم الإسلامي، لخلخلةِ كيان الإمبراطورية البريطانيّة من جهة، وتهديد استثمار النفط، إذ تعمل شركة النفط الإنكليزية الفارسية منذ سنة 1906م في جنوب إيران وتمتد أنابيبها ومصافيها
إلى عبَّادان على شطِّ العرب، هذا فضلًا عن الامتيازات الإقتصادية المُتحققة من مدِّ خط السكَّة، عن طريق الاستثمار (ومنها النفط) على جانبي امتداد الخط في منطقة بين النهرين.
لقد كان مشروع سكَّة حديد بغداد من أشدِّ مشكلات الاستعمار التي جابهتها الدول الأوربيّة في أواخر القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين تعقيدًا، ومن أقوى العوامل في سوق هذهِ الدول للانغمار في أتون الحرب الأولى، وكان أيضًا من أهمِّ الدوافع التي جعلت بريطانيا تقرر استعمار العراق، والسيطرة على المنطقة العربية لضمان سلامة أقصر طُرق المواصلات إلى الهند، وإبعاد التهديد الأوروبي عنها، فقد شكَّل هذا المشروع تنافسًا استعماريًّا، وصراع قوى بين أهم الدول الفاعلة آنذاك على الساحة الأوروبية: بريطانيا، وألمانيا، وفرنسا، وروسيا.
لقد أثيرت في بريطانيا قضيّة إنشاء الطريق البري للوصول إلى الهند أكثر من أيِّ وقتٍ مضى، بعد أن شرع الفرنسيون في فتح قناة السويس، فقد شعرت بريطانيا أنَّ إيجاد طريق مختصرة كلِّيًا لفرنسا للوصول إلى الهند هو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لوجودها ومصالحها في تلك المنطقة من العالم، وهكذا أُثيرت في بريطانيا مسألة إنشاء الطريق البري نحو الهند، على أساس إقامتهِ كمنافسٍ وبديلٍ بريطانيّ لقناة السويس، بمدِّ سكَّة حديد من السويداء على خليج الإسكندرية حتَّى قلعة جابر في أعالي الفرات، وكان الأمر معقودًا أن تكون هذهِ السكَّة حلقة وصل بين البحر المتوسط والطُّرُق النهرية في الفرات، وفي الوقت نفسهِ إمكانيّة مد السكَّة المذكورة نحو بغداد ومنها إلى البصرة.
وضمن تقرير اللجنة التي شكَّلتها الحكومة البريطانيّة في مجلس العموم البريطاني برئاسة السير نورثكوت لدراسة المشروع، وردت النقاط المهمة الآتية:
أولًا: إنَّ قضية موضوع بناء سكَّة حديد وادي الرافدين كما أسمتها اللجنة (TRANS MESOPOTMIAN RAIL WAY) هو أمرٌ في غاية الضرورة لبريطانيا ومصالحها الحيوية في المنطقة، وهو من الناحية الأخرى يؤمن سرعة نقل البريد نحو الهند والخليج، وله مزايا وفوائد اقتصادية مهمة لبريطانيا.
ثانيًا: إنَّ من الممكن استعمال السكَّة للأغراض الحربية الخاصة بنقل القطعات والأسلحة والمؤن نحو الهند، ويمكن عدَّها حاجزًا لإيقاف أي توسع روسي تجاه الخليج.
وبما أنَّ المشروع كان موضوعًا للمنافسة والصراع الاستعماري، فقد تقدمت روسيا القيصرية بعرضٍ لمدِّ سكَّة حديد من طرابلس على البحر المتوسط إلى الكويت على الخليج العربي عَبرَ الصحراء، على أن يُربط بالعراق بواسطة طريق فرعي يمتد نحو كربلاء. كما أنَّ فرنسا تبنَّت أيضًا إنشاء مشروع سكَّة حديد بغداد، الأمر الذي رأت فيه بريطانيا تهديدًا مباشرًا لمصالحها، فإنَّ ذلك إلى جانب حصَّة فرنسا الواسعة في قناة السويس يعني سيطرتها على الطريق البري نحو الهند، الأمر الذي يُشكِّل تهديدًا مباشرًا لمصالح وسياسة بريطانيا في الشرق الأوسط والهند. ولأسبابٍ عدَّة لم تلقَ كلَّ تلك المشاريع موافقة السلطان العثماني.
وفي الجانب الألماني كان استلام القيصر وليام الثاني الحكم عام 1888م قد شكَّل تغييرًا جذريًا إزاء سياسة التحفظ الألمانية حيال الإمبراطورية العثمانيّة، تحت تأثير حاجة الاقتصاد الألماني لإيجاد أسواق جديدة في الشرق، ودخول ألمانيا مُعترك التنافس التجاري والسياسي مع الدول الرأسمالية الكبرى، إذ كان القيصر الألماني يُحبِّذ فكرة التوسّع الألماني في الدولة العثمانيّة، ويرى في الأمر تقويةً للمراكز الألمانية في آسيا كلِّها.
وفي سنة 1898م قام القيصر وليام الثاني برحلةٍ إلى بيت المقدس في فلسطين عَبرَ إستانبول، وكان لهذهِ الرحلة تأثيرٌ عميقٌ في نفس السلطان عبد الحميد، إذ كان الرأي العام الأوروبي ناقمًا عليه نقمةً شديدة من جراء مذابح الأرمن[4] التي وقعت حوادثها قُبيل هذهِ الرحلة، على أنَّ المنافع الاقتصادية كانت هي الأصل
في هذهِ الرحلة كما يتبيَّن من مذكرة الفون بولو وزير الخارجية الألماني، التي نوَّه فيها بالمنافع التي عادت بها الرحلة، فقال: «... ومما يجب أنْ ننوه بهِ هنا ذكر تصميم إيصال سكَّة حديد الأناضول ببغداد، وهو ما نأمل أنْ نُحقِّق بهِ إكمال الفتح الاقتصادي في آسيا الصغرى».
ونتيجةً لهذا التقارب الألماني التركي، فاز الألمان في 27/ تشرين الثاني/ 1899م باستحصال موافقة السلطان العثماني المبدئية على منح البنك الألماني امتياز إنشاء سكَّة حديد تمتد من قونية إلى بغداد فالخليج، وبعد مرور ثلاث سنوات صدرت الإرادة السلطانية بمنح الامتياز نهائيًا إلى الألمان في العام 1902م، وكانت الشركة الألمانية قد أكملت أثناء هذهِ المدة أعمال المسح ووضع الخرائط.
أعطي الامتياز النهائي لسكَّة حديد بغداد في 5/آذار/1902م، ونصّ الامتياز على موادّ عدَّة، يمكن إجمال أهمّها في ما يلي:
1. الحقّ لشركة سكَّة حديد الأناضول بتمديد الخط من قونية إلى بغداد والبصرة، عَبرَ أو عند أقرب نقطةٍ من قونية ونصيبين والموصل وتكريت وبغداد وكربلاء والنجف والزبير، مع إقامة فروع للخطّ إلى مناطق عدَّة، أهمها حلب وخانقين ونقطة على الخليج العربي يتفق بشأنها فيما بعد بين الحكومة التركية وأصحاب الامتياز. والمُلاحظ أنَّ نصّ الامتياز لم يُشر صراحةً إلى اسم الموقع الذي تمَّ الاتفاق عليه في الخليج العربي لتشييد فرع السكَّة إليه من الزبير، غير أنَّه من المعروف عمومًا أنَّ الكويت كانت هي تلك النقطة المُقترحة كي تكون نهاية سكَّة حديد بغداد.
2. حدّدت مدة الامتياز بتسعة وتسعين عامًا.
3. أعطيت الشركة الحق في استغلال كُلِّ المناجم التي يُعثر عليها لمسافة عشرين كيلو مترًا من جانبي الخط.
لقد كانت إحدى النتائج المهمّة التي أدت إليها زيارة القيصر الألماني إلى تركيا والأراضي المقدسة، أنْ عجَّلت بريطانيا بالسعي للقيام بعددٍ من الإجراءات الهادفة إلى حماية خطوط مواصلاتها نحو الهند، إزاء تقدم ألماني مُحتمل في منطقة وادي الرافدين عن طريق تنفيذ سكَّة حديد بغداد، وقام اللورد كرزون نائب ملك بريطانيا في الهند باستمالة الشيخ مبارك شيخ الكويت، لعقد معاهدة حماية سرية بين بريطانيا والكويت في حزيران 1899م، وفرضت المعاهدة المذكورة على شيخ الكويت عدم قبول أي ممثل لدولةٍ أجنبية في إمارتهِ دون الحصول على موافقةٍ مُسبقة من الحكومة البريطانيّة، كما منعته من رهن أيّ جزءٍ من أراضيه أو بيعه أو إيجاره دون الحصول على تلك الموافقة نفسها.
امتازت الحِقبة التي أعقبت إعطاء امتياز سكَّة حديد بغداد عام 1902م وحتَّى إعلان الحرب العالمية الأولى بكونها حقبة المفاوضات والمناورات السياسيّة العنيفة بين الدول الأوروبيّة الكبرى لأجل التوصّل إلى المُساهمة أو منع مساهمة الآخرين في مشروع السكَّة. لقد كادت تلك المفاوضات والمناورات التي كانت
تسير صعودًا ونزولًا أنْ تعطي نتائج قائمة على أساس تفاهم الأطراف المعنية لولا قيام الحرب العالمية الأولى. ولقد عدَّت المشكلات الدولية المتعلقة بسكَّة حديد بغداد من العناصر الرئيسة للخلافات الأوروبيّة التي سبقت قيام الحرب العالمية الأولى.
على أنَّ كلًّا من بريطانيا وفرنسا وروسيا التي لها أطماعها ومصالحها في تلك المناطق، لم تنظر إلى المشروع بعين الرضا والقبول عندما شرع الألمان في مدِّ السكَّة، فبريطانيا مثلًا اشترطت وفق اتفاقية 15/حزيران/1914م مع ألمانيا، على أنْ تكون البصرة نهايةً للسكَّة مهما كانت الظروف، وكذلك عدم القيام ببناء ميناء أو محطَّة للسكك الحديد على الخليج العربي، على أنَّ الدبلوماسية الألمانية لم تألُ جهدًا في محاولةِ إنهاء معارضة الدول الكبرى لمشروع السكَّة ووضع حدٍّ لتلك المعارضة، ولكنها لم تتمتع بمتَّسع من الوقت لجني ثمار جهدها الدبلوماسي وتحقيق حلمها بربط برلين ببغداد، ينقل الوجود الألماني إلى أبواب الهند والشرق، فما أنْ كادت تصل إلى الاتفاق مع أكبر منافسيها وهي بريطانيا حتَّى اندلعت نيران الحرب العالمية الأولى.
وبقيام الحرب العالمية الأولى إنهار مشروع سكَّة حديد بغداد الذي تمَّت المباشرة بهِ توًا، وتحولت الأنظار الأوروبيّة واهتمامها نحو الصراع الحربي الدائر.
كان القرن السادس عشر قرن الانطلاق عَبرَ المُحيطات للاستكشافات والاستعمار، وتزعمت هذهِ الحركة الكبرى كلٌّ من إسبانيا والبرتغال، فكانت
الضربة التي وجَّهتها البرتغال للتجارة العربيّة في مياه المُحيط الهندي والخليج العربي حاسمةً ومروعة، وفشلت مجهودات مماليك مصر ثمَّ سلاطين الدولة العثمانيّة في إعادة السيطرة الإسلامية على المياه الجنوبيّة.
وكانت إنكلترا في القرن السادس عشر تسعى إلى الحصول على شيءٍ من ثروات التجارة البحريّة، فقد كان الأسطول الإسباني البرتغالي حتَّى الثلث الثاني من القرن السادس عشر هو المتحكم في البحار والمُحيطات، لكن البحرية البريطانيّة استطاعت أنْ تكسر قوة ذلك الأسطول في عام 1588م عندما انتصرت على الأرمادا الإسبانية (The Spanish Armada)، وبذلك أصبحت الطُّرق البحرية إلى المُحيط الهندي مفتوحةً أمام السفن البريطانيّة، إذ أسَّست شركة الهند الشرقيّة البريطانيّة في عام 1600م، وبعد أنْ تمَّ طرد البرتغاليين من هرمز في العام 1622م، انفتح الخليج العربي أمام السفن الإنكليزيّة الذاهبة إلى البصرة، وبذلك أصبحت البصرة واحدةً من أهمِّ مراكز التبادل التجاري مع شركة الهند الشرقية.
ونظرًا لاتساع نطاق العلاقات السياسيّة والاقتصاديّة بين بريطانيا والدولة العثمانيّة، فقد دارت مفاوضات بين الدولتين، انتهت بعقد معاهدة 1675م التي وضعت أُسس امتيازات المصالح البريطانيّة في العراق وتوطيدها بصفةٍ عامة وفي
نهري دجلة والفرات بصفةٍ خاصة، فقد تضمَّنت معاهدة عام 1675م امتيازاتٍ عدَّة فيما يخص المِلاحة النهريّة.
لقد تظافرت عوامل عدَّة وراء اهتمام بريطانيا بالمِلاحة النهريّة في العراق، ومن بين أهمّ تلك العوامل:
1. كان أمر حماية الهند وتقريب المسافة بينها وبين لندن، من أهمِّ الدوافع في اهتمام إنكلترا بوادي الرافدين، فقد قام الإنكليز بمحاولاتٍ كثيرة لتمهيد طرق المِلاحة في الفرات ومدِّ السكك الحديد بين البحر المتوسط وسواحل الخليج.
2. قيام نابليون بونابرت بغزو مصر.
3. الخوف من نشوء دولةٍ قوية في مصر تقف في وجه الأطماع البريطانيّة، ولذلك فقد قاومت بريطانيا مُحمَّد علي باشا لمَّا أراد أن يوحِّد سورية ومصر ويؤسِّس دولة حديثة قد تمتَّد إلى العراق وتوحد منطقة الشرق العربي.
4. المباشرة بإنشاء قناة السويس تحت رعايةٍ فرنسية.
5. مقاومة توسع النفوذ الروسي في الدولة العثمانيّة وأطماعها في الخليج، فإذا قبضت روسيا على الفرات سهل اجتياح سوريا والساحل الشرقي للبحر
المتوسط وآسيا الصغرى.
لقد تداخلت أهميّة المِلاحة في وادي الفرات مع سكَّة الحديد، إذ إنَّه مهما يكن لقناة السويس من الأهميّة لأوروبا، فإنَّه يمكن غلقها بسهولة، وإنَّها بمنزلةٍ ثانوية لسكَّة حديد وادي الفرات التي يمكن أن توفر الميزات الآتية:
1. إنَّها تُهيّئ السبيل لمنع روسيا من التقدّم في آسيا الصغرى.
2. إنَّ المشروع يربط البحر المتوسط بالخليج، ولذلك أهميّة كبرى من الوجهتين السياسية والتجارية.
3. إنَّه يقصر المسافة بين الهند وإنكلترا ألف ميل، ويُقلل المدَّة اللازمة لقطعها من عشرين يومًا إلى عشرة أيام.
4. سيُضاعف من قوة إنكلترا الحربية، ويجعل آسيا الصغرى وسوريا والعراق وإيران مناطق نفوذ لها، كما أنَّ سيطرة إنكلترا عليه أمر متيسر إذ يسيطر أسطولها على طرفيه في البحر المتوسط والخليج.
وابتداءً من سنة 1728م أصبح للإنكليز قوارب في نهر دجلة تُبحر بين بغداد والبصرة، وتطور النشاط البريطاني خلال النصف الثاني من القرن الثامن عشر، فقد بدأ الإنكليز باستخدام قوتهم البحرية ضدَّ هجمات العشائر، وضدَّ حكَّام العراق إذا ما اتخذوا موقفًا معاديًا للأطماع البريطانيّة، وضدَّ إيران إذا تعرضت المصالح البريطانيّة في البصرة للخطر، وفي أعقاب نزول الحملة الفرنسيّة إلى السواحل المصرية في العام 1798م، تمَّ إرسال سفينةٍ حربيّةٍ بريطانيّةٍ لحماية المُقيميّة البريطانيّة في بغداد، واستمرت هذهِ السفينة مع جنودها مُرابطةً في بغداد
رغم فشل الحملة الفرنسيّة وانسحابها من مصر، وقد كانت المدة التي حكم فيها علي رضاقائدًا للجيش العثماني الذي بعثه السلطان محمود الثاني، ليضع نهايةً لحكم المماليك في العراق والتي امتدت من (1831-1841م)، هي الحقبة التي وضع فيها الإنكليز أُسس حقوقهم في المياه العراقيّة، بعد أنْ قام خبراؤهم وابتداءً من سنة 1830م بدراسة نهري دجلة والفرات ومسحهما.
لقد تكلَّلت أعمال المسح النهري بتأسيس شركة مِلاحة غالبًا ما تُعرف بشركة (بيت لنج)، وتُعرف رسميًّا بـ (شركة المِلاحة البخارية في دجلة والفرات) التي أُسِّست في سنة 1860م، والتي كانت تُسيِّر باخرتين تجاريتين في دجلة، لقد اتَّسع نطاق أعمال الشركة وتعاظمت أهميتها أثناء الربع الأخير من القرن التاسع عشر نظرًا لزيادة النفوذ البريطاني، إذ إنَّ الشركة اعتمدت أثناء الحِقبة التي سبقت الحرب العالمية الأولى على حماية الحكومة البريطانيّة.
حظيت أعمال شركة لنج بأعلى اهتمام من قبل الحكومة البريطانيّة؛ لأنَّ
المصالح السياسية تتطلَّب توطيد المصالح التجارية، فهذا لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني يكتب في 18/كانون أول/1906م، قائلًا: «إنَّ من الحكمة، جراء كون نهر دجلة هو أحد خطوط المواصلات المهمة إلى الخليج الفارسي والهند، أن نحذر لئلا يخرج النهر من قبضتنا، ثمَّ إنَّ مركزنا الممتاز في النهر يغدو الآن أكثر قيمةً جراء اقتراب سكَّة حديد بغداد، وجراء احتمال أنْ تكون المِلاحة هي وسيلة النقل الوحيدة ورأس السكَّة في بغداد والبصرة»، وقد منحت الحكومة التركية، تحت الضغط البريطاني المُستمر، الإذن المطلوب لشركة لنج في العام 1907م لتشغيل باخرة ثالثة في دجلة.
رأينا من خلال ما سبق أنَّ السياسة البريطانيّة في الشرق الأوسط، قد اهتدت تقليديًّا بالضرورة السياسيّة والنزعة النفعيّة، وكانت كُلٌّ من فرنسا وروسيا القيصرية وألمانيا تُحيط بالمصالح البريطانيّة، لاسيَّما منذ مغامرة نابليون في مصر. لقد حثَّ الوهن السياسي والاجتماعي والاقتصادي للرجل المريض (الدولة العثمانيّة) على التنافس بين القوى العظمى، كما مهَّد ذهاب تركيا إلى المعسكر الألماني، والحاجة إلى الإبقاء على روسيا حليفةً لبريطانيا في أي حربٍ أوروبية، مهَّد إلى ابتعاد السياسة البريطانيّة عن نهجها المُعلن في الحفاظ على إعلان وحدة تركيا، فقد ألزمت الحرب بريطانيا باتباع سياسة تفكيك النظام السياسي العثماني، وكان هذا التوجه قد حظي بترحاب أنصار «الإمبريالية الجديدة» (New Imperialism) التي بلغت ذروتها في حكومة لويد جورج (David Lloyd George) (1863-1945م)[3].
لقد ظهرت المرحلة الأولى في نيل أهداف إمبريالية عزيزة على (الإمبرياليين الجُدد) عندما نزلت قوات الاستطلاع الهندي في الفاو على الخليج العربي في 6/تشرين الثاني/ 1914م، فقبل ذلك لم تكن بريطانيا قادرةً على الانتفاع من كونها أقوى دولة في المنطقة، كما كان يتوجَّب على رجال السياسة البريطانيين والإستراتيجيين تعزيز الحلقات الواهنة في سلسلةِ الدفاع عن الهند، ولقد أطلق احتلال القوات البريطانيّة للبصرة البوابة الإستراتيجية للعراق، الطموحات الأسيرة لدُعاة الضم في الهند ودار الحكومة البريطانيّة، فلقد أبرق السير برسي كوكس بعد احتلال البصرة بأنَّه من الصعوبة بمكان «تغاضي أخذ بغداد».
أثارت النجاحات المُبكِّرة في احتلال البصرة جدلًا سياسيًّا عسكريًّا بريطانيًّا بشأن القضيّة الكبرى في ماهيَّة المصالح الأساسيّة البريطانيّة في العراق، وكيف يمكن بلوغها والذود عنها، فحاجج الإمبرياليون الجُدد بأنَّ على بريطانيا أنْ تبسط مجال نفوذها على العراق كافَّة، وإلّا فإنَّ القوى المنافسة الأخرى ستتحرك، فالعراق لا يمكن الدفاع عنه بالاحتفاظ بالمنطقة الجنوبية وحسب؛ لذا لا بدَّ من بلوغ الحدِّ الأقصى من الحدود الطبيعية، وقد كانت (وزارة الهند) من أولى الدوائر التي حاولت وضع سياسة خاصة بالعراق، فكتب السير آرثر هرتزل السكرتير السياسي في الوزارة المذكورة مذكرةً مفصلة بتاريخ 14/آذار/1915م عن مستقبل بلاد ما بين النهرين، فاستنادًا إلى نظرية الري في نشوء الدول ووحدتها، كتب يقول: «إنَّ الدولة التي تعتزم أنْ تطور ولاية البصرة يجب أنْ تكون هي الدولة التي تطور ولاية بغداد، وأنْ تكون كذلك هي الدولة التي تُسيطر على المجاري العليا للأنهار حتَّى الموصل والرقَّة». وهو يطمح من ذلك
إلى أنَّ مشاريع الري ستُتيح فرصةً طيبة لهجرة الهنود إلى العراق لحاجتهِ إلى العمَّال من جهة، وكذلك لأسبابٍ أخرى أيضًا، منها إنشاء مستوطنة هندية في العراق.
وفي خضمِّ هذا الجدل تقرر التقدم نحو بغداد واحتلالها؛ لأنَّ ذلك سيؤمن أهداف بريطانيا في العراق، بضمِّ البصرة وبغداد والجزء الأكبر من الموصل، وإنَّ احتلال بغداد سيرفع السُّمعة البريطانيّة في الشرق الأوسط، وسيقطع خطوط المواصلات الألمانية مع إيران، ويؤمِّن الدفاع عن حقول النفط، وأخيرًا وليس آخرًا فإنَّ بغداد (كوكب جذاب)، واسم رومانسي قد يُثير مخيلة البريطانيين، إذ كانت بغداد هي الجائزة المتلألئة التي تتجه إليها جميع الأنظار. وهكذا ففي 11/آذار/1917م، احتلت القوات البريطانيّة بغداد، ثمَّ جرى احتلال مدينة الموصل بتاريخ 8/تشرين الثاني/1918م وذلك بعد ثمانية أيام فقط من عقد الهدنة مع تركيا، وبذلك انتهت الحرب العالمية الأولى والولايات الثلاث جميعها، البصرة وبغداد والموصل تحت السيطرة البريطانيّة.
لمَّا دخلت تركيا الحرب، بدأت الرغبات الاستعماريّة الحبيسة تتحسَّس طريقها نحو التجسد، فأرادت روسيا أخذ القسطنطينية والمضايق، وطالبت فرنسا بسوريا، وبدأت إنكلترا تحس بحاجتها إلى طريق برية إلى الشرق، وتودّ أيّ شيءٍ آخر ضروري يمكن أنْ يشل أثر المطامح الفرنسية والروسية، كما أنَّ حكومة الهند كانت تصوب أطماعها بقوة نحو العراق، فافتتح باب المفاوضات في أوائل العام 1915م وأُبرمت بين تلك الدول سلسلةً من المُعاهدات السرية
لاستقطاع أراضي الإمبراطوريّة العثمانيّة بعد الحرب، فيما كانت بريطانيا في الوقت نفسهِ تعقد عهودًا جديدة تُناقض عهودها التي أعطتها للعرب بوساطة السير (مكماهون) في سنة 1916م، وكانت أولى تلك المعاهدات هي اتفاقية سايكس بيكو (The Sykes ـ Picot Agreement)، وقد عقدت بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية في ربيع 1916م، فلم يكد السير مكماهون يُنجز صفقته مع الشريف حسين، حتَّى بدأت وزارة الخارجية البريطانيّة مباحثاتٍ في لندن مع الحكومة الفرنسية، هدفها الوصول إلى تدبيرٍ ما، بحيث يمكن التوفيق بين ما تدَّعيه فرنسا من حقٍّ في بلاد الشام وما تعهدت بهِ بريطانيا للعرب. ولأسبابٍ مختلفة آثرت وزارة الخارجية البريطانيّة أنْ تُخفي عن فرنسا شروط الاتفاق الذي عقدته مع الشريف حسين. وكان المندوب الفرنسي هو المسيو جورج بيكو (François Marie Denis Georges-Picot) (1870-1951م)، أمَّا زميله الإنكليزي فهو السير مارك سايكس (Sir Tatton Benvenuto Mark Sykes) (1879-1919م)، ورسم المندوبان مشروعًا لاحتياز تلك الأجزاء التي ترغب كلٌّ من بريطانيا وفرنسا أخذها من الإمبراطورية العثمانيّة، ثمَّ توجها بعد ذلك إلى بطرسبرغ لبحث مقترحاتهما مع الحكومة الروسيّة، وابتدأت المفاوضات في
آذار 1916م ونتج عنها تفاهم ثلاثي، تبلورت عنه مسودات التفاهم رسميًّا في نيسان وأيار من تلك السنة.
وفيما يخصّ دراستنا فقد احتفظت فرنسا لنفسها بالقسم الأعظم من سوريا، وبحصَّةٍ غير صغيرة من جنوب الأناضول ومنطقة الموصل، أمَّا حصَّة بريطانيا فكانت تتألَّف من شريطٍ يمتدّ من أقصى جنوب سوريا عِبرَ العراق ليشمل بغداد والبصرة وكلَّ المنطقة الواقعة بين الخليج العربي والمنطقة المُخصَّصة لفرنسا، وأيضًا مينائي حيفا وعكَّا في فلسطين مع قطعةٍ صغيرة من المنطقة الداخلية، وهناك مناطق أخرى تضم منطقةً من فلسطين لتكون تحت حكم دولي خاص. إلاَّ أنَّ انتصار الثورة البلشفيّة في روسيا نهاية العام 1917م، وقيام السلطة الجديدة فيها بنشر بعض الوثائق السريّة الموضوعة في محفوظات وزارة الخارجية القيصريّة، ومن بينها نصوص اتفاقية سنة 1916م، أدّى إلى فضح اتفاقية سايكس بيكو وانسحاب روسيا منها.
وفي كانون الأول 1918م حاول كليمنصو رئيس وزراء فرنسا أنْ يُقنع لويد
جورج رئيس وزراء بريطانيا الاعتراف باتفاقية سايكس بيكو من جديد، ولكن لويد جورج طالب بتعديل الاتفاقيّة فيما يخصّ ولاية الموصل وفلسطين، ومن ثمَّ وافق كليمنصو على نقل ولاية الموصل إلى منطقة النفوذ البريطاني على شروط، منها أنْ تنال فرنسا حصَّةً من نفط الموصل. بيد أنَّ الحلفاء اتفقوا في أثناء مؤتمر الصُّلح في باريس، على توزيع الانتدابات، وقد أعطيت بريطانيا الانتداب على العراق وفلسطين، وأعلنت هذهِ القرارات في 26/شباط/1920م، إذ كان المفروض أنَّ الانتداب قد وجد كحلٍّ وسط بين سياسة الاستعمار القديمة ووعود الحلفاء في أثناء الحرب، وذلك وفقًا للمادة الثانية والعشرين من ميثاق عُصبة الأمم.
لقد كانت الحرب العالمية الأولى نهاية قصَّة طال أمدها وتشعَّبت فصولها، وبداية مرحلة جديدة في تاريخ البلاد التي أصبحت تُعرف بالمملكة العراقية، ثمَّ استمرت العلاقات البريطانيّة العراقيّة تجري بوساطة أجهزةٍ وأساليب جديدةٍ وفي ظروفٍ تختلف جوهريًّا عن كلِّ ما سبق، غير أنَّ الإستراتيجيّة بقيت على حالها من حيث الباعث والهدف وغموض المصير، وفي ظلِّ آمالٍ ووعودٍ وشكوك غدا العراق تحت الانتداب البريطاني، وبقيام ثورة العشرين انقلبت كلَّ الخطط وعصفت بها الثورة إلى حيث لا رجعة، فقد انتهت وإلى الأبد مشاريع ربط العراق بالهند وتقسيمه، فكان تشكيل أوّل حكومةٍ عراقيّةٍ برئاسة عبد الرحمن
النقيب (25/ تشرين أول/ 1920م)، وتتويج فيصل ملكًا على العراق (23/ آب/ 1921م)، واستعاضت بريطانيا عن صكِّ الانتداب بمعاهدة تحالفٍ مع العراق (1922م).
وبرز في تلك المرحلة دور النفط في سياسة السيطرة البريطانيّة على العراق واستخدمه في دائرة مساوماتها السياسية معه، وهو دور لا يقلّ عن الاعتبارات الإستراتيجية التي كانت تشغل أذهان المسؤولين البريطانيين تجاه العراق، وكان خبراء النفط البريطانيّون قد درسوا إمكانيّات العراق النفطيّة منذ السنوات الأولى من القرن العشرين، وبعد الحرب أتمّ أولئك الخبراء وضع تقارير شاملة لأغلب مناطق النفط في العراق. وغَدَت قضية النفط وامتيازاته في الحِقب اللاحقة، أحد أبرز صور الوجود البريطاني في العراق ونفوذه واستغلاله.
لقد كان الجانب المادي الاقتصادي السبب الكبير والواضح من وجهة النظر الاستعماريّة في احتلال بريطانيا المناطق المختلفة من العالم، خاصّةً المنطقة العربيّة ومنها العراق، وفق إستراتيجيةٍ بُنيت على أساس الأسواق الجديدة والموادّ الأوليّة المعدنيّة منها، والزراعيّة إضافةً إلى أهميّة الموقع الإستراتيجي والدفاعي الذي يدخل ضمن الحفاظ على هذهِ المصالح.
إنَّ اهتمام بريطانيا بالعراق قد سبق تدخلها العسكري المباشر فيه، ولكن بعد الحرب وبعد نزول القوات البريطانيّة في ولاية البصرة في شهر تشرين الثاني 1914م، وجدت السلطات البريطانيّة، وخصوصًا وزارتي الخارجية والهند واللجنة الوزاريّة للشؤون الشرقية، أنَّه لا بدَّ من التفكير في مستقبل الولايات العثمانيّة الثلاث: البصرة، بغداد، الموصل. وقد ازدادت الحاجة لبلورة سياسةٍ مُحدَّدةٍ على هذا الصعيد مع التطوّر في المعارك الحربية وتوسيع القوات البريطانيّة في احتلال أراضي ما بين النهرين (Mesopotamia)، وقد كانت هناك أسباب مهمة أخرى لاهتمام بريطانيا بالعراق، ومنها:
أولًا: إنَّ موقع العراق الإستراتيجي بين الشرق والغرب، كان عاملًا جوهريًّا وأساسيًّا في توجيه انتباه البريطانيين وتحديد مسارات تغلغلهم ونفوذهم فيه، أنَّه قلب الشرق الأوسط، وخطورة موقعهِ هذا تُفسِّر جوانب من صراعهِ الطويل مع قوىً أجنبية عديدة.
ثانيًا: كان الموقف السياسي في العراق أثناء القرن الثامن عشر يساعد على تغلغل النفوذ البريطاني، فقد كان المماليك يحكمون العراق منذ العام 1704م، وكان هؤلاء رغم تبعيتهم الاسميّة للسلطان العثماني ينفردون بالحكم في العراق؛ ولذلك هم بحاجة إلى المساعدة وتأييد دولة كبرى ضدَّ أيَّة محاولةٍ من جانب
السلطة العثمانيّة لإرجاع نفوذها المباشر في العراق، وفي الوقت نفسهِ ضدَّ محاولات فارس في بسط نفوذها على العراق. وقد نَتَج عن ذلك تقارب بين ولاية بغداد والسلطات البريطانيّة في بومباي، فقد وافق ولاة بغداد على تطبيق قاعدة الامتيازات التي كانت تمنحها الدولة العثمانيّة للأوروبيين، كما أنَّ بغداد كانت في أشدِّ الحاجة إلى مساعدة بريطانيا لمواجهة الخطر الوهابي الذي ظهر في نجد، جنوب العراق.
ثالثًا: الصراع الدولي: شَهِدت منطقة الخليج العربي منذ بداية القرن السابع عشر صراعاتٍ دامية بين الدول المتنافسة، فكان الصراع البريطاني البرتغالي ثمَّ الصِّدام البريطاني الهولندي، وانتهت الأمور أخيرًا لصالح السيادة البريطانيّة في الخليج، ففي أواخر القرن الثامن عشر أصبحت لبريطانيا العظمى الأرجحيّة تجاريًّا وسياسيًّا.
رابعًا: العامل الاقتصادي: كان العراق مصدرًا مهمًا للموارد الاقتصاديّة والمواد الأولية التي تغذي الصناعة البريطانيّة، كما يُعد سوقًا مهمًا لصناعتها وبضاعتها التي تحتاج إلى أسواق لتصريفها.
خامسًا: الحرب العالميّة الأولى: هناك عوامل عدَّة ربطت دخول بريطانيا الحرب العالميّة الأولى، بالعراق. ومن أبرز تلك العوامل ما يأتي:
1. إنَّ العراق جزءٌ من الدولة العثمانيّة التي انضمت إلى جانب ألمانيا والنمسا ضدَّ دول الوفاق (بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية)، فمن الطبيعي أنْ تُهاجم بريطانيا (العراق) بوصفهِ من أملاك الدولة العثمانيّة، فضلًا عن ميراث الموقع والثروات والخصائص الأخرى التي يمتلكها.
2. النفط: حصلت بريطانيا في سنة 1901م من مظفَّر الدين شاه على امتياز التنقيب عن النفط واستخراجهِ في منطقة جنوب إيران لمدَّة ستين سنة، فتشكَّلت
شركة النفط الإنكليزية الفارسيّة، لتتولَّى القيام باستثمار ينابيع النفط في الأراضي الإيرانية، ولمَّا نشبت الحرب العالمية الأولى، تبيَّن للجميع بأنْ لا سبيل إلى النصر إلّا بتأمين إمدادات النفط، إذ أصبح النفط المحرك الرئيس لماكنة الحرب.
سادسًا: كان من الواضح قبل الحرب العالمية الأولى أنَّ العراق قد أصبح من مناطق النفوذ البريطانيّة المهمة، فتعمَّقت مصالح بريطانيا في هذا الجزء من الدولة العثمانيّة وتشعَّبت، وكان منها وضع العراق الزراعي وأهميته كمجالٍ حيوي لاستيطان عددٍ كبيرٍ من السكَّان الذين يفيضون عن قابلية الهند، وأيضًا أطماع بريطانيا الإقليميّة في العراق ورغبتها في احتلال القسم الجنوبي منه على وجه الخصوص وربطهِ بالهند.
(97)
1.إبراهيم، عبد الفتاح، على طريق الهند، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 2004م.
2.آلان بالمر، موسوعة التاريخ الحديث (1789-1945م)، بغداد، دار المأمون للطباعة والترجمة والنشر، 1992م.
3.أنطونيوس، جورج، يقظة العرب تاريخ حركة العرب القومية، ترجمة: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط6، بيروت، دار العلم للملايين، 1980م.
4.أنيس، محمد والسيد رجب حراز، الشرق العربي في التاريخ الحديث والمعاصر، القاهرة، دار النهضة العربية، د.ت.
5.آيرلاند، فيليب، العراق دراسة في تطورهِ السياسي، ترجمة: جعفر الخياط، بيروت، دار الكشَّاف للطباعة، 1949م.
6.بحري، لؤي، سكَّة حديد بغداد، شركة الطبع والنشر الأهلية، 1967م.
7.البراوي، راشد، البترول في الشرق الأوسط، القاهرة، مطبعة دار العرب، 1955م.
8.براي، ن، مغامرات لجمن في العراق والجزيرة العربية، ترجمة وتعليق: سليم طه التكريتي، بغداد، دار واسط للدراسات والنشر والتوزيع، 1990م.
9.البزاز، عبد الرحمن، العراق من الاحتلال حتَّى الاستقلال، ط3، بغداد، مطبعة العاني، 1967م.
10.بولارد، ريد، بريطانيا والشرق الأوسط، ترجمة: حسن أحمد السلمان، بغداد، مطبعة الرابطة، 1956م.
11.التكريتي، عبد المجيد كامل عبد اللطيف، فيصل الأول. ودوره في تأسيس الدولة العراقية الحديثة 1921-1933م)، بغداد، 1991م.
12.التكريتي، هاشم صالح، المسألة الشرقية المرحلة الأولى (1774-1856م)، بغداد، بيت الحكمة، 1990م.
13.جار شلي، إسماعيل حقي أوزون، أمراء مكَّة المكرمة في العهد العثماني، ترجمة: خليل علي مراد، البصرة، مطبعة جامعة البصرة، 1985م.
14.حافظ، طالب حسين، النفط والسياسة في العراق، بغداد، دار الكتب العلمية، 2017م.
15.حسين، علي ناصر، تاريخ السكك الحديدية في العراق (1914-1945م)، بغداد، 1986م.
16.حسين، فاضل وآخرون، التاريخ الأوربي الحديث (1815-1839م)، بغداد، 1982م.
17.حميدي، جعفر عباس، تاريخ العراق المعاصر (1914-1968م)، بغداد، دارعدنان للطباعة والنشر، 2015م.
18.سليمان، علي حيدر، تاريخ الحضارة الأوربية الحديثة، بغداد، دارواسط للدراسات والنشر والتوزيع، 1990م.
19.شبارو، عصام محمد، المقاومة الشعبية المصرية للاحتلال الفرنسي والغزو البريطاني، بيروت، دار التضامن للطباعة والنشر والتوزيع، 1992م.
20.صالح، زكي، بريطانيا والعراق حتَّى عام 1914م، بغداد، مطبعة العاني، 1968م.
21.الصلابي، محمد علي، الدولة العثمانيّة عوامل النهوض وأسباب السقوط، القاهرة، 1979م.
22.عائشة عثمان أوغلي، السلطان عبد الحميد، ترجمة: صالح سعداوي صالح، عمَّان، 1991م.
23.العطية، غسان، العراق نشأة الدولة (1908-1921م)، ترجمة: عبد الوهاب الأمين، لندن، دار اللام، 1988م.
24.علي، أورخان محمد، السلطان عبد الحميد الثاني وأحداث عصرهِ، بغداد، مطبعة الخلود، 1987م.
25.غازي، علي عفيفي علي، الصراع الأجنبي على العراق والجزيرة العربية في القرن التاسع عشر، بيروت، دار الرافدين، 2015م.
26.غربال، محمد شفيق، الموسوعة العربية الميسرة، بيروت، دار الفكر، 1974م.
27.فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، ترجمة: سليم طه التكريتي، بغداد، المكتبة العالمية، 1989م.
28.كحالة، عمر رضا، معجم المؤلِّفين، بيروت، دار إحياء التراث العربي، 1967م.
29.الكيالي، عبد الوهاب وكامل زهيري، الموسوعة السياسية، بيروت، المؤسَّسة العربية للدراسات والنشر، 1974م.
30.لونكريك، ستيفنسن هيمسلي، أربعة قرون من تاريخ العراق الحديث، ترجمة: جعفر الخياط، ط6، بغداد، مكتبة اليقظة العربية، 1985م.
31.المالكي، لازم لفته ذياب، إيران في عهد مظفَّر الدين شاه (1896-1907م)، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، 1979م.
32.مجموعة من الأساتذة العراقيين، العراق في التاريخ، بغداد، مطبعة الثورة، 1983م.
33.محمد أمين، عبد الأمير، التنافس بين الشركات التجارية الإنكليزية في منطقة الخليج العربي والأقطار المجاورة خلال القرنين السابع عشر والثامن عشر، مجلَّة كلية الآداب، بغداد، ع48، 1963م.
34.محمد فريد بك، تاريخ الدولة العلية العثمانيّة، تحقيق: إحسان حقي، القاهرة، دار النفائس، 2006م.
35.مصطفى، أحمد عبد الرحيم، في أصول التاريخ العثماني، بيروت، 1983م.
36.ميكائيل بروكس، النفط والسياسة الخارجية، ترجمة: غضبان السعد، بغداد، 1951م.
37.نظمي، وميض جمال عمر، الجذور السياسية والفكرية والاجتماعية للحركة القومية العربية (الاستقلالية) في العراق، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1984م.
38.نعمة، كاظم، الملك فيصل الأول، (بيروت، الدار العربية للموسوعات، 1988م).
39.نوار، عبد العزيز سلمان، المصالح البريطانيّة في أنهار العراق، القاهرة، مكتبة الإنجلو المصرية، 1968م.
40.نورس، علاء موسى كاظم، العراق في العهد العثماني.. دراسة في العلاقات السياسية (1700-1800م)، بغداد، دار الرشيد للنشر، 1979م.
41.هـ. أ. ل. فِشر، تاريخ أوربا في العصر الحديث (1789-1950م)، تعريب: أحمد نجيب هاشم وديع الضبع، ط8، القاهرة، 1984م.
42.ويلسون، آرنولد تي.، بلاد مابين النهرين بين ولائين، ترجمة: فؤاد جميل، ط2، بغداد، دار الشؤون الثقافية العامة، 1991م.
43اليافي، نعيم وخليل موسى، نضال العرب والأرمن ضدَّ الاستعمار العثماني، اللاذقية، دار الحوار، 1995م.
44.Bennett, Thomas Jewell, «the past and Present Connection of England with the PERSIAN Gulf», Journal of the Society of Arts, London: June, 13, 1902.
45.E. M. Earle, Turkey The Greet Power and The Baghdad Railway, A study in Imperialism, New York: 1966.
46.Encyclopedia Americana, New York: 1968, Vol.28.
47.Encyclopedia Britannica, Vol.15.
48.Graves, The life of sir Persy Cox, London: 1941.
49.Graves, The Life of sir Persy Cox, London: 1941.
50.Gurson. G. N., Persia and the Persian, London: question, 1892, Vol.2
51.J. Hurewit, Diplomacy in the Near and Middle East, London: 1958, Vol.I. Pp.
52.Mohammed A. Tarbush, The Role of the military in politics,.. a case study of Iraq to 1941, Isted, London: 1983.
53.Paul Kennedy Randon, The Rise and Fall of the Great Powers, U.S.A: 1987.
54.S. H. Longrrigg, Oil in the Middle East, London: Groom Hel, Mltd., 1968.
55.Sir A. T. Wilson, Loyalties, Mesopotamia (1914- 1917), London: 1930.
56.Stephan H. Longrigg, Iraq 1900 to 1950: Apolitical, Social and Economic History, London: Oxford University Press, 1953.
57.The New Britannic Encyclopedia, London: 1973, vol.3.
58.The New Encyclopedia Britannic، vol.3, London: 1973.
59.The New Encyclopedia Britannica, New York: Vol.VI.
60.The New Encyclopedia Britannica, op. ct., Vol,V1.
61.Zaki saleh, Mesopotamia (Iraq) (1900- 1914), Baghdad: 1957.
(101)
د. حسن موات حسين
شكّلت السياسة الإداريّة والاقتصاديّة للاحتلال البريطاني للعراق (1914 - 1918) مرحلةً مفصليّةً في تاريخ البلاد، إذ لم تقتصر على الجانب العسكري والسياسي، بل امتدت لتغور بعمق في بنية الاقتصاد العراقي وأنماط الإدارة المدنيّة، فمع تمكّن القوات البريطانية من دخول البصرة، ثم امتداد نفوذها لمناطق العراق المختلفة فرضت سلطة الاحتلال البريطاني نظامًا ماليًّا واقتصاديًّا يعكس مصالحها الاستعمارية، متجاهلةً في كثيرٍ من الأحيان متطلبات العراقيين واحتياجاتهم الأساسية.
الكلمات المفتاحية: الاستعمار البريطاني، الإدارة الاقتصاديّة، الضرائب، الصحة، تفويض الأرض، العمل (السخرة).
تعدّ السياسة المالية من أهمّ أركان الإدارة المدنيّة التي أسّستها سلطات الاحتلال البريطاني في العراق، وبسبب ضرورة توفير ما تحتاج إليه قوات الاحتلال لسدّ نفقاتها الحربية الضخمة، وتأمين مصاريف الدائرة السياسية ورواتب موظفيها، أنشأت دائرة الواردات؛ حتى تستفيد منها لتتمكّن من السيطرة على اقتصاد البلاد وخيراته الوفيرة وتنظيم عملية استغلالها.
لذلك عُهد بإدارتها وتنظيمها في كانون الثاني 1915 إلى هنري دوبس (HenryDobbs)، ومواطنه ريد بولاد (ReidBulad) مساعدًا، إضافة إلى ثلاثة موظفين هنود، كما أبقى هنري دوبس (HenryDobbs) على شركة (مكنزي) لتولّيها جباية واردات الجمارك البحرية. وبعد توسّع السيطرة البريطانية على الأراضي العراقية، أُضيفت مهامٌ أخرى إلى هنري دوبس (Henry Dobbs)، شملت إدارة شؤون الأوقاف والطابو والأراضي الأميرية، والدين العثماني، فضلًا عن المؤسسات التربويّة والدوائر البلديّة.
واجه هنري دوبس (HenryDobbs) في تنظيم الإدارة الماليّة صعوباتٍ عدة،
تمثّلت بضيق الوقت اللازم، وجمع الواردات وإدارتها بموجب الأصول العثمانية من دون سوء تصرف، فضلًا عن تداخل القضايا بعضها ببعض، كقضايا التزام الأرض، وجباية الواردات، وإدارة الأوقاف التي كانت تعاني التعقيد والغرابة، فكان يجب دراستها وحلها، إضافةً إلى مسؤوليات أعمال أخرى كأعمال الجمارك، والسيطرة على الشركات التجارية المعادية للاحتلال البريطاني، والديون العمومية وأعمال المصارف، يُضاف إليها مشكلةٌ رئيسةٌ تتمثّل بالسجلات الرسميّة التي كانت تستخدمها إدارة الاحتلال العثماني؛ إذ كانت تكتب بطريقةٍ قديمة الطراز، إنْ وجدت غير تالفة، إذ أغلب هذه السجلات أتلفت قبل الانسحاب العثماني من مدينة البصرة.
لذا التجأ هنري دوبس(HenryDobbs) إلى تعيين بعض العراقيين الذين كانوا يمثّلون صغار الموظفين في الإدارة العثمانية، وحاول الاستفادة منهم، خاصة في قراءة السجلات العثمانية وتحويلها إلى اللغة العربية، وكان من حسن حظّ سلطات الاحتلال أنّها عثرت على عددٍ من سجلات إدارة الاحتلال العثماني، لا سيّما التي تخصّ الطابو التي كان لها أهميةٌ كبيرةٌ في معرفة الملّاكين .
ولعدم إمكانيّة إيجاد نظامٍ للواردات على غرار النظام المالي البريطاني بصورةٍ عاجلة ـــ إذ إنّه يتطلّب ذلك موظّفي واردات أكفاء، وحلّ مشكلة الزراعة الأساسيّة بتحديد حقوق الفلاحين والملتزمين والملاكين ـــ عكف هنري دوبس
(HenryDobbs ) على دراسةٍ معمّقةٍ لنظام الواردات العثماني في مناطق البصرة كافة، فوجده نظامًا (معقولًا ومتسامحًا) ولا يوجد ما يحول من دون استخدامه مجددًا من قبل البريطانيين؛ لأنّ العلّة على حد وصفه ليست في النظام، وإنّما في موظفي الإدارة الذين يتّصفون بالتراخي واللامبالاة؛ لذلك أقرّ استمرار العمل في نظام واردات سلطات الاحتلال العثماني.
بدأت دائرة الواردات عملها بالجمارك، بعد أنْ أَوْكَلَت عملها لضابط محصلة الجمارك الهندية (واتكنس)، ولم تفرض الضرائب على الأراضي الزراعية التي تُعدّ الأهمّ والأضخم في الواردات؛ لكيلا تصطدم بالعشائر الرافضة للضرائب على أراضيها الزراعية، خاصة أنّ هذه العشائر خاضت عدة معارك مع الاحتلال العثماني من أجل هذا السبب، وإلى هذا المعنى يشير الميجر دكسون بقولهِ: «إنّ واقع عدم دفع أيّ وارداتٍ عن الرز أو التمور أو الحنطة للأتراك لسنواتٍ كثيرة، قد كان له أثره لا سيّما بين الجيل الفتي من أفراد العشائر الذين أصبحوا بالنتيجة متعجرفين، مغرورين، متغطرسين، وأنّ حججهم منطقية وتجري على النحو التالي، إنّ عبارة (لا حكومة) تعني إنّنا نحتفظ بحاصلاتٍ أو نقودٍ يمكن أنْ تُؤخذ منّا في غير هذه الحالة على شكل واردات، وإنّنا نحتفظ بأرض أخرجنا منها مالكيها (الشرعيين)؛ ولذلك لسنا مضطرّين إلى دفع الملّاكية لأحد، وأصبحنا
نملك الأرز وأراضي جيدةً مقابل لا شيء، وإّننا أحياء ومستعدّون للدفاع عن أنفسنا بقوة سواعدنا...».
فضلًا عن الأضرار الكبيرة التي حلّت بالأراضي الزراعيّة، نتيجة العمليّات العسكريّة، وترك الفلّاحين لأراضيهم، وإجبارهم على العمل في معسكرات الاحتلال أو الاشتراك في القتال، الأمر الذي أدّى إلى انخفاض إنتاج الأراضي الزراعّية بشكلٍ كبير، مع حاجة سلطات الاحتلال الماسّة إلى الناتج الزراعي من أجل توفير الحبوب لقواتها وكونها موردًا اقتصاديًّا مهمًا .
بدأت سلطات الاحتلال البريطاني بفرض الضرائب بالتدرّج وبطرقٍ مختلفةٍ على السكّان، واشترطت على الضبّاط السياسيين أنْ يكونوا مرنين في جمع الضرائب حتى يكسبوا ودّ العشائر ولا تعارضهم. وكانت طرق جمع الضرائب تختلف من منطقةٍ إلى أخرى، ففي منطقة العمارة أقطعت الواردات بالالتزام للشيوخ الكبار، بشرط أنْ يكونوا موالين لسلطة الاحتلال، كما اقتُرحت تخفيضات بلغت نصف المبالغ المقرّرة في عهد الاحتلال العثماني، وأُلغيت في الوقت نفسه الديون المتراكمة للدولة التي كانت بذمّة الشيوخ الملتزمين عن السنوات السابقة.
أمّا في المنتفق، فقد بدأت سلطات الاحتلال البريطاني بفرض الضرائب
بالتدرّج، حتى لا يعارض أبناء العشائر تلك الإجراءات، فقد فُرضت أول الأمر ضرائب رمزية على النخيل، من دون أنْ تُفرض على الأراضي الزراعية؛ ممّا ضمن عدم معارضة الأهالي لتلك الإجراءات، وفي نيسان 1918 تمت جباية الضرائب على المحاصيل الشتوية لأوّل مرة، وقد أنيطت جباية الضرائب بشيوخ العشائر الذين تم تعيينهم لإدراة لمناطقهم.
وبعد أنْ سيطرت القوات البريطانية على العراق ازدادت الضرائب وتنوّعت أشكالها، منها ضريبة الأراضي الزراعيّة، وضريبة صيد الأسماك والطيور، وضريبة الزواج، وضريبة الملح، وضرائب الحاجات الاستهلاكية، وغيرها من الضرائب التي بلغ عددها العشرة تقريبًا. فضلًا عن ضريبة الدفن التي تأخذ على كلّ من يُدفن في مقبرة وادي السلام في النجف أو في مرقد الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام ، وعلى أنْ لا يقلّ عمر المتوفّي ثلاث سنوات؛ إذ وصل إيرادها عام 1918 إلى (48،000) روبية، إضافة إلى ضريبة (الكرنتينية) الحَجْر الصحي التي وصل مردودها عام 1918 إلى (53،000) روبية.
كما تفنّنت سلطات الاحتلال بتنوّع الضرائب؛ إذ فرضت التبرعات التي كانت شبه إجبارية، وكانت تجمع بأسماء مختلفة؛ منها تبرعات للصليب الأحمر، إذ وُجهت الدعوات لرؤساء العشائر لهذا الغرض، وعدّت السلطات البريطانية
امتثالهم لهذا الأمر دليلًا على إخلاصهم لسلطات الاحتلال البريطاني.
وإلى جانب عددٍ كبيرٍ من الضرائب، تميّزت سلطات الاحتلال البريطاني بالدقة في جمع الضرائب من سابقتها سلطات الاحتلال العثماني، إذ نجحت باستخدام العراقيين في دائرة الواردات؛ لمعرفتهم بالعشائر وحدود مقاطعاتها، ونوعية المحاصيل الزراعية في كلّ منطقة، ولعملهم السابق في الإدارة العثمانية، كما تمّ تنفيذ جمع الضرائب بصفةٍ رئيسةٍ عن طريق تعهّد الشيوخ إما بالالتزام وإمّا بالتخمين؛ ولهذه الإجراءات الدقيقة وزيادة عدد الضرائب، تمكّنت سلطات الاحتلال البريطاني من جباية ضرائب وصلت وارداتها لسنة 1918 إلى (1،301،784) روبية، وهذا فاق ما جمعته سلطات الاحتلال العثماني عام 1911؛ إذ وصل إلى ( 690،000) روبية.
ويرى الباحث أنّ زيادة الواردات لسلطات الاحتلال لم تأتِ من تحسين الخدمات أو تطوير الزراعة للمناطق العراقية، وخاصّة المناطق العشائريّة التي تحمّلت الجزء الأكبر من هذه الضرائب، وإنّما أتى من خلال دقة التنظيم، وصلابة الإجراءات المتّخذة بحقّ المخالفين، كما سهّل لهم الأمر كثيرًا تعاون بعض شيوخ العشائر الموالية لهم، والذين كُلّفوا بجمع هذه الضرائب مقابل امتيازاتٍ كبيرة، وقد كانت الأداة الفاعلة لهؤلاء الشيوخ هو قوات الشبانة العشائريّة، التي نجحت إلى حدٍّ ما في تسهيل مهمّة شيوخ العشائر.
ويبدو أنّ السياسة المالية التي اتّبعتها سلطات الاحتلال البريطاني قد نجحت
إلى حدٍّ كبيرٍ في تقليل العبء المالي على الإدارة المدنية لسلطات الاحتلال، وذلك بتوفيرها الأموال اللازمة لإدارة البلاد، لكنّها في الوقت نفسه انعكست سلبًا على أبناء العراق بصورة عامة وعلى أبناء العشائر بصورة خاصّة؛ إذ كانت الحاصلات الزراعية من الأراضي العشائرية هي الهدف الرئيس في الابتداء، ولكن سرعان ما صار تحصيل الإيرادات هو الاعتبار الأول الذي يعدّ معيارًا لخضوع العشائر للنظام الجديد، كما شجّعت ونمّت نظام الإقطاع من خلال تسليم الأراضي لشيوخ العشائر وتفويضهم جباية الضرائب.
وفي النهاية كان موقف أبناء العشائر، متّسمًا باِلرفض لسياسة الضرائب التي فرضتها عليهم جورًا سلطات الاحتلال البريطاني، إلّا أنّ أسلوب الشدّة والتنكيل، وكسب جانب الشيوخ الكبار عن طريق الأغراء أو التهديد، مكّن المحتلّين من تنفيذ سياستهم المالية، التي كان لها دور فعال في إثارة سخط الشعب العراقي وقيام ثورة العشرين الكبرى ضدّ الاحتلال البريطاني.
من أهمّ مقومات المواطنة والحياة الرغيدة، أنْ يمتلك المواطن أرضًا يعيش عليها أو يقتات منها؛ ليشعر بالأمان في البلد الذي يعيش عليه، ويشعر بأنّه جزءٌ منه، بيد أنّ أغلب العراقيين، ومنهم أهل الجنوب كانوا مسلوبي هذا الحقّ الشرعي؛ إذ كانت سلطات الاحتلال العثمانية قد صادرت أراضي العراق ووضعتها تحت تصرّفها على أنّها المالك الشرعي لها، وغدا أهل العراق أبناء الوطن يعيشون في أرضٍ مستأجرةٍ من أناسٍ لا يملكونها وهم المحتلّون العثمانيون.
وعلى الرغم من محاولة الوالي العثماني مدحت باشا (1869 - 1872) تمليك الأرض لأهلها ومستحقيها، التي كانت في الواقع محاولة لتطبيق قانون الأراضي العثماني لعام 1858 على العراق، من أجل الحدّ من سلطة زعماء العشائر الذين كانوا شبه مستقلّين، إلّا أنّها لم تأتِ بالنتائج المطلوبة، فضلًا عن أنّ العثمانيين حاولوا الاستفادة من مبدأ الملكية الحكومية للأرض لغرض تعيين الشيوخ الموالين كمستأجرين، ومن جهة أخرى عملوا على حجب هذا الامتياز عن أيّ عشيرةٍ أو شيخٍ معارضٍ لسلطتهم.
وعندما حلّ الاحتلال البريطاني في العراق، كانت مشكلة الأراضي الزراعية قائمة؛ لذا اتّبع المحتلّون الجدد سياسة سلفهم العثمانيين باستغلال هذا الأسلوب مع عشائر العراق، وخاصة الجنوب؛ إذ استخدمت هذه السياسة بوصفها سلاحًا قويًا تجاه العشائر، وذلك من أجل التحكّم بهم وإجبارهم على الخضوع لسلطاتها؛ إذ عملت إدارة الاحتلال على إعطاء الأراضي للموالين لها، وتساهلت بإعفاء الشيوخ الملتزمين من الضرائب وإلغاء ما تبقّى عليهم من ديون، ومنع شيوخ العشائر المعادية لسلطات الاحتلال، بل سلبهم حقهم الشرعي في العيش على الأرض التي وُجدوا عليها وإخراجهم منها بالقوة.
اختلفت سياسة الاحتلال البريطاني من منطقةٍ إلى أخرى، وذلك وفقًا لمحدّداتٍ فرضتها عائدية الأرض، ففي مقاطعة العمارة، حيث أغلب أراضيها عائدة إلى الدولة، قد رفع هنري دوبس (Henry Dobbs) بعد شهر من احتلالها
ودراسته لأوضاعها تقريرًا جاء فيه: «إنّ غالبية الأراضي والمياه من الناحية التقنية تحت تصرف الحكومة. وسنواجه مشكلة فيما لو أنهيت العقود في وقت أبكر؛ لأنّ نظام التلزيم الثانوي الواسع، والمعقّد سوف يفسد».
وفي هذا التقرير إشارةٌ واضحةٌ إلى ضرورة استمرار النظام العثماني السابق في توزيع الأراضي على العشائر بطريقة الالتزام، وهنا استغلّ المحتلّون عامل الأرض في الضغط على العشائر، إذ اُشترط في منح الالتزام لشيوخ العشائر ولاؤهم لسلطات الاحتلال، وعدم معارضة مصالحهم في البلاد، وذلك كما حصل مع الشيخ زبون الياسر، أحد شيوخ البو محمد، الذي كان يزرع إحدى المقاطعات في قضاء قلعة صالح في لواء العمارة، وبسبب موقفه المعادي للاحتلال طرد منها في عام 1916، كما حرموا شيخ عشيرة البو درّاج محمد الحطاب عام 1915 من مقاطعته، بسبب رفض الشيخ محمد الحطّاب لوجود قوات الاحتلال البريطاني، كما انتزعوا مقاطعة الشيخ غضبان البنية الذي كان رافضًا للاحتلال لبريطاني ، وللسبب نفسه اُنتزعت مقاطعتا شيخي السودان فنجان السعد ومحمد السعد وتم منحهما إلى غيرهما.
ويمكن أنْ نبيّن أنّ حرمان الشيخ من التزام مقاطعته لا يعني حرمانه وحده فقط، وإنّما يعني حرمان عشيرته من التواجد على هذه الأرض المحدّدة، وفي
بعض الأحيان تهجيرهم منها، لكي تسكن فيها عشيرة الملتزم الجديد؛ وبذلك تكون مئات العوائل مهدّدةً بالمجاعة، إذ كانت الزراعة مصدر عيشهم الرئيس، فضلًا عن فقدانهم لأرضهم التي عاشوا وترعرعوا على ظهرها، وبهذا الأسلوب كانت هذه السياسة تمثّل العصا الغليظة لسلطات الاحتلال للتنكيل بالعشائر التي تهدّد وجود قوات الاحتلال البريطاني.
أمّا في لواء المنتفق، فقد كانت الأوضاع مغايرةً لما هو موجود في العمارة، حيث إنّ عائدية الأراضي في المنتفق لم تكن للدولة جميعها، بل أغلب أراضيه استحوذ عليها آل سعدون بسندات الطابو من الدولة العثمانية مقابل مبالغ زهيده، وهذا خلق مشاكل كثيرة، منها كثرة المدّعين لملكية الأرض، وعدم وضوح رسوم السندات المقدمة كإثبات لملكية الأرض، فضلًا عن صعوبة تمييز الحدود المرسومة على السندات والحدود الفعلية، إضافة إلى عدم اعتراف العشائر بملكيّة ال سعدون.
لذا كانت هذه المشكلة مقلقةً لسلطات الاحتلال البريطاني، خوفًا من إثارة الاضطرابات في المنتفق، ممّا جعلها في مأزقٍ حرج، فهي لا تريد إغضاب آل سعدون لأسبابٍ عسكريّةٍ وسياسيّة، وفي الوقت نفسه لا تستطيع تأييد حقوقهم القانونية بقوة السلاح ضدّ مستأجري أراضيهم من أبناء العشائر للأسباب نفسها، بل عملت على استمالتهم إلى جانبها؛ فضلًا عن توجيهات القيادة الحربية بعدم التورّط في أيّ قضيّةٍ تثير المتاعب وتؤثّر سلبًا على الهدف الرئيس للقوات
البريطانيّة، وهو دحر الجيش العثماني.
وعلى هذا الأساس، اتّبعت سلطات الاحتلال إجراءاتٍ توفيقيّةً بين الطرفين المتنازعين بصورةٍ مؤقتة، إذ حظر على المحاكم النظر في أيّ قضيّةٍ تتعلّق بتقرير ملكيّة الأرض الزراعية، وتعيين مخصّصات مالية لبعض ملّاكي الأراضي بدلًا من واردات أراضيهم انتظارًا للتسوية النهائيّة، وتحصيل الرسوم من المستأجرين على أساس مساحة الأرض المثبتة في السند، وليس على المساحة الواقعة ضمن الحدود فعلًا، ويبدو أنّ هذه الإجراءات نجحت في تهدئة الخواطر، ولم تقم معظم العشائر باضطراباتٍ على سلطات الاحتلال بسبب الأراضي الزراعية.
وعلى الرغم من نجاح هذه الإجراءات الوقتية، إلّا أنّها لم تضع حدًّا نهائيًّا للمشكلة؛ لذلك أصدرت سلطات الاحتلال البريطاني بيانَ (الأراضي الأميريّة المتنازع عليها)، وذلك في 18 كانون الأول 1918، وقد جاء فيه :
كلّ شخصٍ يملك مستمسكًا يخوّله التصرّف بأرضٍ وصادرًا من الحكومة العثمانية، يعدّ مستأجرًا لأراضي الطابو.
مستأجرو الطابو أو من يدعي حقّ التملّك على أرضٍ معينةٍ من الذين شملهم هذا البيان، فعليهم أنْ يقّدموا طلبًا للحاكم السياسي لوقف الإجراءات الخاصة التي تجري في مناطقهم، وذلك بعد أن تُسمع هذه الادّعاءات من قبل
الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، ويُرفض أيّ ادّعاءٍ يُحدث خلافاتٍ تؤدّي إلى تهديد الأمن العام أو سلامة جيش الاحتلال وراحته.
منح الحاكم السياسي أو من ينوب عنه، أنْ يحدّد صاحب الحقّ في الأرض، بعد أنْ يحدّد الإيجار والشروط، وإنْ لم يجد للأرض أصحابًا، فله الحقّ في أنْ يؤجّرها إلى الشخص المناسب، كما يحقّ له تقدير حصّة الحاصلات التي تُعطى للفلّاح والمستأجرين في أراضي الطابو، وله الحقّ أيضًا في تحديد الضرائب التي تستحقها سلطات الاحتلال.
لذلك استغلّ المحتلّون هذا المشكلة في تفويض الأرض وتحديد عائديتها وقدر الأموال التي تُفرض عليها؛ إذ حرموا الشيوخ المعارضين لسلطات الاحتلال من حقّهم ومنحوها للذين أظهروا الولاء لسلطات الاحتلال، وبموجب هذه السياسة انتقلت مساحاتٌ شاسعةٌ من الأراضي الزراعيّة إلى أيدي الشيوخ الموالين لهم.
بدخول القوات البريطانية المحتلة للعراق، كان الاحتلال بأمسّ الحاجة إلى عملٍ مدني يسند العمل العسكري؛ إذ برزت الحاجة إلى الأيادي العاملة من السكان المحلّيين من أجل تنفيذ فتح الطرق البرية والنهرية لغرض نقل معداتها العسكريّة، وتزويد جيشها بالموادّ الغذائية والحربية؛ لذلك أنشأت
دائرة الأشغال ضمن الدائرة المدنيّة التي أسّست في البصرة، وتولّى إدارتها القائد هاملتون (Hamilton)، وانحصرت مهامها بالإشراف على إدارة ميناء البصرة، والري، ووسائل النقل النهري والبري.
ولمّا كانت تحتاج إلى كلّ جندي في ساحات القتال، فضلًا عن قلّة قواتها بالنسبة لجبهات القتال الواسعة، اعتمدت سلطات الاحتلال على العمّال المحلّيين رغم ما في ذلك من خطورة، قد تهدّد جيش الاحتلال. ولتسهيل المهمّة التجأت إلى تطبيق السياسة التي كانت تتبعها سلطات الاحتلال العثماني عند حاجتها لقوى العمل، المتمثّلة بالطلب إلى شيوخ العشائر بتجهيز العمّال اللازمين من أبناء العشائر عند الحاجة، وفعلًا نجحت هذه السياسة، فقد لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى أعمال السخرة بعد احتلالها البصرة بسبب حاجتها الشديدة للعمال من أجل شقّ الطرق وتعبيدها، وبناء الجسور، وإنشاء المعسكرات، فحشرت عشرات الألوف من الفلّاحين لهذا الغرض، كما حقّق الشيوخ المتعاونون مع جيش الاحتلال جميع طلباتهم بخصوص توفير الأعداد اللازمة من العمال في مشاريع الاحتلال؛ إذ جهّز بعض شيوخ القرنة من سكّان مناطقهم ما يقارب من 2000 -3000 عاملٍ من أبناء العشائر، للعمل في السكك الحديدية على نهر دجلة خلال عام 1917.
أمّا العمارة فلم يختلف وضع الفلّاحين فيها عن أبناء العشائر؛ إذ دفع بعض
شيوخ العشائر، مئات الفلاحين للعمل في المشاريع المختلفة، إذ تولّت دائرة الأشغال التي تأسّست في العمارة بعد احتلالها، مهمّة الإشراف على هؤلاء الفلاحين (العمال) من خلال عملهم في إنشاء الطرق بين قلعة صالح والعمارة وعلي الغربي، وتشديد القناطر على القنوات والأنهر.
كما أسّست دائرة الأشغال في المنتفق؛ إذ قدّم لها بعض شيوخ سوق الشيوخ 4000 عاملٍ من أبناء العشائر، للعمل في كري بحيرة الحمّار، وبناء السدود لدرء خطر الفيضانات، كما كان يحصل المحتلّون على العمّال من الناصرية.
ومن الجدير ذكره أنّ سلطات الاحتلال استخدمت طرقًا عديدةً من أجل جلب أبناء العشائر للعمل في مشاريعهم المختلفة، منها الاستعانة بشيوخ العشائر المتعاونين معهم، أو من خلال المقاولين، أو استخدام القوة لإجبارهم على ترك مزارعهم تحت تهديد السلاح، أو دفع الأجور التي كانت تتراوح بين 11 - 13 آنة يوميًا للرجال، وحوالي 8 آنات للنساء والأطفال، كما لجأت سلطات الاحتلال إلى استغلال الأعراف والتقاليد القبلية بنحوٍ مخطّطٍ له ولمصلحتها لنخوة أبناء العشائر للحصول على العمل المجاني، إضافة إلى أنّ بعض الشيوخ
سخّروا الفلّاحين للقيام بأعمال الحفر وبناء السدود مجانًا، لقاء حصول الشيخ على تخفيضٍ في حصّة السلطات الحكوميّة على الواردات.
وقد بلغ عدد الذين اُستُخدموا في أعمال السخرة حوالي 90،000 فلاح، فقد كانوا يستخدمون في أعمال أغلبها أعمال شاقّة مثل شقّ الطرق وكري الأنهار. وقد كانت أوضاعهم مزرية؛ إذ يعيشون ظروفًا صحيّةً صعبة، وغالبًا ما تنتشر بينهم الأمراض التي تقتل العديد منهم، وكثيرًا ما يُفصلون عن ذويهم ويبتعدون عن بيوتهم ومزارعهم لفتراتٍ طويلة، فضلًا عن سوء التغذية الذي أدّى كثيرًا إلى عجز الفلاحين عن العمل .
ويمكن أنْ نقول إنّ الشعب العراقي، لا سيّما طاقاته الشابة، تعرّضت إلى أقصى حدٍّ من الاستغلال البشع، من قبل قوات الاحتلال ومن الشيوخ المتعاونين معهم الذين فضلوا الإثراء على تجويع وقتل أبناء عشائرهم في الأعمال الشاقة، إذ فَقَد كثيرٌ من أبناء العشائر مصدر عيشهم (الزراعة) بعد أنْ هجروها غصبًا، ومنهم رحل للعمل لفتراتٍ طويلةٍ من دون أنْ يترك خلفه من يعيل عائلته، ممّا أدّى إلى آثارٍ سلبيةٍ على بعض العوائل الفلّاحية التي دفعت أبناءها إلى ممارسة أعمال السخرة.
كانت الأوضاع الصحيّة في العراق عمومًا، وفي جنوب العراق خصوصًا، مترديةً جدًا، وتعاني من الإهمال التامّ خلال عهد الاحتلال العثماني، فعلى الرغم من محاولات سلطات الاحتلال العثماني للاهتمام بالجانب الصحي، فإنّها كانت شبه مفقودة، وكان أغلب السكّان يعتمدون الطرق البدائية في علاج الأمراض؛ لذلك انتشرت الأمراض والأوبئة الخطيرة، مثل الطاعون والملاريا التي حصدت آلاف الأرواح من العراقيين، لا سيّما أنّ تلك الأمراض والأوبئة قد وجدت البيئة المساعدة للنمو، والمتمثّلة بالجو الحار القاسي المتبدّل في الصيف والشتاء وفي الليل والنهار، ووجود الأهوار والمستنقعات الآسنة، وشيوع الغبار والأوحال، وكثرة الديدان والحشرات والبعوض، يضاف إلى ذلك الممارسات الخاطئة التي يستخدمها الناس لعلاج تلك الأمراض والأوبئة التي زادت من خطورتها وانتشارها أحيانًا.
وعندما اندلعت الحرب العالميّة الأولى لم يكن في العراق سوى ثلاثة مستشفيات؛ واحدة في بغداد، والثانية في الموصل، والثالثة في البصرة، سعة كلّ واحدٍ منها عشرون سريرًا، أمّا لواء المنتفق والعمارة، فيوجد فيهما مستوصفات، سعة كل منها (15) سريرًا، تكاد تنعدم خدماتها، كما أنّ عدد الأطباء العراقيين كان قليلًا جدًا؛ لهذا لم يترك العثمانيون عند انسحابهم من العراق ما يمكن أنْ يعتمد عليه من المؤسّسات الصحيّة، غير أبنيةٍ متداعيةٍ لمستشفياتٍ عسكريّة.
وبعد أنْ احتلّ الجيش البريطاني مدينة البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 اتّخذها قاعدةً عسكرية للانطلاق باتجاه جميع أراضي العراق، وقد تعرّضت هذه القوات إلى خسائر بشرية ليست بقليلة، كانت أغلبها ناتجةً عن الإصابة بالأمراض المتوطّنة أو الوافدة، لا سيّما أنّ جيش الاحتلال ساعد على ظهور هذه الأمراض؛ بسبب ما خلّفه من ازدحامٍ في مدينة البصرة؛ الأمر الذي أدّى إلى تراكم النفايات، ومياه المجاري في قنوات المياه، فأدّى ذلك إلى اندثار بعضها، وتعرقلت عملية المد والجزر في النهيرات التي تسقي البساتين، فضلًا عن أنّ دخول القوات البريطانية ترافق مع حلول الشتاء الذي يتّصف بهطول الأمطار
وانتشار الأوحال، الأمـر الذي أدّى إلى انتشار الأمراض بين الناس عامّة، وبين أفراد قوات الاحتلال البريطاني خاصّة.
وبما أنّ حياة الجنود البريطانيين كانت مهددةً بالأمراض التي يرتبط بعضها بنظافة المدينة، فقد اهتمّت الإدارة المدنيّة بشؤون التنظيف والخدمات الصحيّة، كضرورة لإبقاء القوات البريطانيّة بمنأى عن الأمراض لتواصل إتمام مهمتها العسكريّة، فضلًا عن المردود الاقتصادي المتوقّع حصوله من وراء تقديم هذه الخدمات.
إنّ حاجة القوات الاحتلال البريطاني الملحّة لمبانٍ صحيّةٍ في البصرة، ولعدم صلاحيتها إنْ وُجدت، دفعها إلى السيطرة على بعض مباني السكن، وترميم بعض المباني الحكومية، واتّخاذها مستشفياتٍ عسكريّة لمعالجة أفراد قواتها، منها قصر الشيخ خزعل في محلّة الرباط لاستقبال مرضى القاعدة البريطانية العسكرية، وقصر الحاج محمود النعمة المطلّ على شطّ العرب في منطقة يوسفان لمعالجة الضباط، كما استولت على أحد الدور السكنيّة في القرنة، وحوّلته إلى مستشفى بريطاني، بعد أنْ زوّدته بملاك طبي؛ إذ تمت الاستعانة بأحد الأطباء العراقيين ومساعد طبي هندي، وكان لمستشفى البعثة التبشيريّة البروتستانتيّة الأمريكيّة (مستشفى لانستك التذكاري) دورٌ في تقديم الخدمات الصحيّة لقوات
الاحتلال، كما اتّخذت من بعض السفن الراسية في شطّ العرب مستشفيات مهيّأة لمعالجة أفراد قوّاتها أو نقل المرضى والجرحى منهم إلى الكويت، ومن ثم إلى الهند لمعالجتهم هناك.
وللارتباط الوثيق بين النظافة والأمراض، فقد اهتمّت الإدارة المدنية كثيرًا بنظافة المدينة، وبما أنّ العمل في الخدمات التنظيفيّة ليس مرغوبًا به من السكّان المحلّيين؛ ولأنّه يتطلّب جانبًا اقتصاديًا كبيرًا، فقد فضّلت سلطات الاحتلال جلب عمّالٍ من الهند ليقوموا بهذه الأعمال، وليكونوا بمنزلة عيونٍ لسلطات الاحتلال البريطاني في المدينة تراقب المواطنين، ولتكون جيشًا مدنيًا يمكن الاعتماد عليه عند الحاجة.
