في سياق استراتيجيّته البحثيّة السّاعية إلى رصد، وتحليل، ونقد التّاريخ الحديث للاستعمار الغربي، يتقدّم المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة بمشروعه الموسوعي الجديد متناولًا الظّاهرة الاستعماريّة، وظروف نشأتها، وآليّات عملها، والثّورات الّتي واجهتها، ولتحقيق الهدف استُهِلَّ هذا المشروع بوصفه مرحلة أولى بدراسة تاريخ الحركة الاستعماريّة، ووقائعها، في دول المشرق العربيّ، ومغربه.
ولإنجاز هذه السّلسلة سعت إدارة المشروع إلى بيان الأسس التّاريخيّة، والمعرفيّة لنشوء الاستعمار الحديث في بلادنا، حيث مضت إلى الإحاطة بدائرة واسعة من الآليّات، والوسائل الآيلة إلى ترسيخ السّيطرة، والهيمنة على ما يسمّى بدول، ومجتمعات الأطراف منذ أواخر القرن التّاسع عشر، وإلى يومنا الحالي. وعليه، فقد تركّزت الأبحاث على إجراء رصد تحليليّ انتقاديّ للمحطّات الكبرى الّتي مرّت بها الحركة الاستعماريّة، ومهّدت بالتّالي للزّمن الاستعماريّ المستحدث عبر أشكال، واتّجاهات، وآليّات لا حصر لها.
قد يتناهى للنّاظر في هذا العمل الموسوعيّ، كما لو أنّه -للوهلة الأولى- بإزاء مشروع تقليديّ سبقته مشاريع لا حصر لها في سياق التّدوين التّاريخيّ للعمليّة الاستعماريّة بأحقابها، وأشكالها المختلفة. غير أنّ الغاية الّتي رسمها المركز الإسلاميّ للدّراسات الاستراتيجيّة لهذا المشروع ليست على هذا النّحو، ولم تكن تكرارًا لما سبق. فهو إلى إدراكه الأهمّيّة التّأريخيّة، والعلميّة للأعمال الّتي سبقت -وتقديره للجهود الّتي بُذلت على مدى أجيال في هذا المضمار- يدرك في الوقت نفسه، الأهمّيّة الاستراتيجيّة الاستثنائيّة الّتي ينبغي تظهيرها، وتفعيلها حيال ظاهرة قهريّة استعلائيّة لم تنتهِ إلى مآل، وكانت سببًا جوهريًّا في التّأخّر التّاريخيّ لبلادنا، ومجتمعاتنا. على هذا الأساس، تكون غاية المركز
(7)من هذه السّلسلة، التّأسيس لطور ثقافيّ جديد يتركّز على نزع الاستعمار في حقوله الأكثر شمولًا. وهو الأمر الّذي يتعدّى مجرّد تبيين المخاطر المترتّبة على - إجراءاته السّياسيّة، والعسكريّة المعروفة، بل أنّه يعمل على تظهير قيمة علميّة موسوعيّة تكشف بالرّصد التّاريخيّة، والتّحليل، والنّقد الحقول المختلفة الّتي تتحرّك فيها العمليّة الاستعماريّة بصيغتها المعاصرة، مثل استعماريّات الغزو التّقنيّ، والعسكريّ، والميديا، والمؤسّسات العلميّة، والأكاديميّة، والاقتصاد المعرفيّ، وأنماط الحياة اليوميّة المختلفة.
ولكي تكتسب هذه السّلسلة خصوصيّتها، كان ضروريًّا الشّروع في التّأسيس لخاصِّية منهجيّة واضحة، من خلال تدوين استقرائيّ لأزمنة الاستعمار بما تخلَّلها من حوادث، وانعطافات في سياق الاحتدام بين القوى الاستعماريّة، وشعوب البلدان المستعمرة. وإذا كان لنا من تحقيب لأزمنة الاستعمار الّتي بدأت إرهاصاتها مع نشوء الدّولة القوميّة في أوروبا، ثمّ اتّخذت مسارها الانتشاريّ إلى قارّات آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللّاتينيّة... سيكون من المفيد «تأريخيًّا» اعتماد العام (١٤٩٣م) بدايةً رسميّة للفعل الاستعماريّ. نعني بذلك على وجه الدّقّة الاستعمار بصيغته، ومفهومه الأوروبيّين. أي ذاك الّذي يقوم على النّهب العنيف للمستعمرات، ونقل المنهوبات إلى «المركز» الاستعماريّ الأوروبيّ (Métropole)؛ وهذا على خلاف ما كانت عليه حركة الاستعمار، منذ نشأة المجتمعات البشريّة، والّتي كانت عبارة عن انتقال جماعة من البشر، قبيلة، أو شعب، من موقع، أو موطنٍ أصلي لها، للاستيطان في مكان ما، بشكل سلميّ، أو بالغلبة، واستعمارها، بمعنى إعمارها، ثمّ تتّخذ هذه الجماعات، أو الشّعوب من المنطقة الّتي استعمرتها موطنًا لها، ومستقرًّا، ولو إلى حين.
ثمَّ أنّنا وجدنا من الضّروريّ إعادة بلورة مرجعيّة علميّة توثيقيّة تعزّز البحث العلميّ حول الاستعمار، بوصفه جوهر النّزاع اليوم بين الأمم المعاصرة. ولئن كان الاستعمار الرّاهن قد مضى بعيدًا في تطوير أساليبه، وأهدافه، وتقنيّاته، إلّا أنّ نزعات الهيمنة، والسّيطرة، والاستعلاء على الغير، تبقى الأساس المحوريّ الثّابت الّذي تشكّلت عليه
الماهّيّة الأصليّة للاستعمار. يُضاف الى ذلك، أنّ منطقتنا العربيّة، والإسلاميّة تشهد اليوم أخطر، وآخر أنماط الاحتلال المركّب، الّذي ما يزال من ناحية، وفيًّا للنّمط الكلاسيكيّ للاحتلال، ومن ناحية أخرى، هو منفتحٌ على الأنماط النّيوكولونياليّة الّتي تشكّل سندًا له بوسائل متطوّرة. لا يزال الاستعمار يهدّد الأمم، وأمّتنا، وأقطارنا بأساليب شتّى، إذ ما من مشكلة شاغلة اليوم، في مجال الأمن، والاستقرار السّياسيّ، والتّنمية، والسّيادة، ونحو ذلك إلّا وهي موصولة بالاستعمار، وأساليبه في تقويض تقدّم الأمم. وهكذا فإنّ الهيمنة الاستعماريّة على البلاد الخارجة من جغرافيّات المركزيّة الغربيّة لا تنحصر بآلية أحاديّة كما كان عليه الأمر في أشكال الاستعمار الكلاسيكيّ الّذي سبق الحربين العالميّتين: الأولى، والثّانية، بل تجاوزه إلى ما يمكن اعتباره احتلالًا للوعي، وإعادة تشكيله على نحو جوهريّ، ولا سيّما على النّحو الّذي ظهر فيه بقوّة في زمن العولمة، وإعادة إحياء أحاديّة المركز الاستعماريّ الغربيّ.
نخصّص هذا الجزء من سلسلة تاريخ الاستعمار للإحاطة بتاريخ الاستعمار الفرنسيّ في سوريّة. والأهميّة في هذه الإحاطة أنّها تؤسّس لمنهج معرفيّ حول الحركة الاستعماريّة، وتاريخها في المشرق العربيّ، وفي بلاد الشّام على وجه الخصوص. ولعلّ من أخطر الظّواهر في تاريخ الاستعمار الأوروبّيّ الحديث لبلادنا ما تكشفه دراسات، وأبحاث هذا الجزء من السّلسلة. فقد جاءت اتّفاقيّات سايكس-بيكو بين الحكومتين الاستعماريّتين البريطانيّة، والفرنسيّة لترسِّخ التّجزئة، وتقيم الحدود، والفاصلة بين أقاليم المشرق العربيّ. وهذا الجزء يسعى إلى الإضاءة التّفصيليّة على تاريخ الاستعمار في سوريّة، وآثاره، وتداعياته على مجمل نواحي الحياة، كما يتناول الثّورات الشّعبيّة التّحريريّة الّتي تعاقبت، وشملت حقبة الاحتلال الفرنسيّ تحديدًا، بدءًا من بدايات القرن العشرين.
وقد شارك في إنجاز بحوثه ودراساته جمعٌ من المؤرّخين، والباحثين المتخصّصين في مجالات مختلفة من العلوم الإنسانيّة، انصبَّت اهتماماتهم على الحقول السّياسيّة،
(9)والعسكريّة، والثّقافيّة، والأكاديميّة، والاجتماعيّة بغية الإحاطة بأوسع مسافة ممكنة من التّغطية. من أجل ذلك جرى ترتيب موضوعات هذا الجزء، وتوزيعها على مجموعة من العناوين، والمحاور نذكر منها:
- جيوبولتيك سوريّة، وأهميّتها من منظار الاستعمار الفرنسيّ - سياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريّة - الأحزاب السّوريّة في مواجهة الاحتلال الفرنسيّ في سوريّة (١٩٢٠-١٩٤٦م) - الاستعمار السّياسيّ: الإدارة الفرنسيّة في سوريّة - الاستعمار الفرنسيّ لسوريّة من الجانب الاجتماعي - الاستعمار الفرنسيّ لسوريّة ومحاولات التقسيم الطائفي (١٩٢٠-١٩٤٦م) - الحركات الوطنيّة في سوريّة إبّان الاحتلال الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦م) - دور العلماء في مواجهة الانتداب الفرنسيّ لسوريّة - الثّورات السّوريّة ضدّ الاستعمار الفرنسيّ (١٩١٩-١٩٤٦م) - دور الأدباء والشّعراء والمثقّفين السّوريّين في مواجهة الاستعمار الفرنسيّ.
وتقديرًا للجهود العلميّة القيِّمة المبذولة في إنجاز هذا المشروع نقدِّم الشّكر، والتّقدير للدّكتور محمّد محمود مرتضى على جهده في تنسيق عمليّة إنجاز الأبحاث مع الباحثين، وتقويمها وتحريرها، وللدّكتور محمود حيدر في تقديم هذا الجزء، وترتيبه في سياق مشروع سلسلة تاريخ الاستعمار.
المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة
د. محمود حيدر
استحوذت الدّراسات حول الاستعمار -بمفاهيمه، ومصطلحاته، وإجراءاته التّاريخيّة- مساحات واسعة في الموسوعات، والمعاجم الحديثة. وهذه الدّراسات سوف تزدهر بقوّة ابتداءً من القرن التّاسع عشر، الّذي شكّل مستهل التّوسّع الاستعماريّ الآتي من الغرب نحو البلاد العربيّة، والإسلاميّة، وكذلك في دول، ومجتمعات آسيا، وأفريقيا، وأميركا اللّاتينيّة.
لا من ريب، أنّ التّفكير بالحال الاستعماريّة في مجتمعاتنا هو من الضّرورات المعرفيّة الكبرى الّتي ينبغي العناية بها. لعلّ ما يضاعف من ذلك، تلك المنزلة الاستثنائيّة الّتي تحتلّها دراسة الحقبة الاستعماريّة في زمن العولمة، وأحادية السّيطرة الغربيّة على العالم. هذه الحقبة هي في واقع أمرها تتويج لما سبقها، مع أنّها تنطوي على أبعاد مركّبة، وذات مفاعيل أعظم أثرًا على شعوب عالمنا العربيّ، والإسلاميّ على وجه الخصوص. الشّيء الّذي يفترض نظم سياق التّفكير حيال أحكام العلاقة بين أوروبا، وبقيّة العالم، وإنشائه على منقلب جديد. فلقد تبيَّن لنا كيف قطعت أوروبا – بوصفها الجغرافيا الأصليّة للأطروحة الاستعماريّة، شوطًا كبيرًا في استظهار هويّتها، وترسيخ ضعها العالميّ الفريد. حتّى لقد قيل فيها ما لم يُقل اليوم بسليلتها الكبرى أميركا في طريقة سيطرتها على الشّعوب، والأمم الأخرى. أوروبّا هي الّتي صنَّعت فلسفة الاستعمار، ونقلتها على نحو مريع من حيِّز
(11)التّنظير الى طور الممارسة التّاريخيّة. ولئن كانت هي من أذاعت على الملأ مصطلح العالم الثّالث، فذلك يشير إلى أنّ هذا العالم، -ولا سيّما منه العالم العربيّ- سيبوَّأ حقل الاختبار الرّئيس لفلسفتها السّياسيّة فضلًا عن حروبها المفتوحة.
نلفت في هذا السّياق نفسه، إلى أنّ المواكبة الدّراسيّة لجذور النّزوع الاستعماريّ غالبًا ما دفعت النّظَّار إلى مقاربة الغرب الأوروبيّ بوصفه أرضًا فسيحة لملحمة شبه أسطوريّة. حتّى لقد صار السّؤال «عن ماهيّة أوروبا»، أكثر شَبَهًا بالسّؤال «عن ماهيّة اليونان» قبل عشرات القرون. ومع أنّ لكلّ من السّؤالين سمْتَهُ الخاصّ، إلّا أنّهما يشتركان، ويتقاطعان على دعوى التّأسيس لتاريخ البشريّة. من أجل ذلك بدا الاستفهام عن ماهيّة الغرب الأوروبّيّ، ودوره الاستعماريّ بمنزلة استئنافٍ للسّؤال البَدئي، والمؤسّس حول طبيعة العقل اليونانيّ، ومركزيّته على التّفكير البشريّ. وسيكون لهذه المعادلة الاستفهامية الأثر البيِّن في مدِّ الفلسفة الأوروبيّة الحديثة بالعنصريّة الحضاريّة الآتية من السّلف الإغريقيّ. هذا ما سوف نجده حاضرًا في أعماق ما أنجزه الرّوَّاد المؤسِّسون لحداثة الغرب، من ديكارت إلى كانط، مرورًا بهيغل، وسائر المتأخِّرين. فهؤلاء الّذين تصدّوا لتظهير الدّلالة الأنطولوجيّة للذّات الغربيّة، سيجعلون من هذه الذّات معيارًا للتّفكير الجوهريّ في ماهيّة الإنسان المعاصر. بسبب من ذلك، سنرى كيف ترتقي الأطروحة الغربيّة إلى رتبة كونها مقومِّاً جوهريًّا لجغرافيّة الرّوح الأوروبيّة على حدّ تعبير هيغل، وهي «الرّوح» الّتي صارت تتحكّم اليوم في بنية الإنسانيّة الحاليّة.
لاحقًا، وفي الحقبة الامبرياليّة الحديثة، سيأخذ فلاسفة، ومفكّرون سياسيّون، وعلماء اجتماع بالأطروحة العنصريّة نفسها، ومؤدَّاها أنّ الغرب قام على تكوين حضاريّ، وميتافيزيقيّ، أفضى إلى تفوُّق الإنسان الأوروبّيّ على الإنسان الهنديّ، والأفريقيّ فضلًا عن سائر الأعراق. أمّا التّمثيل الأعلى لمثل هذا الاعتقاد، سيجد تعبيره الصّارخ في اكتشاف المهاجرين الإنكليز، والإسبان أميركا، وتحويلها إلى أيقونةٍ يحكمون بواسطتها العالم
(12)كلَّه. غير أنّ ما هو مفارق في التّجربة الأميركيّة، أنّها قامت أساسًا على الانسلاخ عن أصلها الأوروبيّ، والبَدءِ بأصل جديد. وهذا هو السّبب الّذي جعل التّأسيس الميتافيزيقيّ لأميركا مدفوعًا بعقدة الاستبراء من مصدرها الأوروبّي. الأمر الّذي أولاه الفيلسوف الألماني مارتن هايدغر عناية مخصوصة لمّا رأى أنّ العالم الإنكلوساكسوني للأمركة، قرَّر تدمير أوروبّا باعتبارها البَدْءِ الخاصّ للعنصر الغربيّ.
أنَّى تعدّدت سمات الاستعمار، ومسالكه، وأطواره، فإنّه يبقى محكومًا بماهيّته الجوهريّة، وهي السّيطرة على الغير بوسائل لا حصر لها. ومن البيِّن تاريخيًّا أنّ الهيمنة الاستعماريّة على دول، ومجتمعات المشرق العربيّ، ومغربه راحت تتواصل بأنماط جديدة تمنح الدّول العظمى فرصا جديدة للهيمنة على ثروات البلدان حتّى من دون احتلالها على نحو مباشر. إلّا أنّ هذا النّوع من الهيمنة سوف يضاعف من تقويض سيادتها، ويقوِّي سياسات التّدخّل في شؤونها. ولعلّ أبرز الأدلّة على ذلك، ظهور الأمم المتّحدة كان ترافق، ونظام بروتن وودز الّذي أسّس مرحلة جديد، رهنت دول عالم الجنوب لضرب آخر في سياق العمليّة الاستعماريّة، وهو ما أسفر عن نمط جديد للاستعمار، وهو ما سمّي «الاستعمار الجديد» الّذي يقوم على الهيمنة السّياسيّة، والاقتصاديّة الباردة، من دون أن يؤدّي ذلك الى الثّورة، ونشوء حركات التّحرير.
ومن هذه التّحوّلات في العمليّة الاستعماريّة، يظلّ الجوهر الاستعماريّ واحدًا، وإن تعدّدت الأشكال، والأنماط، والوسائط. فقد اقتضى عصر النّفوذ أن يتراجع نمط الاستعمار القديم، بعد الحرب العالميّة الثّانية، ولم يعد بالإمكان الاقتصار على مواصلة الاستعمار عن طريق الغزو المباشر للدّول. وباستثناء محاولة الاستعمار بهدف الاستتباع، والنّهب العنيف خلال الحروب الصّليبيّة على سواحل بلاد الشّام في القرنين الحادي عشر، والثّاني عشر، لم تشهد المجتمعات البشريّة حركة استعماريّة قائمة على النّهب
(13)العنيف، سوى تلك الّتي باشرتها مملكتا إسبانيا، والبرتغال ابتداءً من أواخر القرن الخامس عشر، وكانت تستهدف نهب كلّ ما يقع تحت يدها في المحيط الأطلسيّ، وشمالي إفريقيا، وغربيّها، وصولًا إلى جنوبيّها، و«العالم الجديد»، مُنهيَةً بذلك «شرعيّة» القرصنة الّتي كان يمارسها البحّارة الأوروبيّون، على سواحل أفريقيا الشّماليّة، والغربيّة، وساحل بلاد الشّام، والّتي كانت تقوم على قاعدة «انهب واهرب».
إنّنا إذ نعتمد في هذه السّلسلة تاريخ، ١٤٩٣م، بوصفه البداية «الرّسميّة» لحركة الاستعمار الأوروبّي لمناطق، وشعوب العالمين العربيّ، والإسلامي، فذلك للتّذكير بأمرٍ في غاية الأهمّيّة، والخطورة في تاريخ الحركة الاستعماريّة الغربيّة. نقصد على وجه التّحديد، التّغطية اللّاهوتيّة للحملات العسكريّة على بلدان المشرق الإسلاميّ الّذي عبَّرت عنه خلاصات المرسوم البابوي، الّذي أصدره البابا إسكندر السّادس (رودريجو بورجيا)، وبارك بموجبه ملكَيْ إسبانيا، والبرتغال، لما يقدّمانه من خدمات لنصرة الكنيسة، والتّبشير بالسّيِّد المسيح في مجتمعات آسيا، وأفريقيا. وقد أقرّ الملكان وباركا ما تعاهدا عليه في معاهدة توردسيلاس (Tordesillas) عام ١٤٩٣م الّتي تمّ تعديلها عام ١٤٩٤م، حيث تقاسما العالم بينهما، فرسما خطًّا وهميًّا في المحيط الأطلسي يمتدُّ بين القطبين الشّماليّ، والجنوبيّ، حيث فَتَحَ البابا كلّ المناطق المستكشفة، أو الّتي ستُكتَشف غربيّ الخطّ إلى ملك إسبانيا، وشرقيِّه إلى ملك البرتغال.
بناءً على هذا، يصير بالإمكان القول إنّ الحركة الاستعماريّة الّتي باشرها الإسبان، والبرتغاليّون مع نهايات القرن الخامس عشر، هي استئنافٌ واضح المعالم للحروب الصّليبيّة، أكان لجهّة الأهداف، أو الشّعارات، وحتّى لجهّة الأساليب. ولكنّها لم تعُد تقتصر على موانئ، وحواضر العالم الإسلاميّ في البحر الأبيض، بل تجاوزت هذا الحيّز
الجغرافيّ الضّيِّق لتشمل شعوب، وحضارات، ومناطق العالم بأسره. وعليه، يربط عددٌ من المؤرّخين بين سقوط القسطنطينيّة بأيدي العثمانيّين عام ١٤٥٣م، والتّطوّرات الّتي شهدتها أوروبّا، ويتّفق الجميع على اعتبار هذا التّاريخ بأنّه نهاية «للقرون الوسطى» الأوروبّيّة، وبداية للعصر الإمبريالي الحديث. ويَعْنون بالعصر الحديث، بشكلٍ خاصٍّ، وضع المجتمعات الأوروبيّة على سِكَّة التَّطوُّر، وظهور الدّول المركزيّة، وتطلّع هذه الدّول نحو امستعمرات، وخصوصًا بعد سقوط السّلطنة العلمانيّة، الّتي كانت تشكِّل، حتّى ذلك الوقت، القوّة الأهمّ، والأعظم في التّوازن الدّوليّ. وبالتّالي هي الّتي أدّت إلى إنتاج الانقلاب في التّوازن الدّوليّ لصالح أوروبّا الغربيّة.
إذا كان مفهوم الاستعمار -كما هو معروف وشائع- على منطق الهيمنة، والسّيطرة، إلّا أنّ الاستعماريّة الكلاسيكيّة لم تزدهر إلّا بالاشتراك مع بزوغ الرّأسماليّة العالميّة، الّتي اتّضحت في الحكم الّذي مارسته الدّول الأوروبّيّة على مختلف الحكومات في آسيا، وأفريقيا. ولقد بدا ذلك بوضوح حين بلغت المركزيّة الغربيّة حدودها القصوى من الغَلَبة بعد انهيار السّلطنة العثمانيّة، وولادة الاستعمار المستحدث بصيغته الإنكليزيّة، والفرنسيّة مع نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين.
ومع أنّ أغلب الباحثين يتّفقون على أنّ مصطلح الاستعماريّة كانت في الواقع صورة من صور الحكم، ولم يكن في الغالب يصحبها الاستيطان الأوروبيّ، إلّا أنّ هذا المصطلح يبقى يتضمّن إبقاء السّيطرة على دول لم تكن معنيّة بالاستيطان، ولا بالاندماج. في حقل الدّراسات المقارنة، يوجّه مفهوم الاستعمار الانتباه في جميع الحالات نحو المستعمرات ذاتها، في حين أنّ عنوان «الإمبرياليّة» يوجّه الانتباه نموذجيًّا نحو المدينة الأمّ، والنّظام العالميّ، الّذي تعمل فيه الأوامر السّياسيّة، والاقتصاديّة لجعل الإمبراطوريّة شرطًا تكوينيًّا لهيمنة الغرب العالميّة خلال الأزمنة الحديثة. وعليه، فإنّ مجموعة وافرة من المقولات الّتي يستخدمها المستعمِرون، والمستعمَرون على السّواء لفهم الحركة الاستعماريّة كانت
الجغرافيّ الضّيِّق لتشمل شعوب، وحضارات، ومناطق العالم بأسره. وعليه، يربط عددٌ من المؤرّخين بين سقوط القسطنطينيّة بأيدي العثمانيّين عام ١٤٥٣م، والتّطوّرات الّتي شهدتها أوروبّا، ويتّفق الجميع على اعتبار هذا التّاريخ بأنّه نهاية «للقرون الوسطى» الأوروبّيّة، وبداية للعصر الإمبريالي الحديث. ويَعْنون بالعصر الحديث، بشكلٍ خاصٍّ، وضع المجتمعات الأوروبيّة على سِكَّة التَّطوُّر، وظهور الدّول المركزيّة، وتطلّع هذه الدّول نحو امستعمرات، وخصوصًا بعد سقوط السّلطنة العلمانيّة، الّتي كانت تشكِّل، حتّى ذلك الوقت، القوّة الأهمّ، والأعظم في التّوازن الدّوليّ. وبالتّالي هي الّتي أدّت إلى إنتاج الانقلاب في التّوازن الدّوليّ لصالح أوروبّا الغربيّة.
إذا كان مفهوم الاستعمار -كما هو معروف وشائع- على منطق الهيمنة، والسّيطرة، إلّا أنّ الاستعماريّة الكلاسيكيّة لم تزدهر إلّا بالاشتراك مع بزوغ الرّأسماليّة العالميّة، الّتي اتّضحت في الحكم الّذي مارسته الدّول الأوروبّيّة على مختلف الحكومات في آسيا، وأفريقيا. ولقد بدا ذلك بوضوح حين بلغت المركزيّة الغربيّة حدودها القصوى من الغَلَبة بعد انهيار السّلطنة العثمانيّة، وولادة الاستعمار المستحدث بصيغته الإنكليزيّة، والفرنسيّة مع نهاية القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين.
ومع أنّ أغلب الباحثين يتّفقون على أنّ مصطلح الاستعماريّة كانت في الواقع صورة من صور الحكم، ولم يكن في الغالب يصحبها الاستيطان الأوروبيّ، إلّا أنّ هذا المصطلح يبقى يتضمّن إبقاء السّيطرة على دول لم تكن معنيّة بالاستيطان، ولا بالاندماج. في حقل الدّراسات المقارنة، يوجّه مفهوم الاستعمار الانتباه في جميع الحالات نحو المستعمرات ذاتها، في حين أنّ عنوان «الإمبرياليّة» يوجّه الانتباه نموذجيًّا نحو المدينة الأمّ، والنّظام العالميّ، الّذي تعمل فيه الأوامر السّياسيّة، والاقتصاديّة لجعل الإمبراطوريّة شرطًا تكوينيًّا لهيمنة الغرب العالميّة خلال الأزمنة الحديثة. وعليه، فإنّ مجموعة وافرة من المقولات الّتي يستخدمها المستعمِرون، والمستعمَرون على السّواء لفهم الحركة الاستعماريّة كانت
(16)
موقع جغرافيّ على أساس ثبت زمانيّ تاريخيّ للتّقدم. وتلك إحدى سمات، وزوايا النّزعة الاستعلائيّة الّتي أفضت إلى تشكُّل الظّاهرة الاستعماريّة نظريّةً، وممارسة في الوقت عينه.
في حقبة ما بعد الحداثة الاستعماريّة، ستشهد آليّات السّيطرة تغيّرًا جذريًّا، سيكون من أبرز معالمها دخول المعرفة العلميّة قوةً حاسمة في إعادة تشكيل الحال الاستعماريّة، وضمان ديمومتها. في الفكر الاستعماري بنسخته النّيوليبراليّة سيُنظر إلى كلِّ ممكنٍ، وواقعيٍّ بوصفه أمرًا عقلانيًّا. يحصل هذا حتّى لو كان مقتضى الوصول إلى الهدف إيذاء الغير، وانتهاك حياضه السّياديّة. في العقلانيّة الاستعماريّة الّتي ارتكنت الى العلوم الطّبيعيّة معيارًا أوحَدَ لحلّ مشكلات العالم، تجرَّدت الذّات الإنسانيّة من كلِّ محتوى أخلاقيٍّ، وسياسيٍّ، وجماليٍّ. وما ذاك إلّا لأنّ المهمّة الجوهريّة لهذه العلوم تقتصر في مناهج التّفكير الاستعماريّ على الملاحظة «المحضة»، والقياس المحض. ذلك بأنّ تحديد «طبيعة الأشياء»، وطبيعة المجتمع جرى على نحوٍ يبرّر «عقلانيًّا» الاضطهاد، والاستغلال. من هذا النّحو، ستتحوّل خرافة «الحروب العادلة»، وخصوصًا -مع احتلال العراق، وأفغانستان، واستمرار العدوان على فلسطين ولبنان- إلى مقولةٍ سائدةٍ منذ العقد الأخير من القرن الماضي. لم تدرك الحداثة بسببٍ من غفلتها، ومَيْلها المحموم الى السّيطرة، أنّ المعرفة الحقّة، والعقلَ الحقَّ يقتضيان السّيطرة على غلواء الحواس، والتّحرّر من قهر الغير، والسّيطرة عليه. المفارقة في «العقلانيّة» ذات السّمة الاستعماريّة المستحدثة، أنّها حين تُقِرُّ بالقيم الإنسانيّة بصفتها سبيلًا للعدل والسّلام العالميَيْن، تعود لتؤكد وبذريعة العقلانيّة إيّاها أنّ هذه القيم قابلةٌ لأن تتّخذ مكانتها في أسمى منزلة (أخلاقيًّا، وروحيًّا)، ولكنّها لا تُعَدُّ حقائقَ واقعيّةً. تلك معادلةٌ أساس من معادلات فلسفة الاستعمار الّتي بناها العقل البراغماتي الحاكم على حكومات الغرب. مؤدّى هذه المعادلة صراحةً: إذا كانت قيم الخير، والجمال، والسّلام، والعدالة غير قابلةٍ للاستنباط من الشّروط الأنطولوجيّة،
(17)أو العلميّة، فلا مجال بالتّالي لأن نطالب بتحقيقها. فهذه القيم في نظر العقلانيّة العلميّة ليست إلّا مشكلاتٍ تتعلّق بالتّفضيل الشّخصيّ. ولما كانت هذه الأفكار غيرَ علميّةٍ، فإنّها لا تستطيع أن تواجه الواقع القائم إلّا بمعارضةٍ ضعيفةٍ، وواهنةٍ.
لقد جرى التّنظير الفلسفي للعقلانيّة الاستعلائيّة مجرى اليقين في غريزة الغرب الاستعماريّ. فهو حين أسّس «لاهوتيًّا» حملات القوّة، عبر الحروب الصّليبيّة المتواترة، انبرى يسوِّغ عبر الاستشراق الإقناعيّ بأطواره المختلفة لاستعمار المشرق العربيّ، ومغربه. وبناء على هذا المسار، راح الفكر الاستعماريّ يتوغّل في مجمل البناءات الثّقافيّة للبلدان العربيّة، والإسلاميّة زاعمًا أنّ عقلانيّة التّنوير هي الأساس المعرفيّ الّذي ينبغي على نخب البلدان المستعمرة، أن تؤسّس عليه تقدّمها الحضاري. وقد تبيَّن لنا كيف تبنَّت طائفة واسعة من المفكّرين العرب، والملمّين أطروحة الغرب الشّهيرة، فإنّ العقلانيّة التّنويريّة الأوروبيّة هي الرّوح الّذي يسري بلا انقطاع في تاريخ البشريّة، وأنّها البديل للزّمان اللاّعقلانيّ الّذي استولدته جاهليّة القرون الوسطى الأوروبيّة. ولذلك فليس من قبيل التّجريد أن يستنتج إيديولوجيو الفكر الاستعماريّ المعاصر في الغرب مقولتهم الشّهيرة: «أنَّ فنّ تكوين الحقائق بالقوّة القهريّة هو الأكثر أهمّيّة من امتلاك الحقائق». لقد جرى استدعاء هذه المقولة، ورفعها إلى مستوى الاستراتيجيّات العليا ليكون من نتيجتها بلوغ أقصى درجات الَّلاعقلانية عبر شنّ حروب الإبادة، وتسويغ نتائجها يوصفها سلوك مشروع، ومعقول، وإنسانيّ. وهكذا لم تعد غاية العقل الاستعماريّ المستحدث الكشف عن جوانب اللاّمعقول في الواقع، بل صارت غايته الكبرى البحث عن الصّيغة الّتي يمكن بفضلها تشكيل الواقع طبقًا للمصلحة. كذلك لم تعد الغاية هي التّجاوز، والتّغيير، بل أصبحت هي التّبرير عينهُ. وبدل أن يكون العقل الإنسانيّ موجِّهًا للواقع المعاصر أصبح خاضعًا لأغراض الواقع ولوازمِه»...
لقد اتّخذت العقلانيّة هنا صفة جديدة كلّ الجدَّة. تحوّلت إلى أيديولوجيةً فظّةً تسوِّغ
(18)لنفسها كلّ ما ترسمه من مطامح. نذكر في هذا السّياق أنّ السّلطة النّيوليبراليّة الحاكمة في الغرب أخذت عند انتهاء الحرب الباردة (١٩٩٠م) فرصتها لكي «تؤدلج» انتصارها، وسيادتها الأحاديّة على العالم. لقد تسنَّى لها بوساطة شبكةٍ هائلةٍ من «الميديا البصريّة والسّمعيّة» أن تعيد إنتاج هيمنتها ثقافيًّا، واقتصاديًّا، ونمط حياة على نطاق العالم كلّه، كان على «عقلانيّة» اللّيبراليّة الجديدة أن تقطع صلتها بالموروث المفاهيميّ لحداثة التّنوير. وها هي تحسم مدَّعاها بتقريرها أنّ تداعيات المشهد العالميّ «لا تعكس فقط نهاية التّوازن الدّوليّ بل نهاية التّاريخ بالذّات: أي نهاية التّطوّر الإيديولوجيّ للبشريّة كلّها، وتعميم الدّيمقراطيّة اللّيبراليّة شكلًا نهائيًّا للسّلطة على البشريّة جمعاء».
لقد أوصل التّنوير ثقافة الهيمنة الغربيّة المدمّرة للذّات، إلى هذا المعدّل السّريع في حركتها. فقد منح السّلطة الإمبرياليّة المسيطرة في الغرب، أساسًا منطقيًّا، أو «أسطورة» للبحث الواعي عن الهيمنة الشّاملة عبر العقل الخادع، والعلم التّقنيّ. فقد بات واضحًا مع خروج الرّأسماليّة الغربيّة من نطاقها القوميّ إلى الفضاء العالميّ، عقلانيّة استعماريّة للسّيطرة حدَّت وظيفة استعمال العقل بجلب المنافع المحضة. مثل هذه العقلانيّة الوظائفيّة راحت تتمظهر مع تعاقب الزّمن كسمتٍ تكوينيٍّ للشّخصيّة الاستعماريّة. فلقد بيّنت اختبارات التّاريخ أنّ من أمْيَز طبائع العقل الاستعماريّ إضفاء صبغة عقلانيّة على كلّ فعاليّة من فعاليّاته يقطع النّظر عن أثرها الأخلاقيّ. إنّ ما ينتج من هذا في آخر المطاف هو أن تتحول العقلانيّة إلى ذريعةٍ فادحةٍ للاستخدام الإيديولوجيّ في الفكر الإمبرياليّ.
بعد تجربة الحرب العالميّة الأولى، وصدرو كتاب أزوالد شبنغلر «أفول الغرب»، أصبح الكلام عن نهاية الحضارة الغربيّة طبيعيًّا. على أنّ الموضوع الوحيد الّذي بقي مثار جدل، ليست فقط التّساؤل عما إذا كان الغرب سوف ينتهي أم لا، بل لماذا وما السّبب الّذي جعل الحضارة الغربيّة تمتثل لسؤال النّهايات المريع؟ الإجابة الّتي تبنّتها
مدرسة فرانكفورت على سبيل المثال هي أنّ الحضارة الغربيّة كانت مبنيّة على استراتيجيّة متفسّحة: إستراتيجيّة سحق غرائز الإنسان الحيويّة من خلال السّيطرة العقلانيّة على الطّبيعيّة، وعلى الذّات، وعلى الآخرين.
بهذا المعنى أمكن القول إنّ التّنوير هو السّبب الجوهريّ الّذي سيوصل ثقافة الهيمنة الغربيّة المدمّرة للذّات، إلى هذا المعدّل السّريع في حرتها حرّيّتها. فقد منح السّلطة الأمبرياليّة المسيطرة في الغرب، أساسًا منطقيًّا، أو «أسطورة» للبحث الواعي عن الهيمنة الشّاملة عبر العقل الخادع، والعلم التّقنيّ.
سنجد في هذه السلسلة مقاربات معمّقة تدرس بالعرض، والتّحليل النّقديّ لتاريخ الحركة الاستعماريّة في العالمين العربيّ، والإسلامي. ومن المهمّ في هذا الموضع المعرفيّ الّذي نحن بصدد العناية به، أن يتحوّل هذا التّفكير التّحرّريّ النّقديّ للاستعمار إلى منظومةٍ معرفيّةٍ تؤسّس للإحياء الحضاريّ في مواجهة الإقصاء الاستعماريّ المتمادي. فلكي تتّخذ دراسة الاستعمار بأشكاله، وحقوله، ووقائعه المعاصرة – مكانته بصفته واحدًا من مفاتيح المعرفة في العالم العربيّ، والإسلامي، وجب أن تتوفّر له بيئات راعية، ونخب مدركة، ومؤسّسات ذات آفاق نهضويّة، في إطار مشروع حضاريّ متكامل.
لعلّنا في هذا المنجز المعرفيّ -الّذي نضعه في تناول القارئ الكريم- نكون قد أفتتحنا أفقًا جديدًا يعمل على تظهير فهم معمَّق لمسارات الحركة الاستعماريّة قديمها، وحديثها، ومعاصرها في بلادنا، ومجتمعاتنا.
وما توفيقينا إلّا من عند الله
(20)
إبراهيم أحمد سعيد
تُشكّل سوريّة الكبرى (الطّبيعيّة) وحدة سياسيّة متميّزة في إقليم شرق البحر المتوسط، وفي جنوب غرب آسيا، أو ما يُعرف بإقليم الشّرق الأوسط، فهي تمتدّ، كمصطلح جيوسياسيّ قديم، من العريش على حدود سيناء إلى مرسين في جنوب تركيا حاليًا، ونظرًا لما تحتويه من عناصر جغرافيّة مهمّة لأيّ دولة، أو أمبراطوريّة تهيمن على الإقليم الكبير، فقد احتلّت مكانة متفرّدة في السّلطنة العثمانيّة للأسباب الآتية:
قربها الجغرافيّ من مقرّ عاصمة السّلطنة (الأستانة)، وبالتّالي تأثيرها في إدارة الدّولة.
تداخلها في مناطق متعدّدة مع التّوزّع، والتّركّز الجغرافيّ التّاريخيّ للقبائل التّركيّة الأساس الّتي أسّست السّلطة السّياسيّة التّركيّة، والّتي عُرفت فيما بعد بالسّلطنة العثمانيّة.
احتواؤها على مراكز حضاريّة ذات مكانة، روحيّة جذريّة بالنّسبة للدّيانات السّماويّة، الإسلام، والمسيحيّة، واليهوديّة.
الغنى الكبير في الآثار، والأوابد التّاريخيّة، بحيث تُشكّل جذرًا حضاريًّا للثّقافة الإنسانيّة كما قال عالم الآثار الفرنسيّ شارل فيرلو: «لكلّ إنسان وطنان وطنه الأمّ وسوريّة».
الغنى بثرواتها الطّبيعيّة الكبيرة، خصوصًا الزّراعيّة منها، حيث كانت تطعم أمبراطوريّات كبيرة (الأمبراطوريّة الرّومانيّة) وتؤمّن احتياجات الجيوش القديمة.
موقعها الجغرافي المتوسّط بين البحر المتوسط، وبلاد ما بين النّهرين، وفارس، وآسيا
الصّغرى، ومصر، وشبه جزيرة العرب، وبالتّالي فهي حلقة وصلٍ ذات قيمة استراتيجيّة في كلّ الجهّات، وفي مناطق التّوسّع، والحركة، والرّبط، والانتهاء، وطرق القوافل التّجاريّة، والحركة الاقتصاديّة الحيويّة في الحضارات القديمة بين أوروبا، وآسيا، وأفريقيا ضمن الخطوط البرّيّة والبحريّة على حدّ سواء.
يهدف هذا البحث إلى التّركيز على الوضع الجيوسياسي لسوريّة الكبرى، والمتغّيرات الجيوبوليتيكيّة خلال فترة ما قبل الاستعمار الفرنسيّ، والبريطاني، خصوصًا في فترة تداعي، وتراجع السّلطنة العثمانيّة، وما تخلّلها من تقدّم في الوعي القوميّ، وظهور الأحزاب السّياسيّة العربيّة، والتّركيّة، وغيرهما، وبداية الحرب العالميّة الأولى، وما عُرف بالثّورة العربيّة الكبرى بقيادة الشّريف حسين بن علي، ثمّ اتفاقيّة سايكس بيكو، وتقسيم المنطقة العربيّة الآسيويّة، ووعد بلفور، وخروج الأتراك العثمانيّين من سوريّة في تشرين الأوّل من عام ١٩١٨م، حيث بدأ العهد الوطني بقيادة الأمير فيصل بن الحسين، الّذي امتدّ حتّى (٢٦/ ٧/ ١٩٢٠م) عندما دخل الجنرال غورو مدينة دمشق، بعد معركة ميسلون، معلنًا بداية الاستعمار (الانتداب) الفرنسي على سوريّة، وتقسيمها إلى خمس دول بالإضافة لسيطرة بريطانيا على الجزء الجنوبيّ منها، وهي فلسطين والأردن.
سيتمّ استخدام المنهج التّاريخيّ، ومنهج التّحليل العاملي في إنجاز هذا البحث بالإضافة للأسلوب الكارتوغرافي لرصد، وإظهار المتغيّرات الجيوبوليتيكيّة في المنطقة.
تشكّل دراسة الموقع فاتحة كلّ دراسة مهما كان مستواها ونوعها، لأنّ كثيرًا من المتغيّرات، والظّواهر الطّبيعيّة، والبشريّة، والاقتصاديّة، والسّياسيّة يمثّل الموقع مفتاح فهمها، وحسن تحليلها، وتطوير مهامها، ووظائفها، وفي هذه الدّراسة سنتطرّق إلى أبعاد، وأنواع، وأهميّة موقع سوريّة في الجغرافيّة السّياسيّة، وفي الجيوبوليتيك. وأهمّ أشكال الموقع الآتي:
يُقصد بالموقع الفلكي المكان الّذي تشغله أيّ بقعة على سطح الأرض، دولة، أو إقليمًا، وأقلّ من ذلك، أو أكثر، بالنّسبة لشبكة الإحداثيّات العالميّة المتّبعة، وهي دوائر العرض، وخطوط الطّول.
إنّ لموقع سوريّة الفلكيّ أهمّيّة كبيرة من خلال وقوعها في منتصف الخريطة العالميّة في العروض المعتدلة وسطًا بين خطّ الاستواء، والدّائرة القطبيّة، وما يتفتّق عنه من نتائج متعدّدة مهمّة كالموازنة الحراريّة، والمناخ المناسب للزّراعة، واعتداله، وعدم تطرّفه، ووقوعه بين حضارات الشّمال، والجنوب، والشّرق، والغرب.
تقع سوريّة (الطّبيعيّة) في الزّاوية الجنوبيّة الغربيّة للقارّة الآسيويّة، وتمثّل غزة نهاية سوريّة، وهي صلة الوصل بين آسيا، وأفريقيا، وبوابة غزو مصر، وتواجه القارّة الأوروبيّة، وتُشرف على الشّواطئ الشّرقيّة للبحر المتوسط الّذي يُعدّ أهمّ بحار العالم، وأكثرها حيويّة وضخًّا في الحضارة الإنسانيّة. وهي بوابة تركيا إلى الوطن العربي، وتعدّ الظّهير الجغرافيّ للعراق غربًا، وتُعدّ التّتمّة الطّبيعيّة، والاستمرار المجاليّ لشبه الجزيرة العربيّة، حيث كان التّواصل الحيويّ بين اليمن، والحجاز، ونجد، وبلاد الشّام.
تمثّل سوريّة صلة الوصل بين المناطق الجغرافيّة الآتية:
أ. العراق في الشّرق.
ب. البحر المتوسّط في الغرب.
ت. تركيا في الشّمال.
إنَّ هذا الموقع المتوسّط يمتلك أهمّيّة اقتصاديّة كبيرة في تجارة التّرانزيت بين أوروبة (برًّا) عن طريق تركيا، وشبه جزيرة العرب (دول مجلس التّعاون واليمن). ووقوع سوريّة في منطقة متوسّطة بين المناطق الاقتصاديّة المحيطة بها يجعلها مكانًا مناسبًا للاستثمارات الاقتصاديّة، وإقامة المشاريع الإنتاجيّة، والخدميّة وفقاً لنّظريّة الموقع، وهذا ما يسمح بتطوير، وتنمية الموانئ، وجعلها قادرة على تلبية متطلّبات الظّهير الجغرافي لها الخليجي، والعراقيّ، ووسط آسيا.
تُمثّل سوريّة الطّبيعيّة (بلاد الشّام) عمق العالم المتحضّر، لما لها من أهميّة كبيرة في الحضارة الإنسانيّة، فمن هنا نشأت حضارة الكتابة، والأبجديّات الّتي تعدّ عمليّة إبداعيّة في تاريخ البشريّة، ومن هنا كانت البدايات لاستخدام الأرقام، والتّرميز، والصّفقات التّجاريّة، ومن سوريّة كانت ثقافة البحار، والانطلاق نحو العوالم الأخرى، ومنها انتشرت الدّيانات السّماويّة (المسيحيّة، واليهوديّة، وكذلك الإسلام)، ولا يوجد في العالم تنوّع دينيّ، وثقافيّ متناغم في العالم كلّه كما هو موجود في سوريّة. لقد اختصرت سوريّة التّآلف الإنسانيّ.
إنَّ لهذا الموقع أهميّة كبيرة في تاريخ البشريّة، فالحضارة السّوريّة وسطًا بين الحضارة المصريّة، وحضارة ما بين النّهرين، وكانت وما زالت وسطًا بين الشّرق والغرب. ومن سوريّة مرّت، ووصلت حضارة الإغريق، والرّومان، والفرس، والفرنجة، وجحافل التّتار، والمغول، والعثمانيّين ثمّ الأوروبيّين، والصّهاينة، ولم تتعرّض منطقة في العالم للمؤامرات،
والتّقسيم، والتّخريب كما تعرّضت له سوريّة الكبرى، كما حصل في وعد بلفور، واتفاقيّة سايكس بيكو، وزرع دولة معادية للعرب، وللحضارة العربيّة في عام ١٩٤٨م.
تقع سوريّة في نظريّة هالفورد ماكندر (نظريّة قلب العالم) في منتصف الجسر الواقع بين القلب الكبير في وسط آسيا، وشرق أوروبا، وبين القلب الصّغير في وسط أفريقيا، والممتدّ من مصر إلى القفقاز. وبالوقت نفسه في وسط المنطقة المحوريّة، الهلال الدّاخلي الممتدّ من سهول البلطيق في الشّمال الغربي إلى كوريا في الشّمال الشّرقي من الخريطة السّياسيّة، فسوريّة هي المنطقة الوسطى العالميّة في نظريّة ماكندر. أمّا في أفكار سبيكمان الّتي حاول فيها أن يتلافى نواقص نظريّة ماكندر، فقد حدّد النّطاق السّاحلي (Rimi Land) الريميلاند، الّذي هو منطقة التّصادم بين القوى البريّة، والّتي تمثّلها منطقة قلب الأرض عند ماكندر، وبين القوى البحريّة الّتي يمثّلها الهلال الخارجيّ عند ماكندر، وسوريّة تحتلّ أيضًا المنطقة الوسطى في الريميلاند، والممتدّة من هولندا، وحتّى شبه جزيرة كامتشاتكا الرّوسيّة، ومن يسيطر على هذه المنطقة يسيطر على العالم كلّه في النّهاية، ممّا يُعطي لسوريّة أهمّيّة كبيرة في الجيواستراتيجيا العالميّة.
توجد جملة من العوامل الّتي دفعت بالاستعمار الفرنسي، والبريطاني للاهتمام بسوريّة، واحتلالها، ويمكن تحديدها بالآتي:
١. أهميّة موقع سوريّة في المشرق العربي، وشرقي المتوسّط عمومًا، وبوابة الانتقال إلى أفريقيا، وما تمتلكه من مراكز روحيّة مهمّة.
٢. الاندفاع الشّديد من بريطانيا، وفرنسا للتّوسّع، والهيمنة على مناطق واسعة من العالم عمومًا، وفي حوض المتوسّط خصوصًا.
٣. التّنافس الشّديد بين الدّولتين الأوروبيّتين للاحتلال، والسّيطرة على أراضي، وبلدان الدّولة العثمانيّة، الرّجل المريض، الّتي بدت، وكأنّها تلفظ أنفاسها الأخيرة مع استلام الاتّحاديّين للسّلطة، وتنحية السّلطان عبد الحميد الثاني في عام ١٩٠٨م، وتحوّل الدّولة إلى دولة طورانيّة تركيّة قوميّة شوفونيّة ضدّ العرب.
٤. شعور شعوب مكوّنات الدّولة العثمانيّة بأنّهم مظلومون، ومضطهدون، وفي مقدّمتهم السّكان العرب السّوريّون، والعراقيّون، وفي الحجاز، ونجد، ممّا يُشكّل عامل نبذ، وتدمير للدّولة (الطّرد المركزيّ) من جهّة، وعامل جذب، وتدخّل من الدّول الأوروبيّة الطّامعة في احتلال هذه البلدان.
٥. وجود أسرة حاكمة طموحة في مصر، محمّد علي باشا، حاولت، ونجحت بداية في منتصف القرن التّاسع عشر، بالتوسّع إلى الحجاز، وسوريّة، والوصول إلى الحدود الطّبيعيّة لسوريّة في سفوح جبال طوروس، وعادت العقيدة الاستراتيجيّة القديمة بأنّ أمن مصر هو من سوريّة، وأنّ مصر تشكّل الحضن الآمن لسوريّة، فهما يشكّلان وحدة جغرافيّة سياسيّة يكملان بعضهما البعض، ولهذا كان التّدخّل الإنكليزيّ، والفرنسيّ لمنع محمد علي باشا (ابنه إبراهيم باشا) من ضمّ سوريّة، والحجاز إلى مصر لأنّه سيصبح قوّة عظيمة تهدّد مصالح الغرب، ويُشكّل وحدة سياسيّة (دولة) مانعة بين الشّرق المتمثّل بإيران، والهند، والغرب المتمثّل بأوروبا بكلّ ما تملكه من مصالح في ذلك الشّرق.
٦. التّنافس على سوريّة بهدف تنفيذ المشروع الصّهيوني فيها من قبل بريطانيا، حيث توضّعت أسسه الاستراتيجيّة خلال مؤتمر كامبل بنرمان في عام ١٩٠٧م بوظيفة فصل شمال أفريقيا العربيّ عن المشرق العربيّ، وإقامة الدّولة الصّهيونيّة كوطن قوميّ لليهود، ولتكون قاعدة متقدّمة للغرب في المشرق، أمّا من الجانب الفرنسيّ فقد فشل مشروع نابليون (١٧٩٨-١٨٠٣م)، أمام أسوار عكا، وحرّت فرنسا ذيول هزيمتها من المنطقة، ولكن من خلال الجمعيّات التّبشيريّة، خصوصًا في لبنان، استطاعت أن تعود مرّة ثانية خلال أحداث عام ١٨٦٠م، حيث دعمت فريقًا من اللّبنانيّين (المسيحيّين) النّاقمين على
السّلطة العثمانيّة، والطّامحين بالوقت ذاته بإقامة دولة مستقلّة في سوريّة عمومًا، وفي لبنان خصوصًا. وكان أساس هذا التّدخّل المباشر بإقامة الجمعيّات الخيريّة، بالظّاهر، والسّاعية لأهداف سياسيّة، واضحة، ومعلنة بإنشاء كيان سياسيّ تحت حماية فرنسيّة، وبالوقت ذاته تنصير المسلمين الفقراء بتقديم المساعدات الغذائيّة المشروطة، مستغلّة حال الفقر الشّديد، والظّلم، والقهر الّتي أوحدتها السّلطات العثمانيّة.
لقد كان لبريطانيا الدّور الكبير المدمّر، خلال تنافسها بالاستيلاء على سوريّة خصوصًا، وعلى المنطقة العربيّة عمومًا، حيث ركبت موجة مغايرة لما ركبته فرنسا الّتي استخدمت، واستغلّت العامل الطّائفي كما لاحظنا، فاستخدمت العامل القوميّ، الّذي كان قد وصل إلى درجة متقدّمة، متأثرًا بالحركة القوميّة في أوروبا. فقد قدّمت بريطانيا الدّعم للقوميّين العرب بإنشاء جمعيّات عربيّة، مقابلة للجمعيّات التّركيّة القوميّة المتطرّفة: كجمعيّة تركيا الفتاة، وقد كانت في البداية فكرةً متطوّرةً من التّيّار الإسلامي العربيّ بوصفها حركة الجامعة الإسلاميّة المتأثّرة بكتاب أم القرى لعبد الرحمن الكواكبي (١٨٥٢-١٩٠٢م)، ولكن منذ عام ١٩٠٦م بدأت بالتّشكّل جمعيّات سياسيّة تدعو إلى التّعصّب القومي، ونشر، وتعليم اللّغة العربيّة بين أبناء الوطن في كلّ البلدان العربيّة الواقعة تحت الاستعمار العثمانيّ، وقد تألّفت جمعيّة النّهضة العربيّة، الّتي أسّسها طاهر الجزائري، وجمال الدّين القاسمي. وفي عام ١٩٠٩م تأسّست الجمعيّة القحطانيّة، والمنتدى الأدبيّ بجهود عبد الرّحمن الزّهراوي، وعبد الكريم الخليل. وكان أكبر هذه الجمعيّات جمعيّة العربيّة الفتاة الّتي استمرّت حتّى الاستعمار الفرنسي، واستقرّت في باريس. خطورة التّدخّل البريطاني في هذه الجمعيّات هو دفع روّادها القوميّين إلى حدّ إشهار أسمائهم، وإيصالها إلى جمال باشا السّفّاح ليقتلهم، ويريح الإنكليز منهم عندما تبدأ اللّحظة المناسبة للاستيلاء على ديار العرب، وبالوقت ذاته تدفع بالعرب، خصوصًا القوميّين منهم، إلى التّمرّد المباشر، وحمل السّلاح مع الإنكليز، والفرنسيّين عندما تقرّرا ذلك، قد ظهر هذا واضحًا مع بداية الحرب العالميّة الأولى، وحاجة الحلفاء لأن يقف العرب بقادتهم القوميّين إلى جانب
الحلفاء من جهّة، والتّمرّد على العثمانيّين، وإخراجهم من ديار العرب.
وإذا أضفنا اتّفاقية سايكس-بيكو، التي عقدت في ١٦/ ٥/ ١٩١٦م، تبيّن لنا درجة التّنافس بين الدّولتين على اقتسام ديار العرب، ومؤامرة إقامة الوطن القوميّ اليهودي، نجد بأنّ الاتّفاق بحدّ ذاته هو بلورة للتّنافس الاستعماري، والتّنسيق بينهما في الهيمنة، وسرقة خيرات الشّعوب، ومواردها، وإذا دخلنا بالتّفاصيل، وجدنا تعبير الدّول الاستعماريّة عن مصالحها بالوقاحة، وعدم احترام حقوق الآخرين، فقد روّجت فرنسا عبر قناصلها في المنطقة العربيّة بوجود قضيّة سوريّة محتواها بأنّ السّوريّين يريدون الاستقلال، والحماية من فرنسا، وقد أدخلوا روسيا القيصريّة على خطّ التّنافس معهما، ولكن الشّيء المثير للاستغراب وقوف هذه الدّول مجتمعة ضدّ ألمانيا، الّتي كان لها مصالح في الأسكندرون، وسوريّة الشّماليّة، ودخلت إيطاليا كذلك على خط الابتزاز؛ فكانت تريد مقابل موافقتها لفرنسا باحتلالها سوريّة، وبعض الجزر في شرق المتوسّط، وفي بحر إيجة. في مجلس الشّيوخ في ٢٤/ ١٢/ ١٩١٢م، بأنّه لا مصالح لإنكلترا في سوريّة، وأنّه يجب المحافظة على أراضي تركيا في آسيا (يقصد المشرق العربيّ)، وأنّ فرنسا لن تتنازل عن مصالحها في سوريّة، ولن ندعها عرضة لأيّ خطر. وقد كتب سفير فرنسا في ألمانيا إلى حكومته بأن لا تدع الصّحف الفرنسيّة تكتب عن الدّولة العثمانيّة؛ لأنّ لألمانيا مصالح في سوريّة، وفلسطين، وكذلك لإيطاليا، وروسيا مصالح فيها أيضًا، وقال: يجب انتظار موت الرّجل المريض، الّذي طال مرضه، ومن ثمّ يتمّ كلّ شيء بعد ذلك. أمّا الرّوس فقد كانوا متعقّلين باهتمامهم في سوريّة، ولكن بطريقة مختلفة بعض الشّيء، فهذا قنصلها في بيروت، يقول: بأنّه لا يُعطي الأحداث في سوريّة أهمّيّة بالغة، حيث يجب أن يكون السّوريون وحدهم المهتمّين بأمورهم.
وكانت فرنسا تطمح بالحصول على حقّ مدّ سكّة حديد اسكندرون-بغداد حتّى تقطع على ألمانيا أطماعها في المكان ذاته، وإذا لم تتمكّن من ذلك فقد وضعت بديلًا لهذا وهو العمل على مدّ خطّ حلب-رياق، ومنها إلى الرّملة في فلسطين، وطلبت كذلك حتّى
تتمكّن من سوريّة كلّها إعطائها امتيازات إنشاء مرفأين في طرابلس ويافا، وقد وافق الباب العالي على ذلك.
لقد نسّقت كلّ من فرنسا، وألمانيا اقتسام المصالح في سوريّة، والابتعاد، على الأقل ظاهريًّا، عن التّناقض في المواقف، والمصالح، فقد اقترحت فرنسا على ألمانيا بمدّ سكّة حديد بين حلب، واسكندرون مع ربطه بخطّ بغداد، بالمقابل تقوم فرنسا بمدّ خطّ حديد حماه-طرابلس، وحماه دير الزّور ثمّ ربطه بسكة بغداد. وقد أُغلق هذا الاتّفاق باقتسام المصالح المرتبطة بكلتا الدّولتين بمسافة لا تزيد عن ٦٠ كم شمال، وجنوب كل خط من الخطّين السّابقين. ولكن بريطانيا لم تقف صامتة، وخصوصًا بالنّسبة لجنوب سوريّة حيث عارضت بشدّة قيام فرنسا بمدّ سكّة حديد الرّملة، فالحدود المصريّة متذرّعة بأنّ حركة الموانئ في هذه المناطق تحقّق الفائدة المرجوّة، وأنّ حركة التّجارة بين البلدين ليست كبيرة، والأهمّ من ذلك هو وضع بريطانيا حجّة أنّ السّوريّين سيتدخّلون في الشّأن المصري، ويؤثّرون على أمن مصر، ولكن الأمر ليس كذلك بل في الواقع كانت بريطانيا لا تريد أن ترى بفلسطين جزءًا من سوريّة خصوصًا، وأنّها ستصبح تحت الحماية الفرنسيّة.
لقد ظهرت مكانة سوريّة بالنّسبة لفرنسا، خصوصًا لبنان، في السّياسة الدّوليّة بعد أن تمّ تعيين جورج بيكو سفيرًا لها في بيروت لأنّ شعاره المعلن للدّبلوماسيّين الأجانب بأنّ «لبنان لنا ولا حياة له دوننا»، ولعلّ قولته عند مغادرته بيروت، بعد أن بدأت الحرب العالميّة الأولى، ودخول تركيا الحرب إلى جانب ألمانيا، تُظهر موقف، وسياسة فرنسا اتّجاه سوريّة: «إلى اللّقاء القريب، إنّها مسألة أيّام معدودة، وسأعود إليكم على رأس جيشنا المنتصر».
وقبل بداية الحرب العالميّة الأولى تزاحمت الأساطيل الحربيّة الأوروبيّة، المتنافسة
على سوريّة، مقابل الشّواطئ السّورية، وفي المياه الإقليميّة أمام يافا، وحيفا، وبيروت، واسكندرون، من الجنسيّات البريطانيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والرّوسيّة.
لقد ازدادت أهمّيّة سوريّة مع بداية الحرب العالميّة الأولى، ودخول تركيا الحرب مع ألمانيا، وحصار الحلفاء للمياه الإقليميّة السّوريّة، لأنّها صلة الوصل مع العراق، والشّرق، ومع شبه جزيرة العرب، وبروز ضرورة القيام بحرب قويّة، وكبيرة على قناة السّويس الممرّ الحيوي الاستراتيجيّ، الّذي تسعى كلّ الدّول للهيمنة عليه خصوصًا في أوقات الحروب الكبيرة كالحرب العالميّة الأولى.
لقد دفعت جملة من العوامل الأحداث في سوريّة جاءت نتائجها سريعة، وفاصلة على مستقبل سوريّة، والمنطقة العربيّة، وأهمّها الآتي:
ـ تنحية السّلطان عبد الحميد الثّاني، وتسليم أخيه محمّد رشاد في عام ١٩٠٩م، وما تبعه من نقمة على العرب، كون الاتّحاديون الّذين انقلبوا على السّلطان عبد الحميد يرون بأنّه كان يُقرّب العرب، وكانوا حرّاسه الشّخصيّين.
ـ على الرّغم من أنّ شعار الاتّحاديّين، كان شعار الثّورة الفرنسيّة في الحرّيّة، والعدالة، والمساواة، وعلى الرّغم من أنّهم أطلقوا سلطة الدّستور، ممّا سمح للعرب تكيل جمعيّاتهم، ونشر ثقافتهم، ولغتهم، ومشاعرهم القوميّة، إلّا أنّهم انقضّوا بعد أسابيع على الدّستور ذاته، وعلى العرب، وأسّسوا جمعيّة (حزب) الاتحّاد والتّرقّي، الّتي يُشكّل الماسونيّون، وغير المتديّنين فيها نسبة ٣٠%. وحاولوا خلالها، مؤيّدة من الأجهزة الأمنيّة تتريك الدّولة العثمانيّة، وفرض اللّغة التّركية على الجميع، ولأجل التّتريك تمّ تأسيس الاتّحاد الطّوراني، الّذي اتّبع خطوات عدّة فاعلة: كترجمة القرآن إلى التّركيّة، وعلمنة
التّعليم، والقضاء، وفرض اللّغة التّركيّة فيهما، وإحياء التّاريخ التّركي السّابق للإسلام، وإعادة الأسماء التّركيّة القديمة.
ـ لقد دفع التّطرّف التّركي العرب للرّدّ باتّباع إجراءات تُغلّب الهُويّة العربيّة، والانتماء للعروبة: كالاهتمام بالتّراث العربي، والإسلامي، والقرآن الكريم، واللّغة العربيّة، والاهتمام بالقوميّة العربيّة، والانتماء العربيّ، والهُوية العربيّة.
ـ تلاقي الصّراع بين الانقلابيّين الاتّحادّيّين (أنور وطلعت وجمال)، وبين السّلطان عبد الحميد المخلوع على الأراضي السّورية لوجود مناصرين لعودة السّلطان، وقد سمّوا بالارتجاعيّين، أي الّذين يريدون عودته إلى الحكم، وأسّسوا حزبًا باسم الحزب المحمّدي، وقد دُعم هذا الحزب بالمال الكثير، ووصل عدد الّذين انتسبوا إليه لـ٧٠ ألفًا، وكان له تأثير عظيم. يبدو أنّ السّلطان عبد الحميد كان يريد إشغال الاتّحاديّين بإيجاد اضطرابات داخليّة ليندفع الغرب بالتّخل ممّا يساعده بإقامة ثورة تعيده للحكم.
ـ لم تكن أركان الحكم الاتّحادي متجانسة، حيث يحدّد تقرير للمخابرات الفرنسيّة في الفترة ذاتها (١٩٠٩-١٩١٠م) بأنّهم يحكمون السّلطنة بدكتاتوريّة مطلقة، وأنّهم مغامرون، والسّلطان لا يعمل شيئًا، وكلّهم شركاء في جرائم كثيرة، ويقتسمون الأدوار، فطلعت صديق للرّوس، وجمال صديق للفرنسيّين، وأنور صديق الألمان، وجاويد يهوديًّا أصبح مسلمًا.
ـ مع بداية تفكّك أطراف الدّولة العثمانيّة في أوروبا بدأت هيبتها بالتّراجع؛ فانتشر قطّاع الطّرق في مختلف أقاليمها فتراجع الأمن الغذائي، ونُهبت مخازن ومستودعات الأغذية، حتّى العسكريّة منها، وزادت غزوات البدو على الأرياف والمدن. ولعلّ من الأحداث الّتي غيّرت حال الاستقرار في سوريّة، حدوث ثورات عدّة في عام ١٩١٠م واحدة في الكرك، والأخرى في حوران، وقد تمّ قمعهما بشدّة، وأسباب هاتين الثّورتين
اجتماعيّة بالدّرجة الأولى، وإداريّة (سياسيّة) بالدّرجة الثّانية لزيادة الضّرائب (ضريبة الالتزام)، وإجراء إحصاء في المنطقة، وهذا يعني أنّ أولادهم ستأخذهم الدّولة للحرب، وقطع العطاء عن مشايخ الكرك، وعدم الالتزام بنتائج الانتخابات المحلّيّة. أمّا الثّالثة فكانت في جبل العرب للأسباب السّابقة مع وجود أسباب أخرى عدم حياديّة الدّولة في خلاف نشب بين آل أطرش، وآل المقداد في حوران، ولجوء كثير من أحرار المجتمع السّوري إلى الجبل، واحتمائهم فيه، ويقول سلطان باشا في مذكّراته: «أصبح الجبل منذ مطلع القرن العشرين حمى الأحرار العرب من كلّ حدب وصوب» وقد تدخّل الإنكليز لصالح ثورة الجبل، ودعموها بقدوم القنصل الإنكليزي في دمشق إلى الجبل. وانتهت بإعدام، والد سلطان باشا وحمة آخرين. ويقول سلطان باشا في مذكراته أنّ التّهم الّتي وجّهت لهم هي الخروج على الخلافة، والكفر بالإسلام.
ـ لقد عملت سياسة التّتريك، والتّعصّب القومي الطّوراني في تطوّر الأحداث في سوريّة نحو التّمرّد، والثّورة على الدّولة العثمانيّة، ولكن تقرّب السّلطة الاتّحاديّة من اليهود، والصّهيونيّة، والسّير بالمشروع الصّهيوني، سواء كانوا يعلمون ذلك حقيقة هذا المشروع أم لا، على حساب المصالح الأمريكيّة، زاد من شدّة الموقف العربي ضدّ الأتراك، وقد تأكّد للعرب عدم مراعاة المصالح، والحقوق العربيّة عندما لم يُعيّن أيّ عربي ممثّلًا لمدينة دمشق في اللّجنة المركزيّة للاتّحاد والتّرقّي، وأنّهم كلّهم أتراك. وحدّدت مجلّة المنار جملة من الإجراءات الواجب تطبيقها لتلافي الخلاف بين العرب، والأتراك، وتهدئة المتغيّرات الّتي تدفع بالأحداث نحو الانفجار: كالمساواة بينهما، وقطع عروق العصبيّة، والعناية بتعليم اللّغة العربيّة، والاهتمام بنشر المعارف، والعلوم، والعمل على تنفيذ القانون.
ـ اتّهام النّوّاب العرب في مجلس المبعوثين بأنّهم يعملون لصالح السّلطان المخلوع، وبالتّالي فهم عملاء، وجواسيس، فكان ردّ النوّاب العرب شديدًا، بل إنّ النّائب شفيق المؤيّد العظم شتم طلعت بيك وصفعه.
ـ قام العرب بتأسيس الحزب الحرّ، وهو حزب عثماني تركي عربي، شعاره بأنّ الجيش لحماية الدّولة في الخارج، وحماية النّظام، وأن يكون الحكم فدراليًّا، والإدارة في الولايات مستقلّة. وانسحب الكثير من العرب من حزب الاتّحاد والتّرقّي، ودخلوا في الحزب الحرّ المعتدل نتيجة للتّعصّب الطّوراني في حزب الاتّحاد، ولمساعدة وزير الماليّة العثماني (جاويد) ببيع اليهود ثلاثة ملايين دونم في فلسطين.
ـ لقد كان لإنشاء جمعيّة ترك أوجاعي، والّتي تعني الموقد التّركي، أو الوطن التّركي، دور كبير في دفع العرب للرّدّ على التّعصّب التّركي الجديد، فالبنية الفكريّة لهذه الجمعيّة قامت على أساس الانتماء للعرق، والأصل، وليس للأفراد، ولذلك فعثمان الّذي تنتمي إليه السّلطنة العثمانيّة ليس إلّا تركي جاء من التاي (جبال في وسط آسيا). وتبع ذلك نشر كتاب «قوم جديد» الّذي فسّر القرآن بما يتوافق، والحاجات الطّورانيّة، ودعا لإغلاق المساجد، والزّوايا الدّينيّة، وإلغاء خطبة الجمعة، وترجمة القرآن، وتتريك أسماء الخلفاء الأتراك، ووضعهم مكان الخلفاء الرّاشدين العرب، وأنّ أسماء الخلفاء الأتراك قد قدّستهم الأحاديث النّبويّة.
ـ زيادة التّدخّل الأجنبي في بنية المجتمع السّوري، وفي النّسيج الاجتماعي ذاته فقد أصبحت فرنسا حامية للموارنة، والكاثوليك، بينما كانت روسيا حامية للأرتوذكس، أمّا البروتستانت، والدّروز فقد أصبحوا تحت الحماية البريطانيّة، وبقيت سنّة سوريّة تحت رعاية الدّولة العثمانيّة. وقد كان للبروتستانت حقّ التّنصير، والتّبشير بين العشائر العلويّة. ولعلّ في تمحور السّياسة البريطانيّة، والفرنسيّة في سوريّة حول السّياسة
الطّائفيّة الدّاخليّة، وإحراج الدّولة العثمانيّة في السّياسة الخارجيّة، الدّور المهمّ في دفع الأحداث، قبيل الحرب العالميّة الأولى، نحو التّفجّر. وكانت بريطانيا تريد بكل وضوح استقلال سوريّة، وفصلها عن الدّولة العثمانيّة، والعمل لإنزال قوّات عسكريّة في مينائي اسكندرون في الشّمال، وحيفا في الجنوب. أمّا من الجانب الفرنسي فقد رفعت تقارير إلى الخارجيّة في تشرين الثّاني من عام ١٩١٢م ترى بأنّ القضيّة السّوريّة تنقسم إلى قسمين: الأوّل متعلّق بلبنان، والثّاني متعلّق بسوريّة. ويُنظر إلى سوريّة وفق ثلاث حالات، وهي: إمّا في الاستقلال التّامّ، أو الاستقلال الذّاتي بالحماية من قوّة أجنبيّة، وإمّا ربطها بمصر. وفي حقيقة الأمر كانت فرنسا تريد أن تكون سوريّة تحت حمايتها وفقًا لما أعلنته جمعيّة الدّراسات الاستعماريّة، والبحريّة الفرنسيّة بأنّه يجب أن تكون سوريّة، في حال انسلاخها عن الامبراطوريّة العثمانيّة، تحت سلطة فرنسا، وأنّه يجب ألّا يُسمح لأيّ منطقة أخرى غيرها بأن تتمتّع بهذا الحقّ. وكتب سفير فرنسا في استانبول بأنّ السّوريّين يريدون الاستقلال الكامل لسوريّة، وجعل الخليفة عربيًّا، وهذا لا يتوافق مع ما تقوله بريطانيا بأنّهم يريدون الانضمام إلى مصر، وأنّه من أصل ٣.٥ مليون سوري لا يؤيّد الانضمام لمصر إلّا ٣٥ ألفًا، وهم من البروتستانت، وطلّاب الجامعة الأمريكيّة في بيروت، وحلب.
ـ خلال عامَيْ (١٩١٠-١٩١١م) حصلت مجموعة من الأحداث أدّت إلى تفاقم العلاقة بين العرب، والأتراك، مثل تدهور العلاقة بين المسلمين، والمسيحيّين بسبب احتلال إيطاليا لليبيا، وضربها للسّواحل السّوريّة، وزيادة التّعصّب القومي التّركيّ، وازدياد تيّار الهجرة إلى الأمريكيّتين بسبب الظّلم، والفقر، وانخفاض أجور السّفر، بالمقابل ازدياد هجرة اليهود إلى فلسطين، وإعادة العمل بالخطّ الحديدي الحجازي، ومدّ خطّ حديد بيروت-دمشق، وتعبيد الطّريق بينهما، وهذا سهّل حركة النّاس، والسّلع، والمنتجات؛ فأسهم بتطوّر المفاهيم القوميّة كما كان لبدء العمل بالنّقل النّهري في الفرات بين سوريّة، والعراق الدّور ذاته، ولا يقلّ عن ذلك أهمّيّة افتتاح المدارس الحكوميّة، والأهليّة، وتحسين وضع الولايات، وإدارتها بتشكيل مجالس أهليّة تساعد الولاة في حسن الإدارة.
ـ مع بداية عام ١٩١٤م حصلت تغيّرات مهمّة أسهمت في زيادة تسارع المتغيّرات في سوريّة، ولعلّ أهمّها هو هزيمة الاتّحاديّين، واستلام الإئتلافيّين، والمعتدلين ممّا سهّل العمل على اللّامركزيّة في الحكم، فتشكّل حزب اللّامركزيّة ليوصل لتلك الأفكار، والأعمال المساندة لها، وتشكّلت جمعيّة العلم الأخضر، الّتي أصدرت جريدة لسان العرب، الّتي أصبحت فيما بعد لسان حال المنتدى العربي، وبقيت حتّى الحرب العالميّة الأولى. وكان لهزيمة تركيا في حرب البلقان، وخسارة مناطق مهمّة منها نتائج مهمّة فقد حوصرت أدرنة، وهُدّدت العاصمة، وتمّت عودة الاتّحاديّين إلى السّلطة. لقد تمخّضت تلك الأحداث إلى ظهور ثلاثة اتّجاهات سياسيّة أمام العرب أثّرت فيما بعد على مستقبلهم السّياسي وهي:
١. اتّجاه يرى بأنّ خلاص سوريّة يكون بالغرب، وبمساعدتهم المباشرة.
٢. اتّجاه ثاني يرى بأنّ الغرب يريد استعمار سوريّة، وتقسيمها، وبالتّالي لا بدّ من التّعاون مع الأتراك لحمايتها من جشع الغربيّين.
٣. اتّجاه ثالث يرى بأنّه يجب على العرب الاعتماد على أنفسهم، وتحرير أرضهم.
وبناء على ذلك عملت الاتّجاهات الثّلاثة بجوار بعضها، متوافقة، أو متعارضة، ففي الاتّجاه الثّاني تشكّلت في بيروت الجمعيّة الإصلاحيّة البيروتيّة بموافقة الوالي أدهم بك، وطرحت خطّة واسعة على أساس اللّامركزيّة في الإدارة بحيث تكون الأمور الخارجيّة بيد العاصمة استانبول، وكذلك الأمور التّشريعيّة، والعسكريّة، أمّا باقي الأمور الحياتيّة فتخصّ سلطة الولاية، ومجلسها الأهلي، وهذا الاتّجاه كان الأكثر رواجًا، وقبولًا في تلك الفترة، حيث كان الإصلاح، واللّامركزيّة العنوانين الأساسيين المرفوعين، لتكون الدّولة عثمانيّة، لا عربيّة، ولا تركيّة، وقد اتّضح ذلك في مؤتمر باريس المنعقد في حزيران من عام ١٩١٣م والّذي شاركت فيه معظم المؤسّسات السّورية. وقد خرج ببيان يتضمّن الدّعوة إلى العثمانيّة، واللّامركزيّة، ولكلّ ولاية إدارة شؤونها، وهذا يعني أنّ العرب لا يريدون الانفصال، وإنّما إصلاح الدّولة العثمانيّة، والنّهوض بها، وعدم حرمان فريق من
حقّ من الحقوق، لا بداعي الجنس، ولا بداعي الدّين. بالوقت ذاته دعا المؤتمر لتكون اللّغة العربيّة معتبرة في مجلس المبعوثين، وأن تكون الخدمة العسكريّة محلّيّة في أوقات السّلم. في هذا المؤتمر حدّد العرب هدفين واضحين:
١. الوقوف ضدّ الأطماع الأوروبيّة.
٢. الوقوف ضدّ القوّة العثمانيّة الاتّحاديّة (أي الأتراك المتعصّبين).
بالطّبع وقفت استانبول ضدّ هذا المؤتمر، على الرّغم من أنّه أعلن وقوفه ضدّ الأطماع الأوروبيّة المسيحيّة. ولكن لم يشفع له ذلك بل حرّضت عليه كلّ من استطاعت تحريكه من شخصيّات، ومؤسّسات، ورأي عام، على أنّ المشاركين به عملاء، ويحملون الجنسيّة الفرنسيّة، وأنّهم لا يمثّلون إلّا أنفسهم، وحذّرت فرنسا بانعقاد مؤتمرات مشابهة. لكن بالوقت ذاته قامت بالاتّصال معهم وفاوضتهم، ولكنّها قطعت الطّريق عليهم بإعطاء فرنسا امتيازات اقتصاديّة، واجتماعيّة في سوريّة، وبذلك تراجعت فرنسا عن نصرتهم بعد أن وعدتهم بالنّصرة. فكانت فرنسا هي المستفيدة من هذا المؤتمر، ولكن ظهر في المؤتمر رأي تبنّاه المسيحيّون بأنّهم لا يريدون استقلال سوريّة، وإنّما فصلها عن تركيا، ووضعها تحت حماية فرنسا.
ـ بدأت في عام ١٩١٣م العلاقة تتحسّن بين العرب، والأتراك بجهود بعض الشّخصيّات العربيّة المتمكّنة مثل عبد الكريم الخليل، رئيس المنتدى العربي، فتمّت الموافقة على التّعليم الابتدائيّ، والإعدادي باللّغة العربيّة في جميع البلاد العربيّة، وأن يخدم العسكريّون العرب في وقت السّلم داخل بلدانهم، وأن يُعيّن خمسة ولاة، وعشرة متصرّفين من العرب، واثنين في مجلس الأعيان من العرب عن كلّ ولاية عربيّة. ولكن ظهر خلاف بين العرب أنفسهم بين السّوريّين، والعراقيّين البصراويّين، حُسم هذا الخلاف بعثمانيّة الدّولة على أساس عربي تربي. أمّا الخلاف الثّاني فقد كان شديدًا وهو الجاه
لبناي يريد الانفصال عن سوريّة، ويريد بالوقت ذاته التّوسّع، وإقامة دولة لبنانية بحماية فرنسيّة، وباتّجاه لا عروبي أيضًا، بالاعتماد على بعض مؤسّسي جمعيّة النّهضة اللّبنانيّة في بيروت، وتشكيل حكومة لبنانيّة مستقلّة لتكبير لبنان، وضمّ مناطق مجاورة له.
ـ قبيل الحرب العالميّة الأولى تدهورت العلاقة بين العرب، والتّرك نتيجة لاتّخاذ الاتّحاديّين بعض الإجراءات المؤثّرة في البلاد العربيّة، ومن بينها سوريّة:
١. إسقاط النّوّاب العرب العروبيّين في مجلس المبعوثين، وتزوير الانتخابات، والإتيان بأتباعهم.
٢. انتقال عزيز علي المصري، الضّابط العربي المميّز، مؤسّس جمعيّة العهد للضّبّاط العرب، بتهم الرّشوة، وسرقة أموال الجيش، والسّعي لإقامة دولة عربيّة في ليبيا، وشمال أفريقيا خارج سلطة السّلطنة العثمانيّة.
٣. العودة إلى التّعصّب القومي التّركي الطّوراني، وإنشاء جمعيّة ترك أوجاني، أو الوطن التّركي.
كان لاشتعال الحرب العالميّة الأولى في ٢٨/ ٧/ ١٩١٤م وتعيين جمال باشا، الّذي لُقّب بالسّفّاح، حاكمًا على سوريّة في ٥/ ١٢/ ١٩١٤م، الدّور الكبير في مجمل المتغيّرات الجيوبولتيكيّة في سوريّة خصوصًا، وفي البلاد العربيّة عمومًا، فالحرب غيّرت من الاصطفافات الدّوليّة، فتمايزت مواقف الدّول، وتحدّدت سياساتها بما يخدم الأهداف الكبيرة لتلك الدّول في الصّراع حتّى الموت للهيمنة، والسّيطرة على موارد الدّول الفقيرة، والمستعمرة فانقسمت الدّول إلى فريقين: فريق يُدعى بدول الوفاق، أو الحلفاء، وكانت تمثّله بريطانيا، وفرنسا، وروسيا، وصربيا أوّلًا ثمّ انضمّت إيطاليا، واليونان، والبرتغال، ورومانيا، والولايات المتّحدة. وفريق آخر يُدعى بدول المحور، أو المركز، ويتكوّن من
ألمانيا، والنّمسا-المجر، وبلغاريا، وتركيا. والّذي يهمّنا هنا نقطتان فاعلتان أساستان في مستقبل سوريّة، وهما على صعيد الدّول: فرنسا، وبريطانيا من جهّة، وألمانيا، وتركيا من جهّة ثانية، في حين يهمّنا تصارع هذه الدّول على سوريّة، وعلى مستقبلها سواء كان ضمن تحالفهما في الصّراع، أم في صراعهما ضدّ بعضهما على الأرض السّورية، وعلى المجتمع السّوري، ومستقبله الجيوسياسي. فكلّ فريق منهما كان مختلفًا في الواقع عن الآخر، ومصالح كلّ منها تختلف ضمن الفريق الواحد عن الآخر، فالكلّ ضدّ الكلّ مجتمعين، ومتفرّقين، والكلّ مع الكلّ متّفقين على تجزئة سوريّة، ونهبها، والسّيطرة عليها، لذلك أقيمت التّحالفات، والمعاهدات لتحقيق هذا الهدف الاستعماريّ الإمبرياليّ الصّهيونيّ.
جاءت نقمة الاتّحاديّين على العرب ممثّلة بتعيين جمال باشا حاكمًا على سوريّة مع احتفاظه بمهمّة وزير البحريّة في الدّولة العثمانيّة، ففي شخصيّة هذا الرّجل تجسّدت العنصريّة، والوحشيّة، والإجرام، وكان رئيس جمعيّة، أو نادي ترك أوجاني للشّباب، والشّابات الأتراك، وعندما عُيّن حاكمًا على سوريّة كان يرى بأنّه مثل الإسكندر الأكبر جاء فاتحًا للبلاد العربيّة. وقد وصفه سفير الولايات المتّحدة في استانبول هنري مورتنغو بأنّه: «كان يعرف بأنّ الإعدام من واجباته اليوميّة، وهو يجمع القوّة، والشّراسة... ضحكته ممزوجة بشيء من الوحشيّة... وهو يكره كلّ الشّعوب كالعرب». ويقول شكيب أرسلان عنه، وكان صديقًا له: «كان جبّارًا قد بطش بالخلق، ورجفت منه القلوب، وتعوّد ألّا يقف في وجهه أحد، وكان مؤيّدًا من الحزب التّركي الطّوراني»، ويقول يوسف الحكيم عنه: «حين جاء سوريّة كان شرّ خلف لخير سلف، وظهرت على يده نقمة السّلطة التّركيّة على العنصر العربيّ».
من المفيد هنا القول بأنّ التّحضيرات التّركيّة لغزو قناة السّويس إبّان الحرب العالميّة الأولى لم تكن كافية، كما أكّد على ذلك حاكم سوريّة زكي باشا، بأنّه لا يمكن تحقيق
نصر في غزو قناة السّويس قبل مدّ سكة حديد إليها، وتأمين مستلزمات الحملة. لذلك تدخّل الألمان لعزله فورًا لأنّ ألمانيا كانت تريد فتح جبهة حربيّة في قناة السّويس لتخفيف الضّغط على قوّاتها المحاربة في أوروبا. لقد تنكّر جمال باشا لما قاله عندما وصل دمشق مرحّبًا به، وشاكرًا السّوريّين، ومن حبّه للعرب، ودعوته للتّآلف بينهم، وبين الأتراك. لقد وجد جمال باشا حجّة في بعض المستجدّات الّتي توصل إليها، كوقوف البطرك إلياس الحويّك ضدّ الدّولة العثمانيّة، ومخابرة الفرنسيّين، ووصول أنباء عن اتّصال الأب شارل عبلا مع القنصل اليونانيّ ليُخبر الفرنسيّين، والإنكليز بأنّهم إذا جاؤوا بأساطيلهم لضرب السّواحل السّورية؛ فسينضمّ إليهم بخمسة آلاف ماروني من زحلة ضدّ الأتراك. لم يكن جمال باشا بحاجة لحجج لينقلب على العرب، فهو حاقد عليهم، وأنّه طوراني متعصّب، ومتوحش. كان استعداد جمال باشا للقيام بحملة على قناة السّويس له تأثيره الكبير، وكان يعوّل على ثلاث نقاط أساس في هذه الحملة:
الأولى: أن يقاتل العرب بقوّة ضدّ الإنكليز، والفرنسيّين تحت العنوان الطّائفيّ.
الثّانية: أنّ المصريّين سيقومون بثورة ضدّ الإنكليز عندما يعلموا بوصول الحملة إلى القناة.
الثّالثة: ستقوم القوّة اللّيبيّة الّتي تمّ تجهيزها للهجوم من الغرب على الإنكليز.
ولكن حسابات جمال باشا باءت بالفشل، فالعرب كانوا منهكين من الظّلم، والفقر، والتّمييز العنصري، وكانوا يعرفون أنّ هذه الحرب ليست حربهم بل حرب الدّول العظمى على أراضيهم، ولمصلحتهم، هذا أوّلًا، أمّا ثانيًا فلم يتمرّد المصريّون، ولم يقوموا بثورة ضدّ الإنكليز تأييدًا لجمال باشا، وثالثًا لم تحقّق القوّة اللّيبيّة شيئًا يذكر. ورابعًا ولهذا دور كبير، وهو أنّ الإنكليز، والفرنسيّين كانوا يعلمون تفاصيل الحملة، وحركتها، وتجهيزاتها، وكل المتناقضات الموجودة فيها، وقد تحضّروا لها في الاسماعيليّة فأسروا كلّ الّذين عبروا القناة (٤٠٠ مقاتل)، ولم تستمرّ الحرب لأكثر من يوم واحد، حيث تراجع جمال باشا إلى
(39)
بئر السّبع في جنوب فلسطين، وفشلت الحملة. لقد كشفت الحملة حقيقة جمال باشا بعد عودته منها، حيث صبّ نار غضبه، وجنونه، وتوحّشه على الضّبّاط العرب، عوضًا عن دراسة أسباب الفشل، فنكّل بهم، وفصل أغلبهم، وجاء بالأتراك مكانهم ثمّ انتقل إلى المثقّفين العرب؛ فحبسهم، وعذّبهم، واتّخذ قرارًا بقتلهم جميعًا، وهذا العمل يتوافق مع المشروع الموكل له عندما جاء إلى سوريّة في القضاء العروبة، وتتريك العرب، ثمّ إلغاء الامتيازات الخاصّة بلبنان لعام ١٨٦٠م، وإخضاعه للسّلطة العثمانيّة. ويؤكّد شكيب أرسلان في مذكراته: «بأنّ جمال باشا تعهّد للاتّحاديّين بأنّه سيقضي على الرّوح العربيّة في سوريّة». وقام بإيجاد مدارس حكوميّة بدلًا من الإرساليّات الأجنبيّة في لبنان، وبها بدأ العمل على تتريك العرب، وإبعاد العناصر المتفرجنة من أبناء لبنان الخطرين على سياسته في المناطق السّاحليّة، والدّاخليّة. واتّخذ قرارًا باعتبار الإنكليز في دمشق أسرى، إذا قامت بقتل العثمانيّين في اسكندرون. وفي مسألة لبنان كان لجمال باشا رأي غريب وهو: «الشّدّة خير علاج لتسكين أوجاع اللّبنانيّين، فهم قوّة لا تهمّهم إلّا القوّة، فإذا عرفت كيف تتفوّق عليهم عرفت أن تُخضعهم». لقد توصّل جمال باشا إلى قراره بإعدام المفكّرين العرب بناء على مجموعة من المعطيات بالإضافة لتوحّشه، وحقده على العرب وهي:
أ. فشله في حرب السّويس، وتحميل العرب مسألة هذا الفشل.
ب. ما تركه جورج بيكو، القنصل الفرنسيّ في بيروت، من ملفات عن اتّصالاته مع بعض المفكّرين العرب، لدى القنصل الأمريكيّ، ثمّ ترجمة تلك الملفات من قبل ترجمان القنصليّة الفرنسيّة أمام جمال باشا ذاته. وكانت أسماء الدّفعة الثّانية، الّتي أعدمها، قد وردت في تلك الملفات.
ت. توصل جمال باشا إلى حقيقة أنّ العرب سيثورون ضدّ تركيا في حال قامت قوات إنكليزيّة، وفرنسيّة بالنّزول على السّواحل السّوريّة.
ث. وصول أوامر سرّيّة من استانبول لقيادة الجيش الرّابع في سوريّة بالعمل على القضاء على التّيّار العربيّ، وتمزيق شمله بعد أن بدأ الضّبّاط العرب بالهروب من الجيش العثمانيّ.
قام جمال باشا بإعدام المجموعة الأولى من المفكّرين العرب في ٢/ ٨/ ١٩١٥م، وكان عددهم ١٣ مفكّرًا في بيروت، وهم من مناطق مختلفة من بلاد الشّام، من دمشق، وبيروت، وبعلبك، وحماه، وجنين. وفي ٦ آيار من عام ١٩١٦م قام جمال السّفاح بإعدام الدّفعة الثّانية من أعلام الحركة القوميّة العربيّة، ٧ في دمشق، و١٤ في بيروت. وكان منهم عبد الحميد الزّهراوي، الّذي لا يجوز إعدامه إلّا بأمر من السّلطان كونه عضوًا في مجلس الأعيان. وقد تقرّر نفي ٣٠٠ عائلة إلى الأناضول.
يقول جمال باشا السّفاح في مذكراته: «إنّ مبادرته إلى تنفيذ أحكام الإعدام، كان لها تأثير كبير في المحافظة على سلطة الحكومة، وسطوتها، ونفوذها في بلاد سمّمتها الدّعاية الفرنسيّة، والإنكليزيّة عدَّة سنوات». هل كان هذا صحيحًا أم لا؟ توجد وجهتا نظر متقابلة، ومتعارضة بالوقت ذاته: رأي يرى أنّ جزءًا من الذين أُعدموا كانوا على تواصل مع القنصليّة الفرنسيّة في بيروت، وأنّ منهم من كان يريد الانفصال عن الدّولة العثمانيّة ثمّ وضع دولتهم تحت الحماية الفرنسيّة، وأنّ في هذا خدمة للمصالح الفرنسيّة، ويؤكّد هذا إصدار بوانكاريّة رئيس جمهوريّة فرنسا مرسومًا في ٧/ ٣/ ١٩١٩م يمنح فيه وسام جوقة الشّرف لكلّ السّوريّين الآتية أسماؤهم، الّذين أُعدموا من أجل عدائهم للسّلطات التّركيّة، ليبقوا مخلصين، ومتعلّقين بفرنسا الحامية التّقليديّة لبلادهم، لمرتبة ضابط عظيم (أحد عشر رجلًا) منهم الزّهراوي، ولمرتبة فارس بقيّة الأسماء.
بالمقابل يرى آخرون بأنّ هؤلاء خدموا شعبهم، وأمّتهم، وسعوا من الاستبداد، والظّلم، والقهر، والعنصريّة التّركيّة، وأنّهم دفعوا بحياتهم ثمنًا لهذا المشروع، وأنّهم لاقوا أشدّ ألوان العذاب، والتّنكيل، ولكن تلاقت مصالح الدّول الاستعماريّة مع مصالح، وأهداف
القوميّة العربيّة بالتّخلّص من الدّولة العثمانيّة، والسّلطة الاتّحاديّة المتجبّرة المتعصّبة، وبالتّالي ليس الأمر بخيانة لأحد، ولا العمل من أجل مصلحة الآخر، بل هي المصالح المشتركة، والأهداف المشتركة. إذا كان الأمر كذلك فكيف إذا علمنا أنّ جمال باشا كان على تواصل مع الفرنسيّين، والإنكليز، والرّوس، وحتّى مع الألمان للعمل على فصل البلاد العربيّة من الدّولة العثمانيّة؛ ليكون سلطانًا عليها، ويؤسّس أسرة مالكة فيها، ويُصبح حليفًا لهذه الدّول ضدّ دولته، في الوقت الّذي كان يقوم بإعدام هؤلاء الرّجال.
ومن خلال تواصل جمال باشا مع الحلفاء عن طريق الرّوس، ومصر، وضع شروط، ومطالب خاصّة نُقلت إلى الحلفاء ليقوم بالدّور اللّازم ضدّ تركيا، وألمانيا، وأهمّها:
أ. أن يعترف الحلفاء باستقلال الأجزاء الآسيويّة من تركيا، وهي سوريّة، وفلسطين، والعراق، والجزيرة، وكليكيا، وكردستان، وأن يكون سلطانًا عليها.
ب. أن تؤسّس له عائلة حكم، ويكون وراثيًّا من بعده.
ت. أن يدخل في حرب مع تركيا، وألمانيا بعد إسقاط حكومة استانبول.
ث. أن يقوم الحلفاء بمدّه بالسّلاح، وبالقوى اللّازمة، وتقديم المعونات الماليّة بعد الحرب.
ج. أن يتخلّى جمال عن المضائق البحريّة، وعن العاصمة استانبول.
ح. ضمان سلامة الأرمن، وإمدادهم بالمؤن خلال الحرب.
القضيّة المهمّة هنا أنّ الاتّحاديّين (أنور وطلعت) كانوا يعلمون بتلك الاتّصالات، ومدى ميله إلى فرنسا، وكانت ألمانيا تراقب كلّ تحرّكاته، وقد تمّ تشكيل جيش سرّي مدرّب بإشراف ألمانيا ليحلّ محلّ الجيش الرّابع الّذي يقوده جمال باشا. ويبدو أنّ بعض أصدقاء جمال باشا كشكيب أرسلان، كانوا يعلمون بهذه الاتّصالات فيقول: «يُقال أنّ جمالًا راسل فرنسا على أن ينفصل عن الدّولة، ويصطلح مع الحلفاء، ويجعلوه أميرًا
مستقلًّا في الشّام، وفلسطين، وأنّ الفرنسيّين مالوا إلى هذه الفكرة لولا معارضة الإنكليز لها والله أعلم». لم يكتفِ جمال باشا بالاتّصال مع الحلفاء، بل كان له اتّصالات أخرى مع الصّهاينة عن طريق الجاسوسة ناتاليا داودوفيتش بواسطة مندوبه فؤاد بك سليم، الّذي عُرض عليه المشروع الصّهيوني بإنشاء وطن قومي لليهود في فلسطين، وأن يبدأ المشروع بقرى يهوديّة يُطلق عليها الوطن القوميّ لليهود، لكن مع إخضاع اليهود القادمين للقوانين المحلّيّة، وأن لا تعرقل الدّولة التّركيّة الهجرة اليهوديّة، وأن تكون المستعمرات اليهوديّة مستقلّة إداريًّا، وفي الموازنة، مقابل أن تقدّم الجمعيّة الصّهيونيّة قرضًا للدّولة العثمانيّة، وتساعدها في مشاريعها السّياسيّة.
اللافت للانتباه أنّ الحكومة الاتّحاديّة قد رفضت المشروع لأنّ أنور باشا رفضه بقوّة. مع ذلك بقي جمال باشا صديقًا للصّهاينة مدافعًا عن اليهود، وقد عارض الحكومة الاتّحاديّة في قرارها إبعاد اليهود عن السّواحل الفلسطينيّة. إذًا اجتمعت في شخصيّة جمال باشا كلّ صفات التّوحّش، والجبروت بالإضافة للخيانة، الّتي قتل أعلام الفكر العربي بسببها، وحبّه للصّهيونيّة وسعيه لتدمير الدّولة العثمانيّة، وفشله في الحروب الّتي قادها، وقد دفع بسوريّة، وسكّانها إلى حال اليأس، فتعطّلت الصّناعة، والتّجارة، والبنوك، واختفى الذّهب، والنّقود، والأقمشة، والكاز، والسّكر، والأدوية، والثّقاب، فساد الفساد، والاحتكار، والفقر، والجوع، وكثر الرّبا، وساد وباء التّيفوس، والكوليرا فقُتل الآلاف في حلب، وبيروت، وأخذ التّيفوس ربع سكان بيروت، وجنوب فلسطين إضافة للحمى، والكوليرا. وخلال عامي (١٩١٤-١٩١٥م) سادت في سوريّة ظروف طبيعيّة، وبشريّة سيّئة جدًّا بتطوّر الأحداث نحو الثّورة، والتّمرّد مثل: انتشار أسراب الجراد فقضت على معظم المحاصيل الزّراعيّة، تفشّي الأمراض، والأوبئة الخطيرة، البرد الشّديد، وتراكم الثّلوج في الشّتاء، والحرّ الشّديد في الصّيف، والفقر المُدقع، وغنى فاحش. كانت النّتيجة
أن انقسمت دمشق إل نصفين: نصف كمقبرة، ونصف كمستشفى.
أمام حالٍ متردّية كهذه وضع الضّابط العربي الكبير عزيز علي المصري خطّة لقيام دولة عربيّة مستقلّة عن تركيا، وعن أيّ قوّة أخرى، وقد حدّدها بشبه الجزيرة العربيّة، وسوريّة، والعراق حتّى حدود تركيا، وأنّ على بريطانيا أن تقدّم المساعدة الماليّة، والعسكريّة لها.
وجدت بريطانيا أنّ قادة العرب، كعزيز علي المصري، والشّريف حسين علي، وأعلام الفكر العربيّ في جمعيّة العربيّة الفتاة، يدعون إلى إقامة دولة عربيّة مستقلّة جغرافيًّا، وسياسيًّا عن تركيا، تتضمّن المناطق الّتي حدّدها عزيز علي المصري، لذلك فضّلت أن تتفاوض مع الشّريف حسين في مكّة، والمدينة لعدّة أسباب أهمّها:
أ. سهولة التّفاوض معه لأنّه أكثرهم مرونة.
ب. قبول العرب به لسمعته، ولأن الحركة القوميّة العربيّة كانت تتواصل معه.
ت. لقدرة الحسين على إفشال دعوة الأتراك للجهاد ضدّ الحلفاء لأنّه سليل النّبوّة، وسنّي يُمثّل الأغلبيّة.
ث. كانت بريطانيا في تلك الفترة ترى بسوريّة جزءًا من البلاد العربيّة.
ج. وأنّ التّفاوض معه يخفف الضّغط عنها في الهند ومصر.
وبالتّالي يساعدها هذا التّفاوض في تنفيذ مشروعها كونها لم تدعم الأقلّيّات كما فعلت فرنسا، وأعلنت بأنّها تحترم المقدّسات الإسلاميّة لكي تبقى جاهزة لاستقبال المسلمين في الهند في موسم الحجّ، كذلك لم تُظهر نواياها باستعمار البلاد العربيّة كما فعلت فرنسا، وإيطاليا، بل إنّها تريد مساعدة الغرب لتأسيس دولة مستقلّة. وقد أكّد لويد جورج رئيس الوزراء البريطاني، (١٨٦٣-١٩٤٥م)، هذا الاحتيال، والدّهاء الإنكليزي بقوله: «لقد تطلّبت سياسة بريطانيا دهاءً كبيرًا، وتلوّنًا، وتفسيراتٍ، وتبريراتٍ، ونقضًا،
وتناقضًا، حتى تصل إلى هدفها الحقيقيّ في الاستيلاء على البلاد العربيّة، أو بعضها، ولتنال حصتها من بقايا الدّولة العثمانيّة الّتي حان عقابها لدخولها الحرب إلى جانب ألمانيا.
مراسلات حسين-مكماهون: تراسل الشّريف حسين مع مكماهون، المفوّض السّامي البريطانيّ بعشر رسائل خلال ثمانية أشهر من ١٥/ ٦/ ١٩١٥م إلى ٢/ ٣/ ١٩١٦م. لقد حدّد حسين في الرّسالة الأولى حدود الدّولة العربيّة المستقبليّة، والممتدّة من أضنة، وأقدام جبال طوروس شمالًا إلى المحيط الهندي جنوبًا (عدا عدن)، ومن البحر المتوسّط، والبحر الأحمر غربًا إلى الخليج العربي شرقًا، وهي الخريطة الّتي أرسلتها له الحركة القوميّة العربيّة في سوريّة، وقد تبنّتها بريطانيا مبدئيًّا، ولكنّها احتجّت بأنّ تركيا لا تزال تحتلّها، وأن بعض المناطق في غرب سوريّة لا يمكن أن يُقال عنها أنّها عربيّة محضة، ويجب أن تستثنى من الحدود الّتي ذكرتموها (انظر الخريطة المقدّمة من الشّريف حسين)، ونحن على استعداد للموافقة على تلك الحدود على أساس هذه التّعديلات على أن لا تنقص شيئًا من اتّفاقاتنا مع الزّعماء العرب. وتابع مكماهون في جوابه للحسين، فإنّ إنكلترا مستعدّة على أساس تلك التّعديلات (أي إخراج المناطق الغربيّة من سوريّة) أن تعترف باستقلال العرب، وتقديم المساعدة لهم في الحدود الّتي اقترحها الشّريف حسين، وهي الأراضي الّتي تستطيع إنكلترا العمل فيها بملء الحرّيّة، ومن دون أن تُقع ضررًا بخليفتها فرنسا، فإنّ لي السّلطة التّامّة باسم صاحب الجلالة أن أعطيكم التّأمينات جوابًا على كتابكم. لقد استطاع الإنكليز أن يُخرجوا اليمن، والخليج العربي، ونجد، وعسير، وبموافقة الشّريف حسين، من الدّولة العربيّة المقترحة. ولم يبقَ للحسين إلّا الحجاز ليحكمه.
أمّا فرنسا فقد اعتمدت في سياستها مع السّوريّين على النّقاط الآتية: السّياسة الطّائفيّة المؤيّدة للأقلّيّات، إهمال، وتجاهل الأكثريّة (السّنيّة) المسلمة، والعمل على المنافع الاقتصاديّة.
انتقل التّنافس الإنكليزي الفرنسي إلى مرحلة جديدة بالاتّفاق على اقتسام الأراضي العربيّة، ووضع استراتيجيّة سياسيّة تضمن للدّولتين تمزيق البلاد العربيّة، وإقامة كيانات سياسيّة ذات مرجعيّة استعماريّة، وإقامة دولة يهوديّة، وطن قومي لليهود، تتوافق مع المصالح المستقبليّة الاستعماريّة، وتُبقي المنطقة مجزّأة من جهّة، ومتصارعة، وغير مستقرّة من جهّة ثانية.
عيّن الفرنسيون جورج بيكو مفاوضًا للإنكليز على حدود الدّولة العربيّة المقبلة في سوريّة، وامتداداتها الطّبيعيّة إلى مصر، وإلى إيران، وديار بكر، وأضنة، بتدخّل مباشر من الرّئيس الفرنسيّ بوانكاريه، لتكون تحت حماية فرنسا المباشرة فقام بمفاوضة، وزير الخارجيّة الإنكليزي آرثر نيكلسون، فطلب آرثر من بيكو إعلان استقلال البلاد العربيّة كما أعلنت بريطانيا، لكن بيكو رفض، وطالب بحدود سوريّة كما حدّدها رئيس الفرنسي بريان، ولكن بيكو وافق على وضع دمشق، وحمص، وحماه، وحلب داخل الدّولة العربيّة الّتي ستقام حيث يتولّى العرب إدارتها تحت نفوذ فرنسا، وأنّ حكومته قبلت بهذا التّنازل، والتّضحية (انظر الخريطة المرافقة). وطلب بريان تقسيم فلسطين
بين الدّولتين، ولكن بريطانيا رفضت ذلك، واقترحت حيادها.
حدّدت بريطانيا مارك سايكس مفاوضًا لجورج بيكو، ونقل سايكس لبيكو بأنّه يُمثّل العرب في هذه المفاوضات، وبيّن له بأنّ «الفكرة المثلى للزّعماء العرب تتضمّن وضع سواحل العراق، وسوريّة تحت حماية بريطانيا العظمى وفرنسا». وقد انتهت المفاوضات بين سايكس وبيكو بزيارة روسيا لتثبيت مصالحها في هذه الاتّفاقيّة، وقد تمّ إصدار الاتّفاقيّة في ١٦/ ٥/ ١٩١٦م بعد أن تمّت الموافقة عليها من الحكومتين. تتكوّن الاتّفاقيّة من اثنتي عشرة مادّة وهي:
المادّة الأولى: إنّ فرنسا وبريطانيا العظمى مستعدتان أن تعترفا، وتحميا دولة عربيّة مستقلّة، أو حلف دول عربيّة تحت رئاسة رئيس عربي في المنطقتين (أ) داخليّة سوريّة، و(ب) داخليّة العراق المبيّنتين في الخريطة (رقم) الملحقة بهذا، ويكون لفرنسا في منطقة (أ)، وللإنكليز في منطقة (ب) حقّ الأولوية في المشروعات، والقروض المحلّيّة، تنفرّد فرنسا في المنطقة (أ)، وإنكلترا في منطقة (ب) بتقديم المستشارين، والموظفين
الأجانب، بناءً على طلب الحكومة العربيّة، أو حلف الحكومات العربيّة.
المادّة الثّانية: يُباح لفرنسا في المنطقة الزّرقاء، ولإنكلترا في المنطقة الحمراء إنشاء ما ترغبان فيه من شكل الحكم مباشرة، أو بالوساطة، أو من المراقبة بعد الاتّفاق مع الحكومة، أو حلف الدّول العربيّة.
المادّة الثّالثة: تنشأ إدارة دوليّة في المنطقة السّمراء (فلسطين) يُعيّن شكلها بعد روسيا، وبالاتّفاق مع بقيّة الحلفاء، وممثّلي شريف مكّة.
المادةّ الرّابعة: تنال إنكلترا الآتي: -ميناء حيفا، وميناء عكا- يضمن مقدار محدود من ماء دجلة، والفرات في منطقة (أ) للمنطقة (ب)، وتتعهّد جلالة الملك من جهّتها بأن لا تدخل في مفاوضات ما مع دولة أخرى للتّنازل عن قبرص، إلّا بعد موافقة الحكومة الفرنسيّة مقدّمًا. يمكن الاطّلاع على بقيّة مواد الاتّفاقيّة.
نتائج الاتّفاقيّة: لقد جاءت نتائج اتّفاقية سايكس-بيكو متّفقة مع تنافس بريطانيا، وفرنسا على سوريّة، وبلاد العرب الّتي كانت جزءًا من أراضي الدّولة العثمانيّة في آسيا وهي:
أ. تجزئة سوريّة إلى أربع دول، انظر الخريطة رقم ، (فلسطين، لبنان، الأردن وسوريّة).
ب. تحقيق حلم فرنسا بالسّيطرة على سوريّة منذ حروب الفرنجة (الحروب الصّليبيّة، وفشل حملة نابليون).
ت. استطاع مكوّن طائفي بتحريض من فرنسا، وبريطانيا، وروسيا تكوين دولة مستقلّة، جبل لبنان ثمّ لبنان الكبير.
ث. تعرّضت حركة القوميّين العرب لضربة كبيرة بتهديم حلمها الكبير بتوحيد العرب في دولة واحدة، تكون سوريّة فيه مركزها، وأساسها السّياسيّ.
ج. استطاعت القوى الاستعماريّة بهذا التّقسيم أن تُحضّر المنطقة، وبعد توقيع وعد بلفور في ٢/ ١١/ ١٩١٧م، لإقامة الوطن القومي اليهودي في فلسطين، ولينفصل المشرق العربي عن مغربه.
لقد انتهى التّنافس الإنكليزي-الفرنسي بتنازلات متبادلة بين الدّولتين، وخارج اتّفاقيّة سايكس-بيكو حيث تمّ الآتي:
أ. تنازل فرنسا لبريطانيا عن الموصل الغنيّة بالنّفط، وقد كانت تابعة لها في اتّفاقيّة سايكس-بيكو.
ب. تخلّي بريطانيا عن الأمير فيصل، والسّماح لفرنسا بدحول دمشق، والمدن السّوريّة الدّاخليّة، والسّيطرة عليها، وهذا خروج عن الاتّفاقيّة أيضًا.
ت. قامت بريطانيا بتعديل حدود فلسطين في الجنوب فوصلتها إلى خليج العقبة، تمهيدًا لإقامة الوطن القوميّ اليهوديّ وفقًا لوعد بلفور.
- الثّورة العربيّة الكبرى ونهاية الوجود التّركي في سوريّة: بدأت الثّورة العربيّة الكبرى بقيادة الشّريف حسين في ١٠/ ٦/ ١٩١٦م، أي بعد توقيع اتّفاقيّة سايكس-بيكو بأقلّ من شهر، وأربعة أيّام بعد إعدام الدّفعة الثّانية من المفكّرين القوميّين العرب، وكان قائد الجيوش الضّابط الكبير عزيز على المصريّ، ولكنّه اختلف مع الشّريف حسين فترك القيادة بعد تسعة أشهر من تعيينه، فاستلم أولاد الحسين الأربعة (فيصل، عبد الله، زيد وعلي) الفرق العسكريّة العربيّة الأربعة. وكان في قيادة الجيش بعض الضّباط الإنكليز مثل: كلوب ولورنس، وكذلك كانت توجد مفرزة فرنسيّة بقيادة الضّابط بيزاني. أمّا لورنس فكان ضابط ارتباط مع المخابرات البريطانيّة. لم يكن لورنس محبوبًا من الشّريف حسين وأبنائه، عدا فيصل. ويقول عنه الجنرال ألنبي «بأنّه بهلواني» ووصفه آخرون بأنّه «أحد الدجّالين الكبار في الحرب الكبرى»، وكان متعاطفًا مع الحركة الصّهيونيّة. وكتب عن
نفسه: «لقد نجحت في إخفاء شخصيّتي عن العرب... كنت مجبرًا على تدريبهم، وتوجيههم الاتّجاه الّذي يتّفق مع مصالح بريطانيا».
لقد جرت أحداث الثّورة العربيّة الكبرى ميدانيًّا وفقًا لتفاصيل اتّفاقيّة سايكس-بيكو، من دون دراية من العرب، في توجيه حركة الجيوش، وفي تحرير الأراضي من الجيش العثماني، واستطاع سايكس إقناع الشّريف حسين بالتّفاوض مع بيكو ليكون لفرنسا في ساحل سوريّة كما لبريطانيا في البصرة وبغداد.
حلال الحرب قامت الثّورة البلشفيّة في روسيا بنشر مواد اتّفاقية سايكس-بيكو موجّهة إيّاها إلى العرب والتّرك، فقام جمال باشا بإرسال مواد الاتّفاقيّة إلى فيصل، وأخيه عبد الله، وإلى جعفر باشا قائد الجيش عند فيصل مع رسالة يحضّهم فيها للعودة، وإلى التّعاون ضدّ الحلفاء، وإلى طردهم من فلسطين، وأن تنقلب الثّورة العربيّة بأهدافها، لتصبح ضدّ القوى الاستعماريّة. أرسل فيصل نصّ الاتّفاقيّة إلى أبيه فتراسل مع الإنكليز الّذين أنكروا وجود هذه الاتّفاقيّة، وأنّها افتراءات من قبل جمال باشا.
بعد تحرير العقبة بدأت الخلافات تظهر في الجيوش، والفرق العربيّة حيث بدأ الضّباط السّوريّون بالتمّرد، يريدون التّوجّه شمالًا لتحرير دمشق، والمدن السّوريّة، وعزّز هذا الموقف، وصول ضباط سوريّين من القاهرة خاملين قسمًا عروبيًّا مضمونه: «أقسم بالله ألّا أشتغل إلّا للبلاد العربيّة، وللأمّة العربيّة، وأن أقاوم كلّ من يمدّ يده للأجانب، وكلّ سلطة تتعاون مع الأجانب، وكلّ سلطة استبداديّة في البلاد». لقد رفضت عائلة الشّريف حسين هذا القسم.
ـ أعلن فيصل أنّه سيكون حاكمًا على سوريّة، ووعد سكان جبل العرب بإعطائهم حكمًا ذاتيًّا، ووافق معظم الضّباط العرب، والسّوريّين على أن يكون فيصل ملكًا على سوريّة. وبالوقت ذاته بدأ الجنود، والضّبّاط العرب بالفرار من الجيش العثماني، والالتحاق بالجيش العربي، مع ذلك فقد انقسم المقاتلون في جيش فيصل إلى قسمين:
قسم يرى بسوريّة جزءًا من القوميّة العربيّة ومع الحجاز. وقسم يراها دولة مستقلّة عن الحجاز، ويجب أن يحكمها فيصل ملكًا. ولما عرف الشّريف حسين بطموحات فيصل كتب له: «إلى هذا الحدّ القحة يا فيصل» (اللؤم).
ـ اعتبرت الدّول الأوروبيّة، تحرير القدس في ٩/ ٢/ ١٩١٧م على أيدي الإنكليز، هو تكملة لحروب الفرنجة في القرون الوسطى. وتمّ إرسال رسالة إلى الحكومة البريطانيّة يهنّئونها باسترجاع القدس من أيدي الكفار، وعلى أيدي أحفاد ريتشارد قلب الأسد، وكذلك احتفل الطّليان، والفرنسيّون، وكذلك الرّوس.
ـ انتهت الثّورة العربيّة الكبرى بدخول القوّات العربيّة، والحلفاء مدينة حلب، بعد تحرير حماه، وحمص، ودمشق، وخروج القوّات التّركيّة من سوريّة في ١٢/ ١١/ ١٩١٨م بعد بقائهم أربعة قرون وسنتين.
صدر وعد بلفور في ٢/ ١١/ ١٩١٧م بالشّكل الآتي: «عزيزي اللّورد روتشيلد: يسرّني جدًّا أن أبلّغكم عن حكومة جلالته، التّصريح التّالي الّذي ينطوي على العطف على أماني اليهود، والصّهيونيّة، وقد عُرض على الوزارة، وأقرّته: «إنّ حكومة صاحب الجلالة تنظر بعين العطف إلى تأسيس وطن قوميّ للشّعب اليهوديّ في فلسطين، وستبذل غاية جهدها لتسهيل تحقيق هذه الغاية، على أن يُفهم جليًّا أنّه لن يُؤتَ بعمل من شأنه أن يُنقص من الحقوق المدنيّة، والدّينيّة الّتي تتمتّع بها الطّوائف غير اليهوديّة المقيمة الآن في فلسطين، ولا الحقوق، أو الوضع السّياسيّ الّذي يتمتّع به اليهود في البلدان الأخرى». وسأكون ممتنًّا إذا أحطتم الاتّحاد الصّهيونيّ علمًا بالتّصريح. المخلص آرثر بلفور.
ولعلّ أهمّ الأسباب الّتي دفعت بريطانيا لاتّخاذ هذا القرار، أو الوعد هي الآتي:
١. حماية قناة السّويس، وعدم السماح لأيّة قوّة قد تخرج عن السّيطرة البريطانيّة في المستقبل.
٢. تحقيق حلم الغرب جميعًا، وهذا مشروع متّخذ في عام ١٩٠٧م في مؤتمر كامبل بنرمان، ذلك بفصل المشرق العربيّ عن المغرب العربيّ.
٣. جعل الدّولة اليهوديّة المستقبليّة قاعدة غربيّة ترعى المصالح الغربيّة.
٤. الاستفادة من اليهود كقدرات ماليّة كبيرة، وإمكانات علميّة، وخصوصًا الأبحاث العلميّة الّتي تفيد في الصّناعات الحربيّة، ولها تأثير في موازين القوى، مثل ابتكارات حاييم وازمن في دور البكتريا، والأسيتون لإنتاج الأسلحة.
ومع اتّخاذ هذا القرار، وإعطاء هذا الوعد، لم يلتزم الإنكليز بتطبيق، ومراعاة التّفاصيل الموجودة فيه، ولم تراعَ حقوق الآخرين، لا الدّينيّة، ولا المدنيّة فقد انتهكت كلّ الحقوق، ولم يبقَ منها شيء أمام توحّش، وإجرام العصابات الصّهيونيّة الّتي تشكّلت مع بداية الانتداب. وفي نصّ هذا الوعد توجد رزمة من المغالطات أهمّها: اعتبار اليهود المكوّن السّكّانيّ الأكثر في فلسطين مع أنّهم لم يشكّلوا، في وقتها، إلّا ٧% من جملة السّكان، يقابل ذلك اعتبار الأغلبيّة العربيّة أقلّية. ولكن ورود كلمة فلسطين في النّصّ يجعل من بريطانيا معتدية على وجود دولة، أو مشروع دولة لأنّ المنطقة كلّها كانت تحت الاحتلال العثمانيّ، والمتغيّرات الميدانيّة العسكريّة، والسّياسيّة تساند ذلك.
لقد كانت فرنسا على إطّلاع على وثيقة وعد بلفور، ولم تحتجّ عليها، على من أنّها كانت ترى بفلسطين ممتدّة إلى حدود العريش، والعقبة. وكان بإمكانها أن تفضح هذه الوثيقة، وتكسب مواقف العرب. أمّا بريطانيا فلم تُخفِ وعد بلفور، كما فعلت باتّفاقيّة سايكس-بيكو، مع أنّ هذا الوعد هو الأخطر على العرب، ولكن الإنكليز أقنعوا الشّريف حسين بأنّ الغرض من الوعد هو إسكان بعض اليهود في فلسطين من دون إضرار حقوق العرب، ولم يكن يعلم بخفايا الحركة الصّهيونيّة، لأنّه عندما علم ذلك رفضها رفضًا قاطعًا. ولكن بعد فوات الأوان، ولم يعمل شيئًا ضدّ الوعد.
بعد نشر مواد اتّفاقيّة سايكس-بيكو في الجائد الفرنسيّة اجتمع الرّجلان سايكس
وبيكو، فأرسلا رسالة إلى الشّريف حسين يؤكّدان فيها ضمان استقلال البلاد النّاطقة بالعربيّة، سوريّة، والعراق، والجزيرة، وقد تنكرا للاتّفاقيّة. وبدأ سايكس يتصرّف، ومعه بيكو على أنّ فلسطين مفصولة عن سوريّة، وأنّها موضوعة تحت حماية دوليّة استعدادًا لتطبيق وعد بلفور، وكذلك فصل سوريّة عن الحجاز، وتمّ وضع فيصل أميرًا دستوريًّا على سوريّة كدول مستقلّة تحت حماية بريطانيا، أو أمريكا.
انتهت الحرب العالميّة الأولى، ولم تعترف بريطانيا، وفرنسا باتّفاقيّة سايكس-بيكو، لكن قائد الجيش الإنكليزي قد أوضح لفيصل في دمشق تفاصيل الاتّفاقيّة، وأنّ لبنان لفرنسا، وأنّ إمارته على دمشق، وحمص، وحماه، وحلب فقط، وسيتمّ تعيين ضابطي ارتباط معه، إنكليزي وفرنسي، أمّا فلسطين فتحكمها الإدارة البريطانيّة مباشرة لتطبيق وعد بلفور، وإنشاء الوطن القوميّ اليهودي عليها، ولبنان تقرّر أن تديره فرنسا.
بدأت الدّولتان بالتّطبيق الميداني للمخطّطات التّآمريّة على العرب عمومًا، وعلى سوريّة خصوصًا، منذ بداية الثّورة العربيّة الكبرى، فتمّ فصل فلسطين عن سوريّة، وعندما تمّ تحرير لبنان تمّ تسليمه لفرنسا، وتمّ إقناع الشّريف حسين بالخطوط العامّة للمخطّط وهي:
اعتبار المناطق الغربيّة من سوريّة، من رأس النّاقورة، وحتّى مرسين في الشّمال، ليست سوريّة، وكذلك كلّ المنطقة الزّرقاء.
إمكانيّة إقامة دولة عربيّة في المنطقة (أ) تحت الحماية الفرنسيّة.
أنّ وعد بلفور يعني السّماح لبعض اليهود بالهجرة، والاستقرار في فلسطين.
إمكانيّة إقامة دولة عربيّة في المنطقة (ب) تحت الحماية الإنكليزيّة.
وضع فلسطين، والمقدّسات تحت حماية دوليّة بقرار بريطاني.
في نهاية هذا البحث نجد أنّ رياح القوميّة قد هبّت على العرب من أوروبا في النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، وبداية القرن العشرين، وأنّ المسلمين العرب كانوا ينظرون للعثمانيّين نظرة أخوة في الدّين، ولم يكن يوجد تفكير عنصري بين العرب، والأتراك، وأن المسيحيّين العرب، الّذين سبقوا المسلمين العرب باستقبال مفاهيم القوميّة، لم يكونوا يستطيعون الاستمرار من دون دخول المسلمين معهم حتّى لا يُرى بأنّهم طائفيّون، وليسوا قوميّين، ولعلّ هذا الّذي ميّز العرب السّوريّين عن غيرهم من العرب الآخرين. مع ذلك كانت مطالب السّوريّين بداية تنحصر في الإصلاح الاجتماعيّ، وتطبيق اللّامركزيّة في إدارة مناطقهم، لكن مطالبهم تطوّرت، خصوصًا الجمعيّات المسيحيّة، نحو الانفصال، والحماية من الدّولة الفرنسيّة.
عندما جاء الاتّحاديّون إلى السّلطة، بانقلاب على السّلطان عبد الحميد الثّاني في عام ١٩٠٩م دفعوا بالعرب إلى التّميّز القوميّ، والسّعي للاستقلال، لأنّ الاتّحاديّين مارسوا سياسة الحقد، والتّتريك، والظّلم، والإفقار للعرب، وقتلوا زعماء الحركة القوميّة العربيّة، ونفوا عائلات كثيرة إلى الأناضول، على يد جمال باشا السّفّاح، فبدأ الجنود، والضّبّاط العرب في الجيش الرّابع المرابط في سوريّة يشعرون بأنّهم من المرتبة الثّانية، لذلك تحوّلت الدّولة العثمانيّة من دولة إسلاميّة يدعمها العرب إلى دولة طورانيّة تركيّة تنبذ العرب. فالأتراك بسياستهم العنصريّة هم الّذين أسقطوا الدّولة العثمانيّة، وليس العرب.
ومع قيام الحرب العالميّة الأولى في ٢٨/ ٧/ ١٩١٤م ازداد التّنافس المسعور بين الدّول الاستعماريّة الأوروبيّة لاقتسام أراضي الدّولة العثمانيّة (الرّجل المريض)، ودفعت كذلك لزيادة الخلافات بين المكوّنات الاجتماعيّة، والعرقيّة للدّولة العثمانيّة، ودخول تركيا الحرب فيها مع ألمانيا، وبقيّة دول المركز (المحور).
لقد تآمر الحلفاء الفرنجة على العرب عمومًا، وعلى سوريّة خصوصًا بإقامة اتّفاقيّة سايكس- بيكو، ووعد بلفور لإقامة الدّولة اليهوديّة، وتآمروا على العرب بإيجاد تناقض
بين القوميّة العربيّة، والطّائفيّة، كما فعلت فرنسا، بينما تآمرت بريطانيا على الوعي القوميّ العربيّ ذاته لتمزيقه من الدّاخل من دون التّطرّق للعنصر الطّائفيّ مبدئيًّا، وعلانيّة، فقد أقنعت الشّريف حسين، الّذي وثق به القوميّون العرب، ونسّقوا معه، بقيام أجزاء عربيّة متناثرة مستقلّة بخلاف ما كان يسعى إليه القوميّون العرب، وقد استطاعت بريطانيا استخدام بعض الزّعماء العرب، خصوصًا الموجودين في مصر من السّوريّين، لتحقيق أهدافها، والكذب عليهم، وعدم الوفاء بوعودها، وكذلك تآمرها باتّفاقيّة سايكس-بيكو، ووعد بلفور. ولعلّ الأخطر من ذلك هو تدعيم اتّجاهات تقسيم البلاد العربيّة في عقول زعماء الحركة القوميّة العربيّة، لتصبح سوريّة، ومصريّة، وعراقيّة، وحجازيّة، فأوجدت القطريّة، وأوجدت لها تاريخًا تستند إليه، وهكذا نستطيع القول أنّ الجميع قد تآمر، الأوروبيّين، والأتراك على حدّ سواء، على مستقبل العرب السّياسيّ، وعلى أرضهم بتجزئتها، واحتلالها، فالأتراك أعدموا زعماء العرب، وحاولوا تتريكهم، ونفوا عائلاتهم، ومارسوا كلّ أنواع التّنكيل، والتّجويع، والفقر، والفرنسيّون لعبوا على الجانب الطّائفيّ، وقسّموها لدول طائفيّة عندما استعمروها، وبريطانيا على الجانب القوميّ لتديره، وتبعده عن جوهر أهدافه في وحدة العرب، وإقامة دولة عربيّة واحدة.
لقد جاءت نتيجة تلك المتغيّرات خلال الثّلاث عشرة سنة، من مؤتمر كامبل بنرمان في عام ١٩٠٧م، وحتى نهاية الحرب العالميّة الأولى، ونهاية الحكم العربي في سوريّة، متوافقة مع تلك المتغيّرات، فلا حرّيّة للعرب، ولا استقلال، ولا دولة عربيّة واحدة، بل احتلّت أرضهم وتجزأت، وتمّ العمل بخطوات سريعة، ومدروسة لإقامة الوطن القوميّ لليهود، وزرعوا في عقول السّوريّين أنّهم غير قادرين على إقامة دولة بأنفسهم، كأنّهم قاصرون بحاجة لرعاية لذلك يجب وضعهم تحت الانتداب ليصبحوا قادرين على إقامة دولة متقدّمة. وقد تمّ تجزئة سوريّة إلى أربع كيانات سياسيّة سوريّة، لبنان، فلسطين والأردن بناءً على اتّفاقيّة سايكس-بيكو. (انظر الخريطة الموضحة لذلك) .
من التّناقض مع أصول المنطق السّياسي، أن ينتصر العرب في الحرب العالميّة الأولى إلى جوار المنتصرين فيها من الأوروبيّين، أن يؤدّي هذا النّصر إلى خسران العرب لأرضهم، وتجزئتها، وفقدهم لحرّيّتهم، واستعبادهم من الدّول الّتي ناصروها في الحرب، والأخطر من ذلك إقامة الوطن القوميّ لليهود في أرض العرب، فشكّل هذا عامل تفجّر، وعدم استقرار للعرب حتّى وقتنا الحاضر.
1.أرسلان، شكيب، سيرة ذاتية، بيروت، دار الطليعة، ١٩٦٩م.
2.باشا، سلطان، مجلة المساء، ع ٩٧، ك١، ١٩٧٥م.
3.بيشون، جاك، بواعث الحرب العالميّة الأولى في الشرق الأدنى، ترجمة: عزة دروزة، بيروت، ١٩٦٤م.
4.ت. أ. لورنس، أعمدة الحكمة السبعة، ترجمة: رشيد كرم، بيروت، ١٩٥٠م.
5.الحصري، ساطع، البلاد العربيّة والدولة العثمانيّة، بيروت، ١٩٦٥م.
6.الحكيم، يوسف، بيروت ولبنان في عهد العثمانيين، بيروت، المطبعة الكاثوليكية، ١٩٦٦م.
7.خضور، أديب، الصحافة في سوريّة، دمشق، دار البعث، ١٩٧٣م.
8.الخوري، بشار، حقائق لبنانية، حريصا، ١٩٦٠م.
9.الزين، سميح، ٦ آيار قصة شهداء الوطن، ١٩٦٦م.
10.سعيد، إبراهيم، الجيوبولتيك السوري، دمشق، وزارة الثقافة، ٢٠١٦م.
11.سعيد، أمين، أسرار الثورة العربيّة الكبرى ومأساة الشريف حسين، بيروت، دار الكاتب العربي.
12.سلطان، علي، تاريخ سوريّة - أواخر الحكم التركي - ١٩٠٨-١٩١٨م، ط٢، دار طلاس، ١٩٩٦م.
13.الطنطاوي، علي، دمشق، دار الفكر، ١٩٥٩م.
14.عزيز بك، الاستخبارات الجاسوسية في الدولة العثمانيّة، تعريب: فؤاد الميداني، بيروت.
15.قاسمية، خيرية، النشاط الصهيوني في الشرق العربي ١٩٠٨-١٩١٨م.
16.كرد علي، محمد، خطط الشام، دمشق، مطبعة الترقي، ١٩٤٨م.
17.كليب، سامي، تدمير العالم العربي، بيروت، ٢٠٢٣م.
18.مجلّة المشرق، بيروت، ١٩٠٩-١٩٢٣م.
19.المنار، م١٦، ٦/ ٢/ ١٩١٤م.
20.المؤتمر العربي، العربي الأوّل في باريس، إعداد: حزب اللامركزيّة الإداريّة العثماني، القاهرة، مطبعة البوسفور، ١٩١٣م.
21.مورغنتو، هنري، مذكرات، تعريب: فؤاد صروف، القاهرة، مطبعة المقطم، ١٩٢٣م.
22..موسى، سليمان، الحركة العربيّة ١٩٠٨-١٩٢٤م، بيروت، دار النهار، ١٩٥٠م.
23.F.O. Great Britain, Foreign Office, Public Record Office Turkey.
(58)
حسام جميل النّايف
شكّلت سوريّة (بلاد الشام) أهمّيّة كبيرة للدّبلوماسيّين، والسّياسيّين الغربيّين أواخر القرن التّاسع عشر كونها ملعبًا لمنافسات الدّول العظمى، والّذي باتت تعرف باسم «اللّعبة الكبرى». ومع مطلع القرن العشرين بدا للعيان أنّ هذه المنافسات قد خفّت وطأتها، ولكن هذا كان فقط ظاهريًّا، وما كان يجهّز لهذه المنطقة فاق كلّ التّوقّعات. في ذلك الوقت، كانت معظم أراضي بلاد الشّام ما تزال تغفو تحت سطوة الإمبراطوريّة العثمانيّة المتهالكة. ونسبيًّا كانت بلاد الشّام منطقة هادئة يتحرّك فيها التّاريخ ببطء شديد. وفي الحقيقة لم يؤدِّ رجل قطّ دورًا أكثر أهميّة ممّا أدّاه ونستون تشرشل في ولادة الشّرق الأوسط الّذي نعيشه اليوم، تشرشل الّذي كان قبيل الحرب العالميّة الأولى سياسيًّا بريطانيًّا ناشئًا، انعدمت الثّقة فيه على نطاق واسع، وكان عديم الاهتمام بآسيا المسلمة، إلّا أنّ فضوليّة القدر قادت تشرشل إلى بلاد الشّام ليتداخّلا مرارًا في حياة بعضهما السّياسيّة. وكان للعراك بينهما آثاره، فوجه بلاد الشّام اليوم تتخطّاه حدود هي في الواقع نُدب خلّفتها مواجهاته مع ونستون تشرشل.
أدّى نجاح الثّورة العربيّة بتحرير دمشق في مطلع شهر تشرين الأوّل عام ١٩١٨م إلى إثارة نوع من التّفاؤل داخل البلاد العربيّة، إلا أنّ هذا التّفاؤل سرعان ما تلاشى مع تشابك العلاقات البريطانيّة بين وعودها للعرب، ومصالحها مع الحلفاء، وبشكل خاصّ فرنسا.
فلقد خشيت فرنسا من مغبّة انتصار العرب، ووصول قوّاتهم إلى شمال سوريّة، والمناطق السّاحليّة منها، فسارعوا إلى إنزال قوّاتهم في بيروت، واحتلال المناطق السّاحليّة من كيليكيّة إلى النّاقورة بعد أن احتجّت لدى القوّات البريطانيّة في مصر على احتلال القوّات العربيّة لهذه المناطق، وحملتها على دعوة فيصل لإخلائها، وأصبحت البلاد العربيّة في أعقاب الحرب تخضع لإدارات متباينة؛ فالشّريف حسين بن علي في الحجاز يديره منذ أن اعترف الحلفاء به ملكًا، وانفرد الإنكليز بالعراق يحكمونه في ظلّ الأحكام العسكريّة.
أمّا سوريّة فقد خضعت لثلاث إدارات متباينة؛ فالمنطقة الشّرقيّة وتشمل سوريّة الدّاخلية من العقبة إلى حلب تحت إدارة عربيّة على رأسها الأمير فيصل، والمنطقة الغربيّة وتمتدّ على طول السّاحل من النّاقورة جنوبًا إلى كيليكيّة شمالًا تحت الإدارة الفرنسيّة، والمنطقة الجنوبيّة وتشمل فلسطين تحت الإدارة البريطانية.
وفي ٥ تشرين الثاني ١٩١٨م أعلن الأمير فيصل عن تشكيل حكومة عربيّة في دمشق، وعيّن علي رضا الرّكابي رئيسًا لها. واستطاع الجيش العربي التّغلب على بقايا الجيش العثمانيّ، وتحرير حلب في ٢٥ تشرين الأول ١٩١٨م. وقد استطاع الأمير فيصل أن
يؤسّس في سوريّة قواعد دولة عربيّة مستقلّة عاصمتها دمشق، وأكّد أن حكومته حكومة عربيّة تقوم على أساس العدل.
وكان أمام الحكومة الفتيّة في دمشق مهام كبيرة لإعادة تنظيم البلاد بسبب ما تركه انسحاب الأتراك من فوضى، ونتيجة لمآسي الحرب، وبادرت السّلطات العربيّة إلى تنظيم الأعمال الحكوميّة على أنقاض الإدارة العثمانيّة، ووفق قوانينها، وتنظيماتها ولكن بعد تعريبها مع تعديل جزئيّ تدريجيّ.
وما لبثت النّوايا الخفيّة أن بدأت تبرز للعيان حيث عمدت السّلطات الفرنسيّة إلى إنزال الأعلام العربيّة في مناطق نفوذها، وطردت الحاكم العربي من بيروت، وأجبرت العرب على إخلاء اللّاذقيّة، والمناطق الشّمالية الغربيّة من سوريّة، والّتي كانت قد حرّرتها القوّات العربيّة نفسها، ممّا أثار السّخط الرّسميّ والشّعبيّ.
فكانت هذه أولى الضّربات الأليمة الّتي منيت بها الثّورة العربيّة بوجه عامّ، والقضيّة السّوريّة بوجه خاصّ. إنّ ترك السّواحل للجيوش الفرنسيّة كان يعني الشّروع في تطبيق اتفاقيّة سايكس-بيكو بعد أن كان البريطانيّون قد صرّحوا قبلًا بأنّها لاغية.
أمّا العرب فقد أقلقهم جدًّا التّصريح الّذي نشر في الصحافة الغربيّة فيما يخصّ مستقبل البلاد العربيّة، وهم ينتظرون الإعلان عن تحقّق آمالهم، ومساعدة الأمير فيصل، وتنفيذ الحلفاء وعودهم للعرب، وتأمين استقلالهم. وبرر الحلفاء موقفهم بأنّه إجراء وقتيّ، وأنّ تقرير مصير البلاد من خصائص مؤتمر الصّلح في باريس.