ويعتقد الباحث أنّ عزوف الأهالي عن العمل في المشاريع الخدمية ناتجٌ عن تفضيلهم العمل الحرّ أو الزراعة، فضلًا عن احتقارهم لأعمال التنظيف، إذ يعتقد العراقيون خطأً بأنّ العمل في التنظيف، سواء في البيت أم في الشارع يعدّ من الأعمال المعيبة على الرجل.
إنّ أهمية الجانب الصحي دفع الإدارة المدنيّة إلى تشكيل دائرة الصحّة المدنيّة في البصرة في 30 كانون الأول 1914 برئاسة الرائد (نورمن سكوت N.Scott)،
الذي تولّى الإشراف على الخدمات الصحيّة بقسميها (البصرة والعشّار)، وجعلت لكلّ قسم ضابطًا صحّيًّا؛ إذ أصبح الطبيب المدني يشرف على أعمال التنظيف والصحة العمومية في منطقة البصرة إلى جانب إدارته لمستشفى الحميات، أما الطبيب العسكري، فيشرف على الخدمات الصحية والنظافة في قصبة العشّار.
ونظرًا إلى إيمان قوّات الاحتلال بالتأثير الكبير للمؤسّسات الصحّية على السكّان؛ بما يخدم مساعيهم لكسب رضى الأهالي، فقد باشرت دائرة الصحّة المدنيّة فور تشكيلها بوضع خطّة لفتح عددٍ من المستشفيات والمستوصفات بواقع مستشفى في كلّ منطقةٍ (سنجق)، ومستوصف في كلّ قضاءٍ وناحية، وقد تولّى إدارة هذه المستشفيات أطباء عسكريون بريطانيّون، فيما عهد بإدارة المستوصفات إلى مساعدي أطباء هنود، وقد اعتمدت هذه المستشفيات في تجهيزاتها الطبيّة على مخازن الجيش البريطاني المحتلّ .
بدأت دائرة الصحّة المدنيّة بفتح أوّل مستوصفٍ في البصرة، بعدما حوّلت أحد الأبنية التي كانت تابعةً لحكومة الاحتلال العثماني التي كانت تستفيد منه كمحل لبيع المواد الكيميائية، وقد تم تحويله إلى مستوصفٍ في كانون الثاني 1915، مزوّدٍ كادرٍ طبّيٍ محدود، ثم حوّلته إلى مستشفى بعد أنْ وسّعته عقب تحويل دائرة الكهرباء العثمانية الملاصقة له إلى جناحٍ إضافيّ أُلحق به، وتبرّع أحد أثرياء البصرة بعشرة آلاف روبية، وبذلك تمكّنت سلطات الاحتلال من
استحداث صالة عملياتٍ جراحيّةٍ وشراء أجهزةٍ ومعداتٍ طبيّةٍ من الهند، إذ أصبح أواخر عام 1917 يتسع لـ 150 سريرًا، وبلغ عدد مراجعيه حتى مطلع العام التالي 2،480 مراجعًا.
كما فتحت سلطات الاحتلال بين عامي 1915 - 1916 ثلاثة مستوصفات في البصرة والعشار والزبير، إذ افتتح الأول في محلة الرشدية إلى الشمال من بلدة الزبير، حيث اشتمل على ثلاث غرف تمّ تخصيصها للمرضى، وغرفة للعمليات الجراحية، وصيدلية، فضلًا عن مرافق خدمية أخرى، وعلى الرغم من صغر بنايته، إلّا أنّ خدماته كانت جيدةً نسبيًّا إذ أُجريت فيه بعض العمليّات الجراحيّة الصغرى، أمّا مستوصف العشار، فقد اُفتُتح في 1915، وذلك تحت إشراف مساعد الطبيب فرانسيس Dr.Francis، وكان يزوره الطبيب المدني في البصرة ثلاثة أيام في الأسبوع لملاحظة المرضى، كما ألحق به في العام التالي من تأسيس المستوصف غرفة لتشريح الجثث التي كان يتم العثور عليها في النهر، بدلًا من إرسالها إلى مستشفى البصرة، أمّا الأخير فقد فُتح في تموز 1915 في منطقة الزبير، إلّا أنّ قلّة المراجعين، والحاجة في مستشفى البصرة إلى خدمات المشرف الطبي المشرف عليه، جعلا الجرّاح المشرف على شؤون الصحة المدنية في البصرة يقترح إغلاقه، وبالفعل أغلق على فترات متقطعة، إلّا أنّه سرعان ما عاد إلى العمل
من جديد، وقد وصل عدد المراجعين لتلك المستوصفات خلال المدة 1 نيسان 1915 إلى 31 كانون الأول 1917 ما يقارب 79،557 مراجعًا .
ومن أجل الحدّ من ظاهرة الأمراض المعدية التي كانت تنتشر في البصرة، فقد حوّلت سلطات الاحتلال مستشفى الحميات (العزل) في منطقة دويد جنوب غرب مدينة البصرة، والذي كانت تعزل فيه المومسات المصابات بالأمراض الزهرية في العهد العثماني إلى معزل للمصابين بالأمراض المعدية أمثال الطاعون والكوليرا، كما اتّخذت من مستشفى البحرية الواقع في التنومة، محَجْرًا صحيًّا لمعالجة أفراد قوّاتها المصابين بالأمراض المعدية، بعد أن تمّت إعادة تأهيله، حيث أصبح يستوعب ألف شخصٍ تقريبًا، كما فرضت إجراءات الحَجْر الصحي على السفن الوافدة.
أمّا في لواء العمارة، فقد افتتحت سلطات الاحتلال مؤسّساتٍ صحيّةً في قلعة صالح والعمارة، وفي علي الغربي، وقد كانت هذه المستوصفات عسكريةً خاصة بمعالجة أفراد جيش الاحتلال، ممّا دفع الشيخ فالح الصيهود، أحد شيوخ عشيرة البو محمد في قلعة صالح بتقديم (450) روبية، مساهمة في إنشاء المستوصف في قلعة صالح الذي أنشئ في عام 1916، فضلًا عن تعهّده بدفع مبلغ الأدوية التي تُصرف للمستوصف؛ وكان الهدف من هذا الإجراء هو السماح لأفراد عشيرته
بالمعالجة في المستوصف المذكور.
أمّا مستوصف العمارة، فقد أنشئ عام 1917، وكان يحتوي على عشرة أسرة، وبلغ مجموع من رقد فيه خلال فترة الاحتلال 65 مريضًا تقريبًا، كما افتتحت سلطات الاحتلال البريطاني في مستوصف العمارة عيادةً خارجيّة، كانت من أكثر الأقسام تعاملًا يوميًّا مع السكّان.
والجدير ذكره أنّ مستوصف قلعة صالح أنشئ قبل مستوصف العمارة، والسبب يعود إلى أغراضٍ عسكريةٍ منها تمركز القوات البريطانية في قلعة صالح، وبسبب بعد المسافة بين قلعة صالح والقرنة البالغة حوالي 60 كم.
أمّا لواء المنتفق، فإنّه بعد احتلال المنتفق من قبل الجيش البريطاني، تشكّلت مؤسساتٌ صحيّة هناك؛ إذ نشأت مستشفى مدني في مدينة الناصرية بعد احتلالها في 25 تموز 1915، وكان يديرها جرّاح مدني، إلّا أنّ هذا المستشفى بقي عاجزًا عن استيعاب حالات المرض الشائعة التي تسببها الظروف البيئية المتردّية، وأعداد المراجعين الكبيرة التي وصل عددهم خلال عام 1918 إلى 46،200 مراجع، وعدد الراقدين 278 مريضًا، وكان لقلّة الأطباء السبب الرئيس في التأخّر في فتح مستوصفٍ في سوق الشيوخ حتى عام 1917، وكان
هذا المستوصف يستقبل ما يقرب من (14،731) مراجعًا في السنة، كما أقيمت فيه بالعام نفسه ثلاث عمليات جراحية كبرى، و367 عملية جراحية صغرى، وقد فتح مستوصف مؤقت خارج أسوار مدينة سوق الشيوخ في عام 1918 بعد أنْ أصابها وباء الطاعون؛ أمّا مدينة الشطرة وقلعة سكر، فلم تتمكّن سلطات الاحتلال بعد احتلالها من فتح مؤسسةٍ صحيّةٍ لعدم وجود الأطباء ومساعديهم أو الموظّفين الصحيين، ولحاجة الأهالي الملحّة أرسل معاون الحاكم العسكري في الشطرة شخصين من الشطرة وقلعة سكر إلى الناصرية لغرض تدريبهما على عملية اللقاح، كما طلب أيضًا من الحاكم العسكري في الناصرية إرسال معاونٍ جرّاحٍ إلى الشطرة.
وعلى الرغم من أنّه لا وجود لبديلٍ غير المؤسّسات الصحيّة التي أنشأها المحتلّون في مدن البصرة والعمارة والناصرية وقصباتها، وإقبال المواطنين عليها، إلّا أنّهم بدأوا يعزفون عنها، وبدأت أعدادهم تتناقص منذ عام 1917؛ وذلك إثر فرض السلطات المحتلة ضريبةً نقديةً على الدواء والعلاج فيها، ممّا قلّل من قيمة الخدمات التي تقدّمها، فضلًا عن أنّ أغلب المستوصفات كانت تشكو بصورةٍ خاصةٍ من قلّة عدد العاملين فيه، وضعف في كفاءتهم، فضلًا عن قلّة في الوسائل الطبيّة اللازمة للعلاج، مضافًا إلى عدم ملاءمة أغلب بناية المستوصفات لتكون بنايات صحية.
ومما تجدر الإشارة إليه أنّ سياسة المسؤولين في الدائرة الصحية، اتّسمت
بالتشدد في تنفيذ التعليمات الصحية والمبالغ في تطبيقها، لمنع انتشار الأمراض بين صفوف قواتها، وصل بعضها إلى أثارت مشاعر العراقيين ، كما أنّها مارست نوعًا من التمييز فيما يتعلّق بمعالجة المرضى في المستوصفات والمستشفيات البريطانية، وتمثّل ذلك بتقديم الأجانب على العراقيين في المعالجة الطبية كما كانت تفضّل البريطانيين على غيرهم من الأوربيين والهنود .
وعلى الرغم من هذه الاحتياطات والتشدّد في الإجراءات الصحية، التي سارت مع التدابير الوقائية لتحسين الصحة وإشاعة النظافة، إذ استخدمت المراحيض والمحارق وتفتيش المجازر والأسواق وشن حملة على الذباب والفئران، وترتيب جمع القمامة من الشوارع، إلّا أنّها لم تنجح بإيقاف انتشار كثيرٍ من الأمراض والأوبئة التي وفدت مع القوات البريطانية، إذ سجّل في البصرة وحدها 514 إصابة بوباء الطاعون خلال سنوات الاحتلال، وتوفي ما لا يقلّ عن نصفهم.
ويبدو أنّ سبب ضعف الخدمات الصحية كان ناتجًا عن قلّة المؤسّسات الصحيّة بالنسبة لأعداد السكان، وقلّة العاملين فيها، إضافة إلى قلّة كفاءتهم، فضلًا عن قلة التخصيصات المالية، إذ بلغت نفقات الخدمات الصحية لعام 1916-1917 (87،180) روبية من مجموع النفقات العامة البالغة (3،163،200) روبية، فيما بلغت تخصيصات عام 1917 - 1918 (139،887) روبية من
مجموع (10،028،286) روبية.
ويتّضح مما تقدّم أنّ قوات الاحتلال البريطاني لم تكن جادةً في وقاية الشعب العراقي وعلاجه، إلّا بقدر المحافظة على سلامة أفراد قواتها، وتجنّبهم انتقال العدوى للأمراض الفتّاكة، فضلًا عن أنّها رأت في الجانب الصحي أفضل وسائل الإعلام وأسرعها بالوصول إلى المواطنين، وكسب ودّ الأهالي رغم تواضع ما تقدِّمه من خدماتٍ صحية؛ لأنّهم كانوا محرومين منها في العهد العثماني، وما يحدث يعطيهم انطباعًا جيدًا على وجود الاحتلال البريطاني.
على الرغم من الخطط العثمانية في العراق للنهوض بالواقع التعليمي، فإنّه لم يرتقِ إلى المستوى المطلوب، فقد كان التعليم نظريًا لا تطبيقيًا؛ الأمر الذي عكس حالةً من الفوضى، فضلا ًعن قلة المدارس والكوادر التعليمية، كذلك إرهاق الطلاب بكثرة الدروس وباللغة التركية، كما اقتصرت هذه المدارس على مراكز المدن فقط، كما كان هناك ثلاثة اتجاهات للتعليم، الاتجاه الأول: الاتجاه الرسمي الذي تبنّته الدولة، وهو اتجاهٌ عكس سياسة سلطات الاحتلال العثماني الطائفية تجاه أبناء الشعب العراقي من المذهب الشيعي، إذ اقتصر التعليم في المدارس
الحكوميّة على أبناء المذاهب (السنّية)، ممّا دفع أبناء المذهب الشيعي إلى اللجوء لرجال الدين لتعليم أبنائهم؛ إذ يقتصر هذا التعليم على القراءة والكتابة وتعليم القرآن، وهو يمثّل الاتجاه الثاني، أمّا الاتجاه الثالث، فتمثّل بالمدارس الأجنبيّة أو مدارس الطوائف من غير المسلمين، وينحصر تعليمها بالتعليم الابتدائي فقط.
إنّ سياسة سلطات الاحتلال العثماني الطائفية، وعدم كفاءة المعلِّمين الأتراك، إضافة إلى قلّة المدارس الرسمية واقتصارها على أبناء المدن من الأثرياء، جعل التعليم متخلّفًا كثير في العراق.
وعندما فرضت القوات البريطانية سيطرتها على البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 لم يكن في البصرة سوى دار للمعلمين، ومدرسة ثانوية في البصرة، وثلاث مدارس ابتدائية، واحدة في البصرة، وواحدة في العشار، وأخرى في أبي الخصيب، كما كان هناك مدرسة ابتدائية في الدعيجي تتولّى الإنفاق عليها سابقًا دائرة الأملاك السنية، فضلًا عن عدد من الكتاتيب، وإلى جانب هذه
المدارس كانت هناك المدارس الأجنبية، وهي المدرسة الأمريكية، والتي تولّى إدارتها جون فان أيس، ومدرسة البرت التي يديرها الإباء الكرملين، ومدرسة الكلدان، ومدرسة الاليانس اليهودية، والمدارس المتحدة الكاثوليكية، وهي مدارس اللاتين والأرمن والكلدان.
إذ كانت المدارس الحكومية بصورةٍ عامةٍ مغلقةً والتدريس فيها معطلًا، حيث غادر معلموها المدينة هربًا من الحرب، وانسحب بعضهم الآخر مع القوات العثمانيّة المنسحبة من البصرة، كما تعرّضت أغلب أبنيتها إلى الهدم والتخريب، ونهبت أثاثها.
لم يهتم المحتلّون بالجانب التعليمي، لا سيّما أنّها وجدت حالة المدارس يُرثى لها؛ إذ كانت تعاني نقصًا شديدًا في اللوازم والكتب والأثاث، ويتطلّب إصلاحها مبالغ كبيرة، في الوقت الذي لم تكن فيه سلطات الاحتلال مستعدّةً للإنفاق على هذه المدارس؛ لذلك لم يكن للتعليم نصيب في الإدارة المدنية التي أسّستها سلطات الاحتلال عقب سيطرتهم على البصرة، بل عُدّ من الأمور الثانوية، ويشير إلى ذلك السر أرنولد ولسن (Arnold Talbot Wilson) بقوله: «إنّ التعليم يجب أنْ يؤجّل لحين بلوغ أهدافنا العسكرية».
ومن أجل تجميل صورتها أمام المجتمع الدولي، ولكي لا يُقال عنها بأنّها تهمل التعليم وتتخلّى عنه، كلّفت سلطات الاحتلال هنري دوبس(Henry
Dobbs) بدراسة قضايا التعليم، بوصفه جزءًا من دائرة الواردات التي يشرف عليها ، وقد أوعزت إليه بضرورة الإفادة من الخبرة التعليميّة لجون فان أيس مدير المدرسة الأمريكيّة في وضع الخطوط الرئيسة لسياسة بريطانيا التعليميّة في المناطق المحتلة.
وبعد دراسته لواقع المدارس العثمانيّة في ولاية البصرة، قدم ملاحظاته حول التعليم في مذكرةٍ رفعها إلى الحاكم العسكري العام في 15 شباط 1915، انتقد فيها السياسة التعليميّة العثمانيّة، مشيرًا إلى أنّ معظم المعلّمين كانوا من الأتراك، وهم أناسٌ ذوو أخلاقٍ سيّئةٍ، تُدفع لهم أجورٌ عاليةٌ لا تتناسب مع مؤهّلاتهم، ومدّة دوامهم لا تتجاوز الساعتين يوميًا، أمّا بالنسبة لبنايات تلك المدارس، فوصفها بأنّها غير صحّيةٍ وقذرة، فكان ذلك أحد الأسباب الرئيسة في تردّد الأهالي في إرسال أبنائهم إلى تلك المدارس.
وقد اقترح هنري دوبس(HenryDobbs) بضرورة الحذر الشديد من تأسيس نظامٍ جديدٍ للمعارف خوفًا من الأخطاء التي ارتُكبت في الهند، إذ لا يمكن إنشاء تعليمٍ عالٍ من دون أساسٍ متينٍ من التعليم الابتدائي والثانوي، كما يجب حلّ مشكلة قلّة المؤهَّلين للتعليم الحديث، من خلال الاهتمام بأعداد المعلّمين، عن طريق التعاون مع البعثة التبشيريّة الأمريكيّة، وتقديم منحهٍ ماليةٍ لها، كي تهيّئ
صفوفًا لأعداد المعلمين، كما تُعطي منحةً ماليةً أيضًا إلى المعلمين المتدرّبين لجذب المواطنين لها، ولسدّ حاجة الدوائر الحكومية من الموظفين المحلّيين تُفتح مدرسة أو مدرستان ابتدائيتان، على أنْ يكون التدريس باللغة العربية وإلى جانبها اللغة الإنكليزية، وفرض ضريبة على كلّ طالبٍ بمقدار روبية واحدة مع إعفاء أبناء الفقراء الذين لا يستطيعون دفعها.
وبناءً على تلك التوصيات، فقد سارت سلطات الاحتلال في مجال نشر التعليم ببطء شديد، واقتصر اهتمامها على المدن وأُهمل الريف إهمالًا تامًّا؛ إذ فُتحت في تشرين الأول 1915 مدرستان ابتدائيتان حكوميتان، الأولى في البصرة والثانية في أبي الخصيب، أمّا المناهج التي تدرّس فيها فقد سارت أول الأمر على تقديرات المدارس والمعلمين الذين يضعون مناهج دراسية اعتقدوا أنّها تلائم الأحوال والمستوى العلمي للطلبة، ممّا أدّى إلى كثرة المفردات وازدحامها، فضلًا عن أنّها كانت فوق مستوى الطلبة.
كما تم في الأول من حزيران 1916 فتح مدرسة ثالثة في الزبير، وبذلك ضمت المدارس الثلاث في عام 1916-1917 (179) تلميذًا، و(11) معلِّمًا، وبعد أن طلب أهالي قلعة صالح من معاون الحاكم السياسي (هيجكوك Hedgcick)، افتتحت لهم مدرسة ابتدائية في 16 حزيران 1916 إذ سُجّل فيها (90) تلميذًا0
وفي عام 1917 تشكّلت (دائرة معارف البصرة) من مجلس يدعى (مجلس المعارف)، وضمّ في عضويته ممثلًّا عن أهالي البصرة، وآخر من دائرة الواردات، وثالثًا عن المدرسة الأمريكية في البصرة، واختير جون فان أيس لرئاسة المجلس، لمعرفته بأحوال سكان البصرة وخبرته في مجال التعليم، فضلًا عن تعاونه مع سلطات الاحتلال، وتولّى المجلس الإشراف على شؤون المعارف في ولاية البصرة.
وفي آذار من العام نفسه اُفتُتحت مدرسةٌ ابتدائيةٌ في الناصرية، وقد كان عدد طلابها (50) تلميذًا، وفي العام نفسه اُفتُتحت مدرسةٌ ابتدائيةٌ في سوق الشيوخ أيضًا، وكان عدد التلاميذ المسجّلين فيها (56) تلميذًا، وفي منتصف عام 1917، تم افتتاح مدرسةٍ ابتدائيةٍ في القرنة بلغ مجموع تلاميذها (20) تلميذًا، في حين شهد العام التالي افتتاح عددٍ من المدارس الرسميّة في كلٍّ من المدينة، وسوق الشيوخ، وعلي الغربي.
أمّا التعليم الثانوي والنسوي، فلم يحصل على اهتمام سلطات الاحتلال؛ إذ بقي التعليم الثانوي محصورًا بمدارس البعثة التبشيريّة الأمريكيّة، كما تم عام 1917 فتح صف ثانوي في مدرسة أبي الخصيب الابتدائية، أمّا التعليم النسوي، فقد اقتصر على بعض المدارس الأهلية والأجنبية، منها: المدرسة الأمريكية
(مدرسة الرجاء العالي)، حيث تولّت دوروثي(Dorothy ) زوجة فان أيس إدارتها، حيث قدّمت لها سلطات الاحتلال منحةً ماليةً قدرها (1،200) روبية سنويًا، فيما أُسست مدرسة أخرى للبنات بأشراف الراهبات الكرمليّات، وسُمح للصبيان الصغار بالدوام فيها، في حين نُظِّمت الدراسة في المدرسة الابتدائيّة في القرنة بشكلٍ يسمح بمشاركة البنات في المدرسة، إذ فُتح صفٌّ لدوام البنات والصغار، أما الأولاد الكبار، فيسمح لهم بالدوام بعد الظهر، كما أنشأت الطائفة اليهوديّة مدرسةً ابتدائيةً للبنات في البصرة .
أمّا التعليم الديني، ورغم الظروف الصعبة، فإنّه لم يتلاشَ، بل تولّت دائرة الأوقاف الأشراف على المدارس الدينيّة البالغ عددها (4) مدارس، موزعةً في البصرة، والعشّار، وناحية (السيبة) التابعة لقضاء ابي الخصيب، أعقبها افتتاح مدرسةٍ مماثلةٍ في محلّة المشراق سنة 1918.
وعلى المستوى العام للتعليم في ولاية البصرة، فقد كان يعاني من الإهمال وعدم الاهتمام الجدي في النهوض بالواقع التعليمي في الأراضي المحتلة.
ومن الجدير ذكره أنّ سلطات الاحتلال اتبعت في سياستها التربويّة سياستها المقيتة المتمثّلة في فصل مجتمع الريف عن المدينة، إلى حدّ التخطيط لإيجاد مدرسةٍ داخليةٍ خاصّة لأبناء مشايخ العشائر على طراز مدرسة (غوردن كوليدج GordonCollege) في الخرطوم، أو كليات الرؤساء (العشائرين) في الهند.
ويبدو أنّ عدم الاهتمام بقطاع التعليم انعكس سلبًا على التخصيصات المالية لهذا القطاع، فقد كانت التخصيصات المحدّدة لا تكفي إلّا لتأسيس عددٍ قليلٍ جدًا من المدارس، ففي سنة 1915-1916 لم يُنفَق على المعارف سوى 6500 روبية، أي ما يعادل 0.4% من مجموع مصروفات الدوائر المدنية الأخرى البالغة 1،622،344 روبية، في حين بلغت نفقات المعارف في السنوات 1916-1917 مبلغ 23،530 روبية وفي 1917-1917 مبلغ 35،500 روبية.
ومما تقدّم يتّضع لنا بأنّ سلطات الاحتلال لم تهتم بقطاع التعليم، ولم تكن جادةً في مسعاها من أجل النهوض بالواقع العلمي لأبناء المناطق المحتلة، إلّا بقدر ما كانت تحتاجه من إعداد موظّفين محليين، يساعدونها في إدارة حكم
العراق، كما أنّها عملت على تغييب التعليم في الريف العراقي بغية إبقائه بعيدًا عن التنوير والاندماج في الحياة الحديثة، من أجل تعزيز سلطة الشيوخ والنظام الإقطاعي الذي أكدت عليه قوانين الاحتلال، خاصة أنّ هذا النظام لا يتمّ إلّا في مجتمعٍ متخلّفٍ علميًّا، وبعيدٍ عن الحضارة.
ويبدو أنّ سلطات الاحتلال البريطاني، لم تكن قد خطّطت مسبقًا للإدارة المدنية في العراق؛ لذلك لجأوا إلى استخدام نظامٍ آني مزيجٍ من النظام العثماني والهندي، يُدار مباشرة من قبل الموظّفين البريطانيين عسكريين كانوا أم مدنيين، وذلك من أجل السيطرة المباشرة على العراق، وتحويله إلى مستعمرةٍ خاضعةٍ إلى حكومة الهند البريطانية، ومرتبطةٍ بها اقتصاديًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا.
(137)بعد استعراض بعد استعراض وتحليل الإدارة الاقتصاديّة والمدنيّة في العراق خلال فترة الاستعمار البريطاني (1914-1918)، يتضح أنّ هذه المرحلة شكّلت نقطة تحوّلٍ مهمّة في تاريخ العراق الحديث؛ فقد فرضت الإدارة البريطانية نظامًا إداريًّا يستهدف تحقيق مصالحها الاستراتيجيّة، ممّا أدى إلى تغييراتٍ جوهريةٍ في الهيكل الإداري والاقتصادي، وكذلك في قطاعات الصحّة والتعليم.
اتّسمت سياسات الاحتلال البريطاني بإعادة تشكيل المؤسّسات الإداريّة وفق رؤيةٍ استعماريةٍ تهدف إلى تعزيز السيطرة المركزيّة. فقد أولت الإدارة البريطانيّة اهتمامًا كبيرًا لاستغلال الموارد العراقيّة لتلبية متطلباتها الحربيّة والاقتصاديّة، وهو ما انعكس سلبًا على القطاعات الإنتاجية التقليدية، لا سيّما الزراعة والتجارة، وأسفر عن تشوّهٍ في بنية الاقتصاد الوطني.
وفيما يتعلّق بالسياسة المالية، التي تُعد من الركائز الأساسية للإدارة المدنية للاحتلال البريطاني، فقد ركّزت على فرض الضرائب كأداةٍ للسيطرة على الاقتصاد العراقي واستغلال موارده؛ لذا، أُنشئت دائرة الواردات للإشراف على الشؤون الماليّة، وشهدت الضرائب تنوعًّا وازديادًا ملحوظًا بعد بسط القوات البريطانيّة سيطرتها على البلاد. كما لجأت الإدارة البريطانيّة إلى استغلال العمالة العراقيّة من خلال نظام السخرة، حيث أُجبر عشرات الآلاف من الفلاحين على العمل في مشاريع مختلفة تحت ظروفٍ قاسيةٍ وغير إنسانية.
أمّا على الصعيد الصحي، فقد استمرت معاناة السكّان في ظلّ الاحتلال البريطاني، فعلى الرغم من اهتمام الإدارة المدنيّة البريطانيّة بتطوير خدمات النظافة
والرعاية الصحيّة، فإنّ ذلك كان يهدف بالدرجة الأولى إلى الحفاظ على صحّة القوات البريطانية. وقد أُنشئت بعض المستشفيات والمستوصفات، لكنهّا عانت من نقصٍ في الإمكانات والكوادر الطبيّة، ممّا يدلّ على أنّ الاحتلال لم يكن جادًّا في تحسين الأوضاع الصحيّة للسكّان المحليين إلّا بالقدر الذي يخدم مصالحه.
وفيما يخصّ قطاع التعليم، فقد بقي متخلّفًا وضعيفًا خلال فترة الاحتلال؛ إذ عانى من قلة المدارس والكوادر التعليمية. ولم تُبدِ السلطات البريطانية اهتمامًا فعليًا بتطوير التعليم، إذ عدّته مسألةً ثانويةً، ولم تسعَ إلى تحسينه إلّا بالقدر الذي يلبي حاجتها إلى موظفين محليين لخدمة إدارتها.
وفي الختام فإنّ تجربة الاستعمار البريطاني في العراق لم تكن مجرد محلة انتقالية، بل كانت ذات تأثيرٍ عميقٍ على مستقبل البلاد السياسي والاقتصادي، وتفاقم المشاكل الاقتصاديّة والاجتماعيّة والثقافيّة في العراق.
(139)
1.البياتي، فلاح محمد خضير، أساليب السياسة البريطانيّة في العراق 1917 - 1920، جامعة بابل ، كليّة التربية الأساسيّة، 2009 .
2.الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915-1958(دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012
3.الساعدي، محمد حسين زبون، لواء العمارة في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني 1915-1932، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة البصرة، 2000.
4.الشجيري، عدنان هرير جودة، النظام الإداري في العراق (1920-1939) دراسة تاريخية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2005.
5.العرس، عمّار عبد الرضا ماهود، الأوضاع الصحّية في لواء العمارة 1921 - 1958، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية الآداب، 2013 م.
6.العكيدي، عمّار يوسف عبد الله عويد، السياسة البريطانيّة تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربيّة، جامعة الموصل،2002.
7.الكعبي، جاسم محمد شغيث، أوضاع التعليم في العمارة 1921- 1958، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية للبنات، 2009.
8.لمى عبد العزيز مصطفى عبد الكريم، الخدمات العامّة في العراق 1869-1918، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة الموصل، كلية الآداب، 2003.
9.محمد أحمد محمود، أحوال العشائر العراقيّة العربيّة وعلاقتها بالحكومة 1872-1918، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1980.
10.المنصور، جعفر عبد الدائم بنيان، الحالة الصحية في البصرة 1921 - 1939، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية، 1998
11.التميمي، حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914 -1918، بغداد،
1979.
12.حنا بطاطو، العراق، الطبقات الاجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتى قيام الجمهورية، ترجمة عفيف الرزاز، بيروت، 1995.
13.سر ارنولد تي. ويلسون، بلاد مابين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، تقديم علاء نورس، بغداد، ط2 ،1991.
14.السعدون، خالد حمود، الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني1908-1918، لبنان، ط1، 2006.
15.الطاهر، عبد الجليل، العشائر العراقية، بغداد، 1972.
16.الطاهر، عبد الجليل، العشائر والسياسة، تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر والسياسة، د. ت.
17.عادل علي عبيد، من احداث عامي 1918 - 1919، بغداد، 1984.
18.العطية، غسّان، العراق نشأة الدولة 1908-1921، لندن،1988.
19.علي ناصر حسين، الإدارة البريطانية في العراق 1914-1921، بغداد، 2008.
20.العيساوي، عبد العال وحيد عبود، لواء المنتفق في سنوات الاحتلال البريطاني 1914-1918، النجف الأشرف، ط1، 2008.
21.فيليب ويلارد ايرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط، بيروت، 1949.
22.المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط، بيروت، ط1، 2010.
23.الزيادي، محمد صالح، الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في البصرة من خلال كتاب الرحالة الهندي ( سي- ام- كريستجي ) 1916 - 1917، مجلة آداب البصرة، ع 63، م 2 ، 2012.
24.السامرائي، أحمد محمود علو مهدي، احوال العراق الاجتماعيّة في ظلّ الاحتلال البريطاني 1914 - 1920، مجلة جامعة تكريت للعلوم الانسانية، م 16، ع 9، ايلول 2009.
25.عبد ربه سكران، عشائر البصرة والإدارة العسكرية البريطانية أثناء الاحتلال عامي 1916 -
1918، مجلة جامعة تكريت للعلوم الإنسانية، مجلد 13، ع5، 2006.
26.الموسوعة العربيّة المسيحيّة
www.christusrex.org/www1/ofm/1god/ordini/karmel/index.htm
(142)د. فراقد داود سلمان الشلّال
تُعد بريطانيا في مقدمة الدول الأوربيّة التي أبدت اهتمامها بالعراق منذ القرن التاسع عشر، وإبّان اندلاع الحرب العالميّة عام1914م، قامت باحتلاله لموقعه الاستراتيجي المتميز، الذي يربط بين القارات، فضلًا عن وفرة موارده الطبيعيّة؛ ولذلك سخّرت الإدارة البريطانيّة في أثناء سيطرتها على العراق، كلّ إمكاناتها للاستحواذ على مقدرات العراق الاقتصاديّة؛ ولتحقيق هذه الغايات دأبت سلطات الاحتلال البريطاني على التستر بإقامة مشاريع اقتصاديّةٍ زراعيّةٍ وصناعيّةٍ وتجاريّة، ورفع شعارات المصلحة العاّمة ومنفعة العراقيين، إلّا أنّ هذه الشعارات لن تقنع العراقيين الوطنيين الذي قاوموا المحتل لنيل الحرية والاستقلال.
الكلمات المفتاحية: القطاع الزراعيّ، التنمية، الإدارة البريطانيّة، ويلكوكس، الاقطاع.
المقدمة
يعتمد اقتصاد أيّ دولةٍ على القطاع الزراعيّ لتحقيق الأمن الغذائيّ، وتوفير مستلزمات الإنتاج للقطاعات الأخرى، وفضلًا عن تغطية حاجة الاستهلاك المحلّيّ من الموادّ الغذائيّة، واعتمد العراق على الزراعة طيلة عهوده السابقة لتلبية الحاجات الاستهلاكيّة الغذائيّة، ولكن خلال مدة الاستعمار البريطاني للعراق اُستغلّت أراضيه الزراعيّة لتحقيق المآرب الاستعماريّة، وكرسّت الإدارة البريطانيّة كلّ جهودها الممكنة من أجل تعزيز منفعتها الماديّة، فتهاوت بذلك شعاراتها التي رفعتها بشأن التطوير؛ إذ من الحقائق الواضحة للعيان أنّه لا يمكن بأيّ حالٍ من الأحوال تطوير العراق وهو ساحةٌ للعمليّات العسكريّة البريطانيّة.
وبالرغم من وضع العديد من مخططات التنمية الزراعيّة البريطانيّة للأراضي العراقيّة من شماله الى جنوبه، إلّا أنّها لم تعمل على إجراء أي تغييراتٍ رئيسةٍ في ملكيّة الأراضي؛ ولذلك استوجبت مصالح الإدارة البريطانيّة إيجاد دعامةٍ اجتماعيّةٍ محليّةٍ لها كي تبقى سيطرتها بفعالية أكبر، وبتكلفةٍ زهيدةٍ. ووجدت ضالتها في إعطاء بعض شيوخ العشائر الذين تعهّدوا بالمحافظة على الوضع القائم، امتيازاتٍ كثيرةً كان من أهمّها استحصال الضرائب، التي وقع ثقلها على المالكين الأصليين للأراضي وهم الفلّاحون العراقيون، الذين قامت على اكتافهم الانتفاضات الوطنيّة والثورات للتحرّر من السيطرة البريطانيّة.
ومن هنا جاءت أهميّة البحث التي تتمثّل في توضيح نوايا الإدارة البريطانيّة في ربط الاقتصاد العراقي بالاقتصاد والرأسمال الاجنبي. وبناءً على ذلك ينطلق البحث من سؤالٍ مفاده: هل نجحت الإدارة البريطانيّة في تحقيق أهداف التنمية الزراعيّة في العراق؟
وتدور مشكلة البحث حول سعي الإدارة البريطانيّة الى تأمين احتياجات
جيشها عن طريق الاستيلاء على الأراضي والممتلكات العراقيّة، وتشغيل العراقيين فيها بنظام السخرة بعد أنْ تنكّرت بريطانيا لوعودها للشعب العراقي بحماية أمن العراق وصون كرامة العراقيين.
لقد نُظّم البحث في مبحثين سبقهما مقدمةٌ وتلاهما استنتاجات، ولقد تناول المبحث الأوّل (خطط التنمية الزراعيّة للإدارة البريطانيّة)، واستعرض المبحث الثاني (آثار خطط التنمية الزراعيّة للإدارة البريطانيّة على العراق).
(145)كانت الزراعة إبّان الاحتلال البريطانيّ للعراق عام 1914م في حالةٍ بدائيّةٍ جدًا؛ لانعدام الأمن وانتشار الجهل بين الناس، وكانت هناك مشاكل مناخيّةٌ عانى منها القطّاع الزراعيّ مثل كثرة الفيضانات والأمطار، هذا فضلًا عن انتشار الأمراض والآفات الزراعيّة التي أدّت إلى ضعف نمو المحصول وقلة انتاجيّته، وفي بعض الأحيان موته، وهذه الأمور بطبيعة الحال أدّت إلى إهمال الانتاج الزراعيّ وإصابته بأضرارٍ بالغةٍ إلى الحدّ الذي لم يتمكّن من سدّ الاستهلاك المحلّي، فكثرت المجاعات التي أدّت إلى وفاة العديد من العراقيين جوعًا .
ونظرًا لحاجة الإدارة البريطانيّة إلى الغذاء عملت في عام 1917م على تأسيس مشروع التنمية الزراعيّة لتلبية احتياجات القوّات العسكريّة البريطانيّة وتغطية نفقاتها، وهذا ما أكّده القائم بأعمال المفوّض المدني العقيد لافات أ. ت. ويبون. وفي 17 ديسمبر 1917م. أرسل المقيم السياسي البريطاني رسالةً إلى حكومة الهند بشأن مسؤوليتها عن خطط التنمية الزراعيّة، وأبدت حكومة الهند امتعاضها حيال تنازع الإدارة السياسيّة والمدنيّة، إذ أبدى المفوّض المدني (أ.ت. ويلسون امتعاضه الشديد أيضًا؛ لأنّه حرم من الإشراف على تنفيذ المخطط، في الوقت الذي رضخت فيه السلطات العسكرية لهذا الترتيب؛ لأنّه لا يوجد قانونٌ مكتوبٌ يذكر أنّه يجب أنْ تكون الحبوب ملكًا للحكومة المدنية.
وحدّدت المبالغ التالية: (280 روبية لطنٍ واحدٍ من القمح)، و(188 جنيه
إسترليني) و(168 روبية لطنٍ واحدٍ من الشعير)، و(611 جنيه إسترليني)، التي وجب على الإدارة العسكريّة دفعها للإدارة المدنيّة مقابل الحبوب التي تتلقّاها من أصحاب الأراضي، وإزاء ذلك شعرت حكومة الهند أنْ هذا هذه الأسعار مرتفعة جدًّا، ومن شأنها أنْ تمنح الإدارة المدنية ربحًا على حساب الجيش، وهذا الأمر يخلو من العدالة. وبقيت مشكلة تنفيذ المخطّط قائمة؛ وذلك لأنّ من الصعوبة التمييز بين حبوب الإيرادات الناتجة عن الزراعة العادية، والحبوب الناتجة عن زيادة الناتج عن المخطط، فضلا ًعن أنّ عائدات الحبوب قد تمّ التعامل معها على أنّها لإدارة الضرائب، ولم يبقَ سوى حلٍّ وحيدٍ فرض نفسه وهو أنْ تكون إدارة الضرائب مسؤولةً مسؤوليةً كاملةً عن الإيرادات للمخطط.
وافق المفوّض المدني على مضض لقبول الإشراف وتنفيذ المخطّط الزراعي باستثناء النفقات المتنوّعة التي كان يقصد بها نفقات الجيش؛ لذلك أعرب المفوّض المدني عن رأيه في هذا الخصوص بأنّ الإنفاق العسكري يجب أنْ يحسب على الأموال العسكرية، ويجب أنْ يكون للحكومة جزءٌ من أموال الجيش وبأيّ طريقةٍ كانت؛ لأنّ الإدارة العسكريّة كانت قد اعترضت مسبقًا على إنشاء الجسور التي تمت لأغراضٍ عسكريّة . ووقع اختيار الإدارة البريطانيّة على جاربيت(Garbet)، لإدارة وتنفيذ مخطّط التنمية الزراعيّة في العراق، لمعالجة شحّة الغذاء والقضاء على المجاعة؛ ولذلك تولّى مهام رئاسة مجلس الإيرادات العام .
وكان جاربيت يمتلك خبرةً في ضبط الإيرادات، وبالرغم من أنّه لم يكن لديه موظّفون أكفاء يعملون معه إلّا أنّه كان يمتلك معرفةً كبيرةً بطبيعة الأراضي العراقيّة الزراعيّة، انتبه جاربيت في أثناء زيارته الرسميّة الأولى للمنطقة أنّ الأراضي الواقعة على قناة الدغّارة هي من الأراضي الصالحة لزراعة القمح والشعير . ورأى جاربيت أنّ البذور الهنديّة من القمح والشعير والأرز والبالغة (9827طن) لم تكن تلائم بيئة العراق؛ لأنّ الظروف المناخيّة في البنجاب تلائمها كثيرًا، والمساحة المروية بالقناتين المنطلقتين من سدّ الهنديّة أقلّ كثيرًا ممّا كان متوقعًا من تدفق المياه الجوفية، والري في هذه المنطقة يجب أنْ يرتفع ليصل إلى الأراضي المزروعة، وكانت توقعات جاربيت أنّ المحصول سيبلغ (256 طن سنويًّا) في حال توفّر مياه صالحة للري من القنوات .
وسعى رجال الأعمال البريطانيّون إلى استثمار أموالهم في العراق من خلال سعيهم للحصول على امتياز لتنمية الأراضي الواقعة جنوب نهر دجلة، فأرسلت شركة شرق إفريقيا للأراضي والتنمية (East Africa For Land and Development)، وشركة فانتي(Fanti) للمناجم الموحّدة المحدودة مديرها التنفيذي إ. جيدج (E.Judge) إلى العراق في 23 حزيران عام 1917م، والتقى بالقائم بأعمال المفوّض المدني في بغداد أرنولد تالبوت ويلسون (Arnold Talbot Wilson)، ووزير الدولة لشؤون الهند إدوين صامويل مونتاجو (Edwin Samuel Montagu). وبعد هذا اللقاء توصلت الأطراف المجتمعة إلى أنّ المشاكل التي
يعاني منها القطّاع الزراعي في جنوب نهر دجلة هي:
1. كثرة المستنقعات بسبب عدم قدرة الأنهار على تزويد القنات بكميّاتٍ كافيةٍ من المياه.
2. انتشار البدو الرُحّل.
3. الظروف المناخيّة السائدة من ارتفاع درجات الحرارة في الصيف، والأمطار الغزيرة في الشتاء، التي تؤدّي إلى الفيضانات.
ويبدو أنّ الإدارة البريطانيّة وجدت أنّ عملية تحسين الأنهار العراقيّة للملاحة البريطانيّة أو استخدام مياهها للري أمرٌ غاية في الصعوبة؛ لأنّها من المشكلات المرتبطة بعلم الجيولوجيا والجغرافيّة الطبيعيّة للأرض والزراعة والغابات؛ لذلك أوعزت الإدارة البريطانيّة في فبراير/شباط عام 1918م، إلى إيفاد جون وارد (Wared (Johan المفتّش العام للري في الهند، وجي أس هندرسون (G.S,Henderson) المزارع الإمبراطوري من الهند، لمساعدة القائد العام في البحث عن أفضل الأساليب لضمان التنمية الكاملة للموارد المحلّية في العراق، وهما مكلّفان بإعداد التقديرات الخاصّة بتكاليف الزراعة لموسم الحصاد لعام 1919م، ورافقت زيارتهم زيارة إدوارد أثام (Edward Atham) مدير الإمدادات العام في الهند، وتوماس هولاند (Thomas Holand) رئيس مجلس الذخائر. وفي 15 آذار 1918م، أرسل القائد العام للقوات المسلّحة إلى رئيس الأركان العامّة في الهند تقريرًا داخليًّا من هذين الرجلين لتمكينهما من صياغة المطالب المتعلّقة بالمعدات الزراعيّة المطلوبة بشكلٍ عاجلٍ قبل مغادرة
رئيس الأركان العامة، ورئيس مجلس الذخائر بغداد، وقدّم هندرسون تقريرًا آخر عن الزراعة في العراق إلى رئيس الأركان العامة في الهند 15 ابريل 1918م. يتم توفير مساحة 15000 فدان للجيش من القمح .
في عام 1918م، بلغت الإيرادات العينيّة بالنسبة لمحصول الربيع لذلك العام نحو (47،742 طن)، وهو تقريب قريب لتقدير (50،000 طن)، مثلما توقّع جاربيت من الحبوب الإيرادية التي تم الحصول عليها من المخطط، يتم تقييم الإيرادات الحكوميّة بنسبة (5/1) من الإنتاج، وإنّ هذا التقييم لم يتم استرداده بالكامل نظرًا لنقص الموظّفين. وفي حال مضاعفة الطلب على الإيرادات خمسة أضعاف، فإنّ الزيادة تكون بنسبة 25%. وإنّ الطلب على الإيرادات البالغ (48000 طن) سيعطي عند هذا الحساب محصولًا إجماليًّا قدره (300000 طن)، وهذا الأمر لن يحصل ما لم يكن هناك تطهيرٌ لقنوات الري .
أمّا فيما يخصّ أعمال كري الأنهار والسدود الترابية التي قامت بها الإدارة البريطانيّة فقد تم تقسيم الأراضي القابلة للزراعة في العراق من حيث طرق الإرواء، إلى نوعين: الأراضي المطريّة، والأراضي السيحيّة. وفي وسط العراق خضعت السهول الرسوبيّة في لفيضانات نهر دجلة أغلب المواسم الزراعيّة . وقبل الاحتلال البريطانيّ للعراق لم يكن موجودًا في العراق مشاريع للسيطرة على مياه الفيضان سوى سدة الهنديّة وحوض الحبّانية التي كانت تحت إشراف وليم ويلكوكس (William Wilcox)، الذي قام برسم الخرائط ووضع تصاميم لمشاريع الري وإعمارها عام 1912م، وكان أول مشروعٍ وضعه هو الاستفادة
من بحيرة الحبّانية، بعد حفر جدول مدخل الرمادي لتصريف الفيضانات، وحفر جدولٍ تحلية المجرة، الذي يوصل البحيرة بمنخفض بحر الملح للإفادة من المياه المخزونة بإعادتها إلى نهر الفرات قبل وصوله إلى الصقلاوية، ولكن بسبب اندلاع الحرب العالميّة الأولى في أيلول من عام 1914م، لم يكتمل المشروع .
اشتمل الجهد البريطاني الحربي في العراق على إقامة عدة مشاريع زراعيّةٍ، فقد أُنشِئت مزارع للقطن في أوائل عام 1918م، تحت إشراف خبيرٍ بريطاني بالقطن من دائرة زراعة الهنديّة في ديالى في بلدروز، وفي تشرين الثاني 1919م، كان تحت الإدارة المدنيّة دائرة زراعيّة يديرها مديرٌ بريطاني، واثنان من نوّاب المدير، وكيمياويّ بريطانيّ، وعالمٌ بريطانيٌّ بالحشرات والأمراض التي تصيب المزروعات، فضلًا عن وجود أربعةٍ من المساعدين من الهنود.
واستفادت القوات البريطانيّة من بناء الثكنات العسكريّة وتعبيد الطرق ومدّ السكك الحديديّة وتشييد القناطر، وسدّ حاجتها إلى الأطعمة فضلًا عن تأثيرها في منطقة الفرات الأوسط، ولكن أدّى هبوط الانتاج الزراعي، وتوقّف استيراد البضائع الصناعيّة إلى ارتفاع الأسعار، وحصول الاحتكار بسبب الأرباح الفاحشة، وانتشرت المجاعة في المناطق الفقيرة من بغداد والموصل والبصرة، وتفشّت أمراض الطاعون والكوليرا فذهب ضحيتها المئات من العراقيين.
أدّت العمليّات العسكريّة البريطانيّة في العراق إلى سوء الأوضاع الاقتصادية بسبب خروج مساحاتٍ زراعيّةٍ واسعةٍ من الأراضي الزراعيّة من العمليّة الإنتاجيّة، نتيجةً لارتفاع نسبة الملوحة وضياع الأصناف المحسّنة من المزروعات وخاصة الأرز والشعير والقمح، ولارتفاع الطلب العالمي على الحبوب، واحتياج
القوات العسكريّة البريطانيّة في العراق والهند إلى الغذاء؛ لذلك جاءت الإدارة البريطانيّة بمخطط تنمية الزراعة الذي كان القصد من وراء هو دمج الاقتصاد العراقي بالرأسمال الأجنبي من خلال قيام الإدارة البريطانيّة باستصلاح عددٍ من شبكات الري وإقامة سدودٍ ترابيّةٍ في كلٍّ من العمارة وسوق الشيوخ، وكانت غايتهم من ذلك رفع مستوى مياه نهر دجلة؛ بغية تسهيل أمر مرور سفنها العسكريّة، فأثّرت بدورها في تنظيم توزيع المياه على الأراضي الزراعيّة التي انخفض انتاجها الزراعي، ووجدت الإدارة البريطانيّة أنّ من مصلحتها إضافة (10%) من الرسوم الإداريّة المعتادة للنقل المائي التي أصبحت تتحكم فيه، بعد إلغاء نقل المحاصيل الزراعيّة بالاكلاك، وإضافة (5%) على أجور تعبئة وتغليف المنتجات الزراعيّة، وبالتالي فإنّ تكلفة استيراد طنٍّ من القمح إلى بغداد ستكون (270 روبية)، أي ما يعادل (18 جنيها إسترلينيًّا للطنّ الواحد)، و(237 روبية) أي (154 جنيه إسترليني) للطنّ من الشعير، وكانت تكلفة استيراد (25000 طنٍّ من القمح)، و(100000 طنٍّ من الشعير)، ستبلغ (30430000 روبية)، (2030000 جنيه إسترليني) . وكانت النتيجة ارباك الإنتاج الزراعي العراقي وتشجيع المنتج المستورد، وكان الهدف الأول والأخير من وراء ذلك هو ربط الاقتصاد العراقي بعجلة السوق الرأسماليّة العالميّة .
ووقفت مشكلة الري عائقًا أمام البريطانيين في تنفيذ المخطط، ووجدوا الحلّ في تركيب مضخّات للري، وكان هناك شرطان لتركيب المضخّات قبل نهاية شهر كانون الأول من عام 1918م: أنْ يتم تسليم المضخّات في الوقت المناسب
لتركيبها، وأنْ يتم شراؤها بتكلفةٍ تسمح للمزارعين بشرائها، وفي حالة عدم استطاعتهم شرائها تقوم الإدارة البريطانيّة بتقديم قروضٍ للمزارعين بفوائد ماليّةٍ تحسب على وفق مساحة الأرض المزروعة وحسب جودة المحصول. وممّا تجدر الإشارة اليه أنّ موافقة مكتب الحرب على الخطّة كانت مقتصرةً على بعض الألويّة العراقيّة وليس جميعها، ويبدو أنّ هذه الانتقائيّة جاءت تنفيذًا لتعليمات الملازم كامبل روجرز (CAMPEII ROGERS).
وبسبب عدم استطاعة المزارعين العراقيين شراء المضخّات، بقيت مشكلة الري دون حلٍّ جذري؛ لذلك جاءت نتائج المحصول الصيفي الذي تم حصادهُ في خريف1918م، مخيبةً لآمال الإدارة البريطانيّة؛ فقد أُنفق مبلغ (141448 روبية) وما يعادله (19430 جنيه إسترليني) على القروض الخاصّة ببذور الأرز، و(24643 روبية) وما يعادلها (1643 جنيه استرليني) على بذور أخرى للحصاد، وتم طلب الذرة والدخن من الهند، لكن وصل الدخن متأخّرًا للزراعة، وكانت الذرة غير مناسبةٍ للزراعة، ودمّر الجراد الدخن الذي زرع من البذور المحلّية، وقد تمّ اجراء استعداداتٍ مكثّفةٍ لزراعة الأرز في الشامية، وهي من الأماكن الأكثر ملائمةً للزراعة، ولكن بسبب نقص المياه زُرِعَ نحو (25000 فدان فقط) بدلًا من (100000 فدان)، كما تضرّر المحصول بسبب انخفاض منسوب المياه بشكلٍ غير طبيعي في نهر الفرات، وفي لواء الحلة زُرِع نحو (40000 فدان)، ولم يكن تحت تصرّف مدير الموارد المحّلية وسائل نقلٍ كافية لنقل المحصول من المزارع إلى أماكن التخزين؛ ممّا أدّى إلى إصابة كمياتٍ كبيرةٍ من المحصول بالعفن .
ويبدو أنّ غياب الدور الإرشادي في التوعية والتوجيه بمخاطر الفيضانات من قبل الإدارة البريطانيّة للفلاحين العراقيين أدّى إلى تفاقم مشكلة الإضرار بالأراضي الصالحة للزراعة؛ لذلك بادرت بريطانيا إلى تأسيس دائرة الري في آب 1918م، التي كانت تحت إدارةٍ عسكريّةٍ برئاسة بريجيدير لويس(Brigadyer Lewis)، وكانت من صلاحيات هذه الدائرة تطوير شبكات الري وصيانتها، وإقامة عددٍ من الضفاف التي كانت تلحق بها الفيضانات، وحفر عددٍ من الجداول والقنوات المتفرّعة من قناة الصقلاوية وأبي غريب واليوسفيّة، أمّا عن سدّة الهنديّة فقد أُعيد حفر عددٍ من القنوات المتفرّعة من هذه السدة، ومنها قناة بني حسن وقناة الكفل، كما قامت دائرة الري بتطهير نهر الرضوانيّة، وفي الكوت درست إمكانيّة رفع الرواسب التي طمرت من النهر الواقع بين الكوت والحي، وفي ديالى قرّرت وضع الترتيبات اللازمة لتنظيف قناة بلدروز.
وقد يبدو للعيان أنّ تأسيس دائرة الري كان جزءًا من خطط التنمية الزراعيّة التي يسعى البريطانيّون إلى تحقيقها في العراق والتي تساهم في ازدهاره وتطوره، إلّا أنّها في حقيقة الأمر كانت تُعدّ من مشاريع الاستيطان البريطانيّ للعراق.
ولقد أدّى تباطئ معدّل نمو الإنتاج الزراعي مطلع عام 1919م، وعجز عن تلبية الطلب المحلّي من الغذاء، وعلى سبيل المثال كان الأرز قد احتفظ بمستوى الاكتفاء الذاتي إلّا أنّ ذلك لم يكن نتيجةً لزيادة الإنتاج، وإنّما لانخفاض الطلب بسبب ارتفاع الأسعار، وبذلك فشلت الإدارة البريطانيّة في اتباع سياسةٍ زراعيّةٍ تنمويّةٍ طويلة الأمد تمكّن من النهوض بواقع الزراعة في العراق. وغالبية الفلّاحين العراقيين كانوا من صغار المنتجين المحلّيين، والغرض من إنتاجهم
(155)هو الحفاظ على معيشتهم، بدلًا من السعي لتحقيق الأرباح، ولم يتغيّر هيكل وخصائص إنتاج الكفاف هذا في عهد الإدارة البريطانيّة.
تركت المخطّطات والمشاريع البريطانيّة الزراعيّة آثارًا اجتماعيّةً كثيرةً على طبقة الفلّاحين العراقيين، فمن المعروف أنّ الطبقة الفلّاحيّة تعدّ من أكبر الطبقات الاجتماعيّة في العراق آنذاك، فكان من الطبيعي أنْ يقع على عاتق أبنائها كلّ ثقل الاستغلال الإقطاعي المباشر، وكذلك الجانب الأكبر من النضال التحرّري ضد الاستعمار والإقطاع على حدّ سواء ، وممّا زاد في الطين بلةً هو ظهور تناقضٍ كبيرٍ بين المصلحة الاستعماريّة التي كانت ترغب في الإبقاء على النظام الاقطاعيّ والاقطاعيين خدمة لمصالحهم، وبين مصلحة الشعب العراقي الذي يدرك تمامًا أنّ بقاء النظام الاقطاعيّ هو العقبة الكبيرة في طريق زيادة وتطوّر الإنتاج الزراعي ورفع مستوى معيشة الشعب العراقي، وهذا التناقض أسهم إلى حدٍّ كبيرٍ في عرقلة مسيرة العراق الاقتصادية.
وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ التقارير البريطانيّة الصادرة أواخر عام 1918م، قد غضّت الطرف عن هذا الأمر، وذكرت أنّ القطاع الزراعي بات يعاني من مشكلاتٍ طبيعيّةٍ عديدةٍ من بينها قلّة المياه في بعض المناطق مثل قضاء الهندية، وعلى امتداد فرع الحلّة من نهر دجلة وأصبحت إنتاجيّة المحاصيل الزراعيّة الناضجة ضئيلةً جدًّا، وفي الوقت ذاته غمرت المياه مدينة كربلاء والأراضي المحيطة بها . وتسببت الفيضانات التي تأتي أواخر المواسم في غمر المحاصيل
الزراعيّة الناضجة، وتعفّن جذور المحاصيل نتيجة تراكم الطمى وتآكل التربة؛ ممّا سبّب فقدان الفلّاحين للعوائد المادية، وممّا زاد من سوء حالهم الضرائب الزراعيّة المفروضة عليهم؛ إذ لم تلتفت بريطانيا إلى أوضاعهم المعيشيّة الصعبة، وكانت تفكّر فقط في الإفادة قدر الإمكان من واردات الضرائب الزراعيّة حينذاك، والذي ساعدهم على ذلك هو ولاء بعض رجال العشائر لهم وعدم معارضة سياستهم؛ وبذلك انتفع هؤلاء في مدة من الحكم الذاتي فضلًا عن الإعفاء من دفع الضرائب؛ وبذلك ضمنت بريطانيا عدم معاداة العشائر لها من خلال سياستها الانتفاعيّة معها، وهذا ما أكّدت عليه المس بيل قائلة: «كان الاستثمار الزراعي أقوى سلاحٍ في أيدينا لتهدئة القبائل».
ولذلك لم تلغي الإدارة البريطانيّة الإقطاع في العراق، وإنّما عملت على استمراره، وظهرت الفوارق الاقتصاديّة بين طبقة المُلّاك الإقطاعيين والفلّاحين العاملين في أراضيهم بأجورٍ متدنية، ونتيجة لزيادة حاجات الفلّاحين الغذائيّة والماليّة، وقلّة المحصول لاستيلاء السلطات البريطانيّة عليه اضطرّ الفلّاحون
إلى الاقتراض من المُلّاك والتجار، وهذا الأمر ترتب عليه زيادة الديون بذمة الفلّاحين للمُلّاك الذين تجرّدوا من أيّ إنسانيّةٍ، وفي سبيل الاستحصال على أموالهم كانوا يقومون بضرب الفلّاحين أمام عوائلهم، وهذا الأمر بطبيعة الحال سبّب لهم الأذى النفسي والجسدي ولذلك بدأت هجرة الفلّاحين من الريف إلى المدينة أواخر عام 1919م، وتأسيسًا على ما سبق ذكره يمكن أنْ نعزو أسباب هذه الهجرة إلى ما يأتي:
1. حالة الفوضى في الملكيّات الزراعيّة للأراضي العراقيّة، فقد عدّت الإدارة البريطانيّة هذه الأراضي ملكًا لها، وشجّعت على ظهور الملكيّات الكبيرة وإدارتها من قبل شيوخ العشائر وسيادة الإقطاع، وأجرت نوعًا من المسح الزراعي في كلٍّ من ولايات البصرة والحلّة وبغداد والموصل، وكان الهدف من هذا المسح ليس خلق حقوق ملكيّةٍ جديدةٍ للأراضي الزراعيّة؛ وإنّما استقصاء وتثبيت الملكيّات الموجودة، وكانت هذه العمليّة تستغرق سنين عديدةً إلّا أنّ الوضع السياسي في العراق لم يكن يسمح لوقتٍ طويلٍ، ونتيجة لذلك حُرم بعض المالكين من أراضيهم؛ لعدم امتلاكهم السند الأصلي لملكيتهم بعد احتراق دائرة الطابو العثمانية عام 1916م، وكلّ ذلك أثّر على الملكيّات الصغيرة، وعلى المستوى المعاشي للفلاحين .
2. قلّة إيرادات الأراضي الزراعيّة، وتردّي أوضاع الفلّاحين العراقيين وخاصّة بعد أنْ جُرّدوا من أراضيهم، ووجدوا في المدن الملاذ الآمن لهم، خاصّة بعد أنْ اطّلعوا على الأحوال المعيشيّة للساكنين في المدن؛ إذ كانوا يتمتعون بنوعٍ
من الاستقرار الاقتصادي، فكان العامل في القطاعات الصناعيّة العراقيّة المختلفة أفضل حالًا منهم .
إنّ عدم قدرة الحكومة العراقيّة على قيادة التنمية الاقتصاديّة خلال سنوات الاستعمار البريطاني، فسّر لنا إحكام قبضة الإدارة البريطانيّة على الاقتصاد العراقي، وبرز واضحًا في عدم إصدار تشريعٍ ضريبيّ جديدٍ لتعزيز النمو الاقتصاديّ العراقي، واحتكار المنفعة العامّة من الإنتاج الزراعي، التي تقوم على أساس المساواة في التوزيع، وإنّما سعت لتحقيق الرأسماليّة الموجّهة، وإزاء تحقيق ذلك لم تراعِ الإدارة البريطانيّة الظروف العامّة للزراعة في العراق، بل إنّها فرضت ضرائب جسيمةً على الشعب العراقي وخاصّة طبقة الفلّاحين، واثقلوا كاهل الشعب بالمصادرات والغرامات بهدف افقارهم، وتغطية الجزء الأكبر من نفقات قوّاتهم العسكريّة في العراق، ولكن الشعب العراقي قاوم تلك الإجراءات التعسفيّة، وكان يسعى لنيل الاستقلال من براثن الاستعمار؛ لذلك حدثت انتفاضة النجف في آذار عام 1918م، ضدّ الإدارة العسكريّة ، وكانت تلك الانتفاضة من قوتها وامتداد تأثيرها أنها وصلت إلى جميع الألوية العراقيّة؛ ممّا جعل الحاكم العسكري البريطاني يفرض حصارًا على المدينة استمر لمدة أربعين يومًا. وكان من شروط إنهاء الحصار تسليم بعض الأشخاص المسؤولين عن تلك الانتفاضة دون قيدٍ أو شرطٍ، ودفع غرامةٍ قدرها ألف بندقية، وغرامة
ماليّة قدرها خمسون ألف ليرة إنجليزيّة .
وفي إطار الانتفاضة السالفة الذكر يمكن القول إنّها كانت تهدف إلى إنشاء اقتصادٍ وطنيّ مستقلٍّ وحرٍّ قائمٍ على قاعدةٍ زراعيّةٍ محليّةٍ قويّةٍ؛ لذلك ارتبطت حرية القطاع الزراعي بفكرة التحرّر الوطني، إذ كانت السياسة البريطانيّة الاقتصادية المتبعة في العراق تقوم على أساس التبعية والاستغلال لتغطية احتياجات القوات البريطانيّة.
1. سعت بريطانيا جاهدةً من أجل ضمان بقائها طويلًا في العراق، ولقد كانت العمليّات العسكريّة البريطانيّة في العراق، وراء تأزّم الوضع الاقتصاديّ العراقي لاستخدام إمكاناته المتوفّرة لخدمة احتياجاتها العسكريّة، التي وقعت بثقلها على كاهل الشعب العراقي من الفلّاحين ودافعي الضرائب، بل عامة الشعب.
2. بالرغم من قيام الإدارة البريطانيّة ببعض المشاريع في العراق التي استهدفت تطوير المواصلات النهريّة وحفر وكري الأنهار والجداول، وبالرغم من أنّ هذه المشاريع استقطبت اعدادًا كبيرةً من العمّال العراقيين، فإنّها لم تسهم في تحسين الحالة الاقتصاديّة لهذه الطبقة، بل زادتها سوءًا، إذ إنّ هؤلاء كانوا يعيشون على حافة الفقر؛ لأنّ عملهم عند السلطات البريطانيّة كان بالسخرة ومن دون مقابلٍ.
3. عانت المشاريع التي نفّذتها دائرة الري من صعوبات كثيرة، كان لها إنعكاسات خطيرة على القطاع الزراعي، وعلى سبيل المثال اهتمام السلطات البريطانيّة بالري لم يكن مبنيًّا وفق خطط مدروسة، وإنّما كانت تنفّذ مراعاة لمصالح السياسة البريطانيّة وإدارتها العسكريّة؛ لذلك جاءت وقتيّةً وسطحيّةً وذات فائدةٍ آنية، وليست مستقبليّة.
4. كان بناء مشروع ويلكوكس ضعيفًا، وكان إصلاحه يؤلّف جزءًا من التنمية الزراعيّة التي باشرها البريطانيون في أثناء الحرب، وعلى ما يبدو أنّ هذا المشروع وغيره من المشاريع الإروائيّة عُدت بمنزلة مشاريع مساعدة لانتصار البريطانيين العسكري خلال الحرب العالميّة الأولى.
5. استولت الإدارة البريطانيّة على بيوت وأملاك الأفراد العراقيين، واتّخذتها
مقرًّا لقواتها ودوائرها الرسميّة الاستعماريّة، وتذرّعت حينذاك بذرائع عديدةٍ، أهمّها أنّ أصحاب هذه البيوت معروفون بانحيازهم للعثمانيين، وهم من ألدّ أعدائها.
1.دار الكتب والوثائق، الوحدة الوثائقيّة، وثائق البلاط الملكي، الملفة 310/2544، تقارير الإدارة البريطانيّة الزراعيّة.
2.دار الكتب والوثائق، الوحدة الوثائقيّة، وثائق البلاط الملكي، الملفة311/2544، تقارير الإدارة البريطانيّة الزراعيّة.
3. Report on the Development of Mesopotamia with special reference to the Regeneration of the River Systems .IOR\L\MIL\17\15\53.
4. Report for the Army Council on Mesopotamia, By Sir John p .Hewett, IOR\L\MIL\17\15\55
5.الحسني، عبد الرزاق، العراق قديمًا وحديثًا، الرافدين، بيروت، د, ت.
6.الحميري، عبد الرضا، نظام الإقطاع في العراق بين مؤيّديه ومعارضيه، دار الشؤون الثقافية، بغداد، ط1، 2017م.
7.الدبوسي، محمد جواد، محاضرات في مشكلات التقدم الاقتصادي في العراق، القاهرة، 1958م.
8.ستيفن همسلي لونكريك وفرانك ستوكس، العراق منذ فجر التاريخ حتى ثورة تموز1958م. ترجمة مصطفى نعمان، دار المرتضى للطباعة، بغداد،2009م.
9.ستيفن همسلي لونكريك، العراق الحديث 1900-1920م، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد،1988م.
10.الشكرجي، محمد سعيد، جذور فشل بناء الدولة 1831-1869، دار الكتب العلمية، بغداد،2017م.
11.علي ناصر حسين، الإدارة البريطانيّة في العراق 1914-1921م، بغداد،2008م.
12.العمري، محمد ظاهر، تاريخ مقدرات العراق السياسية، الجزء الثالث، بغداد، مطبعة دار السلام، 1925م.
13.كمال مظهر أحمد، صفحات من تاريخ العراق المعاصر، دراسة تحليلية منشورات مكتبة البدليسي، بغداد،1987.
14.مجموعة باحثين، المفصّل في تاريخ العراق المعاصر، بيت الحكمة، بغداد،2002م.
15.المس بيل، صفحات من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخيّاط، بغداد،1971م.
16.هنري فوستر، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، بيروت، المكتبة الأهليّة، 2006م.
17.حسين علي فليح، وزارة الزراعة في العراق، رسالة ماجستير، كلية التربية ابن رشد، جامعة بغداد، 2015م.
18. لمى عبد العزيز عبد الكريم، الخدمات العامّة في العراق1869-1918م، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية الآداب / جامعة الموصل،2003م.
19.الشامي، رحيم حسن محمد، النجف الأشرف في ظلّ الحكم البريطاني المباشر1917-1920، مجلة كلية التربية للعلوم الإنسانيّة، جامعة ذي قار، العدد1، 2020م.
20.الصبيحي، منير عبود، الزراعة ونظام الري في الفلوجة 1917-1958م، وقائع مؤتمر جامعة الفلوجة 2020م.
21.الطفيلي، ستار علك، التطوّرات الاقتصادية في العراق خلال فترة الانتداب البريطاني1921-1932م، مجلة العلوم الإنسانيّة، كليّة التربية صفي الدين الحلي.
22.علي صدام صحن، المس بيل ونشاطها الاجتماعي في بغداد 1917-1926م، مجلة المستنصريّة للدراسات العربية والدوليّة، العدد42.
23.غيلان سمير طه، الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة في العراق (1933-1945م)، مجلة كلية الآداب/ جامعة تكريت، العدد11، 2011م.
م. حسين خليل مطر
إنّ ما رافق الحرب العالميّة الأولى من أحداثٍ سياسيّةٍ، وما تمخّض عنها من نتائج غيّرت ملامح وجه الخارطة السياسيّة في المنطقة أسفر عن وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب المعاهدات المفروضة على الطرف المنهزم وهي الدولة العثمانيّة.
فكان ملف الآثار من ضمن ملفاتها المهمّة؛ إذ تمّ بموجبها إلغاء قانون الآثار العثماني عام (1884م)، وسُنّ قانون جديد يكّرس تحقيق مصالح بريطانيا؛ لذلك ولكون العراق تحت الانتداب البريطاني فقد سعت (المس بيل) إلى إصدار قانونٍ للآثار، وهو قانون الآثار القديمة لسنة 1924م الذي كان من أبرز سلبياته هو قسمة الآثار العراقيّة بين الجهات القائمة بالتنقيب والحكومة، وكذلك قانون منع تهريب الآثار القديمة سنة 1926 الذي كان يشوبه هو اهتمامه بمنع تهريب الآثار إلى داخل العراق، وليس منع تهريبها من داخل العراق إلى خارجه ، ممّا يدل على أنّ هذه القوانين كانت انعكاسًا لأهداف الانتداب البريطاني.
الكلمات المفتاحيّة: الآثار القديمة، قانون الآثار، الاستعمار البريطاني، الأموال العامة، تهريب الآثار.
إنّ الآثار تنتشر في مختلف بقاع المعمورة، غير أنّها تتفاوت في كمّياتها من منطقةٍ إلى أخرى تبعًا لاختلاف حجم وعدد الحضارات التي تعاقبت على بقاع الأرض، فالدولة التي تتوافر فيها كمّياتٌ كبيرةٌ من المعالم الأثرية تعدّ صاحبة حضارات وذات تاريخٍ عريق، ممّا يشير إلى أنّ هذه الدولة لطالما كانت محطّ أنظار الأمم القديمة، نظرًا لموقعها في بقعةٍ حساسةٍ من الأرض، أو لقربها من منطقةٍ ذات أهميّةٍ، ممّا يجعلها بمنزلة بوّابةٍ لتلك المناطق أو امتدادًا جغرافيًّا معينًا، أو لاحتوائها على موارد طبيعيّةٍ ممّا يجعلها ملائمةً لإقامة ممالك أو أمبراطوريّات في عهود الزمن السحيق. ومن ثم كثرة الآثار التي تمثّل إحدى أبرز تجلّيات التاريخ.
وقد شهدت أرض العراق قديمًا قيام بواكير الحضارات البشريّة المعروفة على مستوى العالم التي عرفت بمنجزاتها الحضاريّة القيّمة، وكان لها علاقاتها وتأثيراتها مع مختلف دويلات العالم القديم، وعلى هذا الأساس كان الاهتمام بآثار تلك الحضارات العراقيّة القديمة كبيرًا، هذا كلّه يجب أنْ يعطي إشارات واضحة الدلالة إلى من يقطن هذه البقعة من مواطنين أو مؤسّسات بمختلف أصنافها في العصر الحديث، إلى ضرورة الاستفادة من تواجدهم في هذه البقعة دون سواها، وبذل الجهود على كافة الأصعدة لأحاطتها بالحماية، والسعي إلى تفعيل دور القانون في هذا الإطار.
إنّ للآثار أهميّةً معنويّةً الى جانب الأهميّة المادية، إذ إنّ الآثار تمثّل تراثًا للإنسانيّة جمعاء، وتشكّل حلقةً من حلقات التطوّر الحضاري والثقافي للإنسان، وما يؤكد هذه الأهمية أنّ ضياع أيّ أثرٍ أو فقدانه يعدّ خسارة كبرى لا تعوضها الماديات، ليس فقط للدولة صاحبة الأثر، بل للإنسانية كلّها.
إنّ الأهميّة المعنويّة للآثار هي السبب الرئيس الذي يجعل تشريعات الأمم تنصّ على حماية الآثار من كلّ اعتداء سواء القصد من هذا الاعتداء تهريبًا، أم متاجرة بها، أم تشويهًا، أم حتى حفظها من التلف أو الفقدان، بيد أنّه قد نجد على عكس ذلك تمامًا في بعض التشريعات في حالة إذا ما تعرّضت لتأثيراتٍ خارجيّةٍ تخرجها عن مسارها المعروف، والغاية من سنّها تحقيق المصلحة العامة لتتحول إلى سيفٍ مسلّطٍ على عنق المنطقة التي شُرّع القانون من أجلها، وهنا تكمن وتتوطن إشكاليّة البحث، والتساؤل الذي يطرح هنا: ما المدى الذي وصلت إليه لمسات الاستعمار البريطاني في بلورة نصوص التشريعات الخاصّة بالآثار؟ لذا نتناول في هذا البحث دراسة التنظيم القانوني للآثار من خلال التشريعات الصادرة في ظلّ الاستعمار البريطاني معتمدين في ذلك على المنهج الوصفي والتحليلي.
تم تقسيم خطّة البحث إلى أربعة مطالب، المطلب الأول بعنوان (مفهوم الآثار) الذي يقسّم إلى فرعين هما: تحديد مفهوم الآثار لغةً، وتحديد مفهومها اصطلاحًا، أمّا المطلب الثاني فهو بعنوان (معايير تمييز الآثار)، الذي يقسم إلى فرعين هما: المعيار القانوني، ومعيار تمييز الآثار بوصفهما أموالًا عامّة، والمطلب الثالث سيكون تحت عنوان (الواقع القانوني والعملي للآثار العراقيّة في ظل الاستعمار البريطاني)، أمّا المطلب الرابع والأخير سيُخصّص لبيان أهمّ الملاحظات القانونيّة ذات الصلة بالقوانين الخاصّة بالآثار الصادرة خلال مدة الاستعمار البريطاني الذي سيكون تحت عنوان (تأمّلات حول القوانين الخاصّة بالآثار الصادرة في ظلّ الاستعمار البريطاني)، إذ سيُقسم إلى فرعين، فرع خاص بقانون الآثار القديمة لسنة 1924م، والفرع الآخر لقانون منع تهريب الآثار القديمة لسنة 1926م.
إنّ دراسة موضوع الآثار يتطلّب بالبدء استيضاح مفهومها بهدف وضع إطارٍ حول المعنى، ومن ثم تحديد مسار البحث، وهذا ما يقودنا إلى التطرّق لتعريف الآثار لغةً واصطلاحًا، وخصائصها وتمييزها عن معنى التراث وعلى النحو الآتي:
الآثار في اللغة جمعٌ لكلمة (أثر)، ويتمحور مدلولها حول أربعة معانٍ، فهي تعني تتبع الشيء، أي السير خلفه، أو ترك علامةٍ يعرف بها، وأتت كلمة الآثار أيضًا بمعنى المكرمة أو الأثرة، أي بمعنى الشيء المُؤْثَر أو المفضّل، أي الشيء الذي يذكر، وكما دلّت هذه المفردة على معنى هو في حقيقته الأكثر قربًا وتناغمًا مع ما تتجه له الآراء والاتجاهات الفقهيّة والقانونيّة، فجاء في مدلولها: هو ما بقي من الشيء، أو رسمه، أو ما تركه الأقدمون.
سنبيّن هذا المدلول من جانبين، الجانب الفقهي، والجانب القانوني، بحسب النقاط الآتية:
لقد وردت كثيرٌ من التعريفات في معنى الآثار هدفها صياغة مدلولٍ فقهيّ يوضّح لنا ملامح هذه المفردة، ويحدّد زواياها وأطرها على نحوٍ مفهوم، غير أنّ بعضها قد جانب الصواب، فقد عرفت الآثار على أنّها «هي الأشياء ذات القيمة
الماديّة والفنيّة التي تخصّ أقوامًا قديمةً ورد ذكرها في العهد القديم».
وعرفه بعضهم الآخر على «أنّه ليس قطعة حجرٍ أو تحفةً فنيّةً أو نقشًا ملونًا، لكنّه يعتبر مظهرًا من مظاهر الحضارات المختلفة التي قامت على أرض الوطن، أو كانت لها صلةٌ تاريخيّةٌ به، فهي تلك الأشياء ذات القيمة التاريخية كالحصون، والقلاع، والأسلحة، والتماثيل، والنقوش التي ترجع إلى العهود القديمة».
وجاء بعضهم بتعريف للآثار قائلًا: «هي كلّ ما تركه الإنسان القديم من أدواتٍ خلّفها، أو كهوفٍ أو قصورٍ عاش فيها، أو معابد نشأ عليها، أو حلي أو قلائد تزيّن بها، أو نذورٍ تقرّب بها، أو كتاباتٍ، أو أسلحة استخدمها، أو رسومٍ أو فنونٍ خلّدها».
ومن التعريفات الأخرى للآثار أنّها «كلّ ما خلّفه الإنسان من موادّ ملموسةٍ من صنع يده من الماضي، قد تكون ثابتةً مثل المساكن والحصون والمعابد، وقد تكون متحرّكةً مثل الأواني الفخاريّة والحجريّة».
والآثار هي أشياء منقولة أو عقاريّة صنعها الإنسان أو طبيعته تتمتع بقيمةٍ تاريخيّةٍ، ولها أهميّةٌ كبيرةٌ كعنصرٍ من عناصر البيئة الحقيقية؛ لكونها تمثّل تراثًا حضاريًّا للمجتمعات البشريّة؛ ولذلك كان للآثار علمٌ خاصٌّ بها، يُسمّى بعلم الآثار (الأركيولوجيا)، وعلم دراسة جميع الأشكال الملموسة أو المنظورة التي تحفظ أثر نشاطٍ بشريّ، فعلم الآثار هو البوابة التي يمكن من خلالها معرفة الماضي، يسانده في ذلك بعض العلوم، مثل علم اللغات يختصّ بدراسة النصوص
المنقوشة، وفكّ رموزها، إضافة إلى علم (الأنتوغرافيا) علم خصوصيات الشعوب، وعلم (الأنثروبولوجيا) علم الإنسان. فهذه العلوم هي من العلوم المساعدة لعلم الآثار، فهي تشترك معه اشتراكًا وثيقًا لا غنى عنه.
إلى جانب التعريفات اللغويّة والفقهيّة فإنّ للتشريعات مساهمةً فاعلةً في هذا النطاق حتى وإنْ اقتصرت على بيان دلالة المصطلح الذي تدور حول رحاه كلّ مواد القانون، وأعني بهذا قانون الآثار القديمة عام 1924م، الذي استخدم مصطلح (الآثار القديمة)، ممّا يدلّ على أنّ نصّ القانون مترجمٌ عن اللغة الانكليزيّة التي تستعمل مصطلح (Antiquities)، الذي يترجم إلى اللغة العربيّة (الآثار القديمة)، وقد عرّف قانون الآثار القديمة مصطلح (الآثار القديمة) بأنّه كلّ ما كان قد بُني في العراق، أو أُحدث فيه، أو جُلِب إليه قبل سنة ( 1118هـ) أو( 1700م)، من المباني، والهياكل، والأطلال، والأشياء التي يُستدلّ بها على فنٍّ أو علمٍ أو صنعةٍ أو تاريخٍ أو دينٍ أو أدبٍ أو عادةٍ، وذلك حسب ما جاء في نصّ (المادة الثانية/ البند أ) من القانون ذاته.
سنبيّن فيما يلي المعايير المعتمدة في تمييز الآثار على حسب الفروع الآتية:
لا يوجد معيارٌ واحدٌ مُعتَمَدٌ في إطار منظومة التشريعات، بل هي مُوزَّعةٌ بين ثلاثة معايير، وهي:
أولًا: المعيارُ المادي: أو ما يُسمّى بالضابط المادي، فعلى أساس هذا المعيار لا يدخل في عداد الآثار إلّا ما كان من الأشياء المادية؛ فالآثار وإنْ كانت تُجسِّد نتاج العقل من أشياء غير محسوسةٍ مثل المُبتكرات والاختراعات في التجارة والصناعة، كان لا بدَّ لها أنْ تظهر بصورةِ أشياءٍ ماديةٍ ملموسةٍ واضحةٍ للعيان يترتب عليها حقٌّ ماليٌّ، وهي محلُّ هذا الحق.
وإذا نظرنا إلى جوهر هذا المعيار نجد أنّ المادةَ تمثل المحورَ في كونِ حقيقةِ شيءٍ ما أثرًا أم لا، حيث خلفت المجتمعات وثائقَ دُوِّنَتْ فيها كتاباتٌ طُبِعتْ على رُقَعِ الطين أو نُقِشَتْ على قِطَعٍ حجريةٍّ أو خشبيّة، عدّها علمُ الآثارِ حقائقَ من الماضي تكشف عن دلائل الحضارات القديمة بما تحويه من أنشطةٍ اقتصاديةٍ أو اجتماعيّةٍ أو سياسيّةٍ أو قانونيّةٍ.
ثانيًا: المعيارُ الزمني: أو ما يُسمّى بالضابط الزمني، فوفقًا لهذا المعيار فإنَّ أصحابه قد جعلوا من الزمن المحورَ الأساسَ الذي يدور حوله تمييزُ الآثار، غير أنّه قد ظهر في هذا الميدان اتجاهان، هما:
الاتجاه الأول: يذهب إلى القول بعدم ضرورة مرور مدّةٍ زمنيةٍ محددةٍ حتى يمكن عدُّ الشيءِ الماديِّ أثرًا، إذ إنّهم يُفضِّلون إدراج الأشياء التي تُعدّ آثارًا في قوائم معينةٍ في صلب قوانين تُعَدُّ لهذا الغرض.
الاتجاه الثاني: يعتمد أنصارُ هذا الاتجاه بشكلٍ أساسيٍّ على عنصر الزمن، إذ إنّهم يشترطون مرور المدّة التي حدّدها القانون على الشيء حتى يُعدّ من قبيل الأثر .
ثالثًا: معيارُ المصلحة العامّة: المقصود بالمصلحة العامّة هو صيانة مصلحة أفراد المجتمع عن طريق الحفاظ على مصلحة المجموع والمصلحة المشتركة، وفي هذا ما يتضمّن المساواة بين المواطنين، وعدم التحيّز، والإغفالِ، والدولة هي المؤسّسةُ المسؤولة عن تحقيق المصلحة العامّة في ظلّ فكرة العقد الاجتماعيّ .
وقد جرت العادة على اعتماد معيار المصلحة العامّة في تحديد الأثر في حال تخلّف المعيار الزمني، إذ يتمّ اللجوء إليه على الرغم من عدم الدقّة التي تشوبه؛ لكونه معيارًا مرنًا ونسبيًّا، ويتيح للإدارة سلطةً تقديريّةً واسعة .
يُقصَدُ بالأموال العامّة تلك الأموال التي تستطيع الإدارة من خلالها ممارسة نشاطها وتحقيق أهدافها، سواء كانت تلك الأموال عقاريّةً أم منقولةً، وتتميّزُ هذه الأموال بأحكامٍ خاصّةٍ.
وقد ظهرت في هذا الصدد ثلاثة معايير الغاية منها تمييّزها:
١. معيار طبيعة المال:
يستند هذا المعيار إلى أساس أنَّ الأموال العامّة هي تلك التي لا تصلح بطبيعتها أنْ تكون مملوكةً ملكيّةً خاصّةً، وتكون مخصَّصة للاستعمال المباشر للجمهور، مثال ذلك: الطرق العامّة، والميادين، والحدائق العامّة.
٢. معيار تخصيص المال للمرفق العام:
يتجهُ أنصار هذا المعيار إلى أنَّ المال العامّ هو المال المخصَّص لخدمة مرفقٍ عامٍّ، أي ما يكون مخصَّصًا لتدبير وتسيير المرفق العامّ، وعلى وفق هذا المعيار تُعدُّ المباني والمؤسسات الحكوميّة، وما فيها من أدواتٍ وأثاثٍ أموالًا عامّةً، لكونها جميعًا مخصَّصةً لخدمة المرافق العامّة.
٣. معيار تخصيص المال للمنفعةِ العامّة:
مقتضاهُ أنَّ المال يكون عامًّا طالما تمَّ تخصيصُه لتحقيق النفع العامّ، وأيًّا كانت طريقة التخصيص، فقد استقرَّ رأي الفقه والقضاء على أنَّ المال العامّ هو ذلكَ المال المملوك لإحدى الجهات الإداريّة والمخصَّص للمنفعة العامّة .
كانت مرحلة السيطرة العثمانيّة على العراق من عام (١٥٣٤م) إلى عام (١٩١٨م)، وتحديدًا في القرن التاسع عشر، من أكثر المراحل التاريخيّة التي شهدت تدميرًا وتهريبًا للآثار العراقيّة إلى المتاحف الأوروبيّة في ظلِ تهاون الحكومة العثمانيّة في التعامل مع آثار حضارة العراق؛ فسح المجال أمام الرحّالة والسيّاح وبعثات التنقيبات الأثريّة، وما زاد الأمر سوءًا هو سهولة الحصول على فرماناتٍ سلطانيّةٍ للقيام بحملاتٍ تنقيبيّةٍ، وبذلك غابتِ السلطة القانونيّة والسياسيّة الرادعة من قبل العثمانيّينَ أثناء حكمهم للعراق تجاه ميدان الآثار، وقد استمرت عمليّةُ نقل ما وجدوهُ إلى بلدانهم من آثارٍ إلى أنْ سُنَّ قانونٌ بهذا الشأن، وهو قانون الآثار العثمانيّ الذي صدر عام (١٨٨٤م)، والذي نصَّ على
أنَّ جميع الآثار التي اكتشفتها البعثات الأجنبيّة تكون للحكومة العثمانيّة.
إنّ الأحداث السياسيّة اثناء الحرب العالمية الأولى، وما نتج عنها من تغييرٍ في الخارطة السياسيّة الدوليّة أدّى إلى وقوع العراق تحت الانتداب البريطاني بموجب الاتفاقيّات المفروضة على الدولة العثمانيّة التي أوجبت إلغاء قانون الآثار العثماني، ووجوب سنّ قانونٍ جديدٍ يقضي بقسمة الآثار العراقيّة بين البعثات الأجنبيّة والمتاحف المحليّة، وعلى هذا الأساس ولكون العراق تحت الانتداب البريطاني فقد سعت (المس بيل) ــ بوصفها مديرة دائرة الآثار الفخرية ــ إلى استصدار قانونٍ جديدٍ للآثار الذي سلّمت مشروعه إلى وزارة المعارف العراقيّة وطلبت الإسراع في إقراره، وبعد إعلان الحكم الوطني في العراق عام ١٩٢١م، وبناءً على موافقة مجلس الوزراء و لتأمين سلامة الآثار شُرّع قانون عام ١٩٢٤م، تحت اسم قانون الآثار القديمة لعام ١٩٢٤م، ويعدّ قانون الآثار القديمة لعام ١٩٢٤م، أولّ قانونٍ خاصّ بالآثار في العراق الذي شُرّع من أجل تأمين سلامة الآثار على حسب ما نصّت عليه المادة الأولى منه، لكنّ الغرض الحقيقي منه، هو تصدير الآثار العراقيّة تحت غطاءٍ قانوني. كما أكّد القانون على قسمة الآثار المكتشفة بين الجهات القائمة التنقيب والحكومة (17).
كان من الأهداف الرئيسة للحملة العسكريّة البريطانيّة الغازية للعراق مع بداية الحرب العالمية الأولى، السيطرة على المواقع الأثريّة والإشراف عليها بشكلٍ مباشرٍ من قبل قوات الحملة البريطانيّة، إذ التحق بالحملة ضابطٌ من المتحف البريطاني بعنوان (ملحق آثاري) وظيفته الإشراف وتوفير المستلزمات المطلوبة أثناء المعارك بهدف حماية المواقع الأثريّة، وقد تمكّنت الإدارة البريطانيّة من تحقيق أهدافها المنشودة أثناء احتلالها لولاية البصرة.
وعند دخول القوات البريطانيّة بغداد بقيادة الجنرال (ستانلي مود) عام (1917م)، أصبحت قضية الآثار من أولويات الإدارة البريطانيّة، إذ أصدر الجنرال (مود) بيان يحمل رقم (2) في 22 آيار عام 1917م، تعلّق بصيانة الآثار القديمة والاتجار بها، وكان الغرض منه هو المحافظة على الآثار ومنع المتاجرة بها إلّا بعد الحصول على إجازة رسمية، واستمر هذا البيان ساري المفعول حتى صدور قانون الآثار القديمة عام (1924م) .
سنقف في هذه المحطة من البحث على أهمّ المواطن السلبيّة من القوانين الخاصّة بالآثارِ التي شُرِّعَتْ خلال مدة الاستعمار البريطانيّ للعراق، وفيما يلي استعراضٌ لهذه القوانين:
في خريف عام 1922م، عاودت مس (بيل) عملَها بتوسّعٍ لإعداد قانون للآثار، فاستعانت بقانون الآثار الهنديّ، وقانون الآثار المصريّ، وقانون الآثار العثمانيّ، فوضعت مشروعًا للقانون المطلوب الذي عُرِضَ على مجلس الوزراء في (1/11/1922م) الذي عقدَ جلسةً خاصةً لمناقشة موادّه، وأخيرًا بعد عدّة مداولاتٍ صدر القانونُ في (26/6/1924م)، باسم قانون الآثار القديمة لسنةِ 1924م، بالإدارة الملكيّة المرقّمة (364) .
يتألّف القانون من ستّة أبوابٍ وثلاثٍ وثلاثين مادةً، المادة الأولى تنصُّ على أنَّ الغرض منه تأمين سلامة الآثار القديمة حرصًا على منافع أهالي البلاد ورغبةً في ترقية العرفانِ.
أمّا المادة الثالثة والثلاثون فنصّت على أنّه يُلغى بيان القائد العامّ للقوات البريطانيّة عام 1917م، الخاصّ بصيانة الآثار القديمة ومنع الاتّجار بها.
وبعد هذه الديباجة سنبيّنُ أهمَّ ما سُجِّلَ على هذا القانونِ من نقاطٍ سلبيّةٍ:
أولًا: إنَّ هذا القانون هو أوّل قانونٍ صدر بعد إعلان الحكم الوطنيّ في العراق، ورافقَ صدورَهُ تنامي علم الآثار من الجانب القانونيِ، إلّا أنّه قد وُضِعت أساساته بلمساتٍ واضحةٍ من قبل سلطة الانتداب البريطانيّ التي تعمل بطبيعة الحال على مراعاة مصالحها، ونلتمس ذلك بصورةٍ واضحةٍ من استخدام مصطلح (الآثارِ القديمة)، مما يشير إلى أنَّ نصَّ القانون مترجَمٌ عن اللغة الإنكليزية التي تستعمل مصطلح (Antiquities)، الذي يُترجَم إلى اللغة العربيّة (الآثارُ القديمةُ)؛ لذلكَ لم يَحتوِ القانون على بنودٍ تحمي المواقع الأثريّة، وتمنع العبث بها بصورةٍ مباشرةٍ، أو حتى فقرات تفرضُ على الجهات القائمة بالتنقيب صيانة الآثار وترميمها بع الانتهاء من عملِها، بل كانَ القانون أشبهَ ما يكون بتنظيمٍ للعمل الآثاريّ، ومحاولةٍ لإسباغ الصفة الشرعيّة والقانونيّة على عمليات المتاجرة بالآثار وتصديرها وقسمتها على البعثات الأجنبيّة، والغاية هي إيجاد طرقٍ قانونيّةٍ لتصدير الآثار إلى خارج العراقِ.
ثانيًا: من النقاط السلبيّة التي اعترَت القانون هي مسألة المتاجرة بالآثار عبر رُخَصٍ قانونيّةٍ وحكوميّةٍ وفقَ شروطٍ معينةٍ، يمنحها مدير دائرة الآثار والوزير المسؤول لأيّ فردٍ يرغب بالمتاجرة بالآثار، إذ نصّت المادة (10) من هذا القانونِ
على أنّه «لا يجوزُ احترافُ بيع الآثار القديمة في العراق إلّا بإجازةٍ خاصّةٍ بالمتاجرة بالآثار القديمة، يُصدرُها المديرُ بتوقيعِهِ وتوقيعِ الوزير»، أمّا المادةُ (13) فنصّت على أنّه «لا يجوز تصدير الآثار القديمة إلّا برخصةٍ يُصدِرُها الوزيرُ»، وهكذا يتمُّ إخراج الكثير من الآثار القديمة تحت غطاءٍ قانونيٍّ، فضلًا عن الطرق غير القانونيّة.
ثالثًا: أشار القانون إلى مسألةٍ خطيرةٍ، وهي قسمة الآثار المكتشفة بين الجهات القائمة بالتنقيب والحكومة، إذ نصّت المادة (22) على «عند ختام التنقيب ينبغي للمدير أنْ يختار من بين الأشياء المكتشفة ما يراهُ لازمًا لإكمال المتحف العراقيِ من الوجهة العلميّة، وله بعد إفراز هذه الأشياء أنْ يُخصّص للذي أُعطِيَ رخصةَ التنقيب عددًا كافيًا من العاديات مكافأةً عن أتعابه بصورةٍ عادلةٍ، وعندما يفعل المدير ذلك ينبغي أنْ يتوخَّى بحسب الإمكان جعلَ حصة ذلك الشخص ممثلةً لجميع النتائج التي حصلت من تنقيبه»، وعلى هذا الأساس تكون حصة الجهة القائمة بالتنقيب نصف الآثار المكتشفة.
رابعًا: من المسائلِ الأخرى أيضًا ذات البُعد الخطير هو عدم اتّخاذ الاحتياطات اللازمة لمراقبة عمليّات التنقيب، وعدد ما يُسجَّل منها في سِجلات البعثة، وذلك اعتمادًا على أمانة هذه البعثات، وقد فتح هذا الباب على مِصراعيه لتهريب الآثار والمتاجرة بها بشكلٍ واسعٍ، فكانت هذه المسألة أحد أكبر عيوب هذا القانون.
تم إصدار قانونٍ تضمّن أربع موادّ قانونيّةٍ تحت اسم قانون منع تهريب الآثار لسنة (1926)، إذ جاء في مضمون المادة الثانية من هذا القانون: «للحكومة أنْ تصادر كلّ أثرٍ قديمٍ يرد العراق دون إجازةٍ من حكومة البلاد المستورد منها،
وتعيده إلى تلك البلاد إذا عُقد اتفاقٌ بين الحكومتين للقيام بمعاملةٍ متقابلةٍ في هذا الباب».
إنّ هذا التشريع قد نالته يد الاستعمار بالعبث أيضًا من جانبين:
أولًا: إنّه لم يتطرّق إلى منع تهريب الآثار إلى خارج العراق، بل اقتصر على منع دخول الآثار إلى العراق عن طريق التهريب فقط.
ثانيًا: كما أنّه لم يُلحق بقانون الآثار القديمة لعام 1924م، بوصفه مادةً مضافةً إليه وخصوصًا إذا ما علمنا بأنّ المادة الثانية هي التي أوضحت غاية القانون دون الموادّ الثلاث الأخرى، لكنّه رغم ذلك صدر بوصفه قانونًا مستقلًّا، ربما كان المغزى من هذه المسألة هي التلاعب بموضوع تهريب الآثار بحجّة وجود قانونٍ خاصٍّ بها.
1. تبيّنَ لنا من خلالِ قراءة الواقع القانونيّ للآثار العراقيّة بأنَّها قد مرّت بانعطافاتٍ خطيرةٍ رافقت مجموعة التشريعات التي سُنّتْ لها بدايةً من العهد العثمانيّ مرورًا بفترة الاستعمار البريطانيّ، فإنَّ هذه القوانين قد شكّلت ضربةً قاصمةً للآثار بدلًا من دورها في حمايتها.
2. إنَّ قانون الآثار القديمة لسنة 1924م، هو أوّل قانونٍ صدر بعد إعلان الحكم الوطنيّ في العراق، ورافق صدورَهُ تنامي علم الآثار من الجانب القانونيِ، إلّا أنّه قد وُضعتْ أساساتُهُ بلمساتٍ واضحةٍ من قبل سلطة الانتداب البريطانيّ التي تعمل بطبيعة الحال على مراعاة مصالحها، ونلتمس ذلك بصورةٍ واضحةٍ في استخدام مصطلح (الآثار القديمة)، ممّا يشير إلى أنَّ نصَّ القانون مترجَمٌ عن اللغة الإنكليزية التي تستعمل مصطلح (Antiquities) الذي يُترجَم إلى اللغة
العربيّة (الآثار القديمة)، لذلك لم يَحتوِ القانون على بنودٍ تحمي المواقع الأثريّة، وتمنع العبث بها بصورةٍ مباشرةٍ أو حتى فقرات تفرض على الجهات القائمة بالتنقيب صيانة الآثار وترميمها بعد الانتهاء من عملها، بل كان القانون أشبهَ ما يكون بتنظيمٍ للعمل الآثاريّ ومحاولةٍ لإسباغ الصفة الشرعيّة والقانونيّة على عمليّات المتاجرة بالآثار وتصديرها وقسمتها على البعثات الأجنبيّة، والغاية هي إيجاد طرقٍ قانونيّةٍ لتصدير الآثار إلى خارج العراق.
3. من النقاطِّ السلبيّة التي اعتَرَت قانون الآثار القديمة هي مسألة المتاجرة بالآثار عبرَ رُخَصٍ قانونيّةٍ وحكوميّةٍ وفقَ شروطٍ معيّنةٍ يمنحها مدير دائرة الآثار والوزير المسؤول لأيّ فردٍ يرغب بالمتاجرة بالآثار، إذ يتمُّ على هذا الأساس إخراج الكثير من الآثار القديمة تحتَ غطاءٍ قانونيٍّ، فضلًا عن الطرق غير القانونيّة.
4. أشار قانون الآثار القديمة إلى مسألةٍ خطيرةٍ وهي قسمة الآثار المكتشَفة بين الجهات القائمة بالتنقيب وبين الحكومة، وعلى هذا الأساس تكون حصّة الجهة القائمة بالتنقيب نصف الآثار المكتشَفة.
5. من المسائل الأخرى أيضًا ذات البُعد الخطير هي عدم اتّخاذ الاحتياطات اللازمة لمراقبة عمليات التنقيب وعدد ما يُسجَّل منها في سِجلات البعثة، وذلك اعتمادًا على أمانة هذه البعثات، وقد فُتِح هذا الباب على مِصراعيهِ لتهريب الآثار والمتاجرة بها بشكلٍ واسعٍ، فكانت هذه المسألة أحد أكبر عيوب هذا القانون.
6. إنَّ قانون منع تهريب الآثار القديمة لسنة 1926م، لم يتطرّق إلى منع تهريب الآثار إلى خارج العراق، بل اقتصر على منع دخول الآثار إلى العراق عن طريق التهريب فقط.
7. كما أنَّ قانون منع تهريب الآثار لم يُلحَق بقانون الآثار القديمة لعام 1924م، بوصفه مادّةً مضافةً إليه، وخصوصًا إذا ما علمنا بأنَّ المادّة الثانية هي التي أوضحت غاية القانون دون الموادّ الثلاث الأخرى، لكنَّهُ رغم ذلك صدر بوصفه قانونًا مستقلًا، ربما كانَ المغزى من هذه المسألة هو التلاعب بموضوع تهريب الآثار بحجة وجود قانونٍ خاصٍّ بها.
8. ندعو المشرّع العراقيّ الموقر أنْ يتّخذ من التجارب التاريخيّة المعاصرة في إطار سنّ التشريعات أساسًا من خلال تجنيب التشريعات التأثيراتِ الخارجيّة، وأنْ تكون المصلحة العامة هي القطب الذي تدور في فلكه القوانين كافة.
(180)
1.إبراهيم مصطفى وآخرون، المعجم الوسيط، ط 5، مؤسسة الصادق للطباعة والنشر، طهران، 1426ه.
2.ابن منظور، أبو الفضل محمد بن مكرم الأفريقي المصري، لسان العرب، ط ٤، دار صادر، بيروت، ٢٠٠٧م.
3.بول بان، علم الآثار، ترجمة إبراهيم سند أحمد، مؤسسة هنداوي، ٢٠٢٤ م.
4.جورج ضو، تاريخ علم الآثار، ترجمة: بهيج شعبان، ط ١، دار منشورات عويدات، بيروت، ١٩٧٠م.
5.الآلوسي، سالم، رواد علم الآثار في العراق، ط1، دار الوراق للنشر، بيروت، 2016م.
6.علي محمد بدير وآخرون، مبادئ وأحكام القانون الإداري، ط ٤، شركة العاتك لصناعة الكتاب، القاهرة، ٢٠٠٩م.
7.الغراوي، عمر جسّام، علم الآثار في العراق (نشأته وتطوره)، ط ١، دار الكتب العلمية، بيروت، ٢٠١٣م.
8.كيرترود مركريت لوثيان بيل (المس بيل)، فصول من تاريخ العراق القريب (كتاب يبحث عن العراق في عهد الاحتلال البريطاني بين سنتي 1914 و1920م)، ترجمة جعفر الخيّاط، وزارة التربية والتعليم، بغداد، 1971م.
9.مازن راضي ليلو، القانون الإداري، منشورات الأكاديميّة العربيّة في الدنمارك، ٢٠٠٨.
10.منى عبدالعالي موسى، هيثم أحمد سلمان محمود، جريمة التنقيب عن الآثار دون موافقة، المركز الأكاديمي للنشر، عمان، ٢٠٢٣م.
11. مصطفى طه جواد الجبوري، التناسب بين المصلحة العامّة والخاصّة في القانون الجنائي، أطروحة دكتوراه، معهد العلمين للدراسات العليا/ النجف الأشرف، ٢٠٢٠م.
12.سؤدد كاظم مهدي، شيماء سالم عبدالصاحب، التراث الثقافي بين أصالة الموروث والحماية القانونيّة، عدد خاص من وقائع المؤتمر العلمي الخامس لتاريخ العلوم عند العرب، ٢٠٢٣م.
علي إبراهيم إبراهيم شعبان، دور الدولة في حماية الآثار، مجلة كلية الدراسات الإسلامية والعربية 13.للبنات، دمنهور، العدد الرابع، ٢٠١٩م.
14.محمد حسن حمو، الآليات الدولية لاسترداد الآثار العراقيّة المسروقة، مجلة الرافدين للحقوق، كلية الحقوق، جامعة الموصل، العدد ٦٨، ٢٠١٩م.
15.قانون الآثار القديمة لسنة 1924م.
16.قانون منع تهريب الآثار لسنة 1926م.
د. سيف عدنان ارحيم القيسي
لقد استغلت الإدارة العسكريّة البريطانيّة التناقضات الدينيّة والمذهبيّة والمناطقيّة القائمة في العراق لتوظّفها لمصلحتها وديمومة وجودها، فضلًا عن ذلك شجَّعت القوميّات والطوائف على تحقيق الانفصال وتجزئة المجزّأ؛ وهذهِ إشكاليّة العراق اليوم؛ ومنها تنطلق إشكالية هذهِ الدراسة التي نحن بصددها.
تهدف الدراسة إلى تسليط الضوء على الإدارة العسكريّة البريطانيّة وآلية تعاملها مع القوميّات والأقليّات الدينيّة في العراق، من عشية الاحتلال عام 1914م وحتَّى إعلان الحكم الأهلي في العراق 1920م، مبيّنةً بالشواهد والوقائع التاريخيّة كيفيّة افتعالها للأزمات الداخليّة في العراق، ولاسيَّما موضوع الأقليّات، وهي فرصة لها للبقاء والنفوذ، وهذا ما حصل واقعًا.
الكلمات المفتاحيّة: الاستعماريّة، بريطانيا، الأقليّات، الكرد، اليهود، المسيح.
ارتبط العراق من الناحية الجيولوجيّة بالكتلتين العربيّة والإيرانيّة الواقعة بين منطقة جبال زاجروس (The Zagros Mountains) وطـوروس (The Taurus Mountains)، ولا زال يُشكّل هذا الموقع أهميّةً في النواحي السياسيّة والجيولوجيّة والبشرية، فيُلاحظ أنَّ حدوده الطبيعية مفتوحةً أمام معظم المناطق والدول المجاورة خلال مراحل الحرب والسِّلم وعِبرَ كلّ حِقَب التاريخ بما فيها خضوعه للنفوذ والسيطرة العثمانيّة ولأكثر من أربعةِ قرونٍ مضت، فقد ارتبط بالدولة العثمانيّة (The Ottoman Empire) في ظروف قوتها وضعفها، ولذلك أضحت مميّزات موقعه الجغرافي وموارده وإمكانيّاته محطَّ أنظار القوى الدوليّة الكبرى (بريطانيا، فرنسا، روسيا، ألمانيا)، فضلًا عن ذلك الاستحواذ على خيراتهِ، وفي مقدمتها إمكانية وجود النفط في العراق بعد اكتشافهِ في إيران، إضافةً إلى استغلال شبكة المواصلات، ولهذا تغلغلت الشركات التجاريّة في ولايات العراق الثلاث.
كتب بعض الرحالة الأجانب مؤلَّفاتٍ وثَّقت الجوانب الحياتيّة والجغرافيّة والدينيّة والاجتماعيّة في العراق، ومنها رحلة المُقيم البريطاني في بغداد كلوديس جيمس ريج (James Rich Claudius) وما بعدها في الموصل عام 1820م، كما تعرف الرحالة والسياسيّون البريطانيّون على مكوّنات المجتمع العراقي من المسلمين واليهود والمسيحيين والقوميّات المتعدّدة كالعرب والكُرد والتركمان
تجمعهم روح التعايش السلمي، فحاولوا خرقها بكلِّ وسائلهم والطرق المُتاحة لهم، ومنها توثيق العلاقات مع العشائر العراقيّة العربيّة والكرديّة في محاولة إضعافها وتحديد صلتها بالدولة العثمانيّة، ولم يكتفوا بذلك بل عملوا على تشجيع القوميّات والطوائف على إقامة دولٍ مستقلّةٍ بذاتها، تدعمها بكل الإمكانيّات الماديّة والمعنويّة، ولا شكَّ في أنَّ تلك السياسة حقَّقت بعض خطوات النجاح عن طريق استمالتها بعض مَنْ وعدتهم بالاستقلال عن الدولة العثمانيّة، من دون أنْ تُظهر لهم حقيقة ما دار في كواليس الغرف المغلقة بين بريطانيا وفرنسا وروسيا القيصرية من تقسيم الدول العثمانية والولايات التابعة لها، ومنها العراق ليكون في إطار مطامع بريطانيا بموجب اتفاقية سايكس ـ بيكو عام 1916م.
ولكن السؤال هل كان الهدف من التقارب بين الجانبين ورفع راية الدفاع عن حقوق الأقليّات هدفه صيانة حقوقهم، أو الهدف منه خلق مكوناتٍ مجتمعيّةٍ منقسمةٍ قد تفجّر أزمةً داخليّةً في أيّ وقت؟
إنَّ حقيقة فهم فحوى سياسات الدول الكبرى في المشرق العربي يُلزم العودة إلى سياساتها أواخر القرن التاسع عشر وبيان الدوافع السياسية والاقتصادية والعسكريّة والدينيّة، ومنها الأطماع الأوربيّة الممثلة ببريطانيا وفرنسا، وقد ساعدتها عوامل فرضت هيمنتها على المنطقة ومنها الأقليّات القوميّة والدينيّة في الولايات العربية التابعة للدولة العثمانيّة التي ازدادت ضعفًا وتفككًا.
لا شكَّ في أنَّ عوامل الضعف التي شَهِدتها الدولة العثمانية كانت قد أسهمت في تسهيل مهمة القناصل ووكلاء الدول الأوروبيّة وزادت من تدخلهم في
x الشؤون الداخليّة للدولة، فقد كان النشاط البريطاني على أشدهِ في العراق، كما كان للبعثات التبشيريّة دورٌ مهمٌّ في بثِّ المفاهيم الأوروبيّة خلال النصف الأول من القرن التاسع عشر ومنها تأسيس المدارس، كمدارس (الإليانس) اليهودية التي تأسَّست في مدن العراق وفي الموصل والكاظمية والحلَّة والعِمارة تحت إشراف الدكتور دبليو أي. ويكرام Wikram. E. W.، إذ نشطت في شمالي العراق وجنوبه وأسَّست لها مدرسة في العَمَاديّة، كما أنَّ دعم القنصل الفرنسي للإرساليات الدينيّة الكاثوليكيّة كان على أشدّه، وفي الوقت نفسهِ تأسَّست مدرسة ألمانية لأول مرةٍ في الموصل عام 1909م ولكنها لم تستمر طويلًا، وبعدها كثر تردد البعثات الألمانيّة للتنقيب عن الآثار العراقيّة.
لم يقتصر النشاط التبشيري على البعثات التبشيرية البريطانيّة والفرنسيّة، بل تعدى الأمر إلى البعثات التبشيريّة الأميركيّة هذهِ المرة التي بدأت مع كونها لم تشترك بأيّ نشاطٍ في ذلك الصراع، إلَّا أنَّها خاضت صراعًا من أجل الحصول على الأسواق لتصريف منتجاتها الصناعيّة والاشتراك في التجارة العالميّة، وكشفت الوثائق الأميركيّة بدورها وبشكلٍ واضح عن نشاطات المبشِّرين التجسّسيّة في تزويد حكوماتهم بمعلوماتٍ تفصيلية عن الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، وأخذت البعثات التبشيريّة الأميركيّة البروتستانتية
بالتزايد في العراق، منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وكان مدعومًا من قبل بريطانيا المُساندة للبروتستانتيّة تجاه الكاثوليكيّة الفرنسيّة، وبسبب تلك الظروف المساعدة تتابع قدوم المبشّرين الأميركان من أمثال بركنز (Perkins) وفورد (Ford) إلى العراق، وكانوا يقدمون لهم الخدمات الطبية والتعليمية الى السكان.
سجّلت وقائع الحرب العالميّة الأولى المحك الذي ركَّزت بريطانيا نفسها في مصر ثمَّ لتحدد نقاط بقائها في العراق بوصفهِ موقعًا وسطًا بين مصر والهند، وهكذا تجسَّدت المواقف البريطانيّة بناءً على إستراتيجيةٍ واضحة بدفع من الرأسمال البريطاني التجاري في محاولةٍ لإيجاد أسواق وموارد أوليّةٍ قد تصاعد مع أهميّة المنطقة من الناحيتين الدفاعية والإستراتيجية.
سعى القناصل والوكلاء البريطانيون إلى كسبِ ثقة طوائف العراق بهدف الحصول على نفوذٍ في البلاد، وعملوا على اختراق منظومة العشائر الكرديّة وإثارة مشكلة العشائر العربيّة.
وكان للمناطق الشماليّة التي يقطنها الأكراد بوصفها أجزاءً غنيّةً ومهمّةً من الناحيّة الإستراتيجيّة مكانة خاصّة في التوجهات البريطانيّة، ممّا دعا مسؤوليها وبعض تجارها للسعي بمختلف الوسائل لتعزيز نفوذهم فيها، بغية تأمين الطرق البرية الموصلة إلى الهند، والسيطرةِ على منطقةٍ واسعةٍ وحسّاسةٍ من الشرق
الأوسط، من خلال إحكام السيطرة على شمالي العراق، وتحديد الطرق المهمّة والمواقع الإستراتيجيّة التي وصلها عددٌ من الضباط البريطانيين.
لقد كرّست الإجراءات التي اتّخذتها الإدارة البريطانيّة في تعزيز نفوذها في العراق، ومن هذهِ الإجراءات لجوؤها إلى منح التأييد القوي للمصالح التجارية البريطانيّة ولاسيَّما في العراق، فلما طلب خط المِلاحة العائد لشركة لينج إذن الحكومة العثمانيّة بتشغيل باخرةٍ ثالثةٍ في دجلة، أولت الحكومة البريطانيّة دعمها التام للشركة، فقد كتب لويد جورج(Lioyd George) إلى السير تشارلس هاردنغ (Charles Hardinge) في 18/كانون الأول/1906م يؤيد له دعم الشركة: «أن أبادر القول أنَّ أيَّ إضعاف لوضعنا الحاضر في دجلة لا يعني فقط إضعاف مركزنا برمته في بلاد ما بين النهرين، بل يعني كذلك زيادة مقابلة في التجارة ونشاط الألمان»، وقد اتسع هذا النشاط واكتسب بُعدًا آخر مع اتساع أساليب الاستعمار في النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وأصبح عاملًا مهمًّا للتصارع بين الدول على إخضاع البلاد المضطهدة، فلم يكن الاستعمار مقتصرًا على القوة العسكريّة والنشاط الاقتصادي،
بل عملوا على اتّباع سياسةٍ قائمةٍ على الأمور الآتية:
1. إغراء القوميّات المنضوية تحت لواء الدولة العثمانيّة بمنحهم الاستقلال في حال الانتفاض على الدولة العثمانيّة.
2. استخدام الأساليب الإنسانيّة لتحقيق أهدافٍ وتوسعاتٍ استعماريّةٍ في العراق عن طريق حماية الأقليّات الدينيّة.
ويظهر أنَّ هذا التقارب مع القوميّات أخذ بُعدًا أكثر قوةً من قبل، لاسيَّما بعد انقلاب الاتحاديين عام 1908م، عندما صرَّح قادة (جمعيّة الاتّحاد والترقّي): «أنَّ الأمة العثمانيّة كانت وستظلّ هي الأمة الحاكمة في السلطنة العثمانيّة، وأنَّ العثمانيين يتمتعون بحقوقٍ وامتيازاتٍ ساميةٍ بصفتهم فاتحين، فلا مجال إذًا للاعتراف بحقوق مساوية للعناصر العِرقيّة الأخرى»، وكان هذا التصريح كافيًا ليولِّد شعور بالتمرّد على الدولة العثمانيّة آنذاك.
مع ذلك فإنَّه لم يحدث أيَّ تعديلٍ في سياسة الأوساط العثمانيّة الحاكمة إزاء الشعوب غير التركيّة بعد انتصار الاتحاديين في عام 1908م، بل على العكس من ذلك سرعان ما ظهرت منطلقاتٌ جديدةٌ وهي خيبةٌ في نفوس هؤلاء السكَّان تجاه الاتحاديين، ومنها أمور أخرى بدأت تمس حياة الفرد اليوميّة بصورةٍ مباشرة، والتي أسهمت في انتقاد الاتحاديين ليوظَّف ذلك الموقف ضدهم، وفي تقريرٍ بريطانيّ أوضح أهداف دولته تجاه السكَّان المحليين مستفيدين من موقف السكَّان العدائي للاتحاديين: «لم يكن لدينا سبيل للاعتقاد بأنَّهم كانوا معادين كلِّيًا للعثمانيين، وفعلًا فإنَّ المليون أو أكثر من السكَّان لم يكونوا كذلك، ولكن
أملنا يعتمد على قدراتنا في إقناعهم منذ البداية أنْ ينتابنا نحوهم ونحو معتقداتهم طيبة، وبذلك نستطيع إبقائهم على الحياد، فبدعوتنا نسوي خلافاتنا مع العثمانيين دون التأثير عليهم»[1].
وكان من بين جهود تعزيز مركز بريطانيا إرسال الإرساليّات، ومنها الإرساليّة الطبيّة في الموصل العائدة إلى الجمعيّة الإرساليّة لكنيسة إنكلترا فيما بين النهرين، وكادت أنْ تُنهي أعمالها لعدم توفّر الأموال لولا تدخل الموظَّفين البريطانيين لضمان استمراريتها، وبهذا كتب لويد جورج في مذكرةٍ بتاريخ 3/أيلول/1907م، قائلًا: «يجب أنْ نُدرك بوضوحٍ من وجهة النظر السياسية، أنَّ وجود الإرساليّة وعملها لهما أهميّة عظيمة وبعيدة المدى، ومن المتعيَّن على المصالح البريطانيّة كذلك، إمَّا أنْ تتطور سريعًا، أو أنْ تتدهور على مدى العقد القادم من السنين، نظرًا للتطوّر الذي بشَّر بفتح هذهِ البلاد للاستثمار والمنافسة الأجنبيتين، ويبدو أنَّ من غير المُستحسن جدًا التفريط بمثل هذهِ الوسيلة القوية من وسائل نشر الحضارة والنفوذ السياسي»، وقد أمكن للإرسالية في الموصل أنْ تستمر في البقاء بمعونةٍ من القنصلية البريطانيّة في بغداد، وقد زوَّدت القنصلية اعتبارًا من 1906م إحدى المدارس اليهودية بأموالٍ لقاء المباشرة بتدريسها للغة الإنكليزيّة[2].
عند اندلاع الحرب العالميّة الأولى في آب من عام 1914م وانضمام الدولة العثمانيّة إلى جانب ألمانيا، وانضمامها إلى كتلة الوسط في الخامس من تشرين الثاني
عام 1914م، نزلت القوات البريطانيّة مدينة الفاو في السادس من تشرين الثاني عام 1914م، ومن ثمَّ خاضت غِمار حربٍ ضدَّ القوات العثمانيّة المتواجدة في العراق، واستمرت الحرب على العراق خلال المدة (1914-1918م).
وحينما أكملت الجيوش البريطانيّة احتلالها للعراق انتهت مهمة المراكز التجاريّة، ودبلوماسيّة تعزيز النفوذ إلى السيطرة البريطانيّة المباشرة، واتّباع أساليب تثبيت الوجود البريطاني القائم على أساس تكريس سياسة الاستيلاء والسيطرة، وإقامة نظام احتلال مطلق وهو ما عُرف بالإدارة العسكريّة البريطانيّة للعراق (1914-1920م)، وبدأت الإدارة البريطانيّة في العراق ببناء تنظيماتها على شكلِ مؤسَّساتٍ يُديرها القادة العسكريّون، وكانت سياساتهم قائمة على فرض القوانين والأنظمة الهنديّة التي أثارت امتعاض السكَّان منها، وعلى ما يبدو أنَّ الإدارة العسكريّة البريطانيّة وجدت ضالَّتها في الأقليّات من اليهود والمسيحيين لشغل الوظائف الحكوميّة.
ومع الاعتراضات على نظام الإدارة العسكريّة البريطانيّة بيَّنت بريطانيا عن عزمها البقاء في العراق، حتَّى لو شكَّلت حكومة تمثّل الشعب العراقي، فيُشير أحد الضبّاط البريطانيين في العراق برترام توماس(Bertram Tomas) عن الاستقلال بقوله: «كيف نعطي الاستقلال الناجز والنهائي لشعب لا يعي
معنى السياسة، وفي كثيرٍ من الأماكن لا تجد ذكرًا أو معنى لكلمة حكومة على الإطلاق، كيف تُقيم حكومات وإدارات وطنية تقودهم إلى التخلّص من التخلّف، وتمكينهم من حق الاختيار في بلدٍ غالبية رجاله من الجهلاء».
وثمَّة مجموعة من الافتراضات حول الحكم كانت أكثر تعقيدًا من المفهوم الصريح للحكم الاستعماري المباشر، وبات على البريطانيين إقامة دولة تستمد فيها الحكومة من ساكني البلاد، ومع ذلك سيحتفظ البريطانيون بما يكفي من السلطة السياسية لضبط السياسات والقرارات غير المقبولة التي تتخذها الحكومة الوطنيّة، وتمثل الأمر اللازم بإفساد علاقاتها مع الدولة العراقيّة.
وهذا ما دفع بريطانيا لتوظِّف من بقائها بعد فرض الانتداب البريطاني على العراق بشكلٍ رسمي، بموجب صكّ الانتداب الصادر من عصبة الأمم في 25/نيسان/1920م، التي أبرمت كنتيجة لتصفية الدولة العثمانيّة، وإدخال مبدأ (حماية الأقليّات) في صكوك الانتداب لتبرير وجودها الدائم والعمل على التفتيت القومي.
بل تحوّلت مسألة حماية حقوق الأقليّات الدينيّة والعِرقيّة إلى عقبةٍ في تشكيل المملكة العراقيّة في عام 1921م، عندما أُجري استفتاء حول ترشيح فيصل بن الحسين (1881-1933م) ملكًا على العراق، فلقد طالب أصحاب الديانات والأقليّات بإضافة بند في التصويت ينصّ على حماية حقوق الأقليّات السياسيّة والثقافيّة.
ركَّزت بريطانيا نشاطها في العراق بعد تزايد النفوذ الألماني، ومحاولتهِ مد سكَّة حديد بغداد - برلين التي أثارت جدلًا واسعًا في أروقةِ الدول الأوروبية المنافسة لألمانيا، فخشيت بريطانيا أنْ تتزعزع سيادتها على البحار، وأدركت أنَّه لم يبقَ بعد هذا السبيل إلى التفاهم مع ألمانيا، فتقدمت إلى فرنسا تتقرب إليها حتَّى عقدت معها اتفاقية عام 1904م، ثمَّ توسَّطت فرنسا بين بريطانيا وروسيا القيصرية فتمَّ الاتفاق بينهما على تقسيم مناطق النفوذ في عام 1907م.
وبعد قيام الحرب العالمية الأولى عام 1914م ومحاولات الشريف حسين بن علي شريف مكَّة البحث عن مشروع الدولة العربية الكبرى، الذي وعِدَ بهِ من قبل البريطانيين في حال إعلانهِ الثورة على الدولة العثمانية لتتحفظ بريطانيا على الحدود التي حددها الشريف حسين بن علي؛ ولذا وجدت بريطانيا من الضروري التوصل مع حليفتها فرنسا إلى تسويةٍ حول تقسيم المشرق العربي، فطلبت بريطانيا أنْ تُحدد لها مندوبًا لوضع اتفاقية التقسيم، فعيَّنت فرنسا مستشار سفارتها الأول بلندن فرانسوا جورج بيكو (Francois Georges-Picot) (1878-1951م)، لتُعين بريطانيا من جانبها مارك سايكس (Mark Sykes) (1879-1919م)، لتبدأ مفاوضات التقسيم السرية بينهما.
وفي حقيقة الأمر إنَّ اتفاقية سايكس ـ بيكو لم تكن في حقيقتها إلّا ردًّا على تحركات الشريف حسين بن علي والقادة القوميين الذين طالبوا بالوحدة العربيّة
القوميّة، والذين كانوا يأملون بأنَّ الطريق بات مفتوحًا أمام تنفيذ المشروع القومي العربي، الذي كان محور نشاطهم وتفاهمهم مع بريطانيا، والتي أثبتت التطورات اللاحقة أنَّ هذا التفاؤل لم يكن في محلِّهِ، مع أنَّ بريطانيا لم تكن عازمةً على تقسيم ممتلكات الدولة العثمانية، وكان لها موقف معروف منذ أنْ برزت روسيا كقوةٍ كبرى مناوئة لجارتها الدولة العثمانيّة ومزاحمةً لبريطانيا في مناطق نفوذها، وكان رأي بريطانيا المحافظة على سلامة الدولة العثمانية، ومنع روسيا من الوصول إلى البحر المتوسط The Mediterranean Sea.
ولكن الموقف تغير بالنسبة لبريطانيا بسبب تدخّل الدول الأوربيّة في شؤون الدولة العثمانّية بطرقٍ وأساليب مختلفة، وذلك استنادًا إلى الامتيازات الممنوحة من قبل الدولة العثمانيّة للأجانب في تواريخ مختلفة؛ لذا أصبحت الدول الأوربيّة تعد تلك الامتيازات بمنزلة حقوق مُكتسبة لها ولرعاياها، ودخول ألمانيا كحليف للدولة العثمانيّة هو ما أثار بريطانيا المحافظة على بقاء الدولة العثمانيّة فرأت بضرورة اقتسام أملاكها.
ولم تَكَد الدولة العثمانيّة تدخل الحرب حتَّى بدأت المفاوضات السريّة بين دول الوفاق ترى النور لاقتسام أملاكها، فقد تمَّ الاتفاق بين بريطانيا وفرنسا وروسيا في آذار من عام 1915م على أنْ تكون القسطنطينية من نصيب روسيا، ووافقت هذه الدول في معاهدة لندن المُنعقدة في 26/نيسان/1915م والتي انضمت إليها إيطاليا على أنْ يُحفظ التوازن السياسي في البحر المتوسط بمنح إيطاليا عند اقتسام الدولة العثمانية حصَّة مُعادلة لحصَّة بريطانيا وفرنسا وروسيا،
وأُعيد النظر في 26/نيسان/1916م بمعاهدة لندن وعُقدت على أساسها معاهدة (زازونوف ـ باليولوك السرية) بين فرنسا وروسيا لتعيين حصَّتهما من البلدان العثمانيّة، وفيها مُنحت روسيا ولايات طربزون وأرضروم وبتلسيس، ومُنحت فرنسا ما يُعادل حصَّة روسيا من البلدان المُحاذية لها من جهةِ الجنوب، على أنْ تُعيَّن الحدود بمفاوضة بريطانيا والاتفاق معها، وعلى إثر ذلك جرت المفاوضات وتمَّ الاتفاق بين الدولتين على اتفاقية سايكس - بيكو في آيار من عام 1916م، فعُيِّن لفرنسا بلاد الشام (سورية ولبنان) وولاية الموصل.
وفي ظلِّ الانتقادات الموجَّهة لاتفاقية سايكس ـ بيكو بكونها أجهضت مشروع الوحدة العربيّة الذي دعا إليه الشريف حسين بن علي، يتساءل الحاكم العسكري فيما بعد على العراق آرنولد ولسون (Arnold Wilson) (1918-1920م): «إنَّ تحقيق آمالهم المزعومة بالوحدة بأنْ يتحالف وهابية نجد وعسير وسادة الكويت والعرب في سورية والعراق فما هو مصير تلك الأقليّات»، ولم تكتفِ بتقسيم مناطق نفوذ بل وجدت بريطانيا وفرنسا فيما بعد حجة قائمة وهي أنَّه يجب أنْ يضع العهد الجديد بعد الحرب على كواهل الدول الأوروبيّة التزامات لا نحو الأقليّات العنصريّة والدينيّة التي تعيش بين ظهرانيها فحسب، بل أيضًا التزامات نحو الجماعات الضعيفة المتأخّرة التي بسطت عليها الدول القويّة سيطرتها، وأنْ تقوم علاقاتها بتلك الجماعات على مبدأ الوصاية.
كانت بريطانيا قد بحثت عن مناطق نفوذ لها في العراق وبمختلف الطُّرق، وكانت المناطق الكرديّة أحد تلك المنافذ لتحقيق أهدافها منذ نهاية القرن التاسع عشر وصولًا إلى القرن العشرين، وهذا يعود إلى العلاقة بين الكُرد والدولة العثمانيّة التي مرّت في حالاتِ مدٍّ وجزر، وسياسة المركزيّة التي اتبعتها الدولة العثمانيّة، وأمَّا العلاقات بين سلطات الاحتلال البريطاني وبين الكُرد فقد اتَّسمت بالتذبذب حسب أهداف بريطانيا الإستراتيجيّة، بما فيها خيارات الحرب مع الإشارة إلى أمر في غاية الأهميّة وهو أنَّ الموقع الجغرافي وانعدام وجود منفذ على البحر قد أسهم في تأخر وصولهم إليها.
تعود بدايات الاتصال بين بريطانيا وكُرد العراق إلى أعقاب الحرب الروسيّة - العثمانيّة (1877-1878م) إذ عيَّنت وزارة الخارجيّة البريطانيّة الميجر أ. ج. تروتر (Megger.A. J. Trotter) قنصلًا لعموم كردستان العثمانيّة، قام بإرسال التقارير إلى لندن والنظر إلى الكُرد في أحد تقاريرهِ ما نصه: «لا شكَّ أنَّ الكُرد في العديد من الأماكن يعانون من سوء الحكم أكثر من المسيحيين، واتصالهم بالقناصل الأوربيين ضعيفًا، وأنا لا أرى أيَّ داعٍ بأيِّ حالٍ من الأحوال يمنع خضوع الكُرد المستقرين إلى ذات القوانين والمؤسَّسات التي يخضع لها المسيحيون».
تطوّرت علاقات الإدارة العسكريّة البريطانيّة مع أكراد العراق في وقتٍ مبكرٍ
من قيام الحرب العالميّة الأولى، وذلك بإقامة مسحٍ شاملٍ أجرته الاستخبارات البريطانيّة عن أهمِّ العشائر الكرديّة في الوضع السياسي العام، ونجحت في كسبِ ودّ بعض زعماء القبائل الكردية المتنفذة ممّا عرَّض بعضهم للنفي من السلطات العثمانيّة بعدما نظر إليهم بعين الخشية بسبب ميولهم للجانب البريطاني.
وشدَّد الضبّاط البريطانيّون المنتشرون في كردستان والألوية المُحيطة مراقبة الأوضاع في كردستان، وأرسلوا التقارير المفصلة للأحداث والمعلومات، بيَّنت الواقع المرير في المنطقة.
ولا شكَّ في أنَّ اكتشاف النفط قد عزَّز من صلات بريطانيا بالشيوخ الكُرد، ولاسيَّما خلال السنوات الأولى من القرن العشرين، وقد نظرت إليه بريطانيا بأنَّه كنز لا يمكن تجاهله، وعلى هذا النحو عزَّزت الإدارة العسكريّة من رجالات استخباراتها في المنطقة ومنهم الميجر سون (Megger. Soan) الذي عُدَّ خبيرًا في الشؤون الكرديّة.
وعشيَّة قيام الحرب العالميّة الأولى عام 1914م قدَّمت شخصيّات كرديّة تعاونها مع دول الوفاق الودي، إذ أجرى بعضٌ منهم اتصالاتٍ مع روسيا حليفة بريطانيا، وأجرى محمد شريف باشا خندان أحد الشخصيّات السياسيّة
الكرديّة وشيخ عشيرة (بلباس) في السليمانيّة اتصالاتٍ مع بريطانيا في كانون الأول 1914م، عارضًا مساعدته للحملة العسكريّة البريطانيّة مقابل حصوله على ضماناتٍ حول استقلال المناطق الكردية، إلاَّ أنَّ بريطانيا شكَّكت في إمكانيتها بالاستقرار في مناطق شمالي العراق، ولكن بعد احتلال بغداد في 17/آذار/1917م تغيرت موازين القوى لصالح البريطانيين، فتطلَّع الكُرد نحو بريطانيا بعد إنكارهم للسياسة التي اتبعتها القوات الروسيّة في المناطق الكرديّة، ومن ثمَّ انسحابها بعد قيام ثورة أكتوبر 1917م، وأصبحت الفرصة كما يبدو مؤاتية لهم لإحياء فكرة الحكم الذاتي، بعد تصريح القائد البريطاني ستانلي مود (Stanley Maude) (1864-1917م) عند دخوله بغداد وإبداء تعاطفه مع العرب في الحصول على الاستقلال، بعد أنْ تغيرت سياسة بريطانيا التي أخذت تهتم بكُرد العراق، وتسعى إلى كسب المزيد من الزعماء الكُرد المحليين إلى جانبها.
وإنَّ تعزيز صلاتها وبناء جسور علاقاتها مع الأقليّات في العراق بحجَّة حمايتهم ما هي إلّا ورقة ضغط تستخدمها عندما ترى أنَّ مصالحها في خطر، وأنَّ الأقليّات أنفسهم يربطون بقائهم ببقاء بريطانيا في العراق، وقد زرعت الإدارة البريطانيّة قواتها في العراق، وهذا ما أكَّده المفوض السامي البريطاني هنري دوبس (Henry Dobbs) (1871-1934م) قائلًا: «لو انسحبت القوات البريطانيّة من العراق أعتقد أنَّ الحكومة العراقية كانت إمَّا تلاشت كليًا خلال أشهر قليلة، أو بقيت ملتصقةً بشكلٍ بائس بشريط من الأرض على امتداد دجلة بين سامراء والكوت
فقط، بينما انشقت بقية البلاد»، واستقبل بعض الزعماء العشائريين ومنهم زعماء كردستان بالترحاب، وقد يكون ذلك بسبب الإغراء وشراء الضمائر.
لقد تفهمت الإدارة العسكريّة البريطانيّة من جانبها رغبة الكُرد في الاستقلال السياسي، وذلك عندما قرروا تعيين الشيخ محمود الحفيد حاكمًا للسليمانية، ردّ الشيخ الحفيد الذي ذهب أكثر من طموحه بإعلان نفسه ملكًا على كردستان، وهذا الأمر لم يُرضهم فشرع بالثورة ضدهم، الأمر الذي ولَّد ردود فعل معاكسة لدى بريطانيا فناصبوه العداء وعملوا على إخماد ثورتهِ.
عزز (نوئيل) الضابط السياسي البريطاني في السليمانية الذي جرى تعيينه في تشرين الثاني 1918م، والذي بدأ بتوطيد نفوذ دولتهِ حتَّى بعد تعيين محمود الحفيد حكمدار لكردستان لم تكن في حقيقتها كما ذكر في أحد تقاريره بأنَّه: «أُعير لنشر النفوذ البريطاني بين العشائر الكرديّة، وفرض النظام والشرعيّة، ومما لا شكَّ فيه أنَّ البريطانيين حقّقوا بعض النجاحات في بادئ الأمر، وقد انتشر شعار كردستان للكُرد والذي قصد بهِ أنْ يكون تحت الحماية البريطانيّة»، فلم تدع خطوات الإدارة العسكريّة البريطانيّة في العراق بعد هدنة مودورس حتَّى
كشفت بريطانيا عن سياستها الحقيقة في العراق وتجاه الكُرد، عندما بدأت تعمل على إعادة القوانين والنظام إلى نصابهما، وبالدرجة الأساس للمناطق الكرديّة التي بدأت على ما يبدو تُشكِّل خطرًا على مصالحها.
وبعد أنْ فرضت بريطانيا سيطرتها على العراق عقب هدنة مودورس في 30/تشرين الأول/1918م لتعطي الكُرد أبعادًا دوليّةً من خلال إعطائهم حقوقٍ دوليّةٍ بموجب المادتين (62-64) من معاهدة سيفر المنعقدة في 10/آب/1920م، بأنْ يوضع مشروع للاستقلال المركزي للمناطق الكرديّة في شرقي الفرات وجنوب غربي أرمينيا، وشمالي الحدود التركية المُتاخمة لسوريا والعراق، وذلك في خلال ستة أشهر من تاريخ دخول هذهِ المعاهدة حيِّز التنفيذ، وفي ظرف سنةٍ واحدةٍ من تاريخ هذه المعاهدة فاتح الكُرد مجلس عصبة الأمم وأعربوا عن رغبتهم في الانفصال عن تركيا، وأقر المجلس رغبتهم في ذلك.
لقد تفهَّم البريطانيون الأهميّة الاقتصادية للمناطق الكُردية ودورها في
استقرارها، وينظرون لهم بوصفهم قوةً انفصاليّةً غير راغبةٍ بالمشاركة في بناء مجتمعٍ عراقيّ موحَّد، وهو ما يبدو ما كان يطمح إليه البريطانيّون لتستخدم هذهِ الورقة عند الضرورة.
وحقيقة الأمر أنَّ بريطانيا أولت اهتمامها بالمناطق الكرديّة بهدف استثمار النفط، ومن ثمَّ تحويلها قاعدةً للتوسّع القادم في الجبهات الشماليّة والغربيّة والشرقيّة، والعمل على مواجهة الحركة الكرديّة القوميّة الناشئة فيها بالحركة العربيّة التي اشتدّ عودها أيضًا في العراق، ومن ثمَّ توطيد السيطرة البريطانيّة في البلاد كلها، وقد تمَّ تنفيذ جميع هذهِ المخطَّطات في مراحل متفاوتة.
أبدت الطائفة اليهوديّة من جانبها ترحيبًا بالاحتلال البريطاني للعراق، كون البريطانيين في نظرهم سيُنقذونهم من سوء مُعاملة العثمانيين لهم خلال فترات حكمهم للعراق.
ومع دخول البريطانيين البصرة أواخر شهر تشرين الثاني من عام 1914م، وجدوا اليهود فيها «على استعداد لقبول فرص التعاون معهم، لا سيَّما في الجوانب الاقتصادية التي عُرفوا فيها بمجال تفوقهم، لاسيَّما بغداد والموصل والبصرة».
ولم يقتصر الأمر على ذلك بل كانت لهم علاقاتٌ مع التجار العراقيين اليهود
المُهيمنين على التجارةِ في البلد، وقد بدأ النشاط اليهودي هو الآخر على أشدّه بعد تزايد البعثات التبشيريّة الأوروبيّة، ففي تقرير بريطاني أوضح أنَّه قد وُزِّع بين اليهود في بغداد منشور تحريض طُبع باللغة العبريّة، وطبعه مُبشِّر يهودي أميركي يُدعى ويليام بلاكتون (William Blackton)، وقد اتخذ المبشرون الاحتياط لمغادرة بغداد قبل أنْ يوزع المنشور، وقد تضمن المنشور بيان الطريقة التي تعامل بها اليهود في العراق، وما دام اليهود يُعاملون بلا مودة فعليهم ألَّا يُظهروا منها شيئًا، وأضاف أنَّ الحكومة العثمانية فاسدة، وأنَّ السلطة المركزية العثمانية فاسدة، وقد جاز زمن اليهود للكفاح.
ويبدو أنَّ الآراء المتطرفة لبعض يهود العراق واستغلالهم الأزمة الاقتصاديّة خلال سنوات الحرب العالميّة الأولى دفعت الوالي العثماني فائق بك، ومدير شرطة بغداد سعد الدين الخنَّاق قبل أسبوع واحد من سقوط بغداد عام 1917م بالقبض ليلًا على عددٍ من الصيارفة، بحجَّة أنَّهم سببوا هبوط سعر الأوراق الماليّة التركية إثر تلاعبهم بسعرها، وامتناعهم عن تبديل الليرة الورقية بالليرة الذهبية، فنكَّل بهم تنكيلًا شنيعًا، وجُدعت أنوفهم، وقُطعت آذانهم، وسُمِلَت عيونهم، ثمَّ وضعوا في أكياس وأُلقيت جثثهم في نهر دجلة.
وقد خضع التجار اليهود والصرّافون لرقابةٍ شديدة، لِمَا كانوا يُتهمون به من تخزين البضائع، ومن مُضاربة الأسعار، وليس هذا فحسب بل حاول بعضهم تحاشي الخدمة العسكريّة، كما حاول بعض المُجنَّدين الهرب من الجيش، وقد شُنق
علنًا من قُبض عليه منهم بتهمة الفرار، كما شُنق آخرون بتهمة التجسّس، فليس من المُستغرب أن تُرحِّب الطائفة اليهوديّة بدخول القوات البريطانيّة ترحيبًا حارًا، وقد أصبحت هذهِ الطائفة السند الأقوى للإدارة البريطانيّة.
اتضح أنَّ اليهود كانوا أكثر ارتياحًا بالوجود البريطاني فقد كان عددهم في بغداد يومذاك خمسين ألفًا، وخرج معظمهم هاتفين للبريطانيين، وهذا الترحيب بدأ مع نزول القوات البريطانيّة للبصرة لم تُسجل الطائفة اليهودية موقفًا جديدًا بترحيبها بالمُحتلين البريطانيين الجُدد الذين وصلت قواتهم إلى مدينة الفاو في 6/تشرين الثاني/1914م، ومع دخول القوات البريطانيّة بغداد في 11/آذار/1917م عدَّ اليهود هذا اليوم وهو يوم دخول القوات البريطانيّة بغداد بقيادة الجنرال ستانلي مود يومًا (معجزة)، احتفلوا بذكراه عدَّة سنين متوالية كونه يومٌ (حَسَن) بالنسبةِ إليهم، إلى حدِّ أنَّهم لم يسجدوا فيه على وجوههم في صلاة الصبح، وأطلقوا أيضًا على هذا اليوم اسم (يوم الأعجوبة)، مدَّعين أنَّهم تنفسوا فيه الصُّعداء باحتلال الإنكليز لبغداد، ووصفوهم بالمنقذين فاستقبلوهم بالتهليل والترحيب.
وعلى هذا النحو شبَّه أحد الكُتَّاب البريطانيين دخول ستانلي مود إلى بغداد بدخول كورش الأخميني إلى بابل، عندما أعاد لهم نفائسهم التي سُلبت منهم أيام البابليين، فقد شعر اليهود بأنَّ الاحتلال البريطاني كان لهم كالاحتلال الفارسي
الذي أنقذ أسلافهم من الأسر البابلي، ومن الطرائف التي أُشيعت بين اليهود المقولة الشهيرة: «ايش ما يقول لك الصاحب قُل له يس».
ولم يكتفِ اليهود بالتعبير عن فرحهم بدخول البريطانيين بل أقامت مدرسة الإليانس اليهوديةفي 16/تشرين الثاني/1917م حفلةً على شرف القوات البريطانيّة، حضرها قائد القوات البريطانيّة ستانلي مود، وتَذكر المِس غيروترود بيل (Miss Gertrude Bell) (1868-1926م) التي رافقت (مود)، عن أحوال اليهود، قائلةً: «إنني عازمة على الانصراف إلى العناية بالطائفة اليهودية، والوقوف على الكثير من التفاصيل المُتعلِّقة بها وبنشاطها العام، مما لا شكَّ فيه أنَّ هذه الطائفة سيكون لها في يومٍ ما شأنٌ كبير».
وبالرغم من ذلك فإنَّ اليهود استطاعوا من خلال تشعُّب نشاطاتهم التجارية وانتشارهم في المدن العراقيّة تمكّنوا من ترسيخ قوتهم الاقتصاديّة بالتدريج، والسيطرة على أغلب الحلقات التجاريّة ليستفيدوا من وقوع الحرب العالميّة الأولى بالتقارب مع الإدارة العسكريّة البريطانيّة في العراق.
وفي أعقاب انتهاء العمليّات العسكريّة تهافت اليهود بدورهم على التوظّف في الدوائر الرسميّة، وملأ شبابهم بوجهٍ خاصٍّ دوائر الماليّة والمحاسبات والكمارك والمكوس والبريد والبرق والسكك الحديديّة وميناء البصرة، ولم تخلُ
منهم دوائر وزارة الداخليّة والعدليّة والجيش والشرطة، وشغلوا وظائف شركة النفط وسائر المؤسَّسات البريطانيّة والوطنية.
ويبدو أنَّ سبب تهافت اليهود على الوظائف يعود إلى سياسة بريطانيا، وتقربها إلى الأقليّات ومنها اليهودية، فاستخدموهم ووثَّقوا بهم شأنهم في التعامل مع الأقليّات في كُلِّ مكان، ولأنَّهم كانوا أكثر إخلاصًا لهم، فتحوا لهم أبواب المؤسَّسات الحكوميّة، كما فتحوا أبواب المدارس، وكانت مكاتب الحكومة غاصَّةً بهم، حتَّى شغل بعضهم مناصب رفيعة وصلوا إليها في سنوات الاحتلال.
درست الإدارة العسكريّة البريطانيّة من جانبها أحوال الطوائف الأخرى ومنها اليهودية بحجَّة سوء أوضاعها في العراق، ففي تقريرٍ سريّ للحاكم العسكري البريطاني في العراق بيَّن الأوضاع المترديّة للمدارس اليهوديّة في العراق، موضحًا أنَّ سبب عدم التحاقهم بالمدارس الأخرى واقتصارهم على مدارس الطائفة المُكتظة بالطلبة: «أنَّهم أُرسلوا إلى المدرسة لا ليتعلَّموا، بل لمجرد أن يبتعدوا عن الأذى من الطوائف الأخرى»، وطالب التقرير بضرورة تزويد بعض المدارس اليهوديّة بالمال.
وبهدف تنظيم الأوضاع في العراق عزمت بريطانيا على تشكيل حكومةٍ محليّةٍ في العراق بعد أحداث ثورة 1920م، وناقش الحاكم العسكري أوضاع الطائفة
اليهودية في العراق في ظلِّ تشكيل أيِّ كيانٍ سياسيّ جديدٍ مما أثار اعتراض اليهود، ولتخوفهم من احتمال ظهور كيانٍ سياسيّ متعصّبٍ ضدّهم، يُشير تقرير بريطاني أنَّهم أرسلوا التماسًا يطلبون فيه أن يُسمح لهم أن يكونوا رعايا بريطانيين إذا ما أُقيمت حكومة عربية في العراق؛ ليشذوا بموقفهم هذا من جديد عن الشعب العراقي، إلَّا أنَّ المندوب السامي البريطاني في العراق السير برسي كوكس هدَّأ من روعهم، بتقديمهِ الضمانات لحمايتهم من أيِّ شكلٍ من أشكال الاستبداد، بل وأشرك ساسون حسقيل (1860-1932م) كوزير للمالية في أول حكومةٍ عراقية شكَّلها عبد الرحمن النقيب (1845-1927م) في الخامس والعشرين من تشرين الأول 1920م، ليتعزز موقفهم في ظلِّ المملكة العراقيّة التي ترأسها الملك فيصل بن الحسين في الحادي والعشرين من آب 1921م، والذي بدورهِ أكَّد على المُساواة في ظلِّ الهويّة العراقيّة.
إنَّ مسألة الأقليّات لا تُعدّ مشكلةً في حقيقة الأمر، فهذهِ الأقليّات ومنها المسيحيّة التي كان يُقدَّر عددها عند دخول القوات البريطانيّة بـ(80000) حسب إحصاء نيسان 1920م، وينفرد المسيحيّون من بين الأقليّات الدينيّة بالاحتفاظ بمدارسهم الخاصة، فهم إجمالًا أفضل تعليمًا من العربِ والكُرد، ففي ظلِّ هذا التنوّع القومي والديني لولايات العراق الثلاث لم يكن هدف بريطانيا فقط البحث عن الطرق التجارية وإقامة مراكز تجاريّة فحسب، بل
بدأت تُوظِّف قضايا جوهرية لتتدخل بشكلٍ ممنهج في شؤون الدولة العثمانيّة، لتجد لها منفذًا آخر من دعمها للأقليات القوميّة والدينيّة، وهم أصحاب الديانة المسيحيّة الذين يُشكِّلون جزءًا من المجتمع العراقي، الذي سَعَت بريطانيا في إيجاد قواعد لها بداخلهِ لتتمحور من خلالها إلى الدولة العثمانية بحجَّة حماية الأقليّات المُضطهدة.
عملت بريطانيا من جانبها أنْ تجد لها موطئ قدم بين الأقليّات الدينيّة ومنهم المسيحيّون، لاسيَّما من خلال البعثات التبشيريّة، ففي تقرير للموظَّفين البريطانيين بعد أنْ قررت الجمعيّة الإرساليّة لكنيسة إنكلترا الطبية في الموصل أنْ تُنهي أعمالها بسبب الضائقة الماليّة، كتب لويد جورج (Lloyd George) عضو مجلس العموم البريطاني في مذكرةٍ بتاريخ 3/أيلول/1907م: «يجب أنْ نُدرك بوضوح من وجهةِ النظر السياسية أنَّ وجود الإرسالية وعملها لهما أهميّة عظيمة وبعيدة المدى، ومن المُتعيَّن على المصالح البريطانيّة كذلك إمَّا أنْ تتطور سريعًا، أو أن تتدهور على مدى العَقد القادم من السنين، نظرًا للتطور الذي يُبشِّر بفتح هذهِ البلاد للاستثمار والمنافسة الأجنبيتين». وقد أمكن لهذهِ الإرسالية أنْ تستمر في الموصل.
ومع بوادر الحرب العالمية الأولى انضم المسيحيون الآشوريون من مناطق حكاري (المنطقة الواقعة بين سهل نينوى وبحيرة وان) إلى جانب بريطانيا
بهدف التخلّص من سيطرة الدولة العثمانيّة من جانب، والتخلص من مضايقات بعض العشائر الكرديّة ، فاضطروا إلى ترك مدنهم والدخول تحت حماية القوات البريطانيّة في العراق، حيث دخلت أول المجاميع من وان والقفقاس في شهر آب 1918م بلغ تعدادهم (50) ألف، فقد استغلت بريطانيا من جانبها الوضع السيء للآشوريين، وقررت أنْ تؤلِّف قوات من هؤلاء تستخدمهم في الحملات التأديبية في المناطق المُحتلة، وليُعرفوا فيما بعد بقوات (الليفي).
والمسيحيّون هم الآخرون أظهروا تقربهم من الإدارة البريطانيّة؛ لأنَّهم كانوا بالأمس قد ذاقوا الأمرين من بلايا التجنيد والنوط والمُصادرة وغيرها، ثمَّ وجدوا تلك البلايا تزول عنهم بين عشيةٍ وضحاها، وشعروا بإزاحة كابوس ثقيل كان جاثمًا على صدورهم.
وقد تقلَّد البعض منهم وظائف إداريّة والعمل كمترجمين مع القوات البريطانيّة، أو في دوائر الدولة الأخرى، لكن الآثوريين الذين استقروا بعد الحرب العالميّة الأولى في العراق كان لهم نصيبٌ أوفر من الرعاية البريطانيّة، ومن الواضح أنَّ أسباب ذلك تعود إلى ما قدمه هؤلاء من مساعداتٍ للسلطات البريطانيّة في حالةِ حدوث اضطرابات عن طريق وجودهم في أفواج قوات الليفي، أي أصبحوا قوةً يمكن أنْ تقف بوجهِ أيِّ قوةٍ محلية تحاول تقويض
مركز بريطانيا في العراق.
ويُشير باحثٌ معاصر بأنَّه «لم يكن إقدام البريطانيين للآثوريين حدثًا عاديًا، وإنَّما أرادوا بوساطتهم تنفيذ برامجهم في العراق، فجعلوهم يتصورون أنَّ قيام بريطانيا بإسكانهم في العراق هو مكافأة لهم مقابل مساندتهم إياهم في الحرب، وأفهموهم بأنَّهم لن يستخدموهم للدفاع عن العراق، بل وعدوهم بالعودة إلى أوطانهم، فكانوا يأملون من حلفائهم البريطانيين المساعدة بعد عودتهم إلى مواطنهم السابقة، إلى (تأسيس حكم ذاتي) تحت الحماية البريطانيّة».
ويُشير إلى ذلك آرنولد ولسن القائد العسكري للإدارة البريطانيّة في العراق عن المسيحيين ومنهم الآثوريون، بقولهِ: «لقد جاء معهم مطارنتهم وقسسهم من النساطرة والكلدان والأرمن والكاثوليك والأورثوذوكس، وكان هؤلاء بالنسبة للإشراف الروحي في عهدةِ رأس القساوسة العسكريين».
وبدأت الإدارة البريطانيّة تجد لها في الأقليّات وسيلةً من وسائل التأثير على الواقع الاجتماعي في العراق، عندما بدأت تُثير القلاقل بين السكَّان المحليين بحجَّة حماية المسيحيين، كما حدث في واقعةِ الكويان في قضاء زاخو أحد أقضية لواء الموصل في كانون الأول من عام 1918م، عندما طرح أحد الرهبان واقع المسيحيين في القضاء، والتعصّب الديني ضدَّهم مع حاكم القضاء (بهسن) ليُثير في نفسهِ العصبية الدينيّة، وبدأ (بهسن) بإثارة قبائل الكويان فيما بينهم، والتي أدّت في النهاية لمقتلهِ وإثارة الفوضى في القضاء، لتُجرد القوات البريطانيّة بمعية الآثوريين في الخامس من آيار عام 1919م حملةً عسكرية لتحرق القرى،
وإخضاع العشائر المتمردة ضدهم.