فلما انعقد مؤتمر الصّلح في باريس ١٨ كانون الثاني ١٩١٩م، تكشّفت جميع
المخطّطات الاستعماريّة ضدّ أيّ محاولة لإقامة دولة عربيّة مستقلّة، وفرض الانتداب الأجنبيّ على الأقطار العربيّة، ورفع الأمير فيصل راية الوحدة العربيّة، وطرحت اللّجنة السّوريّة في باريس فكرة «سوريّة الكبرى» الّتي تضمّ لبنان، وفلسطين بالإضافة إلى سوريّة.
وأثناء المباحثات الّتي تمّت في لندن بين ممثّلين عسكريّين بريطانيّين، وفرنسيّين، والأمير فيصل في كانون الأول ١٩١٩م للبحث في قضيّة انسحاب، وتبديل القطعات العسكريّة البريطانيّة، وذلك لتهدئة الأمير فيصل الّذي اشتكى من الحوادث الّتي جرت في سوريّة من قبل الفرنسيّين، وضمنها التّرتيبات الّتي اتّخذت، وتمّ بموجبها تقسيم سوريّة من دون استشارته، وضدّ رغبة السّكّان.
وفي مؤتمر الصّلح بباريس تقرّر فصل البلاد العربيّة عن تركيا، ووافق على ميثاق عصبة الأمم الّذي تنصّ مادّته ٢٢ على نظام الانتداب الّتي جاء فيها: “إنّ بعض الجماعات الّتي كانت تابعة للإمبراطورية العثمانيّة بلغت درجة من الرّقيّ يمكن أن يعترف بها شعوبًا مستقلّة على أن ترشدها في إدارتها مشورة منتدب عليها، ومساعدتها حتّى تصبح قادرة على أن تحكم نفسها بنفسها، وينبغي أن تراعى مقدّمًا رغبات هذه الجماعات في اختيار الدّولة المنتدبة”.
وألقى الأمير فيصل خطابه الّذي طلب فيه الاعتراف ببلاد العرب بوصفها وحدةً جغرافيّةً مستقلّة برئاسة والده الشّريف حسين بن علي، والتّسليم باستقلال سوريّة الكامل على أن تكون مرتبطة شؤونها الخارجيّة بحكومة الحجاز، وهاجم بشدّة محاولة تقسيم بلاد العرب وفق معاهدات سرّيّة، وجعلها مناطق نفوذ للدّول الكبرى. وبناءً على طلب من الولايات المتّحدة، شكّل المؤتمر لجنة تحقيق دوليّة سُمّيت بلجنة كنج-كرين لزيارة
المنطقة، والاطّلاع على الإرادة الشّعبيّة. وصلت اللّجنة إلى يافا في ١٠ حزيران، وزارت عموم أنحاء فلسطين قبل أن تأتي إلى لبنان، ومنها إلى دمشق الّتي وصلتها في ٢ تموز ١٩١٩م، وفي اليوم التّالي لوصولها قام المؤتمر السّوري بتسليم اللّجنة قرار المؤتمر الّذي طلب الاستقلال التّامّ النّاجز للبلاد.
وأيّدت اللّجنة وحدة سوريّة على أن تكون فلسطين جزءًا منها، وقيام حكم ذاتي في لبنان في إطار الوحدة السّوريّة، وأن يكون الحكم دستوريًّا، وأن يصبح الأمير فيصل ملكًا على سوريّة، ونبذ فكرة «الوطن القوميّ لليهود» والحدّ من الهجرة اليهوديّة إلى فلسطين.
وأسهمت الظّروف في إنهاء مهمّة هذه اللّجنة، فقد مرض الرّئيس الأمريكي ولسن، وأهمل تقرير اللّجنة الّتي قدّمت توصيتها في ٢٨ آب ١٩١٩م إلى الوفد الأمريكي في مؤتمر الصّلح، وبقيت حبرًا على ورق، ولم تنشر في حينه.
وفي ١٥ أيلول ١٩١٩م حصل اتّفاق «لويد جورج-كليمنصو» بين كلّ من بريطانيا، وفرنسا، وبموجبه تمّ جلاء القوّات البريطانيّة في غرب سوريّة، وكيليكيا، وإبدالها بقوّات فرنسيّة، وإبقاء فلسطين، وشرقي الأردن تحت الاحتلال البريطاني، وعدم المطالبة بإدخال ولاية الموصل ضمن الدّولة السّوريّة، واحتفظت القوّات العربيّة بالمنطقة الدّاخليّة من سوريّة.
كانت القوّات الفرنسيّة راغبة في إبقاء مفارزهم في حلب، ودمشق، ولكن هذا لا يمكن إلّا بعد موافقة الأمير فيصل الّذي سترفع له القضيّة بعد وصوله إلى لندن في ١٨ أيلول ١٩١٩م، أمّا فيما يخصّ طلب الأمير فيصل بتبديل البنادق التّركية الّتي بحوزة القطاعات العربيّة ببنادق بريطانيّة، فإنّه يجب استشارة فرنسا.
ثمَّ دعا لويد جورج الأمير فيصل إلى لندن مرّة أخرى، وأقنعه بضرورة التّفاهم مع الحكومة الفرنسيّة، وأن بريطانيا نفضت يدها من القضيّة السّوريّة، فكان اتّفاق «فيصل-كليمنصو» (من تشرين الأوّل ١٩١٩م - كانون الثاني ١٩٢٠م)، والّذي يقضي باستقلال شكليّ لسوريّة، والاعتراف بانفصال لبنان سياسيًّا عنها على أن يقوم مؤتمر الصّلح بتعيين الحدود، وأصرّت فرنسا على فرض سيادتها على البلاد.
وأثار الاتّفاق ردود الفعل الوطنيّة، وبخاصّة بعد تعيين فرنسا الجنرال غورو مندوبًا ساميًا، وقائدًا عامًا في الشّرق، مدعومًا بقوّات فرنسيّة كبيرة، وكان استقبال الأمير فيصل عند عودته إلى دمشق في منتصف كانون الثاني ١٩٢٠م متّسمًا بالبرود، والشّكوك، فقرر فيصل الإعلان عن استقلال سوريّة بحدودها الطّبيعيّة، ونصّب نفسه ملكًا دستوريًا على البلاد في ٨ آذار ١٩٢٠م. كما عارض حزب الاتّحاد السّوريّ بدمشق كلّ التّرتيبات المؤقّتة، والاجراءات، والتّحرّكات الفرنسيّة، وطالب بإيجاد حلّ شامل، ودائم للقضيّة السّوريّة.
وفي ٢٦ نيسان ١٩٢٠م عقد مؤتمر في سان ريمو شاركت فيه كلٌّ من بريطانيا، وفرنسا، وإيطاليا، واليابان، وحصلت فرنسا على موافقة المؤتمر بانتدابها على سوريّة ولبنان، وحصلت بريطانيا على الموافقة بانتدابها على العراق وفلسطين، وتمّ الاتّفاق بين
حكومتيّ بريطانيا، وفرنسا على حلّ المسائل الخاصّة بالانتداب على سوريّة، ولبنان، وفلسطين، والعراق وفق مواد خاصّة.
رفض العرب قرارات سان ريمو، وقرّروا التّصدّي للعدوان، فعكفت حكومة الرّكابي بإعداد العدّة للمقاومة؛ فقرّرت التّجنيد الإجباري، وباشرت بإنشاء جيش نظاميّ، ورفضت الاعتراف بانتداب فرنسا.
وفي ١٤ تموز وجه الجنرال غورو إنذاره الشّهير إلى الملك فيصل، وحدّد مدّة أربعة أيّام لقبوله، دارت خلالها مفاوضات طويلة بين الحكومة الرّكابية، والجنرال غورو للوصول إلى اتّفاق، وأشارت الوزارة الرّكابية على فيصل الأوّل قبول الإنذار، لكنّ المؤتمر السّوري قرّر عدم الاعتراف بأيّ اتّفاق، أو معاهدة تعقدها الحكومة ما لم تعرض عليه، ويصادق عليها، واستجاب الشّعب لقرار ممثّليه، فخرجت المظاهرات تطالب باستقالة الوزارة.
وقد اختلفت حكومة فيصل حول قبول الإنذار، ومع ذلك توصّلت في ٢٠ تموز إلى قرار نهائيّ بقبوله، ونفذّت الحكومة أربعة بنود من الإنذار منها تسريح الجيش. فخرجت المظاهرات لتأييد المؤتمر السّوري، وقرّر غورو أن تزحف قوّاته لاحتلال حلب، ومحاصرة دمشق. فزحف نحو دمشق بجيش كبير.
وفي ٢٤ تموز ١٩٢٠م خاضت القوّات العربيّة بقيادة وزير الدّفاع السّوري يوسف
العظمة معركة ميسلون، ونظرًا لعدم تكافؤ القوى بين الجيش العربيّ، والجيش الفرنسيّ كان النّصر حليف الفرنسيّين، واستشهد القائد يوسف العظمة، وانكسر جيشه؛ فزحف الجيش الفرنسي نحو دمشق، وأنذر الأمير فيصل بالسّفر حالًا من دمشق، فاضطرّ الأمير فيصل إلى ترك سوريّةإلى أن تمّ تعيينه ملكًا على العراق.
يعود تاريخ العلاقات بين فرنسا وبلاد الشّام إلى القرن الرّابع الميلادي، حيث كانت القوافل التّجاريّة، ومواكب الحجيج لا تنقطع عن السّير مباشرة، وبكلّ انتظام ذهابًا، وإيابًا بين الجهتين، وبلغت التّجارة الفرنسيّة مع المشرق حدًّا من الازدهار فائق الوصف، وغدت حلب مركزًا لقنصليّة فرنسيّة عظيم الأهميّة، وهذه السّياسة، سياسة التّعاون المادّي، والتّبادل التّجاريّ الّتي أسّسها العهد الملكي بفرنسا هي الّتي تابعتها الحكومات المتعاقبة، وقد طوّر التّمسّك بهذه السّياسة النّشاط لدى أصحاب المصالح الخاصّة من الفرنسيّين فبادرت شركاتهم إلى تجهيز البلاد باللّوازم البدائيّة للصّناعة، والزّراعة من رؤوس الأموال الوفيرة الّتي أدخلتها إليها.
وفي فترة الحكم العثماني كانت بلاد الشّام ولاية عثمانيّة، وكانت من النّاحية الاقتصاديّة بلدًا مزدهرًا اقتصاديًّا، وتتمتّع بوضع خاصّ في الدّولة العثمانيّة؛ بل كانت أوضاعها الاقتصاديّة تُعَدُّ أفضل من غيرها من الولايات العثمانيّة، فالتّجارة فيها كانت
رابحة، وتتمتّع بوضع لا بأس به يخدمها في هذا وضعها الجغرافيّ الممتاز، فكانت ممرًّا للتّجارة العالميّة، وتجارة التّرانزيت. وفي مجال الزّراعة كانت سوريّة تُعَدُّ من الموارد الرّئيسة للمصادر الزّراعيّة في الدّولة العثمانيّة، وكانت سوريّة تكفي نفسها من النّاحية الزّراعيّة؛ بل وتصدّر إلى الخارج ما يفيض عن حاجتها، أمّا بالنّسبة للصّناعة فقد كانت مزدهرة بصناعاتها التّقليديّة الّتي لم تكن تنافسها أيّ ولاية عثمانيّة فيها، والّذي زاد من هذا الرّخاء الّذي نعمت فيه بلاد الشّام أنّه لم تكن توجد حواجز بينها؛ أي أنّها كانت تؤلّف وحدة اقتصاديّة متكاملة رغم أنّه كان في بلاد الشّام أكثر من ولاية، لكن تغيّر هذا الوضع فيما بعد، وأصبحت الحواجز السّياسيّة تقطع بلاد الشّام إلى عدّة دول؛ ممّا أدّى إلى نشوء حواجز اقتصاديّة عديدة من جمركيّة، وغيرها.
وقد اكتسبت فرنسا عدّة امتيازات من الدّولة العثمانيّة، وذلك في النّصف الأوّل من القرن السّادس عشر (١٥٣٥م)، هذه الامتيازات جعلتها تتمتّع بمركز متفوّق في ولايات الدّولة العثمانيّة.
إنَّ النّفوذ الفرنسيّ في بلاد الشّام أوّل ما عرف تمثّل في تلك الإرساليّات التّبشيريّة (الجزويت)، أو اليسوعيّين الّتي عملت فرنسا على إرسالها للمنطقة، وكانت الحكومة الفرنسيّة تعمل في كلّ مرّة للحصول على امتيازات دينيّة في المعاهدات الّتي تعقدها مع السّلطان العثمانيّ، وكانت بداية هذا الامتياز الدّينيّ في عام ١٦٠٩م ينصّ على:
«حرّيّة الرّعايا الفرنسيّين لزيارة الأماكن المقدّسة، وكذلك رعايا الدّول الصّديقة، والحليفة باعتراف السّلطان العثمانيّ، وحمايته». وفي سنة ١٦٧٣م ازدادت هذه الامتيازات بشكل إيجابيّ، ووضوحًا أكثر؛ إذ أضافت إليها حرّيّة امتلاك الكنائس، والأماكن المقدّسة
داخل الدّولة العثمانيّة كلّها، والسّماح لها بممارسة النّشاط، وإقامة الشّعائر، والطّقوس الدّينيّة. وفي عام ١٦٤٩م تمّ التّوقيع على معاهدة صداقة تمّ فيها فرض الحماية الفرنسيّة على المسيحيّين المارونيّين المقيمين في جبل لبنان في أراضي الدّولة العثمانيّة.
كانت فرنسا تودّ بأيّ وسيلة فرض حمايتها على الرّعايا المسيحيّين من أهل البلاد، وادّعت ذلك لنفسها، وعملت جاهدة لحمل الدّولة العثمانيّة على الاعتراف لها بحقّ الإشراف على شؤون النّصارى الكاثوليك الّذين هم رعايا الدّولة العثمانيّة، واستطاعت فرنسا أن تفرض احترام هذه الحقوق على الدّول الأوروبيّة جميعًا، والبابا الّذي أصبح يؤيّد موقف فرنسا في الشّرق لمسيحييّ الشّرق من العرب على أنّهم الآن تحت الحماية الفرنسيّة، وكان لموقف فرنسا من هذه الحماية الدّينيّة أثر ملحوظ، وواضح في احتلال فرنسا مكانة مرموقة في منطقة المشرق العربيّ، وفي توطيد النّفوذ الفرنسيّ في النّواحي الاقتصاديّة، والثّقافيّة، وسببًا لوجود القناصل الفرنسيّين في المشرق؛ لأنّه لولا هذه الحماية، وحقّ الإشراف على الرّعايا المسيحيّين الشّرقيّين هناك الّذين أصبحوا يشكلون تبعيّة ذات أهميّة، مكّنت فرنسا من نشر تأثيرها، وممارسة دورها في حوادث المنطقة.
وكانت فرنسا تجد في مساعدة الإرساليّات التّبشيريّة، وتسهيل مهمّتها في أراضي الدّولة العثمانيّة، وبخاصّة في بلاد الشّام مصالح سياسيّة كبرى؛ لأنّها تعمل على نشر الدّيانة المسيحيّة الكاثوليكيّة بالذّات، بما يرتّب لها نفوذًا، ومصالح، وقد نشطت هذه الإرساليّات جميعها في حركة التّبشير، ومحاولة تنصير المسلمين من أهل البلاد، واتّخذت هذه الظّاهرة الدّينيّة ستارًا يخفي وراءه الأطماع السّياسيّة، والمصالح الاقتصاديّة الّتي كانت تعمل من أجلها هذه الإرساليّات، وكانت هناك صعوبات كثيرة، وعراقيل متنوّعة تواجهها هذه الإرساليّات سواء من الحكومة العثمانيّة، أو من الأهالي أنفسهم في سوريّة، ولبنان، وفلسطين؛ فلجأت إلى استعمال الوسائل المتنوّعة لتذليل هذه الصّعوبات، والعراقيل،
وكان من أهمّ هذه الوسائل توزيع الكتاب المقدّس مترجمًا باللّغة العربيّة على أبناء البلاد، ثمّ التّبشير عن طريق البعثات الطّبّيّة، والمؤسّسات الطّبّيّة؛ لأنّ رجالها يحتكّون دائمًا بالنّاس، ويكون لهم تأثير في المسلمين أكثر ممّا للمبشرين الآخرين، وكان للنّساء دور في عمليّة التّبشير في أثناء الزّيارات الّتي يقمن بها لمنازل المسلمين، أو إلقائهن المحاضرات العامّة، أو قيامهنّ بمهنة التّمريض؛ فكُنَّ يقمن بالتّبشير في مستشفيات النّساء، ويرسلن الطّبيبات المبشّرات إلى البيوت لمعالجة المرضى، وهدفهنّ الرّئيس هو الاتّصال بالنّساء مباشرة، وعرض بضاعة التّبشير عليهنّ، ونشطت الإرساليّات التّبشيريّة في إنشاء المدارس، والمعاهد، والكلّيّات، وقد كانت هذه المؤسّسات توجّه توجيهًا دينيًّا من البابا في روما، وتوجيهًا سياسيًّا من حكومة فرنسا، وكانت أهدافهم واضحة وثابتة، وهي بثّ العادات، والتّقاليد الفرنسيّة، ونشر العلوم، والأفكار الفرنسيّة أيضًا، إذ كانوا يقومون في مؤسّساتهم الابتدائيّة، والثّانويّة جميعها بتقديم التّعليم، ونمط الثّقافة الفرنسيّة، حيث استعملت أنبل المهن كالتّعليم، والطّبّ وسيلة إلى غاية خاصّة هي القيام بعمليّة التّبشير الدّينيّ الّذي كان هو نفسه ستارًا للتّبشير التّجاريّ، والسّياسيّ، وأساسًا متينًا للاستعمار.
إنّ الدّور الّذي أدّته المدارس، والإرساليّات التّبشيريّة دور معنوي خطير هو «فرنَسةُ سوريّة»، أمّا الدّور الّذي كانت تؤدّيه المؤسّسات الاقتصاديّة الفرنسيّة، فهو دور مادّي لا يقلّ خطورة عن الأوّل، وهو استغلال خيرات البلاد، أمّا بالنّسبة للعلاقات الاقتصاديّة التّجاريّة بين فرنسا، وسوريّة؛ فترجع إلى العصور الوسطى إلّا أنّها توسّعت في العصور الحديثة، وازدادت أهمّيّتها، وكانت تجارة الشّرق بشكل كلّيّ تحت إدارة الغرفة التّجاريّة
في مرسيليا، فكان هذا عاملًا رئيسًا للتّأثير الفرنسيّ في الشّرق، وبخاصّة في بلاد الشّام، فقد كان التّجّار الفرنسيّون يبادلون التّجّار السّورذيّين الخمور، والحبوب، والأنسجة، والأسمنت وغيرها، وكانت أهمّ مادة تستوردها فرنسا من الشّام هي مادة الحرير الّتي تقوم عليها صناعة المنسوجات الفرنسيّة، ولا سيّما في مدينة ليون، وكانت تعدّ بلاد الشّام بلدًا منتجًا للحرير، وكانت تجارة الحرير تجعل لأصحاب المصانع في ليون تأثيرًا قويًّا في رجال الحكومة الفرنسيّة في تغيير مواقفهم، فقد أبدوا سنة ١٩١٥م تأثّرهم الشّديد بسبب الاضطرابات، والقلاقل في سوريّة، ونتيجة لهذه العلاقات التّجاريّة فقد تغلغلت رؤوس الأموال الفرنسيّة في مشاريع الدّولة العثمانيّة، وأصبح لفرنسا مركزٌ مرموقٌ في مجال الصّناعة، والماليّة، ولم تتوقف فرنسا عن تأدية دور إيجابي مهمّ في أحوال الدّولة العثمانيّة، إذ قامت بتمويل عشرة مشاريع برؤوس أموال فرنسيّة، وتمكّنت من إنشاء شركة البنك العثمانيّ بالتّعاون مع إنكلترا، واحتكر هذا البنك إصدار الأوراق النّقديّة، وتقديم القروض الكبيرة للتّطوّر الزّراعيّ، كما أدّت فرنسا في مطلع القرن العشرين دورًا مهمًّا في الإدارة، والطّوابع، والصّيد البحري، وصناعة الحرير، وتجارة الحبوب، والضّرائب على المواشي، وأصبحت رؤوس الأموال الفرنسيّة ذات أهمّيّة بالغة في الاقتصاد السّوريّ قبيل الحرب العالميّة الأولى.
كان الفرنسيّون مسيطرين على اقتصاد البلاد، ويتمتّعون بفوائد مشاريعها الاقتصاديّة، وكانت الصّناعة الوطنيّة ضحيّة الاستيراد الأجنبيّ الّذي لم تستطع الحكومة إقامة الحواجز الجمركيّة أمامه؛ ممّا جعل جميع الموارد، والمداخيل الضّخمة للدّولة تذهب إلى صناديق البنوك في لندن، وباريس، وبرلين، وفيّينا، وكانت جميع المشاريع الاقتصاديّة كالبنوك، وشركات الغاز، والمياه، والشّركات العامّة للمقاولات العثمانيّة، ومدّ خطوط السّكك
الحديديّة تموّل جميعها برؤوس أموال فرنسيّة.
إنّ هذه الامتيازات، والمصالح الاقتصاديّة الّتي حقّقتها فرنسا في بلاد الشّام كانت عائقًا أمام سير القوانين الوطنيّة، فضلًا عن أنّها جلبت الخسارة، والويل للدّولة، وكانت فرنسا مستعدّة لاستخدام السّلاح للمحافظة على هذه الامتيازات؛ بل كانت مستعدة لاستخدام كلّ قواها حتّى ولو أدّى ذلك إلى احتلال سوريّة في سبيل الإبقاء عليها.
إنّ دخول الدّولة العثمانيّة الحرب إلى جانب ألمانية، والنّمسا ضدّ فرنسا، وإنكلترا وروسيا، هيّأ لهذه الدّول فرصة تحقيق أطماعهما في البلاد العربيّة، فبدأت مفاوضات سياسيّة بين الدّول الثّلاث لاقتسام ميراث الدّولة العثمانيّة على ضوء المستجدّات الجديدة.
وقد واجهت فرنسا خلال هذه المفاوضات مشروعين بريطانيّين، رأت فيهما تعارضًا مع مصالحها في سوريّة، وتهديدًا لتواجدها الفعليّ، كان المشروع الأوّل: مشروع احتلال الإسكندرونة، والثّاني: مشروع الاتّفاق مع الشّريف حسين؛ لضمان قيامه ضدّ الدّولة العثمانيّة.
كانت قضيّة إنزال قوّات عسكريّة حليفة في الإسكندرونة؛ لقطع الدّولة العثمانيّة في الوسط، أولى القضايا الحسّاسة بين بريطانيا وفرنسا.
فقد وضع الحلفاء لأنفسهم في بداية الحرب سلسلة طويلة من المشاريع والخطط،
حسبوا فيها لكلّ احتمال حسابه، وقرّروا ما يجب أن يعملوه لتنظيم التّعاون فيما بينهم عند تحقّق كلّ احتمال من هذه الاحتمالات. وكان من جملة المشاريع المذكورة؛ مشروع إنزال قوّات عسكريّة في ميناء الإسكندرونة، والتّغلغل في سوريّة بدأ من الميناء المذكور.
وكان هذا المشروع مُعدًّا للتّنفيذ في السّنة الثّانية من الحرب؛ لأنّ الحلفاء -وبناء على طلب روسيا- قرّروا ضرب الدّولة العثمانيّة عن طريق الدّردنيل، واستانبول، وجهّزوا حملة عسكريّة كبيرة من أجل ذلك.
إلّا أنّ كتشنر القائد الإنكليزي، قام بزيارة للدّردنيل، للاطّلاع والتّأكّد من نجاح الحملة، وبفضل خبرته العسكريّة، ارتأى التّوجّه نحو الإسكندرونة مباشرة؛ لأنّ إنزال حملة عسكريّة فيها يضمن قطع طرق المواصلات العثمانيّة من وسطها، ويحقّق نتائج مهمّة جدًّا.
ومن أجل هذا الغرض قام البريطانيّون بالاتّصال مع الضّبّاط السّوريّين؛ لإقناعهم بالقيام بحركة عسكريّة مسلّحة في سوريّة ضدّ الدّولة العثمانيّة، عندما يقوم الإنكليز بإنزال قوّاتهم في الإسكندرونة.
لكنّ الفرنسيّين عارضوا هذا الأمر بشدّة؛ خشية تأثير ذلك على مستقبل سوريّة، ولا سيّما أنّهم كانوا عاجزين عن تأمين قوّات كبيرة لهذه الحملة، بسبب الأوضاع العسكريّة القائمة على الجبهة الغربيّة، وكان من الطّبيعيّ أن تقع حملة الإسكندرونة على عاتق الجيش، والأسطول البريطانيّين، واعتقد الفرنسيّون أنّ ذلك يعرّض مصالح فرنسا إلى خطر عظيم؛ لأنّ احتلال سوريّة من قبل الجيش البريطاني، يقلّل من نفوذ فرنسا في تلك البلاد، ويدفع بالسّوريّين إلى أحضان الإنكليز، ولهذا عارضه الفرنسيّون بشدّة، ونجحوا في حمل الحكومة البريطانيّة على التّخلّيّ عنه.
إنَّ وصول قوّات الثّورة العربيّة إلى دمشق قوبل في أنحاء سوريّة جميعها بحماس كبير، فسارعت المدن السّوريّة كافّة إلى رفع الأعلام العربيّة، وإعلان التحاقها بالثّورة، والتزامها بأوامر القيادة العربيّة.
لكن من سوء حظّ الأمة العربيّة أن يحدث كلّ ذلك في أواخر أيّام الحرب العالميّة الأولى، ففي الوقت الّذي كانت فيه القوّات العربيّة تنتشر في المدن السّوريّة، انهارت جبهة البلقان باستسلام البلغار، كما بدأ الألمان بالبحث عن الوسائل الّتي توصلهم إلى الهدنة، والسّلام، وعندما علمت فرنسا بمساعي ألمانية لعقد الهدنة، وشعرت بزوال الخطر عن بلادها، سارعت لإظهار أطماعها بشدّة، فتوصّلت إلى اتّفاق مع الحكومة البريطانيّة وقِّع في لندن في ٣٠ أيلول عام ١٩١٨م لحماية المصالح الفرنسيّة في المنطقة، والّتي خوّلتها لها اتّفاقيّة سايكس بيكو.
وفي ٢٥ أيلول ١٩١٨م أصدرت وزارة الحربيّة تعليماتها إلى اللّنبي في مقرّ قيادته، تقضي في حال وقوع سوريّة ضمن نطاق نفوذ أيّ دولة أوروبيّة، أن تكون هذه الدّولة هي فرنسا، وصدرت التّعليمات إلى اللّنبي باستخدام ضبّاط فرنسيّين في جميع مناطق الإدارة المدنيّة.
نصّت اتّفاقيّة سايكس بيكو على منح فرنسا الّسيطرة المباشرة على الخطّ السّاحليّ،
وبناء على ذلك عمل اللّنبي على قمع كلّ محاولة عربيّة للإشراف على المنطقة السّاحليّة، ولا سيّما الإدارات العربيّة المؤقّتة الّتي تسلّمت الحكم من القوّات التّركيّة المنسحبة قبل وصول القوّات العربيّة، ورفعت الأعلام العربيّة، وعدّت نفسها جزءًا من الحكومة العربيّة الموحّدة، وشكّلت هيئات مسؤولة مؤقّتة لتأمين راحة السّكان، ومنع الفوضى إلى حين وصول القوّات العربيّة، ولا سيّما في شمال سوريّة، حيث شكّل إبراهيم هنانو على رأس عدد من الرّجال حكومة مؤقّتة، وحرّر أنطاكية، وحارم، وشكّل إدارة محلّيّة مركزها الرّيحانة، وعمل على تأمين النّظام، والأمن؛ ممّا أدّى إلى احتجاج الحكومة الفرنسيّة بسبب استيلاء العرب على منطقة خصّصتها اتّفاقيّة سايكس بيكو جزءًا من المنطقة الفرنسيّة، ولا سيّما بعد وصول القوّات الفرنسيّة إلى الإسكندرونة في ١٢ تشرين الثاني ١٩١٨م، وتحرّكها في ٧ كانون الأوّل ١٩١٨م لاحتلال أنطاكية، بموافقة اللّنبي، وإقراره، فاصطدموا بمقاومة قوّات التّحرير العربيّة الموجودة في أنطاكية، وحارم، وقبل وصول المفارز الفرنسيّة، ورفضت التّخلّي عنها.
أصدر اللّنبي أوامره للرّكابي بانسحاب كلّ القوّات العربيّة فورًا من منطقة أنطاكية، وفي شباط ١٩١٩م غادر ممثّلو الشّريف حسين المنطقة، وسلّم اللّنبي إدارة السّاحل السّوري كيليكية رسميًا للمندوب السّامي الفرنسيّ الجنرال غورو.
بعد أن تسلّم الفرنسيّون كيليكية وسوريّة، بناءً على الاتّفاق الإنكليزيّ الفرنسيّ الموقع في ١٥ أيلول ١٩١٩م، قاموا بتقسيم المنطقة الغربيّة إلى ثلاث حكومات مراكزها: بيروت، واللّاذقيّة، وأنطاكية، كما ضمّوا أقضية أنطاكية، وبيلان، وحارم، وكوّنوا منها
لواء إسكندرونة، ومنحوه الحكم الذّاتيّ، وتمّ تعيين متصرّف عربي تحت إشراف قائد، ومندوب فرنسي.
أخذت الأعمال الثّوريّة في منطقة الإسكندرونة شكلًا أكثر تنظيمًا، وشمولًا بتولّي إبراهيم هنانو قيادة ثورة منظّمة في شمال سوريّة. لكن عندما شعر الفرنسيّون باتّساع نطاق الثّورة عملوا على التّفاهم مع قادتها، فحاولوا في البداية استمالة صبحي بركات، وبعد عدّة محاولات فوجئت ثورة الشّمال باستسلامه وانسحابه مع عدد من الثّوار إلى حلب، حيث سُهلت له مقابلة المندوب السّامي غورو في بيروت، وهناك تعهد بركات بالعمل على إقناع الثّوّار بالعدول عن التّمادي بمهاجمة الوحدات الفرنسيّة، ومقاومة الانتداب، ولكنّه فشل في محاولاته، واستمرّت الثّورة.
تصاعدت الأعمال الثّوريّة بشكل لافت للنّظر في أنطاكية بدءًا من مطلع عام ١٩٢٠م، حيث تكرّرت التّقارير الفرنسيّة عن مجموعات مسلّحة تقوم بالتّعرّض للقوافل الفرنسيّة، وتقطع طرق المواصلات بين إدلب، وحارم، وتنسحب إلى أنطاكية، والإسكندرون وراحت هذه التّقارير تتّهم الحكومة العربيّة بتنظيم، وتسليح هذه المجموعات المسلّحة، فقد أشار أحد هذه التّقارير إلى أنّ حلب قد أصبحت مركزّ اضطراب يتوافد عليه العرب المسرّحون من الجيش.
أكّدت الوثائق الفرنسيّة أنّ المجموعات الثّوريّة المنطلقة من حلب تواصل جهودها متكاتفة مع جهود المجموعات الّتي تهاجم كلس، وقطمة، وعينتاب، وتحتلّ طريق إسكندرونة-حلب، واستطاعت هذه المجموعات السّيطرة على طريق إسكندرونة–أنطاكية
بحيث أصبحت ضواحي حارم، وأنطاكية خارج متناول السّلطة الفرنسيّة.
جرّدت الحملات الفرنسيّة المتتالية على قرى منطقة الإسكندرونة، حيث قصف عددًا كبيرًا من القرى الثّائرة بالمدافع الضّخمة، ممّا اضطرّهم إلى إخلاء تلك القرى، والنّزوح عنها بعد أن دمّر الفرنسيّون أغلب بيوتها. وبدأ الفرنسيّون منذ منتصف عام ١٩٢٠م، بالعمل على استكمال احتلال سوريّة الدّاخليّة، فدخلوا حلب عن طريق كيليكية، واستطاعوا احتلالها من دون مقاومة تذكر، ثمّ دخلوا دمشق في ٢٤ تموز ١٩٢٠م بعد معركة ميسلون.
أمام هذا الوضع المتردّي، أدرك الفرنسيّون استحالة السّيطرة على تلك البلاد جميعها، مع محاولة العرب، والأتراك في وقت واحد، فقرّروا التّخلّي عن أحد القطرين إمّا سوريّة، أو كيليكيّة، فصمّمت على بسط سيطرتها على سوريّة الدّاخليّة مهما كلّفها الأمر، ومن أجل ذلك لم تتردّد فرنسا في التّضحية بقسم من مطامعها في البلاد الأخرى، فقرّرت التّخلّي عن كيليكية.
وبغية إزالة العوائق الّتي تعرقل عملها في سوريّة، تنازلت عن الموصل لبريطانيا، ووافقت على وضع فلسطين تحت الانتداب الإنكليزي وحده، وبدأت مفاوضات مع الأتراك للجلاء عن كيليكية، وضمنت بذلك عدم معارضة إنكلترا في كلّ ما ستقوم به من الأعمال، والحركات في سوريّة، ثمّ وقعت هدنة مع الأتراك تكون مقدّمة للصّلح معهم ليتمّ لها بعد ذلك القضاء على الثّورة في سوريّة.
توصّلت فرنسا، بعد المفاوضات مع تركيا في لندن، إلى توقيع بخصوص كيليكية الّتي تشكّل مع غيرها من المقاطعات الحدود الشّماليّة لسوريّة، ثمّ وقّعت فرنسا، وتركيا
اتّفاقيّة فرانكلين بويون في ٢٠ تشرين الأول ١٩٢١م، تعهدت فرنسا بموجبها بالجلاء عن كيليكية، وتسليمها للأتراك، مقابل التزام الحكومة التّركيّة بعدم تقديم المساعدة للثّوّار السّوريّين، بما يضرّ مصالح فرنسا في سوريّة، وبناءً على هذا كلّفت الحكومة التّركيّة أزدشير قائد القوّات التّركيّة في ثورة هنانو، والمفتّش العام للثّورة، بالعمل على إنهاء الثّورة، وإقناع زعمائها بالتّخلّي عنها، واللّجوء إلى تركيا.
على إثر توقيع الهدنة مع تركيا، وصلت نجدات فرنسيّة تزيد على خمسين ألف جندي، جلبت من كيليكية، وبذلك ازدادت القدرات العسكريّة الفرنسيّة، وأصبح من الصّعب الانتصار على الفرنسيّين.
كان لتخلّي القوّة التّركيّة عن ثورة هنانو أثر كبير، وحاسم على مجرى الثّورة، وكان من أكبر العوامل الّتي أدّت إلى وقوع الوهن، والضّعف في الثّورة، حيث بدأ الانحلال في الثّورة، ولا سيّما بعد أن استطاعت القوّات الفرنسيّة الزّحف عن طريق إسكندرونة، وأنطاكية إلى حارم، وكفر تخاريم، وجسر الشّغور، وإدلب، واتّخذت من هذه المناطق قواعد حصينة، ثمّ أعلن الفرنسيّون العفو العامّ عن المجاهدين الّذين يلقون سلاحهم، ويستسلمون. وهكذا استطاع الفرنسيّون تفكيك عرى الثّورة، وتهديمها، والقضاء عليها.
مع نهاية الحرب العالميّة الأولى، عقد الحلفاء عدّة معاهدات، كان من أهمّ أهدافها القضاء على السّيادة التّركيّة، وتحرير الشّعوب الّتي طال عهد خضوعها لنير الأتراك، كما فرضوا على السّلطان التّركي توقيع معاهدة سيفر الّتي فرضت تدويل المضائق، بدءًا من الدردنيل إلى بحر مرمرة مع نزع السّلاح منها.
لكن هذه التّسوية أثارت حماس القوميّين الأتراك؛ فالتفوا حول القائد التّركي مصطفى كمال، واتّخذوا من أنقرة مركزًا لقيادتهم، وبعد فوزهم بالانتخابات التّركيّة، وقّعوا على الميثاق الوطني التّركي، الّذي أعلن: أنّ الأتراك لن يقبلوا أيّ قيود تُفرض على استقلالهم، كما لم يقبلوا فصل أيّ ولاية يسكنها الأتراك عن الإمبراطوريّة العثمانيّة. كما ادّعى الأتراك، ملكيّة جميع الأراضي الواقعة شمالي الخطّ المستقيم بين جنوبي الموصل، وميناء الإسكندرونة، أمّا حلب، وبقيّة أجزاء لواء إسكندرونة فتقع إلى جنوب هذا الخطّ، وهكذا فإنّ كلًا من منطقة اللّواء، وحلب مستثناة من الأراضي الّتي شملها الميثاق. في الوقت نفسه تنازل الأتراك بشكلٍ صريح عن جميع ادّعاءات الملكيّة التّركيّة على أجزاء الإمبراطوريّة العثمانيّة الّتي تقطنها أغلبيّة عربيّة.
ومع تسارع الأحداث أدرك الفرنسيّون أنّه من المستحيل الاحتفاظ بالمقاطعات في كيليكية، اقترحوا أن تعدّل حدودهم في سوريّة للاحتفاظ بالمكاسب المادّيّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة في تركيا، فدخلوا في مفاوضات مع الأتراك، انتهت بتاريخ ٩ آذار ١٩٢١م، بتوقيع رئيس وزراء فرنسا أرشيد بريان اتّفاقًا مع ممثّل حكومة أنقرة بكير سامي بك؛ ليضع حدًّا للاشتباكات في كيليكيا. وكان من أهمّ بنود الاتّفاق: أن تشكّل الحكومة إدارة خاصّة في منطقة الإسكندرونة، كما نصَّ الاتّفاق على منح الفرنسيّين حقّ تشغيل الخطّ الحديديّ من باياس، وميدان إكبس لتأمين المواصلات بين حلب، والإسكندرونة.
ولكنّ هذا الاتّفاق لم يرض الحكومة التّركيّة في أنقرة، فقد أكّدت التّقارير الإنكليزيّة استمرار الأعمال القتاليّة في كيليكية، على الرّغم من توقيع الاتّفاق، واستمرار الأتراك في تحضيراتهم لمهاجمة حلب، واستمرار تحريضهم للثّوّار السّوريّين في كفر تخاريم،
والقصير، وأنطاكية.
وفي أواخر آيار ١٩٢١م بلّغ الأتراك الجنرال غورو أنّ هذا الاتّفاق ليس في صالحهم، وطالبوا بمناطق أخرى جنوبي الحدود تشمل حلب، والإسكندرونة، وأتبعوا طلباتهم هذه بتحريك ثلاث فرق عسكريّة يبلغ عدد أفرادها ١٢ ألف جندي عسكروا في المنطقة، وقد رافق ذلك إرسال الوفود التّركيّة إلى الشّمال الشّرقي من حلب، وإلى الغرب من الخط الحديديّ بين حلب، وحماة لإثارة المشاكل ضدّ الفرنسيّين.
وأمام هذا الوضع اختارت الحكومة الفرنسيّة مسالمة الأتراك، والتّفاهم معهم، وذلك من أجل مصالحها المتعدّدة، وعميقة الجذور في منطقة حوض المتوسّط الشّرقيّ؛ فضلًا عن أنّ استخدام فرنسا للحركة الوطنيّة التّركية سيُفشل الأطماع السّياسيّة للقوى الأوروبيّة، وبشكل خاصّ الأطماع الإنكليزيّة في المنطقة.
لذلك عمدت الحكومة الفرنسيّة إلى توقيع اتّفاقيّة شاملة مع حكومة مصطفى كمال في أنقرة بتاريخ ٢٠ تشرين الأوّل ١٩٢١م، عُرفت باسم «اتّفاقيّة أنقرة»، وقعها عن الجانب الفرنسيّ فرانكلين بويون الوزير الفرنسي السّابق، والسيِّد يوسف كمال بك وزير الخارجيّة التّركي، بتوقيع هذه الاتّفاقيّة تجاهلت فرنسا كلّيًّا معاهدة سيفر، واعترفت فعليًّا بحكومة أنقرة الكماليّة.
وحصلت فرنسا بالمقابل على تصريح من الحكومة التّركيّة، يمنح شركاتها امتيازات اقتصاديّة بقصد استخراج معادن الحديد، والكروم، والفضّة الموجودة في وادي هاريست (الخرطوش) التّركيّ لمدّة تسعة وتسعين عامًا، على أن يسهم الأتراك بنسبة خمسين بالمائة من رأس المال المستثمر.
وتؤكّد الوثائق البريطانيّة وجود ملحق سريّ في الاتّفاقيّة ينصّ على: تخلّي الانتداب الفرنسي عن كامل اللّواء لتركية في موعد يحدّد مستقبلًا، وتكون عمليّة التّخلّي هذه عن طريق التّشديد على الاستقلال الشّخصيّ للواء إسكندرونة عن سوريّة، ثمّ عندما يصبح الوقت أكثر ملاءمة يصبح هذا اللّواء خارجًا عن إدارة السّلطات الفرنسيّة في بيروت، وفي مرحلة لاحقة يمكن ضمّه إلى تركيا.
عَدّت فرنسا هذه الاتّفاقيّة ظفرًا دبلوماسيًّا لها، فقد استطاعت إحباط السّياسة البريطانيّة في الشّرق الأدنى بتأييدها للحركة الكماليّة، كما ساعدت على إيقاف الجيوش اليونانيّة عند حدّها؛ وبالتّالي قلّصت النّفوذ البريطانيّ، كما ساعدت الاتّفاقيّة على تقوية مركز فرنسا في الشّرق الأدنى، وتفرّغها للقضاء على المقاومة الوطنيّة السّوريّة.
أثار إعلان الاتّفاقيّة احتجاجات بريطانيّة شديدة، واستمرّ الخلاف البريطانيّ الفرنسيّ حتّى ٢٠ أيلول ١٩٢٣م، حيث ذهب اللّورد كيرزون بنفسه للتّفاهم مع السّيّد بونكاريه رئيس الوزراء الفرنسيّ، لإيقاف التّقدّم التّركيّ في تراقية، وإنهاء الحرب بين تركيا، واليونان.
عملت السّلطات الفرنسيّة على حصر الشّؤون الاقتصاديّة بيدها، وبيد أغلبيّة المموّلين الفرنسيّين، وتمّ افتتاح فروع للبنوك الفرنسيّة في المدن السّورية، وبخاصّة بنك ليون للاعتماد، والّذي أدَّى دورًا خطيرًا في استعباد البلاد ماليًا.
كما أدّتت غرفة تجارة مارسيليا دورًا مهمًّا في تحقيق المطامع الفرنسيّة؛ فرأت أنّه من غير الممكن أن تهمل فرنسا سوريّة، الأرض الّتي أطلق عليها اسم «فرنسا المشرق»، وأكّدت الأهمّيّة التّاريخيّة، والاقتصاديّة لهذا البلد، وعلى ضرورة المطالبة بها كإرث يعود
لفرنسا.
ومنذ احتلال فرنسا لسوريّة، وضعت السّلطات الفرنسيّة يدها على أهمّ وارداتها الأساس، وهي واردات الجمارك، وجعلتها لوفاء الدّيون العموميّة فلقد بحثت معاهدة لوزان في موادها المنحصرة بين مادّتي ٤٦-٥٧ قضيّة الدّين العامّ، وقرّرت أنّ كلّ بلد انفصل عن الدّولة العثمانيّة يتحمّل من الدّين العام نصيبًا يتعادل ومقدار ما عاد عليه من القروض الّتي كانت أساس هذا الدّين العام.
وعملت السّياسة الانتدابيّة الفرنسيّة على ربط سوريّة بمصالحها حيث ربطت اللّيرة السّوريّة بالنّقد الفرنسيّ «الفرنك»، وتمّ استصدار الأوراق النّقديّة السّورية على هذا الأساس، والّتي أضرّت بالأسواق التّجاريّة ضررًا بليغًا، وسبّبت خسائر كبيرة بسبب صعود النّقد، وهبوطه المتوالي، ووصل نهب سوريّة ولبنان إلى حدّ لم يبلغه حتّى في أحلك أيّام الحكم العثماني، ونشط في هذا المجال بنك سوريّة الجديد وريث البنك العثماني القديم.
ففي نيسان ١٩١٩م، أبرم هذا البنك الّذي يملكه الرّأسمال الفرنسيّ بالكامل، وهو ما زال في مرحلة التّأسيس، اتّفاقيّة مع وزارة الماليّة الفرنسيّة تقضي بمنحه احتكار إصدار العملة السّوريّة، وتأسس في البنك لهذا الغرض قسم خاصّ بالإصدار، وتنفيذًا لهذه الاتّفاقيّة أمر المفوّض السّامي الفرنسيّ في سوريّة في الثّاني من نيسان ١٩٢٠م بوضع العملة السّوريّة الجديدة المستندة إلى الفرنك الفرنسيّ قيد التّداول، وكانت اللّيرة السّوريّة الصّادرة عن بنك سوريّة تعادل ٢٠ فرنكًا، والقرش السّوري الواحد يعادل ٢٠ سنتيمًا، ولم تكن تغطية العملة الجديدة ذهبيّة، بل من الأوراق الماليّة الفرنسيّة المودعة في الخزينة
المركزيّة في باريس.
وضعفت التّجارة السّوريّة، وأصابها الكساد من جرّاء ذلك، وأرهقت البلاد بنفقات الانتداب. وأخذت الصّادرات بالهبوط منذ سنة ١٩٢٩م، وعقدت الاتّفاقيّات التّجاريّة مع البلدان المجاورة؛ فكان النّجاح حليفها في ذلك مع فلسطين، وشرق الأردن، ولكن لم تلقِ نجاحًا مع تركيا، فاضطرّت أن تلغي اتّفاقها معها في سنة ١٩٢٩م بعد أن بقي ذلك الاتّفاق مدّة أربع سنوات من دون أيّ نتائج إيجابيّة.
وتدهورت أوضاع البلاد الاقتصاديّة، وكثر عدد العاطلين عن العمل، وعانى السّكان من المجاعة، والحرمان من جرّاء السّياسة الاقتصاديّة الفرنسيّة، واحتكار الأسواق للبضائع الأجنبيّة، ويذكر أنّه قد قام أكثر من ألف عامل عاطل بحمل الأكياس الفارغة، والسّير نحو دار الحكومة وهم ينشدون: (يا حكومة يا منصفين بدنا ناكل جوعانين، عندنا عيال بدنا خبز بدنا طحين)، وقد جاءت قوّات الشّرطة ففرّقت هؤلاء الجياع من دون أن يحصلوا على الخبز والطّحين، ودلّت على سوء الأوضاع الاقتصاديّة في البلاد من جرّاء السّياسة الاقتصاديّة الفرنسيّة.
لقد أنزل الاحتلال الفرنسيّ ضربة مدمّرة بالصّناعة الوطنيّة في سوريّة، فأدّى النّهب الفرنسيّ، وتدهور الزّراعة إلى إفقار متزايد للفلّاحين، وتقلّص السّوق الدّاخليّة بصورة مطّردة، وظلّت هذه السّوق تحت سيطرة رأس المال الأجنبيّ الّذي أغرق البلاد بسلع كانت الصّناعة المحلّيّة عاجزة عن منافستها، والأكثر من ذلك أنّه رغم الأزمة الزّراعيّة، والانخفاض الحادّ في تصدير المنتجات السّوريّة من ٨,٥ مليون فرنك ذهبي في سنتي (١٩١٠-١٩١١م) إلى ٤٧,٥ مليونًا سنة ١٩٢٢م، فإنّ استيراد السّلع الأجنبيّة إلى سوريّة بعد الاحتلال الفرنسيّ فاق مستوى ما قبل الحرب بنسبة كبيرة بلغت ٣٠٠
مليون فرنك ذهبيّ سنة ١٩٢١م، ٢١٩ مليونًا سنة ١٩٢٢م، ١٥٠ مليونًا سنة ١٩٢٣م، ٢١٣ مليونًا سنة ١٩٢٥م، مقابل ١٧٠ مليونًا في سنتي (١٩١٠-١٩١١م).
وكانت سياسة تقسيم، وتجزئة سوريّة في مقدّمة الأسباب الّتي أضرّت بوضع البلاد الاقتصاديذ، وقادت بطبيعة الأمر إلى زيادة نفقات الإدارة، وإثقال كاهل المكلّف فضلًا عن استئثار السّلطة الفرنسيّة بموارد المصالح المشتركة، والجمارك الّتي كانت مكوسها تزداد ارتفاعًا، فيتناول الموظّفون الفرنسيّون الّذين يُعدّون بالمئات رواتب ضخمة، ويتمتّعون بمزايا كثيرة مثل أجور المنازل، والأسعار.
من خلال ما سبق نلاحظ أنّ البلاد العربيّة عامّة، وسوريّة بشكل خاصّ كانت ضحيّة مؤامرة كبيرة تزعّمتها فرنسا، وبريطانيا كان هدفها إجهاض أيّ محاولة لإقامة حكومة عربيّة، أو حصول العرب على استقلالهم، والتّخلّص من نير الاحتلال العثمانيّ، حيث توالت المؤامرات، والاتّفاقيّات الّتي جرّدت العرب، والسّوريّين من حقوقهم كافّة، وإخضاعهم للانتداب الفرنسيّ بحجّة الارتقاء بالشّعوب العربيّة لتصبح مواكبة للعالم المتمدّن، وهي الحجّة الّتي لطالما تغنّت بها الدّول الأوروبيّة الطّامعة بخيرات البلاد الاقتصاديّة، والطّامعة بتوسّع مستعمراتها لتشمل البلاد العربيّة كلّها الّتي كانت خاضعة للدّولة العثمانيّة.
وظهر ذلك جلّيًّا من خلال السّياسة الاقتصاديّة الّتي اتّبعتها فرنسا في إدارة البلاد، والّتي اعتمدت على نهب خيراته، واستنزاف ثرواته، فضلًا عن محاولاتها الفاضحة إلى تجزئته إلى دويلات طائفيّة، وإثنية لدبّ التّفرقة به، وتدمير حلمه بوحدته، واستقلاله.
(84)1.صالح السعدون: المذكرات، غير منشورة، دار الوثائق الإسلامية، القسم الخاص، رقم الملف ٢١.
2.د. ك. و، ملفات البلاط الملكي، التصنيف ٨٨٣/ ٣١١، المعاهدات والاتفاقات ١٩٢٠، وثيقة ١.
3.ــــــــــــ، ملفات البلاط الملكي، التصنيف ١٤٩/ ٣١١، أسس الانتداب في سوريّة، وثيقة رقم ٩.
4.وثائق وزارة الخارجية الفرنسيّة: ويرمز لها بالرمز: «D.F.AFF».
5.Documents Francis des Affaires Etrangères Concernant le Levant: Syrie – Liban durant les Années ( .(1918-1940
6.Documents Francis des Affaires Etrangères Concernant le Levant: le Turquie de .(1918-1926)
7.تقارير المفوضية العليا للانتداب الفرنسي عن الأوضاع العامة في سوريّة ولبنان لأعوام «1926-1937»: ويرمز لها بالرمز: «Rapport».
8.Rapport a la société des Nations sur la Situation de la Syrie et du Liban: Année ((1923-1837.
9.وثائق وزارة الحرب البريطانية ويرمز لها بالرمز: «C.O».
10.Documents of the British Colonial Office: About Syria from ( .(1921-1944
11.وثائق وزارة الخارجية البريطانية ويرمز لها بالرمز: «F.O».
12.Documents of the British Foreign Office: About Syria from 1921- 1947.
(85)
1.الأرمنازي، نجيب، سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، ط٢، بيروت، ١٩٧٣م.
2.بيهم، محمد جميل، الانتدابان في العراق وسوريّة، مطبعة العرفان، صيدا، ١٩٣١م.
3.ــــــــــــــــــــ، العهد المخضرم في سوريّة ولبنان (١٩١٨-١٩٣٢م)، دار الطليعة، بيروت د.ت.
4.آل جندي، أدهم، تاريخ الثورات السوريّة في عهد الانتداب الفرنسي، دمشق ١٩٦٠م.
5.الحصري، ساطع، يوم ميسلون، دار الاتحاد، بيروت، ١٩٦٩م.
6.الحكيم، حسن، مذكراتي (صفحات من تاريخ سوريّة الحديث ١٩٢٠-١٩٥٨م)، ط١، بيروت ١٩٥٨م.
7.حمادة، سعيد، النظام الاقتصادي في سوريّة ولبنان، الجامعة الأمريكية، بيروت، ١٩٣٦.
8.خالدي، مصطفى؛ فروخ، عمر، التبشير والاستعمار في البلاد العربيّة، دار المكتبة العلمية، بيروت، ١٩٥٣م.
9.خدوري، مجيد، قضية الإسكندرونة، ط٢، دمشق، ١٩٩٢م.
10.ــــــــــــــــــــــ، المسألة السوريّة، مطبعة أم الربيعين، دمشق، ١٩٣٤م.
11.دروزة، محمد عزة، حول الحركة العربيّة الحديثة، المطبعة العصرية، صيدا، ١٩٥٠.
12.رافق، عبد الكريم، العلاقات السوريّة-التركية (١٩١٨-١٩٢٦م)، جامعة الموصل، أرشيف مركز الدراسات التركية، البحوث التاريخية، ملف ٣٧.
13.رضا، علي، قصة الكفاح الوطني في سوريّة (١٩١٨-١٩٤٦م)، حلب ١٩٥٦.
14.الريماوي، سهيلة، الحكم الحزبي في سوريّة أيام العهد الفيصلي (١٩١٨-١٩٢٠م)، ط١، عمان ١٩٩٨م.
15.زريق، فريدريك، نهضة العرب، التحرر فالاستقلال فالدولة، مطبعة ابن زيدون، دمشق، ١٩٤٩م.
16.زين، زين الدين نور الدين، الصراع الدولي في الشرق وولادة دولتي سوريّة ولبنان، بيروت ١٩٧١م.
17.السباعي، بدر الدين، أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريّة، (١٨٥٠-١٩٥٨م)، ط٢، دمشق ١٩٧٠م.
18.السعيد، نعمة، النظم السياسيّة في الشرق الأوسط، ط٢، بغداد ١٩٧٨م.
19.الشناوي، عبد العزيز محمد، أوروبا في مطلع العصور الحديثة، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٣م.
20.الشهابي، مصطفى، محاضرات في الاستعمار، معهد الدراسات العالية، القاهرة، ١٩٥٧م.
21.العياشي، غالب، الإيضاحات السياسيّة وأسرار الانتداب الفرنسي في سوريّة، بيروت ١٩٥٥م.
22.غصن، فائز: مذكراتي عن الثورة العربيّة، مطبعة الترقي، دمشق، ١٩٥٦م.
23.فتال، هند: تاريخ المجتمع العربي الحديث والمعاصر، ط١، بيروت، ١٩٨٨م.
24.فريحات، حكمت عبد الكريم: السياسة الفرنسيّة تجاه الثورة العربيّة الكبرى (١٩١٦-١٩٢٠م)، ط٢، دار الراتب الجامعية، عمان، د.ن.
25.قاسمية، خيرية، العلاقات العربيّة-التركيّة من خلال مذكرات وأوراق القاوقجي، (١٩١٢-١٩١٨م)، بحث مقدم إلى المؤتمر الثالث للعلاقات العربيّة–التركيّة، والذي انعقد في عمان، الأردن، للفترة من ٢٥-٢٨ نيسان ١٩٨٥م، جامعة الموصل، أرشيف مركز الدراسات التركية، ملف ٣٢.
26.ـــــــــــــــــــــ، الحكومة العربيّة في دمشق (١٩١٨-١٩٢٠م)، دار المعارف مصر ١٩٧١م.
27.قدري، أحمد، مذكراتي عن الثورة العربيّة، دمشق ١٩٥٦م.
28.قرقوط، ذوقان، تطور الحركة الوطنية في سوريّة من (١٩٢٠-١٩٣٦م)، ط١، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٥م.
29.كرد علي، محمد، المذكرات، مطبعة الترقي، دمشق، ١٩٤٨م.
30.ــــــــــــــــــ، محمد: خطط الشام، ط٣، دمشق، ١٩٨٣م.
31.كوثراني، وجيه، بلاد الشام (السكان، الاقتصاد، والسياسة الفرنسيّة في مطلع القرن العشرين)، معهد الانماء العربي، بيروت، ١٩٨٠م.
32.محافظة، علي، موقف فرنسا وألمانيا وإيطاليا من الوحدة العربيّة (١٩١٩-١٩٤٥م)، ط١ـ مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ١٩٨٥م.
33.المعلم، وليد، سوريّة (١٩١٨-١٩٥٨م) «التحدي والمواجهة»، ط١، دمشق، ١٩٨٥م.
34.النجار، حسين فوزي، السياسة والاستراتيجية في الشرق الأوسط، ط١، مصر، ١٩٥٣م.
35.نصحي، فؤاد، سوريّة في المعركة، العالمية للطبعة والنشر، القاهرة، ١٩٥٧م.
36.هندي، إحسان، معركة ميسلون، مطبعة وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٦٧م.
37.المعربة
38.أنطونيوس، جورج، يقظة العرب، ترجمة: ناصر الدين الأسد وإحسان عباس، ط٨، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٨٧م.
39.فرومكين، ديفيد، سلام ما بعد سلام - ولادة الشرق الأوسط (١٩١٤-١٩٢٢م)، ترجمة: أسعد كامل إلياس، ط١، قبرص، ١٩٩٢م.
40.ـــــــــــــــــــ، نهاية الدولة العثمانيّة وتشكيل الشرق الأوسط، ترجمة: وسيم حسن عبدو، دار صفحات للنشر، دمشق، ودار عدنان، بغداد، ٢٠١٥م.
41.لوتسكي، فلاديمير، تاريخ الأقطار العربيّة الحديث، ط٧، بيروت ١٩٨٠م.
42.ـــــــــــــــــــ، الحرب الوطنيّة التحرّريّة في سوريّة (١٩٢٥-١٩٢٧م)، ترجمة: محمد دياب، دار الفارابي، بيروت ١٩٨٧م.
43.ستوارد، لوثروب، حاضر العالم الإسلامي، تعريب: عجاج نويهض، ط٣، بيروت ١٩٧١م.
44.لونغريغ، ستيفن هامسلي، سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، ط١، بيروت ١٩٧٨م.
45.ميور، رمزي، النتائج السياسيّة للحرب العظمى، ترجمة: محمد بدران، مصر، ١٩٣٦م.الجرائد والمجلات
46.جريدة الأيام، الوثائق والمعاهدات في البلاد العربيّة.
47جريدة البرق الأسبوعي، السنة الثالثة والعشرين، العدد ٣٤٤٢، ٢٣ آب ١٩٣٢م.
1.Bandazian, Walter c: The crisis of Alexandaretta, Michigan 1985.
2.Jung, Eugene, Les Puissances Devant La Revolte Arabe, Charles Herissy, Paris, 1906.
3.Hinnebusch, Raymond A: The Political Economy of Economic Liberalization in Syria, International Journal of Middle East Studies, Cambridge university press, vol .27, no.3. (Aug, 1995).
4.Lenczowski, George: Middle East in World Affairs, Oxford University Press, 1953.
5.Sanjian, Avedis k: The Sanjak of Alexandretta (Hatay) study in France- Turco-Syrian relations, Michigan 1856.
6.Shorrock, William I, The Origin of the French Mandate in Syria and Lebanon: The Railraad Question, 1901- 1914, International Journal of Middle East Studies, Cambridge University Press, vol.1, no.2, (apr., 1970).
7.Stein, Leonard: Syria and Lebanon, London, 1926.
8.Yearsimos, Stefaanos: Milliyetter Va sinirlar, Istanbul 1994.
(89)
بشرى خير بك
تمكّنت القوى الاستعماريّة الغربيّة بالاعتماد على الرّكائز الّتي تأسّس لها في ظلّ السّلطنة العثمانيّة من تجزئة بلاد الشّام، ووضع حدود سياسيّة مصطنعة واضحة المعالم، ومعترف بها دوليًّا. وبعد فرض فرنسا انتدابها عسكريًّا لجأت إلى عزل سكّانها عن الحركة القوميّة العربيّة، واحتوائها بفصل الأقضية (بعلبك - البقاع - حاصبيا - راشيا) عن سوريّة، وضمّها إلى جبل لبنان تمهيدًا لفصل لبنان عن سوريّة. ثمّ استكملت تجزئتها إلى دويلات طائفيّة، وإثنيّة، ألحقتها بالتّخلّي عن لواء الإسكندرون لتركيا. ولترسيخ التّجزئة، وعزل الحركة الوطنيّة، لجأت إلى تأليب سكّان الأرياف على سكّان المدن، ثمّ تأليب نخبة على نخبة. إلى أن تمكّنت من استمالة النّخبة السّياسيّة التّقليديّة من الإرث العثماني، لتكون الأداة الفاعلة في يدها ضمن آليّاتها الإداريّة، والاقتصاديّة مستندة في ذلك إلى ما كانت قد حقّقته قبل فرض الانتداب من تغلغل اقتصاديّ، ودينيّ، وثقافيّ في سوريّة، والمنطقة بشكل عامّ.
كانت اتّفاقيّة سايكس-بيكو تتويجًا لنشاط استعماريّ بريطاني-فرنسي في المشرق العربيّ طال أمده، تمكّنت من خلاله كلتا القوّتين -وبغضّ النّظر عن صراعهما
الاستعماريّ- من تجزئة المنطقة، واقتسامها، ومنح سوريّة، ولبنان اعترافًا بالمكانة المعنويّة، والسّياسيّة، والاقتصاديّة لهما؛ الّتي سبق وأن أرست ركائزها فيها قبل الانتداب بأمد طويل، فالنّفوذ المعنويّ لفرنسا ليس في هاتين الدّولتين فقط، بل بكلّ ما يسمّى اليوم الشّرق الأوسط يعود إلى القرن السّابع عشر عندما فرضت حمايتها الدّينيّة على الكاثوليك في الشّرق، ومنذ بدايات القرن التّاسع عشر أخذت بترسيخ مصالحها الدّينيّة، والثّقافيّة من خلال دعم الحكومة الفرنسيّة لشبكة من المدارس العلمانيّة، والكاثوليكيّة، والمؤسّسات الدّينيّة، الّتي أقبل عليها كلّ من الكاثوليك، والموارنة، وكان لذلك بالغ الأثر في وضع حواجز ثقافيّة، وسياسيّة ضمن الشّعب السّوريّ استغلّتها فرنسا لتفسير أيّ حراك، أو صراع في المنطقة بأنّه صراع طائفيّ، أو إثني من دون أن تأخذ بعين الاعتبار الصِّلات الاجتماعيّة، والاقتصاديّة الّتي تربط مكوّنات المجتمع، أمّا النّفوذ السّياسيّ فقد توضّح من خلال دعمها مطالب الحركة السّوريّة-العربيّة باللّامركزيّة الإداريّة في الولايات السّوريّة. وبالنّسبة للمكانة الاقتصاديّة الّتي حقّقتها فرنسا في سوريّة منذ العام ١٩٠٠م فقد ترسّخت بشكل جيّد عندما تغلغل رأس المال الفرنسيّ عن طريق البنوك، والقروض، وبعض الصّناعات، والطّرق، والموانئ الحديديّة، وغيرها. وسياستها بعد فرض الانتداب ليست إلّا تتمّة لما كانت قد بدأته من أجل ترسيخ نفوذها، ولكن أصبح بشكل أقوى، وذلك بالاعتماد على جملة من الآليّات.
لقد شهدت البنى الأساس في المجتمع العثمانيّ في القرن التّاسع عشر تبدّلات جذريّة في حينها طالت كلّ نواحي الحياة. وشهدت الولايات العربيّة والّتي منها سوريّة بمفهومها الجغرافيّ تشكّل قوى اقتصاديّة-سياسيّة ارتبطت بمصالح الرّأس مال المالي الاحتكاريّ الأوروبيّ، وبخاصّةً الفرنسي قبل، وبعد فرض فرنسا انتدابها على سوريّة بالقوّة
العسكريّة، اعتمادًا على ما أقرّته عصبة الأمم من معاهدات، ومؤتمرات. ورغم ادّعاء الحكام الفرنسيّين المنتدبين لإدارة سوريّة، ولبنان بأنّ وجودهم ليس إلّا لإعانة شعبيّ هذين البلدين، وإرشادهم في إدارتهم إلى أن يصبح بإمكانهم إدارة شؤونهم بأنفسهم، وأنّ سياستهم لن تتعدّى تعزيز التّمدّن، والرّقيّ، والحرّيّة؛ لكن تلك التّصريحات لم تكن مطابقة لأفعالهم، فمن خلال قانون الاحتلال سيطر الفرنسيّون على كلّ مناصب، ومفاصل الدّولة الرّئيسة حتّى أصبح مألوفًا ظهور الفرنسيّين في كلّ زاوية من زوايا الحكومة السّوريّة، والإدارة العامّة. ولم يكن ذلك ممكنًا لولا الاعتماد على عدد من الآليّات العسكريّة، والإداريّة، والاقتصاديّة، والثقافيّة، والعلميّة الّتي مكّنتهم من التّغلغل داخل مكنونات المجتمع السّوري. ولم تكن تلك الآليّات الّتي اعتمدتها سلطة الانتداب -بناءً على ما خلّفه الاحتلال العثمانيّ خلال أربعمئة عام- لخلخلة المجتمع سوى الأداة الّتي أفقدته القدرة على التّطوّر المطلوب في مرحلة الانتداب، ولا نبالغ إذا قلنا حتّى يومنا هذا.
لم يكتف الحزب الاستعماريّ الفرنسيّ بما حقّقته فرنسا من نفوذ معنويّ، وسياسيّ، ودينيّ، واقتصاديّ في سوريّة؛ بل أصرّ على احتلالها عسكريًّا، وتوحيدها تحت الحكم الفرنسيّ، وقد تحقّق له ما أراد عندما تمّ تعيين الجنرال هنري غورو (H. Gouraud) في ١ تشرين الأوّل ١٩١٩م مندوبًا ساميًّا للجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة، وقائدًا للجيش في الشّرق بعد أن أُقرّ الانتداب على سوريّة نتيجة الاتّفاق بين الحلفاء في العام ١٩١٨م، أي قبل صدور قرار عصبة الأمم في اجتماعه في لندن لاحقًا في ٢٤ تموز ١٩٢٢م.
وبعد أن دمّرت الحرب الأطر الإداريّة العثمانية، وأفرغت المراكز الإداريّة من الولاة، والمتصرّفين، والقائم مقاميين الّذين تخوّفوا من العودة إلى مراكزهن بعد انتهاء الحرب؛ فُسح المجال للحلفاء بعد احتلالهم المنطقة السّاحليّة في العام ١٩١٨م لتعين موظّفًا فرنسيًّا رفيعًا لإدارة ما سمّي «القطاع الغربيّ المحتل» وحكّامًا فرنسيّين على رأس كلّ من السّناجق، ونوّاب، وحكّام للأقضية الّتي فقدت قائم مقاميّاتها. ولكن الشّعب لم يستسلم للإدارة الأوروبيّة فهبّت الثّورات (١٩١٨-١٩٢٢م) لتدافع عن وحدّتها، واستقلالها في المناطق الواقعة وراء الشّريط السّاحليّ في جبال اللّاذقيّة، ولبنان الجنوبيّ. وقاومت المحتل بكلّ شراسة ممّا أقلق فرنسه. ولكي تشكّل القوّات الفرنسيّة ضغطًا على ثورات السّاحل، والشّمال قامت بتوجيه ما سمّي بإنذار غورو. الّذي احتوى على تهديد عسكريّ واضح عندما نصّ البند الأوّل وضع سكك حديد ريّاق-حلب تحت الإدارة العسكريّة الفرنسيّة، الأمر الّذي يستلزم احتلال القوّات الفرنسيّة لمدينة حلب، ومحطّات: رياق – بعلبك – حمص – حماة. أيضًا ما ذكر في البند الثّاني من إلغاء التّجنيد الإجباريّ، وتخفيف عدد أفراد الجيش العربيّ واضح الهدف بأنّه يريد تجريد الشّعب من قوّته لكي لا يستطيع الدّفاع عن نفسه أمام القوّات الفرنسيّة، وهذا يضمن تحقيق البند الثّالث وهو قبول الانتداب الفرنسيّ قبولًا مطلقًا، وعليه يمكن لفرنسه تنفيذ بندها الخامس الّذي يتضمّن معاقبة من اشتهر العداء لفرنسه.
ورغم قبول الملك فيصل للإنذار إلّا أنّ غورو لم ينتظر استعداد الحكومة السّوريّة لمواجهة قوّاته الّتي توجّهت عبر ثلاث محاور لاحتلال سوريّة: شمالي، وأوسط، وجنوبي، ورغم توجّه يوسف العظمة مع قوّاته لصدّ العدوات، واستبساله دفاعًا عن أرضه؛ فالمعركة كانت غير متكافئة، لا في العدّة، ولا في العدد، ولذلك تمكّن الجيش الفرنسيّ من إحراز الغلبة بآلته الحربيّة المتفوّقة الّتي دخلت دمشق بعد السّاعة الرّابعة بيوم ١٤ تموز ١٩٢٠م، وقد شكّلت فاجعة ميسلون، ووقوع معظم الدّاخل السّوريّ تحت الانتداب ضربة قاسمة للثّورات السّوريّة المشتعلة في السّاحل، والشّمال لاستفراد جيش الانتداب بهما، والقضاء عليهما.
لم يشف الاحتلال غليل غورو فوجه إنذارًا آخرًا للملك فيصل ليغادر دمشق، وبناءً على قرار الحكومة الفرنسيّة نفذ فيصل القرار بمغادرة دمشق بقطار خاصّ، لكنّه توقّف في درعا لمدّة ثلاثة أيّام بسبب استقبال أهلها الحافل له؛ ممّا أغاظ الفرنسيّين، فأرسلت بلاغًا إلى أهل درعا، وضواحيها بضرورة سفر فيصل مباشرة، وإلّا فإنّ بلادهم ستكون هدفًا للقنابل. وفي الوقت الّذي بدأت فيه الطّائرات الفرنسيّة بالتّحليق في سماء درعا بدأت القوّات الفرنسيّة في التّحرّك برًّا نحو الجنوب تحسّبًا لأيّ طارئ قد ينشأ بسبب تمسّك أهالي حوران بالملك فيصل.
أيضًا عند محاولة اغتيال الجنرال غورو في ٢٣ حزيران عام ١٩٢٣م وهو في طريقه إلى القنيطرة ردّ الفرنسيّون بإرسال حملة وصلت إلى القنيطرة بالتّاريخ نفسه، لتمنع عددًا من القرى (جبات الخشب – المنشية – طرنجة – الأحمر – تل الشيخة) من التّحرّك، كما قامت بمصادرة أموال، وغلال السّكّان، وفرضت على كلّ فرد منهم غرامة حربيّة قدّرت
بمائة دينار ذهبي، وفي ٣٠ حزيران عادت الحملة إلى دمشق، وباعت ما صادرته في المزاد.
ورغم قضاء الفرنسيّين بكلّ وحشيّة على ثورات الشّمال، والسّاحل، إلّا أنّ الرّغبة بالحرّيّة، والاستقلال، وتوحيد البلاد بقيت هاجس الشّعب الّذي يئس من الفرنسيّين المحتلّين، ولذلك، ولأسباب عديدة، كانت الثّورة السّوريّة الكبرى (١٩٢٥–١٩٢٧م) في الجنوب، والوسط، ورغم كلّ التّضحيات الّتي قدّمها الثوّار، إلّا أنّ القوّة العسكريّة الفرنسيّة تمكّنت من أنهاء ثورة حاولت جاهدةً تحرير أرضها.
وعندما احتدم الصّراع بين دول الاستعمار الرئيسة، ودول المحور، وتغيّرت موازين القوى، ازدادت الاحتجاجات الشّعبيّة وفي مجمل المدن السّوريّة مطالبة بالاستقلال، وقد نتج عن ذلك عدّة معارك بين الفرنسيّين والسّوريّين، وعندما أيقنت فرنسا أنّ موقفها يزداد ضعفًا يومًا بعد يوم، لم تتوانَ عن استخدام الآلة الحربيّة للحدّ من الحراك الشّعبيّ ضدّها بشكلٍ متكرّر، وكان من أبشعها، وأكثرها إجرامًا حادثةِ ما سمّي مجزرة البرلمان السّوري في ٢٩ آيار ١٩٤٥م عندما قصفت مبنى البرلمان بالرّشّاشات، والقنابل بحجّة رفض قائد حامية الدّرك تقديم التّحيّة للعلم الفرنسيّ، ولكن رغم دفاع حامية الدّفاع عن المبنى حتّى نفذت ذخيرتها، فقد اقتحمته قوّة فرنسيّة، وأحرقت، وثائقه، وقتلت من بقي بداخله، وفي اليوم التّالي للمجزرة نقلت جثث الشّهداء إلى المزّة، وأُلقوا في حفرة جماعيّة. واستمرّت شرطة الانتداب بقصفها الوحشيّ من اليوم التّالي للمجزرة لمدّة يومين حيث خرج المواطنون من منازلهم، ليشتبكوا مع الفرنسيّين بعدّة أحياء
أشعلت سماء دمشق بالنّيران، فانتشرت الثّورات في كلّ مكان، وراحت القوّات تقصف بشكلٍ عشوائيّ، ممّا أدّى إلى نشوب حريق كبير في مركز المدينة بين شارع رامي، وبوّابة الصّالحيّة.
ولولا الإنذار الّذي وجّهته بريطانيا لفرنسا في ٣ آيار ١٩٤٥م بضرورة وقف القصف الوحشيّ لدمشق، لأنّ القوّات البريطانيّة لا يمكن لموقفها أن يكون سلبيًّا اتّجاه ما يحصل، ولولا خوف سلطة الانتداب من أن تصبح قوّاتها بين نيران الثّوّار، ونيران القوّات البريطانيّة لما توقّفت عن عملها الإجراميّ. ولكن الضّغط السّياسيّ الدّبلوماسيّ البريطاني على سلطة الانتداب أجبرها على ترحيل رعاياها عن إحياء دمشق إلى ثكناتهم، إضافة إلى ازدياد نفوذ بريطانيا في سوريّة، ولبنان، وحلول قوّاتها محلّ القوّات الفرنسيّة في المراكز الاستراتيجيّة الّتي بدأت التّجمّع في الثّكنات انتظارًا لقرار الجلاء.
وإلى جانب الأليّة العسكريّة استخدمت سلطة الانتداب أساليب أخرى اتّسمت بالعنف، واستخدام السّلاح لتنفيذها مثل: إعدام بعض الشّخصيّات، ونفي بعض الثّوّار، ورجال الحركات الوطنيّة، وإعلان الأحكام العرفيّة الّتي كانت تصدر عن الحاكم العسكريّ الفرنسيّ، كما حصل عندما احتشد النّاس عند نهاية زيارة كراين إلى دمشق لرفضهم الوصاية، والحماية.
والأمر الّذي لا يمكن إغفاله هو الاهتمام الكبير لسلطة الانتداب بتشكيل ما سمّي «قوّات الشّرق الخاصّة» من السكّان المحلّيّين على نمط تشكيل فرنسا (العصبة الفرنسيّة) في مستعمراتها في إفريقيا. إضافةً إلى إحداث جهازي الشّرطة، والدّرك؛ الّتي كانت جميعها بيد السّلطة لاستخدامها قوةً ضاربة محلّيّة لقمع أيّ تحرّك ضد الانتداب، وقمع المسيرات، وضرب التّحرّكات العماليّة. إنّ إدراك سلطة الانتداب أهمّيّة السّلاح العسكريّ في فرض إرادتها كان الحافز وراء إنشائها (جيش الشّرق)، وجهازيّ الشّرطة،
والدّرك «لأنّها كانت الذّراع التّنفيذي للأمن العام الّذي اقتصر على الفرنسيّين وحدهم». فالأداة العسكريّة تعتبر الأداة الأهمّ، وإن لم تكن الأولى في سيطرة فرنسا على سوريّة.
بعد أن عيّن الجنرال غورو مفوّضًا ساميًّا لفرنسا، ونائبًا أعلى لجيش المشرق في ١٠ آذار ١٩٢٠م، اتّخذ قرارًا بتحويل الإدارة العسكريّة للمناطق المحتلّة إلى صيغة ما سمّي «المناطق الموضوعة تحت المناطق الإداريّة» (Control Adminitrativ) غير أنّ الجنرال غورو، ومن أتى بعده من المفوّضين السّاميّين الفرنسيّين الأوائل لم يتمكّنوا من رسم خطّة عمل جديدة لما يمكن أن تعنيه صيغة الانتداب، لأنّ السّلطات الفرنسيّة عيّنت بالسّنوات الخمس الأولى من فرض انتدابها ثلاثة جنرالات كمفوّضين ساميّين سبق لهم الخدمة في سلّم الإدارة الفرنسيّة في الشّمال الأفريقيّ، وكانت مرجعيّتهم وزارة الحرب في باريس، وليس وزارة الخارجيّة، لذلك، وانطلاقًا من خبرتهم الاستعماريّة في الشّمال الإفريقيّ، ومن مرجعيّتهم العسكريّة، فقد أدار هؤلاء كلّ من سوريّة ولبنان بعقليّة العسكر، وعليه فالصّدام مع شعوب هذين البلدين أصبح مؤكّدًا، وهو ما حدث أثناء الثّورة السّورية الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م)، والّتي قضت عليها آلة الحرب العسكريّة.
وكما يبدو فإنّ السّلطة في فرنسا قد قبلت بأسلوب الإدارة العسكريّ الّذي فرض نفسه واقعًا، ولم تحاول إيجاد إدارة أفضل تقود سوريّة نحو الاستقلال خلال فترة قصيرة، كما خطّط لهم، خاصّة وأنّ عصبة الأمم قد صنّفت سوريّة ضمن الفئة (A) الّتي
تستحقّ الاستقلال، لذلك وانطلاقًا من تجربة المفوّضين السّاميّين العسكريّين الّتي استقوها من حكمهم للمغرب الأقصى، فقد كان لا بدّ لهم لتثبيت الانتداب الّذي فرض بالقوّة العسكريّة من إضعاف الشّعور القوميّ العربيّ لدى السّوريّين باستغلال التّعدّديّة الدّينيّة، والإثنية، واستغلال خلافاتها إن وجدت من خلال إقامة دويلات ذات حكم ذاتيّ «وتحريض المناطق الرّيفيّة ضدّ المراكز القوميّة، واستخدام العناصر الطّيّعة من النّخبة السّياسيّة السّوريّة التّقليديّة للمساعدة في الحكم» بخاصّة وأنّ اتّفاقيّة سايكس-بيكو كانت قد مهّدت لما ذكر أعلاه من خلال تقسيم سوريّة الطّبيعيّة في العام ١٩٢٠م إلى إنتدابات منفصلة إداريًّا بحدود مصطنعة، وحواجز جمركيّة تحت الإشراف البريطانيّ، والفرنسيّ. وبذلك انقطع سكّان حلب عن جوارهم التّركيّ، والعراقيّ، وبدورهم سكّان دمشق اضطرّوا عند سفرهم إلى فلسطين المرور بنقاط حدوديّة عليها درك، واستمرّت سياسة التّجزئة حتّى بعد أن فرضت فرنسا انتدابها على سوريّة، ولبنان، وجبل لبنان.
أخذت سلطة الانتداب بتقسيم المنطقة المنتدبة عليها في سوريّة لعزل سكّانها عن الحركة القوميّة العربيّة، واحتوائها في إصدار غورو في ٣ آب ١٩٢٠م القرار رقم: ٢٢٩ لأنشاء دولة لبنان الكبير من خلال فصل الأقضية (بعلبك – البقاع – حاصبيا – راشيّا) عن سوريّة، وضمّها إلى جبل لبنان، تمهيدًا لفصل لبنان عن سوريّة، والأهمّ من ذلك لحرمان المدن الدّاخليّة السّوريّة التّجاريّة من منافذها الطّبيعيّة على السّاحل السّوريّ، والّتي كانت عبر التّاريخ صلة الوصل بينها، وبين التّجارة العالميّة. عدا عن ذلك، فقد كان جبل لبنان ذو أكثريّة مسيحيّة، يقابلها أكثريّة مسلمة في الجزء السّوريّ الّذي ضمّ إلى جبل لبنان،
ممّا أثار حفيظة المسلمين ممّن لم يكن لديهم الرّغبة بأن تكون تبعيّتهم لحكم الموارنة المدعومين من فرنسة، وحتّى بالنّسبة لسوريّة فقد سلّط الانتداب الضّوء على خصوصيّة الأقلّيّات الطّائفيّة، والعرقيّة بأن أضفت عليها سمة الاختلاف، واستحالة التّعايش فيما بينها لتبرير قراراتها بتقسيم البلاد إلى دويلات طائفيّة هي: دمشق من ١٩٢٠ إلى ١٩٢٥م وتشمل دمشق، وحماة. ودولة حلب من ١٩٢٠ إلى ١٩٢٥م وضمّت الشّمال الشّرقي، والشّرق السّوريّ مع حلب، ودير الزّور، والحسكة، والرّقّة. ودولة العلويين من ١٩٢٠ حتّى ١٩٣٦م، وتشمل اللّاذقيّة، وطرطوس، والسّقيلبيّة، وتلكلخ، وجسر الشّغور. ودولة جبل الدّروز من ١٩٢١ حتّى ١٩٣٦م وضمّ السّويداء؛ وهو الاسم الّذي أطلق على الدّولة أوّلًا ثمّ في العام ١٩٢٧م أصبحت التّسمية جبل الدّروز، ولواء الإسكندرونالمستقلّ ١٩٢٠م حيث ألحق بحلب مع الاحتفاظ بالاستقلال الإداريّ، وبحسب اتّفاقيّة أنقرة بين فرنسة، وتركيّة في ٢٠ تشرين أوّل ١٩٢١م وضع نظام إداريّ خاصّ للمنطقة مع إعطائهم التّسهيلات كافّة لممارسة الأعمال الزّراعيّة، واعتبار اللّغة التّركيّة لغّة رسميّة. وفي العام ١٩٣٩ تخلّت فرنسة لتركية عن لواء الإسكندرون محاولة فيها تحييد تركيّة فيما لو اندلعت الحرب.
لم تكن الإدارة الفرنسيّة للمناطق النّائية من سوريّة واحدة؛ في حين وضعت، وبشكل دائم منذ العام ١٩٢٥م كلّ من دمشق، وحمص، وحماة، وحلب تحت إدارة واحدة، والسّبب هو الضّغط الوطنيّ من جهّة؛ ومن جهّة أخرى لتقليل سلطة الانتداب من التّكاليف. في الوقت نفسه أبقت كلّ من لواء الإسكندرون، وجبل الدّروز، وبلاد العلويّين على درجات متفاوتة من العزلة الإداريّة عن الإدارة الموحّدة للمدن بشكل دائم، والهدف إضعاف الحركة الوطنيّة من خلال تطويقها، ومنع وصولها إلى المناطق المأهولة بالأقلّيّات، وبالتّالي حرمان الحركة الوطنيّة من قاعدة شعبيّة متعدّدة الأطياف قادرة عند الضّرورة على التّصدّي لسلطة الانتداب.
لجأت سلطة الانتداب إلى ترسيخ التّجزئة، وعزل الحركة الوطنيّة إلى تأليب سكّان الأرياف على سكّان «المراكز الوطنيّة المدينيّة الأكثر وعيًا، وركّزت هذه الاستراتيجيّة على تغيير قواعد ملكيّة الأرض الّتي كانت أساس الزّعامة السّياسيّة المدينيّة ونفوذها»... لأنّ جزءًا كبيرًا من النّخبة الوطنيّة كانت تنتمي إلى كبار ملاكي الأراضي كما أفادت المصادر. وقد أوقعت هذه السّياسة سلطة الانتداب بحال من الإرباك، لأنّ التّحوّل في أشكال الملكيّة الزّراعيّة من خلال إنشاء ملكيّات فلاحيّة، والتّحوّل في العلاقات الاجتماعيّة من فلّاحين، ومرابين، اصطدمت بحاجة الإدارة الفرنسيّة إلى التّحالف مع كبار الملّاكين، الّذين كانوا يشكّلون شبكة متماسكة من العلاقات الاجتماعيّة، والماليّة في وجه انتشار تغييرات بنيويّة في نظام ملكيّة الأراضي؛ رغم وطنيّة بعض الملّاكين، وميل البعض الآخر للتّعاون مع حكومة الانتداب. لكن السّلطة لم تعدم الوسيلة للتّصدّي لوطنيّة هذا البعض بأن لجأت إلى تحريض المقيمين في الرّيف من الملّاكين، وشيوخ
القبائل ضدّ أعيان المدن، وبالمقابل تحريض أعيان المدن على بعضهم البعض في الوقت الّذي لم تلجأ فيه إلى إثارة الفلّاحين حتّى لا ينعكس ذلك الوعي بالثّورة عليها لاحقًا.
وبسبب سوء الإدارة الفرنسيّة في سوريّة، وغياب الأمن، اضطُرّت السّلطة أن تبحث عن وسيلة تمكّنها من تغطية إسلوبها الاستعماريّ المرفوض، فكان لا بدّ لها من الاعتماد على النّخبة السّياسيّة التّقليديّة في المدن ذوي النّفوذ في المراكز الوطنيّة في الدّاخل ليساندوها في التّشجيع على احترام فرنسا، وتنفيذ سياستها، وقد وجدت سلطة الانتداب ضالّتها في طبقة ملّاكي الأراضي المدينيّين الغائبين، والطّبقة البيروقراطيّة الّتي هُمّشت، واستُبعدت في حكومة دمشق بسبب ميولها العثمانيّة، ومنافستها للقوميّين. وهو السّبب الّذي منع فيصل من الاعتماد عليها في حكومته، علمًا أنّه أوكل إليها المهمّة الشّائنة المتمثّلة في تسليم سوريّة لفرنسة. وقد وجدت هذه الفئة في سلطة الانتداب عودة لمكانتها التّقليديّة، خاصّة وأنّه ليس في مقدورها منافسة الزّعامة الوطنيّة على النّفوذ في المجتمع السّوري. وقد برّرت تعاونها إلى حاجة سوريّة إلى قوّة خارجيّة تعيد البلاد إلى حال التّوازن الّتي افتقدتها بانهيار السّلطنة العثمانيّة. والأهمّ من ذلك «أنّ تشتيت الفرنسيّين للزّعامة القوميّة بالقوّة سنة ١٩٢٠م» قد أتاح المجال للأعيان غير القوميّين تقديم أنفسهم بوصفهم القيادة المحلّيّة الوحيدة المؤهّلة بمستوى تعليمها، وتدريبها، ومكانتها للاستيلاء على الوظائف الإداريّة العليا الّتي ظلّت شاغرة بعد مغادرة منافسيهم القوميّين فجأة.
أمّا الفئة الثّانية الّتي اعتمد عليها الفرنسيّون لبسط سياستهم فكانت أبناء الأقلّيّة المسيحيّة المتوحّدين مع الكنيسة الكاثوليكيّة (Uniates)، وبشكل خاصّ التّجّار منهم
الّذين كانوا حلقة وصل بين السّلطنة، والدّول الغربيّة، وبالأساس ممّن تمتّع بالحماية الفرنسيّة كرعايا فرنسيّين، حيث كان دورهم كبيرًا في أحداث عام ١٨٦٠م في سوريّة ولبنان. ولكنّ الفرنسيّين لمسوا، وبسرعة هشاشة التّركيبتين الاجتماعيّتين لهاتين الفئتين لعدم وجود أهداف سياسيّة واحدة توحّدهما، وعدم وجود أرضيّة مشتركة بينهما، ولا حتّى المصلحة (الطّبقيّة) المشتركة، زيادةً على عدم وجود دافع أيديولوجي يدفع بهما لتبوء المركز القياديّ بسبب تغليب المصلحة الفرديّة على أيّ مصالح أخرى، بخاصّة وأنّ سلطة الانتداب نفسها لم تفسح المجال لأيّ تكتل مهما كانت صفته بالظّهور؛ خوفًا من أن يترجم ضدّها في النّهاية.
انطلاقًا من قناعة الجنرال غورو أنّ السّوريّين ليسوا أهلًا لحكم أنفسهم، لجأ لوضع نظام جاء على رأسه منصب المفوّض السّامي للجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة، ولبنان، وكان المرجع الّذي تعود إليه الكلمة الأولى في الشّؤون المدنيّة، والعسكريّة لسوريّة، ولبنان تحت الانتداب، وبعد تقسيمه البلاد إلى مقاطعات إداريّة أسماها دولًا، جعل على رأس كلّ منها حاكمًا، كممثّل للمفوّض السّامي المقيم في بيروت. وعندما يكون الحاكم من أصول محلّيّة كان يتمّ إحاطته بضبّاط فرنسيّين تتركّز كلّ خيوط السّلطة الفعليّة بأيديهم بشكل لم يسمح بإعداد جهاز إداريّ كفء يكون جاهزًا لإدارة البلاد عندما تنال استقلالها؛ بل وأدّى ذلك إلى أحداث فجوة بين الموظّفين المحلّيّين، ورؤسائهم، تمثّلت في عدم تحمّل الموظّفين المسؤوليّة، وبالتّالي عدم القدرة على التّواصل مع رأس الهرم الّذي يصدر الأوامر الإداريّة؛ ممّا أفقدهم المرونة، وروح المبادرة في العمل، وأفقدهم حتّى خبراتهم الّتي سبق، وراكموها زمن السّلطنة العثمانيّة. وبناء على ما سبق، تمكّنت طواقم المستشارين الفرنسيّين من إدارة الماليّة العامّة، والأشغال العامّة، والجهاز القضائيّ،
والتّعليميّ، وغير ذلك من باقي المؤسّسات بالأسلوب نفسه. بقي أن نذكر أنّ من أهمّ الرّكائز الإداريّة للانتداب تمثّلت بما سمّي «المصالح المشتركة» الّتي ضمّت بعض الدّوائر التي «فرضت طبيعتها أن تدار مركزيًّا على الرّغم من تجزئة البلاد، كالجمارك، والبريد، والتليجراف، والإشراف على شركات الامتياز الأجنبيّة مثل السّكك الحديديّة، والتّبغ، والتّنباك، وأغلب دوائر المنفعة العامّة».
كانت فرنسة إحدى الدّول الإمبرياليّة الّتي اتّسم اقتصادها بعدد من السّمات من أهمّها: تمركز رأس المال بيد طغمتها الماليّة إلى حدٍّ تمكّنت فيه من خلق الاحتكارات؛ الّتي يعود إليها الدّور الأوّل في الحياة الاقتصاديّة نتيجةً لاتّحاد رأس المال الصّناعيّ فيها مع رأس المال المصرفيّ، ليشكّلا معًا الرّأس المال الماليّ، ومن يمتلك ذلك هم فئة قليلة من النّاس بيدها معظم أدوات الإنتاج الرّئيسة، والمصارف، والقادرة على تصدير رأس المال الّذي هو أهمّ سمات المرحلة الإمبرياليّة. هذا وقد تمكّنت الإمبرياليّة الفرنسيّة مع غيرها من القوى الأخرى من اقتسام العالم، والسّيطرة عليه بسبب قوّتها الاقتصاديّة؛ الّتي تدفعها لتعود، وتحاول مرّة أخرى لتقسيمه.
لذلك نجد أنّ سياسة فرنسا في سوريّة لم تحِد عن سياسة غيرها من الدول الإمبرياليّة،
رغم الخصوصيّة الّتي اتّسمت بها سياستها الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، خاصّة وأنّ فرنسا خرجت من الحرب العالميّة الأولى بخسائر مادّيّة، ومعنويّة كبيرة تبعتها أزمات اقتصاديّة متلاحقة في الأعوام (١٩٢٠، ١٩٢١، ١٩٢٩-١٩٣٣، ١٩٣٧-١٩٣٨م)، أثقلت كاهلها بالأعباء الماليّة الّتي زاد عليها الاستعداد، ومن ثمّ خوض الحرب العالميّة الثّانية؛ لذلك وفي ظلّ هذا الوضع، كان لا بدّ لفرنسة من استغلال شعوب مستعمراتها، والبلاد المنتدبة عليها مثل سوريّة، ولبنان، بعد أن فرضته بالقوّة العسكريّة، خاصّة وأنّ الرّأس المال الأجنبي كان قد تسرّب إليها منذ النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر بكل أشكاله، ليصبح المسيطر على كلّ سلطاتها بشكل مباشر أثناء مرحلة الانتداب، ممّا حدّ، وأضعف من تطوّر القوى المنتجة الوطنيّة، لتصل في نهاية المطاف إلى التّبعيّة الاقتصاديّة، وحتّى السّياسيّة والاجتماعيّة، ومردّ ذلك أنّ العلاقات الرّأسماليّة الّتي أوجدها الرّأسمال الأجنبيّ في سوريّة، اختلفت بشكل جذريّ عن خصائص علاقات رأسمال الّتي نشأت في فرنسا والّتي نقلت مجتمعه من مجتمع إقطاعيّ إلى مجتمع رأسماليّ، بينما في سوريّة نجد أنّ الرّأسماليّة أبقت العلاقات الإقطاعيّة في الرّيف، وأقامت العلاقات الرّأسماليّة في مجالات لم تتمكّن من تطوير الإنتاج فيها، بل على العكس من ذلك، إذ أصبحت عائقًا أمام تطوير العلاقات في فروع، ومجالات أخرى بسبب عدم ارتباطها بحاجات السّوق الوطنيّة، والهدف من هذه السّياسة هو تأمين عمليّة تجديد الإنتاج الرّأسماليّ على الأرض الفرنسيّة، وليس من أجل تجديد الإنتاج الوطنيّ السّوريّ. ونستدلّ على صواب الفكرة السّابقة من الدّراسات الفرنسيّة العديدة الّتي تناولت أهمّيّة سوريّة بالنّسبة إلى الرّأسمال
الفرنسيّ، وغير الفرنسيّ، حيث تجلّى الاهتمام بقدوم العديد من البعثات الدّراسيّة بين العامين (١٩٢٤-١٩٢٩م) لدراسة السّهول السّاحليّة، والمناطق الصّالحة للرّيّ، وأعمال البناء في المدن، ودراسة المعادن، والتّنقيب عنها. والقيام بعدد من التّجارب الزّراعيّة الّتي تهمّ الاقتصاد الفرنسيّ. أيضًا، بذلت غرف التّجارة الفرنسيّة نشاطًا كبيرًا في الميدان التّجاريّ، فأقامت المعارض الدّاعمة للاقتصاد الفرنسيّ في دمشق، وبيروت. ورغم ما ورد في صكّ الانتداب بعدم استغلال فرنسا لسلطتها في احتكار الاستثمار في سوريّة على حساب أعضاء عصبة الأمم، ومراعاة المساواة بينهم؛ إلّا أنّ فرنسة فضلت مساندة الشّركات الفرنسيّة، وأصحاب الامتيازات من الفرنسيّين. لذلك، واعتمادًا على ما سبق ذكره، أطلق الانتداب، وبدعم من الحكومة الفرنسيّة العنان لرأس المال الفرنسيّ للسّيطرة على الاقتصاد السّوريّ.
وقد شكّلت مؤسّسات الجهاز المصرفي أهمّ مؤسّسات هذا الرّأس مال الّتي ارتكز عليها الاقتصاد السّوريّ قبل الانتداب، ويمكن إيجازها بضعف البنوك الوطنيّة لأسباب داخليّة، وخارجيّة، وسيطرة المؤسّسات المصرفيّة الأجنبيّة في مادّة الإصدار، والأعمال التّجاريّة، والعقاريّة. والّتي لم تكن سوى مؤسّسات تجاريّة همّها الأوّل مصالحها الخاصّة، بغضّ النّظر عن أبعادها السّلبيّة على الاقتصاد السّوريّ. ونستثني من ذلك البنك الزّراعي الّذي كان المؤسّسة الوحيدة الّتي عملت على سدّ حاجات الزّراعة، وسيطرة المؤسّسات
الفرنسيّة، وافتقار البلد لتشريع ناظم لنشاط البنوك؛ ليس في المرحلة السّابقة للانتداب، بل وحتّى في المرحلة الانتدابية فيما بعد. أيضًا كان بنك سوريّة، ولبنان الكبير على درجة كبيرة من الأهمّيّة، لدرجة أنّ هنري دي جوفونيل (Henry de Jouvenel) قال عنه أنّ البنك السّوريّ «يعتبر سوريّة ملكًا له»، والسّبب أنّ هذا البنك قد شكّل مع الرّأس مال الماليّ، والسّلطة الاستعماريّة ثالوثًا تمكّن من إفقار سوريّة، واستعبادها وتأخّرها؛ فهو البنك العثماني الّذي أسس في العام ١٩١٩م شركة مساهمة فرنسيّة تدعى «بنك سوريّة ولبنان الكبير»، ونتيجة لاتّفاقيّات بين وزارة الماليّة الفرنسيّة من باريس، والمصدّق عليها من وزارة الخارجيّة في ٢٨ نيسان ١٩١٩م نالت هذه الشّركة جميع الوكالات، والامتيازات الّتي يملكها، ويتصرّف بها البنك العثمانيّ في سوريّة، من قبل، وبناء على الاتّفاق فتحت الشّركة امتياز إصدار النّقد على أساس الفرنك الفرنسيّ، وفرض تداول أوراقه في القرار ١٢٩ الصّادر بتاريخ ٣١-٠٣-١٩٢٠م.
ولكثرة ما منح البنك من الامتيازات في سوريّة فقد جعل قيدًا استعماريًّا. لأنّ إلحاق النّقد السّوريّ بالفرنك الفرنسيّ يعني عمليًّا أنّه أصبح نقدًا فرنسيًّا ذا قناع سوريّ، وبعد ذلك تمّ تغطية هذا القرار بطابع الشّرعيّة القانونيّة في معاهدة لوزان في ٢٣ تموز ١٩٢٠م الّتي أقرّت انفصال الأراضي السّوريّة عن السّلطنة العثمانيّة، فسارعت السّلطات الفرنسيّة إلى أخذ موافقة الحكومة السّوريّة على اتّفاقيّة البنك، لتكتسب الشّرعيّة منها. ومن خلال مفاوضات المفوضيّة الفرنسيّة مع حكومات الدّويلات المصطنعة، تمكّنت من تثبيت هذا البنك، وأذرعه في الاقتصاد السّوريّ، بل وجدّدت الامتياز له على عدّة مراحل إلى
أن وصلت لعام ١٩٦٣م.
لقد كان هذا البنك. بمساندة سلطة الانتداب الّتي ارتبطت بخدمة مصالحه، العقل المدبّر للاحتكارات في سوريّة، رغم كلّ مظاهر الاعتراض الرّسميّ، والشّعبيّ السّوريّين. وقد كان من أهمّ نتائج هذه المساندة ربط النّقد السّوريّ بالفرنك الفرنسيّ، وتقلّباته، وتزعّم البنك الاحتكارات الفرنسيّة الأقوى والّتي بلغت أكثر من ٢٢ بنك، وشركة سيطرت على عصب الحياة الاقتصاديّ السّوريّ، بسبب صلات السّلطة الانتدابيّة، والمؤسّسات الاستعماريّة، ومنها بنك سوريّة، ولبنان الكبير من جهّة، وبين القوى الّتي استمالتها فرنسا بوصفها ركيزة لها ضمن المجتمع من جهّة أخرى.
ورغم تعدّد الدّراسات الّتي وُضعت عن آثار ربط اللّيرة السّوريّة بالفرنك الفرنسيّ، والخسائر النّقديّة إلّا أنّ تحديد الخسارة ليس بالشّيء اليسير بسبب تواصل اضطراب النّقد، وتباينه. «اضطربت مقاييس حياة النّاس بحسب موقعهم في الإنتاج، والمال، والمجتمع، وبحسب خطّ الاضطراب نحو الصّعود، أو الهبوط، وبحسب الحال الّذي همّ عليه من الشّدّة، والسّرعة، أو الخفّة، والبطء».... ورغم اختلاف تقلّبات النّقد، وهبوطه، وبشكل خاصّ على فئات المجتمع، إلّا أنّ ضرره كان أكثر عمقًا على صغار الفلّاحين، وصغار الكسبة، والطّبقات الّتي هي في الأساس معدمة، ولكن حتّى الطّبقات الوسطى والّتي هي أقرب إلى الشّريحة الأعلى فقد تضرّرت أيضًا. عدا عن ذلك فقد تحمّلت «الزّراعة السّوريّة، والفلّاح بشكل خاصّ عبئًا فاق بمراحل ما تحمّلته القطاعات المنتجة الأخرى»... كما انعدمت العدالة في زمن الانتداب في توزيع العبء الضّريبيّ للضّرائب
بأنواعها بالنّسبة للقطاعات الزّراعيّة، والصّناعيّة، والتّجاريّة كافّة.
أيضًا كان في سوريّة إضافة إلى «بنك سوريّة ولبنان» مؤسّسات مصرفيّة أخرى استطاع الرّأسمال الماليّ الفرنسيّ عن طريقها، وعن طريق فروعها المحلّيّة الإسهام في السّيطرة على اقتصاد البلاد، وربطه بمصالح الاقتصاد الفرنسي، لأنّ سوريّة أصبحت سوقًا لتجارة فرنسا الخارجيّة، فمن خلال ارتباط العملة السّوريّة بالفرنك الفرنسيّ، وسيطرة المؤسّسات المصرفيّة، والاحتكارات الفرنسيّة تمكّنت من إيجاد مواقع مهمّة في القطاعات الاقتصاديّة السّوريّة كلّها.
كانت القروض الأجنبيّة إحدى أهمّ الوسائل الّتي تمكّنت من خلالها الدّول الأجنبيّة من التّغلغل الاستعماريّ في أراضي السّلطنة العثمانيّة. من خلال ضمانات سمحت لهم بالسّيطرة على أهم موارد السّلطة، ولكن بزوالها لم تمت هذه القروض، لأنّ أصحابها فرضوا ما تبقّى منها على الدّول الّتي كانت تحت سيطرة الحكم العثمانيّ، ومن ضمنها سوريّة. وعندما فرضت فرنسا انتدابها بالقوّة العسكريّة وضعت سلطة الاحتلال يدها على أهمّ وارداتها مثل الجمارك، بوصفها رهنًا لوفاء «الدّيون العموميّة»، وبموجب اتّفاق تمّ بين المفوّضيّة العليا، والسّلطات المحلّيّة في ١ آذار ١٩٢٣م، دفعت شركة الرّيجي «إدارة حصر التّبغ والتّنباك» إلى صندوق الدّين العام جزءًا من الأرباح العائدة للدّول السّورية وفقًا لنسب معيّنة، ممّا حرم الشّعب السّوري من أهمّ موارده، وبالتّالي حُرم من الخدمات الّتي كانت ستعود بالفائدة على الدّولة، والمجتمع. وفي معاهدة لوزان ١٩٢٣م بُحثت قضيّة الدّين العموميّ، وقرّرت أنّ «كلّ بلد انفصل عن الإمبراطوريّة العثمانيّة يتحمّل من الدّين العامّ نصيبًا يتعادل، ومقدار ما كان يسهم به في مدخول الإمبراطوريّة العام قبل الحرب»....
وفي ١٣ حزيران ١٩٢٨م «عقدت تركيا اتّفاقًا مع ممثّلي حملة الدّين العمومي نظّمت من خلاله نصيبها من الدّين، وبناء على هذا الاتّفاق تمكّنت كلُّ من سوريّة ولبنان عقد اتّفاق في كانون الثّاني ١٩٢٩م مع ممثّلي الدّين العام في باريس حُدّدَ باللّيرات التّركيّة الذّهبيّة المفروض سداده على سوريّة، ولبنان، وحتّى العام ١٩٣٤م، استمرّت الدّولتان تتحمّلان أعباء هذا الدّين الّذي كان الشّعب السّوري أحقًّا به».
كما سارعت فرنسا بعد فرض انتدابها إلى متابعة نشاطها الّذي بدأته قبل الحرب بمدّ الخطوط الحديديّة، والنّقل البريّ، والنّقل الجويّ، والمرافق. والّذي تضرّر كثيرًا أثناء الحرب، وبعدها، فالحرب ضربت الكثير من المنشآت، وكان لا بدّ من إصلاحها بالسّرعة الممكنة، وبعد الحرب حدّت الحكومة التّركيّة كثيرًا من نفوذ الرّأس المال الفرنسيّ فيها، وابتاعت العديد من مؤسّساته، وبدورها بريطانيا أجبرت الفرنسيّين على بيع الكثير من مصالحهم في فلسطين لصالح الرّأسمال البريطاني، لذلك فرض الرّأس مال الفرنسيّ قيودًا جديدة عمدت سلطة الانتداب إلى دعمه، وترسيخه من خلال توقيع اتّفاق لصالح شركة الخطوط الحديديّة في العام ١٩٢٥م مع حكّام دويلات سوريّة آنذاك، صدّقه المندوب السّامي. وبالاطّلاع على الفقرة السّادسة من المادّة السّابعة للاتّفاق الّتي تقضي «في حال عجز هذا الرّصيد، أي عندما تقع خسائر، تدفع الدّول المشمولة بالانتداب، المبلغ للشّركة خلال ٣٠ يومًا من تاريخ ظهور نتيجة الحساب، ولأجل ضمان تنفيذ هذا التّعهّد تخصّص الدّول نصيبها من واردات الجمارك الصّافية، بعد حسم ما يعود إلى الدّيون العامّة. وعلى التّوالي واردات الأعشاب، وفي حال إلغاء هذه الضّريبة الرّسوم الماليّة الّتي تخلفها».
وبذلك ضمنت الشّركة كلّ خسارة تحدث للخطوط الحديديّة، وحتّى للمؤسّسات المتفرّعة عنها. وردًّا على إجحاف الاتّفاق بحقّ السّوريّين رفعت الكتلة الوطنيّة مذكّرة
إلى وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. في ٥–٢– ١٩٢٥م تبيّن فيها أنّ «... هذه السّياسة الجمركيّة الّتي تبتلع من ثروة البلاد في كلّ سنة تسعة، أو عشرة ملايين من اللّيرات السّوريّة لنفقات الانتداب، والموظّفين الفرنسيّين، ومكافآت الشّركات الأجنبيّة ذات الامتياز. منها تسعمائة ليرة سوريّة لشركتيّ سكّة حديد حلب–دمشق وتفرّعاتها. وثمانين ألف ليرة سوريّة لشركة الفنادق الفرنسيّة، وإكراميات لشركتيّ سيّارات الشّرق الفرنسيّة»...ولم يقف تعسّف الشّركات هنا بل «كثيرًا ما كانت تجعل من نفسها الحاكم، والمنفّذ، وتكلّف المواطن عنتًا كبيرًا... فقد كانت الشّركة تفرض الغرامات على المواطنين الّذين يمرّون فوق خطوطها. وتحصل هذه الغرامات بمساعدة الشّرطة تحت طائلة الاعتقال»....
وممّا يُذكر عن الخطوط الحديديّة يُذكر عن النّقل البريّ، والجوّيّ، والبحريّ الّذي شهد السّياسة نفسها من الابتزاز - والتّسلّط. ومن المؤسّسات الفرنسيّة العاملة في سوريّة بالرّأس مال المالي الفرنسيّ الضّخم شركات الجرّ، والتّنوير، والريجة، والقطن والحرير، والبترول، إضافة إلى استثمارات أخرى كانت رمزًا للتّضامن القويّ بين سلطة الانتداب، وتلك الشّركات الاحتكاريّة؛ بل وكانت مثلًا حيًّا على عمالة بعض الأعيان، والوجهاء ممّن ادّعوا الوطنيّة لصالح الرّأس مال الأجنبيّ ضدّ مصالح أبناء شعبهم، ولصالح طغمة استعماريّة جشعة أفقرت الشّعب السّوريّ. وهناك العديد من المصادر، والمراجع الأجنبيّة الّتي تناولت هذه الشّركات الرّأسماليّة بدراسات وافية بيّنت من خلالها الآليّة الّتي كانت تتبعها هذه الشّركات، وبرعاية سلطة الانتداب، ومن يدور في فلكها حتّى تمكّنت من وضع يدها على معظم موارد سوريّة الّتي دُعمت بالسّيطرة العسكريّة، والوسائل السّياسيّة.
لم يكن الرّأسمال الاحتكاريّ الفرنسيّ هو الوحيد في سوريّة رغم سيطرته على الجزء الأكبر من الصّناعة، والنّقل، والتّجارة؛ بل كان للرّأس مال الإنجليزي، والألماني، والإيطالي، والعربي موقعا رغم ضآلته في البداية، لأنّه أخذ يزداد، ويتغلغل ليأخذ موقعه
المنشود مع الزّمن. وكانت بدايته في العام ١٩٣١م مع دخول شركة A.B.C. الموزّعة بين فرنسة، وبريطانيا، وأمريكا، ولكن إدارتها كانت بيد الرّأس مال البريطانيّ الخاضع للقوانين، والمصالح البريطانيّة. والمهمّ في أمر هذه الشّركة أنّها مثّلت بداية التّغلغل الأنجلو سكسوني بشكل جدّي في سوريّة، وبخاصّة البريطانيّ منه.
وكان لظروف الحرب العالميّة الثّانية، واحتلال الدّول الحليفة لسوريّة ولبنان الدّور الأهمّ في تغلغل هذه الرّساميل أمام تراجع الرّساميل الفرنسيّة. وفور أخذ الشّركة لامتيازها في العام ١٩٣١م، توجّهت إلى إقامة منشآتها في ١٩٣٢م، ومدّ الخطّ من حقول كركوك إلى طرابلس بسعة ١٢ عقدة وطول ٩٢٠ كيلومترًا يمرّ منها أربعمئة كيلو متر في الأراضي السّوريّة. ورغم الدّعاية الّتي روّجها دعاة الرّأس مال الأجنبي عن الفائدة الّتي سيجنيها السّوريّون جراء مدّ الخطّ من توظيف برواتب ضخمة، وفرص عمل للحرفيّين، وازدهار تجاريّ، وتطوّر صناعيّ، وإلى ما هنالك من آمالٍ منتظرة؛ إلّا أنّ السّلطات المحلّيّة كانت حجرة عثرة «أمام قانون العرض، والطّلب، ستسرع بالاستملاك، أو تهدّد به إذا لم يحصل التّفاهم السّريع بين الشّركة، والملّاكين على البيع بالتّراضيّ»، ونتيجة القول لم تكن شروط سياسة شركة ABC بأفضل من سياسة الشّركات الفرنسيّة من حيث قساوة شروط العمل، وقلّة الأجور، إضافة إلى أنّ الشّركة اعتمدت في سياستها على مفاهيم عرفيّة، فعلى سبيل المثال لا الحصر، كانت تخصّص للعمال ثلاث جنيهات إسترلينية شهريًّا كتعويض غداء، في حين خصّصت للموظّفين البريطانيّين وغيرهم ١٨ جنيهًا، أي ستّة أمثال العامل السّوري. وعدى عن الوجه الاقتصاديّ للشّركة فقد كان لها وجهٌ سياسيٌّ اهتمّ بالدّعاية السّياسيّة الاستعماريّة بشكل عامّ؛ وبالسّياسة البريطانيّة بوجه خاصّ وبشكل علنيّ.
أيضًا شهدت سوريّة نشاط رساميل تابعة لشركات توزيع البترول (خط حديد طرابلس – النّاقورة)، والشّركات احتكاريّة أخرى. كان لها نصيب ولكن بشكل متواضع أمام الرّساميل
الفرنسيّة الضّخمة. أمّا الرّأسمال العربيّ فيمكن القول إنّ سوريّة ولبنان عاشتا في ظلّ الانتداب الفرنسيّ وحدة اقتصاديّة تمّ إحاطتها “بأسيجة شديدة من الحواجز الجمركيّة مع العراق، وفلسطين، والأردن، ومصر، بشكل خاصّ، وأصبح، لهذا، تنقل الرّساميل بين المنطقتين الإنكليزيّة، والفرنسيّة خاضعة لقيود ثقيلة كثيرة، وقد كان للسّياسة الاقتصاديّة الاستعماريّة الّتي أنتهجتها فرنسة في سوريّة، ولبنان آثارها السّيّئة على نموّ الاقتصاد السّوريّ، فاضطرّت النّاس إلى الهجرة، واضطرّ كثير من الرّأسماليّين، والصّناعيّين إلى نقل رساميلهم، وحتى صناعاتهم إلى الأقطار المجاورة: كفلسطين، ومصر، والعراق” ولكن رغم ذلك فقد شهدت كلّ من سوريّة، ولبنان في مرحلة الانتداب نشاطًا ماليًّا، وعربيًّا مع بعض المساهمات الأجنبيّة تمثّل بتأسيس «بنك مصر وسوريّة ولبنان».
إنّ أهمّ ما يمكن ذكره في ما يتعلّق بالجانب الثّقافي حول بلاد الشّام بشكل عامّ، أنّ فرنسا ركّزت على عدم وجود «دولة أمّة» «وفقًا لإرادتها، فمثلًا تاريخ المنطقة في ظلّ السّلطنة العثمانيّة هو مجرّد حال فوضى - وهنا يلغى التّاريخ، ومعه أنثروبولوجيا، يتشكّل تصوّر متخيّل ماضٍ، وتصوّر مفترض، وبين هذا وذاك ترتسم أسطورة الفوضى». وما ذكر كان اعتماده على علم الاستشراقالغربيّ بشكل عامّ، وليس فقط الفرنسيّ...، وللتّدليل
على أهمّيّة هذا العلم، يكفي أن نورد ما ذكره ارفنج كريستول (Irving Kristol) (١٩٢٠–٢٠٠٩م) وهو أحد أهم منظّري اليمين الأمريكي في وول ستريت (Wall Street): «إنّ الأمم التّافهة كالأشخاص التّافهين حيث يمكنها أن تنتشي بأوهام الأهمّيّة.... لن أتحدّث عن الإمبرياليّة فهو عدا عن كونه مصطلحًا مطّاطيًّا فهو معلوك لدرجة أنّ هذه الكلمة أخرجت من سياقها، ووضعت ضمن قائمة الكلمات المكرورة في أيّ خطاب شوفيني جاهز، لأن يصرّح به من على المنابر لكنّني سأتحدّث عن القناع الّذي تستّرت خلفه الإمبرياليّة لعدّة قرون خلت؛ ألا وهو علم الاستشراق». وذلك العلم الّذي كان من أهمّ أدواته المدارس التّبشيريّة، والمؤسّسات الأجنبيّة الّتي انضوت تحت ما يسمّى المؤسّسات الخاصّة، والّتي شكّلت حاجزًا كبيرًا أمام التّعليم الرّسميّ الوطنيّ ممّا أمن ذلك لفرنسا الاختراق الثّقافيّ بالمجتمع السّوريّ.
مع فرض الانتداب، ضغط الأهالي على السّلطة لتحسين الوضع التّعليميّ كما أتى الضّغط من قبل عصبة الأمم بالمطالبة بتعميم حقّ التّعليم كونه حقًّا، ومطلبًا اجتماعيًّا، وسياسيًّا، ورغم تردّد السّلطة بدعم هذا القطاع إلّا أنّها اضطرّت إلى تأمين التّمويل اللّازم. وكانت نتيجة ذلك أن ارتفعت موازنة التّعليم العامّ، وتضاعف تقريبًا عدد المدارس فيها، وبالتّالي عدد الطّلاب، ورغم ذلك لم تفِ هذه المدارس بالغرض المطلوب. وفي واقع الأمر لم يكن اهتمام المفوضيّة كبيرًا بالسّياسة التّعليميّة، والثّقافيّة، ولم يكن ذلك هدفًا ترى أنّه من الواجب عليها تحقيقه، ولكن ذلك لم يمنع أن تكون هذه المدارس وسيلة مهمّة سبق، واستخدمتها لبسط نفوذها الاستعماريّ في المشرق، لتحقيق الفكرة الاستعماريّة
كما دعته بعض الأوساط، أو من أجل كما ذكر البعض نشر رسالة فرنسا في المشرق. «فرنسا المشرق» لذلك، ولرفد العمليّة التّعليميّة بما يتناسب مع سياسة سلطة الانتداب زادت من اهتمامها بالتّعليم الخاصّ، الّذي تتبع إليه المدارس التّبشيريّة في كلّ من دمشق، وحلب؛ والّتي انتسب إليها أبناء الضّبّاط، وكبار الإداريّين، والتّجّار، والحكّام، والوزراء، واهتمّت السّلطات باستقطاب أولاد المسلمين، وعدم الاكتفاء بالمسيحيّين فقط.
وقد تنازع في السّياسة التّعليميّة اتّجاهان: دعِي الأوّل «السّياسة الفرنسيّة الصّغيرة»، وتميّزت بتقرّبها لأبناء الأقلّيّات، ليشكّلوا بالنّسبة لها نقاط ارتكاز في منظومة سيطرتها، وهو الخطّ الّذي كان منطلق الوجود الثّقافيّ الفرنسيّ أيّام العثمانيّين، «أمّا الاتّجاه الثّاني فقد دعي بـ«السّياسة الفرنسيّة الكبيرة» في المشرق، وكان دعاته من العلمانيّين الّذين وجدوا أنّ على فرنسا الاعتماد على أبناء الأكثريّة المسلمة، ليشكّلوا رابطًا له فاعليّته في منظومة الانتداب، وكلا الاتّجاهين كان له من يدعمه في الإدارة؛ بخاصّة وإنّ السّلطة الانتدابيّة اعتمدت على شبكة من المدارس لكلا الاتّجاهين، لتدعيم سياستها الانتدابيّة. كما قدّمت المعونات للمدارس الخاصّة الكاثوليكية (اللّاتينيّة)، وأوّلها «المدرسة اللّعازاريّة». الّتي كان يتمّ من خلالها توزيع (منح دراسيّة)، وكانت ممثليّة المفوضيّة السّاميّة في دمشق المعنيّة بوضع قائمة المنح هذه «وخلافًا لما كانت عليه الحال في معاهد الآباء اليسوعيّين، كانت برامج التّدريس عند اللّعذاريين، تتمّ كلّها باللّغة الفرنسيّة، لم يكن ذلك يمثّل رفضًا منهم للّغة العربيّة، وحسب، بل تعدّاه إلى رفضها أيضًا بوصفها عنصرًا من العناصر المكوّنة للهويّة الوطنيّة؛ ولصالح قيمِ ما دعي بالحضارة الغربيّة». وما سبق ذكره دليل دامغ على دور اللّعازاريين في برنامج الانتداب الفرنسيّ الّذي كان يهدف إلى ترسيخ برنامج تعليميّ غايته الأولى تنشئة جيل بعيد عن لغته، وثقافته، وتراثه
مقابل ترسيخ ثقافة المستعمر بكلّ أبعادها.
وكان لسياسة التّعليم الفرنسيّة الصّادمة حول أسلوب الإلغائيّة لأيّ شعور وطنيّ أن قامت الصّحافة الدّمشقيّة بحملات احتجاج تناولت بالنّقد مناهج، وكتب التّدريس في المدارس التّبشيريّة. ولكن وعلى الرّغم من التّغيّرات الّتي حصلت خلال مرحلة الثّلاثينيّات من القرن العشرين، وما طرأ من تبدّل على طاقم موظّفيها؛ بقي الاعتقاد لدى سلطة الانتداب، ومرجعيّتها في باريس أنّ على السّياسة التّعليميّة لسلطة الانتداب، ومن خلال مدارسها التّبشيريّة المشاركة في «إعادته بعث» الاختبار المشرقيّ كما هو تصوّر فرنسا، وعندما اتّبعت المدارس التّبشيريّة سياسة (الاستيعاب) فقد اتّجه المعهد العربيّ. الفرنسيّ (اللاييك) التّابع للبعثة العلميَّةِ الفرنسيّة إلى اتّباع أسلوب (الشّراكة) مع الثّقافة العربيّة في سوريّة، غير أنّ أهدافه المعلنة لم تكن متطابقة مع أهداف المفوضيّة السّاميّة، والحكومة الفرنسيّة، حتّى إنّ إدموند بيجارد السكرتير العام للبعثة العلمانيّة الفرنسيّة وعضو لجنة حقوق الإنسان في فرنسا نشر في العام ١٩٢٥م مقالًا بعنوان: «هل نبقى في سوريّة؟» انتقد فيه سياسة الانتداب في التّعليم، وتجزئة البلاد.
وقد كانت معايير البرامج التّعليميّة لمعاهد البعثة في سوريّة، مطابقة لمعايير المدارس الفرنسيّة الرّسميّة، وكان العدد الأكبر من طلاب هذه المدارس من اليهود، والسّبب كما ذكرت بعض التّقارير ارتفاع أقساط هذه المدارس، والسّبب الأخر كان عقائديًّا لا يتناسب مع أتباع بعض الأديان، والمذاهب الأخرى، عدا عن أنّ أغلب الحائزين على الشّهادة الثّانويّة يفتقدون للمعرفة الّتي تلبّي احتياجات سوق العمل المحلّيّة؛ ولذلك يفضل لتلبية تلك الحاجات إنشاء مدارس مهنيّة.
لم تترك سلطة الانتداب أيّ مجال إلّا وحاولت التّغلغل فيه، والسّيطرة عليه، ومنها المؤسّسات المحلّيّة الّتي استقطبت النّخب العلميّة، والتّقنيّة الّتي سبق لها الدّراسة في مؤسّسات التّعليم الغربيّة الموجودة في المنطقة، أو في الجامعات، والمعاهد العلميّة في الدّول الغربيّة، ونستدلّ على ذلك من نشرة الاتّحاد الاقتصاديّ السّوريّ في العام ١٩٢٦م الّتي اعتمدت في ما أوردته على أهداف المعهد الفرنسيّ للمهندسين في بيروت الّتي تتمحور حول ضرورة إعداد كوادر محلّيّة مؤهّلة لتلبية متطلّبات الصّناعات الحديثة، ليكونوا مساعدين للمهندسين الفرنسيّين بإنشاء المشاريع، وإدارتها في سوريّة.
كان لوجود بعض المدارس المختلفة بانتماءاتها بين رسميّة، وبخاصّة أثر كبير فيما بين أبناء، وتلامذة، وطلاب الشّعب الواحد، وحتّى بين ذويهم، فقد أصبح لدينا ما يسمّى «بالاغتراب» فيما بينهم لأكثر من سبب، ولا مجال لمناقشتها الآن في هذه العجالة، ولكن المهمّ في الموضوع أنّ سلطة الانتداب تمكّنت من اختراق مؤسّسات التّعليم، ومن إعداد كوادر متعلّمة على مستوى عالٍ حليفة سياستها ليست أثناء الانتداب بل، وأيضًا، وبعده.
يذكر لونغريك أنّ «الانتداب الفرنسيّ الّذي منحته الدّول الحليفة الرّئيسية لفرنسا، وصدّقت عليه عصبة الأمم قبل ربع قرن في ذمّة التّاريخ بعد أن ترك دولتيّ سوريّة، ولبنان الفتيّتين لتواجها مقتضيات، وأخطار الاستقلال الُمفتقِد إلى الحماية»، ولكن من ينظر إلى النّتائج الّتي خلّفها الانتداب على سوريّة، وحتّى يومنا هذا استحالة أن يقول إنّه أصبح «في ذمّة التّاريخ» لأنّ آثاره بشكل عامّ ما تزال ماثلة أمام أعيننا حتّى الآن؛ بصفتها نتيجة للآليات الّتي اعتمدتها سلطة الانتداب من عسكريّة، وإداريّة، واقتصاديّة، وثقافيّة لترسيخ سلطتها الّتي كان على رأسها المفوّض السّامي للجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة ولبنان، والّذي تركّزت كلا السّلطتين العسكريّة، والمدنيّة في يده. فقسّم البلاد إلى مقاطعات إداريّة أسماها دولًا، ووضع لكلٍّ منها جهازا إداريًّا من السّوريّين إلى جانبهم موظّفين، ومستشارين، وضبّاط فرنسيّين، تركّزت السّلطة الفعليّة في أيديهم بشكل أصبحوا معهم قادرين على التّسرّب إلى كلّ المفاصل الفاعلة في المجتمع، وخلخلتها. ولم تكن تلك الآليّات الّتي اعتمدها الانتداب آليّة آنيّة التّأثير؛ بل استمرّت حتّى مرحلة ما بعد الانتداب، ولا نبالغ إذا قلنا حتّى يومنا هذا.
لقد كانت التّجزئة من أهمّ العوامل الّتي وقفت عائقًا في وجه تطوّر سوريّة الّتي جُزّئت إلى عدد من الدّويلات، وأُقيمت بينها الحواجز الجمركيّة، وفُصلت المراكز التّجاريّة عن منافذها الطّبيعيّة عن البحر، ممّا عرقل الحركة التّجاريّة، وشلّ قدراتها التّجاريّة، وأضعف من تطوّر القوى المنتجة الوطنيّة منها، حتّى وصلت في نهاية المطاف إلى التّبعيّة الاقتصاديّة، وحتّى السّياسيّة، والاجتماعيّة، لأنّ سلطة الانتداب كانت تعمل على تأمين عمليّة تجديد الإنتاج على الأرض الفرنسيّة، وليس من أجل تجديد الإنتاج الوطنيّ السّوريّ.
1.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال إلى الجلاء، القاهرة.
2.توبي، جاك، الإمبريالية الفرنسيّة والولايات العربيّة في السلطنة العثمانية (١٨٤٠-١٩١٤م)، تعريب: فارس غصوب، راجعه وقدم له: مسعود ضاهر، سلسلة تاريخ المشرق العربي الحديث ٦، ط١، الفارابي، بيروت، ١٩٩٠م.
3.الحصري، ساطع، يوم ميسلون، دار الأنماء، بيروت، ١٩٦٤م.
4.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ط٢، دار النهار، بيروت، ١٩٩٣م.
5.حمادة، سعيد، النظام النقدي المصرفي في سوريّة، المطبعة الأمريكية، بيروت، ١٩٣٥م.
6.خوري، فيليب، أعيان المدن القومية العربيّة، سياسة دمشق (١٨٦٠-١٩٢٠م)، ترجمة: عفيف الرزاز، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط١، بيروت، ١٩٩٣م.
7.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي - سياسة القومية العربيّة (١٩٢٠-١٩٤٥م)، ترجمة: مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ط، بيروت، ١٩٩٧م.
8.ديب، كمال، تاريخ سوريّة المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف ٢٠١١، ط٢، دار النهار، بيروت، ٢٠١٢م.
9.رونيفن، بيير، نور الدين حاطوم، تاريخ القرن العشرين، ط٢، دار الفكر المعاصر، دار الفكر، بيروت، دمشق، ١٩٨٠م.
10.السباعي، بدر الدين، أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريّة (١٨٥٠-١٩٥٨م)، دار الجماهير، دمشق، ١٩٦٨م.
11.سعيد، إدوارد، الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، ط٤، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ١٩٩٥م.
12.سعيدة، خلوفي وآخرون، الاستشراقية من مركزية الآخر، وملفوظات الأنا، لإعادة إنتاج الخطاب الإمبريالي الجديد. مؤتمر الدكتور محمد بن شنب والاستشراق، ٧-١٠ ديسمبر، منشورات مديرية الثقافة لولاية المدية، وزارة الثقافة، الجزائر، ٢٠١٤م.
13.الشاهر، شاهر إسماعيل، في تصنيف الأقاليم السياسيّة، المركز الديمقراطي العربي للدراسات الاستراتيجية والسياسيّة والاقتصاديّة، ٢٧ أب
. https://democraticac.de/?p=48667
14.شوكت، آصف، الثورة السوريّة (١٩١٨-١٩٢١م) في المنطقتين الساحليّة والشماليّة الغربيّة دراسة تحليليّة سياسيّة عسكريّة، ط١، الأوس للنشر، دمشق، ٢٠٠٢م.
15.الصالح، محمد علي، إدارة الاقتصاد السوري زمن الانتداب الفرنسي (١٩١٨-١٩٤٦م)، تأثيراتها فيما بعد الاستقلال، إصدار المعهد الفرنسي، دمشق، بيروت.
16.ضاهر، مسعود، تاريخ لبنان الاجتماعي (١٩١٤-١٩٢٦م)، ط١، دار الفارابي، بيروت، ١٩٧٤م.
17.العيساوي، شارل، التاريخ الاقتصادي للهلال الخصيب (١٨٠٠-١٩١٤م)، ترجمة: رؤوف عباس حامد، ط١، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ١٩٩٠م.
غزال، زهير، الاقتصاد السياسي لدمشق خلال القرن التاسع عشر - بنى تقليدية في عصر رأس 18.المال، ترجمة: الدكتورة ملكة الأبيض، منشورات الهيئة العامة السوريّة للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، ٢٠٠٨م.
19.قوطرش، خالد، التعليم في سوريّة، ترجمة نزار أباظة، ط١، دار الفكر، بيروت - دمشق.
20.كوثراني، وجيه، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين، ط٣، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، الدوحة، ٢٠١٣م.
21.الكيالي، عبد الرحمن، المراحل في الانتداب الفرنسي ونضالنا الوطني، مطبعة الضاد، حلب، ١٩٦٠م.
22.لوتسكي، فلاديمير، الحرب الوطنيّة التحررية في سوريّة (١٩٢٥-١٩٢٧م)، ترجمة: محمد دياب، قدم له: د. مسعود ضاهر، سلسلة تاريخ المشرق العريب الحديث - ١، ط١، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧م.
23.لونغريغ، هامسلي، تاريخ سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيير عقل، دار الحقيقة، بيروت، ١٩٥٨م.
24.المعلم، وليد، سوريّة (١٩١٦-١٩٤٦م) الطريق إلى الحرية، منشورات الهيئة العامة السوريّة للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، ٢٠١٦م.
25.النعماني، بسام عبد القادر، مائة عام على اتّفاقيّة سايكس-بيكو، قراءة في الخرائط، الأمانة العامة - مركز جامعة الدول العربيّة، بيروت - تونس، ٢٠١٧م.
26.André LATRON, La vie rurale en Syrie et au Liban, Imprimerie Catholique, Beyrouth, 1936.
27.George HAKIM, “Fiscal system”, in Said B. Himadeh (ed.), Economic organization of Syria.
28.Hann Batatu, Som observati on the social toots of saria! poLing military groupzan 30 The causes of its dom - nee Middle East Journal 35, n° Summer 1981.
29.Hayma ZEIFA, «Les élites techniques locales durant le Mandat français en Syrie (1920- 1945)», in Nadine Méouchy et Peter Sluglett (éd.), Les Mandats français et anglais dans une perspective comparative, Brill, Leiden, 2004.
30.LONGRIGG, S.H., Syria and Lebanon under French Mandate, London 1958 Oxford University.
31.Mohammed THOMة, Le rôle du crédit dans le développement économique de la Syrie depuis la première guerre mondiale jusqu’à nos jours, Université de Genève, Ediciones Catsilla, Madrid, 1953.
32.Randi DEGUILHEM, «Impérialisme, colonisation intellectuelle et politique culturelle de la Mission Laïque Française en Syrie sous Mandat», in Nadine MةOUCHY et Peter SLUGLETT (éd.), Les Mandats français et anglais dans une perspective comparative, Brill, Leiden, 2004.
33.Samir AMIN, La Nation Arabe, Les ةditions de Minuit, Paris, 1976.
(121)محمد محمَّد خيري
سعت فرنسا للسّيطرة على سوريّة بأشكال مختلفة، مرّةً تحت مسمّى الاحتلال العسكريّ المباشر، ومرّة أخرى تحت مسمّى الانتداب بتفويض من عصبة الأمم، ولكن السّياسة الاستعماريّة الّتي اتّبعتها فرنسا في سوريّة من قتل، وتدمير، ونهب، وإعدامات، واعتقالات، وتقسيم سوريّة إلى دويلات صغيرة متناحرة طائفيًّا، ومذهبيًّا، والسّيطرة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة أجّجت المشاعر الوطنيّة للسّوريّين ضدّها الّذين اعتادوا على العيش في وطن موحّد، وأخوّة حقيقيّة.
ضمّت سوريّة حتّى عام ١٩٤٦م جماعات دينيّة، وإثنيّة، ولغويّة متعدّدة، حيث بلغ عدد الجماعات المذهبيّة (١٦) طائفة، وبلغت نسبتهم من الأكثر إلى الأقل، فالسُنّة بلغ عددهم ٧٥% من مجموع السّكّان، ثمّ يأتي بعدهم العلويّون بنسبة ١٢-١٥%، ثمّ الرّوم الأرثوذكس بنسبة ٥%، ثمّ الدّروز ٣%، أمَّا باقيّة الطّوائف المسيحيّة من موارنة، وروم كاثوليك، وللاتين، وبروتستانت، وسريان بالإضافة إلى الإسماعيليّين في جبل السّلميّة إلى شرق جبال اللّاذقيّة، وأقلّيّة صغيرة من الشّيعة الإثني عشريّة، وعدد صغير من اليهود، وبلغ مجموع المسيحيّين في سوريّة بشكل عام بحدود ١٢%.
أمَّا بالنّسبة للتّوزعّ الإثني، فقد بلغ عدد الإثنيات ستًّا: عرب، وأكراد، وأرمن وتركمان،
وسريان، وشركس توزّعوا في أنحاء سوريّة، حيث تركّز الأكراد في شمال شرق البلاد، وبعض أحياء دمشق، وحلب، وشكّلوا ٨%، فيما شكّل الأرمن ٣%، وتركّزوا في حلب بينما شكّل السّريان، والتّركمان، والآشوريّين، والشّركس أقلّيّات صغرى، وأقاموا بالجولان.
تألّف البحث من خمسة محاور رئيسيّة هي: المحور الأوّل: مقدّمات الانتداب الفرنسيّ على سوريّة. والمحور الثّاني: دور المستشرقين الفرنسيّين في تقسيم سوريّة طائفيًّا، في حين عالج المحور الثّالث التّقسيم الفرنسيّ الطّائفيّ لسوريّة، والمحور الرّابع سياسة التّقسيم الفرنسيّة، وإنشاء الدّويلات على أساس طائفيّ، والمحور الأخير أثر التّقسيمات الإداريّة الطّائفيّة على المجتمع السّوري.
يعدُّ الاستشراق أوسع حركة علميّة شهدت أوروبا إبّان صعودها، وتوسُّعها الحضاريّ اهتمامًا بدارسةِ العالم الإسلاميّ بصورة خاصَّةٍ منَ النَّواحي التَّاريخيّة والدِّينيّة والاجتماعيّة، والاثنيّة، وقد تدعّمت تلك الحركة بصورة خاصَّة في ظلّ الهيمنة الاستعماريّة للعديد من الدُّول الأوروبيّة على العالم الإسلامي، وكانت من أهمِّ المجالات الَّتي استفادت منها تلك الدُّول لتوطيد نفوذها، وإنفاذ سياستها في الدُّول المستعمرة، وتجلَّى توظيفُ العلمُ الاستشراقيّ الفرنسيّ من أجلِ تحقيق فرنسا لأغراضها الاستعماريّة من خلال التَّركيز على علاقة الاستشراق بالسِّياسة الَّتي انتهجتها فرنسا لتقسيم سوريّة على أساس طائفيّ إلى دويلات مستقلَّة؛ وبذلك اندرج لفظة الاستشراق في قاموس الأكاديميّة الفرنسيّة منذ عام ١٩٣٨م.