وفي محاولةٍ من قبل الإدارة العسكريّة البريطانيّة إشراك المسيحيين في عددٍ من الوظائف الحكومية، ذكر تقرير بريطاني مؤرخ في 27/نيسان/1920م بصدد ذلك: «لا يمكن أنْ يذكر بين المسيحيين البارزين في بغداد أي شخص يستطيع الكلام أو الكتابة بلغةٍ أوروبية».
ولعلَّ ما يؤشر تقرب الإدارة البريطانيّة إلى مسيحيي العراق هو مشاركة وفد مؤلَّف من (40) شخصية عراقية أغلبهم من اليهود والمسيحيين، المؤيدين للسياسة البريطانيّة الذين قابلوا آرنولد ويلسون لعرض مطاليبهم الوطنية، وأضاف التقرير البريطاني حول ذلك اللقاء «أنَّ أوضاع المسيحيين في ظلِّ تشكيل كيان سياسي في العراق قلق، وصرحوا أنَّ موقف المسلمين منهم أصبح قاسيًا».
وهذهِ الإشكالية التي خلقتها ظروف السياسة الاستعماريّة في المنطقة العربية والعراق على نحوٍ خاص موظِّفةً التنوع العِرقي والديني، لتصبح إشكاليةً مُستديمةً تواجه الحكومة العراقية، لا سيَّما بعد تشكيل الحكومة العراقية في 23/آب/1921م، وقد عبَّر الملك فيصل الأول عن شكواه من ذلك بمرارةٍ عندما أشار بمذكرتهِ الشهيرة عن العراق: «إنَّ البلاد العراقية من جُملةِ البلدان التي ينقصها أهم عنصر من عناصر الحياة الاجتماعية، ذلك هو الوحدة الفكرية المللية والدينيّة، فهي والحالة هذهِ مبعثرة القوى منقسمة على بعضها، يحتاج ساستها
أنْ يكونوا حكماء مدبرين، وفي عين الوقت أقوياء مادةً ومعنىً، غير مجلوبين لحساسياتٍ أو أغراضٍ شخصية أو طائفية أو متطرفة، يداومون على سياسة العدل والموازنة والقوةِ معًا».
لم يكن اهتمام الإدارة البريطانيّة العسكريّة بالعراق فحسب، بل عَمِلَت على إيجاد سياسةٍ أخرى للتعامل مع القوميّات والأقليّات الدينيّة، ومنها استمالتها إلى جانبها، وتوظيفها في المناصب الحكومية إلى جانبها كي تكون ملتصقةً بها، كونها صاحبة الفضل في تبوئها تلك المناصب.
من جانبٍ آخر بروز ظاهرة القمع والإذلال المُتعمد في التعامل مع أبناء البلاد، من خلال مظاهر الاستبداد السياسي والقمع العسكري، محاولةً إثارة الفُرقة الاجتماعية بين أفراد المجتمع العراقي، بوسائل سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّةٍ مختلفة (كالحروب أو الصراعات الداخلية)، أو ((الُشللية) = الكتل الحزبية أو العشائرية أو الدينيّة أو الطائفية أو العنصرية... إلخ). من خلال عناصر حاولت ربط مصالحها الخاصة مع مصالح المُحتل الأجنبي، ليس في مراحل الاحتلال العسكري المباشر فحسب، وإنَّما في مرحلة ما قبل الاحتلال وبعدهِ، فضلًا عن الإسقاطات التي قد يخلقها المرتبطون والمستفيدون من المُحتلين بعد رحليهم أيضًا، ولعلَّ واحدةً من نتائج الاحتلالات الأجنبية المستمرة للعراق، أنَّها أدت إلى محاولات تزويق وتعميم ثقافة الفُرقة بين أفراد المجتمع الواحد، واستغلال
عض العناصر الداخلة في تكوينة المجتمع العراقي.
مهما يكن من أمر فإنَّ الإدارة البريطانيّة وسياسة التجزئة التي اعتمدتها تجاه العراق توضح مدى اعتمادها على الأقليّات القومية والدينيّة؛ لتُحقق بدورها مآربها في المستقبل، وتلعب على وتر تلك الأقليّات بحجَّة الدفاع عن حقوقها المسلوبة، للضغط على الحكومة العراقية، وهذا ما تحقَّق فيما بعد من خلال استخدام ورقة الآثوريين والكُرد، مستغلةً مشاعرهم الدينيّة والقومية الرافضة لحكم الأكثرية العربية، وهذا ما جعل فيما بعد بريطانيا تحقق من خلالهِ مصالحها، الأمر الذي أحدث شرخًا في داخل بُنية المجتمع العراقي، حتَّى بقي يُعاني منه إلى الوقت الحاضر نتيجةً لتكريس تلك السياسة.
1.الأزري، عبد الكريم، مشكلة الحكم في العراق تحليل للعوامل الطائفية والعنصرية في تعطيل الحكم الديمقراطي في العراق والحلول الضرورية للتغلب عليها، (بيروت، د. م، 1991م).
2.آلف دي. ل. رش و جين بريشود، العراق في سجلات الوثائق البريطانيّة (1914-1966م)، ترجمة: كاظم سعد الدين، بغداد، بيت الحكمة، 2013م.
3.إليزابيث بيرغوين، جيرتروود بيل من أوراقها الشخصية (1914-1926م)، ترجمة: نمير عباس مظفَّر، بيروت، المؤسَّسة العربية للدراسات والنشر، 2002م.
4.أنعام مهدي علي السلمان، بريطانيا وتكوين الدولة في العراق، أثر السير هنري دوبس في السياسة العراقية (1923-1929م)، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 2016م.
5.أوفرا بينغيو، كُرد العراق، بناء دولة داخل دولة، ترجمة: عبد الرزاق عبد الله بوتاني، بيروت، دار الساقي، 2014م.
6.إيستر مائير غليتشتاين، رحيل يهود العراق (1948-1951م)، ترجمة: مصطفى نعمان أحمد، بغداد، دار ميزوبوتاميا،2016م.
7.إيناس سعدي عبد الله، تاريخ العراق الحديث (1258-1918م)، بغداد، مكتبة عدنان، 2014م.
8.برترام توماس، مخاطر ورحلات في الجزيرة العربية، ترجمة: عبد الهادي فنجان الساعدي، بغداد، دار مصر مرتضى، 2009م.
9.برترام توماس، مذكرات برترام توماس، ترجمة: كامل سلمان الجبوري وعبد الهادي فنجان، بيروت، مؤسَّسة العارف للمطبوعات، 2002م.
10.البزاز، عبد الرحمن، العراق من الاحتلال حتَّى الاستقلال، ط2، بغداد، 1967م.
11.البلداوي، طارق مجيد تقي، مقدمة في تاريخ العراق السياسي المعاصر، بغداد، مؤسَّسة ثائر العصامي، 2016م.
12.جعفر عباس حميدي، تاريخ العراق المعاصر (1914-1968م)، بغداد، مكتبة عدنان، 2015م.
13.جورج لنشوفسكي، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ترجمة: جعفر خياط، بغداد، مكتبة دار المتنبي، 1964م.
14.الحسني، عبد الرزاق، العراق في دوري الاحتلال والانتداب، بغداد، دار الرافدين، 2013م.
15.حنا بطاطو، العراق؛ الطبقات الإجتماعية والحركات الثورية من العهد العثماني حتَّى قيام الجمهورية، الكويت، منشورات دار القبس، 2011م
16.الحيدري، رياض رشيد ناجي، الآثوريون في العراق (1918-1936م)، القاهرة، مطبعة الجيلاوي، 1977م.
17.الربيعي، نبيل عبد الأمير، اليهود في العراق منذ السبي الآشوري والبابلي وإلى تهجيرهم القسري في منتصف القرن العشرين، بغداد، دار الرافدين، 2013م.
18.الزبيدي، نوال كشيش محمد، موجز تاريخ اليهود في العراق، بغداد، دار ضفاف، 2015م.
19.سعاد رؤوف شير محمد، التغلغل الأميركي في العراق (1921-1939م)، بغداد، مؤسَّسة ثائر العصامي، 2016م.
20.سعد بشير إسكندر، من التخطيط إلى التجزئة سياسة بريطانيا العظمى تجاه مستقبل كردستان (1915-1923م)، السليمانية، منشورات بنگه ژين - مطبعة شفان، 2007م.
21.سير آرنولد تي ويلسون، بلاد ما بين النهرين بين ولائين، ترجمة: فؤاد جميل، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1992م.
22.شامل عبد القادر ومحمد جبير، يهود العراق المقدمات التاريخية والخطاب الثقافي، بغداد، دار الجواهري، 2013م.
23.صادق حسن السوداني، النشاط الصهيوني في العراق (1914-1952م)، بغداد، دار الحرية للطباعة والنشر، 1980م.
24.صالح حسن عبد الله، تهجير يهود العراق (1941-1952م)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية التربية، جامعة تكريت، 2003م.
25.الصلح، رغيد، حربا بريطانيا والعراق (1941-1991م)، بيروت، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، 2013م.
26.الطعمة، باسم حطَّاب، تغلغل النفوذ البريطاني في العراق (1798-1831م)، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة بغداد، 1985م.
27.عبد الرحمن صالح إدريس، سياسة بريطانيا تجاه كُرد العراق، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية (ابن رشد).
28.عبد العزيز سليمان نوار وعبد المجيد نعنعي، التاريخ المعاصر لأوربا، القاهرة، 1975م.
29.عبد العزيز سليمان نوار، تاريخ العراق الحديث من نهاية حكم داود باشا إلى نهاية حكم مدحت باشا، القاهرة، دار الكتاب العربي للطباعة والنشر، 1968م.
30.عبد الفتاح إبراهيم، على طريق الهند، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1978م.
31.العبدلي، نور محمد، ساسون حسقيل ودوره السياسي والاقتصادي في العراق (1860-1932م)، بغداد، مكتبة النهضة العربية، 2017م.
32.عديد دويشا، عراق الحقبة الملكية، ترجمة: مصطفى نعمان أحمد، بغداد، دار مصر مرتضى، 2012م.
33.علي الوردي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بيروت، دار الراشد، 2005م.
34.علي محافظة، موقف الدول الكبرى من الوحدة العربية، بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية، 1985م.
35.علي ناصر حسين، الإدارة البريطانيّة في العراق (1914-1921م)، اطروحة دكتوراه غير منشورة قدمت الى جامعة بغداد، كلية الآداب، تشرين الأول 1991.
36.العُمر، فاروق صالح، العلاقات العراقية - البريطانيّة (1922-1948م)، بيروت، دار ومكتبة البصائر، 2014م.
37.غسان العطية، نشأة الدولة (العراق)، ترجمة: عطا عبد الوهاب، لندن، دار اللام، 1988م.
38.قزانجي، فؤاد، العراق في الوثائق البريطانيّة (1905-1930م)، دار المأمون، بغداد، 1989م.
39.اللورد لويد دولبران، العراق من الانتداب إلى الاستقلال (1914-1932م)، ترجمة: مجموعة مترجمين، بيروت، الدار العربية للموسوعات، 2002م.
40.م. س. لازاريف، المسألة الكردية (1917-1923م)، ترجمة: عبدي حاجي، ط2، بيروت، دار الفارابي، 1981م.
41.محمد إبراهيم محمد، مقاومة العرب للاضطهاد العثماني، بغداد، دار الجواهري، 2011م.
42.مير بصري، أعلام اليهود في العراق الحديث، لندن، دار الوراق، 2006م.
43.النصيري، عبد الرزاق أحمد، دور المجددين في الحركة الفكرية والسياسية في العراق (1908-1932م)، بغداد، مكتبة عدنان، 2012م.
44.هـ. أ. ل. فِشر، تاريخ أوربا في العصر الحديث (1789-1950م)، ترجمة: أحمد نجيب هاشم ووديع الضبع، القاهرة، دار المعارف، 1958م.
45.وليم خمو وردا، الحماية الدولية للأقليات.. دراسة حالة الحماية الدولية للمسيحيين العراقيين، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية العلوم السياسية، جامعة بغداد، 2013م.
46.ياسين طه ظاهر، دار الاعتماد البريطانيّة وتكوين الحكم الوطني في العراق (1920-1932م)، بغداد، مكتبة أحمد الدباغ، 2011م.
47.Encyclopedia Britannica Ultimate Reference Suite, Chicago: 2013.
(216)
د. حسن الفرطوسي
عُدّ الجهاز الإداري في أي نظام سياسي الأداة التنفيذية لسياسات السلطة الحاكمة، إذ يضطلع بتنفيذ توجهات النظام وتنظيم شؤون السكان، ويكسب أهمية خاصة في سياقات التحوّل السياسي أو الاحتلال، كما في حالة الاحتلال البريطاني للبصرة عام 1914. فقد مثّل هذا الاحتلال بداية حقبة جديدة في تاريخ العراق، أنهت فعليًا الوجود الإداري العثماني، وفتحت الباب أمام البريطانيين لإرساء نمط إداري جديد يخدم مصالحهم الاستراتيجية.
الكلمات المفتاحية: الاحتلال البريطاني، الإدارة العسكرية، النظام القضائي، الشبانة، العشائر العراقية، قانون الأراضي المحتلة، دعاوى العشائر.
شكّل الجهاز الإداري حجر الأساس في تنفيذ سياسات الأنظمة الحاكمة، إذ يُترجم الأهداف العامة للنظام إلى ممارسات عملية ضمن أطر تنظيمية تخدم استمرارية السلطة، بغض النظر عن طبيعة النظام أو هويته السياسية. وفي سياقات الاحتلال، تزداد أهمية هذا الجهاز بوصفه الوسيلة التي تتيح للقوى المحتلة فرض سيطرتها وإعادة تشكيل البنية الإدارية وفق رؤاها ومصالحها.
وفي هذا الإطار، يُعدّ الاحتلال البريطاني لمدينة البصرة في 22 تشرين الثاني 1914 محطة مفصلية في التحول من الإدارة العثمانية إلى الإدارة البريطانية. فقد أُقيم احتفال رسمي بهذه المناسبة، ألقى خلاله المندوب السياسي البريطاني، السير برسي كوكس (Percy.z.Cox)، خطابًا باللغة العربية أعلن فيه انتهاء الحكم العثماني وبدء عهد جديد تحت راية بريطانيا، واعدًا السكان بالحرية والعدالة في ظل الإدارة البريطانية. شكّل هذا الخطاب، من الناحية الفعلية، الإعلان الأول لانتهاء السلطة العثمانية، وبداية مرحلة الاحتلال البريطاني المنظّم.
فرضت الظروف الميدانية في المدينة على القوات البريطانية ضرورة الإسراع بإنشاء إدارة مدنية بديلة. ويمكن تحديد أبرز دوافع هذا التأسيس بما يلي:
1. السعي لضبط الأمن بعد حالة الفوضى التي أعقبت انسحاب القوات العثمانية، وما رافقها من نهب وتخريب للمؤسسات العامة .
2. مواجهة التدهور الصحي وانتشار الأوبئة، والتي أودت بحياة عدد من
الجنود البريطانيين نتيجة غياب الخدمات الصحية وتراكم النفايات .
3. ضمان إيصال الإمدادات وتوفير الاحتياجات العسكرية للقوات البريطانية المنتشرة في العراق .
4. السيطرة على الموارد الاقتصادية والأراضي والممتلكات العامة.
5. سد الفراغ الإداري الناتج عن انسحاب غالبية الموظفين العثمانيين، الذين كان معظمهم من الأتراك، وإتلافهم للأرشيفات الرسمية قبل مغادرتهم.
6. تقديم الخدمات الأساسية للسكان المحليين، وتنظيم العلاقة بين المدنيين والسلطة المحتلة .
انطلاقًا من هذه المعطيات، وافقت الحكومة البريطانية على إقامة إدارة مدنية للمناطق العراقية المحتلة، بهدف تكريس سيطرتها المباشرة وتحويل العراق إلى مستعمرة خاضعة لسلطتها، تختلف في وضعها عن باقي المستعمرات البريطانية؛ نظرًا لأهميته الجيوسياسية والاقتصادية. وقد رأت بريطانيا أنّ إحكام السيطرة على الجهاز الإداري وتوجيهه بما يخدم أهدافها يُعدّ ضرورة استراتيجية لضمان استمرار نفوذها واستقرار وجودها .
ورغم هذه القناعة، ظهرت خلافات جوهرية بين الحكومة البريطانية في لندن وحكومة الهند البريطانية حول شكل الإدارة المرتقبة. فقد فضّلت لندن
الحذر وعدم التوسّع في البنية الإدارية، مبرّرة ذلك بغياب الكوادر المؤهّلة، ومفضّلة النموذج المصري- السوداني كصيغة قابلة للتطبيق، بما يخفّف الأعباء المالية والسياسية. في المقابل، كانت حكومة الهند تدفع باتجاه تبنّي نموذجها الإداري، مستندة إلى قدرتها على تأهيل كوادر عراقية محليّة، مدنية وعسكرية، يمكنها تسيير شؤون البلاد وفقًا للتجربة الهندية .
ويمكن أنْ نقول إنّ العامل الاقتصادي لعب دورًا كبيرًا في الموقف البريطاني المتحفظ لتأسيس ادارة مدنية البصرة، لا سيّما في ظل الأعباء المالية المتزايدة جرّاء الحرب العالمية الأولى. كما أنّ الحكومة البريطانية سعت إلى تجنّب إثارة حفيظة حلفائها بإعلان نوايا استعمارية صريحة في وقت مبكر.
ورغم الخلافات بين الطرفين، تم التوافق على ضرورة إقامة إدارة منظمة، على أن يتولّى برسي كوكس مهمة الإشراف المباشر عليها بصفته الضابط السياسي الأقدم في العراق. ونتيجة لكون معظم عناصر القوة العسكرية البريطانية كانت تتبع لحكومة الهند، فقد بدا طبيعيًا أن تُطبّق القوانين والإجراءات الإدارية الهندية في العراق خلال المرحلة الأولى من الاحتلال .
يعدّ الجانب (العسكري - السياسي) من أهمّ ما يشغل سلطات الاحتلال، فوجود القوات البريطانية في البصرة، واتخاذها قاعدة لعملياتهم العسكرية تجاه العراق، كان يفرض عليهم استتباب الأمن فيها، والاطمئنان من أهلها؛ لذلك جعلت الإدارة السياسية لسلطات الاحتلال الجانب الأمني والسياسي من أولويات أعمالها.
وهي أول مؤسسات الإدارة المدنية التي يتم تشكيلها في ولاية البصرة بعد سيطرة قوات الاحتلال البريطاني على المدينة في 22 تشرين الثاني 1914 لتتولى المهام المستعجلة، وقد تألّفت من الرائد دارسي براونلو (D.Brownlow) نائب (قائد) الفرقة السادسة رئيسًا، الذي اتّخذ عددًا من المساعدين من أصحاب الخبرة والدراية في أمور العراق وعادات الشعب العراقي، منهم النقيب ريد بولارد (R.bullard) مستشارًا شخصيًا، وتوم دكستر (T.Dextar) مساعدًا
ومترجمًا، فضلًا عن عدد آخر من الضباط، والموظفين البريطانيين والهنود والعراقيين تحت عناوين ومسميات متعددة.
قُسّمت البصرة إلى منطقتين إداريتين وأمنيتين، وهما البصرة (المركز) والعشار، وجعلهما تحت أشراف مساعديه، فيما قام هذان المساعدان بتقسيم المنطقتين على قطاعات، وجعلا على كل قطاع مختارًا مسؤولًا عن الحالة الأمنية في قطاعه. أما لواء العمارة، فقد عين الرائد (ماكفرسن Macpherson) حاكمًا عسكريًا في اللواء في 1 أيلول 1916، والعقيد (هاول Howell) ضابطًا سياسيًّا، كما عين العقيد (نيفنس Nephinson) حاكمًا عسكريًّا لإدارة المنتفق.كما اتبع هذا التقسيم في ولاية بغداد إذ قسمت إلى مناطق (بغداد، سامراء، بعقوبة، خانقين، العزيزية، الرمادي، الحلة، كربلاء، الشامية، السماوة).
ويمكن تحديد واجبات الحاكم العسكري في منطقته وفقًا لما حددتها له الإدارة المدنية البريطانية بما يأتي:
مهام أمنية: المحافظة على النظام في منطقته والعمل على تطبيق القوانين في المناطق والمقاطعات التابعة لأدارته، وإبداء المساعدة إلى القوات العسكرية ضمن حدود منطقته الإدارية، من خلال إجبار الأهالي على العمل في تنفيذ المشاريع
العسكرية لجيش الاحتلال .
مهام قضائية: الحكم في المخالفات البسيطة التي لا يتجاوز حد عقوبة الحبس فيها عن (28) يومًا، أو مبلغ الغرامة عن مئة روبية.
مهام تنفيذية (إدارية ومالية): تضمن توفير مقرّات خلفية ومحلّات للسكن، ويذكر بأن الدائرة قد وضعت يدها على أكثر من 70 منزل مقابل أجور رمزية، كما تتضمن فرض واستحصال الضرائب والرسوم البلدية.
مهام بلدية: تنظيف المدينة وتوفير مياه الشرب والاهتمام بالصحة العامة .
تقديم تقارير عن كافة الخسائر التي حلّت في ممتلكات السكان والتي حصلت نتيجة المعارك.
يتبين لنا من خلال الصلاحيات والمهام الممنوحة لدائرة الحاكم العسكري، أنّ الهدف الرئيس لإنشاء هذه الدائرة هو خدمة جيش الاحتلال البريطاني وتعزيز سيطرته على المناطق العراقية المحتلة، وتسخير خيراتها وطاقاتها البشرية بخدمة المجهود الحربي البريطاني.
بعد الاحتلال البريطاني للبصرة وفرض سيطرتهم عليها، انتهت كل أشكال
النظام السابق، ومنها قوات الجندرمة، الأمر الذي انعكس سلبًا على الأمن في المدينة، إذ انتشرت القرصنة في شط العرب، وانتشرت المجاميع المسلحة في بساتين النخيل بين الفاو والبصرة؛ لذلك ظهرت حاجة ملحة إلى جهاز أمني قادر على حفظ الأمن وتنفيذ قوانين سلطات الاحتلال البريطاني؛ لذلك التجأت سلطات الاحتلال إلى تأسيس جهاز الشرطة بعد أسبوع واحد من سيطرتها على مدينة البصرة.
تألّفت دائرة الشرطة من العقيد أي جي كريكسون (Kriekson A.G) رئيسًا، ومن عناصر أخرى اختارها من موقع عمله السابق في الهند، مع من الصوماليين المستخدمين في شرطة عدن، كما استخدم عددًا محدودًا من العناصر المحلية، ولاسيما أصحاب الوجاهة والنفوذ الذين أبدو تعاونًا مع سلطات الاحتلال البريطانية، لتوظيف ثقلهم الاجتماعي في ترسيخ الأمن والاستقرار وكسب ثقة مواطني البصرة وولائهم وتأييدهم .
تمكّن العقيد كريكسون ((Kriekson A.G خلال شهور من تسلّم مهامه أن
يؤسّس مخافر شرطة في مدينة البصرة، إذ اتخذ من مباني الحكومة العثمانية السابقة في المدينة مقرات لها، بالرغم من أنّ هذه الأبنية كانت على شكل هياكل خالية من الأبواب والشبابيك، بل كانت خالية من كلّ ما يمكن نقله أو نزعه منها بسبب قيام بعض أبناء البصرة بمهاجمتها وسلبها عقب انسحاب الجيش العثماني من المدينة.
لم يقتصر إنشاء جهاز الشرطة في مدينة البصرة فحسب، وإنّما تم إنشاؤها في جميع مدن العراق التي خضعت للاحتلال البريطاني، إذ تم تشكيلها دائرة الشرطة بعد احتلال القوات البريطانية لمدينة العمارة، وبدأت بممارسة الواجبات الاعتيادية المتمثلة بحماية الطرق والأنهار، واستخدامهم كحراس للمخازن الحكومية في بعض المناطق، والقبض على المجرمين، وسعيها إلى منع وقوع المشاكل بين العشائر القاطنة في العمارة، كما كُلّفوا بجباية الضرائب، إلّا أنّ أعدادها لم تكن كافية، كما تم تشكيل دائرة الشرطة في أيلول عام 1915، في مدينة الناصرية بعد احتلالها.
مارست الشرطة في عملها القوة المفرطة، وأشاعت الخوف والرعب بين السكان، وذلك للحدّ من الهجمات المسلحة التي كانت تتعرّض لها المنشآت والدوريات البريطانية يوميًا من قبل أبناء البصرة، إذا أودعت كثير من الأهالي في السجون بتهمة السرقة، كما تم إعدام عدد منهم أمام الأهالي ليكون عبرة وترهيبًا لمن يجرؤ على التعدي على سلطات الاحتلال البريطاني.
أما عن موقف الأهالي من جهاز الشرطة، فقد كان سلبيًا بنظر المحتلّين، فلم يرغب السكان المحليون بالانضمام إلى جهاز الشرطة، كما واجهت إدارة
الاحتلال صعوبة في إقناعهم عند تأسيس هذا الجهاز، وإلى هذا المعنى أشار ويلسون: «لقد ثبت بالتجربة أنّ تشكيل قوة شرطة في البصرة أمر شاق، جدًّا عسير...».
ويبدو أنّ سلطات الاحتلال لم تكن راغبة باستخدام المواطنين أو الذين كانوا في جهاز الشرطة العثمانية السابق؛ وذلك لعدم ثقتهم بهذه العناصر، وخوفهم من الانقلاب عليهم، لذلك التجأوا في بادئ الأمر إلى عناصر الشرطة الذين تم إحضارهم من الهند وعدن، لثقتهم العالية بهذه العناصر التي كانت تعمل لخدمة المصالح البريطانية، فضلًا عن عزوف أغلب العراقيين عن العمل في جهاز الشرطة؛ لأنّهم يعدونه بمنزلة خدمة للمحتل الذي يجب قتاله بدلًا من معاونتهم، فضلًا عن أنّ من يتعاون مع الاحتلال سيكون مهدّدًا بالقتل من قِبَل العراقيين، وسيكون منبوذًا بينهم.
الشبانة هي تسمية أطلقت على القوات العشائرية التي شكّلتها قوات الاحتلال البريطانية في المناطق النائية لتقوم مقام الشرطة المحلية ، واختلف عدد من الباحثين حول أصل هذه الكلمة؛ إذ اعتبر بعضهم أنها كلمة فارسية تعني حرّاس الليل، بينما يذهب آخرون إلى أنّها تعني المرتزقة الذين كانوا يُستخدمون بأجور لأغراض عسكرية وشبة عسكرية.
ومهما اختلف الباحثون في أصل التسمية، فإنّ كلمة الشبانة أصبحت
التسمية الرسمية للمليشيات العشائرية التي شكّلتها سلطات الاحتلال من أبناء العشائر تحت قيادة أبناء الشيوخ وبإشراف مباشر من الحكام السياسيين لسلطات الاحتلال، لتحلّ محلّ الشرطة في مناطقهم. وكان المجنّدون في الشبانة من أبناء العشائر، يتم انتدابهم لهذه المهمة من خلال شيوخ العشائر، الذين يختارون المجنّدين من أبناء عشائرهم، ويكون العمل ضمن حدود مناطقهم.
وكان أهم أسباب إنشاء تلك القوات هو قلة عدد الشرطة وصعوبة العمل في المناطق العشائرية النائية التي تحتاج إلى أعداد كبيرة، في الوقت الذي لا تستطيع قوات الاحتلال تأمين ذلك؛ لأنها في حالة قتال مع الجيش العثماني، ولكي لا تنشغل قواتها بأعمال ثانوية، فضلًا عن أنها تستهدف الوصول إلى قلب رؤساء العشائر وأبناء هذه العشائر وكسب ودهم، وبذلك اأسّست هذه القوات في القرنة ولواء العمارة ولواء المنتفق بعد احتلالها .
إذ تم تأسيس أول قوات للشبانة أوائل عام 1915، وأُسندت مهمة قيادتها إلى النقيب (مكفرسن Mecpherson)، لحماية طرق المواصلات بين القرنة والعمارة يساعده اثنان من أبناء الشيخ أكباشي السعد، وهما مروان وهاشم،
بعد أن منحتهم رتبًا عسكرية، كما كُونت شبانة محلية لحماية طريق سكة الحديد، وكان عددهم مئة وأربعة وسبعون مجندًا، نصفهم من الزبير والنصف الآخر من قبيلة ظافر تم تجهيزهم وتسليحهم من قبل سلطات الاحتلال .
إذ بلغ العدد الكلّي للمجنّدين من الشبانة في منطقة العمارة عام 1918 (424) مجنّدًا أما بالنسبة إلى عشيرة المنتفق، فقد تأسست الشبانة فيها منذ أيلول 1915، إذ قدّم بعض شيوخ أسرة آل سعدون ثلاثين مجنّدًا من أبناء عشائرهم لتشكيل النواة الأولى لقوة الشبانة في المنتفق، ثم توسّعت حتى وصلت إلى 400 مجنّد، أُطلق عليها تسمية خيّالة المنتفق .
أما مهام قوات الشبّانة فيتمثّل بما يأتي:
1.الحفاظ على الأمن والنظام داخل مناطقهم ومنع دفع الإتاوات إلى الشيوخ.
2.حماية طرق المواصلات النهرية التي توجد ضمن مناطق عشائر عناصر الشبانة.
3.المحافظة على سلامة سكك الحديد وخطوط التلغراف.
4.حماية مخازن ذخيرة جيش الاحتلال البريطاني .
5.تنفيذ الواجبات الإدارية ونقل المراسلات وحراسة السجون ومرافقة السجناء، والقيام ببعض الواجبات العسكرية.
6.جمع المعلومات العسكرية والعشائرية.
7.إلقاء القبض على المجرمين والحيلولة من دون وقوع الاضطرابات العشائرية.
ومن خلال هذه الواجبات التي أنيطت بقوات الشبانة، فقد اهتمت الإدارة المدنية لجيش الاحتلال بها، وبذلك عملت على تسليحها بأسلحة حديثة نسبيًا، كما أعدّتها إعدادًا عسكريًا من خلال التدريبات التي كان يتلقّاها المجنّدون من معلّمي الجيش البريطاني، كما خصّصت لهم زيًّا خاصًّا بهم يتشابه كثيرًا مع زي الشبّانة الهندية، إلّا أنّه يختلف بغطاء الرأس؛ إذ استخدم العقال واليشماغ في العراق، فضلًا عن مرتبات كافية ومجزية في تلك الأوقات؛ مما أدى إلى زيادة أعداد هذه القوات، إذ بلغ عددهم في عام 1917 (1500) مجنّدًا، وارتفع العدد الكلي لهذه القوة بحلول كانون الأول عام 1918 حتى وصل إلى نحو 2000 مجند؛ إذ أصبحت قوات الشبانه النواة الأولى للشرطة والجيش العراقي فيما بعد.
ومن خلال ما تقدّم يبدو أن سلطات الاحتلال البريطاني استغلّت قوات الشبانة في تحقيق مصالحها وتثبيت سلطتها في المناطق العشائرية والنائية التي يصعب عليهم العمل فيها، وجباية الواردات من أبناء العشائر، كما جعلوها أداة لضرب شيوخ العشائر الرافضين لسلطات الاحتلال، وأداة ضاربة في يد شيوخ العشائر المتعاونين مع سلطات الاحتلال، مما جعلها تصطدم في بعض الأحيان
مع أبناء عشائرها أو العشائر المجاورة لها، مما زاد من الحنق لدى أبناء العشائر من تلك القوات، التي أصبحت منبوذة لديهم، سيما وأن سلطات الاحتلال عملت على سلخها من التبعية والعرف العشائري.
أسلوب التهميش والتجهيل الذي اتّبعته سلطات الاحتلال العثماني في العراق، وخاصة مع مجتمعات جنوب العراق، عزّزت التجمّعات العشائرية وروح القبيلة التي أعطت لشيخ العشيرة سلطة واسعة على أبناء عشيرته، بالرغم من سياسة (فرّق تسد) و(نظام الطابو) الذي اتّبعته سلطات الاحتلال العثماني، والتي لم تنجح في القضاء على تماسك وحدة العشائر العراقية.
لذلك حاول المحتلّون البريطانيون الاستفادة من تجارب النظام العثماني السابق في إدارة العشائر العراقية على مبدأ التقسيم ومنع التماسك بين أبناء العشائر، إذ اعتمدوا على الأسلوب نفسه، لكنهم في الوقت نفسه عزّزوا من مكانة الشيوخ، بعد أنْ أدركوا أن ذلك سيؤمّن لهم نوعًا من السيطرة على أبناء العشائر الذين يطيعون شيوخهم، مستغلّين في تحقيق سياستهم هذه مشاعر الودّ والاحترام الموروثة، التي يكنّها أغلب أبناء العشائر لشيوخهم .
ومن أجل إنشاء مؤسسات لإدارة سلطات الاحتلال البريطاني في المناطق التي تقطنها العشائر، قرّرت إنشاء نظام جديد للإدارة يقوم على أساس التنظيم العشائري، وعلى احترام العادات والأعراف العشائرية، وعلى إسناد شيوخ العشائر، باعتبارهم أدوات لتنفيذ سياستها؛ وبذلك استخدم المحتلّون نظام (المشيخة) وأقرّوا سلطة الشيوخ كرؤساء على عشائرهم، وعيّنوا شيخًا واحدًا
لكل عشيرة، ومن أجل إنجاح ذلك، وكسب ود الشيوخ وأفراد عشائرهم وتبديد النفور من سلطات الاحتلال، حرص الضبّاط السياسيون على زيارة شيوخ العشائر في مناطقهم وإقامة دعوات وولائم خاصة وتوجيه دعوات عامة إلى شيوخ العشائر ووجهائهم في الأعياد البريطانية.
إذ شكّلت سلطات الاحتلال في بعض المناطق مجالس عشائرية وانتخبوا لها بعض الشيوخ الموالين لسلطة الاحتلال وتعيين عدد من الشيوخ غير المعارضين لسلطات الاحتلال، بوظيفة مدير أو مستشار في منطقته، مقابل مِنح مالية شهرية تتراوح بين (200 - 500) روبية حسب أهمية المنطقة التي يديرها لتنفيذ المهام التي أُوكلت لهم، المتمثّلة بجمع الضرائب التي يقرّرها الحاكم السياسي والمحافظة على القانون والنظام في القبيلة وحسم المنازعات الصغيرة التي تحدث ضمن حدود القبيلة، ويحيل الكبيرة منها على الحاكم السياسي أو إلى أحد مساعديه، وإرسال الفلاحين عند الحاجة إليهم للعمل في المشاريع الحكومية وتحصيل الإيجارات السنوية وتسليمها إلى مالك الأرض، وحماية المسافرين والممتلكات الحكومية والمساعدة في صيانة المواصلات والكهرباء والهاتف، واعتقال المخالفين وتسليمهم، وإعلان الولاء العام للحكومة، والمساعدة في إقامة علاقات طيّبة بين فروع العشائر الكبيرة.
وبذلك فقد تم تعيين عدد من الشيوخ في البصرة مدراء، ومنهم الشيخ
إبراهيم بن عبدالله الراشد لمقاطعة الزبير، أحمد الجلبي مديرًا لناحية أبي الخصيب، وإلياس باكوس مديرًا لناحية شط العرب، والشيخ الحاج عذار لناحية الهارثة، والشيخ سالم الخيون مديرًا لناحية الجبايش بعد احتلالها مباشرة، إلّا أنّ عدم امتثاله لسلطتهم أدّى إلى اعتقاله ونفيه إلى الهند عام 1915، وتعيين ابن أخيه ماجد الخيون شيخًا ومديرًا لناحية الجبايش خلفًا له، كما تمّ تعيين الشيخ حميد المير جعفر مديرًا لناحية المْدَيْنَة، والشيخ إبراهيم العماري مديرًا لناحية بني حطيط الواقعة ضمن ناحية الجبايش، والشيخ أحمد آل راشد مديرًا لناحية الدير التابعة لمنطقة القرنة، إلّا أنّها استبدلته عام 1916 بالشيخ عاتي السعد شقيق الشيخ كباشي السعد، كما عهدت إدارة السويب إلى الشيخ جايد الطاهر الإبراهيمي وناحية النشوة إلى الشيخ عبد الهادي السويجت من عشيرة الحلاف، بينما عيّنت الشيخ كباشي السعد مديرًا لناحية اصخيريجة، ثم وسّعت سلطاته الإدارية لتشمل المناطق المجاورة لها (النهيرات والشرش)، ويساعده أبناؤه كلّ من هاشم وفارس وكاطع ومانع، إذ كلّف هاشم بإدارة بني منصور وكلّف كاطع ومانع بإدارة المزيرعة، بينما كلّف فارس لإدارة النهيرات.
أما في سوق الشيوخ، فقد عيّنت إدارة الاحتلال البريطاني الشيخ حميد آل خميس أحد شيوخ آل سعدون مديرًا لناحية الخميسيّة ، والشيخ فرهود المغشغش شيخ عشيرة بني خيكان لناحية العكيكة وهور الحمار ، والشيخ سليمان النصر الله
شيخ عشيرة البو صالح مديرًا لناحية البو صالح والشيخ حمودة المزيعل البشارة شيخ عشيرة المحيسن مديرًا لناحية كرمة بني سعيد، والشيخ منشد الحبيب شيخ عشيرة الغزي مديرًا لناحية البطحة.
أمّا الشطرة، فلم تتمكّن قوات الاحتلال من ممارسة سلطاتها المباشرة عليها؛ إذ عيّنت الشيخ حسن الجاسم، أحد شيوخ عشيرة البوشمخي وكيلًا حكومًّيا في القضاء، إلّا أنه لم يستطع ممارسة أعماله بسبب تجاهل سلطات الاحتلال فرض سيطرتهم المباشرة على المنطقة لقوة مقاومة أهلها، ولرفض الشيخ خيون العبيد الحاكم الفعلي للقضاء، الرافض للاحتلال؛ لذلك تمكّن الأخير من أبعاده وإبقاء حكم القضاء خاضعًا لسلطته، بعيدًا عن سلطات الاحتلال البريطاني، إلّا بعدأان تم لهم احتلال بغداد 1917 وفرض سيطرتها على الفرات الأوسط وجنوب العراق؛ وبذلك لم تبق إلّا الغراف التي خضعت للاحتلال البريطاني بعد قناعة أهلها، بأن لا جدوى من المقاومة والعراق جميعًا تحت الاحتلال البريطاني؛ لذلك أقرّت سلطات الاحتلال الشيخ خيون العبيد بمنصب وكيل سياسي في الشطرة بعد أن اعترف بالسيادة البريطانية.
أما لواء العمارة، فلم يتم تعيين أي شيخ بمنصب مدير ناحية؛ لأنّ عشائرهم كانت لا تثير المشاكل، فضلًا عن الصلاحيات الواسعة التي كان يتمتّع بها شيوخ العشائر وانقياد عشائرهم لهم؛ لذلك لاحاجة لتعيينهم بمناصب إدارية ما داموا لا يثيرون المشاكل لسلطات الاحتلال.
ولم تكن سياسة الاحتلال البريطانية ودية فقط تجاه عشائر العراق وبالأخص
عشائر جنوب العراق، وإنما استعملت السياسة البغيضة التي كانت تستخدمها سلطات الاحتلال العثماني، وهي سياسة (فرّقْ تَسُد)، إذ لجأت سلطات الاحتلال البريطاني إلى تغيير شيوخ العشائر بآخرين ضعفاء، أو من الذين يوالون السلطة المحتلة، كما عملت على إبعاد منصب المشيخة من الشيوخ الحقيقيين للعشيرة، مما أدى إلى إيجاد صراع وانقسام داخل العشيرة نفسها، فضلًا عن سياسة إعادة تحديد الأراضي بين العشائر، الأمر الذي أدى إلى نشوب الصراع والاقتتال فيما بينها.
وعلى الرغم من سياسة الاحتلال البريطاني المتمثّلة بالتقرب والتودّد من شيوخ وأفراد العشائر، فإنّها لم تفلح مع جميع عشائر جنوب العراق، إذ واجهت أغلب عشائر جنوب العراق الاحتلال البريطاني بالمقاومة والرفض لسياسة الاحتلال، إبّان الأعوام الأولى من الاحتلال البريطاني، يدفعهم في ذلك الموقف الوطني والديني، إذ رفض الشيخ غضبان البنية عرض سلطات الاحتلال للعمل معها على الرغم من الإغراءات المالية الكبيرة، وفضّل الاستمرار في المقاومة، كما كانوا على الموقف نفسه كلّ من الشيخ زبون بن ياسر أحد شيوخ البو محمد والشيخ محمد الحطاب أحد شيوخ البودراج، إذ استخدمت سلطات الاحتلال سلطة الترغيب والترهيب، وبما أنها لم تنجح معهم صادرت أراضيهم ومنحتها إلى شيوخ آخرين.
كما رفض أغلب شيوخ المنتفق هذه السياسة في بادىء الأمر، وفي مقدّمتهم الشيخ عجمي السعدون الذي لم تُغْرِه المنافع المالية والإدارية الكبيرة التي كانت سلطات الاحتلال البريطانية مستعدة لتقديمها إليه، مفضّلًا مقاومة الاحتلال، ولو كلّفه ذلك أملاكه ومركزهُ في المنتفق، كما وقف هذا الموقف الشيخ بدر الرميض، بالرغم من سياسة الشدة والإغراء التي واجهها من سلطات الاحتلال؛ بينما نجد أن شيوخ الغراف رفضوا أيضًا أي تعاون مع سلطات الاحتلال، بل بقيت الغراف عصيّة على الاحتلال البريطاني، حتى تم لهم احتلال بغداد وإتمام السيطرة على الفرات الأوسط وجنوب العراق، واقتناع هؤلاء الزعماء بأن الاحتلال الأجنبي أصبح مسيطرًا على العراق جميعًا، وأنه شرّ لا بدّ منه. إضافة إلى عدد كبير من الشيوخ والعشائر العراقية التي رفضت واستمرّت بالمقاومة الوطنية، والتي ضحّت من أجل ذلك بأملاكها وأرواح أبنائها فداء للوطن.
ويبدو أن سياسة الاحتلال البريطاني القائمة على سياسة الترغيب والترهيب تارة، وسياسة فرّق تسد تارة أخرى، قد نجحت إلى حدّ ما في المجتمع العراقي، إذ اضطرت أغلب العشائر العراقية التي كانت تقاوم الاحتلال في بادئ الأمر تحت سياسة التهديد والنفي ومصادرة الأملاك لمهادنة الاحتلال.
كما كان لسياسة الترغيب وإعطاء الأموال والمناصب لشيوخ العشائر،
سيما للشيوخ غير البارزين، دور كبير في كسب ود هؤلاء الذين سخّروا أبناء عشائرهم في خدمة سلطات الاحتلال، يساعدهم في تحقيق ذلك تعزيز نظام العشائر من قبل المحتلّين، وجعل بعض هؤلاء الشيوخ مدراء تابعين لسلطات الاحتلال، وتحت إمرتهم قوات عسكرية ضاربة من قوات الشبّانة حسنة التسليح والتدريب؛ إذ استغلّها هؤلاء الشيوخ في ضرب منافسيهم من العشائر وتعزيز سلطتهم والإثراء على حساب أبناء العشيرة.
(236)
كان من الطبيعي أن تلغي سلطات الاحتلال البريطانية أي شيء يتعلّق بالنظام العثماني في الأراضي العراقية المحتلّة، ليؤكّدوا لسكان تلك المناطق انتهاء نظام الاحتلال العثماني، وإحلال نظام جديد مغاير للنظام السابق يخدم مصلحة المحتلّين الجدد.
لذلك عدت السلطة والتنظيم القضائي بحكم المنتهية عندما سيطرت قوات الاحتلال البريطاني على البصرة في 22 تشرين الثاني 1914؛ إذ انسحب القضاة الأتراك السابقون ومعظم الكادر القضائي مع الجيش العثماني المنسحب؛ وبذلك لم يكن يوجد أي ملّاك عراقي أو عثماني لديه خبرة في القانون العثماني داخل البصرة، وإن وجدوا، فلن يرغبوا بالتعامل مع سلطات الاحتلال البريطاني لبغضهم لها . فضلًا عن عدم معرفة سلطات الاحتلال بالقانون القضائي العثماني الذي كان يُطبّق في العراق، مما زاد من صعوبة العمل على غرار النظام العثماني .
ونظرًا إلى أهمية القضاء في استقرار الأوضاع الاجتماعية وفرض هيبة السلطة وتحقيق أهدافها، فقد تألّفت في نيسان 1915 الإدارة القضائية من المقدّم ستيورات جورج نوكس (S.G.Knox)ضابطًا عدليًّا، والبريطاني النقيب جارلس فريزر
مكنيزي (C.F.Mackenzie) معاونًا ، والإيراني وخان بهادر رستم علي ساعدًا، إلّا أنّه استقال من منصبهِ بسبب مرضهِ، فعين محلّه صاحب آغا ميرزا محمد، فيما مُنحت صلاحيات كاتب العدل إلى شركة كري مكنزي وفرع المصرف العثماني في البصرة . ومن أجل عمل هذه الهيئة أصدرت سلطات الاحتلال عددًا من القوانين التي تتماشى مع سياستها الاستعمارية، وهي:
من أجل إدارة الشؤون العدلية المدنية والجزائية، ألغى القائد العام لجيش الاحتلال البريطاني في الأول من آب 1915 قانون العقوبات العثماني، وشرّع (قانون الأراضي العراقية المحتلة The Iraq Occupied Territories God) وجاء هذا القانون على غرار القانون الجنائي والمدني الهندي.
تألّف قانون الأراضي العراقية المحتلة من ستة أبواب ضمت ثلاث وستين فقرة، وأهم ما جاء بهذا القانون صلاحيات الهيئات القضائية؛ إذ منحت للقائد العام لجيش الاحتلال أوسع الصلاحيات، فمنحته حق تشريع أو إلغاء أي قانون ، وحق إدخال أي قانون من القوانين الهندية، وإدخال أي تعديل عليها
لتتناسب مع المجتمع العراقي وفق ما تقتضية الضرورة، كما منحته حق استئناف الدعاوى الحقوقية والجزائية كافة .
وقد منح الضابط العدلي الأقدم صلاحية حاكم مقاطعة، ومن حقه النظر في الدعاوى الحقوقية والجزائية واستئناف الدعاوى المرفوعة إليه من حكام المناطق، أما الضابط العدلي الأصغر فيتمتّع بصلاحية حاكم منطقة، وهو منصب يمنحه حق النظر في الدعاوى الحقوقية والجزائية باستثناء تلك التي تصل العقوبة فيها إلى الإعدام، وللمعاون العدلي صلاحية حاكم من الدرجة الأولى، وينظر في الدعاوى المدنية التي لا يتجاوز مبلغ الغرامة فيها عن (300) روبية .
ومن أهم ما تضمّنه هذا القانون أن الدعوى التي يكون المتداعيَين أو أحدهما مسلمًا، فعلى المحكمة رفع المواد المنازع فيها أو بعضها إلى فقيه شرعي بعد تحرير الأسئلة اللازمة للفتوى، ويرفعها إلى فقيه مسلم معروف، وباتت اللغة العربية اللغة الرسمية للمحاكم بدلًا من اللغة العثمانية .
ومن الإيجابيات التي تعدّ لقانون الأراضي العراقية المحتلة تشكيل المحاكم المدنية، حيث أخذت تستبدل تدريجيًّا وتحلّ محل المحاكم العسكرية التي أُسست في بادئ الأمر، لغرض النظر بالقضايا المدنية التي لا تمسّ أفراد القوات المسلحة، منها جرائم القتل والتسليب والقضايا المالية.
وبموجب هذا القانون شكّلت المحاكم المدنية التي قسمت على قسمين؛ شرعية (سُنّية - جعفرية)، ومدنية (حقوقية - جزائية)، إذ كانت المحاكم الشرعية تختصّ بالقضايا الشرعية مثل (الزواج والطلاق وشؤون الإرث ... الخ)، بينما تهتم المحاكم المدنية (حقوقية - جزائية) بالقضايا المرفوعة لها من محاكم الصلح الموجودة في كل ناحية، وتنقسم المحاكم المدنية (حقوقية - جزائية) إلى أربع أقسام (مدنية، تجارية، محاكم البوليس، الجنائية)، وكانت تحكم بالقضايا الصغيرة المرفوعة إليها، وذلك عن طريق فرض غرامات صغيرة، أو الحكم بالسجن لمدة لا تزيد عن يوم واحد، عدا القضايا التي هي من اختصاص المحاكم المدنية الشرعية.
ومن الجدير ذكره أنّ الإدارة المدنية البريطانية في ولاية البصرة لم تؤسس في مقاطعة البصرة قبل احتلال بغداد 1917 إلّا محكمة مدنية واحدة؛ أما في العمارة والناصرية، فقد أعطيت صلاحيات إلى الحكام العسكريين للبتّ في القضايا والمنازعات التي تحدث بين السكان هناك، وفي المناطق الريفية أعطيت هذه الصلاحية إلى الحكام السياسيين، كما فرضت قيود على الأحكام التي كانت تصدر من الحكام العسكريين في المقاطعات، أو عن الحكّام السياسيين في الأرياف.
انسجامًا مع سياسة الاحتلال التي تهدف إلى إحياء الحكم الإقطاعي وسيطرة شيخ العشيرة، وعزل هذه المجتمعات لجعلها متأخرة وسهولة السيطرة عليها،
فضلًا عن عدم اعتماد أبناء العشائر المحاكم المدنية؛ لجأت سلطات الاحتلال إلى إصدار قانون (نظام دعاوي العشائر المدنية والجزائية لعام 1916م)، وأصدر هذا القانون بعد أقل من ستة أشهر على صدور قانون الأراضي العراقية المحتلة، وجاء هذا القانون وفق البند الخامس والخمسين، الفقرة - ب- من قانون الأراضي العراقية المحتلة، والتي أجازت للضابط العدلي الأقدم حق إصدار مثل هذا القانون، الذي وضعه هنري دوبس(Henry Dobbs) عام 1915 على غرار (نظام جرائم الحدود الهندي Indian Frontier Regultio) الذي وضعه وطبّقهُ روبرت ساندمان R.Sandeman في بلوجستان سنة 1875، وعُدّ هذا القانون ساري المفعول بعد أن صادق عليه القائد العام لقوات الاحتلال البريطاني في 12 شباط 1916.
جاء هذا القانون من 62 مادة، ونص على منح السلطة للحكّم السياسيين للنظر في القضايا التي تحدث في مناطقهم، على أساس العرف العشائري، كما يحق لهم تشكيل مجلس عشائري، أو أي هيئة تحكيمية وفقًا لعادات وتقاليد العشائر،
يحق لها النظر بأي نزاع عدا نزاعات الأراضي، يكون أحد طرفي النزاع أو كليهما من أفراد العشائر بعد أن يُحال من الحاكم السياسي للمنطقة التي حدث فيها النزاع إلى تلك المجالس، للبت في النزاع وفقًا للعرف العشائري، وللحاكم السياسي القرار النهائي في المصادقة على الحكم، أو إعادة النظر في القضية، أو رفعها إلى مجلس عشائري ثان، وفي حال مخالفة المجلس لما يراه الضابط السياسي، يحق له تحويلها إلى مجلس الضباط السياسيين، أو يحكم بها قضائيًّا بنفسة، وان لم يكن يملك مثل هذه الصلاحيات، يحيل القضية إلى محكمة للبتّ فيها، أو ينقض القرار الصادر بها أو يستبدل عقوبة السجن بالجلد، وهو غالبًا ما استخدمته السلطات المحتلة للتنكيل بالعناصر التي تهدّد مصالحها السياسية والاقتصادية وأمن قواتها المحتلة.
كما أعطي الحق أيضًا للحاكم السياسي لإصدار الأحكام التي تزيد عن سنتين سجن أو غرامة تزيد على الألفي روبية، أو أن ينفي أي شخص خارج المنطقة أو الحدود في حالة اعتباره خطرًا على أمن قوات الاحتلال، لكن بشرط أن يحصل على مصادقة مسبقة من رئيس الحكّام السياسيين.
ومن أجل الحد من الهجمات العشائرية على قوات الاحتلال البريطاني، فقد خوّل هذا القانون فرض عقوبات قاسية على جميع أفراد القبيلة التي يقوم بعض أفرادها بأعمال مناهضة للسلطات العسكرية البريطانية، ومن هذه العقوبات حجز القبيلة أو مصادرة أموالها، أو إبعادها عن موطنها الأصلي إلى خارج
الحدود أحيانًا، ولا يسمح لها بالعودة إلى الأراضي العراقية ، ومنع أبناء القبائل من بناء الحصون أو المواقع التي يحتمل استعمالها ضد السلطات البريطانية .
ومن أجل تطبيق هذا النظام عين البريطانيون عددًا من شيوخ العشائر الموالين لسلطات الاحتلال مدراء أو أعضاء في المجالس القبلية التي أُنشأت وفقًا لهذا القانون، في كل من الناصرية وسوق الشيوخ وفي قلعة صالح، وكان أعضاؤها من الشيوخ البارزين من العشائر الشيعية والسنية إضافة إلى الطائفة الصابئية، كما عينوا عددًا من أبناء العشائر في جهاز الشبانة، لمتابعة تنفيذ العقوبات بعد أن حدّد الحاكم السياسي مناطقهم الإدارية، فـأصبحوا يتمتّعون بصلاحيات وامتيازات رجل الشرطة، وكانوا ملزمين بتنفيذ تعليمات شيوخ قبائلهم .
وقد حقّق هذا القانون بعض الرضى بين العشائر العراقية؛ لأنّه سهّل لها حلّ المنازعات بالطرق المألوفة لديها منذ مده طويلة، ولا سيما شيوخ العشائر الذي عزّز موقعهم ورفع مكانتهم بمنحهم بعض الصلاحيات السياسية والقضائية، وزوّدتهم القوات المحتلة ببعض الأسلحة والهبات المالية، كما فوّضت لهم الأراضي التي كانت تتصرف بها العشائر، ونجح أيضًا في تهدئة العشائر التي طبق عليها هذا النظام، وجعلها ميالة لتصفية القضايا التي تحدث داخلها أو بينها وبين العشائر الأخرى، تحت إشراف الضباط السياسيين، كما اعتمد الحكام السياسيون على السادة في حل بعض الخلافات العشائرية وتحقيق الصلح بينهم، أو إحالة بعض القضايا التي تحدث بين أفراد العشائر الشيعية إلى المجتهد الديني
في النجف الأشرف.
على الرغم من هذه الإيجابيات، وإن كانت قليلة، إلّا أن المآخذ على هذا القانون كثيرة، إذ إنه بمعاملته وضع أسس الانفصال بين المجتمعات المدنية والقبلية، وكأن المجتمعين القبلي والمدني عالمان منفصلان، كما عزّز هذا القانون النظام القبلي وإعادة روح الإقطاع بعدما كرس السلطة القبلية بيد رؤساء العشائر الموالين لسلطات الاحتلال الذين حصلوا على الدعم المالي والعسكري لإخضاع المنافسين، حيث منحتهم سلطات الاحتلال حق جباية الضرائب من أبناء العشيرة، مما أدى إلى تصادم هؤلاء مع عشائرهم وأجّج الحقد والرفض في نفوس أبناء عشائرهم الذين لا يستطيع أغلبهم التنفيس عنها بسبب دكتاتورية رؤساء العشائر، لاسيما وأن بعضهم أصبح لديه قوة عسكرية (الشبانة) تحت إمرته، فضلًا عن الدعم العسكري البريطاني.
والجدير ذكره أن هذا القانون منح صلاحيات واسعة للحكّام السياسيين الذين غالبًا ما كانوا يستخدمونها بالتنكيل بالعشائر المعارضة للاحتلال، أو الذين يهدّدون مصالحهم السياسية والاقتصادية.
وفي النهاية، إن هذا القانون أوجد من أجل خدمة الاستعمار البريطاني وتسهيل المهمة للسيطرة على العشائر العراقية، والإبقاء عليها في حالة من التخلّف، وذلك ليسهل عليها السيطرة من خلال عدة أشخاص (رؤساء عشائر) موالين لسلطات الاحتلال.
منذ اللحظة الأولى لاحتلال العراق عام 1914، سعت السلطات البريطانية إلى ترسيخ نفوذها عبر سياسة استعمارية قائمة على السيطرة العسكرية والإدارية المباشرة. وقد كشفت إجراءات الاحتلال عن غياب تصور واضح لإدارة مدنية ممنهجة، الأمر الذي دفع البريطانيين إلى تبني نظام إداري مؤقت، جمع بين الإرث العثماني والنموذج الهندي، وأدارته نخبة من الموظفين البريطانيين، عسكريين ومدنيين، بغية إحكام السيطرة على العراق وتحويله إلى مستعمرة تتبع لحكومة الهند البريطانية على المستويات السياسية والاقتصادية والاجتماعية.
إلّا أنّ هذه السياسات الاستعمارية، التي سعت إلى فرض واقع جديد يخدم المصالح البريطانية، قوبلت برفض واسع من مختلف فئات المجتمع العراقي، وأسهمت في تأجيج روح المقاومة الوطنية، والتي تجلت في حركات احتجاجية وثورات لاحقة مهدت الطريق لمسار طويل من النضال ضد الاستعمار الأجنبي.
وقد استغلت السلطات البريطانية الجهاز القضائي كأداة لإضفاء طابع قانوني على قمعها للمقاومين، من خلال إنشاء محاكم عسكرية خاصة لمحاكمة المعارضين، مما أدى إلى تصاعد التوترات بين السكان المحليين وقوات الاحتلال. كما استُخدمت الأنظمة والقوانين الاستعمارية كوسيلة لضبط الأمن وتأمين احتياجات القوات البريطانية من المؤن والأيدي العاملة، غالبًا بأجور زهيدة أو دون مقابل.
في الوقت ذاته، وظّف الاحتلال سياسة الترغيب والترهيب في تعامله مع العشائر، فاستمال زعماءها تارة، وقمع الرافضين منهم تارة أخرى، بهدف تقويض أي مقاومة محتملة. وانتهجت السلطات البريطانية إجراءات قسرية
مثل النفي والتهجير ومصادرة الأراضي لمعاقبة الشخصيات الوطنية والعشائر المناهضة للوجود الاستعماري.
وعليه، فإنّ الإدارة البريطانية في العراق لم تكن مجرد سلطة مؤقتة، بل كانت جزءًا من مشروع استعماري ممنهج، استخدم أدوات القمع والتشريع والسياسة للهيمنة على البلاد، غير أن الرفض الشعبي والمقاومة المستمرة أسّسا لمرحلة جديدة من الوعي الوطني والنضال السياسي الذي استمر لعقود لاحقة.
(246)
1.د. ك. و. ملفات الاحتلال، مراسلات 1915- 1918، تسلسل الملف 194/2، و3، ص40.
2.د. ك. وملفات الاحتلال، مراسلات 1915- 1918، تسلسل الملف 194/2، و7 وص8 0هادي طعمه، الاحتلال البريطاني والصحافة العراقية دراسة في الحملة الدعائية البريطانية 1914 -1921، بغداد، 1984، ص75 .
3.د. ك. و.، تقارير متنوعة عن حالة البصرة للفترة في 8/4/ 1915، 31/1/1917، ملف الاحتلال البريطاني، تسلسل الملف 103/2020، تقرير رقم 11 للميجر براونلو عن الحالة الامنية في البصرة لعام 1914، ص1-3.
4.البرزنجي، رقية حميد حسن، سالم الخيون ودوره الاجتماعي والسياسي حتى عام 1945م، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، 2013م.
5.الحسيناوي، إيناس جبار سعيد، سوق الشيوخ 1915-1958(دراسة تاريخية)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة ذي قار، كلية الآداب، 2012م.
6.الدليمي، أياد طارق خضير، مدينة بغداد في ظل الاحتلال البريطاني 1917 - 1921، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية التربية (ابن رشد)، 2002 م.
7.الساعدي، محمد حسن زبون، لواء العمارة في عهد الاحتلال والانتداب البريطاني 1915-1932، رسالة ماجستير غير منشورة، كلية الآداب، جامعة البصرة، 2000م.
8.الشجيري، عدنان هرير جودة، النظام الإداري في العراق (1920-1939) دراسة تاريخية، أطروحة دكتوراه غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 2005 م.
9.العتابي، نور حسن خلف، عجمي السعدون ودوره في تاريخ العراق (1911-1918)، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة، كلية التربية للبنات، 2015 م.
10.العكيدي، عمار يوسف عبد الله عويد، السياسة البريطانية تجاه عشائر العراق 1914-1945، أطروحة دكتوراه غير منشورة، كلية التربية، جامعة الموصل، 2002 م.
11.مـجـلــي، مـــاجـــد ثـامــر، قضايا التنمية الاقتصادية فـي مناقشـات البرلمان العراقي 1925 - 1945، أطروحة دكتوراه غير منشورة، معهد التاريخ العربي والتراث العلمي للدراسات العليا، 2012 .
12.محمد احمد محمدود، أحوال العشائر العراقية العربية وعلاقتها بالحكومة 1872-1918، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة بغداد، كلية الآداب، 1980م.
13.المكصوصي، شيماء طالب عبدا لله، المنتفق دراسة تاريخية سياسية 1921 - 1939، رسالة ماجستير غير منشورة، الجامعة المستنصرية، كلية التربية، 1998 م.
14.المنصور، جعفر عبد الدائم بنيان، الحالة الصحية في البصرة 1921 - 1939، رسالة ماجستير غير منشورة، جامعة البصرة كلية التربية، 1998 م.
15.التميمي، حميد احمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914-1918، بغداد، 1979 م.
16.الجوراني، عبد الله، دراسة وثائقية في تاريخ المنتفك الوطني، بغداد، ط1، 2008 م.
17.سر ارنولد تي. ويلسون، بلاد مابين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، ط1 ،1971م.
18.سر ارنولد تي. ويلسون، بلاد مابين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، تقديم علاء نورس، بغداد، ط2 ،1991.
19.السعدون، خالد حمود، الأوضاع القبلية في ولاية البصرة خلال الحكم العثماني الأخير والاحتلال البريطاني1908-1918، لبنان، ط1، 2006م.
الطاهر، عبد الجليل، العشائر العراقية، بغداد، 1972م.
21.الطاهر، عبد الجليل، العشائر والسياسة، تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانية عن العشائر والسياسة، د. ت.
22.العطية، غسان، العراق نشأة الدولة، ترجمة عطا عبد الوهاب، لندن، 1988.
23.علي ناصر حسين، الادارة البريطانية في العراق 1914-1921، بغداد، 2008 م.
24.العمر، فاروق صالح، حول سياسة بريطانيا في العراق 1914- 1921، بغداد، 1977م.
العيساوي، عبد العال وحيد عبود، لواء المنتفق في سنوات الاحتلال البريطاني 1914-1918، 25.النجف الأشرف، ط1، 2008 م.
26.فيليب ويلارد ايرلاند، العراق دراسة في تطوره السياسي، ترجمة جعفر الخياط، بيروت،1949 م.
27.محمد سلمان حسن، طلائع الثورة العراقية العامل الاقتصادي في الثورة العراقية الاولى، بغداد، ط2، 1958 م.
28.المس بيل، فصول من تاريخ العراق القريب، ترجمة جعفر الخياط، بيروت، ط1، 2010 م.
29.هادي طعمه، الاحتلال البريطاني والصحافة العراقية دراسة في الحملة الدعائية البريطانية 1914 -1921، بغداد، 1984م.
30.الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد، 1974 0
31.عبد ربه سكران، عشائر البصرة والادارة العسكرية البريطانية اثناء الاحتلال عامي 1916 - 1918، مجلة جامعة تكريت للعلوم الانسانية، مجلد 13، ع5، 2006 م.
32.عجمي، عبد الرسول شهيد، الموقف الوطني في شخصية بدر الرميض شيخ عشائر البو صالح، مجلة أبحاث البصرة (الانسانيات)، م30، ع1، 2005م.
33.ياسين طه ظاهر، الادارة البريطانية للعراق في ظل مرحلتي الاحتلال والانتداب، مجلة كلية المأمون الجامعة، ع 14، 2009 م.
د. فرقان عبد
كانت الصحافة في تلك الفترة تؤدّي دورًا محوريًّا وأساسيًّا في إشاعة الوعي المجتمعي وتوسيع آفاق الثقافة العامة، إذ أسهمت بفعاليّة في تشكيل معالم الحراك الفكري والاجتماعي، ولم يكن العراق بعيدًا عن هذه الموجة الثقافية النشطة، بل كان إحدى البؤر الرائدة في مجالات العلم والمعرفة على مستوى المنطقة، فقد شهدت الساحة العراقيّة آنذاك انطلاقة عشرات الصحف والمجلات التي اهتمت بتغطية طيفٍ واسعٍ من الموضوعات الثقافيّة، والأدبيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، مسلّحة برؤيةٍ عميقةٍ، وتوجّهٍ واضحٍ نحو نقل وتحليل الأحداث الإقليميّة والعالميّة، لكن من منظورات متألقة تراوح بين الأدب والفكر والثقافة والسياسة.
وقد تميّزت جريدة الاستقلال بأنّها لم تكن مجرد وسيلةٍ لنقل الأخبار وتوثيقها، بل كانت مرآةً حقيقيةً تعكس نبض الحياة الفكريّة والثقافيّة والاجتماعيّة النابضة في أروقة المجتمع العراقي، وعبر صفحاتها تبلورت العديد من الأفكار والقضايا التي كانت تشغل العلماء والأدباء والمثقفين والساسة، وأصبحت منبرًا يعبرون من خلاله عن همومهم، تطلعاتهم، وآمالهم في بناء مستقبلٍ مشرقٍ لأبناء وطنهم وللأمة الإسلاميّة ككل، كان هدفها الأساسي يرتكز على خلق حالة من الوعي الجمعي، سواء عن طريق تناول القضايا الجدلية العقائدية، أم تقديم رؤى سياسية عميقة ومستنيرة، أو حتى التعبير عن مشاعر حماسيّةٍ صادقةٍ تستهدف دعم قضايا المسلمين وتعزيز وحدتهم.
الكلمات المفتاحيّة: الاستقلال، الاستعمار، الصحافة العراقيّة، ثورة العشرين، الإعلام.
تمثّل الصحافة في العراق عنصرًا جوهريًّا في المشهد العام، ظلّت على مرّ الزمن وسيلةً محوريّةً للتواصل مع العالم، وأداةً فعّالةً لنقل الحقائق وتعزيز التواصل والتفاعل بين فئات المجتمع المختلفة. وتعدّ جذور الصحافة العراقيّة متجذرةً في تاريخ عريق يمتد إلى أواخر القرن التاسع عشر، إذ شهدت البلاد آنذاك بداية التجربة الصحفيّة مع إصدار أوّل صحيفةٍ رسميّةٍ حملت اسم الزوراء في عام 1869م، مثّل هذا الحدث نقطة تحولٍ مهمّةٍ ومؤثّرة، إذ شكّل انطلاقة عهدٍ جديدٍ أسهم في تطوير وسائل نقل الأخبار وتبادل المعلومات داخل العراق خلال حقبة الحكم العثماني، بهذا الإنجاز، بدأت الصحافة العراقيّة تؤدّي دورًا حيويًّا في الحياة الثقافيّة والاجتماعيّة، ممّا فتح المجال أمام مسارٍ طويلٍ من التحديث الصحفي والتعبير الإعلامي في المنطقة.
منذ الحقبة التأسيسيّة وحتى يومنا هذا، شهدت الصحافة العراقيّة تحولاتٍ واسعة النطاق وتطوراتٍ متسارعة انعكست على مختلف المجالات التي تمسّ هذا القطاع الحيوي، فقد تميّزت تلك الحقبة بارتفاع ملموسٍ في أعداد الصحف والمجلات التي باتت تصدر بانتظام، مما أسهم في تعزيز المشهد الإعلامي وزيادة تنوعه، إلى جانب ذلك، طرأت تغييراتٌ جذريّةٌ على الأساليب التحريريّة؛ فقد تنوّعت طرق معالجة الأخبار، وتقديم المحتوى، لتواكب احتياجات الجمهور المختلفة، كما شملت هذه التطوّرات توسيع نطاق التغطيات الإعلاميّة لتشمل موضوعات لم تكن متداولةً في السابق، ممّا ساعد على تحقيق مزيدٍ من الانفتاح والتفاعل المهني مع الأحداث المحليّة والإقليميّة والدوليّة.
لم تكتفِ الصحافة العراقيّة بالدور التقليدي الذي يقتصر على نقل وتغطية
الأخبار السياسيّة، بل اتّجهت بنحوٍ متزايدٍ إلى تناول القضايا الاجتماعيّة والثقافية بشموليّةٍ وعمق، هذا التنوّع في التناول جعل من الصحافة العراقيّة منصةً شاملةً ومتعددة الأوجه تعبّر بصدقٍ عن هموم المواطنين، وتعكس اهتماماتهم اليومية بمختلف أشكالها، وخلال مسيرتها التي حفلت بالعديد من المحطّات المهمّة، استطاعت هذه الصحافة أن تسجّل إنجازاتٍ بارزةً تُحسب لها، إذ شهدت تطوراتٍ نوعيّةً لافتةً كان لها أثرٌ كبيرٌ في تحسين أداء وسائل الإعلام المحليّة، مما أسهم في تعزيز مكانتها وجعلها أكثر قُربًا من نبض المجتمع وأحداثه المتجددة.
كما أنّ الصحافة أظهرت تفوقًا ملحوظًا بفضل تنوّعها الواسع الذي لم يقتصر على إصدار الصحف اليوميّة فحسب، بل امتدّ ليشمل الإصدارات الأسبوعيّة التي تركز على تقديم الأخبار والتحليلات بشكلٍ دوري، بالإضافة إلى المجلات المتخصّصة التي اهتمت بتغطية موضوعاتٍ متنوعةٍ تلبّي اهتمامات شريحةٍ واسعةٍ من الجمهور. هذا التنوّع في أشكال الإصدارات وأنماطها أسهم بشكلٍ كبيرٍ في إثراء المشهد الإعلامي، ممّا أضفى على المحتوى المقدم للجمهور مزيدًا من العمق والغنى الفكري، وجعل الوسط الإعلامي مساحةً أكثر اتساعًا وشمولًا للتعبير والنقاش.
وكان الصحافة الاستقصائية دورٌ محوريٌّ وأساسيّ في كشف الستار عن العديد من قضايا الفساد والاعتداءات التي تحدث في المجتمع، عبر الإسهام الكبير في رفع مستوى الوعي العام، وتعزيز دور الصحافة كأحد الأعمدة الرئيسة التي تدعم النظام الديمقراطي. ويشار إلى هذا الدور الأساس للصحافة تحت مسمّى السلطة الرابعة، وذلك لما تقوم به من مهامٍ رقابيّةٍ تراعي من خلالها تقييم أداء السلطات الأخرى في الدولة، ممّا يضمن تحقيق مبدأ الشفافيّة والمساءلة
(254)بشكلٍ فعّالٍ ومستدام. هذا التفاعل المستمر بين الصحافة والمجتمع يسهم في تعزيز ثقافة المساءلة، ويضع ضوابط على الإجراءات الحكوميّة ليظلّ صوت الشعب حاضرًا ومؤثرًا في جميع الأصعدة.
وعلى مرّ الحقب المختلفة من التاريخ العراقي، واجهت الصحافة تحدياتٍ جسيمة، إذ تعرّضت للرقابة الشديدة والقمع المتواصل، إذ كانت معظم الصحف تخضع لإشرافٍ دقيقٍ وصارمٍ من الجهات المعنية، مما أدّى إلى تهميش الأصوات المعارضة وإسكاتها بطرقٍ مختلفة. ولم يتوقف الأمر عند فترات معينة من التاريخ، بل استمر في بعض الحالات حتى مع بدء ظهور بوادر اتساع هامش حريّة الصحافة، ورغم ذلك، ظلّ الصحفيّون يعانون من تهديداتٍ ومخاطر متعددة، منها ما يرتبط بالأمن الشخصي، ومنها ما يتصل بالتوجّهات السياسيّة والاجتماعيّة، إلى جانب تلك التحديات السياسيّة والأمنيّة، يواجه قطّاع الصحافة أيضًا أزماتٍ اقتصاديّةٍ خانقة، فعلى الرغم من الدور التنويري الكبير الذي تلعبه الصحف والمجلات، فإنّ العديد منها يعتمد بدرجةٍ كبيرةٍ على مصادر تمويل خارجيةٍ لتغطية نفقاته التشغيليّة. ومع أنّ هذا التمويل قد يُسهم في استمرار عمل المؤسسات الصحفية لفترة معينة، فإنّه يحمل معه مخاطر كبيرةً تهدد استقلالية تلك المؤسّسات، ممّا يجعلها معرضةً للتأثر بأجندات الجهات الممولة. إضافة لذلك، يواجه الصحفيون والمؤسّسات صعوباتٍ جمّة تتعلّق بتأمين الموارد الماليّة اللازمة لاستمرار عملهم في تقديم محتوى مهنيّ وموضوعيّ يخدم الجمهور بشكلٍ حقيقي، وفي خضم هذه التحوّلات والتحدّيات التي مرّت بها الصحافة العراقيّة على مدار تاريخها الغني بالأحداث والمنعطفات، برزت العديد من المحطّات التي أسهمت في إضاءة مشهد الصحافة بأسلوبٍ جديدٍ وواضح، ممّا
(255)جعلها شاهدًا حيًّا على تطورات المجتمع وترجمة دقيقة لمشاكله وطموحاته. ومع كلّ هذا الإرث الصحفي، يبقى السؤال الأهم متمثلًا في قدرة هذه المهنة على الصمود أمام المتغيرات الراهنة، وتحقيق التوازن المنشود بين المهنيّة والاستقلاليّة في ظل الظروف الحاليّة.
وعند احتلال البريطانيين لمدينة البصرة، نفّذوا سلسلةً من الإجراءات لتعزيز سيطرتهم وترسيخ وجودهم في المنطقة، من أبرز هذه الخطوات كانت مصادرة مطبعة الولاية التابعة للحكومة المحليّة، بالإضافة إلى شراء المطابع الخاصة ، ما مكّنهم من احتكار الصحافة واستخدامها كأداةٍ أساسيّةٍ للاتصال والتأثير في العراق خلال تلك الفترة، وهدفت هذه السياسة إلى توجيه الرأي العام العراقي بما يتماشى مع تبريراتهم ومصالحهم في الاحتلال، أطلق البريطانيون نشرةً يوميّةً ثنائيّة اللغة، باللغة العربيّة والإنجليزيّة، ركّزت على عرض أخبار المعارك بمنظور يخدم رؤيتهم. ومع الوقت، تحوّلت هذه النشرة إلى صحيفةٍ حملت اسم «الأوقات البصرية» (TIMES)، وذلك اقتداءً بالتقليد المتبع في تسمية بعض الصحف الشهيرة في بريطانيا، ممّا يعكس رغبتهم في استحضار الطابع الثقافي والصحفي البريطاني في المناطق التي سيطروا عليها. وكانت هذه الصحيفة الأولى من نوعها، وقد صدرَت بشكلٍ مباشرٍ عن الإدارة البريطانيّة المحتلة.
لم تتوقف جهود البريطانيين عند هذا الحدّ، بل توسّعت لتشمل مجالاتٍ أخرى مثل إنشاء دور السينما وتجهيزها بأفلامٍ إخباريّةٍ ودعائيّةٍ تعكس روايتهم
الخاصّة وأهدافهم السياسيّة، هذه المبادرات عززت قدرتهم على تشكيل التصوّرات العامة وترسيخ تأثيرهم على نطاقٍ أوسع داخل المجتمع العراقي.
في تلك الحقبة الزمنيّة التي شهدت واحدة من أبرز المواجهات بين القوات البريطانيّة المحتلّة والقوات العثمانيّة، كانت الأوضاع في العراق تتسم بتوترٍ شديدٍ نتيجة التصاعد الكبير للرفض الشعبي ضدّ الاحتلال، وسط هذا المشهد، ظهرت أهميّة الدعاية كأداةٍ استراتيجيّةٍ أساسيةٍ اعتمدت عليها القوات البريطانيّة لتحقيق أهدافها السياسيّة والعسكريّة. بريطانيا، التي أدركت جيدًا قوة الإعلام في التأثير على العقول والمواقف، اتخّذت الصحف وسيلةً منظّمةً لبناء جسور تواصلٍ مع السكّان المحليين، سواء من خلال محاولة تحسين صورتها أم عبر توجيه ضربةٍ للنظام العثماني عن طريق تحجيم نفوذه وتشويه سمعته. ومن هذا المنطلق، سعت السلطات البريطانيّة لاستخدام الإعلام للتصدّي للدعاية العثمانية التي كانت تثير حالةً من المقاومة والرفض الشعبي.
وكان من الملاحظ أنّ بريطانيا تولي حجمًا كبيرًا من الاهتمام لجوانب الدعاية المضادّة، وهو ما تجلّى بوضوحٍ في البيان الذي أصدره الفريق الأول ويليام مارشال، القائد العام لجيش الاحتلال البريطاني. البيان احتوى على لغةٍ صارمةٍ وتحذيرٍ واضحٍ موجّه لأيّ شخصٍ كان ينخرط في نشر الشائعات أو المعلومات المضللة التي قد تؤدّي إلى زعزعة الأمن العام، إذ نصّ على أنّ مثل هذه الأفعال قد تقابل بعقوباتٍ صارمةٍ تصل إلى الإعدام، أو بعقوباتٍ أقلّ بناءً على تقديرات المحكمة أو القيادة العليا للجيش.
هذا التشدّد يعكس حجم القلق الذي كانت تشعر به القيادة البريطانيّة إزاء
تأثير الدعاية المضادة ومدى تأثيرها على الرأي العام المحلّي، ما يبرز أهميّة الرقابة في تلك المرحلة بوصفها أداةً للسيطرة على الوضع والتقليل من آثار الحرب الإعلاميّة. كما يتّضح كيف اعتمدت بريطانيا نهجًا مزدوجًا، قائمًا على ترهيب المعارضين من خلال العقوبات القاسية من جهة، وعلى تفعيل أدوات التأثير الإعلامي لتشكيل صورةٍ إيجابيّةٍ ودعم استراتيجياتها الاحتلاليّة من جهةٍ أخرى.
شهدت صحافة ثورة العشرين حضورًا متميزًا ومؤثرًا خلال تلك الفترة المفصليّة من تاريخ العراق؛ إذ أدّت دورًا بارزًا في توثيق الأحداث ونقل نبض الشارع، ومن بين الصحف التي ارتبطت ارتباطًا وثيقًا بمسار الثورة ومسيرتها المجيدة، برزت جريدة الفرات وجريدة الاستقلال، اللتان شكّلتا صرحين إعلاميين انضويا تحت لواء النضال الوطني، وظهرتا من قلب مدينة النجف، مركز الفكر والثقافة آنذاك، هاتان الجريدتان اللتان تعدّان من الصفحات المضيئة ضمن تاريخ الصحافة العراقيّة، ومن رموز المقاومة الشعبية ضد السياسة البريطانيّة في العراق. تميّزت هاتان الصحيفتان بالطابع الوطني الواضح الذي استند إلى التزام صادق بالقضايا القوميّة، فكانتا تصدران باللغة العربيّة لتعبّران بشكلٍ عميقٍ وصادقٍ عن آمال وطموحات القوى الوطنيّة، من نخبةٍ سياسيّةٍ ومثقّفة، كما خاطبتا عامّة الشعب بلغةٍ بسيطةٍ وسهلة الفهم، ممّا جعلهما قريبتين من مختلف شرائح المجتمع.
ولم تقتصر أهميّتهما على مستوى التأثير اللحظي، بل أصبحتا مصدرًا تاريخيًّا لا غنى عنه للباحثين والمؤرّخين، الذين يلجأون إليهما لتتبع تفاصيل الأحداث
وفهم تعقيداتها من مختلف جوانبها، في خضم تلك الأحداث الغنيّة والمتسارعة، أطلق عددٌ من المثقّفين العراقيّين هاتين الجريدتين كصوتٍ يعبّر عن الثورة المباركة، ويلقي الضوء على أبعادها.
كانت جريدة الفرات الأولى من نوعها التي ظهرت في هذا السياق، التي صدرت نسختها الأولى في السابع من أغسطس عام 1920م، وتضمّنت خمسة أعداد فقط، قبل أنْ تتوقف عن الإصدار. وعلى الرغم من قصر مدّة وجودها، فقد تميّزت بمحتواها الثوري المليء بالأخبار والتحليلات الوطنيّة، حيث جاءت في أربع صفحاتٍ صغيرة الحجم نسبيًّا لكنها غنيّة بالكلمات الملهمة، تولّى إدارة هذه الجريدة الشيخ محمد باقر الشبيبي، أحد الرواد البارزين في (جمعية حرس الاستقلال السرية)، الذي اشتهر بوطنيّته الصادقة وشجاعته في مواجهة الاحتلال، كان الشبيبي يشرف على طباعة المنشورات الثورية بنفسه منذ اندلاع الأحداث وحتى انحسارها، حيث حرص على توزيعها في كافة المدن التي مسّها لهيب الثورة وأصداؤها الوطنيّة، وقد نالت هذه الجريدة تقديرًا خاصًّا لدى المؤرّخين، ومن بينهم المؤرّخ الراحل السيد عبد الرزاق الحسني، الذي وصفها بأنّها من أبرز الوثائق الصحفية التي جسدت روح النضال العراقي في تلك المرحلة الدقيقة، وقال: «إنّها كانت تلقي على النار وقودًا».
كانت الصحافة الثوريّة جزءًا مهمًّا وحيويًّا من ثورة العشرين، إذ جسّدت صحيفة الفرات دور المتحدّث الرسمي باسم الثوار، متكفلةً بنقل تعاليم الحركة الاستقلاليّة وتعزيز وعي الشعب بأهداف الثورة ومبادئها، اشتهرت بأسلوبها
الحاد والخطابي الذي لامس قلوب الجماهير، كما وثَّقت عبر خطبها وتعليماتها كافة تفاصيل أحداث الثورة بما في ذلك وقائع القتال اليوميّة، ولعلّ أبرز مَا يميّز صحيفة الفرات هو إصدارها ملاحق مستقلة سلّطت الضوء على التطوّرات اليوميّة للثورة، لكنّها للأسف لم تصمد طويلًا؛ إذ توقفت عن الصدور بعد الإصدار الخامس.
من جهة أخرى، برزت جريدة الاستقلال منصّةً إعلاميّةً وطنيّةً، تُعبّر عن نضال العراقيين طموحهم آنذاك. أُطلقت في الأول من تشرين الأول عام 1920م، بحجمٍ كبيرٍ وصفحتين اثنتين فقط، لتصدر ثمانية أعدادٍ قبل أنْ تتوقف بدورها، وكانت الجريدة تُطبع أربع مراتٍ أسبوعيًا، بإشراف كلٍّ من محمد عبد الحسين الكاظمي وعبد الرزاق الحسيني، وكان الطبع يتم داخل مطبعة الشيخ صادق الكتبي في النجف، يُلاحظ أنّ إجمالي الإصدارات من الفرات والاستقلال معًا لم يتجاوز ثلاثة عشر عددًا، في وقتٍ لم تدم فيه صحافة ثورة العشرين سوى ثلاثة وخمسين يومًا فقط، عاشت الصحيفتان عمرًا قصيرًا، لكنّه كان مؤثّرًا ولافتًا، وهذا القصور يعود إلى عوامل عدة:
1. تأخّر المثقّفين في إطلاق صحفٍ تمثّل نبض الثورة وتعكس رؤيتها، إذ اعتمدوا بشكلٍ رئيسٍ على المنشورات التي أصدرها الشيخ محمد رضا الشبيبيّ.
2.شحّ الموارد اللازمة للطباعة من ورقٍ وأدواتٍ بسب الحرب.
3. ندرة الإمكانات الماليّة.
4.كونهما صدرتا مع نهايات الثورة واقتراب الحسم العسكري.
إذ صدرت الفرات بعد أكثر من شهر على نشوب الثورة، ورغم قصر عمرها
وتواضع إمكانياتها، تبقى صحافة ثورة العشرين تجربةً فريدةً تستحقّ التقدير والاهتمام، فقد وجد قادة الثورة في النجف والمناطق المحيطة بها العون في تلك الصحف التي وُزّعت نسخها ولُصقت على أبواب الجوامع بهدف إيصال صوت الثورة إلى أوسع شريحةٍ ممكنة، وعلى الصعيد الدولي، حازت هذه الصحف اهتمامًا كبيرًا، لا سيّما في بلدان مثل تركيا والهند، حيث تلقفتها الصحافة هناك بكتاباتٍ أدبيّةٍ رائعةٍ سلّطت الضوء على أحداث الثورة بطابع بلغ رُقيًّا لغويًّا استثنائيًّا. كانت لغة جريدة الفرات بسيطة وواضحة في آنٍ واحدٍ لتمكّن الجميع من فهم المغزى والاستفادة منها.
أما جريدة الاستقلال فهي تعبيرٌ نقيّ عن الفكر الوطني الحر الذي لطالما مثَّل صوت الشعب العربي عمومًا والعراقي خصوصًا، أظهرت التزامًا بالدفاع عن الحقوق المشروعة للشعب والوقوف إلى جانب طموحاتهم دون أدنى تردّد، متجاهلةً كلّ اعتراضٍ أو إزعاجٍ من الخونة والمشكّكين، كانت الجريدة تنتهج الاعتدال في خطابها، مجنبةً نفسها الوقوع في مهاوي الشتائم أو التحقير والنقد الجارح الذي قد يعيب العمل الصحفي، وجعلت من مهمتها الأولى تقويم أيّ خطأ، وإصلاح الفساد بأقصى ما يمكن من جهد وتفانٍ، وقد استقبلت المقترحات البنّاءة برحابة صدرٍ وأصغت إلى أصوات الوطنيين بانتباهٍ عميق، كان هدف الجريدة واضحًا ومتجسدًا في السعي وراء أيّ مشروعٍ يخدم الشعب ويعزّز تطلعاته نحو الحريّة والاستقلال، وحملت عزيمةً لا تهتزً، ورؤيةً ثابتةً جعلتها ركيزة صلبةً لروح الثورة، مهما حاول التشكيك بثباتها أو زعزعة أركانها عبر الأكاذيب والإشاعات الهدّامة.
ونجد هذا واضحًا فيما ذكرته في مقدمتها: «بسم الله الرحمن الرحيم، حمدًا
وشكرًا وسلامًا وبعد، لقد آلمنا خلو البلاد من الصحف الوطنيّة، وعدم اهتمام الكتّاب وحملة الأقلام في هذه الأيام الحرجة، وقد دفعتنا الوطنيّة إلى إصدار جريدة الاستقلال في النجف الأشرف بعد ما كان في نيّتنا نشرها في بغداد لتردّ أضاليل المحتلّين، وتهمهم وتنشر مظالمهم البربريّة، وترفع الستار عن حقيقتهم، وتوضّح مطالب الأمّة المشروعة لدى العالم وتنشر أنباء المعارك والحوادث المحليّة، وتوقف الأمة على الحالة السياسيّة التي يتبدل مجراها كلّ حين، وتريها مستقبلها الذي يتراءى لها من خلال الحوادث الجارية، وتوضّح لها السبيل التي يتحتم سلوكها؛ لتوقفها على النافع منها والضار، وشأن الجرائد الكبرى الحرّة في البلاد الراقيّة، ولكن حتىّ يتأتّى ذلك ونحن على ما عليه من قلة العدة والوسائل؟.
أجل، إنّ هذه الوسائل لا تقوى على الوقوف تجاه صاحب الحزم والإرادة القويّة، ولا تحول دون أعمال الرجل المخلص لوطنه وأمته، وقد قيل: (لا مستحيل على القلب الشجاع). على إنّنا لا نستغني عن مساعدة الأمّة، ومعاونة الكتّاب الأفاضل، بل النجاح التام منوطٌ بمساعدة جميع طبقات الأمّة ماديًّا وأدبيًّا، كما أنّها ستنشر بلغةٍ سهلةٍ يستطيع الجميع الاستفادة منها، وستصدر في الأسبوع أربع مراتٍ في صحيفتين نظرًا لكثرة الحوادث والأنباء. ومتى آنسنا من القراء إقبالًا أصدرناها يوميًّا في أربع صحائف، وقد جعلنا اشتراكها عن الشهر ۱۰ غروش صحيحة كي يقتنيها الخاصّ والعامّ، والله ولي التوفيق».
اتّخذت جريدة الاستقلال مناهج تحريريّةً واضحةً في مواجهة الاستعما تمثّلت في:
1.الدعوة إلى وحدة الشعب العراقي بمختلف مكوّناته في وجه الاحتلال.
2.التمسّك بالهوّية الوطنيّة والإسلاميّة، ورفض كلّ أشكال الهيمنة الثقافّية الغربيّة.
3.الدعوة إلى الكفاح السلمي والسياسي، من خلال التظاهر والمقاطعة.
استطاعت جريدة الاستقلال أن تؤدّب دورًا مهمًّا في تشكيل الرأي العام العراقي، من خلال:
1.نشر مقالات تعبّر عن معاناة المواطنين في ظل الاحتلال.
2.تحفيز الجماهير للمشاركة في النشاطات الوطنيّة مثل الإضرابات والمظاهرات.
3.فضح الانتهاكات البريطانيّة، من اعتقالاتٍ وقتلٍ وتضييقٍ على الحريات.
4.إبراز شخصيّاتٍ وطنيّةٍ أسهمت في الحراك السياسي المقاوم .
كان لـجريدة الاستقلال دورٌ مهمٌّ في:
1.ترسيخ مفهوم السيادة الوطنيّة.
2.مناهضة النفوذ الأجنبي. حيث ذكرت ذلك في الأخبار الخارجية وآخر تطوراتها، وهذا ما نجده في العدد الخامس، حيث ذكرت الاضطرابات في الهند، وتبديل رئيس جمهوريّة فرنسا.
3.تنمية ثقافةٍ سياسيّةٍ واعيةٍ لدى الجيل المثقّف.
4.ربط القضيّة العراقيّة بالقضايا العربيّة.
5.تأسيس تقاليد صحفيّةٍ نضاليّةٍ ألهمت الصحفيين والناشطين لاحقًا.
لم تكن جريدة الاستقلال مجرد صحيفة تنقل الأخبار وتنشر المقالات، بل كانت بمنزلة مركز قيادة فكريّ وروحيّ للحركة الوطنيّة العراقيّة، ولقد تجاوز دورها حدود الإعلام التقليدي لتصبح:
* لسان حال الشعب: إذ عبرت بصدقٍ عن آمال وآلام الشعب العراقي تحت نير الاحتلال، وكانت تعكس نبض الشارع وتطلّعاته نحو الحريّة والاستقلال.
* أداة تعبئةٍ وتحشيد: أسهمت بشكلٍ فعّالٍ في تعبئة الجماهير وتحشيدها ضد الوجود البريطاني، من خلال مقالاتها الحماسّية ودعواتها الصريحة إلى الوحدة والعمل الوطني المشترك.
* مدرسةً للوعي السياسيّ: قامت بدور تعليمي وتثقيفي من خلال نشر المقالات التحليلية التي تناولت الوضع السياسي الراهن، وفضحت مخططات الاستعمار، وشرحت أهميّة الاستقلال الوطني.
*حلقة وصلٍ بين الوطنيين: أتاحت الجريدة منصة للتواصل وتبادل الأفكار بين مختلف شرائح الوطنيين والمثقّفين، ممّا عزّز من تماسك الحركة الوطنيّة ووحّد صفوفها.
صدرت جريدة الاستقلال بعد مدّةٍ وجيزةٍ من ثورة العشرين (1920م)، فكانت استمرارًا فكريًّا وإعلاميًّا لتلك الثورة. ولقد عملت على:
1.تخليد ذكرى الثورة: حافظت على زخم الثورة وأبقت جذوتها مشتعلةً في نفوس العراقيين من خلال التذكير بتضحيات الشهداء وأهداف الثورة.
2.الدفاع عن مطالب الثورة: استمرت في المطالبة بتحقيق الأهداف التي رفعتها ثورة
العشرين، وعلى رأسها الاستقلال التام للعراق وإقامة حكومة وطنية مستقلة.
3.توحيد الجهود بعد الثورة: أسهمت في توحيد جهود الوطنيين بعد إخماد الثورة، وتوجيه طاقتهم نحو العمل السياسي والإعلامي لتحقيق الاستقلال.
تعرضت جريدة الاستقلال للعديد من التحدّيات الكبيرة بسبب الرقابة والقمع المفروض من قبل سلطات الاحتلال والحكومة العراقيّة التي كانت موالية لها. ورغم ذلك، أثبتت الجريدة صلابتها وشجاعتها في مواجهة هذه الظروف الصعبة. لم يقتصر نضالها على الوقوف في وجه الاستعمار البريطاني فقط، بل كان عليها التعامل مع تحدياتٍ أخرى، سواء على المستوى الداخلي أم الخارجي:
* الخلافات الداخليّة بين الوطنيّين: على الرغم من الهدف المشترك في الاستقلال، كانت هناك اختلافاتٌ في وجهات النظر بين التيّارات الوطنيّة المختلفة حول أساليب النضال وشكل الدولة المستقبليّة. حاولت الجريدة قدر الإمكان توحيد الصفوف وتجاوز هذه الخلافات.
* الضغوط الخارجيّة: كانت هناك قوى إقليميّة ودوليّة أخرى لها مصالح في العراق، وكانت تمارس ضغوطًا بطرق مختلفة. حاولت الجريدة أنْ تحافظ على استقلاليتها في طرح القضايا الوطنيّة في ظلّ هذه الضغوط.
* محدوديّة الانتشار: في بداياتها، ربما واجهت الجريدة تحدّيات في الوصول إلى قطاعات واسعة من الجمهور بسبب محدوديّة وسائل الاتصال وارتفاع نسبة الأميّة.
*استخدام أساليب ذكيّةٍ في الكتابة: لجأ كتّابها إلى استخدام التلميحات والرموز والإشارات الذكيّة لتجاوز الرقابة وإيصال رسائلهم الوطنيّة إلى الجمهور.
* تحمّل تبعات المواقف الوطنيّة: لم يتردد صاحب الجريدة وكتّابها في تحمّل تبعات مواقفهم الوطنيّة.
تركت جريدة الاستقلال إرثًا مهمًّا في تاريخ الصحافة والحركة الوطنيّة العراقيّة، إذ تعدّ:
* رمزًا للمقاومة الوطنيّة: تجسد الجريدة روح المقاومة والصمود في وجه الاستعمار، وأصبحت رمزًا للنضال من أجل الحريّة والاستقلال.
*نموذجًا للصحافة الوطنيّة المسؤولة: قدّمت نموذجًا للصحافة التي تلتزم بقضايا الوطن والشعب، وتعمل على نشر الوعي والدفاع عن الحقوق.
* مصدرًا تاريخيًّا مهمًا: تعدّ أعداد الجريدة مصدرًا تاريخيًّا قيّمًا لفهم تلك الحقبة الحاسمة من تاريخ العراق وحركة التحرّر الوطني.
كانت السلطات البريطانيّة تسعى جاهدةً لترسيخ وجودها في العراق من خلال نشر الدعاية التي تبرر احتلالها، وتقلّل من شأن الحركة الوطنيّة. في هذا السياق، أدّت جريدة الاستقلال دورًا مهمًّا في:
أولًا: تفنيد الادّعاءات الاستعماريّة: عملت على الردّ على المزاعم والأكاذيب التي كانت تنشرها الدوائر البريطانيّة ووسائل الإعلام الموالية لها. وقامت بكشف
أهداف ومخطّطات الاحتلال البريطاني، وتوضيح الآثار السلبيّة لوجوده على مختلف جوانب الحياة في العراق.
ثانيًا: تقديم روايةٍ وطنيّةٍ بديلة: قدّمت سرديّةً تاريخيّةً ووطنيّةً مضادةً للرواية الاستعماريّة، تؤكّد على حقّ العراقّيين في الاستقلال ورفضهم للاحتلال.
ثالثًا: كشف أساليب الاستعمار: سلّطت الضوء على الأساليب التي كان يتّبعها البريطانيّون لتقويض الوحدة الوطنيّة واستغلال موارد البلاد.
رابعًا: منبر للمعارضة الوطنية: لم تكن مجرد صحيفة، بل كانت أشبه بمنظمة سياسية يلتقي فيها الوطنيون ويساهمون في كتاباتها.
خامسًا: نشر الوعي الوطني: عملت على نشر مبادئ وأفكار ثورة العشرين، وتأجيج الحسّ الوطني لدى العراقيّين، والدعوة إلى الوحدة والتكاتف لمقاومة الاحتلال.
سادسًا: فضح ممارسات الاحتلال: سعت الجريدة إلى فضح أضاليل المحتلين وتهمهم، ونشر مظالمهم البربرية، وكشف حقيقتهم أمام الرأي العام المحلي والعالمي. من ذلك أنّها ذكرت في عددها الثاني هذه الفضائح تحت عنوان (فضائح المحتلين)، وتعرّضت فيه الى عدة نقاط، كان أولها: القتل والنهب في قرية الحمزة، وثانيها: هتك حرمة الحرم وحرق نسخ القرآن الكريم، وثالثها: القتل والنهب في قرى الحلة. وفي العدد الرابع ذكرت مثل ذلك تحت عنوان (فضيعة إنكليزيّة)، وفي عنوان آخر (ردّ تهمة الإنكليز)، وفي العدد الخامس، تحت عنوان (قتل الجرحى بالسلاح الأبيض)، و(رمي الأسرى بالرصاص).
سابعًا: الحفاظ على اللغة العربّية: في ظلّ محاولات فرض اللغة الإنجليزيّة، دافعت الصحف عن اللغة العربيّة بوصفها لغةً وطنيّةً للهويّة والثقافة.
ثامنًا: توضيح المطالب الوطنيّة: عملت على توضيح مطالب الأمة العراقيّة المشروعة في الاستقلال التام وتقرير المصير.
تاسعًا: نقل أخبار المقاومة: قامت بنشر أنباء المعارك والحوادث المحليّة المتعلّقة بمقاومة الاحتلال البريطاني، وقامت أيضًا بتغطية أخبار الانتفاضات الشعبيّة والمظاهرات والأنشطة المناهضة للاحتلال، ممّا عزّز من الروح المعنويّة للمقاومين .حيث ذكرت في عددها الأول أخبار القتال تحت عنوان (أنباء القتال)، وجاء فيه أنباء القتال في جبهة الحلة في 9 محرم 39: «خرجت فصيلة من الإنكليز لاحتلال قلعة عمران آل زنبور، الواقعة على مقربة من الخط الحديدي في مقاطعة المحاويل، فقابلهم المجاهدون بقيادة هزّاع، وارجعوهم إلى مواقعهم في بابل، تاركين كثيرًا من الخرطوش وخسر المجاهدون أربعة من الخيل، واستشهد مجاهد، وجرح أربعة». وأنباء القتال في جبهة الناصرية 14 محرم 39: «خرج من الناصرية عددٌ من العدو يقدر ب 1500 راجل وفارس لإصلاح الخط الحديدي بين الناصرية والسماوة، ولما وصل البطحة أحاطت به جيوش العرب وهي آل غزّي والبدور وآل محسن، فقطعت خطّ رجعته ففرّ الفرسان، وبقت المشاة في حصارٍ شديدٍ، وقد وقعت بين الطرفين معركة استمرت 24 ساعة، كانت غنائم العرب فيها كثيرة والحصار لا يزال يشتدّ على العدو بتكاثر المجاهدين».
عاشرًا: التأثير الفكريّ والسياسيّ: طرحت أفكارًا سياسيّةً تهدف إلى مقارعة الانتداب البريطاني، وكانت ترى أنّ الأولوية المطلقة هي استقلال العراق.
تأثيرها على النخب المثقّفة والسياسيّة:
لم يقتصر تأثير جريدة الاستقلال على عامة الشعب، بل امتدّ ليشمل النخب المثقفة والسياسيّة التي كانت تتشكل في تلك الفترة؛ إذ كانت الجريدة:
*ملتقًى للأفكار الوطنيّة: جذبت إليها أقلام أبرز المثقّفين والوطنيّين الذين أسهموا بمقالاتهم وآرائهم، ممّا جعلها منبرًا لتبادل الأفكار وتطوير الرؤى الوطنيّة، وعملت الصحف الوطنيّة على تنمية الشعور الوطني لدى العراقيين، والتذكير بتاريخهم وحضارتهم، والتأكيد على هويّتهم العربيّة والإسلاميّة في مواجهة محاولات طمسها من قبل المستعمر. وقامت بتغطية أنشطة الحركات والجمعيّات الوطنيّة التي نادت بالتحرّر، ونشر بياناتها ومواقفها.
* مؤثرةً في تشكيل الرأي العام للنخب: شاركت في صياغة وتوجيه الرأي العام بين المثقّفين والسياسيين حول قضايا الاستقلال والمقاومة، وكانت مرجعًا مهمًّا لهم في فهم الأحداث وتحليلها.
*محفزًا للعمل السياسي: ألهمت الكثير من الشباب والمثقفين للانخراط في العمل الوطني وتشكيل الجمعيّات والأحزاب التي نادت بالاستقلال.
على الرغم من التحدّيات الكبيرة، استمرّت جريدة الاستقلال في أداء دورها الوطني في التعبير عن تطلعات الشعب العراقي نحو الاستقلال ومقاومة النفوذ الأجنبي.
وفي الختام، يتّضح أنّ جريدة الاستقلال لم تكن مجرد صحيفةٍ عابرةٍ تمرّ في تاريخ العراق بلا أثر، بل كانت تمثّل قوةً دافعةً ومؤثّرةً، لها دورٌ محوريٌّ في دفع مسيرة البلاد نحو نيل الاستقلال. لم تكن فقط صوتًا يعّبر عن هموم الشعب وتطلعاته، بل كانت أيضًا منبرًا يُعبّر من خلاله الوطنيّون عن آرائهم، ومدرسةً
أسهمت في رفع وعي الفرد والجماعة سياسيًّا، بالإضافة إلى كونها سلاحًا فعّالًا في مواجهة ومقارعة الاستعمار البريطاني المستبد. يمتدّ تأثير هذه الجريدة العريقة إلى ما هو أبعد من الفترة التي ظهرت فيها، إذ تظلّ إرثًا دائمًا وشاهدًا حيًّا على عزيمة وإصرار الشعب العراقي في السعي نحو استعادة حريّته وكرامته، مضيفةً بذلك فصولًا مهمّةً إلى صفحات الكفاح الوطني الذي لا يُنسى.
(270)
1. الأعرجي، ستار، إسهام مدرسة النجف الأشرف في الحوار الحضاري، بحث منشور في المؤتمر العلمي الأول، كلية الفقه، النجف الأشرف، مطبعة الضياء، 2016 م.
2.البهادلي، علي، الكتب والمكتبات في النجف، مجلة نور الاسلام، بيروت، العدد (31 و32).
3.البهادلي، محمد باقر أحمد، الحياة الفكريّة في النجف الأشرف، بيروت، مطبعة سنارق، 2004م.
4.الجبوري، كامل سلمان، جريدتي الفرات والاستقلال النجفيتين طليعة صحافة الثورة العراقيّة الكبرى 1920م، مكتبة الروضة الحيدريّة (سلسلة صحافة النجف الأشرف)، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1437هـ - 2016م.
5.خليل صابات، تاريخ الطباعة في الشرق العربي، مصر، 1958م.
6.الدراجي، محمد عباس، صحافة النجف تاريخ وإبداع، بغداد، دار الشؤون الثقافيّة،1989م.
7.رفائيل، بطي، الصحافة في العراق، مؤسّسة هنداوي للنشر والتوزيع، 2017م.
8.الشبيبي، محمد باقر، جريدة الفرات، مكتبة الروضة الحيدريّة (سلسلة صحافة النجف الأشرف)، النجف الأشرف، الطبعة الأولى، 1437هـ - 2016م.
9.شهاب أحمد حميد، تاريخ الطباعة في العراق، بغداد، مطبعة الأمة، 1983.
10.عبد الرحيم محمد علي، تاريخ الصحافة النجفيّة، مجلة آفاق نجفية، العدد 5، السنة الثانية، النجف الأشرف، 2117 م.
11.المرجع الإلكتروني للمعلومات
https://almerja.com/more.php?idm=189966
12.النجار، مصطفى عبد القادر، العراق في التاريخ (العراق المعاصر)، دار الحريّة للطباعة، بغداد، 1983 م.
د. عبد الحسين علوان
أدّت الصحافة في بداية النهضة الفكرية في البلدان الإسلامية دورًا مهمًّا في بثّ الوعي ونشر الثقافة، ولم تكن مدينة النجف الأشرف - السبّاقة في ميادين العلم والمعرفة - بمعزلٍ عن هذا المولود الجديد، إذ ظهرت فيها عشرات الصحف والمجلات الثقافية والأدبية والاجتماعية والسياسية، وكانت سمتها الغالبة مواكبة الأحداث العالمية أدبًا وسياسةً وثقافةً، فصحافة النجف الأشرف كانت مرآةً صافيةً للنشاط الفكري والثقافي والاجتماعي الذي دار في مختلف أنديتها أنداك.
وقد بلورت الهموم والآمال التي كان يحملها علماء النجف وأدباؤها وساستها تجاه الأمة الإسلامية، وتجاه مشاكلها المختلفة: من حل شبهةٍ عَقَدية، أو إعطاء رؤيةٍ سياسية، أو إبداء عواطف جيّاشةٍ نصرةً للمسلمين أو إبداع أراءٍ فكرية، وغيرها من الأمور التي تدلّ على ريادة النجف الأشرف في مختلف الميادين.
ومن أراد الاطلاع على دور النجف الأشرف في النهضة الفكرية الإسلامية
المعاصرة لا يتمكن من الإلمام بذلك إلّا عبر الاستعانة بتلك الصحف والمجلات المنشورة أنداك، وتصفّح أوراقها لاقتطاف آثارها، ممّا يدعونا إلى الاهتمام بتراث علمائنا وأدباءنا وإحيائه من جديد.
الكلمات المفتاحية: وسائل الاعلام، الصحافة، النجف، جريدة الفرات، محمد باقر الشبيبي.
لو أردنا أنْ نسلّط الضوء على تاريخ الصحافة النجفية والدوافع المحرّكة لها فلابد أنْ تسترجع الكم الهائل من الصحف الصادرة من مدينة العلم والعلماء، المدينة التي تصدر العلم والنظريات والفتاوى التي تكون بمنهجيةٍ مطابقةٍ لكلّ عصرٍ وحدثٍ على أساس أنّ القرآن الكريم دستور الأمة الإسلامية، وهو الكائن الحي الذي يبقى إلى يوم الدين بتشريعاته وأحكامه المطابقة لكلّ عصرٍ و زمانٍ؛ ولهذا كان لابد لهذه المدينة المقدسة أنْ يكون الجهاز الإعلامي المتصدّر الأول الذي يقوم بتغطية هذه الفعاليات المتعدّدة ضمن سياق تبليغ رسالة النجف العلمية والعملية، وإرسال إشعاعها الفكري إلى أنحاء العالم الإسلامي، كذلك رفع الدعوة الإصلاحية والاجتماعية والردّ على بعض الحركات التبشيرية المعادية. للإسلام والعروبة، كما تمكّن من إيجاد الوسائل التي تقرّب بين النجف والبلاد الأجنبيّة النائية، ونشر الآثار والمؤلّفات والرسائل العلمية والعملية لعلمائها، وأخبار ونشاطات المراجع العلمية والمسائل المستجدة في الحياة المعاصرة. هذه الأهداف كلّها جعلت لصحافة هذه المدينة أهمية قبل غيرها من مدن العراق.
يمكن القول إنّ مرحلة الدور الثاني، أي مرحلة العشرينيّات هي المرحلة المهمّة التي قامت من أجلها الثورة العراقية الكبرى، وهي لسان حالها حيث
قاتلت بحق بقلمها كما قاتلوا الأبطال بسلاحهم المتواضع، وحققوا انتصاراتهم الباهرة، رغم الإمكانية البسيطة، وقد تكون الثورة قد فشلت عسكريًّا نظرًا للتفوّق البريطاني في المعدّات والأسلحة، ولكن من المؤكّد أنّ الثورة نجحت سياسيًّا في إيقاظ وعي الشعب بمختلف طبقاته، وعلى مختلف الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية وهذا الانتصار الحقيقي الذي دفع الإنكليز إلى إعطاء العراق حكمًا شبه وطني.
وقد قسمنا البحث إلى ثلاثة مباحث:
المبحث الأول: الصحافة النجفيّة
المبحث الثاني: محمد باقر الشبيبي صاحب جريدة الفرات
المبحث الثالث: جريدة الفرات
ثم الخاتمة وقائمة بالمصادر والمراجع التي تمّ الاعتماد عليها في هذا البحث.
دراسة الصحافة النجفية تندرج في إطار البنية الثقافية والاجتماعية والسياسية التي شهدتها النجف كحاضرةٍ علميةٍ ودينية، مثّلت امتدادًا لمدرسة الكوفة التي تعد بمنزلة التأسيس العملي لمدرسة بغداد كإطارٍ ثقافي خرج ممّا هو محلّي ليكون عالميًّا في تاريخ الثقافة الإنسانية.
وإنْ كان انتقال الشيخ الطوسي إليها عام (٤٤٨هـ) نقطة البدء في إنشاء أهمّ حاضرةٍ علميةٍ وفقهيةٍ في التاريخ العربي الإسلامي، فإنّ هذا البدء ما كان له أنْ يكون دون بيئةٍ خصبةٍ مهّدت له، واحتضنته كامتدادٍ لمدرسة الكوفة، وتواصلًا مع مدرسة بغداد، لتكون النجف الأشرف مَعْلَمًا فكريًّا وحضاريًّا استطاع الحفاظ على التراث الفكري والديني الإسلامي؛ إذ لم تمنعه الخصوصية المذهبية،
(275)أنْ يكون عامًّا وشاملًا ومحفزًّا، ومؤّسسًا للنهضة الفكرية الحديثة فيما بعد.
وكانت الصحافة النجفية في ولادتها، ليست بعيدةً تاريخيًّا عن إصدار صحيفة الزوراء، وكان دخول الطباعة إليها، العامل الحاسم في ظهورها مع ملاحظة أنّ هذه الصحافة كانت وليدة البيئة النجفية. وهذا ما جعلها ذات طابعٍ خاصٍّ يتلاءم مع هذه البيئة من جانبٍ آخر، في التواصل مع ثقافة الآخر.
وإنْ كان التخلّف والجمود الذي طبع العراق طيلة أربع قرونٍ من السيطرة العثمانية قد ترك آثاره على الحركة الفكرية والثقافية في العراق، فإنّ النجف كانت الوحيدة القادرة على الاحتفاظ بنسقها الفكري بوصفها مركز إشعاعٍ، وكان له أنْ ينتظر حتى إعلان الدستور العثماني في عام ۱۹۰۸م، الذي ترافق مع بدء النهضة العربية الإسلامية في منتصف القرن التاسع عشر.
وقد تميّزت النجف منذ نشأتها بأنّ ما هو فقهي فيها، لم يكن بعيدًا عمّا هو فكري وحضاري، وهذه التركيبة أسهمت فيها مجموعةٌ من المتغيّرات صنعت النسيج الحضاري الخاصّ بالنجف، وأعطاها هذا التميّز المرموق الذي عرفت به.
وأهمّ هذه العوامل هي:
حوت هذه مرقد أمير المؤمنين إمام العلم والفضيلة وسيّد الوصيين وإمام المتقين الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام وبهذه التربة التي كانت وما تزال قابلة للنمو العلمي، وذلك بوجود الإعلام الذين سبقوا الشيخ الطوسي الذي هاجر إلى النجف الاشرف عام ٤٤٨هـ، وأنشأ حوزةً علميًة جديدةً في النجف الأشرف، كانت فتحًا كبيرًا ونواةً للجامعة العلمية الكبرى.
إنّ رؤيةً سريعةً للخطابات المعرفية التي انتجتها النجف عبر تاريخها العريق
لتوضّح بكلّ جلاءٍ أنّ مكانتها الدينية كانت مكانةً حضاريةً، مثلما كانت الدرع الحصين الذي حافظ على التراث العربي الإسلامي رغم التخلّف والغزوات ومحاولات الطمس والتهميش الذي تعرّض له هذه التراث، وحجم المنجز الثقافي الذي ابدعته النجف يعطينا أكثر الصور إبداعًا في تاريخنا.
وبهذا اتّسمت النجف الأشرف درة العراق المشرقة بأصالتها وعمقها الحضاري الذي تفتخر الأمم الإنسانية بحواضرها العلمية، وتعتزّ الشعوب بتاريخها وتراثها العلمي، فهي مرسى سفينة نوح، وهي المشرفة بوصي النبيّ الأعظم علي بن أبي طالب عليهالسلام باب مدينة العلم، وهي مهوى أفئدة المؤمنين، ومدرسة العلوم، والمعارف، وحلبة المجتهدين والعلماء، ومنتج الأدباء والمفكرين، مدينة العلم العظمى، مدرسة الفقه الكبرى، وجامعة الإسلام العليا، قطب رحى الاجتهاد، مركز دائرة التقليد.
1.المساجد: لم تتقيد الدراسة في النجف الأشرف في مكانٍ معين، بل انطلقت من الصحن الحيدري الشريف، فكان يعجّ بحلقات الدرس، وفي المساجد المعروفة حلقاتٌ متعددةٌ تتحلّق حول الأساتذة. وقد أحصى المؤرّخ جعفر باقر محبوبة، مساجد النجف الأشرف المعروفة في الثلاثينيّات من القرن العشرين فوجدها سبعة وسبعين مسجدًا، وكان لهذه المساجد الدور المتميّز في نمو الوعي الفكري من خلال نشر التوعية من قبل الخطباء والدعاة.
2.المدارس الدينية: انشئت المدارس الدينية في النجف الأشرف على يد بعض علماء الدين، وكانت تسمّى بأسماء مؤسّسيها، فقد بنيت الإسكان الطلّاب، ولا سيّما الوافدين
من البلاد الإسلامية والعربية إلى النجف الاشرف، وكان من أبرز السمات المرتبطة بتأسيس وإدامة هذه المدارس تعتمد على الأموال التي تصل عن طريق الحقوق الشرعية أو التبرعات من قبل الوجهاء والتجار، إضافةً إلى الذين كانوا لهم القدرة على تأسيس مدارسهم الخاصة. عزّز علماء الدين بتأسيسهم المدارس مواقعهم داخل الحوزة العلمية، بعد أنْ ضمنوا بهذا المدارس الاستقلال المالي والسياسي والفكري، وقد تجسّد ذلك من خلال الأثر الكبير في توجيه الحلقات الدراسية للنجف الأشرف، ولا سيّما من كان يدعو إلى التجديد المتواصل للفكر الإسلامي في مدارسه. لن يتوقف الأمر في مدارس النجف الاشرف في إعداد رجال دينٍ تؤهّلهم لإصدار الأحكام في القضايا الشرعية الدينية فحسب، بل أنجبت جيلًا من الشخصيات الدينية والأدبية التي تلقت المبادئ الأساسية من تعليمها في المدرسة النجفية انطلقوا فيما بعد في بناء النهضة الفكرية والأدبية والثقافية.
3.النهضة الأدبية النجفية: كان تجمع نخبة الأدباء والمثقّفين فيما بينهم ومساجلتهم الأدبية والنقاش الدائر حول الشعر والتجديد والشعر العامودي، والشعر الحديث وكلّ ما استجدّ على الساحة الأدبية العربية، والمسابقات الشعرية، بما توحيه قرائحهم الخصبة من أثارٍ أدبيةٍ على مستوى الشعر والقصة النقد، فقد انطلق من النجف الأشرف لينتشر في العراق والعالم العربي. وقد سُمّيت هذه الأندية الأدبية (المجالس النجفية)، وأسهمت
هذه المجالس في حفظ اللغة العربية في حقبة السيطرة العثمانية التي كانت تحاول (تتريك العرب)، فإنّهم لا يجتمعون في مجلسٍ إلّا خلقوا فيه جوًّا أدبيًا زاخرًا في نظم القصائد، وتداول النوادر، والطرائف مهما كانت موضوعاتها اجتماعية أو سياسية .
4.المكتبات :بعد هجرة الشيخ الطوسي إلى النجف الأشرف، انتقل النتاج الفكري من المدن الإسلامية جميعها عن طريق طلبة العلم بقومياتهم المختلفة، وهم يحملون ثقافات جديدة لم يعهدها النجفيّون من قبل، ممّا هيّأ فرصةً للتلاقح الثقافي والاتصال الحضاري التي تترك أثرها الإيجابي المتمثّل في توسيع الدائرة المعرفية. أصبح أمرًا طبيعيًا في مثل هذه المدنية أنْ تحوي مكتباتٍ تضمّ الكتب المطبوعة وتحافظ عليها، فقامت جهودٌ شخصيةٌ في تأسيسها وأُلحق بعض منها في المدارس الدينية، فكانت بحقّ الينابيع التي يستقي من مناهلها الطلّاب، والمدينة التي يعيش فيها آلاف من طلبة العلوم الدينية وأساتذتهم من كبار العلماء لا بد من وجود الكتب والمكتبات فيها. تميّز النجفيّون بظاهرتين الأولى حبّ الكتب والمكتبات، اقتناءً ومطالعةً وتأسيسًا، والثانية خُصّص في المدينة سوقٌ لبيع وعرض الكتب عن طريق المزايدة، ويقام أسبوعيًّا كلّ خميسٍ وجمعة .
5.الطباعة في النجف :كانت حركة الطباعة التي رافقت أوّليات مظاهر نشاط النهضة الفكرية، وسيلةً من وسائل اتّساع نطاق الوعي الفكري في البلاد العربية بما كان يصدر عنها من كتبٍ عربية الأصل أو مترجمةٍ عن اللغات الأجنبية، وصحفٍ ومجلّات، وقد أسهمت في بلورة النضح الفكري .دخلت أوّل مطبعةٍ إلى العراق في منتصف القرن التاسع عشر في كربلاء عام ١٨٥٦م، ومن المدن العراقية التي دخلتها الطباعة مبكرة لتتواءم مع مركزها الثقافي والفكري والسياسي هي مدينة النجف الأشرف، ومن أهمّ
هذه المطابع مطبعة (حبل المفتي)، و(المطبعة العلوية)، و(المطبعة الحيدرية)، و(المطبعة المرتضوية)، و(المطبعة العلمية)، و(مطبعة الغري)، و(مطبعة الراعي)، التي أسّسها جعفر أسد الخليلي عام ١٩٣٠م، وهي من المطابع الجديدة الكبيرة التي أسهمت في طباعة الصحف الصادرة في النجف الأشرف، ومطبعة دار النشر والتأليف، ومطبعة الزهراء، ومطبعة النجف مطبعة النعمان، ومطبعة القضاء، ومطبعة الآداب .
نستنتج من ذلك، أنّ دخول المطابع الى مدينة النجف الأشرف التي تقف وراءها أسبابٌ عديدةٌ يمكن إيجازها:
أ. تمركز فئة علماء الدين وطلّابهم في النجف الأشرف، وتمتعهم بنفوذٍ دينيّ واسعٍ في كافة الشؤون الدينيّة والاجتماعية والسياسية، وأصبحوا فئةً مؤثرةً لا في المجتمع النجفي فحسب، بل في العالم الإسلامي.
ب. إثر الدعوات الإصلاحية التي نادت بضرورة نشر العلوم الحديثة والحثّ على التجديد والمتمثلة بأقطاب الإصلاح الإسلاميين منهم (جمال الدين الأفغاني)، و(محمد عبده) و(عبد الرحمن الكواكبي).
ت. التلاقح الفكري من خلال ما يحمله طلبة العلم الوافدين إلى النجف الأشرف لغرض الدراسة فيها.
ث. برزت مدينة النجف الأشرف بوصفها مركزًا في الأحداث السياسية والدينية والاجتماعية التي من بها العراق والأمة العربية والإسلامية، فضلًا على انفتاح النجف الأشرف على العالم الخارجي ليس من النواحي السياسية فقط، بل من النواحي الأدبية والثقافية والفكرية أيضًا.
ج. نشاط حركة التأليف وميل المؤلّفين إلى طبع مؤلّفاتهم في مناطق قريبةٍ منهم.
ح.تأثير الصحف العربية والعراقية: كانت آثار التطوّر الفكري في أرجاء الوطن العربي، في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، على نمو الحركة الفكرية في العراق واضحة، وذلك من خلال استعمال الطباعة في الأقطار العربية كمصر وسوريا ولبنان ووصول نتاجاتها إلى العراق. كانت مدينة النجف الأشرف من المدن العراقية التي تأثر مثقّفوها وأدباؤها في الصحف العربية والعراقية، وكان للصحافة أثرها الإعلامي بإفهام الشعوب والسلطات سمو المبدأ الديني الإسلامي، وأوضحت للملأ الدعوة إلى تحرير الشعوب واسترداد الحقوق.
نستطيع القول إنّ دوافع الحركة الصحفية النجفية تتمثّل فيما يأتي:
1.لتبليغ رسالة النجف العلمية، وإرسال اشعاعها الفكري إلى أبعد حدٍّ من حدود المعمورة وهو أبسط حقوقها الإعلامية .
2.رفع منار الدعوة الإصلاحية التي تحمل مسؤوليتها الإمام المصلح الشيخ محمد كاظم الخرساني التي تضمنتها حركته المشروطة في الدستور والبرلمان.
3.الردّ على الحركة التبشيريّة الممثّلة في الجمعيات والشخصيات الاستعمارية المدعومة من الغرب بالمال والرجال والإعلام .
4.نشر التطابق وموافقة الشريعة الإسلامية للعلوم المعاصرة، وبيان تقدّم الإسلام على الفلاسفة المتأخّرين، كذلك تنوير الأفكار، وإيجاد العلاقات والروابط، وتسهيل مهمة المراسلات والاتصالات بين النجف وبين البلاد الثانية والأقطار الأجنبية، إضافة إلى نشر آثار علماء النجف الأشرف في العلوم الإنسانية والعلوم العلمية البحتة، وأخبار ونظريات التجريبية الأئمة أهل البيت عليهمالسلام، ونشر منافع الأحكام الإسلامية.
وقد مرّت الصحافة النجفية بأدوارٍ متمايزةٍ حسب ظهورها واختفائها ونشاطها وهي:
أولًا : الدور الأول: ويبتدئ من عام 1910م، حتی 1918م، وهو الدور الذي دخلت فيه النجف المعترك الصحفي، وشاركت العراق في الدعوة إلى الثقافة العامة بمختلف مناحيها، وفي هذا الدور ظهرت أربع صحف هي:
1.الغري
2.درة النجف
3.النجف الأشرف
4.مجلة العلم: مجلة تخدم العلم والدين، وتبحث عن أحوال الترقي ماديًّا وأدبيًّا، صاحبها ورئيس تحريرها محمد على هبة الدين الشهرستاني، ثم أصبحت مجلةً شهريةً دينيةً فلسفيةً سياسيةً علميةً صناعية، برز عندها الأول /٢٩ / مارس / ١٩١٠م، وختمت السنة الثانية بالعدد التاسع الصادر أول جمادى الأولى ۱۳۳۰هـ، وهي تصدر بثمان وأربعين صفحة بقطع أربع على الورق أسمر، تطبع بمطبعة الآداب ببغداد، وتنشر في النجف الأشرف والعالم العربي والإسلامي، ويذكر هناك مبادلات الصحف مع مجلة العلم، وتعدّ مجلة العلم أوّل مجلةٍ تصدر في النجف، ورابع مجلةٍ عربيةٍ في العراق، وقد توقّفت عن الصدور بعد إصدار العدد التاسع؛ نظرًا لتغّيب صاحبها في الحج، ولم يشأ مواصلة العمل، وقد لقيت إقبالًا واسعًا، وقدّمت تعريفًا بحركة المشروطة الدستورية، وكانت أشبه بلسان المرحوم المصلح الشيخ محمد كاظم الخراساني.
ثانيًا: الدور الثاني (فترة العشرينات): ويبتدئ باندلاع الثورة العراقية الكبرى
عام ١٩٢٠م، حيث ابتدأت بعض الصحف على مسرح الصحافة تغذّي الثورة، وتغطّي أخبارها، وتصف المعارك، وتذكر الانتصارات، ولم تدم طويلًا، وهما الفرات والاستقلال، ثم بعد استقرار وضع العراق السياسي وتعيين فيصل الأول ملكًا، وبعد سنوات ظهرت مجلتا النجف والحيرة، وبهما ينتهي هذا الدور.
1. صحيفة الفرات: صدرت في تشرين / ۱/ ۱۹۲۰م، أصدرها محمد باقر الشبيبي، وهي سياسيةٌ وإخباريةٌ، كانت لسان حال ثورة العشرين، وتغطّي أنباء الثورة، صدر منها خمسة أعداد، وتوقّفت وهي موضوع بحثنا.
2. صحيفة الاستقلال: صدرت في تشرين1/ ۱۹۲۰م، أصدرها محمد عبد الحسين الكاظمي وهي سياسيةٌ أدبيةٌ اجتماعيةٌ، وتُعدّ لسان حال الثورة، وكان شعارها (لا حياة بلا استقلال) صدر منها ثمانية أعداد.
3. صحيفة النجف: صدرت في ١٩٢٥م، أصدرها يوسف رجيب، وهي اجتماعيةٌ أدبيةٌ ثقافية، رئيس تحريرها محمد علي، وبسبب جرأة مقالاتها وانتقاداتها حُجبت بعد نحو سنتين من صدورها في حزيران ۱۹۲۷م.
ثالثًا: الدور الثالث (دور الازدهار): ويتضمّن فترة الثلاثينيّات والأربعينيّات، وهو الذي شهدت فيه النجف ولادة عددٍ كبيرٍ من الصحف ذات الوزن العالي من جرائد ومجلات، وفيه ظهرت المواهب الصحفية بأجلى مظاهرها في عقليتها وحسن إخراجها، وبأعدادها الخاصة الخالدة في المناسبات التاريخية والأدبية والدينية والاقتصادية، وتعدّ في طليعة الصحافة العراقية بل العربية.
1. مجلة الحيرة: مجلةٌ شهريةٌ علميةٌ أدبيةٌ اجتماعيةٌ مدرسية، سنتها عشرة أشهر، لصاحبها ومديرها المسؤول ومحرّر القسم الأدبي عبد المولى الطريحي،
ومحرّر القسم المدرسي منها هو جعفر الخليلي، صدر العدد الأول في النجف الأشرف ١٥ كانون الثاني ١٩٢٧م، بأربعين صفحة من القطع الصغير وعلى ورق أسمر، ولم يصدر منها إلّا ثلاثة أعدادٍ فقط، عددها الثالث والأخير صدر في شهر مارس ١٩٢٧م في ٤٨ صفحة، وعددها الرابع طبع ولم يصدر، وتوارت عن الأنظار لأمورٍ مالية. وكان بدل اشتراكها السنوي ثمان ربياتٍ، ثم عدل إلى ستّ ربياتٍ بدايةً من العدد الثاني، وطبعت في المطبعة العلوية لصاحبها السيد محمود العلوي.
2. صحيفة الفجر الصادق
3. مجلة الاعتدال: مجلةٌ شهريةٌ تبحث في الأدب والأخلاق والاجتماع، مديرها ورئيس تحريرها محمد على البلاغي، وصاحب الامتياز المحامي أحمد جمال الدين، استمرّت في الصدور ست سنوات، صدر عددها الأول في شباط ۱۹۳۲م، أما السنة الخامسة فقد تغيّر مديرها المسؤول إذ أصبح المحامي محمد رضا السيد سلمان، كما أنّها أصدرت عددًا خاصًّا بالملك غازي عند مصرعه يحتوي على ثلاثة أعدادٍ في الخامس والسادس والسابع، وكان بتاريخ تموز ۱۹۳۰م، وإلى هنا كانت تصدر على ورقٍ أبيض، أمّا في السنة السادسة، فقد اشتدّت أزمتها الاقتصادية بسبب وقوع الحرب العالمية الثانية، وقد صدر عددها الأول مارس ١٩٤٦م، بعد أنْ تغيّر مديرها المسؤول وصار مكانه المحامي فاضل عباس معلّة، وختمت بالعدد العاشر الصادر بتاريخ مايس ١٩٤٨م، وكانت هذه السنة هو دور الاحتضار لهذا المشعل المنير الذي بدأ يتضاءل لنفاد زيته، واحتجّبت عن الصدور وراء أفق الخلود بإرادة صاحبها، وأسدل الستار على أرقى مجلة صدرت
وقتها في العراق.
4. جريدة الراعي
5. مجلة المصباح: مجلةٌ تاريخيةٌ اجتماعيةٌ شهرية صاحبها ورئيس تحريرها الشيخ محمد رضا الحسّاني صدر عددها الأول في 10 تشرين الأول ١٩٣٤م، ثم أصبح صاحبها ورئيس تحريرها الشاعر محمد صالح بحر العلوم في العدد الثالث من السنة نفسها، لانشغال صاحبها الأول بشؤون التدريس، وقد أصبحت علميةً أدبيةً فنّيةً (لسان حال النهضة القلمية) في النجف، وانتهت سنتها الأولى بالعدد العاشر الصادر في كانون الأول ١٩٣٦م، وهو العدد الخامس من المجلد الثاني؛ لأنّها صدرت في مجلدين كلّ واحدٍ يحتوي على خمسة أعداد، وصدرت سنةً كاملةً وسنتها عشرة أشهر، بدل اشتراكها السنوي دينار، ويخصم للطلبة والمدرسين والعمّال نصف دينار تطبع في مطبعة الغربي.
6. الهاتف: صدر العدد الأول منها ٣ أيّار ١٩٣٥م، وهي تصدر في كلّ يومٍ جمعة لرئيس تحريرها، ومديرها المسؤول جعفر الخليلي، وبدلّ اشتراكها السنوي دينار واحد داخل القطر، وخارجه ويدفع سلفًا، وصدرت على أثر توقّف جريدة الراعي، وتطبع في مطبعة الراعي، وتطبع في أربعة أعمدة، وكانت مبوبة بمثلثات: العالم في أسبوع، ومشاكل الحياة، وحفل الشعر، وقصة العدد. وابتدأ العدد الثاني فأضاف لها باب: (خيال الظل) وهو صور تحليلية فاكهة، ثم أضاف لها صندوق الدنيا واعترافات وصحائف مطوية، وخطّت الجريدة لنفسها خطة إصدار عددٍ للقصة في كلّ سنة، وصدر العدد القصصي في نيسان ١٩٣٦م، وانتقلت الهاتف
إلى بغداد في مستهلّ السنة الرابعة عشر، وهو العدد ٤٨٨ الصادر في السبت ٢٢ مايس ١٩٤٨م. أما السنة العشرون ابتدأت بالعدد ١٢٩٥ في 1 حزيران ١٩٥٤م، وهو العدد القصصي الخاص، ويقع في ٣٠ صفحة، وكان العدد ۱۲۹۷ الصادر في ١ أب ١٩٥٤م، من أعدادها الأخيرة.
7. مجلة الحضارة
8. مجلة القادسية
9. صحيفة الغري: صحيفةٌ اجتماعيةٌ عامةٌ عاشت ثلاثين عامًا، ومرت بأدوارٍ متفاوتةٍ من النشاط والضعف، فالعشر سنوات الأولى من حياتها كانت تصدر بانتظامٍ من دون أن تتأخر في مواعيدها، ثم بدأت المجلّة تتعثر في الاستمرار بخطى متواصلةٍ، وأصبحت تصدر في المناسبات، وبأعدادٍ مزدوجةٍ تعويضًا عن تأخّرها عن موعدها، ويحوي أحيانًا المطبوع الواحد على عدّة أجزاء، وبلغ بها التعثر في أُخريات أيامها في مرحلتها الثالثة أن تعوض أعدادها بالملاحق، وآخر ملحق هو المرقّم (٣٦) والمؤرّخ ١٩٦٦/٢/٢ من السنة الثلاثين. آخر ما صدر من هذه المجلّة حيث ألّمت الأمراض بصاحبها، وأقعدت عليه مدة جعلته يلازم الفراش حتى توفي (رحمه الله) في الخميس ١٩٦٨/٤/١٨م. صدر عددها الأول في يوم الثلاثاء ٢٢ أب ۱۹۳۹م، وكانت مسجلةً بدائرة بريد برقم ١٤٤ بورقٍ أسمر من القطع الكبير، ثم أصبحت مجلةً علميةً أدبيةً فنيةً فلسفيةً اقتصاديةً اجتماعية عامة تصدر في الأسبوع مرتين، وتصدر مرةً في الأسبوع مؤقتًا، وكانت تطبع بمطبعة الغري، وصدر في هذه السنة من الأعداد الخاصة عددٌ خاصٌّ بالمولد النبوي الشريف، وهو العدد المزدوج ۳۰-۳۱ الصادر في ١٦ نيسان ١٩٤٠م، والعدد الممتاز، وهو العاشر الصادر في ٢٥ تشرين الأول
١٩٣٩م، والسنة الثامنة والعشرون صدر عددها الأول والثاني المزدوج في ١٤ تموز ١٩٦٤م، في ٤٨ صفحة، وقد تغيّر حجمها، فأصبح يقطع الربع، وتطبع في مطبعة الغربي الحديثة، ولم تنقطع عن الصدور عام ١٩٤٩م.
10. المُثُل العليا
11. العدل الإسلامي: مجلةٌ علميةٌ أسبوعيةٌ ثقافيةٌ جامعةٌ تصدر في الشهر مرتين، صاحبها ورئيس تحريرها ومديرها المسؤول محمد رضا الكتبي، صدر العدد الأول من سنتها الأولى ١٥ ربيع الثاني ١٣٦٥هـ، وكانت المجلة تطبع بمطبعة العدل الإسلامي، وصدر العدد الأول والثاني من السنة الثانية ١٥ حزيران ١٩٤٧م، بحجمٍ كبيرٍ ببدل اشتراكٍ في النجف (۱۰۰۰) فلس، وفي الخارج (۲۰۰۰) فلس. وصدر العدد الأول من السنة الثالثة، وفيه افتتح باب خاص هو باب الفتوى، وفي العدد الثالث بابٌ خاصٌّ باسم (صحيفة المرأة)، وكان بدل الاشتراك لهذه السنة دينارين، داخل العراق، و(١٥٠٠) دينار داخل النجف، وقد طبع في المطبعة الحيدرية، وصدر العدد الأخير من السنة الثالثة مايس / ١٩٤٩م. وكانت مسجلةً بدائرة البريد برقم (117).
١٢. البيان: مجلةٌ أسبوعيةٌ أدبيةٌ اجتماعيةٌ جامعة، تصدر مرتين في الشهر مؤقتًا رئيس تحرير ومديرها المسؤول على الخاقاني، صدرت أربع سنين، وقد صدر العدد الأول من السنة الأولى ٢٩ حزيران / ١٩٤٧م، وأصدرت في هذه السنة عددًا خاصًا هو ١١- ١٤ بالإمام الحسين عليهالسلام الصادر بتاريخ ١٤ / كانون الثاني ١٩٤٧م، وصدر العدد ٤٩ - ٥٣، وهو العدد الخاص بالقصة في بداية
السنة الثالثة: 4/تشرين الأول ١٩٤٨م. وهي مسجلةٌ بدائرة البريد برقم ۲۱۳. وختمت السنة بعددٍ آخر خاص بالإمام الحجة الأكبر آية الله المرحوم الشيخ محمد رضا آل ياسين، وهو العدد ٨٤-٨٥ في ١٥/ حزيران / ١٩٥٧، وهنا توارت عن الأنظار.
١٣. الدليل: مجلةٌ شهريةٌ علميةٌ أدبيةٌ اجتماعيةٌ جامعة، صدر عددها الأول / تشرين الأول ١٩٤٦. وصدر عددٌ خاصٌ واحدٌ من هذه السنة هو العدد المزدوج ٣-٤ / كانون الثاني ١٩٤٧. عن سيّد علماء عصره الإمام الحجة الأكبر السيد أبي الحسن الموسوي صاحب امتيازاها موسى الأسدي. ورئيس تحريرها عبد الهادي الأسدي، والمدير المسؤول المحامي محمد رضا السيد سلمان. مسجلة بدائرة البريد رقم ۲۱۸. ثم توقّفت عن الصدور بإرادة صاحبها لأسبابٍ أشار إليها في مقدمة العدد العاشر من سنتها الثانية كان على رأسها الضائقة المالية. وبعدها ألغي الامتياز حسب المرسوم السابق الذي صدر. وكانت من المجلات التي خطّت لنفسها سيرةً إصلاحية، وسارت وفقها إلى حدٍّ كبيرٍ؛ لذلك من المجلات المرموقة في محيطها.
١٤. البذرة
١٥. الشعاع: مجلةٌ أسبوعيةٌ علميةٌ ثقافيةٌ عامة، تصدر مرتين في الشهر، صاحبها عبد الهادي العصامي، صدر عددها الأول / ايار ١٩٤٨، ثم صدرت أعداد أربعة منها في مجلد واحد، وهو العدد الخاص بـ(الشؤون والاحوال الاقتصادية) ١٩٤٩/٨/١٥. وقد أسهم فيه كبار الشخصيات المالية
والاقتصادية في البلد. أمّا العدد الخامس فقد صدر ١٩٥٠/١/١٩ مع عدة ملاحق بلغت سنة، وتوقفت عن الصدور بإرادة صاحبها لأمورٍ اقتصاديةٍ كانت مسجلةً بدائرة البريد برقم ٢٥٩. وقد ألغي امتيازها بموجب مرسوم المطبوعات الصادر ١٩٥٤.
١٦. العقيدة: مجلةٌ أسبوعيةٌ للسياسة والعلوم والآداب تصدر في الشهر مرتين، صاحبها ورئيس تحريرها فاضل الخاقاني، ومديرها المسؤول عيسى الشيخ راضي المحامي، ثم صار محمد حسين المحتصر مديرًا لإدارتها صدر عددها ۱۰ / تشرين الأول ١٩٤٨. أمّا السنة الثانية فلم يصدر عنها سوى خمسة أعدادٍ فقط، صدر الأول والثاني المزدوج 5 كانون الثاني ١٩٥٠، وصدر العدد الخامس ١٥ / حزيران ١٩٥٠، ثم انتقلت إلى بغداد، وتحوّلت إلى جريدةٍ صدر عنها خمسة أعداد فقط. وصدر بالغائها من قبل المحكمة، وكانت مسجلةً بدائرة البريد برقم ٣٠١، كان امتيازها الأول الأمر على لواء الديوانية (محافظة القادسية)، وتطبع في النجف، ثم انتقل امتيازها إلى النجف من العدد الخامس من سنتها الأولى.
17. لواء الوحدة الاسلامية
ويتمثّل في مرحلة الخمسينيّات والستينيّات التي تضمّ أواخر العهد الملكي، وبداية العهد الجمهوري. وأشهر مجلّاتها:
1.النجف
2.النشاط الثقافي: مجلةٌ شهريةٌ لنشر الثقافة العامة تصدرها جمعية التحرير الثقافي في النجف الأشرف، رئيس تحريرها المسؤول عبد الغني الخضري، وهو معتمد الجمعية،
ومديرها مرتضى الحكمي، مدير إدارة الجمعية، سنتها عشر أشهر، صدر العدد الأول تشرين الثاني /١٩٥٧م في ٦٤ صفحة، وختمت بالعدد العاشر / تشرين الأول / ١٩٥٨م، وهي مسجلة دائرة البريد برقم ٥١، وتعدّ من المجلات الراقية التي رفعت رأس الأديب عاليًا صدر منها سبعة أعدادٍ في العهد الملكي السابق، وثلاثة أعدادٍ في العهد الجمهوري الجديد، وتوقّفت عن الصدور لأزماتٍ مالية، ثم عاودت الصدور في سنتها الثانية، وصدر العدد الأول في كانون الثاني / ١٩٦٣م، بورقٍ أبيض و ٩٦ صفحة، وذلك قبل الحصول على الامتيازات الجديد، وعندما حصل الامتياز صدر العدد الثاني، وكُتب تحت اسمه (مجلة شهرية لتنشر الثقافة الإسلامية العامة)، وكان ذلك في ١/ نيسان / ١٩٦٣م، بـ(۱۲۰) صفحة، وأصبح رئيس تحريرها أحمد شوقي الأمين العاملي.
3.الحوزة
4.المعارف
5.الأضواء
6.الإسلام
7.العدل
8.الإيمان
9.الكلمة
وهنالك عددٌ من الدوريات صدرت في النجف تحمل الطابع نفسه، وتدعو للغرض نفسه الذي من أجله صدرت الصحف النجفية، لكنّها لم تحمل الصفة الرسمية للصحافة بالرغم من أنّها أدّت الدور نفسه، وكان لها الأثر الواضح في الدعوة والإصلاح، ونشر العلم، وتبنّي المعرفة، مثل:
أ.التوجيه
ب.الذكرى
ت. دراسات إسلامية
ث.رسالة النجف
ج.جيلي
ح.الجامعة
خ.عبقر
بالإضافة إلى النشرات المدرسية للمرحلة الثانوية والمرحلة الابتدائية، ومن الجدير بالذكر أنّ بعض أصحاب الصحف والمجلات فضّلوا طباعتها في النجف، لبروز وجه النجف الصحفي، ومقدرتها، وطغيان الحركة الصحفية فيها، وتوفّر رجال الفكر والمطابع؛ فطُبعت الحكمة، والفيحاء، والتوحيد، وصوت الإخلاص، والفرات من الحلة. والشرق والقدوة، والأخلاق والآداب، ولجنة الثقافة الدينية، ورسالة الجمعية الخيرية الإسلامية، والحرف من كربلاء، والطب البيطري البغدادية والرسالة والفكر من الديوانية، والإرشاد والموعظة من الكوفة، واللواء والأماني والتضامن الإسلامي من الناصرية.
في بيتٍ فقيرٍ ومتواضعٍ كأيّ بيتٍ من بيوت النجف آنذاك، وفي حي البراق كان يسكن الشيخ محمد جواد الشبيبي، حيث يعود نسبه إلى فخذ (المواجد) من قبيلة بني أسد تلك القبيلة المعروفة التي تسكن العراق في الجبايش والبطايح وسوق الشيوخ، وما جاورها إلى القرنة، ويعود لقب (الشبيبي) إلى شبيب جد الشيخ محمد جواد، حيث سلسلة النسب تصل إلى محمد بن إبراهيم بن مصر الجزائري.
نشأ محمد جواد والد شاعرنا في كنف جدّه لأمّه الذي علّمه القرآن والكتابة ومبادئ الأدب وتذوق الشعر، وبقي يُرعى في كنف جدّه حتى وفاته، و بعد ذلك انتهى به المقرّ في النجف الأشرف ليدرس الفقه والأصول على يد جماعةٍ من علماء عصره، وكان يستعين على قضاء حوائجه بما يعطيه خاله من عائد بعض أراضيه الزراعية، وقد مضى الشيخ محمد جواد في طلب العلم وقرض الشعر؛ فذاع صيته وعرف اسمه حتى صار من الشهرة بنحو لا يذكر اسم الأدب آنذاك بجميع فنونه إلّا وكانت له من المناسبة ما تجعل الاتصال وثيقًا باسم الشبيبي الكبير.
وكان له مجلسٌ وهو ندوةٌ جامعةٌ يلتقي فيها أدباء النجف ورجاله، ويعدّ من أشهر المجالس الأدبية التي كانت تحفل بها النجف وبعض المدن العراقية، حيث يتم فيها التداول في مختلف الشؤون الاجتماعية والسياسية والأدبية والعلمية، فتُعقد المناظرات، وتُلقى القصائد، وترتفع المسابقات الشعرية والارتجال في بعض المواقف المهمة، ومتابعة ما يحدث من تطوراتٍ على الساحة الوطنية
(292)والعربية، وتأثير القوى العالمية آنذاك على التلاحم الوطني والقومي، وتحقيق الوحدة.
من تلك الشجرة الطيبة الأسرة الجليلة نبع شاعرنا محمد باقر الشبيبي، ولد سنة ١٨٩٠م، في النجف الأشرف، وتخرّج في جامعتها، فدرس الفقه والأدب، ومالت نفسه إلى الشعر، وهو يعيش في هذه البيئة النجفية التي تعمق في أجوائها المطارحات الشعرية، والمراسلات الأدبية، والارتجال في المناسبات الوطنية والدينية، ويمكننا القول إنّ السبب وراء عبقرية الشعر، وازدياد الشعراء في النجف الأشرف كان البيئة الدينية الملتزمة، إذ كان الشعر هو المنفذ الذي تطلّ منه النجف على العالم، والذي أصبح لازمةً في كلّ حدثٍ أو تاريخٍ أو مناسبةٍ. قد تذوق شاعرنا الشعر فقرضه وأبدع، فأصبح من رجال النهضة الأدبية في قصائده السياسية والاجتماعية، وبالرغم من أنّ شاعرنا كان قليل النظم، ولا يقول الشعر إلّا في المناسبات الخاصة فإنّه كان يحمل في ضلوعه نيرانًا متقدةً لثورةٍ كبرى ضدّ الاستعمار والجهل والعبودية.
لقد كان الطريق الذي يجب أن يسير عليه غير معبد والزمن الصعب الذي عاشه يريد منه عملا وليس كلاما فقط فالنظريات والخطب والاقاويل إذا لم تشفع بالتطبيق لا فائدة لها ولا قيمة وعجلة الزمن تدور والناس نيام، فكان يستغلّ ارتياده للمجالس الثقافية والأدبية في طرح أفكاره وآرائه الجديدة، فكان يلاقي تجاوبًا مع صفوة من زملاءه الذين تعاهدوا على رفع راية الحق عاليًا وأن يؤمنوا بالعدل وإن الطريق الوحيد لتحقيق ذلك من خلال التحدي والمجابهة والثورة.
في بداية المسيرة ناضل ضد الأتراك بكلّ ما يملك من حماسٍ ووطنيةٍ، وحاول جاهدًا تشويه سمعتهم بقدر ما أوتي من قوةٍ ونباهة، وما أنْ قُضي عليهم تأهّب مع المجموع الثائرة من الشباب مواجهة المحتلّ الجديد الذي هو أسوأ بكثيرٍ من سابقه. لقد كان يشعر حقًّا بحقّ هذا الوطن المقدّس في أنْ يعيش حرًّا مستقلًّا، وكان يحسّ بجرح الوطن الذي توالت عليه المصائب من احتلالٍ إلى احتلال.
وبدأت عملية الكفاح المسلّح الجريئة ضدّ المحتلّين، فقام بحمل الرسائل وصور العرائض إلى كربلاء مع السيد جمال الدين وسعد صالح لتوقيعها من قبل الزعماء والأهلين، ولقد ضُمّنت طلب استقلال البلاد، وطرد الإنكليز المحتلّين، وفي الدورة الأولى للمجلس التشريعي العراقي اُنتخب نائبًا عن لواء المنتفك (محافظة ذي قار)، فكان صوته يدوي في أروقته، وكان يعلو صدى مناقشاته الجادّة والمبنية على أسٍّ وتحليلٍ علميّ رصينٍ بحيث يُقدّم الحجّة تلو الحجّة على إثبات زيف ادّعاء المتخاذلين والعملاء، حيث كان ينشر مقالاته تلك في الصحف البغدادية، وبعد أنْ شعر الوطنيون في بغداد بظروف تأليف جمعيةٍ سياسيةٍ سريةٍ تأخذ على عاتقها انقاذ البلاد من الاحتلال البريطاني البغيض وأنْ تعيد الكرامة والنخوة العراقية، وأنْ تأخذ دورها في الوطن العربي الكبير لكي يأخذ دوره الجهادي في مرحلة النضال في النجف وكلّ أنحاء العراق، والوطن العربي، وعليه تمّ تأسيس الجمعية، وسُمّيت بـ(حرس الاستقلال)، وذلك في أواخر جمادي الثانية ١٣٣٧ هـ ونهاية شباط سنة ١٩١٩م .وكان أبرز أعضائها: جمال بابان، وشاكر محمود المرافق، ومحمود رامز، عارف حكمة، وحسين شلّال، وسعيد حقّي، وعبد المجيد يوسف، وعبد اللطيف حميد، والحاج محي الدين السهروردي، وعلي البازركان، والسيد محمد الصدر، والسيد يوسف السويدي،
والسيد ناجي شوكت، والوجيه محمد جعفر أبو التمن، والسيد مكي الأورفلي، والسيد بهجت زينل، والشيخ محمد باقر الشبيبي، والدكتور سامي شوكت، والحاج رمزي بك الذي أصبح فيما بعد وزيرًا للداخلية، وعبد الغفور البدري، وعبد المجيد كنه، وشاكر قنبر علي، والسيد هادي زوين وغيرهم. وتعقد الجمعية جلساتها برئاسة السيد محمد الصدر الذي يمدّهم بأرائه وتوجيهاته الثمينة، وكانت تعقد في مدرسة الفيض تارةً، وفي المدرسة الجعفرية تارةً أخرى.
ثم توسّع نشاط الجمعية فأنشأت فروعًا في كلٍّ من الكاظمية والنجف والحلة والشامية وبعقوبة، وكان الشيخ محمد باقر الشبيبي العضو البارز في الجمعية وهمزة الوصل بين مقرّ الجمعية في بغداد وفروعها في الفرات الأوسط، وكان يحمل الرسائل وصور العرائض إلى كربلاء، ومعه السيد جمال الدين وسعد صالح لتوقيعها من قبل الزعماء والأهالي، وقد كانت تتضمّن طلب الاستقلال وطرد المحتلّين الإنكليز.
وعمل من خلال رحلاته المتعدّدة ونشاطه المتميز على إيقاد جذوة نار الوطنية وتهيئة الرأي العام لمواجهة الاحتلال بالتضحية، ونيل الاستقلال التام. وبقيت هذه الجمعية تمارس أعمالها حتى ألقت السلطة القبض على بعض أعضائها، وتم نفيهم خارج الوطن؛ وبذلك توقّف نشاطها في العشرة الأخيرة من آب ١٩٢٠. لقد حمل الشبيبي شعار الوحدة، وحدة الوطن من الشمال إلى الجنوب، والتصدي لمحاولات العدو في إثارة الفرقة والطائفية، لكن التعاون بين الطائفتين الشيعة والسنّة امتدّ نشاطه إلى المناطق الشيعية في الفرات الأوسط الأمر الذي ألحق الضرر بالمحتلّين.
كما اشترك في تأسيس حزب الإخاء الوطني الذي وقف معارضًا لسياسة الحكومة، وصار يملأ صحيفة الحزب بمقالاته الحماسية التي تندد بالخونة والمتخاذلين أذناب المستعمرين. ولم يعد أحد يسمع باسم آل الشبيبي في ميدان الثورة غير اسم الشيخ باقر الشبيبي الذي بدأ يدوي في الآذان، وهو يصدر جريدة الفرات لسان حال الثورة العراقية، ويلج مؤتمرات الثوار واجتماعاتهم كركن من أركان الثورة، ثم يطوف بميادين المعركة بكلّ جرأةٍ وشجاعة.