ولا بدَّ من الإشارة إلى أنّ الكثير ممّن نسمِّيهم بالمستشرقين لم يكونوا علماء، أو أساتذة جامعات، بل كان بينهم الكثير من الجواسيس، والموظَّفين في وزارات الخارجيّة الدّول الأوروبيّة، ودوائر الاستخبارات، وكذلك كان رجال السّياسة في الغرب على صلة وثيقة بأساتذة كلّيّات اللُّغات الشَّرقيّة في أوروبا، كانوا يرجعون إلى آرائهم قبل أن يتَّخذوا
القرارات المهمَّة في الشّؤون السّياسيّة الخاصَّة بالعالم الإسلاميّ.
كانت باريس حتّى ما بعد النّصف الأوّل من القرن التّاسع عشر عاصمة الاستشراق، فقد أنشأت فرنسا معاهد كثيرة في البلاد الإسلاميّة الّتي احتلّتها، ومنها المعهد الفرنسيّ بدمشق أنشأته في عام ١٩٢٢م.
ولما كان السّياسيّون الفرنسيّون في أوائل القرن العشرين بصدد تجزئة سوريّة طائفيًّا إلى دويلات مستقلّة، فقد احتاج مشروعهم هذا إلى دراسة النّسيج الدّينيّ، والثّقافيّ لهذه المنطقة، وإلى نشر كلّ ما من شأنه إثارة النّزعات العرقيّة، أو الطّائفيّة بين المسلمين، وغير المسلمين، إضافةً إلى محاولتها نشر اللّغة الفرنسيّة، والثّقافة الفرنسيّة، وبالتّالي فرنسة الأقطار الواقعة تحت قبضتها، وساعدهم المستشرقون في تحقيق أهدافهم لتجزئة البلاد الإسلاميّة إلى دويلات مستقلّة يمكن أن تسيطر عليها فرنسا بسهولة، وذلك من خلال ما قدّموه من دراسات عليها، وبحوث دقيقة عن الخريطة الأثنيّة، والعرقيّة، والعقائديّة في المنطقة، وبما أبرزوه في تلك الدّراسات من العوامل الّتي يكن استغلالها لزرع بذور الفتنة، والشّقاق بين الفرق، والطّوائف المختلفة، وقد تمّت لها تلك السّيطرة بغطاء قانونيّ وفّره لها اتّفاق سان ريمو المنعقد بتاريخ ٢٠ نيسان ١٩٢٠م، الّذي بموجبه منح فرنسا حقّ الانتداب على سوريّة ولبنان، وقد تمّ تنظيم تسلسل جهاز الحكم الفرنسي على الشّكل الآتي:
أوّلًا: يمثّل فرنسا في سوريّة ولبنان مفوّض سامٍ تابع لوزارة الخارجيّة الفرنسيّة الوسيطة بينه وبين عصبة الأمم، ومقرّه بيروت.
ثانيًا: يساعده مكتب سياسيّ، ومكتب للدّراسات التّشريعيّة، ومكتب استشاري للأمور الماليّة، يضع الموازنات، ويراقبها، ومكتب الاستخبارات، ومكتب لتفتيش الجمارك، وآخر
للمصالح الصّحفيّة، ومكتب للقضايا الاقتصاديّة، والزّراعيّة، ومكتب للشّؤون الأثريّة، والدّراسات الاستشراقيّة، ومصالح للأمن العام، ومصالح للبريد، ومصالح للصّحّة.
وهذا يوضّح أنّ كلّ خيوط الحياة الاجتماعيّة، والثّقافيّة، والسّياسيّة، والاقتصاديّة كانت تتّصل بأصابع مكاتب المفوضيّة العليا الفرنسيّة، وغاية هذه المحاولات تحويل الطّائفة إلى قوميّة بحيث تكون هناك أمّة مارونيّة، وأمّة درزيّة، وأمّة علويّة، وكان لكلّ دولة حاكم مباشر هو مندوب المفوّض السّامي فيها، وكان مندوبا العلويّين، والدّروز يحملان اسم حاكم مدني.
وبعد أن تبيّن للجنرال الفرنسيّ غورو فشل سياسة التّجزئة، وإصرار أهل البلاد على وحدتها، قرَّر إنشاء اتّحاد بين الدّول السّورية الثّلاث: دولة حلب، ودولة دمشق، ودولة العلويّين؛ بزعم أنّ هذه الدّول متقاربة في مستواها الحضاريّ، وفي بناها الاجتماعيّة، والدّينيّة، وجميع هذه التّسميات كانت تتمّ وفق مشاورة مثقّفون، ومستشارون، هم في الواقع المستشرقون الفرنسيّون، فكان من نتائج هذا التّقسيم أنِ ارتفع عدد المستشارين الفرنسيّين، وكبار الموظّفين السّوريّين، والفرنسيّين إلى أربعة أمثال ما تتطلبه الدّولة السّورية موحّدة.
وهكذا كانت العلاقات بين المؤسّسات الاستعماريّة، والمؤسّسة الاستشراقيّة علاقة عضويّة، فقد كان الاستشراق بمنزلة الدّليل للاستعمار في ربوع العالم الإسلاميّ بفرض
السّيطرة الأوروبيّة عليه، وإخضاعه وإذلاله.
ومن المستشرقين الفرنسيّين السّاسة سُوفير (Henri Sauvaire) الّذي عيّنته حكومة فرنسا قنصلًا لها في سوريّة، وكليمان هوار (Clement Huart) فهو من المستشرقين الفرنسيّين الّذين ساعدوا فرنسا في المشاريع السّياسيّة، وذاع صيته في وزارة الخارجيّة، فانتدبته لممثّلها في مؤتمرات المستشرقين فمثّل حكومته في مؤتمري المستشرقين بالجزائر عام ١٩٠٥م، وفي كوبنهاجن ١٩٠٨م، فأبحاثه التّاريخيّة، والعقائديّة خدم الوزارة الخارجيّة الفرنسيّة خلال الانتداب الفرنسي على سوريّة ولبنان.
ومن الدّراسات الّتي قدّمها المستشرقون لوزارة الخارجيّة الفرنسيّة، وخلال سعيها لتحقيق أهدافها في سوريّة، قد دعت أتباعها كافّة إلى جمع المعلومات عن القبائل، والفرق، والمجموعات الفرقيّة، والدّينيّة المختلفة، وقد بدأت الدّراسات الفرنسيّة من التّقارير العامّة حول المناطق المختلفة في سوريّة، ووصلت بالتّدرّج إلى عقائد العلويّة، والدّروز، والإسماعيليّة، وكياناتهم الدّينيّة، وطبيعة الارتباط مع الشّيوخ، والخلافات القديمة بين القبائل، وقد وضّحت الوثائق الفرنسيّة بعض الجوانب بما تشتمل عليه من معلومات، وأنّ انتصار الاستعمار الفرنسيّ في مشاريع سيطرته، وتجزئته لبلاد الشّام لم يكن مجرّد انتصار آلة عسكريّة، بل كان هناك قاعدة علميّة للتّحرّك الدّبلوماسيّ، والعسكري من خلال وثائق هي أشبه بتقارير علميّة، ومعرفة عينيّة، وهذا يوضّح أنّ الاستشراق الفرنسي أدّى دورًا مهمًّا للحصول على هذه المعرفة، وقد ارتكزت المشاريع الإداريّة السّياسيّة الّتي حملتها المراسلات إلى حدّ كبير على التّقارير، والدّراسات السّوسيولوجيّة الوصيّة الّتي أعدها المستشرقون الفرنسيّون.
اشتملت وثائق وزارة الخارجيّة الفرنسيّة في الفترة ما بين (١٩١٨-١٩٢٩م) على أبحاث حول الشّيعة، والدّروز، والعلويّين، والقبائل العربيّة، والشّراكسة؛ هذه الوثائق الّتي
هي في الواقع بحوث فرق جمع المعلومات الفرنسيّة في المنطقة حيث كانت موجّهة بشكل كامل لخدمة أهداف المستعمرين الفرنسيّين، وقد سعوا عبر هذه البحوث لتمديد نقاط ضعف الطّوائف المختلفة، ومن ثمّ اختراقها من خلالها، والتّعرّف على مواضع القوّة فيها للعمل على توصيتها، وكلّ ذلك لتعزيز السّياسيّة الفرنسيّة في المنطقة.
وفي ١٨ تشرين الأوّل ١٩٢١م أرسل الجنرال غورو إلى رئيس مجلس الوزراء رسالة يضمنها دراسة حول جبل الدّروز صادرة عن قسم الاستخبارات في المفوضيّة العليا، «حيث يعتبر أنّ هذه الدّراسة تضع الأساس الموقف الفرنسيّ المناسب من أحد مظاهر المسألة السّوريّة الأقل شهرة، ألا وهو النّزعة الإقليميّة الذّاتيّة لدى بعض التّجمّعات الأثنيّة، والدّينيّة، والدّراسة تتحدّث عن الدّروز، وعقائدهم، وتنظيمهم الاجتماعيّ، وتنطلق من اختلافهم عن المسلمين لتقترح حلًّا لهذا المظهر من مظاهر المسألة السّوريّة، وهو تأمين الاستقلال الإداري السّياسيّ لهذه الطّائفة من جبل الدّروز إثر انتفاضتهم الأولى عام ١٩٢٠م».
وكان الرّئيس الفرنسي ميلران (Alexandre Millerand) (١٩٢٠-١٩٢٤م)، والجنرال غورو أوّل من أطلق مشاريع البحث في سوريّة، ورسم هيكلتها، وقدّم الكولونيل نيجر (Nieger) في جمعيّة الجغرافيا محاضرة تحدّث فيها عن العلويّة، والإسماعيليّة، والتّنظيم الإداري في البلاد، وعن أسباب انتفاضة العلويّين عام ١٩٢٠م (ثورة الشّيخ صالح العلي في السّاحل السّوري)، والوضع الاقتصاديّ في المنطقة.
ومن الدّراسات الاستشراقيّة الّتي قام بها الخبراء الفرنسيُّون في سعيهم لفهم التّركيب الاجتماعيّ لسوريّة دراسة وضعها المهندس أتشارد (Achard) عن القبائل البدويّة في سوريّة، وقد ارتكز في دراسته على المعلومات الّتي جمعها قسم الاستخبارات السّياسيّة، والعسكريّة في المفوضيّة العليا، والّتي ساعدت بدورها على اعتماد صيغ معيّنة في
التّعامل الفرنسيّ مع القبائل البدويّة، ونجد تقريرًا مهمًا لأحد الدّبلوماسيّين الفرنسيّين يطرح جملة من الأفكار الخطيرة حول منهج تجزئة سوريّة، ويقول صاحب هذا التّقرير: «لقد استبعدت إمكانيّة أن تحكم أسرة عربيّة في سوريّة موحّدة، ويبدو أن لا خطر من نترك لمختلف التّجمّعات القوميّة الاثنيّة أن تشكّل بنفس، أو بمساعدتنا إطار استقلالها الوطنيّة».
وفي ١٦ آب ١٩٢٠م أرسل الرّئيس ميلران إلى المفوض السّامي الفرنسي في سوريّة برقيّة طويلة بعنوان: «مخطّط لتنظيم الانتداب الفرنسيّ في سوريّة»؛ يقول: «يمكن أن نتصوّر منذ الآن ثماني مجموعات مستقلّة هي من الشّمال إلى الجنوب (سنجق الإسكندرون، مستلحقة حلب، مجموعة النّصيريّة، مستلحقة حمص، مستلحقة طرابلس، مستلحقة دمشق، وحوران، وتتضمّن هذه الأخيرة مجموعتين: الدّروز والمسلمين»، ويرى ميلران أنّ تنظيم هذه المجموعات يختلف باختلاف أوجه عديدة، ناتجة بالنّسبة للبعض عن الموقع الجغرافيّ، وبالنّسبة للبعض الآخر عن تمركز المصالح، وبالنّسبة لآخرين عن كونهم تجمّعًا دينيًّا متماسكًا، ويستعرض ميلران بشيء من التّفصيل الخطوط العامّة لتنظيم هذه المجموعات؛ فيقول بالنّسبة لسنجق اسكندرون: «ينقسم سكّانه على أساس الدّين، والتّابعيّة القوميّة، بحيث نجد أتراكًا، وأكرادًا، وجركسًا، وعربًا علويّين، وأرمن أيضًا، ولذلك نمثّل فيه كما هو للبنان هيئة تمثّل مختلف المجموعات الطّائفيّة».
ويؤكّد ميلران بالنّسبة للعلويّين المقيمين في المنطقة السّاحليّة الجبليّة، والّذين يتكلّمون جميعًا اللّغة العربيّة، ماذا يؤكد؟ فيشكّلون جماعة دينيّة مرتبطة نظريًّا بالإسلام، ولكنّها في الواقع منفصلة عنه تمامًا، ويجب ألّا تندمج بالمسلمين، وقد كان ميلران يهدف من ذلك إلى التّفرقة الدّينيّة، إذ كانت منطقة العلويّين جزءًا من المناطق السّنيّة، إلّا أنّها أعلنت استقلالها عام ١٩٢٠م إثر نشاطات الفرنسيّين، واعتُرِف رسميًّا بحكومة العلويّين.
زار المستشرق الفرنسي هنري لامنس (Henry Lamens) منطقة العلويّين، وكتب مقالًا عن دولة العلويّين، وهو يمدح الاستعمار الفرنسي، ويشيد بإنجازاته الاقتصاديّة، والزّراعيّة، والعمرانيّة في منطقة العلويّين، ومن ناحيّة أخرى يهاجم الحكم التّركي، ويصفه بأنّه كان يسعى لتذليل العلويّين، وعقابهم، كما يهاجم الإسماعيليّين، ويصفهم بالحشّاشين، وهو الاسم الّذي كان الصّليبيّون يطلقونه على رجال الإسماعيليّين، فيقول: «أصبحت تلك الدّولة (العلويّين) بفضل الحكم الفرنسيّ أرض اختبار تستفيد منه بلدان الشّرق الأدنى عامّة، ولبنان خاصّة»، ثمّ يمجّد حكومة الاحتلال الفرنسي، وهذا يبرز بوضوح أنّه يدافع عن الاحتلال الفرنسيّ في المناطق السّوريّة، ويمدح عمليّة التّجزئة إلى دويلات مستقلّة تحت الاحتلال الفرنسيّ، ويجدر بالذّكر أنّ أعمال لامنس، وكتاباته، وآراءه تمثّل الأعماق الحقيقيّة، والأهداف البعيدة المدى لحركة الاستشراق، كما تمثّل التّطوّرات المرحليّة الّتي تدخل على هذه الحركة لتساير أهداف الاستعمار الأوروبّيّ في هذه المرحلة، أو تلك من مراحله، وفي ظروف تقضي طبيعة التّحرّك الاستعماريّ.
ويصف هاشم عثمان محاولات الضّبّاط الفرنسيّين في جمع الوثائق العلويّة، ومساعدة المستشرقين في بحوثهم الاستشراقيّة بقوله: «جاء أحد أولئك الضّبّاط إلى إحدى القرى ذات يوم، يريد الحصول على بعض ما يودّه من مواد يضمّها إلى مؤلّف يعدّه في تاريخ العلويّين، وديانتهم، وكان ثمّة البطل العربيّ الكبير الشّيخ صالح العلي، فلمّا سأل الرّجل أسئلة مدّ الشّيخ يده بكتاب الله، وهو يقول: «إذا أردت تاريخ العلويّين فهذا تاريخهم، وإذا شئت دينهم فهذا دينهم»....
يمكن القول أنَّ المستشرقين أدُّوا دورًا مهمًّا في التَّمهيد، والتّوسيع للتّوسُّعِ الاستعماريّ، ولتوطيد سيطرة الغرب على الشَّرق، وإنّ اهتمامهم بتراث الشَّرق، ولغّاته كان مبعثه، ونقطة انطلاقه الغرض الدّينيّ بشكلٍ رئيس؛ للوصول لاستعمار البلاد، واستعباد العباد.
تعدّدت العناصر الطّائفيّة في سوريّة بنحو عشرين طائفة، إلّا أنّ المسلمين شكّلوا الأغلبيّة السّاحقة بنسبة ثلاثة أرباع السّكّان، كما وُجدت جميع المذاهب فيها، ورغم هذه التّعدّديّة إلّا أنّ هذه الفئات لم تشهد فتن، وصراعات فيما بينها باستثناء فتنة لبنان عام ١٨٦٠م أيّام الحكم العثماني. بالإضافة لذلك فقد وُجدت بعض المناطق يسكنها طوائف محدّدة كالدّروز في جبل الدّروز جنوب دمشق، وفي لبنان، والعلويّين في جبال اللّاذقيّة، بالإضافة للآشوريّين، واليزيديّين، والكلدان، والسّريان في الجزيرة السّورية، أمَّا الاسماعيليون فقد تركزوا في مصياف، والقدموس، والخوابي، ووجد القليل منهم في حماة، وبينما الأكراد فكانت أراضيهم على الحدود الشّماليّة السّوريّة التّركيّة حتّى أنّهم امتدّوا إلى كثير من المناطق السّوريّة الدّاخليّة.
بظلّ هذه الفئات الطّائفيّة سنّت الدّولة العثمانيّة قانون الولايات عام ١٨٤٦م بهدف سيطرتها على الولايات العربيّة، وكان القانون منقولًا عن النّظم الإداريّة الفرنسيّة، ووفق هذا القانون انقسمت بلاد الشّام إداريًّا إلى أربع ولايات: حلب، وطرابلس، ودمشق، وصيدا؛ ثمّ حُلت ولاية طرابلس، وضمّت لولاية صيدا، وأصبحت بيروت مركزها، وبعد ذلك حُلت ولاية صيدا، وضمت إلى ولاية دمشق، وأطلق عليها اسم ولاية سوريّة، وفي عام ١٨٨٨م تمّ توحيد المنطقة السّاحليّة الممتدّة من طرابلس حتّى عكّا باسم ولاية بيروت، وفي نهايّة القرن التّاسع عشر كانت هناك ثلاث ولايات هي: حلب، ودمشق، وبيروت، بالإضافة لمتصرفيات جبل لبنان، والقدس، ودير الزور.
كان هذا التّقسيم يهدف إلى تحقيق أهداف سياسيّة واجتماعيّة، نظرًا إلى أهمّيّة منطقة
بلاد الشّام بالنّسبة للدّولة العثمانيّة، وإنّ تنوّع الطّوائف فيها جعلها ساحة مثاليّة لتدخّل الدّول الغربيّة، خاصّة مع توسّع نظام الامتيازات الّذي ظهر في السّلطنة حين منح السّلطان العثماني سليمان القانوني ممثّلي حكومة البندقيّة الحقّ بالنّظر في دعاوي البندقيّين المقيمين في السّلطنة، وكذلك وقّع مع الفرنسيّين معاهدة تسمح للرّعايا الأجانب بالتّرافع في القنصليّة المنتسبين إليها، وهذا ما استغله الأوروبيّين فيما بعد، ووسّعوه ليصبح الأجنبيّ خارج نطاق أيّ ملاحقة قانونيّة، أو إداريّة، وقد ضمّوا معهم الوجهاء، والأثرياء خاصةً من أبناء الطّوائف الدّينيّة، وبهذا الشّكل كانت الدّولة العثمانيّة حاميّة للسّنّة فقط، بينما فرنسا كانت حاميّة للمسيحيّين الكاثوليك، وروسيا حاميّة للأرثوذكس، أمَّا بريطانيا فكانت حاميّة للبروتستانت، وهذا ما أدّى إلى فتح باب تأزّم العلاقات بين الطّوائف الدّينيّة، وكان من نتيجته تفجّر الأحداث الطّائفيّة عام ١٨٤٠م، و١٨٦٠م، وهو ما سمح بتدخّل أكبر للدّول الأوروبيّة تحت حجّة حماية الأقلّيّات، الأمر الّذي شجّع على إنشاء كيانات سياسيّة ذات طبيعة طائفيّة؛ لذلك فقد كانت السّياسة العثمانيّة تركّز على منطقة بلاد الشّام، وتلحظ التّموضعات الأثنيّة، والمذهبيّة فيها، وتضمن سيطرتها عليها، وجعل بعضها تتبع بعضًا، لترتبط ببعضها سياسيًّا، وإداريًّا، واقتصاديًّا، ممّا يساعد على بقاء ولاء السّكّان للدّولة العثمانيّة، ولذلك كانت التّنظيمات العثمانيّة هدفها توحيد جميع رعايا الدّولة من خلال خلق انتماء جديد مشترك هو الانتماء العثماني؛ عن طريق إلغاء كلّ أشكال التّمييز، وعلى المستويات المختلفة، ومحو الاختلافات بموجب القانون بين المسلمين، وغيرهم، على اعتبار أنّ قضيّة الأقلّيّات أصبحت في القرن التّاسع عشر أهمّ قضيّة لدى الدّولة العثمانيّة، الّتي أرادت الحدّ من ضغوط الدّول الغربيّة عليها.
كانت فرنسا ترى أنّ سوريّة ستكون تعويضًا مناسبًا لها مقابل ما قدّمته من تضحيات في الشّرق خلال الحرب العالميّة الأولى، ورغم أنّ العلم العربيّ رُفع في دمشق في ٢٧ أيلول عام ١٩١٨م، إلّا أنّ فرنسا لم يعجبها ذلك، وأعلنت احتلالها للسّاحل السّوري، وساندتها بريطانيا، وبموجب اتّفاقيّة سايكس بيكو عام ٢٠١٦م، كانت سوريّة من نصيب فرنسا، فدخلت القوّات الفرنسيّة دمشق في ٢٤ تموز عام ١٩٢٠م بعد ملحمة ميسلون.
كانت سياسة فرنسة قائمة على مبدأ «فرّق تسد»، متّبعة من خلالها سياسة طائفيّة عُزِّزت من خلال دور الجماعات الدّينيّة، والأثنيّة، وبعد إقرار الانتداب الفرنسيّ على سوريّة عملت فرنسا على تقسيم البلاد على أساس مذهبيّ طائفيّ وفق الآتي:
دولة بأغلبيّة سنيّة عاصمتها دمشق تمتدّ لتشمل حمص شمالًا، وحوران جنوبًا، باستثناء قضاء مصياف الّذي ألحق بدولة العلويّين، وقضاء عجلون الّذي أُلحق بمنطقة شرقيّ الأردن.
دولة بأغلبيّة سنيّة عاصمتها حلب، وتشمل دير الزّور، والاسكندرون.
دولة للعلويّين في السّاحل السّوريّ، تضمّ اللّاذقيّة، وقسم من طرابلس.
دولة درزيّة في الجنوب السّوريّ.
أمَّا في شمال شرق سوريّة بمنطقة الجزيرة الّتي تواجدت فيها الطّوائف الكرديّة، والمسيحيّة، والآشوريّة، فقد أبقتها فرنسا تحت حكمها المباشر، وهذا لا يعني أنّها لم تشجّع النّوازع العرقيّة، والقبليّة، والانفصاليّة فيها، فقد تمّ فصل الحسكة، والرّقّة عن دير الزّور فيما بعد.
عملت فرنسا على إبقاء منطقة الجزيرة الممتدّة من شمال شرق سوريّة، والّتي يوجد فيها تجمّعات دينيّة، وعرقيّة منها (الكرديّة، والآشوريّة، والمسيحيّة، وطوائف أخرى)
تحت حكمها المباشر، وقد أطلق على هذه المنطقة اسم الجزيرة الفراتيّة، وقد تضمّن هذا المصطلح على ثلاث محافظات تعرف بالمحافظات الشّرقيّة وهي: (دير الزّور، الرّقّة، الحسكة)، وهي منطقة ذات أهمّيّة كبرى من النّواحي الاستراتيجيّة، والجيوسياسيّة، حيث تتركّز فيها الثّروات الباطنيّة، والموارد المائيّة، والسّهول الزّراعيّة، وقد بات مصطلح الجزيرة مرتبطًا ارتباطًا أكبر بمحافظة الحسكة، والّتي تشكّلت إداريًّا بعد فصل أجزاء إداريّة من لواء دير الزّور، وتشكيل لواء باسم الجزيرة عام ١٩٣١م قبل أن تتحوّل إلى محافظة حملت اسم الجزيرة عام ١٩٣٩م.
ركّزت فرنسا على فكرة إنشاء دولة بدويّة، وفي عام ١٩٢٢م وُضعت القبائل البدويّة تحت السّلطة العسكريّة لقوّة الباديّة الفرنسيّة، وفي عام ١٩٢٣م بادرت الحكومة الفرنسيّة لإلغاء بعض التّشكيلات العشائريّة المكلّفة بحماية الطّرق مثل: (جيش الشّيخ مشعل رئيس قبائل شمر بدير الزّور) الّذي فشل في حماية الطّريق بين دير الزّور، والموصل، إلّا أنّ مع وصول (هنري دي جوفنيل) عام ١٩٢٥م إلى منصب المفوّض السّامي في سوريّة، ولبنان تبدّلت السّياسة الفرنسيّة، حيث حاول الضّبّاط المسؤولون عن البدو في إقناع موظّفي المفوضيّة في دمشق، وبيروت بأنّ إقامة دولة بدويّة مستقلّة قضائيًّا، وسياسيًّا سوف يسهّل عمليّة السّيطرة على القبائل، وقد لاقت هذه الفكرة دعمًا من قادة قبليّين، ومن أبناء العشائر، وقد تركّز المطلب الأساس على ألّا تخضع للسّلطات المركزيّة السّوريّة، وكلّ ماله علاقة في مسائل النّزاعات، والضّرائب، وقضايا الملكيّة؛ والجرائم ينبغي أن تخضع إلى قانون العشائر الّذي وضعه الموظّفون الفرنسيّون وفقًا لأعراف قبليّة، إلّا أنّ جوفنيل رفض هذه المطالب لكي لا يثير سخط القوميّين، ويلاحظ أنّ حذر أصحاب القرار الفرنسيّين، ورفض مشروع الدّولة البدويّة ارتبط بالخوف من النّتائج فيما
بعد لا سيّما بعد الصّدمة الّتي أحدثتها الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، ويُستنتج أنّ فرنسا قصدت في إبقاء المناطق الّتي تنتشر فيها العشائر البدويّة بعيدة عن المدن الكبرى مستغلّة بذلك مسألة الخلاف بين البدو، وسكّان المدينة.
كانت فرنسا ترى أنّ دولة العلويّين، ودولة الدّروز لا تصلحان لتشكيل دولة بالشّكل المتعارف عليه دوليًّا؛ ولذلك فقد فرضت على دولة العلويّين، ودولة دمشق، ودولة حلب تشكيل أتّحاد فيدرالي عام ١٩٢٢م، إلّا أنّه لم يدم هذا الاتّحاد طويلًا، وتمّ جمع دولتيّ دمشق، وحلب في دولة واحدة باسم «دولة سوريّة»، وتُركت دولة العلويّين، ودولة الدّروز مستقلّتان، وكان ذلك عام ١٩٢٤م، وفي عام ١٩٢٥م أقيمت دولة سوريّة، والّتي تألّفت من اندماج دولتيّ حلب، ودمشق، والاسكندرون، وحماة، ودير الزّور، وحوران، وبلغت مساحتها ١٢٢,٠٠٠ كم.
كان الجنرال غورو، منطلقًا من اجتهاداته الشّخصيّة، ومعتقداته السّياسيّة، والدّينيّة، على حدّ سواء، إلى ابتكار نظام إداريّ للمناطق المدارة، انطلاقًا من إيمانه بأنّ أصحاب البلد ليسوا أهلًا بعد لإدارة أمورهم بأنفسهم، وجاء على رأس هذا النّظام منصب المفوّض السّامي للجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة ولبنان، الّذي مُنح الكلمة الأولى، والأخيرة للحلّ، والرّبط في الشّؤون المدنيّة، والعسكريّة للبلدين تحت الانتداب، وبعد أن قسّم البلاد إلى مقاطعات إداريّة أسماها دولًا؛ وجعل على رأس كلّ منها حاكمًا، كممثّل للمفوّض السّامي المقيم في بيروت، وإذا صدف، وكان الحاكم من أصول محلّيّة، أتحفه المفوّض السّامي بطاقم من الضّبّاط الفرنسيّين الّذين تركّزت السّلطة الفعليّة بين أيديهم، وهكذا بات يشاهَد طوال فترة الانتداب الفرنسيّ في كلّ منصب، أو موقع من الهرم الإداري موظفٌ محليّ، ورديفه المستشار الفرنسيّ الّذي كانت السّلطة الفعليّة بيده؛ ممّا كان له أسوأ الأثر، وأكثرها
سلبيّة على إعداد جهاز إداري كفء يكون جاهزًا عندما تنال البلاد استقلالها.
لقد كانت نيّة الجنرال غورو الأساس تأسيس اتّحاد يشمل كلّ مناطق الانتداب الفرنسيّ، بما في ذلك لبنان، ولكن موارنة لبنان رفضوا الانضمام، ويعتبر الاتّحاد الصّيغة الفيدراليّة الوحيدة الّتي تمّت في تاريخ سوريّة الحديث، وقد استحدثها غورو تحت ضغط المعارضين السّوريّين المعروفين باسم «الوطنيّين» بعد أن كانت قد صدرت مراسيم التّقسيم عن غورو نفسه عام ١٩٢٠م، وبعد سقوط المملكة العربيّة السّوريّة، ورغم أنّ الاتّحاد الفيدرالي بين دمشق، وحلب، وجبل العلويّين قد لاقى استحسان السّوريّين، إلّا أنّه لم «يعتبر كافيًا» بحسب رأي المؤرّخ يوسف الحكيم، لا من حيث الصّيغة، ولا من حيث النّطاق؛ بعد أن استدعي غورو إلى فرنسا، وعيّن الجنرال ماكسيم فيغان، بدلًا منه، وحلّ الاتّحاد السّوريّ في الخامس من كانون الأوّل ١٩٢٤م على أن تخلفه الدّولة السّوريّة المركزيّة بين دمشق وحلب.
أصدر الجنرال غورو عام ١٩٢٠م عدّة قرارات مهمّة منها؛ قرار بتاريخ ٣ آب ١٩٢٠م قضى بفصل أرضيّة حاصبيا، وراشيا، والمعلّقة، والبقاع، وبعلبك عن ولاية دمشق وضمها إلى لبنان فيما يتعلّق بنظامها الإداري، وقرار بتاريخ ٣٠ آب ١٩٢٠م نصّ على إعادة لبنان إلى حدوده الطّبيعيّة، وتشكيل دولة لبنان الكبير، وفي ٢٠ تشرين الأوّل عام ١٩٢١م عقدت فرنسا اتّفاقيّة فراكلين بوبون مع أنقرة، والّتي تخلّت فيه فرنسا عن كيليكيّة بالإضافة إلى قسم كبير من الأراضي التّابعة تاريخيًّا لسوريّة، وقضت الاتّفاقيّة على ضمّ لواءين وأحد عشر قضاء من ولاية حلب إلى تركيا، كما قضت بإنشاء نظام إداريّ خاصّ بمنطقة لواء اسكندرون على أن يتمتّع أهالي المنطقة الأتراك بكلّ التّسهيلات اللّازمة لتطوير ثقافتها، وأن يكون للغّة التّركيّة فيها صفة رسميّة كما تحتوي الاتّفاقيّة على بنود تخصّ
الجزء الّذي يمرّ من سوريّة من سكّة حديد بغداد، وتتقاسم مياه نهر قويق الّذي يمرّ من حلب، ويعدّ رافدًا مهمًّا لريّ الأراضي في ريف حلب، وكان لتلك الاتّفاقيّة دورٌ كبير، وأثر بليغ في دفع قسم من سكان كيليكا من الأرمن المسيحيّين إلى الهجرة من بلادهم حيث اتّجه البعض منهم نحو مدينة حلب، بينما استقرّ الكثير منهم في لبنان، وبعد مفاوضات بين كلٍّ من فرنسا، وتركيا تمّ التّوصّل إلى اتّفاق قامت بتبنّي عصبة الأمم، والّذي يقضي بتحويل لواء اسكندرون إلى منطقة منزوعة السّلاح خاضعة لنظام أساسٍ خاصّ، ومنحه الحكم الذّاتي مع إقامة صلة مع سوريّة في المسائل الّتي تخصّ الجمارك، والعملة، والشّؤون الخارجيّة، وكان ذلك في كانون الثّاني ١٩٣٧م ثمّ مكّنت فرنسا تركيا، وقامت بتقديم الدّعم لها من أجل فرض نفوذ تركيا على منطقة لواء اسكندرون، ومن ثمّ ضمّه رسميًّا ١٩٣٩م.
تتلخّص سياسة فرنسا في إدارة البلاد، بأنّها قسّمت ديار الشّام منذ عام ١٩٢٠م، إلى مناطق نفوذ مختلفة تحت مظلّة الانتداب، ثمّ مزّقوا البلاد إربًا إلى دويلات، واصطنعوا الحدود، والحواجز الجمركيّة الّتي تعيق المرور الحرّ للبضائع، والنّاس، وفي الفترة الّتي تلت الحرب العالميّة الأولى، قامت فرنسا بتقسيم سوريّة إلى عدّة دويلات، وذلك في إطار الانتداب الفرنسيّ على سوريّة، ولبنان، الّذي أقرّته عصبة الأمم، وكان الهدف من هذا التّقسيم تعزيز السّيطرة الفرنسيّة على المنطقة، ومنع أيّ محاولة للوحدة الّتي قد تهدّد مصالحها، وقد تمّ تنفيذ هذا التّقسيم لإضعاف أيّ حركة قوميّة تسعى لاستقلال سوريّة، ووحدتها، وكذلك لإدارة التّنوّع الطّائفيّ، والعرقي في المنطقة بطريقة تضمن السّيطرة الفرنسيّة على الأوضاع بشكل عامّ، ونتيجة لهذا التّقسيم نشأت دولة لبنان الكبير، ودولة حلب، ودولة دمشق، ودولة العلويّين، ودولة الدّروز.
كان جبل لبنان، المستقل إداريًّا حتّى نهايّة الحرب العالميّة الأولى ١٩١٨م، ومقرّه الرّئيس شتاءً في بعبدا وصيفًا في بيت الدّين، مؤلّفًا من سبعة أقضية هي: الكورة، والبترون وكسروان، والمتن، والشّوف، وجزين، وزحلة، وفي عام ١٩٢٠م تلقّى وزير الدّاخليّة السّوريّة برقيّة من قائم مقام بعلبك تتضمّن أنّ الجنرال غورو زار بعلبك، وأعلن ضمّ كلّ من الاقضيّة الأربعة حاصبيا، وراشيا، وبعلبك، والبقاع إلى دولة لبنان الكبير، وأمر بإنزال علم الثّورة العربيّة الكبرى عن دار الحكومة ورفع العلم اللّبنانيّ محلّه.
وفي ٣١ آب ١٩٢٠م، صدر القرار من القائد العام لجيش الشّرق، المفوّض السّاميّ للجمهوريّة الفرنسيّة، الجنرال غورو، بإعلان لبنان الكبير محدّدًا على الوجه الآتي: ينشأ تحت اسم لبنان الكبير قطر يحتوي على: مقاطعة لبنان الإداريّة الحاليّة، وأقضيّة بعلبك، والبقاع، وراشيا، وحاصبيا، كما جاء في القرار الصّادر في ٣ آب تحت رقم ٢٢٩، وتقسيم ولاية بيروت إلى: سنجاق (لواء) صيدا، عدا الجزء الّذي مُنح لفلسطين بموجب الاتفاقيّات الدّوليّة، وسنجاق بيروت، وقسم من سنجاق طرابلس يشمل قضاء عكار حتّى جنوبيّ النّهر الكبير، وقضاء طرابلس مع مديريتي الضّنَّية، والمنية، وجزء من قضاء حصن الأكراد، ويوضع هذا القرار موضع التّنفيذ اعتبارًا من أوّل أيلول ١٩٢٠م.
كان الصّراع الطّائفيّ السّياسيّ الباعث على الانقسام الوطنيّ في لبنان، وبعد إعلان دولة لبنان الكبير ألَّف الجنرال غورو ما كان يسمّى بالمنطقة الإداريّة والمحليّة، ثمّ قسموا لبنان إلى أربع متصرفات وهي: متصرّفيّة جبل لبنان ومركزها بعبدا، ومتصرّفيّة لبنان الشّماليّ، ومركزها زغرتا، ومتصرفيّة لبنان الجنوبيّ، ومركزها صيدا، ومتصرّفيّة البقاع،
ومركزها زحلة، إضافة إلى مدينة بيروت، وطرابلس، وأصدر قرار عيَّن بموجبه ضابطًا بحريًّا فرنسيًّا حاكمًا لدولة لبنان الكبير، كما أُضيف مجلس تمثيليّ من ١٥ عضوًا إلى السّلطة المركزيّة يمثّل الطّوائف اللّبنانيّة، وعيَّنه المفوض السّامي الّذي تعيّنه الخارجيّة الفرنسيّة، وعلى الرّغم من فصل لبنان عن سوريّة في أوّل أيلول عام ١٩٢٠م، غير أنّ اللّبنانيّين، والسّوريّين الوحدويّون استمرّوا في مطالبهم، وعملهم لوحدة البلاد السّوريّة، وكانت تقدّم في كلّ مرّة، وباستمرار للمندوب السّاميّ الفرنسيّ مذكّرات تطالب فيها بإعادة وحدة سوريّة ولبنان، فيما كان بعض سكّانها الّتي رعتها سلطة الانتداب الفرنسي غير مبالين بفكرة الوحدة؛ لأنّ مفهوم لبنان الكبير في نظر مؤسّسيه، وفي نظر عدد كبير من دعاته كيانًا نصرانيًّا، ولضمان أمنه، واستقراره لا بدّ من تحالفه مع فرنسا.
أعلنت الجمهوريّة اللّبنانيّة في ٢٣ آيار ١٩٢٦م، وبموجب الدّستور الجديد أصبح للبنان مجلسان: مجلس الشّيوخ اللّبناني، ومجلس النّواب اللّبنانيّ. وقد دعي المجلسان لانتخاب رئيس للجمهوريّة اللّبنانيّة الجديدة في ٢٦ آيار ١٩٢٦م، وفاز بالرّئاسة شارل دباس، وبإعلان الجمهوريّة يكون الفرنسيّون قد انهوا حكمهم المباشر للبنان، وفي عام ١٩٣٢م، علّق المفوّض السّامي الدّستور اللّبناني، وحلّ مجلس النّواب اللّبنانيّ، والوزارة اللّبنانيّة، وعيّن شارل دباس رئيسًا للدّولة لأجل غير مسمّى يساعده في إدارتها مجلس مديرين، وظلّ دباس على رأس الدّولة حتّى عام ١٩٣٣م، وبعدها عيّن الفرنسيون حبيب باشا السّعد رئيسًا جديدًا للجمهوريّة اللّبنانيّة لمدّة سنة، ثمّ جدّد له سنة أخرى.
عقدت فرنسا مع لبنان معاهدة ١٩٣٦م، على نمط المعاهدة الّتي وقّعتها فرنسا مع سوريّة في العام نفسه، والّتي عرفت بمعاهدة التّحالف بين فرنسا، وسوريّة، وجاءت المعاهدة بناء على مطالبة بعض الطّوائف اللّبنانيّة مساواة بلادهم بسوريّة، وقد تجاوبت فرنسا مع تلك المطالب، بخاصةً وأنّها ظلّت تقف ضدّ اللّبنانيّين الّذين طالبوها بقبول
إعادة ضمّ لبنان إلى سوريّة.
حدث تعديل جديد على قانون الانتخاب اللّبناني ١٩٣٧م، وأصبح بموجبه ثلثا أعضاء المجلس ينتخبون على أساس طائفيّ، والثّلث الباقي يعيّن تعيينًا، وهو أمر رفضه اللّبنانيّون، وقاطعو الانتخابات، ولم ينضمّ إلى مجلس النّيابي إلّا عدد قليل من النّوّاب انشغلوا بالخصومات الدّاخليّة، والطّائفيّة، وفي العام نفسه أصدر المندوب السّاميّ قرار يقضي بأن تصبح مدّة رئاسة الجمهوريّة ستّ سنوات، ولفترة واحدة، ويمكن انتخاب رئيس الجمهوريّة ثانية بعد مرور ستّ سنوات على تركه الرّئاسة أوّل مرة، وعلى الرّغم من توقيع معاهدة ١٩٣٦م، والّتي نصّت على أن تكون كلّ السّلطات الفعليّة بيد اللّبنانيّين، إلّا أنّ الحكم الفعليّ بقي بيد المفوّضين السّاميّين، والمستشارين الفرنسيّين الّذين عيّنتهم فرنسا في كلّ الإدارات الحكوميّة اللّبنانيّة.
وفي ٢٢ تشرين الثّاني ١٩٤٣م، استقلّ لبنان عن فرنسا، وتمّ الاعتراف به في الأوّل من شباط ١٩٤٤م، وانسحبت القوّات الفرنسيّة في عام ١٩٤٦م معلنة انتهاء الانتداب على لبنان.
بعد دخول القوّات الفرنسيّة دمشق غادرها الأمير فيصل في يوم ٢٨ تموز ١٩٢٠م، فقام الجيش الفرنسي باحتلال الثّكنات، وفرض السّيطرة العسكريّة عليها فأعلن الجنرال غورو عن قيام دولة دمشق، وبذلك أصبحت مدينة دمشق عاصمة دولة سمّيت بإسمها، وهكذا بدأت الإدارة الفرنسيّة بتصريف شؤون البلاد، وأصدرت قرارًا في شهر تشرين الثّاني عام ١٩٢٠م، حدّد فيه حدود دمشق على الوجه الآتي: دمشق، وأقضيتها السّابقة ماعدا الأقضية الأربعة (بعلبك، البقاع، وحاصبا، وراشيا الّتي تمّ إلحاقها لدولة لبنان الكبير)، وألوية حماة وحمص، وحوران باستثناء قضاء مصياف الّذي فصل عن حماة تمّ إلحاقه بأراضي اللّاذقيّة، وقضاء عجلون الّذي بدوره فصل عن حوران، وتمّ إلحاقه أيضًا
بمنطقة شرقيّ الأردن، وإنّ أوّل عمل قام به الفرنسيّين بعد احتلالهم مدينة دمشق حلَّ الجيش الوطنيّ، وسلب عدّة أسلحة، وذخائر، وما يمكن قوله بأنّ التّنظيم الإداري الجديد لدولة دمشق في فترة الانتداب الفرنسيّ، كانت ضربة كبيرة لسكّانها، إذ أصبحت مجرّد عاصمة لولاية صغيرة لا تضمّ حتّى ما كانت تضمّه ولاية دمشق القديمة.
لقد تمّ الإعلان عن دولة حلب في ٨ أيلول ١٩٢٠م، بقرار من المفوّض السّامي الّذي نصّ على فصل ولاية حلب على سوريّة، وإنشاء دولة مستقلّة باسمها، وبعدما تمكّن الجيش الفرنسي من دخولها في ٢٣ تموز ١٩٢٠م، عين المفوّض السّامي حاكمًا على دولة حلب «كامل باشا القدسي»، من كبار أعيانها، كما عيّن بناء على اقتراح الحاكم مديري مصالح الحكومة من ذوي الكفاءة من أبنائها، يعاونهم مستشارون فنّيّون فرنسيّون، وعلى الرّغم من الاحتجاجات الّتي قام بها السّوريّون، إلّا أنّ الإدارة الفرنسيّة أعلنت فصل حلب عن دمشق إداريًّا، وإنشاء حكومة مستقلّة فيها، وما يلاحظ في تلك الفترة أنّ الأمور الإداريّة في حلب تسير بشكل حسن، ولعلّ ذلك يعود بالدّرجة الأولى إلى حاكم الدّولة، والمدراء الّذين هم من كبار وجهاء حلب؛ في حين اقتصرت مهمّة المستشارين الفرنسيّين على إبداء الرّأي فقط في الشّؤون العمليّة، والفنّيّة مع استمرار الإدارة الفرنسيّة في عملها لحفظ الأمن، والاستقرار، والنّظام؛ وعلى الرّغم من ذلك فقد ظهرت ردود فعل من سكّان حلب اتّجاه الإدارة الفرنسيّة الاستعماريّة.
كانت هذه البلاد في العهد العثماني تعرف بلواء اللّاذقيّة التّابع لولاية بيروت، وألحق به ثلاثة أقضيّة هي: جبلة، المرقب، صهيون، وعندما بدا الحلفاء مفاوضاتهم السّرّيّة حول اقتسام ممتلكات الدّولة العثمانيّة؛ أصبحت منطقة اللّاذقيّة ضمن المنطقة المخصّصة
للفرنسيّين، وقد أطلقت الإدارة الفرنسيّة عليها تسميّة بلاد العلويّين لكونهم يمثّلون أكثريّة سكانها، ولم تكتف بهذا فحسب بل ضمّت كلًّا من بيروت، ولبنان، وطرابلس، والبقاع الّتي عُرفت قديمًا بسوريّة المنخفضة، وعلى ما يبدو أنّ الفرنسيّين اتّخذوا من تلك التّسميّة ذريعة لتحقيق أهدافهم، وادّعوا أنّهم عملوا هكذا من أجل المحافظة على حقوق تلك الطّائفة الّتي اضطهدت خلال الحكم العثماني، ولتصدر الحكومة في ٣١ تشرين الأوّل ١٩٢٠م، قرارها عن طريق مفوّضها السّامي غورو أعلنت فيه انفصال مقاطعة اللّاذقيّة عن دمشق، وأنشات دائرة إداريّة فيها، وبذلك القرار أنشأ الفرنسيّون مقاطعة جبال اللّاذقيّة، وعاصمتها اللّاذقيّة، والّتي تشكّلت من حدودها التّالية:
- سنجق اللّاذقيّة الحالي ماعدا قضاء جسر الشّعور الشّغور، ومديريات بوجاك، وباهر، وقضاء اللّاذقيّة، ومديريّة الكسيبة، وقضاء صهيون.
- سنجق طرابلس ماعدا البقاع الّتي ألحقت بلبنان الكبير في آب ١٩٢٠م.
- قضاء مصياف (عمرانيّة) الّذي ألحق بسنجق اللّاذقيّة في أب ١٩٢٠م.
وبهذه الطّريقة تمكّن الفرنسيّون من إدارة المنطقة إدارة مباشرة من دون أن يكون لأهل اللّاذقيّة أيّ دور فيها، فكانت في كلّ مرّة تصدر قرارًا تغيّر أسس تلك المقاطعة، ففي عام ١٩٢٠م عرفت ببلاد العلويّين، ثمّ أقدمت على تغييره في عام ١٩٢٢م إلى دولة العلويّين منفصلة عن الجمهوريّة السّوريّة، وفي عام ١٩٢٤م غيّرت اسمها إلى حكومة اللّاذقيّة، وحدّدت تقسيماتها الإداريّة لتلك الحكومة، وتبعًا لتلك الإجراءات الّتي قامت بها الإدارة الفرنسيّة كان للسّوريّين ردود أفعال.
ويستنتج ممّا سبق؛ أنّ هدف تشكيل هذا الكيان هو استغلال التّباينات الطّائفيّة لتعزيز السّيطرة الفرنسيّة، وتقليل خطر المقاومة الموحّدة ضدّ الانتداب الفرنسيّ.
عبارة عن قطعة جرداء تحيط بها سهول خصبة واسعة ذات أشجار، وأنهار، يطلق عليها أحيانًا جبل حوران، أو جبل العرب، وبلغ عدد سكّانها الدّروز سبعين ألفًا، ويوجد بينهم أقليّة مسيحيّة، وبعض العشائر البدويّة الّتي تدين بالإسلام، وقد كان جبل العرب محتلًّا من قبل الدّولة العثمانيّة، ومن النّاحيّة الإداريّة قُسّمت إلى قضاءين هما: السّويداء، وصلخد المرتبطين إداريًّا بلواء حوران أحد ألويّة دمشق، ثمّ أصبحت في العهد الفيصليّ لواءً مستقلًا كغيره من الألويّة الأخرى بالحكومة السّورية مباشرةً، لأنّ الفرنسيّين في فترة حكم الأمير فيصل استطاعوا كسب ودّ شيوخ الدّروز، ولكن بعد احتلال البلاد السّورية، وقيام الإدارة الفرنسيّة بتجزئة البلاد إلى دويلات، جرت بين الفرنسيّين، وبعض شيوخ الجبل مباحثات لغرض إنشاء نظام إداريّ خاصّ بالدّروز، وتحقّق لهم ذلك في عام ١٩٢٢م، ليُعلن أنّه دولة مستقلّة إداريًّا تحت الحماية الفرنسيّة، «كما أنّ دروز دولة سوريّة لم يكن لديهم أيّ منصب نيابيّ، ولا وزاريّ في عهد الانتداب الفرنسيّ، بل كان مشايخهم، ووجهائهم واسطة بينهم، وبين المسؤولين».
قامت الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م بقيادة سلطان باشا الأطرش، وحصل صدام بين الفرنسيّين، والثّوّار، وقد اشتعلت الثّورة في المدن الرّئيسة، وجنوب البلاد في الأعوام (١٩٢٥-١٩٢٧م)، واستطاعت الثّورة أن تضيف بعدًا وطنيًّا، الأمر الّذي خلق روحًا وطنيّة جامعة لكلّ السّوريّين، وعلى الرّغم من أنّ فرنسا تمكّنت عام ١٩٢٧م من قمع الثّورة إلّا أنّ هذا ولد شعور لدى سكّان المدن السّوريّة بضرورة وحدة المشرق (سوريّة، ولبنان، وفلسطين، وشرقيّ الأردن) إلى وحدة عربيّة أوسع، ويلاحظ أنّ الثّورة السّوريّة الكبرى حقّقت أهدافها، ولم تفشل، وذلك من خلال إجبار فرنسا على التّحوّل من حال الصّدام
إلى التّفاوض حول وضع دستور لسوريّة، والعمل على إلغاء الانتداب، وضرب المشروع الفرنسيّ الّذي هدف إلى تجزئة سوريّة.
لكلّ سبب نتائج فهناك نتائج سلبيّة، وبالوقت نفسه هناك نتائج إيجابيّة، وبالتّالي فإنّ تقسيم الدّولة الواحدة لعدّة أقسام يسهّل على الدّولة إدارتها، وتوزيع الخدمات بالشّكل الأمثل، كما يجعل الدّولة إدارة أراضيها، وشؤون شعوبها الإداريّة في تاريخ سوريّة الحديث كانت تتمّ وفقًا لمصالح السّلطات الحاكمة، سواء كانت السّلطة العثمانيّة الّتي قسّمت سوريّة إلى ايلات وسناجق، أم سلطة الانتداب الفرنسيّ الّتي قسّمت البلاد طائفيًّا؛ والّذي كان له آثار سيّئة على التّماسك المجتمعيّ، فنشبت المشاحنات المناطقيّة، والطّائفيّة؛ كما اشتدّت الفتن، والاعتداءات بين الطّوائف، وسكّان المناطق المختلفة لأسباب عديدة على رأسها انعدام الأمن، وقلّة الموارد، وممّا زاده أكثر عمقًا الانقسام الطّائفيّ الّذي جعله الفرنسيّون أساسًا للتّقسيم الإداريّ، مثلًا عندما أرادت فرنسا إغراء الدّروز في الحكم الذّاتيّ في الجبل، والمنطقة العشائريّة الّتي تكثر فيها الزّعامات، وموضوع الحكم الذّاتيّ يُكسبها سلطة سياسيّة إلى جانب السّلطة الاجتماعيّة، كلّ ذلك ترك أثرًا في الذّاكرة السّوريّة، وندوبًا اجتماعيّة خطيرة.
إنّ اصدار فرنسا لقانون الطّوائف، وتحديد حقوق كلّ طائفة على حدى، كان يُعد تدخّلًا في الشّؤون الدّينيّة، والمذهبيّة في سوريّة لتحقيق بعض الغايات أبرزها دعم موقف المسيحيّين أمام الأكثريّة من المسلمين، وكانت قضيّة الطّوائف مهمّة بالنّسبة لفرنسا،
انطلاقًا من اعتقادهم أنّ سوريّة بلد مختلف الدّيانات، والقوميّات، إذ تشير الوثائق الفرنسيّة إلى استخدام كلمات كثيرة للتّعبير عن ذلك مثل: (أديان، ومذاهب، وأعراف، وأجناس، وعناصر)، فضلًا عن الاهتمام الكبير لهذا الموضوع في الصّحافة الفرنسيّة، وعلى سبيل المثال مقال لجريدة: (Le Temps) في ١٤ آذار ١٩٣٦م، أي في اليوم التّالي لإصدار القانون، تقول فيه: «إنّ فرنسا حاميّة الأقلّيّات في الشّرق منذ القرن التّاسع عشر، ولذلك عُهد إليها بمهمّة الوصايّة على سوريّة لتوصلها إلى الاستقلال ضمن إطار عصبة الأمم، وفي الواقع فإنّ المفوّضين السّامين الّذين تعاقبوا على الحكم منذ عام ١٩١٩م حتّى ١٩٣٦م، قد جعلوا هذه الغاية نصب أعينهم، ويجب أن يكون استقلال سوريّة عن طريق معاهدة مع فرنسا، وكانت فرنسا مستعدّة للاعتراف باستقلال سوريّة، ولكنّها تريد في الوقت نفسه ضمان حقوق الأقلّيّات الّتي وصلت في ظلّ الانتداب إلى حال مساوية لحال الجماعات الممتازة، ففرنسا كانت ترى نفسها أنّها منذ بضع مئات من السّنين حامية الأقلّيّات المسيحيّة في الشّرق، وهي لا تستطيع اليوم التّخلّي عن هذه الأقلّيّات مهما كّلف الأمر، فإذا كان السّوريّون على استعداد للمحافظة على حقوق هذه الأقلّيّات، فيبقى أن يتمّ نقل البلاد من طور الانتداب إلى طور التّعاقد».
وفي الوقت نفسه وجَّه مندوب صحيفة باريس سوار (Paris soir) إلى رئيس الوفد السّوري «هاشم الآتاسي» سؤالًا عن قضيّة الأقلّيّات المذهبيّة، وتمسّك الأكثريّة بالوحدة السّوريّة، وضم هذه الأقلّيّات إلى الدّولة السّوريّة، إلّا أنّ الأتاسي أكّد أن سوريّة بلدًا واحدًا، وأمّة واحدة تجمعها التّقاليد، واللّغة، والأمانيّ المشتركة، والواقع كانت قضيّة الأقلّيّات في مقدّمة المسائل الجوهريّة الّتي وضعت على بساط البحث، إذ أكّد الوفد السوري إنّه لا أقلّيّة، ولا أكثريّة في سوريّة بل الكلّ سوريون، وأنّ الحكومة السّوريّة مستعدّة أن تنصّ في الدّستور السّوري على ضمان حقوق الأقلّيّات، فكان الرّدّ الفرنسيّ أن لا بدّ من إعطاء ضمانات وافيّة للأقلّيّات، ومن جهّة أخرى كانت هذه الأقلّيّات تدرك،
وتشعر أنّ اتّفاقها مع الأكثريّة هي الوسيلة لتوطيد الأمن، والسّلام، وأنّ سياسة فرنسا في بذر الشّقاق، والتّفرقة سياسة فاشلة، كما أنّ مفهوم الأقلّيّات هو مفهوم واسع يشمل كلّ فئة قليلة العدد، إلّا أنّ فرنسا كانت تستخدمه بحسب الحاجة الاستعماريّة.
لقد شكّلت قضيّة الأقلّيّات في سوريّة عقبة أساسًا في طريق المفاوضات السّوريّة الفرنسيّة لعقد معاهدة الاستقلال عام ١٩٣٦م، إذ يرى الفرنسيّون أنّ هذه الاقلّيّات المختلفة تشكّل مجموعة مهمّة في بعض المدن الكبرى مثل حلب، وفي بعض المناطق من شمال سوريّة مثل جبل الأكراد، وجرابلس، والجزيرة، وهناك تتشابك قضيّة الأقلّيّات في ضوء المفهوم الفرنسيّ بين الفئات العرقيّة، وفيها العربيّ، وغير العربيّ، والفئات الدّينيّة، ومنها المسلم، والمسيحيّ.
كانت الحكومة الفرنسيّة تتذرّع بأنّها تعمل على حماية الأقلّيّات تطبيقًا لمبادئ عصبة الأمم، ولجنة الانتدابات فيها، وأعتقد أنّ مطالبات الفرنسيّين بحقوق الأقلّيّات السّوريّة لا مبرّر لها، لأنّ الدّستور السّوريّ المنظّم لعام ١٩٢٨م، قد كفل للطّوائف حقوقهم جميعًا، وذلك ما نصّت عليها ثلاثة مواد هي: (٦، ٢٨، ٣٧)، والّتي جعلت السّوريّين سواء أمام القانون، ومتساوين بالحقوق المدنيّة، والسّياسيّة فيما عليهم من الوجبات، والتّكاليف العامّة، ولا تمييز بينهم من ناحيّة العرق، أو اللّغة، أو الدّين، أو المذهب، وأنّ حقوق الأقلّيّات محفوظة، ولها حقّ إنشاء المدارس لتعليم أبنائهم بلغّاتها، وأنّ تمثّل الأقلّيّات الدّينيّة في المجلس النّيابي، وأنّ الوطنيّين السّوريّين أنفسهم أكّدوا في بياناتهم، وخططهم رعايّة حقوق الأقلّيّات، وأنّهم يحترمون الدّستور.
كان التّقسيم الفرنسي للبلاد تقسيمًا طائفيًّا واضحًا، يحاول ترسيخ الطّائفيّة في البلاد، وجعلها حقيقة ثابتة ليس فقط من خلال التّقسيمات الإداريّة بل من خلال القوانين المختلفة كقانون الطّوائف الّذي أصدره المندوب السّامي بتاريخ ٣١ آذار عام ١٩٣٦م، والّذي قام بتعديله عام ١٩٣٨م، وقام بتحديد الطّوائف المعترف فيها في سوريّة، وعددها
١٦ طائفة وهي: البطريركيّة المارونيّة، البطريركيّة الأرثوذكسيّة، البطريركيّة الكاثوليكيّة الملكيّة، البطريركيّة الأرمنيّة الغريغوريّة، البطريركيّة الأرمنيّة الكاثوليكيّة، البطريركيّة السّورية الأرثوذكسيّة، البطريركيّة الآشوريّة الكلدانيّة (النسطوريّة)، الكنيسة اللّاتينيّة، الطّائفة السّنّيّة، الطّائفة الشّيعيّة (الجعفريّة)، الطّائفة العلويّة، الطّائفة الإسماعيليّة، الطّائفة الدّرزيّة، كنيس حلب، كنيس دمشق، كنيس بيروت، وكان الغاية من هذا الاعتراف إعطاء النّظام الشّخصيّ لكلّ طائفة منها قوّة القانون، ووضعه، وتطبيقه تحت حماية القانون، ومراقبة السّلطة العامّة، ولكن وجد القانون مقاومة شديدة من الجمعيّات الدّينيّة السّوريّة، ممّا اضطرّ المفوّض السّامي للتّراجع عنه فيما بعد.
لقد بعث الفرنسيّون العصابات لتعبث في لبنان، وسوريّة فسادًا فنشرت الدّعايّة الطّائفيّة لتثير روح التّعصّب، والتّباغض بين السّكّان الآمنين، ونتيجة لذلك وقعت المذابح والفتن، ممّا جعل فرنسا تتّخذ ذلك حجّة لوجودها، ففي طرابلس الشّام الّتي ضمّ أكثريّة مسلمة كان الجنود المتطوّعة الفرنسيّة تشتم العرب، وكلّ من آزر الحركة العربيّة، وفي طرطوس شجّع الفرنسيّون بعض النّصارى على أخذ جامع قديم، وتحويله إلى كنيسة، فهاج المسلمون لولا إغلاق الجامع، ومنع الطّائفتين من دخوله، وفي بيروت حرّضت فرنسا سكّان حيّ الجميزة، وهم نصارى على سكّان حيّ البسطة وهم مسلمون، فأخذ النّصارى يشتمون المسلمين يوم العيد، فقامت الصّحف الفرنسيّة بنشر مقالات شديدة اللّهجة تطعن في الوحدة العربيّة، وتخوّف الرّأي العامّ النّصرانيّ من الاتّحاد العربي، وتطالب بوطن قومي مسيحيّ تحت الحماية الفرنسيّة، حتّى تحميهم من المسلمين كما تزعم فرنسا.
كان وضع الطّبقات الاجتماعيّة في سوريّة في ظلّ الانتداب الفرنسي كما كان عليه في
السّابق، مع تغيير طفيف، فقد قسموا السّكّان على حسب حالهم إلى أصحاب الأراضي، والتّجّار، والأغنياء، وطبقًا لانتمائهم الطّائفيّ المذهبيّ، وبقي هذا التّقسيم راسخًا حتّى اضطرّت فرنسا لتوقيع معاهدة ١٩٣٦م، وهي معاهدة استقلال سوريّة، وإلغاء التّقسيمات الّتي فرضتها فرنسا من أجل تغذية النّزعات الطّائفيّة، حيث تضمن تلك المعاهدة نقل الحقوق، والواجبات النّاشئة إلى الحكومة السّوريّة وحدها، وتضمن ما عقدته فرنسا باسم سوريّة مع العراق، وفلسطين، وتركيا، وبهذا دخلت كلّ من اتّفاقيّة اوشي لوزان، واتّفاقيّة أنقرة الأولى الّتي تتعلّق باسكندرونة بهذا الاتّفاق، وأصبح واجب على السّوريّين الاعتراف بها، والقبول بها، وأمَّا فيما يخصّ انفصال لبنان عن سوريّة فقد تمّ التّوقيع على اتّفاقيّة بين فرنسا، ولبنان تشبه الاتّفاقيّة السّورية ١٩٣٦م، وكان في ذلك إعلان لبنان الكبير، وتنازل سوريّة عن حاصبيا، وراشيا، والبقاع، وبعلبك الّتي كانت تتبع لولاية دمشق، وألحقتها فرنسا بلبنان، وثمّ تمّ التّنازل الفعليّ عن تلك الاقضية عام ١٩٤٤م بعد اندلاع ثورة بشامون في لبنان.
لقد نصّت بنود المعاهدة الموقّعة في ٩ أيلول ١٩٣٦م، بين فرنسا، وسوريّة على أسس من الحريّة التّامّة، والسّيادة، والاستقلال، وقد ذكر نصّ المعاهدة أسميّ الحكومتين الجمهوريّتين الفرنسيّة، والسّورية ممّا يوحي بالمساواة، والاستقلال، والسّيادة، وقد أكّدت وزارة الخارجيّة الفرنسيّة ذلك برسالة في ٢٧ تشرين الأول ١٩٣٦م، إلى سفاراتها في ٤٤ دولة في العالم رأيها في (المعاهدة الصّداقة والتّحالف) مع سوريّة بقولها: «إنّ المعاهدة تتميّز بجعل سوريّة عمليًّا في مصاف دولة مستقلّة، كما أنّها ترفع انتداب فرنسا منها، والمسؤوليّات الّتي تحملها، وتنهي جوهريًّا مهمّة التّوجيه، والاستشارة الموكلة إليها، وتحدّد العلاقات المستقبليّة بين فرنسا وسوريّة»، ويبدو أنّ الفرنسيّين يدركون تمامًا أنّ الوطنيّين السّوريّين لم يكونوا راضين عن معاهدة لا تحقّق السّيادة التّامّة للسّوريّين على
أراضيهم، وهذا يؤكّد استمرار فرنسا بسياستها الطّائفيّة في سوريّة تحت ذريعة حماية الأقلّيّات، ولعلّ رئيس الوفد الفرنسيّ في المفاوضات فينو كان صريحًا حين قال: «إنّ المعاهدة تسمح لنا اليوم كالأمس، بتأمين حماية الأقلّيّات إذا استشعرت الحاجة لذلك، وأن تدخّلنا سيكون بفاعليّة أكثر من مجرّد تشجيع معطى لمجموعة الأقلّيّات، أو إلى زعمائهم لرفض وضعهم تحت تنظيمات الشّرعيّة في الدّولة الوطنيّة الجديدة»، ويضيف فينو قائلًا: «إنّ الأقلّيّات المسيحيّة في سوريّة يقدَّرون بـ(١٩٠٠٠٠ ألف نسمة)، وهم سيكونون قلقين من الوطنيّة العربيّة»، وكان النّصّ المتعلّق بضمان حقوق الأقلّيّات في المعاهدة، هو روح المراسلة رقم (٧) الملحقة بالمعاهدة، والّتي تؤكّد التزام الحكومة السّورية في المراسلة باحترام حقوق الأقلّيّات، وكان التزامها اتّجاه الحكومة الفرنسيّة، وليس عصبة الأمم فحسب، ويضمن استمرار ضمانات الحّقّ العامّ المنصوص عليه في الدّستور السّوري اتّجاه الأشخاص، والجماعات، وإعطائها كامل حقوقها، والواقع أنّ مواد الدّستور السّوريّ لعام ١٩٢٨م، والّذي أصدره المفوض الفرنسيّ بعد تعديله عام ١٩٣٠م نصّت على مواد تضمن حقوق الجميع، وضمنت الحرّيّات للأفراد، والجماعات.
وعلى الرّغم من الضّمانات الّتي قدّمتها الحكومة السّورية لحماية حقوق الأقلّيّات، والّتي نصّ عليها دستورها، إلّا أنّ معاهدة ١٩٣٦م توسّعت في الضّمانات الخاصّة، والّتي رأى فيها الفرنسيّون مكسبًا كبيرًا تمّ تحقيقه مقابل نيل سوريّة استقلالها من خلال المعاهدة، وقد أشارت إحدى الوثائق الفرنسيّة إلى تعدّد ضمانات حماية الأقلّيّات في المعاهدة بقولها: «إضافة إلى الأنظمة الإداريّة، والماليّة الخاصّة الّتي ستطبّق في مناطق اللّاذقيّة، والسّويداء، والاسكندرونة، وكذلك تطبيق مواد الدّستور المتعلّقة بالأقلّيّات، فإنّ بقاء القوّات الفرنسيّة في بعض المناطق السّوريّة يعدّ نقطة ثالثة من الضّمانات الّتي تؤمّن حماية الأقلّيّات».
إنّ معاهدة عام ١٩٣٦م قد أعطت لفرنسا فرصة التّدخّل في الشّؤون الدّاخليّة في
البلاد استنادًا إلى ادّعائها حقّ حماية الأقلّيّات، وقامت بتنفيذ سياسة طائفيّة بخاصّة من أجل ذلك، لا بل ذهبت إلى حدّ إثارة السّكان بعضهم ضدّ الأخر، فضلًا عن تطبيق سياسة توطين الأقلّيّات الوافدة (السّريانيّة، والأشوريّة، والكرديّة)، ممّا أوجد خللًا، واضطرابًا أمام المواطنين، لأنّ مسألة الأقلّيّات ذات حساسيّة مفرطة إذا عُولجت ضمن الإطار السّوري الضّيّق، ووفق المفهوم الفرنسيّ، في حين يمكن استيعاب ذلك، ومعالجته ضمن دولة عربيّة موحّدة.
أمَّا بالنّسبة للانتخابات فقد أقامت حكومة الانتداب أربعة انتخابات نيابيّة أعوام (١٩٢٨م -١٩٣٢م - ١٩٣٦م - ١٩٤٣م)، وقد جرت هذه الانتخابات وفق النّظام الانتخابيّ لعام ١٩٢٨م، والّذي كان ينصّ على منح مقاعد خاصّة للطّوائف، وأخرى للبدو، حيث كان يحقّ لكلّ طائفة يزيد عدد أفرادها عن ستّة آلاف شخص أن يكون لها نائب في البرلمان، وكرَّس هذا النّظام الطّائفيّة، وسيطرة العائلات على الحياة السّياسيّة، وقد جرت انتخابات عام ١٩٢٨م، و١٩٣٢م، وكانت سوريّة مقسّمة؛ لذلك اقتصرت العمليّة الانتخابيّة على بعض المناطق، وبعد عام ١٩٣٦م جرى إدخال مناطق العلويّين، والدّروز ضمن أحكام نظام الانتخابات السّوريّة، وحضر نواب اللّاذقيّة لأوّل مرّة جلسات المجلس النّيابي عام ١٩٣٧م.
وأخيرًا؛ لا بدّ من القول إنّ كلّ ما ورد في المعاهدة بشأن قضيّة الأقلّيّات كان موضع نقد شديد، ورفض من قبل المعارضة الوطنيّة السّوريّة، وبخاصةً بما يتعلّق بتعهّد الحكومة السّورية أمام فرنسا بتنفيذ تلك الضّمانات للأقلّيّات، إذ يقول «عبد الرّحمن الشهبندر» معبّرًا عن موقف المعارضة: «وما هذا الأمر إلّا شيء داخليّ في البلاد فما دخل فرنسا فيه، وأنّ ذلك سيعطيها مستقبلًا حقّ التّدخّل في البلاد»، وقد رأت المعارضة بأنّ المعاهدة لم تحقّق الكثير لسوريّة، ووصفوها بأنّها خيانة للمسألة السّوريّة.
استبد الفرنسيّون بالحكم، وكرّسو الطّائفيّة، والنّزعة الانفصاليّة، وعملوا على مضايقة العناصر الوطنيّة، وراقبوا الصّحف، وزوّروا الانتخابات، وجميع هذه الممارسات كانت تتنافى مع روح الانتداب، كما أنّ اختراق الحياة الاجتماعيّة السّوريّة من قبل فرنسا لم يكن مرهونًا باحتلال فرنسا لسوريّة، بل كان ملحوظًا منذ أيّام الدّولة العثمانيّة، عن طريق البؤر التّنصيريّة في بلاد الشّام، الّتي عملت بالنّخر في المجتمع السّوري عن طريق الخدمات الاجتماعيّة المتعدّدة من تعليميّة، وصحّيّة.
ومن خلال ما سبق توصّل البحث إلى عدد من النّتائج أهمّها:
- عملت إدارة الانتداب على إثارة التّفرقة العنصريّة بين الطّوائف الدّينيّة، وتشجيع الخلافات المذهبيّة بين السّكّان، واستغلالها، وتجنيدها ضدّ بعضها البعض لضرب الوحدة، ودعم الفُرقة بينها.
- كان للتّواصل بين رجال السّياسة، وأساتذة المؤسّسات الاستشراقيّة دورًا مهمًّا في تقسيم سوريّة طائفيًّا؛ حيث كانوا يرجعون إلى آرائهم قبل أن يتّخذوا القرارات بشأن العالم العربي والإسلامي.
- تحقّقت أطماع فرنسا، وقسّمت بلاد الشّام إلى دولتين سوريّة، ولبنان يحكم كلّ منها حاكم فرنسي يخضع في النّهايّة للحكم الفرنسيّ.
- كرَّس نظام الانتخابات عام ١٩٢٨م الطّائفيّة والمناطقيّة، وسيطرة العائلات على الحياة السّياسيّة؛ إضافة لذلك أنّ هذا النّظام لم يكن نزيهًا.
- أدّت فرنسا دورًا كبيرًا في إثارة النّعرات الطّائفيّة، والمذهبيّة، والعشاريّة بين القبائل السّوريّة حتّى لا تتوحّد، وتكون قوّة ضاربة ضدّها؛ هذا بالإضافة إلى إعطاء بعض الزّعامات العشائريّة بعض الامتيازات لتبقيهم تحت نفوذها.
- إنّ الواقع السّياسيّ للتّقسيم الّذي أراد الفرنسيّون من خلاله تعزيز التّمايز الفئوي في المناطق كانت النّزعة العصبيّة المذهبيّة، والعشائريّة تستفيض، وتضخّم الحوادث الفرديّة،
وتشكّل بذلك منطلقًا لاستغلال الفئويّين، والمغرضين لها.
- كان جبل لبنان بأكثريّته المسيحيّة نواة نفوذ الفرنسيّين في الوطن العربي بصفة عامّة، وفي بلاد الشّام خصوصًا؛ بالإضافة قاعدة لانطلاقهم إلى سوريّة.
- كان للتّوزّع الطّائفي في سوريّة دورٌ في تقسيمها إلى دويلات، والدّليل على ذلك اعتماد الانتداب الفرنسي على هذه الطّوائف في تقسيماته الإداريّة.
(152)
1.أبو عيشة، نضال ماجد محمد، الطائفيّة السياسيّة ودورها في إجهاض الربيع العربي «سوريّة أنموذجًا»، رسالة دكتوراه، جامعة النجاح الوطنيّة، فلسطين، ٢٠١٨م.
2.أحمد، محمّد بهاء الدين حسين، الاستشراق، مجلّة دراسات عربيّة، العدد ٩، بيروت، ١٩٩٠م.
3.بابيل، نصوح، صحافة وسياسة سوريّة في القرن العشرين، دار رياض الريس، بيروت، ٢٠٠١م.
4.باروت، محمد جمال، التكون التاريخي الحديث للجزيرة السوريّة، ط١، المركز العربي للأبحاث، بيروت، ٢٠١٣م.
5.البعيني، حسن، دروز سوريّة ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي ١٩٢٠-١٩٤٣م، ط١، المركز العربي للأبحاث، بيروت، ١٩٩٣م.
6.البعيني، نجيب، أسرار ثورة بشامون في مذكرات السفير، دار الفارابي، بيروت، ٢٠١١م.
7.حجار، جوزيف، سوريّة بلاد الشام تجزئة وطن، دار طلاس، دمشق، ١٩٩٩م.
8.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار للنشر، بيروت، ١٩٩١م.
9.ـــــــــــــــــ، سوريّة والعهد العثماني، ط٤، بيروت، دار النهار، ١٩٩١م.
10.حوراني، أكرم، مذكرات أكرم حوراني، مكتبة مديولى، القاهرة، ١٩٥٦م.
11.حوراني، ألبرت، الإسلام في الفكر الأوروبي، مؤسّسة نوفل، بيروت، ١٩٩٤م.
12.الخطيب، محب الدين، احتجاج جمعيّة العلماء بدمشق على قانون الطوائف، ١٣٥٨هـ.
13.الخوند، مسعود، الموسوعة التاريخيّة الجغرافيّة، مؤسسة هانياد، لبنان، (د.ت).
14.ديب، كمال، تاريخ سوريّة المعاصر، بيروت، دار النهار، ط١، ٢٠١٢م.
15.ديك، دوز، تاريخ الاسماعيلين الحديث، ترجمة: سيف الدين القصير، ط١، بيروت، دار الساقي، مهد الدراسات الإسماعيليّة، ٢٠١٣م.
16.رباط، آدمون، التكوين التاريخي للبنان السياسي والدستوري، ترجمة: حسن قبيبي، ط١، الجامعة اللبنانيّة، بيروت، ٢٠٠٣م.
12.ـــــــــــــ، تطوّر سوريّة السياسي في ظل الانتداب، ترجمة: سليمان رياشي، المركز العربيّة للأبحاث، بيروت، ٢٠٢٠م.
18.رماني، ماجدة، الانتداب الفرنسي على لبنان (١٩٢٠-١٩٤٦م)، رسالة ماجستير، جامعة بسكرة، ٢٠١٦م.
19.زقزوق، محمود حمدي، الاستشراق والخلفيّة الفكريّة للصراع الحضاري، رئاسة المحاكم الشرعيّة، قطر، ١٩٨١م.
20.زيدان، رغداء، تقسيمات سوريّة الإداريّة أثناء الانتداب الفرنسي وأثرها على التماسك المجتمعي، (د.ت).
21.سعيد، إدوارد، الاستشراق، ترجمة: كمال أبو ديب، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ١٩٨١م.
22.سلطان، علي، تاريخ سوريّة أواخر الحكم التركي، مكتبة الأسد، دمشق، ١٩٩١م.
23.سنو، عبد الرؤف، النزعات الكيانيّة العثمانيّة في الدولة العثمانيّة، ط١، بيروت، دار بيسان، ١٩٨٨م.
24.الشمري، رائد عباس فاضل، فرنسا وقضيّة حماية الأقليات المسيحيّة، مجلة القادسيّة، العدد ٢٥، ٢٠٢٢م.
25.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات، ط١، دمشق، ١٩٦٧م.
26.الصالح، حسام، العلويون والدولة السوريّة، مركز حرمون للدراسات المعاصرة، (د.م)، (د.ت).
27.الصالح، رغداء، التقسيمات الطائفيّة في سوريّة، منشورات جامعة المنصورة، بغداد، ٢٠١٣م.
28.ضيائي، علي أكبر، محاولات الاستعمار الفرنسي تجزئة سوريّة على أسس طائفيّة وأثر
المستشرقين فيها، الجامعة الإسلاميّة العالميّة، العدد ٢٦، ٢٠٠٩م.
29.عبد الرحيم، جيهان، الآثار السياسيّة والاجتماعيّة للانتداب الفرنسي على بلاد الشام، جامعة أم القرى، ٢٠١١م.
30.عبيد، محمود، سياسة التجزئة في سوريّة ولبنان، جامعة البصرة، ٢٠٠٦م.
31.عتيقة، دومة؛ الزرقاوي، حليمة، عصبة الأمم والاستعمار، رسالة ماجستير، جامعة الجيلالي بونعامة، ٢٠١٦م.
32.عثمان، هاشم، تاريخ سويّة الحديث، بيروت، رياض الريس للكتب والنشر، ط١، ٢٠١٢م.
33.عطيّة الله، أحمد، القاموس السياسي، ط٣، دار النهضة العربيّة، القاهرة، ١٩٦٨م.
34.عليان، محمّد عبد الفتّاح، أضواء على الاستشراق، دار بيروت العلميّة، الكويت، ١٩٨٠م.
35.فرطاس، حسيبة، العدوان الفرنسي على سوريّة وآثاره، رسالة ماجستير جامعة محمد خيضر بسكرة، ٢٠١٩م.
36.كريم، مصطفى، المنافسة الإمبرياليّة الفرنسيّة الإنكليزيّة والاحتلال الفرنسي لسوريّة ولبنان، جامعة دمشق، (د.ت).
37.كوثراني، وجيه، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ط٣، بيروت، ٢٠١٣م.
38.الكيالي، عبد الوهاب، الموسوعة السياسيّة، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، (د.ت).
39.لونغريغ، ستيفن هامسلي، سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، دار الحقيقة، بيروت، (د.ت).
40.ليامنة، سايح، الأثار السياسيّة للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام (١٩٢٤-١٩٣٩م)، جامعة محمد خضير بسكرة، الجزائر، ٢٠٢٢م.
41.مفرج، فؤاد، رسالة في الانتداب، مطبعة صادر، بيروت، (د.ت).
42.منسي، محمود، الشرق العربي المعاصر، مكتبة الإسكندريّة، ١٩٩٠م.
43.نجاة، قصّاب حسن، صانعو الجلاء في سوريّة، شركة المطبوعات، بيروت، ١٩٩٩م.
44.هواش، محمد، عن العلويّين ودولتهم المستقلة، الشركة الحديدة للمطابع المتحدة، ط١، الدار البيضاء، ١٩٩٧م.
45.وسيلة، زويجة، تطور الحركة الوطنيّة السوريّة في ظلّ الانتداب الفرنسي (١٩١٩-١٩٤٧م)، رسالة دكتوراه، جامعة ادرار، الجزائر، ٢٠٢٢م.
1.Abadi. Jacob: us-Syria relations 1920-1967 the bitter Harvest of a flawed policy, Athens journal of history, vol.6, no.3.
2.Ettore. Rossi, Documenti sull, Origine E, Gli Sviluppi Della Questione Araba (1872- 1944).
3.Khoury. Philip: Syria and the French Mandate the Politics of Arab Nationalism 1920-1945, Princeton university press, 1987.
4.La Syrie et la Liban Sous, Occupation et le Mandate Francais (1919 -1927).
5.Societe de Nations [SDN], Proces- verbal de la Commission permanente des mandats, 4eme session du 24 juin au 10 juillet 1926.
(156)علاء محمود مسعود
يتناول البحث المعنوَن بـ«الاحتلال الأكاديميّ»: سياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريّة، المناهج الدّراسيّة في المدارس، والجامعات، السّياق التّاريخي لسياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريّة، فيتناول الوضع التّعليميّ في سوريّة فترة الاحتلال الفرنسيّ، وأهداف سياسة الاحتلال الفرنسيّ، وأدواتها في سوريّة، والقوانين، والتّشريعات، والقرارات التّربويّة الفرنسيّة في سوريّة. كما يدرس دور الاحتلال الفرنسيّ في المناهج الدّراسيّة في المدارس، والجامعات السّوريّة، وتحليل المناهج الدّراسيّة خلال فترة الاحتلال الفرنسيّ، وتأثير هذه المناهج على الطّلاب، والمجتمع، والبنية التّنظيميّة للمؤسّسات التّربويّة التّعليميّة في سوريّة، وإحصائيّات المدارس الرّسميّة، والخاصّة في سوريّة. إضافة إلى ذلك، فإنّ الباحث عمد إلى تقييم سياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريّة، والسّمات العامّة للمؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة فيها، وأبرز المشكلات الّتي عانت منها وزارة المعارف في ما يخصّ المدارس، والتّعليم العالي، والدّروس، والعبر الّتي يمكن استخلاصها من هذه التّجربة التّاريخيّة، ويقدّم هذا البحث خاتمة، ونتائج.
تأثّرت الحياة التّعليميّة في سوريّة، والإدارات، والمؤسّسات التّابعة لها، والمناهج
الدّراسيّة في المدارس، والجامعات السّوريّة بالفترات، والمراحل التّاريخيّة الّتي مرّت بها سوريّة، حيث عانت الإدارة التّربويّة، والتّعليميّة من تقلّبات الأوضاع السّياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، ابتداءً من نهايات الحكم العثماني، ومع بداية الاحتلال الفرنسيّ، والأثار التّعليميّة الّتي ترتّبت على ذلك حتّى نهاية هذا الاحتلال، ففي ٢٥ تموز عام ١٩٢٠م دخلت القوّات الفرنسيّة مدينة دمشق، وألغت وزارة المعارف، وأوقفت الجهود الحثيثة، والمميّزة الّتي بذلتها الحكومة العربيّة بخطواتها نحو التقّدم، والتّطوير. فقد وضع الاحتلال الفرنسيّ العوائق أمام التّطوير، والسّير نحو الأمام، وعمل جاهدًا للسّيطرة على المعارف، وإداراتها، ومؤسّساتها، وإضعاف المؤسّسات التّعليميّة من خلال تحويله وزارة المعارف إلى مديريّات في الدّويلات الّتي افتعلتها في سوريّة، وقد ركّز الاحتلال الفرنسي على تهميش المؤسّسات الإداريّة، وفي الوقت ذاته السّيطرة التّامّة عليها من خلال وضع مستشار فرنسي لإدارة المعارف، أو لوزارة المعارف، هذا المستشار كان الآمر النّاهي في كلّ القرارات، والإجراءات المتّخذة، ولم يبق للوزير إلّا السّلطة الشّكليّة، واستمرّ الوضع على ذلك حتّى حصول سوريّة على استقلالها.
اتّبعت فرنسا خلال فترة الاحتلال الفرنسيّ لسوريّة (١٩٢٠-١٩٤٦م) سياسة ثقافيّة، وتعليميّة تهدف إلى إضعاف الهويّة العربيّة السّوريّة، وفرض الثّقافة الفرنسيّة، وسعت هذه السّياسة إلى تحويل السّوريّين إلى مواطنين فرنسيّين مخلصين، وتقويض أيّ شعور بالوطنيّة السّوريّة، ويمكن القول: إنّ فرنسا قد أصدرت قرارًا بجعل اللّغة الفرنسيّة اللّغة الرّسميّة في البلاد، واستبدلت اللّغة العربيّة في التّعليم والإدارة. تمّ إغلاق المدارس العربيّة، وفرضت قيودًا على استخدام اللّغة العربيّة في الأماكن العامّة، ونشر الفرنسيّون العديد من الكتب، والمجلّات باللّغة الفرنسيّة، ونظّموا فعاليّات ثقافيّة تهدف إلى تعريف السّوريّين بالثّقافة الفرنسيّة، وتمّ تشجيع السّوريّين على تبنّي العادات، والتّقاليد الفرنسيّة،
ومنع العديد من الكتب، والمجلّات العربيّة، وقمعت أيّ مظاهر ثقافيّة تدلّ على الهويّة العربيّة، وإغلاق العديد من الجمعيّات الثّقافيّة العربيّة، واعتقال بعض المثقّفين السّوريّين، وأنشأت فرنسا نظامًا تعليميًّا مزدوجًا في سوريّة، حيث كان هناك نظام تعليميّ فرنسيّ لنخبة من السّوريّين، ونظام تعليميّ عربيّ للعامّة. كان التّعليم الفرنسيّ أفضل بكثير من التّعليم العربي، وكان يهدف إلى إعداد نخبة من السّوريّين لخدمة المصالح الفرنسيّة.
إنَّ الحكومة العربيّة في دمشق على الرّغم من المشاكل السّياسيّة، والاقتصاديّة الّتي عانت منها لكنّها لم تغفل مكانة، وحقّ قطاع التّعليم، بل سعت جاهدة إلى تشجيع العلم، وترقية المعارف، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على تقدير الحكومة العربيّة لقيمة الثّقافة، وأهمّيّتها في دعم الحركة القوميّة، فكلّفت في البداية مديريّة المعارف مهمّة تنظيم المدارس، والعناية بأساليب التّربية، كذلك قسّمت ديوان المعارف إلى قسمين عهد بالقسم الأوّل، وهو مجلس المعارف إلى ساطع الحصري، واختصّ الثّاني، وهو المجمع العربي بإصلاح اللّغة العربيّة، وتنشيط التّأليف، والتّعريب، والإشراف على دار الكتب العربيّة، كما امتدّ تشجيع التّعليم إلى افتتاح المعاهد العليا، فتجلّت في هذا العهد مظاهر النّشاط الثّقافيّ الّتي ساهم بها الأهالي، وشجّعتها الحكومة، تشكّلت في فترة الحكومة العربيّة وزارة المعارف الأولى الّتي تطوّرت عن إدارة المعارف، حيث حملت هذه الوزارة على عاتقها مهمّة بناء العقل السّوري، وتنويره.
ولكن لم يكتب لهذه الأسس التّعليميّة الّتي أرست قواعدها الحكومة العربيّة بالاستمرار، ذلك بسبب مجيء الاحتلال الفرنسيّ إلى سوريّة، حيث أنهى الحكومة العربيّة في عام ١٩٢٠م، كما عمل على إضعاف سوريّة، والتّركيز على الإمساك بزمام المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة، ولم يكتف المحتلّ بذلك بل عمل على فرض لغته،
وثقافته على المدارس السّوريّة، وتهميش اللّغة العربيّة، والتّاريخ، والحضارة العربيّة.
لقد أدرك الفرنسيّون أهمّيّة السّيطرة الثّقافيّة على العقل السّوري، وفهموا جيّدًا معنى مقولة: لتدمير بلد يكفي أن تخفض نوعيّة التّربية، والتّعليم فيه، والسّماح للغشّ بالتّسلسل إلى امتحاناته، والفساد يتغلغل في دوائره التّربويّة، حيث سيموت المريض على يد طبيب نجح بالغش، وينهار بناء شيّد على يد مهندس نجح بالغشّ، ويهدر المال على يد اقتصادي نجح بالغش، وتموت الإنسانيّة على يد علماء الدّين الّذين نجحوا بالغشّ، وتضيع العدالة على يد قاضٍ نجح بالغشّ، فإنّ انهيار التّربية، والتّعليم كفيل بانهيار الوطن، لذلك عملوا جاهدين على تسريب الفساد إلى المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة، وألغوا الدّور الإداري للسّوريّين في هذه المؤسّسات من خلال تهميش دور وزير، أو مدير المعارف حتّى أصبح دوره شكليًّا عبر وضع مستشار فرنسيّ إلى جانب الوزير، يمسك هذا المستشار بكلّ مفاصل وزارة المعارف، ومؤسّساتها، ويُلاحظ أنّه لم يحدث أيّ تطوير في النّاحية التّعليميّة في سوريّة إلّا من خلال جهود السوريّين، ونضالهم، وضغطهم المتواصل على سلطات الاحتلال في سبيل الحصول على بعض الحقوق، مثل افتتاح بعض المدارس، ومدرسة الآداب العليا، والاعتراف بالجامعة السّورية. كما عمل الفرنسيّون على تغيير الوزراء السّوريّين بشكل متكرّر إضافة إلى تشتيته بأكثر من منصب وزاريّ.
كانت أهداف سياسة الاحتلال الفرنسيّ، وأدواتها في سوريّة من خلال التّركيز على إضعاف الهويّة العربيّة لدى العديد من السّوريّين، خاصّةً بين النّخبة المثقّفة، وأدّت سياسة التّعليم المزدوج إلى انقسامات اجتماعيّة بين السّوريّين، حيث نشأت فجوة بين نخبة المثقّفين الّذين يتحدّثون الفرنسيّة، والعامّة الّذين يتحدّثون العربيّة، كذلك عمل الاحتلال الفرنسيّ على زرع شعور بالكراهيّة ضدّ فرنسا لدى العديد من السّوريّين، فكانت سياسة
الاحتلال الفرنسيّ الثّقافيّة، والتّعليميّة ضدّ السّوريّين سياسة قمعيّة تهدف إلى إضعاف الهويّة العربيّة السّورية، وفرض الثّقافة الفرنسيّة. أدّت هذه السّياسة إلى نتائج سلبيّة على المجتمع السّوري، مثل إضعاف الهويّة العربيّة، وانقسامات اجتماعيّة، وشعور بالكراهيّة ضدّ فرنسا، فالهدف الأوّل لدى الفرنسيّين هو فرض الهيمنة الفرنسيّة من خلال إضعاف الثّقافة العربيّة، وفرض ثقافتها، ولغتها، وأرادت فرنسا تحويل السّوريّين إلى مواطنين فرنسيّين مخلصين، ونبذ هويّتهم العربيّة، وسعى الاحتلال الفرنسيّ إلى إضعاف أيّ شعور بالوطنيّة السّورية، وتقسيم سوريّة إلى دويلات صغيرة، وتهدف سياسة الاحتلال الفرنسي إلى تكوين نخبة من السّوريّين لخدمة مصالح فرنسا في سوريّة.
أمّا أدوات سياسة الاحتلال الفرنسي في تجهيل السّوريّين علميًّا وفكريًّا من خلال الآتي:
1.إصدار قرار بجعل اللّغة الفرنسيّة اللّغة الرّسميّة في سوريّة، واستبدلت اللّغة العربيّة في التّعليم والإدارة.
2.تهميش اللّغة العربيّة في المناهج الدّراسيّة، وتمّ التّركيز على اللّغة الفرنسيّة.
3.إغلاق العديد من المدارس العربيّة، وفرض قيود على استخدام اللّغة العربيّة في الأماكن العامّة.
4.أنشأت فرنسا نظامًا تعليميًّا مزدوجًا، حيث كان هناك نظام تعليميّ فرنسيّ لنخبة من السّوريّين، ونظام تعليميّ عربيّ للعامّة.
5.منع العديد من الكتب، والمجلّات العربيّة، وقمع أيّ مظاهر ثقافيّة تدلّ على الهويّة العربيّة.
6.التّركيز على القيم الفرنسيّة في المناهج الدّراسيّة، مثل العلمانيّة، والجمهوريّة، والوطنيّة الفرنسيّة.
7.إغلاق العديد من المدارس الدّينيّة، وتمّ فرض قيود على التّعليم الدّينيّ.
وتمثّلت أدوات السّيطرة أيضًا بـ:
التّعيين: عيّن الفرنسيّون موظّفين فرنسيّين في وزارة المعارف السّورية، وإدارات المعارف في المحافظات السّورية، وتمّ تعيين بعض السّوريّين المتعاونين مع الفرنسيّين في المناصب الإداريّة.
التّوجيه: توجيه وزارة المعارف السّوريّة، وإدارات المعارف في المحافظات السّوريّة من قبل السّلطات الفرنسيّة، وتمّ إصدار التّعليمات، والقرارات المتعلّقة بالتّعليم من قبل الفرنسيّين.
الرّقابة: فرض رقابة صارمة على وزارة المعارف السّوريّة، وإدارات المعارف في المحافظات السّوريّة من قبل الفرنسيّين، وتمّ مراقبة المناهج الدّراسيّة، والكتب المدرسيّة، والأنشطة التّعليميّة من قبل الفرنسيّين.
صدرت مجموعة من القوانين، والتّشريعات الّتي نظمت الأمور التّربويّة، والتّعليميّة في سوريّة، فقد وضع المؤتمر السّوري خلال جلساته الّتي عقدها بين ٣ حزيران ١٩١٩ و١٩ تموز عام ١٩٢٠م قانونًا أساسًا مؤلّفًا من ١٤٨ مادّة، حيث أقرّ هذا المؤتمر فيما يخصّ التّعليم، عدّة مواد وهي:
المادّة ٢١: تجعل من التّعليم الابتدائي إجباريًّا، وفي المدارس الرّسميّة مجانيًّا.
المادّة ٢٢: تنصّ على حرّيّة تأسيس المدارس الخاصّة ضمن القانون الخاصّ الّذي تنصّه إدارة المعارف.
كما صدرت العديد من القوانين الّتي عملت على تحديد مهام المدراء، والمدرّسين، والمفتّشين التّربويّين، وواجبات التّلاميذ، والعقوبات الّتي قد تفرض عليهم، وكذلك حدّدت العطل الرّسميّة في المدارس، والتّبرّعات الّتي تقدّم للمدارس من الأهالي، فشملت هذه القوانين، والتّشريعات التّربويّة على ٨٤ مادّة، وكانت على النّحو الآتي:
أ. حدّدت المادّة الأولى، وحتّى المادّة التّاسعة والعشرين، وظائف، ومهام المدراء.
ب. تناولت المواد من ثلاثين إلى تسع وثلاثين تحدّد مهام المدرسين.
ت. حدّدت المواد من أربعين إلى أربع وسبعين شروط قبول الطّلاب، وواجباتهم المدرسيّة وأسس الضّوابط التّعليمي.
ث. حدّدت المواد من خمس وسبعين لغاية إحدى وثمانين واجبات المفتشين ومهامهم.
ج. أمّا المواد من اثنتين وثمانين إلى أربع وثمانين فقد تمّ تحديد الإجازات، والعطل المدرسيّة، والتّبرّعات الّتي تقدّم للمدارس من الأهالي.
ومن الإنجازات المهمّة الّتي قامت بها مديريّة المعارف المتعلّقة بالقوانين، والتّشريعات النّاظمة لعمليّة التّعليم، وإنشاء المدارس، وتطوير المناهج التّعليميّة القانون الّذي سميَّ (قانون التّدريسات الابتدائيّة المؤقّت) الّذي جاء ترجمة للقانون التّعليميّ العثمانيّ الصّادر في ٢٣ أيلول عام ١٩١٣م دون أي تعديل يذكر، كما ظهر في نصوص المواد الّتي ذكر فيها مجلس معارف الولاية، ونظارة المعارف العموميّة، وبعض العناوين كمجلس التّدريبات الابتدائيّة في الولايات العربيّة، أمّا التّعديل فقد جاء بسيطًا محدودًا في قانون التّعليم الابتدائي، فقد تمّ تعديل المادّة العاشرة من القانون الّتي تنصّ على: «مدّة التّعليم في المدارس الابتدائيّة، وهي اثنان وأربعون أسبوعًا، وأوقات الامتحان تعيّن
بقرار من مجلس الولاية».
وعندما دخل المحتلّ الفرنسي إلى سوريّة فرض قوانينه، وأنظمته على مفاصل الدّولة السّوريّة كلّها، ولا سيّما المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة، ومن مواد صكّ الاحتلال الّتي تتناول الحياة الثّقافيّة، والتّربويّة، والتّعليميّة في سوريّة الآتي:
المادّة الثّامنة: تعهّدت فرنسا بضمان حرّيّة المعتقد، وحرّيّة ممارسة الشّعائر الدّينيّة على اختلاف أشكالها لكن بشرط عدم الخلل بالأمن، والالتزام بعدم الإساءة للغير. كما تعهّدت فرنسا بعدم التّفريق بين الأهالي على أساس عنصريّ، أو دينيّ، أو لغويّ، وعلى احترامها حقوق الطّوائف، والمذاهب، ومدارسها الخاصّة بها لكن اشترطت فرنسا على هذه المدارس التّقيّد بالقوانين، والتّعليمات الّتي تصدرها المفوضية الفرنسيّة بخصوص الإدارة التّعليميّة.
المادّة السّادسة عشرة: أعطت هذه المادّة الحقّ لفرنسا بفرض لغتها على المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة في سوريّة، حيث جعلت من اللّغة الفرنسيّة لغّة رسميّة إلى جانب اللّغة العربيّة.
وقد ركّز النّضال الوطنيّ السّياسيّ في سوريّة على الوضع التّربوي، والتّعليمي، حيث اهتمّت الجمعيّة التّأسيسيّة التّي انتخبت في عام ١٩٢٨م من خلال الدّستور السّوري الّذي أصدرته بالنّاحية التّعليميّة، والحياة الاجتماعيّة، والثّ مادّة، وكانت على النّحو قافيّة، كما خصّه بالعديد من المواد الدّستوريّة ومنها:
المادّة ١٥: تضمّنت كفالة الحرّيّة الشّخصيّة، وحرّيّة الاعتقا،د والطّوائف، والأديان، والحفاظ على حرّيّة إقامتهم للشّعائر الدّينيّة، واحترام مصالحهم الدّينيّة الخاصّة بهم شرط أن لا يؤثّر ذلك على المجتمع بشكل سلبيّ، ولا ينافي الأخلاق، والآداب العامّة.
المادّة ١٦: تتضمّن الحرّيّة الفكريّة من خلال تأكيد حقّ الفرد في إبداء رأيه.
المادّة ١٧: تكفل حرّيّة الصّحافة، والطّباعة تحت سقف القانون.
المادّة ١٨: رفض الرّقابة على المراسلات، والخطوط الهاتفيّة إلّا إذا استدعى القانون لذلك.
المادّة ١٩: ضمان الحرّيّة التّامّة للحركة التّعليميّة بشرط ألّا يمسّ ذلك بالآداب العامّة، وألّا تنال من سمعة الوطن.
المادّة ٢٠: الهدف من المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة هو الوصول إلى أعلى درجات الأخلاق، والثّقافة في المجتمع السّوري وزرع حبّ الوطن في فكر الأجيال النّاشئة، وتعميق المحبّة بين أبناء الشّعب السّوري.
المادّة ٢١: جعل التّعليم إلزاميًّا في سوريّة، ومفروضًا على الذّكور، والإناث، كذلك جعله مجانيًّا في المدارس الحكوميّة.
المادّة ٢٢: الـّتأكيد على وحدة المنهاج التّعليميّ في كافّة المدارس السّورية.
المادّة ٢٣: توضع كافّة المدارس تحت إشراف الحكومة.
المادّة ٢٤: اللّغة العربيّة هي اللّغة الرّسميّة في المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة، وفي كافّة دوائر الدّولة.
يتبيّن من خلال مواد الدّستور السّوريّ الوعي الكبير الّذي تمتّع به السّوريون، واهتمامهم بالحياة التّربويّة، والتّعليميّة، وإدراكهم أهمّيّة دور الحرّيّة الشّخصيّة في تحريض الفكر على الإبداع والتّطوّر، كما أدركت أهمّيّة جعل التّعليم إلزاميًّا، ومجانيًّا، وذلك لدوره المهمّ في زيادة الوعي، ونشر العلم في سوريّة، وما لتوحيد التّعليم من ِأهمّيّة في زيادة التّقارب بين أبناء الجيل الجديد، لكن فرنسا أرادت جعل سوريّة تابعة لها في كافّة المجالات، ولا سيّما في المجال الثّقافيّ، وتأكيد السّيطرة الثّقافيّة على وزارة المعارف، والنّظم، والمؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة في سوريّة.
نستنتج ممّا سبق أنّ الفرنسيّين حاربوا التّعليم في سوريّة في المدارس، والجامعات خلال فترة الاحتلال الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦م)، وفرضوا اللّغة الفرنسيّة اللّغة الرّسميّة للتّعليم في المدارس والجامعات، وقلّصوا عدد ساعات اللّغة العربيّة في المناهج الدّراسيّة، وأغلقوا بعض المدارس العربيّة، وهمّشوا اللّغة العربيّة في المناهج الدّراسيّة، والكتب المدرسيّة، وتمّ إقصاء اللّغة العربيّة من الحياة العامّة، والإدارة، وتضييق الخناق على المدارس العربيّة من خلال فرض قيود على تأسيس المدارس العربيّة، ومراقبة المدارس العربيّة بشكل صارم من قبل السّلطات الفرنسيّة، وإهمال التّعليم، فلم تخصّص السّلطات الفرنسيّة ميزانيّات كافية للتّعليم في سوريّة، وتمّ إهمال البنية التّحتيّة للمدارس والجامعات، وكان لحرب الفرنسيّين على التّعليم تأثير سلبيّ على الحياة العلميّة في سوريّة، فقد أدّت سياسة الاحتلال الفرنسيّ إلى إضعاف اللّغة العربيّة، والثقافة العربيّة، وشعور الطلّاب السّوريّين بالغربة عن ثقافتهم.
سعت المؤسّسات التّعليميّة السّوريّة جاهدة منذ إعلان الاستقلال إلى تحقيق نهضة علميّة من خلال التّوسّع في نشر المؤسّسات التّربويّة والتّعليميّة، فقد ألقي على عاتقها الدّور الأوّل والأساس في دفع عجلة التّقدّم، والتّطوّر إلى الأمام، فهي تسعى بأجهزتها التّربويّة كافّة إلى تصفية مخلّفات الاحتلال الفرنسيّ، وإعطاء المثقّفين الفرصة للنّهوض بالبلاد، فكان لرجال الأدب، والفكر الدّور الأكبر في تحمّل المسؤوليّات الوطنيّة الثّقافيّة، والاجتماعيّة.
عند إجراء دراسة تحليليّة للمناهج الدّراسيّة، لا بدَّ من ذكر المؤسّسات التربويّة، والتعليميّة في سوريّة وهي:
تعدّدت أنواع المدارس خلال فترة الحكومة العربيّة، وفترة الاحتلال الفرنسي، فقد كان هناك مدارس رسميّة، ومدارس خاصّة، ومدارس بعثات أجنبيّة، حيث تُعَدّ هذه المدارس مختلفة في مناهجها التّعليميّة، وقد ضمّت المدارس الرّسميّة في سوريّة من مرحلتين هما:
مدّة الدّراسة فيها سبع سنوات تبدأ من الصّفّ الأوّل التّمهيدي التّحضيري للتّلميذ، وتنتهي في الصّفّ السّادس الابتدائي، وقد كان الصّفّ الأوّل التّمهيدي على ما يبدو تعويضًا عن رياض الأطفال في الوقت الحاضر. كان التّعليم الابتدائي إلزاميًّا في الأماكن الّتي تعلنها إلزاميّة من قبل وزارة المعارف، وذلك عند توفر البناء المدرسيّ، والاحتياجات المناسبة.
أمّا المنهاج التّعليمي الّذي درِّس للتّلاميذ في هذه المرحلة فهو: القرآن الكريم، وعلوم الدّين، واللّغة العربيّة، وتشمل: (القراءة، والقواعد، والمحفوظات، والإنشاء، والخطّ، والإملاء)، واللّغة الفرنسيّة الّتي ركّز عليها في المنهاج التّدريسي وتشمل: (القراءة، والقواعد، والإملاء، والخطّ، والتّرجمة، والمحادثة، والمحفوظات، والإنشاء)،
إضافة إلى مواد الحساب، والهندسة، والتّاريخ الفرنسيّ، والجغرافيّة الفرنسيّة، والصّحّة، والتّدريب، والرّياضة، والزّراعة، والرّسم.
تلي المرحلة الابتدائيّة في النّظام التّعليميّ، ومدّة الدّراسة فيها أربع سنوات، تبدأ من الصّفّ السّابع، وتنتهي في الصّفّ العاشر، حيث يدرس فيها الطالب المواد الآتية:
اللّغة العربيّة وتشمل: (تاريخ الأدب، والقواعد، والقراءة، والإنشاء، والمحفوظات، والبلاغة).
اللّغة الفرنسيّة وتشمل: (القواعد، والقراءة، والإملاء، والإنشاء، والمحفوظات، والتّرجمة).
الرّياضيّات وتشمل: (الحساب، والجبر، والهندسة المسطّحة، والهندسة الفراغيّة، والمثلّثات).
الطّبيعيّات وتشمل: (مباحث الفيزياء، والكيمياء، والصّحّة، والحيوان، والنّبات).
الاجتماعيّات وتشمل: (التّاريخ والجغرافية). وهناك مواد أخرى كالأخلاق، والدّين، والتّربية البدنيّة.
كانت هذه المناهج عبارة عن مواد دراسيّة منفصلة تفتقر إلى الرّبط، والتّتابع، وتدرّس جميعها، وكأنّها مواد منفصلة، ومستقلّة عن بعضها من ناحية التّأليف، أو التّقييم، فكانت مقاييس النّجاح، والرّسوب تطبّق على الفرع الواحد بغضّ النّظر عن المواد المتبقّية في البحث الواحد، فمثلًا إذا رسب الطّالب في ثلاثة فروع من اللّغة العربيّة، أو اللّغة الفرنسيّة؛ فإنّها كافية لرسوبه في الصّفّ كلّه. ومن الملاحظ أيضًا أنّ هناك اهتمامًا واضحًا في تدريس اللّغة الفرنسيّة في السّياسة التّعليميّة، فهذه من الشّروط الّتي فرضتها فرنسا، حيث
أصبح من شروط افتتاح أيّ مدرسة ابتدائيّة، وثانويّة أن يعلّم فيها معلمٌ يجيد تدريس اللّغة الفرنسيّة الّتي أصبحت مقرّرة على الطّلاب من الصّفّ الثّالث الابتدائي، وحتّى الصّفّ العاشر الّذي يعدّ نهاية المرحلة الثّانويّة.
اهتمّت الحكومة العربيّة من خلال مديريّة معارفها بالتّعليم العالي، وأوّلته العناية الكبيرة، حيث عملت على وضع الأسس العلميّة الصّحيحة لإعادة افتتاح مدرستيّ الطبّ والحقوق، ومن ثمّ أنشأت الجامعة السّورية، كما تمّ تسمية المدرسة الطّبيّة بالمعهد الطّبي العربي، ومدرسة الحقوق بالمعهد الحقوقي العربي، كما جعلت الحكومة اللّغة العربيّة أساسًا للتّدريس في هذين المعهدين، وجعلت الإدارة فيهما، ومعظم الطّاقم الطّبّي، والحقوقيّ من العرب، كذلك ضمَّ التّعليم العالي مدرسة طبّ الأسنان مدرسة الصّيدلة، ومدرسة التّمريض، وقد أُلحقوا بالمعهد الطّبّي العربي.
وقد افتتحت مديريّة المعارف المعهد الطّبّي العربي في ٢٣ كانون الثّاني عام ١٩١٩م في مبنى مدرسة الطّبّ القديمة الّتي افتتحت به عام ١٩٠١م في مدينة دمشق، ويبيّن الجدول الآتي عدد طلاب المعهد الطّبّي في عام افتتاحه:
يوضّح الجدول السّابق أعداد الطّلاب الّذين التحقوا بالمعهد الطّبّي فور إعادة افتتاحه، وحتّى العام الدراسي (١٩٢٤-١٩٢٥م)، وما يثير الدّهشة خلوَّه من الإناث ما عدا في العام الدّراسي الأخير في الجدول، حيث وجدت طالبة واحدة فقط، ذلك على الرّغم من تشجيع مديريّة المعارف للالتحاق به، وقد وضعت مديريّة المعارف شروطًا عدّة للدّخول إلى هذا المعهد، وما يلحقه من مدارس كمدرسة الصّيدلة، ومدرسة، أو شعبة طبّ الأسنان، ومدرسة التّمريض إضافة إلى معهد الحقوق وهي:
أن يحمل الطّلاب شهادة المدرسة السّلطانيّة، أو المدارس الإعداديّة ذات الصّفوف السّبعة، أو شهادة المدرسة الأهليّة، أو الأجنبيّة المصادق عليها، وعلى منهاجها من قبل مديريّة المعارف.
أن يكون قد أتمّ السّابعة عشرة من عمره، ويتمتّع بحالٍ صحيّة لا تعيق دراسته.
أن يتمتّع بحسن الأخلاق بشهادة مصدّقة من مختار قريته أو حيّه.
من أتمّ الشّروط السّابقة يتقدّم إلى الامتحان في المواد الآتية: اللّغة العربيّة – اللّغة الأجنبيّة (الإنكليزيّة أو الفرنسيّة) – العلوم – الكيمياء – الرّياضيات – التّاريخ – الجغرافية. وقد تمّ تحديد موعد هذا الامتحان في آخر شهر أيلول، وبداية شهر تشرين الأوّل من كلّ عام. وتدلّ هذه الشّروط على سعي مديريّة المعارف في الحكومة العربيّة للارتقاء بالتّعليم العالي علمًا، وأخلاقًا، من خلال تركيزها على وجوب حصول الطّالب على شهادة التّعليم
الإعداديّة، وكذلك اجتياز امتحان تشرف عليه مديريّة المعارف، فضلًا عن تمتّع الطّلاب بحسن السّلوك قبل دخولهم الجامعة.
أعادت مديريّة المعارف السّورية افتتاح معهد الحقوق العربي في ٢٥ أيلول عام ١٩١٩م، وعيّن عبد اللّطيف صلاح عميدًا لمعهد الحقوق، وتلاه مسلم العطّار في حزيران عام ١٩٢٠م، وكان للجهود الّتي بذلها مدير المعارف في الحكومة العربيّة ساطع الحصري دورٌ مهمٌّ، حيث رفع عدد من الطّلاب العرب الّذين توقّف تعليمهم نتيجة إغلاق مدرسة الحقوق في دمشق عام ١٩١٨م ونقلها إلى بيروت، كما طالبوا بافتتاح مدرسة الحقوق في دمشق لمتابعة تحصيلهم العلميّ، إضافة إلى مطالبة الشّبّان الرّاغبين بالدّخول في هذا الاختصاص، ويبيّن الجدول الآتي عدد طلّاب معهد الحقوق الّذين التحقوا فيه فور افتتاحه:
كذلك يتّضح من الجدول عدم إقبال البنات على الالتحاق بمعهد الحقوق العربي، فضلًا
عن تبيان هذا الجدول، والجداول السّابقة المتعلّقة بالتّعليم العالي، قلّة عدد الطّلاب الملتحقين بالمعاهد، والمدارس العليا بشكلٍ عامّ.
دلّت الوثائق على استخدام تسمية الجامعة السّوريّة في فترة الحكومة العربيّة، ولا سيّما من خلال الوثائق الّتي كتب عليها، المملكة السّوريّة، وتحتها الجامعة السّوريّة، وإلى جانبها المعهد الطّبّي، أو معهد الحقوق، وهذه الوثائق عليها توقيع وزير المعارف ساطع الحصري.
وقد عانى التّعليم العالي كثيرًا مع بداية الاحتلال الفرنسي الّذي عمل جاهدًا على إغلاق المعهد الطّبّي العربيّ، ومعهد الحقوق العربيّ، متذرّعًا بوجود معاهد مماثلة لهما في مدينة بيروت، ولكن نتيجة ضغط الوطنيّين في سوريّة، ودعم فئات المجتمع للتّعليم العالي اضطرّت سلطات الاحتلال للترّاجع عن الإغلاق، واتّبعت أسلوبًا جديدًا، وهو التّدخّل في إدارة هذين المعهدين وفي المناهج، حيث حرصت فرنسا على بقائهما تحت سيطرتها.
لكن بفضل جهود السّوريّين الحثيثة، تمّ دمج المعهد الطّبّي مع معهد الحقوق في مؤسّسة تعليميّة واحدة سمّيت الجامعة السّورية، فتبنت السّلطات الفرنسيّة هذه المؤسّسة، حيث أصدرت القرار رقم ١٣٢ تاريخ ١٥ حزيران ١٩٢٣م القاضي بتنظيم الجامعة السّوريّة، والمعاهد المنتمية لها، وبهذا تكون أقدم جامعة حكوميّة رسميّة في الوطن العربي.
إنَّ المنهاج التّعليمي الّذي دُرِّسَ للتّلاميذ في المرحلة الابتدائيّة هو: العلوم الدينيّة، والمعلومات المدنيّة، واللّغة العربيّة، والحساب، والهندسة، واللّغة الفرنسيّة، والتّاريخ، والجغرافية، والعلوم، والرّياضة البدنيّة، والزّراعة، والرّسم، والغناء، والموسيقا، وتأتي بعد المرحلة الابتدائيّة المرحلة الثّانويّة، تعتبر مدّة الدّراسة فيها سبع سنوات، حيث لم يكن في تلك الفترة مرحلة إعداديّة، وقد شملت هذه المرحلة عدّة فروع، ومنها الفرع العام، والفرع المهني، تبدأ هذه المرحلة من الصّفّ السّادس إلى البكالوريا الّتي تمّ اعتمادها في ١ تشرين الأوّل عام ١٩٢٨م، وتألّفت المرحلة الثّانويّة من مرحلتين: المرحلة المتوّسطة المؤلّفة من أربع سنوات، والمرحلة الثّانويّة المؤلّفة من ٣ سنوات، جُعلت على قسمين يُختبر فيهما الطّالب كتابيًّا وشفهيًّا، فقد ضمّ القسم الأوّل شعبة الآداب، وشعبة العلوم، ومدّتها سنتان (ما يقابل اليوم العاشر والحادي عشر)، أمّا القسم الثّاني فقد ضمَّ شعبة الفلسفة، وشعبة الرّياضيّات، وهي الثّالث الثّانوي في الوقت الحاضر، حيث يشترط النّجاح في القسم الأوّل للدّخول إلى القسم الثّاني، كما صدر في ٢٦ تشرين الأوّل عام ١٩٣١م قرار يسمح فيه بتعادل شهادة البكالوريا السّوريّة مع شهادة البكالوريا الفرنسيّة الغاية من هذا القرار الصّادر عن وزارة المعارف الفرنسيّة هو جذب الطّلاب السّوريّين لإكمال دراستهم في الجامعات الفرنسيّة، حيث يدرس في المرحلة الثّانويّة المواد التّدريسيّة الآتية بحسب منهاج التّعليم الثّانوي في الدّولة السّورية لعام ١٩٣٢م:
التّعليم الدّينيّ بمعدّل حصّة دراسيّة واحدة في الأسبوع لكلّ الصّفوف الثّانوية.
الآداب العربيّة بمعدل سبع حصص أسبوعيّة للصّفّ السّادس، والسابع، وستّ حصص لباقي الصّفوف.
الآداب الفرنسيّة بمعدّل سبع حصص أسبوعيّة للصّفّ السّادس، والسّابع، وستّ حصص لباقي الصّفوف، فيلاحظ تساوي عدد الحصص للغتين العربيّة، والفرنسيّة، ممّا يدلّ على استمرار الفرنسيّين في فرض لغتهم، وثقافتهم، وجعلها مماثلة من حيث الأهمّيّة للغّة العربيّة في المدارس الثّانويّة، ما عدا مادّة ترجمة الكتب العربيّة، والفرنسيّة الّتي تدرَّس بمعدّل حصّة لبعض الصّفوف ابتداءً من الصّفّ الثّامن، والتّاسع، وبمعدّل حصّتين من التّاسع إلى البكالوريا.
أمّا التّاريخ بمعدّل حصّتين في الصّفوف من السّادس إلى البكالوريا لكن تُعطى بتركيز أكبر للبكالوريا الأدبيّ.
مادّة الجغرافية بمعدّل حصّة واحدة أسبوعيّة من الصّفّ السّادس وحتّى البكالوريا.
مادّة الرّياضيّات بمعدّل ثلاث حصص أسبوعيّة في الصّفّ السّادس، والسّابع، وأربع حصص في باقي الصّفوف.
مادّة الحكمة الطّبيعيّة لا تدرَّس في الصّفّين السّادس، والسّابع، وحصة واحدة في الصّفّ الثّامن، والتّاسع، وحصّتين لباقي الصّفوف مع التّركيز على هذه المادّة في البكالوريا العلميّ.
مادّة الكيمياء لا تدرَّس في الصّفّين السّادس والسّابع، وتدرَّس بمعدّل حصّة أسبوعيّة في الصّفّ الثّامن، والتّاسع، والبكالوريا مع التّركيز عليها في البكالوريا العلميّ.
مادّة العلوم الطّبيعيّة بمعدّل حصّتين في الصّفّ السّادس، والسّابع، وحصّة واحدة للصّفّين الثّامن والتّاسع، ولا تدرَّس في باقي الصّفوف.
مادّة الرّسم تدرس بمعدّل حصّتين من الصّفّ السّادس إلى التّاسع، ولا تدرّس في باقي الصّفوف.
مادّة الرّسم الهندسي لا تدرّس في الصّفوف من السّادس إلى التّاسع، وتدرّس بمعدّل حصّة في باقي الصّفوف.
الرّياضة البدنيّة بمعدّل حصّتين من السّادس إلى التّاسع، ولا تعطى في باقي الصّفوف.
(174)الموسيقا تدرَّس في الصّفّ السّادس والسّابع، ولا تدرَّس في باقي الصّفوف. وبذلك يتراوح عدد الحصص التّدريسيّة في الأسبوع بين (٢٧–٢٨) حصّة تقريبًا.
وقد عملت الإرساليّات الأجنبيّة بغرض تأسيس مؤسّسات، ومدارس تخدم رغبتها في الإمساك بزمام الحياة الفكريّة في سوريّة، فوصلت أعداد المدارس الأجنبيّة في سوريّة إلى ثمانٍ وثلاثين مدرسة في فترة الحكومة العربيّة، حيث وضعت إدارة المعارف شروطًا لهذه المدارس، وتأسيسها وهي:
١. الحصول على رخصة من مديريّة المعارف.
٢. ألّا تدرس هذه المدارس دروسًا تخلّ بالآداب العامّة، وسياسة الدّولة.
٣. أن تصادق مديريّة المعارف على الدّروس.
لكن هذه المدارس قد نالت ميزات عدّة ومنها:
١. لم تخضع للمراقبة الكاملة، أو التّجربة لاختبار مدى فعاليّتها التّربويّة.
٢. استفادت من ضغوط الدّول الأجنبيّة الّتي سيطرت على المنطقة سياسيًّا وثقافيًّا.
٣. نالت الدّعم المادّيّ الكبير لنشر منهاجها ومفاهيمها.
كما عملت الدّول الاستعماريّة جاهدة لإنشاء المؤسّسات التّعليميّة في سوريّة الّتي شكّلت تنوّعًا رائعًا في الطّوائف، والمذاهب الدّينيّة، حيث وجدت الدّول الاستعماريّة من جرّاء ذلك ميدانًا واسعًا لنشر المدارس بين الطّوائف المسيحيّة معتقدين بأنّهم سيعملون على فصلهم عن مجتمعهم العربيّ، ويضربون الهويّة القوميّة، والوطنيّة لسوريّة، وقد أرادت الدّول الاستعماريّة أن تجعل هذه المؤسّسات موطئ قدم لها لتثبيت نفوذها، ومصالحها في المنطقة، متّخذين شعارًا لتطوير التّعليم، وإدخال الوسائل العصريّة إلى
التّعليم التّقليدي في سوريّة.
ويبيّن الجدول الآتي عدد المدارس الأجنبيّة، ومدارس الطّوائف، وما ضمّته من أعداد المعلّمين، والتّلاميذ الّذين التحقوا فيها مع نهاية الحكم العثماني، وفترة الحكومة العربيّة:
وقد كانت هذه المدارس منتشرة في معظم المراكز في سوريّة، لكن سبب تواجدها شتّت فكر الجيل الجديد لأن لكل مدرسة نظامها ومنهجها وأسلوبها.
ومن المدارس الأجنبية التي انتشرت في سوريّة المدرسة الفرنسيّة التي تأسست في مدينة دمشق عام ١٨٣٥م، والتحق فيها ما يقارب المئة تلميذ لتعلم القراءة والكتابة باللغة العربيّة إضافةً لتعلمهم الديانة المسيحيّة، وقد تأسّس فرع آخر لهذه المدرسة لتعليم البنات القراءة والكتابة أيضًا بالإضافة إلى تعلّم الخياطة، حيث بلغ عدد التلميذات فيها ٣٠ تلميذة يقوم بتعليمهم مدرستين، فكانت المدارس الفرنسيّة التي أنشئت في سوريّة على نوعين:
الأوّل: تديره وتدبّر شؤونه البعثات والجمعيّات العلمانيّة.
الثّانية: تديره الأخويّات والإرساليّات المختلفة من الرّهبان، وقد خصّصت فرنسا لهذه المدارس أموالًا طائلة تصل لما يقارب ١٠٠ ألف فرنك فرنسي. ويمكن هنا القول: أنّ الفرنسيّين ركّزوا على جعل المناهج السّوريّة سلبيّة، وغير صحّيّة على كلّ من الطّالب السّوري والمجتمع، لكن وعي السوريّين جعلهم يدركون ذلك جيّدًا، ويسعون جادّين للحيلولة دون زرع الفرنسي لذلك الأثر.
تشكّلت حكومة الوزراء الأولى في سوريّة بتاريخ ٩ آذار عام ١٩٢٠م، حيث استمرّت ما يقارب الثّمانية أشهر، وضمّت ٩ وزارات منها وزارة المعارف الّتي نظّمت تنظيمًا جيّدًا، وتعاقبت أربع وزارات متتالية خلال الثّمانية أشهر، أوّلها وزارة علي رضا الرّكابي الّذي استلم ساطع الحصري وزارة المعارف فيها، واستمرّ في هذه الوزارة في الحكومة الّتي تلت وزارة علي رضا الرّكابي، وهي حكومة هاشم الأتاسي، وفي الحكومة الثّالثة حكومة علاء الدّين الدروبي تسلّم وزارة المعارف بديع المؤيّد، وفي الوزارة الرّابعة برئاسة جميل الألشي تسلّم محمد كرد علي وزارة المعارف، وقد استمرّ حتّى قيام الاحتلال الفرنسي بإلغاء حكومة الوزراء، وأقام بدلًا عن الوزارات مديريّات، وقسم الوطن السّوري إلى دويلات جعل في كلّ منها مديريّة لها إدارة، ونهج، وأسلوب تعليميّ، ومواد تدريسيّة خاصّة، فقد كانت غاية الفرنسيّين من ذلك زرع التّفرقة، والشّرخ في البنية الفكريّة، والثّقافيّة للأجيال القادمة في الوطن السّوري.
وقد كانت البنية التّنظيميّة، والإداريّة لوزارة المعارف على النّحو الآتي: وزير المعارف
وهو أعلى سلطة إداريّة في وزارته ثمّ يليه أربع تفرّعات وهي:
١. الأمين العام للوزارة والمكتب الخاصّ بالوزير.
٢. رئيس المجمع العلميّ العربيّ.
٣. رئاسة المعاهد العليا.
٤. مدير الآثار العامّة والمكتبات.
وقد كان لكلّ فرع من الفروع السّابقة أقسام تابعة لها، فالأمين العام للوزارة تتبع له رئاسة الشّؤون الإداريّة، ومجلس مديري المعارف، ولجنة تعادل الشّهادات، واللّجنة الثّقافيّة الوطنيّة، ويتبع أيضًا للأمين العام لوزارة المعارف مديرو المعارف، ومفتّشو التّعليم الابتدائيّ، والثّانوي، والتّعليم الخاصّ، والمعاهد العالية، وديوان الوزارة، وإدارة المدارس، والمدارس، فقد كان مجلس المعارف يتألّف من ستّة أعضاء يعينهم رئيس الوزراء من بين مختلف رؤساء الدّوائر الحكوميّة، ثمّ استبدل بمجلس المعارف مجلس آخر سمّي (مجلس المعارف الاستشاري)، تألّف من مدير المعارف العامّة، ومدير الآثار، ومفتّش لكلٍّ من الصّحّة، والمعارف، ومعاون فنّي لمديريّة الأشغال العامّة، وقاضٍ شرعي، ومن صلاحيّات مجلس المعارف الاستشاريّ:
أ. النّظر في الأمور العلميّة، والفنيّة المتعلّقة بالمدارس.
ب. وضع برنامج مناسب للمدارس.
ت. اختيار المناهج المناسبة.
ث. وضع الأنظمة الدّاخليّة والتّعليمات العامّة للمدارس.
ج. إبداء الرّأي في الأنظمة والقوانين المتعلّقة بالتّدريس.
ح. وضع طريقة لامتحان المعلمين، والمعلّمات ليكونوا جاهزين للدّخول في العمليّة التّربويّة والتّعليميّة.
وقد تطوّر هذا المجلس بشكل مستمرّ، وضم لجنة إحصائيّة يرأسها ممثل عن وزير المعارف، وعضوية كلٍّ من مفتش المعارف، ومدير الثّانويّات، وممثّل عن المعلّمين المختصّين من أجل إعطاء الرّأي بالبرامج المدرسيّة، واختيار الكتب المدرسيّة المناسبة، والنّظر في الأمور العلميّة، والفنّيّة المتعلّقة بالتّعليم.
وبالعودة إلى المؤسّسات الإداريّة التّابعة للأمين العام في الوزارة، حيث يتبع له أيضًا مديريّات عدّة وهي: مديريّة الصّحّة المدرسيّة، ومديريّة الأبنية المدرسيّة، ومديريّة التّربية البدنيّة، ومديريّة اللّجنة الرّيفيّة، ومديريّة التّعليم الابتدائيّ، ومديريّة التّأليف، والتّرجمة، والنّشر، ورئاسة لجنة التّربية، ورئاسة الهيئة التّفتيشيّة، ومديريّة التّعليم الثّانوي، ومديريّة التّعليم المهنيّ، ومديريّة الإحصاء، والامتحانات، ومديريّة التّعليم الخاصّ، ومديريّة البعثات، والعلاقات الثّقافيّة، ومديريّة المحاسبة، وقد ضمّت مديريّة الصّحّة المدرسيّة دائرة الذّاتيّة، ودائرة الأوراق، ودائرة النّسخ، ودائرة الاستعلامات، والهاتف، كما ضمّت مديريّة التّرجمة، والتّأليف، والنّشر، المكتبة، والنّشر، والسّينما المدرسيّة، والكتب المدرسيّة، ومجلّة التّربية والتّعليم، وقد توزّعت مديريّات المعارف على المراكز السّكّانيّة الكبيرة في سوريّة مثل دمشق، وحلب، وحمص، وغيرها، كما تتبع لرئاسة المدارس، أو المعاهد العليا كلّ من مدرسة الطّبّ، والصّيدلة، والتّمريض، ومدرسة الحقوق.
تمَّ تنظيم وزارة المعارف على الشّكل الآتي: وزير المعارف؛ وهو أعلى سلطة تنفيذيّة إداريّة في الوزارة، إلى جانبه المستشار الفرنسيّ؛ الّذي أمسك بكلّ قرارات الوزارة، ثمّ يليه ثلاث دوائر وهي:
١. الإدارة المركزيّة في العاصمة دمشق، تتألّف هذه الإدارة من الدّوائر الآتية:
تتألّف من المديريّات، والشّعب الآتية: مديريّة التّعليم الثّانوي، ومديريّة التّعليم الابتدائي، ومديريّة التّربية البدنيّة، أمّا الشّعب: شعبة الأمور الذّاتيّة، وشعبة الحسابات، وشعبة المباني، وشعبة اللّوازم، وكذلك من الدّواوين الآتية: ديوان الرّسائل، وديوان الأوراق، وديوان الإحصاء.
مقرّها، واجتماعاتها تكون في دمشق، تتألّف من رئيس المفتّشين، وهو المسؤول عن تنظيم أعمال المفتشين كافّة، وتدقيق التّقارير المقدّمة له، ومتابعة المعاملات اللّازمة لتنفيذ المقترحات، ومفتّش للتّعليم الثّانوي، ومفتّشان للتّعليم الابتدائي، حيث يتمّ توزيع مفتّشي التّعليم الابتدائي على المحافظات.
يطلق عليها اسم لجنة التّربية، والتّعليم في وزارة المعارف، يرأسها شخص يكون مسؤولًا عن تنظيم أعمال الهيئة، وتشمل هذه الهيئة أعضاء يتمتّعون بدرجة عالية في الشّؤون التّربويّة، والتّعليميّة ومن كافّة الاختصاصات العلميّة، حيث يعمل أعضاء هذه الهيئة كمفتشين في هيئات التّفتيش على التّعليم الثّانوي، وتتألّف لجنة الهيئة الفنيّة من ثلاث شعب وهي: ١- شعبة المناهج ٢- شعبة المباحث الفنّيّة ٣- شعبة التّرجمة والتّأليف.
يوجد في مركز الوزارة، ويرأسه مدير عامّ حيث يتألّف من رئيس لجنة الهيئة الفنّيّة (لجنة التّربية والتّعليم)، ورئيس الهيئة التّفتيشيّة، ومديري المعارف.
يرأس هذا المجلس مدير عامّ، ويضمّ رئيس المفتّشين، ومدراء المعارف في المحافظات، ومدير التّعليم الثّانوي، ومدير التّعليم الابتدائيّ، ومدير التّربية البدنيّة.
وهناك مديريّات عدّة تتبع لوزارة المعارف وهي: مديريّة الصّحّة المدرسيّة، ومديريّة الأبنية المدرسيّة، ومديريّة التّأليف، والتّرجمة، والنّشر، ومديريّة التّعليم الخاصّ، ومديريّة البعثات، والعلاقات الثّقافيّة، ومديريّة المحاسبة، وقد ضمّت مديريّة الصحّة المدرسيّة دائرة الذّاتيّة، ودائرة الأوراق، ودائرة النّسخ، ودائرة الاستعلامات، والهاتف، كما ضمّت مديريّة التّرجمة، والتّأليف، والنّشر، المكتبة، والنّشر، والسّينما المدرسيّة، والكتب المدرسيّة، ومجلّة التّربية، والتّعليم.
قسِّمت سوريّة إلى عدّة مناطق إدارية في ١٠ كانون الثّاني عام ١٩٣٦م، وقد وزّعت إدارة المعارف السّوريّة على المحافظات التّسع وهي: محافظة دمشق الّتي وجدت فيها مقرّ الوزارة إضافة إلى مديريّة المعارف، ومديريّة المعارف في محافظة حلب مركزها مدينة حلب، ومديريّة المعارف في محافظة حمص، ومركزها مدينة حمص، ومديريّة المعارف في محافظة حماة مركزها مدينة حماة، ومديريّة المعارف في محافظة حوران مركزها مدينة درعا، مديريّة المعارف في جبال اللّاذقيّة مركزها مدينة اللّاذقيّة، ومديريّة المعارف في الفرات مركزها مدينة دير الزّور، ومديريّة المعارف في جبل العرب مركزها مدينة السّويداء، ومديريّة المعارف في الجزيرة مركزها مدينة الحسكة.
يساعد مدير المعارف في المحافظات معاون مدير المعارف، وهو مسؤول عن سير العمليّة التّعليميّة في المؤسّسات التّربويّة في المحافظة، وعن صرف الميزانيّة حسب الأنظمة، والتّعليمات.
قامت وزارة المعارف في الفترة الممتدّة بين عامي (١٩٢٠-١٩٥٨م)، بمسؤوليّة ثلاث وزارات في الوقت الحاضر، وهي وزارة التّربية، ووزارة التّعليم العالي، ووزارة الثّقافة، إضافة إلى الدّور الّذي تقوم به هذه الوزارة في مجال التّخطيط. وقد ألحق بوزارة المعارف ثلاث مؤسّسات تعليميّة، وثقافيّة وهي:
١. الجامعة السوريّة.
٢. المجمّع العلميّ العربيّ.
٣. مديريّة الآثار العامّة والمكتبات.
يُلاحظ ممّا سبق أنّه قد عمل الاحتلال الفرنسيّ على إنهاء الحكومة العربيّة، وحكومة الوزراء، وعمدوا إلى تشكيل وزارة سوريّة جديدة، وكافة هؤلاء الوزراء يلاحظ أنّهم من وجهاء دمشق فقط، وهذا يدلّ أنّ الاحتلال الفرنسي جعل هذه الوزارة مقدّمة لعمليّة ضرب الوحدة الوطنيّة، والتّمثيل الصّحيح الّذي ضمّته الوزارات الّتي شكّلها منها الحكومة العربيّة، ممّا يمهّد ذلك لعمليّة تجزئة الوطن السّوري، وتقسيمه إلى دويلات، وإنهاء حكومة الوزراء لتقيم مكانه حكومة للمديرين، وإنهاء وزارة المعارف بكلّ تنظيماتها، وتقسيم بنيتها الإداريّة إلى مديريّات متفرّقة، وغير متواصلة فيما بينها، ولكلّ منها نمط خاصّ بها.
وقد أرادت فرنسا من ذلك ضرب الوحدة الثّقافيّة، والفكريّة في الوطن السّوري، فأدركت أهمّيّة سيطرتها على عقول الأجيال القادمة في سوريّة لتعليمها، وتربيتها تربيةً تخدم سلطات الاحتلال، وتحقّق التّبعيّة الثّقافيّة، والتّعليميّة، وتجعلهم يفضّلون الثّقافة الفرنسيّة على ثقافتهم العربيّة، كما تجعل ألسنتهم تتحدّث اللّغة الفرنسيّة بدلًا من العربيّة، لكن كلّ ذلك لم يأت بأيّ نتيجة فقد بقي العرب السّوريون محافظين على عروبتهم وأصالتهم.
كذلك ألغت فرنسا وزارة المعارف السّوريّة، وأسّست بدلًا عنها مديريّات، أو إدارات للمعارف منفصلة عن بعضها البعض في كلّ دويلة، وقد تألّفت هذه الإدارات من مدير للمعارف، وسكرتير، ومفتّش، وعدد من المكاتب الإداريّة، وموظّفين مخصّصين للتّواصل بين المكاتب الإداريّة، والمؤسّسات التّعليميّة (المدارس)، وتدخّلت بشكل مباشر في النّظام التّربوي التّعليمي لتفرض نفسها ثقافيًّا على سوريّة، ووضع مستشارٌ فرنسيّ في كلّ مديريّة من مديريات المعارف يتمّ تعيينه من قبل المفوضيّة الفرنسيّة العليا، حيث مهمّة هذا المستشار الإشراف على مديريّة المعارف، وكافّة مؤسّساتها، فقد جعلت فرنسا هدف المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة إعداد موظفين لهم ميول فرنسيّة، ويجيدون العمل الإداري، وليس إعداد جيل عربي سوري مثقّف، ومربّي تربية صالحة، كذلك ركّزت فرنسا على نشر الخلافات الطّائفيّة، والمذهبيّة، من خلال تعدّد المناهج التّعليميّة، والأفكار الثّقافيّة ليس في كلّ دويلة فقط بل داخل الدّويلة نفسها، وقد ازداد عدد الحصص التّدريسيّة لمادّة اللّغة الفرنسيّة على غيرها من المواد، وتمّ تدريس مادّتين التّاريخ، والجغرافية الفرنسيّة في المدارس السّورية.