والشيخ محمد باقر الشبيبي، كان أديبًا لامعًا وكاتبًا جريئًا، وقد برز في شعره ونثره الجانب السياسي والوطني، وكان لهما الأثر العجائبي والحركة المحسوسة له في القضية العراقية، وقد وصف بالجرأة والإقدام في كتاباته التي سطرها على صفحات جريدة الفرات (لسان حال ثورة العشرين)، وكان قد تابع الأحداث منذ أواخر العهد العثماني، وسنوات الاحتلال البريطاني للعراق، وما بعدها، وقد أراد من جريدة (الفرات) أنْ تكون لسان حال ثورة العشرين الناطق، وكانت المنشورات اليومية المتضمنة أخبار الثورة يدونها في الجريدة، وقد حمل الشيخ محمد باقر الشبيبي بيده الرسائل والعرائض إلى مدينة كربلاء لتوقيعها من قبل الزعماء والأهالي من أجل استقلال العراق، وكان معه السيد حسين كمال الدين، والسيد سعد صالح جريو، واتصل بالزعيم الوطني الحاج جعفر أبو التمن في بغداد، ونظم العرائض إلى مؤتمر السلام في باريس، وكانت توضّح في طياتها قضية الاستفتاء، ويقول الشيخ جعفر محبوبة: كانت في مدينة النجف الأشرف تخاط الأعلام العربية، ومنها تنتشر في جميع أنحاء العراق، وبها كانت تطبع المنشورات
اليومية الحاوية لأخبار المناطق، والمقالات الشديدة اللهجة، والنصائح القيّمة، وكان يتولّى إصدارها الشيخ محمد باقر الشبيبي، ويقول الأستاذ خالد الدرة: إنّ الشيخ الشبيبي في نظري صورةٌ مصغّرةٌ من جمال الدين الأفغاني، فقد كانت رسالته الوطنية والأدبية المتواضعة أنْ ينطلق من منبته في النجف الأشرف إلى عاصمة العراق بغداد، ويلاحظ في شعر الشيخ محمد باقر الشبيبي الروح الثورية الوثّابة، والوطنية الصادقة.
أصدر الشيخ باقر جريدة (الفرات) أيام اندلاع ثورة العراق سنة ١٩٢٠م، وقد زخرت بمقالاته السياسية الملتهبة التي أسهمت بتشكيل الوعي السياسي لدى طبقات المجتمع ومطالبته باستقلال البلاد عن النفوذ الأجنبي، وصدرت من المجلة خمسة أعداد فقط، ولم تنتهِ مهمّته عند هذا الحدّ بل اُنتخب بعد تشكيل الدولة العراقية نائبًا عن لواء المنتفك، وجُدد انتخابه عدّة مرات، كما مارس الوظيفة الإدارية مفتشًا في وزارة المعارف سنة ١٩٣٣م، لمدة تقارب العام الواحد، واشترك بتأسيس (حزب الإخاء الوطني) مع مجموعةٍ من العراقيين.
وفاته: عانى باقر الشبيبي من أمراضٍ وعللٍ أقعدته عن العمل، وأسلمته إلى ما يشبه العزلة حتى وفاته في ٧ حزيران ١٩٦٠م.
كانت جريدة الفرات في طليعة صحافة الثورة العراقية الكبرى ١٩٢٠م، إذ تعدّ الصحافة من أهمّ مستلزمات العمل الثوري أو التغييري لأيّ ثورةٍ أو انتفاضةٍ أو مهمةٍ تغييريّةٍ - مهما كان هدفها - في أيّ مجتمعٍ أو بلد؛ لأنّها وسيلة الإعلام، ولم تكن وسائل الإعلام يومذاك أكثر من مجال الصحف والمجلات، خصوصًا التي كانت تصدر في سوريا أو مصر أو بغداد وعلى نحوٍ محدود، وكان مطالعوها في النجف لا يتجاوزون عدد الأصابع، وكانوا يطالعونها سرًّا ويتحفظ.
ولمّا كانت الثورة العراقية الكبرى منتظمةً كانتظام الحروب الدولية، كان لا بد لهذه الثورة من وسيلةٍ إعلاميّة، تغطّي أنباء الحرب، وتنشر أخبار العدو وهو يتلقى الضربات القاصمة، ويعلن هزائمه في عددٍ من المواقع العسكرية المهمّة في الفرات الأوسط، وبعد أنْ أنشأ الثوّار حكوماتٍ محلية تشرف على أمورهم، وتموّن جبهاتهم، وتجبي الرسوم من السكّان، وتقيم قسطاس العدل بينهم، وتناهض الباطل في ربوعهم؛ فاستقرّ رأي زعماء الثورة على ضرورة إصدار صحيفةٍ تنطق بلسان الثورة، وتعبّر عن أهدافها، وتعبّئ جماهير الشعب للالتفاف حولها، ومدّها بما تحتاج إليه من وسائل المقاومة والجهاد، فكانت صحافة الثورة المتمثّلة بجريدة (الفرات)، أوّل جريدةٍ عربيةٍ تصدر في النجف. وكانت وسائل الدعاية والنشر في بادئ الأمر منشورات يشرف عليها الشيخ محمد باقر الشبيبي، ويتم طبعها في احدى المطابع الأهلية، فكان يغلب عليها طابع المبالغة والإفراط بغية تقوية العزائم، ثم أصدر الشيخ محمد باقر الشبيبي (جريدة الفرات) في يوم السبت الموافق ٢١ ذي القعدة ١٣٣٨هـ. ١٥ / أيلول / ۱۹۲۰م، في مدينة
النجف، إثر نشوب ثورة العراق الكبرى (ثورة العشرين)، فكانت تلقي على النار وقودًا.
وكانت جريدةً أسبوعيةً سياسيةً، صدر عددها الأول في أوائل آب ۱۹۲۰، بأربع صفحات من الحجم الصغير، وقد عُدّت الجريدة لسان حال الثورة وأهدافها، وغدت مجالًا لنشر أراء رجال الدين وفتواهم وخطبهم في حثّ الناس على مقارعة المحتلّين، وقد سجّلت خطب الثوار وتعليمات القادة ومواقع القتال، وقد اتّجهت إلى رفض الخضوع للسياسة البريطانية، وقد احتجبت جريدة الفرات بعد صدور عددها الرابع دون ذكر الأسباب، وقد يرجع ذلك إلى صعوباتٍ ماديةٍ وفنيةٍ تتعلّق بأمور الطباعة والورق، في تلك الظروف الصعبة .لكنها ما لبثت أنْ عاودت الصدور بعد أقلّ من شهرين من احتجابها، حيث ظهر عددها الخامس في ٢٥ / أيلول / ١٩٢٠، وكان من الطبيعي أنْ يهتم الشعب بجريدة الفرات، ويتعلّق بمقالاتها، ولكن نتيجة لضغط السلطات المحتلّة على الثوار وظهور بوادر القضاء على الثورة احتجبت الجريدة في ٢٦ / أيلول / ١٩٢٠.
بذل الشعب العراقي كثيرًا في ميدان ثورته، وهي من مفاخرنا الوطنية ف تاريخنا الحديث، وقد برهنت على الروح الذي يضطرم في العراقيين، ومثّلث نزوعهم إلى الحرية والاستقلال، وطلب الحكم الذاتي، والتي عُدّت حربًا استقلاليةً مقدّسةً كما قرّر الباحثون في أحوال العراق حتى من الإنكليز أنفسهم نظير المستر فيليب ايرلند في مؤلّفه الثمين (العراق درس في التدرج السياسي)، وهو من خير ما كتب عن بلادنا في هذا القرن، وقد تذرّع الشعب بشتّى الوسائل لإنجاح الثورة وتحقيق الأهداف العليا التي اندفع في سبيلها من أظهار شخصيته
شعبًا حيًّا أبيًّا. وكانت الصحافة من جملة هذه الوسائل ولا عجب فقد التفت العراقيون إلى هذه الأداة في كفاحهم السياسي قبل هذا الطور واستعانوا بها في نهضتهم القومية قبل الحرب العظمى الأولى، يوم وقفوا في وجه السلطة العثمانية مطالبين بالتحرّر من حكم الغريب، وهكذا كانت لنا صحافة في ثورة سنة: ۱۹۲۰، ولهذه الصحافة تاريخ مضيئ على قصره يستحقّ التدوين والتدبّر للاطلاع والعبرة، ثلاث صحف عملت في خلال الثورة فكانت تنطق بلسان الثوار، وتنشر أخبارهم وحركاتهم، وتعبّر عن أهدافهم ومقاصدهم، واحدة في بغداد، واثنتان في النجف الأشرف.
أمّا في ميدان الثورة نفسها وفي مركز قيادتها النجف الأشرف فقبل هذا الموعد سبق للأستاذ باقر الشبيبي الكاتب والخطيب والشاعر والسياسي المعروف أنْ أنشأ جريدة باسم (الفرات) بمعنى أنّها تصدر في البقعة التي تتقد فيها الثورة، استهلت الفرات خدمتها الثورية في ١٥ أيلول ۱۹۲۰ مطبوعةً في إحدى مطابع النجف. كانت هذه الجريدة تعبّر عن آراء الثائرين وأمانيهم، وتشرح تعاليم الحركة الاستقلالية، ولم تقتصر على أفكار رجال السياسة وشيوخ القبائل، بل صارت مجالًا لنشر اراء العلماء الأعلام من جهابذة الدين وفتاواهم وخطبهم في يوم الأمة الأحمر، وقد برزت بلهجةٍ عنيفةٍ، وكتبت بمداد القلب لا حبر القلم، واقتصرت على الشؤون السياسية، والمقاولات الاستفزازية، والخطب التي تُلقى في محافل الثورة في الغري بينها خطب الحاج عبد الواحد سكر وغيره من أقطاب الثورة، يُضاف إلى ذلك التعليمات عن الحرب والقتال في ميدان الثورة العراقية، ولا سيّما حسن معاملة الأسرى والعناية بالجرحى وغيرها ممّا يتّصل بالنظام في العالم المتمدن.
أما أخبار الثورة ووقائعها اليومية في ميادينها المختلفة، فقد خصّصت لها
(الفرات) ملاحق لنشرها علاوةً على أعدادها المنظمة، وهي الجريدة العراقية الوحيدة التي نشرت قرار (المؤتمر العراقي المنعقد في الشام باستقلال العراق في ۷ آذار ۱۹۲۰)، وقد أرسل إليها مع رسولٍ خاصٍّ، كما أذاعت خطب الملك فيصل في عاصمته دمشق، وبثّت رسالة البيت الهاشمي في بعث الأمة العربية بعثًا سياسيًا منظورًا. وممّا يؤثر من مواقفها الصحافية نشرها جواب حجة الإسلام الشيخ فتح الله شيخ الشريعة الأصفهاني على الخطاب الذي بعث به من الطائرة إلى سماحته السر أرنلد ولسن الحاكم الملكي العام في العراق، يُعزّيه بوفاة الإمام آية الله الشيرازي في ۱۷ آب ۱۹۲۰ ويهنِّئه بانتقال الإمامة إليه، ثم يتحدّث إلى الإمام عن العدل، وحقن الدماء، وحسن التفاهم الذي يجب أنْ يحلّ بين الشعبين، وقد علّق الأستاذ باقر بقلمه الحاد على ذلك الخطاب، واستعرض مقدار انطباق المبادئ الثلاثة الرحمة والعدل والتسامح التي جاءت في مضامينه على كثيرٍ من أعمال حكومة الاحتلال.
وكانت الأيدي تتلقف هذه الجريدة، ويقرأها الناس بلهفةٍ في سائر أنحاء القطر ولا سيّما في ميادين الثورة في صفوف المقاتلين، كما أنّها كانت ترسل إلى خارج العراق فتبلغ سدة ملك العرب في الحجاز جلالة الحسين بن علي الذي يُعنى بتتبعها بدقة، وتصل بلاط الملك فيصل في الشام، وتنتهي إلى سائر المهتمين بالحركة القومية في سوريا وغيرها من عراقيين وعرب، ولكن لم تعش الفرات طويلًا؛ فقد توقّفت عن الصدور بعد عددها الخامس؛ لأنّ الثورة خفتت بعض الشيء، وتفرّق كثيرٌ من زعمائها في أنحاءٍ غير متقاربة.
كانت الثورة العراقية الكبرى التي اندلع لهيبها في الفرات الأوسط في ٣٠
حزيران ١٩٢٠م، في حاجةٍ ماسّةٍ إلى صحفٍ وطنيةٍ تذيع أنبائها، وتنشر آراء القائمين علیها، وتصف المعارك التي تجري في ميادينها، وتشجّع الرأي العام على مؤازرتها، والتضحية في سبيلها، فأنشأ الأستاذ محمد باقر الشبيبي جريدة في النجف - مركز قيادة الثورة - باسم (الفرات) لهذا الغرض. برز عددها الأول في غُرّة المحرم سنة ۱۳۳۹ (۱۰) أيلول (۱۹۲۰)، واستمرّت تصدر بحماسٍ متزايد، وتنشر ملاحق كثيرةً بأنباء القتال، وسير الحركات، وتبعث في نفوس المحاربين روح الإقدام والبسالة، ثم توارت عن الأنظار بعد صدور عددها الخامس، وظهور بوادر الانحلال على القائمين بالثورة.
يقول عبد الحميد الزاهد ــ وهو من المشاركين بأحداث الثورة العراقية ١٩٢٠م -: «كان لدي مكتبة في أحد أواوين الصحن العلوي الشريف، لبيع الكتب وتجليدها وأقوم بمزاد الكتب في كلّ يوم جمعةٍ، وفي خلال العمل للقضية العراقية كنت احتفظ بما يرد من الصحف السورية العربية، وفي الثورة صار المكتب مرجعًا لنواحي الثورة الأدبية، منها القيام بتوزيع جريدة الفرات والنشرات الثورية اليومية، وإرسالها بواسطة الرسل إلى مختلف نواحي الفرات، أمثال كربلاء، والوتد، والهندية، وجنوبي الحلة، والديوانية، والسماوة، والرميثة، وعفك، والدغارة، وأبو صخير، والغرّاف وغيرها، وكانت ترد الرسائل المختلفة من الجبهات إليّ بحسب إعلان جريدة الفرات والمنشورات، فاجتمع لدي كيس من الأوراق المختلفة، وعندما أردت الهروب دفنتها في سرداب بيتنا، ولكن أخي الشيخ رضا حرقها من بعدي».
إنّ للنجف الأشرف دورها الرئيس في إشعال الثورة واستمراريتها، وقد كان من أسباب الاستمرارية تلك دخول النجف إلى المعترك الصحفي بمشاركة من باقي المدن العراقية، لأهميّة صاحبة الجلالة (الصحافة) في دعم الثورة، وتأجيج الشعور الوطني والقومي، وإعطاء المعلومات والأخبار التي ترافق هذه الثورة من انتصاراتٍ وخسائر فادحة، وأرقامٍ واحصائياتٍ في المال والأبنية والمعدات والقتلى والأسرى، والمواقع الاستراتيجية التي تم السيطرة عليها، كلّ هذه المعلومات لا تصل إلى هذه الجماهير الثائرة الممتدة عبر أرض العراق والوطن العربي إلّا عن طريق وسيلةٍ جماهيريةٍ تأخذ مداها الطبيعي واستمراريتها وانتشارها.
وللشبيبي شعرٌ في الصحافة وبسالتها، إذ يقول في أبياتٍ له:
صوت الشعب وصيتها الصحفُ
تجري بهم للمـــــــــجد إنْ وقفوا
ماذا أقول وكيــــــف أذكــرها
وبأيّ وصـفٍ مثلها أصــــفُ
إنْ قال داعيـة العلـى فلـها
ولأهلها العليـاء والــــشرفُ
النـاطقات ونطقها حــكم
والحاكمات وحكمها النُصـفُ
وقد اتّصل شاعرنا الشيخ محمد باقي الشبيبي برفيق دربه في النضال الحاج جعفر أبو التمن الوطني المعروف الذي شهدت له الساحة الوطنية بالكثير من المواقف والبطولات لدعم الثورة والثوار، وهكذا قرر إصدار (جريدة الفرات النجفية) بتاريخ (١٥) أيلول / ۱۹۲۰ المصادف: 4 ذي الحجة (۱۳۳۸)، وكانت هذه الصحيفة الناطقة باسم الثورة وهي بحق (لسان حال الثورة العراقية الكبرى التي اندلعت في ذلك العام) حيث صدر العدد الأولى بتاريخ ٢١ ذي القعدة ۱۳۳۹هـ الموافق 1 تشرين الأول ١٩٢٠م، وابتدأ العدد بـ(بسم الله الرحمن الرحيم حمدًا وشكرًا وسلامًا وبعد، لقد ألمنا خلو البلاد من الصحافة).
وقد كانت كلّ صفحةٍ من صفحاتها تحتوي على ثلاثة أعمدة تغطّي أنباء الثورة، وتنشر أخبار العدو، وهو يتلقّى الضربات المذهلة من الثوار، وتعلن هزائمه في عددٍ من المواقع العسكرية المحصنة، وقد أصدرت الفرات عددًا من الملاحق، وكانت قيمة الاشتراك التي تدفع سلفًا عبارة عن ليرتين في النجف، وليرتين وربع خارجها، وبدل شهري مجيدي وربع مجيدي في خارج النجف.
والشبيبي كما قال شعرًا في مواقفه الوطنية فهو كذلك في مقالته الصحفية، لا تهاون مع السلطة، ولا مجاملة مع المتسلطين وكأنّه كان يكتب كلماته بدماء عينيه الثورية، ويخاطب المستعمِر وأذنابه بصوتٍ عالٍ، ويطرح كافة الحقائق؛ لذا كان محاربًا من قبل السلطات في نشر مقالاته المنادية بالثورة، فاضطر إلى أنْ يستعين بالصحافة العربية، وكذلك جرت مطاردته بشكلٍ آخر في الصحف العربية، حتى إنّهم منعوا بعض الأعداد الصادرة من الصحف التي تصدر في الخارج من
الدخول إلى العراق، ومنها مجلة (العرفان) اللبنانية التي تصدر في صيدا بسبب ما نشره في المجلة.
ومن أهم مقالاته في الصحف العربية: «من مصائبنا يا سادة أّننا إلى الآن لم نجرأ على مصارحة المسؤولين، وانتقاد سياستهم، ومجابهتهم بالحقائق؛ لأنّ روح العبودية متأصلةٌ في هذا الجيل؛ فالنفوس الضعيفة مطبوعةٌ على الذلّ والخوف والتزلّف والانقياد، فلنترك هذه الدعايات إذا كنّا أوفياء للأمّة، ولننصرف إلى معالجة ما تنوء به الأرزاء، ولنكن أجرياء على بيان الواقع في حقيقته». لكنّه تابع مسيرته حيث العمل في المجالين الوطني والسياسي، ولم ينتبه إلى الانحراف والابتعاد عن خط المواجهة والتحدي، وبهذا استطاع أنْ يصبح مثلًا للصلابة بين أقرانه السياسين إلى أنْ أدّى الأمر إلى تدهور صحته، وملازمته الفراش، وحتى هذا الأمر لم يُثني عزيمته، وعلى فراش المرض باشر بإعطاء مقالاته إلى الصحف، وتوزيع المهام على النخبة المؤمنة المقارعة الاحتلال بكلّ زمانٍ ومكان.
ومن مقالاته الجريئة التي ستبقى شاهدًا وتاريخًا ناصعًا يجسّد شجاعة العراقيين أيام ثورة العشرين ويفصح عن مدى جرأة الصحافة النجفية في تلك الأيام العصيبة هذا المقال الذي نشره في العدد الخامس والأخير من جريدة الفرات المؤرّخ في تشرين الأول ۱۹۲۰، الذي هاجم فيه الحاكم البريطاني العام (ويلسون) على إثر إرسال الأخير برقيةً إلى المرجع الديني الأعلى في ذلك الوقت شيخ الشريعة الأصفهاني، يقول فيه: «وقفنا على صورة كتاب الحاكم العام ارنولد ويلسون إلى المقام الروحاني المنشور في جريدة العراق المؤرخة في ٣٠ / اب /
۱۹۲۰ الموافق ٧ ذي الحجة ١٣٣٨هـ، وفي منشوراتٍ مستقلّةٍ وزعتها الطائرات فشكرنا تودّده للمقام العالي، ولما كان مشتملًا على أشياء لا تتفق مع مراده، بل كانت على العكس نقيضًا للغرض الذي أفاض فيه؛ رأينا إيقافه على جلية الأمر واطلاعه على رأي الأمة الأخير، فينكشف لعدل الدول من ضلّل الناس وطوّح بالبلاد والعباد، ثم نسأل الدول بعد ذلك أنْ تحكم على مسبب المصائب في العراق، لينال لعنة العالم المتمدن، وهوّن عليك يا ممثّل الدول الإنكليزية! إنّ الأمة التي ناصبتها العداء وحكّمت فيها السيف فأرقت دماءها، وأزهقت أرواحها عداءً محضًا وتحكّمًا صرفًا بلا خوفٍ من الحق، ولا وجلٍ من العدل ستقف وإيّاك أمام محكمة التاريخ، ليعلم من هو المجرم الذي أتلف النفوس، وجنى على البشرية بلا رحمة ولا عطف! فالويل لمن صبغ الأرض بدماء الأبرياء، يا ممثل الإنكليزية ماذا صنعت أمّة العراق المظلومة حتى تستحقّ من ضبّاط الاحتلال هذا الفتك الذريع، والتمثيل الشنيع، والهتك الفظيع؟! أفعال تخجل منها العصور الأولى، وتشمئز منها قرون الظلمة والظلم، ويل لكم ضبّاط الاحتلال من ظلامة أمةٍ كان جواب مطالبها الشرعية حزّ الرؤوس، وتوصيل الأعضاء، وحرق الجثث، والتمثيل بالنفوس المحترمة... فيا سبب مصائب العراق يا سفّاح الإنكليز لقد جنيت على حكومتك الموقّرة جنايةً ما روى التاريخ نظيرها لسفّاحٍ قبلك، أهكذا يكون جزاء الذين رفعوا مقعد حكومتك، وأجلسوك على منصةٍ لست لها، وليست لك، هي السياسي المحنّك والحاكم الرشيد، منصة يتربّع عليها العدل والإنصاف لا الظلم والاعتساف، فويل لمن أقامك تمثالًا للقوّة والغلظة، يا ممثّل الدول الإنكليزية أتعزّي المقام العالي ومنك الرزية؟! أتعزّيه بقولك؛ (إنّ المقاوم يستوجب التعزية والتسلية، لا التبريك والتهنئة في هذه الأيام التي انتابت العراق
وسائر المماليك)، فيا حضرة الحاكم العام إنّ ما نزل بالأمة فمن المصائب التي هيّأت أنت أسبابها، فالأمّة بريئة، وأنت المذنب، ألست الذي سحقت الحقوق، ودست القانون، فخنت الأمة بما أعددته من الجيش المجهّز بالنار، ووسائل الحرب والدمار، فأجهزت به على النساء والأطفال والشيوخ، ولوّثت البلاد الطاهرة بالشرور، كلّ ذلك لأنّ الأمة أبت أنْ تعترف بوصايتكم، أبت أنْ تعيش في ظلّ حمايتكم، وأغرب من ذلك يا حضرة الحاكم أنّك نسبت المصائب إلى فقيد الإسلام، لقولك: (وكان هذا من آراء سلفكم)! يا الله، أيّ الاعتداءات تغفرها لك الأمة؟ أتعزيتك لشيخ الإسلام بما أنزلته من الرزايا على العرب والمسلمين، أم نسبتك المصائب إلى الفقيد الذي لطالما حذّرك من الغرور وألفتك إلى عواقب الأمور، ونبّهك إلى نتائج الاستهتار في مخالفة الأمة المظلومة؟!... نعم إنّه (طُيّب مثواه) أرادك أنْ تلين فاستعصيت، وسألك أنْ تضع حدًّا للظلم والاعتداء بأعطاء الأمة الاستقلال فأغضبت، وثابرت على إنزال العقاب والعذاب، والأمة ساكنة، وأنت لم تسمع نصائح الفقيد ومواعظه البليغة، فكيف تريد أنْ تبرّر أعمالك؟! ثم بعد ذلك تقول: (إنّ الحكومة كما هو معلوم في أقطار العالم قد اعتمدت دائمًا على الأركان الثلاث، وهي الرحمة والعدل والتسامح الديني...)، قد تظنّ بأنّ حكومتك الموقّرة قد شيدت على هذه الدعائم فخامتها، ولكنّك هدمتها بمقالع جورك وقسوتك وتعصّبك، فويلٌ لكم يا ضبّاط الاحتلال. أمّا الرحمة وأينها منكم يا قساة؟! الرحمة فضيلةٌ قد تنحت من قلوبكم، وابتعدت عن ضمائركم... وهي اسم عندكم، ومسمّاها ليس عندكم، وتشهد على ذلك قلوبكم بالقسوة، وأنيابكم بطحن العالم، فقد خلفتم من بعضه تاريخًا لشدتكم مكتوبًا بالدماء المراقة في (الرميثة الحمراء) في عرائش الفقراء، فكم بيت أوقدتم على أهله النار،
فأصبح الرضيع ملتهبًا، والشيخ الفاني بجنب الأعمى وقودًا لنيرانكم، وعلى هذا الحال استمرت رحمتكم في (الجربوعية)، و(بابل) حرقًا تستغيث من النار، وقتلًا أظهرتم فيه ضروب التمثيل، أهذه هي الرحمة التي بنيتم عليها دولتكم، وأقمتم عليها سياستكم؟!... أمّا عندنا فلطفٌ بالأسير وبرٌّ به، ونظرٌ إلى الأجنبي ملؤه العطف، نتفقد شؤونه، ونرى أحواله، ونسهر لترويحه، ونحرص على حياته... أخلاق أخذناها من شريعتنا، وفضائل تلقيناها من مدنيّتنا، فأين هي مدنيّتكم يا أدعياء التمدّن؟ ها انظروا إلى رحمة رجالنا وكبارنا، واقرأوا رسائل علمائنا في الرفق بأسرائكم، والرحمة بمرضاكم، انظروا كيف وكّل المقام الروحاني أمره إلى من لزمه بذلك من المشاهير فكتب إليه الرسالة الآتية:
(بسم الله الرحمن الرحيم، السلام عليك وثناء على إخلاصك، وبعد، غير خفيٍّ على نباهتك أنّ للأسرى في الشريعة الإسلامية مكانةً عاليةً، فالعناية بهم فرض، والتوجّه إلى إكرامهم حتم، وإنّي أوصيك أطال الله بقاءك بتعهّدهم على الاتصال، وتفقد أحوال صحتهم ومعاشهم ما داموا وديعةً مقدسةً وأمانةً محترمةً، فيلزمك البذل لهم والتوفير عليهم، ويجب تصديك لتخفيف راحتهم أكثر من الأيام الماضية، وإنّي قوي الأمل بأنّك تنشط إلى هذا التكليف؛ لأنّه شرعي مدني إنساني، فواظب على الانفاق عليهم، حتى يتعين على إنفاقهم موردٌ خاصٌّ، فقد اعتمدتك وأوكلت ذلك إلى عهدتك وألزمنك به، ولا عذر لك ودم مؤيدًا). شيخ الشريعة الأصفهاني.
هذا مثالٌ صغيرٌ من رحمتنا، فهل أظهرتم شيئًا من رحمتكم. فيا حضرة الحاكم العام لقد هدمتم هذا الركن بمقالع من السياسة التي أهلكت الحرث والنسل، وأتت على الأخضر واليابس، فتراب كلّ منطقةٍ يشهد بأنّكم سلبتم الحبّ حتى
(308)من منقار الطائر، واستخرجتم المخ من العظم، وضاعفتم الخراج أضعافًا على الزراع، فأصبحوا يسألون الناس إلحافًا، وأنتم تسألونهم فوق الجهد وتكلفون نفوسهم فوق الوسع. نعم إنّ السجون والمنافي والديوان العرفي شهودٌ على عدلكم، وبراهين على صدقكم! فأين العدل الذي تزعمون؟ أوفيتم بوعد أو ثبتم على عهد؟ أين البيانات الرسمية؟ أين القطوع الدولية؟ أين عهود الطوائف؟ أين الاستقلال؟ أين الإدارات الوطنية؟ أين منشور مود؟ أين وثائق مكماهون؟
أكان العدل يا حضرة الحاكم أنْ تكمموا الأفواه التي طالبت بالعدل؟ أهذه هي العدالة، وترفعوا طلاب الاستقلال إلى المنافي .... سلام الله على ظلم الفراعنة .....! فيا حضرة الحاكم كيف تفتري على أهل العراق؟ ألم تطلع نفسك على رغباتهم؟ ألم تقف على تصريحاتهم؟ اذكر موقفك في النجف إذ جئت تعمل لتبديل الوثائق الموقّعة من السادات والعلماء والأعلام والأشراف من الرؤساء وسائر الطبقات، ألم يطلبوا فيها جلاءكم عن العراق؛ ليؤلّفوا حكومةً عربيةً لا دخل للأجنبي فيها».
ولم يقصر جهد الصحفي محمد باقر الشبيبي وما قدّمه للثورة على إصدار جريدته (الفرات) فحسب، بل كان المدير والمسؤول على كافة وسائل الدعاية والنشر في بادئ الأمر، إذ إنّ المنشورات التي كان يشرف عليها شخصيًا ويتابعها في كافة مراحلها، في إحدى المطابع الأهلية كان يغلب عليها طابع المبالغة والإفراط بغية تقويم الغرائم، وكذلك يقوم بإصدار منشورات يومية تقريبًا يتتبع فيها أخبار القتال في شتّى جبهاته. لكن عندما صدرت جريدة الفرات، لم يذكر اسمه على الأعداد الخمسة الأولى التي صدرت منها.
كانت (الفرات) تعتبر بحق لسان الثورة ليس في مناطق الفرات حسب بل، وفي العراق بأكمله، وكان نفوذها يتعدى نطاق القطر العراقي إلى الأقطار العربية المجاورة، فقد كانت أعدادها تصل إلى سوريا وإلى الحجاز أيضًا، وتحظى بالاهتمام الشديد من لدن أقطاب الحركة التحررية العربية في كل مكان.
وفي الوقت الذي كانت هذه الجريدة تتبع أخبار القتال، والمعارك، وتشحذ الهمم، كانت في الوقت ذاته تنتقد الأعمال العفوية التي كانت تصدر من بعض الثوّار، فتدعوهم إلى أنْ يحسنوا معاملة الأسرى من الأعداء، وإلى العناية بجرحاهم، والمحافظة على وسائل المواصلات والمرافق العامة في المناطق المحررة، فضلًا عن نشرها كلّ القرارات والآراء التي كانت تعبّر عن مساندة الثورة والانتصار لها.
صدر العدد الأول من (الفرات) يوم السبت الحادي والعشرين من شهر ذي القعدة سنة ١٣٣٨هـ. الموافق لليوم الثاني من شهر أيلول سنة ۱۹۲۰م، في أربع صفحاتٍ من القطع الصغير، وكتبت على صدره (جريدة أسبوعية سياسية، أدبية تاريخية). وقد غيّرت هذه العلامة ابتداءً من العدد الثاني إلى (جريدة أدبية، سياسية، وتاريخية اجتماعية، أسبوعية مؤقتًا). وبقي موعد صدورها يوم السبت من كلّ أسبوع. تضمّن العدد الأول مقالًا افتتاحيًّا اُختيرت آية البسملة عنوانًا له، ومما جاء فيه:«بسم الله الرحمن الرحيم، وله الحمد في كلّ فاتحة، وعند كلّ بداية، والصلوات على نبيّه المبعوث على حين فترة، المُنتجب من خير أسرة، وعلى آله وصحبه، وبعد فلقد تنقّلت بنا العصور، فمن ظلامٍ إلى نور، ومن حزنٍ إلى سرور، وهبت فئةٌ ممّن شرح الله صدورها، فكانت أوعيةً للحقائق، ومكامن للحكمة. وعادت تستحثّ الهمم مجلبة للعرفان، وأخذًا بإطراء الكمال، طورًا بإنشاء معاهد
كفل الناشئين من الجهل، وتدرأ عنهم مصاعب الضعف، وتعديهم المعرفة الواجب، وحقوق الأمة والفرد، وتارةً بإنشاء صحفٍ تنمو بها حركة الأفكار، وتتم أسباب النهضة ودواعي الاستقلال، وهذا ما دعى بنا إلى تأسيس جريدة (الفرات) بعد أنْ سهّلت لنا الظروف الحاضرة بعض الصعوبات، وذلّلت كثيرًا من العقبات، فقمنا على أثر الانقلاب في العراق لنعرّف الأمة العراقية كيف تكتسب الفضيلة، وتجتنب الرذيلة، ونعلّمها فوائد الاجتماع والتضامن، و محاسن الاشتراك والتكافل حتى تصل إلى الغاية، فأنشأناها أسبوعيةً لقلة المعدّات الآلية، فلا ورق كثير، ولا مطبعة كاملة.
وقد أردنا إصدارها بعد إكمال النواقص، وإحضار اللوازم، ولكن الحاح الأفاضل من الخارج والداخل، جعلنا نقدم على غير عِدّة، فأصدرناها على هذا الحجم الصغير مؤقتًا، آملين أنْ تلقى من القرّاء كلّ قبول، والله ولي التوفيق وهو المأمول».
وممّا تضمنه هذا العدد مقالةً رئيسةً بعنوان: (العراق يقاوم الحكم الاستعماري) جاء فيها: «دع الأحزاب الاستعمارية تستنزف الدماء والأموال، وتستثمر البلاد، وتستعبد الرجال، وتلعب في حقوق الأمم الضعيفة ما تريد، فقد ضعفت مادة حياتها، وقاربت عمرها الطبيعي، فلا تستطيع أنْ تعيش في الأجيال القادمة.
إنّ العصر الذي بدأته الأمم سيكون عصر انتصارٍ قهّار، لا تروج فيه سياسة الاستعمار وإنْ ألبسوها ثياب العطف والحنو؛ فإنّ أثواب الرياء شفافةً يُرى ما تحتها. أجل إنّ الأمم تستقبل عصرًا لا يتّفق مع العصور الفائتة، يخالف العتو والكبرياء والغطرسة والشموخ، عصرًا يهدم آثار الاستعمار، ويدكّ معالم الاستبداد، فلا ترى مطامع شخصية، ولا سلطات ظالمة أو حكومات غاشمة، ولا سيادة قديمة غريبة النزعة.
(311)أدركت الشعوب الصغيرة ثقل وطأة الاستعمار، فبدأت تقاومه وتكسر قيوده. ما ذُكر العراق في عهود الحلفاء وفي بلاغاتهم وبياناتهم، وفي مقالات الكتّاب وخطب الخطباء إلّا رأيناه مقرونًا (بالتحرير)، ولكنّنا لا ندري ماذا يراد بالتحرير في (قاموس غرفة العوام)، وفي (معجم الوزارة الخارجية). ولعلّه من الأضداد في لغة الاستعماريين.
لقد أسمعتنا الحكومة البريطانية في بياناتها الرسمية أنّها تريد أنْ تعيد مجد العراق الأول، وأنّها لم تدخل البلاد فاتحةً أو مستعمرةً، ولكنّ الظروف الحربية أرغمتها على الاحتلال أيامًا. على أنّ الحرب العامة قد وضعت أوزارها، وإنكلترا لم تزل تثبت أقدامها، وتشدد أحكامها، فهل عادت العهود قصاصات ورقٍ لا يؤبه لها؟ فأين نجد الشرف الدولي إنْ كانت انكلترا تسحق شرف المعاهدات، وتسخر بالقوانين، وتهضم حقوق الأمة التي ساعدتها؟!».
وبعد أنْ يستعرض المقال الموقف الذي وقفته إنكلترا من استيلاء الفرنسيين على سوريا ولبنان، وتقويضهم الحكومة العربية الأولى في دمشق، وفرضهم الاحتلال العسكري على تلك البلاد يقول: «إنّها قضت وطرها من محالفتنا، على أنّها لم تكن محالفةً أساسية، إنّها كانت لإغرائنا حتى تتمكن من إحراز النصر على أعدائها في الشرق...».
ونشرت الفرات في العدد ذاته رسالة المؤتمر العراقي الذي عُقد في دمشق في التاسع والعشرين من حزيران ۱۹۲۰م، الموجّهة إلى رؤساء الشاميّة في النجف، وممّا جاء في هذه الرسالة قولها:
«سوف ترفعون شأن الفكر العراقي، وتعلون مكانته في أنظار الأمم
والشعوب بهذا المظهر الشريف الذي تظهرون به من حينٍ لآخر كأمّةٍ راقيةٍ تطلب حقّها الطبيعي بالاستقلال التام، مما حمل كثيرًا من الأمم على أنْ تفكّر فيكم، وتهتمّ بمصيركم وخصوصًا تلك الدولة التي تحتلّ جيوشها بلادكم... أصبحت هذه الدولة تسعى السعي الحثيث للمحافظة على نظام حكمها الحالي في العراق. ربما حضر إليكم من الشام الجنرال نوري السعيد ليقوم بهذه المهمة التي أناطتها به السلطة البريطانية، ألا وهي توطيد أركان الاحتلال، وتثبيت أقدامه في العراق... لا يحتاج بعد هذه أنْ نبيّن لكم واجبكم الذي تقومون به إزاء هذا الرجل إذا ما فارقنا إليكم بهذه المهمة، خصوصًا الاجتهاد بمقاطعته والإعراض عن أقواله، وتحذير الناس من الوقوع في حبائله…لا تبالوا أيها الإخوان به، ولا تقيموا له وزنًا، ولو ادّعى الكلام باسم الملك حسين أو الملكين عبد الله وفيصل، أو باسم المؤتمر العراقي، أو أيّ جمعيةٍ أخرى، فإنّه غير مفوض ولا مرخص...».
كذلك نشرت الفرات في هذا العدد أيضًا صورة الاحتجاج الذي قدّمه المؤتمر العراقي في دمشق في التاريخ ذاته إلى جميع رؤساء الحكومات والدول، منها بريطانية بشأن منابع الزيت في العراق، وممّا جاء في ذلك الاحتجاج قوله: (نصّت المادة (22) من مواد قانون عصبة الأمم على الاعتراف باستغلال الأمة العراقية .... فعملًا بهذا النصّ الصحيح قرّر الشعب العراقي مصيره وأعلن استقلاله، ولكن رفض كلّ انتداب، وأذاع قراره هذا وأبلغه إلى الحلفاء والدول المعظمة طورًا بواسطة المؤتمر العراقي، وتارةً بواسطة الجمعيات السياسية داخل القطر وخارجه. لقد بدأت السلطة الإنكليزية المحتلّة في العراق، رغمًا عن هذا النصّ الصريح، وخلافًا لرأي العراقيين العام، تتصرف بموارد البلاد تصرّف الحاكم المطلق؛ فجاهر المستر لويد جورج بوضع يد الحكومة الإنكليزية على
منابع الزيت في العراق، وتخصيصها لسدّ نفات الإدارة البريطانيّة في البلاد تخصيصًا لا مسوّغ ولامبرر له بوجهٍ من الوجوه.
وعلى هذا فنحن أعضاء المؤتمر العراقي نرفض باسم الأمة العراقية هذا التصرّف المطلق غير المشروع، وتحتج عليه، ونذيع ما يلي:
أولا: تحتفظ الأمة العراقية لنفسها لا لغيرها بجميع موارد البلاد ومن جملتها منابع الزيت.
ثانيا: تحتفظ الأمة العراقية لنفسها حقّ إعطاء الامتياز باستقلال هذه المنابع لمن تشاء.
ثالثا: نفضل الاتفاق الذي جرت عليه الحكومة العثمانية قبل الحرب بشأن هذه المنابع.
وفي العدد الثاني من (الفرات) الذي صدر في يوم السبت الثامن والعشرين من ذي القعدة لليوم الخامس عشر من أيلول تناول المقال الافتتاحي فيه، أسباب الثورات التي تقع في أقطار العالم وأهدافها وهو بعنوان (ثورة العراق)، وممّا جاء في ذلك المقال قوله: «إنّ الثورة العراقية تشبه أختيها الإيرلندية والمصرية من كلّ الوجوه، فقد فجّر بركانها الضغط، وأضرم أوارها الاستبداد، ووسعها القضاء على الحرية والتجاوز على الحقوق، فصمت الآذان عن سماع الحقّ، وعمي الوجدان عن تمييز الأحكام، وسدت المحاكم أبوابها، فلا قضاء ولا قضاة .وأصبح الحقّ للقوة، ورُدّت مطالب الأمة العادلة، وتجلّت الأطماع، وظهرت ميول الفتح والإرغام، فالسلطة قاهرة، والتحكّم عجيب، والشعوب ليست حرة، والأمم غير مستقلة؛ فاشتدّ الظلم حتى بلغ منتهاه، ونفد صبر الأمة ممّا تلاقيه كلّ يومٍ من جور حكّام
الاحتلال، ولا سيّما في هذه الأيام التي ضجّ فيها العراق، وملأ دوي احتجاجاته الآفاق تحقيقًا لمبدأ (تقرير المصير) وتأييدًا للاستقلال التام.
أدرك العراقيون أنّ المطالبات القانونية والمظاهرات السلمية لا تجدي نفعًا، ولا تسترجع حقًّا، سيما وإنّ صدى الاحتجاج العادل لا ينعكس إلى الأندية السياسية في العالم لاستئثار الإنكليز بكافة أدوات الوصل في البلاد، فلا بريد ولا برق ولا صحافة ...لقد فكّر عقلاء الأمة وكبارها فيما يجب أخذه من التدابير للتخلّص من الاحتلال القتّال، فصمّموا على الدفاع عن حياتهم بعد أنْ قامت السلطة العسكرية بإجراء الحركات الحربية، قاصدةً إخضاع الأمّة بالقوة).
وفي هذا العدد نشرت (الفرات) صورة المذكرة التي قدّمها المؤتمر العراقي في دمشق في الثالث من تموز ۱۹۲۰م، إلى رئيس وزارة الحكومة البريطانية حول مطالب الشعب العراقي وموقف الإنكليز منها، وممّا جاء في هذه المذكرة قولها :«إنّ رغائب الشعب العراقي هذه تنحصر بالاعتراف بالاستقلال السياسي التام للقطر العراقي في حدوده الطبيعية المعروفة، بحيث تعلن السلطة المحتلة بالفعل هذا الاعتراف في نفس القطر، وتفسح المجال ... وتأليف حكومته الوطنية في الحال، وتحويل الجالية العراقية الموجودة الآن في سوريا وتركيا ومصر الحرية التامة بالرجوع إلى أوطانهم».
وتحت عنوان (ضلال الإنكليز) نشرت الفرات مقالًا افتتاحية في العدد الرابع منها، الذي صدر في يوم السبت الثالث عشر من ذي الحجة ۱۳۳۸هـ الموافق التاسع والعشرين من أيلول ١٩٢٠م، قالت فيه: «شاءت حكومة الاحتلال أنْ ترينا كلّ يومٍ نوعًا جديدًا من الباطل، وشاءت الأمة أنْ تدحض كلّ أنواعه
معتمدةً على الحجج الدامعة والبراهين القاطعة، فشتّان ما بين الفريقين: فريق يؤيد الباطل لأنّه باطل، وفريق ينكره ويؤيّد الحق.
علمت حكومة الاحتلال أنّ الأمة لا تخضع لها ولا تنحاز إليها تاركةً مبدأها القويم، أو غاضّةً حقّها الصريح، فلا تُلوى عن الإصرار على تنفيذ مطالبها مهما كلّفها ذلك الحقّ من التعذيب والاضطهاد. فهي لا تريد إلّا أنْ تؤلّف باختيارها مؤتمرًا عراقيًا لا إمرة فيه ولا مشورة لبريطاني قط، علمت ذلك حكومة الاحتلال فرأت أنّ تأليف المؤتمر على النحو الذي تطلبه، إلّا أنّه يقضي لا محالة على كلّ أمالها في العراق، فعزمت على إكراه الأمة ـــ بنوعٍ آخر من الإكراه ـــ على قبول ما تراه متفقًا مع مصالحها الاستعمارية في البلاد...».
وبعد أنْ يتحدّث المقال عن اللعبة التي لعبها الإنكليز المحتلّون، وذلك بدعوة (النوّاب) الذين اختارتهم الحكومة العثمانية في وقتها إلى الحضور في بغداد، كي يتألّف منهم المؤتمر الذي يطالب به الشعب، يقول متسائلًا: «فهل رأيت مجلسًا يشبه هذا المجلس العاري من كّل ميزةٍ قانونية؟ وهل رأيت حكومةً في العالم تشبه حكومة الإنكليز أجهزت على الحقوق المدنية والسياسية؟ وهل يلومنا لائمٌ إذا قلنا إنّ وجودها شرٌّ على المجتمع البشري، وشرٌّ على القانون المدني؟!».
ونشرت في الفرات في العدد ذاته مقالةً أخرى بعنوان (مكر الإنكليز) قالت فيه: «حتى إذا صرّح رئيس جمهورية الولايات المتحدة بمبدأ تحرير الشعوب، أعلنت إنكلترا في البلاد أنّ أبناءها أحرارٌ في اختيار شكل الإدارة في العراق، اطمأنّ العراقيون أنّ الانكليز سوف لا يسفكون دماءهم إذا جهروا بمنوياتهم، وما علموا أنّ هذا الإعلان يريد أنْ يتّخذه الإنكليز ذريعةً لإشعال نيران الحرب
تأتي على الأخضر واليابس، اطمأنّ العراقيون فجهروا بما لا بدّ منه وصرّحوا وطلبوا من الحكومة الإنكليزية باسم الأخلاق والإنسانية أنْ يفوا بوعودهم، ويعطوا الضعفاء حقوقهم الطبيعية، فقابل الإنكليز هذا الطلب بالاحتقار والامتهان، والهُزؤ والسخرية مما يفتت كبد كلّ عراقي، وليتهم اكتفوا بذلك، بل عمدوا إلى زعماء الأمة فنفوا أربعة منهم في الحلة، وأربعة عشر في كربلاء، وواحدًا من بعقوبة، وجمع حاكم الديوانيّة خمسين زعيمًا من رؤوساء القبائل فأجبرهم على التوقيع على ورقةٍ كُتب فيها لزوم بقاء الإنكليز في العراق...».
توقفت الفرات عن الصدور بعد العدد الرابع منها، ولم يعرف السبب الذي حال دون استمرارها، غير أنّ ما فهمناه من الكلمة الموجزة التي صُدّر بها العدد الخامس، يدل على أنّ قيادة الثورة في الفرات هي التي أمرت بإيقاف الصحيفة عن الصدور؛ إذ جاء في العدد الخامس من الفرات الذي صدر في يوم الأربعاء الثاني من صفر سنة ١٣٣٩هـ الموافق لليوم الثامن عشر من شهر تشرين الأول ۱۹۲۰م، كلمةٌ بعنوان (بعد الاحتجاب) ما يلي: «تعود الفرات إلى الصدور بإيجاب من الهيأة العلمية وزعماء النهضة العربية، والأمل أنّ أولياء الأمور الذين قاموا من أول الأمر بنشر هذه الصحيفة الحرّة، واهتموا بإظهارها، وصمّموا على استمرار إصدارها، سوف يستمرون على القيام بشؤونها، وضمانة حياتها، لتعيش الصحف الراقية ذات المبدأ الصحيح فيكون لها مكانٌ عالٍ وشأنٌ في العالم رفيع.
نعم إنّ الهيأة العلمية سوف لا تنفكّ عن العناية بأمر الصحافة، سوف تخلد ذكرًا مجيدًا لها في تاريخ النهضة العراقية بإصدار الفرات، وقد بشرتنا باهتمامها وتصدي القائمين بها من رجال الفضل لتوسيع حجمها، وإصدارها مرتين في الأسبوع وسيكون ذلك في القريب، كما يطرد تحسينها مع ملائمة الظروف
والأحوال. فالفرات تعود اليوم كما كانت في البدء بتحتيم كبار الأمة، وقد أوجبوا أنْ يكون هذه العدد الذي حتّموا إصداره بالردّ على كتاب الحاكم الملكي المرسل إلى الإمام الروحاني آية الله شيخ الشريعة الأصفهاني (دام ظله العالي)، الرد الذي يقرأه القرّاء هو خلاصة آراء الزعماء وقادة الرأي العام، ونتيجة لأفكارهم، وليس من الآراء الشخصية؛ ولذلك نوجّه إليه أنظار الأمم في كلّ أقطار العالم لتطّلع على رأي الأمة الأخير».
وفعلًا فإنّ هذا العدد بصفحاته الأربع كلّها لم يتضمن سوى ذلك الردّ الذي نشر (بعنوان رأي الأمة وكتاب الحاكم العام)، وكان بمنزلة خطابٍ موجّه إلى الحاكم الإنكليزي العام في العراق آنذاك وهو السير أي تي. ولسن، وممّا جاء فيه:
«وأما التسامح الديني، أو الدعامة الثالثة التي قام عليها بناء حكومتكم فدعوى كاذبة تشهد عليها المعابد والمساجد وقبور الأئمة المقدسة، ولئن تقادم عهد حادثة النجف، فحادثة مسجد الكوفة غضّة في أول النهضة، أما صيّرتم ساحته مكانًا لمقذوفات الطيّارات؟ أما خلطتم ترابها بلحوم المترهّبين والمترهّبات؟ أما داخلتم رؤوس الأطفال بصدور الأمهات؟ ألم تمنعوا مجالس المواليد وسائر الشعائر؟ كان من التسامح في الدين رمي جوامع المسلمين وحصر مجامعهم ومنع أعيادهم ومراسيمهم؟ هل الاستيلاء على الأوقاف الإسلامية تسامح وتساهل؟ إذا كان هذا هو التسامح، إذًا ما هي معاني التعصّب الأعمى؟ تحية على غلادستون، وثناء على الحروب الصليبية.
يا ممثّل الدولة الإنكليزية، إنّ الأركان التي اعتمدتم عليها لا تقوم عليها بيوت العناكب، فكيف تشيدون على أساسها الواهي دولة لا تدول وحكومة
(318)لا تزول؟ لقد أوجبت أركانكم هذه أنْ يصافح العراقيون مدافعكم ويعانقوا بنادقكم، ويستعرضوا الكتائب وجيشكم حتى يكتب الله انهدامها ويقيم على أنقاضها دولةً عربيةً قانونها القرآن وشعارها محبّة الإنسان.
يا ممثّل الدولة الإنكليزية، غريب منك وأنت على كرسي الحكم المؤقّت، عجيب منك وأنت ضيفٌ ثقيلٌ على البلاد أنْ تصف في كتابك شوكة الحكومة البريطانية وثروتها بقولك: (ومن قبل أنْ تقع الحرب العظمى كان للدولة الإنكليزية التي شعارها المسالمة جيش صغير للدفاع عن نفسها، فلمّا شرع الألمان والأتراك من تلقاء أنفسهم ... الخ).
فيا حضرة الحاكم إنّا في غنى عن الإسهاب في بيان قوة الحكومة، فإنّا نعرف ذلك كما تعرفه أنت، نحن لا نذكر عظيم قوتها فإنّها أم العَدد والعُدد وذات الحول والطول والقوة والاستعداد، إنّها تستطيع أنْ تحشد نفس العدد الذي ألّفته لقتال أعدائها، وهي أم النقود التي تدلي بها من بحرٍ بعيد العمق. ولكنّ العراقيين يا أيّها الحاكم قد تكاتفوا وتكافلوا وتعاضدوا وتساندوا وقاموا للدفاع عن حياتهم وتطهير بلادهم، لا يبالون بعددكم ولا يكترثون بعددكم، تكاتفت نياتهم وتوحّدت غاياتهم، لا يتزايلون عن موقفٍ ربضوا فيه كالأسود، وثبتوا عليه كالجبال للوصول إلى الغاية وأخذ الاستقلال فأمّا للحياة وأمّا للموت، فالموت سعادة في هذا السبيل وحياة في الدفاع عن الحق.
يا حضرة الحاكم العام، لقد حشدت حكومتك الجيش الجرّار فحارب عن الحرية ودافع عن المدنية وأنت تريد محو الأمة وإتلاف البلاد، تهدّد بالفتح والاستعمار، وتهدّد بحشدٍ جديدٍ لإكراه العراقيين، أم لتصديق (جئنا محرّرين لا فاتحين). ثناء على حريتك وسياستك! أمّا قولك: (أهل العراق قبلوا
(319)الدولة الإنكليزية وكانوا مسرورين من إبقاء جيوشها في هذه البلاد، لما غلبت الأتراك)، فريةٌ على أهل العراق؛ متى قبلوا بدولتكم وأصبحوا مسرورين من بقاء جيوشكم؟ هذه وثائق الانتخاب أدلةٌ واضحةٌ على استيائها منكم ورفضهم بقاءكم، رجالهم وأطفالهم كبارهم وصغارهم، كلهم سواء لا يقبلون بكم ولا يميلون إليكم. وأنت تعرف ذلك حتى من الآحاد الذين اصطنعتهم لخدمتك واستعملتهم لأغراضك.
فيا حضرة الحاكم العام، كيف تفتري على أهل العراق ألم تطلع بنفسك على رغباتهم؟ ألم تقف على تصريحاتهم؟ اذكر موقفك في النجف إذ جئت تعمل لتبديل الوثائق الموقعة من السادات والعلماء والأشراف من الرؤساء وسائر الطبقات، ألم يطلبوا فيها جلاءكم من العراق ليؤلّفوا حكومةً عربيةً لا دخل للأجنبي فيها؟ اذكر طوافك في الأنحاء، بماذا قابلك الأعيان والزعماء؟ طالع يا حضرة الحاكم صحائف ذلك في العراق، فهل رأيت قبولًا من الأمة، أو ميلًا صادقًا إليكم؟ ألم تجابهك بالرد؟ ألم تقابلك بالتصريح؟ فمن أيّ القلوب تحقّقت القبول، وفي أيّ الوجوه طالعت السرور؟ تخرّصٌ وتلفيقٌ إلى هذا الحد! أهذه هي المدنية؟!.
وأما قولك: (ولكن لما رأى بعض المفسدين والمغرضين)، فقولك مجردٌ عن الصدق، بعيدٌ عن الحق، بيّنُ التحامل، واضحُ العداء. نسألك يا حضرة الحاكم بصلاحك المعروف وإصلاحك المشهور، نسألك بحق الاستعمار والاستعباد، بحق الظلم والاستبداد، نسألك من هم المفسدون؟ نعم، هم زعماء النهضة، هم طلّاب الاستقلال، هم رؤساء الدين، هم أئمة المسلمين.
عجيب يا أيّها الحاكم تحاملك الشديد على العلماء، وقادة الرأي العام؛ زعمت أنّهم مفسدون وبرهانك مطالبتهم بحقوقهم، ودفاعهم عن حياتهم، أجوّز لك القانون أنْ تسمّي المدافعين عصاة، والعلماء مفسدين، والأئمة مضللين؟ أهذه هي الأخلاق الإنكليزية؟ سلام على علمك الواسع، وفضلك الغزير!
أما الحالة التي عبّرت عنها بأنّها توجب الأسف فإنّها من نتائج تهوسكم وتجاوزكم من قلة تدبركم، فلو كنتم وفيتم بالوعود وعملتم طبق العهود، فحققتم رغائب الشعب المظلوم، لحفظتم مكانتكم، وثبتم في القلوب صداقتكم، ولكنّك يا حضرة الحاكم، أنت دفعت الأمة إلى القتال، أنت أسلمتها إلى هذه الحال، أنت أتعبت جيشك بلا جدوى؛ فأنت المسؤول عن هذه الوقائع.
فيا حضرة الحاكم العام، إنّ المجلس العرفي الذي أمر جنابك بتأليفه لإعدام الوطنيين، ونفي الشبّان المخلصين، وسجن الأبرياء والمظلومين، جديرٌ بأعضائه العسكر أنْ يحاكموك. من أولى منك بالمحاكمة إذا كان للمجرمين، وإذا أعدّ للمذنبين؟
يا أيّها الحاكم العام، لقد قامت قيامتكم على القيصر غليوم فأوجبتم محاكمته؛ لأنّكم نسبتم إليه جناية الحرب الكبرى، فهو مجرمٌ عندكم؛ لأنّه مثير الثوائر بزعمكم، فإنْ كانت شرائع الدول توجب قصاص المجرمين فأنت أولى بأن تُقَاصص وتعاقب؛ لأنّك أكبر مجرم على الإنسانية، أكبر مجرم على الحكومة البريطانية .
يا ممثّل الدولة الإنكليزية، إنّ اعترافك بقوة الأمة العراقية يناقض استدراكك العليل بقولك: (ولكن عددهم قليل، وليس لهم من الدراهم إلّا القليل)، يا أيّها الحاكم إنّ الأمة قد اعتمدت في دفاعها على ثلاثة أركان: القومية، والوطنية،
والشريعة الإسلامية، فعندها الثبات إزاء اختراع الآلات، والعناية الإلهية بدل المساعدة الخارجية، والقناعة عوض الزراعة. فالأمة صابرةٌ على النزال حتى تنزلوا على حكم الحق، مستمرةٌ على النضال حتى تسترد الحاكمية. أمّا قولك: (ها قد بذل العرب حتى الآن كلّ ما في وسعهم من الجهد، ولا يمكنهم أنْ يأتوا بعملٍ فوق ما عملوا)، فيا حضرة الحاكم إنّ العرب لم يبذلوا إلى الآن إلّا عشر ما أعدّوه، ولم يعملوا بعض ما يريدون أنْ يعملوه، فقوتهم في زيادة، وأعمالهم في نشاط، ها قد جاء الخريف وانتهى موسم الحصاد، وفرغ العرب من المشاغل الزراعية، وأقبلوا على الحرب الدفاعية بشوقٍ عجيبٍ وميلٍ قوي، فازدادت جموعهم أضعاف ما كانت، وأمّا تهديدك بوصول العساكر والذخائر وسائر ما يلزم لأعمال العسكرية، فالأمة على علمٍ من قوتكم ومعداتكم واستعداداتكم للقتل والسفك، وليس بها حاجةٌ إلى إرسال معتمدٍ يكشف لها ما هيّأتموه من الوسائل الحربية.
الله يا حضرة الحاكم، ما هذه المضمرات العدائية؟ بهذا تستجلب نفوس العراقيين؟ ما أبعدك عن الحكمة والصواب، كأنّ الوسائل الحربية وسائل قضاء على الاستقلال والحرية، أتطلب معتمدًا لهذه الغاية للاطلاع على الفضايع العسكرية، فأين الإنسانية؟
وأمّا قولك: (فبناءً على أنّ النتيجة النهائية هي معلومة فَلِمَ يدوم سفك الدماء؟) إنّا نسألك ما هي النتيجة المعلومة، من جواز الحكم من المجهولات؟ هل تيقنت أنّها في جانبكم باعتمادكم على القوة العسكرية التي طوحتم بها، ومزقتم أوصالها؟ إنّا لا نريد إطالة إطالة سفك الدماء ولكنّك تريد ذلك، فضع حدًّا لإبهامك وإيهامك؛ فإنّ الأمة قد كشفت نيّاتك السود، ووقفت على حقيقة
(322)أحوالك. ثم ما أغرب قولك: (إنّ الحكومة الإنكليزية عملًا بقواعدها ستجازي بعض الشيوخ وغيرهم الذين ضلّلوا بالناس، وأسماؤهم معلومة عندي). الله يا أيّها الحاكم، كم نسيت قولك في صدر الكتاب: (إنّ الحكومة الإنكليزية قد اعتمدت على الأركان الثلاثة)، أكان من الأركان الثلاثة أنّه ستنتقم من المشايخ الذين أحرقت بيوتهم ونهبت أموالهم وذبحت أطفالهم؛ لأنّهم طالبوك بالاستقلال؟! ليسمع المشايخ نصيحتك هذه، ليقفوا على حقيقة إخلاصك وماذا تُعدّ لهم؟
أيها الحاكم العادل! هل وراء ما يشهدونه كلّ يومٍ من ضروب الظلم وأنواع الاعتساف، هل وراء التعذيب والانتقام شيءٌ آخر من العذاب؟ ليطمأنّ بال المشائخ وغيرهم، فهذا عدلك، وهذه رحمتك! أما طلب المفاوضة وتعيينك لها حضرة الكولونيل هاول، فإنّ ذلك يعود إلى رأي المشايخ وأقطاب الأمة الذين قلت إنّ الحكومة الإنكليزية ستجازيهم عملًا بقواعدها. فيا أيّها الحاكم إنّ الأمة عملًا بقواعدها الإنسانية واعتمادًا على أصول المدنية لا تمتنع عن المفاوضات الدولية، لكنّها لا تدخل في المفاوضة معكم إلّا على الشروط الآتية:
1. سحب الجيش من البلاد.
2. إرجاع المنفيين.
3. حضور قناصل الدول في مجلس المفاوضة.
وخلاصة القول أنّ الأمة لا تريد إلّا الاستقلال التام للعراق بحدوده المعروفة، وهي لا تدخل في المفاوضة إلّا على تلك الشروط».
وقد لفظت (الفرات) أنفاسها الأخيرة بصدور هذا العدد، وذلك بعد أنْ
خمدت الثورة العراقية، وتفرّق قادتها وزعماؤها في المنفى والسجون والمعتقلات، وما أعقب ذلك من لجوء الإنكليز إلى خديعة (الحكومة المؤقتة)، والتظاهر بإعطاء الشعب حقّه في التحرّر والاستقلال؛ تمهيدًا لفرض الانتداب البريطاني على العراق، وتكبيله بقيود أوّل معاهدةٍ استعماريةٍ بغيضةٍ كانت أشبه بمعاهدة بين الذئب والحمل.
ولما كان الشيخ الشبيبي، ذلك الشاعر السياسي الثائر، يعرف ما لتنظيم وسائل النشر والدعاية والإعلام من أثرٍ مهمٍ في توجيه الرأي العام، وتوحيد مشاعره؛ فقد بادر - وهو الأديب القدير - بإصدار منشورات يومية يذيع فيها أخبار المناطق الثائرة، والتوجيهات والنصائح الشديدة التي تهدف إلى خدمة الثورة ونجاح مخططاتها. وحتى عند صدور (الفرات) لم يكتف بما كانت تنشره على صفحاتها عن الثورية، وإنّما استمرّ يصدر منشوراتٍ خاصّة تتضمّن أنباء المعارك، وبعض الأخبار والبيانات المهمة، والرسائل التي ترد إليها من بعض مندوبيها في جبهات القتال، وكُتب قادة الثورة للردّ على مزاعم سلطات الاحتلال. نورد هنا جدولًا بصدورها حسب تواريخها:
1.حرب الفرات الانتصار العظيم، عن معسكر الجيش العربي في الكفل في 8 ذي القعدة سنة ۱۳۳۸ هـ، الظفر في الكفل، وكان مؤرَّخًا في 9 ذي القعدة.
2.إلى العالم المتمدن: جناية الإنكليز على المعابد، إلقاء القذائف النارية على مسجد الكوفة، وقتل النساك والمتعبدين، مؤرَّخ في 9 ذي القعدة ۱۳۳۸ هـ
3.حرب الفرات: الاحتجاجات الأدبية، النفي والتبعيد، الحركات العسكرية، فوز العرب في الفرات الأوسط، مؤرَّخ في: النجف 11 ذي القعدة ۱۳۳۸ هـ.
4.وصول الأسرى، نظام الأَسر، عناية النجف وزعماء النهضة بالأسرى، إرسالهم إلى أبي صخير. مؤرَّخ في: ذي القعدة (۱۳۳۷ اشتباهًا) ۱۳۳۸ هـ.
5.إلى الناهضين مؤرَّخ في النجف ١٤ ذي القعدة ١٣٣٨ هـ.
6.أخبار الحرب، موقف الإنكليز في الديوانية، الحالة في الحلة، مؤرَّخ في: ١٤ ذي القعدة ١٣٣٨هـ.
7.إعلان وبشرى، في: ١٥ ذي القعدة ١٣٣٨هـ.
8.أخبار الحرب: الموقف في الديوانية، مؤرَّخ في 15 ذي القعدة ١٣٣٨هـ.
9.حرب الفرات، مؤرَّخ في النجف ١٦ ذي القعدة ١٣٣٨هـ.
10.موقف الإنكليز في العراق، مؤرَّخ في النجف ۲۰ ذي القعدة سنة ١٣٣٨ هـ.
11.أخبار الحرب غير مؤرَّخ (۲۹) ذي القعدة ١٣٣٨ هـ.
12.أخبار جبهة السماوة: مؤرَّخ في: ۲۸ ذي القعدة ۱۳۳۸ هـ.
13.أخبار الحرب: تقدم القبائل الهجوم على المحمودية، تخريب سكّة الفلوجة، قتل لجمن، حادثة الخضر، مؤرَّخ في النجف ٢ ذي الحجة ١٣٣٨هـ.
14.صورة المكتوب الوارد من الخضر في: ۱۲ ذي الحجة ۱۳۳۸ هـ. صورة الكتاب الوارد المتضمّن الشكر لأهالي كربلاء، في: ۱۷ ذي الحجة ۱۳۳۸ هـ، والمنشور مؤرَّخ في النجف ١٧ ذي الحجة ١٣٣٨هـ.
15.أخبار الحرب: الاستيلاء على محطّة السماوة، نهوض الغراف، قيام المجرية، عن المعسكرات العربية، أخبار الناصرية، أخبار المسيّب مؤرَّخ في: ٢٣ ذي الحجة سنة ١٣٣٨ هـ.
16.لسان العرب ورأيها العام (منشور قيادة الثورة في النجف الأشرف بعد أنْ اطّلعت على كتاب السير ولسن إلى شيخ الشريعة بمناسبة وفاة الإمام الحائري، وقد وزّعته في كافة أنحاء العراق، مؤرَّخ في: ٢٥ ذي الحجة سنة ١٣٣٨ هـ.
17.جواب آية الله شيخ الشريعة إلى الحاكم الملكي العام في بغداد، يردّ فيه على بعض الأمور التي ذكرها في كتابه، مؤرَّخ في ٢ محرم ۱۳۳۹ هـ.
وفيما يلي نموذج من هذه المنشورات، وهو المنشور الصادر يوم 14 ذي القعدة ١٣٣٨ هـ، وفيه بعد التمهيد والديباجة:
1. يجب على كلّ رئيس قبيلة أنْ يُفهم كافة أفرادها بأنّ المقصود من هذه النهضة إنّما هو طلب الاستقلال التام.
2.أنْ يهتف للاستقلال كلُّ من في ميادين القتال.
3.يجب تأمين الطرق وحفظ المواصلات بينكم وبين مناطق الثورة في البلاد.
4.يلزم التمسّك بالنظام، وتدبير الحركات، ومنع الاعتداءات، فلا نهب ولا سلب ولا ضغائن قديمة ولا أحقاد.
5.من الواجب بذل الهمّة لحفظ الرصاص، فلا يجوز إطلاقه في الهواء بدون فائدة.
6.يجب الاعتناء بالأسرى ضباطًا أو جنودًا، إنكليزًا أو هنودًا.
7.يجب إبقاء أدوات التلغراف والتلفون وحفظ الأعمدة؛ فإنّ في حفظها منافع عظيمة للأمة، نعم يجب قطع الأسلاك من الأعمدة حتى تنقطع مخابرات الإنكليز.
8.يلزم الاهتمام بقطع السكك الحديدية، ولا سيما نسف الجسور والقناطر التي يمرّ بها القطار.
9.يجب الاحتفاظ بما يقع تحت أيديكم من عربات النقل والسيارات (الأوتومبيلات)، والمراكب والماطورات.
10. يجب حفظ المنافع والرشاشات، ولا يجوز تخريب آلاتها، أو تفريقها مطلقة؛ لأنّها من أكبر منافع الجيش وأعظم وسائل النصر.
11.يلزم حفظ الذخيرة المغتنمة كالرصاص والقذائف، وسائر أنواع البارود.
12.إذا أسقطتم مدينةً أو قريةً فلا تتركوها منحلّةً، بل الواجب ترتيب حكومتها المؤقّتة.
13. لا تهدموا محلّات الحكومة وأبنيتها إلّا إذا كانت معقلًا، ولا تفرّقوا أثاثها لاحتياجكم لها في المستقبل.
14.حافظوا على المستشفيات وكافة أجزائها وأدواتها.
15.ارفقوا بجرحى خصومكم الساقطين في الحرب، فلا شيء يستحقّ الرفق والعطف مثل الجريح الذي يعاني من ألم جراحه ما يدمي القلوب ويبكي العيون.
كان من الطبيعي أنْ تأخذ جريدة الفرات موقعها من الجماهير الثائرة في وجه الاحتلال، وأنْ تكون عند أصحاب الفكر والعلماء والمناضلين أداةً في التحوّلات الجماهيرية الثورية نحو الاستقلال والتطوير في أفق مستقبلٍ زاهرٍ يضمّ الأمة العربية جمعاء. لكن نتيجة ضغط السلطات المحتلّة التي عدّ هذه الجريدة بمنزلة الدافع والحافز لاستمرار هذه الثورة وحيوتها، وظهور بوادر القضاء على الثورة احتجبت الجريدة في ٢٦ ايلول ۱۹۲۰ .
لكن لم تصمت الثورة بعد توقّف هذه الجريدة، إذ بقي في ذلك الوقت صدى مقالاتها ومنشوراتها، وأعدادها الخمسة موزعةً في كافة أنحاء العراق تدلّ على الاستمرارية والبقاء الصوت الحقّ بدحر الظالمين والمحتلّين.
وهكذا سجلّت هذه الجريدة في سجل التاريخ موقفها المشرق، وكلمتها المكتوبة بالدم والتضحية في سبيل إعلاء كلمة التوحيد والإسلام والعروبة، ضدّ كافة الخونة والمستعمرين وأذنابه
1.أديب مروة، الصحافة العربية نشأتها وتطورها، بيروت، دار مكتبة الحياة، الطبعة الأولى، 1961م.
2.إسحاق نقاش، شيعة العراق، طهران - قم، مطبعة أمير، 1998م.
3.الأعرجي، ستار، إسهام مدرسة النجف الأشرف في الحوار الحضاري، بحث منشور في المؤتمر العلمي الأول، كليّة الفقه، النجف الأشرف، مطبعة الضياء.
4.البهادلي، علي، الكتب والمكتبات في النجف، مجلة نور السالم، بيروت، العددان: 31،32.
5.البهادلي، محمد باقر أحمد، الحياة الفكرية في النجف الأشرف، بيروت، مطبعة سنارق.
6.التكريتي، سليم طه، صحافة ثورة العشرين، مجلة المورد البغدادية، العدد4، ۱۹۷۹م - ۱۳۹۷ه.
7.الجبوري، كامل سلمان، مذكّرات عبد الحميد الزاهد، بغداد، مطبعة العاني، الطبعة الاولى،1987م .
8.جريدتا الفرات - الاستقلال، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، دار الكفيل، سلسلة صحافة النجف الأشرف. 2016 م.
9.الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقية الكبرى، دار الشؤون الثقافية، ط6، 1992م.
10.خليل صابات، تاريخ الطباعة في الشرق العربي، مصر، 1958م.
11.الخليلي، جعفر، هكذا عرفتهم، طهران، المكتبة الحيدرية، ط1،(7) أجزاء، 1426هـ.
12.الدراجي، محمد عباس، صحافة النجف، بغداد، دار الشؤون الثقافية، بغداد، 1975م.
13.الدراجي، محمد عباس، صحافة النجف تاريخ وابداع، بغداد، دار الشؤون الثقافية، 1989م.
14.رفائيل بطي، صحافة العراق، بغداد، مكتبة دار الكندي، 1985.
15.الشبيبي، قصي سالم علوان شاعرا، بغداد، منشورات وزارة الإعلام، دار الحرية للطباعة، 1975م.
16.شهاب احمد حميد، تاريخ الطباعة في العراق، بغداد، مطبعة الأمة، 1983.
17.صحيفة الغري، 9 مجلد، مكتبة الروضة الحيدرية،2011 م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (12).
18.صحيفة النجف، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (13(.
19.عبد الرحيم محمد علي، تاريخ الصحافة النجفية، مجلة افاق نجفية ، العدد (5)، السنة الثانية، 2007م، النجف الأشرف.
20.الحسني، عبد الرزاق، تاريخ الصحافة العراقية، صيدا - لبنان، مطبعة العرفان، ط3، 1971 م.
21.الفضلي، عبد الهادي، دليل النجف الأشرف، النجف، مطبعة الآداب، 1385هـ .
22.الفيكونت دي طرازي، تاريخ الصحافة العربية، بيروت، دار صادر، ط 3، 1967 م.
23.القزويني، جودت، تاريخ القزويني، بيروت، خزائن الحياء التراث، ط1، عدد مجلدات الكتاب 30 مجلدًا،2012م.
24.الكفائي، كاظم، عصور الأدب العربي، بغداد، مطبعة الرشاد، 1968م.
25.مجلة الاعتدال، ست مجلدات، مكتبة الروضة الحيدرية، 2009م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (2( .
26.مجلة البيان، 6 مجلد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الاشرف (5).
27.مجلة الحيرة، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (11).
28.مجلة الدليل، 2 مجلد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (3).
29.مجلة الشعاع، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2011 م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الاشرف (6).
30.مجلة العدل الإسلامي، مجلدين، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف، (7).
31.مجلة العقيدة، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة صحافة النجف الأشرف (9).
32.مجلة العلم، مجلدين، مكتبة الروضة الحيدرية، دار التعارف للمطبوعات، 2009م، سلسلة صحافة النجف الأشرف (1) .
مجلة المصباح، مجلد واحد، مكتبة الروضة الحيدرية، 2010م، دار التعارف للمطبوعات، سلسلة 33.صحافة النجف الأشرف (8 (.
34.المقدسي، أنيس الخوري، التيارات الأدبية في العالم العربي المعاصر، بيروت، 1967م.
نخبة من الباحثين العراقيين، حضارة العراق، بغداد، دار الحرية للطباعة، ثلاثة عشر جزءًا، 1985، الجزء 35.الثالث عشر، الصحافة العراقية 1958-1914.
36.يعقوب يوسف كوديا، صحافة ثورة العشرين، بغداد، مطبعة السعدي، ط1971.
حسین الساعدي
إنّ المرجعیة الدینیّة هي الامتداد الطبیعي لخطّ الرسالة المتمثّل بالرسول الأکرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، کما أنّها الامتداد الطبیعي لخطّ الإمامة المتمثّل بالأئمة الاثني عشر عليهمالسلام ، إذ کانت المرجعیّة الدینیّة حصنًا للدین، ودرعًا لحفظ شریعة سیّد المرسلین، ولقد أدّت المرجعیّة الدینیّة دورًا أساسیًّا في استیعاب ونشر العلوم لسدّ حاجات المجتمعات ولم تدّخر في هذا المجال جهدًا إلّا بذلته فقد بیّنت وبلغت الأحکام الإلهیّة ومسائل الحلال والحرام، وبذلت قصاری جهدها في تعلیم المفاهیم الإسلامیّة الحقیقیة، وفضلًا عن الدور الأساسي الذي قام به العلماء في مجال بیان الأحکام الإلهیّة وحفظ التراث الشیعي فقد اهتموا بإصلاح المجتمع، وتحسین أوضاع الناس والدفاع عن المقدسات الدینیّة والکرامات الوطنیّة.
يعدّ الشیخ محمّد رضا الشبیبيّ من أدباء وشعراء العراق الأفذاذ، وثوّاره الأحرار، جمع إلى جانب أشعاره الوطنيّة والوجدانيّة المليئة بالعواطف والأحاسيس الملتهبة مواقفه البطولية في سوح الجهاد، فكان مثالًا حيًا للإنسان
الوطني المخلص الذي يطمح إلى تحرّر بلاده من أغلال الاستعمار، كما كان أنموذجًا رائعًا لقادة الفكر وحاملي لواء النهضة الفكريّة والاجتماعيّة ليس في العراق فحسب، بل في جميع البلدان التي تسعى للنهوض والتقدم فكانت مبادئه السامية ومواقفه المشرّفة نبراسًا تهتدي به الأجيال جيلًا بعد جيل. عاصر الشبیبي في المدّة التي عاشها، أواخر الحکم العثماني علی العراق، وبعده الاحتلال البریطاني، ثم الحکم الملکي في مدّة الانتداب والاستقلال، وانتهت في عهد الجمهوریّة. عیّن وزیرًا للمعارف عدّه مرّات في مختلف الوزارات کما أُنتخب أیضًا عضوًا في مجلس الأعیان ورئیسًا له عدّة مرّات. کان ینظر إلی السیاسة بأنّها وسیلةٌ لخدمة الشعب؛ ولذا دائمًا یقدّم مصلحه الشعب علی الألاعیب السیاسیّة. ومن هذا المنطلق کلّما أحسّ بهضم حقّ المواطنین لصالح السیاسة، استعفی من منصبه السیاسيّ، فلهذا کان یعرف بین وسط السیاسیین بالسیاسيّ ذي النزعة الشعبیّة. وأمّا في الجانب الأدبي، فهو یعد شاعرًا من أبرز شعراء العراق الحدیث، وکاتبًا ضلیعًا، ومؤرّخًا بحّاثة، وناقدًا أدبیًّا بعید النظر، حدید البصر، دقیق الملاحظة. وکان عضو مجامع اللغة العربيّة في دمشق، وبغداد، والقاهرة.
فهذه الدراسة التي اعتمدت علی المنهج الوصفي التحلیلي تهدف إلی معالجة مفاهیم المقاومة في شعر الشبیبي، ومن أهمّها رفض ظلم الاستعمار، وانتقاد سیاساتهم والتندید بالحرب، والدعوة إلی وحدة الشعب، والثورة علی الطغیان والاستبداد في سبیل نیل حریّة الوطن.
الکلمات المفتاحيّة: المقاومة، الاستعمار، الوطن، النجف، العراق، الشبیبيّ.
(332)
لا شك في أنّ الشعر من مظاهره العظیمة استنهاض همم الشعوب ضدّ إرادة الطغاة الذین لا یعرفون إلّا الکبت والقمع، وانعكس صداها واضحًا في مجمل الإنتاج الشعري وتميّز بنزوعٍ واضحٍ نحو الاندماج بالمجتمع وقضاياه السياسية تحديدًا، ومعايشة الهمّ الوطني الذي حمله الشعراء في ضمائرهم، وحوّلوا قصائدهم إلى أسلحةٍ حقيقيّةٍ تعرّي وقاحة الطغاة والمحتلّين، وتدفع الشعوب وحُراكها الوطني إلى محطّات الفعل الثوري، ولقد ورث الأدب العراقي المعاصر ومن قبله الأدب الحديث هموم المجتمع العراقي، وإنعكست الأحداث السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة على مضامينه بشكلٍ كبيرٍ بسبب حالة الفوضى السياسية والتبعيّة والاحتلال الأجنبي، إلّا أنْ المنجز الفنّي الذي تحقّق للشعر على يد مجموعةٍ من الشعراء لا سيّما شعراء مدرسة الشعر الحر، قد أسهم في إحداث نقلةٍ كبيرةٍ خلّصت الشعر من التبعيّة الفنيّة التي نألفها عند شعراء الاتجاه الكلاسيكي، ومنهم الكاظمي، والزهاوي، والرصافي، والشبيبيّ، فقد كان الشاعر قبل ذلك يعيش حالةً من الانفصام عن الواقع على الرغم من تعلّقه بمجريات الأحداث السياسيّة. وعندما نتکلّم عن أدب المقاومة، سرعان ما یتبادر إلی الذهن محاربة الظلم والفساد الذي ينعکس فیه القضایا الاجتماعیّة والسیاسیّة والأیدولوجیّة والاخلاقیّة؛ لأنّ العلاقة بین الأدب والمجتمع علاقةٌ قدیمةٌ، وکما یؤثّر الأدب علی المجتمعات تؤثّر المجتمعات علی الأدب. بتعبیرٍ آخر إنّ العادات والتقالید والعقائد والنهضات التي انعکست في الأدب هي في الوقت نفسه ولیدة الآثار الأدبیّة. لا شك في أنّ شعر المقاومة یُعدّ نوعًا من التصدّي لکلّ أشکال الاستعمار والاستبداد؛ کما لا یخفی أنّ شعر شعراء المقاومة
(333)
ینمّ عن مشاعرهم القلبیة من حبٍّ وغضبٍ وحرمان. والشاعر المقاوم یجمع بین مصیره ومصیر أمّته، ویتحمّل السجن والمنفی والاضطهاد لیقوم فی وجه أعداء شعبه، وینفض عن أمّته غبار التخلّف والعذاب والتوتر.
یعدّ أدب المقاومة ضمن الأدب الملتزم والسیاسي الذي یعبّر عن جهود شعبٍ تعرّض لهجومٍ عسکريّ أو ثقافي أو دیني، وعن تضحیاته وکفاحته ومظلومیته، وهو یعاني من الحرمان والمتاعب في هذا الطریق، وخلافًا لما کان في الماضي العتیق عند العرب بأنّ الشعرَ دیوانهم وسجل أیّامهم، بل هو بُني علی تفاعله مع المجتمع وثقافته وهمومه ومعاناته، وسروره وانتصاراته، وقضایاه المختلفة والمتنوّعة؛ فیعدّ انعکاسًا لأحوال أبناء ذلك المجتمع، وآماله، وتطلّعاته.
تحتوي مادة الشعر المقاوم، الصمود والدفاع عن النفس والحرية والحياة الاجتماعيّة وإرساء مبدأ الديمقراطيّة والتداول السلیم للسلطنة. وشعراء المقاومة هم الذين يصوّرون في أناشيدهم قهر الظالمين والمصائب الواردة علی المظلومين وتحريضهم علی أخذ حقوقهم من المستکبرين ودعوتهم إلی النضال ضدّهم.
لم تکن لتلك الكوكبة من الشعراء مسمّی واضح إلّا في منتصف القرن العشرين عندما احتلّت إسرائیل فلسطين، ونهبت الأرض والعباد. فمنذ ذلك الزمن ظهر شعر المقاومة وشعراؤها بشکلٍ خاصٍّ كما نراه اليوم.
فالعراق یُعدّ من أکثر البلدان مقاومةً للمحتلّین والغزاة، وبسبب موقعه المتمیّز عان الویلات من الطامعین والمحتلّین، وشهد أسوأ الأدوار، أبرزها: عهد الحکم العثماني (القرن 19)، والاستبداد البريطاني، ثم حکومة حزب البعث العراقي (القرن 20)، وأخيرًا الاحتلال الأميرکي.
لا شك في أنّ الحروب العثمانيّة والاستبداد البريطاني والفساد والاختناق
الحاکم في المجتمع العراقي کان لها تأثيرٌ بالغٌ في إثارة مشاعر الناس لا سيّما الشعراء، ومنهم السيّد الحبّوبي، والشیخ محمد رضا الشبیبيّ، الذين خلقوا نوعًا جديدًا من الشعر في ذلك المجتمع باسم (الشعر المقاوم) احتجاجًا بوجه الظالم.
إنّ العراق بسبب موقعه الاستراتيجي کان محطّ أنظار البلدان الأجنبيّة منذ القدم، فتاريخ العراق، تاريخ ثورةٍ وکفاحٍ، وتاريخ إخفاقاتٍ تکسر القلوب وتحزنها. کان العراق في العهد العباسي (656- 132) من أهمّ حواضر العلم والثقافة والمدنية وأخصبها. لکنّه قد اعتورته ضروبٌ شتّی من المحن والتدهور إثر هجوم هولاکو خان في سنة 656 هـ، فأصاب من عزّته وازدهاره، وأوهنه الضعف والتّخلف، وقد مرّ بالعراق شتّی الأدوار السياسيّة التي أضاعت شخصيّته، وأفقدت أصالته ومسخت حضارته. فقد تداولته عدّة أنظمة مستبدّة وحکّام أجانب.
تولّی الأتراك العثمانيّون أمور المسلمين بعد انهيار الخلافة العبّاسيّة وسقوط عاصمتها بغداد بأيدي التتار، فصار المسلمون ميراثًا لبني عثمان بعد أنْ کانوا ميراثًا لبني أميّة، ثمّ بني العبّاس. هم دخلوا في الإسلام وأدانوا به، فاستقاموا عليه حينًا وشرّدوا حينًا آخر. إنّ العثمانيين تلقّوا راية الإسلام بقوة، لکنّ عاطفتهم نحو الإسلام کانت أقوی من فقههم فيه وحماستهم له أشدّ من تفهّمهم لروحه . «مؤسّس هذه الدولة أرطغرل بن سليمان شاه الترکماني، قائد إحدی
قبائل الترك النازحين من سهول آسيا الغربيّة إلی البلاد آسيا الصغری. ولما توفي أرطغرل سنة 687 هـ، عيّن الملك علاء الدين مکانه، وهو عثمان مؤسس الدولة العثمانيّة».
بدأ العهد العثماني في العراق بانتصار السلطان سليمان القانوني علی الصفويين واستيلائه علی بغداد عام 1534م وقد دام حکم العثمانيين أربعة قرون علی التقريب، وانتهی باحتلال القوات البريطانيّة للعراق والعاصمة بغداد سنة 1917م. تعدّ الدولة العثمانيّة في عهد السلطان سليمان القانوني، العصر الذّهبي؛ لأنّ في عهده توسّعت التّجارة، وتحسّنت نوعًا ما ظروف المعيشة والاقتصاد، وبُنيت أبنية جديدة في المدن العراقيّة لاسيّما بغداد. توفّي سليمان القانوني سنة 1566م. فقد جاء بعده ملوك عدّة لکنّهم لم يتعقبوا خطوته ولم ينهجوا منهجه. ثمّ وصلت الخلافة إلی السلطان سليم الثالث سنة 1769م، وکانت الدولة في الضّعف والتفّسخ والاحتلال وکانت الانکشاريّة (هم من الجيوش العثمانيّة معروفة بالهمجيّة والنهب) على رأس هذه الأمور، يعملون الأعمال الشنيعة، ويسيرون وفق أهدافهم والبلاد في فوضی، حتی ترسّخت فکرة الإصلاح في أذهان العثمانيين. فبدأ السلطان محمود بإصلاح الأمور من الوجهة الإداريّة والعسکريّة، وأخذ ببعث المنشورات الإصلاحية إلی الولاة لکنّه مات، وبعد ذلك استمر رجال الدولة بتلك الحرکة الإصلاحيّة إلی عهد السلطان عبد الحميد والسلطان عبد العزيز.
فألّفت القوانين العديدة التي کانت مقتبسةً من القوانين الفرنسيّة مع مراعاة نصوص الشريعة الإسلاميّة. فرجال الدولة دوّنوا قوانين متعددّة لکلّ شأنٍ من
شؤونات الدّولة وسمّوه بالدستور. لکنّ نظام الحکم کان مطلقًا ورأي السلطان وإرادته فوق کلّ قانون، حتی وصلت الخلافة إلی السلطان عبد الحميد سنة 1876م، فزادت في زمنه شدّة سوء الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة والفتن الطائفيّة في العهد العثماني، و«انحطّ الأدب العربي إلی أسفل الدرك؛ لشيوع الترکيّة في المخاطبات والمراسيم والدواوين، وتسلّطت الخمور علی العقول، والتقليد علی المعاني، والصناعة المقيتة في الأساليب »، وساد الأمّة العربيّة ثالوث الفقر والمرض والجهل، وأخذ الحکّام العرب يفرضون الضرائب الثقيلة على الشعب ويسوطونه بالاستبداد. هکذا انتهی الحکم العثماني بدخول العساكر البريطانيّة إلى بغداد سنة 1917م.
کان العراق ولايةً عثمانيّةً منذ عام (1516م- 922هـ) وحتّی (1917م ـ 1335هـ)، وتنافست لاحتلاله الدول الأجنبية من مثل ألمانيا وفرنسا وإنجلترا. ولما اندلعت الحرب العالميّة الأولی سنة (1332هـ ـ 1914م) تحرّكت القوات البريطانيّة من الهند لاحتلال العراق ففازت هذه الجيوش، واستولت علی بعض المدن العراقية کالفاو والبصرة، وسيطرت علی جنوب العراق تدريجيًا سنة (1333هـ -1915م)، وفي سنة (1335هـ - 1917م) احتلّت المدن الأخری مثل: بغداد، والموصل، وفي النهاية أعلنت بريطانيا انهاء تبعية العراق للدولة العثمانيّة . أدّی انتصار الحلفاء في الحرب العالميّة الأولی وهزيمة الدولة
العثمانيّة، إلی تقسيم المشرق العربي إلی دويلات. بموجب اتّفاقية (سايس بيکو) في مؤتمر (سان ريمو) سنة (1338هـ - 1920م)؛ إذ جُعل العراق تحت حماية الدولة البريطانيّة .
بعد ذلك دخل العراق مرحلةً جديدةً من حياته السياسيّة وواجه لونًا جديدًا من الاحتلال، وهو لبس جلباب التدين والإسلام دون أنْ يراعی فيه الإسلام وقوانينه الإلهيّة. إنّ من أهم أسباب هجوم الإنجليز علی العراق واحتلاله، هو تمتّع العراق بالثروات الزراعيّة والمعدنيّة الکثيرة ممّا يجعله محطّ أنظار الأجانب، ثمّ کون العراق على شواطىء الخليج واقترابه من بلاد الهند حيث يمکن من خلاله الوصول في أقلّ وقت إلی الهند التي تتميّز بارتقاء مستواها الاقتصادي والتجاري، جعل العراق في أحسن المواقع الاستراتيجيّة . من الجليّ أنّ الدولة البريطانيّة دفعت التعويضات الکبيرة لإسقاط الحکم العثماني حتّی بلغ عدد قتلاهم أکثر من مائة ألف نسمة .
ثورة (1920م)
احتلّ الإنجليز کلّ المدن العراقيّة علی التقريب. والشعب العراقيّ لم يكن راضيًا على الحکومة العثمانية وطريقة حكمها الجائر والمتسلّط، فوصل الأمر إلی حدّ أنّ بعض القبائل کانت تساند القوّات البريطانيّة وتعاونها في أمر خروج العامل العثماني من البلد. لکنّ سرعان ما رفع الإنجليز البرقع عن وجهها وعرف العراقيّيون أهداف بريطانيا الشيطانية ونيّاتها غير السليمة، فبدأوا بالمقاومة تجاه
قواته المحتّلة وقاموا بثورة (1920م)، علی إثر (مؤتمر سان ريمو)، وتقرير وضع العراق تحت الحماية البريطانيّة وانتشرت الثورة في کلّ أنحاء البلد، من الموصل إلی البصرة، وحدثت مظاهراتٌ في کربلاء والحلّة تطالب باستقلال العراق وتشکيل الدّولة العراقيّة العربيّة، فاسترجعوا مدنهم من الإنجليز المحتلّ واحدةً تلو الأخری، ولم يبق في أيدي الإنجليز سوی البصرة وبغداد والموصل. إثر اندلاع هذه الثورة في العراق بقیادة علماء ومراجع التشيّع وسائر العشائر والقبائل العراقیة، قرَّرت المقامات البريطانية أنْ تنشىء حکومةً وطنيّةً في العراق، فجعلوا السر برسي کوکس مسؤولًا لهذه القضية. فصمّم کوکس أنْ يقيم في أوّل الأمر وزارةً مؤقتةً برئاسة النقيب الذي أعلن تشکيل الوزارة في 25 تشرين الأول، وعند تشکيل الوزارة النقيبيّة المؤقّتة بدأت سياسة تقليص عدد البريطانيين والهنود، وتکثير العراقيين في الوظائف الحکوميّة. والمجلس المذکور تولّی إدارة البلد حتی صار فيصل ملکًا للعراق. قد أصاب الإنجليز خسائر فادحة إثر ثورة 1920م منها: قتل 426 فردًا، وجرح 1228 فردًا، وأسر 615 فردًا، إضافةً إلی أضرارٍ جسيمةٍ في الأموال.
بداية الحکم الملکيّ (1958م-1921م)
للتخلّص من الحکم المباشر ولإزالة الغضب عن الشّعب العراقي اکتفى الإنجليز بالسلطة غير المباشرة. فاتخذ القرار بتعيين شخصٍ عربيّ ملکًا للعراق. فعرضت بريطانيا عرش العراق علی الملك فيصل مع تأسيس حکومةٍ عربيّةٍ تحت الوصاية والانتداب البريطانيّ. فدخل العراق في المرحلة الجديدة من حياته
السياسيّة، المرحلة التي على رأسها حاکم عربيّ، لکنّه کان رهن إشارة الإنجليز. تقرر أنْ يکون التتويج في يوم 23 آب/ 1921م. وقد اختار فيصل نفسه ذلك اليوم؛ لأنّه يوافق يوم 18 ذي الحجة حسب التقويم الهجري. هذا اليوم الذي سمّاه الشيعة عيد الغدير، وقد أراد فيصل بانتخاب هذا اليوم، تذکير الشيعة بأنّه من سلالة الإمام عليّ عليهالسلام وتتويجه حدث في نفس اليوم الذي نُصِّب فيه جدّه للخلافة.
أُنتخب نوري السعيد رئيسًا للوزراء من جانب الإنجليز سنة 1930م. وهو کان عميلًا تنفيذيًّا لخطط الإنجليز الاستعماريّة، وأبرم معاهدة مع الإنجليز تؤدّي إلی تسلّط الإنجليز علی مصادر العراق النفطيّة لسنين طويلة بشرط قبول العراق عضوًا في عصبة الأمم. وهذه المعاهدة جعلت العراق في أظفار الاستبداد أکثر من ذي قبل، وجعل العراق في أزمةٍ سياسيّةٍ واقتصاديّةٍ وعسکريّة، واستمر الوضع المتأزّم حتی سقوط الحکومة الملکّية في سنة 1958م . مات الملك فيصل سنة 1933م وتولّی الملك غازي الحکم بعده. تزامن حکمه بالاضطرابات والفتن وحدثت الثورات المختلفة في أنحاء البلاد، واختلّ سير الإدارة وأهين الدستور. فقُتل الملك غازي سنة 1939م، وتلاه فيصل الثاني وهو حديث السن، فصار عبد الإله ونوري السعيد نائبين له في إدارة البلد. فاندلع لهيب الحرب العالمية الثانية في تلك السنة، وفي تلك المدّة تحمّل العراق خسائر فادحة لا تعوّض.
في اليوم الأول من شهر نيسان سنة 1941م، قام رشيد عالي الکيلاني مع أصدقائه بانقلابٍ علی حکومة ولي العهد عبد الإله؛ ففرّ الملك ونوري السعيد من البلد، وتألّفت الوزارة برئاسة الکيلاني. کانت بريطانيا تخاف أنْ يقوم الکيلاني بوقف إمدادات النفط إلی الدول الغربيّة، ومن أجل هذا قامت بغزو العراق واستعادة الملکيّة مرّةً أخری، فعاد الملك ونوري السعيد إلی البلد، وقبضا علی دفّة الحکم مرّةً ثانية. تألّفت خمسون حکومةٍ خلال الفترة الملکية، وهذا يدلّ علی عدم استقرار الحکومة وعدم ثباتها أيضًا.
قام ضباط الجيش بانقلاب في 14 تموز عام 1958م، أدّى إلی القضاء علی الملکيّة، فتألّفت الحکومة الجمهوريّة برئاسة عبد الکريم قاسم. وقد حدثت في الحکومة الجمهوريّة إصلاحات منها، رجوع المنفيين إلی البلد، تساوي حقوق النساء والرجال، إحداث سکّة الحديد، وبناء البنايات الجديدة، وتأسيس المعامل والمصانع، وإحداث المتنزّهات العامة وغير ذلك.
الشيخ محمد رضا بن الشيخ جواد بن محمد بن شبيب بن إبراهيم بن صقر البطايحي، الشهير بالشبيبيّ. ولد في النجف الأشرف، رمضان عام 1306هـ المصادف 6 أيار عام 1889م. والأسرة الشبيبيّة من أشهر الأُسر العلميّة في
النجف الأشرف، قدمت من جنوب العراق وبالتحديد من مدينة البصرة، وهي فرعٌ من قبيلة بني أسد. درس الشبيبيّ على أشهر علماء عصره كالشيخ محمد حسن المظفّر، والسيّد مهدي آل بحر العلوم، والسيّد حسين الحمامي، والسيّد هبة الدين الشهرستاني، والسيّد حسين القزويني، والشيخ هادي آل كاشف الغطاء، وأيضًا تتلمذ على أبيه الشيخ محمد جواد الشبيبي الذي تعدّه المدرسة الدينيّة من ألمع أساتذتها فضلًا عمّا امتاز به من قوة شخصيّةٍ إثر مواقف وطنيّة مهمة، إلى جانب ملكته الشعريّة.
وفي مطلع شبابه عاش واقع العراق الصعب في وقت كانت الدولة العثمانيّة آيلةً إلى السقوط، ثم وقع العراق تحت الاحتلال البريطاني عام 1918م. ولا يخفى ما كان عليه واقع العراق آنذاك من تخلفٍ شامل.
توفّي فجر يوم الجمعة 25/11/1965 إثر نوبةٍ قلبيّةٍ ألمَّت به، وكانت وفاته بعد يومٍ واحدٍ من عودته من القدس، حيث كان مشاركًا في أنشطة الاحتفال بالإسراء والمعراج الذي عقد في القدس. وقد شُيِّع جثمانه تشيعًا مهيبًا من مسكنه في الكرّادة الشرقيّة إلى الكاظمّية، ومنها إلى جسر الخير سيرًا على الأقدام مسافةً طويلةً، تحمل نعشه الأكفّ في خشوعٍ وإجلال، ثم نقل إلى كربلاء في موكبٍ فريدٍ ضمّ أكثر من ألف سيارةٍ، ثم شيّع إلى النجف الأشرف، ودفن في مقبرة آل الشبيب، واشترك في تشييعه كبار الأدباء والعلماء والمسؤولين في الدولة.
خلّف الشبيبيّ العديد من الآثار يقف في مقدمتها ديوانه الذي طبع في القاهرة عام 1940م. وفيه نماذج اختارها المترجم له من شعره الكثير، ويضمّ عدّة أبواب منها: الشعر الحماسي، والشعر الحکمي، والشعر الاجتماعي والسياسي، والرثاء، وله مجموعة مراثٍ في زوجته تعدّ من أجمل الأشعار الوجدانيّة، ومن بين الأغراض النادرة في الشعر العربي، وقد نشرها الباحث قصي سالم عثمان في ذيل دراسته بعنوان: (الشبيبي شاعرًا)، وهذه المجموعة بعنوان: (رنين على الأجداث). كما وردت نماذج كثيرة من شعره ضمن كتاب: (شعراء الغري)، وأغلبها ممّا أسقطه الشاعر من ديوانه؛ لأنّه ينتمي إلى مرحلة البدايات الفنية.
وله مؤلّفاتٌ منها: (ابن خلّکان وفن الترجمة)، و(مؤرّخ العراق ابن الفوطي في جزأين)، و(بين مصر والعراق في ميدان العلاقات الثقافيّة)، و(التربية في الإسلام). وله عددٌ من المؤلّفات الإبداعيّة والأدبيّة منها: مذكّرات الشبيبي (نشر منها عدة فصولٍ في مجلة البلاغ)، وكتابان في أدب الرحلات بعنوان: (رحلة في بادية السماوة)، و(رحلة إلى المغرب الأقصى). وله عددٌ من الدراسات والمحاضرات والتراجم والتحقيقات، منها: (تراثنا الفلسفي - حاجته إلى النقد والتمحيص)، و(القاضي ابن خلكان ومنهجه في الضبط والإتقان)، و(التربية في الإسلام)، و(أدب المغاربة والأندلسيين في أصوله المصريّة ونصوصه العربيّة) محاضرة ألقاها في معهد الدراسات العربيّة العاليّة بالقاهرة.
يقول الجواهري، وهو من المولعين بشعر الشبيبي: «شاعرٌ مُجيد، واسع البال، رقيق أسلوب النظم، حلو الصناعة، رقيق التعبير. سارت بقصائده الركبان، وتغنّت ببدائعه البدو والحضر، شعره في الطبقة العليا. عذب الألفاظ رقيقها، صحيح المعاني فخمها». وقال روفائيل بطي: «خيالٌ جميل، صناعةٌ عراقيّة، عليها مسحةٌ عبّاسيّة». وقال علي الخاقاني: «شاعرٌ فحل، قوي الديباجة، جزل الألفاظ، مبدعٌ في الخواطر، مرهف الحسّ، يحمل نفسًا كبيرة، وروحًا وثّابة، وقلبًا مفعمًا بحبّ الدين والوطن، وله لفتات وفلتات قد لا يزاحمه عليها غيره».
وقال في وصفه مير بصري الذي لازمه سنين طويلة، وحضر مجالسه، وأنس بزياراته وأحاديثه، ونعم بصداقته ومودته: «أضفى الزمان على الشاب الأنيس وقار المشيب، وجلال الشيخوخة، دون أنْ يفقد جمال نفسه وصفاء سريرته. وقد زادته الأيام حنكةً وحكمةً، دون أن تزيده ثروةً ومالًا». وقال عنه روفائيل بطي في كتابه (الأدب العصري): «شابٌّ أنيس، منخفض الصوت، تبدو عليه سيماء العلماء الذين أكمد لونهم الدرس الطويل، آية الأناة في تفكيره وكلامه وكتابته، غير مكثرٍ من النظم والنثر، لا ينظم باقتراح البتة، وهو الذي قال لي يوم طلبت إليه أنْ يعارض قصيدة (ياليل الصبّ): لا أعرف أمرًا يقال له الطلب إلى الشاعر أنْ ينظم كيت وكيت، والشعر شعورٌ تجيش به النفس ويصدر من القلب». وقال عنه عبد الكريم الأزري: «رجلٌ محنّك، حكيم، مجاهد، واقف للحق وقفة».
لا يمكننا الفصل بأيّ حالٍ بين الجانب الأدبي والفكري لهذه الشخصيّة والجانب السياسي؛ فقد مثّل الشبيبيّ واحدًا من أكبر الشخصيّات التي أدّت دورًا أساسيًّا مؤثرًّا في السياسة العراقيّة في المدّة التي نشط فيها (العهد العثماني، وعهد الاحتلال البريطاني، والعهد الملكي، وسنوات الانتداب، وحتى عهد تأسيس جمهورية العراق الحديثة) (1908-1965م)، ويظهر دوره السياسي جليًّا في المناصب العديدة التي تقلّدها خلال حياته بدءًا من وزارة المعارف، وحتى مجلس الأعيان، ومجلس النواب، ودوره في حركة المعارضة في العهد الملكي؛ إذ عُرف بالجرأة والصراحة وعدم الممالأة والمداهنة على حساب مبادئه ووطنه حتى إنّ جرأته كانت نادرة؛ لا ينافق ولا يمالق، ولا يداهي ولا يداجي، ولا يقول إلّا ما يصحّ في معتقده، ولا يعتقد إلّا ما يصحّ في رأيه (على حد تعبير أحمد حسن الزيات)، كما كانت له إسهاماتٌ سياسيّةٌ خارج العراق تمثّلت في رحلاته إلى الأردن والحجاز.
ويمكننا القول إنّ دراسة حياة الشبيبيّ السياسيّة هي في الحقيقة تسليطٌ للضوء على مراحل مهمةٍ من تاريخ العراق السياسيّ. وقد تأثّر الشبيبيّ في أفكاره الإصلاحيّة والسياسيّة - كما كان حال معظم المثقّفين الثوريين في تلك المرحلة - بأفكار جمال الدين الأفغاني، ومحمد عبده، ورشيد رضا التحرّرية الإصلاحيّة التي كانت تصل العراق عن طريق مجلتي (العروة الوثقى)، و(المنار) وغيرهما، كما تركت ثورة الاتّحاديين عام 1908م، تأثيرًا كبيرًا على الشبيبيّ، ولا سيّما مدحت باشا الذي كان العراقيّون من أشدّ المعجبين به بحكم احتكاكهم المباشر بإصلاحاته في بلادهم، وكان أهمّ ما دفع الشبيبي إلى الترحيب بثورة
الاتّحاديين هو ما علّقه من آمالٍ كبيرةٍ عليها بأنْ تؤدّي إلى انعتاق العراق من مشكلاته الاجتماعيّة والاقتصاديّة والسياسيّة التي تفاقمت بصورةٍ خاصّةٍ في عهد السلطان عبد الحميد الثاني (1876-1909م). فكان من شأن شعارات الاتحّاديين (الحرية، والعدالة، والمساواة) أنْ تهزّ وطنيًّا متحمّسًا ومخلصًا مثل الشبيبيّ، ولكن سرعان ما أُصيب الشبيبيّ كأقرانه الوطنيين بخيبة أملٍ كبيرةٍ من سياسة الاتّحاديين التي انصبّت في اتجاهٍ قومي متعصّبٍ معادٍ للطموحات المشروعة للشعوب غير التركّية في الإمبراطوريّة العثمانيّة.
على الرغم من إجلال الشيخ الشبيبيّ للدين النابع من إيمان المؤمن العليم، ومن نشأته الدينيّة البحتة؛ فإنّه كثيرًا ما كان يهاجم رجال الدين عندما كان يجدهم أصبحوا حجر عثرةٍ في سبيل التقدم، فقد أراد أنْ يُفهم القوم أنَّ الدين ليس (عاداتٍ معطّلة)، بل أنّه (تحليل وتحريم)، فتوجّه إليهم في العام 1911م، طالبًا منهم ألّا يجعلوا (آلة التفريق دينهم)؛ لأنّ الدين (عن وصمة التفريق معصوم). أجل إنّ الدين في نظر الشبيبي لم يكن (عاداتٍ معطلة)؛ لذا فإنّه دان بقوةٍ وقناعةٍ التقاليد البالية والخرافات، فهي التي أدّت إلى تأخّر الشعب فكريًّا وثقافيًّا، وهي التي كانت تؤثّر سلبًا على مسار النضال من أجل التحرّر والانعتاق.
يضع الشبيبي مع ذلك وغير ذلك الدين في المقام الأول بالنسبة لكلّ شيءٍ في حياة المجتمع، فيرفض أنْ يكون غير الدين محورًا لكلّ ما فيه خيره وسؤدده، فالأخلاق عنده تستقيم بالدين، ومن دون الأخلاق يذهب العلم ذهاب الزبد. والشبيبيّ بذلك يربط بين الدين والعلم بأسلوبٍ صوفيّ مبدع، ودون أنْ يكون
سلفيًّا، إنّه على العكس تمامًا من ذلك، واقعيّ في تفكيره، متفائل، فهو يفكّر في (اليوم والغد)، بل وحتى في (ما بعد الغد)؛ لذلك يعدّ الشبيبي حقًّا الأنموذج المعبّر عن حقيقة أنّ العلم أداةٌ لتهديم قلاع الظلم والاستبداد والتخلّف، وضمان السير نحو المستقبل الأفضل، فهو يريد العلم العملي لكلّ شيءٍ، وفي كلّ ميدانٍ ومجالٍ سوى المدارس الدينيّة وحدها يستثنيها من ذلك، مع العلم أنّه لم يفصل العلم عن الدين، فإنّ الأوّل كلّما بلغ به التطور ساعد أكثر على تجلّي عظمة الخالق، كما أكّد في بحثه عن الاكتشافات الفلكّية، بل ذهب إلى أبعد من ذلك بكثيرٍ حين جعل الدين والعلم أخوين ارتضيا رحمًا واحدًا غير مقطوع ولا منفصل. لقد كان الجهل لدى الشبيبيّ يعادل الموت.
كان الشبيبيّ يبدي اهتمامًا بالاقتصاد العراقي، وخاصّة القطاع الزراعي، ويدعو إلى تشجيع الزراعة.كما كان يقف بصلابةٍ ضدّ هجرة أبناء الريف إلى المدن، ويقول إنّ ذلك يؤثّر سلبًا في الإنتاج الزراعي. وبعنوان (مرافق منسيّة) كتب الشيخ محمد رضا الشبيبيّ مقالًا بصحيفة الزمان بعددها في 4/27/ 1957م، قال فيه: «في البلاد مرافق اقتصاديّة قليلة، ولكنّها منسيةٌ محرومةٌ من العناية وفي مقدمتها مرافقنا الزراعية، وهذه المرافق أحقّ من غيرها بالحماية والتشجيع؛ لأنّ العراق بلدٌ زراعيٌّ قبل كلّ شيء، وقد دلّت التجارب على أنّ الحركة التجاريّة في جميع الأسواق تتوقّف على إزدهار المواسم الزراعيّة، وكثرة الطلب عليها من الخارج.
وها نحن نرى كسادًا ظاهرًا في الأسواق التجاريّة، وتردي المواسم الزراعيّة
في السنوات الأخيرة، وعدم التمكّن من تصريف منتجات العراق بأسعارٍ حسنة، ويشمل ذلك كافة المحاصيل من الحبوب والتمور وغيرها من المنتجات. من ذلك نفهم أنّ مرافقنا ومحاصيلنا الزراعيّة بحاجةٍ إلى حماية قويّة فعلى المسؤولين أنْ يبذلوا جهودهم، لترويج ما يصدر من العراق، والسعي إلى إيجاد الأسواق الخارجيّة. إننا نستورد بضائع مختلفةً من البلدان الأجنبيّة تبلغ قيمتها أكثر من مائة مليون دينار، وهي ثروةٌ طائلةٌ تتسرب إلى تلك البلدان الأجنبيّة، يجري كلّ ذلك من سمع المسؤولين وبصرهم، ولا يحرك ذلك منهم ساكنًا، لحفظ التوازن بين تجارة التصدير والاستيراد. والأنكى من ذلك أنّ أسواقنا تغصّ بالكماليّات من تلك الحاجيّات المستوردة، ولا يقتصر الاستيراد على الضروريّات، كما يجري ذلك بالبلاد، نظرة عابرة إلى المخازن التجاريّة في جميع أسواق العراق، تكفي لمعرفة أنّنا مغبونون، وأنّنا عالة على غيرنا».
كان الشيخ محمد رضا الشبيبيّ يبدي اهتمامًا كبيرًا بالعلم والعلماء، ويدعو إلى الأخذ بأيديهم من أجل تقدّم البلاد وتطورها. ففي 5/ 15/ 1957م، كتب الشيخ الشبيبيّ عمودًا في جريدة الزمان البغداديّة بعنوان (المواهب الضائعة) تساءل فيه: «متى يكون بلدنا مقبرةً تُدفن فيها مواهب الموهوبين وكفايات الأكفاء؟ متى تكون مدنه ميدانًا يصول فيه الجهل ويجول وتحترم فيه البلادة والغباء وتنقلب المقاييس؟ متى تعمّم الدراسات العلميّة والبحوث الأدبيّة؟ من يشجّع ذويها ويأخذ بيدهم بدون تفريقٍ أو تمييز؟ نقول: يقع ذلك، بل يقع أسوأ منه في كلّ بلدٍ لا يبالي بالعلم وذويه. وفي العراق في هذا الوادي الحبيب أي وادي
الرافدين، ذلك الوادي الذي انبثقت منه أنوار الحضارة والعلوم والفنون بأسرها حقبًا غير قليلة. في هذا الوادي الحبيب وادي الرافدين مهد الحضارة، بقية باقية من ذوي المواهب والكفايات العلميّة والأدبيّة، تقتل لياليها سهرًا بالتجهيز والكتابة، وتُنشئ ما تُنشىء من القطع الفنيّة منثورها ومنظومها، فهل سأل سائل في هذه البلاد عن الفئة المذكورة؟ وكيف تعيش وكيف تسدّ رمقها وكيف تطعم أطفالها، وكيف تكسوهم، وأين يقيمون ويسكنون؟ ومن هو الذي تفقد هذه الفئة المغمورة وعني بأمرها وبإنتاجها؟ وهيهات أنْ يتفقد متفقّدٌ أصحاب المواهب والكفايات في بلدٍ يطغى فيه التكالب والنزعات الماديّة البحتة، وتطاحن المتطاحنون فيه على حطامٍ زائلٍ لا يبالون كيف حصل بأيديهم ذلك الحطام، وهل جاءهم من وجوهٍ مشروعةٍ أو غيرها؟ لا شك أنّ هناك قومًا مسؤولين دائمًا عن هذا الضرب من التقصير بحقّ ذوي المواهب والكفايات، وهو في الوقت نفسه تقصير في حقّ الوطن، وفي تفهّم مصالحه، وأسباب حياته، والعمل على إنهاضه من كبوة الخمول».
المقاومة أُخذت من فعل (قاوم)، وقاوم فی اللغة یعني ثبت، وصمد، ولم يضعف، وخاصم، وشاجر. و«المقاوم: من يعلن المقاومة، والمقاومة: صمود في وجه المهاجم. و«في هذه الکلمة دلالةٌ وإشارةٌ کافیةٌ علی أصل معنی الصمود والتحدي وما تنطوي علیه الکلمات من الرفض والعصیان والثورة، وتقع المقاومة بین الحریّة والعدوان؛ حیث الحریة هي السعي للتخلّص من إضرار، ومن حیث
إنّ العدوان هو التهکّم والاحتقار والإرهاب بکلّ أشکاله». تحدث المقاومة حينما لا يشعر الشخص بالأمن والراحة في حياته الفرديّة والاجتماعيّة، أو حينما يری أنّه يفقد کرامته الإنسانيّة وعزّته الذاتيّة؛ فيبدأ بالدفاع عن شرفه وعزته المهدورة بما عنده من القوی. إذًا «الاحتلال يولد المقاومة، وما دام الاحتلال قائمًا فإنّ وجود المقاومة ضرورةٌ ملازمةٌ له».
وأدب المقاومة في الاصطلاح أدب الصرخة الشجاعة بوجه الظالم، وصيحة المظلوم بوجه الغاصب المستبدّ. يدعو أبناء الأمّة لنبذ المذلّة عن أعناق عباد الله. وشعر المقاومة هو المقاومة أمام التشرّد والإخراج لأجل البقاء في الأرض المقاومة أمام المنع وإزالة الهویّة الثقافیّة والوطنیّة. أما التعريف الشامل والکامل لأدب المقاومة يتمثّل في إطلاق اصطلاح أدب المقاوم على الآثار الأدبيّة التي تبدو عند ظهور المجالات الخاصّة ککبت الحريّة والاستبداد الداخلي، ثم عدم الحرية الشخصيّة والاجتماعيّة أو الاغتصاب الخارجي والمقاومة أمام تيّارات ضدّ الحرية. إذًا أدب المقاومة هو الذي يحثّ الناس على التحدّي أو الهرب والنجاة ممّن يحاولون السيطرة عليهم.
المقاومة هي الثبات والدفاع عن النفس والکرامة الإنسانيّة والحياة، ويمکن القول بأنّ کلّ شعرٍ يستوعب هذه الأفکار فهو شعر مقاوم. وشعراء المقاومة هم الذين يتکلّمون عن حقوق الشعب الضائعة، ويحرّضون الشعب علی استرجاع
حقوقهم من الظالمين، وينبّهونهم علی عدم الخضوع للمستکبرين. لم يکن لهؤلاء الشعراء اسمٌ خاصٌّ حتی عام 1948م؛ عندما حدثت کارثة فلسطين، وشُکّلت الدولة الصهيونيّة. فبدأ شعر المقاومة وظهر شعراؤها. إنّهم کانوا يتکلّمون عن آلام الشعب العربي المضطهد عامةً وفلسطين المغتصبة خاصةً. یُعتقد أنّ إبراهيم طوقان المؤسّس لهذا النوع من الشعر، أي أدب المقاومة. لکننا إذ دققنا النظر، نری مظاهر أدب المقاومة بأشکالها المختلفة في شعر الشعراء في کلّ عصر من العصور؛ لأنّ من أهمّ محاور أدب المقاومة هي قضية الحرب والنضال؛ إذ إنّ عمر الحرب يکاد أنْ يساوي عمر الإنسان علی الکرة الأرضية منذ معرکة قابيل وهابيل والصراع بينهما.
بعد استيلاء المغول ثم العثمانيين والمماليك علی البقاع العربية، مُلِئت البلاد العربية بالظلم والاستبداد والنهب والخراب، فكان الناس يعانون من مرارة العيش، وکان الشعراء هم لسان الشعب ـ منذ الجاهلية فصاعدًا ـ فالتجأوا إلی ذکر مظالم الأتراك، وإلى المدائح النبويّة والاستشفاء بالأولياء. انتهی العهد الترکي بحملة (نابوليون بونابرت) علی مصر، فبعد دخول العوامل الأجنبيّة إلی بلاد العرب، صار الأدب ميدانًا للصراع السياسي، والتزم بأمور الشعب حتى صار مرآةً تعکس الحياة الاجتماعيّة وآلام الشعب وما مرّ به من الظلم والاضطهاد، كما وقف ضدّ هؤلاء الظالمين الأجانب. إنّ الأدباء ومنهم الشعراء بدأوا بإنشاد الشعر السياسي والثوري الذي يتمحور حول هذين المحورَين:
المحور الأوّل: المقاومة ضد الاستعمار الأجنبيّ وتحريض الناس للثورة عليه.
المحور الثاني: الاعتراض علی الحکّام العرب الذين صاروا دمی بأيدي الأجانب، وکشف الستار عن أوجههم الحقيقيّة.
ومن أهم العوامل التي خلقت شعر المقاومة في الوطن العربي الحديث هي ثورات الشعب العربي وانتفاضاته ضدّ سلطة الأجانب للتخلّص من مظالمهم وتعذيبهم واحتلالهم، ومن أهمّها:
- انتفاضة الشعب المصري بقيادة (عرابي باشا) ضدّ الإنجليز التي أدّت إلی احتلال بريطانيا لمصر.
- ثورة الشعب العراقي ضدّ الاحتلال الإنجليزي سنة 1920م، برئاسة علماء التشيّع وثوار العشائر.
- وثبة شعب الجزائر وليبيا ضدّ الاحتلال الفرنسي والإيطالي؛ بغية الاستقلال والتخلّص من حبال الاستعمار.
- نهضة جمال عبد الناصر في المعرکة بين العرب وإسرائيل.
- الثورة الفلسطينيّة ضد الحکومة الصهيونيّة. وهذه الأخيرة من أهمّ العوامل التي برّزت النوع الجديد من الأدب باسم (أدب المقاومة) في الوطن العربي.
في منتصف القرن العشرين ذهب الأدب إلی ساحة المقاومة للغزو الصهيوني لأرض فلسطين ومنذ سنة 1948م، صارت فلسطين من أهمّ محاور أدب المقاومة في بلاد العرب، بنحو لا نری شاعرًا إلّا وقد خصّص الكثير من أشعاره للقضيّة الفلسطينيّة، کما أنّهم قد اکتسبوا مکانةً مرموقةً في ساحة أدب المقاومة إثر المقاومة الفلسطينيّة. منهم الشعراء الفلسطينيون کـ(محمود درويش)، و(عز الدين المناصرة)، و(سميح القاسم)، و(فدوى طوقان).
وصفوة القول أنّ أدب المقاومة في العصر الحديث تطوّر بتطور الزمن، لظهور العوامل الأجنبيّة في بلاد العرب والمقاومة ومظاهرها التي صارت جزءًا لا ينفك عن الأدب. والشعراء کانوا أداةً مهمّةً للتعبير عن المشاعر الوطنيّة، وكان الشعر يتمحور حول أحاسيس الناس وآلامهم ومشاکلهم ويهدف وراء ذلك إلى إذکاء روح المقاومة والوعي لدی العامة.
إنّ الأدب کمرآة تعکس جميع زوايا الحياة البشريّة. والشعر نوعٌ من الأنواع الأدبيّة، له مهمّة ورسالة وهي «الدعوة إلی إصلاح ما فسد من شؤون المجتمع، بل العالم نحو الأفضل». فالشاعر العربي منذ القدم کان لسان قومه الصارم، والمدافع عن حياضه، وهو لا ينسی مهمّته البشريّة تجاه قضايا شعبه الذي يعاني القهر والعسف والظلم. هو أديبٌ ملتزمٌ شجاعٌ لا يخاف من أيّ شيء «فالخوف من السجن ومن الاضطهاد، أمرٌ يتنافی مع توجه الشاعر الملتزم بقضايا شعبه ومشاکل مجتمعه وتناقضاته».
والشاعر العراقيّ الحديث الملتزم لا يُستثنی من هذه القاعدة؛ فبعد أنْ ساد الشعب العراقي ثالوث الفقر والجهل والمرض بسبب احتلال الأجنبي لمقدراته وأرضه، أدرك الناس عامّة والشعراء خاصة ضرورة التخلّص من نير الإستعمار والثورة علی العادات والقوانين التي وضعها الاستعمار لهم. هم ينتهزون أيّ فرصةٍ مناسبةٍ ليعبّروا عن آرائهم السياسيّة، ويهتفون لتحرّر العرب وطرد المعتدين، والتفاخر بالشخصيّة العربيّة، ودعوة الجماهير إلی الثورة ضدّ حکم الأجانب المستکبرين.
ويمکن القول إنّ شعر المقاومة لدی شعراء العراق بدأ منذ القرن التاسع عشر مع ظهور الظلم والاضطهاد من قبل الأتراك الأجانب؛ إذ «کان أغلب الشعر العراقي في القرن التاسع عشر، لا جميعه يقوم حول ما يمکن أنْ يُدعى بالموضوع السياسي الثوري، ويشکّل هذا النوع من الشعر السياسي أرقی مثالًا في العربيّة الحديثة للشعر الذي تجدّد بتأثير العوامل الخارجيّة، السياسيّة والاجتماعيّة». وعليه «فالأدب العراقي، أدبٌ حيٌّ يحمل في طيّاته آمال الأمّة الناهضة المتطلّعة إلی الحريّة والاستقلال، الطامحة إلی العلم والرخاء بعد عصورٍ طويلةٍ من الجهل والفقر والتخلف... ولم يخل من التطلع إلی الماضي وأمجاده الزاهية ».
فی غمرة النضال من أجل الحقّ والعدالة وبناء کیان عراقٍ متحرّرٍ من قیود التقالید البالیة، ورواسب الجمود انطلقت شاعریّة الشبیبيّ ترسم للأحرار طریق الحریّة والنور، وتبني لهم من ثاقب رأیه، وصدق مبدئه، وأمانة عقیدته، الوسیلة الناجحة للوصول إلی الهدف الأمثل، ألا وهو الاستقلال التام والانعتاق من الظلم والجور والطغیان الذي تمثّل في مآسیه لدرجة أنّ الحزن والأسی أصبحا ملازمین لطبیعته النفسیّة، وقد وضّح الشاعر هذه الفکرة في مقدمة دیوانه؛ إذ قال: «کنّا في رهطٍ من الشباب العراقیین وغیرهم نفکر تارةً رسم أهدافنا، وطورًا في الوسائل التي توصلنا إلیها. ولم نکن نستهدف في الواقع إلّا الحیاة في ظلّ نظامٍ تُحترم فیه الحقوق والحریّات، وتفلح في کنفه المساعي، وتیسّر النهوض بالبلاد».
الشبیبي نذر نفسه لخدمة رسالته المقدسة، وضحّی بکل غالٍ وثمینٍ من
أجل إعلاء کلمة الحقّ، وإرساء رایة العدالة الخفّاقة علی ربوع العراق ورافدیه، وهو یختار أقسی مرحلة من مراحل بنائه، وتوطید کیانه الحرّ المستقل؛ فالقارئ لو اطّلع علی عناوین قصائده الموسومة بالوطنیات وحاول أنْ یتحسس ما وراء تلك العناوین من روحٍ متحمسةٍ، وقلبٍ کبیرٍ، وعقلٍ ثائرٍ؛ لأدرك بأنّ الشبیبي عاش ومات في (سبیل الشرق)، وسکب عواطفه الحارة، وأشواقه الملتهبة في کلماتٍ مؤثرةٍ بلیغةٍ وهو یتحدّث عن العراق، ودعوته الصابرة الشریفة لنیل استقلاله وحریته، (فالثورة علی الأتراك) بکلّ ما فیها من شکوی وعتابٍ، و(قصیدة الباکیة) وهو یتحدّث عن (دمشق وبغداد) تلك القصیدة التي نظمها في أول تشرین الأول سنة 1918م، حینما أذاع الإنکلیز في العراق أنّهم - لا العرب - أخذوا دمشق الشام، والتي یقول فیها
مــاذا بنا وبــذي الدیــــار یُرادُ؟
فُقِدت دمشق، وقبلَها بغدادُ
من موطن الميعاد قامت نُزَّعًا
خيلٌ لهن بجِلَّقٍ ميعادُ
ساءتْ وقائعها وما سرَّت بها
لا الهجرةُ الأولى، ولا الميلادُ
وردتْ مياهَ الرافدين مغيرةً
شقرٌ من القبِّ البطونِ وِرادُ
هجنٌ شأونَ من الجياد كرائمًا
عربيّة فكأنّهن جِيادُ
برَدَى وأوديةُ الفرات ودجلة
والنِّيل غصَّ بمائِها الوُرّادُ
فقد شارك الشبیبي بوجدانه المتدفّق وعقلیته المتحرّرة الوقّادة في بناء الحکم الوطني، وکافح الاستعمار في کلّ أشکاله في عهد الاحتلال وبعده، وکان في طلیعة المشتغلین باخلاصٍ ووفاءٍ بالقضیّة العربیّة والعراقیّة.
الفكر سمةٌ من سمات الشاعر المجدّد، وقد طبعت هذه السمة أغلب شعره، فهو يرى مثلًا في الظلم أقبح صفةٍ يتخلّق بها الجائرون الظالمون، فحزّ ذلك في قلبه، وهو يراهم يعملون ما يشاءون، فيقول فيهم:
يقولون: إتيان الكبائرِ جائزٌ
وفعل الخطايا المنكرات مباحُ
أخي هذه الأخلاقُ للجنس نهضةٌ
وللبشرِ الآتين منه فلاحُ
يريدون للدنيا ضمادًا وإنّهم
بجثمان هذا الاجتماع جِراحُ
فالنهضة التي يتطلّع لها الشبيبي لابدّ من أن يسهم أبناء شعبه فيها، إلّا أنّه يرى شبابًا لا يدركون معنى الإصلاح، وقيمة الفكر التجديدي، وشيبًا عاجزين عن فعل شيء، فيصرخ قائلًا:
شبابٌ طائشٌ نزقُ
وشيبٌ مابهم رمقُ
وشعب طالب ثقةً
فدلوه بمن يثقُ
(356)
ففي آرائنا شِيعٌ
وفي أحزابنا فرقُ
والأروع ما قاله في الجانب الفكري، اعتقاده أنّ الحقيقة الكاملة معنىً مجازيّ، وكُلٌّ يقرؤها بمنظوره الخاصّ، ويعتقد جازمًا أنّها الحقيقة، فكتب قصيدته بعنوان (الحقيقة لا تدرك)، وهي نقدٌ للتقليد والجزميّة والتطرّف في إطار البحث العلمي، فيقول:
يسوقُ له دليلَ تخرّصاتٍ
ويمنعُ خصمَه أنْ يَستدّلا
يؤلّفها قياسًا منطقيًّا
تُمثّله قضايا الوهم شكلا
رويدك قد فتنتَ بها نفوسًا
رأتك لأنْ تهذبهنَّ أهلا
دجى التقليدِ ماتَ ولو
تقرّى شؤون المستقلين استقلّا
يصوب دونهم طرفًا غضيضًا
ويقبض دونهم باعًا أشلّا
فمأسورٌ وإنْ قالوا طليقٌ
ومأخوذٌ وإنْ قالوا مُخلّى
بماذا يا نصيرَ الجهلِ قلْ لي
تميس تغطرسًا وتميل دلّا
وما طاوٍ يهاب الوحشُ منه
عملّس يسحب الذيل الرقلّا
بأغدر منك إذ تبتزّ مـــــــالًا
يحرّمه النُهى وتراه حلِاّ
إذا وجد المريب بأرض جُبنٍ
تولاّها، وإنْ شجّتْ تولّى
هکذا ظهر أثر هذا الوعي في الشعر بارزًا وواضحًا عند شعراء العراق البارزین، والذین یعدون في الطلیعة، فقد نظم الشیخ محمد رضا الشبیبي قصیدةً هاجم فیها الاستعمار مهاجمةً عنیفةً، وتمثّل هذه القصیدة صورةً من فضل الشاعر وجهاده في الذود عن حیاض المسلمین:
عمَّ الثغور الموحشات ظلامُ
ودَجت لأنّك ثغرها البسّامُ
طوت الفیالق نُکسًّا أعلامها
إذ لیس تخفق بـعدك الأعـلامُ
رابطت في ثغر العراق وثغرها
یحمی الحجاز بــسدّه والشامُ
سقط الذي شیدت من أرکانه
وأعــید فیه النقض والابرامُ
صالت علی تلك المنیة أختُها
وسطا علی ذلك الحمام حمامُ
لله تســعة أشـهرٍ قـضـیتُـها
طالت علیك فکلّ شهرٍ عامُ
وللشاعر قصیدة أخری یتحدّث فیها عن واقعة الشعیبة التي تعدّ من أعظم المعارك، والواقعة المهمّة الأولی في حیاة الحرب بالعراق، استنفر فیها العراقیّون، فقد جاء القائد سلیمان عسکري بك، ومعه فریق من الجنود الأتراك متّجهین نحو البصرة، وهناك حدثت معرکةٌ کبیرةٌ جرح فیها القائد الترکي سلیمان عسکري بك، في هجومه الذي شنه علی الإنکلیز، فذهب إلی بغداد للتداوي في المستشفی العسکري (خسته خانة المجیدیة)، ولم یمکث غیر أیامٍ قلائل، حتی عاد إلی أسلحة الحرب، وقد شوهد هذا القائد راکبًا عربة ولایزال مضطربًا من جرحه، ینتقل من مکانٍ إلی آخر، فیسوق الجیش ویدربه، وبعد أنْ رأی الجیش علی شفا جرفٍ هرب موليًّا الأدبار، وأنّ معونته قد ضعفت فما کان من القائد إلّا الانتحار ألمًا وحسرةً بعد أنْ أبدی من الإخلاص والوفاء ما استحقّ به أنْ یخلد مع الأبطال.
وقد سجّل محمد رضا الشبیبي هذه المعرکة الرهیبة، وأتی علی کثیرٍ من تفاصیلها، فیری فیها أشهر أیام الحرب العراقیة، فقد کانت مناجزةً شدیدةً، هزم في آخرها العثمانیون، وترکوا نصف ذلك الجیش بين قتیلٍ وجریحٍ وأسیرٍ وفقیدٍ، وقد جسّد لنا وقائع تلك الموقعة في قصیدةٍ سماّها (یوم الشعیبة)، تحدث فیها عن معاناة الجیش العثماني الذي أقام ثلاثًا في خنادقها خالي الحقائب من ماءٍ ومن زاد، رغم موفور ماء الفراتین، و یبلغ الذروة حین یحدد سبب ذلك الخلل،
(359)فإن أقواتنا - في بطون الذّر أکثرها، لا في بطون صعالیك وأجناد:
نبــتُ الربا حمرُ أشــلاءٍ وأورادِ
منثـورةٌ لك بین القصرِ فالوادي
دون الشُّـعَیْبةِ أجـــسادٌ موزّعةٌ
في البیدِ توزیعَ أعـضاءٍ بأجسادِ
جیشٌ أقـــامَ ثلاثًا في خـنادقِها
خـالي الحقائبِ من ماءٍ ومن زادِ
کان صراع الشبیبي مع الدولة العثمانیّة من وجهتین؛ إحداهما أنّها حائدة عن الطریق القویم للسلام، یتضح ذلك بظلمها، والأخری لأنّها غاصبة حقوق العرب الذین قامت الدولة الإسلامیّة علی أیدیهم، ولکن الزمان أدّى بها إلی هؤلاء ولذلك یقول:
أما صفحنا عن الماضي لأعینکم أما أدیلت لکم ایامنا الأول
فالشبیبي یشعر بمجد العرب؛ ولذلك یثور بعنف وقوة، إثر ثورة النجفیین في عام 1915م، تلك الثورة التي انتهت بطرد الترك وحکم الأهالي لأنفسهم، حتی إذا جاء الإنکلیز استطاعوا إخضاعهم، ففي هذا الحادث یقف ثائرًا ومفاخرًا یقول في قصیدته (ثورة علی الأتراك):
لا الجـــبنُ ثار فأطفانا ولا البـخـلُ
الثائرُ الحِقدُ بالأقوامِ والدخلُ
لو کان ما بهم جُبنًا لما انتقموا
وفي طریق بلوغ النقمة الأجلُ
السیـف قربّ مـــنّا کلّ قاصـیةً
لا المنطقُ الفصلُ من قومٍ ولا الجدلُ
انتفض الشعب العراقي في ثورة العشرین، ثم تلتها حرکات أخری تمیزت بالبذل والفداء وإرخاص المهج والأرواح، وذلك للتخلّص من تعسّف المتعسفین وإثره المستأثرین، غیر أنّها کانت شررًا ینبعث من الثورة الکبری، وعاد التاریخ یعرّی أغراض أولئك الذین ناوأوا الوثبة الأولی، وساموا قادتها العذاب، ومقصدهم الوصول إلی المناصب الوثیرة، وحوربت وتألبت علیها قوی الشر بالمال والنعرات الهدامة وبذور الشقاق والأنانیة والجشع والإثرة. لذلك یقف الشبیبي إزاء هذه الفعلة النکراء فیقول:
أخـطأ الحـقَّ فـریقٌ بـــائسٌ
لــم یلـومـونــا ولاموا الــزمـــــنا
خسرت صفقتکم من معشرٍ
قد شروا العارَ وباعوا الوطنا
ارخــصوه ولـو اعـتاضوا بـــه
هـذه الـــدنیـا لقلّـــت ثـمنـا
یا عبید المال خیرٌ منـــــکم
جــهلاء یعــــــبدون الـوثـــنا
وهکذا ینددّ الشبیبي بالإنکلیز وأتباعهم، ویصف الصراع بینهم وبین العشائر حینما طلبوا أسلحتهم وکان الطلب من هؤلاء حجةً ظاهرةً للانتقام منهم.
وصل البحث إلى القسم الأخير، وهو تسجيل النتائج المتحصلة منه في النقاط التالية:
کان الشبیبي مجاهدًا من أجل استقلال العراق، وهو الذي صرخ في وجه الحاکم الإنکلیزي ليعترف باستقلال بلاده، و هو صاحب دعوة أنْ یتحدّ الشام والعراق.
یعدّ الشبیبي من أهمّ أرکان أدب المقاومة علی الساحة العربيّة عمومًا، وعلی الساحة العراقیّة خصوصًا.
تمثّلت عناصر المقاومة في شعر الشبیبي بما يأتي:
الإشارة إلی القمع وفقدان الحریّة والمخبرين، وإظهار النقمة عليهم.
تحریض الشعب نحو الثورة على الاستبداد.
الدفاع عن الطبقات الفقیرة والمضطهدة.
لقد تضمّن شعر الشیخ محمد رضا الشبیبي حشدًا کبيرًا من المفردات ذات البعد الديني، وهذا يدلّ علی أنّ الشاعر ذو ثقافةٍ دينيّةٍ واسعة.
يصوّر الشاعر من خلال عدسة شعره حالة الاختناق والکبت والرعب والمأساة التي یعانیها الشعب العراقي من الاستعمار وسیاساته
يمتاز شعر الشبیبيّ بالصّدق الفنّي والوضوح والبساطة أو السهولة التي تميّز شعره من الشعراء المعاصرين الرّمزيين، فيسهل فهمه للعموم؛ لأنّه شاعر الشعب.
(362)
1.أبو الشباب، واصف، القديم و الجديدفي الشعر العربي الحديث، دار النهضة العربية للطباعة والنشر، بيروت، 1988م.
2.آقابزرگ تهرانی، محمد حسن، الذریعة الی تصانیف الشیعة، دار الأضواء، بیروت، 1373 ق.
3.بصري، مير، أعلام الأدب في العراق الحديث، دار الحکمة، لندن، 1999م.
4.الجميلي، ع، نگاهي به تاريخ سياسي عراق،ترجمه: محمد حسين زوار کعبه، حوز هنري تبليغات اسلامي، تهران، 1370ه.ش.
5.الجیلوسی، سلمی الخضراء، الاتجاهات والحرکات فی الشعر العربي الحدیث، الترجمة عبدالواحد لؤلؤة، الطبعة الأولی، بیروت. 2001م.
6.الحسني، عبد الرزاق، تاريخ العراق السياسي الحديث، دار الرافدين، بيروت، 2008م.
7.الحمد، جواد و إياد البرغوثي، دراسة في الفکر السياسي لحرکة المقاومة الإسلامية (حماس)، ط: 2، عمان، مرکز دراسات الشرق الأوسط، 1999م.
8.الحموي، صبحي، المنجد في اللغة العربيّة المعاصرة، دار المشرق، بيروت، بلا تاریخ.
9.دلشاد جعفر وآخرون، الغربة في الشعر العراقي نموذجًا، مجلة العلوم الإنسانیّة الدولیّة، العدد15، 2008م.
10.الشبیبي، محمد رضا، الدیوان، مطبعة لجنة التألیف والنشر، القاهرة، 1940م.
11.الشربتي، أحمد حامد، الشبيبيّ في حكمه وأمثاله، دار الشؤون الثقافيّة العامة، بغداد، 1982م.
12.عبد الحکيم، عمر، دعوة المقاومة الإسلاميّة العالمية. لا. مط، بیروت، 2004م
13.عبد شناوة، علي، محمد رضا الشبيبيّ ودوره الفكري والسياسيّ حتى العام 1932، دار كوفان للنشر، العراق، 1995م.
14.عبدالحمید، صائب، معجم مؤرّخي الشيعة، مؤسسة دائرة معارف الفقه الإسلامي، قم، 2004م
15.الغزالي، محمد الإسلام والاستبداد السياسي، دار النهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، مصر، 1997م.
16.فاخوري، حنّا، تاريخ الأدب العربي، توس، تهران، 1380هـ.ش.
17.فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، ترجمة: عبد المسيح جويده، مطبعة الشعب، بغداد، 1938م.
18.قدورة، زاهية، تاريخ العرب الحديث، دار النهضة العربية، بيروت، 1985م.
19.کياني، حسين وسيّد فضل الله ميرقادري، «شهيد وجانباز در شعر إبراهيم طوقان، شاعر مقاومت فلسطين». نشريه أدبيات پايداري، سال أول، شماره: 1، دانشگاه شهيد باهنر کرمان، 1388هـ.ش.
20.محسني نيا، ناصر، «مباني أدبيات مقاومت معاصر إيران و عرب». نشريه أدبيات پايداري، سال أول، شماره: 1، دانشگاه شهيد باهنر کرمان، 1388هـ.ش.
21.معروف، لویس، المنجد فی اللغة والإعلام، نشر اسماعیلیان، تهران، 1362 هـ.ش.
22.نفيسي، عبدلله فهد، نهضت شيعيان در انقلاب إسلامي عراق. مترجم: کاظم چايچيان، انتشارات أمير کبير، تهران، 1364هـ.ش.
23.الواعظ، رؤف، الإتجاهات الوطنية في الشعر العراقي الحديث، دار الحرية للطباعة، بغداد، 1974م.
24.الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق. الجزء السادس، لا.ب: لا. مط، 1992م.
براءة محمود العداي
مثّلت ثورة العشرين ضدّ الاحتلال البريطاني للعراق في 30 حزيران 1920م، أحد أهمّ الأحداث في تاريخ العراق المعاصر؛ إذ ترتّب عليها تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة، وشكّلت نقطة تحوّلٍ أساسيّةٍ في سياسة بريطانيا تجاه الشرق الأوسط بصفةٍ عامّة. وتكمن أهميّة هذه الدراسة في كونها تتناول حدثًا تاريخيًّا مهمًّا ما زال موضع جدلٍ بين الباحثين والمؤرخين، وأنّ الدوافع الوطنيّة والقوميّة شكّلت المحرّك الرئيس للثورة في حين مثّلت الدوافع الدينيّة والقبلية، دوافع ثانويّةً مساعدة، وأنّ ثورة العشرين أفضت إلى تأسيس الدولة العراقيّة الحديثة. وقد أثرت بنحوٍ واضحٍ في الأدب والشعر، وكان للفقهاء والعلماء دورٌ محوريٌّ في هذه الثورة، فأصبحت ثورة العشرين درسًا للحركات والثورات والاحتجاجات التي تلتها، فتناولت هذه الدراسة دور الحركة العلميّة والأدبيّة، واتبعت المنهج الاستقرائي التحليلي.
الكلمات المفتاحيّة: الأدب المقاوم، ثورة العشرين، فتاوى المرجعيّة، مقاومة الاستعمار، الاحتلال البريطاني.
بسم الله الرحمن الرحيم
الحمد لله رب العالمين، والصّلاة والسّلام على خير خلقه أجمعين، محمّدٍ المصطفى وآله الطيّبين الطاهرين وصحبه الأخيار المنتجبين.
أما بعد:
ثورة العشرين يوم الضمير الإنساني والانعطاف التاريخي لكلّ مواطن الشرف والأمانة، قرنٌ من الزمن ومازال اسم شعلان ورفاقه يداعب العقول (ومكواره) الصامد بوجه الدبابات وفوهات المدافع، لقد حفر على ذاكرة الرجال والنساء، وسُجّل بالذهب نصرًا يوضع على قمّة التاريخ، والرميثة لم تزل تتقاذف اللهب كلّما مرّت هذه الذكرى الموجودة في قلوب العراقيين، يتوارثونها جيلًا بعد جيل، ويدركون تاريخًا رافضًا للغزاة.
إنّ هذه الثورة كانت رفضًا للتسلّط البريطاني الطامع بثروات العراق، التي اتّحدت فيها جهود الغيارى من أبنائه ليثبتوا للاحتلال الطامع أنّهم لايبالون بعدته وعديده، فزلزلوا قوّته بقوّتهم الروحيّة وغيرتهم العراقيّة والإصرار على إظهار الشجاعة الفائقة المستمدة من روح الإسلام، فقاتلوا من أجل هذه القضية فكان هذا السلاح الروحي أمضى الأسلحة. وبسلاح (الفالة) ــ التي هي أداةٍ صيدٍ بسيطةٍ عند الفلاحين ــ استطاعوا أن أن يواجهوا الغزاة، مع إيمانهم بالقضية التي يقاتلون من أجلها، وحبّهم للشهادة من أجل وطنهم ومقدّساتهم؛ فكانت حدثًا لاينساه العراقيّيون؛ لأنّها حقّقت في حينها ما يتطلّع إليه الشعب المقاوم رغم بطش الاحتلال، وحجم التضحيات البشريّة الكبيرة التي قدّمها الثوّار؛ إذ تمكّنوا من إرضاخ الإدارة البريطانيّة لمطالب الشعب، فأدركت الإدارة البريطانيّة أنّ العراقيين مصرّون على الاستقلال مهما كلّف الأمر.
(366)
ودخلت ثورة العشرين في الأدب والشعر، فخُلِّدت بأبياتٍ شعريّةٍ كثيرةٍ رافقت الثورة من بدايتها إلى نهايتها ومابعد الثورة أيضًا؛ ومن هنا فإنّ هذه الدراسة تسلّط الضوء على الحركة العلميّة لثورة العشرين والحركة الأدبيّة، وتأتي أهميّة الدراسة من أهميّة الحادثة والمناسبة، فثورة العشرين قدّمت درسًا في غاية الأهميّة للمجتمع الإنساني، يمثّل في أنّ وحدة الأمة، والإيمان بالقضيّة، والبصيرة في الأمور، ورفض الظلم، والبحث عن الحريّة مهما كلّف الأمر هي من تحسم الموقف، وتحدّد النتائج حتى وإنْ كانت بعيدة المدى، فما علينا هو السعي، وأمّا تحقّق النتائج سيكون رهن الحركة والثبات والصبر والاستقامة، فكانت ثورة العشرين النموذج الأكثر تعبيرًا عن تمسّك العراقيين بهويّتهم الوطنيّة في أثناء مرحلة لا تقلّ أهميّتها عمّا سواها من مراحل تاريخ العراق الحديث، خاصّة بعد تداعيات الحرب العالميّة الأولى، ويبرز تأثير الأدب المقاوم في تشكيل الوعي الجمعي والهوية الثقافيّة، فمهما تعدّدت الأزمنة وتغيرت الأحوال، لكن ظلّ الأدب المقاوم مرآةً تعكس الواقع، ومنبرًا للتعبير عن الآمال والأحلام واستنهاض الهمم والاحتجاج.
السؤال الرئيس لهذه الدراسة: ما دور الحركة العلميّة والأدبيّة في ثورة العشرين؟
وأما الأسئلة الفرعيّة:
ــ ما معنى المقاومة والثورة، والأدب المقاوم؟
ــ ما العوامل المؤثّرة في الحركة العلميّة لثورة العشرين؟
ــ ما دور الحركة الأدبيّة في ثورة العشرين؟
(367)- ثورة العشرين في الشعر العراقي، إبراهيم الوائلي.
- ثورة العشرين الجذور السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة للحركة القوميّة العربيّة الاستقلاليّة في العراق، وميض جمال عمر نظمي. كتب الكثير عن أسبابها دوافعها توجهاتها وأهدافها، ومن هي الشرائح الاجتماعيّة التي شاركت فيها.
- شاعرات في ثورة العشرين، علي الخاقاني.
1. إنّ المقاومة هي القيام المضادّ لمقاومة الغير من أجل منعه من تحقيق هدفه والانتصار عليه.
2. المرجعيّة الدينيّة تمثّل القدوة المُثلى لالتفاف الناس حولها.
3. وثاقة العلاقة الروحيّة بين الشعب العراقي والمرجعيّة.
4. الشعراء بشعرهم المتمرد كان لهم الدور الريادي في استنهاض الشعب.
5. الهوسة هي فنٌّ أدبيّ شعريّ تمّيز به أهل العراق.
6. الهوسة لها تأثيرٌ نفسيّ على الجماهير، يزيد في حماسها.
7. الأدب المسرحي شارك في المقاومة، وكان داعمًا لثورة العشرين.
8. كانت المدارس الأهليّة والأنشطة الأهليّة منبرًا من منابر الثورة.
«ثَوْرَة [مفرد]: الجمع: ثَوْرات (لغير المصدر)، وثَوَرات (لغير المصدر): مصدر ثارَ/ ثارَ على، وهي اندفاع من جماهير الشعب نحو تغيير الأوضاع السياسيّة والاجتماعيّة تغييرًا أساسيًّا».
«الثورة هي حركةٌ اجتماعيّةٌ أو سياسيّةٌ تُحدث تغييرًا جذريًا وشاملًا في الهياكل السياسيّة، الاقتصاديّة، أو الاجتماعيّة في مجتمعٍ ما. تُعَدُّ الثورة نتيجةً لصراعٍ بين القوى القائمة التي تمثّل النظام السائد والقوى الراغبة في التغيير. وفي كثيرٍ من الأحيان، تعكس الثورات رغبةً قويةً لدى فئةٍ من الشعب لتحقيق العدالة، أو الحريّة، أو إزالة الظلم والاستبداد».
«قاومه في الحرب وغيرها، أي قام له». ثم في تعريف كلمة المناهضة يعرفها بالمقاومة كما يتفق معه بالتعريف الزبيدي في تاج العروس نقلًا عن الجوهري، «وكافح قِرنه: قاومه بقوة»، وقَاوَمَ الشعبُ المستعمرَ حتّى نال استقلاله (قام ضدّه، نهض لردّه).
إنّ كلمة المقاومة وإنْ استخدمها الناس في الجوانب الداخلية، لكن المقاومة بحسب المصطلح السياسي، مسألة تتّصل بالجانب الخارجي، يعني تتّصل بعملية تحرير البلد أو الأمّة؛ لأنّها قد تكون على مستوى الوطن أو على مستوى الأمّة إذا تناولت القضايا التي تتّصل بحياة الأمّة.
ويمكن القول إنّ المقاومة هي القيام المضادّ لمقاومة الغير من أجل منعه من تحقيق هدفه، والانتصار عليه، ولهذا كان من الأنسب إطلاقها على المقاتلين، وبالرجوع إلى أقوال اللغويين لم يتم حصرها بالمقاومة الإيجابيّة، بل تشمل السلبيّة أيضًا، ويمكن القول إنّ الاستعمال أعمّ من الحقيقة؛ فإذا استعملناها بالمعنى الإيجابي كانت مقاومةً حقيقة، وإذا استعملناها بالمعنى السلبي كانت مجازًا، ويصح القول بأنّها أصبحت من الألفاظ المنقولة لكثرة استعمالها في خصوص المناهضة الإيجابية، فإنّ العرف الآن لا يشعر بالحاجة إلى قرينة لتشخيص نوع المناهضة المقصودة في كلامه على خلاف الألفاظ المشتركة، والحال في كلمة (مقاومة) فقد تكون موضوعة لغةً للأعم من المناهضة الإيجابيّة، ولكن بسبب كثرة الاستعمال في خصوصها وإهمال استعمالها في السلبيّة أوجب التخصيص بها، بنحو استغنى إرادة خصوصها عن القرينة، بل احتاج تفهم (السلبيّة) منها إلى قرينة، ولعلّ هذا من انقلاب الحقيقة إلى المجاز.
من المفاهيم التي نحتاج إلى بيانها في هذه الدراسة مفهوم الأدب المقاوم، فالمقاومة كما تقدّم فعل تحدٍّ، وإرادة رفضٍ للٍّذٍّل والاحتلال والقهر، ولئن كانت طرق المقاومة متشّعبةً متعّددةً كان للقلم نصيبه الوافر في صنع الفعل المقاوم، وتخليد إنجازات المقاومين؛ لذلك اضطلع الأدب بدورٍ فاعلٍ جدًّا في تشكيل وعي الذَّات الجمعيَّة المقاومة وتحفيزها على المواجهة؛ فكان الأدب المقاوم نثرًا وشعرًا، وكانت الكلمة صنو الرَّصاص في معركة الوطن ضد محتلّيه، وتوثّق ملاحم كفاحهم، وتدفع عن تاريخ تضحياتهم غبار النسيان والضّياع، وهذا ما يُسمّى (بأدب المقاومة) أو (الأدب المقاوم)؛ ولذلك كان الأدب المقاوم قرين حركة الميدان المقاوم في كلّ ساحات الجهاد والنضال.
(370)المطلب الأول: العوامل والأسباب المؤثّرة في الحركة العلميّة لثورة العشرين
بعد أنْ أسفرت التسويات عقب الحرب العالمية الأولى عن فرض الانتداب البريطاني على العراق، صار ذلك مخيبًا للآمال، وبرهانًا على حنث بريطانيا للعهود التي سبق أن قطعتها للعراقيين بالحرية والاستقلال، وكذلك تصريحات دول الحلفاء الآخرين المتعلقة بمنح الشعوب التي كانت خاضعةً لسيطرة الدولة العثمانيّة حق تقرير المصير.