في هذا المبحث من الضّروري التّركيز على دور الوطنيّين المثقّفين السّوريّين، لا سيّما دور ساطع الحصري الّذي أراد إعادة النّظر في السّياسة التّربويّة، والتّعليميّة، والتّخلّص من آثار الاحتلال، فوضع مستشارًا لوزارة المعارف، وطُلب إليه دراسة الإدارة التّعليميّة في مجالاتها، ونواحيها كافّة، للخروج بتغيير جذري نحو الأفضل، ولم يتوانَ الحصري عن هذه المهمّة، ووضع دراسات، وتقارير عدّة تنظّم شؤون المعارف، وتحدّد مهمّة المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة.
وبعد الدّراسة المتأنّية لما قدمه الحصري لوزارة المعارف، تمّ رفعه إلى الحكومة السّوريّة الّتي بدورها قدّمتها للمجلس النّيابي الّذي أصدرها بقانون رقم ١٢١ بتاريخ ٢١ / ١٢/ ١٩٤٤م أسمته «قانون المعارف العام»، حيث حدّد هذا القانون خطّة عمل
واضحة للوزارة ومهامها، وقد تضمّنت المادّة الأولى ما يأتي: «إنّ مهمّة وزارة المعارف تربية الجيل الجديد تربية صالحة في جميع الوجوه البدنيّة، والخلقيّة، والفكريّة لينشأ كلّ فرد من أفراده قويّ البدن حسن الخلق صحيح التّفكير محبًا لوطنه معتزًا بقوميّته، مدركًا لواجباته، مزوّدًا بالمعلومات الّتي يحتاج إليها في حياته قادرًا على خدمة بلاده بقواه العقليّة، والبدنيّة، وجهوده الانتاجيّة»، وهناك مادّة أخرى جعلت كلّ المؤسّسات الخاصّة سواء كانت أهليّة، أو أجنبيّة بكلّ شؤونها، ومناهجها تحت رقابة، وإشراف وزارة المعارف، وفرضت عليها التّدريس باللّغة العربيّة، وأصدرت قرارًا برفض تدريس اللّغة الأجنبيّة في المدارس الابتدائيّة، هذا يعني منع تدريس اللّغة الفرنسيّة فيها، كما أكّدت تدريس التّاريخ العربيّ، وجغرافيّة الوطن العربي، كما جعلت نظام الامتحانات موحّدًا لكافّة التّلاميذ، حيث تدلّ هذه المواد على تعزيز دور الوزارة، وزيادة صلاحيّاتها، والأهمّ من ذلك هو توجيه التّعليم توجيهًا قوميًّا جليًّا، إضافة إلى التّأكيد على دور الوزارة التربوي الأخلاقيّ، والوطنيّ كذلك إلى دورها التّعليمي، وهذا ما كان يفتقده التّعليم في الفترة الفرنسيّة.
استمرّت وزارة المعارف بوصفها مؤسّسة حكوميّة مسؤولة عن الأمور التّربويّة، والتّعليميّة في سوريّة، مع العلم أنّ سلطة وزراء المعارف كانت شكليّة لا تتعدّى بعض الأمور الإداريّة، حيث كانت السّلطة الفعليّة بيد الموظّفين، والضّبّاط، والمستشارين، والاستخبارات الفرنسيّة، ممّا يدلّ على أنّ وزراء المعارف غالبيّتهم عبارة عن واجهة فقط، على الرّغم من وجود وزراء وطنيين وضعوا نصب أعينهم تطوير الوطن، وتقدّمه، وازدهاره، وعملوا بجد في سبيل تحسين الأوضاع التّعليميّة في البلاد، لكنّهم تعرضوا لمحاربة المحتل الفرنسيّ الّذي عمل على إلغاء هذه الوزارة لمرّتين، المرّة الأولى عند دخوله عام ١٩٢٠م، حيث عمل على إلغاء حكومة الوزراء، وإقامة حكومة المدراء فأمتدّ
هذا الإلغاء، والتّغييب لوزارة المعارف حتّى أواخر عام ١٩٢٤م، في المرّة الثّانية ألغيت الوزارة بين عامي (١٩٣٩-١٩٤١م)، وجعلوها مديريّة معارف في حكومة المدراء، كما يلاحظ خلال هذه الفترة تركيز المحتل على إضعاف سلطة الوزارة إمّا من خلال التّغييرات المتتالية، والسّريعة للحكومات، حيث سُلِّم منصب وزارة المعارف، ووزارة أخرى سياديّة إلى وزير واحد، إضافة إلى إمساك الفرنسيّين على كلّ مفاصل الوزارة، فقد كان هدف الفرنسيّين هو خلق جهاز إداري، وموظّفين لمساعدتها في وظائف الدّولة، وليس بناء، وإنشاء مواطنين صالحين يتمتّعون بثقافة عالية، كما كانت الغاية الأساس صبغ المجتمع بالطّابع الفرنسيّ، وإضعاف الرّوح الوطنيّة القوميّة في سوريّة.
إنّ أبرز المشكلات الّتي عانت منها وزارة المعارف، ناهيك عن مشكلة الاحتلال الفرنسيّ الجاثمة فوق صدور السّوريّين السّابقة الذّكر في ما يخصّ المدارس:
النّجاح والرّسوب في المدارس الحكوميّة
عانى النّظام التّعليميّ من مشكلات كثيرة، وقد أثّرت هذه المشكلات على العمليّة التّربويّة، والتّعليميّة، ومن هذه المشكلات الرّسوب، والتّسرّب المدرسيّ، حيث ارتفعت نسبهم في مدارس الرّيف، والبادية السّوريّة، وقل ذلك في مدارس المدينة، وفي ما يأتي جدول يدرس أعداد النّجاح، والرّسوب للصّفوف في المدارس الأوّليّة خلال العام الدّراسي (١٩٣٣-١٩٣٤م) في المدارس الحكوميّة:
يتّضح من خلال الجدول إنَّ النّسبة العامّة للرّسوب في هذه المدارس الأوّليّة الّتي تضمّ الصّفوف من الأوّل إلى الرّابع قد بلغت ٣٢,١%، كما أنّ هذه النّسبة بدأت بالتّراجع مع تقدّم الصّفوف من الأدنى إلى الأعلى، لتصل في الصّفّ الرّابع إلى ١٦,٣٢% لتتراجع إلى أكثر من النّصف في حين بلغت نسبة الرّسوب في الصّفّ الأوّل أعلى نسبة مسجّلة لتصل ٤١,٢ %، أمّا بالنّسبة لأعداد التّلاميذ، فتشكّل نسبتهم في المرحلة التّمهيديّة إذا ما قورنت بالعدد الإجمالي لتلاميذ المدارس الأوّليّة بنسبة ٣٧,٥% في حين بلغت نسبة تلاميذ الصّفّ الثّاني ٢٦,٩%، والصّفّ الثّالث نسبة ٢٢,٣%، والصّفّ الرّابع ١٢,١%، فلم تختلف نسبة الرّسوب في المدارس الابتدائيّة للذّكور عن المدارس الأوّليّة من حيث ارتفاع نسبة الرّسوب في الصّفوف الدّنيا، وتراجعها في الصّفوف العليا.
كما يوضح الجدول الآتي نسبة الرّسوب في المدارس الابتدائيّة للذّكور:
يبيّن الجدول السّابق ارتفاع نسبة الرّسوب في الصّفّ الرّابع حيث بلغت النّسبة ٤٧,٧٠% وهي من أعلى نسب الرّسوب في الصّفوف جميعها، كما يلاحظ تقارب أعداد التّلاميذ في الصّفوف الثّلاثة الأولى، وتقاربًا واضحًا في الرّسوب، ممّا يدلّ على ارتفاع معدّلات النّموّ، والالتحاق بالمدارس.
أمّا الجدول الآتي يوضّح نسبة الرّسوب في بعض صفوف المدارس الثّانوية:
يتبيّن من خلال الجدول السّابق ارتفاع نسبة الرّسوب في الصّفّ التّاسع، فقد سُجّلت أعلى نسبة رسوب حيث بلغت ٤٧,٦١% وهي أعلى من النّسبة العامّة للرّسوب في
الصّفوف كلّها الّتي بلغت ٣٨,٤٦%.
وهكذا يمكن القول: إنَّ نسبة النّجاح العامّة لم تتجاوز ٧٠% من العدد الإجمالي للتّلاميذ في المراحل التّعليميّة كافّة، من الأوّل الابتدائي إلى الصّفّ التّاسع الثّانوي، وإنَّ معدّلات النّموّ تبدو قليلة نوعًا ما، أمّا الإقبال على تعليم البنات فقد كان محدودًا في المراحل العمريّة الأولى، ثمّ أخذ بالتّناقص، والتّراجع كلّما تقدّمت الصّفوف لتبلغ نسبة التّسرّب، وترك المدرسة مبكرًا أعلى نسبة.
إنَّ للأنظمة الّتي تحدّد كيفيّة التقدّم للامتحان، وشروطه دورًا كبيرًا في بروز ظاهرتيّ الرّسوب، والتّسرّب بين الطّلاب، انطلاقًا من أنّها تعد المعيار الحقيقيّ للحكم بها على نتائج العمليّة التّعليميّة، ومدى تحقيقها لأهدافها على الرّغم من الاهتمام الواضح الّذي أوّلته مديريّة المعارف للتّعليم، ورفع السّويّة العلميّة لدى الطّلاب.
كما حاول الاحتلال الفرنسي جاهدًا أن يسيطر على الجامعة السّوريّة، ويجعلها أداة في يده، من خلال إبعادها إداريًّا عن وزارة المعارف، وربطها إداريًّا بشكل مباشر بالمندوب الفرنسيّ، مستغلّين وجود بعض الخلافات بين رئيس الجامعة، ووزير المعارف، كالخلاف الّذي حدث عام ١٩٢٨م بين وزير المعارف محمّد كرد علي أثناء حكومة تاج الدّين الحسنيّ، والدّكتور رضا سعيد رئيس جامعة دمشق، مع ذلك لم يكن بالأمر السّهل ربط الجامعة السّورية بالاحتلال الفرنسيّ، لأنّ هذه الوزارة، والجامعة، والقائمين عليها كانوا على ثقافة وطنيّة عالية، لم يقبلوا الارتباط بالفرنسيّين على الرّغم من خلافاتهم، فقد استطاعوا ضمان استقلال قرارها قدر المستطاع، وعملوا على توسيع المناهج، والأمكنة للمعهد الطّبّي، ومعهد الحقوق، وتأسيس مدرسة الآداب العليا، لكن الاحتلال وقف
عائقًا في وجه تشكيل كلّيّات جديدة، كما استطاعوا إغلاق مدرسة الآداب العليا بعد فترة من تأسيسها.
لكن من السّلبيّات الّتي لم تتداركها حكومات الاستقلال السّوريّة هي التّغيير المتكرّر للحكومات، ومن ضمنها وزارة المعارف، حيث توالى العديد من وزراء المعارف، فتسلّم الوزير نصوح البخاري وزارة المعارف لمدّة تقارب السّنة والشّهر، من ١٩ آب عام ١٩٤٣م حتى ١٤ تشرين الأوّل عام ١٩٤٤م، ليتولّى بعده فارس الخوري الّذي شغل منصب رئيس الوزراء، ووزير الدّاخليّة، والمعارف معًا، حيث تسلّم الوزارة مدّة تقارب السّتّة أشهر، من ١٤ تشرين الأوّل إلى ٥ نيسان عام ١٩٤٥م، ثمّ تلاه بمهمّة وزارة المعارف أحمد الشّرباتي الّذي تسلم أيضًا وزارة الاقتصاد الوطني مع وزارة المعارف لمدّة تقارب السّتّة أشهر من ٥ نيسان عام ١٩٤٥م إلى ٣٠ أيلول عام ١٩٤٥م، ثمَّ تسلم بعده صبري العسليّ وزارة المعارف، ووزارة العدل لمدّة تقارب الثّمانية أشهر، من ٣٠ أيلول ١٩٤٥ حتّى ٢٥ نيسان عام ١٩٤٦، ثمّ تلاه أحمد الشّرباتي لمدّة تقارب الشّهر، والنّصف فقط، من ٢٦ نيسان عام ١٩٤٦م حتّى ١٧ حزيران عام ١٩٤٦م.
وإنَّ مسألة الإنفاق على المؤسّسات التّعليميّة من مدارس، وغيرها هي الشّغل الشّاغل لدى الحكومة السّورية، فقد كانت مخصّصات التّربية، والتّعليم مقتصرة على النّهوض بمتطلّبات التّعليم، وهي لا تتناسب مع طموحات الإدارة التّعليميّة باعتبارها أهمّ مؤسّسة في المجتمع مسؤولة عن تربية الجيل الجديد، وبناء عقله، وتوجيهه بما هو لصالح البلاد، فنشر التّعليم، والتّوسّع به يحتاج إلى الكثير من الأموال، ولم تكن الحكومة السّوريّة، وإدارة المعارف في ذلك الوقت قادرتين على تأمين موارد ماليّة كافية لنشر التّعليم، وتوفير الخدمات، والمتطلّبات، والمستلزمات التّعليميّة، بل كان الهمّ الأوّل بالنّسبة للسّلطة المحتلّة توفير الأموال اللّازمة للنّهوض بالأمور الأمنيّة، والعسكريّة، وتنظيم شؤون البلاد الأساس.
ويبيّن الجدول الآتي مخصّصات الحكومة السّنويّة لإدارة المعارف من ميزانيّة الدّولة عامّة:
يوضح الجدول السّابق أنّ مخصّصات الإنفاق على التّعليم كانت متدنّية جدًّا خلال فترة الحكومة العربيّة، وحتى عام ١٩٢٢م، حيث إنّها لم تتجاوز نسبة ٧% في أعلى التّقديرات، ويعود ذلك إلى أنّ الدّولة السّوريّة كانت في بداية تأسيسها، وبداية إقامتها للبنية التّنظيميّة الإداريّة، على الرّغم من ذلك شهدت المدارس، والمدارس العليا نموًّا ملحوظًا، وقد يعود ذلك إلى جهود الأهالي المبذولة، والّتي لاقت تشجيعًا كبيرًا من الحكومة العربيّة، ويعود سبب انخفاض الموازنة الخاصّة بالتّعليم بين عامي (١٩٢٠-١٩٢٢م) إلى السّياسة الّتي اتّبعها الاحتلال الفرنسيّ في سوريّة، لأنّهم أعطوا موضوع الاستقرار، وتوفير الأمن الأهمّيّة الكبرى، كذلك يشهد تغييرًا ملحوظًا في الموازنة العامّة
للدّولة، وفي مخصّصات المعارف من عام ١٩٢٣م، حيث يعود ذلك إلى إقامة الاتّحاد السّوري عام ١٩٢٢م، فازدادت بفضل الوحدة الميزانيّة العامّة للدّولة بما يقارب الثّمانية أضعاف، كما ازدادت نفقات المعارف الضّعف، مع العلم أنّ وحدة النّقد في عام ١٩٢٢م تغيّرت من الجنيه المصري إلى اللّيرة السّوريّة، واستمرّت الميزانيّة العامّة للدّولة بالازدياد الكبير في الأعوام (١٩٢٤-١٩٢٥-١٩٢٦م)، بينما تناقصت مخصّصات المعارف مقارنةً بالعام ١٩٢٣م، فيلاحظ ثبات الميزانيّة أثناء الثّورة السّوريّة الكبرى عكس ما يروج له ذوو الميول الفرنسيّة بأنّ الثّورة أثّرت سلبًا على الاقتصاد السّوري، بل على العكس يلاحظ في عام ١٩٢٧م تناقص الميزانيّة العامّة للدّولة، ويعود ذلك إلى قيام الاحتلال الفرنسيّ بتعويض نفقات العمليّات العسكريّة ضدّ الثّورة من أموال الدّولة السّورية. وعلى الرّغم من ذلك أولت الحكومة السّوريّة الأهمّيّة الكافية للتّعليم، ويبدو ذلك واضحًا في إنشاء المدارس الرّسميّة، وتزويدها بالكادر التّعليميّ المؤهّل للعمليّة التّعليميّة.
يمكن أن ندرك دائمًا، وفي كلّ عصرٍ، وزمان أهمّيّة التّركيز على مقاومة المناهج الدّراسيّة الّتي يضعها المحتل، لأنّ له غايات، وأهدف، منها جعل عقول، وثقافات الشّعوب المحتلّة تابعه له، ودور المثقّفين السّوريّين في الحفاظ على اللّغة العربيّة، والثّقافة العربيّة، وتأثير المناهج الدّراسيّة الفرنسيّة على المجتمع السّوري، فقد أصدرت وزارة المعارف السّورية في ١٦ كانون الثّاني عام ١٩٣٣م بعد الضّغط على المستشار الفرنسيّ تعليمات عدّة، تتعلّق بطريقة تحضير الدّروس التّعليميّة، من خلال التّأكيد على عدم الجمود بالمادّة
العلميّة، وضرورة إضفاء المدرس لثقافته، وخبرته الحياتيّة، والمهنيّة في الحصّة التّعليميّة، ويعطي ملاحظاته، وقراءاته حول المادّة العلميّة، بذلك يخرج المعلم عن القالب الجامد للدّرس من خلال الحرّيّة الّتي منحت له في سبيل تطوير التّعليم.
يستطيع المعلّم أن يأتي بالأفكار، والأمثلة المتعلّقة بموضوع الدّرس، كما يطلب منه أن يربط موضوع الدّرس بالواقع المعاش، وتوضيح كافّة المعلومات الواردة في الكتاب، كما يجب على المدرس أن يقوم بتحضير الدّرس على دفتر تحضير مدوّنًا فيه معلومات الدّرس بشكل مختصر، حيث يكون التّحضير بشكل يومي للحصص التّدريسيّة، فيكون تسلسل التّحضير في هذا الدّفتر على الشّكل الآتي:
كتابة عنوان الدّرس بوضوح، ثمّ ذكر المخطّط الملخّص لأفكار الدّرس، وواجبات التّلميذ، فكان لمدرسي اللّغة العربيّة، والفرنسيّة دفاتر تحضير خاصّة، حيث توقّع هذه الدّفاتر عند بداية كلّ يوم دوام من قبل مدير المدرسة، وكذلك المفتّشون الّذين يقومون بزيارات تفتيشيّة يطّلعون فيها على دفاتر التّحضير، ويراقبون فيها سير العمليّة التّعليميّة، فيلاحظ من هذه التّعليمات أنّها تشبه أساليب التّحضير للدّرس في الوقت الحاضر، كذلك تعزيز الجانب الأخلاقيّ، والتّربويّ، وتعليم القيم، والعادات الحسنة في تحضير الدّرس، أمّا بالنّسبة للتّلاميذ فيستخدمون دفترًا للواجبات اليوميّة المدرسيّة، ودفترًا للواجبات المنزليّة لكتابة الوظائف، والتّمارين المطلوبة.
يُلاحظ ممّا سبق: أنّها بقيت معضلة الإنفاق على المؤسّسات التّربويّة، والتّعليميّة هي الهمّ الأوّل لدى الدّولة السّوريّة، ووزارة المعارف، لكن لم تفِ المخصّصات المادّيّة للمدارس، والتّعليم العالي بالاحتياجات، والمتطلّبات اللّازمة، فقد كان وضع ميزانيّة الوزارة استمراريّة لما سبق على الرّغم من زيادة نسبة ميزانيّة المعارف من مخصّصات
الحكومة، ولا سيّما بعد عام ١٩٣٩م، حيث بقيت غير متناسبة مع طموحات الإدارة التّعليميّة. كما عجزت الحكومات السّوريّة، ووزارات المعارف المتتالية على تأمين الموارد الماليّة الكافية لنشر التّعليم، وتوفير الخدمات، والمتطلّبات، والمستلزمات المدرسيّة، والجامعيّة.
يُلاحظ ممّا سبق استمرار الفرنسيّين بممارساتهم السّياسيّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة الهادفة إلى إضعاف السّوريّين، وضمان السّيطرة عليهم، لكن مجريات الأحداث اختلفت في هذه الفترة، وكان أبرزها قيام الثّورة السّورية الكبرى، والنّتائج الإيجابيّة الّتي تركتها على حركة النّضال السّوري ضدّ المحتل، فالسّوريّون وجدوا ضرورة الاستمرار بنضالهم لتحقيق مطالبهم، وضمان حقوقهم، والفرنسيّون اتّجهوا إلى المراوغة لتهدئة الشّعب السّوري، ففي مجالات الحياة عامّة بدأ السّوريون بانتخاب جمعيّة عامّة، ووضع دستور للبلاد، يلاحظ في هذا الدّستور وجود العديد من البنود الّتي تعمل على تقوية التّربية، ومنها جعل اللّغة العربيّة لغة التّعليم، والتّأكيد على وحدة المناهج في المدارس السّوريّة كافّة، وضرورة جعل التّعليم الزاميًّا، ووضع المدارس كافّة تحت إشراف الحكومة، وغيرها من البنود الّتي دلّت على وعي، وإدراك السّوريّين للنّاحية التّربويّة، والتّعليميّة.
عانت وزارة المعارف في هذه الفترة من مشكلات إدارية عدة، ومنها استمرار التغييرات والتبديلات الكثيرة في وزراء المعارف مما ولد ذلك ضياع وعدم استقرار، إضافة إلى تسليم وزير المعارف وزارتين معًا، ممّا يجعله ذلك مشتّتًا بسبب قيامه بمهمة وزارتين معًا، وأحيانًا كان يتسلّم رئيس الوزراء حقيبة المعارف مما يجعله ذلك منشغلًا برئاسة الوزارة وهاملًا لشؤون المعارف، كما يلاحظ استمرار تغييب العنصر النسائي عن أيّ منصب وزاري في الحكومات السوريّة المتتالية.
لقد استمرّت فرنسا بتأكيد سيطرتها على وزارة المعارف من خلال المستشار الفرنسي الذي أمسك بزمام الأمور، وهمّش دور الوزارة، كما عملت فرنسا على إلغاء الوزارات
للمرّة الثّانية، وجعلها مديريات، حيث أصبحت وزارة المعارف مديريّة، واستمرّت في ذلك بين عامي (١٩٣٩-١٩٤١م)، بسبب ظروف الحرب العالميّة الثّانية، كما عملت فرنسا على ضرب الكمّ، والنّوع في العمليّة التّربويّة، والتّعليميّة من خلال عدم التّشجيع على التّعليم، وعدم إجراء إصلاحات حقيقيّة في بنيتها، ومناهجها التّدريسيّة، وعدم السّعي إلى افتتاح المدارس، وتطوير المناهج، وحاولت سلخ سوريّة عن ماضيها، وتغييبها عن الاطّلاع، ومواكبة التّطوّرات المتسارعة في الغرب، ووضعت العراقيل في وجه افتتاح كلّيّات جامعيّة جديدة، كما وضعت العديد من الصّعوبات فيما يخصّ الأمور الماليّة الخاصّة بميزانيّة الوزارة ونفقاتها.
لقد كان لسياسة الاحتلال الفرنسيّ في التّعليم تأثير سلبيّ على التّعليم في سوريّة. أدّت سياسة الاحتلال الفرنسي إلى إضعاف اللّغة العربيّة، والثّقافة العربيّة، وشعور الطّلّاب السّوريّين بالغربة عن ثقافتهم، وأظهر هذا البحث أنّ سياسة الاحتلال الفرنسيّ التّعليميّة في سوريّة كان لها تأثير سلبيّ على التّعليم في البلاد.
ومن أبرز النّتائج:
أدّى التّركيز على اللّغة الفرنسيّة في المناهج الدّراسيّة، والكتب المدرسيّة إلى تهميش اللّغة العربيّة، والثّقافة العربيّة.
أدّت سياسة الاحتلال الفرنسيّ إلى إضعاف الهويّة العربيّة لدى السّوريّين.
سعى الفرنسيّون إلى تكوين نخبة من السّوريّين الموالين لفرنسا من خلال التّعليم.
قام بعض المثقّفين السّوريّين، والطّلاب بمقاومة سياسة الاحتلال الفرنسيّ في التّعليم.
وأبرز الأمثلة على مقاومة الطّلاب السّوريّين:
مقاطعة الامتحانات الّتي تجري باللّغة الفرنسيّة.
تنظيم مظاهرات ضدّ سياسة الاحتلال الفرنسيّ في التّعليم.
تأسيس جمعيّات ثقافيّة لتعزيز اللّغة العربيّة، والثّقافة العربيّة.
1.برنامج التعليم الثانوي في دولة سوريّة ١٩٣٢م، مركز الوثائق التربويّة، الرقم التسلسلي ٢٤٣٩، المطبعة الرسميّة لدولة سوريّة.
2.بشور، وديع، سوريّة صنع دولة وولادة أمة، دار اليازجي، دمشق، ط١، ١٩٨٧م.
3.تقرير إدارة المعارف لسنة ١٩٣٤م. الجريدة الرسميّة، سوريّة، مجلد ٣، عدد ١٧١، ٣١ أيار، ١٩٣٤م.
4.الجريدة الرسميّة في سوريّة، سوريّة، مجلد ٣، عدد ١٧١، ٣١ آيار ١٩٣٤م.
5.جمعة، سعاد أسعد؛ ظاظا، حسن، الحكومات السوريّة في القرن العشرين من عام ١٩١٨ لعام ٢٠٠٠م، حقوق النشر محفوظة للمؤلفين، وزارة الإعلام، دمشق، ٢٠٠١م.
6.الجمهورية السوريّة، وزارة المعارف: التقرير السنوي عن المعارف في الجمهورية السوريّة خلال عام ١٩٤٦م، وضعه جميل صليبا رئيس لجنة التربية والتعليم، مطبعة الجمهورية السوريّة.
7.الجمهورية العربيّة السوريّة، وزارة التربية: وزارة التربية نبذة تاريخيّة، كتاب رقم ١.
8.حداد، محمد حسن؛ رستم، أحمد؛ قدسي،(ناهد؛ مجبور، خالد؛ العرض الرابع لوضع التعليم في الجمهورية العربيّة السوريّة (١٩٦٤-١٩٦٥م)، مركز الوثائق التربويّة، الرقم المتسلسل ٦٢٠.
9.الحصري، ساطع، أحاديث في التربية والاجتماع/ سلسلة التراث القومي (الأعمال القوميّة لساطع الحصري) (٢).
10.ــــــــــــــــــ، حولية الثقافة العربيّة، مجلد ٤، مركز الأهرام للترجمة والنشر، ١٩٤٩م.
11.الحكيم، حسن، الوثائق التاريخيّة المتعلقة بالقضية السوريّة في العهدين العربي الفيصلي والانتداب الفرنسي (١٩١٥–١٩٤٦م)، دار صادر، بيروت، ١٩٧٤م.
12.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ط١، دار النهار للنشر، بيروت، ١٩٩١م.
13.الحوراني، محمد إبراهيم، التعليم في ولاية دمشق في العصر العثماني (١٢٧٨-١٣٢٧هـ/ ١٨٦١-١٩٠٩م) دراسة وثائقيّة، وزارة الثقافة، الهيئة العامة السوريّة للكتاب، دمشق، ٢٠١٥م.
14.الدقاق، كمال؛ القادري، أحمد؛ فيصل، عبد الفتاح؛ هدايا، عبد الستار؛ عرض عام لوضع التعليم في الجمهورية العربيّة السوريّة (١٩٦١-١٩٦٢م)، وزارة التربية، مديريّة الوثائق التربويّة، دمشق، الرقم المتسلسل ٦١٨، آذار ١٩٦٢م.
15.دليل الجمهورية السوريّة منذ فجر السيادة والاستقلال، ذكرى الجلاء، دار ومطبعة اليقظة العربيّة، دمشق، صدر عن جريدة النظام بدمشق، (١٣٦٥هـ/ ١٩٤٦م).
رافق، عبد الكريم، تاريخ الجامعة السوريّة البداية والنمو (١٩٠١–١٩٤٦م) أوّل جامعة حكومية في 16.الوطن العربي، بمناسبة العيد المئوي الذهبي لكلية الطب والعيد التسعيني لكلية الحقوق، دمشق، ٢٠٠٤م.
17.سالنامه نظارة معارف سنة (١٣٣١هـ/ ١٩١٣م)، دفعة ٦.
18.سالنامه نظارة معارف عموميّة (١٣١٨هـ/ ١٩٠٠م).
19.سراج الدين، أحمد، الحركة التربويّة وتطورها في سوريّة ولبنان خلال القرن التاسع عشر، مجلة الأبحاث التابعة للجامعة الأمريكية، السنة الرابعة، بيروت، ١٩٥١م.
20.سلطان، علي، تاريخ سوريّة (١٩٠٨–١٩١٨م) نهاية الحكم التركي، ط١، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ١٩٨٧م.
21.طلاس، مصطفى، تاريخ الجيش العربي السوري، المجلّد الأوّل (١٩٠١-١٩٤٨م)، ط١، مركز الدراسات العسكرية، ٢٠٠٠م.
22.العيد الذهبي لكلية الطب (١٩١٩–١٩٦٩م)، مطبعة جامعة دمشق.
23.القاسمي، ظافر، مكتب عنبر، منشورات المكتبة الشرقيّة، بيروت، ١٩٦٤م.
24.قنطار، سيف الدين، الأدب العربي السوري بعد الاستقلال، تقديم: صياح الجهيم، ط١، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩٧م.
25.قوطرش، خالد، التعليم في سوريّة نشأته وتطوره، ترجمة: نزار أباظة، دار الفكر، دمشق، عام ٢٠٠٠م.
26.كراس أعمال المدارس للأعوام ١٩١٨ حتى ١٩٢٢م، رقم ١١١٦-١١١٧، مكتبة الدكتور محمود عامر أستاذ قسم التاريخ في جامعة دمشق.
27.كرد علي، محمد، خطط الشام، ط٢، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٧٠م.
28.ماثيوز، رودرك؛ عقراوي، متى؛ التربية في الشرق الأوسط العربي، ترجمه وأشرف على طبعه: الدكتور أمير بقطر، المطبعة العصرية بمصر، ١٩٤٦م.
29.مالكم، نشوياب، الشرق الأدنى الحديث (١٧٩٢-١٩٢٣م)، ترجمة: خالد الجبيلي، دار الأهالي للطباعة، دمشق، الطبعة الثانية، ١٩٩٨م.
30.مركز المعلومات القومي، الدراسات الاستراتيجية: سوريّة ٢٠٠٠ دراسة عامة حول الجمهورية العربيّة السوريّة، مطبعة مركز المعلومات القومي، دمشق، ٢٠٠٠م.
31.النشرة الإحصائية لوزارة المعارف السوريّة لعام (١٩٥٥-١٩٥٦م)، مركز الوثائق التربويّة الرقم التسلسلي ٥٦٩، مديريّة الامتحانات والإحصاء.
32.نصر الله، إلياس، المربي العربي المعاصر جميل صليبا حياته - أعماله - فكره التربوي، رسالة أعدت لنيل درجة الماجستير في التربية من جامعة دمشق بإشراف الدكتورة ملكة أبيض، مكتبة الخنساء، دمشق، ١٩٨٥-١٩٨٦م.
1.Walid ALArid: XVIII – XIXyuzyil Larda filistinde, Dini, kullurve sosyal Muesseseler, yu ksek Lisans tezi,Istanbul, Edeb. fak.1989.
2.Albert, Hourani: Syria and Lebanon. the problem of westernization a political essay.
3.Ziadeh, Nicola A – Syria and Lebanon, Lebanon Book Shop, First pub, Beirut 1965.
(197)ابراهيم علاء الّدين
كان الغرض الرّئيس من البحث الحديث عن المساعي الفرنسيّة لفرنسة سوريّة على المستوى الثّقافيّ، وذلك خلال مرحلة الانتداب الفرنسيّ على البلاد، والّتي استمرّت لربع قرن (١٩٢٠-١٩٤٥م)، وقد أصدر الفرنسيّون خلالها الكثير من القرارات، والقوانين النّاظمة للحياة الثّقافيّة السّوريّة، فأصدرت القرارات المتعلّقة بالحياة العلميّة بشقّيها: المدرسيّ، والجامعي، كما فرضت سياستها الخاصّة على الصّحافة السّوريّة، بما يهدف إلى تحقيق الهيمنة الفرنسيّة على الأوضاع الدّاخليّة السّوريّة، كما سعت فرنسا إلى تنشيط التّنقيبات الأثريّة في الأراضي السّوريّة، وعملت على البحث عن الآثار بشكل منتظم، وكلّ ذلك بقصد تحقيق السّيطرة الفرنسيّة الكاملة على سوريّة.
إلّا أنّ السّمة الرئيسة لطريقة تعامل الفرنسيّين مع الحياة الثّقافيّة السّوريّة، تمثّلت بالاندماج الكامل، والمنهج الموحّد إزائها، فعلى الرّغم من الاختلاف القائم بين المفوّضين السّاميّين بين التّشدّد الدّينيّ المسيحيّ، والعلمانيّة في التّعاطي مع الأحداث السّوريّة، إلّا أنّها اتّفقت في سياستها الدّاعمة للبعثات التّبشيريّة، والمدارس الأجنبيّة، ومحاولة فرنسة السّيطرة على مفاصل التّعليم السّوريّ، بهدف تثقيف الشّعب وفق الطّريقة، والنّموذج الفرنسيّ، وإبعاده عن تاريخه العربيّ الأصيل، وكان لتعدّد الصّحف، والمجلّات دورٌ في
انتشار الحركة الثّقافيّة في المجتمع السّوريّ، إلّا أنّ فرنسا نجحت في فرض رقابة شديدة على الصّحف، ومنعتها من كتابة أيّ مقال يستهدف الوجود الفرنسيّ في الأراضي السّوريّة، كما شاركت سلطات الانتداب الفرنسيّة في التّشجيع على التّنقيب الأُثريّ، لكشف الكنوز الآثريّة السّوريّة الدّفينة، والاستيلاء عليها، ولم تقتصر السّياسة الفرنسيّة على ذلك، بل سعت جاهدةً إلى تقسيم سوريّة إلى دويلات طائفيّة وإثنيّة، بهدف طمس الحياة السّياسيّة، والاجتماعيّة لسوريّة، وفرض التّقسيم أمرًا واقعًا، لكن السّوريّين نجحوا بفضل رفضهم لتلك السّياسات من الاحتفاظ بهويّتهم العربيّة، وحماية بلادهم من التّجزئة، والتّقسيم.
كان التّعليم في سوريّة خلال الفترة العثمانيّة على نوعين: التّعليم الدّينيّ يعتمد فيها على رجال الدّين، في الكتاتيب، والمساجد، وبمعزل عن الحكومة المركزيّة، والمدارس الحكوميّة، فكانت تتمّ وفق أربعة مراحل: المدرسة الابتدائيّة: وكان التّعليم فيها إلزاميًّا، ومدّة الدّراسة فيها أربع سنوات، المدرسة الرّشديّة: ومدّة الدّراسة فيها أربع سنوات، والمدارس الإعداديّة: مدّة الدّراسة فيها ثلاث سنوات، والمدارس السّلطانيّة، أو (المدارس الثّانويّة): توجد في مراكز الولايات، يقبل فيها التّلاميذ النّاجحون في مرحلة الإعداديّة، تختلف فيها دفع الرسوم الدّراسة باختلاف الطّلبة.
وفي أواخر العهد العثماني، بدأ التّأثير الفرنسيّ على المؤسّسات التّعليميّة، والثّقافيّة قبل الانتداب، وذلك عندما كانت البعثات التّبشيريّة منتشرة في بلاد الشّام، والّتي نجحت بتأسيس العديد من المدارس التّبشيريّة، كما استطاع الفرنسيسكان من تأسيس
اثنتي عشرة إرساليّة في شمال ووسط سوريّة، مستخدمين فيها رهبانًا معظمهم من الفرنسيّين، الأمر الّذي أدّى إلى حدوث تنافس بين التّعليم التّركيّ، والمدارس الّتي أسّستها البعثات التّبشيريّة، فقامت تلك المدارس بإرسال طلّابها إلى فرنسا، والبلاد الأوروبّيّة، وكان التّعليم في تلك المدارس يتمّ باللّغتين التّركيّة والفرنسيّة بصفنها لغة مساعدة، وقد قادت تلك البعثات إلى نموّ الشّعور المعادي للدّولة العثمانيّة، والّذي أثّر على وجود الدّولة العثمانيّة ككل، معتمدين على انتشار التّعليم الغربيّ، وحصول العرب على الثّقافة الغربيّة بعد اتّصالهم بالقوى الأوروبيّة، وسفرهم إلى أوروبا، وتمويه الحسّ الوطنيّ لدى فئات السّكّان في بلاد الشّام، وهذا ما عكس حقيقة عمل المبشّرين الهادف إلى السّيطرة السّياسيّة، والاقتصاديّة، فضلًا عن دخول عدد من الأسر الإسلاميّة في الدّين النّصرانيّ لأسباب سياسيّة، أو اقتصاديّة، أو لتدخّل مباشر من المبشّرين.
أدرك الفرنسيّون ما للتّربية، وللتّعليم من تأثير في تكوين النّاشئة؛ فعملوا خلال المرحلة الأولى من سيطرتهم على سوريّة على النّمط التّعليميّ العثمانيّ، كما عمدوا إلى سنّ قوانين، وتعليمات ضمنت هيمنتهم على شؤون التّربية، والتّعليم، وتوجيهها نحو أغراضهم السّياسيّة الكبيرة في ترسيخ الوجود الفرنسيّ، والقضاء على التّوجّه القوميّ
العربيّ، قسّمت الدّراسة على مرحلتين الأولى الأوّليّة، والثّانية الابتدائيّة، والمدرسة الابتدائيّة مندمجة في المدرسة الأوّلية، وللانتقال من الأوّليّة إلى الابتدائيّة ينبغي للطّلبة أن يخضعوا للأحكام التّالية، يقبل رأسًا في السّنة الأولى من الحلقة العالية في المدرسة الابتدائيّة التّلاميذ الّذين يحملون مصدّقة الدّروس الأوّليّة، ويقبل في الحلقة الأوّليّة، أو الحلقة الوسطى في المدرسة الابتدائيّة تلاميذ المدرسة الأوّلية الّذين لا يحملون هذه المصدّقة، وذلك بحسب المعلومات الّتي يمتلكونها، وقدراتهم، وقد بيّنت سلطات الانتداب موقفها من التّعليم، ونظرتها إليه، من خلال دستور دولة سوريّة المنشور بقرار المفوّض السّامي هنري بونسو رقم (۳۱۱۱) بتاريخ (١٤ آيار ۱۹۳۰م) الّتي نصّت على ما يأتي:
المادّة ۱۹: التّعليم حُرّ ما لم يخلّ بالنّظام العامّ، أو يتنافى مع الآداب العامّة، أو يمسّ أيّ دين.
المادّة ۲۰: غاية التّعليم ترقية المستوى في الأخلاق، والعلوم بين الأجيال، وتثقيفهم على مبادئ الرّوح الوطنيّة، وتحقيق الألفة، والإخاء بين جميع أبناء الوطن.
المادّة ۲۱: التّعليم إلزامي لجميع السّوريّين من بنين وبنات، وهو مجانيّ في المدارس الرّسميّة.
المادّة ۲۲: توضع برامج التّعليم العام بطريقة تضمن معها وحدة التّعليم.
المادّة ۲۳: تشرف الحكومة على المدارس وتراقبها.
المادّة ۲۸: إنّ حقوق الطّوائف الدّينيّة مكفولة، ويحقّ لتلك الطّوائف أن تنشئ المدارس لتعليم الأحداث بلغتهم الخاصّة، بشرط مراعاة المبادئ المعنيّة في القانون.
فقد كانت السّياسة العامّة الفرنسيّة تقوم بفرض سياسة تعليميّة موالية لها، وقامت هذه السّياسة على الأسس التّالية:
أ. تنظيم شؤون التّعليم في سوريّة وفق الأساليب المتّبعة في فرنسا، وعدم التّقيّد بفارق البيئة، والجنس، والدّين، والحضارة.
ب. فرض اللّغة الفرنسيّة على المؤسّسات الثّقافيّة الرّسميّة والخاصّة.
ت. تشجيع المدارس الفرنسيّة، والمؤسّسات التّربويّة الفرنسيّة، ومنحها الإعانات، والمساعدات الضّخمة، والتّضييق على موازنة المعارف السّوريّة، وتقليل مخصّصاتها، وإغداق الاموال على المدارس التّبشيريّة الّتي تعلم اللّغة الفرنسيّة.
ث. تعيين مستشارين، ومفتّشين فرنسيّين يتمتّعون بصلاحيّات مطلقة لتسيير شؤون المدارس الرّسميّة وفق الخطط الّتي ترسمها سلطات الانتداب.
ج. إعطاء أهمّيّة كبرى للشّهادات الفرنسيّة، والنّظر باستخفاف للشّهادات السّوريّة.
ح. وضعت سلطات الانتداب برامج خاصّة لمنطقة العلويّين، وجبل الدّروز، بهدف القضاء على الشّعور القوميّ العربيّ، وتعزيز الشّعور الطّائفيّ الإقليميّ.
وقد قامت سلطات الانتداب الفرنسيّ بافتتاح عدد من المدارس، والمعاهد، والكلّيّات في دمشق، وحلب، وحماة، والحسكة، واللّاذقيّة، وغيرها من الأماكن، لكن البرامج التّعليميّة أصابها الفوضى بسبب تنوّع النّظم التّعليميّة (العثمانيّة - العربيّة - الفرنسيّة)، فضلًا عن تنوّع المدارس (الوطنيّة - الإسلاميّة - الأجنبيّة - الطّائفيّة) لذلك أصدرت دائرة المعارف نظام البكالوريا، وذلك في عام ١٩٢٧م، فكانت أنظمة امتحان الشّهادة السّوريّة نسخة عن نظيرتها الفرنسيّة، ففي عام ١٩٢٨م تقدّم الطّلّاب السّوريّون الّذين كانوا في الصّفّ الحادي عشر الثّاني بامتحان، والطّلّاب المقبولون تابعوا دراساتهم الثّانويّة في صف الفلسفة، أو صف العلوم، وتوجب عليهم بعد سنة أن يتقدّموا لامتحان القسم
الثّاني من البكالوريا الأدبيّة، أو العلميّة، ممّا دفع بالمدارس لاتباع مناهج واحد لتؤمّن نجاح طلّابها، وبخاصةً أنّ دائرة المعارف لم تعد تعطي شهادة الثّانويّة إلّا عند اجتياز هذا الامتحان، كما أنّها شجّعت على إيفاد البعثات العلميّة، وتخريج مدرّسين للثّانويّة، وتأسيس دور معلّمي المدارس، بهدف استقطاب النّاشئة من التّلاميذ، والسّيطرة على فئات الشّعب، لكنّها في الوقت نفسه كانت تفرض سياستها على المدارس، وعقوباتها على التّلاميذ، والطّلبة، والمدرّسين المخالفين لتعليماتها، ونظمها التّعليميّة، فقامت بطرد ثمانية عشر تلميذًا من المدرسة التّجهيزيّة في حلب لرفضهم مقابلة الشّيخ تاج الدّين الحسيني عند زيارته إلى مدرستهم، كما عزل رئيس التّجهيز لأنّه لم يوافق على طردهم بدون محاكمة من المجلس التّأديبي، كما قام وزير المعارف حسني البرازي بنقل ستّين معلمًا، ومعلمة في حمص، وحماه إلى مراكز أخرى تشفّيًا من ذويهم لمعارضتهم السّلطة الفرنسيّة.
اهتمّ الفرنسيّون بالتّعليم الابتدائي، والثّانوي اهتمامًا خاصًّا، فقاموا بخطوات عديدة لفرنسة التّعليم في سوريّة، ومن تلك الخطوات:
- افتتاح المدارس الفرنسيّة، والأجنبيّة: إذ أهملت سلطات الانتداب الفرنسيّ المدارس العربيّة، والإسلاميّة، وشجّعت على افتتاح المدارس الأجنبيّة عامّةً، والفرنسيّة خاصّةً، مع تشجيع النّاس على الإقبال عليها، من دون إخضاعها لمراقبة الحكومة الوطنيّة، والّتي كانت تتبع أسلوب الدّراسة الفرنسيّة، وكان طلّابها يهيَّأون لدراسة الطّبّ، والحقوق في الجامعة اليسوعيّة في بيروت، والجامعات الفرنسيّة، وكان من أبرز أهداف تلك المدارس: تدريس مذاهبها الدّينيّة، وفقهت تلاميذها في مواضع هدفت من خلالها إلى تسهيل الاكتساب السّريع للثّروة الفرديّة، وتدريس اللّغات الأوروبيّة، ومبادئ التّجارة، ووقفت في وجه المدارس الوطنيّة، وتأسيسها، لخنق الرّوح العلميّة، وقتل الحرّيّة الفكريّة، بتعديل برنامج التّعليم بحسب أهوائها، ورغباتها، وصهر البلاد، وأهلها في بوتقة ثقافة المستعمر لإرضاخهم، والهيمنة عليهم، وقد انتشرت تلك المدارس في أرجاء سوريّة، ففي دمشق وحدها بلغ عدد المدارس الأجنبيّة عام ١٩٢٩م سبعًا وأربعين مدرسة للذّكور تضمّ ٥٧٣٢ تلميذًا، وستًّا وثلاثين مدرسة للإناث وتضمّ ٥٧٢٠ تلميذة، أمّا المدارس الطّائفيّة فبلغ عددها مئة وواحدة وخمسين مدرسة للذّكور، وأربعًا وثلاثين مدرسة للإناث، وقد أرادت الحكومة الفرنسيّة من دعم تلك المدارس، جذب الشّعب العربيّ المسلم للتّعلّم في المدارس الطّائفيّة، والأجنبيّة، حتّى تتمكّن من السّيطرة عليه فكريًّا، وقتل روح
المقاومة ضدّ الاستعمار الأجنبيّ، كما نشطت المدارس التّبشيريّة بشكل كبير في سوريّة، وكانت الغاية من وجودها قيادة النّاس إلى الدّخول في الدّين المسيحيّ، وتعليمهم حتّى يصبحوا أفرادًا مسيحيّين، وشعوبًا مسيحيّة، فتلك المدارس تجعل النّاشئين تحت تأثير التّعليم المسيحيّ أكثر من أيّ قوّة أخرى، ثمّ إنّ هذا التّأثير يستمرّ حتّى يشمل الأشخاص الّذين سيصبحون يومًا ما قادة في بلادهم، ومن أجل ذلك ترفض تلك المدارس أن تتقيّد بالمنهاج الرّسميّ للبلاد، كون التّقيّد بتلك المناهج يفقدها صفتها التّبشيريّة المسيحيّة، ويجعلها في عداد المدارس الوطنيّة، فتنتفي الغاية من وجودها، وعلى الرّغم من كلّ التّسهيلات الفرنسيّة فقد كان انتشار تلك المدارس بين المسلمين محدودًا، لأنّ الاتّجاه العام كان إلى المدارس الرّسميّة، للانتساب إلى الجيش، والوظائف الحكوميّة.
- أدار الفرنسيّون شؤون التّعليم في المدارس العامّة إدارة مباشرة، فعملوا على مناهضة التّعليم باللّغة العربيّة، وانتشارها، وعلى الرّغم من أنّ ثورة الشّريف حسين بن علي أطلق عليها الثّورة العربيّة، لأنّها كانت تناهض اللّغة التّركيّة، وتعمل على إحلال اللّغة العربيّة مكانها في المدارس، والإدارات، والمحاكم، واستخدمتها دعامةً أساسًا لوحدة شعوب المنطقة، ووحدة تاريخها، وتراثها، ومن هنا كانت الرّغبة الفرنسيّة بتحطيم اللّغة العربيّة، بحجّة أنّها لغّة فقيرة، وجامدة، وبالتالي لا يمكنها من مسايرة النهضة العلميّة في العالم، وخاصّةً في المصطلحات والمشتقات، وتشكيك النشء بلغتهم، وسعوا لربط
الثقافة الشرقية بالفكر الفرنسي، لذلك فرضوا تعليم اللغة الفرنسية على جميع المراحل، بعد تقليل نفقات المدارس الرسمية فكان لكلّ مدرسة حكوميّة مدرس واحد للدروس الفرنسية التي احتلت مكانًا بارزًا في المناهج، إذ أن نظام الامتحانات التي كانت تجريها دائرة المعارف كانت تخص اللغة الفرنسية باحترام عميق، وامتيازات مهمة تخالف جميع أسس التعليم السليمة فعلامات اللغة الفرنسيّة في المرحلة الابتدائيّة تقارب ثلث مجموع العلامات، وتزيد على مجموع العلامات المخصصة للتاريخ والحساب والجغرافيّة والهندسة مجتمعة.
- ضيّقت سلطات الانتداب الفرنسيّة الخناق على نظام التعليم الإسلامي بصفة خاصة، فقامت بإلغاء دراسة العلوم الدينية مثل: القرآن الكريم والفقه والتوحيد، وجعلوا لها درس واحد يسمى درس الدين، حصل مع اللغة العربيّة حيث جعلوا لها حصة واحدة في الأسبوع، واختاروا لها أضعف المدرّسين، لكن الأمر الّذي زاد تعقيدًا هو عدم إدخال هذا الدّرس ضمن الامتحانات النّهائيّة حيث صارت علوم الدين، واللّغة العربيّة مهملة، وأمرت بإقفال الكتاتيب في حلب، أو منعهم من تعليم التّلاميذ في حال وجود مدرسة في المدن، والقرى الموجودة فيها، وعدم قبول التّلاميذ فوق سنّ السّابعة، وأن لا تدرس إلّا التّعليم الدّينيّ، وحدّدت دائرة المعارف شروط إقفال تلك الكتاتيب، إذا كانت حال بنائه، وأثاثه خطيرة على صحّة التّلاميذ، وعندما بدأت الاحتجاجات سارعت دائرة المعارف إلى استرجاع القرار، فأعلنت أنّها طلبت من مفتشي المعارف تفتيش الكتاتيب القرآنيّة، والمدارس الأهليّة للتّثبيت من حسن سيرها، ومتانة بنائها، وأنّها لم تفكّر قطّ في إغلاق أي كتاب، وإنّما هي تشجع الكتاتيب، والمدارس الخاصّة، وتمدّها بمبالغ ماليّة كافية لها.
وفي خضمّ تلك السّياسة الفرنسيّة السّاعية لفرنسة سوريّة، بدأ عهد الاستقلال الوطنيّ
بعد انتخاب المجلس النّيابي لشكري القوتلي رئيسًا للبلاد، فقام العهد الجديد بعدد من الأعمال المتعلّقة بالتّعليم، فأصدرت الحكومة تقريرًا موجزًا عن الأعمال، والإصلاحات الّتي أنجزتها وزارة المعارف خلال عام ١٩٤٣م، وعن المشاريع الّتي تسعى لتحقيقها، فكانت وزارة المعارف بين عاميّ (١٩٤٣-١٩٤٤م) تشعر بضرورة ماسة لإصلاح أحوالها، وتعديل برامج التّعليم فيها، وفق حاجات البلاد بصورة تتّفق مع متمّمات العهد الاستقلالي من الوجهتين التّربويّة، والتّعليميّة؛ لأنّ التّشريع في تلك الوزارة كان مبعثرًا، وصادرًا عن مراجع تشريعيّة مختلفة، ومتنافرة، ممّا أدّى الى حدوث بلبلة، واختلال في سير أعمالها، فأصدرت القانون المؤرخ برقم ۱۲۱ الصّادر بتاريخ (۲۱ كانون الأوّل ١٩٤٤م)، والمتضمّن نظام المعارف العامّ الّذي أصبح الدّستور الأساس لوزارة المعارف، تستند عليه في كلّ عمل إصلاحي ترغب القيام به، فقد نصّ ذلك القانون في مواد التّعليم، وأنواعه من مناهج، وأنظمة داخليّة، وتشكيلات إداريّة، وتنظيم الامتحانات العامّة للشّهادة الرّسميّة.
كانت الجامعة السّوريّة قد تأسّست فعليًا في أواخر العهد العثماني، بعد إعادة العمل بالدّستور في عام ١٩٠٨م، ومع ظروف الحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨م) بقيت تلك الجامعات تعمل حتّى الانسحاب التّركي من الأراضي السّوريّة، وعند قيام الحكم
العربيّ في دمشق (١٩١٨-١٩٢٠م)، أعاد الأمير فيصل بن الحسين العمل بكلّيّة الطّبّ القديمة في عام ١٩١٩م، كما تمّ إحداث كلّيّة الحقوق في دمشق، وقد واجهت افتتاح الكلّيّات عقبات، ومتاعب عديدة، لأنّ أدوات المخابر، والمعدّات، كانت قد نقلت إلى بيروت، ولم يبق في الكلّيّة سوى البناء، والمدرجات، واستمرّ الوضع حتّى تأسيس الجامعة السّوريّة في دمشق بالقرار رقم ۱۳۲ بتاريخ (١٥ حزيران ۱۹۲۳م)، والّتي تكوّنت من فرعين الطّبّ (والّذي ضمّ الطّبّ البشريّ والأسنان والصّيدلة)، والحقوق، ثمّ أضيفت إليها شعبة الآداب، لكنّها ألغيت فيما بعد، فضلًا عن الأكاديميّة العربيّة، ومتحف دمشق، وكانت هذه المؤسّسات مرتبطة بمدير الأمور الملكيّة في الاتّحاد، ويدير شؤونها رئيس معيّن لسنة، ينتخبه مديرو معاهد الجامعات، ورئيس المجمّع العلميّ، ويعاون الرّئيس مجلس الجامعة المؤلّف من رؤساء المعاهد، وثلاثة أعضاء من كلّ من المعاهد، والمجمّع العلميّ، ويجتمع هذا المجلس لدرس مسائل الإدارة، ووضع النّظام الدّاخليّ، وبرنامج الدّروس، واللّجان الفاحصة، ونظام موازنة الجامعة، وتعيين من يرسلون إلى الخارج لإنجاز دروسهم، وكان
نتيجة للسّياسة الفرنسيّة التّعليميّة، فقد حقّقت فرنسا عددًا من النّتائج في هذه المجال، منها:
- تجريد التّعليم من محتواه الوطنيّ، من خلال ضرب مراكز اللّغة العربيّة، وإيجاد مناهج تساعد على وضع الأجيال تحت رحمة التّأثير الغربيّ الثّقافيّ، وذلك بجعل اللّغة الفرنسيّة لغّة رسميّة، وإلزاميّة للأطفال في المدارس الابتدائيّة، وتمّ زجّ أعداد كبيرة من الموظّفين الفرنسيّين في المؤسّسات السّوريّة، وجعل الثّقافة الفرنسيّة مركز الصّدارة على حساب الثّقافات الأخرى.
- أهملت اللّغة العربيّة، وتاريخ سوريّة القوميّ، وكذلك جغرافية البلاد، إزاء الاهتمام باللّغّات، والتّاريخ، والجغرافية الفرنسيّة، فضلًا عن اختلاف مناهج التّربية، والتّعليم في المدارس بين منطقة وأخرى، وأصبح الطّلّاب ينجحون، وهم يجهلون تاريخهم، ودينهم، ولغّتهم، فهم يدرسون عن الثّورة الفرنسيّة، وملوك فرنسا أكثر ممّا يدرسون عن تاريخ المسلمين، والأمويّين، والعّباسيّين.
- كان للتّعليم زمن الانتداب الفرنسي مساوئ منها، المشاكل الكبيرة الّتي واجهت التّعليم مثل ضيق المدارس الحكوميّة، وعدم وجود أمكنة تستوعب الصّبيان الّذين تقدّموا إلى مدارس العاصمة، ممّا أثار سخط الأهالي، كما قامت السّلطات الفرنسيّة بإغلاق قسمًا من تجهيز البنات، وأنقصت من مخصّصات الجامعات السّوريّة.
- جعلت سلطات الانتداب حقّ مراقبة المدارس الأجنبيّة بمختلف أشكالها بيدها، بعد أن نزعت هذا الحقّ من الحكومة السّوريّة، ومنحت نفسها حقّ منح الرّخَص بفتح المدارس الخاصّة، فأصدر المفوّض السّامي القرار رقم ٢٦٧٩ بتاريخ (٢٤ حزيران
١٩٢٤م)، والّذي يقضي بأن تكون المفوضيّة الفرنسيّة المرجع الأعلى الّذي يبرم نهائيًا أمر منح الرّخصة، أو رفضه.
- مراقبة مدارس الحكومة من قبل مستشاري وزارة المعارف، ومديري الدّروس الفرنسيّة في المدارس الثّانوية، وسيطرة المفوّض على الميزانية العامّة للدّولة، ومنها وزارة المعارف، كما أقلّ الفرنسيون المال من الموازنة لنشر التّعليم في مدارس الحكومة، كما أنّهم لم يؤسّسوا أيّ مدارس حكوميّة جديدة.
سارعت الصّحف السّورية إثر صدور مقرّرات مؤتمر سان ريمو عام ١٩٢٠م، وإعلان الانتداب الفرنسيّ على سوريّة، إلى نشر المقالات الحماسيّة، والمتعلّقة بالدّفاع عن الوطن، لذلك أرادت الحكومة السّوريّة أن تنظّم الصّحافة للاعتماد عليها في تكوين الرّأي العامّ، وتوجيهه بصرامة ضدّ الاستعمار الأوروبّي، فكان القرار بتأسيس، وتنظيم مديريّة المطبوعات بدمشق، وبذلك أعيد تنظيم الصّحافة بعد أن كانت بلا توجيه من الحكومة السّوريّة خلال الحرب العالميّة الأولى، وما بعدها لظروف الحرب، والمناورات الاستعماريّة على سوريّة.
لكنّ الإدارة الفرنسيّة في سوريّة في فترة الانتداب عمدت إلى كمّ الأفواه بشتّى السّبل، والطّرق، معتمدةً على الرّشوة، والإغراء، وكمّ الأفواه من خلال النّفي، والتّشريد، والقوّة، فشرّعت مجموعة من القوانين، والقرارات الّتي تخصّ الصّحافة كانت في مجملها تهدف لقمع الصّحفيّين السّوريّين، وتعطيل الصّحف، فقد اختفت الصّحف الّتي ظهرت في عهد الاستقلال، وظهرت محلّها صحف أخرى بعضها ذات نزعات متطرّفة، وأخرى ذات
نزعات معتدلة، وفي (٢٧ حزيران ١٩٢١م)، أصدر الجنرال غورو قرارًا ذي الرقم ٨٢٤، والمتمثّل بإنشاء مكتب للصّحافة في دائرة مندوب المفوّض السّامي بدمشق، ومكتب أخر في دائرة معاون المندوب بحلب، يلحق بالسّكرتير العامّ مدير قسم الاستخبارات، والمطبوعات، ولا يجوز لأيّ مدير، أو وزير أن يستصدر أمرًا، أو قرارًا إلّا بالرّجوع إلى المفوّضيّة العليا في إصدار هذا القرار، وبذلك تمكّن غورو من ربط الصّحافة السّوريّة بالمفوضيّة العليا، ومكاتبها بصورة مباشرة، وبذلك أفسح للمراقبة على الصّحف مجالًا كبيرًا، واختصّ بها مكتب خاصّ يتوجّه إليه مديرو الصّحف في كلّ ما يتّصل بممارسة أعمالهم الصّحفيّة في داخل الدّول السّوريّة الأربع، كما وضع نظامًا خاصًّا للصّحافة يقضي بإبداع تأمين قدره ٥٠٠ ليرة سوريّة أي ما يعادل ١٠٠ فرنك فرنسي، وإيقاف الصّحف، وإلغائها في بعض الأحوال، وخصوصًا إذا كانت الصّحيفة ترمي إلى المسّ بالعلاقات الدّوليّة.
وقد أصدرت سلطات الانتداب قرار فرض الرّقابة على الصّحف السّوريّة، وبموجب هذا القرار تمّ حذف، وإسقاط مقالات من الصّحف، وجعل وظيفتها مقصورة على نشر أخبار المجتمع السّوريّ، فكانت الصّحف السّوريّة تقابل هذا بترك فراغ أبيض، وتقول حذف بمعرفة الرّقابة، وكان احتجاجًا صارخًا على الرّقابة، ودعوة صريحة لشدّتها على حرّيّة الصّحفيّة، واستمرار استفزاز الرّأي العامّ ضدّ الاستغلال السّياسيّ، والاقتصاديّ للبلاد السّوريّة، وإظهار السّياسة، وخنق الحرّيّات العامّة، وحرّيّة الصّحافة، كما كانت السّلطات الفرنسيّة توجّه بلاغات من خلال مديريّة المطبوعات إلى أصحاب الصّحف، والمجلّات بأن يرسلوا نسخًا من صحفهم إلى دائرة الاستخبارات الفرنسيّة لمراقبتها،
وتوجيهها الوجهة الفرنسيّة، بقصد قتل الحركات الوطنيّة، فنصّ البلاغ على ما يلي: «إلى أرباب الصّحف، أبلغتنا مديريّة المطبوعات عطفًا على إشعار وزارة الدّاخليّة أنه على أصحاب الجرائد أن يرسلوا كلّ يوم نسخة من جرائدهم إلى دائرة الاستخبارات الفرنسيّة في النّادي العربي»، لذلك فقد كانت بعض الصّحف تعطّل لوقت محدّد بموجب البلاغ، أو بموجب الرّقابة الشّديدة الّتي تفرض عليها، ثمّ تصدر بعد ذلك بأعداد قليلة.
أمّا قانون ذيل الصّحافة الصّادر في ١٩٢٤م أصدرته فرنسا رغبة منها في سدّ الباب في وجه كلّ من ينتقدها من الصّحف السّوريّة حيث نصّ هذا القانون على أنّ السّلطات الفرنسيّة تعتبر العلاقات الخارجيّة، والاتّصالات مع الدّول الأجنبيّة من اختصاصها، ولها حقّ التّصرّف بموجب صكّ الانتداب الّذي يخوّل لها قرار عصبة الأمم المتحدة، وإنّها مكلّفة بالدّفاع عن الأراضي الواقعة تحت سلطانها، وبالتّالي لديها الحقّ في معاقبة فاعلي الجرائم، ومرتكبيها، وضمان سلامة العلاقات الدّوليّة، وحفظ النّظام ، وبتاريخ (١٥ نيسان ١٩٢٥م) صوّت المجلس النّيابيّ السّوريّ على قرار رقم ٦٩، والّذي بموجبه يخوّل رئيس الدّولة بناءً على اقتراح وزير الدّاخليّة تعطيل، أو إلغاء أي صحيفة تنشر مقالًا، أو أخبارًا تهدف إلى تهييج الرّأي العامّ، أو يمسّ كرامة الدّولة، أو رئيسها، أو أحد أعضائها، أو من المجلس التّمثيليّ، أو من الموظّفين المدنيّين، أو العسكريّين التّابعين لإدارات الدّولة، كما كان المفوّض السّامي يملك مثل هذا الحقّ حين تنشر أيّ جريدة، أو مجلّة مقالًا من شأنها تعكير السّلام، أو النّظام العامّ، أو تمسّ بالعلاقات الدّوليّة.
لما كانت الصّحافة الوطنيّة لا ترمي إلى أهداف آنيّة، وخاصّة، بل إلى أغراض الأمّة فتطالب بالوحدة الوطنيّة، وضمّ باقي الأجزاء السّوريّة إلى حكومة دمشق، وتطالب
بالحرّيّات الدّيمقراطيّة، وبمجلس نيابيّ منتخب، وحكومة شرعيّة تمثّل أماني الأمّة، وتنتقد المفوّضين السّاميّين، فإنّها تعرّضت لمزيد من الاضطهاد، والحجر، والتّقييد من طرف سلطات الانتداب الفرنسيّ، ففي (٥ كانون الأوّل ١٩٢٤م) اتّخذ المفوّض السّامي مكسيم ويغان قرارًا بإلغاء الاتّحاد السّوريّ، وإنشاء وحدة بين دولتيّ دمشق، وحلب، فكان من الطّبيعي أن يطبّق قانون الصّحافة الخاصّ على الاتّحاد السّوريّ، فأصبح ساري المفعول على جميع البلاد السّوريّة ما عدا بلاد العلويّين، وبذلك توحّدت الصّحافة، وقوانينها في مختلف أجزاء البلاد، عدا بلاد العلويّين والّتي كانت خاضعة للحكم الفرنسيّ بشكل مباشر، كما سعى الفرنسيّون إلى إيجاد نظام للمطبوعات، وقانون عامّ قيّدوا به الصّحافة بقيود ثقيلة، وجعلوا فيه لأنفسهم، والحكومة التّابعة لهم سلطة تعطيل الصّحف إلى فترات محدودة، أو أجل غير مسمّى، فخلال الثّورة السّوريّة الكبرى شدّدت السّلطات الانتدابيّة قبضتها على كلّ ما ينشر في الصّحف، والمجلّات السّوريّة، ففي (١ تشرين الثّاني ١٩٢٥م) منع من نشر كتابات، أو مطبوعات تباع، أو توزّع، أو تعرض للبيع، وتتضمّن معلومات، أو أخبار غير تلك الّتي يعلنها ممثّلو سلطة الانتداب، المكلّفون بكلّ خبر، أو مقال عن العمليّات الحربيّة، والدّبلوماسيّة ومن شأنها تحضّ على العصيان، أو يكون لها تأثيرًا سيّئًا على أفكار السّكّان، والعسكريّين.
وخلال الحرب العالميّة الثّانية عانت الصّحف السّوريّة من الحرمان، والمتاعب بسبب طبيعة ظروف الحرب، وتدابيرها، فاتّخذت السّلطات الفرنسيّة الحاكمة إجراءات مختلفة، منها: فرض رقابة شديدة على الصّحف، وغلاء أسعار الورق، وموقف السّلطات الفرنسيّة موقف المتفرّج، ومن أمثلة ذلك كان ثمن ماعون الورق قبل الحرب ليرة واحدة، ارتفع في
السّنة الثّالثة للحرب إلى مئة ليرة سوريّة، الأمر الّذي دفع أصحاب الصّحف إلى اختصار حجمها، واضطرّت إلى الصّدور بأربع صفحات صغيرة، ووجّهوا حملات النّقد، واللّوم للسّلطات الحاكمة بسبب تجاهلها الأزمات العنيفة الّتي تواجهها صحفهم، ووجهّت نقابة الصّحافة تحذيرها إلى الحكّام، هدّدت بالتّوقّف عن الصّدور إذا لم تخرج عن موقف اللّامبالاة الّذي تقفه من ضائقة الصّحافة، وبالفعل فقد اضطرّت بعض الصّحف إلى الاحتجاب عن الصّدور لفترة من الزّمن، ممّا دفع بعض الشّخصيّات المسؤولة للتّدخّل، فأصدرت نقابة الصّحافة بيانًا شرحت فيه أسباب توقّف الصّحف عن الصّدور في دمشق، وأعلنت أنّ الصّحف ستعاود الصّدور مناوبة في الصّباح، والمساء، فتصدر كلّ يوم جريدتان، وحدّد البيان لكلّ جريدة مواعيد صدورها، غير أنّ الصّحافيّين انتظروا وقتًا طويلًا للحصول على الورق، المطلوب بحجّة أنّ الكمّيّة الّتي أوصت عليها سلطات الاحتلال لم يصل منها إلّا اليسير، وصارت السّلطات توزّعه بالقطّارة.
لم يقتصر اضطهاد السّلطات الفرنسيّة للصّحف فقط بل تعدّاها إلى اضطهاد الموظّفين فقامت بعزل الموظّفين الّذين عيّنوا قبل أيّامها، وكانوا ضدّها في الانتخابات، ولاحقت الصّحفيّين أنفسهم إمّا بالسّجن، أو تعذيب، ممّا دفع بعضهم للهرب من سوريّة، واللّجوء إلى بلدان العربيّة الأخرى، لكنّ فرنسا لم تستطع مع كلّ أفعالها اتّجاه الصّحفيّين، أن تطفئ شعلة الفكرة العربيّة، وأن تشلّ الحركة القوميّة في الشّام، بل ظلّت متّقدة في الدّاخل، والخارج، وازدادت بتصرّفات الفرنسيّين شدّةً في الكثير من الأحيان، ولم تستطع فرنسا أن تجعل سوريّة تقبل فكرة الانتداب بشكل من الأشكال، وترضى به.
تنوّعت الصحف والمجلّات السوريّة الصادرة خلال فترة الانتداب الفرنسي، والتي تنوّعت مضامينها وأشكالها، فصدرت العديد من المجلات المتعلّقة بأمور التربية والتعليم، ومن أهمها: أخبار المعارف الصادرة في دمشق وذلك في أيلول من عام ۱۹۲۳م، وكانت تصدر بشكل شهري وتنشر الأخبار الرسميّة لدائرة المعارف إذ لم يكن هناك وزارة، بل دوائر توجّه محافظة دمشق.
كما صدرت العديد من الصحف التي تتعلق بالشأن السياسي، منها: صحيفة الأيام، والتي أصدرتها الكتلة الوطنيّة، بسبب حاجتها إلى سدّ الفراغ الإعلامي في أجهزتها، فقرّرت إصدار صحيفة يوميّة تنطق بلسانها، وتدافع عن سياستها، وحصلت على التّرخيص بذلك، وقد نادت الصّحيفة بضرورة مكافحة الاستعمار، وسياساته، ممّا دفع بالسّلطات الفرنسيّة إلى فرض رقابة شديدة على الدّاخلين إليها، والخارجين منها، وتفتيش المطابع بحجّة أنّها تطبع منشورات معادية للسّلطات، وقامت باعتقال بعض الموظّفين، والعمّال، واستجوابهم، والتّحقيق معهم، ومن ثمّ أصدرت أمرًا بتعطيل الصّحيفة بتاريخ (٢١ كانون الأوّل ١٩٣٣م)، بناءً على القرار رقم ٢٦٣٠، والّذي أشار إلى نشر جريدة الأيّام في عددها ذي الرّقم ٥٥٤ الصّادر بتاريخ (١٨ كانون الأوّل) مقالًا يخلّ بالأمن العامّ إلى أجل غير مسمّى، وكان المقال لكاتب فرنسي انتصر لسوريّة، فعدّت السّلطة، والحكومة المقال مخلًّا بالأمن العامّ.
وقد سارعت سلطات الانتداب إلى تعطيل الكثير من الصّحف السّوريّة لأكثر من
شهرين، ومن هذه الصّحف صحيفة المقتبس لمؤسّسها محمّد كرد علي، والّتي تعدّ من أهمّ الصّحف السّوريّة الّتي رفعت راية النّضال ضدّ الانتداب الفرنسيّ، فنشرت العديد من المقالات السّياسيّة، هاجمت فيها الحكومة السّوريّة الّتي شكّلتها سلطات الانتداب الفرنسيّ، فسارعت السّلطات لحجب الصّحيفة عن الصّدور، فطلب تاج الدّين الحسيني من محمّد كرد علي إيقاف الصّحيفة، فتمّ إغلاقها بالشّمع الأحمر، ولهذا السّبب فقد كان من المستحيل تأسيس صحيفة سياسيّة أمر صدورها، وإغلاقها بيد سلطات الانتداب الفرنسيّ، ومهما يكن من أمر فقد صدرت صحيفة جديدة باسم القبس بتاريخ (١ أيلول ١٩٢٨م) رديفة للمقتبس، فكانت صحيفة سياسيّة اجتماعيّة اقتصاديّة، لمقارعة الاستبداد، وتوعية الشّعب، وتنوير الفكر العامّ، ممّا عرّض الصّحيفة للإغلاق، والتّوقّف أكثر من مرّة، كما عطّلت سلطات الاحتلال الفرنسيّ جريدة القبس لأجل غير مسمّى، لأنّها هاجمت الحكومة، ونقدت بنود معاهدة عام ١٩٣٦م.
كما صدرت العديد من الصّحف، والمجلّات الأدبيّة، ومنها: مجلّة الطّليعة الّتي صدرت في دمشق بتاريخ (١٦ آب ١٩٣٥م)، وكان هدف المجلّة الرّئيس خلق جوّ من التّفكير، ونشر المعرفة قدر إمكاناتها، فكانت تبتعد بنفسها عن الالتحاق بطائفة دون أخرى، أو جماعة دون جماعة، وفي هذا البلد، أو سواه، وقد تجمّع في وجه واحد بين متناقض الأراء، ومتباين النّزعات، وتعمل على توحيد صفوف الأدباء الشّعبيّين، ووصل الأدب العربيّ الحديث بالنّضال التّحرّري.
لقي علم الآثار اهتمام الغرب فعنيت حكوماتهم به، وأرصدت للمشتغلين به أموالًا طائلة، وأنشأت له المدارس والمجامع العلميّة، وأوفدت الكثير من الحكومات الغربيّة البعثات العلميّة للتنقيب عن الآثار، فوجد الإنكليز والفرنسيّين والألمان وغيرهم، وبعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى عام ١٩١٨م أظهرت قيادة جيوش الحلفاء اهتمامًا واسعًا بالآثار، وعهدت إلى الإخصائيّين في جيوشها إلى دراسة آثار الشام، كما شدّد المؤتمر الفرنسي الذي عقد في مرسيليا عام ١٩١٩م للبحث في شؤون الشام العامّة على الحكومة الفرنسيّة بإقامة ديوان للآثار القديمة.
كما قامت البعثات الآثريّة الفرنسيّة منذ عام ١٩٢١م بالتنقيب عن الآثار، ففي تدمر استؤنفت تنقيبات منهجيّة منظمة، عام ١٩٢٤م، وتمّ وضع مخطّط كامل لخرائب تدمر في عام ١٩٢٩م، وفي شمال سوريّة تشكّلت بعثة أثريّة عام ١٩٢٤م، لتحديد طبوغرافيّة مدينة سلوقيّة، الّتي كانت أوّل عاصمة لملوك سوريّة، وفي قطينة في تلّ المشرفة شرقي مدينة حمص، تمّت اكتشافات أثريّة واسعة عام ١٩٢٤م، لكنّها توقّفت لسنتين بعد أحداث الثّورة السّوريّة الكبرى، وعلى نهر الفرات أدّت التّنقيبات الأثريّة إلى اكتشاف مدينة دورا أوريوس، وكذلك في حوران، وحلب، والجزيرة العليا، وفي السّويداء، وقنوات، وشهبا.
سعى بعض المفكّرين العرب في الشّام إلى حماية الآثار السّوريّة، فطلبوا من الملك فيصل إنشاء متحف في دمشق، فأصدر أوامره لتنفيذ الأمر، على أن يكون فرعًا للمجمّع العلميّ العربيّ، كما أنشأت الحكومة السّوريّة متحفًا أخر في حلب، كما أنشأت حكومات
لبنان، وجبل الدّروز، والعلويّين متاحف في بيروت، والسّويداء، وطرطوس، كما سعى الفرنسيّون إلى حماية الآثار الإسلاميّة، إذ قامت الحكومة الفرنسيّة بشراء دار العظم (قصر العظم)، أسّس المندوب السّامي الفرنسيّ المعهد الفرنسيّ للأثار والفنون الإسلاميّة في دمشق، الّذي عمل على ترميم المباني التّاريخيّة المهمّة، كالجامع الكبير، والقلعة في حلب، وخصّص جزءًا من نشاطه للمسكوكات الإسلاميّة، وقد ألحقت بالمعهد مدرسة للفنون الزّخرفيّة، وقد توقّف عن العمل به خلال الثّورة السّورية الكبرى ١٩٢٥م، وحلّت بالقصر أضرار بليغة، وفي عام ١٩٢٦م استأنف المعهد، والمدرسة نشاطهما بشكل طبيعيّ.
ومنذ نهاية الحرب العالميّة الأولى عام ١٩١٨م، وجّهت قيادة جيوش الحلفاء بالمحافظة على الأثار السّوريّة، وفي كلّ منطقة تمّ تعيين ضبّاط مؤهّلين للقيام بوظيفة المفتّش على الآثار، وأصدرت قرارات بإنشاء بعثات في كلّ منطقة جرد الآثار القديمة، ووصف حالتها، والأضرار الّتي أصيبت بها نتيجة العمليّات الحربيّة، وفي كانون الثّاني ١٩١٩م أنشئت دائرة الآثار والفنون الجميلة التّابعة للمفوضيّة السّاميّة، والّتي حدّدت صلاحيّاتها بموجب القرار رقم ٨٢٦م الصّادر عن المندوب السّامي الفرنسي بتاريخ (١٧ آذار ١٩٢١م)، والّتي نصّت على ما يلي:
وضع قائمة بالآثار التّاريخيّة في سوريّة، والحضّ على إعداد أنظمة، وإجراءات ضروريّة للحفاظ عليها.
أ. إجراء تنقيبات لصالح المفوّضيّة السّاميّة، ودراسة طلبات التّنقيب الّتي تقدّمها الجمعيّات، أو الأفراد، ومتابعة نتيجة التّنقيبات.
ب. تحقيق إنشاء المتاحف الآثار وصيانتها.
ت. تنظيم تجارة العاديات وتصديرها.
كما وجّهت سلطات الانتداب الفرنسيّة إلى ضرورة توحيد بقايا النّصب التّذكاريّة، والصّنائع القديمة في البلاد، وتنشيط الصّنائع النّفيسة، وإحداث مدرسة، ومتحف للصّنائع الإسلاميّة في المنزل الكائن في البزورية في مدينة دمشق، والمعروف بمنزل أسعد الباشا، عملت سلطات الانتداب الفرنسي، بموجب المادّة ١٤ من صكّ الانتداب على إعداد نظام عام للآثار بموجب القرار رقم ٢٠٧، الصّادر بتاريخ (٢٦ آذار ١٩٢٦م) عن المندوب السّامي الفرنسي، وبموجبه فإنّ جميع نتاجات النّشاط البشريّ السّابق لعام (١٧٠٠م/ ١١٠٧هـ) تعدّ من الآثار سواء كانت منقولة، أم غير منقولة، والآثار غير المنقولة، تكون على قسمين: الأوّل: هي ملكيّة خاصّة للدّولة حصرًا على الأراضي الّتي تقوم عليها، والثّاني: الأفراد الّذين يملكون في الواقع، أو ينتفعون، أو يستخدمون أحد المباني، الّذي يعد أثرًا تاريخيًّا، فيمكنهم الاستمرار في الإفادة منه كأمر واقع، من غير أن يحدّ هذا السّماح في شيء من حقوق الدّولة. وفيما يخصّ الآثار المنقولة، والّتي سبق الكشف عنها، فإنّ حقوق الدّولة لا يمكنها أن تفوق حقّ الملكيّة العائدة للفرد، أو لطائفة، أو لملكيّة مشتركة سوريّة، أو لبنانيّة، أو أجنبيّة، أو العائدة لدولة أجنبية، إمّا نقلت من بلدان أخرى، أو عن طريق الوراثة، أو اكتسبت بطريقة مشروعة.
كان أوّل عمل قام به الفرنسيّون بعد احتلال دمشق، حلّ الجيش الوطني، واعتبار أسلحته، وذخائره غنيمة حرب، وفي (١ أيلول ١٩٢٠م)، أصدر الجنرال غورو قرارًا بتأسيس دولة لبنان الكبير بضمانة فرنسا، وحمايتها، وضمّ إليه أقضية بعلبك، والبقاع، وحاصبيا، وراشيا، فاحتجّت حكومة دمشق على فصل الأقضية الأربعة، وإلحاقها بلبنان،
لتبدأ بعدها فرنسا في تنفيذ برنامج التّقسيم، والتّجزئة لسوريّة، وإنشاء الدّويلات لم سمّي بالشّعوب السّوريّة، فقامت بفصل حلب عن حكومة دمشق بتاريخ (٨ آب ١٩٢٠م)، وتعيين كامل باشا القدسي واليًا ممّا جعل مجلس الوزراء يتّخذ قرارًا باعتبار كامل باشا ينتحل لنفسه حقّ تعيين الموظّفين، من دون أن تكون له أيّ صفة رسميّة، لكنّ السّلطات الفرنسيّة أصدرت بإعلان حلب دولة مستقلّة باسم دولة حلب.
وفي (٢٣ أيلول) من نفس العامّ أصدر المفوّض السّامي قرارًا بإنشاء دولة العلويّين، على أن تكون مدينة اللّاذقيّة عاصمةً لها، ولعلّ هدف فرنسا إصابة المناطق الدّاخليّة السّوريّة بالشّلل التّامّ، وذلك من خلال إبعادهم عن الشّواطئ البحريّة، ذات الأمطار الوافية، وطرق المواصلات البرّيّة، والبحريّة، والمراكز الحربيّة، ومن ثمّ حصرهم في المناطق الدّاخليّة، ممّا دفع حكومة جميل الألشي للاستقالة، فتمّ تعيين حقّي العظم رئيسًا للحكومة، فأصدر أمرًا بجعل الوزارات مديريّات عامّة، ولقّب نفسه حاكم دولة دمشق، وكان ذلك بتوجيه من سلطات الاحتلال الفرنسيّة، وشملت كلًّا من دمشق، وحمص، وحماه، ودرعا، أمّا إعلان دولة جبل الدّروز فقد تأخّر لأنّ الدّروز عقدوا مؤتمرًا
في السّويداء بتاريخ (٢٠ أيلول) اتّخذوا فيه عددًا من القرارات متعلّقة بتنظيم الشّؤون الإداريّة، والقضائيّة، والماليّة في الجبل، فوافق عليه الفرنسيّين، وأصدروا قرارًا بتعيين الأمير سليم الأطرش رئيسًا للحكومة، وفي (١ أيار) انتخب سليم الأطرش رئيسًا لدولة جبل الدّروز، وما عدا هذه التّجزئة الّتي أثار بها الفرنسيّون رغبات محلّيّة، ونزعات مذهبيّة، فقد ظلّ لواء الإسكندرونة جزءًا من دولة حلب حتّى عام (١٩٢٤م)، عندما أصدر المفوّض السّامي قرارًا يتمتّع فيه اللّواء بنظام إداريّ خاصّ، مع بقائه تابعًا للدّولة السّوريّة، وتعتبر اللّغة التّركيّة رسميّة على جانب العربيّة، والفرنسيّة، ومنح السّكّان الأتراك مزايا مختلفة تضمن نموّهم الثّقافيّ.
وعندما رأى الفرنسيّون أنّ الشّعب لم يرض بتلك التّقسيمات، أصدر الجنرال غورو قرارًا بإنشاء اتّحاد بين دول دمشق، وحلب، والعلويّين، لكن هذا الاتّحاد لم يعمّر طويلًا، فمع وصول الجنرال ويغان إلى دمشق خلفًا للجنرال غورو أصدر قرارًا بتاريخ (٥ كانون الأوّل ١٩٢٤م)، بإلغاء الاتّحاد، وإنشاء دولة موحّدة من دمشق، وحلب على أن تبقى دولة العلويّين مستقلّة، واعتبر (١ كانون الثاني ١٩٢٥م) بدايةً لقيام الدّولة السّوريّة الجديدة، وكان من الأسباب الّتي دفعت لبقاء دولة العلويّين خارج الاتّحاد، على حدّ تعبير سلطات الاحتلال الفرنسيّة لرغبة أهلها بذلك، لكنّ الأهالي لم يشتركوا باتّخاذ القرار، بل لأنّ الإدارة الفرنسيّة كان ترمي لذلك، وهذا ما دفع الأهالي إلى الطّلب من المراجع العليا، بأن تضمّ بلادهم إلى الوحدة السّوريّة، فما كان من حكومة اللّاذقيّة الّتي يديرها الفرنسيّين، إلّا أنّ لاحقتهم، وحبستهم، وأحالتهم إلى القضاء، فحكم عليهم بالسّجن، والأشغال شاقّة.
ممّا دفع لاندلاع الثّورة السّوريّة الكبرى، الّتي قادها سلطان باشا الأطرش، والّذي دعا الوطنيّين إلى حمل السّلاح تحقيقًا لأماني البلاد، وكانت أهم مطالب الثّورة:
أ. وحدة البلاد السّوريّة ساحلها، وداخلها، والاعتراف بدولة سوريّة عربيّة واحدة مستقلّة استقلالًا تامًّا.
ب. قيام حكومة شعبيّة تجمع مجلسًا تأسيسيًّا لوضع الدّستور يقرّر سيادة الأمّة سيادة مطلقة.
ت. انسحاب قوّات الاحتلال الفرنسيّة من سوريّة، وتأليف جيش وطني لحماية البلاد.
ث. الحرّيّة، والإخاء، والمساواة بين جميع السّوريّين.
وبالفعل فقد اندلعت الثّورة السّوريّة الكبرى، ونجح الثّوّار بدخول دمشق، في (١٨ تشرين الأوّل ١٩٢٥م)، كما سعت سلطات الاحتلال الفرنسيّ خلال عام ١٩٣٣م إلى فصل منطقة الجزيرة، وجعلها مستقلّة كالإسكندرونة، وأوعزت على ضبّاطها، ومستشاريها، وموظّفيها، أن يأمروا وجوه البلاد، والعشائر بتوقيع عرائض يطلبون فيها استقلال مناطقهم، وفصلها عن الحكومة المركزيّة، وفي (٢ شباط ١٩٣٤م) عاودت سلطات الاحتلال التّحريض على الاستقلال، وسعت إلى إقناع الوجهاء بأنّها تريد خيرهم، وحرّيّتهم، فأجاب الوجهاء سلطات الاحتلال بأنّهم لا يطلبون إلّا الوحدة، ويرفضون الانفصال، وأنّ فرنسا إذا أرادت فصل المنطقة عن سوريّة فعليها أن تقدّم طلبًا للمجلس النّيابي ليناقشه النّوّاب، ويقرّروا الموافقة عليه.
عمدت السّلطات الفرنسيّة على طمس الهوّيّة الدّينيّة، والثّقافة العربيّة في المجتمع
السّوريّ، من خلال فرضها للّغة الفرنسيّة لغةً إلزاميّةً في جميع مراحل التّعليم، وشجّعت في الوقت ذاته مدارس الإرساليّات الأجنبيّة، وكانت كلّ صحيفة تتجرّأ على نقد تلك المدارس تتعرض للإغلاق، وقد حاولت فرنسا تبرير سياستها القائمة على مضايقة المدارس العربيّة بأنّه لا حاجة لوجود لغتين في البلاد، كما شجّعت سلطات الانتداب على حمل الدّول العربيّة الّتي تسيطر عليها عامةً، وسوريّة خاصةً للكتابة باللّغة العامّيّة، ومحاولة التّخلّيّ عن الحروف العربيّة، والكتابة بالأحرف اللّاتينيّة مكانها، فتنقطع الصّلة بين العرب، ولغّتهم، وبالتّالي انقطاعها مع أدبهم، ومؤلّفاتهم الدّينيّة، واللّغويّة، والأدبيّة، والتّاريخيّة، والفكريّة، فضلًا عن محاولتها التّفريق بين اللّهجات العامّيّة، واللّغة الفصحى، فادّعت أنّ المتحدّث باللّهجة العامّيّة السّوريّة لا يفهم اللّغة العربيّة الفصحى، وأنّ اللّهجة العامّيّة تفتقر إلى الأبجديّة، وبالتّالي لا تصلح للتّدريس، وبهذه الذّريعة فضل الفرنسيّون الإبقاء على الجماهير السّوريّة بدون مدارس، ممّا يسهل إخضاعهم إلى سلطتها، كما بذلت فرنسا في هذا الجانب كلّ جهودها، ووسائلها لربط الثّقافة السّوريّة بالثّقافة الفرنسيّة، مستغلّة بذلك المدارس حيث قامت بتغيير مناهج التّعليم العربيّ إلى مناهج تشجّع على التّعليم الفرنسيّ من تدريس تاریخها، وتاریخ ملوكها، ولغّتها، وكانت تهدف من هذا خلق جيل متفرنس بثقافتها.
وقد أرادت الإدارة الفرنسيّة في سوريّة أن تقوم بحركة تنصير واسعة في البلاد مستعينة باليسوعيّين، فاختارت بلاد العلويّين مركزًا لانطلاقة مشروعها الدّينيّ، مستغلّة حال الجهل، والأمّيّة الّتي سيطرت على المنطقة، فأوجدت دستورًا محرّرًا، فاستغلّ المبشّرون الغربيّون قرار فرض الانتداب الفرنسيّ، وإصدار سلطات الانتداب مرسومًا ذي الرّقم ٢٩٠٨، والصّادر بتاريخ (٢ آيار ١٩٣١م)، يجعل الانتقال إلى المذهب الكاثوليكي
يجري في المحكمة العاديّة من غير الحاجة إلى الإجراءات المعقّدة، وأخذوا يوسّعون في جهودهم التّبشيريّة في بلاد العلويّين، وفرضوا على المستضعفين المذهب الكاثوليكي، وزعموا أن نفرًا من هؤلاء قد جاؤوا إلى الرّاهبات اليسوعيّات في صافيتا، وطلبوا منهنّ أن يقبلهنّ في المذهب اللّاتيني، فاتّصلت تلك الرّاهبات ببيروت، فأسرع الرّهبان اليسوعيّون من بيروت إلى بلاد العلويّين، واستكتبوا رجلًا يدعى محمد تامر، ثمّ أرسلوا كتاب إلى البابا، وفيه زعموا أنّ النّصيريّة من أحفاد الصّليبيّين، وبذلك تمكّن اليسوعيّون بمساعدة الفرنسيّين أن ينقلوا ٢٢ أسرة إلى المذهب اللّاتيني المسيحيّ، وعمّدوا قرابة ٨٠ شخص في عام ١٩٣٠م، ويعلّق اليسوعيّون عن ذلك بقولهم: لقد خطونا الخطوة الأولى، وكانت خطوة حاسمة.
وخلال تقسيم سوريّة إلى دويلات، عملت السّلطات الفرنسيّة على غزو المناطق السّوريّة المقسّمة ثقافيًّا، فأنشؤوا في جبل الدّروز بعض المدارس الابتدائيّة الرّسميّة، وجاؤوا بمعلّمين من لبنان من النّصارى الموارنة، وحملوا أهل القرى على إنشاء العديد من المدارس الابتدائيّة، بحيث ينفق الأهالي عليها، وعهدوا إلى اليسوعيّين بإدارتها، وقد أحدثت مدارس مماثلة في كل من حوران، ومنطقة العلويّين، وكان خرّيجو هذه المدارس يمنعون من إتمام دراستهم في المدارس السّوريّة، وكان التّلاميذ يتعلّمون الدّيانة المسيحيّة، وجغرافيّة فرنسا باللّغة الفرنسيّة، كما ذكرت في كتب التّاريخ الّتي تدرس تشويهًا للتّاريخ العربيّ، وأكاذيب، ومزاعم أنّ أصل الشّقر من سكان جبل الدّروز، وجبال اللّاذقيّة غاليون، وصليبيون، ومثل هذه الكتب كانت توحي للنّشّأ أنّ أجدادهم من الغاليين، الّذين هم في الوقت نفسه أجداد الفرنسيّين، فكان الطّلبة يتخرّجون من تلك المدارس لا يعرفون شيئًا من تاريخ بلادهم، وأمتهم، ويكبرون كلّ ما هو فرنسي، وكان هَمّ فرنسا أن تخرج جيلًا متفرنجًا تستخدمه في أهدافها الاستعماريّة الّتي ترمي إلى تنصير
السّكّان، ولعلّ المساعي الفرنسيّة للسّيطرة الثّقافيّة على سوريّة استمرّت بعد استقلال البلاد عام ١٩٤٧م، من خلال المدارس، والمعاهد التّبشيريّة، لكنّ الدّولة السّوريّة أصدر أمرها بإغلاق تلك المدارس، والمعاهد، وسيطرت على التّعليم الخاصّ، وحالت بين مقاعد الدّراسة، والنّفوذ السّياسيّ، الأمر الّذي أثار احتجاج الفرنسيّين، وادّعوا أنّ الحرّيّة، والدّيمقراطيّة يجب أن يكونا مكفولين، وأنّ للإنسان الحقّ في اختيار الدّين الّذي يريده، واعتناق المذهب الّذي يرضاه، فردّت الحكومة السّوريّة على الكلام الفرنسيّ، وقالت: «إنَّ الجمهوريّة السّوريّة لا تقيّد حرّيةّ أحد في الدّعوة إلى مذهب دينيّ، لكنّها ترى أنّ هذه الحرّيّة يجب أن تتساوى بين الدّاعي، والمدعوّ، فلمبشر بروتستاني مثلًا أن يناظر فقيهًا مسلمًا، ولرجل كاثوليكي أن يخاطب رجلًا مسلمًا، أمّا أن يترك الأطفال الأبرياء في صفوف المدارس الابتدائيّة تحت رحمة المبشّرين فهذا يتنافى مع أبسط قواعد الحرّيّة».
ومن خلال استعراض البحث السّابق، والمعنون فرنسة الحياة الثّقافيّة في سوريّة خلال الانتداب الفرنسيّ (١٩٢٠-١٩٤٦م)، يمكن التّوصّل إلى النّتائج التّالية:
إنَّ التّدريس في المدارس السّوريّة مع بدايات فترة الانتداب الفرنسي يتمّ باللّغة العربيّة والعثمانيّة، مع وجود بعض اللّغات الأجنبيّة الأخرى، لكنّها كانت تسير وفق البرامج، والنّظم العثمانيّة، فسعت فرنسا جاهدةً إلى القضاء على ذاك البرنامج، وتطبيع البلاد بطابعها الثّقافيّ.
حاربت فرنسا اللّغة العربيّة، وسعت إلى منع تدريسها في المدارس السّوريّة، متذرّعين بأنّها ليست لغة حضارة، وتطوّر، بينما عملت على فرض اللّغة الفرنسيّة على المجتمع السّوريّ، كونها لغّة حضارة، ورقيّ، وأنّ التّحدّث بها دليل على المدنيّة، والتّمدّن، فأراد الفرنسيّون إلغاء اللّغة العربيّة بشكل كامل، لفصل المجتمع عن واقعه، ومن ثمّ فرض سيطرتهم الثّقافيّة، والفكريّة على المجتمع السّوريّ.
نجحت المدارس الأجنبيّة، والفرنسيّة في تحقيق جزء كبير من غايتها من خلال نبذ اللّغة العربيّة، وتشويه التّاريخ العربيّ، وقلّلت من أهمّيّة الثّقافة العربيّة، في الوقت نفسه فإنّها ثقّفت تلاميذها بثقافة غربيّة، لإخراجهم من واقعهم الدّينيّ، والفكريّ، وترسيخ الأفكار الغربيّة، والدّيانة النّصرانيّة في المجتمعات المحلّيّة.
أرادت فرنسا تعليم مناهجها الخاصّ في سوريّة من حيث اللّغة، والتّاريخ، والجغرافية الفرنسيّة، وتشويه التّاريخ العربيّ، لفكّ أواصر التّرابط بين التّلاميذ العرب السّوريّين مع ماضيهم العربيّ الإسلاميّ، حتّى تستطيع فرنسا أن تحكم الشّعب السّوريّ، واستغلال البلاد اقتصاديًّا، واجتماعيًّا، والسّيطرة عليها ثقافيًّا.
عانت الصّحافة السّوريّة خلال مرحلة الانتداب الفرنسيّ من الكثير من الاضطهاد والظّلم، حيث تمّ كمّ أفواه الصّحفيّين عن ذكر الحقائق، وفقدت الصّحف حرّيّتها المنشودة الّتي تجلّت لها خلال مرحلة الحكم الوطنيّ الّذي سبق الانتداب، فكان الإقفالg
المؤقّت، والتّعطيل لمدّة طويلة، وصولًا إلى الإقفال الدّائم من الأساليب الفرنسيّة المتّبعة لفرض شروطها، وسياساتها على الصّحف المحلّيّة.
ومن خلال ما سبق يمكن القول، إنَّ فرنسا خلال انتدابها على سوريّة، وضعت العديد من النّظم التّعليميّة، والصّحافيّة، والآثريّة، وذلك تنفيذًا لسياسة مرسومة بدقّة، وتهدف إلى سيطرة فرنسا الثّقافيّة على المجتمع السّوريّ، من غير البحث عن سبل تطوير المجتمع، وهي الدّولة الّتي جاءت إلى سوريّة بصفتها دولة منتدبة، للأخذ بيدها، وإيصالها إلى برّ الأمان، ووضعها على طريق التّطوّر.
(229)
1.الأرمنازي، محاضرات عن سوريّة (من الاحتلال حتى الجلاء)، معهد الدراسات العربيّة العالية، القاهرة، ١٩٥٤م.
2.بابيل، نصوح، صحافة وسياسة (سوريّة في القرن العشرين)، نجيب الريس للطباعة والنشر، بيروت، ط٢، ٢٠٠١م.
3.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار للنشر، بيروت، ط٢، ١٩٩١م.
4.الكوراني، أسعد، ذكريات وخواطر (مما رأيت وسمعت وفعلت)، رياض نجيب الريس للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ٢٠٠٠م.
5.الكيالي، عبد الرحمن، المراحل (في الانتداب الفرنسي ونضالنا الوطني)، مطبعة الضاد، حلب، د.ط، ١٩٥٩م.
6.مجموعة مقررات حكومة سوريّة (وهي تشتمل على القوانين والمراسيم والقرارات التي صدرت في سوريّة منذ الاحتلال آخر أيلول سنة ١٩١٨م إلى يومنا هذا)، مطبعة صادر، بيروت، ١٩٣٣م.
1.إسماعيل، حكمت علي، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (۱۹۲۰-۱۹۲۸م)، دائرة طلاس للدراسات والترجمة، دمشق، ۱۹۹۸م.
2.إلياس، جوزيف، تطور الصحافة السوريّة في مائة عام (١٨٦٥-١٩٦٥م)، دار النضال للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ١٩٨٣م.
3.حنا، عبد الله، من الاتجاهات الفكرية في سوريّة ولبنان (النصف الأول من القرن العشرين)، دار الأهالي، للطباعة والنشر، دمشق، د.ت.
4.خالدي، مصطفى؛ فروخ، عمر، التبشير والاستعمار في البلاد العربيّة (عرض لجهود المبشرين التي ترمي إلى إخضاع الشرق للاستعمار الغربي)، منشورات المكتبة العصرية، صيدا، د.ط، ١٩٥٣م.
5.الخوند، مسعود، الموسوعة التاريخية الجغرافية، مؤسسة هانياد، بيروت، ١٩٩٧م.
6.الرفاعي، شمس الدين، تاريخ الصحافة السوريّة (١٩١٨-١٩٤٧م)، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة، د.ط، ١٩٦٨م.
7.الريس، منير، الكتاب الذهبي للثورات الوطنية في المشرق العربي (الثورة السوريّة الكبرى)، دار الطليعة للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ١٩٦٩م.
8.الزركلي، خير الدين، الأعلام (تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمستعربين والمستشرقين)، ط١٤، دار العلم للملايين، بيروت، ١٩٩٩م.
9.العقيقي، نجيب، المستشرقون، دار المعارف للطباعة والنشر، القاهرة، ط٣، ١٩٦٤م.
10.عوض، عبد العزيز محمد، الإدارة العثمانية في ولاية سوريّة (١٨٦٤-١٩١٤م)، دار المعارف، القاهرة، ١٩٦٩م.
11.غنام، رياض، المقاطعات اللبنانية في ظل الحكم المصري (١٨٣٢-١٨٤٠م)، الدار التقدمية، المختارة، ط١، ١٩٨٨م.
12.قاسمية، خيرية، الحكومة العربيّة في دمشق (١٩١٨-١٩٢٠م)، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط٢، د.ت.
13.قرقوط، ذوقان، تطور الحركة الوطنية في سوريّة (١٩٢٠-١٩٣٩م)، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٧٥م.
14.قوطرش، خالد، التعليم في سوريّة نشأته وتطوره، دار الفكر المعاصر للطباعة والنشر، بيروت، ط١، ٢٠٠١م.
15.الكزبري، سلمى الحفار، لطفي الحفار (١٨٨٥-١٩٦٨م) مذكراته حياته وعصره، رياض نجيب الريس للطباعة ، بيروت، ط١، ١٩٩٧م.
16.الكيالي، عبد الوهاب، موسوعة السياسة، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ١٩٧٤م.
17.مجموعة مؤلفين، الحياة الفكرية في المشرق العربي (١٨٩٠-١٩٣٩م)، ترجمة: عطا عبد الوهاب، مركز دراسات الوحدة العربيّة، بيروت، ط١، ١٩٨٣م.
18.هواش، محمد، تكوّن جمهورية (سوريّة والانتداب)، مكتبة السائح، طرابلس، ط١، ٢٠٠٥م.
1.عبد الرحيم، جهان بنت إبراهيم شار علي، الآثار السياسية والحضارية للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام (١٣٤٢-١٣٥٩هـ/ ١٩٢٤-١٩٣٩م)، أطروحة دكتوراه في التاريخ الإسلامي الحديث والمعاصر، جامعة أم القرى، ٢٠١١م.
2.عبيد، سلامة، الثورة السوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م) -على ضوء وثائق لم تنشر-، دراسة مقدمة إلى دائرة التاريخ في الجامعة الأميركية في بيروت للحصول على درجة أستاذ علوم، ١٩٥١م.
3.المصطفى، عبد الإله أحمد، السياسة الأوروبية وتطورها في بلاد الشام (١٨٤٠-١٨٧٨م)، رسالة ماجستير في تاريخ العرب الحديث والمعاصر، جامعة دمشق، ٢٠١٤م.
4.الحساني، محمد علي حسين نادر، أوضاع التعليم في سوريّة (١٩٧١-١٩٨٥م) -دراسة تاريخية-، رسالة ماجستير في التاريخ الحديث، جامعة كربلاء، العراق، ٢٠٢٣م.
5.بوبس، أحمد، دور رضا سعيد في تعريب التعليم في جامعة دمشق، مجلة مجمع اللغة العربيّة، دمشق، مج ٩٦، ٢٠٢٣م.
1.خوري، فيليب: سوريّة والانتداب الفرنسي (سياسة القومية العربيّة ١٩٢٠-١٩٤٥م)، مؤسسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ط١، ١٩٩٧م.
2.كوبلنز، فريدريك: حقائق ووثائق لم تنشر بعد عن الثورة السوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، ترجمة: فريدريك زريق، د.ن، دمشق، ١٩٢٩م.
3.لونغريغ، ستيفن هامسلي: تاريخ سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عاقل، دار الحقيقة، بيروت، د.ت.
عبد الله السّليمان
لم يكن الأديب، والشّاعر، والمفكّر، والإنسان المثقّف في يوم من الأيّام منفصلًا عن واقعه المعاش، بل على العكس؛ هو جزء لا يتجزّأ منه، يتفاعل مع أدقّ تفاصيله، فلم تكن المواجهة بالكلمة أقلّ تأثيرًا منها بالرّصاصة في تاريخ تحرّر الشّعوب، وهذا القول ينساق على مثقّفي سوريّة، وأدبائها في عصر الانتداب الفرنسيّ، إذ مجدّوا نضال أبناء الأمّة، وشاركوا في المظاهرات الشّعبيّة، وكتبوا في الصّحف الوطنيّة، وعروا ادّعاءات المستعمرين، وفنّدوا أباطيلهم، وتصدّوا لدعواتهم الخبيثة، وتحمّلوا الهمّ الوطنيّ، وأكبروا تضحيات هذا الشّعب، وفضحوا ممارسات مستعمر غاشم حاول قمع أقلام الحقيقة، ومحو شخصيّة الأمّة وفرنستها. من خلال مسح هوّيّة البلاد الثّقافيّة، والفكريّة، والحضاريّة، وطبعها بالطّابع الإفرنجيّ. لا بل إنّ بعض أدبائنا، ومفكّرينا حملوا السّلاح عندما كان يتطلّب الأمر ذلك. فعانوا من التّشريد، والسّجن، والتّعذيب، والاضطهاد، وكلّ ذلك انعكس على وجدانهم، وأثّر في كتاباتهم، وهكذا غدت الكلمة الهادفة الصّادقة خير سند للرّصاصة الفاتكة، لا بل إنّ هذه الكلمة الصّادقة أمست شاهدًا على العصر، ووثيقة تاريخيّة لا يخالطها أدنى شكّ. وهكذا أدّى الأدباء، والمثقّفون السّوريّون دورًا
محوريًّا، ليس في مواجهة الاستعمار فقط، بل في تكوين الشّخصيّة الوطنيّة، وتوثيق تاريخ نضالها التّحرّريّ، وغرس روح المواطنة، والانتماء، والالتزام بقضايا الأمّة؛ من خلال كتاباتهم، وقصائدهم، وصحفهم، ومسرحهم، إيمانًا منهم بقدرة المواطن السّوريّ على صنع نفسه، ومجتمعه، وهويّته، ودولته، وحاضره، ومستقبله، وانطلاقًا من هذه العقيدة، كان الأدباء، والمثقّفون السّوريّون الطّليعة الواعية المتحرّرة الّتي قادت كفاح الشّعب في سوريّة. ونسعى من خلال هذا البحث إلى توثيق نضال الطّبقة المثقّفة من الشّعب في سوريّة إبّان عهد الانتداب الفرنسيّ على سوريّة، من صحفيّين، وكتّاب، وشعراء، وأدباء، ومفكّرين، ومثقّفين، وكتابة تاريخ نضالهم بالقلم، والكلمة، والبندقيّة، والرّصاصة، من خلال قصائدهم، وكتاباتهم، ومنشوراتهم الّتي دوّنها في أحلك أيّام سوريّة تحت الاحتلال، من دون التّطرّق إلى ما كتبته الفئة المتغرّبة من أدباء سوريّة، تلك الفئة الّتي كانت تثني على فرنسا، وتمجّدها، على حساب الهمّ الوطنيّ العام.
لقد كانت مهمّة الأدباء بوصفهم أفرادًا مثقّفين؛ مهمّة وطنيّة مضاعفة؛ فالأدباء ليسوا فقط شهودًا على عصرهم فحسب، إنّما هم مشرّعو المستقبل المشرق لأمّتهم، والحرّاس الأكثر صدقًا، وأمانة على تراثها، وماضيها. هذا هو الدّور التّاريخيّ لكلّ الأدباء على مرّ العصور التّاريخيّة؛ فالأديب من المفترض أنّه يمتلك رؤيا يتبصّر من خلالها بمصير أمّته؛ من خلال نظرة وسط ما بين المدينة الفاضلة المستقبليّة، والتّبصّر الحاذق في الأوضاع الرّاهنة.
سعى الأدباء، والمثقّفين السوريّين، إلى إعادة بناء شخصيّة الشّعب في العصر الحديث؛ بما يتناسب مع الأفكار السّياسيّة الجديدة؛ الّتي دعت إلى حرّيّة الإنسان، وحرّيّة الكلمة، والفكر، في مرحلة حالكة، وحسّاسة من تاريخ بلداننا، الّتي كانت جميعها تحت نير الاحتلال الغربيّ، وقد تجلّت تلك الجهود من خلال ما قدّمه الصّحفيّون، والمثقّفون، والشّعراء، والكتّاب، والأدباء، والنّخب الواعية، إضافة إلى جهود المؤسّسات
(236)العلميّة، والأدبيّة كمجامع اللّغة العربيّة، وكوادرها، والجامعات، وأساتذتها، ووزارة المعارف، وموظّفيها. ففي سوريّة منذ أن أعلن المؤتمر السّوريّ العامّ الّذي انعقد في دمشق ١٩١٨م؛ سوريّة دولة مستقلّة بحدودها الطّبيعيّة؛ فيما يعرف عند الجغرافيّين العرب ببلاد الشّام، ونودي بالأمير فيصل بن الحسين ملكًا عليها، شهدت البلاد نشاطًا فكريًّا، وأدبيًّا ملحوظًا في عهده.
فقد سعى ساطع الحصري الّذي كان وزيرًا للمعارف في حكومة الملك فيصل إلى تعريب لغة المؤسّسات الحكوميّة، وكان علماء بلاد الشّام مع أدبائها، وشعرائها من الضّليعين باللّغة العربيّة، والمتمكّنين من المعرفة، والآخذين بأسباب الثّقافة النّافعة الوافدة إليهم من شتّى الأماكن أمثال الشّيخ جمال الدّين القاسمي، وعبد القادر بدران، وطاهر الجزائري، وبدر الدين الحسيني، وموحد شكري الأسطواني، وعطا الله الكسم، وإنّ هذه الكوكبة من العلماء هي الّتي كوّنت جيل العلماء، والأدباء، والشّعراء، والمحقّقين من بعدهم، الّذين وضعوا أسس النّهضة العلميّة في بلاد الشّام، ومنهم من تفرّد لعلم من العلوم، بالإضافة إللا إحاطته بالعلوم الأخرى من أمثال الأستاذ عبد القادر المبارك في اللّغة العربيّة، والأستاذ الرّئيس محمّد كرد علي في التّاريخ، وعلم الاجتماع، والشّاعر محمّد البزم أستاذ النّحو الأوّل في دمشق، والأستاذ سليم الجندي في الأدب.
وهكذا عادت اللّغة العربيّة لغة البلاد الرّسميّة، واستَحدثت الدّولة دروسًا للموظّفين لتعليمهم الإنشاء العربيّ، واستَحدثت المصطلحات العربيّة اللّازمة. وفي هذه الفترة نفسها أُسِّسَ المجمع العلميّ العربيّ في دمشق في ٣٠ تموز ١٩١٩م، في مبنى المدرسة العادليّة في باب البريد في دمشق، وكان أفراد الهيئة المؤسّسة هم محمّد كرد علي، وعبد القادر المبارك، وفارس الخوري، وعبد القادر المغربي، وأنيس سلوم، وسعيد الكرمي، واسكندر عيسى المعروف، ومرشد خاطر، وأمين سويد، ورشيد بقدونس، وسليم عنحوري، وعز
الدين علم الدين، وقد سمّي محمّد كرد علي رئيسًا للمجمع في أوّل نيسان ١٩٢٢م، وكان من قبل رئيسًا فخريًّا له. وقد اهتمّ المجمّع العلميّ العربيّ بنشر المخطوطات العربيّة، وبعث الذّخائر الثّمينة من الأدب القديم.
أمّا الجامعة السّوريّة، فإنّ مؤسّسيها حرصوا على استخدام اللّغة العربيّة لغة رسميّة فيها. وكان أوّل ما تأسّس منها مدرسة الطّبّ في دمشق سنة ١٩١٩م في عهد فيصل، (قامت على أساس مدرسة الطّبّ في زمن العثمانيّين ١٩٠١-١٩٠٣م)، وهي النّواة الأولى للجامعة السّوريّة، وسعى عدد من المثقّفين إلى تأسيس معهد الحقوق العربيّ، والّذي فتح أبوابه في ٢٥ أيلول ١٩١٩م، برئاسة الأستاذ عبد اللّطيف صلاح، ومِن جمع مدرسة الطّبّ، ومعهد الحقوق، ودار الآثار؛ نشأت الجامعة السّوريّة في سنة ١٩٢٣م، وانتخب الدّكتور رضا سعيد رئيسًا لها. وقد أخذت الإدارة الجامعيّة متابعة مراحل تنظيم قبول الطّلّاب، ومواعيد التّسجيل، وإعداد المناهج، وإرساء قواعد التّعليم العالي، وإعلام إدارة الانتداب الفرنسيّة بأنظمة الجامعة، وقد حرصت الجامعة السّوريّة على تأليف الكتب، وترجمة روائع المؤلّفات العالميّة (العلميّة والأدبيّة)، ونشر المخطوطات. وتجدر الإشارة إلى دور طلاب الجامعة السّوريّة (جامعة دمشق فيما بعد) في قيادة المظاهرات، وكان أهمّها تلك المظاهرة الّتي أحاطت بفندق فكتوريا سنة ١٩٢٥م مطالبة وزير الخارجيّة البريطانيّ «جيمس بلفور» بالرّحيل عن دمشق فورًا.
استمرّت الجامعة السّوريّة بمدرسة الطّبّ، ومعهد الحقوق بعد أن انفصلت عنهم دار الآثار في سنة ١٩٢٣م، فدعا الشّيخ بهجة البيطار عضو مجمع اللّغة العربيّة سنة ١٩٢٥م إلى إنشاء كلّيّة للآداب، وأخرى للشّريعة، إلّا أنّ طلبه لم يجب، ولما كُلّف محمّد
كرد علي بوزارة المعارف ١٩٢٨م للمرّة الثّانية، وأمست الجامعة تابعة لها، عَمَدَ إلى فتح «المدرسة العليا للآداب»، والّتي كانت تضمّ أقسام اللّغة العربيّة، واللّغة الفرنسيّة، والفلسفة. ومدّة الدّراسة فيها ثلاث سنوات، كما وَقَعَ اختياره على شفيق جبري ليكون مديرًا لها بالوكالة، وكان يحاضر فيها ساعة في الأسبوع، كما كان يحاضر الصّفّ الأوّل من النّخب السّوريّة المثقّفة من أمثال الأستاذ سليم الجندي، وعبد القادر المبارك، وكان طلّابها يدفعون أقساطًا مرتفعة. ورغم ذلك لم يلبث الفرنسيّون أن أغلقوا المدرسة سنة ١٩٣٣م خوفًا من اتّساع دائرة تأثيرها في صناعة النّخب المثقّفة في البلاد، لا سيّما بعد أن لمسوا الإقبال الشّديد عليها من الطّلّاب السّوريّين سواء من الذّكور أم الإناث.
كما عيّن الأستاذ محمّد كرد علي الأستاذ شفيق جبري رئيسًا لديوان وزارة المعارف في سنة ١٩٢٨م؛ كونه يتقن اللّغتين: العربيّة والفرنسيّة، وقُدّر لهذا الرّجل أن يحمل مسؤوليّة واجب الوزارة في بناء شخصيّة المواطن على عاتقه، فأثناء وجوده فيها كان ينشر القصائد الوطنيّة مرّة يدعو فيها إلى وحدة سوريّة ولبنان، ومرّة يعرب فيها عن الشّعور الوطنيّ في البلاد، وتكريسًا للّغة العربيّة تولّى واجب تدريب المعلّمين، والمعلّمات على الإنشاء، فكان يدرّبهم على أصول حديثة تعلّمها في مدرسة الآباء العازاريين. وفي سنة ١٩٣٤م ألغى الفرنسيّون وظيفة رئيس الدّيوان فتقاعد عن العمل، وانصرف إلى المطالعة، ونشر مقالات تغلب عليها الرّوح الوطنيّة، وقصائد كان أكثرها في الثّورة، وفي موضوعات وطنيّة أخرى، وكان ينشر مقالاته في «القبس»، و«الأيام»، وفي بعض المجلّات وبخاصّة «مجلّة المجمّع العلميّ العربيّ»، و«الثّقافة»، ومجلّة «الحديث» في حلب. وبعد جلاء
المستعمر الفرنسيّ عاد إلى الجامعة السّوريّة -كلّيّة الآداب- حيث عيّن عميدًا لها سنة ١٩٤٨م، واستمرّ أحد عشر سنة. ويمكننا أن نلخّص دور الجامعة السّوريّة في بناء شخصيّة الإنسان العربيّ، في جملةٍ كانت من كلمة ألقاها الدّكتور أسعد الحكيم في حفل تأبين الدّكتور رضا سعيد أوّل رئيس لجامعة دمشق سنة ١٩٤٥م: «إنَّ للجامعة فضلًا على الأمّة بصهر عقول أبنائها في بوتقة واحدة، وتوحيد ثقافتهم، وعلى اللّغة العربيّة بإحياء مواتها، وجعلها لغّة عالميّة».
لقد سجّل الأدباء الأحداث بأحاسيسهم نثرًا، وشعرًا بصدق، وأمانة، وخاضوا معركة التّحرير، والكفاح ضدّ المستعمرين، لا سيّما أنّ كثيرًا من الأدباء، والشّعراء السّوريّين كانوا زعماء سياسيّين، أو صحفيّين، أو رجال إصلاح، أو قادة في النّضال، والحركة الوطنيّة؛ ومن هذه النّخب الثّقافيّة: الدّكتور خالد الخطيب، ونجيب الريس، وخير الدين الزركلي، وخليل مردم بيك، وعمر أبو ريشة، وشفيق جبري، وفارس الخوري، ومحمّد البزم، وبدر الدين الحامد، وعمر يحيى، ومحمّد الفراتي وآخرون. وقد جهد هؤلاء الأدباء، والمثقّفون، وجالدوا، ونفحوا روح العزّة، والثّورة، والإباء، مندفعين إلى أبعد حدود الاندفاع في إثارة النّفوس، وشحذ العزائم، وقد تعرّض أغلبهم للاعتقال، والنّفي، والتّعذيب، وهكذا تبلور أدب تحرّري ملتزم بمقاومة الاستعمار، والمطالبة بالاستقلال؛ أثار في النّفوس الحميّة، وأوقظ الشّعب بعنفٍ حينًا، وبرفقٍ حينًا آخر، ما جعل للأدب رسالة سامية تقف وأحداث الأمّة على مستوى واحد.
إنّ جلّ الأسماء الّتي تقدّمت هي لأدباء مارسوا مهنة التّعليم، وخدموا اللّغة العربيّة، بإظهار محاسنها، وجمالها، وجعلها وسيلة للتّغنّي بماضي الأمّة المجيد، والحفاظ على
شخصيّتها، وأذكوا المشاعر الوطنيّة، وكان لهم دور كبير في توعية النّشَّأ، وتوجيه طاقتهم الوطنيّة، لا سيّما عبد الحميد الحراكي، وجودة الهاشمي، ومحمّد البزم، وسليم الجندي، وعبد القادر المبارك، فكان طلّاب «مكتب عنبر» من دعاة الثّورة في البلاد، فما كان يصلهم من قصائد خير الدّين الزركلي، وأحمد شوقي كانوا يحفظونه، ويردّدونه، وكان لهم شرف الدّعوة إلى أوّل إضراب عرفته البلاد السّوريّة ضدّ المحتلّ الفرنسيّ بتاريخ (٨ آذار ١٩٢١م)، فلمّا نظّم الفرنسيّون زيارة للمفوّض السّاميّ الفرنسيّ دوجوفنيل لمكتب عنبر، سعى طلّاب المكتب إلى إلغائها، لكن المدير لم يكن يملك قرارًا؛ فالبلاد تحت سلطة الجيش الفرنسيّ، وكانت دوائر المعارف قد احتالت على طالب ليلقي خطابًا يمجّد فرنسا، ومفوّضها، فحال زملاؤه دون قيامه بذلك، ولم يكد يصل المفوّض السّامي حتّى تحوّلت مراسم استقباله إلى فوضى وسخريّة، وانتهت بخطاب ألقاه الطّالب ثابت الحافظ بالفرنسيّة؛ طالب الفرنسيّين به بالخروج من البلاد.
وأمام محاولات المستعمرين تشويه التّاريخ، وتفتيت المجتمع، ومحاولة بثّ الرّوح الانعزاليّة الإقليميّة، والطّائفيّة البغيضة، تمسّك جميع المثقّفين الوطنيّين في سوريّة بالرّباط العربيّ، ورغم أنّ نير الاستعمار الفرنسيّ في سوريّة كان شديدًا، فقد تعالت أصوات الاحتجاج على المنابر في المجالس التّمثيليّة، ففي الدّورة التّشريعيّة لمجلس دمشق التّمثيليّ تشرين الثّاني-كانون الأوّل ١٩٢٣م خرج المجلس عن الأطر الضّيّقة الّتي وضعها له المستعمرون الفرنسيّون، وطالب بالإجماع بإلغاء حال الطّوارئ، وتحقيق
الوحدة السّوريّة، وإنشاء جمعيّة واحدة للدّولات الثّلاث (حلب ودمشق، اللّاذقيّة، جبل الدّروز)، وتشكيل حكومة سوريّة موحّدة مسؤولة أمام البرلمان. ويمكننا القول إنّ دور النّخب المثقّفة في التّوعية، والنّضال السياسيّ سلك أحد المسالك الآتية: إمّا الحركة الأدبيّة، أو الصّالونات، والمجالس الثّقافيّة، أو الصّحافة الوطنيّة:
لما كان المستعمر يسعى إلى تشويه التّاريخ، والهويّة، وفرض التّجزئة بقوّة الحديد، والنّار على جسد الوطن، انطلاقًا من سياسته الخبيثة (فرق تسد)، واجهه الكتّاب، والمفكّرون، والمثقّفون، والخطباء، والشّعراء الوطنيّون في سوريّة بالرّفض المطلق، واعتبروا تلك السّياسة خطرًا داهمًا، ونافحوا عن وحدة ترابهم، وأمّتهم، ودعوا لزوال الانتداب، ونادوا بالاستقلال، وأكّدوا على مقوّمات القوميّة العربيّة، وراحوا يعددونها تثبيتًا لها في النّفوس، ولما كانت اللّغة العربيّة أبرزها، حرصوا عليها، وعلى مكانتها، وازدهارها، وعنّفوا أبناءها حين رأوا منهم إهمالًا لها، وانصرافًا عنها، ورفضوا بشدّة دعوة المستعمرين للعاميّة، مدركين سعيهم للقضاء على روح الأمّة العربيّة، فلا تعود للعربيّة رابطة وثيقة تجمع شتات العرب، وتوحيد ما تفرّق منهم، وقد رافق هذه الحركة الأدبيّة صدور عدد من الصّحف، والمجلّات الوطنيّة، الّتي كان المثقّفون، والأدباء السّوريّون يعبّرون فيها عن مواقفهم، فبقيت المطابع تقذف بالجديد منها؛ حتّى بلغ مجموع ما صدر منها (١٢) صحيفة، و(٩) مجلّات موزّعة بين مدن دمشق، وحلب، وحمص، وحماه.
لقد أسهمت جهود الأدباء في توسعة القاعدة المستنيرة، والواعية في البلاد، وحرص الأدباء، والشّعراء السّوريّون على الذّود عن حقّ الشّعب في الحرّيّة أوّلًا، إذ لم يكن في أدبهم ما هو أهمّ من طرد المستعمرين، فالحرّيّة أعلى القيم، كما سعوا إلى كشف زيف
مزاعمهم الحضاريّة، القائمة على ارتكاب جرائم القتل لاستغلال خيرات الشّعب، وإبقائه يرسف في أغلال الجهل، والتّخلّف، والعبوديّة، ودأبوا على فضح أساليبه البشعة، وكشف أحابيله، فكان كثير من شعراء سوريّة قد فطن إلى يد الاستعمار الآثمة، الّتي أخذت تقطع أوصال البلاد، وتقسمه إلى دويلات، فوقف في وجههم الشّاعر خليل مردم بيك، وفي ذلك صرخ قائلًا:
ماذا عسىْ أنكرت جلّق حلب بل ما عسى أهل لبنان يربيهمُ؟
بلادنا ويَدُ التقسيم تُعلّقها كأنّها رقعةٌ ينتابها جلمُ
وفي مواجهة السّياسة التّفتيتيّة حرص أدباء هذا العصر على تصوير الشّعب العربيّ في سوريّة موحّدًا متساميًا فوق المصالح الذّاتيّة، والاختلافات الدّينيّة، والاجتماعيّة، والعرقيّة، والطّائفيّة البغيضة، واستنكروا دسائس الفرنسيّين الخبيثة في استخدام الدّين أداة لتفتيت البلاد، وتفريق العباد، وقد تردّد في هذا الأدب مفهوم الشّعب. وكان الأدباء حريصين على إذكاء روح الحميّة في نفوس أبناء الوطن، وذلك بهدف استمرار الحال الثّوريّة في البلاد، لذلك كانوا يندّدون إذا لاحظوا ميلًا إلى التّراخي، والضّعف أمام المحتلّ، ويمجّدون البطولات حين ينهض الشّعب لمقارعة الاحتلال، مهما بلغت التّضحيات، فكان ما يكتبونه شاهدًا على العصر. وقد ظلّ الهمّ الوطنيّ هو السّمة العامّة لأدب هذه المرحلة، وقد تجاذبت الأدب نوازع سياسيّة، وفكريّة، وجماليّة، ودخلت فنون جديدة كفنّ القصّة، والمقالة، ونظّم الشّعراء السّوريّون القصائد الّتي تصف نقمة الشّعب على المستعمر الفرنسيّ، وتحرّضه، وتؤجّجه، وتصوّر شعور الكراهيّة العارم الّذي كان يختلج ضمائر النّاس لأعداء الحرّيّة. كما هاجم الشّعراء، والمثقّفون السّوريّون جميع المتعاونين مع الفرنسيّين؛ لا سيّما أعضاء المجالس التّمثيليّة، وأصحاب المناصب الحكوميّة، ونوّاب البرلمان، مؤكّدين أنّ التّاريخ لن يرحم موقفهم المتخاذل، وقد حمل هذه الرّاية
نخبة من الشّعراء السّوريّين؛ على رأسهم عمر أبو ريشة، وخليل مرم بيك، ومحمّد البزم، وخير الدّين الزركلي، وشفيق جبري، وأديب حلب: قسطاكي الحمصي؛ الّذي أشار في شعره إلى أولئك النّوّاب في سوريّة، الّذين كانوا يتصدّرون قاعة البرلمان تحت حراب الفرنسيّين، فقال فيهم:
نوابنا نوائب كلّهم على لحى منتخبيهم قضوا
ثمّة ميزانيّة ليس من تصديقها بدٌ أبوا أو رضوا
غير أنّ أبيات الشّاعر خليل مردم بيك تبقى أطرف ما وصفت به هيئة أولئك النّوّاب من الذّلّة، والمسكنة، والإهانة، وهم في طريقهم إلى تَسلُّم مقاعدهم في قاعة المجلس:
البرلمان وهل أتاك حديثه وحديث من فيه من النوام
نُقلوا إليه ناكسين رؤوسهم نَقل الجبان لساحة الإعدام
ملك الحياء عليهم أبصارهمفعيونهم بمواطئ الأقدام
عَكَفَتْ زواياه على أصنامهم من لي بإبراهيم للأصنام.
لقد بدأت الصّالونات الثّقافيّة عند العرب بصفتها جزءًا من ثقافة الحركة الأدبيّة-العربيّة، وصارت مقصدًا لكبار الأدباء، والمثقّفين، والسّياسيّين، وكانت بيوت هؤلاء النّخب في البداية مقصدًا تؤمّه مختلف فئات النّاس من على تنوع مشاربهم الثّقافيّة، والسّياسيّة، والأجناس الأدبيّة الّتي يكتبون بها. وكانت هذه المجالس الثّقافيّة في سوريّة شكلًا من أشكال منظّمات المجتمع المدنيّ. إذ كان على الأدباء، والمثقّفين السّوريّين خلال السّنوات الخمسة الأولى من الانتداب الفرنسيّ خوض غمار حرب واعية في سبيل إثبات الهوّيّة الشّخصيّة العربيّة في سوريّة، لذلك عمدوا إلى تنظيم أنفسهم ضمن رابط، أو
عصبة أدبيّة؛ تأطر عملهم في مواجهة المستعمر الفرنسيّ، الّذي سعى إلى تشوية الثّقافة، والتّاريخ، واللّغة، وهويّة المجتمع. وكان الهدف الأساس للصّالونات، والمجالس الثّقافيّة خلق فسحة؛ تكون متنفّسًا للأدباء، والمفكّرين، والمهتمّين بالشّأن العام، للدّفاع عن هوّيّة المجتمع العربيّة، وللنّقاش، وتبادل الأفكار الثّقافيّة الأدبيّة، والسّياسيّة، ما يؤدّي إلى نشر الثّقافة، والأدب، والوعي، ورفع مستوى المجتمع من النّاحية الثّقافيّة، والفكريّة، وقد عانت المجالس الثّقافيّة في سوريّة من صعوبات، وتحديدات مختلفة عبر التّاريخ؛ بداية من ملاحقتها، ومنعها من قبل سلطات الاحتلال الفرنسيّ، وانتهاء بتعطيلها، وإغلاقها.
لقد كانت الجامعة الأدبيّة من أولى المنتديات الأدبيّة-الفكريّة، الّتي أنشأها مجموعة من الأدباء السّوريّين بمن فيهم خير الدين الزركلي، وشفيق جبري، برعاية كريمة من الملك فيصل في سنة ١٩٢٠م. وبعد الاحتلال الفرنسيّ فرض الفرنسيّون حضرًا على جميع الأحزاب السّياسيّة في البلاد دون استثناء، وكانت أعمال الجامعة الأدبيّة من جملة ما عطّله الفرنسيّون من أعمال. لقد عاد المثقّفون الوطنيّون لإنشاء الرّابطة الأدبيّة في دمشق سنة ١٩٢١م، بوحي من الرّابطة القلميّة في المهجر. لقد كان الاجتماع الأوّل للرّابطة الأدبيّة في الرّابع من شهر آذار ١٩٢١م وهو تاريخ الاتّفاق على إنشائها، وانتخب سبعة أشخاص، ليكونوا اللّجنة التّأسيسيّة لها وهم: خليل مردم بك، وإبراهيم حلمي، وإبراهيم دادا، وحليم دموس، وفخري البارودي، وعبد الله النجار، ونجيب الريس. أمّا الاجتماع الثّاني في ١٢ آذار فكان لوضع قانون الجمعيّة، وقد تمّ انتخاب خليل مردم بك رئيسًا لها، وكانت النّدوات تعقد في دار رئيسها. وتبعًا للظّروف السّياسيّة الّتي كانت قائمة في تلك الفترة، لم يُكتَبْ لجمعيّة الرّابطة الأدبيّة البقاء لفترة طويلة، فقد قامت سلطات الانتداب الفرنسيّة بحلّ الجمعيّة، وإغلاق المجلّة الّتي تصدرها، بالإضافة إلى منع أيّ نشاط ثقافيّ مماثل.
أمّا في حلب فقد لمع اسم الشّاعر عمر أبو ريشة الّذي ساهم في أغلب الصّحف السّوريّة، واللّبنانيّة، وقد شارك عمر أبو ريشة سميه عمر أبو زلام النّضال ضدّ الفرنسيّين، فقد اشتهر في حلب صالون عمر أبو زلام، وكان عمر هذا ابنًا لعالم دين مشهود له في حلب، وبالتّالي نشأ الفتى نشأة ملتزمة، ومالت آراؤه صوب الفكر القوميّ، وخلال فترة الحرب العالميّة الثّانية عندما كان لدى سلطات الانتداب الفرنسيّ حرب أخرى في حلب، إلّا وهي البحث عن عمر وعمر، لقد اعتقد الكثير من أهالي حلب أنّ هذه تسميات مختلقة من قبل الشّعبة الثّانية الفرنسيّة (مخابرات الانتداب الفرنسيّة) لتفتيش بيوت النّاس، بهدف ترويع الآمنين، وتهديد الأهالي بالاعتقال، والسّجن، والإعدام، أو ربّما أنّ التّسمية تمويهيّة لشخص واحد، في الواقع لقد كان هذا «المثنى» ينشر الفكر القوميّ، ويرفض ضمّ لواء الإسكندورن لتركيا، ويقاوم الانتداب، ويندّد بالهجرة اليهوديّة إلى فلسطين، وكان أوّل هذين العمرين: هو عمر أبو زلام ابن مفتي حلب، والثّاني هو عمر أبو ريشة، وكلاهما تمّت مساعدته على الاختباء خلال مهمّته النّضاليّة من قبل شخص ثالث هو المطران إيلاريون كبوجي، والّذي كان يؤمن بقضيّتهم. وفي سنة ١٩٤٢م حكم على الفرنسيّون على أبو ريشة بالإعدام، وذلك بسبب القصيدة الّتي ألقاها في الاحتفال بذكرى اغتيال الدّكتور عبد الرحمن الشهبندر؛ الّذي أقيم في الجامعة السّوريّة، وهاجم فيها الانتداب الفرنسيّ، والحكم السّوريّ العميل الّذي يتماها مع المستعمرين، ورغباتهم.
الصّحافة السّوريّة ونضال أرباب القلم
لقد انطلقت الأحاسيس القوميّة، وكذلك قوى الحرّيّة المستكينة دفعة واحدة، وابتدأت الصّحف اليوميّة بالظّهور لتشارك في المطالبة بالاستقلال التّامّ، والوحدة السوريّة في جميع أجزائها الأربع، واشتركت في الصّراع ضدّ الاستغلال الاستعماري، وحثّت الرّأي العام على التّمسّك بالحقوق الوطنيّة للبلاد، وقد أصبحت دمشق مركزًا للحركة
القوميّة العربيّة، ومنارة تتّجه إليها أنظار العرب، وكانت صحافتها مناط آمالهم؛ لأنّها تدعوا إلى حركة عربيّة تحرّريّة تقاوم الانتداب الفرنسي بشدّة. وأمام هذه الحركة الوطنيّة قامت السّلطات الفرنسيّة بمساعدة الحكومة السّوريّة برئاسة علاء الدّين الدروبي «الّتي أبدت رغبة شديدة في التّعاون مع الفرنسيّين»؛ بتعطيل الصّحف الّتي ظهرت أثناء فترة الاستقلال العربيّ الفيصليّ، وهي صحيفة «العرب» لسامي السّراج، و«المصباح» لعبد الودود الكيالي، و«الرّاية» لمنيب الناطوري، وفرضت تلك الحكومة رقابة شديدة في (٢٧ تموز ١٩٢٠م) على الصّحافة، وتبع ذلك أن أصدر الجنرال غورو أمره بصيغة بلاغ موجّه من مديريّة المطبوعات إلى أصحاب الصّحف، والمجلات «أن يرسلوا نسخًا من صحفهم إلى دائرة الاستخبارات الفرنسيّة لمراقبتها، وتوجيهها الوجهة الفرنسيّة»، بقصد قتل الحركة الوطنيّة، وبالتّالي كانت بعض الصّحف تعطّل إمّا لوقت محدود بموجب هذا البلاغ، أو تعطّل بموجب الرّقابة الشّديدة التي فُرضت عليها.
وعلى منبر الصّحافة ألتقى الأدباء، والمفكّرون، وزعماء الحركة الوطنيّة، وبكلمة أخرى فتحت الصّحافة ذراعيها لجميع المثقّفين الوطنيّين لمقارعة المستعمر الفرنسيّ على صدر صفحاتها؛ فكان الشّاعر محمّد البزم يرسل إلى الصّحافة، والمجلّات، والمنابر بقصائد وطنيّة سرعان ما كان يردّدها الشّباب، ويحفظها الطّلّاب، ويترنّم بها رجال الأدب، قصائد تعبّر عن عاطفة وطنيّة صادقة، يمتدح فيها دمشق، ويتغنّى بها، وبرجالها، وبعظماء الأمّة، وأخرى يحثّ فيها على مواصلة الكفاح. كما كان يبعث بكتاباته إلى مجلّة «الميزان» والّتي اشتهرت بمقالاتها الثّائرة، والنّقد الرّفيع، والنّكات المبطّنة، حتّى غدت مقالات «الميزان» موضع الحديث في الأسمار، وفي المدارس، وبخاصّة في قاعة الأساتذة في ثانوية دمشق، حيث يجتمع فيها البزم إلى زملائه.
ولمّا كانت الصّحافة الوطنيّة لا ترمي إلى أهداف آنيّة، وخاصّة، بل إلى أغراض الأمّة،
والبلاد، فإنّ كتّابها من مثقّفي المجتمع السّوريّ كانوا يطالبون بالوحدة السّوريّة، وطالبوا بالحرّيّات الدّيمقراطيّة، وبمجلس نيابيّ منتخب، وحكومة شرعيّة تمثّل أماني الأمّة، وتنتقد المفوّضين السّامين. لكن تلك المطالب عرضتهم لمزيد من الاضطهاد، والتّضييق، والتّقييد من طرف سلطات الانتداب الفرنسيّ؛ وصل إلى حدّ التّعطيل لصحفهم لأكثر من شهرين، ومن هذه الصّحف: «الرّأي العام»، و«العهد الجديد»، و«العالم»، و«المقتبس» الّتي أسّسها محمّد كرد علي، والّتي كانت تُعدّ من أهمّ الصّحف السّوريّة، والّتي رفعت راية النّضال ضدّ الانتداب الفرنسيّ؛ وكان من أجرأ ما نشرت مقالًا تحت عنوان: «الفرنسيّون في سوريّة»، ومقالًا آخر بعنوان: «سوريّة في فرنسا»، كما هاجمت حقّي العظم؛ حاكم دمشق -صاحب القبضة الحديدة في قمع الصّحافة الوطنيّة- بالنّقد، والتّجريح لقاء عملاته للفرنسيّين، وتضييقه الخناق على الصّحافة الحرّة. ويصف لنا محمّد كرد علي سياسة المقتبس في قوله: «كنتْ أنزعُ أبدًا إلى إنارة الأفكار، وبثّ الملكات الصّحيحة، وتقوية روح القوميّة العربيّة، وانتهاج سياسة وطنيّة ليس فيها شيء من الكراهيّة». أمّا صحيفة «ألف باء» لصاحبها يوسف العيسى، فكانت لا تقلّ في الدّور الوطنيّ عن صحيفة المقتبس، لا سيّما أنّها كانت أكثر الصّحف انتشارًا في سوريّة، وكانت تندّد بالاستعمار الفرنسي عليها، وتندّد بالشّخصيّات الّتي تحوّلت عن مواقفها الوطنيّة، موجّهة لهم السّؤال الدّائم: «هل أعدتم الأمانة إلى أصحابها»؟ في إشارة منها إلى بيعة فيصل.
وتبعًا لذلك فقد كانت بعض الصّحف تعطّل إمّا لوقت محدّد، ثمّ تصدر من جديد؛ مثل صحيفة «المفيد»، أو أنّها تعطّل تعطيلًا كاملًا، فيضطر أصحابها لإصدار رخص جديد، ولكن بأسماء أخرى؛ مثلما حصل مع صحيفة «النّهضة» لصاحبها البصمجي الّذي عُطّلت صحيفته فأصدر صحيفة أخرى تسمى بـ«العدل» في ١٢ شباط ١٩٢١م، وتماما كما حصل مع صحيفة «المرسح» لنجيب كنيدر، والّتي أغلقت ثمّ أعيد إصدارها بعد
استصدار رخصة جديدة لها، ولكن باسمها القديم. وكما حصل لصحيفة «فتى العرب» الّتي عطّلتها نظارة الدّاخليّة للمطبوعات، بحجّة أنّها تنشر أنباءً كاذبة؛ والواقع أنّها كانت تذكذر الشّعب بحقوقه السّياسيّة في مقال لها شديد الحماس، وتستنكر الخداع الدّولي الّذي وقعت فيه سوريّة. وهكذا كانت الرّقابة في عهد هذا الاستعمار كالسّيف المسلط على الصّحف، والصّحفيّين في البلاد بدوافع استعماريّة ممنهجة.
لم يقتصر اضطهاد السّلطات الفرنسيّة على الصّحافة الصّادرة باللّغة العربيّة، بل تعدّاها إلى اضطهاد الصحفيّين، ورجال الفكر؛ من سجن إلى تشريد إلى تعذيب، وإغلاقٍ للصّحف، وكمٍّ للأفواه، وإصدار أحكام الإعدام غيابيًّا. ما دعا بعضهم إلى الهروب من سوريّة، واللّجوء إلى بلدان عربيّة أخرى، وتفرّق آخرون في أوروبا، وأمريكا اللّاتينيّة، ومن هناك واصلوا كفاحهم. عموما لم ينج أحد من الصّحفيّين من تلك الإجراءات التّعسفيّة لسلطات الانتداب، فمثلًا أحيل محرّر صحيفة «العمران» الدّمشقيّة إلى المحاكمة. ولم يقتصر الأمر على أصحاب الصّحف الشّعبيّة، بل تعدّاه إلى الصّحف الرّسميّة؛ ما دعا الصّحفي محبّ الدّين الخطيب مدير الصّحافة الرّسميّة بالعاصمة إلى الهروب تحت جنح الظّلام مع من هرب من الكتّاب، والصّحفيّين إلى القطر المصري، تخلصا من الاضطهاد الفرنسيّ، والرّقابة الشّديدة المفروضة على صحفهم، وكتاباتهم الوطنيّة. وحلّ محلّ الصّحف الّتي أغلقت، أو عطّلت صحف أخرى ذات نزعات متطرّفة، وأخرى ذات نزعات معتدلة، إلّا أنّهما اشتركتا في حمل لواء الحركة القوميّة ضدّ الاستعمار الفرنسيّ. وكانت هذه الصّحف القوى الوحيدة الّتي قامت بالتّوجيه القوميّ للشّعب، وكانت بحقّ مدرسة النّضال الوطنيّة. إلّا أنّ سلطات الفرنسيّين كانت تحاول اتّباع أساليب الاضطهاد، والتّعسّف مع المثقّفين الصّحفيّين الوطنيّين من أجل قمع الحرّيّة في جميع أنحاء البلاد. أما المثقّفون، والصّحفيّون الّذين غيّبتهم سجون الاحتلال الفرنسيّ، تحدّوه وراحوا
ينشدون على مسمع من سجّانيهم الأناشيد الوطنيّة، وكان منها النّشيد الثّائر الشّجيّ الّذي نظمه الصّحفي، والشّاعر نجيب الرّيس (١٨٩٨-١٩٥٢م)، والّذي ردّدته حناجر المعتقلين، والمتظاهرين بكلّ بسالة، وإباء:
يا ظلّام السجن خيّم إنّنا نهوى الظلامَا
ليس بعد الليل إلّا فجر مجدٍ يتسامى
إيه يا دار الفخار يا مقر المخلصينا
قد هبطناك شبابا لا يهابون المنونا
وتعاهدنا جميعا يوم أقسمنا اليمينا
لن نخون العهد يوما واتخذنا الصدق دينا.
وأمام كلّ حملات الاضطهاد، والتّضييق، والقرارات التّعسّفيّة استمرّ الصّحفيّون السّوريّون في نضالهم الوطنيّ، فقد دخل الوطنيّون ميدان الصّحافة أداة صادقة للتّعبير عن هيجان النّفوس بالكلمة، ولم يضعف الأدباء إزاء ما لاقوه من سجن، واضطهاد، واعتقال، وتعذيب. ولما كانت بعض الصّحف الّتي تنشر مقالات تناوئ بها فرنسا، كانت سلطات الانتداب تفرض عليها غرامات باهظة تضطرّ بعضها إلى التّوقّف عن الصّدور، وبسبب الرّقابة كانت بعض الصّحف تصدر بصفحات بيضاء. كما أوقفت الرّقابة أثناء انتخابات المجلس التّمثيليّ، كلًّا من صحيفة «المقتبس» الدّمشقيّة، وصحيفة «اللّاذقيّة» الصّادرة في مدينة اللّاذقيّة، وداهمت الشّرطة الفرنسيّة مقرّ صحيفة «الرّأي العام»، وصحيفة «الحقيقة»، وفي كانون الثّاني سنة ١٩٢٤م أقفلت سلطات الانتداب مكتب صحيفة «الأحوال» لمدّة شهر، و«الأحرار» حتّى إشعار آخر، لأنّهما انتقدتا تحميل سوريّة جزءًا من الدَّين العثماني،
وفي الفترة ذاتها أوقفت صحيفة «الدّبور» عن الصّدور. كما شرعت الإدارة الفرنسيّة في سوريّة مجموعة من القوانين، والقرارات بواسطة مجلس الممثّلين، تهدف منها إلى تقييد حرّيّة الصّحافة، واضطهاد الصّحفيّين، والحدّ من نشاطهم الإعلاميّ، ومن بين هذه القوانين؛ قرار نيسان ١٩٢٤م القاضي بفرض الرّقابة على الصّحف في دولتي: دمشق وحلب، فقابله صحفيّو دمشق بالاحتجاج، وقاطعوا مجالس الممثّلين، واضربوا خمسة أيّام عن العمل.
بموجب تلك القرارات تمّ حذف، وإسقاط مقالات من الصّحف السّوريّة، وجعل وظيفتها مقصورة على نشر أخبار المجتمع، فكانت الصّحف السّوريّة تقابل هذا بترك فراغ أبيض وتقول: «حذف بمعرفة الرّقابة»، وكان احتجاجًا صارخًا على مقصّ الرّقيب، ودعوة صريحة للتّأكيد على حرّيّة الصّحافة، واستمرارًا في استنفار الرّأي العامّ ضدّ الاستغلال السّياسيّ، والاقتصادي للبلاد السّوريّة، وإظهار سياسة خنق الحرّيّات العامّة. أمّا قانون ذيل الصّحافة الصّادر في سنة ١٩٢٤م، والّذي أصدرته فرنسا رغبة منها في سدّ الباب في وجه كلّ من ينتقدها من الصّحف السوريّة، نصّ هذا القانون على: «إنّ السّلطات الفرنسيّة تعتبر العلاقات الخارجيّة، والاتّصالات مع الدّول الأجنبيّة من اختصاصها، ولها حقّ التّصرّف بموجب صكّ الانتداب الّذي يخوّله لها قرار عصبة الأمم المتّحدة، وإنّها مكلّفة بالدّفاع عن الأراضي الواقعة تحت سلطانها، وبالتّالي لديها الحقّ في معاقبة فاعلي الجرائم، ومرتكبيها، وضمان سلامة العلاقات الدّوليّة وحفظ النّظام». وهكذا احتقن الجوّ العامّ في البلاد، وأصبحت الأمور مهيّأة للانفجار، وبدأ المثقّفون يدعون للثّورة، وقد صوّر شفيق جبري في أحد أبياته في آيار ١٩٢٤م حال المرار الّتي جثّمت على صدور السّوريّين فقال:
أتبكي العنادل أوطانها ولا يندب المرء أوطانه؟
لما اندلعت الثّورة السّوريّة الكبرى اختفت عشرات الصّحف بسبب تأييدها للثّورة، وتشدّد الفرنسيّين في الرّقابة الصّحفيّة عليها، وفي مقدّمتها جريدة «المقتبس» الّتي تمّ تعطيلها لمدّة شهرين، بغية إيقاف الغذاء الفكريّ للمجاهدين الوطنيّين، وقمع الحماس الوطنيّ لأبناء البلاد، ما أدّى بالوطنيّين، والكتّاب، والصّحفيّين القوميّين إلى الالتجاء إلى الدّعايات المستترة، وتوجيه الدّعوة إلى الجهاد سرًّا، وفي المحصّلة لم يبق من هذه الصّحف الوطنيّة إلّا أربع فقط في جميع أنحاء سوريّة، أمّا الصّحف الباقية الّتي تحدث بلسان العناصر الوطنيّة فقد ذهبت ضحيّة الاستبداد الفرنسيّ. فمثلًا عطّل الفرنسيّون صحيفة «الرّأي العام» الدّمشقيّة في (٦ تشرين الثاني ١٩٢٦م) بحجّة أنّها نشرت في العدد رقم ٢٩٥٢ بتاريخ (٢٧ أيلول ١٩٢٦م) مقالًا بعنوان: «انظر إلى أين قادهم تفرنجهم»، كما أنّها اعتقلت صاحبها طه المدوّر لمدّة عشرة أيّام، ثمّ أفرجت عنه بشفاعة العلماء، والوجهاء، ونقابة الصّحف، ولم يسمح لصحيفته بالعودة للإصدار إلى بصورة متقطّعة.
والجدير بالذّكر أنّ الصّحفيّين السّوريّين في المنفى كانوا أكثر زخمًا؛ إذ استمرّوا في كتابة المقالات، ونشر قصائد الشّعراء الّتي تندّد بالمستعمرين، وتحثّ أبناء الوطن على مواصلة الكفاح من أجل الاستقلال، فقد أخذت الصّحف في مصر تنشر قصائد الزّركلي، الّتي كانت تنزل أبياتها على المستعمر «سهامًا مسمومة وسياطًا لاهبة، تفضح باطله، وتستثير الرّأي العامّ ضدّه». كما إنّنا نقرأ في صحيفة «الحقيقة» الّتي أسّسها المغترب السّوريّ الياس عبد الله الخوري (من مدينة يبرود)، في مدينة ريو دي جانيرو في البرازيل، قصيدة للشّاعر إلياس قنصل إحياءً لذكرى ميسلون، واستشهاد يوسف العظمة، ووصف ما تركه من أثر عميق في نفوس السّوريّين، بهدف تمجيد معاني البطولة، والإباء، يقول فيها الشاعر:
دم سفكته من يد الظلم قوّة فزعزع من أركانها كلّ قائم
دم عربي ملؤه المجد والإباء تتيه به العليا بنت المكارم
فخط يراع المجد للشام صفحة تظم إلى أمجادها العظائم
هوى إنما في ساحة العزّ والعلا وتحت قتام بالقذائف عائم
هوى إنما دفاعًا عن الوطن الذي أبى وسيأبى الدهر جرّ الأداهم.
في الواقع لم يكن نشر كثير من هذه القصائد في الصّحف اليوميّة، والمجلّات الدّوريّة سوى تعبير عن تلك الحميّة الفائرة في نفوس العرب؛ تجلّت على ألسنة شعرائهم في نداءات شعريّة صادقة، على نحو ما نجده في قصيدة للشّاعر الدّمشقي أمجد الطرابلسي على صفحات «الرّسالة» المصريّة يقول فيها:
يا عرب هيّا فانصروا موطنًا للعرب هاج الحقد أفراده
هناك شعب عربيّ الهوىيحاول الغاصب إنفاده
يسوسه الخسف بأغلالهويدعي بالنار إرشاده
ولما كان للصّحافة أثر عظيم في نشر أخبار الثّورة السّوريّة ضدّ الانتداب الفرنسيّ سنة ١٩٢٥م، كان لذلك أثر عظيم على أبناء الجالية السّوريّة في المغترب، ففي البرازيل مثلًا طافت تظاهراتهم أهمّ شوارع المدن الرّئيسة؛ مندّدين بأعمال العنف، والوحشيّة الّتي اتّبعتها فرنسا لمواجهة الثوّار السّوريّين، وأرسل السّوريّون أحمد اللّحّام، وحسن سليم، وعبدو كشفي، وسليم الأعور، وميشيل خوري في مدينة ريو دي جانيرو برقية إلى صحف جنيف، وإلى عصبة الأمم، تستنكر السياسة العدائيّة الفرنسيّة في سوريّة، وتندّد بالاحتلال الفرنسي لوطنهم، وتطالب بضرورة أخذ التدابير اللازمة ضدّ فرنسا، كما نشر أنطون سعادة
في مجلته «الجريدة» بيانًا يصرّح فيه بأنّه يحمل توقيعات مئات السوريّين الذين يندّدون بسياسة فرنسا، ثمّ أرسله برقيّة احتجاج إلى عصبة الأمم، وإلى صحف إيطاليا وفرنسا وإنجلترا وأميركا الجنوبيّة، وقد أعقب ذلك اجتماع للجالية الشامية في (٧ تشرين الثاني ١٩٢٥م) في شارع فلورنسو دو أبرو في مدينة ساو باولو، إدان فيه المجتمعون فرنسا التي خالفت القانون الدولي في سوريّة، وقد تضامنت قطاعات واسعة من سكّان البرازيل مع السوريّين بسبب ما حدث في دمشق ١٩٢٥م، حتى أنّ مدينة ساو باولو أضربت إضرابًا عامًا، وقام شبّانها وطلاب جامعتها بمظاهرة صاخبة، وأبرقوا إلى الحكومة الفرنسيّة برقيّات شديدة اللهجة، تندّد بأعمالها الفظيعة في سوريّة.
لقد حارب المثقّفون الوطنيّون في سوريّة بالقلم على كلّ صعيد؛ من خلال الصّحف، ومن خلال العرائض الّتي رفعوها إلى عصبة الأمم، وسلطات الانتداب مرارًا مؤكّدين أنّ المستشارين الفرنسيّين المشبعين بالرّوح الاستعماريّة حتّى النّخاع، يخنقون كلّ الطّموحات الدّيمقراطيّة، ويعيقون ممارسة الحكم الذّاتي، وإنّ من أثار سخط المثقّفين السّوريّين بصورة خاصّة هم المستشارون الإداريّون الفرنسيّون، الّذين كانوا يقبضون على زمام السّلطة بكامله على الصّعيد المحلّي، بالإضافة إلى ضبّاط، وصف ضباط الاستخبارات الفرنسيّة، والعسكريّون الأميّون الأفظاظ الّذين يجهلون لغة، وتاريخ، وتقاليد البلاد، ويعتبرون أنفسهم ممثّلين لعرق أعلى يبيح لهم كلّ شيء. وبيّنوا أنّهم ممتعضون من حال الطّوارئ القائمة في البلاد. وشكّوا في عرائضهم باستمرار من التّعسّف الفظّ للمحاكم الفرنسيّة، وأجهزة المخابرات الفرنسيّة، ونظام التّجسّس، والاعتقالات الجماعيّة، والنّفي من غير محاكمة، وتحقيق، ومن تجنّي الضّبّاط الفرنسيّين على السّكّان، ووحشيّة حملات التّأديب الفرنسيّة الّتي تطلق النّار على الأهالي الآمنين.
لقد دعا جونفيل إلى إجراء انتخابات نيابيّة، لكنّ البلاد قاطعت الانتخابات، فثار
غضبه، وراح يعاقب الوطنيّين، ويرسل بهم إلى المنافي، والسّجون، كما حاول التّضييق على الصّحفيّين، ولجم الصّحافة، وقصّ أجنحتها، لكي لا تستمرّ في دعم الثّورة، وتحارب معها؛ فتكون الكلمة إلى جانب الرّصاصة، لذلك أصدر لهذه الغاية القرار رقم ١٣٧ تاريخ ٢٣ شباط ١٩٢٦م بشأن مراقبة المطبوعات، جاء فيه: «وحيث إنّ الثّورة، والاضطرابات تساعد عليهما حملات الأخبار الكاذبة، والتّحريضات على الحرب الأهليّة، وهذه التّحريضات تتابع رغم تنبيهات المفوّض السّامي المتوالية. وحيث إنّ الأخبار الصّحيحة هي موضوعة تحت تصرّف الصّحافة بمهمّة المكتب المنشأ لهذه الغاية، وحيث أنّ حياة الجنود ما وجدت لتكون عبث الطيش الصّحفيّين، وحيث إنّ عددًا من هؤلاء، لم يحسنوا استعمال هذه الحرّيّة الّتي أعطيت لهم تقرّر ما يلي:
- لا يمكن إصدار أيّ نشرة كانت من دون أن يؤشّر عليها مسبقًا حاكم الدّولة، أو مندوبه في المكان الّذي توجد فيه المطبعة المكلّفة إصدار النّشرة.
- إنّ المدير، والطّابع يكونان مسؤولين بالتّضامن عن جميع المخالفات لأحكام هذا القرار، ومعرّضين للعقوبات المنصوص عنها في قرارات ٦ و٢٧ آيار ١٩٢٤م و٢١ نيسان ١٩٢٥م.
- لقد كانت حكومة أحمد نامي بك تشكّلت بصعوبة بالغة في نيسان ١٩٢٦م، وقد اشتركت فيها بعض الشّخصيّات على أساس تحقيق المطالب الوطنيّة، وبدأت المفاوضات لإنهاء الثّورة، وسافر دي جونفيل إلى باريس لإقناع الحكومة الفرنسيّة ببرنامجه لكنّه فشل. ولما أصدر جونفيل دستور لبنان الجديد في (٢٣ آيار ١٩٢٦م)؛ وقد كرّس هذا الدّستور فصل لبنان الكبير عن سوريّة، استقال الوزراء السّوريّون في حكومة أحمد نامي بك في ١٢ حزيران احتجاجًا على ذلك، وهم: فارس الخوري، وحسن البرازي، ولطفي الحفار، فقد تأكّد لهم عدم استعاد فرنسا لقبول البرنامج الّذي اتّفقوا مع دي جونفيل،
فما كان من سلطات الانتداب إلّا أن اعتقلت هؤلاء الوزراء في ٢٦ حزيران، ونفتهم إلى الحسكة. وبعد أن خمدت الثّورة السّوريّة الكبرى؛ إذ كانت آخر معاركها في الغوطة في آب ١٩٢٧م، عفت فرنسا عن عدد من المنفيّين وهم: فارس الخوري، ولطفي الحفار، وحسني البرازي، وفوزي الغزي، وأديب الصفدي، وبدر الدين الصفدي، وعبد المجيد الطباخ، وسعد الله الجابري، وإسماعيل حقّي، عاد المبعدون إلى دمشق في ٢٨ شباط ١٩٢٨م، وقد استقبلهم البعض في بيروت، والبعض في المحطّات على طريق دمشق، وأقام لهم المستقبلون -ويعدون بالألوف- حفلة في محطّة البرامكة، أنشد فيها الخوري قصيدة حيّا فيها دمشق، وما احتوته من خمائل، وجنّات، وأنهار، وأشبال، وشيوخ، إلى أن قال:
سلام محِبِّ غالبوه ببعدها فأوشك أن ينهار دون غلابها
ولكنّه في غير فرقة صحبه صبورٌ على مرِّ الحياة وصابِهَا
وقد خاطبته الحادثات بروعها فما وجدته عاجزًا عن جوابها
وها قد دنا يوم الموازين عندنا وكل يمين قد أتت بكتابها
وما كانت الأفعال ذاهبة سدى وكل يد مسؤولة عن حسابها.
وبعد الثّورة لمدّة أربعة أعوام تولّت أربع صحف مهاجمة الاستعمار بدمشق وهي «المقتبس»، و«الأنباء»، و«الخازوق»، و«الشّعب». وبعد سنة ١٩٣١م تولّت هذه المهمّة صحيفة «القبس»، و«الأيام»، و«فتى العرب»، و«ألف باء» في دمشق، و«الأهالي»، و«الوحدة»، و«الاتّحاد»، و«الجهاد» في حلب؛ متحدّثة باسم العناصر القوميّة من المثقّفين الشّباب، وقد صودرت هذه الصّحف مرّات عديدة، ولفترات طويلة. فحينما عقدت الكتلة الوطنيّة معاهدة مع فرنسا سنة ١٩٣٦م، لم يجد عمر أبو ريشة المعاهدة مختلفة في سائر بنودها عن معاهدة ١٩٣٣م الجائرة بحقّ الشّعب العربيّ في سوريّة،
فنظّم قصيدته الشّهيرة، والّتي أسماها «العروس»، وكان في صوفر في لبنان، وعندما نشرت في الصّحف السّوريّة باعتبار قصيدة غزليّة، كان فارس الخوري أوّل المتنبّهين إلى ثوريّتها الملتهبة؛ فجمعت نسخ القصيدة، وأتلفت، وكان لذلك ردّة فعل عنيفة لدى أهل البلاد.
أمّا أهمّ الصّحف الّتي أدّت دورًا كبيرًا على السّاحة السّياسيّة في سوريّة طوال اثنتين وثلاثين سنة من (١٩٣١-١٩٦٣م) هي صحيفة «الأيام»، إذ يقول نصوح بابيل عنها: إنّ المسيو روبير دوكه مندوب فرنسا في عصبة الأمم المتّحدة في جنيف ذكر في تقريره عن الصّحافة السوريّة في عهد الاحتلال الفرنسيّ أنّ صحيفة «الأيّام» كانت بلا شكّ أقوى الصّحف في سوريّة رغم معارضتها لفرنسا، وقد عطّلتها السّلطات الفرنسيّة أكثر من مرّة منذ تأسيسها، وكلّما عطّلت سلطات الانتداب الفرنسيّ صحيفة «الأيّام»، كان نصوح بابيل يصدرها باسمها الرّديف «اليوم». عمومًا لقد صدر العدد الأوّل من «الأيّام» في (١٠ آيار ١٩٣١م)، لأصحاب الامتياز: هاشم الأتاسي، إبراهيم هنانو، لطفي الحفار، عارف النكدي، سعد الله الجابري، فخري البارودي، وقد جاء في افتتاحية العدد الأوّل: الغرض من أنشاء هذه الجريدة: خدمة القضيّة الوطنيّة، والمصلحة القوميّة العربيّة عامّة، وبخاصّة الشّامية (سوريّة، لبنان، جبل الدّروز، جبل العلويّين، فلسطين، شرقي الأردن)، وذلك بما يأتي العمل على نشر الثّقافة الصّحيحة، وبثّ الانظار، والآراء القوميّة، والسّياسة الّتي أخذت بها الأمم النّاهضة ما من شأنه أن يرفع المستوى الاجتماعيّ في الأمّة العربيّة، التّمسّك بالمبادئ القوميّة، والدّعوة إليها. وقد اتّخذت الجريدة من السّلطات الفرنسيّة موقفًا معلنًا «تقف هذه الجريدة في سياستها من السّلطة المحتلة موقفًا صريحًا ليس فيه أيّ شيء من الرّثاء، أو المصانعة، ولا من الحذر، والتّهيّب... إنّ سياستنا تقوم على أساس استقلال هذه البلاد، والعمل لهذا الاستقلال، أو جزء منه، فالبلاد لنا، ونحن أصحاب الرّأي فيها. وإذا كانت القوّة المادّيّة قد عطّلت هذا الاستقلال، فإنّ هذا التّعطيل لن يدوم، وجولة الباطل لا تدوم».
لقد استوحى الشّعراء العرب في سوريّة موضوعاتهم الشّعريّة خلال عهد الانتداب الفرنسيّ؛ من وجدانهم الوطنيّ بصورة عفويّة، فمجدّوا نضال أبناء الأمّة في ميدان القتال، وساحات التّظاهر، وفي المعتقلات، والسّجون، فكرّسوا روح الفداء، والتّضحية، كما رثوا الشّهداء، وحزنوا على فراق المنفيّين؛ وتغنّوا بأمجاد الوطن، وتراثه العريق، حتّى أمست الكلمة الهادفة الصّادقة خير سند للرّصاصة الفاتكة، لكن خير مشهد اكتملت فيه الصّورة؛ كان في نفر من الشّعراء السّوريّين الّذين قاتلوا بشعرهم، وسلاحهم، وربّما كان بعضهم طبيبًا فقاتل بسلاحه، وشعره، ومبضعه، أمثال الدّكتور خالد الخطيب. وهكذا عُدّ شعر هذه المرحلة مادّة تاريخيّة دسمة؛ يمكن لنا من خلالها تتبّع دور هؤلاء الأدباء، والمثقّفين في مواجهة المستعمرين الفرنسيّين، «فالشّعر مرآة صافية تعكس على وجهها الصّقيل صورة نابضة من حياة الأمّة، وكفاحها المرير، وإنّ ما فاضت به قرائح الشّعراء ليس إلّا روح الأمّة، وسفر نضالها». أمّا أهمّ الأحداث الّتي تفاعل معها الأدب فهي:
في أعقاب الحرب العالميّة الأولى وانتصار الحلفاء على دول المحور، بدأ المنتصرون باقتسام تركة المنهزمين، واعتبرت بلاد العرب من تركة «الرجل المريض»، رغم أنّ العرب قاتلوا إلى جانب الفرنسيّين والانكليز حتّى أخرجوا الأتراك من البلاد العربيّة، لكن الحلفاء غدروا بالعرب وسعوا إلى تقويض أركان حكومتهم التي أنشأوها في دمشق، ويبدو أنّ دمشق بمؤتمرها العام الذي أخذ ينادي باستقلال سوريّة بحدودها الطبيعيّة؛ أمست كالشوكة في حلوقهم. لم يمض وقت طويل حتى تقرّر الهجوم الفرنسي على دمشق، وقد انعكس قرار الفرنسيّين هذا على حكومة «الدفاع الوطني» فيها، فدعت أكثريّة الوزراء مع الملك فيصل إلى التفاهم، وقبول بنود إنذار غورو، فيما أصرّ وزير الحربيّة يوسف العظمة على المواجهة، وأمام هذا الانقسام نظّم الوطنيّون في دمشق مظاهرات شعبيّة
عارمة، بهدف حثّ فيصل، ووزراءه على خيار المواجهة، وسرعان ما هاجم المتظاهرون قلعة دمشق (مقرّ فيصل)، واحتلّوا التّرسانة، واستولوا على السّلاح من أجل صدّ المعتدين الفرنسيّين، فأرسل فيصل قوّة عسكريّة ضدّ المتظاهرين بقيادة شقيقه زيد، أطلقت النّار على المتظاهرين، وقتلت ٢٠٠ متظاهر منهم. وعندما كان فيصل، ووزراؤه يسعون إلى التّفاهم مع الفرنسيّين، وأعلنوا أنّهم قبلوا بنود إنذار غورو، كان الفرنسيّون مصمّمين على احتلال دمشق، ولم ينفع السّوريين ردّ حكومة فيصل بقبول بنود الإنذار، فقد تعذّر الفرنسيّون بأنّ حكومة فيصل تأخّرت في الإجابة نصف ساعة عن موعد انتهاء المهلة، وعندما زحف القوّات الفرنسيّة من لبنان اتّجاه سوريّة، خرج يوسف العظمة بقوّة وطنيّة بسيطة التّسليح إلى مشارف العاصمة دمشق لصدّ الجيوش الفرنسيّة، مساء يوم ٢٣ تموز، موصيًا: «ابنتي ليلى أمانة لديكم، أرجوكم ألّا تنسوها»، والتقى الجمعان في بطائح ميسلون الرّابع والعشرين من تموز ١٩٢٠م.
كان يوسف العظمة يدرك تفوّق القوّات الفرنسيّة بالعدّة، والعتاد، وكان يعلم أنّه لن ينتصر في الأرض، لكنّه كان ينشد انتصارًا أكبر، يبتر فيه لسانًا يقول: «احتلّت فرنسا سوريّة من دون من يقاومها». لقد دامت المعركة نحو أربع ساعات، استشهد فيها يوسف العظمة، ومعه ٤٠٠ جنديّ في روابي ميسلون، وانتهت بتشتّت فلول الجيش العربي. دخل الفرنسيّون دمشق، وكان قبر صلاح الدين الأيوبي بالقرب من المسجد الأموي؛ أوّل مكان يقصده غورو في دمشق، طرق بسيفه على صفائح القبر قائلًا: «ها نحن قد عدنا يا صلاح الدّين». فرد عمر أبو ريشة مخاطبًا أحقاده:
رُبّ غازٍ أذلٍّ جاءَ صلاحَ الدينِ فـــي هدأةِ الخلودِ المهابِ
هاتفًا في رمـــيمة الطــــهر إنْا هاهنا يا صلاحُ.. يا لَلّعاب
إنّ للمجدِ دمعةً حين يلقى جثةَ الليثِ عرضةً للكلابِ
لقد استقبلت بعض نخب المجتمع الدّمشقيّ الفرنسيّين بالتّرحاب، وأقام حكومة الدّروبي حفلًا تكريميًّا لهم في (٤ آب ١٩٢٠م) في دار الحكومة، وأثنى غورو على موقفهم قائلًا: «لولا حكمتكم في قبولكم الأمر الواقع لما كانت دمشق تخلّصت من التّدمير تحت وابل القنابل»، فردّ عليه رئيس الحكومة علاء الدّين الدروبي متحدّثًا عن أمجاد الثّورة الفرنسيّة، ما قدّمته للعالم من حرّيّات، وإنّ من دفع فيصل للحرب هي فئة من غلاة الوطنيّين، وأكثرهم دخيل على سوريّة، واستجاب الدّروبي لشروط فرنسا بدفع الغرامات، وتقديم كلّ التّسهيلات لقوّات الاحتلال.
لم تكن معركة ميسلون بالحدث العادي، بل كانت فاجعة تحطّمت فيها أحلام الأمّة بالتّحرّر، والاستقلال، فراح الشّعراء يرثون في قصائدهم الشّهيد البطل يوسف العظمة الّذي ضحّى بروحه قربانًا للحرّيّة، كما لو أنه جسَّد الوطن بنفسه؛ بتضحيته تلك، وكان الشّاعر خليل مردم بيك في طليعة من رثوا القائد العظيم، فقال فيه:
فديتك قائدًا حيًّا وميتًا رفعت لكلِّ مكرمة صُوَاها
غضبت لأمّة منها معدُّ فأرضيت العروبة والإلها
فيا لك راقدًا نبّهت شعبًا وأيقظت النّواظر من كَرَاها.
كما رثاه شاعر المهجر الكبير إيليا أبو ماضي في قصيدته «تحيّة الشّام» فقال فيه:
بأبي وأمي في العراء موسد بعث الحياة مطامعًا ورغابًا
لما ثوى في ميسلون ترنحت هضباتها وتنفست أطيابًا
وأتى النجوم حديثه فتهافتت لتقوم حراسًا له حُجّابًا
ما كان يوسف واحدًا بل موكبًا لنور غلغل في الشموس فغابا.
منذ انتصار الجيوش الفرنسيّة الغازية في تلك المعركة غير المتكافئة، ومنذ دخول الفرنسيّين دمشق كان رد الأدباء والمثقّفين السّوريّين عنيفًا[1]، وقد وقف الأدباء من هذا الحدث الأليم موقفًا جللًا؛ وكان في مقدّمتهم الشّاعر الدّمشقي خير الدّين الزّركلي، الّذي يقدّر له أن يعاصر جلاء الأتراك عن البلاد العربيّة، وأن يعاصر العهد العربي زمن ملكيّة فيصل، وأن يعاصر انهيار الأماني الوطنيّة بالاستقلال، والحرّيّة مع دخول الفرنسيّين دمشق إثر معركة ميسلون، بعد أن حشد لها الفرنسيّون كلّ أسلحتهم، ويبدو أنّ الزركلي كان أكثر الشّعراء فاجعة على سوريّة، فقد اهتزت لهذا الحدث مشاعره؛ وقد تجلّى ذلك في قصيدته الملحميّة «الفاجعة»؛ الّتي كتبها بعد سقوط دمشق مباشرة، والّتي خلد فيها نضال أبناء شعبه في ميسلون، والعدوان السّافر على وطنه، وصوّر فيها أحرج السّاعات من تاريخ وطننا، والأكاذيب الّتي روّج لها المستعمرون؛ بأنّهم رسالة حضارة، وتمدّن، وبحجّتها أخضعوا البلاد، والعباد، وممّا جاء فيها:
الله للحدثان كيف تكيد بردى يغيض وقاسيون يميد
بلد تبوأه الشقاء فكلّما قدم استقام له به تجديد
ما تنفع الحجج الضعيف وإنّما حقّ القويّ معزّز معضد
غلت المراجل فاستشاطت أمّة عربيّة عضبًا وثار رقود
زحفت تذود عن الديار ومالها من قوّة فعجبت كيف تذود
الطائرات محوِّمات حولها والزاحفات صراعهن شديد
ولقد شهدت جموعها وثابة لو كان يدفع بالصدور حديد
جهروا بتحرير الشعوب وأثقلت متن الشعوب سلاسل وقيود
خدوعك يا أم الحضارةفارتمت تجني عليك فيالق وجنود
أقصيت عنك ولو ملكتأعنتي لم تنبسط بيني وبينك بيد
والشعب إن عرف الحياة فما له عن درك أسباب الحياة محيد
لقد قرّر المجلس العسكري التّابع للفرقة الثّالثة من الجيش الفرنسيّ في الشّرق، والمنعقد في دمشق في التّاسع من آب ١٩٢٠م الحكم بالإعدام غيابيًّا على ٣٢ رجلًا من قيادات الحركة الوطنيّة، ومصادرة ممتلكاتهم، كان من بينهم خير الدين الزركلي، الّذي أسندت له تهمة التّحريض على فرنسا؛ بعد أن جهر بعدائه لها، من خلال صحيفته «المفيد»، الّتي يصدرها في دمشق، ولأنّه نعتهم بالغدر، والخيانة، ودعا السّوريّين إلى مقاومتهم، فاضطرّ مرغمًا إلى أن يترك البلاد، ويهرب منها بيومين اثنين إلى الحجاز، وعاد فيما بعد إلى عمان، وهكذا فقد نكّل الفرنسيّون بالزّركلي مرّتين، في المرّة الأولى عندما احتلّوا وطنه، وفي المرة الثّانية عندما أجبروه مرغمًا على المنفى؛ بعد أن أصدروا بحقّه حكم الإعدام.
أمّا الدّكتور خالد الخطيب الّذي نذر حياته على قصرها (٣٥ سنة) للثّورة على المستعمرين، كان طبيب الثّورة، وشاعرها. لقد ترك الخطيب مدينته حماة ليلتحق بالجيش العربيّ الّذي نظّم صفوفه وزير الحربية يوسف العظمة. كان دور الطّبيب خالد أن يكون في قرية الدّيماس مع الفرقة الطبّيّة الملحقة بالجيش. وبعد واقعة ميسلون كان خالد الخطيب من رجال الثّورة الّذين قبضت عليهم سلطات المستعمر الفرنسيّة، وصار في جملة المعتقّلين في جزيرة أرواد، واستمر سجنه نحو سنة، ونصف السّنة، فكتب الطّبيب لأبيه يشكو حاله:
سجنت ولم أسجن لأمر يشينني ولكن لما فيه عَلائي وسؤددي
فحال عليَّ الحول والسجن موطني وما زال قيد الظلم في معصم اليد
لقد كانت السّنوات الّتي أعقبت الحرب العالميّة الأولى مشوّشة الرّؤى، بحكم الاتّفاقيّات، والوعود السّرّيّة، لكن أكثر ما هيّج مشاعر الأدباء العرب، هي مبادئ الرّئيس الأمريكي ولسون، الّتي ارتكزت على «حقّ تقرير المصير للأمم المستضعفة»، فقد أسكرهم
هذا المبدأ حتّى تغنّوا به وانتشوا؛ ولم يتردّدوا في مدح أمريكا، وسياستها ورئيسها، وكان منهم عبد الحسن الكاظمي، وإلياس فرحات، ومسعود سماحة وغيرهم، إذ حسبوها منجاة لهم، من طوفان الاستعمار الّذي أغرقهم. حتّى أنّ وصول كراين إلى دمشق في (٢ نيسان ١٩٢٢م) أعطى دافعًا جديدًا للوطنيّين، والمثقّفين السّوريّين لاستمرار بالمطالبة باستقلال بلادهم بالأساليب السّلميّة، اجتمع كراين بالأعيان، والأدباء، وبطلاب معهد الحقوق - الجامعة السّوريّة، وبعدد من عامّة الشّعب؛ الّذين استقبلوه بالأهازيج القوميّة، والأناشيد الوطنيّة. ولما كان موعد مغادرة كراين دمشق ٦ نيسان، واعتزم الرّحيل عنها اجتمع جمهرة من المثقّفين، والأدباء الشّبّان لوداعه، وخطب بعض الشّبّان خطبًا حماسيّة، وهتفوا بسقوط الانتداب الفرنسي، وأخذوا آخرون ينشدون أناشيد العهد الفيصلي:
نحن لا نرضى الحماية لا ولا نرضى الوصاية
نحن أولى بالرعاية لبني العرب الكرام.
لم يتّخذ الفرنسيّون أيّ خطوة سلبيّة أثناء وجود كراين في دمشق، وتركوا للصّحافة، وللاجتماعات، والنّشاطات السّياسيّة هامشًا كبيرًا من الحرّيّة، حتّى أنّهم يغلقوا أي صحيفة أثناء وجود كراين في سوريّة حتّى لا يظهروا بمظهر من يضطهد الصّحفيّين، ويقمع حرّيّة الرّأي، لكن وداع كراين الّذي تحوّل إلى مظاهرة شعبيّة حُمل فيها الشهبندر على الأكتاف أخاف السّلطات الفرنسيّة؛ فهي لم تألف هذا المشهد في دمشق منذ سقوطها قبل سنتين، وهكذا بعد مغادرة كراين دمشق اعتقلت سلطات الانتداب عددًا من رموز البلد في صباح السّابع من نيسان وكان منهم: عبد الرحمن الشهبندر، وحسن الحكيم، وسعيد حيدر، ومنير شيخ الأرض، وعبد الوهاب العفيفي وآخرون. لقد ساء النّاس فعل الفرنسيّين، واجتمعوا في الجامع الأموي لأداء صلاة الجمعة؛ فخطب فيهم الدّكتور
خالد الخطيب، وحثَّ النّاس على التّظاهر أمام القنصليّات الأجنبيّة للمطالبة بالاستقلال، وبالفعل خرجت المظاهرات من مساجد دمشق، وطالب المتظاهرون الّذين ساروا إلى دور القناصل بإطلاق سراح المعتقلين. فما كان من الفرنسيّين إلّا أن اعتقلوا توفيق الحلبي، والدّكتور خالد الخطيب الّذي حُكم عليه بالسّجن عشر سنوات، ثمّ أرسلوه إلى جزيرة أرواد ليقضي هناك محكوميّته.
اضطربت دمشق، وهاجت، وكثرت الاجتماعات، وأقيمت المظاهرات، فردّت فرنسا في صباح ٩ نيسان بالأحكام العرفيّة، فأضربت دمشق في صباح ١٠ من نيسان، وعطّلت الأعمال، كما أضرب طلاب المدارس، وخرجت المظاهرات في سوق الحميديّة قرب الظّهر، وتأزّم الموقف بعد سقوط طالبين، وجرح ستّة آخرين. لقد ألهب أحكام المحاكم الفرنسيّة على الشهبندر، ورفاقه الشّارع السّوريّ فتجدّدت المظاهرات، والصّدامات، ولم يستطع الفرنسيّون السّيطرة على الموقف إلّا بشقّ الأنفس، حتّى أنّ الفرنسيّين سجّلوا في سنة ١٩٢٢م، وحدها ٣٥ حركة ثوريّة كبّدتهم مئات القتلى، وقد أسفرت تلك المظاهرات عن الإفراج عن المعتقلين، ويصف لنا خالد الخطيب أسره في أرواد -قبل إطلاق سراحه- شعرا، فيقول:
أرواد يا دار بؤسي عنها المظالم تروى
لأنت باستيل هذه البلاد يا شرّ مثوى
يا غاديا في حماها لا ذاق قلبك شجوا
ألم ترى الليث فيها في ظلمة السجن يطوى؟
لكن عندما تبيّن للعرب أنّ الولايات المتّحدة الأمريكيّة لا تختلف عن فرنسا في زيف وعودها، وأنّ مبادئ ولسون ما هي إلّا سراب، وكذب، كان ردّ الفعل شديدًا لدى شعراءهم، فعبّروا عنه بمرارة بالغة، وكان ممّا قاله خير الدين الزركلي في هذه المناسبة:
وعود ولسن كم أضللت من فئة لأنت أشأم ما سيست به الأمم
أيدَّعون حقوقًا في مواطننا والمين أقبح ما يطوى عليه فم.
عندما دخل الفرنسيّون دمشق حاولوا أن يهدّئوا الموقف؛ فألقوا بالمسؤوليّة كلّها على عاتق الأمير فيصل، الّذي كان قد انتقل إلى الكسوة وقت معركة قاسيون، إذ أذاع الجنرال الفرنسي غوابيه بيانًا على هيئة الوزراء قال فيه: «إنّ الأمير فيصل قد أشرف ببلاده على قيد أصبعين من الهلاك»، فلمّا سمع فيصل البيان عاد من الكسوة ليدافع عن نفسه أمام هذه الاتّهامات، ولم يلبث أن أتاه كتاب باسم حكومة فرنسا يدعوه إلى مغادرة البلاد في ٢٨ تموز، فلم يجد بدًّا من مغادرة دمشق إلى درعا، وكانت هي البقعة الوحيدة الّتي بقيت من سوريّة حرّة، ولم تطأها أقدام الفرنسيّين بعد، وما أن نزل فيصل سهل حوران حتّى التفّ حوله شيوخ هذا السّهل، وهم الأمير إبراهيم سليم الصّالح الزعبي، والأمير إسماعيل تركي الحريري، وظلّوا محيطين به ثلاثة أيّام، يظهرون عواطف المحبّة، والإجلال، ما أقلق الفرنسيّين، وأربكهم، فحلّقت الطّائرات فوق سهل حوران، وألقت المناشير الّتي تنذر فيها أمراء السّهل بقصفه بالمدفعيّة، وبضرب بلداتهم بقنابل الطّائرات، إن لم يغادره فيصل خلال عشر ساعات. وبالتّزامن وصلت برقية للملك فيصل من رئيس الوزراء علاء الدّين الدروبي يذكّره فيها بضرورة التّعجيل بمغادرة درعا إلى حيفا، أو معان حقنًا للدّماء، وتجنيب حوران المصائب، والخراب، فغادر الملك فيصل درعا في الأوّل من شهر آب عبر القطار إلى حيفا حقنًا لدماء أهل حوران. لقد أثار نَفَسْ الأمير فيصل المهادن استياء الشّارع الشّعبيّ في عموم سوريّة ولبنان، حتّى أنّ بعض الزّجالين اللّبنانيّين الذين مدحوه من قبل، عادوا وهجّوه بتهكّم يعكس مرارة الواقع الّذي انتهت إليه الأمور، إذ قال أحدهم:
يا أمير وش إلك بالحروب؟ هَيدي فرنسا ما أنك قدها
هيدي دول بدا دول راعي غنم ما يردها
لقد كان لزعماء سهل حوران دور كبير في طرد جيوش الاتحاد والترقي من سوريّة؛ إثر مذبحة طفس الشهيرة في أيلول ١٩١٨م، وكان لهم دور كبير في دعم زعامة فيصل في سوريّة، وقد ظلّوا مدفوعين ضدّ فرنسا بعد أن سقطت دمشق، وحاولوا أن يبقوا فيصل بينهم ويلتفوا حوله، بعد أن سقط عرشه في دمشق، إلّا أنّ تهديدات الفرنسيّين باستخدام الطّيران الحربيّ؛ أجبرت فيصل على مغادرة حوران حقننا للدّماء، ما جعل أهلها يستاؤون؛ فتهدّدوا، وتوعّدوا، وأجبروا قوّة فرنسيّة مؤلّفة من عشرين جنديًّا فرنسيًّا (من السّنغال) بالعودة إلى دمشق بذات القطار الّذي وصلت فيه. وتجدر الإشارة إلى أنّه في الفترة الّتي أقام بها الملك فيصل في درعا، كان يصحبه الخطيب، والأديب حبيب أسطفان (١٨٨٨-١٩٤٦م)، ورغم أنّ الفرنسيّين قد بذلوا كلّ وسيلة لاستمالته، وحاولوا أن يثيروا فيه النّعرة الدّينيّة مذكّرين إيّاه بأنّه مسيحيّ، إلّا أنّه أبى إلّا أن يكون لسان حال العروبة، فلمّا غادر فيصل درعا، ألقى خطبة عصماء على الجموع الّتي احتشدت في محطّة القطار، وممّا جاء في بيانه: «يا أبطال حوران.. إنّ الاستعمار هو أشدّ فتكًا من الوباء، فالوباء يأتي ويفتك بالأرواح ثمّ يزول، أمّا الاستعمار فهو وباء عليكم وعلى الأحفاد، والأجيال، فبلاء الاستعمار قد خيّم ظلّه المرعب فوق رؤوسكم، فإن لم تذودوا عن أرض الوطن بالسّلاح فتك بكم، وأفناكم، فلتشربوا الصاب والحنظل، لتكفوا أنسالكم مرارة. يا أبطال حوران لا ترجوا خيرًا من الفرنسيّين، فهم دخلاء مستعمرون ظالمون، وأنتم لم تألفوا سوى مشقّ الحسام، وقد تاقت الزّنود إلى فري العظام، ونثر الرؤوس فحوّطوا المستعمرين بالسّيوف، وكونوا كالبركان إذ يتّقد، وأصمدوا للنّوائب، والكوارث فالحرّيّة هي الحياة، ومن فقدها
فلا حياة له». ثمّ ألقى الأمير إسماعيل الحريري كلمته المشهورة الّتي قال فيها ما يلي: «يا أهل حوران لقد سمعتم ما تذوب له القلوب أسىً على حاضركم، وأنّ مستقبل أبنائكم لفي أعناقكم، فلا تورثوهم الذلّ، والخنوع في أحضان المستعمرين، لقد قامت الثّورات في جبال عامل، وصهيون، والشّمال، فاستعدّوا يا أبطال حوران فلقاء العدو بات قريبًا، وسأقودكم، وأكون أنا، وأولادي، وعشيرتي في الطّليعة فداء للحرّيّة، والوطن».
لقد وصلت تقارير إلى الفرنسيّين كثيرًا من الّذين حكمت عليهم المحاكم العسكريّة الفرنسيّة بالإعدام ما زالوا يقيمون في درعا، ويتنقلون بحرّيّة من درعا إلى الرمثا، وإربد، والأزرق، وأنّ أهل حوران يحضرون لعصيان مسلّح ضدّهم، وأنّهم يرفضون الاعتراف بشرعيّة الانتداب، وكان رئيس الوزراء علاء الدين الدروبي قد تلقّى برقيّة مشفّرة من محافظ حوران أبو الخير الجندي صباح يوم الخميس (١٨ آب ١٩٢٠م)، تفيد بذلك أنّ أمراء حوران عقدوا اجتماعًا كبيرًا في إربد للانتقام من الفرنسيّين، ومهاجمة دمشق. أشار المندوب المفوض السّامي الفرنسيّ أن يسافر كلٌّ من رئيس الوزراء السّوري علاء الدّين الدروبي برفقة حكومته إلى حوران؛ ليقنع زعماءها بضرورة قبول الانتداب الّذي خضعت له كامل سوريّة، ودفع غرامة قدرها مائة ليرة ذهبية عثمانيّة، والتعهّد بإمداد العاصمة بالقمح. لم يجرؤ فارس الخوري -رغم أنّه كان وزير الماليّة في هذه الحكومة- على السّفر إلى حوران. وحاول الخوري إقناع الدروبي بالعدول عن الفكرة، وبيّن له خطورة الموقف، ومدى نقمة أهل حوران عليه نتيجة مواقفه من الملك، وتعاونه مع الفرنسّيين، إلّا أنّه لم يفلح. سَافر كلٌّ من عبد الرّحمن اليوسف رئيس مجلس الشّورى، وعطا الأيوبي وزير الدّاخليّة، والشّيخان: عبد القادر الخطيب، وعبد الجليل الدرّة؛ الّذي درَّس في حوران سابقًا، برفقة رئيس الوزراء علاء الدّين الدّروبي إلى حوران بواسطة القطار، حاول أحد وجهاء بلدة خبب أن يثني الوفد الحكومي على متابعة الطّريق عندما توقّف القطار في
بلدته، بعد أن بيّن لهم خطورة الموقف، ونصحهم بتأجيل الزّيارة ريثما تهدأ العواطف، لكن ما إن بلغ هذا القطار محطّة خربة غزالة، والعلم الفرنسي يرفرف في مقدّمته، وكانت المشاعر كلّها محتقنه، حتّى بادر أحد الجنود الفرنسيّين (السنغال) من مرافقة رئيس الوزراء بإطلاق النّار على الأهالي الواقفين في محطّة القطار، فسقط بعضهم على الأرض مضرجًا بدمه، فكانت تلك الطّلقات الشّرارة الّتي فجّرت الموقف، هاجمهم الثّوّار من أهل حوران محطّة القطار بقيادة الأمير إبراهيم سليم صالح الزّعبي، وقتلوا الجنود الفرنسيّين من مرافقة رئيس الوزراء، فترجّل عبد الرحمن اليوسف مذعورًا من القطار، وصعد الدّور الثّاني من المحطّة، حيث يسكن مديرها، ومن هناك اتّصل بالفرنسيّين يطلب النّجدة منهم، فوجد أنّ الثّوّار قد قطعوا خطوط البرق، ولما تبعه علاء الدّين الدّروبي أصيب برصاصة في ظهره؛ فأردته قتيلًا على الفور، قُتل الدّروبي، واليوسف في (٣١ آب ١٩٢٠م)، ونجا الأيوبي بأعجوبة بفضل أحد تجّار حوران الّذي أخفاه في بيته حتّى سكنت الأمور. فنظّم القروي (رشيد سليم الخوري) في هذه الحادثة أبياتًا عن غورو الّذي خسر أكثر الوزراء إخلاصًا له، فقال:
من قمح حوران أراد وليمـةً فأتاهُ سُمُّ الموت من حوران
أرسلت فرنسا حملة عسكريّة لاحتلال حوران، وقمع ثورتها بقيادة الكولونيل بوليه؛ وكانت آخر بقعة في سوريّة تطأها أقدام المستعمر الفرنسيّ، تصدّى لها أهل حوران على طول مسار الحملة من تلال المانع عند بلدة الكسوة، حيث تكبّد الطّرفان خسائر فادحة، حتّى خربة غزالة، مرورًا بقرى غباغب، وجباب، والشّيخ مسكين، وداعل، حيث أخذ الفرنسيّون يزحفون بموازاة خطّ حديد الحجاز، وطريق القوافل القديم المعروف بطريق الحجّاج، واستمرت المعارك عدّة أسابيع على طول هذين الطّريقين عند جميع المحطّات، والقرى الكبرى، وقد تصدّى أهل حوران لجبروت فرنسا، ويقول أحد
الشّعراء مهيبًا بأهل حوران، وبطولتهم:
قسمًا بجرحك أبا البطــولة زَعزَعَتْ عرشًا تربع فوقه جزار
سنظلّ نقذفهم بأصيد سيد حتى يزول الغاصـــب الغدّار
لم يتوانَ المستعمرون عند إعدام عدد من الثّوّاردون محاكمة، وهدم بيوت زعماء الثّورة، واستجابة من الطّبقة المثقّفة السّوريّة مع النّضال الوطنيّ، بعث حزب الاتّحاد السّوريّ «وريث حزب اللّامركزية، ومقرّه القاهرة» في أيلول ١٩٢٠م إلى قادة الحكومات الغربيّة، والبرلمانات، والصّحف، وإلى رئيس الولايات المتّحدة ويلسون احتجاجًا على أعمال الفرنسيّين الوحشيّة في سهل حوران. وراح الشّاعر القرويّ يستثير حميّة سكّان جبل لبنان ليقفوا إلى جانب أهل حوران في هذا الحدث الجلل، ويستنهض همّتهم، مذكرًا إياّهم أنّ كلا الإقليمين كانا من مُلك غسان، فيقول:
حوران هَبَّ إلى الحسام كأنما هو وحده العاني وأنت الهاني؟
لم يبق غيرك في الورى مستعبدًا لم يبق غيرك أيها اللبناني
أين التراث تراث أبطال الحمىأين البقيّة من بني غسانِ؟
لا تنكروها فالدم العربي قد جَلّتْ أصالتهُ عن النكرانِ
لقد ساند أهالي حوران عشائر البدو بني نعيم بزعامة الشّيخ صالح الطحان, وعشائر الفضل بزعامة الشّيخ محمود الفاعور، وعشائر السّلوط بزعامة الشّيخ أحمد العياض، وقد تعرّضت بلدات، وقرى حوران للقصف بالطّيران، والمدفعيّة، وأحرق الجنود الفرنسيّون المنازل، وقرى بكاملها، ونهبوا الفلّاحين، وقتلوهم بلا رحمة، «وعمدوا إلى إثارة الفتنة؛
فعلى حدود جبل الدّروز، ومنطقة اللّجاة الصّخريّة المحاذية له، قُتل صاحب قرية نجران الدّرزيّة، وانتقامًا للقتيل هاجم الدّروز بقيادة عبد الغفّار الأطرش، ومن ثمّ سلطان الأطرش منطقة اللّجاة، وأخذوا يدمّرون مساكن البدو، تراجع البدو إلى حوران، فتبعهم الدّروز، وهكذا أصبحت حوران مهدّدة، الأمر الّذي جعل الحوارنة يكفّون عن قتال فرنسا». ويثني الشّاعر القروي على ثورة حوران، وفتيانها، ويبيّن لهم أنّهم، وإن لم يؤدّوا بنصر الله تعالى، يكفيهم أنّهم ماتوا أحرارًا، إذ لم يقبلوا الذلّ، أو المهانة، إذ يقول:
فتى حوران لا لاقيت ضرًّا لأنت أحقّ أهل الشام فخرًا
لئن لم يؤتك الرحمن نصرًا فحسبك أن غضبت ومت حرًّا
بعد أن أخمد الفرنسيّون ثورة سهل حوران ١٩٢٠م تعرّضت قراهم للنّهب (تبنة، وشقرا، وجباب، وغباغب)؛ وجمع الفرنسيّون زعماء السّهل في قرية الشّيخ مسكين، وفرضوا عليهم غرامات بقيمة مائة ألف ليرة عثمانيّة ذهبيّة، واعتقلوا عددًا من هؤلاء الزّعماء، وكان على رأسهم الأمير إسماعيل الحريري، وعند الجمع جمع الضّبّاط الفرنسيّون ١٥٠ ألف ليرة ذهبيّة، وقد أجبر أهل حوران على دفع دية قدرها ٣٦ ألف ليرة ذهبية لأهل وزراء الحكومة العميلة (اليوسف والدروبي) الّذين قتلوهم في خربة غزالة. وقد فرض على كلّ فلاح في حوران بصرف النّظر عن اشتراكه في الانتفاضة من عدمه، دفع مبلغ قدره ١٠ ليرات ذهبيّة، ولعدم توفّر المبلغ كان على جميع الفلاحين تقريبًا مضطرين للّجوء إلى المرابين في دمشق، ما فاقم الوضع الاقتصادي سوءًا، كما أنّ قوّات الانتداب الفرنسيّ دمّرت العديد من القرى، واستولت في أخرى على المواشي. ورغم كلّ محاولات غورو لم يتطوّع أيّ شاب من حوران في «القوّات الخاصّة للشّرق» الّذي سعت له، وأسّسته فرنسا في سوريّة.
كان الإنكليز قد ضمّوا بادئ الأمر لواء دير الزّور المستقلّ في العهد العثمانيّ إلى العراق، ولم يجلوا عنه إبان جلائهم عن مدن سوريّة الدّاخليّة قبيل إعلان المؤتمر السّوريّ استقلال سوريّة، فاندلعت فيه ثورة وطنيّة بقيادة الأمير رمضان شلاش من شيوخ عشائر الفرات، تمكّن شلاش من طرد الإنكليز، وأعلن ضمّه إلى المملكة السّوريّة، ثمّ كان هذا اللّواء منطلقًا لثورة العراق سنة ١٩٢٠م، الّتي استمرّت ستّة شهور، وكبدت الإنكليز خسائر فادحة. لقد كان الشّاعر محمد الفراتي من أبرز الشّعراء الّذين عاصروا هذه المرحلة، إذ كان قد قصد مصر للدّراسة فيها، وناضل فيها ضدّ الإنكليز، ولما عاد إلى بلده دير الزّور بعدما أنهى دراسته، وجد وطنه في دوّامة كبيرة تتجاذبه فيها قوى الغرب، وأطماعه، ولا يقدر الملك فيصل أن يصنع معهم حلًّا. لم يكن الفراتيّ منعزلًا عن واقع بلاده السّياسيّ، بل عكس ذاك كان يتفاعل مع أحداثه، وتطوّرات أموره، فرغم أنّ عهد فيصل في سوريّة عُدّ ذهبيًّا، فقد تكشّفت بعض الأخطاء في سياسته، ولما كان كثيرًا من أدباء، ومثقّفي، وشعراء العالم العربيّ ينأون بأنفسهم عن نقده، فإنّ الشّاعر محمد الفراتي حذّره بلهجة المنذر حين أشيع عنه أنّه ينوي تسليم لواء دير الزّور للإنكليز، وخاطبه في قصيدة أخرى بجرأة، وصراحة عرف بها سكّان تلك المدينة، وما حولها من البادية، إذ قال:
تكلّفنا ما لا يطاق احتماله فليس لنا عفوًا على حمله صبر
إذا أنت لم تنصف بعدلك بيننا تطاير فيما بين أحقادنا الشر.
فالفراتي في هذه الأبيات يرفض أن يهادن رجلًا متربّعًا على عرش سوريّة، يريد أن يتنازل عن جزء من ترابها الغالي. وبعد أن سقط مُلك فيصل، وخضعت البلاد للاحتلال
الفرنسيّ؛ شعر الفراتيّ باختناق كبير في بلدته، فتبنّى مقاومة المستعمر، والدّعوة إلى الإصلاح، وقد لاقت دعوته قبولًا من القبائل العربيّة المنتشرة في البادية، وتحوّل النّقد إلى ثورة، فعمد المستعمر إلى إقالته من التّدريس في سنة ١٩٢٤م، وحاول اعتقاله لكنّه تمكّن من الهرب إلى العراق، ومنها سافر إلى البحرين. وكان الفراتيّ من منفاه يهاجم الفرنسيّين بأشعاره، ويسخر من مدنيّتهم المزيّفة، وقد كتب مندّدًا بهم بعد قصفهم لدمشق سنة ١٩٢٥م:
هتكت حرائرها نفت أحرارها لم تبق شبّانًا هناك وشيبًا
هذا تمدّنك الحديث فهاته من قلب باريس لنا مجلوبًا.
كان الفراتي يتابع أخبار الثّورة السّوريّة، ويدعمها بشعره الموزون التّقليديّ، ولما عاد الفراتيّ من رحلته الأخيرة في البحرين، وحطَّ الرّحال في مدينته دير الزّور سنة ١٩٣٠م، ولم يرَ أمامه سوى التّعليم، لكنَّ القائمين عليه آنذاك لم ينصفوه، وفي هذا يقول: «بقيت معذبًا... مرَّة معلمًا ابتدائيًّا، ومرّة خارج الوظيفة، ومرّة معلّمًا في مدرسة البنات»، وبقيت حال الفراتي هكذا إلى أن أنشئت مكتبة وطنيّة بدير الزّور، فأصبح قيّمًا عليها إضافة إلى تدريسه بدار المعلمات... ورغم ذلك فإنّ راتبه الزّهيد منها لم يدفعْ عنه شطفَ العيش …وظلَّ ينفثُ آهاته الحزينة في كلِّ المناسبات الوطنيّة، والاجتماعيّة. استمرّ الفراتيّ في عمله أمينًا لمكتبة دير الزّور العامة منصرفًا إلى الكتابة، والتّأليف إلى أن كان جلاء المستعمر، والاستقلال الوطنيّ.
لقد ثارت الجولان في وجه المستعمر الفرنسيّ، وخاض أحمد مريود معارك قاسية للتّصدّي للقوّات الفرنسيّة، كان من أهمّ معارك هذه الثّورة معركة مرجعيون عيون، وإبل
السّقي، حيث أنزل الثّوّار بالفرنسيّين خسائر فادحة، أمّا معارك منطقة الحولة فكان أهمّها معركة قرية الحماري عندما هاجم الفرنسيّون هذه القرية، وتصدّى لهم الثوّار بقيادة الأمير محمّد الفاعور شيخ قبيلة الفضل، الّذي كان قد طرد عملاء الفرنسيّين وجباتهم. ويوم كان الجنرال غورو عائدًا إلى دمشق، ومعه حقّي العظم (حاكم دمشق) بتاريخ (٢٣ حزيران ١٩٢١م)، بعد زيارة غداء في قرية «واسط» عند الأمير محمّد الفاعور، تصدّى لهما بعض الوطنيّين عند بلدة «خان أرنبة» قرب القنيطرة، وكان عددهم خمسة رجال بقيادة الأمير أحمد مريود، متنكّرين بزيّ الدّرك السّوريّ، أطلقوا عليه الرّصاص، فأصيب غورو في يده الخشبيّة، ودخلت رصاصة في عنق حقّي فجرحته، وقتل مرافق عسكريّ كان معهم، وقد أشار البيان الرّسميّ الذّيع في البرلمان الفرنسيّ في (٢٠ تشرين الأوّل ١٩٢١م)، ونشر في الجريدة الرّسميّة «جاء الإرهابيّون من شرق الأردن، وعادوا إليها في اليوم نفسه»، وقد أشيع في عمّان أن الجنرال قُتل، حيث منفى الشّاعر الدّمشقي خير الدّين زركلي، الّذي أنشد فقال:
يوم «الغورو» في قنيطرة كان العقاب به لما اجترما
نهضت بأبناء الحمى هِممٌ فتدرعوا الإقدام والهمما
ما بال «حقي» غير معتبر بمصير صاحبه الذي ظَلما
سيرون أيامًا محجّلة بيضًا لنا بخلوا بها الظُّلما
إنّ النفوس إذا غَلى دمها ألمًا شفت بزنادها الألما
نكّل الفرنسيّون بجميع القرى الّتي مرّ بها الثّوّار، إذ دمّروا البيوت، والمساكن، وفرضوا الغرامات الباهظة على الأهالي، وأحرقوا، ونهبوا، وملأوا السّجون بالأبرياء، حتّى
لأطفال، والنّساء ساموهم سوء العذاب. ولم يمض زمن طويل حتّى تواجه أحمد مريود وجها لوجه مع الفرنسيّين، ولم يكن معه إلّا نفر قليل، ورغم عدم تكافؤ القوّتين استمرّوا في مقارعة المستعمرين حتّى سقطوا كلّهم في ساح الوغى، والعجيب أنّ الفرنسيّين زهوا بنصرهم على مريود حدًّا جعلهم يعرضون جثته في دمشق ليرهبوا البلاد، والعباد، وفي ذلك يقول الشّاعر خير الدين الزركلي:
مصرع الأكرمين في مجدل شمس وجباتة منار الرجالِ
مصرع الأكرمين في أكم الشام نذير العداوة بالآجالِ
أقبلوا يحملون أحمد وضاح المحيا مضرج السربالِ
شهد الله أنهم حملوا موئل مستصرخ وليث صالِ.
ثورة الشّمال السّوري وأثرها في ضمائر الأدباء والشّعراء السّوريّين
لقد عمّت حرب شعبيّة شاملة منطقة إدلب، وجسر الشّغور، ومعرّة النّعمان ولا سيّما جبل الأكراد، وجبل الزّاوية، حيث مقرّ الزّعيم إبراهيم هنانو، ونجح الثّوّار في الاستيلاء على عدد من القرى، والمدن، كان وضع الفرنسيّين حرجًا، وكادوا أن يخسروا البلاد، فبادروا إلى عقد اتّفاقيّة مع مصطفى كمال أتتورك في (٩ آذار ١٩٢١م)، تخلّوا له بموجبه عن كيليكيا (الّتي كانت تنوي فرنسا إقامة دولة للأرمن فيها)، ومنح سنجق الإسكندون الحكم الذّاتي، مقابل اعتراف الأتراك باحتلال فرنسا لسوريّة، وإيقاف الدّعم عن ثورة إبراهيم هنانو، توقّفت العمليّات العسكريّة بين الفرنسيّين، والأتراك، عندها تفرّغ الفرنسيّون لثوّار الشّمال السّوريّ، ووجّهوا قوّة مؤلّفة من ٣٠ ألف جندي، وقد ساند الطّيران قوّات المشاة. ويعترف أحد الضّبّاط الفرنسيّين أنّهم خلال المرحلة الممتدّة بين ١٤ و٢٥ آذار تلقّوا خسائر فادحة في صفوف الضّبّاط، والجنود. وبحلول شهر تمّوز سنة
١٩٢١م تمكّن الفرنسيّون من القضاء على ثورة الشّمال، وفرّ إبراهيم هنانو إلى شرقيّ الأردن، وفي طريقه إلى القدس اعتقله الإنكليز وسلّموه للفرنسيّين، حاكمه الفرنسيّون، وأطلقوا صراحه، لينخرط بعدها في النّضال السّياسيّ. لقد أثّر نضاله على جسده فقد أصيب بمرض السّلّ، وتوفي متأثّرًا به سنة ١٩٣٦م، بينما كان ابنه طارق مشاركًا في إحدى مظاهرات مدينة حلب ضدّ فرنسا، فضربه أحد أذنابها على رأسه، ما تسبّب له بارتجاج في الدّماغ. ولعلّ أعظم الشّعراء الّذين مجدوا نضال إبراهيم هنانو؛ هو عمر أبو ريشة، الّذي ألقى قصيدة «قيود» في الذّكرى السّنويّة الأولى لرحيل هنانو، وصفه فيها بالمستبسل الجبار:
ما أقربَ الماضي الذبيح يغيبفي طيّاته المستبسل الجبارُ
نوح المآذن ما يزال بمسمع يتدوي به الآصال والأسحارُ
فكأنما بالأمس ضلّت في الدجى سفنٌ، ومال على الرمال منارُ
يا مـنَّـةَ الزمان البخيل ومنتهى حلم العُلى، إن الحياة إسارُ
مرت لياليك العِذابُ وأنتفي الأجفان طيف العزة الخطَّار
ماذا وراء غياهبٍ لـجِّيةٍ قصَّتْ بهن جناحي الأسرارُ
روحٌ على شفة الخلود وهيكلٌ خاوٍ على قدم النا ينهارُ
ذكراك عرسُ المجد لم يُسكرْ له دفٌّ، ولم يحطم له مزمارُ
هذي الديارُ عشقتها ولطالما هزت حنين العاشقين ديارُ
تلك القوافلُ من شبولة يعربٍ ما زال منها فيلقٌ جرَّارُ.
عيّن الجنرال ويغان مفوّضًا ساميًا بدلًا من الجنرال غورو في (٩ آيار ١٩٢٣م) فعمل
على إلغاء الاتّحاد السّوريذ، وأصدر القرار رقم ٢٩٨٠ تاريخ ٥ كانون الأوّل ١٩٢٤م الّذي نصّ على أن تتّحد دولتا حلب، ودمشق اعتبارًا من الأوّل من كانون الثّاني ١٩٢٥م، وتؤلّفان دولة واحدة (الدّولة السّوريّة)، وسمّي الداماد أحمد نامي رئيسًا لها خلفًا لصبحي بركات الخالدي. لم يرض الشّعب العربيّ في سوريّة بالتّجزئة، ولم يستكن للذّلّ، ولم يخضع للاستعمار لحظة واحدة، فتتابعت الثّورات، وتوالت الانتفاضات، وانفجرت الثّورة السّوريّة على كامل امتداد رقعة الجغرافيّة السّوريّة في شهر تموز سنة ١٩٢٥م على فرنسا رافضة احتلال جيشها.
عقد اجتماع سرّيّ في منزل آل الحلبوني حضره السّياسيّ، والأديب الدّكتور عبد الرّحمن الشهبندر رئيس حزب الشّعب، وأقسم المجتمعون أن يقوموا بثورة لا يخمد سعيرها حتّى ينالوا مطالبهم، وكان فارس الخوري وقتها يحضر المؤتمر الماسوني العام في زحلة عندما بدأت الثّورة، وقد كانت له الكلمة الحاسمة في مناقشات هذا المؤتمر، اعتقد الفرنسيّون أنّ فارس الخوري خلف هذه الثّورة، فاعتقلوه لما عاد إلى دمشق في (٢٦ آب ١٩٢٥م) لأجل إخمادها، ثمّ تمّ نفيه إلى جزيرة أرواد ٧٦ يومًا، مع ثلّة من رجالات البلد، وقد تحدّث الخوري شعرًا عن فضل المنفى في توثيق العلاقة بين المناضلين السّوريّين في وجه الاستعمار الفرنسيّ:
كهوف أرواد مدّت بينا نسبايا حبّذا السجن بل يا حبّذا النسب
لقد خاض الثّوّار معارك قاسية مع الجنود الفرنسيّين، ومرتزقتهم، سجّل فيها الثّوّار انتصارات باهرة على القوّات الفرنسيّة، وكانت أشدّ هذه المعارك، وأحماها وطيسا تلك الّتي تواجه فيها الثّوّار مع الغاصبين في الغوطة؛ في النّشابية، وجسرين، وجوبر، والمليحة، وتجاوزت الثّورة منطقة الغوطة لتشمل المرج، والقلمون، ثمّ بقيّة المناطق، والمدن
السّوريّة، كما اشتعلت الثّورة في حماه في ٤ تشرين الأوّل بزعامة فوزي القاوقجي. وكالعادة أبرى الشّعراء لتخليد هذه الملاحم البطوليّة، وكان منهم خير الدّين الزركلي الّذي افتخر بأبطال شعبه الّذين ثاروا على المغتصب غير مكترثين بما يلاقونه من ظلم، وعذاب، وسجن، ونفي، لا بل إنّهم يتسارعون لخندق الثّورة، ويلهبون أوارها في المناطق كلّها، رافضين الذّلّ، والخنوع، وانحناء الرّقاب، فيقول:
انظر إلى القوم لا حولٌ ولا عضد ثاروا على البغي ما هابوا ولا
أُباة ضيمٍ، مقاديم إذا استعرت لظى نضالٍ، مناجيد، مساريع
سيموا الأذاة، فلم يحنوا رقابهم ذُلًا، ولا استسلموا والأنف
ولما اندلعت الثّورة السّوريّة الكبرى سنة ١٩٢٥م، عاد الدّكتور خالد الخطيب إلى حماة من منفاه، ومن هناك شارك الثّوّار في ملاحمهم حماه، وحمص، والغوطة، وكان يقاتل مع الثّوّار، فمتى هدأ القتال يقضي وقته في معالجة الجرحى وكان لمعارك الغوطة (١٩٢٥م) أثر عظيم في نفس الشّاعر محمد البزم، فعبّر عنها بشعر يفيض عاطفة صادقة، فخورًا بطولات المجاهد حسن الخرّاط، أحد أبرز أبطال الثّورة السّوريّة الكبرى في مواجهة الفرنسيّين، ذلك الرّجل الّذي لم يعرفه النّاس إلّا باستشهاده، فكتب فيه:
يا مؤثّر الموت في إنقاذ موطنه ركبت صعبًا فلا لاقيت خذلانًا
سيرت ذكرك في الآفاق تحمله جوانب الجو أفراحًا وأحزانًا
وليس عندك من مال ولا عدد إلّا العزائم قد مثّلن إيمانًا
وحارس الوطن المنكود طائره يحمي ويمنع أشياخًا وصبيانًا.
ثمّ يتوجّه شاعرنا بالخطاب إلى الفرنسيّين مذكّرهم بأنفة الشّام، وعزّتها، وعنفوانها أمام الطّامعين، وينصحهم بالجلاء عن البلد؛ فالشّام ليست كبلاد الصّين، وأهلها العرب من نسل عدنان لن يكونوا عبيد لأحد:
ويا بني«السين»نصحًا لامراء بهو النصح يسمعه ذو الطيش أحيانًا
دعوا الشآم وخلوا القاطنين به ويمموا غير ذي الأوطان أوطانًا
أخلتم الشام أرض الصين حينعفت أحلامكم وبني الفيحاء سودانًا
ما جلّق وهي بنت المجد خاضعة لكم ولا الصيدمن عدنان عبدانًا.
أمّا الصحفيّون السوريّون فقد كرّسوا أقلامهم لنقل أخبار تلك المعارك، وحثّوا الجنود السّوريّين المتطوّعين في «القوّات الخاصّة للشّرق» على الفرار منها، والالتحاق بالثّورة الوطنيّة ضدّ المستعمرين، ما أغضب سلطات الانتداب الفرنسيّ؛ فكان أن صدر القرار رقم ٢٦٣٠ في السّابع والعشرين من آيار سنة ١٩٢٥م «بشأن الجنايات، والجنح الّتي ترتكب بواسطة الصّحف»، وقد نصّ القرار «إنّ كلّ تحريض يدعو العساكر البرّيّة، والبحريّة في الجيوش الأجنبيّة إلى الفرار، أو العصيان سواء كان بواسطة الكتابات، أم المطبوعات المبيعة، أم الموزّعة، أم المعروضة للبيع، أم المعروضة في محال عامّة، أم في مدّة اجتماعات عامّة، أم بواسطة إذاعات، وإعلانات معروضة على أنظار الشّعب يعاقب فاعلوه بالحبس من ستّة أشهر إلى سنتين، وبجزاء نقديّ من ١٥ إلى ٢٥ ليرة سوريّة».
جاء ساراي مفوّضًا ساميًّا في الثّاني من كانون الثّاني ١٩٢٥م، وكان رئيس الدّولة صبحي بركات الخالدي الّذي ضيّق على الصّحفيّين، وخنق أقلامهم عندما أصدر القرار رقم ٦٩ تاريخ (١٥ نيسان ١٩٢٥م)، الّذي نصّ على أنّ «لرئيس دولة سوريّة أن يأمر بناء على اقتراح وزير الدّاخليّة بتعطيل، أو عدم إدخال كلّ صحيفة، أو نشرة تنشر مقالات، أو أخبار من شأنها تهييج الرّأي العام، أو إهانة رئيس الدّولة، أو أعضاء الحكومة، أو
أعضاء المجلس التّمثيليّ، أو الموظّفين الملكيّين، أو العسكريّين بدوائر الدّولة كافّة...» وكما هو واضح من هذا القرار هو عزل الصّحافة عن جماهير الشّعب النّاقمة على أعمال الفرنسيّين، والحيلولة دون قيام المثقّفين بدورهم في هذه المرحلة العصيبة من تاريخ الوطن، الّتي انطلقت فيها شرارة الثّورة، ووصلت إلى كلّ بقاع سوريّة، وإذا استطاع هذا القرار فرض سطوته على الصّحافة، فإنّه عجز عن إطفاء نار الثّورة، حيث كانت معارك الغوطة مستمرّة، وعدد الثّوّار يزداد، ولما تقدّم الثّوّار صوب دمشق، ودخولها يوم (١٨ أكتوبر ١٩٢٥م)، وهدّدوا الجنرال ساراي نفسه في مقرّ إقامته، فما كان من المستعمر الفرنسيّ إلّا أن صبّ نار حقده على هذه المدينة، وسكّانها الآمنين، حيث فرّ ساري إلى بيروت، ومن هناك أمر بضرب دمشق بالمدافع في اليوم الثّاني، استمرّ قصف دمشق ٢٤ ساعة، ولم يتوقّف القصف بتوجّه وفد من وجهاء الدّمشقيّين (سعيد الجزائري، تاج الدّين الحسيني، نسيب حمزة) قابل الجنرال ساراي، وتعهّد بدفع غرامة ماليّة قدرها مائة ليرة ذهبيّة، وتسليم المدينة ثلاثة آلاف بندقيّة، فنزحت عنها شخصيّات، وأسر لا تحصى من جملتها شكري القوتلي، وخالد الحكيم، ونبيه العظمة، وقد قام هؤلاء بفضح أعمال ساراي الوحشيّة في دمشق.
لقد كان لقصف دمشق أثر عظيم في نفوس المفكّرين، والأدباء، والشّعراء، والخطباء العرب، وطلّاب الجامعة السّوريّة، فقد وقف الشّاعر خير الدّين الزركلي الشّاعر السّوريّ المنفي من وطنه، والمحكوم عليه بالإعدام من قبل محاكم الانتداب الفرنسيّ، يهجو ساراي في قصيدة عنوانها «ما بال ساراي» قال فيها:
أجهر برأيك لا يأخذك ترويع لا ينفع الصوت إلا وهو مسموع
شران لا تحمل الأقوام عبأهما سياسة الأخذ بالإرهاق، والجوع
ما بال ساراي يغلي في حماقته كأنما مسّ جمرا فهو ملذوع.
ولما أقيم في مصر عدّة مهرجانات شعبيّة لمؤازرة نضال الشّعب السّوري ضدّ جلّاديه، وقف خير الدين الزركلي، فأنشد يقول:
الأهل أهلي والدّيار دياري وشعارُ وادي النَيْرَبين شعاري
ما كان من ألم بجلّق نازل واري الزناد، فزنده به واري
إن الدم المهراق في جنباتها لدمي وإن لشفارها لشفاري
والنار محدقة بجلّق بعد ما تركت حماة على شفير هارِ
تنساب في الأحياء مسرعة الخطى تأتي على الأثمار والأعمار
الطفل في يد أمه عرضُ الأذى ي ُرمى وما للشيخ من أوزار
أم القصور نواعمًا ربّاتها ما للقصور دوائر الآثار
ما ينقمون عليك إلا أنهم شهدوك غير مَقودةٍ لصغار
غضبت لسوريّة الشهيدة أمة في مصر تطفئ غلة الأمصار
لله والتاريخ والدم واللغة حق وللآمال والأوطار.
وكان الشّاعر محمد البزم شاهد عيان على الجريمة، فكتب للفرنسيّين متوعّدًا إيّاهم:
أبناء (غيلة) لا كان انتدابكم فقد أسال دماء العرب غدرانا
لا ترهقوا العرب، فالعرب الكرام لهم إن أرهقوا وثبة الضرغام غضبانا.
أمّا الشّاعر خليل مردم بيك فقد أعادة أحداث للثّورة السّوريّة، وقصف دمشق إلى ذاكرته ذكرى معركة ميسلون فكتب في قصيدة «يوم ميسلون»:
مصيبة ميسلون وإن أمضّت أخفُّ وقيعةً ممّا تلاها
فما من بقعةٍ بدمشق إلا ّ تمثِّل ميسلون وما دهاها
فسلْ عما تصبّب من دماء تخبرك الحقيقة غوطتاها
جراء القصف تهدّم قسم من مباني دمشق التّاريخيّة، والآثار المعماريّة، بما فيها قصر القوتلي، ومسجد السّنانيّة، وغيرها، ودكّت المنازل على رؤوس أصحابها، ونشبت حرائق كبيرة فيها؛ وخاصّة في حيّ الميدان، وفي منطقة سيّدي عامود (حيّ الحريقة حاليًّا)؛ إذ دمّرت غالبيّة البيوت الموجودة في هذا الحيّ، وقد أحدث هذا القصف الهمجيّ لدمشق أزمة دوليّة، اضطرّت فرنسا على أثرها لسحب ساراي، وعيّنت بدلًا منه دي جونفيل في الثّاني من كانون الأوّل ١٩٢٥م، وهو أوّل مفوّض سامي مدني فرنسي لسوريّة.
أوّلًا: يمثّل الشّعر، والأدب، وما نشرته الصّحف اليوميّة وثائق تاريخيّة مهمّة، تعبّر بصدق عن مواقف النّخب الوطنيّة، ودورها في النّضال في سبيل الحرّيّة، والاستقلال، فقد استطاع المفكّرون، والشّعراء، والأدباء توثيق الكثير من أحداث النّضال الوطنيّ بكتابتهم، وقصائدهم الّتي كانت تعرّض حياتهم للخطر، كما أنّه خلّد أسماء أبطال كانت أسماؤهم سيدرّسها الزّمن لولا قصائد الشّعراء الّتي قيلت فيهم.
ثانيًا: استخدم المفكّرون، والشّعراء، والأدباء الكلمة سلاحًا لهم في مواجهة المستعمرين، لتكون الكلمة الوطنيّة الصّادقة خير سندٍ للرّصاصة الفاتكة، كما أنّ تلك الكلمات، والقصائد، والأشعار كانت زاد الثّورة المعنويّ الّذي يستمدّ منه أبطال الكفاح المسلّح طاقتهم المعنويّة.
ثالثًا: عمد المفكّرون، والشّعراء، والأدباء إلى فضح ممارسات المستعمرين البشعة، ودعواتهم البغيضة المندرجة في إطار سياستهم الخبيثة (فرّق تسد) الرّامية إلى تفتيت البلاد، وتفريق العباد، فضحوه على مستوى الوطن، وعلى الصّعيد الدّوليّ.
رابعًا: سعى المفكّرون، والشّعراء، والأدباء إلى الحفاظ على هوّيّة الأمّة العربيّة، والتّأكيد على أنّ سوريّة جزء لا يتجزّأ منها؛ من خلال الحفاظ على اللّغة العربيّة، وتراث الأمّة، وتاريخها المجيد، وتعزيز مكانته.
خامسًا: تحمّل المفكّرون، والشّعراء، والأدباء جميع صنوف العذاب، والهوان من سجن، واعتقال، ونفي، وتشريد، من دون أن يهنوا، أو يضعفوا.
سادسًا: أثرى النّضال الوطنيّ في سوريّة ضدّ الانتداب الفرنسيّ الرّوح الأدبيّة في سوريّة، والعالم العربيّ، والمهجر؛ ما انعكس على جميع الأجناس الأدبيّة.
(282)
1. أبو ريشة، عمر، الديوان، مج١، دار العودة، بيروت، ١٩٩٨م.
2.أبو ماضي، إيليا، الديوان: تبر وتراب، دار العلم للملايين، بيروت.
3. الأحمد، خالد طه، بدايات التعليم الحديث في دمشق، ضمن كتاب دمشق الشام عاصمة الثقافة العربيّة ٢٠٠٨م، هيئة الموسوعة العربيّة، دمشق، ٢٠٠٨م.
4. أحمد، ناهد، المواقف السياسية للمهاجرين الشوام في البرازيل من قضايا الوطن فيما بين (١٩٠٤-١٩٢٥م)، مجلة كلية التربية الصادرة عن جامعة المنصورة، العدد ١١٧، يناير، ٢٠٢٢م.
5.الأرناؤوط، عبد اللطيف، محمد الفراتي شاعر تحت صقيع النسيان (١٨٨٠-١٩٧٤م)، مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربيّة السوريّة، العدد ٦٢٣، السنة ٥٤، آب، ٢٠١٥م.
6. البزم، محمد، الديوان، ضبطه وشرحه سليم الزركلي وعدنان مردم بيك، المجلس الأعلى لرعاية الفنون والآداب والعلوم الاجتماعيّة، المطبعة الهاشميّة، دمشق، ١٩٦١م
7.البطل، أحمد خالد، الصالونات الأدبيّة الثقافيّة في دمشق (النشأة، الرواد، صعوبات وتحديات) بين ١٩٢٠- ٢٠٠٠م، دمشق، ٢٠٢١م.
8. ترامونتيني، ليزي؛ دونوهيو، جون، أعلام الأدب العربي المعاصر، سير وسير ذاتية، نصوص ودراسات بيروتية ١٢٣، سلسلة يصدرها المعهد الألماني للأبحاث الشرقية في بيروت، ٢٠١٣م.
9. تكريتي، عدنان، جامعة دمشق وتعريب العلوم، ضمن كتاب دمشق الشام عاصمة الثقافة العربيّة ٢٠٠٨م، هيئة الموسوعة العربيّة، دمشق، ٢٠٠٨م.
10. جبري، شفيق، ديوان نوح العندليب، منشورات مجمع اللغة العربيّة، دمشق، ١٩٨١م.
11.الجندي، أحمد، شعراء سوريّة، دار الكتاب الجديد، بيروت، ١٩٦٥م.
12. حداد، جورج؛ الخباز، حنا، فارس الخوري حياته وعصره، ط٢، الهيئة العامّة السوريّة للكتاب، دمشق، ٢٠١٤م.
13. الحريري، نبيل زين العابدين، حوران في التاريخ، دار الأمل، القاهرة، ٢٠٢٣م.
14.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار، بيروت، ١٩٨٣م.
15.الخطيب، مصطفى، تاريخ دمشق الحديث والمعاصر، ضمن كتاب دمشق الشام عاصمة الثقافة العربيّة ٢٠٠٨م، هيئة الموسوعة العربيّة، دمشق، ٢٠٠٨م.
16.الخوري، رشيد سليم، الأعاصير، مطبعة مجلة الشرق، د.ت.
17.الداية، محمد رضوان، من تاريخ الشعر في سوريّة، مجلّة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربيّة السوريّة، العدد ٥٧٣، السنة ٥٠، حزيران، ٢٠١١م.
18. دقاق، عمر، الاتجاه القومي في الشعر العربي الحديث، ط٣، منشورات حلب، ١٩٧٧م.
19.رزقي، اناس نور، الوطنيّة في شعر «حكاية سمار» لعمر أبو ريشة، دارسة تحليلية وصفية، بحث مقدم في قسم اللغة العربيّة وآدابها، جامعة الرانيري الإسلامية الحكومية، دار السلام، ٢٠٢٠م.
20. الرفاعي، شمس الدين، تاريخ الصحافة السوريّة واللبنانية من العهد العثماني حتى الاستقلال (١٨٠٠-١٩٤٧م)، الانتداب الفرنسي والاستقلال، منشورات اسمار، باريس، ١٩٦٧م.
21.الركابي، جودة؛ عبد الكريم، إسماعيل؛ الخطيب، حسام، الوافي في الأدب العربي الحديث، دمشق، ١٩٦٤م.
22.الريس، منير، الكتاب الذهبي للثورات الوطنيّة في المشرق العربي، دار الطليعة بيروت، ١٩٦٩م.
23.الريس، نجيب نضال، مطبعة القبس، دمشق، ١٩٣٤م.
24.زرزور، فارس، معارك الحرية في سوريّة، دار الشرق، دمشق، ١٩٦٢م.
25.الزركلي، خير الدين، الأعمال الشعرية الكاملة، مؤسسة الرسالة، بيروت، ١٩٨٠م.
26.زين العابدين، بشير، الجيش والسياسة في سوريّة (١٩١٨-٢٠٠٠م)، دار الجابية، لندن، ٢٠٠٨م.
27. شبلي، عبيدة، ملامح الاغتراب في شعر محمد الفراتي، دراسة أدبيّة، جامعة القفقاز، تركيا، ٢٠٢١م.
28.الصغير، إبراهيم، محمد البزم شاعر العروبة والشام، مجلّة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربيّة السوريّة، العدد ٦١٣، السنة ٥٣، تشرين الأول، ٢٠١٤م.
29.الصيداوي، رياض، مدينة دمشق القديمة (دراسة في العلاقات المتبادلة بين النمط العمراني والنشاط الاقتصادي)، أطروحة أعدت لنيل درجة الدكتوراه في الجغرافيا، جامعة دمشق، ٢٠٠٥م.
30.عثمان، هاشم، الصحافة السوريّة ماضيها وحاضرها (١٨٧٧-١٩٧٠م)، وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩٧م.
31. العطري، عبد الغني، عبقريات شامية، مطبعة الهندي، دمشق، ١٩٨٦م.
32. عكرمة، مصطفى، عمر أبو ريشة شاعر أمّة إطلالة وقطوف، وقصائد لم تنشر سابقًا، دراسة انطباعيّة الكويت، ٢٠١٤م.
33. العمري، صبحي، أوراق الثورة العربيّة، الريس للنشر، لندن، ١٩٩١م.
34. فرطاس، حسيبة، العدوان الفرنسي على سوريّة وآثاره ٢٩ ماي ١٩٤٥م، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في تاريخ الوطن العربي المعاصر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، ٢٠١٩م.
35.قنبس، أكرم جميل، خير الدين الزركلي شاعر الوطن، الهيئة العامة السوريّة للكتاب، دمشق، ٢٠١١م.
36.القنطار، سيف الدين، الأدب العربي السوري بعد الاستقلال، منشورات وزارة الثقافة، دمشق، ١٩٩٧م.
37. لوتسكي، فلاديمير، الحرب الوطنيّة التحريرية في سوريّة (١٩٢٥-١٩٢٧م)، صفحة مشرقة من النضال العربي ضد الإمبريالية الفرنسيّة، ترجمة: محمد دياب، سلسلة تاريخ المشرق العربي الحديث، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧م.
38.ليامنة، سايح، الآثار السياسية للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام (١٩٢٤-١٩٣٩م)، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في تاريخ الوطن العربي المعاصر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر، ٢٠١٩م.
39.محاسيس، نجاة، معجم المعارك التاريخيّة، دار زهران، عمان، ٢٠١١م.
40.محمد، نجاح، وآخرون، تاريخ العربي الحديث والمعاصر، المؤسسة العامة للمطبوعات والكتب المدرسية، دمشق، ٢٠٠٥م.
41. مردم، خليل، الديوان: مجمع اللغة العربيّة، دمشق، ١٩٦٠م.
42.المشاقبة، ياسر علي، عبد الرحمن الشهبندر (دراسة في تاريخ سوريّة السياسي ١٩١٨-١٩٤٠م) رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ الحديث والمعاصر، جامعة اليرموك، أربد، ٢٠٠٦م.
همام سعد
بداية اهتمام المستشرقين بالآثار السّوريّة ودور الاحتلال العثمانيّ في تسهيل أعمالهم
لقد نظر المستشرقون في مختلف العصور، وعلى اختلاف مدارسهم إلى الاستشراق من زوايا، وآراء متنوّعة، حيث إنّ كلّ مجموعة منهم بحثت في موضوع خاصّ من موضوعات الشّرق. إنّ أبسط أنواع الاستشراق هو ذلك الّذي يبحث في عدد المدن، أو القرى، والأرياف في كلّ قطر شرقيّ، وسلاسله الجبليّة المهمّة، والأنهار، والبحار، والبحيرات الشّهيرة، وأنواع الزّراعة، والصّناعة... إلخ. وكذلك الأحداث التّاريخيّة، وأطلال المواقع، والمدن القديمة لذلك القطر. وأقدمها يتمثّل بكتب الرّحلات الّتي ألفها الرّحالة الغربيّون الّذين كانوا في القرون المنصرمة يدوّنون مشاهداتهم. ومن هذا المنطلق كانت رحلات المستشرقين هي البدايات الأولى لتوجه الأنظار إلى الآثار. فعلى سبيل المثال إنّ قصة ملكة تدمر زنوبيا، وحربها ضد الإمبراطور الرّومانيّ أورليان الّتي وردت في التّاريخ الأوغسطي[2]، وأيضًا في العديد من المصادر الكلاسيكيّة، ومنهم المؤرّخ ملالاس الّذي يذكر أنّها رفضت الانصياع لمطالب الامبراطور، وفضلت الموت
على ذلك. هذه المعلومات أبقت اسم مدينة تدمر حيًّا، وبقيت تردّد، ويكرر ذكرها في المصادر، والمؤلّفات اللّاحقة، الأمر الّذي دفع العديد من الرّحالة منذ القرن ١٢م، محاولة الوصول إلى مدينة تدمر، ومنهم الإسبانيّ بنجامين توديل (Benjamin Tudel) إلّا أنّ محاولته باءت بالفشل. وفي عام ١٦٣٠م عندما وصل الرّحالة الفرنسي تافيرني (J.B. Tavernier) إلى قرية الطّيبة اعتقد أنّه وصل إلى تدمر، ونسخ مجموعة من النّقوش الكتابيّة التّدمريّة، واليونانيّة، وعلى أثر نشره لها ازاد الاهتمام، والرّغبة بالوصول إلى تدمر. وفي عام ١٧٥١م، نشر كلّ من وود، ودوكنيز (James Dawkins and Robert Wood) كتاب بعنوان: آثار تدمر تضمن مجموعة كبيرة من اللّوحات لمباني المدنيّة، ومنحوتاتها، الأمر الّذي فتح شهيّة الغرب لسرقة، واستباحة آثار تدمر، وغيرها من المواقع الأثريّة المشهورة في تلك الفترة.
لقد كانت سرقة الآثار في تلك الفترة قليلة، إلّا أنّه كان هناك ظاهرة أخطر شهدها القرن السّابع عشر، والثّامن عشر، وتمثّلت بحركة نشطة، ومنهجيّة من قبل العديد من الأفراد في البحث عن المخطوطات، ونسخها، وجمعها، ونقلها من الدّولة العثمانيّة إلى أوروبا. وأدَّت الشّبكات الدّبلوماسيّة، والتّجاريّة دورًا حاسمًا بصفتها قنوات سهّلت حركة نقل المخطوطات الشّرقيّة إلى أوروبا. بعض أقدم المخطوطات العربيّة الّتي تمّ الحصول عليها في إنجلترا على سبيل المثال، تمّ الحصول عليها من قبل إدوارد بوكوك (Edward Pococke) الّذي كان قسّيسًا لشركة المشرق العربيّ، والّذي اعتمد على اتّصالاته مع مجموعة من الوكلاء، والخبراء المقيمون في حلب، واسطنبول لشراء المخطوطات. في بداية القرن التّاسع عشر كان الرّحلة الرّحالة الغربيون قد عملوا، وأخرجوا الكثير من القطع الأثريّة، وبدأت حينها تظهر كتاباتهم عن تلك القطع، فحجر الرّشيد الّذي تمّ العثور
عليه في عام ١٧٩٩م من قبل الضّابط الفرنسيّ (Pierre-François Bouchard) خلال حملة نابليون على مصر، أخذه البريطانيّون، ونقلوه إلى المتحف البريطانيّ حتّى فكّ رموزه شامبليون (Jean-François Champollion)، ونشرها في عام ١٨٠٣م. وفي عام ١٨٤٧م تمكّن هنري رولنسون الضّابط في جيش شركة الهند الشّرقيّة البريطانيّة من دراسة نقش بهيستون، وفكّ رموز النّقش الفارسيّ، والبابليّ. وفي سوريّة كانت من أولى أعمال التّنقيب عام ١٨٦٠م على يد ارنست رينان (Ernest Renan) في عمريت، وجبيل، وصور (حاليًا لبنان)، وهو الّذي أخرج الكثير من القطع الفينيقيّة إلى فرنسا. وتجدر الإشارة هنا إلى ما أخرجه ماكس فون أوبنهايم (Max von Oppenheim) (١٨٦٠-١٩٤٦م) من موقع تل حلف. إنّ قصص الاستكشاف، والتّنقيبات في المشرق العربي تباينت في دوافعها عبر الزّمن، فقد جذب تاريخ الكتاب المقدّس، والبحث عن الآثار الدّينيّة، الصّليبيّين، والمسافرين الأوروبّيين إلى الأراضي المقدّسة على طول السّاحل الشّرقيّ للبحر المتوسّط في وقت مبكر من القرن الحادي عشر. وإنّ الرحّالة، والآثاريّين فيما بعد استمروا بالبحث عن المواقع المذكورة في الكتاب المقدّس في تلك المنطقة، وقناعاتهم بأنّ استكشاف هذه المواقع مهمّ كونه جزء متّصل ما بين هذه الحضارات، والكتاب المقدّس. وبدون شكّ، الأسباب الأخرى للأوروبيّين، والأمريكيّين تكمن في الاستعمار، والسّيطرة على المقدّرات الاقتصاديّة لتلك البلدان.
وفي عام ١٨٨١م تمّ تعيين حمدي بك مديرًا للمتحف الإمبراطوريّ، وأشرف على تشييد مبنى المتحف الجديد، وتوسعته اللّاحقة، وبدأ على الفور أعماله الأثريّة. أعاد كتابة القانون الّذي يحكم الآثار في (١٨٨٣-١٨٨٤م)، حيث منع الاكتشافات الأثريّة من مغادرة الأراضيّ العثمانيّة. كان هذا التّغيير يعني أنّ متحفه، وليس نظيراته الأوروبّيّة، أصبح مستودعًا لجميع الاكتشافات الجديدة، وأصبح حمدي بك حارس البوابة، الّذي
كان على جميع علماء الآثار الأجانب الرّدّ عليه.
وفي حين كان قانون الآثار صارمًا في شروطه، إلّا أنّه كان أكثر مرونة في الممارسة: يمكن تقديم «الهدايا» لإجبار علماء الآثار الأجانب بوصفه جزءًا من استراتيجيّة حمدي بك الدّبلوماسيّة. ومع قيام الأمريكيّين بتوسيع أنشطتهم في المشرق العربيّ، كذلك فعل حمدي بك، من خلال التّنقيب الكبير في عام ١٨٨٧م في المقبرة الملكيّة في صيدا، حيث تمّ اكتشاف العديد من التّوابيت الرّخاميّة الكبيرة، بما في ذلك تابوت الإسكندر الشّهير. تمّ العثور على مجد متحفه الجديد في أعمال التّنقيب الخاصّة به، ونقلها كلّ المكتشفات الّتي عثر عليها إلى هذا المتحف. وباعتبار أنّ حمدي بك مؤسّس أكاديميّة الفنون، الّتي كانت في الأصل مجاورة للمتحف، واصل حمدي بك الرّسم على الطّريقة الفرنسيّة، وتدريب الطّلّاب. ورغم أنّه لم يعرض لوحاته داخل تركيا، إلّا أنّه عرضها للبيع في أوروبا، وأمريكا. وسرعان ما أدرك الأجانب المهتمّون بالحصول على تصاريح للتّنقيب، أو تصدير الآثار أنّ جذب حمدي بك كفنان، ومفكّر أوروبّي كان استراتيجيّة فعّالة. وهكذا، على سبيل المثال، في عام ١٨٩٢م، عُرضت اثنتين من لوحاته في قصر الصّناعة في باريس؛ تمّ شراء إحداها من قبل الفرنسيّين، من خلال خدمات ليون هيورزي (Léon Heuze)، أمين الآثار الشّرقيّة في متحف اللّوفر، الّذي تمّ تهنئته لاحقًا، لأنّه «لا يوجد شيء أكثر إرضاءً لفنّان يمكنه تقديم الخدمات لنا، ومن المهمّ إرضاؤه». وفي العام التّالي، انتخب حمدي بك عضوًا مناظرًا في معهد فرنسا. الفرنسيّون بدورهم حصلوا على قطعة أثريّة مرغوبة. لم يتمّ عرض اللّوحة المشتراة، وانتهى بها الأمر في متحف المستعمرات.
من الخارج، قد تبدو الدّبلوماسيّة ثقيلة الوطأة، والدّوافع واضحة إلى حدّ ما، ومع ذلك نجح عثمان حمدي بك في موازنة موقفه بين عالمين لإرضاء أجنداته الشّخصيّة.
وهذه الدّبلوماسيّة في تقديم القطع الأثريّة لم تكن مقتصرة على حمدي بك فقط. ففي عهد عبد الحميد الثّاني الّذي حكم ما بين (١٨٧٦-١٩٠٩م). لجأ هذا السّلطان في كثير من الأحيان إلى الأشياء القديمة بصفتها ورقة مساومة لتعزيز العلاقات الدّبلوماسيّة. ولم تكن ممارسة السّلطان للهدايا الدّبلوماسيّة فقط هي الّتي تهدّد الأشياء، والمواقع القديمة. بل تمّ السّماح باستخدام البقايا القديمة كحجارة المباني القديمة لمشاريع البناء واسعة الّنطاق مثل سكّة حديد بغداد. وبالتّالي إنّ تقديم القطع الأثريّة من قبل السّلطان للقناصل الغربيّين في الإمبراطوريّة العثمانيّة، أدّى إلى إيقاظ الرّغبة في الحصول على الأصول المرموقة، وتطوّر استغلال المواقع الأثريّة، والآثار إلى أداة للغزو الإمبرياليّ للإمبراطوريّة العثمانيّة. وأصبح جمع الآثار، وعرضها في المتاحف رمزًا للتّفوّق الثّقافيّ، وتضمّنت المنافسة الدّوليّة المكثّفة تعاونًا وثيقًا بين علماء الآثار، والدّبلوماسيّين، والتّجار، والجيش.
أدّى التّفكّك المتوقّع للإمبراطوريّة العثمانيّة إلى إحياء المنافسات بين القوى الأوروبيّة في المشرق العربيّ قبل عام ١٩١٤م، وكانت فرنسا تخشى ألّا تنجح بريطانيا العظمى في بسط سلطتها على سوريّة. ومع ذلك، لا يمكن لفرنسا أن تذهب إلى الشّرق قبل أن تكمل توسّعها الاستعماريّ في شمال أفريقيا؛ فقط عندما يتمّ الاعتراف بالحماية الفرنسيّة على المغرب، يمكن إعادة تأكيد المطالبات الفرنسيّة في المشرق العربيّ. خلال هذه الفترة زاد التّوتّر ما بين الإمبراطوريّة العثمانيّة، والقوى الأوروبيّة، وللمرّة الأولى يتمّ استخدام الآثاريّين لمشاريع التّجسّس، ومنهم الاثاريّين البريطانيّين، وولي (C L WOOLLEY)، ولورانس (lawrence TE) الّذي عرف فيما بعد باسم لورانس العرب. أجرى هذا المشروع في صحراء النّقب في عام ١٩١٣م لقد خطّطوا إلى العمل بأنفسهم كأعضاء في المخابرات العسكريّة البريطانيّة، بعد أن علموا أنّ هذه المنطقة
ستكون استراتيجيّة، ومهمّة في الحرب ضدّ العثمانيّين.
إنَّ الاضطرابات السّياسيّة الّتي جلبها الصّراع العالميّ إلى المشرق العربيّ غيّر بشكل عميق ظروف البحث عن الآثار. فقد خلقت الانتدابات الممنوحة لفرنسا، وبريطانيا العظمى وضعًا مناسبًا للغاية بالنّسبة لهم فيما يخصّ علم الآثار، الّذي تمّ تزويده بعد ذلك بموارد كبيرة، ومؤسّسات إداريّة، وعلميّة. وبينما ركّز علماء الآثار الفرنسيّون على سوريّة، وفينيقيا، ركّز الإنجليز، والأمريكيّون جهودهم في المقام الأوّل على بلاد ما بين النّهرين، وانضمّ إليهم الألمان فيما بعد.
بعد وقت قصير من دخول القوّات البريطانيّة بغداد في مايو ١٩١٧م، وحتّى قبل توقيع الهدنة في عام ١٩١٨م، كان المتحف البريطانيّ ممثّلًا في العراق، في شخص روبرت كامبل طومسون (Robert Campbell Thompson) الّذي قام بالتّنقيب في نينوى قبل الحرب. كان نقيبًا في فيلق الاستخبارات في بغداد، وكان مساعدًا في المتحف البريطانيّ، وكان الأمناء قد طلبوا إلحاقه بالجيش كعالم آثار، وقد ساهم هذا الأخير بإخراج الكثير من القطع الأثريّة، ونقلها إلى المتحف البريطانيّ.
منذ بداية الاحتلال، كانت قيادة جيوش الحلفاء مهتمّة بحماية الآثار السّوريّة وفق ما يتمّ ذكره في الأبحاث. إلّا أنّه تمّ تقسيم الأراضي المحتلة إلى ثلاث مناطق: المنطقة الغربيّة، بما في ذلك المنطقة السّاحليّة ولبنان؛ المنطقة الشّرقيّة، وتمتدّ إلى ما وراء لبنان، إلى نهر الفرات؛ المنطقة الجنوبيّة المقابلة لفلسطين. في كلّ منطقة من هذه المناطق، يتم اختيار الضّبّاط لكفاءتهم الخاصّة، أو فضولهم حول الأشياء القديمة، تمّ تعيينهم تحت عنوان مفتّشي علم الآثار، بدور مفتّشي الآثار. وفي المنطقة الغربيّة، حيث كان يجلس المندوب السّاميّ للجمهوريّة الفرنسيّة، والّذي ضمّت قوّة احتلاله، وحدات فرنسيّة، كان هؤلاء المفتّشون برتبة ملازم أوّل، ومنهم دو ميسنيل (Du Mesnil)، والملازم الثّاني
بروسيه (Brossé) من الجيش الفرنسي. صدرت مراسيم بتجديد، وتأكيد المحظورات كافّة الّتي فرضها القانون العثمانيّ فيما يتعلّق بالبحث، والتّدهور، والتّجارة، واستغلال الآثار، لكن الحقيقة على أرض الواقع مغايرة لما تمّ ذكره.
في عام ١٩٢٠م، عسكرت القوّات البريطانيّة في أنقاض بعض القلاع القديمة غير المعروفة على نهر الفرات، والّتي تسمّى الصّالحيّة، خلال المناوشات الّتي أعقبت انهيار الإمبراطوريّة العثمانيّة خلال الحرب العالميّة الأولى، وخلال حفر الجنود لخندق عثروا على بعض اللّوحات الجداريّة المذهلة. وتمكّن الضّبّاط المسؤولون، إلى جانب المفوّض المدنيّ، من استدعاء عالم آثار أمريكي تصادف وجوده في سوريّة في نهاية وهو جيمس هنري برستد (James Henry Breasted)، المدير الأوّل للمعهد الشّرقيّ في شيكاغو (الّذي تأسّس في العام السّابق ١٩١٩م). تمّت زيارة بريستيد للموقع، ومكث يومًا واحدًا فقط، وتمكّن من مسح، والتقاط صور فوتوغرافيّة للجداريّات للمعبد الّذي عرف فيما بعد باسم معبد الآلهة التّدمريّة في دوا اوربوس. وعلى الرّغم من الطّبيعة الاستثنائيّة للوثائق الّتي تمّ جمعها، لم يكن من الممكن العمل قبل تهدئة المنطقة. وعندما أصبح ذلك ساري المفعول حين فرض الاستعمار الفرنسيّ على سوريّة بعد أشهر قليلة من هذه الاكتشافات، أبلغ ج.ه.بريستد أكاديميّة النّقوش، في عام ١٩٢٢م، بالوثائق الّتي جمعها. كانت اللّوحات الّتي تمّ الكشف عنها ذات جودة، واهتمام كبيرين، لدرجة أنّه تقرّر على الفور أن تكون مهمّة عُهد بها إلى فرانز كومونت (Franz Cumont)، المستشرق البلجيكيّ، والعضو المنتسب في أكاديميّة النّقوش. وقد بذل الجنرال غورو (Gouraud)، المفوّض السّامي، وتشارلز فيرولود (Charles Virolleaud)، مستشار الآثار والفنون الجميلة في بيروت، كلّ ما في وسعهم لتشجيع البعثة: فقدّموا لهم فرقة مكوّنة من مائتي رجل من قوّات حلب موضوعة تحت تصرّفه. وعندما وصلوا إلى الموقع، كان الجنود قد أخلوا بالفعل الغرفتين
الصّغيرتين في المبنى المزيّنتين بلوحات تمثل الآلهة التّدمريّة. وكذلك أعمال التّطهير ضمن مقبرة، وجزء من السّور، ومعبد أرتميس. تمّ استكمال الحملتين اللّتين قادهما ف. كومونت في (١٩٢٢-١٩٢٣م) حتّى عام ١٩٢٥م بعمليّات تدمير، وتخريب كبيرة تحت اسم أعمال تنقيب قادها ضبّاط من جيش الشّام. ومن هذه الفترة سرق، ونهب الكثير من قطع موقع دوراأوربوس، وجزء منها محفوظ حاليًّا في جامعة يال مثل منحوتة للآلهة تيكي (Tyche)، وتمثال زوس بعل شامين، ورسومات البيت المسيحيّ وغيرها. وفي متحف اللّوفر مثل تمثال للآلهة أفروديت، ونقش يونانيّ من معبد أدونيس.
وهذا الأمر ينطبق على الكونت دو ميسنيل دو بويسون الّذي تطوّع عام ١٩١٤م، قبل الاستدعاء، وكان ملازمًا في الفوج السّادس الخيالة. وخلال فترة الاحتلال الفرنسيّ لسوريّة كان مديرًا للأعمال في قطنا-المشرفة، وتل برسيب-تل الأحمر، وأرسلان طاش. خلال الفترة (١٩٣٢-١٩٣٣م)، أجرى الكونت دو بويسون أعمال تنقيب في مواقع مختلفة في سوريّة، وعمل كقائد لسرب من سلاح الفرسان الاحتياطيّ في الجيش الفرنسيّ. وعمل نائبا لمدير الحفريّات في دوراأوروبوس بالتّنسيق بين جامعة ييل بقيادة كلارك هوبكنز، والأكاديميّة الفرنسيّة للنّقوش، والآداب الجميلة. وقد ساهم الكونت بخروج مئات القطع الأثريّة من المواقع الأثريّة سواء من قطنا، أو ماري، أو أرسلان طاش، أو تدمر، وهذه القطع محفوظة حاليًّا في متحف اللّوفر. لقد كان للجيش الفرنسيّ دور كبير في تخريب الكثير من المواقع الأثريّة فضلًا عن سرقة الآثار، فعندما نتحدث عمّا يزيد عن ٢٠٠ جندي أرسلوا إلى موقع دورا للحفر بهدف إخراج القطع الأثريّة من دون
مراعاة للطّبقات الأثريّة، أو العناصر المرتبطة بها، ستكون النّتيجة كارثيّة، حيث أنّ الصّور الّتي تظهر الموقع في تلك الفترة مختلفة تمامًا عن صور الموقع الحاليّة. حيث إنّ الكثير من المباني، والعناصر المعماريّة كانت قد أزيلت من مكانها، وهذا الأمر ينطبق على بقايا البيت المسيحيّ، وكذلك الكنيس اليهوديّ الّذين حاولوا سرقته إلى فرنسا في بداية الأربعينيّات من القرن الماضي، إلّا أنّهم لم ينجحوا في ذلك.
سمحت الحرب العالميّة، والتّغيّرات السّياسيّة الحاسمة الّتي أحدثتها بتطوّر علم الآثار الفرنسيّ في المشرق العربيّ. وشجّع الوضع الدّوليّ عام ١٩١٨م فرنسا على تأكيد وجودها، وتعزيز نفوذها في المناطق الّتي كانت بريطانيا العظمى تتنازع عليها معها. لقد أدّى علم الآثار دورًا رائدًا في إنشاء مركز النّفوذ الفرنسيّ في سوريّة، وكان الجنرال غورو، المفوّض السّامي الأوّل، على علم بكلّ هذه التّفاصيل، ولأجل ذلك سهّل تنظيم مصلحة الآثار، واقتدى بما قام به جنود عام ١٨٦٠م، والامتثال لنموذج الحملة المصريّة الشّهيرة. علاوة على ذلك، فإنّ انتخابه لأكاديميّة النّقوش، والآداب تتويج للعمل الّذي قام به في سوريّة، وجعلها مخبرًا أثريًّا للفرنسيّين.
ظلّ موقف فرنسا في سوريّة غير مؤكّد حتّى اعتماد ميثاق عصبة الأمم في فرساي في ٢٨ أبريل ١٩١٩م: المادّة ٢٢ المخصّصة للدّول الأوروبيّة «مهمّة حضاريّة مقدّسة فيما يتعلّق بالشّعوب غير القادرة بعد على حكم نفسها. ومن أجل ضمان رفاهيّة هذه الشّعوب، وتنميتها، فإنّ الوصاية على هذه الشّعوب تُعهد إلى الدّول المتقدّمة الّتي هي الأقدر على تحمّل هذه المسؤوليّة، والّتي توافق على قبولها، يمارسون هذا الإشراف كوكلاء باسم عصبة الأمم».
تولّت فرنسا، وبريطانيا إشرافًا مشتركًا على الشّرق الأوسط يشمل بلاد الشّام، الخاضعة للانتداب الفرنسيّ، سوريّة، ولبنان، ولكن تتمّ إدارتها ككيان سياسيّ، واقتصاديّ
واحد، تحت إشراف المفوضيّة العليا للجمهوريّة الفرنسيّة الّتي يقع مقرّها في بيروت. لقد وضع مسؤوليّة حماية الآثار السّوريّة في أيدي الفرنسيّين وحدهم. الجنرال غورو، المعين قائدًا أعلى لجيش المشرق، والمفوّض السّامي في سوريّة، وكيليكيا، أدرج في خططه قبل مغادرته باريس، إنشاء مصلحة الآثار. كانت فكرة إنشاء بيروت مركزًا فرنسيًّا للدّراسات الشّرقيّة، منذ عام ١٨٨٢م، عندما تمّ تنظيم المعهد الفرنسيّ في القاهرة بشكل نهائيّ، مقترحة على وزارة التّعليم العام من قبل أحد الأساتذة وهو كليرمون جانو
(Clermont-Ganneau). لكن هذا المشروع لإنشاء محطّة الآثار الشّرقيّة تمّ تأجيله. إنّ الحجج الّتي طرحها المستشرق كليرمون منذ أربعين عامًا تقريبًا، لم تفقد شيئًا من قوّتها، بل يمكن للمرء أن يقول إنّ الاستغلال والتّنمية، إذا جاز التّعبير، سيمنحانها الثّروات الأثريّة السّوريّة يومًا بعد يوم. وما تجدر الإشارة إليه في المشروع الّذي طرحه جانو أهميّته، وأهدافه، وسنذكر هنا بعضًا ممّا أورده في مذكّراته. «لقد حصل علم الآثار الشّرقيّة الآن على استقلاله. تمّ تقديم التّدريس في فرنسا، وافتتح رسميًّا، منذ عدّة سنوات، في المدرسة التّطبيقيّة للدّراسات العليا. تمّ التّعرّف إلى مجاله، وتشكيله في متاحفنا من خلال إنشاء قسم الآثار الشّرقية مؤخّرًا في متحف اللّوفر... هو إنشاء محطّة للآثار الشّرقيّة في سوريّة تتبع المدرسة مباشرة. يبدأ مجال الآثار الشّرقيّة، جغرافيًّا، وعلميًّا، عند حدود مجالات الآثار الرّومانيّة، واليونانيّة، والمصريّة، لكن له فيها أكثر من جيب: الآثار العبريّة، والآثار الفينيقيّة، وبمعنى أوسع، الآثار السّوريّة... وتشمل أيضًا هذه الآثار المختلطة، نتاج الاتّصال، والتّغلغل المتبادل بين عدّة حضارات، وهي آثار ربّما تكون الأكثر إثارة للاهتمام في تاريخ الرّوح الإنسانيّة. نقطة تقاطع المصريّ، والآشوري، والهيليني، وسوريّة، مهد اليهوديّة، والمسيحيّة، وإلى حدّ ما، الإسلاميّة، ومكان التقاء الشّرق، والغرب في العصور الوسطى... سوريّة تمتدّ إلى نهري الفرات ودجلة، وتمتدّ إلى شبه الجزيرة العربيّة، وستكون الأهداف الرّئيسة... اقتناء الآثار في الموقع لمجموعاتنا الوطنيّة. هذه النّقطة الأخيرة تستحقّ اهتمامًا خاصًّا، وتستحقّ التّأكيد عليها. إنّ اقتناء الآثار في الموقع سيكون
بمنزلة مورد قيّم لإثراء مجموعاتنا الوطنيّة... لا يكفي أن نرحّب بالتّحف عندما تأتي إلينا. عليك أن تذهب إليهم. وإلّا فإنّنا نخاطر في كثير من الأحيان فقط برفض الآخرين، أو دفع مبالغ باهظة مقابل الأشياء الجميلة. يجب جمع الآثار في الموقع نفسه عن طريق شرائها مباشرة من الفلّاحين، أو البدو... وأنّنا وإذ حصلنا على الصّدارة على منافسينا الأجانب سنكون مهدّدون بفقدانها خلال فترة قصيرة إذا لم نلاحظ ذلك. إنّ متاحفنا، مثل المتاحف الأجنبيّة، ينبغي أن يكون لها من الخارج وكلاء خاصّون مسؤولون عن إمدادها. في بيروت، يمكننا الاستفادة من محّطة الآثار لتنظيم خدمة مقتنيات من هذا النّوع التي ستسمح لنا بتكلفة قليلة جدًّا، وبما يحقّق أكبر فائدة لمتحف اللّوفر، ببلاد الشّام بأكملها. تمتلئ المجموعات الخاصّة، وتُثري كلّ يوم بأشياء فنيّة رائعة، أو آثار ذات قيمة تاريخيّة عظيمة، قادمة من سوريّة الّتي سيتمّ تحديد مكانها في متحف اللّوفر... ومن خلال تخصيص بضعة آلاف من الفرنكات كلّ عام لهذه الخدمة الخاصّة، سنجمع كنوزًا حقيقيّة، تتجاوز قيمتها الجوهريّة بكثير، ليس فقط سعر الشّراء، بل أيضًا إجمالي نفقات المحطّة الدّائمة».
في عام ١٩١٩م كُلف جوزيف شامونارد (Joseph Chamonard) وهو طالب سابق في مدرسة أثينا، مستشارًا للهيئة العليا للآثار، والفنون الجميلة، مسؤولًا عن إنشاء القواعد الأثريّة الأولى لما يعرف باسم مصلحة الآثار. استمرّت مهمة شامونارد ما يقارب ثمانية أشهر، وقدّم تقريرًا مفصّلًا عن رؤيته، وعن الاحتياجات، والمعوقات. وفي عام ١٩٢٠م، أنشأ مصلحة الآثار السّورية في بيروت، التّابعة لإدارة التّعليم العامّ. ثمّ انتقلت مسؤولّيتها بعد شاموتارد إلى تشارلز فيرولود (Charles Virolleaud). وتولّى مسؤوليّة مصلحة الآثار السّوريّة موظّفون خاصّون، يتمّ تعيينهم مؤقّتًا، ومن بين المستشارين الملحقين بالأمانة العامّة للهيئة العليا مستشار للآثار، والفنون الجميلة يعاونه مفتشان. ومهمّتهم هي
إعداد التّشريع الّذي سيحلّ محلّ التّشريع العثماني، ليرسم الخطوط العريضة للبرنامج المقترح اتباعه، بالقدر الّذي تسمح به الظّروف السّياسيّة، والمادّيّة الأولى، لوضعه موضع التّنفيذ. وكانت مصلحة الأثار غير حصريّة في عملها، بل عليها أن تظلّ مفتوحة للتّعاون مع المعاهد، والباحثين الفرنسيّين، والأجانب. وفي عام ١٩٢١م وصل أوّل مديرو الإرساليّات المعيّنين من قبل أكاديميّة النّقوش، والهيئة العليا إلى بلاد الشّام، وهم موريس بيزارد
(Maurice Pézard) في تل نيبي ميند، وإتيان دو لوري (Lorey ةtienne de) في أم العمد، ودنيس لو لاسور (Denise Le Lasseur) في صور، وبير مونتيه (Pierre Montet) في جبيل. وشهد هذا العام أيضًا صدور مجلّة سيريا، المدعومة من الهيئة العليا، ووزارة التّعليم العامّ، وجمعيّة الآثار السّوريّة، بالإضافة إلى المكتبة الأثريّة، والتّاريخيّة التّابعة لمصلحة الآثار السّوريّة. وفي غضون أشهر قليلة، وجد الشّرق برمّته نفسه مجهّزًا بخدمات الآثار، ومراكز الأبحاث، تعادل تلك الموجودة في مصر، أو المغرب العربيّ؛ واستقبل العراق، تحت الانتداب البريطانيّ، منظّمة مماثلة لتلك الّتي زوّدت بها فرنسا سوريّة، كما أنشأت بريطانيا، والولايات المتّحدة مدارس علم الآثار في القدس والعراق.
في هذه المرحلة سرعان ما دفعت الدّهشة الّتي أثارتها الكنوز الّتي اكتشفتها الدّول الغربيّة، وبخاصّة إنجلترا، وألمانيا، والولايات المتّحدة، وفرنسا، إلى إطلاق مشاريعها الخاصّة. حملات التّنقيب الخاصّة. شيئًا فشيئًا، يتمّ اكتشاف آثار الحضارات الأسطوريّة للشّرق ما قبل الكلاسيكي (السّومريّة، المصريّة، البابليّة، الحثيّة، الفينيقيّة، إلخ). وتتجلّى الفترة الكلاسيكيّة أيضًا في المواقع الرّئيسة مثل صور، وبعلبك، والبتراء، وتدمر، والحضر. كانت الأبحاث الأثريّة تتمّ على خلفيّة التّنافس بين الدّول المختلفة للحصول على امتياز التّنقيب، ورغم ما تذكره الأبحاث، والمصادر عن نيّة الباحثين الفرنسيّين تنظيم أعمال التّنقيب، وحماية الآثار السّوريّة، وترميم المباني التّاريخيّة، ولا نشكّ في نوايا البعض
منهم، إلّا أنّ ذلك كلّه لم يمنع من تهريب، وسرقة تراث الشّعوب عبر وضع قانون يتيح تقاسم القطع الأثريّة وفق رؤيتهم.
كانت الآثار السّورية لا تزال خاضعة لقانون الآثار العثمانيّ حتّى توقيع معاهدة السّلام مع تركيا. لقد تمّ صياغة هذا القانون في عام ١٨٨٩م، والّذي تمّت مراجعته عام ١٩٠٦م، على غرار الدّول الّتي أنجزت قوانينها في تلك الفترة. وهو ينصّ على الحالات الأساس، ويصوغ الالتزامات، والمحظورات، والقيود اللّازمة، وهذه السّياسة ربّما أبدت صرامة أكبر في ظلّ السّيطرة التّركيّة، بسبب تطبيقها من قبل المسؤولين الّذين يتمتّعون بمثل هذه السّلطة التّقديريّة. ومع ذلك، فقد كانوا متعاطفين مع الأذكياء الّذين يعرفون كيفيّة تهدئة يقظة هذه "القائمقاميات"، أو الولاة. وفي يد رجل مثل حمدي بك، مدعومًا بمصالح شخصيّة من السّلطان، غدا هذا القانون كما يريد ووفقًا لرغباته. إنّ قانون الآثار العثمانيّ الأوّل الّذي صدر عام ١٨٦٩م احتوى على سبع بنود، ومن ضمن هذه البنود منع تصدير القطع الأثريّة خارج الإمبراطوريّة مع السّماح في بيعها للأفراد، أو الحكومة داخل أراضي الإمبراطورية، وفي بند آخر يسمح بتصدير القطع الأثريّة النّقديّة فقط. كذلك هناك بند يشير إلى إنّ كلّ القطع الأثريّة الّتي تكتشف في أراضي خاصّة هي ملك صاحب الأرض. أمّا القانون الّذي تمّ تعديله في عام ١٨٧٤م فضمّت بنوده موافقة على تقاسم القطع الأثريّة النّاتجة من أعمال التّنقيب ما بين الحكومة، والمكتشف، وصاحب الأرض. كما سمح أحد البنود بتصدير النّقود، وكلّ أنواع القطع الأثريّة بشرط الحصول على موافقة وزارة التّعليم. وفي عام ١٨٨٤م صدر قانون جديد كتبه عثمان حمدي بك، والّذي شملت بنوده على تحدد طبيعة الأثر القديم، وجعل السّلطنة مالكة لجميع الآثار، كذلك جعل المتحف الإمبراطوري في إسطنبول مقرًّا لسلطة مديريّة الآثار، وأنهى
جميع التّصرّفات في القطع الأثريّة من دون الحصول على إذن صريح من السّلطان. وفي عام ١٩٠٦م أصدرت الإمبراطوريّة العثمانيّة قانونًا منقّحًا هدف إلى إغلاق تجارة الآثار السّريّة، وتمكّن هذا القانون من تقويض الحظر الّذي فرضه قانون عام ١٨٨٤م على التّقسيم والتّصدير.
بعد أيّام من انتهاء الحرب العالميّة الأولى عام ١٩١٨م كتب عالم المصريّات الفرنسيّ بيير لاكاو (Pierre Lacau) إلى سفارة فرنسا بالقاهرة، وبصفته رئيسًا لهيئة الآثار المصريّة، قدّم لاكاو المشورة بشأن مستقبل الإدارة الأثريّة في الشّرق، وبافتراض السّيطرة الأوروبيّة الوشيكة على المنطقة، ركّز تعليقاته على كيفيّة ضمان حصول علماء الآثار الفرنسيّين على الوصول الأمثل إلى مواقع التّنقيب المستقبليّة. لكنّه لم يدفع بالضّرورة إلى تصدير القطع الأثريّة الّتي عثر عليها في تلك الحفريّات. قد تبدو نصيحة لاكاو مفاجئة، وبخاصّة بعد سنوات طويلة من العمل المثمر حول الرّغبة الّتي أبداها الأوروبيّون، والأميركيّون في إزالة المقابر المصريّة، والنّقوش الآشوريّة، والتّماثيل الحيثيّة، وتركيبها في باريس، ولندن، وبرلين، ونيويورك. اندلعت سلسلة من المناقشات الأثريّة حول قوانين الآثار الجديدة. وكان انتداب عصبة الأمم فلسطين (وشرق الأردن منذ عام ١٩٢٣)، والعراق، وسوريّة، ولبنان - الموقع الرّئيس لهذا التّطوّر. وضع علماء الآثار القوانين الّتي تقيّد الممارسة الأثريّة في المنطقة. وفي الواقع إنّ ما اعتبره بعض علماء الآثار مفيدًا للعلم، لم يكن بالضّرورة سائدًا في القوانين الّتي تشكّلت. على سبيل المثال، بحلول عام ١٩٢٦م، عندما أصبحت سوريّة، ولبنان ثالث دولة تصادق على قانون الآثار، تغيّرت النّظرة العلميّة حول التّقسيم كما عبر عنها لاكاو، أو أصبحت غامضة. لقد أجاز قانون الاحتلال الفرنسيّ أن تذهب حصّة من الاكتشافات إلى المؤسّسة الرّاعية للتّنقيب. سعى علماء الآثار إلى تلبية مصالحهم الوطنيّة في الانتدابات مع تحقيق درجة معيّنة من التّوافق. تمكّنت السّلطات البريطانيّة في فلسطين من إدارة المهمّة بسرعة، حيث أصدرت مرسومًا للآثار
في عام ١٩٢٠م. وفي حال العراق، فإنّ تشريع الآثار تمّ تمريره عبر البرلمان العراقيّ في عام ١٩٢٤م - بصعوبة بالغة. واجه الفرنسيّون معظم العقبات في حياتهم سعي. على الرّغم من أنّ جوزيف شامونارد بدأ عمليّة الصّياغة في عام ١٩٢٠م من بيروت، إلّا أنّ المناقشات بين الوزارات، والمشاحنات البيروقراطية في باريس أعاقت إقرار القانون، ولم تصدر المفوضية العليا الفرنسيّة مرسومًا بقانون الآثار لسوريّة، ولبنان حتّى عام ١٩٢٦.
التقى علماء الآثار الفرنسيّون، والبريطانيّون في مناسبات متعدّدة في الولايات لمقارنة التّشريعات. بدأ جون جارستانغ (John Garstang) وجوزيف شامونارد، اللّذان تمّ تعيينهما من قبل مكاتبهما الخارجيّة، وحلّ محلّهما تشارلز فيرولو (Charles Virolleaud) بعد فترة وجيزة، في التّشاور تحت رعاية إدارة حماية الآثار الأمريكيّة حول القيم الّتي يجب أن تعكسها قوانين الآثار في الانتداب. لقد كانت قدم شامونارد الحجج الدّاعية إلى الاحتفاظ بالقطع الأثريّة في مكانها، إلّا أنّ هذا الأمر جعلهم في نهاية المطاف في صراع حول مبدأ التّقسيم. كتب شامونارد مسودّة القانون الّتي تتّفق مع المسودّة البريطانيّة فيما يتعلّق بجميع البنود الرّئيسة بما فيها بند جميع الآثار المكتشفة داخل حدود الدّولة، حتّى على الأراضي الخاصّة، هي ملك للدّولة (الانتداب)، ولا يمكن التّصرّف بها. كان البحث عن القطع الأثريّة من دون تصريح أمرٍ غير قانوني. يجب الإبلاغ عن الاكتشافات العرضيّة، وسيحصل المكتشف على تعويض. بشكل عامّ، كانت القوانين متطابقة إلى حدّ ما. ومع ذلك، كانت هناك قضيّة رئيسة واحدة اختلفوا عليها. أوضح جارستانغ أنّ الحكومة البريطانيّة أرادت تأسيس المشاركة في الانتداب على فلسطين. وسيتمّ التّقسيم بين ولاية الانتداب (بوساطة مصلحة آثار الانتداب)، وفريق التّنقيب الأجنبي. كتب شامونارد أنّه في صيغة جارستانج، سيكون للمنقّب الخيار الأوّل؛ أمّا الكمّيّة المتبقيّة فستذهب في النّهاية إلى متحف فلسطين المخطّط له في القدس. وبالتّالي، لن يتمّ إحياء
المشاركة بصفتها مفهومًا في المنطقة فحسب، بل أيضًا بشروط مواتية للمنقب. تشير رسالة شامونارد إلى أنّه أعرب عن قلقه على النّحو الواجب لجارستانغ: لقد أصررت مرّة أخرى على حقيقة أنّه في ولايتنا، حيث إنّ هدفنا في سوريّة كما هو الحال في فلسطين هو مساعدة البلد على تنظيم نفسه، سيكون من المفاجئ إذا بدا أنّنا متّفقون فيما بيننا لتجريدها من جزء من الثّروات الأثريّة. وعندما أصدر الفرنسيّون أخيرًا قانون الآثار بعد ستّ سنوات، سمحت المادّة ١٩ بالتّقسيم مجانًا، أو بثمن، بشرط ألّا يؤدّي التّنازل بأيّ شكل من الأشكال إلى الإضرار، أو تقويض مصالح، أو نقاط قوّة مجموعات الانتداب. وأتت في النّهاية حال فرنسا، مماثلة لبريطانيا مستندين على حجج زملائهم في المتحف البريطاني، وبدعم من الأكاديميّة، والجمعيّة الآسيويّة، قام القيّمان على آثار الشّرق الأدنى في متحف اللّوفر، إدموند بوتييه (Edmond Pottier) ورينيه دوسو (René Dussaud)، بالدّفع بنجاح داخل الدّوائر الفرنسيّة من أجل إعادة مبدأ المشاركة. وخلافًا لما حدث في العراق، حيث اشتبكت جيرترود بيل (Bell Gertrude) مع ساطع الحصريّ حول شرعيّة إعادة تقديم مثل هذه الممارسة.
لقد ارتبط علم الآثار، والاستعمار منذ فترة طويلة، ابتداءً من منتصف القرن التّاسع عشر. وهذا الأمر ينطبق على منطقة الشّرق الأوسط. لقد كانت هذه المنطقة من العالم مصدرًا للمواد القديمة الّتي أثّرت المجموعات الغربيّة لأكثر من قرنين من الزّمان، بينما تمّ استبعادها في الوقت نفسه من الممارسة العمليّة لاستعادة تراثها، وتاريخها. لقد تمّ إنشاء أساس أساليب البحث، والتّعليم في وقت كان فيه العلماء الأجانب يتمتّعون بسلطة اجتماعيّة، واقتصاديّة مطلقة على السّكّان المحليّين. إنّ مختلف جوانب علم الآثار ذات صلة، وثيقة بالتّاريخ الاستعماريّ. وشملت هذه الجوانب عمليّات العمل الميدانيّ الأثريّ الّذي وظّف السّكان المحلّيّين كقوّة عمل بسيطة، واحتكر إنتاج المعرفة عن الماضي،
وصنع القرار على مدى الفترة، وجزء من التّاريخ، والثّقافة المراد دراسته، والحفاظ عليه، والمكان المناسب للتّخزين، والعرض. هذه الأشياء وجمهور الآثار، والأشياء، والرّوايات الأثريّة. تأسّست عمليّات البحث الأثريّ، والعمل الميدانيّ على هياكل السّلطة الأثريّة غير المتكافئة، وظلّت قائمة، وبقيت من دون منازع حتّى وقت قريب. فإنّ إنهاء الاستعمار في علم الآثار أمر مهمّ لجميع علماء الآثار النّاشطين في الشّرق الأوسط.