إنّ انتهاء الحرب العالمية الأولى ووضوح موقف بريطانيا بعدم المبالاة بآمال العراقيين بالاستقلال، وقيام بعض الحركات المعارضة للبريطانيين في بعض المناطق القريبة من العراق، فضلًا عن دور المثقفين العراقيين في تهيئة الأذهان للتحرر والاستقلال، والدور الديني للمرجعية الشيعية وزعماء القبائل والعشائر، ذلك كلّه جعلت الشعب يرى أنّه لا بدّ من استعمال القوة. والتطوّرات الأخيرة التي شهدها العراق بعد الحرب العالمية الأولى، تركت آثارًا سيئةً على خلجات الرأي العام، وأحدثت نفورًا بين أوساط المجتمع الريفي.
وكلّ حركةٍ تغييرٍ ثوريّ لا تنطلق من البعد الفكري والثقافي لا يمكن أنْ تكون ثورةً حقيقية؛ وذلك لأنّ الثورة الحقيقية، لا بد لها أنْ تختمر في رحاب نظريةٍ ثوريةٍ عميقة الأبعاد ضاربة الجذور في الوعي الثوري، ومن غير ذلك لن تكون الثورة المزعومة إلّا فقاعة.
تسمّى ثورة العشرين؛ لأنّها وقعت عام 1920م، وتسمّى الثورة العراقيّة الكبرى؛ لشمولها أغلب مناطق العراق، لكن نجد بعض الباحثين العراقيين
يطلقون عليها بالانتفاضة الشعبيّة على الرغم من أنّها وصفت لدى كثيرٍ من الكتّاب والباحثين والأدباء العراقيين بالثورة، وهذا بحدّ ذاته يمكن عدّه تجنّيًا على الثورة، وتقليدًا غير موفّقٍ لآراء البريطانيين في وصفهم لتلك الثورة بأنّها عصيانٌ وتمردٌّ شعبي.
ويمكن إجمال أسباب الثورة إلى عدّة عوامل، منها المدّ الثوري العربي في محاربة المحتل، كثورة الشريف حسين عام (١٩١٦م)، وثورة مصر(١٩١٩م)، وحركات التحرّر العالميّة ضد سياسة الانتداب التي اتبعها الحلفاء، وسوء الإدارة وما رافقها من قمع وترهيب ونفي وتنكيل، واستغلال واردات البلد، وفرض الضرائب، إضافةً إلى تأثير الأحزاب والجمعيّات الوطنيّة في إثارة الوعي الوطني؛ فوجود الأحزاب السياسيّة تميّز بالفاعليّة والنشاط من أجل المشاركة في العملية السياسيّة، ولا يخفى أنّ للأحزاب السياسيّة دورًا كبيرًا في صناعة الأفكار وبلورتها وخصوصًا الثقافة السياسيّة، وحمايتها والحفاظ عليها، الأمر الذي يبين أهمية الأحزاب السياسيّة ودورها المحوري والفاعل في العمليّة السياسيّة، وهي بمنزلة أدوات تكوين الرأي العام.
ومن هذه الأحزاب والجمعيّات:
قليلون جدًّا من يعلمون أنّ مؤسّس الجمعيّة (عزيز علي المصري) ينحدر من أسرةٍ عراقيّةٍ تسمّى (آل عرفات)، كانت تقطن البصرة في أوائل القرن الثالث عشر الهجري، «وقد شرع عزيز علي وهو في الإستانة في تأليف جمعية سياسية سرية، توحّد صفوف العرب وتجمع كلمتهم، فكانت جمعية العهد التي شرع
في تكوينها بتاريخ 28 تشرين الأول من سنة 1913م. وانضمّ إليها لفيف من العراقيين والسوريين) ، وبينما كانت هذه الجمعية تتحين الفرص لثورتها سرعان ما انفجر بركان الحرب العالمية الأولى؛ فخمدت نارها لوقتٍ ليس بالقليل، حتى إذا تطوّرت الحرب وأعلن الحسين بن علي شريف مكة الحرب على العثمانيين العاشر من حزيران عام 1916 م، ودخل الجيش العربي دمشق عام 1918م، جاءت فكرة إحياء الجمعية من جديد، فانشقّ أقطاب الجمعيّة إلى قسمين، وكلّ قطبٍ ينادي بتحرير القطر الذي ينتمي إليه، وعلى هذا انقسمت الجمعية إلى حزب العهد العراقي، وحزب العهد السوري. وقد تأسّس حزب العهد العراقي سنة 1919م.
ولما بحث المفكّرون فكرة انشقاق جمعية العهد عملوا على فتح فرع ثانٍ لجمعيّة العهد العراقي في بغداد وقد أصدر هذا الفرع (مجلة اللسان)، وانضمّ إليها السيّد محمد الصدر، والسيّد يوسف السويدي، والسيد ناجي شوكت، والحاج محمد جعفر أبو التمن، والشيخ محمد باقر الشبيبي وغيرهم، وأصبح لها فروعٌ في الكاظميّة، النجف، والحلة، والشامية وغيرها من الحواضر.
وهي جمعيةٌ سريةٌ أيضًا من أبرز أعضائها السيّد محمد عبد الحسين، وعباس مهدي، وسامي خونده وغيرهم.
جمعيّة النهضة الاسلاميّة أسّسها مجموعةٌ من الفقهاء المتحمّسين للنضال ضدّ الإنجليز، يقف في مقدمتهم الشيخ محمد جواد الجزائري، والفقهاء المؤيّدون للدستور الذين عرفوا بفقهاء (المشروطة). أدّت هذه الجمعية دورًا فعّالًا في التحريض ضدّ الإنجليز، وكانت المسؤولة عمّا عرف بثورة النجف التي اندلعت عام 1918م، إثر تنفيذ عددٌ من رجال العشائر النجفيّة الذين كان يقودهم الحاج نجم البقّال (وهو عضو في جمعية النهضة الإسلاميّة) عملية اغتيال ناجحة للحاكم العسكري البريطاني لمدينة النجف الكابتن مارشال وعدد من الجنود الإنجليز في حامية المدينة. وقد جرّت هذه العملية على مدينة النجف العقوبات الانتقاميّة الوحشيّة؛ إذ فرض عليها حصارٌ قاسٍ، أعقبه دخول الجيش البريطاني إلى مدينة النجف لينفذوا عقوبات الإعدام بعددٍ من الثوّار في الساحات العامة في المدينة، وفي مقدمتهم الحاج نجم البقّال، كما نفي مؤسّس (جمعية النهضة الإسلامية) الشيخ محمد جواد الجزائري إلى جزيرة هنجام، وقد هدأ الوضع في المدينة بعد هذه الأحداث بشكل مؤقت، لكنّه ما لبث أنْ تفجّر مرةً أخرى بعد عامين إثر اندلاع التمرد العشائري الكبير الذي حصل في مناطق الفرات الأوسط، والذي عرف تاريخيًّا باسم (ثورة العشرين)، وكان لبقايا أعضاء (جمعية النهضة الإسلامية) دورٌ في قيادة التمرّد والاحتجاج ضدّ الوجود البريطاني في العراق.
وعندما أصبحت النجف مستقلةً، وانطوت صفحة العثمانيين، تقسّمت المدينة إلى أربع محلات، لكلّ محلة مسؤولٌ، ولهم دستور سمّي بـ(دستور
البراق)، وقد حضي ذلك التقسيم برضا فقهاء الدين وعلى رأسهم السيد محمد كاظم اليزدي، وقد أقام عُلماؤها ورجال الدين فيها صلاتٍ وثيقةً مع معظم أنحاء العراق والعالم الخارجي ولاسيما زعماء ورؤساء الفرات الأوسط، كما أقام العلماء في النجف كثيرًا من الندوات التي كانت تناقش القضايا السياسيّة، وتدار هذه الندوات من قبل رجال الدين البارزين، وكثيرٍ من المثقفين أمثال جواد الجزائري، وعبد الكريم الجزائري، وندوة آل شهيب التي يديرها محمد رضا الشبيبي ومحمد باقر الشبيبي وغيرهم، وكان لهذه الندوات الأثر البالغ في تأسيس (جمعية النهضة الإسلاميّة)، إذ أصدرت الجمعية منهاجًا تضمن إحدى وعشرين مادة، أكّدت المادة السابعة منه على أنّ الجمعية فيها هيكل تنظيمي يتكون من 12 شخصًا على رأسهم المرجع الديني الأعلى للمسلمين.
جميع هذه الجمعيات كانت تنادي باستقلال العراق استقلالا مطلقًا، وتوحيد كلمة العراقيين على اختلاف مللهم ونحلهم.
وأما دور مراجع الدين في النهوض بالوحدة الوطنيّة ومقاومة المحتل، وخاصّة فتاوى الإمام الشيخ محمد تقي الشيرازي التي كان لها الأثر الكبير في ردع المحتلّ، والتهيئة للثورة وعدم الخروج عن مسارها الصحيح، وتعدّ مرجعيّة النجف الأشرف المرجعيّة الأولى في المجتمع الشيعي العراقي، حيث يمتدّ مقلدوها في بقاع مختلفة من العالم، وأبرز ما يميّزها هو العمق العلمي والزهد في الدنيا والحكمة، وهذا جعل من المجتمع يرتبط ارتباطًا قويًا بها، ويستجيب سريعًا لما يصدر عنها، ويؤكد تاريخ المرجعيّة الدينيّة على أنّها ومع الظروف القاسية التي مرّت بها بقيت صامدةً، تؤدّي دورًا استراتيجيًّا ليس على المستوى الشيعي فقط، بل على مستوى المسلمين عامة، في مدن مختلفة.
(375)
إذ كان للحوزة العلميّة الدينيّة وتوجيهاتها الدور الأساس في انبثاق ثورة العشرين التي تعد ّأول ثورةٍ في تاريخ العراق الحديث، فشكّلت منعطفًا تاريخيًّا وسياسيًّا واجتماعيًّا للشعب العراقي، وكانت البداية لتأسيس الدولة العراقيّة الحديثة. أهميّة هذه الثورة تنبع من الظروف المحيطة بها التي رافقت انطلاقها، والنتائج التي تمخضّت عنها، التي كان لها أثرٌ كبيرٌ في مستقبل العراق الحديث.
بدأت المواجهات المسلّحة وانتشرت في مناطق متعددة بالعراق، إذ اتّخذت الثورة في بادئ الأمر شكل مظاهرات من قبل الأهالي في بغداد، انطلقت من تجمّع الأعيان والأهالي في جامع (الحيدر خانة) الذي شهد بداية الثورة في بغداد، ثم مدينة النجف الأشرف التي نزح إليها من بغداد قديمًا، «الشيخ أبو جعفر محمد بن الحسن الطوسي عام 448 ه، وهو كبير علماء الإماميّة الشيعة في ذلك الوقت، والذي وبانتقاله إلى مدينة النجف فتح عهدًا جديدًا للنجف؛ حيث تحوّلت من مدينةٍ ومزارٍ إلى جامعةٍ علميّةٍ كبرى، علمّا بأنّ مدينة النجف كان لها قبل الشيخ الطوسي شأنها العلمي، وكانت مقصد الطلّاب للدراسة».
وقد أفتى مجتهدو النجف الأشرف بالجهاد ضد الإنكليز في بداية الحرب العالمية الأولى، بعد أنْ وجدوا في هجوم الإنكليز على العراق تدخّلًا سافرا على وطنهم، فانخرط الشعب في أثرهم بقيادة المجتهد العالم السيد محمّد سعيد الحبوبي، ومعه كتائب العلماء وطلاب النجف، وساروا مدجّجين بالسلاح إلى ساحات القتال في معركة (الشعيبة) وغيرها. وبعد الاحتلال الإنكليزي للعراق وإعلان الانتداب، دعا المرجع الأعلى الشيخ محمد تقي ميرزا الشيرازي الشعب
العراقي لمقاومة الاحتلال والثورة على الانتداب. ونلحظ أنّ الخطاب الحوزوي قبيل ثورة العشرين وخلالها اتّسم بمكانةٍ خاصّةٍ وموقعيّةٍ خطيرة، في التأثير عبر هندسة الوعي الجمعي، وصوغ توجه السلوك العام لما مثّله هذا الخطاب في نظر الأمة العراقيّة والخطاب الحوزوي هو الناطق الرسمي باسم المرجعيّة والمفصح عن مكنوناتها، والخطاب الحوزوي كان فاعلًا في تشكيل ملامح الثورة العراقيّة الكبرى، وفي يوم العشرين من شهر ربيع الثاني عام 1337 للهجرة النبوية الشريفة أصدر الإمام السيد محمد تقي الشيرازي (قدس سره) فتواه التي زلزلت أركان الاحتلال البريطاني الظالم الذي كان يحاول وبمراوغة مقيتة التدليس على الشعب العراقي الواعي والصامد تحت غطاء الانتخابات وتزويرها، حتى يتسنم - وباسم الحرية زورًا - عرش العراق، فنشر الاستعمار البريطاني في أرجاء العراق أنّه يريد إعمار العراق ومساعدة الشعب العراقي في النهوض إلى المصالح الشاملة والأفق السعيد، وقد تصدّى الإمام الشيرازي لهذه المراوغة بالفتوى التي تقول بالحرف الواحد: «بسم الله الرحمن الرحيم ليس لأحدٍ من المسلمين أنْ ينتخب غير المسلم في الإمارة والسلطنة على المسلمين. 20 ربيع الثاني 1337هـ».
كما أسّس الإمام الشيرازي (قدس سره) على عقب هذه الفتوى مجلسًا لقيادة ثورة العشرين، يتكوّن من الأسماء الآتية:
1. السيّد محمّد رضا الشيرازي (قدس سره).
2.السيّد محمّد علي هبة الدين الشهرستاني (قدس سره).
3.الميرزا أحمد الخرساني (قدس سره).
4. السيد أبو القاسم الكاشاني (قدس سره). الذي جرى اختيار أعضاء هذا
المجلس في منزله في الكائن في مدينة كربلاء المقدّسة بعد عقد اجتماعٍ فيه حضره عددٌ من شيوخ العشائر ورجال الدين والوجهاء من مختلف مناطق الفرات الأوسط، وتداول المجتمعون قضية الثورة المسلحة ضد الاحتلال البريطاني، فكانت مثار جدلٍ بين مؤيد ومعارض.
الشيخ مهدي الخالصي(قدس سره).
والميرزا محمد تقي الشيرازي (1256-1338 )هـ «الشهير بالميرزا الثاني أو الميرزا الصغير، من مراجع تقليد الشيعة، هو الذي تزعّم ثورة العشرين في العراق وأصدر فتوى الجهاد ضد الاستعمار البريطاني، ولد في إيران، ثم هاجر إلى العراق، وأقام في كربلاء، ثم شدّ الرحال مع أستاذه الميرزا حسن الشيرازي إلى سامراء، وبعد وفاة أستاذه استلم زعامة الحوزة العليمة في سامراء، كما وتم تقليده من قبل بعض الشيعة، ثم أصبح مرجعًا مطلقًا للطائفة الشيعية، وذلك بعد وفاة السيد محمد كاظم اليزدي .وقد حضر الميرزا محمد تقي درس زين العابدين المازندراني، وفاضل الأردكاني، والسيد علي تقي الطباطبائي، وفي سنة 1291 هـ التحق بحلقة درس الميرزا محمد حسن الشيرازي بسامراء مع زميله في البحث السيد محمد فشاركي الأصفهاني، وتزامنًا مع ذلك وبأمر من أستاذه شرع بتدريس جمعٍ من تلامذته وبعد أن توفّي أستاذه المجدد الشيرازي تعين خلفًا له بالأولوية، فقام بالوظائف من الإفتاء وتربية العلماء، وقد تخرّج من درسه جمعٌ من أجلّاء العلماء والمجتهدين» .
نص فتوى الميرزا للعراقيين:«مطالبة الحقوق واجبة على العراقيين، ويجب
عليهم في ضمن مطالبتهم، رعاية السلم والأمن، ويجوز لهم التوسل بالقوة الدفاعية، إذا امتنع الإنكليز عن قبول مطالبهم».
أصدر السيد محمد تقي فتوى سنة 1329 هـ، وذلك بعد اعتداءات قوات الروس في شمال إيران وارتكاب المجازر بحقّ الأحرار الإيرانيين؛ بضرورة مواجهة المعتدين الروس، وقد أعلن الجهاد أيضًا مع بقية العلماء وكبار مراجع العراق ضدّ اعتداءات دول الحلفاء على الأراضي العثمانيّة، وذلك في بداية الحرب العالميّة الأولى سنة 1914م
وهاجر الميرزا محمد تقي الشيرازي إلى كربلاء، وكان لانتقاله إلى هناك دور مهمٌّ في التنسيق بين علماء كربلاء والنجف واتصاله بالعشائر من أجل تنظيمهم وتأهيلهم لمواجهة المعتدي أصدر الميرزا محمد تقي فتاوى جهاديّة ثلاث، دعا فيها إلى استنفار عام للعشائر وجميع المسلمين، للتصدّي الاحتلال البريطاني، جاء ذلك بعد أنْ احتلّت القوات البريطانيّة مدينة الفاو العراقيّة؛ مقدمةً لاحتلال العراق، كما أرسل ابنه الشيخ محمد رضا نيابةً عنه إلى الكاظمية، وجبهات القتال لمشاركة المجاهدين في المعارك.
وبعد أنْ انتهت الحرب العالمية الأولى، واحتلّت القوات البريطانيّة العراق سنة 1336هـ، تم إعلان الانتداب في البلاد، الأمر فعارض مراجع وعلماء الشيعة في العراق هذا الإعلان، فأسّس الشيخ محمد رضا نجل الميرزا محمد تقي الشيرازي منظمةً تحت عنوان (الجمعية الإسلامية)، وقد أسهم فيها رجال دين معروفين كالسيد هبة الدين الشهرستاني، وعبد الكريم عواد، وحسين القزويني، والغاية
من تأسيس هذه الجمعية هو تحرير العراق والتصدّي لانتداب بريطانيا.
فتوى الميرزا في تأييد المقاومة المتصاعدة ضد المحتلين:
«أما بعد فإنّ إخوانكم في بغداد، والكاظمية، والنجف، وكربلاء، وغيرها من أنحاء العراق، فقد اتفقوا فيما بينهم على الاجتماع، والقيام بمظاهراتٍ سلميّة، وقد قامت جماعةٌ كبيرةٌ بتلك المظاهرات، مع المحافظة على الأمن، طالبين حقوقهم المشروعة المنتجة لاستقلال العراق إنْ شاء الله بحكومةٍ إسلامية، فالواجب عليكم، بل على جميع المسلمين، الاتفاق مع إخوانكم في هذا المبدأ الشريف. وإيّاكم والإخلال بالأمن، والتخالف والتشاجر بعضكم مع بعض، فإنّ ذلك مضرٌّ بمقاصدكم، ومضيّعٌ لحقوقكم التي صار الآن أوان حصولها بأيديكم، وأوصيكم بالمحافظة على جميع الملل، والنحل التي في بلادكم، في نفوسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا تنالوا أحدًا منهم بسوءٍ أبدًا».
إنّ الميرزا محمد تقي بادر للقيام بطرح قضية استقلال العراق ومقاومة المحتلين البريطانيين في الساحة العربية والدولية، فكتب بعض الرسائل بهذا الشأن، منها:
أرسل كتابًا مشتركًا هو وعددٌ من العلماء وبعثه إلى حاكم الحجاز الشريف حسين، مطالبًا إيّاه بدعم العراقيين لمواجهة اعتداءات المتجاوزين.
أرسل كتابًا آخر إلى الأمير فيصل في دمشق طلب منه دعم مطالب الشعب العراقي، ونشر ظلامية العراقيين في الصحافة الحرّة في كلّ أنحاء العالم، وإظهارها صريحةً للحكومات الأوربيّة والأمريكيّة للحصول على مقاصد الشعب العراقي العالية.
بعد مدّةٍ قصيرة من انطلاق عمل الجمعية الإسلاميّة، بادرت بريطانيا بالقبض على أعضاء هذه الجمعيّة ونفيهم، ففي شهر ذي القعدة سنة 1337 هـ اعتقل ستة من أعضاء هذه الجمعيّة، وبعثوا إلى بغداد كي يتم نفيهم إلى الهند، وبعد أنْ علم الميرزا الشيرازي بهذا الحدث أرسل كتابًا إلى (آر نولد ويلسون) الحاكم البريطاني للعراق محتجًّا على القرار، ومطالبًا بإطلاق سراحهم، فسخط الميرزا على هذا الأمر، وعزم على مغادرة العراق نحو إيران حتى يصدر من هناك فتوى الجهاد ضد بريطانيا، عندما تم نشر هذا الخبر أُرسل إلى الميرزا كتب عديدة من النجف والكاظمية وبقية المدن العراقيّة لاصطحابه إلى إيران، فهذا القرار كان سببًا لعودة الذين تم نفيهم في أقلّ من أربعة أشهر إلى الوطن، وقد قام بتحريم العمل مع البريطانيين
كتاب الميرزا إلى الحاج جعفر أبي التمن: «سرّنا اتّحاد كلمة الأمة البغداديّة واندفاع علمائها ووجوههها وأعيانها إلى المطالبة بحقوق الأمة المشروعة ومقاصدها المقدسة، فشكر الله سعيك ومساعي إخوانك وأقرانك من الأشراف، وحقّق المولى آمالنا وآمال علماء وفضلاء حاضرتكم الذين قاموا بواجباتهم الإسلامية».
بدأت صفحة جديدة من المساعي لتعزيز المقاومة الشاملة ضدّ الاحتلال البريطاني سنة 1338هـ / 1920م، فأصدر الميرزا الشيرازي كأولّ خطوةٍ في هذا الشأن فتوى تحريم التعيين، والعمل في الدوائر التي تعمل بصالح بريطانيا وذلك في 9 جمادى الآخرة سنة 1338هـ / أول مارس 1920 م، وكانت حصيلة ذلك أنّه استقال عددٌ كبيرٌ من الموظفين، واستمرت هذه الوتيرة على هذا النحو، وقبل
مدةٍ قصيرةٍ من إصدار الفتوى اجتمع الميرزا في شهر جمادى الآخرة سنة 1338 هـ، بصورةٍ سريّةٍ بعلماء وشيوخ عشائر وزعماء الفرات الأوسط، وبموجبه تم قرار هجوم شامل من قبل الناس على الاحتلال البريطاني
وفي ليلة النصف من شعبان سنة 1338هـ (21 أبريل 1920) انعقد اجتماعٌ برئاسة الميرزا الشيرازي في منزله وخلال هذا الاجتماع ناقش المشاركون كيفيّة القيام والتصدي للاحتلال البريطاني، وعرضوا عليه بتلك الجلسه نوایاهم، وتعهدوا له بأنّ فيهم القوّة الكاملة، فلم يزد فى أول مرةٍ على قوله: «إذا كانت هذه نواياكم وهذه تعهّداتكم، فاللّه في عونكم»، وبذلك أعلن الميرزا محمد تقي الشيرازي الثورة العراقيّة.
«كما استدعى الحاكم العسكري لبغداد بلفور عددًا من قادة الحركة الثورية إثر بعض النشاطات التي قام بها الثوريّون في بغداد، ووبّخهم وهدّدهم، فكتب الحاج جعفر أبو التمن أحد القادة إلى الميرزا الشيرازي مستغيثًا به لما حصل لهم من هذا الحاكم البريطاني».
«وتوفي الشيرازي مسمومًا في كربلاء يوم13 ذي الحجة سنة 1338 هـ، عن عمر ناهز الثمانين، وصلّى عليه شيخ الشريعة الأصفهاني، ودفن في الزاوية الجنوبيّة للصحن الحسينيّ الشريف». وبعد وفاة الشيخ الشيرازي قاد الثورة خلفه الشيخ فتح الله النمازي المعروف بشيخ الشريعة، كانت النجف الأشرف مركزا للفقه والأصول ولبقية علوم الشريعة، حيث قاعدة العلماء والمجتهدين ومراجع الدين، «أمثال المجتهد الكبير محمد سعيد الحبوبي العالم والشاعر الكبير
والثائر والقائد السياسي، والسيد مهدي الطباطبائي بحر العلوم. وثورة العشرين الكبرى تميّزت بما حملته من دلالاتٍ فكريّةٍ وجهاديّةٍ في مواجهة الاحتلال البريطاني لمدن البلاد».
فكانت هذه الأسباب المتقدّمة مجتمعة عوامل انطلاق ثورة العشرين، وبعد انتشار عمليات التعبئة والاستعدادات للثورة في مدن الفرات الأوسط، عُقد مؤتمر للشيوخ في الشامية في مضيف الشيخ كاظم الحاج سِكر، حضره الشاعر محمد باقر الحلّي الذي أنشد قصيدةً وطنيّةً مؤثرة، وكتب المجتمعون عريضةً إلى الحاكم البريطاني (نوبري)، طالبوا فيها بالإفراج عن المعتقلين والاحتجاج على نفي ابن الشيخ الشيرازي، ولكن هذه المطالب لم تجد أذنًا صاغية، فاشتعلت الثورة في الرميثة إلى الشامية والحلة والكوفة، ثم انتشرت في مناطق العراق كافة. ولقد أدرك البريطانيون الدور الكبير الذي تلعبه الحوزة العلميّة في تحريك الجماهير في مواجهة قوات الاحتلال، والانصياع المذهل الذي تبديه العشائر العراقيّة لعلمائها، وما تمثّله هذه العشائر من ثقلٍ بشريّ قادرٍ على التأثير في مجرى الأحداث في العراق. وقد استوعب علماء الحوزة العلميّة ومن خلفهم العراقيون أنّ مواجهة الاحتلال لابد أن تكون بموجب خطّةٍ منظّمةٍ للقيام بعملٍ ثوريّ يستهدف إخراج القوات البريطانيّة من العراق، وإقامة حكومةٍ عربيّةٍ خاضعةٍ لدستورٍ تشريعيّ مقيّد.
واصل علماء الحوزة دعوتهم للجهاد ضد البريطانيين، مستفيدين من مشاعر الرفض والتمرد التي نمت وتعمقت في نفوس العراقيين، لا سيّما بعد أنْ أكمل البريطانيون سيطرتهم على كافة الأراضي العراقيّة نهاية الحرب العالمية الاولى
بتوقيع هدنة (مودروس) عام 1918، لقد كانت العلاقة وثيقة وعميقة ومازالت بين الشعب في العراق والمرجعيّة، وهي علاقةٌ روحيّةٌ تجمع بين الدين والعقل والعاطفة، وقد تجلّت تلك العلاقة عند قيام ثورة العشرين، حيث تمّ نفي وترحيل العلماء الى إيران الذي كان لهم دورٌ فاعلٌ بثورة العشرين، وفي اليوم المحدّد لرحيلهم ذهب الناس لوداعهم وكانت حالة الحزن والبكاء والتضرّع باديةً عليهم وهم يودّعون العلماء.
وهذه الثورة هي ثورةٌ شعبيّةٌ كانت تهدف لإقامة دولة، وأعطت 8000 شهيد و500 قتيلٍ في صفوف الإنكليز، وبحدود 1200 جريحٍ، وبحدود 600 مفقود، وكان عدد الأسرى الإنكليزيين كثيرًا لدى عموم العشائر.
نماذج من الآثار العلميّة والأدبيّة التي أنتجتها ثورة العشرين:
يتناول هذا الأمر الأثر الشعري المتمرد الذي تركه لنا شعراء ثورة العشرين، والدور الذي أدّوه عبر قصائدهم الثورية، في استلهام الروح الثورية للجمهور، وكيفية تناول قصائدهم للثورة، فقد تركوا أثرًا كبيًرا في المجتمع العراقي من خلال كلماتهم الوطنيّة إلى يومنا هذا.
وكانت مهمة الشعراء أنْ يوصلوا رسالة الثورة بأسلوبٍ أدبيّ مؤثّر لمواجهة الاحتلال، ووجوب مقاومته، ونذكر مجموعةً من النماذج :
الشاعر محمد رضا الشبيبي وقصيدته (دمشق وبغداد):
ماذا بـــنا وبذي الديـــار يُـرادُ
فُقِدت دمشق وقبلَها بغدادُ
من موطن الميعاد قامت نُزَّعًا
خيلٌ لهن بجِلَّقٍ ميـعادُ
ونرى من مقدمة القصيدة أنّها بدأت بسؤال، والسؤال يحتاج إلى جواب، وكأنّ الشاعر يتكلّم عن ضمير حال الشعوب، فنراه يستخدم أسلوب الالتفات في اللغة بغية تحريك النفوس.
و«نشير إلى دور الشاعر الشبيبي في الثورة ضد الإنجليز، وتأييد الدستور العثماني (1908). وعندما أعلنت الحرب العالمية الأولى، وزحف الجيش الإنكليزي نحو بلاده، كان شاعرنا متطوّعًا بقيادة العلّامة السيد محمد سعيد الحبوبي إلى جانب الجيش التركي، وحضر معركة الشعيبة. ثم وقف - حين دخل
الإنكليز بغداد - في الحادي عشر من آذار من عام 1917م أمام (السير ارنولد ولسن) الحاكم البريطاني قائلًا: إنّ العراقيين يرون أنّ من حقّهم أنْ تتألّف حكومةٌ وطنيّةٌ مستقلةٌ استقلالًا تامًا. وقد تولّى مسؤولية مكتب النجف لجمعيّة الاتّحاد والترقّي التي عملت على إقامةٍ حكومةٍ وطنيّة. وكان وثيق الصلة بالبلاط الملكي الهاشمي، فلعب أدوارًا سياسيّةً بارزةً منها: سفرته إلى بلاد الحجاز لمقابلة الملك الحسين بن علي في إطار التأسيس للمملكة، وسمّي بسفير ثورة العشرين».
الشاعر محمد مهدي البصير وقصيدته (صوت الشعب)
لئن لم يمضِ في كفّي سلاح
فلا ينبو على الضراء خلقُ
يحاسبني على الحسنات قومٌ
جزوني بالذي لا أستحقُّ
نصحتهم بإلّا يستكينوا
فهل في مثل ذا أبدًا أعقُّ
لقد استخدم البصير أداة الشرط (لئن) في الشطر الأول، وكلمة (ينبو) في الشطر الثاني، ونلاحظ الربط ما بين الشرط والتنبوء للمستقبل المرّ الذي حاول الشاعر تبيانه للجمهور، كما يوجه العتب إلى كلّ من لم ينصفه في حب الوطن
هم المستعبدون كما أرادوا
فليس لهم كما أمّلت عتقُ
بردن دماؤهم فجمدن خوفًا
فلم ينبض لهم بالمجد عرقُ
وقادوا شعبهم كي يسلموه
ولكن مالصوت الشعب خنقُ
حاول الشاعر بين ماهية الاحتلال، وعدم الركون إليه أو الوثوق بوعوده، كما يندد بقادة الشعوب الذين استسلموا للمحتل، وحاولوا أنْ يجعلوا الشعوب تسلّم للأمر الواقع للاحتلال، إلّا أنّه يؤكّد على عدم إسكات صوت الشعوب الثائرة المقاومة، وقد لُقّب الشاعر البصير بشاعر ثورة العشرين لما كان له دورٍ واضحٍ في استنهاض الشعوب ــ من خلال أدبه وشعره ــ للثورة ومقاومة الاحتلال، وله قصيدةٌ شعريةٌ معروفةٌ كانوا يرددونها في التظاهرات عنوانها (لبّيك أيّها الوطن):
إن ضــاق يا وطني عليَّ فضاكا
فلتتســع بـــي للأمـــام خـطاكا
بعثـت ثراك دمـي فإنْ أنا خنتها
فلتنبــــــــذني إن ثويــت ثراكا
بك همْتُ أو بالموت دونك في الوغى
روحي فداك متى أكون فداكا
هجعات جفنـي لا يَمُـرُّ به الكرى
ما دام جفنك طافحًا بكــــراكا
لك قد خُلقـت ومنك فيك فنسـبتي
تقضـي عليَّ بأننــي أرعــاكا
أتُراك تضـمن لي كرامة مصرعٍ
فيهِ أبيت مجاورًا صـــــــرعاكا
كــم أورثتك يد السيـــاسة عـــــــلة
فاشرب دمي وأظن فيه شفاكا
(392)ونلاحظ في هذه الأبيات أنّ الشاعر استعمل أسلوب الحديث والمناجاة مع الوطن، والتعبير عن الهيام وشدة الحب، وتقديم أغلى ما يملك، وهي روحه في سبيل تحريره من المحتل، فيريد استنهاض الشعب لتقديم أغلى وأنفس ما يملكونه قربانًا لوطنهم وأرضهم.
ولا يخفى أنّ الشاعر البصير من «مؤسّسي حزب حرس الاستقلال في العراق عام 1919 م، وعضو الحزب الوطني العراقي بقيادة جعفر أبو ألتمن عام 1922 م لقّب بشاعر ثورة العشرين لما قدمه من شعر فيها، وفي كل قضايا العراق الوطنيّة. درس في جامعة مون بلييه في فرنسا 1931 ــ 1937م، وحصل على شهادة الدكتوراه في الأدب الفرنسي. عمل أستاذًا في دار المعلّمين العالية في جامعة بغداد حتى تقاعد في ستينات القرن العشرين».
ولما كانت الأسّس التي انطلق منها معظم الشعراء في التحشيد والتعبئة الجماهيريّة هي الخطب والمناسبات الدينيّة، فهم لم يتركوا القضية الأساس وهي الاحتلال، فكانت في النجف تقام الحفلاتٌ الدينيّةٌ، والمواليد والتعزية الحسينيّة في جامع الهندية، والشعراء كانوا يلقون الشعر التحريضي ضدّ الاحتلال أمام الجماهير.
الشاعر محمد باقر الحلي بقصائده وخطبه
وهو: محمد باقر بن ناصر بن حُسين الحسينيّ الحليّ، من أُسرة آل عزّام المُلقّب بـ(العالم)، وهو الأخ الأكبر للمرحوم طه باقر المعروف بقارئ الطين، ولد في الحلة محلّة الطاق سنة 1894م، كان من أوائل المُشاركين في ثورة النجف سنة 1918م، منظمًّا إلى جمعيّة النهضة الإسلاميّة، وله مُشاركة فاعلة في مُحاربة
الإنكليز، وقد زُجَّ في السجن ثمّ هرب منه ملتجًا إلى منطقة الياسريّة جَنوب مدينة النجف، فأسّسَ فيها مدرسة لتعليم الأولاد في (الشاميّة)، وشارك في استنهاض الهمم لمُحاربة الإنكليز المُحتلّين، وكان في طليعةِ من أشعل الشرارة الأولى لِثورة العشرين، وقال محمد علي كمال الدين في مذكّراته عن ثورة العشرين: «أنّه دُعي محمد باقر إلى اجتماع الشاميّة الذي حضره كبار المشايخ من قبائل آل فتلة والخزاعل والغزالات، والعوابد، والسادة الياسريّين يوم 15 شوال 1338م، في مُضيف عبد الكاظم سكر، للتداول في محنة العراق والعراقييّن مع مُحتل جديد، ووفد على ذلك الاجتماع قادة إنكليز منهم: (الميجر نوريري) حاكم النجف والشاميّة، و(هوبكنز)، وحاكم أبو صخير ومُعاونه (مصطفى أفندي خرمة السوري)، وسبق ذلك زيارة الشيخ مجبل الفرعون، وكان من بين الحضور السيد محمد باقر الحليّ، وبعد إنْ اكتظ المجلس، صعد المنبر الذي كان في المضيف دون مقدّمة أو استئذان وراح يُلقي قصيدة:
بَني العُـــربِ لا تأمنوا للــــعِدا مـــكرا
خذوا حذركم منهم فقد أخذوا الحذرا
يُريدونَ منـــكم بالــوعـــودِ مكـــيدة
ويبغون إنْ حانت بكم فرصة غـدرا
تُريـــدون بالأقــلام إنـــجاح أمــركم
وهل تنفع الأقلام من حطّــــم السّرا
يخوضُ عِبابَ البحر من طلب الذُرى
يَلقـى ظلام الليل من عشــق الزهرا
ومن ماتَ دون الحقِّ والحقُّ واضحٌ
إذا لم ينلْ فخرًا فقــد ربح العـــذرا
بَني العُـــربِ لا تأمنوا للــــعِدا مـــكرا
خذوا حذركم منهم فقد أخذوا الحذرا
فسكتوا سكوتًا عميقًا إلى أنْ أكمل القصيدة، وأعقبها بخطبةٍ أوقدت نار العزيمة والثورة في نفوس الحاضرين، وكان من بينهم زُعماء قبيلة الخزاعل، قائلًا: «يا زُعماء الخزاعل إنّ قبيلتكم كانت تُسمّى خُزاعة، وقد دخلت بيعة النبيّ محمد صلىاللهعليهوآلهوسلم، وكان الحلف بين النبيّ وبين قريش ألّا يؤذوا مُبايعيه، غير أنّ قرشيًّا شجّ رأس أحد الخزاعيّين، فشكا ذلك إلى النبي فغضب النبيّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، وقال: (لا ينصرني ربّي إن لم أنصر خُزاعة)، فجيَّشَ جُيوشه التي كان لها فتح مكّة، وأنتم يا زعماء خُزاعة هكذا انتصر لكم النبي وغضِب لأجلكم، فمتى أنتم تنتصرون له؟! أمّا في الآخرة فأنتم أحوج إليه منكم. عندها ثار أحد زعماء الخزاعل وهو الشيخ سلمان العبطان وسلّ سيفه، ووقف قبال محمد باقر، وهزَّ السيف في وجهه، قائلًا: (عد وجهك، أنا أخو فاطمة)، فنهض جميع من حضر، وهوّسوا بحضور الإنكليز: (بس لايتعلّگ بأمريكا)»، قاصدًا هُنا ألّا تستنجد بريطانيا بأمريكا كما فعلت بالحربِ العالميّةِ الأولى. «أسرع الإنكليز إلى بواخرهم وتبعهم أطفال القبيلة يقذفونهم بالحجارة، فكانت تلك الشرارة الأولى لبدأ ثورة العشرين».
بعد أنْ شاع خبر محمد باقر وقصيدته ومحاججته للخزاعل، قام جميع من حضر ذلك المجلس بتحرير رسالة إلى شيوخ الرُميثة يستنهضوهم للثورة بوجه المُحتل، فوجد السيد علوان الياسريّ حامل الرسالة أنّ الشرارة قد قدحت باعتقال الشيخ شعلان. ويروي د. إبراهيم الوائلي في كتابه (ثورة العشرين في الشعر العراقيّ) أنّه: «تم التوجّه لمساندة السيد گاطع العوّاديّ في مسعاه، وبهذا
الشأن فقد سرت عدوى تلك الحفلات إلى النجف عن طريق السيد العوّاديّ، فعندما عاد إلى النجف في أواخر رمضان اتفق مع السيد علوان الياسريّ، والشيخ عبد الكريم الجزائري، على إقامة اجتماع سياسي تحت ستار التعزية الحُسينيّة، وطلبوا من السيد محمد باقر الحليّ نُظم قصيدة بالمُناسبة، وأقيمَ الاجتماع في الجامع الهنديّ واكتظّت ساحة الجامع على سعتها بالناس، واُختير السيد محمد علي قسّام ليكون قارئ التعزية، وقراءة المقدمة (الهدية) للسيد محمد باقر الحليّ، حسب العادة، في مجالس التعزية، وبدلًا من أن يُلقي قصيدة رثاء الحُسين عليهالسلام ألقى قصيدةً سياسيّةً كان قد كُلِّفَ بنُظمِها، منها:
يا شعبُ كيفَ حِمى عُلاكَ
يرامُ وبنوك بعدَ العزّ كيف تُضام
هذي الذئاب لهم فيك مسارحٌ
فليحمِ منك عرينه الضرغامُ
هُم يطلبون على العراق وصاية
عجبـــًا فــــهل أبنـــاؤهُ أيتامُ
حتّى اليهود يوقرون وحقهم
يرعى وحقّ المُسلمين يُضامُ
وله قصيدة لسان حال الشعب، منها :
سـأبقى وإنْ لم يعبؤوا بإرادتي
أضجّ الى أنْ يسمع الحقّ ســـــــامعُ
وكي لا يقولوا جاهلٌ متـــــــــــهورٌ
تســرّع فيما رام والوقت واســـــــعُ
أرددُ صوتي مرّة ً بعد مــــــــــــرّةٍ
ليحسن فيما بعد ما أنا صــــــــــانعُ
ويذكر الدكتور علي الوردي «ونسيَ الحاضِرون أنفسهم عند سماعهم تلك القصيدة, مع العلم أنّ التصفيق غير جائز في مجالس التعزية الحُسينيّة». ومن الشعراء الذين أيدوا الثورة
الشاعر الشيخ محمد علي اليعقوبي: وجاء في قصيدته
أحبتنا في ساحات الكفاحِ
ثقوا بالنصر فيها والنجاحِ
نفرتم للوغى لما دعاكم
لها الداعي بشوق وارتياحِ
ففزتم بالفخار بها وآبت
أعاديكم بخزيٍ وافتضاح
وإنْ ورائكم شعبًا كريمًا
أبيًّا لا يراض على الجناح
نرى الشاعر قد استخدم أسلوب الترغيب في القصيدة، وجعل القصيدة تقريرًا للمستقبل، فنلاحظ في كلمة (ثقوا) أنّه يؤكد لهم النصر ليزيد من سكينتهم وعزيمتهم، ثم ينتقل إلى المديح بقوله: (نفرتم للوغى)، وهذه القصيدة كانت
لمؤازرة الثوار المرابطين، فأبدع فيها الشاعر من الناحية الأدبيّة والمحسنات اللفظيّة.
تنبع أهميّة الأدب الشعبي في كونه شكلًا من أشكال التواصل الاجتماعي، يعبّر عن رغبةٍ محمودةٍ في بناء هويّةٍ ثقافيّةٍ جماعيّةٍ قادرةٍ على حفظ وحدة الجماعة وقيمها ونمط عيشها وعاداتها وتقاليدها. وإنّ أشكال التعبير في هذا الأدب من التنوع والتعدد ما يجعلها على درجةٍ عاليةٍ من الرسوخ والثبات في مقاومة كل أشكال الحداثة الغربية الزاحفة والمسخ الثقافي، وما من أمة إلّا وتملك ثقافةً شعبيّةً تحفظ ماضيها وتراثها الثقافي، وتعكس رؤيتها للعالم ونظامها الأخلاقي ومرجعيتها الفكرية التي تنبع من أصولها وتعبر عن قيم أسلافها ا لأوائل الذين يحظون بالتقديس والتمجيد والتبجيل في كلّ الثقافات ولدى كل الجماعات الثقافية.
والهوسة هي فنٌّ أدبيّ شعريّ تميّز به أهل العراق، وتكون باللهجة العراقيّة و«قد تبدو أنّ اللهجة العراقيّة صعبة وعير مفهومة للبعض؛ لوجود مفرداتٍ لفظيّةٍ لا تستخدم في بعض الأقطار العربية، لكن أثبتت الدراسات الأثرية الحديثة أنّ الكثير من المفردات المتداولة في اللهجة المحكية العراقيّة تعود إصول سومرية وآرامية وسريانية». وتعدّ من العناصر المهمة في إثارة الهمم وإيقاظ العزائم، وإعطاء القوة مما يساوي في تأثيرها النفسي ما تساويه الآلة الفاتكة في يده، ولها فعل السحر في لإثارة العواطف وبعث الحماس في النفوس، وللأهازيج
قصصها، ونجد فيها اتساق الوزن وقوة المعنى الذي يجنح أحيانًا إلى تشبيهاتٍ مرعبةٍ متخيلةٍ، وهذا يعود إلى العفوية، وإنّه ابن اللحظة؛ لذا خلا من الصنعة المفتعلة فأضفت عليه الرقّة والتعجّب والتأمل إلى كيفية المعنى التراجيدي.
وعروضيا تعدّ (الهوسة) من بحر الخبب - حركة الخيل - هكذا صنّفها الخليل بن احمد الفراهيدي، وتعتمد بتفعيلتها على (فعلن) مكررة، وتسمّى لدى الشعراء الشعبيون بـ(الهوسة)، ومنهم من يسميها (أعكيليّة) نسبة لعشائر العكيلات، وسُمّيت غير ذلك.
ومنهم من سماها (الأهزوجة)، ورأى بعضهم أنّها من الهزج (التجليبه)، وأمّا الهوسة (عكيلية)، وهي نوعٌ من أنواع الشعر الشعبي أيضًا، وهناك خطأ شائع يقع به الشعراء حيث يسمون (الهوسة) بـ(العراضة)، و(العراضة)، قد يكون من معطياتها (الهوسة)، و(العراضة) يعرفها أهل الوسط والجنوب العراقي وبخاصة أهالي الفرات الأوسط، وللعراضة مراسيم خاصة لسنا بصددها، كعراضة المتوفى، وعراضة الزواج، وعراضة (تشييخ) أحدهم لعشيرته، وقد فعلت (العراضة) فعلها في نفوس رجالات العشائر إبّان ثورة العشرين.
تكتب الهوسات بكافة أوزان الشعر الشعبي كالموشح، والتجليبة، والنصاري، وهذه هي الأوزان الشائعة غالبًا، ومنهم من يكتبها بأوزان أخرى، مع ملاحظة أنّ الأبيات التي يكتبها الشاعر (المهوال) غالبًا لا تزيد على ثلاثة أبيات يختمها بالـ(هوسة)، والتي يجب أنْ تكون على تفعيلة الخبب (فعلن)، لكي يؤدي المجتمعون مع (المهوال) الحركات التي تتواءم مع أهزوجته، وتتخلل الأهزوجة حركات راقصة من مؤدّيها جميعًا، وغالبًا ما يحمل الشاعر بيده بندقيته ويرقصها، ويطلق الآخرون عيارات نارية من بنادقهم.
(399)
وتاريخيًّا يمكن القول إنّ الأهازيج والهوسات ليست حديثة العهد في الاستخدام للحروب، بل استخدمت قبل الإسلام، وفي الإسلام فدور الأراجيز التي وردت في كتب التاريخ في معارك النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم ونهضة كربلاء كان دورًا فاعلًا في رفع المعنويات وتثوير الحماسة في النفوس بفارق أنّ الأرجوزة فصيحة، والهوسة والأهزوجة عامية، ويصاحبها حركات دائرية أقرب إلى الرقص الجماعي الحماسي للمجتمعين، ويمكن عد الهوسة والأهازيج لونًا غنائيًّا فلكلوريًّا عراقي أصيل، ويعد من أكثر الأنماط الشعبيّة ارتباطًا بالمجتمعات الريفية.
وإذا أراد المهوال إلقاء الهوسة يقوم بإطلاق صوت منبّها الحشود قائلًا: (ها ها ها)، والقصد منها هو لفت انتباه المجتمعين حتى يسود السكون بينهم؛ ليلقي عليهم ما يريد، فيلقي عليهم ثلاثة أبيات من الشعر الشعبي ذات الوزن الواحد، والمعنى مختلف، ثم يختمها بالرباط (الردسة).
والجدير بالذكر«أنّ البيرغ أو الراية التي رفعها السيد علوان الياسري وهو يقود جموع المجاهدين في ثورة العشرين في مناطق الفرات الأوسط، وقد كتب الأديب العالم محمد الحلي بخط يده الآية الشريفة ﴿أُذن للذين يُقاتلون بأنّهم ظلموا وأنّ الله على نصرهم لقدير﴾، هي أول رايةٍ في تاريخ العشائر العراقيّة تحمل كتابة عليها وترفع للثورة الكبرى، حملها المجاهد معارج آل محيميل، وسارت خلفها أول حربية (كتيبة) للمجاهدين يقودها السيد علوان الياسري، ويرافقه الأديب الحلي ومن الأهازيج التي كانو يرددوها
بيرغ الحرب ترفرف
فوك روس النشامه
يـــا حبيبــــي تحضـــــر
طارش الموت إجانه
وأيضًا من هذه النماذج أهزوجة قالها رباط الفتلاوي في بدء الثورة العراقيّة الكبرى: (يزليخا ليوسف تاليها)، قاصدًا البريطانيين وموضّحًا أن سياستهم ستكشف حتى يعود الحكم للعراقيين كما عادت زليخا ليوسف. وأيضًا جبهة الرميثة والسماوة التي سمّيت بجبهة العوجة ظلّت صامدةً حتى نهاية الثورة فانهالوا عليها بالحمد والثناء ومن هذه الأهازيج: (ثلثين العفرن للعوجة)، والعفرن (عفرم) كلمة تركية أصلها آفرم وتقال للدلالة على المدح والثناء.
ونذكر خير نماذج من الهوسات التي تردّدت في مناطق الفرات:
للشيخ سعدون الرسن شيخ عشائر الأكرع في الديوانية ــ وهو ممن عرف بالشجاعة والإقدام، فضلًا عن مهاراته في نظم الهوسات ــ أهزوجة طريفة استحضر فيها بعض مفردات من كتاب الله العزيز، يقول فيها (سجيل أمطر جيت اعليها). وهو يصف كيف أنّ الثوار أقدموا بالهجوم على القوات البريطانيّة دون مبالاة بقوة السلاح وحداثته وهو يصفهم بحجارة السجيل.
وكان موقف قبائل آل ازيرج في مقارعة البريطانيين موقفًا مشرّفًا فعندما تقدمت قواتهم بقيادة الجنرال البريطاني هاملتن مع جيشه من الناصرية باتجاه
الكوت، ووصولهم إلى منطقة سويج خفاجة قرب باهيزه - هي أراضي منبسطة تقع شمال محافظة ذي قار بنحو خمسة كيلو مترات - التابعة لمدينة الشطرة دارت على صيغة الهوسة: (شرناها أو عيّت باهيزه)، أي استشرنا باهيزة وامتنعت أنْ تعبروا، وأكمل شخص ثانٍ: (شرناها وكالت ماريده)، بمعنى أنّها لا تريد الأجنبي، ولم تقبل بعبور قواته، وتمم ثالث تلك الأهزوجة: (شرناها وكالت كتالي)، أي قاتلي وخصمي، فلا أقبل بعبوره، وقال آخر: (شرناها وكالت مايعبر)، أي عدم السماح له بالعبور، وقال خامس: (شرناها وكالت من داري)، أي إنّ هذا الأمر مستحيل حدوثه، عندها أدرك البريطانيون المراد من تلك الأهزوجة، وولوا منسحبين عن المنطقة.
كطّان حميّد صرت آنا
أي إنّني أصبحت مثل (كطّان حميّد)، والكطّان هو (القطّان) نوعٌ من السمك معروف في جنوب العراق، وهذه الهوسة تشير إلى قصة معروفة في زمانها: وهي عن سمّاك يدعى حميّد (تشديد الياء للتصغير) ألقى شبكته يوما في النهر، فما لبث أن شعر بجسمٍ ثقيلٍ، وتخيّل فرحًا أنّه اصطاد صيدًا ثمينًا، ولعله من سمك الكطّان، ولكن فرحته لم تدم؛ لأنّه اكتشف أنّ صيده كان حجرًا ثقيلًا، فيشبّه القائل نفسه بـ(حميّد) الذي لم تطل فرحته، ولما سمع الناس أنّ الشيخ ضاري ورجاله قتلوا (ليجمان) الذي أصبح أسطورة في بطشه وقسوته، خرجت الجموع تهوس قائلة: (هز لندن ضاري وبجّاها)، ولما توفّي الشيخ ضاري في سجنه بعد ذلك بثماني سنوات وخرجت الناس في تشيعيه تردد:
منصورة يا راية ضاري الدنيا غدارة ياابن العم
واش هالغيبة يابن العم وياشيخ اتهنا بهالنومة.
وأيضًا الشاعرة افطيمة آل علي من عشيرة الظوالم عندما خرج أخوها وابنها إلى ساحة المعركة في جسر السوير ومضت مدة عليهما، ثم رجع أخوها فسألته عن ولدها أجابها: (جن لا هزّيتي أو لوليتي)، فأجابته مفتخرة بذلك: (هزّيت أو لوليت الهذا)، تشير إلى أنّها ولدته وعانت تربيته للحصول على أداء واجبه الوطني لهذا اليوم الذي قارع الإنكليز أعدائه .
وهذه الشاعرة عفته بنت اصويلح من عشيرة الإزيرج أسر العدو ولدها، وقد مروا به عليها، فلما شاهدته خشيت أنْ يناله الجبن وربما يلوذ بالإنكار، فافهمته بالهوسة المعروفة عند أبناء المنطقة: (بس لا يتعذر موش آنه)، فأجابها بصلابة وقوة عقيدة، بعد أن فهم قصدها: (خلوني ابحلكه أو كلت آنه).
[1]. كمال الدين، محمد علي،ثورة العشرين في ذكراها الخمسين، 376.
[2]. المصدر نفسه .
وهذه القائمة للتمثيل، وليست على وجه الحصر، وقد ذكر صاحب (كتاب الشعر الشعبي لشاعرات ثورة العشرين) كثيرًا من النصوص الشعريّة للمرأة الفراتية، ملتقطًا ذلك من أفواه الرجال الذين شاهدوها وسمعوا شعرها وممن حضروا المعارك الرهيبة، ويذكر هنا كأنّه لاقى صعوبة في الروايات؛ نظرًا إلى كون الرواة يستمعون إلى شعر يرتجل فيعتمدون على قوة الذاكرة، ومن الصعب الإحاطة بكلّ ما سمع في وقته فقد ذهب المعظم منه لأنّه لم يُسجّل في حينه، أو سُجّل ولم يعثر عليه. و من النصوص المهيجة برواية الثائر (اشناوة آل ماخي)، فقد سمع ذلك من أصواتهن وهن يهتفن برجالهن عندما وصل جيش الإنكليز إلى (الرارنجية) وعندما نطلق رصاص الثوار هتفت إحدى بنات آل فتلة مخاطبة الزعيم عبد الواحد الحاج سكر ومهيجة له فقالت الأولى:
و في (كتاب شاعرات ثورة العشرين) لعلي الخاقاني، يذكر الشعر الشعبي لشاعرات ثورة العشرين، وكيف أنّ المرأة العراقيّة وقفت إلى جانب الرجل في هذه المرحلة، ويركّز على شعر الهوسة، فيذكر أسماء الشاعرات، والعشيرة، وسبب الشعر، وأين قيل الشعر.
أولًا: كانت هذه نظرةً سريعةً إلى التطوّر العام للشعر الحديث في هذه المرحلة، ولا تغني بالطبع عن التفصيل؛ فالصورة العامة لهذا الشعر صورةٌ محيرة، ولن يقربنا منها سوى الرجوع إلى الأصول التي مهّدت لها كما رأينا في بداية البحث.
ثانيًا: إنّ الظواهر التي رأت النور في تلك الفترة لا تزال تؤثر على الحياة الشعرية حتى اليوم. وسواء تبين لنا أنّ شاعرًا من الشعراء قد تأثّر بسلفه أم لم يتأثر، فإنّ ذلك لن يعفينا من التسليم بحقيقةٍ هامة تسري على الشعر سريانها على سائر الفنون، ألا وهي أنّ لكلّ عصرٍ روحه وأسلوبه الملزم، وأنّ هناك أسلوبًا في الرؤية والإحساس والأداء تميّز به الشعر في ثورة العشرين.
ثالثًا: إنّ قيمة هذا الشعر تكمن في شجاعة المخاطرة في التفوّه به أمام المجتمع، وفي المحافل والمدارس والمساجد، لا في النتيجة النهائية.
رابعًا: سلطان شعور الشاعر بكلماته حول عذوبة أن نكون مع المقاومة أو لا نكون بدونها، وهذه هي ذروة العمر كلّه فيثير المشاعر والانفعالات في نفوس مجتمعه.
خامسًا: ويتضح لنا جليًّا أنّ أهازيج ثورة العشرين كانت حصيلة جهاد أولئك الأبطال الذين خلدوا لنا تاريخهم وسطّروا لنا بطولاتهم من خلال ما نطقت بخ شفاههم فقد ظلت أراجيزهم طافحة بحب الوطن والجهاد والثورة ضد المستبد الظالم والمحتل الغاشم.
(406)
سادسًا: كما تبيّن سهولة الهوسة وبساطة تعبيرها مما ساعدها على الانتشار سريعًا في أواسط الجماهير فكانت تثير حماسهم فهي خطابيّةٌ مباشرةٌ وعفويّةٌ، فأهزوجةٌ واحدةٌ يطلقها المهوال كانت كافيةً لتجنيد جيشٍ كامل.
سابعًا: الهوسة والأهزوجة لها دور مهم تعد مصدرا من مصادر قراءة سير أحداث ثورة العشرين وتطوراتها.
ورد في مأثورات القدماء أنّ السماء قد أنزلت الحكمة على ثلاثة أعضاء من البشر، على أيدي الصينيين وعقول اليونان، وألسنة العرب، وقد فطن العرب بأنّ البلاغة والشعر ومهارة اللسان هي جماع قدراتهم الفنية وعلو عطائهم الحضاري بين الشعوب. وفن المسرح من بين تلك الفنون التي اهتم بها العرب في القرون الأخيرة، وليس من شك في أنّ ظاهرة المسرح كغيرها من الظواهر الفنيّة في حياة المجتمعات تثير عددًا من التساؤلات والخلافات بين العاملين في هذا الحقل والمهتمين بأمره، وهي خلافات تتنوع وتتشعب طبقًا للموقف الذي يتخذه كل فنان ودارس من هذه الحياة، إذ إنّ الفن المسرحي من الوسائل الفنيّة الضروريّة لاتّحاد الفرد والجماعة، وهو يعكس بلا شكّ قدرته اللامحدودة على المشاركة واقتسام الأفكار والخبرات، فالعرض المسرحي هو لقاءٌ بين مجموعتين إنسانيتين، الأولى هي الجمهور، والثانية هي الفرقة المسرحية.
وكثيرة هي الآراء والتحليلات التي طرحت حول بدايات المسرح على خريطة الأرض، تفاوتت هذه الآراء وتقاطعت مع بعضها بعضًا، ولا نريد الخوض فيها هنا، ولكن نشير إلى الرأي المختار وهو أنّ البلاد العربيّة لم تعرف المسرح قبل أواسط القرن التاسع عشر، ولم تشاهد من هذا الفن إلّا النزر اليسير، وهو ما كانت تقدمه بعض الفرق الأجنبيّة في مناسباتٍ خاصّة، وأما بالنسبة إلى
(407)العراق هناك من يقول إنّ المسرح في العراق بدأ مع بداية الحكم الوطني، أي في عام 1921 م، وآخرون يقولون إنّ المسرح كان موجودًا عندنا قبل هذا التاريخ، ويمكن تحديد زمانه بالثالث الأخير من القرن التاسع عشر حيث ابتدأ المسرح رحلته وتواصل حتى العام 1988.
وذلك على الرغم من توافر المصادر والمراجع التي تعين الباحث والدارس على رسم مسارات الحياة المسرحية في العراق وتحديد علاماتها وعناصرها ومراحلها فتحدد ظهور النشاط المسرحي في العراق الحديث خلال الربع الأخير من القرن التاسع عشر، ولم يتفق الباحثون والموثقون حتى الآن على تاريخ ( يوم - شهر - سنة) لبداية هذا النشاط، ومن كان أوّل رائد له؟ إلّا أنّ الإشارات قد كثرت الى ما كان يُعرض ويُكتب خلال سنوات التأسيس التي تمتد الى عام 1921م، حيث انفصل العراق عن الاحتلال العثماني، وبعد الاحتلال البريطاني، وخلال الفترة التي سبقت عام 1921م، ظهرت النوادي والتجمعات التي تسترت بالنشاطات الاجتماعيّة والثقافية العامة، وهي في جوهرها كانت تعمل من أجل إذكاء الروح الوطنيّة وتأجيجها ضد المحتلين، إنّ هذه النوادي أدّت دورًا في إنعاش النشاط المسرحي، الذي اتخذته سلاحها في جهادها ضد الغزاة الاحتلال، وخاصة في بغداد ونينوى. أما البصرة، فلم يجرِ فيها أيّ نشاطٍ مسرحيّ كهذا خلال الفترة هذه.
ومن تلك العروض نشير إلى أربع مسرحيات هي:
1. (وفاء العرب) قدّمها في بغداد طلبة مدرسة الكلدان في النصف الثاني من تشرين الأول عام 1920م، وهي من تأليف انطوان الجميل .
2. (وفود النعمان على كسرى انو شروان)، وقد عُرضت عام 1920م، وخُصّص ريعها لمنفعة الثوار .
3. (فتح الأندلس على يد طارق بن زياد)، وهي من المسرحيات التي قُدّمت
عام 1920م، وقد خُصّص ريعها لمنفعة ثورة العشرين العراقيّة .
4. (صلاح الدين الأيوبي)، وهي أول مسرحية تُعرض على مسرح مدرسةٍ إسلاميّةٍ في الموصل، وقد أخرجها أرشد أفندي العمري مهندس البلدية عام 1921 .
كان لثورة عام 1920م، تأثيرٌ كبيرٌ في تطوّر المسرح في العراق حيث ظهرت حركةٌ مسرحيّةٌ تواكب الثورة، وتعبّر عنها من خلال الفرق المسرحيّة الشبابيّة التي أسّسها حقّي الشبلي عام 1927م، حيث كانوا يقدمون مسرحياتهم في المنتديات والنوادي الاجتماعيّة ومنها مسرحية شهيد الدستور.
ونعود إلى الأديب محمد مهدي البصير في مجال الأدب المسرحي وتأثير أدبه في ثورة العشرين، يشير الدكتور علي الربيعي في كتاب (محمد مهدي البصير رائد المسرح التحريضي في العراق) إلى أهميّة مسرح البصير في التصدي والتفاعل مع موضوع ثورة العشرين وتجلياتها الاحتجاجية؛ إذ ألّف البصير مسرحيتين بهذا الصدد الأولى بعنوان )وفود النعمان على كسرى انو شروان(، والثانية بعنوان (دولة الدخلاء)، ويذكر الربيعي أنّ المسرحية الأولى ظهرت عام 1920م، على (مسرح سينما أولمبيا) في بغداد، حيث لم تكن هنالك قاعات مخصصة للعروض المسرحية، وتشير إلى دفاع النعمان عن حقوق العرب في حضرة كسرى ملك الفرس بوصفه جاء محتلًّا لا محرّرًا في تناصٍ واستعارةٍ وغمزٍ لعبارة الجنرال مود الشهيرة: (إنّنا جئنا محرّرين لا فاتحين). ولم يذهب البصير في معالجته لموضوع الثورة دراميًّا الى المباشرة أو الخطابية أو الزعيق السياسي، إنّما عرض موضوعًا تاريخيًّا وحكايةً من التراث وأسقط عليها رؤيته لثورة العشرين والتحرّر من المحتلّ، من منطلق قومي واممي أوسع في التحريض .
وفي )دولة الدخلاء( التي كتبت عام 1925م، لم يثبت أنّها قُدّمت على خشبة المسرح، وقال عنها كاتبها (البصير): «عروض هذه الرواية قبل كلّ شيءٍ تنبيه الأفكار إلى ما نشأ وينشأ عاجلًا أ م آجلًا من الويلات والمصائب عن تكالب الزعماء على منافعهم الذاتيّة الخسيسة، وإشراك الدخلاء في مصالح الوطن وخبراته كأنّهم من أبنائه». ويبدو أنّ المسرحيّة قد مُنعت من قبل السلطات حينها؛ إذ لا يوجد لها (بروشور) عرض، أو إعلان في الصحف، أو إشارات في كتب الرواد التوثيقية، أو النقدية، وهذا المنع سببه ما حوته المسرحية من نقدٍ لاذعٍ للسلطة، وفيها استشرافٌ وقراءةٌ لحياة وظواهر ما بعد ثورة العشرين من منظورٍ وطنيّ، ينظر بريبةٍ وشكٍّ للأجنبي ووجوده في مصادر القرار السياسي الداخلي، ويشير أيضًا الى المأجورين والعملاء وشذّاذ الآفاق من بعض السياسيين الذين يعيشون ازدواجية ولائهم للسلطة العثمانيّة السابقة، وإذعانهم للإنكليز وعقدهم للأحلاف والصفقات المريبة معهم.
إنّ أهمّ ما يميّز مسرحيات (البصير) التحريضيّة هو قوة السبك اللغوي، والألفاظ العربيّة المنتقاة بعناية فائقة؛ فهو الأستاذ الضليع والعارف باللغة وبلاغتها وأسرارها، وطعّم مسرحيّاته ببعض الأشعار التحريضيّة والحماسّية التي ألهبت قاعات العرض المسرحي وجماهيرها آنذاك. وكان حاذقًا في فهمه للنوع المسرحي وصنعة الحوار، فهو لم يكتب مسرحياتٍ شعريّةً كما فعل أحمد شوقي، وهو القادر على ذلك والنابغ فيه، إنّما جعل مسرحياته متنوعةً في أنساقها اللغويّة والشكليّة، نثرًا وشعرًا، غايته في ذلك لكي لا يذهب المؤدّون نحو الروح الغنائيّة للشعر وإيقاعه الموزون ممّا يحدث الرتابة في الأداء، وحتى لا يتغافلوا عن الجوانب الإدراكيّة والعقليّة التي يتيحها الحوار نثرًا.
وهناك مسرحياتٌ تحريضيةٌ تأثّرت بالأطر الفكريّة والجماليّة لمسرح (البصير)
منها مسرحية (وحيدة) لموسى الشابندر، وهو وزير خارجية العراق في بدايات العهد الملكي، كتبها عام 1929م، وتعدّ من أنضج المسرحيّات التحريضيّة ووحيدة أشبه بدراما الاجتماعيّة القرينة بمسرحيّات الكسندر ديماس الابن، وقد استطاع المؤلّف أنْ يضع علاقة الحبّ بين قوى الشر الكاسحة وقوى الخير الضعيفة في مجتمعٍ متأخّرٍ ورجعيّ، حيث يتغلّب الشر على الخير، وفي محورها الثاني تحرّض على الوقوف ضدّ الاحتلالين العثماني والإنكليزي، وتحرّض أيضًا على تغيير المجتمع المتخلف وعاداته البالية إلى مجتمعٍ أفضل، قُدّمت المسرحيّة كأول إنتاج للفرقة القوميّة للتمثيل بعد تأسيسها، وعُرضت في 10/ 4/ 1969 بإخراج محمد القيسي وفخري الزبيدي، وتمثيل فاطمة الربيعي، وعزيز عبد الصاحب، وقاسم الملّاك وآخرين.
ونشير أيضًا إلى قصص الأطفال التي تذكر ثورة العشرين، ومنها ما كتبه الكاتب والقاص جاسم محمد صالح؛ إذ كتب ثلاث قصصٍ للأطفال عن ثورة العشرين تحت عنوان (الحصار)، يتناول فيها قصة الشيخ ضاري، والشهيد
النجار حميد الأخرس، والشهيد نجم البقّال. كما كتب للفتيان قصصًا ورواياتٍ تاريخيّة على شكل سيناريوهات مصوّرة، نُشرت تباعًا في في مجلات: (الميسرة)، و(المزمار)، و(مجلتي) وغيرها، والجدير بالذكر أنّ رواية الحصار، ورواية الفأس، ورواية الصفعة، ورواية الخاتم، فازت بالجائزة الأولى في أدب الطفل في الملتقى الثقافي العراقي الأول عام 2025م، ومن روايته أيضًا رواية (ملكة الشمس) و(منقذ اليعربي) ورواية (صالح الخراشي)، كما مثّلت له مسرحيات كثيرة للأطفال، منها (أصدقاء الشمس)، واهتمّ بمسرح الدمى للطفل.
وأصدر مركز المحسن التابع لقسم الإعلام في العتبة العلويّة المقدّسة قصّةً مصوّرةً للأطفال تحمل عنوان (مقتل مارشال) بالتزامن مع الذكرى الـ( 102) لانطلاق ثورة العشرين الخالدة من النجف، والقصة تسرد تاريخيًّا بالصور بطولات رجال الدين الأفاضل والنخب العشائريّة والمجتمعيّة والأكاديميّة في تلك الحقبة ضدّ الاستعمار الإنكليزي.
إنّ أسلوب القصص أسلوبٌ مهمٌّ في تعريف الطفل على مفهوم التغيير والأحداث الجديدة والمخيفة في بعض الأحيان، والمشاعر التي تصاحب هذه المواقف، وتعزّز الترابط بين الشخص والقاص، وهي عاملٌ مهمٌّ في رسم الاتّجاهات وتعديل السلوك، كما تعزّز النضج النفسي والعاطفي، وهي من أهم الأساليب التي يعتمد عليها المربّون في غرس القيم والمبادئ المتنوعة في نفوس الأطفال بشكل غير مباشر.
لقد بدأت الحفلات السياسيّة في المدارس الأهلية ببغداد، وكانت تستعين بالشاعر البصير، وكان هو لسانها النابض في إحياء وتفعيل تلك الأنشطة، ففي 29
شعبان 1388ه 17 أيار 1920م، وقبيل إعلان الثورة أُقيمت حفلةٌ سياسيّةٌ تحت ستار العلم بمناسبة افتتاح المدرسة الحسينيّة الأهليّة ببغداد، فأنشد البصير قصيدةً أثنى فيها على المدرسة، وحثّ على العلم، وانتقل إلى الإثارة والتحريض، فقال:
يا صاحبَيّ هذي الضادّ قد جمعت أبناءها والعلا منهم على كثبِ
ولن يُصان لليث الغاب مربضه من الذئاب لو أنّ اليث لم يثبِ
ولا ألوم قويًّا في تنكّرهِ إنْ قال لا حكم إلّا في يد الغلب
ثم في المدرسة الجعفرية أقيمت حفلةٌ سياسيّةٌ ببغداد في مساء 16 رمضان 1388ه 30 أيار 1920 م ألقى فيها البصير قصيدةً منها:
لِيُحطم المستعبدون قيودَهم
فالجور آيسهم من الإعتاق
وكان الشاعر منير أفندي خطيب جامع أبي حنيفة، كان يجول في ميدان المدارس الأهلية والجوامع ويلقي قصيدةً لم يتيسر لنا نصّها الكامل:
جرّدِ الحزمَ وامتطِ العزمَ مهرا ما أرى لك الخمول شعارا
ومنادي العلا يناديك جهرا صاح إنّ الشعوب قامت تنادي
وتنال الحقوق بالسيف قهر
أمّا عيسى عبد القادر فقد كان يلقي في جامع الحيدر خانه قصيدةً أدّت إلى اعتقاله؛ إذ كانت الجوامع والمدارس الأهليّة تتغنى بروح المقاومة والثورة، وتستعين بشعراء الثورة لاستثارة النفوس وتعليم الأجيال نهج المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار.
1. أنّ المقاومة هي القيام المضادّ للغير من أجل منعه من تحقيق هدفه، والانتصار عليه.
2. كلّ حركة تغييرٍ ثوريّ لا تنطلق من البعد الفكري والثقافي لا يمكن أنْ تكون ثورةً حقيقيّة؛ وذلك لأنّ الثورة الحقيقية، لا بد لها أنْ تختمر في رحاب نظريّةٍ ثوريّةٍ عميقة الأبعاد ضاربة الجذور في الوعي الثوري، وهناك عدّة عوامل كانت مؤثرة في قيام هذه الثورة.
3. ومن أهمّ هذه العوامل وجود الأحزاب السياسيّة التي تميّزت بالفاعلية والنشاط من أجل المشاركة في العملية السياسيّة، ولا يخفى أنّ للأحزاب السياسيّة دورًا كبيرًا في صناعة الأفكار وبلورتها.
4. وجود مرجعيّةٍ دينيّةٍ حكيمةٍ رشيدة، كانت وما زالت تمثّل القدوة والمثل الأعلى لالتفاف الناس حولها، رغم محاولات البريطانيين استخدام وسائل خبيثة عديدة، ومنها الترغيب والترهيب. وكانت ثورة العشرين خير دليل على ذلك.
5. لقد كانت العلاقة بين الشعب العراقي والمرجعيّة وثيقةً وعميقةً، ومازالت، وهي علاقةٌ روحيّةٌ تجمع بين الدين والعقل والعاطفة.
6. الأثر الشعري المتمرّد الذي تركه لنا شعراء ثورة العشرين، والدور الذي أدّوه من خلال قصائدهم الثورية، فكان لهم الدور الريادي في استلهام الروح الثوريّة للجمهور.
7. الهوسة هي فنٌّ أدبيّ شعريّ تمّيز به أهل العراق، ويعدّ من العناصر المهمّة في إثارة الهمم، وإيقاظ العزائم، وإعطاء القوة، فتساوي في تأثيرها النفسي الآلة الفتّاكة.
8. الأدب المسرحي كان له تأثيرٌ في ثورة العشرين، وقامت هناك عروضٌ مسرحيّةٌ داعمةٌ للثورة.
فكانت الجوامع والمدارس الأهليّة تتغنّى بروح المقاومة والثورة، وتستعين بشعراء الثورة لاستثارة النفوس وتعليم الأجيال نهج المقاومة ضد الاحتلال والاستعمار.
1. الأعظمي، أحمد عزت، القضية العربية، العراق ـــ بغداد، الطبعة الأولى.
2.البلدوي، إياد عيدان، تاريخ التشيع في سامراء، مؤسسة البلداوی الثقافیة للطباعة والنشر، بغداد، 1429 هجری قمری| 2008 میلادی.
3.الجبوري، كامل سلمان، وثائق الثورة العراقيّة الكبرى، الطبعة الأولى، بيروت ـــ لبنان، 1430 هجري ـــ 2009 م.
4.جهامي، جيرا، الموسوعة الجامعة لمصطلحات الفكر العربي والإسلامي (تحليل ونقد): دغيم، سميح، الناشر: مكتبة لبنان ناشرون مكان الطبع: بيروت تاريخ الطبع: 2/ 12/ 1426 ه. ق الطبعة: الأولى.
5.حرز الدين، محمد، معارف الرجال، الناشر: مكتبة المرعشي النجفي، قم ـــ إيران.
6.الحسني، عبد الرزاق، الثورة العراقيّة الكبرى، الناشر: مطبعة الإرشاد، العراق، بغداد.
7.الحميري، نشوان بن سعيد، شمس العلوم ودواء كلام العرب من الكلوم، الناشر: دار الفكر مكان الطبع: دمشق تاريخ الطبع: 1420هـ الطبعة: الأولى.
8.الحيدري، محمد، معجم الأفعال المتداولة ومواطن استعمالها، الناشر: المركز العالمي للدراسات الإسلامية مكان الطبع: قم تاريخ الطبع: 1423هـ الطبعة: الأولى.
9.الخليلي، جعفر، محمد مهدي بحر العلوم، الدراسة وتاريخها في النجف، موسوعة العتبات المقدسة.
10.الرهيمي، عبد الحليم، تاريخ الحركة الإسلامية في العراق، بيروت ـــ لبنان، 1985م.
11.الزمخشري، محمود بن عمر، مقدمة الأدب، الناشر: مؤسسة الدراسات الإسلامية في جامعة طهران مكان الطبع: طهران تاريخ الطبع: 1428هـ الطبعة: الأولى.
12.الطائي، صادق، شيعة العراق جزء من جهاد العثمانيين ضد الاحتلال البريطاني، العراق -بغداد.
13.الطهراني، آغا بزرك، نقباء البشر، طبعة بيروت - لبنان، ت. لا، مطبعة دار الأضواء.
14.كمال الدين، محمد، ثورة العشرين في ذكراها الخمسين، الناشر مطبعة التضامن، تاريخ النشر 1971 العراق، بغداد.
15.المبارك، عبد الحسين، ثورة 1920 في الشعر العراقي، الطبعة الأولى، 1390ه -1970 م، العراق، بغداد.
16.مهيار، رضا، فرهنگ أبجدي، فارسي، الناشر: الإسلامي مكان الطبع: طهران تاريخ الطبع: 1417هـ الطبعة: الثانية.
17.موسى، حسين يوسف، الإفصاح في فقه اللغة، الناشر: مكتب الإعلام الإسلامي مكان الطبع: قم تاريخ الطبع: 1410هـ الطبعة: الرابعة.