لقد تميّزت الممارسات الاستعماريّة في عمل البعثات الأثريّة في العديد من الأمور، ونذكر منها على سبيل المثال لا الحصر: استخدام لغّة التّعاون المتعالية، عدم الأخذ بالمساواة على محمل الجدّ، وانعدام الشّراكات المثاليّة. حيث إنّ الشّراكة لا معنى لها إلّا عندما يكون لدى كلا الشّريكين قوّة متساوية إلى حدّ معقول. ولا يزال علماء الآثار الأوروبيّون هم الّذين يدرسون ماضي المناطق الّتي استعمروها، وليس العكس. إضافة إلى ما تمّ ذكره لا ننسى المبادرات الّتي تتمّ من قبل الباحثين الغربيّين، وأخذ زمام التّحدّث نيابة عن الآخر. لقد استغلّت العقليّة الاستعماريّة غياب السّلطة المحلّيّة، وغالبًا ما كانوا يسبّبون الضّرر للمواقع الأثريّة، وإزالة الأبنية، والمنشآت، والطّبقات الأثريّة للوصول إلى مبتغاهم. بالإضافة إلى ذلك، لقد أدّت طبيعة العمل الميدانيّ إلى تقييد تداول المعلومات العلميّة، وخطابها العامّ في عالم يغلب عليه الطّابع غير النّاطق باللّغة العربيّة. لقد قيّد نظام الاحتلال الّذي أطلقوا عليه الانتداب حرّيّة الأقاليم الخاضعة للانتداب في تحديد كيفيّة حماية ثقافاتهم. ومع ذلك، فحتّى الأنظمة القانونيّة في الانتدابات الّتي تشرف عليها لجنة مختصّة، اتّبعت منطقًا استعماريًّا. وكانت مصمّمة في كثير من الأحيان لتأمين وصول الموارد الثّقافيّة إلى الأسواق، وضمان المعاملة المتساوية للمنقّبين الأجانب، بدلًا من ضمان حماية المصالح المحلّيّة. كانوا يسلّمون تصاريح إجراء الحفريات لمن يرغبون دون طلب رأي، أو موافقة السّلطات المحلّيّة مسبقًا. لم يتمّ التّصريح عن الكنوز الّتي
تمّ استخراجها من ترابنا بعد أن تمّت الحفريات من دون أيّ إشراف. لقد سمح لفرنسا بأن تقرّر أي الاكتشافات يجب التّنازل عنها لبعثة التّنقيب، وأي القطع يجب أن تبقى في الأراضي الخاضعة للانتداب. وضع النّظام مصالح الاستغلال الثّقافيّ فوق مصالح السّكّان المحلّيين. وتمّ التّعامل مع الآثار كسلعة مفتوحة للاستملاك بموافقة السّلطة المنتدبة... وفي الثّلاثينيات من القرن العشرين، تمّ تطوير البرامج ذات الأساس العلمي تحت إشراف أفراد مثل كلود شيفر، وموريس دوناند، وأندريه بارو، الّلذان ساهما في صياغة الصّورة الأبويّة، والاستعماريّة لعلماء الآثار. في تلك الأيّام، كان من الممكن وصف علم الآثار، باعتباره علمًا حديثًا، بأنّه فرع استعماريّ مستورد، ويقودها أجانب بهدف تبرير الوجود الفرنسي من خلال التّحقيق في جذور الحضارة الغربيّة، وهدفت أيضًا إلى معرفة «الآخر» والسّيطرة عليه، من خلال التّقسيم للهوّيّات الثّقافيّة المختلفة. أعادت حركة الاستقلال، وإنهاء الاستعمار في أواخر الخمسينيات، والسّتينيات من القرن الماضي تنشيط المطالبات بإعادة الممتلكات. أدانت الأمم المتّحدة «النّظام السّياسيّ الاستعماريّ» في عام ١٩٦٠م، وبدأت الدّول المستقلّة حديثًا في تقديم مطالبات لاستعادة الممتلكات الثقافيّة منذ السّتينيات. وبدأت مجتمعات السّكان الأصليّين في تحدّي حيازة الأشياء من خلال السّياسات الاستعماريّة. وبعد الاستقلال حاولت السّلطات الأثريّة المتعاقبة التّعريف، والحماية، والتّأكيد على التّراث من خلال تحديد قيمته الوطنيّة، أو التّاريخيّة، أو الجماليّة. وأسّست المديريّة العامّة الآثار، والمتاحف عام ١٩٥٩م. وأنشئت مجلّة ثنائيّة اللّغة الحوليّات الأثريّة السّورية، وطوّرت المتاحف الوطنيّة. بالإضافة إلى ذلك، حدّد قانون الآثار السّوريّة المعتمد عام ١٩٦٣م الحقوق، والواجبات من البعثات الأثريّة. ومنذ ذلك التّاريخ فصاعدًا، أصبحت الحفريّات الأثريّة خاضعة لترخيص لا يمكن منحها إلّا من قبل سلطات الآثار. يتمّ منح هذا التّرخيص الخاصّ على أساس
القدرات العلميّة، والماليّة لمقدّمي الطّلبات، كما وضع القانون القواعد المتّبعة من قبل الآثاريّين، مثل: وجوب عودة جميع الاكتشافات إلى السّلطات السّوريّة، ونشر أبحاثها؛ لحماية، وصيانة المواقع الّتي كانوا يقومون بالتّنقيب فيها؛ وأخيرًا دفع رواتب الحرّاس، كما تمّ تحسين تدريب علماء الآثار الوطنيّين السّوريّين من خلال الدّورات الأكاديميّة في جامعتي دمشق وحلب. بدأ التّوسّع في علم الآثار نفسه في السّبعينيّات من القرن الماضي. كانت نقطة تحوّل مهمّة في الآثار الوطنيّة السّوريّة، لا سيّما بعد أن تمّ اكتشاف أرشيف إيبلا الّذي أدّى إلى تركيز اهتمام العالم على سوريّة، وأصبحت واحدة من أكثر الدّول جاذبيّة للبحث الأثريّ. وفي الفترات اللّاحقة، ونتيجة لحروب العراق مع الخليج، وانعدام الأمن في المنطقة. كذلك تشدّد دائرة الآثار العراقيّة اتّجاه علماء الآثار الأجانب. توجّهت أغلب البعثات للعمل في سوريّة، وكان النّموذج التّقليديّ للتّنقيب “الاستعماري” هو الّذي لا يزال سائدًا من خلال الاحتكار الفرنسيّ بشكل خاصّ الّذي مارسته المؤسّسات، والعلماء على الأبحاث الأثريّة، خصوصًا ما بعد عام ٢٠٠٠م، وحتى عام ٢٠١١م، حيث إنّ القائمين على السّلطة الأثريّة لم يبحثوا إلّا على مصالحهم الشّخصيّة، فأغلب امتيازات تراخيص التّنقيب كانت تمنح للبعثات الفرنسيّة، وغالبًا ما كان يتمّ تهميش الشّباب السّوري، وحرمانهم من التّعلّم، والتّدريب بحجّة أنّ البعثات الأجنبيّة ليس لديها إمكانيّات. كما إنّ غالبيّة الإنتاج العلميّ الأثري يأتي من البعثات الأجنبيّة الّتي تمتلك كليهما. وهكذا بقي علم الآثار الاستعماريّ ممارسة مرتبطة بواحدة من أقوى الاستراتيجيّات نشرتها الإمبرياليّة بأشكال، وطرق مختلفة عن السّابق.
استشهد المسؤلون المشاركون في التّخطيط لمصلحة الآثار كما ذكرنا سابقًا بقانون الاحتلال العثمانيّ باعتباره سابقة. وكانت مثل هذه المقارنات تخدم مصالحهم الخاصّة، لكنّها تكشف عن شيء لا جدال فيه: أرادوا أن يعكس قانون الآثار المبادئ العلميّة
لسياستهم، وبراعتها، وبشكل أكثر عموميّة، الشّرعيّة، والولاءات الأساس لتلك السّياسة. ولهذا السّبب جزئيًّا، أصبح التّقسيم قضيّة حساسّة بشكل خاصّ عندما تشاور علماء الآثار بشأن قوانين الانتداب الجديدة. كان ضمان التّوافق هدفًا رئيسًا، ولكن الحوار الضّروري أدّى أيضًا إلى نقاش حادّ. في أوائل صيف عام ١٩٢٠م، كتب شامونارد إلى رؤسائه في بيروت وباريس. وذكر أنّه ذهب إلى القدس في حزيران، واجتمع مع جارستانج. وذكر أنّ هدفه الرّئيس من الزّيارة هو التّأكّد من توافق قوانين الآثار الّتي كان الرّجلان يكتبانها. كتب شامونارد أن مسودّته تتّفق مع المسودّة البريطانيّة فيما يتعلّق بجميع البنود الرّئيسة. كلا المسودّتين عرّفتا الأثر بأنّه من صنع الإنسان، ويعود تاريخه إلى ما قبل عام ١٧٠٠ ميلادي. لقد فرضوا وضع نظام رسميّ للتّطبيق، والتّرخيص، والسّماح بالحفريّات.
لم يقتصر الأمر على فرض النّقاش حول من المفترض أن يخدمه الانتداب، وكيف أثّر ذلك على علم الآثار، ولكنّه دفع أيضًا علماء الآثار المكلّفين بمهمّة إنشاء الخدمات في الانتداب إلى إدراك أنّ الأفكار حول كلٍّ من العلم، والقانون قد بدأت بالتّباعد. كانت إزالة القطع الأثريّة المنقولة الهدف الأساس، وسبب وجود علم الآثار، على الأقلّ كما مارسه الأوروبيّون، طوال معظم القرن التّاسع عشر. وقد اتفقوا على أنّ العلم يتوقّف على القطعة الأثريّة المنقولة، والقابلة للتّصدير.
تزامنت بدايات الانتدابات بمناقشات لإفساح المجال لموضوع جديد للدّراسة، وهو موقع التّنقيب، والسّياق المحلّيّ. ردًا على ذلك، كان هناك إصرار على مبدأ المشاركة للمتاحف في باريس، ولندن، والولايات المتّحدة بشكل متزايد في سبيل إدامة متحف العاصمة كموقع مهمّ للعلوم. كانت المشاركة أيضًا وسيلة لأمناء الآثار، ومديري المتاحف لتذكير علماء الآثار القائمين على التّفويض بالقوّة الدّائمة للمتاحف الحضريّة في ترخيص العلوم، وتمويلها، ونشرها. حظي الموقف البريطانيّ بشأن المشاركة بدعم بعض المبادرات الأمميّة الّتي تطوّرت أوّلًا في وقت قريب من مؤتمر باريس عام ١٩١٩م، ثمّ في مؤسّسات العصبة في جنيف في أوائل عشرينيات القرن العشرين. وبمجرّد أن
اتّخذت مؤسّسات العصبة شكلًا أكمل في جنيف، كما ظهر هناك نقاش حول الجزء الأثري في بعض الأحيان. في عام ١٩٢٣م، على سبيل المثال، ناقش أعضاء لجنة التّعاون الفكريّ الجديدة التّابعة للعصبة أخلاقيّات المشاركة، مع المندوب الإيطالي ف. روفيني، الّذي اقترح أنّه يجب وضع نظام من مستويين موضع التّنفيذ، حيث تبقى القطع الأثريّة في مكانها الأصلي ضمن البلدان الّتي تسود فيها الرّقابة الذّكيّة، والصّارمة، وضرب بلده، إيطاليا، كمثال. ولكن يُسمح بنقل القطع الأثريّة من بعض البلدان الّتي لا تحظى فيها الآثار بأيّ حماية، ويتطلّب المأوى في متاحف خاصّة في الخارج. ومن هذا المنطلق مارست سلطة الانتداب قوانينها الّتي تخدم مصالحها، وأقرّوا بأنّ القطع المكتشفة على الأراضي السّوريّة تحصل عليها الدّولة السّوريّة، وتشكّل بعد تقاسمها مع المؤسّسات الّتي تقوم بالبحث، مجموعات المتاحف الّتي تمّ إنشاؤها في دمشق للآثار العربيّة، وفي بيروت للفنّ القديم. وتقرّر إيداع الآثار في مواقع معيّنة في أنطاكية، أو تدمر، أو المشرفة، أو بعلبك، أو اللّاذقية. بالمقابل كان هناك مئات القطع الّتي تغادر سوريّة إلى المتاحف الغربيّة، وبالأخصّ متحف اللّوفر. فهناك مجموعة رينان من مواقع السّاحل السّوريّ، واللّبنانيّ، والّتي شكّلت جوهر المجموعات الأولى لمتحف اللّوفر؟ والتّساؤل المطروح هل جميع هذه القطع خرجت وفق القانون الّذي كان سائدا آنذالك؟ وضمن السّياق ذاته في عام ١٨٩١م عدّة منحوتات آراميّة نقلت إلى متحف اللّوفر من منطقة النّيرب، بالقرب من حلب بناء على أعمال سبر أثري قام بها دوسو (Dussaud .R) ودوروم (Dhorme P.R). بما في ذلك الاكتشافات من موقع رأس شمرا منذ عام ١٩٢٩م من قبل كلود شيفر (Claude Schaeffer)، وكذلك من ماري على نهر الفرات، الّتي تمّ التّنقيب عنها بواسطة أندريه بارو (André Parrot). ولا ننسى أيضًا مئات التّماثيل الجنائزيّة الّتي نقلت من تدمر عبر هارالد إنغولت أمين متحف ني كارسلبرغ في كوبنهاغن، بالتّعاون مع موريس دوناند
ثمّ مع ألبرت غابرييل، واللّذان قاما بذروهما بنقل مجموعة من التّماثيل التّدمريّة أيضًا إلى متحف اللّوفر. وغيرها من القطع الكثيرة الّتي أخرجت من مختلف المواقع الأثريّ السّورية إلى المتاحف الفرنسيّة، أو المتاحف الأوروبيّة بالتّنسيق، وموافقة الانتداب حتّى عام ١٩٣٩م، وفق قانون وضع، ونفّذ من قبلهم من دون الأخذ بعين الاعتبار إلى أنّ هذه الممتلكات الثّقافيّة هي ملك الشّعب السّوريّ، تمّ نهبها، وإخراجها تحت مسمّى التّقسيم، والمشاركة، وفي حال البحث عن وثائق هذا التّقسيم سنجد بدون شك ألاف القطع الّتي خرجت لم تدخل ضمن هذه الإطار المذكور.
شهد القرن العشرون تحوّلًا جديدًا نحو حماية التّراث الثّقافي. ولم يقتصر الاعتراف بالقيمة المادّيّة للأشياء فحسب، بل أيضًا بأهمّيّتها الاجتماعيّة، والمتوارثة بين الأجيال. وقد وسعت صكوك ما بعد الحرب العالميّة الثّانية نطاق حماية الممتلكات الثّقافيّة في النّزاعات المسلّحة. قدّمت أطر حقوق الإنسان رؤى جديدة حول العلاقة بين المجتمعات، والأشياء، والمطالبات المتعلّقة بالوصول، والعودة. ومع ذلك، استمرّ الوجه المزدوج للقانون كأداة للتّواطؤ، وإطار للمقاومة. واعترفت الصّكوك القانونيّة الدّوليّة في الوقت نفسه بآثار الظّلم الاستعماريّ، وتحدّتها. أعادت حركة الاستقلال، وإنهاء الاستعمار في أواخر الخمسينيّات، والسّتينيّات من القرن الماضي تنشيط المطالبات بإعادة الممتلكات. وكانت قضيّة العودة مرتبطة بشكل متأصّل بعدم المساواة الاقتصاديّة بين دول السّوق، والدّول الّتي تطلبها. بدأت الدّول المستعمرة في استعادة الأشياء بشكل أكثر منهجيّة. ومع ذلك، كانت المجموعات الغربيّة مستعدّة فقط لتقديم الأعمال على سبيل الإعارة، أو بيعها مرّة أخرى، أو الموافقة على إعادتها على أساس طوعي. جادلت المتاحف بأنّ الأشياء قد تمّ الحصول عليها بشكل صحيح، أو أنّها أصبحت تراثًا وطنيًّا غير قابل للتّصرّف.
لقد خلقت الصّكوك التّعاهديّة مثل اتفاقيّة اليونسكو، أو اتفاقيّة اليونيدروا «حال من النّسيان الدّولي». كان القانون بمنزلة وسيلة للتّباعد، أي أداة للفصل بين الماضي والحاضر. قامت العديد من اللّوائح القانونيّة بإسكات الممتلكات الثّقافيّة الاستعماريّة، أو استبعادها من نطاق الحماية القانونيّة، أو خلقت عوائق أمام العودة، واستخدمت الأطر القانونيّة وسيلةً لحماية بلدان السّوق، وليس كآليات لمعالجة مظالم الماضي. وقد مُنحت الممتلكات الاستعماريّة قدرًا أكبر من الحماية الدّوليّة، مع الاعتراف المتزايد بها باعتبارها أعمالًا فنّيّة، وزيادة تقدير قيمتها المادّيّة، والثّقافيّة. ومع ذلك، قيّدت القوانين الدّوليّة مطالبات الاسترداد من خلال الشّروط الاستعماريّة، أو عدم الأثر الرّجعي، أو المفردات الّتي تخفي مخالفات الماضي. إنّ تصنيف القطع الأثريّة من المستعمرات السّابقة باعتبارها «تراثًا عالميًّا» أضعف مطالبات الإعادة إلى الوطن، والاسترداد لأنّه سمح للمتاحف بالدّفاع عن القيمة العالميّة للمواد الّتي تمتلكها. لقد تمّ استخدام مفاهيم مثل الوصاية، أو التّراث المشترك، أو عالميّة الأشياء لإضفاء الشّرعيّة على استمرار الملكيّة. وقد تمّ تبرير التّأخير، أو عدم إعادتها من خلال الفجوات المعرفيّة حول مصدر القطع.
قيد نظام الانتداب حرّيّة الأقاليم الخاضعة للانتداب في تحديد كيفيّة حماية ثقافاتهم. ومع ذلك، فحتّى الأنظمة القانونيّة الّتي تشرف عليها لجنة الانتدابات، اتّبعت منطقًا استعماريًّا. وكما ذكرنا سابقًا فقد سمح نظام الآثار في العراق، الّذي وافقت عليه العصبة، للبعثات الأجنبيّة بأخذ القطع الّتي كان ينبغي الاحتفاظ بها لبغداد، مبرّرين ذلك بأنّ هذه المرونة ضروريّة لتشجيع البعثات الأجنبيّة من خلال التّنازل لها عن نسبة عادلة من الأشياء.
في عام ١٩٢٥م، وجّه المؤتمر السّوري الفلسطينيّ نداءً إلى الجمعيّة السّادسة لعصبة الأمم، انتقد فيه عدم تأثير السّلطات المحلّيّة على الموافقة على البعثات، ومنح الامتيازات. جاء فيه: تختص الجهّات الانتدابيّة وحدها بكلّ ما يتعلّق بالآثار. يسلّمون تصاريح إجراء الحفريّات لمن يرغبون دون طلب رأي، أو موافقة السّلطات المحلّيّة مسبقًا... لا نعرف ما هي الكنوز الّتي تمّ استخراجها من ترابنا بعد أن تمّت الحفريّات من دون أيّ إشراف.
أدّى هذا النّداء إلى سنّ لائحة جديدة، والّتي ظلّت في صالح البعثات الأجنبيّة. لقد سمح لفرنسا بأن تقرّر أيّ الاكتشافات يجب التّنازل عنها لبعثة التّنقيب، وأيّ القطع يجب أن تبقى في الأراضي الخاضعة للانتداب. وضع النّظام مصالح الاستغلال الثّقافي فوق مصالح السّكان المحلّيّين. وتمّ التّعامل مع الآثار كسلعة مفتوحة للاستملاك.
عزّزت عصبة الأمم حماية الممتلكات الثّقافيّة. وشدّدت على الطّابع العالميّ، والدّور التّعليميّ للموارد الثّقافيّة، والحاجة إلى إمكانيّة الوصول إليها لجميع الدّول. ومع ذلك، ظلّت الأنظمة القانونيّة النّاشئة تتّسم بالانقسامات بين المجتمعات الغربيّة، وغير الغربيّة. لقد بنوا على الأنماط التّقليديّة لـ«الخطاب الحضاريّ»، وأضفوا الشّرعيّة على النّماذج الغربيّة لحيازة القطع الثّقافيّة، والاتجار بها. على سبيل المثال، اعترف قرار بشأن حماية الآثار التّاريخيّة، والأعمال الفنّيّة، اعتمدته جمعيّة العصبة في عام ١٩٣٢م، بأنّ القطع الفنيّة، والأثريّة لا تخضع لمفاهيم الملكيّة الوطنيّة فحسب، بل إنّها جزء من «تراث البشريّة». عُهد بالحفاظ عليها إلى الدّول المتحضّرة وفق مفهومهم. أعد المكتب الدّولي للمتاحف (Icom) عدّة صكوك قانونيّة جديدة لحماية الممتلكات الثّقافيّة في أوقات الحرب والسّلم. وسعت مشاريع الاتفاقيّات هذه إلى التّوفيق بين ضرورتين متعارضتين، وهما الطّبيعة العالميّة للأعمال الفنّيّة، وأهمّيّتها للإنسانيّة، ومصالح الدّول في الحفاظ على «التّراث الوطنيّ الّذي ترتبط به أيّ أمّة متحضّرة ارتباطًا وثيقًا».
أعادت اتّفاقيّة لاهاي لعام ١٩٥٤م لحماية الملكيّة الثّقافيّة في حال النّزاع المسلح، وبروتوكولاتهاصياغة القواعد المتعلّقة بالاستيلاء الثّقافيّ في النّزاع المسلح ردًّا على تدمير التّراث الثّقافيّ في الحرب العالميّة الثّانية. وهي تغطّي النّزاعات المسلّحة الدّوليّة، وغير الدّوليّة، بما في ذلك حالات الاحتلال. اعتمدت اتّفاقية عام ١٩٥٤م فهمًا أكثر شمولًا للحماية الثّقافيّة من خلال الاعتراف بمساهمة «كلّ شعب» «في ثقافة العالم».
وكما هو الحال مع الصّكوك الأخرى المتعلّقة بالنّزاعات، لم تتناول اتّفاقية عام ١٩٥٤م، وبروتوكولاتها العنف الاستعماريّ في الماضي إلّا بشكل هامشي. على سبيل المثال، يتضمّن بروتوكول لاهاي لعام ١٩٥٤م التزامًا مطلقًا بإعادة الممتلكات الثّقافيّة الّتي تمّ إزالتها من الأراضي المحتلّة بعد انتهاء الأعمال العدائيّة، دون قوانين التّقادم، أو حماية اكتساب حسن النيّة. وينصّ على أنّ الممتلكات الثّقافيّة المحميّة لن يتمّ الاحتفاظ بها. ومع ذلك، فهو محدود الاستخدام بالنّسبة لمطالبات إعادة الأشياء الّتي تمّت إزالتها في الحقبة الاستعماريّة، أو مطالبات السّكّان الأصليّين. تتضمّن الصّكوك ذات الصّلة قيودًا صريحة تركت الأمر للقوى القائمة بالإدارة في الأقاليم المستعمرة. وبهذه الطّريقة، تمّ وضع الخطأ الاستعماريّ إلى حدّ كبير خارج الإطار الملزم لصكوك المعاهدات الدّوليّة الّتي تحمي الممتلكات الثّقافيّة في أوقات النّزاع، وترك داخل المنطقة الرّماديّة من الغموض والتّقدير. لم تصدّق الولايات المتحّدة، والمملكة المتّحدة، وهما لاعبان رئيسان في النّقاش حول إعادة الممتلكات، على بروتوكول لاهاي لعام ١٩٥٤م الّذي ينصّ على واجب إعادة الممتلكات الثّقافيّة الّتي تمّ إزالتها من الأراضي المحتلة.
وسننهي هذه الفقرة بالحديث عمّا جرى في سوريّة ما بعد عام ٢٠١١م، حيث إنّ الاستعمار القديم عاد بوجه جديد، لا سيّما فيما يتعلّق بسرقة، ونهب الممتلكات الثّقافيّة. ففي شمال سوريّة عاث فسادًا الاحتلال العثمانيّ من سرقة، وتخريب للمواقع الأثريّة، وكنّا قد شاهدنا ما حلّ في معبد عين دارا عندما قصفته الطّائرات التّركيّة، ودمّرت أغلب أجزائه. وفي موقع جنديرس الّذي تمّ تحويله إلى قاعدة عسكريّة تركيّة بعد أن تمّ تجريفه بالكامل، وسرقة القطع الأثريّة الّتي ظهرت ضمنه. أمّا بخصوص المتاحف فقد تمّ سرقة متحف إدلب، ومتحف الرّقّة بالكامل، وشوهدت العديد من القطع معروضة للبيع في تركيا. ووفقًا لما تمّ التّصريح عنه من قبل السّلطات التّركيّة الرّسميّة يوجد ما يقارب من ٣٥ ألف قطعة أثريّة سوريّة تمّ مصادرتها رسميًّا من قبل الجمارك التّركيّة، وسلّمت
للسّلطات الأثريّة في تركيا، وعلى الرّغم من المحاولات العديد من قبل السّلطات الأثريّة السّوريّة الحصول على قائمة لهذه القطع، تمّ الرّفض من قبل الجانب التّركي، ولم تستطع منظمة اليونسكو عمل أيّ شيء بهذا الخصوص، رغم مطالبتها بهذا الأمر. بينما نجد الفكر الاستعماريّ الفرنسيّ بشأن الآثار يعود مجدّدًا من خلال ما صرّح به الرّئيس الفرنسيّ فرانسوا هولاند في عام ٢٠١٦م عن إنشاء مستودعات لحفظ التّراث المهدّد في سوريّة، والعراق في متحف اللّوفر لونس شمال فرنسا. وهذا العمل من دون شكّ سيكون للقطع الأثريّة السّوريّة المسروقة الّتي يتمّ مصادرتها على الأراضي الفرنسيّة، وبالتّالي إنّ افتتاح هذا المركز بشكل قانونيّ، سيؤدي إلى عدم قبول أيّ طلبات استرداد للقطع المسروقة الّتي ستكون محفوظة ضمنه.
لقد اتّسمت الأطر القانونيّة الّتي تحكم الاستيلاء على الممتلكات الثّقافيّة الاستعماريّة، وإعادتها، بالاستمراريّة الاستعماريّة، وما بعد الاستعماريّة طيلة القرن العشرين. وبينما ضغطت البلدان، والمجتمعات الأصليّة من أجل إعادة الممتلكات، دافعت القوى الاستعماريّة السّابقة بنشاط عن الحفاظ على الوضع الرّاهن الّذي خلقته الحال الاستعماريّة. لقد اعتمدوا على تقنيّات «الابتعاد»، أي فصل الماضي الاستعماري عن علاقات الحاضر من خلال الحواجز الزّمنيّة، والمفاهيم الّتي تخفي المخالفات، والثّغرات القانونيّة، والغموض، أو العقبات الّتي تعترض العودة. فعلى سبيل المثال عندما أقرّ الرّئيس الفرنسي ماكرون عودة الممتلكات الثّقافيّة المسروقة من دولة بنين (Benin) صرّحت وزيرة الثّقافة الفرنسيّة باشلو (Bachelot) تعقيبًا على ذلك إلى أنّ مشروع القانون ليس عامًّا في نطاقه: فهو ينطبق فقط على مجموعة محدّدة من الأشياء الّتي يدرجها صراحةً. وبالتّالي، حتّى لو تمّ اعتبار الممتلكات المعنيّة قد تمّ الاستيلاء عليها أثناء الحرب، فإنّ إقرار مشروع القانون هذا لن يكون له أثر التّشكيك في شرعيّة ملكيّة بلدنا لأيّ ممتلكات تمّ الحصول عليها في سياق نزاع مسلح. وهذا النّمط من الاكتساب، المستبعد تماما اليوم، لم يكن محظورا بموجب أيّ قاعدة في أوقات أخرى، لا في فرنسا، ولا في أي بلد آخر في العالم. إنّ قواعد القانون، والمبادئ الأخلاقيّة الّتي أصبحت الآن سارية لحسن الحظّ، لا يمكن تطبيقها على القضايا الماضية. وختامًا يمكن القول إنّه في نهاية المطاف، كانت عمليّات الاستيلاء الاستعماريّة تتعلّق بما هو أكثر بكثير من مجرّد قطع أثريّة.
1.البني، عدنان الأسعد خالد، دون تاريخ، تدمر أثريًّا – تاريخيًّا – سياحيًّا.
2.Bulletin de la société nationale des antiquaires de France; 1987, Robert du Mesnil du Buisson.
3.Chamonard; 1920, A propos du service des antiquités de Syrie, Syria, Tome 1.
4.Dussaud R; 1956, L’œuvre scientifique syrienne de M. Charles Virolleaud, Syria XXXIII (Hommage à Charles Virolleaud, membre de l’Institut).
5.Edwell P-M; 2008, Between Rome and Persia, Routledge, London.
6.Emberling G; 2010, Pioneers to the past, The university of Chicago.
7.Ferris N, Harrison R, and Wilcox M; 2014, Rethinking Colonial Pasts through Archaeology, Oxford Scholarship Online.
8.Hitzel F; 2010, Osman Hamdi Bey et les débuts de l’archéologie Ottomane, Turcica.
9.Gelin M; 2005, L’Institut Français d’Archéologie de Beyrouth, (1946- 1977), Syria, Tome 82.
10.Gelin M, Chanteau J, Nicolas C; 2017, Archéologie et patrimoine au Moyen-Orient: passé retrouvé, passé recomposé. Le Moyen-Orient, 1876-1980, Atlande.
11. Gran-Aymerich ب; 2016, Les chercheurs du passé (1798-1945) Aux sources de l’archéologie, CNRS ةditions, Paris.
12.Ghobrial J-P; 2016, The Archive of Orientalism and its Keepers: Re-Imagining the Histories of Arabic Manuscripts in Early Modern Europe,
(314)Past & Present, Volume 230, Issue suppl_11.
13.Gillot L; 2010, Towards a Socio-Political History of Archaeology in the Middle East: The Development of Archaeological Practice and Its Impacts on Local Communities in Syria, Bulletin of the History of Archaeology 20 (1).
14.Griswold S, 1935, Locating Archaeological Expertise: Debating Antiquities Norms in the A Mandates, 19181926, Experts et expertise dans les mandats de la société des nations: figures, champs, outils, Library of Congress.
15.Koçak A; 2011, The Ottoman Empire and Archaeological Excavations: Ottoman Policy from 1840-1906, Foreign Archaeologists, and the Formation of the Ottoman Museum, Isis Press.
16.Lydon J, Rizvi U; 2010, Handbook of Postcolonial Archaeology. Walnut Creek: Left Coast Press.
17.Matheson S-B; 1982, Duraeurpos the ancient city and the Yale collection, Yale University Art Gallery.
18.Moro-abadia O; 2006, The History of Archaeology as a ‘Colonial Discourse’, Bulletin of the History of Archaeology, n16.
19.Ousterhout R- G; 2010, Archaeologists and Travelers in Ottoman Lands, Expedition Magazine 52.
20.Posocco L; 2021, Osman Hamdi Bey and the Dawn of the Ottoman Museum: a Bourdieusian Approach, International Journal of Humanities Social Sciences and Education (IJHSSE), Volume 8, Issue 10.
21.Poulos A –H; 2000, The 1954 Hague Convention for the Protection of
(315)Cultural Property in the Event of Armed Conflict: An Historic Analysis, International Journal of Legal Information, 28.
22.Renan R; 1864, Mission de Phénicie, L’imprimerie Impériale De France, France.
23.Sartre-Fauriat A, Sartre M ; 2008, Palmyre: La cité des caravanes, Gallimard, France.
24.Stanley-Price N; 2001; The Ottoman Law on Antiquities (1874) and the founding of the Cyprus Museum; Cyprus in the 19th century A.D. Fact, fancy and fiction, Oxbow Books.
25.Stahn C, 2023, Colonial and Post-colonial Continuities in Culture Heritage Protection: Narratives and Counter narratives, Confronting Colonial Objects: Histories, Legalities, and Access to Culture, Oxford University Press.
26.Stahn C; 2020, Reckoning with Colonial Injustice: International Law as Culprit and as Remedy, LJIL 33.
27.Stoneman R; 1994: Palmyra and its Empire: Zenobia’s Revolt against Rome, Ann Arbor.
28.Verhoeven J, Visscher C De; 2000, Living and Thinking International Law, EJIL11.
29.Wood R; 1753, The Ruins of Palmyra, otherwise Tedmor, in the Desart, London.
(316)
غنوة ناصر
يلقي هذا البحث الضّوء على أحوال سوريّة زمن الاحتلال الفرنسيّ، وما هي الطّرائق، والأساليب الّتي أدارت فيها فرنسا هذه البلاد، وهل كانت هذه الإدارة ناجحة، وكيف كانت ردّة فعل السّوريّين على الإجراءات الفرنسيّة المتّبعة، وكيف تعاملت فرنسا مع المقاومة السّوريّة، وما هي أحول الاقتصاد السّوري في فترة الانتداب، ولماذا شعر السوريّون بثقل الانتداب عليهم. وينقسم هذا البحث إلى مقدّمة، وعناوين فرعيّة تنتهي بخاتمة متضمّنة أهمّ النّتائج.
كلمات مفتاحيّة: سوريّة، فرنسا، الانتداب الفرنسيّ، الكتلة الوطنيّة، المندوب السّاميّ، الحكومة السّوريّة، المستشارين الفرنسيّين.
شهدت سوريّة هذا البلد الشّرق أوسطي تاريخًا طويلًا، ومعقّدًا يعود إلى العصور القديمة، وكانت موطنًا لبعض أقدم الحضارات في العالم. في وقت لاحق، ونظرًا لأهميّتها شكّلت جزءًا من اهتمام الإمبراطوريّة الفارسيّة، والرّومانيّة بهدف السّيطرة عليها، وحكمها العرب في القرن السّابع، ومنذ ذلك الحين، بدأت تحكمها سلالات، وقوى مختلفة، بما في ذلك العثمانيّون، والفرنسيّون.
تعدّ فترة الانتداب الفرنسيّ على سوريّة على الرّغم من قصر مدّتها الزّمنيّة فترة على غاية من الأهميّة، إذ إنّها تأتي بعد مرحلة تاريخيّة طويلة من السّيطرة العثمانيّة، وقد جاءت على خلفيّة متغيّرات دوليّة كبيرة، ومعقّدة وعلى رأسها الحرب العالميّة الأولى، ولقد كان الانتداب الفرنسيّ الّذي امتدّ من عام ١٩٢٠م، وحتّى استقلال سوريّة في عام ١٩٤٦م، واحدة من أخطر اللّحظات في تاريخ سوريّة لما كان له من تأثير دائم على سياسة البلاد، والمجتمع، حيث يظهر واضحًا في مدى التّأثير الفرنسيّ في شكل التّطوّر الاقتصاديّ، والاجتماعيّ السّوري.
يلقي هذا البحث الضّوء على السّياسة الفرنسيّة في سوريّة، وشكل الحكم، ومحاولة السّيطرة على كلّ مفاصل الدّولة، وبناها الاقتصاديّة، ومصادر الثّروة، ومحاولة تفتيتها جغرافيًّا، واجتماعيًّا، وكيف كانت ردّة فعل المجتمع، وهل نجح هذا الاستعمار في فرض ما يريد، وكيف تعامل هذا المستعمر مع المتغيّرات الدّاخليّة النّاجمة عن رفض السّوريّين للانتداب، وعملائه.
يتضمّن البحث استخلاص بعض النّتائج، والعبر عن فترة الانتداب الفرنسي الّتي مفادها أنّ الاستعمار هو استعمار مهما تزيّا بأزياء مختلفة، واعتمد أساليب، وطرائق مستحدثة للسّيطرة، والهيمنة، كما أنّ الأرض لأبنائها المتمسّكين بها، وذلك مهما تطاول الزّمن.
على الرّغم من أنّ الانتداب على سوريّة تأسّس مباشرة بعد الحرب العالميّة الأولى، إلّا أنّ الوثائق، والدّراسات التّاريخيّة تشير الى أنّ الاهتمام الفرنسي ببلاد الشّام يعود إلى زمن بعيد. يمكن القول منذ حملة نابليون بونابرت على مصر (١٧٩٨-١٨٠١م) حيث رأت الإدارة الفرنسيّة فيها منطقة ذات أهمّيّة جيواستراتيجيّة كبيرة، كانت بريطانيا تطمح إليها أيضًا، حيث كانت أساسًا للسّيطرة على الطّريق إلى الهند. ومع الموازنة للوجود الفرنسيّ في مصر أثناء بناء قناة السّويس، كانت التّوتّرات الطّائفيّة بين الدّروز، والموارنة
في جبل لبنان، وأعمال الشّغب قد امتدّت الى دمشق، ممّا خلق الظّروف المناسبة للتّدخّل الفرنسي في بلاد الشّام. ومنذ ذلك الحين، استغلّت فرنسا الوضع الجديد لتعزيز وجودها الاقتصاديّ، والتّجاريّ، وضاعف رجال الأعمال الفرنسيّون استيراد الحرير، خاصّة في المناطق ذات الأغلبيّة المسيحيّة، وطوّرت العديد من الشذركات الفرنسيّة، وأنشأت مؤسّسات تعليميّة، ومتحف المحفوظات في مدارس الشّرق، الّذي أنشئ في عام ١٨٥٦م لدعم مدارس الطّوائف الدّينيّة الكاثوليكيّة الّتي أنشئت في الإمبراطوريّة العثمانيّة.
تشير الوثائق والدّراسات التّاريخيّة إلى أنّ الدّول الأوروبيّة كانت تفكّر في احتلال ممتلكات الدّولة العثمانيّة في الشّرق، والمنطقة العربيّة خاصّة، وقد جاءت الحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨م) الّتي كان من نتائجها هزيمة الدّولة العثمانيّة، وفقدانها لممتلكاتها في الولايات العربيّة فرصة تاريخيّة لتحقيق هذه الغاية، وقد تمّ تقسيم المنطقة العربيّة بين فرنسا، وإنكلترا بموجب اتّفاقية سايكس بيكو عام ١٩١٦م إلّا أنّ الشّكل الفعليّ للسّيطرة الفرنسيّة على سوريّة تمّ من خلال مؤتمر سان ريمو المنعقد بتاريخ ٢٥ نيسان ١٩٢٠م إذ اتّخذ مجموعة من القرارات منها انتداب فرنسا على سوريّة، (الّتي كانت وقتذاك تضمّ لبنان، وكليكية، والأردن، وفلسطين) انتداب انكلترا لفلسطين، وشرق الأردن مع تنفيذ، وعد بلفور، انتداب فرنسا لمقاطعة كليكية.
وطبعًا لجأت تلك الحكومات الامبرياليّة لتبديل التّسميات تجنّبًا لسوء السّمعة المتزايد عليها فلم تعد المناطق تسمّى «مستعمرات»، بل «انتدابات» أي: سياسة تضمن تقدّم الشّعوب المتخلّفة الّتي تكرّمت القوى الإمبرياليّة باستلامها وفقًا لنظريّة جلب
الدّول المتخلّفة، والتّابعة إلى مستوى عال من الحضارة، وبموجب معاهدة فرساي ١٩١٩، والمادّة ٢٢ من ميثاق عصبة الأمم الّذي تأسّس عام ١٩٢٠م قرّرت الدّول المنتصرة توزيع المقاطعات العثمانيّة بحسب الفرضيّات التّالية:
على المستعمرات، والأقاليم الّتي لم تعد تخضع للحكم العثمانيّ، وتسكنها شعوب لا تستطيع إدارة نفسها في ظلّ ظروف دوليّة حديثة صعبة للغاية أن يتمّ إسناد حكمها لتلك الدّول المتقدّمة الّتي، تسطيع بحكم مواردها، وخبرتها، أو موقعها الجغرافيّ تحمّل هذه المسؤوليّة الّتي توافق على قبولها. وهكذا تمارس تلك الدّول هذه الوصاية بصفتهم وكلاء وباسم عصبة الأمم.
يجب أن يختلف طابع الانتداب وفقًا لمرحلة تطوّر الشّعب، والوضع الجغرافيّ للإقليم، وظروفه الاقتصاديّة، والظّروف المماثلة الأخرى.
الشّعوب الّتي وصلت إلى مرحلةٍ من التّطوّر بحيث يمكنها القيام بدورها بوصفها دولًا مستقلّةً معترف بها، ستخضع بصورةٍ مؤقّتةٍ للمساعدة، والنّصح الإداري من قبل الانتداب إلى أن يحين الوقت الّذي تصبح فيه قادرةً على النّهوض وحدها، وتكون رغبات هذه المجتمعاتِ هي العامل الرّئيس في اختيار الدّولةِ المنتدَب، الأمر الّذي لم يتمّ مراعاته في كلا بلاد الشّام والعراق.
شرعت فرنسا بتنفيذ بنود مؤتمر سان ريمو على الفور حيث وجه الجنرال غور إنذارًا إلى الحكومة السّورية، والملك فيصل، ويمثّل في طيّاته إذلالًا للحكومة، والملك حيث تضمّن:
1.قبول ورق النّقد السّوري بدلًا من العملات الذّهبيّة.
2.تأديب المجرمين الّذين أظهروا عداء لفرنسا.
3.التّصرّف بسكّة حديد رياق ـحلب للنّقليّات العسكريّة الفرنسيّة.
وبعد جدال ما بين الحكومة الّتي قبلت الانذار، وما بين الرّفض الشّعبيّ العارم الّذي رفض الانصياع للغزاة، قرّرت الحكومة الاستجابة للمطالب الشّعبية، والدّفاع عن البلاد، وفي صباح ٢٤ تمّوز دارت المعركة الفاصلة في موقعة ميسلون بين الجيش الفرنسيّ بقيادة غورو الزّاحف نحو دمشق، ومجموعة من المتطوّعين السّوريّين الّذين لا يتجاوز عددهم ثلاثة آلاف متطوّع، ومعهم بعض المجموعات المنظّمة من الجيش بقيادة وزير الحربيّة السّوري يوسف العظمة الّذي استشهد أثناء المعركة.
بدأ الاحتلال الفرنسيّ المباشر لسوريّة واضحًا، وكانت السّلطة الحقيقيّة في يد المندوب السّامي الّذي هو جنرال عسكري قائد أعلى لجيوش الشّرق، وكذلك حاكم عام يشرّع الأنظمة، والقوانين، وينشرها، وهو المستشار، والمراقب الأعلى للحكومة المنتدب عليها يجمع في قبضتيه السّلطتين التّشريعيّة، والتّنفيذيّة، ممّا يجعله حاكمًا أوحدًا للدّولة المنتدب عليها.
تعدّ هذه السّلطات الواسعة الممنوحة للمندوب السّامي، وعلى الأخصّ الصّفة العسكريّة، والقانون العرفي الممنوح له، أدّى إلى التّعسّف في ممارسة الصّلاحيّات، هذه الأمور مجتمعة جعلت النّفوس كلّها مكبوتة جاهزة للانفجار متى سمحت الظّروف.
حافظت السّلطات الفرنسيّة، طوال فترة الانتداب، على سيطرتها المركزيّة على الأجهزة التّشريعيّة، والتّنفيذيّة، والقضائيّة، «إمّا علنًا، أو من خلال واجهة محلّيّة ضعيفة، وطوّرت نظامًا استبداديًّا يفتقر فيه الشّعب السّوري، إلى أدنى حقّ في تقرير مصيره، فكان تعيين البرلمانيّين، والوزراء، والرّؤساء، وجميع الأجهزة المحلّيّة في الولايات موجودة فقط على الورق حيث كان أعضاء المجلس الفرنسيّين، وعلى رأسهم المفوّض السّامي، يحكمون بشكلٍ فعليٍّ، ويمكن القول إنّه بمبادرة من المندوب تمّ حلّ البرلمانات السّوريّة في فترات غير محدودة، وتعليق الإجراءات الدّستوريّة، والحرّيّات السّياسيّة. «المندوب السّاميّ،
في الواقع، كان يمارس السّيادة الكاملة على جميع أراضي الانتداب، وباسم حكومته».
لم يكد الجنرال غورو يصل إلى سوريّة، ويحكم قبضته عليها، وعلى مدنها الدّاخليّة حتّى أصدر في ٣ آب ١٩٢٠م قرارًا بفصل الأقضية الأربعة بعلبك، والبقاع، وحاصبيا، وراشيا عن سوريّة، وإنشاء دولة مستقلّة تدعى لبنان الكبير.
على الرّغم من أنّ فصل الأقضية الأربعة آنفة الذّكر لا يحمل بعدًا طائفيًّا إلّا أنّنا أوردناه هنا لنبيّن سياسة المستعمر الفرنسيّ المستعجلة لتجزئة البلاد، وإضعافها.
ثمَّ أصدر الجنرال غورو القرار تقسيم سوريّة إلى خمس دول تتمتّع بالحكم الذّاتي: العلويّون، والدّروز، وحلب، ودمشق، والإسكندرون، والّتي قام الفرنسيّون بالتّنازل عنها في عام ١٩٣٩م لتركيا مقابل حيادها في الحرب العالميّة الثّانية. ركّزت فرنسا بشكل خاصّ على استغلال الاختلافات الطّائفيّة لخلق توازن جديد للقوى من خلال «إنشاء كيانات ريفيّة مثل الدّولتين العلويّة بحسب قرار رقم ٣١٩ تاريخ ٣١ آب ١٩٢٠م، القاضي بفصل مقاطعة العلويّين عن دمشق، وإنشاء دائرة إداريّة فيها اعتبارًا من أوّل أيلول، والدّولة الدّرزيّة، وأقامت فرنسا روابط مع الأقلّيّات لمواجهة معارضة الأغلبية السّنيّة، وسعى المندوب السّامي إلى تعزيز التّوتّرات بين المجتمعات المحلّيّة، وإظهار الشّعور الواضح «بالخصوصيّة» داخل كلّ مجتمع، أو داخل الدّين الواحد مثل الإسلام، حيث جرت محاولة لتوسيع المسافات بين المجتمعات الإسلاميّة المختلفة، الأكثر تنديدًا للسّلطة، والمندوب، والانتداب، وإنشاء هيئات، ومجالس تشريعيّة خاصّة بها لكلّ منها».
شكا السّوريّون من هذا الانتداب الّذي رأوه شكلًا جديدًا من أشكال الاحتلال، وكان من الغرابة أن يتّخذ المندوب السّامي قرارات فصل البلاد عن بعضها البعض بحجّة النّزول
عند رغبة السّكان، وإنّ هذه القرارات تسهّل تدرّج الشّعوب السّورية نحو الاستقلال، والحرّيّة.
أصدر الجنرال غورو القرار رقم ٣١٩ تاريخ ٣١ آب ١٩٢٠م القاضي بفصل مقاطعة العلويّين عن دمشق، وإنشاء دائرة إداريّة فيها اعتبارًا من أوّل أيلول.
كما أصدر قرارات مماثلة بفصل دولة حلب عن دمشق، وكذلك فصل دولة الدّروز عن العاصمة دمشق، وسنورد فيما يلي نصًّا لفصل دولة حلب.
«من القائد كاترو رئيس البعثة الإفرنسيّة إلى دولة رئيس الوزراء دمشق، أتشرّف بأن أحيطكم علمًا بأنّ فخامة الجنرال غورو المندوب السّامي قد اتّخذ بتاريخ أوّل أيلول قرارًا بجعل ولاية حلب حكومة مستقلّة، مركزها حلب، وذلك تنفيذًا لأماني أهالي الولاية، ولوضع حدّ لإدارة مركزيّة تعرقل إدارة حكومة دمشق، وقد ألحق سنجق اسكندرونة بهذه الحكومة الجديدة مع حفظ استقلاله الإداري».
يلاحظ من النّصّ السّابق أنّ المندوب السّامي يعلّل قراراته (تنفيذًا لأماني أهالي الولاية)، ولا يعرف متى طلب منه أهالي الولاية ذلك، وكيف تتحقّق مصالحهم عندما ينفصلون عن الوطن الأمّ.
أثار تقسيم البلاد إلى دويلات طائفيّة، وعرقيّة ثائرة السّوريّين، وذلك لعلمهم الغاية الحقيقيّة، وهي تمزيق الشّمل، وإثارة النّعرات الطّائفيّة بين أبناء الوطن الواحد، أمّا الفرنسيّون فقد استغلّوا هذا التّقسيم لزيادة عدد المستشارين، والموظّفين، حيث عيّن إلى جانب كلّ حكومة أي حكومة سوريّة بعثة فرنسيّة من المستشارين، وقد عمّت الثّورات أنحاء البلاد، مؤكّدة رفض الشّعب السّوري لسياسة التجزئة، والتّفتيت، وإصرار الشّعب
على التّضحية بالأرواح، والأموال في سبيل الاستقلال، ورفضه تسخير خيراته لصالح المحتلّ.
وأمام هذا الاستياء الشّعبيّ، أعيد النّظر في هذا التّقسيم فأنشئ اتّحاد ثلاثيّ بين دول حلب، ودمشق، والعلويّين دعيت الدّولة السّورية.
لا يخفى على الباحثين في التّاريخ أنّ الاستعمار مهما تزيّا بزيّ مختلف؛ فإنّ بعده الاقتصادي يبقى ظاهرًا للعيان، وإنّ نهب الثّروات، واستغلال مقدّرات الشّعوب هو الأساس المحرّك للنّشاط الاستعماري في المناطق المستعمرة، وقد كان السوريّون مدركين لهذه القضيّة منذ اللّحظة الأولى، وقد رفضوا كلّ ما من شأنه أن يهدّد مصالحهم، وثرواتهم، ومصادر عيشهم، ولعلّ أبرز ما كان يستشعره السّوريون هو الممارسات غير المسؤولة للمستشارين الفرنسيّين في مؤسّسات الدّولة، ودوائرها، فقد نقمت البلاد على هؤلاء الموظّفين، وعقليّتهم الاستعماريّة، وعدم كفاءتهم، وسوء استعمال، وظائفهم، وقد تجاوزت هذه النّقمة الموظّفين حتّى وصلت إلى الدّولة الّتي يمثّلونها.
لن نقوم بتعداد أسماء أولئك المستشارين، والمؤسّسات الّتي كانوا يديرونها، فهذا أمر لا يفيد البحث بشيء، وإنّما سنعرج على الآثار السّلبيّة لهذه الإدارة، وكيف دمّرت الإنتاج الفعلي لهذه المؤسّسات، وكيف كان ردّ الفعل عليها.
قسّمت سلطات الانتداب الاستعماريّة دوائر الدّولة السّوريّة إلى قسمين: قسم وضعوا يدهم عليه، وتصرّفوا في شؤونه تحت إشراف، ومراقبة المستشارين المثبتين في جميع الوزارات، وقسم مؤلّف من دوائر الحكومة السوريّة وقد كانت هذه الدّوائر موزّعة على الشّكل التّالي: الماليّة، العدليّة، الأشغال العامّة، المعارف، الآثار، الزّراعة، الجمارك،
الأوقاف، الصحّة.
لقد مارس المستعمر الفرنسيّ أبشع أنواع الجشع في إدارته لموارد الدّولة، ومؤسّساتها الاقتصاديّة، ولم يكن ينظر لأيّ شيء إلّا للرّبح المادّي، وقد أدّى هذا الأمر إلى نشوب صراع قويّ بين الشّركات الوطنيّة على الرّغم من عدم حماية السّلطة للصّناعات الوطنيّة، وسلطات الاحتلال، وقد تجلّى ذلك واضحًا عندما حاولت سلطات الانتداب إعطاء حقّ حصريّ لشركة التّبغ للشّركات الفرنسيّة، وقد اعتبرت صحيفة القبس الدّمشقيّة أنّ للسّوريّين الحقّ بإدارة أموالهم.
كان المستشارون الفرنسيّون يمثّلون إدارة الانتداب، وكانوا يدها الطّولى، وعينها في كلّ مؤسّسات الدّولة، وقد كان هؤلاء المستشارون تابعين للحكومة السوريّة ماليًّا، أي: يتقاضون رواتبهم من الحكومة، وإدارة الانتداب هي من يحدّد رواتب أولئك المستشارين، ولم يقف الأمر عند الرّواتب بل تعدّاه إلى حدود الإنفاق على الأسرة، فقد قال الشّهابي ما يلي: «وكانتا الحكومة تنفق عليه، وعلى أسرته في ذهابه، وإيابه، ويعيّن المستشار بعقد بينه، وبين الحكومة السّوريّة، لكن المفوضيّة العليا هي من كانت تقدّم المستشار إلى الحكومة، وليس لهذه الحكومة رأي في اختياره، وإذا أرادت فسخ العقد، أو عدم تجديده فلا بدّ من موافقة المفوّض السّامي على ذلك، ويكون لكلّ مستشار مكتب فيه ترجمان، ومنشئ، وناسخ على الآلة الكاتبة، وعامل».
لقد تمتّع المستشارون الفرنسيّون بسلطة واسعة إلى مرحلة كان بإمكانهم نقض القرارات الصّادرة عن المدير، وقد تزايدت أعدادهم تباعًا داخل مؤسّسات الدّولة فقد بلغ عددهم سنة ١٩٢٦م خمسمائة مستشار.
عند حدوث خلاف بين المستشار، وبين المدير في أيّ مؤسّسة؛ فإنّ الأمر كان يرفع
إلى المندوب السّامي الفرنسيّ الّذي كان يبت فيه تبعًا لما يراه المستشار، ممّا يؤكّد بما لا يدع مجالًا للشّكّ بأنّ الحاكم الحقيقيّ للمؤسّسة هو المستشار المعيّن من قبل المندوب السّامي.
مارس المستشارون الفرنسيّون أعمالهم بجشع، وتعسّف، ولكن في الظّلّ من دون أن يكون هناك انطباع سائد بأنّهم هم من يقودون، وذلك لكي لا يظهر المستشار بمظهر المتسلّط.
لقد كان للمستشارين دورٌ سلبيٌّ على سير عمل المنشآت الاقتصاديّة، وذلك نظرًا للأموال الضّخمة الّتي كانوا يتقاضونها، ويبذرونها، وربّما يحتاج هذا الأمر إلى دراسة منفردة لإعطائه حقّه اللّازم، وإلقاء الضّوء على دورهم الاستعماريّ الهدّام.
لم يكن دور الاحتلال الفرنسي في المؤسّسات الاقتصاديّة، ومحاولة نهبها، والسّيطرة عليها أقلّ، سوءًا منه في خنق الحرّيّات، ومحاولة السّيطرة على الأحزاب، وتوجيهها، واحتوائها، وربطها في السّياسة الفرنسيّة، وربّما كان هذا الأمر أكثر ظهورًا من باقي النّشاطات الأخرى، وذلك لارتباطه المباشر بالمجتمع، حيث توقّفت جميع الصّحف السّوريّة عن الصّدور فور دخول القوّات الفرنسيّة دمشق باستثناء صحيفة (فتى العرب) التي رحّبت بالفرنسيّين، وحمّلت حكومة الملك فيصل مسؤوليّة ما حدث.
ويعكس عزوف الصّحف السّوريّة عن الصّدور الحالَ الشّعبيّة غير المرحّبة بالمحتلّ الأجنبيّ.
أصدر الجنرال غورو بعد دخوله دمشق بلاغًا إلى رؤساء تحرير الصّحف، والمجلّات طلب فيه إرسال نسخ عن هذه الصّحف، والمجلّات إلى دائرة الاستخبارات الفرنسيّة
لمراقبتها، وتوجيهها الوجهة الفرنسيّة فكثرت المساحات البيضاء في الصّحف.
رغم الضّغوط الّتي مورست على الحرّيّات، إلّا أنّ هناك مجموعة من الأحزاب قد تأسّست في فترة الانتداب الفرنسيّ، وذلك بعد تعيين الجنرال سراي مندوبًا ساميًا حيث حثّ النّاس على توحيد مطالبهم في أحزاب، وهذا لا يعني أنّه لم يكن هناك أحزاب قبل دخول الفرنسيّين، ولكن ضبط النّشاط السّياسيّ في هذه المرحلة يتطلّب تأطير النّاس في أحزاب، فتنادى القادة المحلّيّون في عام ١٩٢٤م إلى تأليف حزب دعي حزب الشّعب برئاسة عبد الرّحمن الشّهبندر.
يجب أن ننوّه إلى شيء مهمّ، وهو أنّ فكرة التّقسيم إلى دولتين (سوريّة ولبنان) في هذه الفترة لم تكن قد تبلورت، وبالتّالي فقد وقفت سلطات الانتداب بحزم ضدّ كلّ الأحزاب الّتي طالبت بالوحدة بين سوريّة، ولبنان، أو حتّى عارضت فكرة التّقسيم فقد اعتقل زعيم الحزب القوميّ السّوري أنطون سعادة هو ومساعديه لبضعة أسابيع عندما رفع مذكرة إلى المندوب السّامي طالب فيها بالوحدة السّوريّة اللّبنانيّة.
ونحن في هذا البحث لن نعمد إلى تواريخ الأحزاب السّوريّة كلّ على انفراد فما يهمّنا هو موقف سلطات الانتداب من هذه الأحزاب، وكيف حاولت إقصاءها لا سيّما الأحزاب ذات التّوجّه الوطنيّ البعيدة عن الفكر التّقسيميّ، ولكن لا بأس بذكر أسماء هذه الأحزاب.
حزب الشّعب: وهو أوّل الأحزاب الّذي أنشِئ في ظلّ الانتداب.
حزب الوحدة: وهو ثاني الأحزاب، وقد ضمّ مجموعة كبيرة من الموظّفين، وقد كان هذا الحزب ميّالًا للتّفاهم مع فرنسا.
حزب الاستقلال: وقد تأسّس إبان الحكم الفيصليّ، واستمرّ في فترة الانتداب، وكان معظم أعضائه امتدادًا للفترة الفيصليّة.
الكتلة الوطنيّة: برزت هذه الكتلة بعد انحلال حزب الشّعب عام ١٩٣٠م، ودعوة المندوب السّامي لإجراء انتخابات، وتشكيل مجلس تأسيسيّ.
كما أسلفنا فإنّ ما يهمّنا من هذه الأحزاب هو موقف حكومة الانتداب، ونكولها بكلّ الأقوال، والتّصاريح الّتي أصدرتها سابقًا، فحين جرت انتخابات الجمعيّة التّأسيسيّة عام ١٩٢٨م فازت الكتلة الوطنيّة فوزًا ساحقًا، وحين بدأت الجمعيّة التّأسيسيّة بوضع دستور للبلاد، ثبت لها أنّ فرنسا كانت تريد وضع دستور يطبّق فيه نظام الانتداب على ما فيه من سيطرة لفرنسا، وتجزئة للبلاد فحدث الصّدام بين الطّرفين، وتبيّن للكتلة الوطنيّة أنّ مسايرة المحتل أمر بغير محلّه.
عارض المندوب السّاميّ انعقاد الجمعيّة التّأسيسيّة بحجّة وجود ستّ مواد يجب التّفاهم حولها كونها تتناقض مع مبدأ الانتداب، وبدأت السّلطات الفرنسيّة التّنكيل بالوطنيّين، والأحزاب، وعمدت إلى إغلاق مكاتب الحركة الوطنيّة، وغيرها من الأحزاب الوطنيّة الأخرى، وعمّت الاضرابات عموم سوريّة، واتّسمت بالشّموليّة، والاستمرار حيث دام الإضراب ستّة أسابيع، ولم ينتج من ذلك سوى مزيد من الصّدامات، وسقط الكثير من الجرحى، والقتلى.
لم يكن التّضييق على الأحزاب، والقوى الوطنيّة شيئًا جديدًا على الشّعب السّوري، فقد تبيّن لهم بالممارسات الحقيقيّة لسلطات الانتداب، أنّ كلّ ما فعلته فرنسا من إجراءات، وانتخاب مجالس، وغيرها ليس إلّا شكلًا صوريًّا فهذه المجالس لا تملك أيّ قوّة اتّجاه قرارات التّعطيل، أو التّأجيل الّتي تصدر عن المندوب السّامي الفرنسيّ، وبالتّالي فإنّ هذه المجالس شكليّة لا قيمة لها.
ويمكن أن نقول إنّ فرنسا في سوريّة قد واجهت من المقاومة، والصّمود ما لم تكن تتوقّعه، فهي منذ اللّحظة الأولى دخلت دمشق على أثر معركة تكبّدت فيها خسائر فادحة، واستمرّ النّضال المسلّح، والسّياسي جنبًا إلى جنب حتّى حصلت سوريّة على استقلالها على الرّغم من كلّ ما مارسته سلطات الانتداب من قمع، وملاحقة، وتضييق.
تأثّرت سوريّة بالأزمة الاقتصاديّة الموجودة أصلًا، وذلك نتيجةً طبيعيّةً للحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨م)، وما زاد الطّين بلّة هو وقوع سوريّة بعد الحرب تحت الانتداب الفرنسيّ، ولعلّ أهمّ الأبعاد السّلبيّة لهذا الانتداب هو البعد الاقتصاديّ.
لا يخفى على الباحثين أنّ فرنسا كانت تنظر باهتمام إلى سوريّة، وبلاد الشّام منذ بدء الثّورة الصّناعيّة في أوروبا، وما معاهدة ١٥٣٥م، وحملتها على مصر، وبلاد الشّام إلّا جزءًا من ذلك، وفي بيان صدر عن رئيس الوزراء الفرنسيّ بوانكاريه عام ١٩١٢م «لست بحاجة إلى القول، بأنّ لنا مصالح تقليديّة في سوريّة، ولبنان على وجه الخصوص، وإنّنا مصمّمون على حمل الجميع على احترام هذه المصالح».
عمدت فرنسا منذ سيطرتها الفعليّة على سوريّة إلى ربط الاقتصاد السّوريّ بالاقتصاد الفرنسيّ، وذلك بجملة من الإجراءات، بدأتها بالنّقد السّوري، وربطه بالفرنك الفرنسي، وقد أوجدت في سوريّة شركات أجنبيّة بدل الشّركات الوطنيّة، وجعلت هذه الشّركات ترتبط مباشرة بالعاصمة باريس ممّا سبّب نقصًا كبيرًا في الشّركات الوطنيّة السّوريّة.
وقد قامت سلطات الانتداب بمنح امتيازات لعدّة شركات أجنبيّة، وقد كانت هذه الشّركات تستثمر رؤوس الأموال الفرنسيّة بما يعود بالنّفع الخاصّ على مالكيها، وليس
على المجتمع السّوريّ، كم أنّ الفرنسيّين لم يفسحوا المجال لقيام صناعات وطنيّة على الرّغم من التّطوّر الصّناعيّ الكبير الموجود في فرنسا، وذلك بهدف نهب خيرات البلاد، وإبقاء اقتصادها رهنًا لاقتصاد الدّولة المستعمرة.
لم يستكن السّوريّون لمحاولات ضرب اقتصادهم، وقاوموا بكلّ ما يملكون من وسائل سياسة المستعمر الاقتصاديّة، وقد دلّت العرائض، والبيانات المقدّمة على وعي عالي المستوى لهذا التّهديد الدّاهم، ونذكر هنا على سبيل المثال ما جاء في لائحة المطالب الّتي قدّمها وفد دمشق للجنرال سراي شارحين فيها عن حال الاقتصاد السّوريّ، وما آل إليه نتيجة السّياسة الفرنسيّة في سوريّة «حصلت بعض الشّركات الأجنبيّة ذات الامتياز على امتياز لاستثمار موارد البلاد، ومنعت الحكومات الوطنيّة من فرض رقابتها على هذه الشّركات، وحصرت المفوضيّة العليا لنفسها حقّ منح الامتياز للشّركات الأجنبيّة الجديدة، ولما كانت معاهدة لوزان قد أوجبت تحديد الامتيازات المعطاة للشّركات الأجنبيّة بصورة تلائم مصلحة البلاد الاقتصاديّة، لذا نأمل وضع هذه الشّركات تحت سلطة، ورقابة الحكومة الوطنيّة بموجب نظام خاصّ تضعه هذه الحكومة للاستثمارات الأجنبيّة»، وقد ذكر في نصّ الوثيقة كلًّا من خطّ حديد الحجاز، والبنك السّوري، والأوقاف، وكذلك الآثار، والجمارك، وغيرها.
ويبدو إنّ نظام الإشراف الفرنسيّ على هذه الشّركات، وحصر تبعيّتها لسلطات الانتداب كان الإجراء الأكثر خطورة من بين كلّ الإجراءات الأخرى فهو سمح لهذه الشّركات بطريقة، أو بأخرى أن تكون دولة داخل دولة. إذ إنّه ليس من صلاحيّات أحد في الحكومات السّوريّة أن يسأل هذه الشّركات عن أيّ ممارسة تقوم بها، وهو ما يشير إليه النّصّ السّابق صراحة.
ولا يخفى هنا الدّور الّذي قام به بعض ضعفاء النّفوس من أعضاء الحكومة، أو من غيرهم من التّجّار بمشاركة هذه الشّركات، وذلك للتّغطية على ممارساتها، ولزيادة الكسب الشّخصيّ.
وفي كلّ الأحول فقد تجلّى العامل الاقتصاديّ بوجهه المشؤوم واضحًا للسّوريّين، ومدى تأثيره على مستقبله، ومستقبل بلدهم.
حاولت سلطات الانتداب جاهدة أن توضّح للسّوريّين أنّها جاءت إليهم لتنقذهم من ظلم العثمانيّين، وجورهم، ولتأخذ بيدهم إلى الرّقيّ، والحضارة، ولكن هذا الأمر لم يخف على السّوريّين، وقد تبيّن لهم بوقت قصير أنّهم استبدلوا محتلًّا بآخر، وربّما هو الوجه الجديد للنّهب، واحتكار الثّروات، وسرقتها تحت مسمّى الانتداب، فما هي إلّا فترة قصيرة حتّى عانى السّوريّون الأمرين من الفقر، والفاقة، والمرض، وذلك لجملة من الأسباب نذكر منها غياب الشّباب الّذين استشهدوا في ساحات القتال، وتشريد آلاف العائلات بسبب تهدّم منازلها، هجرة الكثير من أبناء الوطن إلى الخارج.
لم تكن المعاناة المذكورة وليدة الجهل بالإدارة لدى سلطات الانتداب، ولكن كان في الأمر شيئًا مقصودًا، فقد اتّبع الفرنسيّون نظامًا اقتصاديًا استنفد ثروة سوريّة بما ابتدعه من نفقات زائدة، وعجّل في تشديد الأزمة الاقتصاديّة، وأسرف الفرنسيّون في استخدام المستشارين، والموظفين الفرنسيّين برواتب ضخمة جدًّا، وتعويضات، وحوافز تفوق قدرة الميزانيّة المحلّيّة.
لقد كان للإدارة الفرنسيّة أثرًا سلبيًّا كبيرًا، وبخاصّة في المجال الاقتصاديّ، وما ابتدعته من ضرائب لا تخدم الاقتصاد، وفتحت أسواق البلاد أمام البضائع الأجنبيّة الّذي كان لها
بالغ الأثر على الصّناعة السّوريّة، وحاربت الشّركات، والتّصنيع الوطنيّ.
يمكننا القول أنّ الأثر السّلبيّ للإدارة الفرنسيّة في سوريّة هو من أكثر الأمور ملاحظة خلال فترة الانتداب، لا سيّما في المجال الاقتصادي، لأنّ أسباب المعيشة تلامس السّكان بشكل مباشر، وهو الأمر الّذي لا يكاد يغفله أيّ دارس للتّاريخ السّوري في هذه الفترة فهذا هو الباحث الاقتصادي منير الشّريف يحلّل أسباب العجز التّجاريّ السّوريّ بقوله: «كانت قضيّة الملكيّة الزّراعيّة في مهبّ الرّيح، ولذا فإنّ الإنتاج الزّراعيّ كان تافهًا، والإنتاج الصّناعيّ كان معدومًا، وهذا ما أكثر من المستورد، وقلّل من المصدر».
أعاقت السّياسة الفرنسيّة التّنمية الاقتصاديّة بمختلف أشكالها الزّراعيّة، والتّجاريّة، والصّناعيّة، حيث عجّلت سياسة الباب المفتوح بخراب الحرف التّقليديّة، وإضعاف المنتج الوطنيّ السّوريّ، ولم تتّخذ السّلطات الفرنسيّة أيّ إجراء لتلافي هذا الخطر، ولم تتجاوز الإجراءات، والخطط الحيّز النّظريّ.
تحتاج دراسة الأثر السّلبيّ للإدارة الفرنسيّة في سوريّة إلى بحث متكامل في كلّ جوانبه السّياسيّة، والاقتصاديّة، والمجتمعيّة، ولكن للأسف تجد هناك من يكتب عن الفترة الفرنسيّة في سوريّة كما لو كانت الفتح المنتظر على الرّغم من كلّ ما وجدناه من سوء هذه الإدارة.
دخلت فرنسا سوريّة على خلفيّة الحرب العالميّة الأولى، وخرجت على خلفيّة الحرب العالميّة الثّانية، ولكنّها فيما بين هاتين الحربين لم تستطع ترويض المجتمع السّوريّ، ولا أن تقنعه بقبول وجودها على الأرض السّورية، وقد واجهت العمل العسكري منذ اللّحظة الأولى للدّخول (معركة ميسلون)، وقد واجهت السّلطات الفرنسيّة مقاومة عنيفة من
السّوريّين الّذين استنكروا وجودهم فهبت الثوّرات في كلّ أرجاء سوريّة لمقاومة المحتلّ، ومحاولة إخراجه من الأرض السّوريّة، ولكنّ التّفاوت في العدد، والعدّة بين المقاومين، والمحتلّين جعل الغلبة للفرنسيّين في بادئ الأمر.
انتقل النّضال التّحرّري السّوريّ إلى المرحلة السّياسيّة الّذي قادته الكتلة الوطنيّة، والّذي انتهى بالاستقلال، وذلك بعد جهاد طويل ضدّ المحتلّين الفرنسيّين، ويمكننا القول إنّ حجم الخسائر الّتي منيت بها فرنسا في سوريّة الّذي كان لها أثرٌ سلبيٌّ كبيرٌ حتّى أصبحت مثار نقاش في البرلمان الفرنسيّ نفسه «كان الرّاديكاليّون، والاشتراكيّون في مجلس النّواب الفرنسيّ قد انتقدوا ميزانيّة الحربيّة الفرنسيّة، والسّياسة المتّبعة في سوريّة، وطلبوا أن يكفّ المموّلون الفرنسيّون عن دفع الملايين من الفرنكات سنويًّا لاحتلال سوريّة، وأكّدوا أنّه خير لهيبة فرنسا، ونفوذها أن تنفق هذا المال في سبيل الأبحاث العلميّة، وأن يعترف بحقّ السّوريّين في طلبهم للحكم الذّاتيّ».
لم تستطع فرنسا على ما يبدو إدراك الحقائق على الأرض فهي فور دخولها سوريّة شكّلت حكومة سوريّة حكمت بشكل صوريّ، وسارعت في الوقت نفسه إلى تشكيل بعثة انتدابيّة جعلتها النّاظم الحقيقيّ لجميع السّلطات، والأعمال الحكوميّة، والتّشريعيّة.
لم تجن فرنسا من سياستها الاستعماريّة في سوريّة سوى مشاعر الكراهيّة من الشّعب السّوريّ اتّجاه المحتلّ الفرنسيّ، ولم تستطع البقاء في هذه البلاد الّتي ما تعوّدت الاستكانة للمحتلّين عبر التّاريخ، وكما كلّ القوى المحتلّة في التّاريخ لم تجنِ سوى الهزيمة، والعار، والأيدي الملطّخة بالدّماء.
يتّضح ممّا سبق، وبما لا يقبل الشّكّ بأنّ الإدارة الفرنسيّة في سوريّة، وإن اختلفت أوجهها، وادّعاءاتها، فإنّها لم تكن إلّا قوّة احتلال بكلّ ما تعنيه الكلمة بغضّ النّظر عن تعدّد المصطلحات، ولا سيّما مصطلح (الانتداب)، وقد خلص البحث إلى النّتائج التّالية:
فشل السّياسة الفرنسيّة المعلنة في الأخذ بيد سوريّة، لتصبح في مصاف الدّول المتحرّرة (سياسة الانتداب).
عارضت فرنسا، وقمعت كلّ التّيّارات الوطنيّة، والتّحرّريّة في سوريّة، ولاحقت الوطنيّين السّوريّين.
قامت بتقسيم سوريّة إلى دويلات على أسس طائفيّة، ومذهبيّة، الأمر الّذي ينافي الواقع السّوريّ، وبدا كأنّه حال نشاز على الواقع المجتمعيّ.
محاولة إقصاء الحكومة السّوريّة الشّرعيّة الّتي ادّعت الوصاية عليها في ممارسة حقّها الطّبيعيّ في الإدارة، وإلغاء الكثير من قراراتها، أو تعليقها.
اّتبعت فرنسا سياسة اقتصاديّة، ونقديّة مدمّرة، ولا سيّما ربط العملة السّوريّة بالفرنك الفرنسيّ.
بقي أن أشير إلى أمر واحد، وهو أنّ الاستعمار مهما تزيّا بأزياء متباينة تبقى صورته الحقيقيّة هي النهّب، والسّيطرة، وإذلال الشعوب.
(334)
1.أمين، سعيد، تاريخ الاستعمار الفرنسي والإيطالي في بلاد العرب، القاهرة، ١٩٣٦م.
2.إيريك، هوبزباوم، عصر التطرفات، القرن العشرون الوجيز (١٩١٤-١٩٩١م)، ترجمة: فايز الصباغ، مؤسسة ترجمان مركز دراسات الوحدة العربية.
3.حسن، الحكيم، الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السوريّة في العهدين العربي الفيصلي والانتداب الفرنسي، (١٩١٥-١٩٤٦م)، دار صادر، بيروت، ١٩٧٤م.
4.ستيفن، همسلي، سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، دار الحقيقة، بيروت، ط١، ١٩٧٨م.
5.سلامة، عبيد، الثورة السوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م) على ضوء وثائق لم تنشر، دار الغد، بيروت، ١٩٧١م.
6.سليم، ريان محمد رجائي، سياسة الانتداب الفرنسي في سوريّة، رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، ١٩٧٢م.
7.الشريف، منير، تطور الاقتصاد السوري الحديث، دار الجبل، دمشق، ط١، ١٩٨١م.
8.عبد الرحمن، الكيالي، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني، مطبعة الضاد، حلب، ١٩٥٨م.
9.عبد الرحيم، فريحات حكمت، السياسة الفرنسية تجاه الثورة العربية الكبرى، (١٩١٦- ١٩٢٠م) دار الراتب الجامعية، عمان.
10.عبد الله، حنا، ملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي ونضالهم في القطر العربي السوري، دار البعث، دمشق، ١٩٨٤م.
11.عزيز، درويش باسل، الإدارة في سوريّة تحت الانتداب الفرنسي (١٩٢٢-١٩٤٦م) رسالة ماجستير، إشراف: عبد الخالق محمد لاشين، جامعة عين الشمس، لم تنشر.
12.علي، اسماعيل حكمت، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م) دار طلاس، دمشق، ط١، ١٩٩٨م.
13.كنج، أبو راس فؤاد، الانتداب الفرنسي ويوميات الثورة السوريّة الكبرى، دار رسلان للطباعة والنشر، ط١، ٢٠٠٣م.
14.مصطفى، الشهابي، محاضرات في الاستعمار، معهد البحوث والدراسات العربية العالمية، القاهرة، ١٩٥٧م.
15.المعلم، وليد، سوريّة التحدي والمواجهة (١٩١٨-١٩٥٨م)، مطبعة عكرمة، دمشق، ط١، ١٩٥٨م.
16.ــــــــــــــ، سوريّة الطريق إلى الحرّيّة (١٩١٦-١٩٤٦م)، دار طلاس، دمشق، ط١، ١٩٨٨م.
17.منير، الحمش، اقتصاديات التجارة الداخلية في سوريّة منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي.
18.منير، الشريف، قصّة الأرض في سوريّة، دمشق، وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ١٩٦١م.
19.نضال، الكاج، دمشق خلال فترة الانتداب الفرنسي، (١٩٢٠-١٩٤٦م) أطروحة ماجستير، إشراف: د. محمود علي عامر، جامعة دمشق، ٢٠٠٦م.
20.المجلّات والدوريات
21.مجلة الدفاع الوطني: العدد ٨٩٨، أيلول، ١٩٢٨م.
1.ALVAREZ, Ignacio - ALVARIرO, Ossorio, la herencia colonial en la siria actual: fracturas sociales e implicaciones polيticas, Universidad de Alicante, Miscelلnea de estudios لrabes y hebraicos. Secciَn ءrabe-Islam, ISSN 1696- 5868, Vol. 69, 2020.
2.GUTIةRREZ DE TERءN, Ignacio. Estado y confesiَn en Oriente Medio: el caso de Siria y Lيbano. Religiَn, taifa y representatividad. Madrid: Cantarabia/ UAM, 2003.
(336)
ربيع يوسف عثمان
تأثّر المجتمع السّوري بالسّياسات الاستعماريّة الفرنسيّة الّتي انتهجتها السّلطات الفرنسيّة في سوريّة أعقاب احتلالها البلاد في عام ١٩٢٠م، وقد ارتكزت تلك السّياسات على محاولة ربط البلاد، والمجتمع السّوريّ بالثّقافة الفرنسيّة، وفرض سياسيّة الفرنسة على مختلف الصّد الإداريّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة حيث أدَّى الحكّام الفرنسيّون في سوريّة دورًا مؤثّرًا في الحياة الاجتماعيّة السّوريّة، وتجلّى ذلك في الأثر الكبير الّذي خلّفه الاستعمار الفرنسيّ على التّركيبة السّكّانيّة، والاجتماعيّة السّوريّة عبر محاولة تقسيم البلاد إلى دويلات صغيرة على أسس طائفيّة وعرقيّة، كما حاولت السّلطات الفرنسيّة طبع بعض الجوانب الاجتماعيّة في سوريّة بالطّابع الفرنسيّ كالقطاع الصّحّيّ، والتّعليميّ من خلال فرض النّظام الصّحّيّ، والتّعليميّ الفرنسيّ في سوريّة حيث كان الهدف الفرنسي من تلك السّياسات فرض السّيطرة الكاملة على سوريّة، ومقدّراتها، وإمكاناتها كافّة.
لمحة عن الأوضاع الاجتماعيّة في سوريّة قبيل الاحتلال الفرنسي
تأثّرت الحياة الاجتماعيّة في سوريّة في أواخر القرن التّاسع عشر، وبدايات القرن العشرين بالتّطوّرات السّياسيّة الّتي شهدتها المنطقة في تلك المرحلة التّاريخيّة الهامّة
من تاريخ سوريّة الحديث، فانعكس ذلك على الواقع الاجتماعيّ للسّكّان المحليّين حيث انقسم المجتمع المحلي إلى طبقات اجتماعيّة متعدّدة كان على رأسها الطّبقة الحاكمة الّتي كانت تشمل الولاة، وكبار الموظّفين، وضبّاط الجيش العثمانيّ، والموظّفين الحكوميّين، بالإضافة إلى ممثّلي السّلطة الدّينيّة كالقضاة، والمفتين، فضلًا عن أعيان المدن، ووجهائها.
وضمّت الطّبقة الثّانية الفئات المحكومة من العامّة كصغار التّجار، والحرفيّين، والفلّاحين الّذين لم يكن لهم أيّ دور، أو مشاركة فعليّة في السّلطة، ولكن ما ميّز هذه الطّبقة، وبخاصّة الحرفيّين منهم وجود نظام خاصّ بهم، ومستقلّ يعرف باسم الطّوائف الحرفيّة الّتي أدَّتت دورًا مهمًّا في تنظيم عمل الحرفيّين، وعلاقتهم بالسّلطة، لكن مع نهايات الحكم العثماني تراجع دور هذا التّنظيم متأثّرًا بعدّة عوامل أهمّها: الأزمات الماليّة الّتي عاشتها الطّوائف الحرفيّة بسبب المنافسة الشّديدة مع البضائع الأوروبيّة الّتي غزت في الأسواق المحلّيّة بعد قيام الثّورة الصّناعيّة، وازدهارها في أوروبا.
عانى المجتمع المحلّي في سوريّة في نهايات الحكم العثماني من عدّة أزمات، واضطرابات اجتماعيّة سببها ترّدي الأحوال الاقتصاديّة لمختلف طبقات المجتمع بسبب ضعف الدّولة العثمانيّة، وازدياد النّفوذ الأجنبيّ في مختلف الولايات العثمانيّة، وبخاصّة بلاد الشّام، وهذا ما ساعد الدّول الأوروبيّة على تحقيق أطماعها الاستعماريّة في المنطقة لاحقًا عبر التّغلغل بين مختلف الفئات المجتمع للحيلولة دون حدوث نهوض اقتصاديّ، والعمل على نشر التّخلّف، والفساد في المجتمع لتسهيل السّيطرة على البلاد.
حافظ المجتمع السّوريّ قبيل الاحتلال الفرنسيّ على العادات، والتّقاليد، والأعراف المتّبعة في المناسبات العامّة كالزّواج، والأعراس، والمناسبات الدّينيّة كالاحتفال بالأعياد الدّينيّة الإسلاميّة كالمولد النّبويّ، وعيد الفطر، والأضحى، وبعض الأعياد، والمناسبات
الخاصّة بالمسيحيّين كعيد الميلاد، وعيد الفصح، وما يرافق تلك المناسبات الدّينيّة من مظاهر، وعادات، كما كان يجري الاحتفال ببعض المناسبات المدينة الّتي كانت تقام بمناسبة جلوس أحد السّلاطين العثمانيّين على كرسي الحكم، وأيضًا الاحتفال بخروج، وعودة قافلة الحجّ الشّامي من الدّيار المقدّسة في الحجاز.
كما بقيت المرأة السّوريّة في تلك المرحلة ضمن أطرها التّقليديّة ملتزمة بيتها، وبعيدة كلّ البعد عن الشّأن العام من العمل، وتحصيل العلم، باستثناء بعض الحالات القليلة نتيجة الاختلاط، والتّأثّر بحياة بعض الجاليات الأوروبيّة الّتي أقامت في المدن السّوريّة الكبرى. أمّا فيما يتعلّق بالعنايّة، والخدمات الصّحّيّة فقد ساد في المجتمع السّوريّ الطّبّ التّقليديّ المتعارف عليه منذ عدة عقود، لكن في نهايات الحكم العثماني تمّ بناء بعض المستشفيات، والبيمارستانات، وبخاصّة في المدن الكبرى كدمشق، وحلب، كما حافظ التّعليم على تقاليده الخاصّة المتّبعة منذ عدّة قرون حيث وجد التعليم الدّينيّ المتّبع في حلقات التّعليم في المساجد، والّتي تركّز على العلوم المرتبطة بالدّين الإسلامي الحنيف، فضلًا عن مبادى القراءة، والحساب، لكن ذلك لم يمنع من انتشار المدراس الحكوميّة، وبخاصّة إبّان تسلم الوالي مدحت باشا الحكم في ولايّة دمشق الّذي أظهر اهتمامًا كبيرًا بالتّعليم، وتجلّى ذلك في تأسيس عدد كبير من المدارس، وبخاصّة المدارس التّخصّصيّة الّتي تعنى بتدريس فرع من اختصاص علمي محدّد.
تأثّرت التّركيبة الاجتماعيّة، والسّكانيّة في سوريّة بممارسات السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في البلاد، ولعلّ أفضل الوثائق الّتي توضّح أثر الاستعمار الفرنسيّ على التّركيبة السّكّانيّة، والبنى الاجتماعيّة في سوريّة البرقيّات السّرّيّة المتبادلة بين الرّئيس الفرنسيّ ميلران، والجنرال غورو خلال الفترة بين ٦ إلى ٢٣ من شهر آب عام ١٩٢٠م، حيث تقدّم هذه المناقشات مادّة غنيّة تساعد الباحثين في فهم أشكال التّعامل الاستعماريّ الفرنسي مع البنى الاجتماعيّة، والسّكّانيّة السّوريّة، وكيفيّة استخدام خصوصيّات المجتمع السّوري في خدمة الأجندة الاستعماريّة الفرنسيّة في سوريّة التي كانت تهدف إلى وضع كامل البلاد في القبضة الاستعماريّة الفرنسيّة.
كانت وجهة الرّئيس ميليران أنّه يجب تقسيم سوريّة إلى مجموعة من الدّويلات الّتي يمكن أن تشكّل أجزاء من الفدراليّة السّورية المقترحة، أو وحدات مستقلّة عنها حيث راهن المستعمر الفرنسيّ على التّنوّع الدّينيّ، والعرقيّ في سوريّة في محاولة للاستفادة منه في فرض سيطرته على البلاد، معتبرًا أنّ لكلّ منطقة سوريّة خصوصيّة، وطابع خاصّ يميّزها عن المناطق الأخرى، لذلك عمد إلى تقسيم سوريّة إلى دويلات على أسس طائفيّة، وعرقيّة حيث اعتبر العلويّين المقيمون في المنطقة السّاحليّة الجبليّة يشكّلون جماعة دينيّة مرتبطة نظريًّا بالإسلام، لكنّها في الواقع منفصلة عنه تمامًا، لذلك حاول الفرنسيّين ترويج هذه الفكرة لإبعاد هذه الفئة عن الارتباط، والاندماج بالمسلمين السّوريّين مستخدمين عدَّة طرق. كذلك الأمر مع منطقة جبل العرب حيث يشكّل الدّروز
النّسبة الغالبة من السّكان، فعمد المستعمر الفرنسيّ إلى اتّباع الأساليب ذاتها الّتي طبّقها في منطقة السّاحل في محاولة لإبعاد المنطقتين، وسكّانهما عن أي روابط قد تربطهم مع بقيّة أفراد الشّعب السّوريّ في بقيّة المناطق السّورية.
لذلك تمّ الإعلان عن قيام دولة العلويّين في أوّل من تموز عام ١٩٢٢م والّتي تألّفت من لواء اللّاذقيّة القديم، بما فيه أقضيّة صهيون، وجبلة، وبانياس، وقضاء حصن الأكراد، وصافيتا، وناحية طرطوس، وقضاء مصياف من أعمال حماة. كما أعلنت دولة جبل الدّروز في ٢٠ نيسان ١٩٢١م، وأنشئت فيها حكومة برئاسة سليم الأطرش بعد المؤتمر الّذي عقده الدّروز في ٢٠ كانون الأوّل ١٩٢٠م، وأعلنت دولة حلب في ٨ أيلول ١٩٢٠م، ودولة دمشق في ٣ كانون الأوّل العامّ نفسه.
كما شهدت سوريّة خلال فترة الانتداب الفرنسيّ موجات هجرة عديدة إليها بتأثير الظّروف الدّوليّة، والإقليميّة الّتي فرضتها التّطوّرات السّياسيّة في المنطقة الّتي كان للاستعمار الفرنسيّ دور مؤثّر فيها كموجات الهجرة الأرمنيّة الثّانية في أعقاب توقيع اتّفاقيّة أنقرة عام ١٩٢١م بين تركيا، وفرنسا باعتبارها الدّولة المنتدبة على سوريّة الّتي نصّت على تسليم الفرنسيّين للأتراك مناطق واسعة في الشّمال السّوري حيث قامت الأقليّات الموجودة في تلك المناطق بالهجرة منها، على الرّغم من إصدار الجنرال غورو بيانًا مطوّلًا إلى سكان كيليكيا، وعينتاب، وكلس، وغيرها من تلك المناطق يدعوهم إلى عدم الهجرة من تلك المناطق الّتي ستسلّم إلى الحكومة التّركيّة حيث إنّ الأخيرة ملتزمة بموجب ذلك الاتّفاق بضمان حقوق الأقلّيّات بموجب اتّفاقيّة بويون، لكن تلك الأقلّيّات لم تعر أيّ اهتمام لذلك البيان، وبخاصّة الأرمن الّذين لهم تجارب مريرة مع الأتراك في السّابق، فقام حوالي ٣٠ ألف أرمني بالجلاء عند تلك المناطق، والتّوجّه إلى سوريّة ولبنان.
حاولت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة استخدام الأرمن القادمين إلى سوريّة من مناطق كيليكيا، واستثمارهم في زراعة القطن نظرًا للخبرات الكبيرة الّتي كانوا يمتلكونها في هذا المجال، وبخاصّة في ظلّ ارتفاع وتيرة ما أطلق عليه في تلك المرحلة بحمى القطن في سوريّة لدى السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة، والتّفكير في تحويل سوريّة إلى مزرعة للقطن في الشّرق. وقد قدّر المؤرّخ الحلبي الشّيخ كامل الغزي أعداد الأرمن المهجّرين الّذين توافدوا إلى حلب في نهايات الحكم، والعثماني، وبدايّة الوجود الفرنسيّ في سوريّة بحوالي ٦٠ ألف في حين قدّر أعداد المهجّرين السّريان القادمين من مناطق ماردين، وأطرافها بحوالي ١٠ آلاف مهجر، الأمر الّذي كان نتائج إيجابيّة، وسلبيّة على الوضع العامّ في سوريّة في ظلّ توافد تلك الأعداد الكبيرة من المهجّرين خاصّة في ظلّ تفاقم أزمة عقاريّة كبيرة، ومزاحمة الوافدين الجدد للعمال في سوريّة حيث كانوا يقبلون بأيّ عمل، وأيّ أجر بسبب حاجتهم إلى الأموال لتأمين متطلّبات حياتهم اليوميّة.
وعلى الرّغم من المشكلات العديدة الّتي خلقتها عمليّة استيعاب المهاجرين الجدد الّتي كانت معظمها ماليّة، وسكنيّة بالدّرجة الأولى، لكن السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة خشيت من حدوث اضطرابات، وتوتّرات بين السّكان المحلّيّين، والمهاجرين الجدد يمكن أن تنعكس سلبًا على الوجود الفرنسي في سوريّة خاصّة في ظلّ السّياسات الّتي انتهجتها السّلطات الفرنسيّة، والقائمة على محاولة تغير التّوازنات التّركيبيّة الأثنيّة، والعرقيّة، والسّكّانيّة في سوريّة عبر منح مزايا عديدة للمهاجرين المسيحيّين، وتوطينهم في المدن الكبرى لموازنة الأكثريّة المسلمة المعادية للانتداب الفرنسيّ على سوريّة، لذلك اقترح الجنرال الفرنسي ويغان في عام ١٩٢٤م على السّلطات التّركيّة تنظيم الهجرة عبر عقد اتّفاق لتبادل السّكان بين مسيحي كيكليكيا، وأتراك اسكندرون على غرار الاتّفاق الّذي كان قد عقده الأتراك مع اليونانيّين في كانون الثّاني علم ١٩٢٣م، لكنّ الحكومة
التّركيّة رفضت ذلك الاقتراح حيث كان لها أطماع في اسكندرون، وكانت تتبع سياسيّة تقوم على تعزيز الوجود التّركي في اللّواء، كما أنّها لم تكن مضطرّة لعقد مثل ذلك الاتّفاق بعد نجاحها في دفع المهجرين المسيحيّين من الأرمن، والسّريان إلى ترك مناطقهم طوعًا، أو كرهًا.
اقترحت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في سوريّة بعد الرّفض التّركي للمقترح الفرنسيّ السّابق على الحكومة الفرنسيّة في باريس ثلاثة حلول للخروج من المعضلات، والمشاكل الّتي خلّفتها الموجات الجديدة من المهاجرين المسيحيّين الوافدين من تركيا إلى سوريّة، حيث كان الأوّل يقضي بترحيل عدد مماثل من الأتراك المقيمين في سوريّة يوازي عدد المهاجرين القادمين، أمّا الحلّ الثّاني، فكان يقضي بطرد المهاجرين، وإعادتهم قسرًا إلى تركيا، فيما قضى الحلّ الثّالث برصد اعتمادات ماليّة كافية لاستيعاب المهاجرين، لكن الحكومة الفرنسيّة لم تعتمد على أيّ حلّ من الحلول الثّالثة المطروحة، ممّا أجبر السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في سوريّة على استيعاب المهاجرين ضمّ الإمكانات الماليّة المتاحة، والاعتماد عليهم في توسيع، وزيادة عدد الوحدات العسكريّة المحلّيّة الخاصّة، والاستفادة من مهارتهم، وخبرتهم في رفع، ونموّ الاقتصاد السّوريّ.
كما عرفت سوريّة في أعقاب سلخ لواء اسكندرون، وضمّه إلى تركيا موجات هجرة جديدة من سكّانه العرب إلى مختلف المدن السّورية، فعلى الرّغم من أنّ صكّ الانتداب يجبر الدّولة المنتدبة على المحافظة على سلامة، ووحدة أراضي الدّولة المنتدبة عليها، كما أكّدت ذلك المعاهدة الفرنسيّة السّوريّة الّتي تم عقدها في عام ١٩٣٦م، والّتي لم تطبّق على أرض الواقع بعد سقوط حكومة الجبهة الشّعبيّة الفرنسيّة الّتي كان يرأسها ليون بلوم، حيث قام مجلس الشّيوخ الفرنسي برفض المصادقة على المعاهدة بحجّة الظّروف
الدّوليّة المستجدّة، المتمثّلة في ظهور بوادر حرب عالميّة جديدة، لكن واقع الحال كان عكس ذلك حيث هدفت الحكومة الفرنسيّة إلى استقطاب الحكومة التّركيّة إلى جانبها في الحرب المقبلة، لذلك تمّ إثارة قضيّة لواء اسكندرون من قبل الحكومة التّركيّة عبر وزير خارجيّتها توفيق رشدي أراس في اجتماع مجلس عصبة الأمم في جنيف ٢٦ أيلول عام ١٩٣٦م، مطالبًا الحكومة الفرنسيّة الدّخول في مفاوضات لمناقشة قضيّة اللّواء الّذي يضم حسبه زعمه أكثريّة تركيّة، ليرد ممثّل فرنسا في عصبة الأمم أنّ الحكومة الفرنسيّة مستعدّة للمفاوضة ضمن اتّفاقيّة أنقرة عام ١٩٢١م، وفي النّهايّة تمكّنت تركيا من انتزاع اللّواء، وضمّه إليها بسبب تواطئ السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة، في المقابل شهدت سوريّة حركتي هجرة، ونزوح خارجيّتين بخاصّة في عشرينات، وثلاثينيات القرن العشرين باتّجاه الولايات المتّحدة الأمريكيّة، والبرازيل، والأرجنتين بتأثير الظّروف الاقتصاديّة الصّعبة في ظلّ السّياسات الاستعماريّة الفرنسيّة في البلاد، وكان أغلب المهاجرين من المسيحيّين.
تأثّرت ظواهر التّحديث، والتّغريب الّتي بدأت بالانتشار داخل المجتمع السّوري في أعقاب فرض الانتداب الفرنسي على البلاد بالمؤثّرات الفرنسيّة المباشرة، وبخاصّة في المدن الكبرى الّتي كانت أكثر تأثّرًا من المناطق الرّيفيّة، وقد حاولت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة عند قدومها إلى سوريّة أن تعطي انطباعًا عامًّا لدى المجتمع
السّوري بشكل عامّ بأنّ الأهداف الاجتماعيّة الرّامية إلى تحقيقها في البلاد، والمتمثّلة في تطوير، وتحديث لمجتمع، والاقتصاد السّوريّين بموجب التّفويض الممنوح لها من عصبة الأمم لا يمكن أن تتحقّق إلّا من خلال فرض سيطرتها الكاملة على القرار السّياسيّ، والاقتصادي، والاجتماعي، والثّقافي في البلاد.
اعتمدت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في محاولة تغريب المجتمع السّوريّ منذ بدايات الانتداب الفرنسيّ على عدّة وسائل أهمّها استخدام الموظّفين، والإداريّين الفرنسيّين في الدّوائر الحكوميّة في البلاد، يضاف إلى ذلك اعتمادها على الموظّفين السّابقين الّذين كانوا موجودين في السّلطة، وفي الدّوائر الحكوميّة في البلاد منذ الحكم العثماني ذوي الميول إلى الثّقافة الغربيّة، كما قامت باستخدام، وتوظيف الكثير من الموظّفين السّوريين ذوي الثّقافة الفرنسيّة ممّن درسوا في مدراس البعثات التّبشيريّة في السّابق حيث كان اعتقادهم أنّ العمل مع السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة قد يعجّل من عمليّة تحديث المجتمع المحلّيّ، للأخذ بالثّقافة الغريبة الغربيّة، وتطوّر مجتمعهم، كما أعادت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة افتتاح عدد كبير من مدراس البعثات التّبشيريّة الّتي كان قد أغلقها العثمانيّون أثناء الحرب العالميّة الأولى، كلّ ذلك في سبيل فرض الثّقافة الفرنسيّة الغربيّة على المجتمع السّوري.
ولعلّ من أبرز مظاهر تحديث، وتغريب المجتمع السّوري التّطوير الّذي طرأ على القطاع الصّحّي في سوريّة، حيث افتتح الفرنسيون منذ مطلع العشرينيّات من القرن الماضي عددًا كبيرًا من المشافي، والمستوصفات في مختلف أنحاء البلاد، كما قامت السّلطات الاستعماريّة باعتماد النّظام الفرنسي في القطاع الصحّي عبر إعادة ترتيب دوائر الصّحّة المحلّيّة، وزيادة عدد المراقبين الصّحيّين، ووضع لوائح لمراقبة، وتنظيم تجارة الأطعمة، وعمل المطاعم، والمدارس، وغيرها من المرافق الحكوميّة العامّة.
كذلك الأمر بالنّسبة للقطاع التّعليمي الّذي لقي اهتمامًا كبيرًا من السّلطات الفرنسيّة، لكن ذلك الاهتمام انصبّ بالدّرجة الأولى لخدمة أجندتها، ومصالحها الاستعماريّة في البلاد، فكان التّطوير، والتّحديث في هذا القطاع يجب أن يتوافق مع مصالح فرنسا في البلاد، فجرى بناء العديد من المدراس، والمرافق الخاصّة بالتّعليم، كما قامت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة بتدريب، وتأهيل الكوادر الفنيّة في البلاد على النّمط الغربي، معتمدة على الخبراء، والمستشارين الفرنسيّين الّذين كانوا يحصلون على رواتب عاليّة لقاء عملهم على رفع مستوى الكوادر المحلّيّة، فتمّ تخريج، وتأهيل عدد كبير من المهندسين، والفنّيّين السّوريّين الّذين تخرّج أغلبهم من المعهد الفرنسيّ للمهندسين التّابع للجامعة اليسوعيّة في بيروت. كما امتدّت محاولات السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة إلى تحديث، وتغريب المجتمع السّوري إلى قطاعات الإنتاج، فتمّ البدء بإدخال، واستخدام الآلات الزّراعيّة، والمعدّات الصّناعيّة اللّازمة في عمليّات الانتاج الزّراعي، وبعض الصّناعات الخفيفة الّتي تحتاجها السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة الّتي كان هدفها الأوّل، والأخير من عمليّات تحديث، وتطوير مختلف القطاعات الانتاجيّة في البلاد تحقيق مصالحها، ومراميها في سوريّة.
كان للمؤسّسات الدّينيّة، والبعثات التّبشيريّة الفرنسيّة نشاط كبير في سوريّة قبل الاحتلال الفرنسيّ عام ١٩٢٠م، وقد تعدّد نشاطاتها من التّعليميّة إلى تقديم بعض
الخدمات الاجتماعيّة، وبخاصّة في القطاع الصّحّيّ، حيث أقامت بعض تلك المؤسّسات منشآت للإسعاف، وتساعدها وزارة الخارجيّة الفرنسيّة، وازداد دور هذه المؤسّسات، ونشاطها في القطاع الصّحّي خلال الحرب العالميّة الأولى بعد طرد العثمانيّين، وأضحى لها مشفى خاصًّا في دمشق يدعى مشفى القدّيس لويس، فضلًا عن عدد كبير من المستوصفات الّتي انتشرت في مختلف المناطق السّوريّة في دمشق، وحلب، وحمص، وأنطاكيّة الّتي كان يتردّد عليها المرضى ذوو الدّخل المحدود للحصول على العلاج، وأخذ الأدويّة.
عانى القطاع الصّحيّ في سوريّة الكثير من الصّعوبات في ظلّ الإدارة العثمانيّة الّتي لم تكن تهتمّ بالحال الصّحيّة للسّكان، ولم تأخذ الإجراءات المناسبة لمكافحة الأمراض، والأوبئة السّارية الّتي كانت تفتك بالسّكّان، لكن الأمر اختلف مع وصول جيوش الحلفاء، وقوّات الثّورة العربيّة إلى سوريّة في تشرين الأوّل عام ١٩١٨م حيث عمد الحلفاء إلى تقديم بعض المساعدات، والخدمات الطّبيّة العاجلة، وتوزيع بعض الأدويّة لمكافحة الأمراض، والأوبئة، ونقص التّغذية الّتي انتشرت بين الأهالي بسبب الأوضاع، والظّروف الاقتصاديّة، والاجتماعيّة الصّعبة الّتي عاشتها البلاد خلال الحرب العالميّة الأولى بسبب الإجراءات العثمانيّة القاسية الّتي عمدت إلى مصادرة المؤن، والغلال، ووضعها، وتسخيرها في خدمة قوّاتها العسكريّة المتواجدة على جبهات القتال، لذلك قامت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في أعقاب السّيطرة الفرنسيّة على سوريّة بعد معركة ميسلون بإقامة، وإنشاء دوائر الإسعاف العام في سوريّة، وتنظيم دائرة الخدمات الصّحيّة، والإسعاف، وتمّ تطوير، وتوسيع مجال الدّائرة الصّحيّة في مختلف المناطق السّورية.
اهتمّت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة بالقطاع الصّحّي، فهي كانت تعتبر الحفاظ على الصّحّة العامّة للسّكّان، وإسعاف المرضى، والجرحى، والأطفال من أهمّ الأعمال
الّتي يجب أن تقوم بها السّلطات الفرنسيّة في جميع المستعمرات الخاضعة لسيطرتها، وتبعًا لهذه السّياسة ازداد خلال الانتداب الفرنسيّ في سوريّة عدد مستشفيات الحكوميّة، ومستوصفاتها، كما زاد حجم الإنفاق الحكوميّ على القطاع الصّحّي حيث كانت الموارد الماليّة المخصّصة لهذا القطاع تُجبى من موارد المحليّة للدّولة السّوريّة، وكان قسم كبير منها يذهب رواتبَ إلى الموظّفين، والقائمين على هذه القطاع، والّذين كان جلّهم من الفرنسيّين من الأطبّاء، والممرّضين، والإداريّين المشرفين على إدارة القطاع الصّحّي في سوريّة.
أقامت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة عددًا من المشافي، والمستوصفات في مختلف المدن السّوريّة، ففي دمشق أُصلح مشفى القدّيس لويس من قبل المفوضيّة السّاميّة الفرنسيّة، وأضحى فيه ١٠٠ سرير، كما تمّ رصد مبلغًا آخر لترميم المشفى المدنيّ، وأحدث مشفى في حمص يضمّ ٦٠ سريرًا، ومشفى آخر في حماه يضمّ ١١٠ سريرًا، ومشفى درعا يضمّ ٢٠ سريرًا، أمّا في حلب فقد قامت السّلطات الفرنسيّة بإكمال بناء مشفى أخوات القديس يوسف الّذي بدأ العمل بمخططه منذ عام ١٩١٤م، لكن ظروف الحرب، وما أعقبها من تغيّرات سياسيّة في سوريّة أخّرت عمليّة بنائه، ليتمّ افتتاحه في أواخر عام ١٩٢٠م، كما أعادت البعثات التّبشيريّة الفرنسيّة فتح مستوصفاتها الّتي كانت موجودة في سوريّة قبل الحرب.
كانت دائرة الصحّة، والاسعاف العامّ الّتي أنشأها المندوب السّامي الفرنسيّ بموجب القرار رقم (١) تاريخ ١٨ كانون الأوّل ١٩١٩م تابعة للمندوبيّة السّامية في دمشق، وقد عين الرّئيس الأعلى لدائرة الصّحّة في جيش المشرق الفرنسيّ مديرًا لهذه الدّائرة الّتي كانت تجمع تحت سلطتها جميع الدّوائر الصّحيّة المدنيّة، والدّوائر الخاصّة بالحجر الصّحّي في جميع الأراضي السّورية الخاضعة للانتداب الفرنسي، وقد اهتمّت هذه
الدّائرة بمكافحة الأمراض، والاوبئة المنتشرة بين السّكّان، وبخاصّة الملاريا حيث كانت حمّى الملاريا تنتشر في عدد من المناطق السّورية، وقد أودى هذا المرض بحياة الكثير من السّكّان، والجنود الفرنسيّين حيث أصيب بها عدد كبير الجنود الفرنسيّين في حاميّة الإسكندرونة في عام ١٩١٩م، ممّا دفع بالسّلطات الفرنسيّة إلى إنشاء دائرة للوقاية من الملاريا.
كما أنشئت دوائر محليّة للصّحّة، والإسعاف العامّ في جميع المناطق السّورية حيث كانت تلك الدّوائر تحت إشراف السّلطات البلديّة، والإدارة التّقنيّة للطّبيب المفتّش العامّ، وكان على رأس هذه الدّوائر طبيبًا مكلّفًا بتنفيذ الإجراءات الوقائيّة المحدّدة، كمراقبة الآبار، والخزّانات الخاصّة، والصّرف الصّحّي، وجمع القمامة، والنّفايات، ومراقبة أسواق الهال، والأسواق، والمسالخ، وقد وضعت تحت إشراف هذا الطّبيب عدد كبير من المساعدين للقيام بواجباته على أكمل وجه، حيث كان أيضًا من ضمن صلاحيّاته الإشراف على دوائر التّطهير من الجراثيم، والتّطعيم، والتّفتيش الصّحّي في المدارس. وقد اهتمّت السّلطات الفرنسيّة بمكافحة الملاريا، والطّاعون، والجدري، وغيرها من الأمراض السّارية حيث نفذّت أعمال تجفيف الأراضي في عدّة مناطق خاضعة للانتداب الفرنسي، ففي دمشق كانت مستنقعات الميدان تحتلّ مساحة من الأراضي، فجرى تجفيفها بإنشاء قناة يبلغ طولها ٦٠٠م وعمقها ١,٥٠م، وفي حمص جفّفت مستنقعات واسعة من المياه الرّاكدة، كما جرى تجفيف مستنقعات عديدة في الإسكندرونة.
أنشأت السّلطات الفرنسيّة في عام ١٩١٩م دائرة تعرف باسم الشّرطة الصّحيّة الخاصّة في بالحجر الصّحي في الموانئ، والمنافذ الحدوديّة، حيث كانت الإدارة الصّحيّة في الإمبراطوريّة العثمانيّة القديمة الّتي أنشئت في عام ١٨٤٠م دائرة مشابه لها، وكانت صلاحيّاتها تمارس في المدن الكبرى، وعلى الطّرقات الكبرى الّتي تسلكها القوافل،
والحجّاج، وكانت مهام الدّائرة الجديدة (الشّرطة الصّحيّة) الّتي أنشأتها السّلطات الفرنسيّة في سوريّة موضوعة وفقًا للاتّفاق الصّحّي الدّولي الموقّع في باريس في ٣ كانون الأول ١٩٠٣م، الّذي بدأ تطبيقه في بدايّة عام ١٩٢٠م، في جميع المرافئ، وعلى الحدود البريّة السّوريّة الخاضعة للاحتلال الفرنسي.
كما اهتمّت السّلطات الفرنسيّة بإنشاء المحاجر الصّحيّة حيث بني في دمشق محجر صحّي مع توافر أمكنة للقبول في المشفى، وأقيم في درعا مركزًا للحجر الصحّي باعتبارها المركز الرّئيس لمرور قوافل الحجّاج العائدين من مكّة بالسّكّة الحديديّة الحجازيّة، كما بني محاجر صحيّة في كلّ من حلب، خُصّص للمسافرين، والحجاج القادمين من الشّمال، والشّرق، وآخر في دير الزّور. فخلال وباءي الطّاعون، والكوليرا اللّذين انتشرا في العراق في الأعوام ١٩٢٣، ١٩٢٤، ١٩٢٦، ١٩٢٧م، اتّخذت السّلطات الفرنسيّة إجراءات للوقاية، بحيث لم يسمح لأيّ مسافر في الدّخول إلى سوريّة إن لم يكن مزوّدًا بشهادة حديثة عن التّطعيم المضادّ للطّاعون، أو المضاد للكوليرا. وكانت الحدود مغلقة خارج نقاط العبور للطّرق التاليّة: بغداد - دمشق - بغداد - حلب عن طريق دير الزور، والموصل - حلب عن طريق دير الزور، وعلى جميع هذه الطّرقات أقيمت حواجز صحيّة.
أثر الاستعمار الفرنسي على العمل والبطالة
عملت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة في سوريّة في مجالات العمل، والبطالة على توفير بعض فرص العمل، واتّخاذ بعض الإجراءات، والقوانين النّاظمة للعمل، ولشؤون العاملين، والحدّ من البطالة، وتخصيص بعض التّعويضات لتخفيف من آثار غلاء تكاليف المعيشيّة، وارتفاع الاسعار خصوصًا في فترات الأزمات الاقتصاديّة الّتي عرفها العالم في ثلاثيّنات القرن الماضي، ففي عام ١٩٣٣م، وتحت ضغط التّظاهرات الشّعبيّة،
والإضرابات الّتي كانت تقوم بها بعض فئات المجتمع السّوري المتضرّرة من الوضع الاقتصادي الصّعب، أجبرت سلطات الانتداب الفرنسي على إقرار برنامجًا خاصًّا لتوفير فرص العمل، ومكافحة البطالة حيث أعلن المفوّض السّامي دي مارتل عن برنامجه الخاصّ بمكافحة البطالة، مخصّصًا لذلك مبلغ عشرة ملايين ليرة، كما وجه أوامره لإجراء بعض الدّراسات لمحاولة إقامة بعض الصّناعات في سوريّة، وكذلك دعم التّعليم المهنيّ، والفنيّ عبر زيادة المبالغ المخصّصة له حيث يمكن تساهم هذه الإجراءات في تخفيف الاستيراد، وخلق فرص عمل جديدة للعاطلين عن العمل في البلاد، ممّا يؤدّي لتخفيف البطالة المنتشرة بين فئات المجتمع السّوري.
كما أصدرت الإدارة الانتدابيّة الفرنسيّة في سوريّة ما بين عامي (١٩٣٥-١٩٣٦م)، وتحت الضّغط الشّعبي عدّة قوانين من أجل إيجاد نوع من الرّعاية الصّحيّة للعاملين في مجال الصّناعة، ولحمايّة النّساء العاملات، والأطفال العاملين، كما عمل المفوّض السّامي الفرنسي دي مارتل بعد انخفاض قيمة العملة نتيجة الأزمة الاقتصاديّة العالميّة في ثلاثينيّات القرن العشرين على إصدار بعض القرارات الّتي نصّت رفع تعويضات غلاء المعيشة، ومراتب الموظّفين الحكوميّين السّوريّين العاملين في الدّوائر الحكوميّة السوريّة، حيث اعتبرت النّقابات العماليّة السّورية تلك القوانين، والإجراءات الخطوة الأولى باتّجاه إصدار المزيد من القوانين لحمايّة العمال وحقوقهم، وبخاصّة في مجال الوقاية من إصابات العمل، وتحديد عدد ساعات العمل.
كما شهدت الفترة الممتدّة ما بين عامي (١٩٣٦-١٩٣٩م)، حراكًا كبيرًا بين أوساط النّقابات العماليّة بهدف الضّغط على مجلس النّواب السّوري لإجباره على إقرار، وإصدار بعض التّشريعات الخاصّة بالعمل والبطالة، كإقرار قوانين خاصّة لمنح العمال تعويضات عند البطالة، وإصابات العمل، وتحديد حدّ أدنى للأجور، والرّواتب، والاعتراف بقانونيّة،
وشرعيّة النّقابات العماليّة الّتي تمّ تشكيلها حديثًا في البلاد الّتي كان هدفها الرّئيس المطالبة بحقوق العمال وحمايتهم، ومع أنّ العمال حصلوا في عام ١٩٣٧م، على اعتراف مبدئي بحقّهم في تنظيم أنفسهم إزاء أصحاب العمل، إلّا أنّ مجلس النّواب السّوريّ لم يقرّ التّشريعات العمّاليّة المطلوبة بسبب سيطرة أعضائه من أصحاب الأعمال المنتمين لطبقة البورجوازيّة الوطنيّة السّوريّة على معظم مقاعده، فقد رفض السّاسة الوطنيّون ورجال الأعمال السّوريّون القيام بالإصلاحات المطلوبة خدمة لمصالحهم الخاصّة كأصحاب أعمال، وللحفاظ على امتيازاتهم في المجتمع.
لكن جميع تلك الإجراءات، والقوانين كانت مجرّد إجراءات محدودة هدفها امتصاص الغضب الشّعبي بسبب الظّروف السّيّئة الّتي كان يعيشها المجتمع السّوري في ظلّ السّياسيات الفرنسيّة الّتي كان هدفها الأوّل تأمين المصالح الفرنسيّة في سوريّة، فمع حلول عام ١٩٣٩م، أي قبل الحرب العالميّة الثّانية مباشرة، استمرّ تدخّل سلطة الانتداب بالشّأن الاجتماعي، وبخاصّة المتّصل بقضايا العمل، والبطالة بشكل محدود حيث بقيت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة تعتقد أنّه ليس هناك ما يلزمها بأن تشرّع، وتقرّ قوانين، وإجراءات تساهم في تحسين الأوضاع المعيشيّة لمختلف طبقات، وفئات المجتمع السّوريّ، بخاصّة في ظلّ التّطوّرات الدّوليّة المستجدّة المتمثّلة في اندلاع الحرب العالميّة الثّانية، فبقيت تلك القوانين، والإجراءات السّابقة الّتي أقرّها المسؤولون الفرنسيّون في سوريّة حبر على ورق من دون أن يكون لها فعاليّة حقيقيّة على أرض الواقع.
يعتبر الوقف من المؤسّسات الهامّة في المجتمعات العربيّة والإسلاميّة، لأنّه يمثّل في أساسه المورد الّذي ينفق من خلاله على المؤسّسات ذات النّفع العامّ من مدارس، ومساجد، وغيرها، وكانت معظم الأراضي الوقفة منذ فجر الإسلام أراض زراعيّة تمّ
إيقافها على تلك المؤسّسات الخيريّة كالمساجد، والمدراس، والسّبل، أو كانت وقفًا على أسرة الواقف، وسلالته حتّى انقراضها، وقد عرفت بالأوقاف الأهليّة، أو الذّريّة.
انتشر الفساد، والفوضى داخل أروقة الدّوائر الحكوميّة العثمانيّة المشرفة على إدارة الأوقاف في سوريّة خلال الحكم العثماني حيث استغلّ الحكام العثمانيّون صلاحيّاتهم في إدارة الأوقاف لغايتهم، ومصالحهم الشّخصيّة، وخاصّة في عهد السّلطان عبد الحميد الّذي أراد الاستفادة من الأوقاف، ومواردها، واستخدمها لأغراض سياسيّة تخدم سياسته الّتي طرحها، والمتعلّقة بفكرة الجامعة حيث يشير المؤرّخ محمّد كرد علي إلى الحال السّيّء الّذي وصلت إليه دوائر الأوقاف في بلاد الشّام الّتي لم تكن أقلّ من بقيّة الدّوائر الحكوميّة العثمانيّة الأخر خللًا، وفسادًا، «وكان أعوان السّلطان يبيعون على مسمع، ومرأى منه الوظائف الدّينيّة كالقضاء الشّرعيّ، والافتاء، والتّدريس العامّ، والوعظ، والإرشاد، ومن جملة ما يبيعون وظيفة مدير الأوقاف الّتي كانت تكّد، وتجدّ، وتبذل الجهد في جبايّة أموال الأوقاف، لتبعث بها بعد السّلب، والنّهب، والمقاسمة إلى العاصمة، فيقبض السّلطان من هذه الأموال على الدّجّالين من مشايخ الطّرق، وعلماء الرّسوم، والرّتب، والأوسمة باسم إحسانات، أو صدقات سلطانيّة».
بعد انسحاب الأتراك من بلاد الشّام تمّ في عهد الحكومة العربيّة الّتي قامت في دمشق بزعامة فيصل بن الحسين بإنشاء ديوان خاصّ بالأوقاف، وخلال هذه المرحلة ازدادت مداخيل الأوقاف بشكل كبير، ويعود السّبب في ذلك إلى أنّه قبل الحكم العربيّ خلال فترة السّيطرة العثمانيّة على سوريّة كانت ترسل مبالغ ماليّة كبيرة من واردات الأوقاف إلى العاصمة العثمانيّة استانبول، فعملت دائرة الأوقاف التّابعة للحكومة العربيّة على إنفاق تلك الواردات على الوجه الشّرعيّ الموقوفة عليه أساسًا، وبعد السّيطرة الفرنسيّة على سوريّة، عمدت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة إلى التّدخّل في الأوقاف مستندة إلى المادّة السّادسة من صكّ الانتداب لشرعنة ذلك التّدخّل في الأوقاف الإسلاميّة.
مرّ تنظيم تلك الأوقاف خلال فترة الانتداب الفرنسيّ بعدّة مراحل حيث بدأت مرحلته الأولى بإصدار قرار متعلّق بإدارة، ومراقبة الأوقاف الإسلاميّة. نصّت المادّة الأولى منه على إنشاء دائرة المراقبة العامّة للأوقاف الإسلاميّة في جميع المناطق السّوريّة الخاضعة للانتداب الفرنسيّ على أن ترتبط إدارة الأوقاف المحلّيّة في كلّ منطقة مباشرة بمراقب الأوقاف العام، وقد ربطت المادّة الثّانية من قرار إنشاء إدارة المراقبة العامّة للأوقاف الإسلاميّة هذه الإدارة مباشرة بالمفوّض السّامي الفرنسيّ، وهي تتألّف من مجلس أعلى، ولجنة عامّة، والمراقب العامّ، ويتألّف المجلس الأعلى من أعلى قاض في المحاكم الشرعيّة في كلٍّ دمشق، وحلب، واللّاذقيّة، ومندوب عن المسيحيّين، وعن كل ّمن هذه المدن، والمراقب العامّ.
ويعتبر هذا المجلس هو الهيئة العامّة العليا المشرفة على شؤون الأوقاف الإسلاميّة، فهو يدرس التّعديلات الهامّة اللّازم إدخالها، والأنظمة الخاصّة بالأوقاف الإسلاميّة، وهو من يتّخذ جميع القرارات بخصوص جميع التّفسيرات الشّرعيّة، أو بخصوص جميع القضايا الإداريّة المتعلّقة بالأوقاف، وهو المسؤول عن إصدار التّوجيهات للمديرين المحلّيّين، والمسؤولين في تنظيم الأوقاف العامّة، أو الخاصّة، ويعدّ هذا المجلس المسؤول أمام المفوّض السّامي حيث يجب عليه تبيان، وشرح ما يثبت من خلل، واضطراب في عمل، وإدارة الأوقاف للمفوّض السّامي، وينبثق عن هذا المجلس لجنة عامّة لها مهامّ، ووظائف ماليّة، فهي المسؤولة عن مناقشة الميزانيّة، وتدقيق حسابات الإدارة، والمصادقة على الميزانيّة العامّة، والحساب العام للأوقاف الإسلاميّة، اللّذين يقدَّمان لها من قبل المراقب العام، وتبدي رأيها في جميع المسائل الّتي تمسّ مصالح الأوقاف الّتي يطرحها عليها المجلس الأعلى، أو اللّجان المحليّة، كما تبدي رأيها في القضايا المتعلّقة بالإصلاحات العامّة الّتي ترى أنّ طرحها مفيد فيما يتعلّق بإدارة المراقب
العامّ، والمجلس الأعلى.
أمّا وظيفة ومهام المراقب العامّ كما حدّدت المادّة (١٩) من قرار إنشاء إدارة، ومراقبة الأوقاف الإسلاميّة، فهو المكلّف بتنفيذ القرارات الصّادرة عن المجلس الأعلى، وعن اللّجنة العامّة للأوقاف الإسلاميّة، وهو مسؤول عن أعماله أمام المفوض السّامي، ويشترط أن يكون المراقب العام مسلمًا، ويتولّى المراقب العامّ على مسؤوليّته إدارة صندوق المراقبة العامّة للأوقاف الإسلاميّة، ويمكنه حسب نصّ المادّة (٢٣) من قرار إنشاء إدارة، ومراقبة الأوقاف الإسلاميّة بصفته ممثّلًا للأوقاف أن يقيم الدّعاوى بنفسه، كما أنّه هو المكلّف بتحصيل الأموال المتأخّرة، والرّسوم، والإيرادات، ويرتبط جميع مأموري الأوقاف الإسلاميّة بمراقب الأوقاف العامّ، ولا يمكن تعيين، أو إحداث وظيفة من قبل الحكومات المحلّيّة، أو من قبل المديريّة إلّا بإذن من المراقب العامّ للأوقاف، ونصّت المادة (٢٤) على أنّ من صلاحيّة المراقب العام للأوقاف الإسلاميّة بالتّعيين، والفصل للموظّفين، والمكلّفين بإدارة الأوقاف باقتراح يقدّمه للمفوّض السّامي الفرنسيّ، كما نصّت المادّة (٢٥) على أنّ جميع القرارات الّتي يتّخذها المجلس الأعلى، أو اللّجنة العامّة للأوقاف الإسلاميّة، وكذلك كلّ مقررات المراقب العام تعرض قبل تنفيذها على المفوّض السّامي للحصول على موافقته، ويمكن للمفوض السّامي أن يوكّل عنه أحد موظّفيه، ونصّت المادّة (٢٦) على أنّ مستشار الشّؤون العقاريّة لدى المفوضيّة العليا الفرنسيّة هو المندوب الخاصّ الدّائم للمفوّض السّامي لدى المراقبة العامّة للأوقاف الإسلاميّة. وبهذا القرار تكون السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة قد أحكمت قبضتها على إدارة الأوقاف، فالمجلس الأعلى، واللّجنة العامّة، استشاريان في حين أنّ سلطة التّنفيذ، وتسيير الجهاز بأكمله تركت للمراقب العامّ، أو بالأحرى لمستشاره الفرنسي، وربطت كلّ
القرارات الهامّة بموافقة المفوّض السّامي الفرنسي، وبذلك تكون سلطات الانتداب الفرنسي قد استكملت سيطرتها على إدارة الأوقاف عن طريق الإشراف عليها وعلى ماليّتها، وحوّلتها إلى أداة في خدمة أغراضها الاستعماريّة، فلم يكن يعيّن في مناصب إدارة الأوقاف العليا، ويستفيد من خيراتها إلّا الأشخاص القريبين من دائرة الانتداب الفرنسي.
يلاحظ أنّ إدارة الأوقاف الّتي أنشأتها السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة لم تقم بتأسيس أيّ مرافق عامّة تعود بالنّفع العامّ على المجتمع كمدرسة إسلاميّة عالية، أو بناء ميتم، أو دار عجزة، أو مشفى، كما أنّها لم تقم بأيّ أعمال تشجّع الفقهاء، ورجال الدّين على رفع مستوى التّدريس، والخطابة في حلقات التّعليم في المساجد، بل على العكس من ذلك فقد أعطيت حرّيّة كبيرة للمتولون، والمستأجرين للأوقاف لإدارتها، والتّصرّف فيها وفق أهوائهم، ومصالحهم، كما لم تسهم الإدارة الّتي أنشأتها السّلطات الفرنسيّة في تحسين أوضاع الفلّاحين العاملين في أراضي الأوقاف بل زادت أوضاعهم سوءًا مع النّظام المالي الجديد المتّبع في الجباية.
ليزداد الوضع سواء سوءًا في عام ١٩٢٦م عندما أصدر المفوّض السّامي الفرنسي قرارًا سمح فيه بجواز استبدال العقارات الوقفيّة المبنيّة، وغير المبنيّة ما عدا الجوامع، ويكون الاستبدال بالنّقد، أو بملك آخر تعادل قيمته العقار المستبدل، فكان هدف المفوّض السّامي من إصدار ذلك القرار التّلاعب بملكيّة الأوقاف الإسلاميّة، والسّيطرة عليها، وأن يستفيد منها عملاء السّلطات الاستعماريّة، وبالتّالي يحقّق منافع ماليّة له، ولكبار المسؤولين الفرنسيّين في البلاد، وهكذا فإنّ السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة تكون قد تدخّلت في شؤون الأوقاف الإسلاميّة، ووضعتها تحت إشرافها، كما ذكر المؤرّخ محمّد كرد علي، ولكنّها لم تتدخّل في أوقاف المسيحيّين، واليهود، وتركت إدارتها إلى المجالس الطّائفيّة.
حاولت السّلطات الاستعماريّة الفرنسيّة فرض الكثير من القيم، والنّظم الاجتماعيّة الغربيّة في سوريّة، واستخدامها في تسهيل السّيطرة على البلاد، ومقدّراتها، فكان تأثّر المجتمع السّوري بالسّياسات الاستعماريّة الفرنسيّة في بعض الجوانب الاجتماعيّة تأثيرًا واضحًا، فيما كان هذا التّأثير محدودًا في جوانب أخرى، وتجلّى التّأثير بشكل واضح في قطاع الصّحّة حيث تمّ اعتماد النّظم الفرنسيّة في مجال الصّحّة، والاسعاف، وآليّة عمل المشافي، والمستوصفات، ويمكن تفسير أسباب تأثّر قطاع الصّحّة بشكل كبير بالنّظم الفرنسيّة، بخلاف باقي النّواحي الاجتماعيّة الأخرى بضعف هذا الجانب، وحداثته في البلاد نتيجة عدم اهتمام السّلطات العثمانيّة به قبل وقوع البلاد تحت الانتداب الفرنسي، ممّا سهل عمليّة سيطرة السّلطات الفرنسيّة عليه، وتسييره وفق النّظم الفرنسيّة، فيما كان التّأثير الفرنسيّ محدودًا بخاصّة في الجوانب الاجتماعيّة المتّصلة بالعادات والتّقاليد، ومردّ ذلك إلى الاختلاف الكبير في المورث الثّقافيّ، والاجتماعي بين المجتمعين السّوري، والفرنسي، حيث اقتصر التّأثير الفرنسيّ في هذا الجانب على بعض الفئات القليلة، وبخاصّة من المسيحيّين، وبعض الأسر المسلمة المتنفّذة الّتي رغبت بتقليد، ومحاكاة الغرب في بعض عاداته، وتقاليده.
(357)1.إسماعيل، حكمت علي، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م) بحث في تاريخ سوريّة من خلال الوثائق، ط١، دمشق، دار طلاس، ١٩٩٨م.
2.الجندي، أنور، العالم الإسلامي والاستعمار السياسي والاجتماعي والثقافي، بيروت، دار الكتاب اللبناني، ط٢، ١٩٨٣م.
3.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ط٢، بيروت، دار النهار للنشر، ١٩٩١م.
4.الخالدي، محمد فاروق، المؤامرة الكبرى على بلاد الشام دراسة تحليليّة للنصف الأول من القرن العشرين، ط١، الرياض، دار الراوي للتوزيع والنشر، ٢٠٠٠م.
5.السباعي، بدر الدين، أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريّة (١٨٥٠-١٩٥٨م)، دمشق، دار الجماهير، ١٩٦٧م.
6.الغزي، محمد كامل، نهر الذهب في تاريخ حلب، حلب، المطبعة المارونيّة، (د. ت).
7.المعلم، وليد، سوريّة (١٩١٨-١٩٥٨م) التحدي والمواجهة.
8.باروت، محمد جمال، التكوين التاريخي الحديث للجزيرة السوريّة، ط١، الدوحة، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٣م.
9.بشور، أمل ميخائيل، دراسة في تاريخ سوريّة السياسي المعاصر، طرابلس، توزيع جروس برس، الطبعة الأولى، ٢٠٠٣م.
10.جانا، محمد توفيق، مجموعة قرارات المفوضين السامين لسوريّة ولبنان الكبير منذ الاحتلال الإفرنسي حتى اليوم، دمشق، مطبعة الشعب، ١٩٣٣م.
11.حنا، عبد الله، القضيّة الزراعيّة والحركات الفلاحيّة في سوريّة ولبنان (١٨٢٠-١٩٢٠م)، بيروت، دار الفارابي، ١٩٧٥م.
12.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي سياسة القوميّة العربيّة (١٩٢٠-١٩٤٥م)، ترجمة: مؤسسة الأبحاث العربيّة، ط١، بيروت، ١٩٩٧م.
13.رافق، عبد الكريم، التعليم في بلاد الشام في القرن التاسع عشر وأوائل القرن العشرين،
مجلة التراث العربي، المجلد ١٢، العدد ٤٥، ١٩٩١م.
14.ــــــــــــــــــــــــ، تاريخ الجامعة السوريّة (١٩٠١-١٩٤٦م)، دمشق، مكتبة نوبل، ٢٠٠٤م.
15.ــــــــــــــــــــــــ، قافلة الحج الشامي وأهميتها في العهد العثماني، مجلة دراسات تاريخيّة، العدد السادس، دمشق، ١٩٨١م.
16.ــــــــــــــــــــــــ، مظاهر من التنظيم الحرفي في بلاد الشام في العهد العثماني بحث ضمن كتاب بحوث في التاريخ الاقتصادي والاجتماعي لبلاد الشام في التاريخ الحديث، دمشق.
17.عبد الجبوري، زينب حسن؛ الجبوري، هيثم محيي طالب، أثر حركة الإصلاح العثماني في تطوير الحركة الفكريّة في الوطن العربي في العهد العثماني المتأخر، مجلة جامل بابل للعلوم الإنسانيّة، المجلد ٢٣، العدد ٣، ٢٠١٥م.
18.سلطان، علي، تاريخ سوريّة في أواخر الحكم التركي (١٩٠٨-١٩١٨م) دراسة اجتماعيّة واقتصاديّة وثقافيّة، دمشق، ١٩٩١م.
19.طربين، أحمد، تاريخ المشرق العربي المعاصر، جامعة دمشق، دمشق، ١٩٨٥م.
20.طقوش، محمد سهيل، تاريخ بلاد الشام الحديث والمعاصر، ط١، بيروت، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، ٢٠١٤م.
21.علي، محمّد كرد، خطط الشام، بيروت، ١٩٦٩م.
22.قاسميّة، خيريّة، الحكومة العربيّة في دمشق بين (١٩١٨–١٩٢٠م)، ط٢، المؤسسة العربيّة للدراسات والنشر، ١٩٨٢م.
23.قرقوط، ذوقان، تطور الحركة الوطنيّة في سوريّة (١٩٢٠-١٩٣٩م)، ط١، بيروت، دار الطليعة للطباعة والنشر، ١٩٧٥م.
24.كوثراني، وجيه، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين قراءة في وثائق الدبلوماسيّة الفرنسيّة السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني قراءة في وثائق الدبلوماسيّة الفرنسيّة،
ط٣، بيروت، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٣م.
25.لونغريغ، ستيفن هامسلي، تاريخ سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، بيروت دار الحقيقة، (د.ت).
26.منسي، محمود صالح، الشرق العربي المعاصر القسم الأول الهلال الخصيب، القاهرة، (د. ن)، ١٩٩٠م.
27.ناصر الدين، سيعيدوني، نظرة في أراضي الميري في بلاد الشام في العهد العثماني، المؤتمر الدولي الثاني لتاريخ بلاد الشام، دمشق، ١٩٧٨م.
المصادر الأجنبيّة
1.T.Ν.Α., Ε.Ο. 371/ (Ε 2822/ 28465), Foreign Office, (No.907), 15 April 1939.
2.T.Ν.Α., Ε.Ο. 371/ (E 2202/ 47493), (No.92), Telegram to Kr. Houston Boswell, Bagdad, to the Foreign Office, 29 March 1939.
3.T.Ν.Α., Ε.Ο. 371/ (E. 3415/ 47493), British Embassy, Angora, No.221/ 807/3 /39 ,29 April 1939.
(360)
سومر سيف الدّين حزنقور
مع خروج العثمانيّين من بلاد الشّام تطلّع سكّانها نحو الحرّيّة والاستقلال، لا سيَّما مع الوعود الغربيّة بذلك، إلّا أنّ هذه الآمال خُذلت من قبل الحلفاء المتلهّفين لاقتسام تركة الدّولة العثمانيّة. ومن خلال هذه القسمة كانت سوريّة من نصيب المستعمر الفرنسيّ جرّاء الاتفاقيّات الموقّعة بين الحلفاء، فدخل الفرنسيّون البلاد عقب خروج العثمانيّين منها بدءًا من السّاحل السّوريّ في لبنان -قبل تشكيله كدولة من قبل فرنسا- وبدأت فرنسا سياستها الاستعماريّة في سبيل جعله مستعمرة فرنسيّة، وصبغه بالطّابع الفرنسي في المجالات كافّة، كما فعلت في الجزائر، وتونس سابقًا، واتّبعت دولة الاستعمار هذه -متناسية شعار ثورتها الفرنسيّة في الحرّيّة، والإخاء، والمساواة- سياسة فرّق تسد من خلال تقسيم سوريّة إلى دويلات على أساس طائفيّ، واتّبعت أشدَّ الوسائل الوحشيّة في سبيل قمع الشّعوب. إلّا أنّ الوطنيّين السّوريّين تصدّوا لهم عبر حركاتهم العسكريّة، والسياسيّة، ورغم محاولات الفرنسيّين لإيقاف هذه الحركات إلّا أنّ محاولاتهم باءت بالفشل. إلّا أنّ خباثة فرنسا وغيرها من الدّول الاستعماريّة تمكّنت من تشكيل دولة لبنان من ناحية، واقتطاع لواء إسكندرون عن الوطن الأمّ لصالح تركيا من ناحية أخرى، وذلك لكسب ودّها في الحرب العالميّة الثّانية، غير أنّ ألمانيا النّازيّة تمكّنت من احتلال فرنسا
خلال هذه الحرب، وأذاقتها طعم الاحتلال، ففرنسا تحوّلت من دولة تَحتلّ دول إلى دولة مُحتلَّة من قبل دَولة، وخرجت بعدها مُجبرة من سوريّة نتيجة المقاومة الدّاخليّة من ناحية، والضّغوط الدّوليّة من ناحية أخرى.
إنّ المتابع لأحداث التّاريخ الحديث، والمعاصر، يرى بأنّه كلّ ما يقارب القرن من الزّمان هنالك إعادة تشكيل للنّظام الدّولي، وخلال تشكيل هذا النّظام هناك تقاسم، واقتسام جديد لمناطق النّفوذ في العالم، ومحاولات لرسم خرائط جديدة للحدود السّياسيّة، وهذا كلّه بما يناسب، ويتناسب مع مصالح الدّول الكبرى. وهذا ما حدث في التّاريخ المعاصر منذ مؤتمر فيينا عام ١٨١٥م، وحتّى اندلاع الحرب العالميّة الأولى عام ١٩١٤م، واستمرّ خلال الحرب العالميّة الثّانية عام ١٩٤٥م، وحدث مع نهاية الحرب الباردة عام ١٩٩١م، وما زال مستمرًّا حتّى الآن.
في الحقيقة إنّ أزمة مراكش عام ١٩١١م، والخلافات حولها بين القوى الكبرى كانت من الممهّدات الّتي سبقت، ومهّدت للحرب العالميّة الأولى. وفي خِضمّ حديثنا عن تاريخ سوريّة المعاصر فإنّ سوريّة من الدّول الّتي سعت الدّول الاستعماريّة على مرّ التّاريخ للسّيطرة عليها نتيجة للموقع الّذي تتمتّع به من ناحية، ولثرواتها، وخيراتها الطّبيعيّة من ناحية أخرى، فشرق المتوسّط يعدّ المحور الأساس للرّبّط بين الشّرق، والغرب، وطريق العبور إلى النّفط والغاز. إنّ الأزمة السّوريّة الّتي اندلعت في عام ٢٠١١م في البلاد، كانت مقدّمة لرسم خرائط جديدة لمنطقة المشرق العربيّ، واقتسام جديد لمناطق النّفوذ في العالم، مع بروز روسيا، والصّين على السّاحة العالميّة.
في الواقع إنّ بروز أهمّيّة النّفط خلال الحرب العالميّة الأولى، ومدى فاعليّة الآليّات الّتي تعمل عليه مقارنة بالآليات الّتي كانت تعمل على الفحم، جعل موضوعه (أي النّفط) من ضمن الاتّفاقيّات الّتي أُبرمت بين الدّول الكبرى، وما زال موضوعه حتّى الآن يهيمن على سياسات الدّول الصّناعيّة الكبرى اتجاه الدّول الّتي تمتلك النّفط، أو تتحكّم بممرّات
عبوره. فعندما تمّ توزيع الانتداب في مؤتمر سان ريمو كان قد سبقه بيوم تقاسم الحصص النّفطية بين كلٍّ من فرنسا وبريطانيا، فمقابل منح بريطانيا الّتي انتدبت على العراق نسبة ٢٥% من نفط العراق لفرنسا قدّمت فرنسا الّتي انتدبت على سوريّة جميع التّسهيلات لمرور خطّ أنابيب النّفط عبر سوريّة للمتوسّط.
عقب انتهاء الحرب العالميّة الأولى أملت البلدان العربيّة الّتي كانت تحت حكم الدّولة العثمانيّة في الحصول على استقلالها، وحرّيتها، غير أنّ اتّفاقيّة سايكس بيكو ١٩١٦م، واتّفاقيّات الصّلح في فرساي ١٩١٩م، بالإضافة لمؤتمر سان ريمو عام ١٩٢٠م، كان لهم كلام مغاير لما يتطلّع إليه العرب. فقد تمّ تقسيم البلاد الّتي كانت تحت حكم الدّول العثمانيّة بين كلّ من بريطانيا وفرنسا، وبموجب هذه الاتّفاقيّات كانت سوريّة تحت الانتداب الفرنسيّ، والّذي قسّمها بدوره إلى دولتيّ سوريّة، ولبنان، ولتبدأ فرنسا سياستها الاستعماريّة في سوريّة. وفي سبيل تثبيت سلطتها عملت فرنسا على تقسيم سوريّة إلى دويلات طائفيّة مستغلّة التّركيبة السّكّانيّة في اعتقادها بأنّ هذه الشّيء سيساعدها على تثبيت سلطتها، غير أنّ الرّياح جرت بعكس ما تمنّاه، وتوقّعه زعماء باريس، وانتهى بهم المطاف إلى الخروج من سوريّة.
يهدف هذا البحث إلى قراءة جديدة، وإلى إلقاء الضّوء من جديد على الحركات الوطنيّة السّوريّة، في ظلّ الاستعمار الفرنسيّ لسوريّة. ويأتي هذا مع وقت تتهافت فيه الدّول الكبرى لرسم حدود، وتقسيمات سياسيّة لدول العالم بشكل عامّ، ولمنطقة المشرق العربي بشكل خاصّ.
مع بداية خروج العثمانيّين من بلاد الشّام في نهاية أيلول عام ١٩١٨م على يدّ رجالات الثّورة العربيّة، دخل الملك فيصل بن الحسين دمشق في الرّابع من تشرين الأوّل، وأعلن استقلال سوريّة، وكلّف علي رضا الرّكابي رئيسًا للحكومة في الخامس من تشرين الأوّل. وفي اليوم التّالي وصلت القوّات الفرنسيّة إلى بيروت، وأخذت مواقعها في مختلف المناطق السّاحليّة، وتسلّم الحاكم العسكري دي بييباب إدارة الحكم. ووصل آنذاك جورج بيكو أوّل مفوّض سامي لفرنسا، وجعل مقرّه في مدينة بيروت، وقد قام بتقسيم المنطقة إلى ثلاث حكومات: أوّلها حكومة لبنان الكبير، المؤلّفة من بيروت، وأقضيتها الثّلاثة: صور، وصيدا، ومرجعيون، وطرابلس، وبعض ملحقاتها، بالإضافة لجبل لبنان، والحكومة الثّانية كانت حكومة بلاد العلويّين، ومركزها اللّاذقيّة، وثالث الحكومات، حكومة لواء إسكندرونة، الّتي تضمّ أقضية أنطاكية، وبيلات، وقرى خان، وكانت ملحقة بولاية حلب. وقد ترأّس هذه الحكومات حاكم عسكريّ فرنسيّ، تابع للمفوّض السّامي، وعقب سفر بيكو لفرنسا في بداية عام ١٩١٩م خلفه الجنرال غورو في ١٨ من تشرين الثّاني عام ١٩١٩ .
وخلال هذه الفترة نادى المؤتمر السّوريّ العام المنعقد في دمشق في الثّامن من آذار عام ١٩٢٠م، بالأمير فيصل بن الحسين ملكًا على سوريّة. وتشكّلت حُكومة علي رضا باشا الرّكابي في اليوم التّالي، وفي نيسان من العام ذاته عُقد مؤتمر سان ريمو في إيطاليا، واتُّخذ خلاله قرار من قبل الحلفاء بإسناد مهمّة الانتداب على سوريّة، ولبنان إلى دولة فرنسا. ومن هنا بدأت مسيرة مستعمر استمرّ حوالي ربع قرن في استعمار سوريّة. وقد
حُكمت فرنسا سوريّة خلال هذه الفترة من خلال ممثّليها في سوريّة، ولم يكن السّوريّون يستطيعون اتّخاذ أيّ قرار سواءً على الصّعيد الدّاخليّ أم الخارجي من دون الموافقة الفرنسيّة.
لقد كان خبر الانتداب الفرنسيّ كالصّاعقة على الوطنيّين السّوريّين، فاندلعت التّظاهرات في البلاد مطالبة باتّخاذ الاجراءات اللّازمة لحمايتها، فسقطت آنذاك حكومة عليّ رضا الرّكابي في الأوّل من آيار عام ١٩٢٠م، ليكلّف الملك فيصل نتيجة لذلك في اليوم التّالي هاشم الأتاسي رئيس المؤتمر السّوريّ بتشكيل الحكومة، وقد تعهّدت هذه الحكومة أمام المؤتمر بتنفيذ أهداف ثلاثة تحتلُّ المرتبة الأولى من حيث الأهمّيّة. وهي تأييد استقلال الوطن، والمطالبة بوحدة سوريّة، ورفض جعل القسم الجنوبيّ وطنًا لليهود، ورفض كلّ تدخّل خارجيّ يمسُّ السّيادة الوطنيّة. وقد جعلت الحكومة الخدمة العسكريّة إلزاميّة لجميع السّوريّين، وقامت المنظّمات الوطنيّة بمضاعفة جهودها، ونشاطها في إعداد الشّعب للدّفاع عن الوطن.
وبعد نزول القوّات الفرنسيّة في السّاحل السّوريّ بدأ الجهاد الوطنيّ ضدّ الفرنسيّين من قبل أطياف الشّعب السّوريّ كافّة، من خلال التّعرّض لوحدات الجيش الفرنسيّ، ولمّا حاول وزير الحربيّة آنذاك يوسف العظمة منع السّلطات الفرنسيّة من استخدام سكّة حديد ريّاق حلب لنقل عتادها العسكريّ لمواجهة هجمات الزّعيم التّركي مصطفى كمال أتاتورك، الّذي كان يدافع عن كيليكيا في وجه الاحتلال الفرنسيّ، جاء إنذار الجنرال غورو للملك فيصل، وأمام هذا الإنذار، ومطالب غورو، وشروطه، وافق فيصل والكثير من وزرائه على الاستسلام. ومع هذا الاستسلام سقطت الحكومة السّوريّة في ٢٠ من
تموز عام ١٩٢٠م، وفي ٢٤ من الشّهر ذاته دخل الفرنسيّون دمشق بعد معركة ميسلون، وأعلنوا احتلالهم سوريّة لتبدأ مرحلة جديدة من تاريخ البلاد عرفت بفترة الاستعمار، أو الاحتلال الفرنسيّ.
ومع دخول الفرنسيّين دمشق استقالت وزارة هاشم الأتاسي في اليوم التّالي، ومعها انتهى عهد حكومة فيصل العربيّة، وبدأ الاحتلال الفرنسيّ لسوريّة. وغادرها الملك فيصل في ٢٨ من تموز عام ١٩٢٠م إلى بريطانيا بناء على دعوة منها، وبدأت فرنسا فرض السّيطرة العسكريّة على المدينة، وقام الجنرال غورو بإعلان الأحكام العرفيّة، ونزع سلاح الجيش السوريّ، وتمّ تقديم العديد من الوطنيّين للمحاكمة، فنُفِيَ قسم، وأُعدم قِسم آخر على يد السّلطات الفرنسيّة.
ومع بداية الانتداب تألّفت الحكومة السّوريّة، أو حكومة الانتداب في ٢٦ من تموز ١٩٢٠م بموجب مرسوم ملكيّ برئاسة علاء الدّين الدروبي. ولقد اقتصرت مهمّة الحكومة مع وجود قوّات الاحتلال على الشّؤون الإداريّة الدّاخليّة، ولم يكن لها أيّ دور في السّياسة الخارجيّة. واتّخذ غورو قراره رقم ٣١٨ الصّادر في ٣١ من آب ١٩٢٠م، والقاضي بتشكيل دولة لبنان الكبير، وذلك بعد أن قام بضم الأقضية الأربعة: بعلبك، والبقاع، وحاصبيا، وراشيا. هذه الأقضية كان غورو قد قام بفكّها عن سوريّة سابقًا بموجب القرار رقم ٢٢٩ الّذي أصدره في الثّالث من آب عام ١٩٢٠م. وبدأت فرنسا سياستها الاستعماريّة في سوريّة بتقسيم البلاد على أساسٍ طائفيّ؛ لتسهل عمليّة السّيطرة
عليها، فأقامت ولاية حلب، وولاية دمشق، وأنشأت دول العلويّين في السّاحل، وجعلت عاصمتها اللّاذقيّة بموجب القرار رقم ٢٩٧٩ الصّادر عن المندوب السّامي ويغان في الأوّل من كانون الثّاني عام ١٩٢٥م.
وأمام هذا الواقع الجديد، فقد رفض الشّعب السّوريّ بأطيافه كافّة الانتداب الفرنسيّ قبل أن يعرض عليهم، وقبل أن تتمّ التّسوية بين الإنكليز والفرنسيّين. ومع إعلان قرارات مؤتمر سان ريمو عزم الوطنيّون السّوريّون على إعلان الثّورة، ومحاربة فرنسا بمناصرة الضّبّاط العراقيّين. ولقد اتّخذت مقاومة الانتداب الفرنسيّ في سوريّة مظاهر مختلفة من الاحتجاج السّلميّ، والمواقف السّياسيّة في المحافل الدّوليّة، والمقالات في الصّحف خارج البلاد، وداخلها، والعرائض الشّعبيّة، وبرقيّات الاحتجاج، والوفود، والاجتماعات السّرّيّة، والعلنيّة، إلى التّظاهرات الشّعبيّة، والهيئات المسلّحة، والاغتيالات وصولًا إلى الثّورات. وخلال مرحلة الكفاح السّريّ المسلح قامت فصائل هذا الكفاح باختطاف كبار الموظّفين الفرنسيّين، وإطلاق سراحهم مقابل فدية ماليّة كانوا يقومون بتوزيعها على الفقراء، والمحتاجين.
لقد صعّبت هذه السّياسة الفرنسيّة الوضع على الفرنسيّين، فاشتعلت الثّورات في العديد من المدن السّوريّة، كثورة الشّيخ صالح العلي في جبال العلويّين، وثورة حوران، وثورة إبراهيم هنانو في شمال سوريّة، وغيرها، وهذا ما دفع فرنسا لانتهاج سياسة تعسّفيّة
للقضاء على هذه الثّورات. هذا كلّه قاد لحركة واسعة من الاحتجاجات عمّت المناطق، والسّاحات السّوريّة، وهذا ما لم يعجب فرنسا الّتي أعلنت الأحكام العرفيّة.
لقد أدّت السّياسة الفرنسيّة المتشدّدة، والوحشيّة، والقمعيّة اتّجاه السّوريّين إلى اشتعال الثّورة السّوريّة الكبرى بين عامي (١٩٢٥-١٩٢٧م)، وبخاصّة بعد إنشاء دولة سوريّة من حكومتيّ دمشق وحلب. وعلى الرّغم القمع الفرنسي لهذه الثّورة، فقد أجبرت فرنسا في نهاية المطاف على تغيير سياستها، وأعلنت استعدادها للنّظر بالمطالب الوطنيّة السّوريّة في حال توقّفت المظاهرات، والمقاومة، لا سيّما بعد وصول مندوب سامي جديد للبلاد يُدْعَي دي جوفنيل.
لقد اعتمد العمل السّياسيّ في سوريّة عقب دخول الفرنسيّين على النّضال السّريّ بدرجة كبيرة، فخلال تلك الفترة، تغذّت الجماهير بفكرة المقاومة، والدّفاع عن الوطن، ووفقًا للوثائق الفرنسيّة فقد وجد في بداية الاحتلال الحزب الحديدي السّوريّ، وحزب الشّبيبة، وحزب الأحرار، وحزب سوريّة الفتاة، وهذه الأحزاب كانت توزّع منشوراتها في المدن كافّة، رغمًا عن الحواجز المقامة بينها، ورغمًا عن عيون السّلطات العسكريّة الفرنسيّة.
وعلى الرّغم من المحاولات الفرنسيّة الهادفة إلى شلّ الحركة الوطنيّة إلّا أنّ هذه الحركات استمرّت في نضالها نحو الاستقلال، ولقد لجأ الشّعب السّوريّ في إطار
العمل السّياسيّ إلى تشكيل عدد من الأحزاب، والتّجمّعات السّياسيّة أهمّها تشكيل اللّجنة التّنفيذيّة السّوريّة-الفلسطينيّة، وقد تشكّلت بمبادرة من اللّجنة التّنفيذيّة لحزب الاتّحاد السّوري الّذي كان يمارس نشاطًا واسعًا في مصر، حيث وجّهت الدّعوة إلى جميع التّنظيمات الحزبيّة السّوريّة في أوروبا، وأمريكا إلى عقد مؤتمر في جنيف في عام ١٩٢١م، وبدورها لبّت الأحزاب السّوريّة، وعَقد المؤتمر عشرين جلسة الغاية منها توحيد الجهود للحصول على استقلال سوريّة الكبرى. وقد قامت اللّجنة التّنفيذيّة للمؤتمر السّوريّ-الفلسطينيّ بنشاطات واسعة منها قيامها بنشاط إعلاميّ كبير، وتطرّقها إلى الأحداث الدّاخليّة، والخارجيّة في سوريّة، وفلسطين بالدّراسة والتّحليل، والعمل على نشرها، كما كانت دائمة الاتّصال مع الوفد السّوريّ الدّائم في جنيف لعرض القضايا المتعلّقة بسوريّة على عصبة الأمم. ولقد ركّز رجال الحركة الوطنيّة بداية على الجانب السّياسيّ في مواجهتهم للسّياسة الفرنسيّة، للمطالبة بحقوقهم، وفي مقدّمتها الحرّيّة، والاستقلال، لكن من ناحية أخرى لم يمنع ذلك الشّعب السّوري من حمل السّلاح، والقيام بالانتفاضات، والثّورات، الّتي عمت كامل التّراب السّوريّ، والّتي بدورها ستكون المُمهّد للثّورة السّوريّة الكبرى. وقد عبّرت هذه الثّورات الشّعبيّة عمّا أرادته الحركات الوطنيّة السّوريّة.
وخشية من تصاعد الثّورات في سوريّة لا سيّما مع تصاعدها في المغرب، واضطرار فرنسا لسحب قسم من قوّاتها في سوريّة إلى الشّمال الأفريقي، لجأت فرنسا إلى تهدئة الوضع في سوريّة من خلال تبديل المفوّض السّامي الجنرال ويغان (١٩٢٣-١٩٢٤م) بالجنرال موريس بول سراي، أملًا منها أن ينجح ويغان بتغيير أسلوب الحكم، فتنادى الوطنيّون لعقد مؤتمر لهم في بيروت، اتّخذوا فيه مقرّرات عديدة أهمّها الوحدة، والاستقلال، وقد سَمح لهم الجنرال بول سراي بتأليف حزب واحد سمّوه حزب الشّعب، ومن النّقاط الأساس لبرنامج هذا الحزب استقلال سوريّة، والاعتراف بسيادتها، وتوحيد
سوريّة الطّبيعة (بلاد الشّام)، والحصول على الحرّيّات، ودعم، وتشجيع المصنوعات الوطنيّة، وقد قام هذا الحزب بتقوية علاقاته مع زعماء الحركة الوطنيّة، وقد كانت نهايته مع نهاية الثّورة السّوريّة.
لقد بدأ بول سراي عهده بالتّودّد إلى الزّعماء الوطنيّين، ثمَّ أمر بإلغاء الأحكام العرفيّة، وخلال هذه الفترة طالبه الوطنيّون بعدّة مطالب منها وحدة سوريّة، والعفو عن جميع المحكومين، ودعوة جمعيّة تأسيسيّة لوضع دستور للبلاد، وقد وعدهم سراي بإجراء انتخابات في تشرين الأوّل عام ١٩٢٥م متجاهلًا مسألة الوحدة، والاستقلال. وخلال هذه الفترة كانت الأمور في توتّر في منطقة جبل الدّروز جرّاء التّصرّفات السّيّئة من الحاكم الفرنسيّ هناك. وفي ظلّ التّوتّر الحاصل في الجنوب السّوريّ، وفي ظلّ عدم تلبية طموحات الشّعب السّوري من قبل فرنسا، ومندوبيها كانت الثّورة السّوريّة الكبرى في طريقها للاندلاع في ٢١ تموز عام ١٩٢٥م أي بعد خمس سنوات من معركة ميسلون، واستمرّت هذه الثّورة مدّة عامين، وقد انطلقت بقيادة ثوّار جبل العرب، وشملت كامل التّراب السّوريّ، وجرّاء المعارك الكبيرة الّتي شهدتها الثّورة أنهك الجيش الفرنسيّ، واضطرّت حكومة باريس لتغيير سياساتها في سوريّة، فقامت باستدعاء الجنرال بول سراي، وعيّنت مندوبًا جديدًا هو هنري دي جوفنيل في كانون الأوّل عام ١٩٢٥ .
لقد بدأ دي جوفنيل يبحث عن حلول سياسة لتهدئة الوضع في البلاد، فوعد بعقد معاهدة سوريّة-فرنسيّة تُمكِّن السّوريّين من الاستقلال، وأصدر في ٢٦ من نيسان عام ١٩٢٦م قرارًا عيّن بموجبه أحمد نامي رئيسًا للدّولة، والحكومة، ونشأ في دمشق خلال هذه الفترة حزب الشّعب لقيادة الحركة الوطنيّة السّوريّة وتنظيمها، فكان أوّل حزب سياسيّ
في البلاد خلال فترة الانتداب الفرنسيّ. وحاول دي جوفنيل الاتّصال بالعناصر الوطنيّة، وجرت المفاوضات بينه، وبين الحركة الوطنيّة، فتقدّم أعضاء الحركة بالمطالب التّاليّة:
أ. انتخاب مجلس تأسيسيّ لوضع دستور للبلاد.
ب. قيام حكومة وطنيّة بطريقة الانتخاب.
ت. تحقيق الوحدة السّوريّة.
ث. العفو عن جميع المحكومين.
وعلى الرّغم من موافقة دي جوفنيل على وحدة الأراضي السّوريّة إلّا أنّ ذلك لم يتمّ، لا سيّما بعد إقراره دستورًا لجمهوريّة لبنان في ٢٦ آيار ١٩٢٦م، وهذا ما يُناقض المطالب السّوريّة السّابقة، والّتي أيّدها دي جوفنيل، والدّاعيّة لوحدة الأراضي السّوريّة. هذه المواقف الفرنسيّة بالإضافة لاستمرار الأعمال العسكريّة أدّت لخلافات داخل حكومة الداماد، فتمَّ حلُّ الحكومة، ونفي الوزراء الوطنيّين خارج البلاد. هذا في وقت كانت فيه الثّورة السّوريّة في طريقها إلى النّهاية منتصف العام ١٩٢٧م. وقد شكّلت نهايتها نهاية مرحلة النّضال السّوريّ المسلّح ضدّ المستعمر الفرنسيّ، ولكن بالمقابل بدأت مرحلة جديدة من النّضال السّياسيّ في سبيل الوصول إلى الاستقلال.
خلال المراحل الأخيرة للثّورة السّوريّة عملت فرنسا على تهدئة الأوضاع في سوريّة من خلال تعيين مندوب جديد لها يدعى هنري بونسو في ١٤ من آب عام ١٩٢٦م، لتبدأ
فرنسا سياسة جديدة في سوريّة، وخلال هذه الفترة عملت القوى الوطنيّة على تأسيس ما عرف بالميثاق الوطنيّ في صيف العام ١٩٢٦م، ليكون دستورًا للحركة الوطنيّة، ومن أهمّ ما تضمّنه هذا الميثاق اعتراف فرنسا باستقلال سوريّة، وحقّها في عصبة الأمم.
غير أنّ المندوب الجديد هنري بونسو لم يكن أفضل من سابقيه، فلقد بقيت فرنسا على سياستها السّابقة، فتغيير الأشخاص لا يعني تغيير السّياسة. وقد عمل بونسو على شقّ الحركة الوطنيّة، وإثارة الفوضى، والاضطرابات داخل البلاد، ولجأ إلى التّقرّب، والاتّصال مع الشّيخ تاج الدّين الحسيني، ومع السّيّد هاشم الأتاسي، هذه الاتّصالات أدّت لاستقالة الداماد من الدّولة، والحكومة في شباط عام ١٩٢٧م. وخلال صيف العام ١٩٢٧م كان الوطنيّون قد ازدادوا تجربة في مفاوضاتهم مع المندوب الفرنسيّ دي جوفنيل، واكتسبوا خبرةً، وقرّبتهم التّطوّرات بعضهم من بعض.
وخلال هذه الفترة، وجرّاء السّياسات الفرنسيّة عقد الوطنيّون مؤتمر بيروت في ٢٣-٢٥ من تشرين الأوّل عام ١٩٢٧م برئاسة هاشم الأتاسي للرّدّ على بيان المفوّض السّامي بونسو الّذي أصدره في ٢٧ تموز عام ١٩٢٧م، والّذي عرض فيه نقاط الخطّة الأساس الّتي سيواصل تحقيقها. وأصدروا خلال هذا المؤتمر تصريحًا انتقدوا فيه سياسة بونسو، وتصريحه الّذي لم يُلبِّ طموحات الشّعب السّوريّ. لقد كان هذا المؤتمر الأساس لقيام الكتلة الوطنيّة، والّتي تأسست عقب نهايته عندما ألّف سبعة من الوطنيّين في بيروت نواة هذه الكتلة، وهم هاشم الأتاسي، ومظهر رسلان من حمص، وإحسان الشّريف من
دمشق، وإبراهيم هنانو، وعبد الرّحمن الكيالي من حلب، ونجيب البرازي، وعبد الرّحمن القادر من حماه، وقد توسّعت هذه الكتلة بانضمام قادة الثّورة بعد العفو الفرنسي الصّادر عام ١٩٢٨م، وأبرز الّذين شملهم العفو: فوزي الغزي، وفارس الخوري، وسعد الله الجابري.
لقد ساهمت مجموعة من العوامل في ظهور الكتلة الوطنيّة أبرزها مواجهة السّياسة الفرنسيّة فيما يخصّ انتخابات الجمعيّة التّأسيسيّة، والدّستور، وتضرّر مصالح الطّبقة البرجوازيّة الاقتصاديّة نتيجةً لسياسة التّجزئة للمشرق العربيّ، والحدود المقامة الّتي أضعفت التّجارة السّوريّة، وأضرّت بالاقتصاد، فأصبح التّكتّل ضرورة لمواجهة المتطلّبات الجديدة، والوقوف في وجه الشّركات الأجنبيّة الّتي دعمها الانتداب. وبقيام هذه الكتلة انتهى دور الأحزاب السّياسيّة لكون غالبيّة عناصر هذه الأحزاب انضمّت لها، وسارت في فلكها، ممّا منحها الاستمرار أكثر من أيّ حزب سياسيّ في سوريّة رغم وجود تنافس شخصيّ بين بعض الأعضاء، وحساسيّات بين المناطق إضافة للضّغوط الفرنسيّة، لذلك عملت على تحقيق التّوازن مع الفرنسيّين للتّخفيف من سيطرتهم على البلاد.
لقد دفع مؤتمر بيروت السّابق فرنسا إلى تغيير سياستها في سوريّة، فكلّف المندوب السّامي في الأوّل من شباط عام ١٩٢٨م الشّيخ تاج الدّين الحسينيّ بتشكيل حكومة جديدة تكون تحت سلطة الانتداب وليصدر بونسو قراره بتشكيل هذه الحكومة في
الخامس عشر من شباط عام ١٩٢٨م، وقد أعلنت هذه الحكومة عن إجراء انتخابات عامّة لتشكيل جمعيّة تأسيسيّة سوريّة تكون مهمّتها وضع القانون الأساس للبلاد العربيّة من خلال القرار الّذي أصدره المندوب السّاميّ هنري بونسو في العشرين من آذار، والقاضي بوضع نظام للانتخابات في سوريّة.
خلال هذه المرحلة كانت فرنسا قد تمكّنت من القضاء على المقاومة المسلّحة، ونجحت في تحقيق هدوء نسبيّ، وفرض سيطرتها على مختلف المدن، والمناطق، وهذا ما ساعدها على وضع الصّورة النّهائيّة للجمهوريّة الجديدة، وقد أوكلت فرنسا هذه المهمّة للمفوّض هنري بونسو الّذي فتح حوارًا مع القوى الوطنيّة، وشكّل مجلسًا نيابيًا، وبدأت الخطوات الأولى لكتابة الدّستور. لقد كانت غاية المفوض السّامي تهيئة الجوّ السّياسيّ كما يريده هو، وهذا ما أراده من حكومة الحسينيّ، والّذي بدوره كان عازمًا على إجراء انتخابات، والدّعوة إلى تأسيس جمعيّة تأسيسيّة تضع للبلاد دستورًا يمنحها الحرّيّة، وفي الحقيقة؛ فإنّ الفرنسيّين كانوا يأملون من هذه الانتخابات ومن الجمعيّة التّأسيسيّة وضع دستور للبلاد على أهواء فرنسا.
جرت الانتخابات في ٢٤ نيسان ١٩٢٨م، وقد نتج عنها فوز الكتلة الوطنيّة برئاسة
إبراهيم هنانو، وكان من زعمائها هاشم الأتاسي، وجميل مردم بك، وسعد الله الجابريّ، وفارس خوري، وبرز من داخل هذه الكتلة جماعة عُرفت بالاستقلاليّين لكونها كانت تدعو للاستقلال التّامّ لسوريّة، كان من أعضائها شكري القوتلي، وعادل أرسلان، ورياض الصّلح، وتمّ اختيار لجنة تأسيسيّة لوضع دستور للبلاد، من أهمّ أعضائها إبراهيم هنانو، وفوزي الغزّي أعدّت مشروعًا للدّستور تضمن ميثاق الحركة الوطنيّة. والّذي تألّف من ١١٥ مادّة، كان من أهمّها إنشاء الجمهوريّة البرلمانيّة الّتي ستنتخب الجمعيّة أوّل رؤسائها، وهيئة تشريعيّة من مجلس واحد لنواب الأمّة، ونصّ على وحدة الأراضي السّوريّة. وقد اعترض الفرنسيّون على هذا الدّستور؛ لأنّه لا ينصّ على بقاء فرنسا تُدير الأمور كما تريد من وراء السّتار مثلما جرى في لبنان، وهو يفقدها الكثير من الصّلاحيّات، وصدر بلاغ فرنسي في ٨ من آب عام ١٩٢٨م يطالب بحذف المواد الّتي تنصّ على الاستقلال والوحدة.
غير أنّ أعضاء الكتلة الوطنيّة رفضوا المطالب الفرنسيّة لأنّ حذف هذه المطالب يجعل الدّستور بلا أيّ قيمة تحقّق ما يسعى إليه السّوريّون. وجرّاء هذا الرّفض أصدر المندوب السّامي أمرًا بوقف الجمعيّة التّأسيسيّة ثلاثة أشهر من يوم ١١ من آب عام ١٩٢٨م، ثمّ أصدر قرارًا في ٧ من شباط عام ١٩٢٩م بتأجيل الجمعيّة التّأسيسيّة إلى أجل غير مسمّى. وفي آذار عام ١٩٣٠م عقد الوطنيّون مؤتمرًا في إحدى ضواحي دمشق، وقرّروا العمل على إيجاد حلّ للخروج من هذه المعضلة بعد تعطيل المفوّض السّامي للجمعيّة التّأسيسيّة. وقد قام هاشم الأتاسي رئيس الجمعيّة بمقابلة المفوّض السّامي،
وخلال المقابلة ألمح له أنّه سيسير قريبًا على خطّة مستمدّة من السّياسة الحرّة نفسها الّتي ابتدأ بها. وجرّاء ذلك أصدر المفوّض السّامي في ١٤ من آيار عام ١٩٣٠م دستور سوريّة الجديدة، وسمّاه القانون الأساس للدّول المشمولة بالانتداب الفرنسي. ولم يكن هناك دستور واحد بل دساتير، ونظم عديدة، تتعلّق بسوريّة، ولواء اسكندرونة، الّذي تمتّع بوضع خاص، وقانونان أساسان لحكومتي اللّاذقيّة وجبل الدّروز، ونظام المصالح المشتركة. وقد أدخلت على الدّستور تعديلات نصّت عليها المادّة ١١٦، الّتي عبّرت عن تحفظّات الانتداب، ريثما تعقد معاهدة بين الطّرفين يحدّد فيها برضى عصبة الأمم شروط تطبيق الانتداب وفقًا لمبادئ ميثاق هذه الجمعيّة.
في الحقيقة إنّ هذا الدّستور لم يكن ليحظى برضى الشّعب السّوريّ، ولذلك فقد كان باعثًا للاستياء، والاستنكار في جميع المدن السّوريّة. وهذا ما دفع الجمعيّة التّأسيسيّة إلى إرسال برقيّات احتجاج إلى عصبة الأمم، وإلى المفوّض السّامي الّذي كان في باريس، وقد احتجّوا في هذه البرقيّات على منع الجمعيّة التّأسيسيّة من إتمام مهمّتها، وتجزئة البلاد، وتعطيل عمل الدّستور من خلال المادّة ١١٦. وفي تشرين الثّاني عام ١٩٣١م أصدر المندوب السّامي قرارًا أنهى بموجبه عهد الحكومة المؤقّتة الّتي دامت أربع سنوات، ودعا السّوريّين إلى الاشتراك في انتخاب مجلس نيابي. وأصدر ثلاث قرارات: هي إنشاء مجلس استشاريّ يجتمع فيه رؤساء الدّولة السّوريّة الّذين تعاقبوا على الحكم، ورئيس مجلس الشّورى، ورئيس محكمة التّمييز، وعميد جامعة دمشق، ورئيسا غرفتيّ التّجارة في حلب ودمشق. وثانيهما قرار يحدث أسلوبًا إداريًّا مؤقّتًا لتسيير أعمال الحكومة، من وزراء عاملين مكلّفين بالتّوقيع، وأمانة سرّ عامّة، ومشاركة مندوب المفوّض السّامي في أعمال الدّولة، واحتفظ المفوّض السّامي لنفسه في قرار آخر بصلاحيّات رئيس الدّولة المتعلّقة بالانتخابات.
ورغم قناعة السّوريّين بعدم جدوى الدّستور، إلّا أنّهم قرّروا المشاركة بالانتخابات، وفي الحقيقة لم تجرِ الانتخابات على ما يرام في المناطق كافّة، وحدثت العديد من المشاكل جرّاء التّدخل الفرنسيّ من خلال إعداد قوائم مسبقة، ولكن في النّهاية نجح من مرشّحي الوطنيّين (١٧ من أص ٦٩)، ودُعي البرلمان إلى الاجتماع في ٧ من حزيران لدورة استثنائية يوضع فيها الدّستور موضع التّنفيذ، في برنامج محدّد لانتخاب مكتب المجلس، وانتخاب رئيس الجمهوريّة، وتصديق الانتخابات، ثمّ تحديد مخصّصات الرّئيس، وأعضاء المجلس، وقد حاول الفرنسيّون السّيطرة على المجلس من خلال سيطرتهم على قرابة ٥٠ عضوًا، ومحاولة مداراة الوطنيّين من ناحية أخرى. وخلال انتخابات المجلس نجح مندوب المفوّض السّامي صبحي بركات، واقتصرت أصوات هاشم الأتاسي على أصوات الوطنيّين. ولما جرى التّرشيح لرئاسة الجمهوريّة تنافس صبحي بركات، وحقّي العظم، وازدادت الجلسة اضطرابًا، وحماسًا، فتأجّل انتخاب الرّئيس، وبعد خلافات بين المندوب السّامي، والوطنيّين من ناحية، وسجّلات من ناحية أخرى بين بونسوا، ومستشاريه، تمّ الاتفاق بعد إعلان الجمهوريّة الجديدة على انتخاب محمّد علي العابد أوّل رئيس منتخب لهذه الجمهوريّة في ١١ من حزيران عام ١٩٣٢م حتّى كانون الأوّل من العام ١٩٣٦م، على أن يتقلّد حقّي بك العظم رئاسة مجلس الوزراء، تعويضًا عن ترشيح نفسه للرّئاسة، ويشترك معه بعض الوطنيّين في الحكم.
وفي ٤ من كانون الأوّل عام ١٩٣٢م تمكّن قادة الحركة الوطنيّة من وضع النّظام الدّاخليّ، والإطار التّنظيميّ للكتلة الوطنيّة، وقد تضمّن نظامها الدّاخليّ (٤٤) مادّة شكّلت الأهداف الوطنيّة الّتي تسعى الكتلة إلى تحقيقها، فنصّت مادّتها الأولى على أنّ الكتلة الوطنيّة هيئة سياسيّة غايتها:
ـ تحرير سوريّة من أيّ سلطة خارجيّة وتحقيق الاستقلال التامّ.
ـ التّعاون مع الأقطار العربيّة لتأمين اتّحاد فيما بينها.
ـ توفير طاقات الأمّة المادّيّة والمعنويّة في النّضال الوطنيّ وبلوغ الاستقلال.
ـ الكتلة الوطنيّة هي الممثّل الوحيد للشّعب السّوريّ وجهودها فقط من تمثّل آمال السّوريّين.
في الحقيقة إنّ بونسو لم يستطع وضع أسس للعلاقة بين الطّرفين، ولم ينجح بوضع دستور للبلاد رغم التّصريحات الّذي تناولها في بيانه بُعيد تشكيل الحكومة، والّذي كان مجرّد كلام لا يمتُّ لسياسته في سوريّة بصلة، وهذا ما قاد لصراع طويل بين الطّرفين انتهى باستدعاء بونسو لفرنسا، وإرسال مفوّضٍ جديدٍ إلى سوريّة هو دي مارتيل ليحكم قبضته على الحركات الوطنيّة في البلاد.
بقدوم المفوّض السّامي الجديد دي مارتيل دخلت العلاقات الفرنسيّة–السّوريّة مرحلة جديدة، وطويلة من المفاوضات انتهت بتوقيع المعاهدة السّوريّة–الفرنسيّة في باريس في ٩ من أيلول عام ١٩٣٦م. فمارتيل كان بسياسته على نقيض خلفه. ومع وصوله إلى سوريّة في ١٤ من تشرين الأوّل عام ١٩٣٤م عقد عزمه لعقد معاهدة مع السّوريّين، والّتي لم يطُل انتظارها أكثر من شهر، ففي ١٦ من تشرين الثّاني ١٩٣٤م وقعت المعاهدة، وأذيعت في اليوم التّالي. وهذا ما أدّى لموجة عنيفة من الغضب في الشّارع السّوري، لا سيّما أنّها وُقعت في ظلّ حكومة مسيطر عليها من قبل الفرنسيّين، وهذا سيفرض بدوره قيودًا على السّوريّين في هذه المعاهدة. ممّا دفع الّذين سيوقّعون عليها للاستقالة، وتبع
ذلك مناشدات لعودة النّواب الوطنيّين للمجلس النّيابيّ، فاستجابوا، وعادوا، واتّفقوا مع عدد كبير من النّوّاب على رفض المعاهدة. ورغم المحاولات لفرض المعاهدة، وإبراز محاسنها بحسب الفرنسيّين، والمواليّين لهم في المجلس إلّا أنّ النّواب الوطنيّين استمروا بالرّفض، وقامت المظاهرات في المدينة تندّد بأعضاء الحكومة الّذين وقّعوا المعاهدة تنديدًا شديدًا، غير أنّ الفرنسيّين عطّلوا المجلس النّيابيّ. وخلال هذه الفترة أخذ المفوض السّامي يعدُّ العدّة لتأليف وزارة جديدة، وهنا استقالة وزارة حقّي العظم مُجبرة، وجاءت فرنسا بوزارة الشّيخ تاج الدين الحسيني.
ولم يهدأ الوطنيّين بعد تعيين الوزارة، وعمّت الاضطرابات مناطق عديدة من البلاد، فقادت هذه الاضطرابات إلى ما عرف بالإضراب السّتّيني في الفترة بين ٢٧ كانون الثّاني - ٢ آذار ١٩٣٦م مع اعتقال فخري البارودي أحد نوّاب الكتلة الوطنيّة، وأمام تعنّت الفرنسيّين عن إطلاق سراحه، دعت الكتلة الوطنيّة لإضراب عامّ في كافّة المدن السّوريّة، وتشدّدت فرنسا بسياستها من خلال وضع قادة الكتلة رهن الإقامة الجبريّة لمنعهم من المشاركة في الإضراب، وأمام تعنّت الوطنيّين بمطالبهم استجابت فرنسا لمطالب الكتلة، فأقالت حكومة تاج الدّين الحسيني في ٢٤ من شباط عام ١٩٣٦م، وتمّ قبولها من قبل الرّئيس محمّد علي العابد، وتمّ تسمية وزير العدل السّيِّد عطا الأيوبي بتأليف الوزارة، وأعلن المفوّض السّامي بيانًا أبدى فيه استعداده للمفاوضة، وعقد معاهدة، وإطلاق سراح المعتقلين السّياسيّين، وإصدار عفو عامّ.
وفي الأوّل من آذار عام ١٩٣٦م وقّع المفوّض السّامي مع رئيس الكتلة الوطنيّة السّيِّد هاشم الأتاسي اتّفاقًا في بيروت، ينصُّ على موافقة الحكومة الفرنسيّة على استقبال وفد رسمي يتفاوض معها لعقد معاهدة، وعاد الوطنيّون من معتقلاتهم، ووافقوا على إرسال
وفد لفرنسا، فأصدر الرّئيس محمّد علي العابد رئيس الجمهوريّة قرارًا بتشكيل وفد مهمّته المفاوضة في باريس مع فرنسا لتهيئة مشروع معاهدة تعقد بين الطّرفين. وسافر الوفد إلى فرنسا في ٢١ من آذار عام ١٩٣٦م، واستمرّ النّقاش هناك إلى أيلول حيث تمّ التّوقيع على المعاهدة السّوريّة-الفرنسيّة في التّاسع من أيلول عام ١٩٣٦م، هذه المعاهدة الّتي تُنهي الانتداب، وتُقُّر بين فرنسا، وسوريّة تحالفًا على أسس الحرّيّة التّامّة، والسّيادة، والاستقلال، وقد أقرّت المعاهدة السّلم، والصّداقة بين فرنسا، وسوريّة، والتّشاور في السّياسة الخارجيّة، وما يمسُّ مصالحهما المشتركة، وانتقال الحقوق، والواجبات، ومسؤوليّة حفظ النّظام في سوريّة، وغير ذلك، والانتماء إلى عصبة الأمم. ولم تضمن هذه المعاهدة لسوريّة الاستقلال التّامّ، فحكومة سوريّة لم تكن حرّة، وطليقة في السّياسة الخارجيّة، ولا في شؤونها العسكريّة، ولم تكن واضحة فيما يتعلّق بالوحدة السّوريّة. وبذلك فإنّ الوطنيّين الّذي سعوا لهذه المعاهدة أعرضوا عنها.
لقد تقبّل الشّعب السّوري المعاهدة، وأعلن ثقته بالّذين عقدوها من خلال تأييده للانتخابات الّتي جرت على أثرها، فأوصل المسؤولين عنها إلى الحكم برضاه. غير أنّ محمد علي العابد رئيس الجمهوريّة لم يكن مقتنعًا بهذه المعاهدة، ولكن بالمقابل لم يظهر غضبه، وليفسح المجال لغيره أرسل كتاب استقالته للمجلس النّيابي، ليُنتخب بعده هاشم الأتاسي رئيسًا للجمهوريّة في ٢١ من كانون الأوّل عام ١٩٣٦م، وفارس الخوري رئيسًا للمجلس النّيابيّ، والسّيِّد جميل مردم بك رئيسًا لمجلس الوزراء، ووزارة الاقتصاد، والزّراعة، واشترك معه السّيِّد سعد الله الجابري، فكان وزيرًا للدّاخليّة، والخارجيّة، والسّيِّد شكري القوتلي كان وزيرًا للماليّة، والدّفاع الوطنيّ، والسيِّد عبد الرّحمن الكيالي وزيرًا للعدل، والمعارف، ورفعت معاهدة التّحالف والصّداقة السّوريّة-الفرنسيّة إلى المجلس
النّيابيّ من قبل الحكومة فوافق المجلس عليها.
لقد كانت هذه المعاهدة موضع خلاف كبير بين القوى السّياسيّة في سوريّة، فقد رأت الكتلة الوطنيّة فيها مرحلة إيجابيّة مقبولة بشرط تعديل بعض بنودها في أقرب وقت، ورأت فيها أنّها غير ملبّية لمطالب الشّعب، في حين أنّ البعض تحمّس لها، فقال جميل مردم بيك فيها أنّها عروسة الشّرق، ووصفها فارس الخوري بمعجزة القرن العشرين، وكان ردّ سعد الله الجابري على منتقدي المعاهدة بأنّه لم يبقَ على فرنسا إلّا أن تعطينا مرسيليا. في حين أنّ الجبهة الوطنيّة المتّحدة بزعامة عبد الرّحمن الشهبندر، وزكي الخطيب، ومنير العجلاني، فقد نظرت إلى المعاهدة على أنّها بعيدة عن الأماني القوميّة، ولا تحقّق الاستقلال، ورأت عصبة العمل القومي أنّ الاستقلال لا تؤمنه العهود، والوعود بل استعداد الشّعب، وميزاته للبقاء.
ولكن على الرّغم من كلّ ذلك فإنّ هذه المعاهدة لم يُصادق عليها من قبل فرنسا، وكأنّها لم تُعقد، فسوريّة لم تحصل على استقلالها، وسُلخ منها لواء إسكندرونة، وهذا كلّه زاد الاضطرابات، الّتي بدورها دفعت فرنسا لتعيين مندوب سامي جديد هو (بيو بدلًا من مارتيل)، وجراء عدم التزام فرنسا بتعهداتها، وما تتحدّث به عبر رجالاتها، فلقد أعلن الرّئيس هاشم الأتاسي استقالته من رئاسة الجمهوريّة، وأصدر المندوب السّامي غابرييل بيو قرارًا بتشكيل مجلس المديرين في سوريّة في الثّامن من تموز عام ١٩٣٩م، وعيّن بهيج الخطيب مديرًا لحكومة المديرين، وقد احتجّت الكتلة الوطنيّة في بيان نشرته في ١١ من تموز ١٩٣٩م على تسليم إدارة البلاد لما أسمته السّياسة مجلس المديرين، وأنّ الشّعب السّوري يستنكر السّياسة الجديدة الّتي فرضت على سوريّة، لا سيّما أيضًا بعد
التّنازل عن اللّواء لتركيا، ودعا البيان الشّعب السّوريّ ليتأهّب، ويتّخذ الوسائل المشروعة لتحقيق مطالبه، وحرّيّته، وإعادة أجزاء بلاده إلى الوحدة السّوريّة. واستمرّت حكومة المديرين حتّى الأوّل من نيسان عام ١٩٤١م. وفي هذه الفترة كانت بوادر الحرب العالميّة الثّانية قد بدأت في الظّهور، ولم تكن فرنسا راغبة بتنازلات تُضعف من سلطتها في سوريّة لا سيّما مع توتّر الأمور بين سلطة الانتداب، والنّخب السّياسيّة السّوريّة جرّاء تنازل فرنسا عن لواء إسكندرونة لتركيا في تموز عام ١٩٣٩م، حيث سادت أجواء السّخط، والفوضى من جديد، ممّا دفع المفوض الجديد بيو لإعلان الأحكام العرفيّة، واعتقال الزّعماء الوطنيّين، معلنًا بدء مرحلة جديدة من الحكم، والسّيطرة المطلقة.
وكانت فرنسا قد أقدمت على سلخ لواء اسكندرون عن سوريّة، والتنازل عنه لتركيا لكسب تأييدها في الحرب العالميّة الثانية من خلال الاتفاق بين الفرنسيين والإنكليز، وتزوير الانتخابات ضمن اللواء لقلب الحقيقة، وضم اللواء لتركيا تحت مسمّى (هاتاي)، فوقعت فرنسا وتركيا اتّفاقًا في ٢٣ من حزيران عام ١٩٣٩م نصّ على ضمّ اللواء لتركيا. متجاهلين وحدة سوريّة، وكل الوعود التي أعلنوها سابقًا في وقت كان فيه السوريون مقيدين بما أفرزته الحرب العالميّة الأولى وما سبقها من اتفاقيات ومعاهدات ومؤتمرات.
لقد اكتفى المجلس النّيابي بتسجيل عدم موافقته على ضمّ اللّواء لتركيا، في وقت بدت فيه الحكومة عاجزة عن فعل أيّ شيء جرّاء ما حدث، ففتحت المفاوضات من جديد مع فرنسا لتوقيع معاهدة معها بعد إدخال تعديلات على الاتّفاقيّة السّابقة الّتي لم تصادق عليها فرنسا غير أنّ فرنسا أعلنت بأنّها لا تنوي عرض المعاهدة على البرلمان، فاستقالت الحكومة السّوريّة، ولجأ المسيو بيو إلى حلّ المجلس النّيابيّ السّوريّ، من
خلال إصداره قرارًا بحلّ المجلس، وتعطيل العمل بالدّستور في سوريّة. وإلى فصل جبل الدّروز، وجبل العلويّين عن الإدارة المركزيّة في دمشق، واستقال رئيس الجمهوريّة هاشم الأتاسي، وأصبحت السّلطة بأيدي من يأتمر بأمر الانتداب، فعمّ السّخط في المناطق السّوريّة كافّة، وفي هذه الأثناء اندلعت الحرب العالمية الثّانية في الأوّل من أيلول عام ١٩٣٩م.
الحركة الوطنيّة السّوريّة والطّريق نحو الاستقلال خلال الحرب العالميّة الثّانية
لم تتوقّف محاولات الوطنيّين للحصول على الاستقلال، والتّخلّص من المستعمر الفرنسيّ خلال هذه المرحلة، لا سيّما في ظلّ الأوضاع، والأزمات الدّوليّة، وبخاصة مع اندلاع الحرب العالميّة الثّانية، واستمرار الحركات الوطنيّة في نضالها من أجل الاستقلال.
فمع اندلاع الحرب العالميّة الثّانيّة ازداد الفعل الوطنيّ المتمثّل بالحراك الشّعبيّ، والوطنيّ، في وقت ازداد فيه الصّراع البريطانيّ-الفرنسيّ، وقد استغلّت بريطانيا الضّعف الفرنسيّ لتبسط نفوذها على المناطق السّوريّة كلّها، في حين لم تكن سلطة قوّات فرنسا الحرّة تتجاوز مدينة دمشق، وضواحيها. وبعد أن وقعت فرنسا في قبضة ألمانيا خلال الحرب العالميّة الثّانية، ومع سقوط مدينة باريس ظهرت في فرنسا حكومة فيشي الموالية للألمان، فعزل الجنرال غابرييل بيو، وعيّن مندوب جديد لحكومة فيشي هو الجنرال هنري فيرناند دينتز، فأقال حكومة المديرين، وأصدر القرار رقم ٧١/ ل.ر بتاريخ ٢ نيسان عام ١٩٤١م كلّف بموجبه خالد العظم بتشكيل وزارة مؤقّتة تقود البلاد إلى الاستقلال. وكان موقف حكومة فيشي من الحركة الوطنيّة يعبّر عن السّياسة الاستعماريّة القاسية الّتي اشتهرت بها تلك الحكومة، غير أنّ سوء وضعها في سوريّة ولبنان، وانتشار المجاعة
الّذي هدّد بانفجار الثّورة، جعلها تتساهل قليلًا في موضوع الاستقلال، فأعلنت مبدئيًّا استعدادها لإنهاء الانتداب، وإعادة تشكيل مجلس الوزراء السّوريّ برئاسة خالد العظم بعد توقّف الحياة الدّستوريّة في سوريّة قرابة السّنتين.
غير أنّ القوّات الفرنسيّة، وبمساعدة بريطانيا، وبعض العناصر السّوريّة تمكّنّت من القضاء على قوّات هنري فيرناند دينتز التّابع لألمانيا في تموز عام ١٩٤١م، وعاد الجنرال شارل ديغول إلى سوريّة، والتقى بالقادة الوطنيّين، وألقى كلمة في الجامعة السّوريّة وعد فيها باستقلال سوريّة، ثمّ قام بتعيين الجنرال كاترو مندوبًا ساميًّا لحكومة فرنسا، وأعلن بعدها الجنرال كاترو عن استقلال سوريّة من دون أيّ شروط، وعيّنت فرنسا الشّيخ تاج الدّين الحسيني رئيسًا للجمهوريّة في ١٢ أيلول عام ١٩٤١م، غير أنّها لم تمنحه أيّ سلطات حقيقيّة، فلم تعيد الحياة الدّستوريّة لسوريّة، وهذا ما أدّى إلى زيادة السّخط الشّعبيّ في المدن السّورية كافّة، وفي ١٧ من كانون الثّاني عام ١٩٤٣م توفّي تاج الدّين الحسيني، وعقب وفاته أصدر مجلس الوزراء قرارًا تولّى بموجبه مهامّ رئيس الجمهوريّة، وفي ظلّ الوضع الدّاخليّ السّوريّ المعارض للوجود الفرنسيّ، اضطرّت فرنسا على الموافقة لإجراء انتخابات حرّة في سوريّة في ٢٤ كانون الثّاني عام ١٩٤٣. وخلال هذه الانتخابات فازت قوائم الكتلة الوطنيّة، وحصل أعضاؤها على معظم مقاعد مجلس النّواب، ومع انعقاد أولى جلسات هذا المجلس في ١٧ من آب عام ١٩٤٣م انتخب شكري القوتلي رئيسًا للجمهوريّة في أوّل جلسة للبرلمان الجديد، وانتخب فارس الخوري رئيسًا لمجلس النّوّاب، وسعد الله الجابري رئيسًا للوزراء.
وحاولت فرنسا فرض معاهدة على السّوريّين تحفظ لها امتيازاتها السّياسيّة، والاقتصاديّة، والثّقافيّة، والعسكريّة، وهذا ما رفض من قبل الوطنيّين فما كان من فرنسا إلّا أن قامت أواخر آيار بقصف دمشق، وتدميرها. وجرّاء ذلك وبعد مباحثات بين الطّرفين السّوريّ، والفرنسيّ تمّ الاتّفاق في ٢٢ كانون الأوّل ١٩٤٣م على أن تنتقل كلّ السّلطات الّتي تمارسها الحكومة الفرنسيّة إلى الحكومة السّورية. وفي الخامس من حزيران عام ١٩٤٤م أعلن المندوب السّامي موافقة الحكومة الفرنسيّة على استقلال سوريّة رسميًّا. غير أنّها ماطلت كثيرًا في منح الاستقلال التّامّ، وجلاء القوّات الفرنسيّة، وجرّاء المعارضة الوطنيّة قامت فرنسا بإطلاق النّار على المجلس النّيابيّ في ٢٩ آيار ١٩٤٥، وبلغ عدد الشّهداء ٦١٦ وأكثر من ألفيّ جريح. غير أنّ سوريّة قدّمت شكواها إلى مجلس الأمن الّذي أجبر فرنسا على الجلاء عن سوريّة في ١٧ من نيسان ١٩٤٦م، ولم يكن ذلك حبًّا بسوريّة، والسّوريّين بل نكاية بفرنسا من قبل بريطانيا. وقبيل هذه الفترة كانت سوريّة قد أرسلت أوّل وزير مفوّض إلى الولايات المتّحدة، وهو ناظم القدسي، بعد أن أصدر الرّئيس شكري القوتلي مرسومًا بذلك في الثّلاثين من كانون الأوّل عام ١٩٤٥م. وكانت سوريّة سابقًا قد أعلنت الحرب على ألمانيا، واليابان، وذلك بعد عودة الرذئيس شكري القوتلي من مصر بعد اجتماع مع رئيس الوزراء البريطانيّ، والملك السّعوديّ، والملك فاروق، وهذا الإعلان كان لكي يسمح للحكومة السّوريّة بالمشاركة
في اجتماعات تأسيس الأمم المتّحدة. وكانت الولايات المتّحدة قد أعلنت في تصريح سابق لمعاون وزير الخارجيّة الأمريكيّة في ٣١ آيار ١٩٤٥م أنّ سوريّة، ولبنان دولتين مستقلّتين، ومعترف بهما في الأمم المتّحدة، وطالبت فرنسا بأن تحترم هذا الشّيء.
ومع خروج الفرنسيّين من سوريّة طويت صفحات طويلة من التّاريخ السّوريّ في ظلّ الحكم، والاستعمار الخارجيّ منذ احتلال العثمانيّين البلاد حتّى خروج ورثتهم الفرنسيّين من البلاد، وما زالت أنياب المستعمرين تتّجه منذ ذلك الحين إلى هذا البلد الّذي تحدّى، وما زال يتحدّى القوى الأجنبيّة الطّامعة للسّيطرة عليه.
ومع انتخابات عام ١٩٤٧م ظهر على السّاحة السّوريّة الحزب الوطني، وحزب الشّعب، والحزب القومي السّوري، وحزب البعث، والحزب الاشتراكيّ العربي، والحزب الشّيوعي السّوري، لتبدأ سوريّة بعدها فترة من التّخبّطات السّياسيّة، والانقلابات استمرّت حتّى مطلع السّبعينيّات، وعاشت سوريّة بعدها في فترة من التّخبّطات السّياسيّة منذ استقلالها، وحتّى مطلع السّبعينيّات من القرن العشرين مع وصول القائد الخالد حافظ الأسد الّذي أسّس نظامًا سياسيًّا مستقرًّا حتّى رحيله في نهاية القرن العشرين.
إنّ ما تعيشه منطقتنا اليوم هو من نتائج ما تحدّثنا عنه سابقًا في هذا البحث؛ فوعد بلفور، واتّفاقيّة سايكس بيكو، ومؤتمر فرساي، وسان ريمو ما زالت نتائجهم الاستعماريّة حتّى اليوم. فالغرب الّذي تبجّح بالدّيمقراطية وما زال ، وحقوق الإنسان، نهب خيرات الشّعوب العربيّة، ورسم الحدود السّياسيّة بحسب مصالحه. لاشك بأنّ الاستعمار أثبت وبعد مئة عام أنّه ما زالت له سياساته، وأدواته للتدخّل في بلداننا العربيّة.
في الحقيقة لم تكن مسيرة المستعمر الفرنسيّ سهلة في سوريّة، وعلى الرّغم من أنّه دخل البلاد مغتصبًا لها، وبخديعة العرب بعد خروج العثمانيّين، إلّا أنّ الشّعب السّوريّ منذ البداية رفض هذا الدّخول، والانتداب، فالبطل يوسف العظمة، وعلى الرّغم من قناعته بعدم التّكافؤ في المعركة، إلّا أنّه رفض دخول الفرنسيّين دمشق بدون مقاومة. وعلى الرّغم التّنوّع، والتّركيبة السّكانيّة في سوريّة إلّا أنّ الشّعب السّوريّ وقف وقفة واحدة ضدّ التّقسيم الّذي اتّبعته فرنسا على أساس طائفيّ للمناطق، ورفض الوطنيّون السّوريّون أيّ إغراءات من قبل فرنسا، واستمرّوا في نضالهم حتّى الاستقلال.
وبالمقابل فإنّ أطماع العثمانيّين، وأحفادهم الأتراك لم تتوقّف يومًا في التّوسّع، والسّيطرة على المناطق العربيّة المجاورة لهم، وبحجج مختلفة في سبيل تحقيق غايتهم، فطموحات آل عثمان في سبيل السّيطرة على المناطق المجاورة لهم، وبخاصّة العربيّة لم تنتهِ بانهيار دولتهم، فقد استمرّ أتاتورك، وخلفاؤه من بعده بنفس المنوال كلّما سنحت لهم الظّروف، والواقع الحالي خير دليل على ذلك.
إنّ قضية سلخ اللّواء عن الوطن الأمّ سوريّة جريمة دوليّة ارتكبها دعاة الحرّيّة، والدّيمقراطيّة، وحقوق الإنسان في العالم، فبريطانيا، وفرنسا، وحليفتهم الولايات المتّحدة الأمريكيّة ما زالوا على المنوال نفسه حتّى الآن من خلال التّدخّل في شؤون الدّول، وسلخ أجزاء منها، وتقسيمها بحسب مصالحهم، وكلّ ذلك مسوّغ تحت بند مساعدة الشّعوب، ومنحها الحرّيّة، والدّيمقراطيّة.
(387)
1.الأرمنازي، نجيب، سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، ط٢، دار الكتاب الجديد، بيروت، ١٩٧٣م.
2.تيم، فوزي أحمد؛ صالح، عطا محمد، النظم السياسيّة العربيّة، المعاصرة، جامعة قاريونس، ليبيا، ١٩٨٨م.
3.حاج بكري، علي، العقلية العربية بين الحربين، تقديم: نبيه أمين فاري، دار الرواد للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ١٩٥٢م.
4.الحصري، ساطع، يوم ميسلوم، صفحة من تاريخ العرب الحديث، دار الاتحاد، بيروت، ١٩٤٥م.
5.الحكيم، حسن، مذكراتي (١٩٢٠-١٩٥٨م)، دار الكتاب الجديد، القسم الثاني، ط١، بيروت ١٩٦٦م.
6.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار للنشر، ط٢ بيروت، ط٢، ١٩٩١م.
7.الخالدي، محمد فاروق، المؤامرة الكبرى على بلاد الشام، دراسة تحليليّة للنصف الأوّل من القرن العشرين، دار الداوي للنشر والتوزيع، ط١، المملكة العربية السعودية، ٢٠٠٠م.
8.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي، سياسة القوميّة العربيّة (١٩٢٠-١٩٤٥م)، مؤسسة الأبحاث العربية، ط١، بيروت، ١٩٩٧م.
9.خوري، يوسف، المشاريع الوحدوية العربية (١٩١٣-١٩٨٩م)، مركز دراسات الوحدة العربية، ط٢، بيروت ١٩٩٠م.
10.الدبس، شاكر، الدول العربية في الأمم المتحدة، مطبعة الإنشار، ط١، دمشق، ١٩٤٨م.
11.الريس، منير، الثورة السوريّة الكبرى، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٦٩م.
12.زين، زين نور الدين، الصراع الدولي في الشرق الاوسط وولادة دولتي سوريّة ولبنان، دار النعار للنشر، بيروت، ١٩٧١م.
13.سعيد، أمين، تاريخ الاستعمارين الفرنسي والإيطالي في بلاد العرب، القاهرة، ١٩٣٦م.
14.السفرجلاني، محي الدين، تاريخ الثورة السوريّة، دار اليقظة العربية للتأليف والترجمة، دمشق، ١٩٦١م.
15.الشامي، رحيم حسن محمد، الكتلة الوطنيّة وأثرها في التطورات السياسيّة في سوريّة في أعقاب الثورة السوريّة الكبيرة (١٩٢٧-١٩٣٦م)، مجلة آداب الكوفة، مجلد ١٠، عدد ٣٣، العراق، ٢٠١٧م.
16.عدوان، أكرم محمد، مدينة دمشق ومواجهة الاستعمار الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦م)، مجلة الجامعة الإسلاميّة، المجلد ١٨، العدد ٢، غزة-فلسطين، ٢٠١٠م.
17.علوان، إبراهيم، مشكلات الشرق الأوّسط، الوطن العربي، منشورات المكتبة العصرية، بيروت، ١٩٦٨م.
18.فرزات، محمد حرب، الحياة الجزبية في سوريّة، دراسة تاريخية لنشوء الأحزاب السياسيّة وتطورها (١٩٠٨-١٩٥٥م)، ط١، منشورات دار الرواد، ١٩٥٥م.
19.قرقوط، ذوقان، المشرق العربي في مواجهة الاستعمار، قراءة في تاريخ سوريّة المعاصر، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٧م.
20.ـــــــــــــــ، تطوّر الحركة الوطنيّة في سوريّة (١٩٢٠-١٩٣٩م)، ط١، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٥م.
21.القوزي، محمد علي، دراسات في تاريخ العرب المعاصر، دار النهضة العربية، بيروت، ط١، ١٩٩٩م.
22.الكيالي، عبد الرحمن، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام ١٩٢٦م حتى نهاية عام ١٩٣٩م، مطبعة الضاد، حلب، سوريّة ١٩٥٨م.
23.مجموعة باحثين، تاريخ أمة في حياة رجل، إصدار الحكومة السوريّة، دمشق، ١٩٤٨م.
24.محمد أنيس وآخرون، الشرق العربي في التاريخ الحديث والمعاصر، دار النهضة العربية، القاهرة، ١٩٦٧م.
25.المعلم، وليد، سوريّة: التحدي والمواجهة (١٩١٨-١٩٥٨م)، شركة بابل للنشر، ط١، دمشق، ١٩٨٥م.
26.ــــــــــــــــــــ، سوريّة (١٩١٦-١٩٤٦م) الطريق إلى الحرّيّة، دار طلاس، ط١، دمشق، ١٩٨٨م.
27.النايف، حسام، الإدارة الفرنسيّة في سوريّة خلال مرحلة الانتداب (١٩٢٠-١٩٤٦م)، الجهاز العسكري والـمني نموذجًا، مجلة دراسات تاريخيّة، مجلد ٣٦، العدد ١٧-١٨، ٢٠١٨م.
28.الوثائق
29.نشرة وزارة الخارجيّة الأمريكيّة (S.U Of The State Bulletin) المجلد ١٢، رقم ٣١٠، تاريخ ٦ آذار ١٩٤٥م.
30.نشرة الأعمال الإدارية في حكومة دولة سوريّة، العدد ٣، الصادرة في ١٥ شباط ١٩٢٨م.
31.صحيفة العاصمة، العدد ١٥٥، الصادرة في أيلول عام ١٩٢٠م.
32.الجريدة الرسمية، في الجمهوريّة السوريّة العدد ٢٨، الصادرة بتاريخ تاريخ ٢٠ تموز، ١٩٣٩م.
33.الجريدة الرسمية، دمشق، العدد ٢٩١، الصادرة في حزيران عام ١٩٢٦م.
34.الجريدة الرسمية للجمهوريّة السوريّة، العدد الثاني، الصادرة بتاريخ ٨ شباط ١٩٤٥م.
35.الجريدة الرسمية في الجمهوريّة السوريّة، العدد ١١، الصادرة بتاريخ ٢ آذار ١٩٤٥م.
36.الجريدة الرسمية، العدد ٨، الصادرة عام ١٩٣٦م.
37.الجريدة الرسمية، الجمهوريّة السوريّة، ملحق العدد ١، الصادرة بتاريخ ١٧ كانون الثاني ١٩٤٣م.
38.صحيفة فلسطين – يافا، العدد ١٠٥٨، الصادر يوم الثلاثاء ٢١ شباط ١٩٢٨م.
39.نشرة الأعمال الإدارية في دولة سوريّة، العدد ٣، ١٨ شباط ١٩٢٨م.
40.صحيفة الجهاد، يافا، العدد ١٣٥، ٩ تموز ١٩٣٩م.
41.صحيفة الرفاع، يافا، عدد ١٣٨، ١٢ تموز ١٩٣٩م.
1.Bourne. K, and Watt, D.C. edits. British Documents on Foreign Affairs, Weekly Political, Summary, 10 April 1942, and October 1944.
2.Ziadeh, Nicola A, Syria and Lebanon, Lebanon Bookshop, First Pub, Beirut, 1965.
3.Longrigg. S.H: Syria and Lebanon under. French mandate.
4.Edward Said, The Road Leading to French Imperialism in Syria, History Studies, Volume 10 Issue 7, October 2018.
5.Gontaut – Biron, R.DE; Comment la France s’est installée, Syria 1914-1918.
6.Ayse Tekdal Fildis, France’s Imperial Ambitions and The Establishment of the French Mandate in Syria, Journal of Emerging Economies And Policy Volume 3 | Issue 1 | 2018.
(391)
مثقال العاصي
رصد البحث أساليب فرنسا في استغلال الشّعب السّوريّ اقتصاديًّا، وأظهر الفرنسيّين على حقيقتهم، وكشف زيف ادّعائهم بنشر الحرّيّة، وتخليص البلاد من واقعها الاقتصاديّ المؤلم، ولعلّ من أبرز تلك الأساليب فرض الضّرائب، والجمركة على المواد الأولّيّة، وتشيع الإقطاع، ومأسسة النّظام النّقديّ لصالحها، حيث أدَّى ذلك إلى تدمير البنى التّحتيّة بكلّ أنواعها.
هذا، واعتمد البحث في معالجة القضايا، والأفكار الّتي تمّ طرحها على المنهج الوصفيّ التّحليليّ، فتوصّل إلى نتائج كان أبرزها: سيطرة فرنسا على الزّراعة، ولا سيّما زراعة القطن، والتّوت، وجعلها أساسًا لصادراتها، والتّحكّم بالأملاك العامّة، وتوظيفها لصالح اقتصادها، وإصدار القوانين المحكمة، وجعلها أداة لتنفيذ مشاريعها الاستعماريّة، وبثّ الشّائعات بين الفلّاحين لإيهامهم، وخداعهم، وجرّهم إلى الهاوية، والتّحكّم بالتّداول النّقديّ من خلال إصدار عملة مرتبطة بالنّقد الفرنسيّ المتقلّب عالميًّا. كل ذلك سيجلوه البحث، ويظهره على أكمل وجهٍ من خلال ثلاثة مباحث أوّلها: مكانة سوريّة في الاقتصاد الفرنسيّ، وثانيها: الاستراتيجيّة الفرنسيّة في توجيه مسار الاقتصاد السّوريّ، وثالثها: آليّات التّحكّم الفرنسيّ بالاقتصاد السّوريّ.
بعد انتهاء الحرب العالميّة الأولى عام (١٩١٨م)، اتّفقت بريطانيا، وفرنسا على تقسيم البلاد العربيّة التّابعة للإمبراطوريّة العثمانيّة؛ لتتناسب مع مصالحهما الخاصّة، وكان من نتائج هذا التّقسيم أن خرجت سوريّة من أحضان ولاية عثمانيّة متهالكة لتصبح محور اهتمام القوى الأوروبّيّة الكبرى (بريطانيا وفرنسا)، وتضع كلّ واحدة منهما نصب أعينها افتراس خيراتها، والسّيطرة على ممتلكاتها، وعلى إثر ذلك أصبحت سوريّة لقمة سائغة بين أنياب الانتداب الفرنسيّ، فشهد السّوريّون -بلا حول ولا قوّة- تقسيم أراضيهم، وفرض حدود مصطنعة من قوّتين أوروبّيّتين، ثمّ قسّمت فرنسا سوريّة الكبرى إلى دويلات مستغلةً أراضيها على أساس التّنوّع العرقيّ، والطّائفيّ، والجغرافيّ، هذا ما أعدّه السّوريّون كياناتٍ مصطنعةً، ثمّ أخذت فرنسا تعمل على استغلال تلك التّقسيمات في السّيطرة على أراضيها، وما تنتجه من خيرات، وثروات، والتّحكّم بالصّناعة، والتّجارة، والزّراعة الّتي أخذت تتّسم بالتّبعيّة لذلك المستعمر الفرنسيّ طيلة فترة وجوده على الأراضيّ السّوريّة، وغني عن البيان أنّ المستعمر الفرنسيّ كان يعمل من وراء الكواليس على توجيه دفّة الاقتصاد السّوريّ نحو شاطئ مصالحه، وبما يدعم كيانه في المستويات كافّة، ممّا أنهلك جسد الاقتصاد السّوريّ، وأوصله إلى التّهلكة، وهذا ما سيعرض له البحث، معتمدًا في ذلك على المنهج الوصفيّ التّحليليّ بعد استقاء المعلومات من المصادر، وتعزيزها بالمراجع، والعمل على توظيفها بما يتناسب مع طبيعة الموضوع.
يُشكّل موقع سوريّة الاستراتيجيّ بالنّسبة إلى فرنسا عنصرًا رئيسًا في اقتصادها، فسوريّة منطقة عبور، وحلقة وصل بين أقاليم، ومناطق منتجة، ومستهلكة، أي: مركز جذب، ودفع اقتصاديّ، وسوق من الدّرجة الأولى لدول أوروبا قاطبة، ولا سيَّما فرنسا،
كما أنَّ سوريّة بموقعها الاستراتيجي تمتلك مرافئ تربط السّاحل بالدّاخل، ممّا يسهّل عمليّة نقل البضائع، وتسويقها من البلاد إلى خارجها، وبالعكس، ومن أبرز تلك المرافئ مرفأ اسكندرون الّذي استفاد منه التّجّار الفرنسيّون في تخزين بضائعهم فيه.
وعلى السّياق نفسه ظهرت مكانة سوريّة استراتيجيًّا في الفكر الفرنسيّ منذ أن رفعت غرفة تجارة ليون في٧ حزيران (١٩١٥م) مذكرة لوزير خارجيّتها تُعبّر فيها عن قلقها على مصير سوريّة، وتؤكّد سلخ سوريّة موحّدةً عن الإمبراطوريّة العثمانيّة، وإلحاقها بشكل كامل بالنّفوذ الفرنسيّ، مع تعيين إطار، وحدود رقعة المصالح الاقتصاديّة الفرنسيّة في الشّرق، ولا سيَّما أنَّ سوريّة بلد منتج للقطن، والحرير، ومركزٌ للعالم في تصدير المواد الأوليّة لصناعة الأقمشة الحريريّة، فكان لزامًا على فرنسا أن تستولي على هذه المنطقة ذات المكانة الاستراتيجيّة، وتستغلّها، وتستثمر مواردها في خدمة مصالحها، ولا سيّما بعد أن خرجت منهكةً من الحرب العالميّة الأولى.
لقد كان اهتمام فرنسا منصبًّا على سوريّة، واستغلال خيراتها الاقتصاديّة، ونهب ثرواتها، ومواردها الطّبيعيّة لأعلى درجة ممكنة، ولا سيَّما أنَّ سوريّة تُعدُّ من أبرز مناطق دول شرق المتوسّط في المكانة، والأهمّيّة.
لا نبعد عن الصّواب إذا قلنا: كان هناك اهتمام واضح لفرنسا بسوريّة من الجانب الاقتصاديّ، ويعود هذا الاهتمام في حقيقته إلى عام (١٨٦٠م)، مع انطلاق زراعة التّوت، وتجارة الخيوط الحريريّة. وبعد الحرب العالميّة الأولى أخذت فرنسا تهتمّ بسوريّة أكثر من السّابق بحثًا عن أسواق لتصريف منتجاتها، ومصادر للمواد الأوّليّة. فكان هناك تلاقٍ بين المعطيات الاقتصاديّة (مواد أوّليّة، زراعة، تجارة) لسوريّة، وبين سياسة فرنسا، ومصالحها في الخارج لتلبية حركة التّصدير، والاستيراد، وتسويق السّلع بين مراكز المدن
السّوريّة من مثل حلب، ودمشق من جهّة، وبغداد، والقدس من جهّة أخرى، وبين مرافئ السّاحل من اسكندرون شمالًا حتّى حيفا، ويافا جنوبًا من جهّة ثالثة، ومن الجدير بالذّكر أنَّ مدينة ليون الفرنسيّة لم تدخل وحدها في تبادل المصالح مع سوريّة، وإنَّ كانت المدينة الأكثر اهتمامًا في مجال الاستفادة من زراعة التّوت في سوريّة، بل شاركتها مدينة مرسيليا الّتي شغلت دورًا مهمًّا هي الأخرى في حركة التّصدير، والاستيراد بين السّوق الفرنسيّة، والأسواق السّوريّة.
وعندما أقرّت عصبة الأمم أنّ فرنسا هي من ستدير سوريّة لتخرجها من واقعها المرير الّذي تسبّبت به الإمبراطوريّة العثمانيّة، أكّد غورو أنَّه لا بدَّ من السّيطرة على كلّ مفاصل الاقتصاد السّوريّ، واستثمار الطّرق، والسّكك الحديديّة، والعملة، والجمارك، لصالح فرنسا، أمّا عامّة الشّعب فلا بدّ من إهمالهم، وجعلهم يعجزون عن تلبية مطالبهم الخاصّة حتّى يصل بهم المطاف إلى طلب المساعدة من الفرنسيّين. وهذا ما كان يدور في خلد الفرنسيّين الّذين عملوا ما بوسعهم ليصلوا إلى مبتغاهم في السّيطرة على سوريّة اقتصاديًّا.
بدأت مكانة سوريّة الاقتصاديّة تُترجم على أرض الواقع، فبعد وصول الجنرال غورو إلى دمشق عام (١٩٢٠م)، فرض سياسة اقتصاديّة صارمة على حكومة فيصل من خلال إنذاره الّذي نصَّ فيه على إصدار عملة ورقيّة عن طريق البنك السّوري، واعتبارها عملة وطنيّة، والعمل على إلغاء كلّ عملة أخرى في سوريّة، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ الجنرال غوور أكّد في تصريحٍ له أنّ الانتداب الفرنسيّ على سوريّة سيجرّ الخيرات على فرنسا، وعلى إثر ذلك أخذت فرنسا هي الأخرى تبحث عن طرق، وأساليب جديدة لمساعدة الشّركات الفرنسيّة، وأصحاب الامتيازات من الفرنسيّين في التّوجّه، والاستثمار في سوريّة، والسّيطرة، والتّحكّم بخيراتها، ومن جانب آخر أكّد المندوب السّامي الفرنسيّ دوجوفنيل
عام (١٩٢٥-١٩٢٦م) أنّ البنك السّوريّ يعتبر سوريّة ملكًا له، ولكي تبدأ فرنسا بفرض سياستها الاستعماريّة الاقتصاديّة في البلاد، أخذت على عاتقها زرع الفوضى بين أبناء البلد الواحد، حيث أغرت مشايخ القبائل، والعمّال فأغرقتهم بالأموال، وسلّحتهم، وفتحت المستوصفات أمامهم، علاوة على ذلك كلّه، أرسلت العصابات إلى القرى لنهبها. وبناء على ذلك، يمكن القول: إنَّه منذ اليوم الأوّل للانتداب تعرّضت سوريّة إلى سلسلة من الأزمات الاقتصاديّة، والمشكلات المتلاحقة من مثل زيادة في الضّرائب، وفرض الجمركة بغية القضاء على ما تبقّى من اقتصاد الدّولة السّوريّة.
كان الاقتصاد السّوريّ قبيل الانتداب الفرنسيّ متواضعًا، وكانت فرنسا لا ترى في سوريّة إلّا سوقًا لتصريف منتجاتها، لذلك أخذت تدير اقتصاد سوريّة بما يتناسب مع مصالحها الاقتصاديّة بالدّرجة الأولى، وذلك وفق الآتي:
سعت فرنسا بعد الحرب العالميّة الأولى من خلال تجّارها إلى أن تكون سوريّة من ملكًا لها، فأخذت فرنسا تهتمّ بكلّ الحاصلات الزّراعيّة في سوريّة، حيث وجدت فرنسا على حدّ قول هوفلان رئيس البعثة الفرنسيّة الّتي أوفدت إلى سوريّة من غرفتيّ تجارة ليون، ومرسيليا، أنّ الإنتاج الزّراعيّ في سوريّة يقدّم آفاق مستقبل جديد. فلنا أن نأمل بأن تصبح سوريّة من أغنى البلدان الزّراعيّة، وأخصبها زراعيًّا، هذا الكلام صرّح به هوفلان في مؤتمر رجال الأعمال الفرنسيّين المنعقد في مرسيليا لدراسة أوضاع سوريّة، وذكر أنّه على الحكومة الفرنسيّة أن تركّز على الأراضي الخصبة، وأن تقيم المشاريع الاقتصاديّة عليها، ولا سيّما سهول كيليكيا، وسهل حلب، وممرّ أنطاكية، ووادي العاصي، وامتداده عبر اللّيطانيّ، والبقاع، وواحة دمشق، وسهول حوران، والسّهول السّاحليّة، وأكّد هوفلان
أنّه لا بدّ من امتداد الانتداب إلى جميع الأراضيّ الّتي تمّ ذكرها.
وانطلاقًا من ذلك بدأت فرنسا سياستها الاقتصاديّة الاستعماريّة في مجال الزّراعة من خلال الاحتكار، والعمل على توجيه الزّراعة بما يخدم مصالحها الاقتصاديّة بالدّرجة الأولى، فكانت أولى الخطوات الّتي أخذت فرنسا تسعى إلى إقامتها إنشاء مكتب سمِّي «إدارة الشّؤون الاقتصاديّة الزّراعيّة»، مهمّته تحسين الأراضيّ الزّراعيّة، والّريّ، وتوسيع المشاريع في مجال زراعة القطن، والحرير، والحبوب، وغيرها بما يخدم مصالحها.
هذا، وعملت فرنسا على ربط اقتصاد سوريّة الزّراعيّ باقتصادها ربطًا محكمًا، فأخذت ترسل البعثات إلى سوريّة من أجل وضع دراسات، وتجارب على بعض الزّراعات كالقطن، والحرير، والقمح بشكلٍ خاصٍّ، في الوقت الّذي كانت فيه سوريّة بلدًا زراعيًّا، يقف تقدّمها الاقتصاديّ بالمقام الأوّل على الزّراعة تحديدًا، والحقيقة أنّ أكثر من (٦٢%) من سكانها كانوا يعملون بالزّراعة، وأنّ (٣-٤%) من صادراتها هي منتجات زراعيّة من المواد الخام، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ صناعاتها تعتمد على تلك المنتجات الزّراعيّة، لذلك؛ فإنّ فرنسا صبَّت كلّ اهتمامها على هذه المنتجات الزّراعيّة الملائمة للصناعات الرّأسماليّة، لذلك أرسلت بعثات لدراسة واقع الزّراعة في سوريّة.
يحسن بنا ههنا أن نشير إلى أنّ فرنسا سيطرت قُبيل الانتداب على إنتاج الحرير السّوريّ، وتدفع برجال الأعمال الفرنسيّين إلى دراسة ذلك. ولا سيّما أنّ عدد أشجار التّوت في ولاية سوريّة حوالي (٣,٣٩٥,٠٠٠) شجرة موزّعة في أحياء البلاد الشّاميّة، وتغطي مساحة حوالي (١٧٦٠) هكتار، هذه التّمركز لزراعة التّوت يرافقه تربية لدودة القزّ، وإنشاء مصانع للحرير وصل عددها عام (١٩١٠م) إلى حوالي (١٥٨) معملًا لإنتاج
الحرير، وكانت مدينة ليون الفرنسيّة الأكثر إسهامًا في تعزيز دور معامل الحرير في سوريّة قبيل الحرب العالميّة الأولى، وعلى إثر ذلك أصبحت مدينة ليون تشتهر بالحرير على المستوى الأوروبّيّ بفعل الحرير السّوريّ، وتنافس مثيلاتها من الدّول الأوروبّيّة في صناعة الحرير الّذي اشتهرت به فرنسا.
وخلال الانتداب حظيت شجرة التّوت بالاهتمام الواسع من قبل السّلطات الفرنسيّة على وجه التّحديد، وأخذت فرنسا تشجّع على زراعتها، على أنَّ زراعة شجرة التّوت، وتربية بيوض الحرير، والعناية بالإنتاج كانت برعاية المهندسين الفرنسيّين لسدّ حاجات معامل ليون من الحرير الخام.
ومن جانب آخر اهتمّ الفرنسيّون بزراعة التّبغ الّتي احتكرتها الشّركات الفرنسيّة الاستعماريّة، واستغلال جزء كبير من إرادات هذا المنتج لسدّ نفقات الانتداب، وقد وصلت مساحة الأراضي المزروعة بالتّبغ إلى نحو (٥٠٠٠) هكتار، وكانت تنتج حوالي (٢) مليون كغ من التّنباك الّذي يصدّر ثلثه إلى الولايات المتّحدة الأمريكيّة، وبريطانيا، فيما تذهب أرباحه إلى سلطات الانتداب الفرنسيّ، ولا يستفد منها الفلاح على الإطلاق. وهذا إن دلّ على شيء فإنّما يدلّ على سعي فرنسا إلى ملء جيوبها من خلال تلك الحاصلات الزّراعيّة.
لم يقف اهتمام فرنسا عند التّوت، والتّبغ، بل تعدّاهما إلى القطن، فأخذت فرنسا تعمل على تحويل الشّمال السّوريّ إلى مزرعة فرنسيّة تختصّ بالقطن، فأدخلت أنواعًا جديدة من القطن إلى سوريّة، ولا سيّما النّوع الرّخيص منه، لتقليص الطّلب الفرنسيّ على المستوردات من الولايات المتّحدة الأمريكيّة، ووصل اهتمام فرنسا بالقطن إلى إرسال
بعثات إلى سوريّة؛ لإجراء التّجارب على زراعة القطن، والتّفكير ببناء سدّ على الفرات لتوسيع زراعة القطن، هذا التّخطيط من الفرنسيّين دلَّ على أطماع الرّأسماليّين في استثمار ثروات البلاد لمصالحهم.
لقد وجدت فرنسا حوالي (٣٠٠,٠٠٠) هكتار في شمالي سوريّة، والسّاحل السّوريّ صالحة لزراعة القطن، ويمكن استثمارها بشكل كامل بما لدعم المصالح الفرنسيّة، وانتعاش الاقتصاد السّوريّ، بناء على ذلك أخذت السّلطات الفرنسيّة تعمل على تشجيع زراعة القطن، والاستثمار فيه، وتطوير تلك الزّراعة، وتأمين متطلّباتها بشكل سريع لإبقاء سيطرتها على السّوق الأوروبيّة، ولا سيَّما أنّ هناك تنافسًا بينها، وبين كلٍّ من بريطانيا، وإيطاليا على التّحكّم بسوق القطن عالميًّا. ولا يخفى على عاقل ما في تطوير زراعة القطن من تحكّم بالاقتصاد العالميّ لسوق القطن خاصّة.
لم تكتفِ فرنسا بالتّحكّم بزراعة التّوت، والتّبغ، أو القطن بل بدأت بفرض ضرائب باهظة على الفلّاحين حتّى وصلت إلى مرحلة أنّ الإنتاج الزّراعيّ لا يمكن أن يغطّي تلك الضّرائب، الأمر الّذي شكّل هاجسًا مخيفًا لديهم في أنَّ تلك الضّرائب ستدفع بهم إلى بيع أراضيهم لسدّ ما يترتّب عليهم من ضرائب.
وزاد همّ الفلّاحين أكثر عندما استخدمت فرنسا الشّائعات وسيلةً للهيمنة، والتّلاعب بالأسواق، واستغلال الفلّاحين، حيث نشرت في إحدى المناسبات شائعات مفادها أنَّ هناك نقصًا في إنتاج المحاصيل الزّراعيّة ولا سيَّما الحبوب، في الوقت نفسه أوقفت التّصدير إلى الخارج الأمر الّذي أدَّى إلى انخفاض أسعارها بشدّة، فاستغلّ الوكلاء الفرنسيّون هذه الشّائعات، وقاموا بشراء تلك الحبوب بثمن بخس، وبعد فترة وجيزة
أعلنت فرنسا أنّه لا صحّة للشّائعات الّتي تنشر، فأعادت فتح الحدود أمام وكلائها لتصدير ما حصلوا عليه من المزّارعين، فنتج من ذلك أرباحًا كبيرة لوكلائها، ولا بأس من الإشارة هنا إلى أنّ التّجّار الفرنسيّين كانوا من أكثر الفئات كرهًا من قبل الفلاحين لما يتّصفون به من خداع، وجور على النّاس، والمزارعين.
ومن صور الاستغلال الفرنسيّ في مجال الزّراعة زرع الفتن بين الفلّاحين بغية إضعاف البلاد، إذ كانت تشجّع الفلّاحين، وتحرِّضهم على أسيادهم؛ بهدف زرع الفوضى، وكانت تعمل أيضًا على إجبار الفلّاحين على تعبيد الطّرق أكثر من العمل في المجال الزّراعيّ، لتسهيل نقل ما تحصّل عليه من خيرات سوريّة وفقًا لرغبتها الشّخصيّة.
إنَّ واقع الفلّاح المرير إبّان حكومة الانتداب الفرنسيّ دفعه إلى الهجرة، والبحث عن مصادر أخرى للعيش في المدن، والدّول المجاورة، حيث لوحظ من أيّام الجنرال غورو (١٩٢٠م) إلى أيّام المندوب دي مارتيل عام (١٩٣٦م)، أنَّ هناك هجرة للفلّاحين من الأرياف إلى المدن، حولّت كثيرًا من الأراضي إلى بور، فانعكس ذلك على الاقتصاد بشكل عامّ.
وفي سياق متّصل حاولت فرنسا كسر علاقة التّبعيّة التّقليديّة القائمة بين شريحة ملاك الأراضي المقيمين في المدن، وبين المزارعين في الأرياف، هدفها من ذلك الضّغط على ملاكي الأراضيّ لتغيير العلاقات النّاظمة للملكيّة الزّراعيّة الّتي تشكّل أساس ثروتهم، ونفوذهم السّياسيّ، وإبدال العلاقات الاقتصاديّة الرّأسماليّة القائمة على الحيازات الزّراعيّة الكبيرة إلى حيازات أصغر، لتمكين عدد أكبر من الفلّاحين من الاستفادة منها، لكونها تمتلك القدرة على التّحكّم بهم.
تبلورت طبقة إقطاعيّة، أو شبه إقطاعيّة في عهد الانتداب الفرنسيّ، تألّفت بحسب تكوّنها التّاريخيّ، والاجتماعيّ من فئات عدّة أبرزها: فئة كبار ملاك العهد العثمانيّ الّذين انحدروا من زعماء العساكر، وكبار رجال الدّين، والتّجّار، تمكّن بعض هؤلاء من توسيع ممتلكاتهم إبّان الانتداب الفرنسيّ. وفئة أزلام الانتداب، والمتنفذين الجدد الّذين سجّلوا الأراضي بأسمائهم، وأصبحوا من طبقة كبار الملاك. أمّا الفئة الثّالثة فهي فئة مشايخ العشائر الّذين أصبحوا يسكنون المدن بعد تعاونهم مع سلطات الانتداب الفرنسيّ، وسجلوا الأراضي الأميرية (أملاك دولة) بأسمائهم مشكّلين فئة إقطاعيّة تعدّ من أكثر الفئات عداء للحركة الوطنيّة، والتّقدّم الاجتماعيّ.
وحريٌّ بنا أن نشير إلى أنّ قسمًا ليس بالقليل من الإقطاعيّين وقف في مواجهة فرنسا، خوفًا من قيام الجنود الفرنسيّين بتوزيع أراضيهم على الفلّاحين، إلّا أنّ السّلطات الفرنسيّة كانت أذكى في أن تواجه هذه الفئة، فقدّمت لهم الضّمانات، وأثبتت لهم أنّ جيوش الشّرق لم تعد وارثة للتّقاليد المجيدة لجنود الثّورة البرجوازيّة الدّيموقراطيّة الفرنسيّة بل هم جنود الاستعمار، والإمبرياليّة، وهكذا أخذت القوى الإقطاعيّة الّتي واجهت الاستعمار في البداية تنتقل تدريجيًّا لتكون شريكًا لفرنسا في استثمار الشّعب السّوريّ، وعلى إثر ذلك أصبحت هذه الفئة خادمًا مطيعًا لفرنسا، وأصبحت تعيش على فتات مائدة النّهب الاستعماريّ، وساعد على ذلك تخلّف فئة الفلّاحين، وفقرها المدقع، وجهلها المطبق.
كما سعت حكومة الانتداب إلى منح المزارعين أراضٍ بشكلٍ تدريجيٍّ بهدف تحسين الزّراعة، وتوسيع الملكيّة الزّراعيّة، وترسيخ دعائمها، والحقيقة أنّ معظم الأراضي ذهبت إلى شيوخ القبائل، والإقطاعيّين المتنفذين في الرّيف، وكبار الموظّفين التّابعين لحكومة الانتداب الفرنسيّ، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ اللّجان المختصّة بأملاك الدّولة أصبحت
ألعوبة بيد المستشارين الفرنسيّين، فأعطوا الأراضي لمن يرضون عنهم، ويؤيّدونهم في سياستهم الاستغلاليّة.
تراجعت الصّناعة في سوريّة بين عامي (١٩١٤-١٩١٨م)، ولا سيّما في المدن الكبرى مثل حلب الّتي كانت تتمتّع بقوّة صناعيّة في إطار المنسوجات وغيرها نتيجة انعكاسات الحرب العالميّة الأولى عليها، وبعد الحرب أخذ السّوريّون يعودون إلى صناعاتهم التّقليدية مثل الغزل، وحياكة الحرير، وفي عهد الانتداب لم يكن هناك تشجيع على الصّناعات، لأنّ الانتداب في جوهره عمليّة استعماريّة هدفها جعل البلاد مصدرًا للمواد الأوّليّة، ولا سيّما القطن الّذي كانت تحتاجه معامل مرسيليا، والحرير الّذي كانت تحتاجه معامل ليون، واتّضحت حقيقة ذلك حين دعت غرفة تجارة مرسيليا إلى مؤتمر عام (١٩١٧م) درست فيه إمكانات سوريّة، وأهمّيّتها في إنتاج القطن، والحرير، لجعلها سوقًا لتصريف منتجاتها الصّناعيّة، وأخذت فرنسا خلال الانتداب تصدر القوانين بما يخدم مصالحها، وزاد الطّين بِلّة تشجيع فرنسا سياسة الباب المفتوح، وسياسة الإغراق الدّولي للمنتجات داخل سوريّة، وعلى إثر ذلك، بدأ النّاس يقتلعون أشجار التّوت الّتي تدخل في صناعة الحرير، واستبدالها بزراعات تصبّ في مصلحة معيشتهم اليوميّة، كما أخذت الصّناعات التّقليديّة مثل صناعة الجلود، والدّباغة، وصناعة الصّابون، والحياكة على النّول اليدويّ، وصناعة السّجّاد بالتّراجع؛ بسبب إغراق الصّناعات الحديثة الغربيّة للسّوق السّوريّة، ووجود الحواجز الّتي نصّبتها فرنسا بين المدن، والقرى، وبات من المستحيل أن تنافس الصّناعاتُ المحلّيّة الصّناعاتِ الغربيةَ المستوردةَ، ولا سيَّما أنَّ
هذه الصّناعات أوصدت أبواب التّصدير أمامها، وبقيت أوضاع سوريّة في حالٍ من التّراجع، والتّقهقر، وتردّت أحوال النّاس في نهاية عام (١٩٤١م)، وأصبح النّقص في المواد الغذائيّة حادًّا، وأكثر خطورة، ولم تقف الأسعار عن الارتفاع، الأمر الّذي تسبّب في حالٍ من عدم الاستقرار الاقتصاديّ في سوريّة في المجالات كافّة.
وممّا عمّق المأساة الاقتصاديّة سياسة فرنسا الّتي بدأت بفرض الضّرائب على الغلّات الزّراعيّة الّتي تعدّ أساسًا لكثير من الصّناعات؛ إذ كانت معظم الصّناعات في سوريّة إبّان الانتداب الفرنسيّ تعتمد على الغلّات الزّراعيّة، مثل العنب لصناعة المشروبات، والدّقيق لصناعة الخبز، والزّيت لصناعة الصّابون، والقطن، والحرير لصناعة المنسوجات.
أمّا في ما يخصّ واقع المعامل في سوريّة خلال الانتداب فكان واقعًا مؤلمًا، فبعد عام (١٩٢٧م) بدأت المعامل بالتّراجع نتيجة سياسة فرنسا الاستعماريّة الّتي رافقتها الأزمة الاقتصاديّة العالميّة، مع التّطوّر الهائل الّذي شهدته الصّناعات على المستوى العالميّ، فقد وجد قبل الانتداب الفرنسيّ أكثر من مئة معمل للصّابون ينتجن أكثر من (١٣٠٠٠) طن، فهبط العدد عام (١٩٣١م) إلى ستّين معملًا تنتج حوالي (٦٠٠٠-٨٠٠٠) طنّ فقط، كما أخذت معامل الحرير تتراجع إنتاجيًا بعد عام (١٩٣٠م) نتيجة التّقلّبات في الأسعار العالميّة، والمنافسة الأوروبّيّة الّتي تصدّر الحرير الصّناعي إلى سوريّة.
حقيقٌ بنا القول: إنَّ فرنسا كانت من أكثر الدّول الّتي تتمتّع بالاستيراد، والتّصدير في
مناطق انتدابها، حيث أدَّى الوضع في بلاد الشّام بعد الانتدابين الفرنسيّ، والإنكليزيّ إلى إقامة حواجز جمركيّة عرقلت حركة التّجارة. وعندما دخلت فرنسا سوريّة سعى الجنرال غورو بعد أن بدأت علامات التّململ، والاحتجاج على تقسيم البلاد، وشلّ قدراتها الاقتصاديّة إلى عقد اتّفاقيّة مع الإنكليز في فلسطين؛ لإطلاق التّجارة بين شطريّ سوريّة الشّماليّ، والجنوبيّ من جديد. ومن إجراءات فرنسا التّعسّفيّة للتّحكّم بالتّجارة، وتوجيه مسارها في نسق محدّد، إصدار عملة ورقيّة سوريّة جديدة، وربطها بالفرنك الفرنسيّ، وإقناع الهيئة الفرنسيّة للمعارض برعاية معرض تجاري أقيم في بيروت عام (١٩٢١م)، لاعتقاد فرنسا بأنَّ التّجارة هي الّتي يجب أن تكون على رأس القطاعات الاقتصاديّة في سوريّة.
وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ سياسة فرنسا في ربط النّقد السّوريّ بالفرنك شكّكت في العملة الفرنسيّة الجديدة، وقيمتها لدى التّجّار في سوريّة بشكلٍ عامٍّ، فقد تكون هذه العملة غير مدعومة من الذّهب ولا سيَّما بعد سحب فرنسا الذّهب من الأسواق السّوريّة، هذا الأمر دفع بهؤلاء التّجّار إلى التّعامل باللّيرة التّركيّة الّتي تعدّ الأساس في التّعاملات التّجاريّة الخاصّة بهم، حيث كان التّجّار يحدّدون أسعار سلعهم وفق حساباتهم باللّيرة الذّهبيّة التّركيّة.
وسعيًا من تجّار حلب، ودمشق إلى إفشال ربط التّجارة المحلّيّة بالفرنسيّة قاموا بحركة وطنيّة على الرّغم من الضّعف الاقتصاديّ، تتأمّل استقلال سوريّة، والحدّ من فئة الإقطاعيّين المتنفّذين التّابعين لفرنسا، وتوحيد سوريّة الشّماليّة (سوريّة ولبنان)، والجنوبيّة (فلسطين)، وشرقي الأردن، وخلق سوق وطنيّة موحّدة تستطيع الوقوف في وجه النّهب الاستعماريّ الفرنسيّ، وبالتّالي نسف مخطّطات فرنسا في ربط تجارة سوريّة بتجارتها.
بدأت فرنسا خداعها للشّعب السّوريّ قُبيل الانتداب على سوريّة بتوزيع مناشير عبر طائرة تابعة لها، مفادها أنَّها قادمة إلى سوريّة لتخفيض الضّرائب، ورفع شأن الحرّيّات في البلاد، بيد أنّ الأمر كان معكوسًا بعد التّدخّل، إذ قمعت الحرّيّات، وملأت السّجون بالمفكّرين، والصّحفيّين، وارتفعت الضّرائب بشكل مخيف جدًّا، فكانت مثلًا ضريبة إحدى السّيّارات قبل الانتداب تصل إلى (١٥٠) قرشًا فأصبحت أيّام الحكومة الفرنسيّة (١٣٤٠) قرشًا.
ومن جهّة أخرى، تلاعب الموظّفون الفرنسيّون بالنّظام الجمركيّ لزيادة الرّسوم الجمركيّة للمواد الدّاخلة إلى سوريّة، والخارجة منها، وبلغت قسوة النّظام الجمركيّ حدًّا لا يطاق على الشّعب السّوريّ، الأمر الّذي دفع السّلطات الفرنسيّة في أكثر من مناسبة إلى تهدئة الأوضاع، في وقت انخفضت فيه إيرادات الحكومة من الاستيراد نتيجة الأزمة الماليّة العالميّة، ممّا أدّى إلى انخفاض إيرادات الجمركة، الأمر الّذي لم تقبله فرنسا البتّة.
ومن الجدير بالذّكر هنا أنّ الرّسوم الجمركيّة قد ارتفعت بنسبة تتراوح (٢٥%) بين عامي (١٩٢٠-١٩٢٧م)، وعُدلت الرّسوم الجمركيّة بعد عام (١٩٢٨م)، وقد راعت الفروق الواردات الحيويّة، وغير الحيويّة، وتمّ إعفاء عدد من السّلع الرّأسماليّة من الجمركة عام (١٩٣١م)، بينما رفعت فرنسا الرّسوم تدريجيًّا على المنسوجات الّتي تنافس المنتجات المحلّيّة، وعملت على إيقاف تصديرها.
وعلى السّياق عينه كانت المنتجات اليابانيّة الّتي تميّزت من غيرها بانخفاض الجمركة قد غزت السّوق السّوريّة نتيجة لسياسة فرنسا الاقتصاديّة غير المدروسة، فتسبّبت في
تراجع الصّناعات المحلّيّة، خاصّة في حلب الّتي لوحظ عليها تراجع في الأنوال ولا سيَّما صناعة الأقمشة القطنيّة، والحرير، والجلد، والصّابون، الأمر الّذي أدَّى أيضًا إلى تراجع عدد العاملين فيها عام (١٩٣٧م). وهذا الأمر شكّل عائقًا أيضًا في وجه فرنسا الّتي كانت لا تألو جهدًا في تنفيذ مخطّطها الاستعماريّ الاقتصاديّ.
بدأت فرنسا سياستها في سوريّة بتقسيمها إلى دويلات، الأمر الّذي انعكس سلبًا على أوضاع سوريّة الاقتصاديّة، كما أنّ سيطرة حكومة الانتداب على موارد المصالح المشتركة، والجمارك كان له أثرٌ بارز في إضعاف الواقع المعيشيّ. فقد لوحظ على فرنسا أنَّها تسعى إلى تمزيق سوريّة الطّبيعيّة إلى كيانات متعدّدة بواسطة حدود مصطنعة، وإقامة حواجز جمركيّة، فأعاق هذا الأمر تنقل الأفراد، والبضائع، وحدَّ في الوقت نفسه من حركة التّنمية الاقتصاديّة. ففي الشّمال حُوصر النّاس في حلب، ومُنعوا من التّواصل مع منطقة الأناضول الّتي كانت حلب عاصمتها الاقتصاديّة، كما منعت دمشق من التّواصل مع سهول فلسطين السّاحليّة، ومع شرق الأردن في الدّاخل.
فحلب مثلًا الّتي تعدّ من أعظم مدن المشرق العربيّ، جاء الانتداب فدمّرها اقتصاديًّا، وأفسد عليها سبل التّجارة، والعلاقات مع شمال العراق، خاصّة مع الموصل، وجنوب تركيا، كما حدَّ من إطلالتها البحريّة على أوروبا بسلخ لواء اسكندرون الّذي كان مرفأ حلب الطّبيعيّ، فتحوّلت حلب إلى مدينة محلّيّة، وفقدت أهمّيّتها التّجاريّة.
ومن جانب آخر كانت دمشق هي الأخرى قد فقدت إطلالتها الطّبيعيّة على المتوسّط عبر مرفأ بيروت، لتصبح مدينة محلّيّة، هذه السّياسة أفقدت سوريّة علاقتها مع فلسطين،
وشرق الأردن، والعراق، وجعلت الصّناعة، والتّجارة، والمحاصيل الزّراعيّة تتراكم في الأسواق السّوريّة، فأغرقت سوريّة بالبضائع المحلّيّة، والمستوردة من فرنسا أيضًا، فأثّر ذلك على المواطن السّوريّ الّذي أخذ اليأس يخيّم على حياته، ومعيشته، ويكتم على أنفاسه.
وممّا زاد الأمر سوءًا أنّ الحواجز الجمركيّة الّتي فرضتها فرنسا دفعت السّوريّين إلى تهجير أصحاب المهن، والحرف، إلى جنوب البلاد، بحثًا عن أسواق لتصريف منتجاتهم، وتسويقها من دون أيّ إعاقة، في محاولة منها إفراغ المدن من الصّناعيّين، وأصحاب المهن، والحرف.
ولتزيد فرنسا من ضرب أسواق حلب، ودمشق التّجاريّة عملت على تسهيل السّلع الفرنسيّة، وتغلغلها في الأسواق السّوريّة، ولا سيَّما المصنّعة في فرنسا، الأمر الّذي تسبّب في خراب كثير من الصّناعات، والحرف اليدويّة، والمحلّيّة، وهنا لا بدّ من الإشارة إلى أنّ الصّناعات المحلّيّة، والتقليديّة في سوريّة في نهاية الاحتلال العثمانيّ أخذت بالزّوال نتيجة المنافسة الأوروبيّة لها، إلّا أنَّ الانتداب الفرنسي سرَّع في زوالها لأقصى درجة ممكنة، وأدَّى إلى تدهورها، وغيابها من الأسواق الدّاخليّة، والخارجيّة، ولا ريب في أنّ هذا الانهيار الّذي سبّبته المنافسة الفرنسيّة للسّوق السّوريّة زاد من عدد العاطلين عن العمل في المدن، ولا سيَّما في صفوف النّسّاجين من الصُّنّاع، وأصحاب الأنوال اليدويّة.
وممّا لا شكّ فيه أنّ البطالة منذ نهاية الحرب العالميّة الأولى (١٩١٨م) سادت في مناطق الانتداب الفرنسيّ، وزادتها الأزمةُ العالميّة الاقتصاديّة عام (١٩٢٩م) حتّى وصل عدد العاطلين عن العمل إلى ما يزيد عن (١٥٠) ألف رجل في سوريّة، أي ما يقارب (١٥-٢٠%) من إجمالي اليد العاملة.
بدأت فرنسا تتلاعب بالأملاك العامّة منذ أن وضعت يدها على مفاصل الاقتصاد السّوريّ، حيث أصدرت في ٢ حزيران عام (١٩٢٤م) أمرًا بتأليف مجلس اتّحاديّ يدير البلاد، فتبدّلت على إثر ذلك الإدارة العسكريّة، وحلّت مكانها إدارة مدنيّة، لكن أعمال الاستعمار الفرنسيّ في استغلال سوريّة لم تتبدّل، ولم تتغيّر لا بجوهرها، ولا بأساليبها، بل بقيت متابعة لسياستها الاستعماريّة، ففرضت الضّرائب على النّاس كرهًا، ومنحت المصرف الفرنسيّ حقّ إصدار الأوراق النّقديّة، وعرضها في الأسواق للتّعامل بها، ثمّ منحت عدّة شركات فرنسيّة اقتصاديّة امتيازات باستثمار المرافق العامّة، واستخراج المعادن، وتشغيل أموالها: كالمصرف العقاريّ التّونسيّ، وشركة المشاريع الفرنسيّة، وشركة الماء، والكهرباء، والجر بحلب، وشركة المرافئ، وعقدت معها اتّفاقيّات لتنفيذ تلك المشاريع الّتي كانت مجحفة بحقّ الشّعب السّوريّ، وأخذت تعمل على توظيف الفرنسيّين في مفاصل الدّولة الإداريّة في سوريّة برواتب عالية جدًّا، ومنحتهم سيّارات فخمة.
واستغلّت دولة الانتداب الفرنسيّ كلّ ما يتيح لها من فرص في السّيطرة على مقدّرات البلاد، من مثل الأملاك الأميريّة (العامّة)، والشّواطئ، والأنهار، ومنعت المياه من الجريان الحرّ، وجعلتها محرّمة على الفلّاح السّوريّ، وإبعاد زراعة أيّ شيء قريب من مجاريها، كما حرمت الشّركات الوطنيّة، والأفراد من استخدامها إلّا بموافقة السّلطات الفرنسيّة، وأحكم عملاء الانتداب السّيطرة على الأراضيّ، والأملاك الصّالحة للزّراعة، ولا سيَّما المستنقعات الّتي تمّ تجفيفها، وتحويلها إلى أملاك عامّة تابعة للسّلطات الفرنسيّة، وعلى إثر ذلك، تكوّنت فئة من أصحاب ملاك الأراضي التّابعين لسلطة الانتداب خاصّة بعد سيطرتهم على منطقة الرّوج، والغاب في منطقة سوريّة الوسطى.
ولكي تضمن فرنسا سيطرتها على الأراضي، بدأت بإصدار القوانين من أجل فرض هيمنتها على الأراضي العامّة، فكانت مثلًا تهب الأراضي الأميريّة للبدو، أو زعماء الأرياف، فأصدرت فرنسا عام (١٩٢٦م) قرارًا يقضي بيع الأراضي الأميريّة إلى الاقطاعيّين المتنفذين لكي تكسبهم في مواجهة من يقاومها، وهنا أظهرت سياسة فرنسا الاستعماريّة في منح الأراضي للمتنفّذين، وكبار الإقطاعيّين مدى ادّعائهم المدنيّة، وأوضحت التّناقض بين أفكار الثّورة الفرنسيّة الّتي بشرت بتوزيع أراضي الإقطاعيّين على الفلّاحين، وبين وهبها للإقطاعيّين أعمدة الاستعمار الفرنسيّ في الأرياف.
كانت العملة المتداولة قبل التّدخّل الفرنسيّ في سوريّة العملة التّركيّة، مثل اللّيرة الذّهبيّة، والمجيدي، وبعد دخول فرنسا سوريّة بدأت سياسة جديدة تختلف عمّا كانت عليه خلال الاحتلال العثمانيّ. فبدأت مسيرة النّقد فعليًّا عندما أصدر الجنرال غورو، وهو في لبنان في ٣١ آذار عام (١٩٢٠م) أمرًا بتكليف البنك السّوريّ بإصدار نقد للتّداول في سوريّة، وبعد دخوله سوريّة أصدر في ١٩ آب (١٩٢٠م) قرارًا يتضمّن التّعامل بالعملة السّوريّة، وهي الوحيدة المقبولة في الخزائن العامّة على امتداد البلاد الواقعة تحت الإدارة الفرنسيّة، وفي هذا الصّدد أخذ البنك السّوريّ بسحب الذّهب من الأسواق، وتصديره إلى فرنسا، الأمر الّذي تسبّب في أزمة ماليّة شديدة في البلاد كادت أن تنهيها، واستمرارًا لسياسة فرنسا النّقديّة سمح للدّولة السّوريّة بصكّ عملة، ورقيّة في ١٦ شباط عام (١٩٢٣م) من فئة القرش واحد، وهنا رفضت فرنسا التّعامل مع أي مسكوكات ذهبيّة، بدليل أنّها قامت بتصدير حوالي (٧٥%) من الذّهب إلى فرنسا.
ومن الجدير بالذّكر أنّ فرنسا أخذت تعمل على ربط العملة السّوريّة اللّيرة بالفرنك الفرنسيّ، بجملة مكتوبة على اللّيرة السّوريّة هي: «تدفع لقاء شيك على باريس، أو مرسيليا بقيمة عشرين فرنكًا»، وهذا يعني أنّ كلّ ليرة سوريّة تعادل عشرين فرنك فرنسي، وعلى إثر ذلك ارتبطت القوّة الشّرائيّة لليرة السّوريّة بالفرنك الفرنسيّ، فترتفع بارتفاعه، وتنخفض بانخفاضه، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنَّ الفرنك كان في حال من الهبوط بين عاميّ (١٩٢٤-١٩٢٨م)، فكانت اللّيرة السّوريّة حتّى نهاية العشرينات تقريبًا معرّضة إلى التّقلّبات، وعدم الاستقرار بسبب التّغيّرات في سعر الفرنك، أو بسبب عوامل اقتصاديّة داخليّة، وافتقاد الثّقة من جانب السّكان المحلّيّين بها، والحقيقة أنّ هذه التّقلّبات في قيمة اللّيرة، وهبوطها استمرّت حتّى نهاية الانتداب.
إنَّ هبوط الفرنك الفرنسي أثّر بشكل، أو بآخر على من يكتنز اللّيرة السّوريّة، وأصبحت القوّة الشّرائيّة للمواطن السّوريّ ضعيفة جدًّا، وأصبحت سوريّة أمام مشاكل كبيرة لا تعدّ، ولا تحصى في المجال الاقتصاديّ.
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنَّ ربط العملة السّوريّة بالفرنك الفرنسيّ لم يصبّ في صالح السّوريّين، ولا سيَّما فئة التُّجّار، وأصحاب المِهن، والصّناعات، خاصّة عندما أخذت ظروف الفرنك الفرنسيّ تتغيّر بين الفينة، والأخرى من جهّة، وبسبب الظّروف الدّوليّة، والتّقلّبات الاقتصاديّة العالميّة من جهّة ثانية.
سعت فرنسا إلى فرض ضرائب متنوّعة على السّوريّين، حيث شكّلت الزّراعة أولى أهدافها، فكانت كالآتي:
أ. ضريبة العشر: تُعدّ من أبرز الضّرائب المباشرة الّتي فرضتها فرنسا في سوريّة
على الحبوب، والقطن، والسّمسم، والبرتقال، والزّيتون، والعسل، والفواكه، والخضار، والحرير الطّبيعيّ، كما فرضتها على المواشي، والحقيقة كان عبء هذه الضّريبة يقع على عاتق الفلّاح، أي كان يدفعها المرابع أكثر من كونها تقع على عاتق مالك الأرض نفسه، ومع ذلك زادت هذه الضّريبة، وتغيّرت حتّى وصلت إلى (١٢.٥%) من إجمال العائدات الزّراعيّة، وكانت تصل أحيانًا إلى (٢٠%) نتيجة الابتزاز من جباتها.
ب. ضريبة التّربيع: أصدرت فرنسا عام (١٩٢٥م) قانونًا جديدًا ينصّ على إلغاء مبدأ الالتزام، وعيّنت بموجبه نسبة ثابتة لضريبة العشر الّتي أصبحت تعرف بضريبة التّربيع، وقدّرت على أساس وسطي من الإنتاج الزّراعيّ السّنويّ لفترة (١٩٢١-١٩٢٤م)، ومن أبرز مساوئ هذه الضّريبة أنَّها كانت تُلحق الضّرر بالفلّاحين بشكلٍ كبيرٍ؛ بسبب ما يقوم به المتنفّذون الّذين كانوا يظلمون الفلّاحين بطرق متعدّدة، منها أنّهم كانوا يقدّرون الغلال بأكثر ممّا هي حقيقتها، ويحدّدون أسعارًا على ما تبرره حال السّوق، ومصلحتهم، وكانت في بعض الأحيان تفرض الضّريبة على القرية كلّها، فينفد من ذلك كبار الملّاكين، وتقع أغلب الضّرائب على الفلّاحين الصّغار.
ت. ضريبة ويركو: وتعني ضريبة الأملاك غير المبنيّة، وتفرض على أنواع الأراضي كافّة. اختلفت نسبتها بحسب الأرض المزروعة، وغير المزروعة، أو إذا كانت بساتين تقع في ضواحي المدن، أو بعيدة في الأرياف. وقد تراوحت نسبتها من خمسة بالألف من القيمة الماليّة المقدّرة للأراضيّ الأميريّة إلى ستّة عشر بالألف من القيمة المقدرة للأراضيّ المملوكة. وكانت تجبى هذه الضّريبة قبل إجراء معاملات نقل الملكيّة. وفي ٢٣ آذار (١٩٢٧م)، أصدرت فرنسا قرار رقم (٣٣٩)، يتضمّن دمج ضريبتيّ الويركو، والعشر، في ضريبة عقاريّة موحّدة دعيت بضريبة المساهمة العقاريّة، وكانت تحصل عند إجراء عمليّة مسح للأراضي. يجدّد تقديرها كلّ عشر سنوات، ويتمّ فرضها بالتّدريج
بموازاة أعمال المسح المنجزة.
ث. ضريبة الأعناق: تفرض على الأشخاص من سنّ (٨-٦٠) عامًا، وتعرف بين الشّعب السّوريّ ضريبة الطّرق، وقد حدّدتها السّلطات الفرنسيّة بـ(٢٥) قرشًا سوريًّا، أو العمل لمدّة معيّنة في الطّرقات كسخرة للإعفاء منها.
ج. ضرائب متنوّعة: كانت هناك كثير من الضّرائب الّتي فرضت من قبل الانتداب الفرنسيّ على سوريّة، ودفعت بواقعها المعاشي إلى الفقر، والبطالة، بالإضافة إلى الضّرائب السّابقة كانت هناك ما يُسمّى الضّريبة المباشرة المستندة للقانون العثماني لعام (١٩١٠م)، وكانت نسبتها تتراوح بين (٧-١٩,٢٠%) للعقارات القائمة، والمنتجة، أمّا العقارات الّتي لم تُقم بعد فتراوحت نسبتها بين (٥.٨-٢١) بالألف، فيما إذا كانت مؤجّرة أم لا. كما فرضت فرنسا ضريبة على صافي أرباح شركات السّكك الحديديّة، والحافلات الكهربائيّة، والملاحة البحريّة، ورواتب الموظّفين الّتي وصلت إلى (٤%)، وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ الضّرائب الزّراعيّة وحدها شكلّت وسطيًّا حوالي (٤٠%) من مجموع الضّرائب الّتي تدخل الخزينة، بينما وصلت الضّرائب المفروضة على قطاع التّجارة، والصّناعة، والمهن الحرّة إلى حوالي (٣%).
والحقيقة لقد أصبحت الضّرائب عبئًا على سوريّة بشكل عامّ، حيث استاء النّاس خاصّة فئة التّجّار على ما فرضته سلطات الانتداب على بضائعهم، وأخذ النّاس في تلك المرحلة يستاؤون من تلك الأساليب الّتي لا تمتّ إلى الأخلاق بصلة في جني الأموال.
كما زادت فرنسا -لتسدّ نفقات جيوشها في سوريّة- بعض الإضافات المؤقّتة على بعض الضّرائب، حيث أضيف (٥٠%) إلى رسوم المواشي، كما تضاعفت أثمان الطّوابع، واستمرارًا لسياستها الضّريبيّة أصدرت في نيسان عام (١٩٢٠م) قانون رسوم بلديّة
العاصمة عن الأموال المنقولة، وغير المنقولة، كما وضعت ضريبة الاستهلاك الدّاخليّ على الكبريت، والتّبغ، وأضافت زيادات على الضّرائب البريديّة، والبرقيّة. وفرضت ضريبة على الحيوانات، والسّمن، والصّوف الّتي تنقل إلى خارج سوريّة، وبسبّب التّذمّر الّذي أصاب المجتمع السّوريّ برّرت فرنسا سياستها بأنَّ مجموع تلك الضّرائب بالنّسبة إلى عدد السّكان لا تشكّل شيئًا مقارنة بما بلغته الدّول الكبرى، ولولا الأزمة العالميّة لكان الحال مختلفًا على حدّ ادّعائها.
عملت فرنسا على مأسسة الاقتصاد السّوريّ بشكل عامّ، وجعله فرنسيًّا بالدّرجة الأولى، وذلك من خلال ربط الاقتصاد، ومؤسّساته بالاقتصاد الفرنسيّ، فالاتّحاد الاقتصاديّ السّوريّ هو اتّحاد فرنسيّ كما ذكر سابقًا لـ(٧٥) مصرفًا، وشركة مساهمة، وغرفة تجارة، وكلّها كرّست نفسها لتطوير المصالح الزّراعيّة، والتّجاريّة، والصّناعيّة الفرنسيّة في سوريّة.
بدأت فرنسا بمأسسة النّظام النّقديّ بهدف تنظيم النّقد، ومحاولة استنزاف البلاد اقتصاديًّا، حيث ربطت النّقد السّوريّ بالفرنك الفرنسيّ الّذي كان في حال من الانهيار نتيجة الحرب العالميّة الأولى، والظّروف الدّوليّة. وكانت أولى الخطوات الّتي أخذت فرنسا تسعى إلى تحقيقها في مجال النّقد عقدَ اتّفاقيّة مع المصرف السّوري-اللّبناني في الأوّل من آب عام (١٩٢٢م)، على أن يبدأ العمل بها في الأوّل من نيسان عام (١٩٢٣م) تنصّ على اعتبار النّقود الّتي يصدّرها البنك بموجب قرار المفوّض السّامي الفرنسي الوحيدةَ في سوريّة، ولبنان، وجبل الدروز، وتستعمل دون سواها في الدّوائر الرّسميّة على أن يكون البنك خاضعًا لجميع الضّرائب الّتي تطبّق على الشّركات الفرنسيّة، وبتلك
الخطوة بدأت فرنسا تعمل على مأسسة النّظام النّقديّ في سوريّة علمًا أنّ مصلحة البلاد في تلك المرحلة تقتضي عدم ربط العملة لسوريّة بالفرنك الفرنسيّ، وهنا تنبغي الإشارة إلى أنّ لجنة الانتداب قدّمت تقريرًا إلى مجلس عصبة الأمم المتّحدة خلال اجتماعها الاستثنائيّ المنعقد في روما في ١٦ شباط سنة (١٩٢٦م)، نوّهت من خلاله إلى أنّ سياسة الانتداب الفرنسيّ النّقديّة في سوريّة تؤخّر استعداد سوريّة للاستقلال.
وفي الحقّ إنَّ ربط اللّيرة السّوريّة بالفرنك الفرنسي جرَّ على سوريّة الكوارث في المجال الاقتصاديّ خاصّة في المجال التّجاريّ، حيث لوحظ أنَّ التّقلّبات الّتي أصابت العملة السّوريّة بين عامي (١٩٢٠-١٩٢٦م) كان لها تأثير واضح في بنية النّظام الاقتصاديّ، وتراجعه، حيث انخفضت قيمة الفرنك الفرنسيّ في تلك المرحلة إلى النّصف أمام الدّولار، وإلى الثّلث أمام الجنيه الإسترليني، هذا، وخلال الأعوام العشرة اللّاحقة انخفضت قيمة الفرنك أيضًا إلى أقلّ من النّصف مقابل الدّولار، والجنيه الإسترليني بين عامي (١٩٣٦-١٩٣٩م)، الأمر الّذي انعكس على التّعاملات التّجاريّة، ودفع في الوقت نفسه بالسّوريّين إلى الهجرة خارج البلاد.
وفي هذا السّياق لا بدّ من ذكر أبرز البنوك الّتي شغلت دورًا مهمًّا في مأسسة النّظام النّقديّ، وربط الاقتصاد السّوريّ بالفرنسيّ، وهي:
- بنك سوريّة ولبنان
يعدّ بنك سوريّة، ولبنان وريث البنك العثمانيّ الإمبراطوريّ في سوريّة، وهو أضخم، وأقوى شركة مصرفيّة نشطت في سوريّة أيّام الانتداب الفرنسيّ، حتّى وصف المندوب السّامي دي جوفنيل بأنّ سوريّة أصبحت ملكًا له، وقد اتّهمت صحيفة القبس الدّمشقيّة سنة (١٩٣٤م) بأنّ وراء خراب سوريّة الاقتصادي هو بنك سوريّة ولبنان، فالبنك لم يكن
تجاريًّا فقط، بل كان رابطًا للعملة السّوريّة، واللّبنانيّة بالنّقد الفرنسيّ من خلال إصداراته النّقديّة، فقد كان يصدر العملات وفق حاجة سلطات الانتداب، ونفقات جيوشها، ولم يكن ينظر إلى مصلحة الاقتصاد السّوريّ.
والحقيقة أنَّ التّقلّبات الّتي أصابت الفرنك الفرنسيّ بين عامي (١٩٢٤-١٩٣٨م) قُدّرت بعشرة ملايين ليرة ذهبيّة عثمانيّة، هذا بالإضافة إلى أنّ انخفاض قيمة الفرنك قلّل من قيمة الصّادرات، ورفع من قيمة الواردات، وبذلك أسهم في العجز الاقتصاديّ للبلاد، هذا، وقامت في سوريّة مؤسّسات مصرفيّة فرنسيّة عملت على ربط البلاد بمصالح الرّأسمال الفرنسيّ، وتأمين مواقع ممتازة لفرنسا منها:
- البنك الفرنسيّ-السّوري: الّذي تأسّس عام (١٩١٨م).
- البنك العقاريّ الجزائريّ: الّذي بدأ عمله عام (١٩٢١م) وله فروع في حلب، تأسّس عام (١٩٣٠م)، وفي دمشق عام (١٩٣١م).
- البنك العقاريّ السّوريّ: الّذي يمنح القروض، والاعتمادات مقابل رهون وغيرها، وبنك دي روما، وهو بنك إيطالي بدأ العمل في سوريّة عام (١٩١٩م).
إنَّ الأوضاع المالية المتردّية الّتي جلبها الانتداب الفرنسيّ على سوريّة من فرض للضّرائب، وربط الاقتصاد السّوريّ بالفرنسيّ من دون النّظر إلى تداعيات كلّ ذلك، جعل البلاد في وضع يرثى له، وفي الوقت نفسه أوقف ضخّ الدّم في شريان البلاد، والعباد اقتصاديًّا، فأوضاع البلاد الزّراعيّة المتردّية، وتأخّر الصّناعات المحلّيّة، وما رافقه من كساد في التّجارة، وتمزيق البلاد، وإقامة الحواجز الجمركيّة دفع كثيرًا من السّوريّين إلى البحث عن فرص عمل في الدّوائر الحكوميّة. ومن الجدير بالذّكر أنّ نفقات فرنسا في المنشآت العامّة مثل تعبيد الطّرق، وبناء الثّكنات العسكريّة، وإنشاء التّلغراف هي في الظّاهر تصبّ
في خدمة الشّعب السّوريّ إلّا أنَّها في باطنها تنفع الحكومة الفرنسيّة فقط، وتملأ جيوب ممثّليها في سوريّة، ومن يساعدهم في اغتصاب البلاد، والعباد.
وهنا لا بدَّ من الإشارة إلى أنّ أبرز تداعيات سياسة فرنسا الاقتصاديّة من تراجع منتوجاتها، وصادراتها، ووارداتها، وقيمة نقدها، وكثرة هجرة سكّانها قيام الثّورة السّوريّة الكبرى، وهذا ما أكّده بيان اجتماع رجال الثّورة عام (١٩٢٥م)، بقرية «ريمة الفخور» في جبل العرب والّذي نشر في الصّحف مفاده: «لقد نهب المستعمرون أموالنا، واستأثروا بمنافع بلادنا، وأقاموا الحواجز الضّارة بين وطننا الواحد، وقسّمونا إلى شعوب، وطوائف، ودويلات، وحالوا بيننا، وبين حرّيّة التّجارة، والسّفر حتّى في بلادنا، وأقاليمنا».
فالوجود الاستعماريّ في سوريّة دفع البلاد إلى حال من التّدهور الاقتصاديّ، حيث أضاع الفرنسيّون في سوريّة ثروة لا تقلّ عن (٥٠) مليون ليرة ذهبيّة، نتيجة سوء الإدارة الفرنسيّة، وفسادها، ووجود شركاتها، وورقهم النّقديّ، هذا بالإضافة إلى هدرهم للواردات الّتي أخذوها من الجمارك، والمصالح المشتركة، لإنفاقها في محاربة السّكّان، وإشباع مطامع رجالاتهم، وموظفيهم، وجيوبهم.
ومن تداعيات سياستهم تأخّر البلاد عن تقدّمها، وازدهار صناعتها، وعمرانها، وهذا عكس ما عهدت به فرنسا لعصبة الأمم من أنّها قادمة إلى سوريّة لتخلصها من واقعها الاقتصاديّ المتردّي، غير أنّه لوحظ أنّها سعت إلى حجب كلّ تطوّر، وإعاقة أيّ تقدّم لأيّ إدارة، أو مصنع تسعى إلى النّهوض بالاقتصاد، وبعثه من جديد.
وفي هذا الصّدد لا بدَّ من التّوضيح أنّ سياسة فرنسا الاقتصاديّة لم تتبدّل على الرّغم من تبدّل المندوبين السّاميّين في البلاد، حيث كان دستورها في سوريّة يكمن في
ربط سوريّة بالإمبراطوريّة الاستعماريّة الفرنسيّة، والعمل على حصر مواردها، وثرواتها بالرّأسماليّين، والشّركات الفرنسيّة، والعمل على استخدام الموظّفين في الوظائف الحكوميّة، ووضع أياديهم على الأسواق، والموارد الاقتصاديّة، كالجمارك، والموانئ، وبعض الصّناعات، وإدارتها من قبل الفرنسيّين، ومنح الامتيازات الخاصّة لتشغيل أموال الفرنسيّين في ثروات البلاد، وعلى إثر ذلك أنشؤوا بنك سوريّة ولبنان، وهو مصرف لتصدير الصّرافة، والرّهانات، والبنك العقاريّ الجزائريّ، وهو مصرف للرّهانات، وإقراض الفلّاحين مقابل رهن أراضيهم، وبنك الرّهانات للأراضي، والبيوت، والمجوهرات، والبنك الفرنسيّ للصّرافة، كما عملت على إقصاء السّوريين عن السّاحات الاقتصاديّة بكثرة الضّرائب، ومزاحمة أصحاب المعامل، والمتعهّدين، وسلب الأوقاف، والأراضي الأميريّة، والمعادن، والينابيع، والعمل على تجزئة البلاد لإضعافها، وسهولة التّحكّم بها، والعمل على جمع الذّهب من النّاس، وإرساله إلى فرنسا، وإبقاء التّداول بالعملة السّوريّة المرتبطة بالفرنك الفرنسيّ، للتّحكّم بقدرة البلاد الاقتصاديّة، واستثمار نشاطها الصّناعيّ، وتشجيع الفلّاحين بالتّمرّد على كبار الملّاك، والاقطاعيّين بمساعدة ضبّاط الاستخبارات التّابعين لحكومة الانتداب.
إنَّ سياسة فرنسا الاقتصاديّة وما ترتّب عليها من سوء الأوضاع في البلاد خلقت مجتمعًا ضعيفًا واهيًا أوهى من بيت العنكبوت اقتصاديًّا، فالانتداب ما هو إلّا محاولة قامت به فرنسا لربط اقتصاد سوريّة باقتصادها، لتدميرها اقتصاديًّا، وتهيئتها لأن تكون سوقًا لتصريف منتجاتها.
وقد خلص البحث إلى نقاط مهمّة وأساس يمكن أن نجملها بالآتي:
- سيطرة فرنسا على الزّراعة، لا سيَّما زراعة القطن، والتّوت، والتّبغ، وجعلها أساسًا لصادراتها، وركيزة لسدّ نفقات جيوشها في سوريّة. وأحكمت قبضتها على زراعة القطن لما له من أهمّيّة كبيرة، ولتكون رائدة في السّوق الأوروبيّة في مجال الصّناعات القطنيّة.
- التّحكّم بالأملاك العامةّ، وتوظيفها لصالح فرنسا، وإصدار القوانين المحكمة، وجعلها أداة لتنفيذ مشاريعها الاقتصاديّة.
- بثّ الشّائعات بين الفلّاحين لإيهامهم بما يصبّ في مصلحتها، وإظهار الحقد، والكره الكبيرين على الفلّاحين، وخداعهم ليكونوا أدوات تنفيذ لمآربها الخاصّة.
- انهيار الصّناعة السّوريّة، والسّيطرة على مواردها الأوّليّة المؤثّرة في حركة السّوق الصّناعيّة المحلّيّة، والعالميّة، وتقلّص عدد المعامل السّوريّة، وتراجع إنتاجها بسبب السّياسة الفرنسيّة المبنيّة على مصالحها الخاصّة فقط.
- شلّ القدرة التّجاريّة لسوريّة عن طريق تجزئة البلاد، وإقامة الحواجز الجمركيّة، وعقد اتّفاقيات مع الإنكليز في البلاد المجاورة، وإصدار العملة الورقيّة، وربطها بالفرنك الفرنسيّ المتذبذب عالميًّا، وفرض الضّرائب الباهظة على الصّادرات المحلّيّة، وتسهيل حركة البضائع إلى الدّاخل بهدف إغراق السّوق السّوريّة، ومنع التّجّار من التّفكير في تصدير ما تنتجه أراضيهم، وعزل المدن التّجاريّة الكبرى مثل (حلب-دمشق) عن بعضها، وعن الأسواق المجاورة لها مثل العراق، وتركيا، كلّ هذا أدّى إلى زيادة البطالة، وارتفاع
(419)نسبة العاطلين عن العمل بشكل لا يطاق، وهذا بعض من انعكاسات السّياسة الفرنسيّة على الاقتصاد السّوريّ.
- التّحكّم بالتّداول النّقديّ في سوريّة من خلال إصدار عملة مرتبطة بالنّقد الفرنسيّ المتقلّب عالميًّا، نتيجة عدم استقرار الدّولار الأمريكيّ، الأمر الّذي انعكس على حركة الاقتصاد السّوريّ بشكله العام الزّراعيّ، والصّناعيّ، والتّجاريّ.
- إنهاك الاقتصاد عن طريق فرض الضّرائب المتنوّعة من مثل ضريبة العشر، والتّربيع، والأعناق، وويركو...، ممّا زاد في معاناة السّوريّين، وعمق جراحاتهم إزاء الواقع المتردّي عامّة.
- وتحقيقًا للهيمنة التّامّة على الاقتصاد السّوريّ، أوجدت فرنسا نظامًا نقديًّا فرضته على سوريّة من خلال البنوك المتنوّعة، بهدف مأسسة الاقتصاد فيها في محاولة منها لجرّ الكوارث الكبرى، والّتي لا يمكن لعاقل أن يتصوّرها عمومًا.
(420)1.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، مطبعة دار الكتاب العربي، جامعة الدول العربية، معهد الدراسات العربية العالية، مصر، ١٩٥٣م.
2.إسماعيل، حكمت علي، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م)، بحث في تاريخ سوريّة الحديث من خلال الوثائق، تقديم: محمد خير فارس، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، سوريّة، دمشق، ط١، ١٩٩٨م.
3.الحسني، علي، تاريخ سوريّة الاقتصادي «الاقتصاد روح الحرية والاستقلال»، مطبعة بدائع الفنون، دمشق، ١٣٤٢هـ/ ١٩٢٣م.
4.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ذكريات ١٧، دار النهار للنشر، لبنان.
5.حمادة، سعيد، النظام الاقتصادي في سوريّة ولبنان، جامعة بيروت الأمريكيّة، المطبعة الأمريكية، بيروت، ١٩٣٦م.
6.حنا، عبد الله، ملامح من تاريخ الفلاحين في الوطن العربي ونضالهم في القطر العربي السوري -الاحتلال العثماني والاستعمار الفرنسي-، ٥ مج، د.ت.
7.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي «سياسة القومية العربية (١٩٢٠-١٩٤٥م)»، ترجمة: مؤسسة الأبحاث العربية، بيروت، ط١، ١٩٩٧م.
8.ديب، كمال، تاريخ سوريّة المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف ٢٠١١م، ط١، دار النهار، لبنان - بيروت، ٢٠١١م.
9.السمان، أحمد، محاضرات في اقتصاديات سوريّة، معهد الدراسات العربية العالية، ١٩٥٥م.
10.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات عبد الرحمن الشهبندر، ط١، دار الارشاد للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، ١٩٦٧م.
11.الصالح، محمد علي، الاقتصاد السوري زمن الانتداب الفرنسي (١٩١٨-١٩٤٦م) تأثيراتها فيما بعد الاستقلال، منشورات المعهد الفرنسي للشرق الأدنى، ٢٠٢٠م.
12.عثمان، هاشم، تاريخ سوريّة الحديث، ط١، رياض الريس للطباعة والنشر، لبنان، ٢٠١٢م.
13 كوثراني، وجيه، بلاد الشام في مطلع القرن العشرين، السكان والاقتصاد وفلسطين والمشروع الصهيوني قراءة في وثائق الدبلوماسية الفرنسية، المركز العربي للأبحاث والدراسة السياسات، بيروت، ط٣، ٢٠١٣م.
14 الكيالي، عبد الرحمن، الجهاد السياسي، المكتبة العصرية ومطبعتها، سوريّة، حلب، السويقة، ط١، ١٩٤٦م.
15.لونغريغ، ستيفن هامسلي، تاريخ سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، دار الحقيقة، بيروت.
16.مردم بك، سلمى، استقلال سوريّة «أوراق جميل مردم بك»، شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت، لبنان، ط١، ١٩٩٤م.
17.هرشلاغ، ز. ي.، مدخل إلى التاريخ الاقتصادي الحديث للشرق الأوسط، تعريب: مصطفى الحسيني، دار الحقيقة، بيروت، ط١، ١٩٧٣م.
18.American Society of International Law, FRENCH MANDATE FOR SYRIA AND THE LEBANON, The American Journal of International Law, Vol, ,17 No, .3 Official Documents, Jul.1923 ,2010 .
19.Anthony Nakhle, The Mandate Of Syria: Extending French Imperial Influence, Thesis, research Gate, January .2021
20.Ayşe Tekdal Fildiş,France's Imperial Ambitions And The Establishment Of The French Mandate In Syria, Journal Of Emerging Economies And Policy, Volume, 3 ISsue 1. 2018.
(422)صايل مخلوف
هذا البحث محاولة لإلقاء الضّوء على مرحلة الانتداب الفرنسيّ على سوريّة، هذه المرحلة القصيرة نسبيًّا في أعمار الدّول، وكيف كانت السّياسة الفرنسيّة في سوريّة، وما هي ردّة المجتمع السّوري على إجراءات سلطات الانتداب، هل نجحت فرنسا في إقناع السّوريّين إنّها جاءت لتحريرهم، والأخذ بيدهم نحو المستقبل المشرق كما تدّعي، وكيف تعاملت سلطات الانتداب مع الحركات المعارضة لوجودها، ومدى الوحشيّة الّتي ارتكبها قادتها العسكريّون اتّجاه القوى الوطنيّة، والتّحريريّة، مبرزًا النّتائج كما كانت على أرض الواقع.
كلمات مفتاحيّة: الانتداب، الثّورة السّوريّة، المندوب السّامي، الحكومة الوطنيّة، حركة التّحرّر.
عرفت منطقة سوريّة الطّبيعيّة، ومنطقة شرق المتوسّط الاستعمار منذ زمن قديم، وفي كلّ مرّة يأخذ هذا الاستعمار شكلًا جديدًا، ولونًا جديدًا، ولكنّه في الأحوال كلّها لم يكن إلّا شكلًا جديدًا للسيطرة، والهيمنة، والاحتلال وغالبًا ما كان يلقى مقاومة عنيفة سواء أكان ذلك على مستوى الأفراد الّذين مثلوا حركات فرديّة ذات طبيعة استقلاليّة، كما هو
حال ضاهر العمر في فلسطين، أم فخر الدّين المعنيّ الثّاني في لبنان، أم كانت على مستوى عمل شعبيّ شامل، تكاتف فيه كلّ أبناء الشّعب، إلى أنّ شكّل ثورة شاملة كما هي حصل في الثّورة السّوريّة الكبرى الّتي انطلقت شرارتها من جبل العرب، ولقد تمّت مواجهة هذه الثّورات من قبل القوى المحتلّة بكل ما استطاعت من قوّة.
يأتي بحثنا هذا محاولة لإلقاء الضّوء على فترة الاستعمار الفرنسيّ في سوريّة، وكيف واجهت القوى المحتلّة الثّورات الّتي اندلعت ضدّها، وكم كانت الوحشيّة الّتي ارتكبها المحتلّ كبيرة، إن على الصّعيد العسكريّ، أو على الصّعيد المجتمعيّ، وهل نجحت هذه الوحشيّة في كبح إرادة السّوريّين في نضالهم من أجل نيل حرّيّتهم، واستقلالهم، وبناء دولتهم المستقلّة، وهل استطاعت القوى الاستعماريّة المستبّدّة، والمتحكّمة بمصادر الثّروة، ومفاصل البلاد بما قدّمته من إغراءات، ووعود أن تفصل السّوريّين عن بعضهم البعض، هذا ما سيناقشه هذا البحث مستندًا إلى مصادر، ومراجع بعضها عاصر فترة الاحتلال الفرنسي، وكان شاهد عيان على تلك الفترة.
لم تكن الوحشيّة الّتي تتمتّع بها القوى العسكريّة الفرنسيّة شيئًا جديدًا على العرب، وبخاصّة في مصر، وبلاد الشّام، فحملة نابليون بونابرت على مصر، وبلاد الشّام (١٧٩٨-١٨٠١م) لا تزال ماثلة في الأذهان، فقد أعدم نابليون آلاف من الجنود الّذين استسلموا له بحجّة عدم وجود طعام يكفيهم.
عندما يبدأ الاحتلال في أيّ مكان من العالم، فإنّ الشّكل المنطقي أن تبدأ المقاومة، وهذا هو حال الشّعوب المؤمنة باستقلالها وأرضها، وما أن وطئ الفرنسيّون سوريّة حتّى بدأت المقاومة، ولعلّ بواكير تلك المقاومة كانت في ثورة الشّيخ المجاهد صالح العلي،
حيث تؤكّد المصادر أنّ هذه الثّورة كانت ذات أهداف نبيلة، فلم يلجأ الثّوار إلى أعمال السّلب، والنّهب، بل على العكس انصبّت أهداف هذه الثّورة على تحقيق وحدة البلاد، واستقلالها.
استخدم الفرنسيّون كلّ الأساليب في محاولتهم للقضاء على الثّائرين بما في ذلك دس العملاء، والخونة داخل الثّورات، فخلال ثورة الشّيخ صالح العلي اقترب منه أحد المتطوّعين بالثّورة، وأطلق خمس أعيرة ناريّة في الهواء، عندها أحسّ السّيِّد سليم شاويش، وهو أحد المقربين من الشّيخ صالح العلي بأنّ هنالك مؤامرة، ابتعد الشّيخ صالح عن المكان، وقد كان حسّه سليمًا، وما هي إلّا برهة حتّى بدأ القصف الفرنسيّ العنيف للمكان، وقد تبيّن بعد ذلك بأنّ هذا الشّخص قد تقاضى من الفرنسيّين مبلغًا ليدلّهم على مكان الشّيخ صالح عن طريق خمس طلقات في الهواء.
لم يكتف الفرنسيّون بالاعتماد على الخونة، بل لجأوا إلى أساليب أكثر غرابة، وذلك عندما يقومون بإعدام الأبرياء انتقامًا من الثّائرين، وتشفّيًا منهم، فأثناء بحثهم عن الثّائر إبراهيم هنانو في قرية كالة قضاء إدلب، ولم يجدوه، ولم يجدوا أحدًا من رفاقه قبضوا على سبعة وعشرين شابًا، وأعدموهم رميًا بالرّصاص تشفّيًا، وانتقامًا من دون أن يرتكبوا أيّ جرم، وقد تأثّر الزّعيم هنانو لهذه الحادثة، وأقسم بالانتقام والثّأر.
ويبدو أنّ إعدام الأبرياء انتقامًا من الثّائرين كان سياسة فرنسيّة متّبعة في كلّ أرجاء البلاد من دون رحمة، أو شفقة، أو حتّى شعور بالذّنب، فحين تعرض الجنرال غورو لمحاولة اغتيال أثناء توجّهه إلى القنيطرة لزيارة الأمير محمود الفاعور بدلًا من البحث عن الفاعلين الحقيقيّن، قام بصبّ جامّ غضبه على الأبرياء الآمنين ممّن لا ناقة لهم بذلك ولا جمل، وزجّ زعماء تلك المناطق في السّجن من قرى جباتا الخشب، والفوقاني، وطرنجة،
وتلّ الشّيخة، ومجدل شمس، وباع ممتلكاتهم، وحجز أموالهم.
شكّلت السّياسة الفرنسيّة الخاطئة اتّجاه سوريّة، والشّعب السّوري العامل الأساس للنّضال الوطنيّ للشّعب السّوريّ، وأدّت إلى نموّ حركة التّحرّر، وكان لهذه الحركة ردود فعل عنيفة اتّجاه السّياسة الفرنسيّة في سوريّة.
كما أحسّ السّوريّون بثقل الاحتلال الفرنسيّ عليهم، كذلك كان حاله ثقيلًا على المدن السّوريّة الّتي لم تسلم من ويلاته، وشروره تحت حجج، وذرائع شتّى، وليس فقط المدن بل حتّى القرى، والأرياف، ولعلّ أكثر الوقائع إيلامًا تلك الواقعة الّتي قامت فيها سلطات الاحتلال بقصف دمشق، وكانت تسمّي الثّوار (عصابات)، إذ إنّه على أثر دخول الثّوار دمشق، والسّيطرة على معظم أحيائها دعا الجنرال سراي أركان حربه إلى الاجتماع، وأجمع الرّأي على تدمير دمشق «بدأت قلاع المزّة، والمدينة بإطلاق مدافعها الثّقيلة ثلاثة أيّام من عصر يوم الأحد ١٨ تشرين الأوّل إلى مساء يوم الثّلاثاء ٢٠ تشرين الأوّل عام ١٩٢٥م، فهدمت المتاجر، وأحرقت المنازل الكبيرة الأثريّة».
لم يتوقّف القصف على العاصمة دمشق، بل امتدّ حتّى شمل الغوطة، حيث شاركت المصفّحات، ومدفعيّة الميدان كما شارك سلاح الجوّ الفرنسيّ في هذا الهجوم الواسع، وقد امتدّ هذا الهجوم خارج دمشق حتّى الغوطة، وقد كانت أعداد القتلى كبيرة بينهم أربعمائة ثائر، وقد استمرّ هذا الهجوم قرابة أسبوع، ويعدّ هذا الهجوم من أخطر معارك فرنسا في سوريّة.
ويلاحظ أنّ سلطات الانتداب كانت مصمّمة على اسكات الثّوار بالقوّة، وذلك في كلّ أنحاء البلاد فقد شمل القصف مزارع، وضياع، فحين تعلم سلطات الانتداب، بوجود
الثوّار في قرية ما تقوم بقصفها من دون سابق إنذار، كما حصل في قرية الخيارة، فاستشهد كلّ من المجاهد سالم الأطرش، والمجاهد محمّد البربور، وقد قضى المجاهدون أيّامًا يتجوّلون في قرى يلدا، وعقربا، وبابيلا، وقد لقوا من الأهالي كلّ ترحيب.
يبدو أنّ حال الفرنسيّين كان واحدًا في جميع المدن السّوريّة، وعلى كامل الجغرافية السّورية، فحين يعجزون عن مواجهة الثّوار كانوا يلجأون إلى استخدام الوحشيّة في القصف، وكذلك استخدام الطّائرات لعدم قدرتهم على المواجهة على الأرض، ففي مدينة حماة كما كلّ المدن السّوريّة عندما هاجم الثّوار مخافر الشّرطة، وسيطروا على المدينة استخدم الفرنسيّون الطّائرات، وقاموا بقصف المدينة للسّيطرة على الموقف.
لم ينتظر الفرنسيّون الثّوار في كلّ مرّة بل غالبًا ما كانوا يبدأون القصف من دون سابق إنذار كما فعلوا في قرية مجدل شمس «فقد حلّقت الطّائرات فوق مجدل شمس، وقذفتها بحممها، وتهدّمت بعض البيوت، وأصابت شظايا القنابل المجاهد خليل بصلة من قرية داريا في ساقه، وعادت الطّائرات في اليوم التّالي توالي غاراتها طيلة النّهار، وقد تربّص بها المجاهدون، واستطاعوا إسقاط طائرة واحدة التهمتها النّيران».
ولعلّ أهمّ أعمال الفرنسيّين وحشيّة في سوريّة هي مجزرة البرلمان الّتي جرت في ٢٩ آيار ١٩٤٥م، حيث أنزل العلم الفرنسي عن مبنى البرلمان، ويبدو أنّ السّبب المباشر لهذه المجزرة هو رفض رجال الشّرطة (الدّرك) تحيّة العلم الفرنسي بعد أن طلب منهم ذلك اتّخذ الفرنسيّون من الرّفض حجّة، وبدأوا فتح نيرانهم من الدّبابات، والمصفّحات، وكذلك الرّشاشات، وقد قاتلت حامية البرلمان بشجاعة حتّى نفدت ذخيرتها، حيث اقتحمه المحتلّون، وقتلوا من بقي حيًّا، ومثّلوا بجثث الشّهداء، وشوّهوا معالمها.
لم يكن تاريخ الفرنسيّين في سوريّة إلّا تاريخ قتل، وسلب، ونهب، وسرقة، وهو الأمر الّذي يستنكره كلّ واع، وصاحب ضمير في هذا الكون.
اتّبعت فرنسا في سوريّة كلّ ما من شأنه أن يضعف المقاومة الشّعبيّة ضدّها، وكان من أساليب هذا المحتلّ هو محاربة الثّائرين بلقمة عيشهم، فلجأت إلى هذه الأساليب الدّنيئة لإضعاف مقوّمات الصّمود، والمواجهة خاصّة عندما كانت تتعرّض لخسائر فادحة فحين انسحب الفرنسيّون بعد معركة حوش المباركة في ضواحي دمشق، وتكبدوا خسائر فادحة هاجموا قرى المليحة، وجرمانا، والبلاط، وأحرقوها، وقتلوا عددًا من الأبرياء تشفيًّا، وانتقامًا.
ورد في مذكّرة الملك فيصل إلى الحكومة البريطانيّة عن عمل الجنرال غورو «عندما كان يقع جريمة في إحدى النّواحي لم نكن نجد جهدًا من الجانب الفرنسوي، بل كان كلّ ما في الأمر أن يحرق الفرنسيّون أقرب قرية، أو يحجزوا غلالها، ويسوقوا ماشيتها، ويتركوا سكّانها في شقاء، وتعاسة لا حدّ لهما».
كان رجال السّلطة الفرنسيّة قد آلوا على أنفسهم قمع الثّورات بأيّ شكل، معتمدين مبدأ الغاية تبرّر الوسيلة، وقد وضعت نصب أعينها الفتك، والقتل، والحرق، والتّخريب، والتّقتيل، وكلّ أنواع المدنيّات الأوروبيّة المدّعاة ليست إلّا بدعًا.
استخدم الفرنسيّون كلّ وسائل الاستفزاز الممكنة لخلق الذّرائع المناسبة لضرب القرى، وإحراقها، ولم يكن يهمّهم إلّا جباية الأموال، وجمعها، ففي إحدى قرى البقاع
الشّرقي طلب ضابط الحملة من شيخ القرية دفع الضّرائب خلال أربع وعشرين ساعة، فأجاب الشّيخ بأنّ أهل القرية غير مستعدّين لدفع الضّرائب إلى سلطة لا تقدّم لهم شيئًا مقابل تلك الضّرائب، فما كان من الضّابط إلّا أن أمر قوّاته بالتّقدّم إلى القرية، واستباحتها، وضربها بالطّائرات، وما هي إلّا دقائق حتّى لم يبق فيها إنسان حيّ.
يشترك دارسوا الفترة من مؤرّخين، وسياسيّين، وغيرهم على أنّ إحراق القرى كان جزءًا من السّياسة الفرنسيّة في سوريّة، وهو الأمر الّذي سمعناه من كبار السّنّ أيضًا.
«كانت القرى الّتي تحتلّها القوّات الفرنسيّة، أو تمرّ بها عرضة للتّدمير، وهكذا أحرقت معظم القرى المشتركة بالثّورة، أو المشتبه بها، وفي بعض القرى لم يترك كرم إلّا وقطّع، وحرق، ولا شجرة، ولا بير إلّا وضع به لغم ديناميت، ولا محلّ سكن حتّى الدّور الأثريّة».
يجمع معظم المؤرّخين الّذين تناولوا الانتداب الفرنسي على أنّ إحراق القرى كان جزءًا من سياسة الانتقام الفرنسي، ففي ثورة الشّيخ صالح العلي تقدّمت القوّات الفرنسيّة عبر قرى سنقونس، والبرازين، ودوير بعبدة، والزّوبىن وبيت العلوني، وهم يحرقون القرى الّتي يمرّون بها، ويخرّبون ممتلكات الأهالي.
كانت القوى الوطنيّة في سوريّة تعلم النّوايا الفرنسيّة، ولم تكن تثق بها حتّى بوجود طرف ثالث، فقد نكثت القوّات الفرنسيّة العهد الّذي قطعته للمندوبين البريطانيّين بأنّها لن تقف في بلدة الشّيخ بدر إلّا للتزوّد بالماء، وهذا بضمانة بريطانيّة، ولكنّها غدرت، وباشرت القتال، ولكنّها فوجئت باستعداد الثّوار لذلك لأنّهم كانوا يعلمون غدر الفرنسيّين.
لا يكاد يوجد في سوريّة قرية واحدة شهدت مرور القوّات الفرنسيّة، أو إقامة هذه القوّات فيها إلّا ويتحدّث ساكنوها عن مدى الضّيق، والإرهاق الّذي لقيه السّكّان من المحتلّين، وكيف أنّهم مارسوا أبشع أنواع الجشع، والابتزاز ضدّ السّكّان الّذين ادّعوا أنّهم جاؤوا لتحريرهم.
يكاد يكون هذا العنوان من أكثر العناوين التصاقًا بالذّاكرة السّوريّة كون هؤلاء القادة الشّهداء لا يزال بعض أبناؤهم أحياء، ويفرد السّيِّد أدهم آل جندي مؤلّف كتاب تاريخ الثّورات السّوريّة في عهد الانتداب الفرنسيّ قائمة بأسماء الشّهداء الّذين سقطوا في عهد الانتداب الفرنسي مبوّبة بحسب الأحرف الأبجديّة، ويشير إلى أنّه لا بدّ من أن يكون هناك شهداء لم يستطع معرفتهم، ونحن بدورنا سنعرج فقط على مجموعة من الأسماء ذات الصّفة القياديّة من دون التّعرّض للجميع، وذلك تجنّبًا للإطالة، وبما لا يخلّ بالبحث.
كانت المراسلات الفرنسيّة الرّسميّة تشير إلى أولئك الثّوّار الرّافضين للاحتلال الفرنسي باسم عصابات، وقد جاء في نصّ إنذار غورو الشّهير في بنده الثّالث/ محاكمة رؤساء العصابات، ويقصد (الثّوّار).
ونحن هنا وإن كنّا نعتقد أنّ للحرب أخلاقيّاتها، فما نأخذه على الفرنسيّين هو إعطاء الأمان للقادة، ومن ثمّ نكثهم بهذا الأمان، وقتلهم، وبخاصّة بعد أن يكونوا عزّلًا لا يملكون سلاح، أو حتّى إمكانيّة المقاومة، فبعد ثورة هنانو استسلم المجاهدون اسماعيل هرموش، محمود الدّايح من إدلب، ونجيب البيطار من قضاء القصير، وهولاء هم من مجاهدي ثورة هنانوا، وقد تمّ إعطاؤهم -وثائق رسميّة- بعدم ملاحقتهم أبدًا غير أنّ المستشار (كوله) نكث بوعده، وأعدمهم جميعًا. لا يخفى على المهتمّين في تاريخ سوريّة المعاصر بأنّ إعدام القادة، والثّوّار كان سببًا هامًّا جدًّا في تأجيج مشاعر الكراهيّة ضدّ المستعمر الفرنسيّ حتّى أنّ سبب ثورة سلطان باشا الأطرش في جبل العرب سببها المباشر هو إعدام أدهم خنجر نزيل الجبل، وسلطان باشا الأطرش، حيث نقل أدهم خنجر إلى بيروت، وحوكم محاكمة صوريّة، وأعدم، حيث امتدّت هذه الثّورة لتصبح ثورة سوريّة الكبرى.
لم تكن السّلطات الفرنسيّة تكتفي بإعدام القادة بعد محاكمات شكليّة، بل كانت تقوم بإلزامهم بدفع نفقات المحكمة أيضًا على الرّغم من أحكام الإعدام الصّادرة بحقّهم.
لقد كان الوطنيّون يطّلعون على قرارات إعدامهم الّتي تجري غيابيًّا، وبشكل صوريّ من البلاغات الرّسميّة المنشورة بالصّحف، وهم جالسون في بيوتهم، أو دكاكينهم، أو تأتيهم أخبار بأنّ أسماءهم في القائمة.
لم تكن الإعدامات الّتي مارسها الفرنسيّون تستند إلى أبسط مقوّمات العمل القضائي، فهم بمجرّد أن يقتنعوا بالتّهمة كانوا يقومون بالإعدام، وإن افتقروا إلى الأدلّة الكافية، وإن كانت الهدنة قائمة فبد نهاية ثورة الشّيخ صالح العلي «اعتقل الفرنسيّون رجالها، وأعدموا في قرية القمصيّة ثلاثة من رجال الثّورة الّذين كانوا أعضاء في محكمة الثّورة، وهم علي زاهر، ومحمود علي، ومحمود ضوا، ومثّلوا بجثثهم، وأبقوهم معلّقين على أعواد المشانق ثلاثة أيّام».
يلاحظ أنّ التّهمة الوحيدة، أو الكافية الّتي كان الاحتلال يتشدّق بها هي تهمة (التّحريض والدّسائس)، ففي ٩ آب ١٩٢٠ اجتمع المجلس الحربيّ التّابع للجيش الفرنسيّ، وأصدر الأحكام الغيابيّة التّالية: إنّ كلًّا من كامل القصاب، علي خلقي، أحمد مريود، الأمير محمود الفاعور، فؤاد سليم، صبحي الخضرا، صبحي بركات، منح هارون، عوني قضماني، شكري الطباع، عمر شاكر، سليم عبد الرحمن، عمر بهلوان، عثمان قاسم، حسن رمضان، سعيد حيدر، رشيد طليع، عوني عبد الهادي عبد الهادي سكر، خليل باكير، حسن رمضان، عادل أرسلان، إحسان الجابري، فاتح المرعشلي، الشيخ رضا الرفاعي، الدكتور أحمد قدري، رفيق التميمي، توفيق اليازجي، رياض الصلح، خير الدين الزركلي، بهجت الشهابي، نبيه العظمة، شكري القوتلي، عيد الحلبي، ياسين دياب، خالد الحكيم ،مجرمون بتهمة التّحريض، والدّسائس لكونهم عملوا مع أعداء الحكومة
لفرنسيّة، لذلك قرّر المجلس العسكري الأعلى إدانتهم، والحكم عليهم بالإعدام، ومصادرة جميع أملاكهم.
ترافقت أحكام الإعدام آنفة الذّكر مع نفي الكثير من القادة، والثّوّار إلى خارج سوريّة لم نذكرها هنا لخروجها عن مضمون البحث.
تذكر المصادر التّاريخيّة بأنّ بعض المجاهدين استطاعوا الفرار بعد صدور حكم الإعدام حيث فرّ كلّ من عبد الحميد النّابلسيّ، وعبد الله المغربي من السّيارة الّتي كانت تحملهم إلى ساحة الإعدام:
لقد سطّر الشّعب السّوري أروع صفحات النّضال، في فترة الاحتلال الفرنسيّ، حيث لم يهنأ للفرنسيّ بال، ولا وجد مقاومة مثل هذه المقاومة الّتي هبّ فيها الشّعب السّوري بكلّ مقوّماته العرقيّة، والطّائفيّة دفاعًا عن وطنه، ووطنيّته.
عملت فرنسا إلى تقسيم الدّولة السّورية، وفصلها عن بعضها البعض، جغرافيًّا، ومجتمعيًّا، وذلك بهدف إضعافها، ولعلّ هذا الأمر هو أوّل الأعمال الفرنسيّة فيها بهدف السّيطرة عليها، ففي ٣١ آب ١٩٢٠م صدر قرار من القائد العام لجيش الشّرق المفوّض السّامي للجمهوريّة الفرنسيّة، الجنرال غورو بإعلان لبنان الكبير، ثمّ سمّي فيما بعد لبنان من دون كلمة الكبير، وكان هذا على حساب سوريّة زمن الانتداب الفرنسي.
وفي نفس التّاريخ ٣١ آب ١٩٢٠م أصدر الجنرال غورو القرار رقم ٣١٩ بفصل مقاطعة العلويين عن دمشق، وإنشاء إدارة إداريّة فيها اعتبارًا من أوّل أيلول ١٩٢٠م.
وأصدر الجنرال غورو قرارًا بتعيين الكولونيل نيجر حاكمًا عسكريًّا فرنسيًّا على مقاطعة العلويّين، وهو بدوره قام بتشكيل مجلس مدنيّ عسكريّ برئاسة جابر العبّاس، مهمّة هذا المجلس مناقشة الميزانيّة، ورفعها إلى الحاكم العسكريّ الفرنسيّ.
كما قامت السّلطات الفرنسيّة بفصل حلب عن دمشق، وإنشاء دولة حلب بموجب مذكّرة من السّيّد كاترو رئيس البعثة الفرنسيّة في دمشق حيث جاء فيها: «إلى دولة رئيس الوزراء بالوكالة عطا الأيوبي أتشرّف بأن أحيطكم علمًا بأنّ فخامة الجنرال غورو المندوب السّامي قد اتّخذ قرارًا بجعل ولاية حلب حكومة مستقلّة، مركزها حلب، وذلك تنفيذًا لأماني أهالي الولاية الّتي أبدوها بحرّيةّ لوضع حدّ لإدارة مركزيّة تعرقل إدارة حكومة دمشق».
يشير السّيّد غورو في قراره السّابق أن هذا الأمر جاء بناء على رغبة أهالي حلب، ولكنّه لم يبيّن كيف، ومتى حدث هذا، وبرأيي لم يكن هذا إلّا من بنات أفكار غورو، ومن ورائه حكومته الاستعماريّة.
أنشأ الفرنسيّون أيضًا دولة جبل الدّروز حيث عقد في مدينة السّويداء بتاريخ ٢٠ كانون الأوّل ١٩٢٠م مؤتمر برئاسة سليم الأطرش، وتوصّل إلى جملة من المقرّرات أبرزها إنشاء حكومة في جبل الدّروز تتمتّع باستقلالها الدّاخليّ، وتقبل بالانتداب الفرنسيّ على أن يرأسها حاكم ينتخبه الأهالي مرّة كلّ ثلاث سنوات، ويكون لها مجلس استشاري منتخب.
أدخل الفرنسيّون في سوريّة العديد من التّغيّرات الجغرافيّة، وحوّلت البلاد إلى وحدات مناطقيّة، وعرقيّة صغيرة، وقد ادّعى الفرنسيّون في إبرازهم اختلافات المجموعات،
وتطلّعاتها إنّهم إنّما يستجيبون للواقع السّياسيّ، والرّغبة الشّعبيّة غير أنّ تفسيرهم للواقع السّياسيّ كما هو واضح كان يلائم تمامًا رغبتهم في إضعاف المشاعر إزاء سوريّة الطبيعيّة، وإضعاف القوميّة العربيّة، وفي تعزيز الحكم الفرنسي.
عملت السّياسة الفرنسيّة في سوريّة خلال فترة الانتداب على إذكاء روح الطّائفيّة، وتنمية الانتماء العرقيّ المستند إلى سياسة فرق تسد. وقد لجأت إلى سياسة اجتماعيّة خطيرة، وهي إبعاد الوطنيّين، وتقريب الأشخاص أصحاب النّفوس الضّعيفة من الوصوليّين الّذين يحبّون الفرنسيّ، ويؤيّدونه، ويبدو أنّ هذا الأسلوب هو الأسلوب الأكثر رواجًا في المجال الإداريّ، وكان غورو يعتمد على زعماء هذه الطّوائف المتحالفين مع فرنسا بمصالحهم، ووجودهم الإقطاعي.
لقد عبّر فارس زرزور عن هذه الحال بقوله: «وقد أبعد كلّ وطني سليم النيّة عن الوظائف -وبخاصّة الرّئيسة منها- وقصرت هذه على الأذناب، والمنتفعين، والمتآمرين الّذين كانوا على صلة بالفرنسيّين، ووكلائهم ومثل هذا حدث في دوائر الأمن، فقد كانت هذه القوى وسائل طيِّعة لتنفيذ كلّ ما ترسمه السّلطات الفرنسيّة من خطط، ومشاريع، وكانت تتفنّن في التزلّف إلى هذه السّلطات بما يتّفق مع ما تبيته من أعمال، في حين كانت قيادتها العليا، والثّانويّة بيد الضّبّاط الفرنسيّين».
مارس الفرنسيّون في سوريّة كلّ ما يستطيعونه من تعالي على المجتمع السّوري، ولم يراعوا حرمة حتّى للأموات، فقد قام الفرنسيّون بدفن كلب في مقابر المسلمين في البرامكة، ويبدو أنّ الدّفن كان داخل قبر أحد أئمّة المسلمين.
وعلى الرّغم من كلّ الأقلام الّتي جنّدت نفسها لخدمة المستعمر الفرنسيّ، فإنّ
السّوريّين لم يستطيعوا أن يشاهدوا في السّلطة الفرنسيّة إلّا قوّة محتلّة مستعمرة غريبة عن المفاهيم الشّرقيّة الّتي يتمتّع بها المجتمع السّوري.
دخلت القوّات الفرنسيّة دمشق بقيادة غورو على أثر معركة ميسلون (١٩٢٠م) حيث أحجمت جميع الصّحف السّوريّة عن الصّدور في اليوم الثّاني إلّا صحيفة (فتى العرب) لصاحبها معروف الأرناؤوط، المعروف بميوله الفرنسيّة حيث أصدرت عددًا خاصًّا رحّبت فيه بالقوّات المحتلّة، وحمّلت فيه حكومة الملك فيصل السّبب.
بعد أن دخل غورو دمشق تنبّه إلى أهميّة الصّحافة، وأسّس مكتبًا في دائرة المندوب السّامي بدمشق، وآخر في حلب بهدف ربط الصّحافة بالمفوضيّة العليا للمندوب السّامي، وكان قد أصدر أمرًا سابقًا موجّهًا إلى رؤساء تحرير الصّحف السّورية طالب فيه بإرسال نسخ من هذه الصّحف، والمجلّات إلى دوائر الاستخبارات الفرنسيّة لمراقبتها، وتوجيهها الوجهة الفرنسيّة.
كان هذا الإجراء بمنزلة ضربة كبيرة للصّحافة فهو يفرض عليها أن تتبنّى وجهة نظر المحتلّ، وبذلك أصبحت معظم أعمدة المجلّات خالية من السّواد، وذلك لعدم الموافقة على محتوياتها، وعلى الرّغم من ذلك ظلّت عزيمة المقاومة السّاعية إلى الاستقلال تساند الحركة الوطنيّة في جميع مراحلها، وكانت صوت النّضال الوطنيّ التّحرّري، وعنوانه، ومرآته الجميلة.
كان الفرنسيّون يعرقلون تقدّم الصّحف السّوريّة، وكانوا لا يتأخّرون عن تعطيل أيّ صحيفة، واضطهاد أصحابها، ومحرّريها، فعانت الصّحف من قلّة الموارد بسبب ندرة الإعلانات، إضافة إلى الآثار السّيّئة لطول فترة التّعطيل، بالإضافة إلى النّقص المستمرّ
في الورق، ومواد الطّباعة، وعدم السّماح باستيراد مواد الطّباعة الحديثة.
شكّل التّضييق على الصّحافة عاملًا إضافيًّا من عوامل نقمة الشّعب السّوري على الانتداب الفرنسي، ولم يتركوا منبرًا، أو مكانًا يمكن الوصول إليه إلّا وعبّروا فيه عن سخطهم، وقد جاء في قائمة المطالب الّتي قدّمها وفد دمشق إلى الجنرال ساراي «لا يخفى أنّ الحرّيّة الشّخصيّة، وحرّيّة الاجتماع، والصّحافة هي من أقدس حقوق البشر الطّبيعيّة، وهي محترمة لدى جميع الأمم المتمدّنة، ولا يجوز هتك حرمة هذه الحرّيّة على اختلاف أنواعها، لكن أسلافكم لم يراعوا حرمتها فضيّقوا على الصّحافة، ومنعوها من تنوير الرّأي العام، ثمّ أحدثوا قانونًا جديدًا للمطبوعات كان ضربة قاصمة لحرّيّة الطّباعة».
هرب معظم أصحاب المجلّات لا سيّما الوطنيّة منها خوفًا من الفرنسيّين الّذين أخذوا يضطهدونهم، كما فعل محي الدّين الخطيب الّذي لجأ إلى القاهرة، كما سجن بعضهم الآخر كما حدث لمحمّد صبحي العقدة.
تنبّه المفكّرون، والرّوّاد السّوريّون إلى أهميّة الصّحافة، وفِعلها، وكانوا يعلمون نوايا المستعمر المبيّته، فهذا هو محمّد كرد علي يقول: «إنّ الغرب لتحيق لتحقيق أغراضه يفادي بكلّ من يمتّون إليه بصلة من صلات القربى المذهبيّة، وإنّ الاعتبار عنده للمصلحة كيفما كانت، وكان السّبيل للحصول عليها، وقاعدتهم كلّهم الغاية تبرّر الوسيلة، ولقد عرفت الحكومات الّتي استولت على هذه الدّيار منذ نشأة الصّحافة كيف تستفيد من هذه القوّة، فكانت تحتال في أوّل دور أن تشرّف صاحب الجريدة برتبة ووسام، ومن خالف
الصّدع بأمرها تكسّر قلمه، وتشرّده، وتسجنه، وتنزّل عليه غضبها».
على الرّغم من كلّ المضايقات الّتي تعرضت لها الصّحف السّوريّة من قبل الانتداب الفرنسي فقدت أثبتت أنّها صحافة وطنيّة، همّها الأوّل قضايا وطنها، تدافع عنها من خلال أقلامها الشّريفة، ورجالها الوطنيّين.
بيّنا في كلامنا آنف الذّكر أنّ الاحتلال الفرنسيّ احتلّ سوريّة على أثر معركة ميسلون، وحاول بشتّى الوسائل فرض نهجه على السّوريّين، وذلك في محاولة منه لإحكام سيطرته على سوريّة، تمهيدًا لنهب ثرواتها، وخيراتها؛ ولكن السّؤال المهمّ هنا هل نجح هذا الاحتلال في ذلك؟ وهل استكان الشّعب في سوريّة لإرادة المحتل؟
منذ أن دخل الفرنسيّون سوريّة بدأ النّضال بكافّة أشكاله ضدّ وجودهم، أي قبل أن يوضع صكّ الانتداب موضع التّنفيذ بشكل رسميّ، وقد حمل النّضال طابع الاستمراريّة، ولم يرضَ السّوري أن يبقى تحت رحمة المحتلّ، على الرّغم من أن فرنسا قد دخلت سوريّة باسم الدّولة المنتدبة، ولكنّها فرضت انتدابها بقوّة السّلاح فجاءت غازية، ومحتلّة، وقد أدرك السّوريّون ذلك، ولم يقبلوا بالوجود الفرنسيّ.
لقد انتفض الشّعب السّوري بأغلبيّة ساحقة ضدّ الوجود الفرنسيّ، وعمّت الثّورات أرجاء سوريّة فلجأت سلطات الاحتلال إلى أسلوب شيطنة الثّورة عن طريق إظهار هذه الثّورات بمظهر اللّصوصيّة، والسّلب ففي ثورة الشّمال (ثورة إبراهيم هنانو)، قامت السّلطات الفرنسيّة بدعم أحد أعوانها، وهو المدعو عبد الكريم شيخ قرية القناطر، الّذي أسّس عصابة مؤلّفة من مجموعة من الرّجال، أخذت تُغير على القرى وتنهب، وتسلب باسم الثّورة، فاستغلّ الفرنسيّون هذه الأعمال، وبثّوا دعايتهم ضدّ المجاهدين، وحراكهم الثّوريّ.
أدرك الشّعب السّوري أنّ هذا الانتداب هو أسلوب جديد للهيمنة، والاحتلال، ولم ينخدع به رغم كلّ ما يحمله من معاني المساعدة، والإشراف، والتّدريب؛ لذلك حمل الشّعب السّوري السّلاح في وجه الجيش الفرنسيّ الّذي جاء لينفذ السّياسة الاستعماريّة لا سياسة الانتداب المزعوم.
ممّا لا شكّ فيه أنّ أهمّ أسباب فشل الفرنسيّين في سوريّة هو المقاومة الضّارية الّتي واجهتهم، ولكن لا بدّ من التّعريج على سبب أساسٍ ومهمّ، وهو مساوئ السّياسة الفرنسيّة الإداريّة، والاقتصاديّة، والاجتماعيّة، يضاف إلى ذلك سقوط الجيوش الفرنسيّة في الأناضول، وانسحابها بعد تفاهم مع تركيا، كلّ ذلك أسقط هيبتها في عيون سكّان الشّرق عامّة.
اعترف الفرنسيّون أنفسهم بصعوبة مهمّتهم في سوريّة، وقد بدا هذا الأمر منذ دخول غورو إلى دمشق، واندلاع الثّورات في السّاحل، والشّمال، وكان لها التّأثير الكبير على الفرنسيّين ليس في سوريّة فحسب، بل حتّى في فرنسا نفسها فهذا غورو يصف ثورة هنانوا بقوله: «إنّ ثورة الشّمال اندلعت شرارتها بين الفلاحين بقيادة إبراهيم هنانو جعلتنا نفقد كثيرًا من عزّتنا القوميّة، ومكتسباتنا المادّيّة، فقد كانت حلقة الوصل بين العصاة الأتراك، والسوريّين، وقد أجبرتنا هذه الحركة على ترك كليكيا الّتي هي الثّدي الطّبيعيّ لتغذية مواردنا الفرنسيّة.
لقد شهد شاهد من المستعمرين بصعوبة الموقف، وبأنّ الفرنسيّين عانوا الأمرّين في سوريّة حتّى اضطرّ مجلس الشّيوخ الفرنسي إلى فتح نقاشاته، فقد انتقد الرّاديكاليّون، والاشتراكيّون الميزانيّة الحربيّة للجيش الفرنسيّ في سوريّة، والسّياسة المتّبعة فيها، وطلبوا أن يكفّ المموّلون الفرنسيّون عن دفع الملايين من الفرنكات سنويًّا لاحتلال سوريّة، وأكّدوا أنّه خير لهيبة فرنسا، ونفوذها أن تنفق هذا المال في سبيل الأبحاث العلميّة، وأن يُعترف بحقّ السوريّين في طلبهم للحكم الذّاتي.
لم تنفع الحيل، والأكاذيب الفرنسيّة في ثني الشّعب السّوري عن حقّه في تقرير مصيره، ونيله استقلاله، وقد جاء الاعتراف بحيوية هذا الشّعب من العدو قبل الصّديق.
لا شكّ إنّ الاحتلال الفرنسي للأرض السّوريّة قد انتهى على خلفيّة أحداث محلّيّة، وعالميّة، وعلى رأسها الحرب العالميّة الثّانية (١٩٣٩-١٩٤٦م) الّتي تركت بلدان أوروبا الرّابحة، والخاسرة منهكة اجتماعيًّا، واقتصاديًّا، وقد كان من نتائج هذه الأحداث مجتمعة أن جرى التّوقيع في ٢٣ كانون الأوّل عام ١٩٤٣م على اتّفاق يقضي بأن تتخلّى فرنسا عن المصالح المشتركة (الشّركات المشتركة)، وتسليمها إلى ممثّلي الحكومة السّوريّة، والحكومة اللّبنانيّة حيث صدر بيان ثلاثي جاء فيه «عملًا بالاتّفاق المعقود في ٢٣ كانون الأوّل بين الجنرال كاترو مفوّض الدّولة المكلّف بمهمّة، وممثّلي الحكومتين السّوريّة، واللّبنانيّة، جرت اليوم مفاوضات بشأن تسليم إدارة المصالح المشتركة الّتي انتقلت فعلًا إلى إدارة الجمهوريّتين السّوريّة، واللّبنانيّة تحت سلطتهما وحدهما».
تعدّ مرحلة الانتداب الفرنسيّ على سوريّة -على الرّغم من قصر مدّتها- عبارة عن تجربة طويلة، وعسيرة خرجت منها سوريّة من حكم الدّولة العثمانيّة، لتدخل في مرحلة جديدة، ولم تكن هذه المرحلة يسيرة، أو سهلة بل كانت حافلة بالمعوقات، والمشاكل الّتي أخّرت تطوّر سوريّة السّياسيّ، والاقتصاديّ، ومنعت قيام أيّ قوّة اقتصاديّة نهضويّة فاعلة في إطار جهودها لمنع النّهضة العربيّة، ولم تكن مرحلة الانتداب الفرنسيّ على الرّغم من كثرة الوعود البرّاقة إلّا مرحلة صعبة، وحرجة في تاريخ سوريّة الحديث تركت هذه المرحلة آثارها، وظلالها الخطرة على سوريّة حتّى يومنا هذا، ولا نستطيع أن ننظر إلى فرنسا رغم تقدّمها إلّا أنّها دولة مغتصبة استعماريّة.
كان الانتداب الفرنسيّ على سوريّة مرحلة صعبة، وعسيرة في حياة الدّولة السّورية، والشّعب السّوري فقد انتقل فيها الشّعب السّوري من الاحتلال العثماني إلى مرحلة جديدة، وما هي إلّا فترة زمنيّة حتّى انهارت الأمانيّ بقيام دولة عربيّة كبيرة، وتبيّنت له النّوايا الغربيّة (بريطانيّة فرنسيّة على وجه الخصوص) في استعمار أرضنا، وسرقة خيراتها، وإبقاء شعوبها متخلّفة بعيدة من مواكبة سير الحضارة، ويمكن إجمال نتائج الانتداب الفرنسيّ على سوريّة -وهي ذات أبعاد سلبيّة- بما يلي:
لم ير السّوريّون في الانتداب الفرنسيّ مرحلة تطوير الدّولة السّوريّة -كما يدّعون- والأخذ بيدهم الى الرّقيّ، والعالم المتحضّر (المتقدّم) بل على العكس من ذلك تمامًا حيث عارضوا أيّ تقدّم، أو تطوّر في بنية الدّولة السّوريّة.
قدّمت فرنسا مبرّرات واهية لم يقتنع الشّعب السّوري بها خاصّة فيما يتعلّق بإجراءات تجزئة البلاد إلى دويلات.
فوجئت فرنسا بالمقاومة الشّعبيّة العارمة الّتي لاقتها في سوريّة بدءًا من دخولها حتّى رحيلها، وقد اتّسمت هذه المقاومة بالشّموليّة حيث شملت كلّ الجغرافية السّورية، وحاولت فرنسا قمعها بالنّار، ولكن من دون جدوى.
كانت الآثار الاقتصاديّة للانتداب الفرنسيّ على سوريّة مدمّرة للاقتصاد السّوري، ولا سيّما السّياسة المصرفيّة، والجمركيّة، وتعيين المستشاريين، والخبراء برواتب عالية داخل المؤسّسات الاقتصاديّة.
يمكن القول إنّ مرحلة الانتداب الفرنسيّ على سوريّة قد تركت آثارها على العلاقات الفرنسيّة السّوريّة حتّى يومنا هذا، فالسّوري إلى الآن لا يزال ينظر لفرنسا على أنّها دولة استعماريّة محتلّة.
بقي أن أشير إلى أمر وهو أنّ هناك بعض الأقلام الشّاذّة الّتي تنظّر إلى مرحلة الانتداب الفرنسي على سوريّة -متبنّية وجهة النّظر الفرنسيّة- بأنّها لو استمرّت لكانت سوريّة أكثر تطوّرًا، وهذا الأمر لا يعدو عن كونه رؤية قاصرة تفتقر إلى أبسط مقوّمات الموضوعيّة في معالجة الأمور، وإدراكها.
(440)
1.أدهم، آل جندي، تاريخ الثورات السوريّة في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد، دمشق، ١٩٦٠م.
2.أديب، خضور، الصحافة السوريّة، دار البعث، دمشق، ١٩٧٢م.
3.باسل، درويش، الإدارة في سوريّة تحت الانتداب الفرنسي، رسالة ماجستير، جامعة عين الشمس، إشراف: عبد الخالق محمد لاشين، ٢٠٠٨م.
4.حسن، الحكيم، الوثائق التاريخيّة المتعلقة بالقضية السوريّة في العهدين العربي الفيصلي والانتداب الفرنسي (١٩١٥-١٩٤٦م)، دار صادر، بيروت، ١٩٧٤م.
5.حنا، خباز، فرنسا وسوريّة، مطبعة المقتطف، القاهرة، ١٩٢٩م.
6.الخوري، فليب، سوريّة والانتداب الفرنسي، مؤسسة الأبحاث العربية، ط١، بيروت، ١٩٩٧م.
7.ريان، محمد رجائي سليم، سياسة الانتداب الفرنسي في سوريّة، (١٩٢٠-١٩٣٦م) رسالة ماجستير، جامعة القاهرة، ١٩٧٢م.
8.الريس، منير، الكتاب الذهبي للثورة السوريّة الكبرى، ط١، بيروت، ١٩٦٩م.
9.السفرجلاني، محي الدين، تاريخ الثورة السوريّة، مطبعة الثبات، دمشق، ١٩٦٠م.
10.سلامة، عبيد، الثورة السوريّة الكبرى على ضوء وثائق لم تنشر، دار الغد، بيروت، ١٩٧١م.
11.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات الشهبندر، دار الإرشاد، بيروت، ١٩٦٧م.
12.عيسى، أبو علوش، صفحات مجهولة من ثورة الشيخ صالح العلي، ط١، دار ذو الفقار للطباعة والنشر، اللاذقية، ٢٠٠٧م.
13.فارس، زرزور، معارك الحرية في سوريّة، الهيئة العامة السوريّة للكتاب، وزارة الثقافة دمشق، ٢٠١٢م.
14.قرقوط، ذوقان، المشرق العربي في مواجهة الاستعمار، (قراءة في تاريخ سوريّة السياسي)، الهيئة المصرية العامة للكتاب، القاهرة، ١٩٧٧م.
15.الكاج، نضال: دمشق خلال فترة الانتداب الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٦م) رسالة ماجستير، إشراف: د. محمود عامر، جامعة دمشق، ٢٠٠٦م.
16.كرد علي، محمد، خطط الشام، مطبعة الترقي، دمشق، ١٩٢٥م.
17.مسعود، علاء، النضال الوطني ضدّ الاحتلال الفرنسي في جنوب سوريّة بين العامين (١٩٢٠-١٩٢٧م) رسالة ماجستير، إشراف: كاميليا أبو جبل، جامعة دمشق، ٢٠١٦م.
18.المعلم، وليد، سوريّة الطريق إلى الحرّيّة (١٩١٦-١٩٤٦م)، ط١، دار طلاس، دمشق، ١٩٨٨م.
19.نصوح ، بابيل، صحافة وسياسة سوريّة في القرن العشرين، رياض الريس للكتب والنشر.
20.يوسف، الحكيم، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار، بيروت، ١٩٨٣م.
أ. د. وضاح حسين نوفل
إذا كان مفهوم الحزب بمعناه البدائي يدلّ على الفرقة والانقسام، فإنّ مدلول هذا المفهوم قد تغيّر في مطلع القرن التّاسع عشر، ليصبح دالًّا على بزوغ فكر مستنير مثقّف وواعٍ، ويسعى إلى نهضة المجتمع الّذي وجد فيه، وقد أدّى عدم استقرار الأوضاع السّياسيّة في سوريّة إلى ظهور مثل هذه الأحزاب المطالبة بالحرّيّة والاستقلال، هذا الاستقلال المنشود منذ أن جثمت الدّولة العثمانيّة على صدر الأمّة حتّى وقوعها تحت نير الاستعمار الفرنسيّ.
أدرك المحتلّ الفرنسي خطورة تلك الأحزاب، وفاعليّتها على أرض الواقع ممّا دفعه إلى إنشاء أحزاب منافسة لها للقضاء على المبادئ الوطنيّة، والقوميّة الّتي تبنّتها تلك الأحزاب، أو للتّقليل من أهميّتها، الأمر الّذي تفطّنت له الأحزاب الوطنيّة، وفضحت أمره.
لقد أيقظت الأحزاب الوطنيّة مشاعر الإنسان السّوريّ، ونبّهته لخطورة المحتل، وضرورة التّخلّص من الظّلم، والاستبداد، والتّوجّه نحو الحرّيّة والاستقلال، مكرّسةً هذه الأفكار عبر مبادئ، وغايات وضعتها كنهج لها، وما حدوث الثّورات، والاحتجاجات، والاضرابات الشّعبيّة إلّا دليل على كمّيّة الوعي الّتي تمكّنت تلك الأحزاب من زرعه في
كر الشّعب السّوري الّذي انتظم في صفوفها، ووعى، وآمن بمبادئها لضرورة التّحرّر، والنّهوض بالواقع الاقتصاديّ، والاجتماعيّ للبلاد، الأمر الّذي دفع بسلطة الاحتلال إلى ملاحقة تلك الأحزاب، واعتقال بعض أعضائها، ونفيهم إلى الخارج.
أهداف البحث: يهدف البحث إلى:
- إظهار دور الأحزاب السّوريّة في مقاومة الاحتلال الفرنسيّ.
- الكشف عن الظّروف، والخلفيّات الّتي ساعدت على نشوء هذه الأحزاب.
- تتبع الوضع السّياسي في سوريّة وردّة فعل الأحزاب عليه.
- إظهار مدى قدرة الأحزاب على تلبية المطالب الشّعبيّة القائلة بالحرّيّة، والاستقلال.
لم يكن مجيء الاحتلال الفرنسي إلى سوريّة تحت مسمى «الاحتلال»، بل جاء تحت مسمى «الانتداب» حيث اتّخذت فرنسا من شعار التّطوير، والنّهوض بواقع البلاد نحو العالميّة ستارًا لها لتحقيق أهدافها في السّيطرة والاحتلال، وبالفعل شهدت سوريّة أعتى قوّة استعماريّة عملت على تجزئة البلاد، وسلب خيراتها، ومن هنا تجلّت أهمّيّة هذا البحث في كونه يسلّط الضّوء على دور الأحزاب السّوريّة في مواجهة المحتلّ الفرنسي، ومخطّطاته الاستعماريّة، ومدى قدرتها على تحقيق أهدافها الّتي أعلنتها في الحرّيّة، والاستقلال.
إنَّ حديثنا عن دور الأحزاب السّوريّة في مواجهة الاحتلال الفرنسي، يستلزم بنا العودة قليلًا إلى أواخر فترة الاحتلال العثماني للبلاد، لمعرفة فيما إذا كان هناك بذرة حقيقة لنشوء تلك الأحزاب بالمعنى الحقيقي لها، أم أنّها كانت عبارة عن تجمّعات لبعض الشّخصيّات الوطنيّة الرّافضة للمحتّل، الأمر الّذي أوجد للبحث إشكاليّة دارت حول دور الأحزاب الأولى في مواجهة الاحتلال، وهل كانت الأحزاب الّتي تأسّست أبّان فترة
(444)الاحتلال الفرنسيّ مرتبطة بتلك الأحزاب، أم جاءت نتيجةً لوعي فكري جديد؟ كيف واجهت الأحزاب السّوريّة المحتلّ الفرنسي، وهل تمكّنت من تأليب الشّارع السّوري ضدّه؟ ما موقف الأحزاب السّوريّة من توقيع المعاهدة السّوريّة الفرنسيّة؟ وهل اجتمعت هذه الأحزاب جميعًا على مقاومة المحتل الفرنسيّ؟
يعتمد البحث على جمع المادّة العلميّة من المصادر والمراجع المناسبة، ثمّ تصنيف المعلومات الّتي تمَّ الحصول عليها، وفرزها وفق الأحداث التّاريخيّة المتسلسلة في البحث، ومن ثمَّ تحليلها، وإخضاعها للنّقد التّاريخي، وأخيرًا كتابة البحث بلغة واضحة، وسهلة.
اعتمد البحث على المذكّرات الشّخصيّة أهمّها مذكّرات عبد الرّحمن الشّهبندر زعيم حزب الشّعب، ومذكرات خالد العظم رئيس الحكومة السّوريّة السّابقة، وبعض المصادر منها محاضرات عن سوريّة من الاحتلال إلى الجلاء. لنجيب الأرمنازي، وكتاب صحافة، وسياسة سوريّة في القرن العشرين لنصوح بابيل، بالإضافة إلى بعض المراجع العربيّة، والمعرّبة مثل كتاب القوميّة السّورية دراسة في الفكر السّياسي عند أنطون سعادة لعادل بشارة، وكتاب عصبة العمل القوميّ، ودورها في لبنان وسوريّة (١٩٣٣-١٩٣٩م) لخطار بوسعيد، وكتاب يقظة العرب تاريخ حركة العرب القوميّة لجورج انطونيوس، وكتاب الصّراع على سوريّة دراسة للسّياسة العربيّة بعد الحرب (١٩٤٥-١٩٥٨م) لباتريك سيل، فضلًا عن بعض الجرائد الصّادرة في تلك الفترة مثل الجريدة الرّسميّة للجمهوريّة العربيّة السّوريّة، جريدة الأهالي، جريدة الزّوبعة، جريدة الرّائد، جريدة القبس.
قبيل الخوض في خضمّ هذا البحث، كان لزامًا علينا التّطرّق إلى بعض الأحزاب العربيّة الّتي ظهرت في أواخر الدّولة العثمانيّة، والّتي أُسّست على يد عدد من الوطنيّين الّذين أمنوا بفكرة القوميّة العربيّة، وضرورة مواصلة الكفاح من أجل التّحرّر من نير الاحتلال أينما كان، ومنها:
تأسّست هذه الجمعيّة في باريس سنة ١٩١١م على يد بعض الشّباب العرب الّذين أمنوا بضرورة النهوض بواقع الأمّة العربيّة، وعدم الانفصال عن الأتراك شعارًا لها، إلّا أنّ هذا الشّعار سرعان ما تغيّر بعد سياسة التّتريك الّتي فرضتها الدّولة العثمانيّة على البلاد العربيّة، فأصبحت فكرة التّحرّر من الاحتلال العثمانيّ أولى شعاراتها.
ورغبة منها لضمان سرّيّتها، والمحافظة على عروبتها فقد سعت هذه الجمعيّة إلى تطوير عملها ليصبح على مستوى الأمّة العربيّة، فنقلت مركزها إلى بيروت سنة ١٩١٣م ثمّ إلى دمشق سنة ١٩١٤م، ولم تقبل أن ينضمّ إليها سوى العرب فقط، وذلك بعد اختبارهم.
أظهرت هذه الجمعيّة رغبتها الانفصاليّة بشكل واضح عندما اتّصلت بالأمير فيصل في ٢٦ آذار ١٩١٤م وهو في طريقه إلى الآستانة من أجل التّنسيق معه حول كيفيّة إعلان الانفصال عن الدّولة العثمانيّة، إلّا أنّ الأمير أوضح لهم تفضيله للعثمانيّين في هذه الفترة نظرًا إلى الأطماع الأوروبيّة الّتي كانت قد بدأت بالظّهور في المنطقة العربيّة، الأمر الّذي
دفعها للتّريّث كون نظامها الدّاخلي ينصّ على الوقوف مع العثمانيّين في حال ظهرت أطماع أوروبيّة في المنطقة.
بقيت الجمعيّة العربيّة الفتاة تمارس نشاطها سرًّا حتّى قرّر مؤسّسوها إيجاد مظهر خارجي لها من خلال تأسيس حزب يمثلها من دون الإشارة إليها، فأسست حزب الاستقلال العربي سنة ١٩٢٠م، جاعلةً له نظام داخليّ، وهيئة مركزيّة، الأمر الّذي ساعد على انضمام أكبر قدر من المؤيّدين له، ونظر لما تمتّع به من شهره واسعه، فقد لجأت إليه الأحزاب العراقيّة لدعم مطالب العراق في الحرّيّة والاستقلال.
سعت الجمعيّة العربيّة الفتاة إلى تطبيق شعارها على أرض الواقع من خلال تأسيس النّادي العربيّ الّذي ضمّ أكبر عدد من الوطنيّين العرب الرّاغبين بالنّهوض بالأمّة العربيّة، وقد أصبح قبلة كلّ سياسيّ شريف يسعى إلى النّهوض، والتّحرّر، ومكانًا لتبادل الآراء، والأفكار السّياسيّة، وإلقاء الخطب الحماسيّة، فقد ألقى الملك فيصل فيه عدد من خطبه الحماسيّة، كما كان مكان لعقد المؤتمر السّوري الأوّل الّذي أعلن فيه الوطنيّين رفضهم لأيّ شكل من أشكال الاستعمار الغربيّ.
لم يكن حزب التّقدّم حزب جديد الفكر، والنّشأة، إنّما كان وجهٌ جديد للجمعيّة العربيّة للفتاة، ولحزب الاستقلال، اللّذان أسّساه ليكون واجهة برلمانيّة لهم، سعوا من خلاله لتحقيق أهدافهم المنشودة، وقد أظهر هذا الحزب انتمائه الوطنيّ من خلال رفضه
لأيّ تساهل عربيّ أمام الأطماع الغربيّة، وسعيه الجاد لإحداث إصلاحات اجتماعيّة داخل المجتمع السّوري وصلت لحدّ اقتراحه المساوة بين الرّجل والمرأة، وقد كان بإمكانه أن يقرّه على أرض الواقع، كون أعضائه يشكّلون الأكثريّة البرلمانيّة إلّا أنّه قد عدّل عن ذلك مراعاة لشعور المحافظين فيه، وقد بقي هذا الحزب مسيطرًا على البرلمان، وقراراته السّياسيّة لفترة طويلة من الزّمن.
تأسّس حزب العهد في الآستانة أبّان فترة الحكم العثماني في سنة ١٩١٣م على يد مجموعة من الضّبّاط العرب الّذين خدموا في الجيش العثماني، وقد هدف هذا الحزب إلى تحقيق وحده البلاد العربيّة، واستقلالها، إلّا أنّه ما لبث أن انقسم في سنة ١٩١٨م إلى حزبين هما: حزب العهد السّوري، وحزب العهد العراقيّ اللّذان ضمّا كبار الضّباط السّوريّين الّذين اشتركوا في الثّورة العربيّة الكبرى، والّذين خدموا في الجيش العثماني.
تأسّس هذا الحزب في مصر في ٢٢ تشرين الثاني ١٩١٨م من قبل عدد من السّياسيّين السّوريّين الّذين آمنوا بوحدة البلاد السّوريّة، وقد تمثّلت مبادئه باستقلال سوريّة طبيعيًّا، وإقامة حكم لامركزيّ فيها على أساس ديمقراطيّ، وقد ظهرت هذه المبادئ واضحة عندما أعلن رفضه لقرار تقسيم سوريّة.
شكّل الحزب الدّيمقراطيّ الجبهة البرلمانيّة المقابلة لحزب التّقدّم التّابع للجمعيّة العربيّة للفتاة، وقد ضمّ كبار الإقطاعيّين، والمحافظين، والمعتدلين، لم يكن الاختلاف
بين الحزبين الدّيمقراطيّ، والتّقدّم قائمًا على فكرة الوحدة الوطنيّة بل على بعض مواد الدّستور كمنح الحقوق السّياسيّة المرأة، وقد انفرط عقد هذا الحزب عقب دخول الفرنسيّين إلى دمشق.
تأسّس في دمشق في ٢٥ كانون الثاني ١٩٢٠م على يد بعض الشّباب القائمين على إدارة الجمعيّة العربيّة الفتاة، وقد ضمّ بالإضافة إلى أصحاب المصالح، والأموال عدد من الأشراف الحجازيّين، تمثّلت أهدافه بالسّعي للدّفاع عن وحدة سوريّة الطّبيعيّة، وتقوية الرّوابط القوميّة، والنّهوض بواقع الأمّة العربيّة.
ممّا سبق يمكننا القول: إنّ ظهور فكرة الأحزاب على مختلف مسمّياتها، ومؤسّسيها لم تختلف بتوجّهاتها ومبادئها، إنّما اختلفت بطريقة طرحها لها، وهذا إن دلّ على شيء فإنّه يدلّ على بزوع فكر عربي مستنير أدرك، وإن كان متأخرًا خطورة المستعمر تحت أيّ مسمى كان، فسعى جاهدًا عبر الأحزاب، والنّوادي إلى نشر الوعي القومي القائم على وحدة الأراضي السّوريّة، والنّهوض بالواقع العربي نحو التّطوّر، والازدهار.
تأسّس حزب الشّعب سنة ١٩٢٥م على يد الدّكتور عبد الرّحمن الشهبندر الّذي عُرف بمواقفه الوطنيّة الرّافضة للوجود الفرنسيّ في سوريّة، الأمر الّذي دفع بالسّلطات
الفرنسيّة إلى اعتقاله لمدّة تسعة عشر شهرًا، أخرج الشّهبندر حزبه إلى النّور بعد التّصريح الّذي أدلى به الجنرال الفرنسي سراي عند لقائه بالوفد الوطنيّ في بيروت في ٢ كانون الثّاني ١٩٢٥م، والّذي دعا فيه إلى تأسيس أحزاب تمهيدًا إلى التّفاوض مع فرنسا، وعن ذلك يقول الشهبندر: «... ولمّا تحقّق الوطنيّون السّوريّون أنّ الحالة تسير من سيّء إلى أسوأ، قرّروا تأليف حزب باسم الشّعب، فأفرغت السّلطة قصارى جهدها لمنعهم من ذلك، ولم يحصلوا إلّا بعد جهد جهيد على ترخيص الحكومة لهم بالاجتماع في شهر آيار ١٩٢٥م...”.
وبمناسبة إعلان الحزب ألقى الدّكتور الشّهبندر في يوم الافتتاح كلمه أكّد فيه أنّ: «...البلاد الّتي لا تنتظم فيها الكلمة هي بلاد مشتّتة لا رأي لها، ومن لا رأي له حريًّا بأن يبقى مهملًا...»، معلنًا في ختام كلمته البرنامج الأساس للحزب القائم على تحقيق السّيادة القوميّة للدّولة السّوريّة، واحترام الحرّيّة الشّخصيّة، والسّعي، والنّهوض بواقع البلاد السّياسي والدّيمقراطي.
أدرك حزب الشّعب أهمّيّة الثّورة في تحرير الأرض، ومن أجل ذلك سعى جاهدًا لمساندة النّضال البطوليّ الّذي يخوضه أبناء جبل العرب الّذين أعلنوا ثورتهم رفضًا للإجراءات التّعسّفيّة الّذي قام بها الجنرال ساري، وعامله فيها، وقد تجلّت مساندته لها من خلال إعداده لانتفاضة دمشق، رافعًا شعار «إلى السّلاح... إلى السّلاح».
كانت حياة حزب الشّعب قصيرة جدًّا، إذ سرعان ما تعرّض للمنع على يد سلطات
الانتداب الّتي عملت على ملاحقة أعضائه، واعتقالهم، ونفيهم إلى جزيرة أرواد، وإصدار حكم الإعدام غيابيًّا على مؤسّسه عبد الرحمن الشّهبندر، الأمر الذي أدّى إلى اندثاره.
وممّا سبق يمكننا القول: إنّ عبد الرحمن الشهبندر قد أدرك جليًّا أنّ الشّعوب لا تحكم بالحديد، وأنّ أماني الشّعوب، ورغبتها في التّحرّر لا تتحقّق إلّا عبر حزب ينظّمهم، ويمثّل أمانيهم، الأمر الّذي يفسّر لنا السّبب الّذي دفعه إلى تأسيس حزبه الّذي حمل اسم «حزب الشّعب»، هذا الحزب الّذي ترجم اسمه على أرض الواقع من خلال قيامه بتوسيع رقعة الثّورة الّذي أعلنها أبناء جبل العرب، جاعلًا منها ثورة شعب بأكمله، رافضًا بذلك كلّ أنواع الظّلم والاستبداد، الأمر الّذي دفع فرنسا إلى ملاحقة، واعتقال أعضائه.
حاولت فرنسا إيجاد معادلة حزبيّة جديدة في سوريّة من خلال تشجيعها على تأسيس حزب منافس لحزب الشّعب يسعى إلى إظهار فرنسا بالمظهر اللّائق والمعتدل، ومن هنا تمّ تأسيس حزب الوحدة السّوري الّذي ضمّ عدد كبير من الموظّفين الرّسميّين السّوريّين داخل الحكومة السوريّة ممّن كان لديهم ميلًا للتّفاهم مع السّلطات الفرنسيّة، وبهدف كسبه الشّعبيّة جُعل له نظام داخليّ شبيه بالنّظام الدّاخلي لحزب الشّعب.
إنَّ الباحث التّاريخيّ المدقّق في سيرة حزب الوحدة يجد أنّ هذا الحزب لم يكن له دورًا في الثّورة السّوريّة الكبرى، وبأيّ حراك سياسيّ ضدّ فرنسا، الأمر الّذي يجعلنا نؤكّد بأنّ هذا الحزب خلق فقط من أجل خدمة المصالح الفرنسيّة، وضرب سمعة حزب الشّعب الّذي كان من أهمّ الأحزاب السّوريّة في تلك الفترة، كما يفتح للباحث تساؤلات حول أسباب اتّخاذ هذا الحزب مبادئ مقاربة بشكل كبير لمبادئ حزب الشّعب، هل من أجل إيجاد قاعدة شعبيّة له كما حزب الشّعب، أم لإظهاره بمظهر الحزب الوطنيّ المؤيّد للمطالب الشّعبيّة؟ وإذا كان كذلك، فلماذا لم يضمّ هذا الحزب جماهير، وسياسيّين
من أبناء الشّعب مكتفيًا بموظّفين، وإداريّين مواليّين للسّلطات الفرنسيّة، إنّ كلّ تلك التّساؤلات تجعلنا نجزم بأنّ الهدف الأساس من هذا الحزب هو خدمة الصّالح الفرنسيّ، وإنهاء أيّ محاولة ثوريّة ضدّه.
مع انتهاء النّضال الثّوري الّذي خاضه أبناء الشّعب السّوري بين عامي (١٩٢٥-١٩٢٧م)، ومع إدراك فرنسا ضرورة اللّجوء إلى الحوار السّياسي مع السّوريّين، بدأت تظهر في البلاد معالم تكتّل سياسي جديد ضمّ أعضاءً من حزب الاستقلال، وحزب الشّعب اللّذين آمنوا بأهميّة الوحدة في المعركة المصيريّة ضدّ المحتل الفرنسي، وقد سمّي هذا التّكّتل «بالكتلة الوطنيّة».
لم تكن الرّغبة الّتي أبدتها الكتلة الوطنيّة في التّعاون مع سلطة الانتداب الفرنسيّة ناتجة من روح المهادنة فحسب، بل نتيجة لتوقّف رصاص الثّورة السّوريّة، ورغبة سلطات الانتداب الفرنسيّ في التّعاون مع الاتّجاه المعتدل داخل الحركة الوطنيّة الّذي تطلّع إلى قطف ثمار الثّورة بعد أن قدّمت الكثير من التّضحيات.
وانطلاقًا من ذلك اشتركت الكتلة الوطنيّة في انتخابات الجمعيّة التّأسيسيّة الّتي دعت إليها سلطة الاحتلال الفرنسي في ٢٤ نيسان ١٩٢٨م، فحقّقت انتصارًا ساحقًا
فيها، تلى ذلك تكليف سلطة الاحتلال هذه الجمعيّة بوضع دستورًا للبلاد، وبالفعل وضعت الجمعيّة التّأسيسيّة دستورًا أقلّ ما يمكن وصفه بالوطنيّ، الأمر الّذي رأت فيه السّلطات الفرنسيّة تهديدًا مباشرًا لها، فطالبت بإلغاء المواد السّتّة المؤكّدة على وحدة البلاد واستقلالهابحجّة أنّ هذه المواد لا تتّفق، والتزامات فرنسا بصفتها دولة منتدبة، منذرةً بأنّ الإبقاء عليها من شأنه أن يحْول دون الوصول إلى نتائج مرضيّة.
لم تطرح الكتلة الوطنيّة نفسها بصفتها حزبًا سياسيًّا، ولا جبهة أحزاب متاحة للجميع، بل فرضت نفسها بوصفها حلًّا وحيدًا للوصول إلى الحرّيّة، رافعةً شعار «الطّاعة لله والكتلة الوطنيّة»، وعلى الرّغم من معارضة البعض لتصريحات أعضاء الكتلة الوطنيّة، إلّا أنّ شعبيّتها كانت قد بدأت تزداد بسبب الماضي البطوليّ لقادتها.
رفضت الكتلة الوطنيّة المعاهدة الّتي حاول الجنرال بونسو توقيعها مع رئيس
الحكومة حقّي العظم لأنّها وجدت فيها انتقاص للسّيادة السّوريّة، كما رفضت مشروع المعاهدة الّتي قدّمها الجنرال دو مارتيل للسّبب نفسه الأمر الّذي دفع بالمفوّض السّامي إلى تعطيل أعمال المجلس النّيابي، ورفضًا للإجراء الفرنسيّ، دعت الكتلة الوطنيّة إلى إضراب عامّ سمّي بالإضراب السّتيني الّذي لم ينتهِ إلّا بعد موافقة الاحتلال الفرنسيّ على المطالب الوطنيّة في عقد معاهد تحقّق السّيادة، والاستقلال للبلاد.
وحرصًا منها لإنجاح المفاوضات في باريس منعت الكتلة الوطنيّة أيّ تظاهر، أو حركة شعبيّة تستفذ فرنسا، كما عملت على إحداث منظمة شبابيّة عسكريّة أطلقت عليها اسم « القمصان الحديديّة»، لوّحت بها ورقة ضغط تلجأ إليها في حال تباطأت فرنسا عن توقيع المعاهدة الّتي ترغب فيها.
إنَّ الباحث التّاريخي المدقّق ببنود معاهدة ١٩٣٦ميرى أنّها لم تكن أكثر شأنًا من
سابقاتها، إذ إنّها كانت منقوصة السّيادة حتّى ولو ذكر فيها كلمة «الجلاء»، بدليل وجود ملحق عسكري نصّ على ترك فرنسا قواعد عسكريّة لها في سوريّة، وعلى أحقيّتها في استخدام الأراضيّ السوريّة في حال حدوث حرب، كما أنّ مدّة المعاهدة الطّويلة، وهذا ما يعني ضمنيًّا بقاء الانتداب الفرنسي بشكل غير مباشر لمدّة خمسة وعشرون سنة.
وعليه يمكن القول: إنّ الكتلة الوطنيّة جاءت لتقطف ثمار ما بذله أبناء الشّعب السّوري من دماء، ومال في الثّورة السّوريّة الكبرى، مستغلةً في ذلك سمعة أعضائه، الوطنيّين الّذين كان لهم مواقف إيجابيّة، ووطنيّة من الاحتلال الفرنسي، وفي الحقيقة أنّ المواقف الوطنيّة الّتي أطلقتها الكتلة الوطنيّة المتضمّنة رفضها القاطع لأيّ معاهدة منقوصة السّيادة، واستخدامها الشّارع السّوري وسيلة ضغط على سلطة الانتداب، لهي مواقف جليّة بالاحترام، والتقدير، لكن قيامها فيما بعد بتوقيع معاهدة، أقلّ ما يمكن وصفها بأنّها كسابقاتها منقوصة السّيادة ما هو إلّا دليل على أنّ العقليّة الّتي وقعت فيها المعاهدة هي ذاتها الّتي وقعت فيها المعاهدات السّابقة، وإن اختلف الأشخاص.
أسّسه حقّي العظم في آذار ١٩٣٢م، وكغيره من الأحزاب أعلن أنّ الغاية من تأسيسه هو السّعي لتحقيق استقلال البلاد بالطّرق كافّة، والأساليب الحكيمة، قد ضمَّ الحزب الطّبقة الأرستقراطيّة، وكبار الموظّفين المتعاونين مع سلطة الانتداب، وقد شجّعت سلطة الانتداب هذا الحزب، وأسهمت في نموّه حتّى يستقطب المعارضين للكتلة الوطنيّة.
أسّسه صبحي بركاتفي ٢٢ كانون الثّاني ١٩٣٢م وضمَّ مجموعة النّواب المعتدلين
في المجلس النّيابي، وأغلبهم من حلب، وقد تمثّلت أهدافه إلى السّعي إلى تأسيس حكومة دستوريّة قويّة أمام المجلس النّيابي، وإلى توقيع معاهدة تحالف مع فرنسا تضمن حقوق الأقلّيّات، وتأليف جيش وطني متطوّع يمكن من خلاله الاستغناء تدريجيًّا عن قطعات الجيش الفرنسي، الأمر الّذي يجعلنا نقول بأنّ هذا الحزب كان كحزب الائتلاف راعيًا للمصالح الفرنسيّة في البلاد أكثر ممّا هو مواجه لها.
تأسّست في ٢٢ تشرين الأوّل ١٩٣٥م وقد ضمّت الأفراد الّذين لم ينضمّوا إلى الكتلة، هدفت إلى توحيد سوريّة، وجعل الحكم فيها مركزيًّا، وإلى توقيع معاهدة مع فرنسا على غرار المعاهدة الّتي وقّعها العراق مع بريطانيا سنة ١٩٣٠م، والجدير ذكره أنّ هذه الجبهة كانت من أوّل المعارضين للمعاهدة الّتي وقّعتها الكتلة الوطنيّة سنة ١٩٣٦م.
عقد المؤتمر التّأسيسي لعصبة العمل القوميّ في بلدة قرنايل اللّبنانيّة في ٢٤ آب ١٩٣٣مبحضور عدد من الشّباب العرب الّذين اجتمعوا من أجل دراسة تطورات الأوضاع على السّاحة العربيّة، وما آلت اليه أحوال المجتمع العربي من جهل، وتخلّف فكريّ، وثقافيّ تحت الاحتلال الغربي، مؤكّدين أنّ السّبيل الوحيد للتّحرّر من الاحتلال
الغربي هو توحيد الجهود العربيّة، ومن معرفة أسباب التّخلّف، ووضع الحلول لها، والسّعي للنّهوض بالواقع الاقتصاديّ، عبر وضع برنامج اقتصادي لكلّ قطر مستمدّةً من ظروفه، والعمل على القضاء على العصبيّة، والطّائفيّة، تمهيدًا لإقامة الوحدة العربيّة الكبرى.
دعت عصبة العمل القومي في سوريّة إلى مواجهة الاحتلال الفرنسي، ورفض سياسة التّفاهم معه، وإلى السّعي لحلّ المجلس النّيابيّ، كونه أداة لتنفيذ مخطّطاته في البلاد، كما دعت إلى مقاطعة الحكومة المحلّيّة، محذرةً عناصرها من الاشتراك بها تحت طائلة العقوبة.
وتأكيدًا لرفضها القاطع للاحتلال الفرنسيّ شاركت عصبة العمل القوميّ بالإضراب الكبير الّذي حدث عام ١٩٣٦م مؤكّدة أنّه السّبيل الوحيد لإجبار الاحتلال الفرنسيّ على الرّضوخ للمطالب الوطنيّة، كما وقفت موقف الرّافض للمعاهدة الّتي وقّعتها الكتلة الوطنيّة مع الاحتلال الفرنسيّ، واصفةً إيّاها بالاتفاقيّة المنقوصة السّيادة، داعية أنصارها إلى التّعاون مع المعارضة الّتي يقودها الشّهبندر ضدّ الكتلة الوطنيّة.
ومن هنا يمكننا القول: إنّ عصبة العمل القومي كانت من أصدق الحركات القوميّة الرّافضة للاحتلال الفرنسي بدليل موقفها الوطني المعارض لمعاهدة ١٩٣٦م، ودعوتها إلى مواجهة السّياسة الخاطئة الّتي تنتهجها الكتلة الوطنيّة الّتي بدأت تتفرّد بالتّواصل مع فرنسا من دون الرّجوع إلى باقي الأحزاب.
تأسّس الحزب الشّيوعي في ٢٨ تشرين الأوّل ١٩٢٤م في قرية الحدث ببيروت بعد
جتماع حضره عدد من الشّخصيّات السّوريّة، واللّبنانيّة ذات الميول الاشتراكيّة المتأثّرة بالفكر الأوروبي، وقد تركّزت أهدافه على الدّعوة إلى بناء مجتمع اشتراكي بعيدًا من الرّأسمالية، مع ضرورة تغيير الحزب لنشاطه وفق ما تقضية كلّ مرحلة تاريخيّة.
وقف الحزب الشّيوعي موقفًا مناوئًا من الاحتلال الفرنسي، وقد ظهر ذلك بشكل واضح من خلال رفضة للمادّة ١١٦ الّتي أضافتها فرنسا على الدّستور السّوري، ودعوته في خطاباته إلى مقاومة الاحتلال الفرنسي، فضلًا عن تأييده الإضرابات العمّاليّة، ودفاعه عن حقوقهم المشروعة، ومعارضته لحكومة تاج الدّين الحسني واصفةً إياه: «... إنّ الشّيخ تاج الدّين الحسني ليس الحاكم الحقيقي في البلاد، وإنّما هو ليس إلّا مستخدم، وألعوبة بيد الانتداب الفرنسيّ يستخدم لتنفيذ سياسة فرنسا الانتدابية البغيضة...».
أثّر وصول الجبهة الشّعبيّة إلى مقاليد الحكم في فرنسا إيجابًا على ظهور الحزب الشيوعيّ بشكل رسميّ في سوريّة، وذلك بعد توقيعه مذكّرة تفاهم مع الحزب الشّيوعي السّوريّ الّذي سمح فيها للحزب بمزاولة عمله بشكل رسميّ، وبتأسيس صحيفة خاصّة به هي (صوت الشّعب) الّتي ما لبست أن تعرضت للإغلاق بسبب دعوتها المستمرة إلى مقاومة الاحتلال الفرنسي، وعلى الرّغم من ذلك فقد كان للحزب دورٌ هامٌّ في نجاح عقد المعاهدة السّوريّة الفرنسيّة سنة ١٩٣٦م، وإذا بحثنا عن السّبب فإنّه يعود إلى العلاقات المتينة الّتي تربطه مع الجبهة الشّعبيّة الفرنسيّة، الأمر الّذي يدفعنا للتّساؤل عن سبب إعلانه عن مقاومة الاحتلال الفرنسيّ، وهو الّذي ساعده على إنجاح معاهدة منقوصة السّيادة؟
وعلى الرّغم من المواقف الوطنيّة الّتي أظهرها الحزب الشّيوعيّ، إلّا أنّه لم يقوم بإدانة التّواطؤ الفرنسي التّركي على اللّواء، بل إنّه لم يعتبر أنّ فرنسا هي المسؤولة عن سلخه، وما يؤكّد لنا ذلك التّصريح الّذي جاء فيه «... ليست فرنسا هي من خيّبت آمالنا
في اللّواء... ليست فرنسا هي من تراجعت أمام الاستعمار التّركي، ... ليست فرنسا هي من تخلّفت عن تعهّداتها الدّوليّة، كلّا فرنسا لم تفعل ذلك، بل من فعل ذلك هم بعض الموظّفين الدّبلوماسيّين، وبعض المستشارين في وزارة الخارجيّة الفرنسيّة أنّهم عملاء الفاشيّة، والنّازية الأوغاد...»، فضلًا عن سعيه لتعديل بنود المعاهدة السّورية الفرنسيّة بما يتلائم مع مستجدات للواء، واصداره لبيان جاء فيه «... إنّنا أبناء سوريّة ندرك تمامًا أنّ التّحالف السّوري الفرنسي هو الوسيلة الوحيدة المؤدّية إلى حفظ كياننا».
وممّا سبق نستنتج: إنّ الحزب الشّيوعي سعى إلى خدمة مصالحه أكثر من خدمة الشّعب السّوري فما تلك المواقف المتقلّبة الّتي أعلنها، إلّا تأكيدًا واضحًا أنّه يسعى إلى خدمة مصالحه أينما كانت.
تأسّس الحزب السّوري القومي في بيروت سنة ١٩٣٢م على يد أنطوان سعادة الّذي رأى أنّ فقدان القوميّة هو السّبب الأوّل للويلات الّتي تتعرّض لها الأمّة العربيّة، قسّم سعادة مبادئ حزبه إلى مبادئ إصلاحيّة تدور حول وحدة سوريّة، والسّعي إلى تحقيق مصلحتها العليا أوّلًا، وأخرى اجتماعيّة تدور حول كيفيّة فصل الدّين عن الدّولة، وضرورة التّعايش السّلمي تحت شعار «الدّين لله والوطن للجميع»، وقد تمثّلت غايته
من تأسيسه في نهضة سوريّة نهضة قوميّة اجتماعيّة تعيد للأمّة السّورية حيويّتها، وقوّتها، وتؤدّي إلى استقلالها».
تجلّى موقف الحزب السّوري القومي الاجتماعي واضحًا من المعاهدة السّورية الفرنسيّة سنة ١٩٣٦م، وذلك عندما أصدر بيانًا سمّاه «البيان الأزرق» دعا فيه الوفد المفاوض إلى الإصرار على فكرة الاستقلال المتضمّن استفتاءً على الوحدة الكاملة مع لبنان، الأمر الّذي لم تعره الكتلة الوطنيّة أيّ اهتمام، بحجّة أنّ الظّروف غير ملائمة لمثل هذه المطالب المحرجة للجانب الفرنسيّ، قائلةً بأنّ الحزب القوميّ يحشر أنفه في كلّ أمر، متّخذةً من هذا البيان ذريعة لملاحقة الحزب، والتّضييق عليه.
وقف الحزب السّوري القوميّ الاجتماعيّ موقفًا رافضًا للأطماع التّركيّة في لواء الإسكندرون، فلّما أرادت فرنسا عرض قضيّة اللّواء على الجمعيّة الأمميّة، أرسل سعادة مذكّرة إلى الجمعيّة في ١٤ كانون الأول ١٩٣٦م طالب فيها عدم الاجحاف بحق سوريّة الواضح في اللّواء، معلنًا في خطاب له في منطقة صافيتا عن استعداد الحزب التّامّ للدّفاع عن اللّواء، وتأكيدًا لذلك أرسل سعادة رسالة إلى المفوضيّة الفرنسيّة يبلّغها استعداده
الكامل لوضع متطوعيّ حزبه تحت تصرفها دفاعًا عن حرمة اللّواء.
وعلى أثر وقوف الحكومة السّوريّة موقفًا رماديًّا من اللّجنة الدّوليّة الّتي أرسلتها عصبة الأمم المتّحدة إلى اللّواء، والتي قرّرت منح اللّواء استقلالًا ذاتيًّا، أرسل الحزب السّوري القوميّ مذكّرة احتجاج إلى الحكومة السّوريّة يبلّغها فيها عن أسفه الكبير من الموقف الّذي وقفته الحكومة السّوريّة من المناورات التّركيّة، والّتي انتهت بنزع السّيادة السّوريّة عن لواء الإسكندرون، طالبةً منها رفض أيّ قرار أمميّ بشأن اللّواء لا توقعه هي، مبديًا استعداده للوقوف إلى جانبها من أجل الحفاظ على سيادة البلاد، وسلامة أراضيها.
ونتيجة لموقفه الرّافض للإجراءات الفرنسيّة الأخيرة اعتقلت فرنسا زعيم الحزب القوميّ أنطوان سعادة، ترافق ذلك مع تبنّي عصبة الأمم المتّحدة لقرار اللّجنة الدّوليّة «ساندلر» بشأن اللّواء، الأمر الّذي رفضه سعادة الّذي زار بعد خروجه من السّجن رئيس الحكومة السّوريّة جميل مردم بك، طالبًا منه الوقوف موقفًا حاسمًا اتّجاه اللّواء قبل فوات الأوان، إلّا أنّه لم يلقَ أيّ تجاوب إيجابيٍّ من قبل مردم بك الّذي قال له: «... إنّ خسـارة الإسكندرون ليسـت خسـارة تستحـقّ كلّ هذا الاهتمام، وأنّ الـخسارة الـحقيقيّة
واقعة على الأتراك بضمّهم الإسكندرون إليهم، لأنّ العناصر العربيّة الّتي فيها ستولّد مشاكل تتعبهم كثيرًا...».
ممّا سبق يمكننا القول: إنّ الحزب السّوري القوميّ الاجتماعيّ ترجم كلّ ما يملكه من مبادئ، وأفكار، وقيم وطنيّة، وقوميّة على أرض الواقع من خلال رفضه للمعاهدة السوريّة الفرنسيّة، واحتجاجه القاطع على سلخ لواء الإسكندرون.
يعدّ حزب البعث أهمّ حزب في سوريّة في القرن العشرين إلى اليوم، وكانت بداية بزوغه في العام ١٩٤٠م، حيث أسّس زكي الأرسوزي نواته العقائديّة، والتّنظيميّة، والّتي بنى عليها أستاذًا المدرسة ميشيل عفلق وصلاح الدّين البيطار حزب البعث، وأطلقاه
بشكل فعليّ في العام ١٩٤٢م، وتتلخّص أفكاره بالشّعار الّذي رفعه «أمّة عربيّة واحدة ذات رسالة خالدة»، وبالأهداف الّتي حدّدها «الوحدة، الحرّيّة، الاشتراكيّة».
أدرك الحزب خطورة المرحلة الهامّة الّتي تجتازها سوريّة، الأمر الّذي جعله يعمل جاهدًا لتنبيه الشّعب السّوري إلى الأخطار الّتي تواجهه، وإلى فضح أعمال المحتل الفرنسيّ الخبيثة، فعلى سبيل المثال كان حزب البعث العربي من أوائل من فضح قيام الفرنسيّين بالاتّصالات مع بعض أعضاء الحكومة السّورية الميّالين إلى التّفاهم معها بغية تثبيت أقدامها في البلاد، الأمر الّذي دفع الحزب إلى توجيه رسالة إلى الحكومة السّوريّة، مطالبًا إيّاها بالعمل على تحقيق وحدة البلاد، واستقلالها استقلالًا كاملًا غير منقوص السّيادة، والسّعي إلى إقامة حياة سياسيّة تسودها الدّيمقراطيّة، والحرّيّة الشّعبيّة.
وعلى أثر قيام فرنسا باتّباع سياسة المماطلة، والتّسويف في تسليم الثّكنات العسكريّة، والاصلاحيّات الإداريّة للحكومة الوطنيّة، وقيامها بالضّغط عليها من أجل كسب المزيد من الصّلاحيّات الثّقافيّة، والاقتصاديّة قام الحزب العربي بإصدار بيان في ١٦ آيار ١٩٤٥م دعا فيه الحكومة السّوريّة إلى اتّخاذ موقف أكثر صلابة وجرأة، ووضع الشّعب في تطوّرات الأوضاع الأخيرة، رافضًا توقيعها أيّ معاهدة منقوصة السّيادة، خاتمًا بيانه بالقول بأنّ «الاستقلال يؤخذ ولا يعطى».
ومع قدوم ممثل جديد للاحتلال الفرنسيّ إلى البلاد دعا حزب البعث العربي إلى إضراب شامل رفضًا لأيّ خطوة لا تحقّق الأمانيّ السّورية في الحرّيّة والاستقلال، الأمر
الّذي أيّدته الحكومة السّورية، وبهذه المناسبة أصدر الحزب بيانًا في ٢٠ آيار ١٩٤٥م بعنوان: «في سبيل الجهاد الوطنيّ» دعا فيه إلى مساندة الحكومة في موقفها الرّافض من الاحتلال الفرنسي، عارضًا في الوقت ذاته وضع فرقه التّطوعيّة تحت تصرّف الحكومة حفاظًا على أمن البلاد وسلامتها، إلّا أنّ الحكومة السّوريّة لم تأخذ هذا العرض بعين الاعتبار، ممّا دفع الحزب إلى توجيه الاتّهام للحكومة السّوريّة، واصفًا إيّاها بالمتواطئة بعد وقوفها مكتوفة الأيدي من القصف الفرنسي للبلاد في ٢٩ آيار ١٩٤٥م.
وتنديدًا بعمل الحكومة المتقاعس أصدر الحزب بيانًا في ٩ حزيران ١٩٤٥م حدّد فيه مطالبه السّياسيّة المتضمّنة ما يلي:
- إقالة الحكومة الحاليّة، والسّعي لتشكيل حكومة وطنيّة تسعى للمحافظة على وحدة البلاد، وعلى وضع الشّعب في ضوء الأحداث السّياسيّة للبلاد.
أن تضع الحكومة الجديدة برنامجًا خاصّة للبلاد يتلخّص بما يلي:
- إغلاق باب التّعاون مع فرنسا أيًّا كان غايته إذا لم تعطِ فرنسا الاستقلال الكامل.
- العمل على تأسيس جيش وطنيّ مسلّح يسعى للحفاظ على وحدة البلاد، ومقاومة أيّ احتلال خارجيّ.
- اعتبار قضيّة سوريّة ولبنان قضيّة واحدة اتّجاه الخطر الفرنسيّ.
- انتهاج سياسة عربيّة فعّالة.
- المطالبة بمحاكمة المسؤولين الفرنسيّين عن الفاجعة الأخيرة ومطالبتها بالتّعويض عن الخسائر.
- محاكمة الموظّفين المتواطئين من الحكومة السّورية مع الاحتلال الفرنسي.
كانت الأحزاب السّياسيّة في مطلع القرن العشرين، فكرة سياسيّة غربية انتقلت إلى معظم بقاع العالم بما فيها العالم العربي عبر بعض الشّخصيّات المثقّفة الّتي درست في الغرب، واطّلعت على النّظُم الحزبيّة الغربيّة، ودورها في تلبية المطالب الشّعبيّة في تلك البلدان، ولأنّ هؤلاء المثقّفون المتأثّرون بالثّقافة الغربيّة كانوا مدركين لحجم الظّلم، والاستبداد الّذي يعاني منه أبناء الوطن العربي جرّاء الاستعمار الغربي، فقد عادوا إلى بلادهم حاملين معهم فكرة الأحزاب وسيلةً سليمة لنيل الحقوق والمطالب.
وإذا تتبّعنا المسار التّاريخي لنشوء الأحزاب بشكلٍ فعليٍّ في سوريّة، فإنّنا نجد أنّ فكرة الأحزاب قد ظهرت في نهاية فترة الاحتلال العثماني، وبالتّحديد مع تأسيس الجمعيّة العربيّة الفتاة سنة ١٩١١م الّتي اتّخذت من النهوض بواقع الأمّة العربيّة شعارًا لها، وأنّ جذورها بدأت تظهر بشكل واضح في فترة الاحتلال الفرنسيّ، منتقلةً من مرحلة السّرّيّة إلى العلنيّة، جاهرةً بمطالبها القائلة بوحدة البلاد السّوريّة، والحرّيّة، والاستقلال.
تميّزت الأحزاب السّوريّة أبّان فترة الاحتلال الفرنسيّ بالوعي، هذا الوعي الّذي جاء منقسمًا بين مصالحها الشّخصيّة، والمصالح الوطنيّة، وقد ظهر ذلك واضحًا عند الحزب الشّيوعي الّذي حاول التّوفيق بين المطالب الشّعبية، ومصالحه مع الاحتلال الفرنسي، فرأيناه تارة يشحذ همم الشّارع السّوري، وتارة أخرى يسترضي الدّولة المحتلّة، وفي المقابل كان هناك أحزاب مؤثّرة استطاعت فضح المحتلّ الفرنسيّ، وتأليب الشّعب ضدّه كحزب البعث العربي، وحزب الشّعب، والحزب السّوري القومي الاجتماعي الّذين عملوا جاهدين كلٌّ حسب مبدئه على مواجهة المحتل الفرنسيّ، والوقوف ضدّه، هذه المبادئ الّتي وإن اختلفت في أسلوبها إلّا أنّها كانت جميعها تصبّ في صالح الوطن، والشّعب التّوّاق إلى الحرّيّة والاستقلال.
وفي المقابل كان هناك بعض التّجمّعات الّتي أدرجت نفسها تحت مسمّى الأحزاب: كالكتلة الوطنيّة، وعصبة العمل السّوري، والجبهة الوطنيّة الّذين سعوا لمواجهة المحتل
الفرنسي كلًّا على طريقته، فقد عملت عصبة العمل القوميّ، والجبهة الوطنيّة على مواجهة المحتل، وفضحه، ورفض أيّ معاهدة معه، بينما سعت الكتلة الوطنيّة إلى فرض نفسها على أرض الواقع دون الأحزاب الأخرى، ساعيةً لكسب ثقة الشّعب، ومن خلال التّفاوض مع المحتلّ لإيجاد طريق نحو الحرّيّة والاستقلال.
لم تختلف الأحزاب الّتي تأسّست في فترة الاحتلال الفرنسيّ عن سابقاتها الّتي كانت موجودة في أواخر فترة الاحتلال العثماني، الأمر الّذي لا يعني أنّها كانت امتداد لها، ولكن وإن اختلفت من حيث طريقة التّأسيس إلّا أنّ معظمها قد اجتمعت على فكرة السّيادة والاستقلال.
كان حزب الشّعب أوّل الأحزاب السّورية الّذي لجأ إلى الشّارع كوسيلة ضغط على الاحتلال الفرنسيّ، كما كان أوّل حزب يخوض الثّورة المسلحة رفضًا للإجراءات الفرنسيّة مجسّدًا بذلك معنى اسمه، الأمر الّذي دفع بالاحتلال الفرنسي إلى خلق منافس له هو حزب الوحدة الّذي حاول جاهدًا كسر شوكة حزب الشّعب، والحلول مكانه.
على الرّغم من التّعدّديّة الحزبيّة الّتي كانت موجودة إلّا أنّ الكتلة الوطنيّة قد نجحت لفترة لا بأس بها من فرض نفسها كقوّة، وخيار وحيد للشّعب السّوري، مستغلّة في ذلك الماضي البطوليّ لقادتها الأمر الّذي أكسبهم الثّقة الزّائدة بالنّفس، وجعلهم يرتكبون الأخطاء الّتي انعكست سلبًا على مجرى الأحداث السّياسيّة في البلاد، وعلى مستقبل الكتلة الوطنيّة نفسها.
تشابهت أهداف الجبهة الوطنيّة الموحدة مع أهداف الكتلة الوطنيّة، وخاصّة فيما يتعلّق بوحدة البلاد السّوريّة، وتوقيع معاهدة مقاربة للمعاهدة العراقيّة البريطانيّة إلّا إنّها كانت أكثر دقّة في انتقاء البنود بدليل معارضتها للمعاهدة الّتي وقّعتها الكتلة الوطنيّة، وهنا يمكن أن تكون هذه المعارضة ناتجة من أحد الأمرين: إمّا لأنّ أعضاء هذه الجبهة لم يتثنّى يتسنَّ لهم الانضمام إلى صفوف الكتلة الوطنيّة، أو لأنّهم كانوا أكثر وعيًا من
(467)رجال الكتلة الوطنيّة حول خطورة هذه المعاهدة، وفي مجمل الحال يمكن أن نثني على موقفها الوطني في مواجهة الاحتلال الفرنسي.
وجود تباين في مواقف الحزب الشّيوعي من الاحتلال الفرنسي، ففي الوقت الّذي نجده يدعوا إلى مناهضة الاحتلال الفرنسيّ، نجده ينفي أيّ تواطئ فرنسي بشأن اللّواء، وإذا حللنا أسباب المواقف المتقلّبة للحزب نجد أن ذلك مردّه إلى طبيعة علاقته المتقلّبة مع فرنسا، فعندما تتوتّر هذه العلاقات يلجأ الحزب إلى الشّارع، أو إلى الخطابات الدّاعية للتّحرّك ضدّ فرنسا وبالعكس، وبالتّالي يمكن القول: إنّ الحزب بمواقفه هذه كان ينفذ أحد أهمّ أهدافه القائلة «بضرورة تغيير خطة الحزب وفق كلّ مرحلة».
إنَّ عصبة العمل القومي لم تكن حزبًا سياسيًّا بالمعنى السّياسي للحزب بقدر ما كانت حركة فكريّة قوميّة تبنّاها مثقّفو بلاد الشّام، والعراق، ومصر الّذين اجتمعوا على كلمة واحدة هي «العمل من أجل دحر المحتلّ أينما وجد على الأرض العربيّة»، وما المواقف الّتي اتّخذتها عصبة العمل القوميّ الرّافضة للاحتلال الفرنسيّ في سوريّة، وأيّ وسيلة للتّفاهم معه سوى تجسيد لهذه الكلمة، كما أنّ مجاهرتها بالعداء لأيّ حزب يتفاهم مع الاحتلال، وتوجيهها الاتّهام للحكومة السّوريّة بالتّواطؤ في سلخ اللّواء كفيل للقول بأنّ هذه العصبة كانت من أصدق الحركات الوطنيّة الّتي دافعت عن البلاد السّوريّة، وسيادتها.
لم يكن لحزب الائتلاف أيّ دور إيجابيّ في مواجهة الاحتلال الفرنسيّ، بل كان داعم غير مباشر له، بدليل أنّه أنشأ بأمر، ودعم منه ليكون في مواجهة الكتلة الوطنيّة، وهذا أمر غير جديد فقد قام الانتداب الفرنسيّ من قبل بإنشاء حزب الوحدة السّوريّ، ليكون منافسًا لحزب الشّعب السّوري ذي الشّعبيّة الواسعة.
لم يهدف الحزب الدّستوري الحرّ إلى مواجهة الاستعمار الفرنسيّ بقدر ما سعى إلى الانسجام معه بدليل سعيه إلى توقيع معه معاهدة «تحالف» وليس معاهدة «استقلال» هذا من جهّة، وسعيه لإقامة وحدة لامركزيّة بين المدن السّوريّة من جهّة أخرى، وهذا يعني أنّ أفكاره قد قاربت أفكار الاستعمار الفرنسيّ أكثر ممّا قاربت أفكار الوطنيّين السّوريّين
(468)الّذين أعلنوا الرّفض القاطع لفكرة اللّامركزيّة في الحكم.
إنّ المواقف الوطنيّة الّتي أظهرها الحزب القوميّ الاجتماعيّ في مواجهة الاحتلال الفرنسيّ جعل رجال الكتلة الوطنيّة في موقف حرج ليس أمام الحزب فقط بل أمام التّاريخ، وبخاصّة عندما أبدى جميل مردم لا مبالاته لموضوع سلخ اللّواء، الأمر الّذي يجعلنا نقول أنّ هذه اللّامبالاة كانت موجوده عند معظم رجال الكتلة، فلقد كان حريّ برجال الكتلة أن يطالبوا مردم بك بالاستقالة على أثر تصريحه هذا.
إنّ النّفحة القوميّة العربيّة لحزب البعث العربي قد ظهرت واضحة من خلال أفكاره الّتي تؤكّد الوحدة سبيلًا لطرد المحتل، هذه الأسس، والأفكار الّتي استقاها الحزب من واقع الأمة العربيّة، ومن تطلّع أبنائها، فعمل جاهدًا لتطبيقها من خلال قيامه في فترة لاحقة بالاتّحاد مع الحزب العربي الاشتراكيّ ليشكل حزب جديد هو «حزب البعث العربيّ الاشتراكيّ».
(469)1.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات عبد الرحمن الشهبندر، ط١، بيروت - لبنان، دار الإرشاد للطباعة والنشر والتوزيع، ١٩٦٧م.
2.العظم، خالد، مذكرات خالد العظم، مج ١، ط٣، بيروت - لبنان، الدار المتحدة للنشر، ١٩٧٣م.
3.قدري، أحمد، مذكراتي عن الثورة العربيّة الكبرى، ط١، دمشق - سوريّة، مطابع ابن زيدون، ١٩٥٦م.
4.مردم بك، سلمى، استقلال سوريّة أوراق جميل مردم بك، ط١، بيروت - لبنان، شركة المطبوعات، ١٩٩٤م.
5.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال إلى الجلاء، ط١، القاهرة - مصر، مطابع دار الكتاب العربي، ١٩٥٤م.
6.أيوب، س. الحزب الشيوعي في سوريّة ولبنان (١٩٢٢-١٩٥٨م)، ط١، بيروت - لبنان، دار الحرّيّة للصحافة والطباعة والنشر، ١٩٥٩م.
7.بابيل، نصوح، صحافة وسياسة سوريّة في القرن العشرين، ط١، بيروت - لبنان، الدار المتحدة للنشر، ١٩٨٧م.
8.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ط٢، بيروت - لبنان، دار النهار للنشر، ١٩٩١م.
9.حنا، أبو راشد، حوران الدامية، ط١، القاهرة - مصر، مكتبة زيدان العمومية، ١٩٢٧م.
10.دروزة، محمد عزة، حول الحركة العربيّة الحديثة، ط١، صيدا - لبنان، المكتبة العصرية، ١٩٥٠م.
11. سعادة، أنطون، الأعمال الكاملة أنطون سعادة، مج ٢، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة سعادة للثقافة، ٢٠٠١م.
12.ـــــــــــــــ، المحاضرات العشر، ط١، بيروت - لبنان. منشورات عمدة الثقافة في الحزب السوري القومي الاجتماعي، ١٩٧٥م.
13.ــــــــــــــــ، مبادئ الحزب السوري القومي الاجتماعي وغايته، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة سعادة للثقافة، ١٩٨١م.
14.سعيد، أمين، الثورة العربيّة الكبرى، ط١، القاهرة - مصر، مكتبة مدبولي للطباعة والنشر، ١٩٩٧م.
15.العش، أنور، في طريق الحرّيّة، ط١، دمشق - سوريّة، مطابع ابن زيدون، ١٩٣٦م.
16.عصبة العمل القومي، بيان المؤتمر التأسيسي لعصبة العمل القومي المنعقد في قرنايل في ٤ جمادى الأولى سنة ١٣٥٢هـ/ ٢٤ أغسطس ١٩٣٣م، ط١، دمشق - سوريّة، المطبعة العصرية، ١٩٩٣م.
17.عفلق، ميشيل، في سبيل البعث، ط٢١، بيروت - لبنان، دار الطليعة للطباعة والنشر، ١٩٨٠م.
18.العيسمي، شبلي، حزب البعث العربي الاشتراكي مرحلة الأربعينات التأسيسية (١٩٤٠-١٩٤٩م)، ط٦، بغداد - العراق، دار الشؤون الثقافية العامة، ١٩٨٦م.
19.القيادة القوميّة، نضال حزب البعث العربي الاشتراكي (١٩٤٣-١٩٨٠م)، ط١، دمشق - سوريّة، مطابع دار البعث، ١٩٨٦م.
20.الكيالي، عبد الرحمن، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني من عام ١٩٢٦ حتّى نهاية ١٩٣٩م، ط١، حلب - سوريّة، مطبعة الضاد، ١٩٥٨م.
21.لريس، منير، الكتاب الذهبي لتاريخ الثورات الوطنيّة في المشرق العربي، ط١، بيروت - لبنان، دار الطليعة للطباعة والنشر، ١٩٦٩م.
22.منشورات دار الرواد، الأحزاب السياسية في سوريّة، ط١، دمشق - سوريّة، دار الرواد
للنشر، ١٩٥٤م
23.يونس، عبد اللطيف، شكري القوتلي تاريخ أمة في حياة رجل، ط١، القاهرة - مصر، دار المعارف، ١٩٥٩م.
24.ثالثًا- المراجع العربيّة
25.بشارة، عادل، القوميّة السوريّة دراسة في الفكر السياسي عند أنطون سعادة، ط١، بيروت - لبنان، دار نلسن للنشر، ٢٠١٥م.
26.بوسعيد، خطار، عصبة العمل القومي ودورها في لبنان وسوريّة (١٩٣٣-١٩٣٩م)، ط١، بيروت - لبنان، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ٢٠٠٤م.
27.البيضاني، إبراهيم، السياسة الأمريكية تجاه سوريّة (١٩٣٦-١٩٥٨م)، ط١، عمان - الأردن، أمواج للطباعة والنشر والتوزيع، ٢٠١٥م.
28.جاسم، عزيظ، الحقيقة الاشتراكية لحزب البعث العربي الاشتراكي في الفكر والتطبيق، ط١، بغداد - العراق، منشورات وزارة الإعلام العراقية، ١٩٧٧م.
29.جرادات، مهدي، الأحزاب والحركات السياسية في الوطن العربي، ط١، عمان - الأردن، دار أسامة، ٢٠٠٦م.
30.الجندي، سامي، البعث، ط١، بيروت - لبنان، دار النهار للنشر، ١٩٦٩م.
31.حداد، غسان، من تاريخ سوريّة المعاصر (١٩٤٦-١٩٦٦م)، ط١، عمان - الأردن، مركز المستقبل للدراسات الاستراتيجية، ٢٠٠١م.
32.الحسناوي، طاهر محمد، شكيب أرسلان الدور السياسي الخفي ودوره في حركة النهضة العربيّة الحديثة (١٨٦٩-١٩٤٦م)، ط١، لندن - بريطانيا، دار رياض الريس للنشر، ٢٠٠٢م.
33.حنا، عبد الله، الأحزاب السوريّة (١٩٢٠-١٩٥٠م) ومدى تأثرها بالعامل الأوروبي، ط١، القاهرة - مصر، معهد الدراسات الشرقية، ٢٠١٢م.
34.ـــــــــــــــ، الحركة الشيوعية السوريّة، الصعود والهبوط، ط١، دار نون للنشر
والطباعة والتوزيع، حلب - سوريّة، ٢٠٠٨م.
35.ـــــــــــــــــــ، صفحات من تاريخ الأحزاب السياسية في سوريّة القرن العشرين وأجزاؤها الاجتماعية، ط١، بيروت، لبنان المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، ٢٠١٨م.
36.الخطيب، محمد كامل، عبد الرحمن الشهبندر مذكرات وخطب، ط١، دمشق - سوريّة، منشورات وزارة الثقافة، ١٩٩٢م.
37.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي سياسة القوميّة العربيّة (١٩٢٠-١٩٤٥م)، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة الأبحاث العربيّة، ١٩٩٧م.
38.دندشلي، مصطفى، صفحات من تاريخ حزب البعث العربي الاشتراكي في سوريّة، بيروت - لبنان، منشورات الطليعة، ١٩٩٢م.
39.ديب، كمال، تاريخ سوريّة المعاصر من الانتداب الفرنسي إلى صيف ٢٠١١م، ط١، بيروت - لبنان، دار النهار للنشر، ٢٠١١م.
40.الزرقا، محمد ومرقص، إلياس، خيانات الحزب الشيوعي السوري، ط١، بيروت - لبنان، دار الطليعة للنشر، ١٩٩٩م.
41.السباعي، أمين، الأحزاب اللبنانية في مواجهة ١٩٧٠م، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة صحافيا للنشر، ١٩٧١م.
42.سلام، قاسم، حزب البعث العربي مرحلة التأسيس، ط١، بيروت - لبنان، منشورات الطليعة، ١٩٩٩م.
43.السيد، جلال، حزب البعث العربي، ط١، بيروت - لبنان، دار النهار للنشر، ١٩٧٣م.
44.الشيخ، رأفت، تاريخ العرب المعاصر، ط١، القاهرة - مصر، عين للدراسات والبحوث الإنسانيّة والاجتماعيّة، ٢٠٠٥م.
45.صافي، محمود، سوريّة من فيصل الأول إلى حافظ الأسد (١٩١٨-٢٠٠٠م)، ط١، بيروت - لبنان، الدار التقدمية للنشر، ٢٠٠١م.
46.صالح، نبيل، رواية اسمها سوريّة مئة شخصية أسهمت في تشكيل وعي السوريين، ط٢، دمشق - سوريّة، التكوين للطباعة والنشر والتوزيع، ٢٠٠٧م.
47.الصليبي، كمال، تاريخ لبنان الحديث، ط١، بيروت - لبنان، دار النهار للنشر، ١٩٦٧م.
48.طلاس، مصطفى، سعد الله الجابري من الجهاد والنضال إلى السيادة والاستقلال (١٨٩٤-١٩٤٧م)، ط١، دمشق - سوريّة، مكتبة دار طلاس، ٢٠١١م.
49.عثمان، هاشم، الأحزاب السياسية في سوريّة السرية والعلنية، ط١، بيروت - لبنان، رياض الريس للكتب والنشر، ٢٠٠١م.
50.ـــــــــــــــ، تاريخ سوريّة الحديث، ط١، بيروت - لبنان، رياش الريس للكتب والنشر، ٢٠١٢م.
51.الغزالي، محمد، حقيقة القوميّة العربيّة وأسطورة البعث العربي، ط٣، القاهرة - مصر، شركة نهضة مصر للطباعة والنشر والتوزيع، ٢٠٠٥م.
52.فرزات، محمد حرب، الحياة الحزبية في سوريّة (١٩٠٨-١٩٥٥م)، ط١، دمشق - سوريّة، منشورات دار الرواد، ١٩٥٥م.
53.قرقوط، ذوقان، تطوّر الحركة الوطنيّة في سوريّة (١٩٢٠-١٩٣٩م)، ط١، بيروت - لبنان، دار الطليعة، ١٩٧٥م.
54.قنيزح، جرجي، مآثر من سعادة، ط٢، بيروت - لبنان، مؤسّسة سعادة للثقافة، ٢٠١٣م.
55.المارديني، زهير، الأستاذ قصة حياة ميشيل عفلق، ط١، بيروت - لبنان، رياض الريس للنشر، ١٩٨٨م.
56.مرقص، إلياس، تاريخ الأحزاب الشيوعية في الوطن العربي، ط١، بيروت - لبنان، دار الطليعة للنشر، ١٩٦٤م.
57.المعلم، وليد، سوريّة (١٩٠٦-١٩٤٦م) الطريق إلى الحرّيّة، ط١، دمشق - سوريّة، منشورات الهيئة العامة السوريّة للكتاب، ٢٠١٦م.
58.منلا علي، صلاح الدين، سوريّة (١٩١٨-١٩٣٩م) دراسة منهجيّة لقضايا سياسيّة
واقتصاديّة واجتماعيّة، ط١، بيروت - لبنان، رياض الريس للكتب والنشر، ٢٠٠٠م.
59.المهتار، أسامة، إدارة الاستراتيجية في المنظمة العقائدية أنطون سعادة نموذجًا الحزب السوري القومي الاجتماعي، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة سعادة للثقافة، ٢٠٠٩م.
60.ناصر الدين، علي، صفحة مشرقة من التاريخ القومي العربي الحديث، ط١، بيروت - لبنان، مؤسّسة الرسالة، ١٩٨٠م.
61.نداف، عماد، خالد بكداش يتحدث، ط١، دمشق - سوريّة، منشورات وزارة الثقافة والإرشاد القومي، ١٩٨٠م.
62.ياغي، إسماعيل؛ شاكر، محمود، تاريخ العالم الإسلامي الحديث والمعاصر، ط١، الرياض - السعودية، دار المريخ للنشر، ١٩٩٥م.
63.أنطونيوس، جورج، يقظة العرب تاريخ حركة العرب القوميّة، ترجمة: علي حيدر، ط٢، دمشق - سوريّة، مطبعة الترقي، ١٩٤٦م.
64.بوداغوفا، بيير، الصراع في سوريّة لتدعيم الاستقلال الوطني (١٩٤٥-١٩٦٦م)، ترجمة: ماجد علاء الدين وأنيس المتني، ط١، دمشق - سوريّة، دار المعرفة، ١٩٨٧م.
65.سيل، باتريك، الصراع على سوريّة دراسة للسياسة العربيّة بعد الحرب (١٩٤٥-١٩٥٨م)، ترجمة: سمير عبده ومحمود فلاحة، ط١، دمشق - سوريّة، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، ١٩٨٦م.
66.بلاوني، مصطفى، عصبة العمل القومي وإسهامها في الحركة القوميّة في سوريّة (١٩٢٣-١٩٣٩م)، مجلة دراسات تاريخيّة، العددين ٢٣-٢٤، دمشق - سوريّة، جامعة دمشق، أيلول وكانون الأوّل ١٩٨٦م.
67الحسناوي، وسيم، موقف الحزب الشيوعي السوري من الأحداث السياسية في سوريّة
(١٩٢٤-١٩٥٨م) دراسة تاريخية، مجلة القادسية للعلوم الإنسانية، مج ٢٥، العدد ٤، القادسية - العراق، جامعة القادسية، كانون الأوّل ٢٠٢٢م
68.الشامي، رحيم، الكتلة الوطنيّة وأثرها في سوريّة أعقاب الثورة السوريّة الكبرى من (١٩٢٧-١٩٣٦م)، مجلة آداب الكوفة، مج ١٠، العدد ٣٣، الكوفة – العراق، جامعة الكوفة، ٢٠١٧م.
69.الشريف، حسين، محب الدين الخطيب والانتداب الفرنسي في سوريّة (١٩٢٦-١٩٤٦م)، مجلة المعارف للبحوث والدراسات التاريخية، العدد ٢٢، البويرة - الجزائر، جامعة البويرة، حزيران ٢٠١٧م.
70.صايغ، فايز، الحزب السوري القومي، مجلة العروة الوثقى، العدد ١٧، بيروت - لبنان، جمعيّة العروة الوثقى في الجامعة الأمريكية ببيروت، ١٩٥٢م.
71.عبد الكريم، سمير، موقف حركة البعث العربي من التطورات السياسية في سوريّة والوطن العربي (١٩٤٠-١٩٤٦م) مجلة الآداب) العدد ٥٢، بغداد - العراق، كلية الآداب في جامعة بغداد، كانون الأوّل ٢٠٢١م.
72.عدوان، أكرم، مدينة دمشق ومواجهة الاستعمار الفرنسي، مجلة الجامعة الإسلامية، مج ١٨، العدد ١٠٣١، غزة - فلسطين، الجامعة الإسلاميّة، حزيران ٢٠١٠.
73.محمد، صباح، حزب البعث العربي الاشتراكي، مجلة كلية الآداب، العدد ٢٤، بغداد - العراق، كلية الآداب في جامعة بغداد، كانون الأوّل ٢٠٢١م.
74.محمد، قبس؛ سلمان، بشرى، الواقع اللبناني بين الوحدة والاستقلال، مجلة الملوية للدارسات الآثارية والتاريخية، مج ٤، العدد ٤، سامراء - العراق، كلية الآداب في جامعة سامراء، آب ٢٠١٤م.
75.بيضة، حسن، أعلام من حلب، ط١، دمشق - سوريّة، منشورات وزارة الإعلام، ٢٠٠٠م.
76.الزركلي، خير الدين، الأعلام، ط١٥، بيروت - لبنان، دار العلم للملايين، ٢٠٠٢م.
77.قسام، يحيى، الموسوعة السوريّة الحديثة، مج ١٥، ط١، بيروت - لبنان، دار نوبليس للنشر والتوزيع، ٢٠٠٥م.
78.الكيالي، عبد الوهاب، موسوعة السياسة، ط٢، بيروت - لبنان، دار الهدى للنشر والتوزيع، ١٩٩٣م.
79.جريدة الأهالي، العدد ٢٩، ٥ آب ١٩٢٨م.
80.جريدة الرائد، طرابلس، العدد ١١٢، ٦ كانون الثاني ١٩٣٧م.
81.جريدة الرائد، طرابلس، العدد ١١٥، ٦ شباط ١٩٣٧م.
82.الجريدة الرسمية للجمهورية السوريّة، العدد ٨، ١٩ آذار ١٩٣٦م.
83.جريدة الزوبعة، بوينس أيرس، العدد ٤٠، ١ آذار ١٩٤٢م.
84.جريدة الزوبعة، بوينس آيرس، العدد ٤٨، ١٥ تموز ١٩٤٢م.
85.جريدة العرب، لندن، العدد ٩٣٩٥، ٣٠ تشرين الثاني ٢٠١٣م.
86.جريدة القبس السوريّة، ملحق العدد ٥٤٧، ٣ تشرين الثاني ١٩٣٤م.
87.جريدة القبس، دمشق، العدد ١٠٣٤، ١١ كانون الثاني ١٩٣٧م.
88جريدة صباح الخير الصادرة عن الحزب السوري القومي الاجتماعي، العدد ٨، ١٦ تشرين الثاني ٢٠٢٢م.
1.Haddad, George, (1950), Fifty years of modern Syria and Lebanon, 1Ed. Beirut: Lebanon, Dar-al-Hayat.
2.Longrigg, Stephen, (1958), Syria and Lebanon Under French Mandate, 1Ed. Oxford: United kingdom. Oxford University Press.
(477)
محمّد المحمّد الحسين
لقد كانت سوريّة بحكم موقعها الاستراتيجيّ محطًّا لأطماع الدّول الاستعماريّة عبر التّاريخ، ومع دخول الدّولة العثمانيّة المنطقة العربيّة في بداية القرن السّادس عشر الميلادي بدأ التّاريخ الحديث للعالم العربيّ، فكانت سوريّة جزءًا من هذه الدّولة، ومن هذا التّاريخ لمدّة تزيد على أربعة قرون، ونتيجة الصّراع الدّوليّ الفرنسيّ-البريطانيّ آنذاك، وبعد خروج العثمانيّين من المنطقة العربيّة من خلال الثّورة العربيّة الكبرى عام ١٩١٦م؛ وقعت سوريّة تحت الانتداب الفرنسيّ وفق اتّفاقيّة سايكس بيكو الاستعماريّة ١٩١٦م، ممّا أدّى لقيام ثورات وطنيّة امتدّت على مساحة البلاد خلال عاميّ (١٩١٩-١٩٢٢م)، إلّا أنّ التّحوّل الجذري للنّضال الثّوريّ لتاريخ سوريّة الحديث جاء من خلال قيام الثّورة السّوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م) الّتي تعتبر نقطة تحوّل في تاريخ سوريّة المعاصر، من خلال أحداثها، ونتائجها، وتأثيراتها المحلّيّة، والعربيّة، والدّوليّة.
لقد كانت ثورات السّاحل، والشّمال، وحوران، والثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م؛ الفترة الأشدّ عنفًا في تاريخ شعب سوريّة النّضاليّ الطّويل ضدّ المستعمر الفرنسيّ، واجه السّوريّون القوّات الفرنسيّة بأسلحتها الحديثة، والمتطوّرة، فأوقعوا بالفرنسيّين خسائر فادحة بالعتاد، والرّجال، وأجبروها على تغيير سياستها اتّجاه السّوريّين، وقد حقّقت هذه
الثّورة الكثير من النّتائج الّتي سعت إلى تحقيقها، على الرّغم من سعي فرنسا للقضاء عليها، ورغم الوحشيّة الّتي قابلت فيها فرنسا هذه الثّورة، ولكن صداها وصل إلى العديد من الدّول العربيّة، والأوروبيّة، وشجّعت الكثير من الحركات الاستقلاليّة في البلاد العربيّة، وكسبت تشجيعها، ومع ذلك لم ينتهِ النّضال ضدّ المستعمر الفرنسيّ، ولكنّه أخذ منحى آخر فكان الاضراب السّتّينيّ، ومعاهدة الاستقلال عام ١٩٣٦م، ولم ينتهِ الوضع على هذا الحال، ولأنّ آلة المستعمر لا تفهم إلّا الإرهاب، والتّدمير، والقصف، فقد قُصفت دمشق عام ١٩٤٥م، وأخذ هذا الأمر صدىً دوليًّا، وخرجت المظاهرات تندّد بالاحتلال، وتطالب خروجه من الأراضي السّوريّة، فكان الجلاء في السّابع عشر من نيسان عام ١٩٤٦م، وبذلك طويت صفحة نضاليّة مهمّة من تاريخ سوريّة الحديث، والمعاصر.
واستنادًا إلى ذلك جاء هذا البحث على شكل قراءة تحليليّة، وثائقيّة لمجريات أحداث الثّورات السّوريّة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ منذ دخول قوّاته الأراضي السّوريّة عام ١٩١٩م، وحتّى خروج آخر جندي فرنسيّ منها في السّابع عشر من نيسان عام ١٩٤٦م.
تألّف البحث من فصلين أساسين اندرج تحتهما عدّة عناوين فرعيّة؛ الفصل الأوّل حمل عنوان: الثّورات السّوريّة ضدّ الوجود الفرنسيّ خلال عاميّ (١٩١٩-١٩٢٢م)، في حين عالج الفصل الثّاني الثّورة السّوريّة الكبرى بين عاميّ (١٩٢٥-١٩٢٧م)؛ أسبابها، ومراحلها، ونتائجها، والمواقف العربيّة، والدّوليّة منها.
بعد أن انتهت الحرب العالميّة الأولى عاشت بلاد الشّام ظروف غير مستقرّة بسبب ما شهدته المنطقة من مؤامرات أوروبّيّة، وبعد انسحاب القوّات البريطانيّة من غرب سوريّة عام ١٩١٩م شعر العرب أنّ هذه العمليّة هي تمهيد لتسليم بلادهم إلى الاحتلال الفرنسيّ خاصّة بعد الاتّفاق بين فيصل بن الشّريف حسين، وكليمانصو المتمثّل في مؤتمر الصّلح الّذي نصّ على: اعتراف الحكومة العربيّة بالاحتلال الفرنسي للبنان، والمناطق
السّاحليّة في سوريّة، وإجبار الدّولة العربيّة على قبول المعونة من فرنسا عند الحاجة إليها، وردًّا على هذه القرارات تمّ عقد المؤتمر السّوريّ العام مطالبًا بوحدة، واستقلال سوريّة، ولبنان، وفلسطين إلّا أنّه لم ينتج من هذا المؤتمر شيء ممّا أدَّى إلى حدوث صدام بين العرب، والقوّات الفرنسيّة ممّا دفع الحلفاء الغربيّين لعقد مؤتمر عام ١٩٢٠م عرف بمؤتمر «سان ريمو» من أجل تقسيم مناطق المشرق العربيّ بين فرنسا، وبريطانيا، وقد مثَّل بريطانيا «لويد جورج»، وفرنسا «جورج كليمانصو»، ونصّ على: «وضع العراق، وفلسطين، وشرق الأردن تحت الانتداب البريطانيّ، وسوريّة، ولبنان تحت الانتداب الفرنسيّ كدولتين منفصلتين».
وعندما صدرت قرارات مؤتمر سان ريمو اندلعت الثّورات في البلاد من هذه القرارات، وأخذت تطالب بزوال الانتداب، ومن أهمّ هذه الثّورات، والمعارك (ثورة السّاحل، وثورة الشّمال، ومعركة ميسلون، وثورة حوران).
كانت بقيادة الشّيخ صالح العليّ، وهي أوّل ثورة سوريّة قامت في السّاحل عام ١٩١٩م حيث قرّر الشّيخ صالح العلي مهاجمة القوّات الفرنسيّة بعد انسحاب الجيش العثمانيّ، وكان أبرز أسباب هذه الثّورة هي: «نزول القوّات الفرنسيّة على الشّواطئ السّوريّة، وإنزال العلم العربيّ عن الدّوائر الرّسميّة، ورفع العلم الفرنسيّ مكانه»؛ ممّا دفع الشّيخ صالح العلي لعقد مؤتمر ضمّ عددًا من زعماء، وشيوخ منطقة الشّيخ بدر إضافة إلى المناطق المجاورة لها من أجل توحيد الموقف في مواجهة الجيش الفرنسيّ، وعندما علمت فرنسا بذلك أرسلت إلى الشّيخ صالح العلي دعوة لحضور مؤتمر إلّا أنّه رفض الحضور؛ الأمر الّذي دفع فرنسا إلى إعلان الحرب ضدّه عام ١٩١٩م، ولكنّه استطاع إلحاق الهزيمة بالفرنسيّين، وتمكّن من الاستيلاء على أسلحتهم، وذخائرهم، وكان لهذا النّجاح أثر كبير في منطقة الشّيخ بدر، وما حولها حتّى أنّ أخبار هذا النّصر وصلت إلى دمشق ممّا
دفع السّكّان لدعم الثّورة، ومدَّها بالسّلاح اللّازم، وبعد الانتصار في المعركة الأولى عمل الشّيخ صالح العلي على تنظيم جيشه تحسّبًا للرّدّ الفرنسيّ، وفعلًا قامت القوّات الفرنسيّة بحملة عسكريّة عام ١٩١٩م على منطقة الشّيخ بدر، ودارت بين الطّرفين معركة انتهت بهزيمة القوّات الفرنسيّة، ومقتل ٢٠ جنديًّا فرنسيًّا، وعندما وجدت فرنسا أنّ الأمر صعب للسّيطرة على الثّورة أرسلت للإنجليز التّوسّط بين الطّرفين عبر الجنرال اللّنبي، «فعُقد في قرية الشّيخ بدر مؤتمر عربيّ - فرنسيّ - إنجليزيّ نتج منه اتّفاق يقضي بوقف الصّراع؛ إلّا أنّ فرنسا نقضت الاتّفاق، وتجدّد القتال»، وقامت معركة وادي ورور في ١٥ حزيران ١٩١٩م، وكانت معركة قويّة حيث عزّزت فرنسا قوّاتها بطائرات استكشاف، وجلب المدفعيّة الفرنسيّة، وعلى الرّغم من كلّ هذا إلّا أنّ الثّوّار أحاطوا بالحملة الفرنسيّة، ومزّقوها؛ «حيث بلغت خسائر فرنسا ٨٠٠ جنديٍّ بين قتيل، وجريح، وتمّ أسر ١٦ جنديًّا فرنسيًّا، واستولى الثّوّار على عدد كبير من الغنائم، واستشهد عدد من الثّوّار».
لم تهدأ الثّورة في السّاحل، فقامت معركة في قلعة المرقب في ٢١ تموز ١٩١٩م، وكانت أكبر معركة جرت بين الفرنسيّين، والثّوّار؛ «حيث تمكّن الشّيخ صالح العلي من إيقاع قائد الحملة الفرنسيّة، ومساعديه، وخسر الفرنسيّين نصف قوّاتهم بين قتيل، وجريح، وحقّقت هذه المعركة دويًا كبيرًا، ممّا دفع زعيم الشّمال إبراهيم هنانو للاتّصال بشيخ صالح العلي معبَّرًا له عن سروره، ودعمه من خلال مدّه بالسّلاح، والمال مكافأة لجهوده، وللأعمال الّتي يقوم بها، والّتي تدلّ على وطنيّته».
كانت بقيادة إبراهيم هنانو، وهو كبير وجهاء بلدة «كفر تخاريم»؛ كان عضوًا في المؤتمر السّوريّ العام المنعقد في دمشق، ولكنّه غادر المؤتمر عام ١٩١٩م إلى حلب، وجمع حوله مجموعة من الشّباب، وتزوّد بالمال، والسّلاح، وثار للدّفاع عن بلده ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، ونجح في ذلك، وأخذ يلتفّ حوله الثّوّار، وجعل من جبل الزّاوية مقرًّا له، وقاعدة للأعمال العسكريّة، واستمرّت هذه الثّورة عشر أشهر، وقد تعاون إبراهيم هنانو مع القوّات التّركيّة في عينتاب، ومرعش الّذين كانوا يحاربون الفرنسيّين لإخراجهم من كيليكيا، وقامت أيضًا بمد إبراهيم هنانو بالسّلاح، والجنود، وبفرقة عسكريّة بقيادة «بدري بك»، الأمر الّذي ساعد على تعزيز الثّورة في الشّمال، وعندما اشتدّ القتال بين الفرنسيّين، وإبراهيم هنانو توقّف الدّعم الحربيّ، واستسلم رؤساء الثّورة، ممّا دفع إبراهيم هنانو إلى مغادرة سوريّة[1]؛ حيث أنّ الأمر الّذي أدّى إلى إيقاف الدّعم هو إدراك فرنسا أنّ الوضع سوف يصبح خطيرًا بسبب تعاون الأتراك مع هنانو، ولذلك اتّفقت مع الأتراك حول كيليكيا؛ واختارت فرنسا التّنازل لضمان الوفاق مع تركيا حتّى تتفرّغ هي لسوريّة، وأمَّا إبراهيم هنانو فبعد مغادرته لسوريّة ذهب إلى شرقيّ الأردن إلّا أنّه لم يتّفق مع الشّريف عبد الله، فتوجّه إلى فلسطين، وهناك اعتقلته الشّرطة البريطانيّة في القدس، وأرسلته إلى سوريّة حيث سُجن في حلب مدّة ستّة أشهر، ومن ثمّ أُطلق سراحه.
منذ صدرت قرارات مؤتمر «سان ريمو»، والحكومة الفرنسيّة تعمل لاستكمال احتلال سوريّة الدّاخليّة، وفي سبيل ذلك جاء الإنذار الّذي وجهه غورو(General Hen
ry Gouraud) للملك فيصل، وقد حمل شروط منها: قبول الانتداب الفرنسيّ على سوريّة من دون قيد، أو شرط، وقبول التّعامل بالعملة الورقيّة الّتي تصدّرها فرنسا، وإلغاء التّجنيد الإجباريّ، وتسريح الجيش، ومحاكمة السّوريّين الّذين قاوموا القوّات الفرنسيّة، وتسليم سكّة حديد ريّاق-حلب إلى السّلطة العسكريّة الفرنسيّة، ورغم أنّه كان تحت ضغط الظّروف قبل فيصل به؛ ولكن غورو كانت حجّته تأخّر وصول ردّ فيصل إليه بعد انقضاء المدّة الّتي منحه إيّاها، ولأنّه كان مصمّمًا أساسًا على احتلال سوريّة أمر جيشه بالتّحرّك نحو دمشق.
في السّاعة الأولى من ٢١ تموز ١٩٢٠م شرَّع الجيش الفرنسيّ باجتياز سهل البقاع، واحتلّ موقع «مجدل عنجر»، ومرَّ ذلك بسلام من دون رصاصةٍ واحدة؛ لأنّ الحكومة العربيّة كانت قد قبلت شروط الإنذار مسبقًا، «وقد وصلت مقدّمة الجيش إلى «عين الجديدة» بعد أن اجتازت وادي الحرير، كما وصلت الخيَّالة إلى منطقةٍ تُشرف على ميسلون من الغرب، ووصلت الفرقة بكاملها إلى المرتفعات الّتي تحدُّ سهل الجديدة من الشّرق، وتسيطر على وادي القرن، ووادي زرزور، وعندما حاول رعيل من الدّبابات الخروج من وادي القرن قابلتها المدفعيّة العربيّة، وأجبرتها على العودة بعد أن أصيب بعضها».
علم سكّان دمشق بقدوم الجيش الفرنسيّ لاحتلالها، ولم يكن لهم قوّات كافية تجابه القوّات الفرنسيّة، وتقاومها بسبب تسريح الجيش السّوريّ، فزاد احتقان الشّعب، واضطراب الملك فيصل، وحكومته، وسارع يوسف العظمة[3] لتجهيز القوّات للقتال، وتمّ إيقاف عمليّات التّسريح الّتي كانت جارية في الجيش، وفتح الملك الباب أمام الشّعب
للانضمام للمقاومة، والدّفاع عن البلاد، وكانت القوّات العربيّة مشكلةً من ثلاثة فرق، ولم يشترك منها في معركة ميسلون سوى فرقة واحدة، علاوةً على بطاريّة من أربعة مدافع، ونحو ستّين خيالًا نظاميًّا ألحقوا بها من فرقةٍ ثانية، ولم يكن للجيش العربيّ خطةً عسكريّة مسبقة لمقابلة الجيش الفرنسيّ سوى التّرتيبات المتّخذة في بعض المواقع، وفي هذه الآونة كانت تتوارد قوّات أخرى من هندسة، ومدفعيّة إضافيّة، ومتطوّعة جدد، وجاء خبر أنّ هناك ألوفًا من المتطوّعة المسلّحين المتحمّسين يودّون الاشتراك في المعركة، فتجمّع أولئك المدافعون ليشتركوا في المعركة من جهّات مرتفعات الزّبدانيّ.
بلغت القوّات الفرنسيّة تسعة آلاف جنديٍّ منظّمين، ومدرّبين بقوّة، ويملكون أحدث الأسلحة كالبنادق، والدّبابات، والمدافع، والطّائرات، «وفي ٢٤ تموز ١٩٢٠م اندلعت معركة ميسلون طوال ٦ ساعات، أبدى فيها المقاومون ثباتًا كبيرًا، وكان من الواضح الفارق الكبير في الخطّة العسكريّة الفرنسيّة، وتنظيم قوّاتها، وتقدّم عتادها أمام القوّات السّوريّة ضعيفة العدّة، والعدد، وبعد عدّة ساعات تفرّقت جموع القوّات السّوريّة، واستشهد نحو ٤٠٠ من الجنود السّوريّين، وكان على رأس الشّهداء وزير الحربيّة يوسف العظمة، وفي المقابل قُتِلَ من الفرنسيّين ٤٠٠ وأصيب ١٦٠٠؛ بينهم ٤٠ ضابطًا فرنسيًّا».
بعد هذه المعركة قام فيصل بتسريح القسم الأعظم من الجيش الّذي كان يحمي المدينة، وأصبح الطّريق إلى دمشق مفتوحة، ومن أوّل الأعمال الّتي قام بها الفرنسيّون في دمشق أن طلبوا من فيصل مغادرة البلاد، فغادرها في ٢٤ تموز حيث ذهب إلى حيفا، ومنها أبحر إلى إيطاليا.
قامت عام ١٩٢٠م بعد قيام أهل حوران بقتل «علاء الدّين الدروبي»، فبعد معركة ميسلون قامت السّلطات الفرنسيّة بتوجيه إنذارًا إلى حكومة علاء الدّين الدّروبي تتضمّن ما يلي: دفع الغرامة الحربيّة، ونزع سلاح الجيش السّوريّ، وتسليم الوطنيّين (الثّوّار) لفرنسا لمحكمتهم.
فقبل علاء الدّين الدّروبي، ودعا شيوخ حوران للاجتماع بهم في دمشق للبحث في موضوع الغرامة إلّا أنّ شيوخ حوران رفضوا ذلك، فذهب علاء الدّين على رأس وفد من المسؤولين إلى حوران، وفي محطّة خربة الغزالة تجمهر الحوارنة، وقتلوا رئيس الوزراء (علاء الدّين الدّروبي)، وعبد الرّحمن اليوسف رئيس مجلس الشّورى، وبعض من الجنود الفرنسيّين الّذين كانوا في القطار ممّا أدَّى إلى قيام ثورة حوران.
اندلعت الثّورة بين الفرنسيّين، وشيوخ حوران، ووقعت معركة في دير علي عام ١٩٢٠م انتصر فيها الحوارنة، ودمّروا الخطّ الحديديّ، والقطار ممّا دفع فرنسا لإعداد حملة عسكريّة في قرية «غباغب»، ودارت المعركة بين الطّرفين، واحتلّ الفرنسيّين «غباغب» إلّا أنّ الحوارنة تمكّنوا من مهاجمة القوّات الفرنسيّة، وأوقعوا بهم خسائر فادحة، وكذلك الأمر في موقع الدّالي، ولكن بعد معركة الدّالي اضطرّ شيوخ حوران إلى الاستسلام بسبب ما قام به الاحتلال الفرنسيّ من قتل، ونهب، وسلب، وحرق لقرى حوران؛ ثمّ اجتمع الفرنسيّون بشيوخ حوران، وزعمائهم في قرية الشّيخ مسكين، وجرت معاهدة عُرفت بمعاهدة الشّيخ مسكين كان من شروطها: «ألّا يفرض الفرنسيّون أيّ غرامة حربيّة على حوران، وألّا يتعرّضوا للتّقاليد الدّينيّة، وألّا يتعرّضوا لعوائد البلاد»، وبعد أن استقرّ الأمر للفرنسيّين؛ غدروا بأهالي جبل حوران، وزعمائهم، وفرض الفرنسيّون غرامة كبيرة على أهل حوران، وجرّدوا الأهالي من السّلاح، وعندما بدأ أهل حوران بدفع الغرامة الحربيّة؛
أطلق الفرنسيّون بعد ذلك سراح الزّعماء بعد أن ظلّوا في السّجن شهرين.
حدثت اضطرابات دمشق في نيسان ١٩٢٢م نتيجة قدوم «تشارلز كراين» عضو اللّجنة الأمريكيّة الّتي زارت دمشق عام ١٩١٩م لتقصَّي رغبات الشّعب السّوريّ في زيارة إلى دمشق فاستغلّ الشّعب السّوري وجوده، ونظّم المظاهرات، والاحتجاجات ضدّ السّياسة الانتدابيّة الفرنسيّة، والأساليب الّتي اتبعتها مع الشّعب السّوريّ، واستقبله عبد الرّحمن الشهبندر (١٨٧٩-١٩٤٠م)، وأبلغه رغبات الشّعب السّوريذ في الحرّيّة، والاستقلال، فما كان من قوّات السّلطات الانتدابيّة الفرنسيّة إلّا العمل على قمع المظاهرات، والاحتجاجات السّوريّة، وألقت القبض على الوطنيّين الّذين استقبلوا «كراين»، ومنهم «عبد الرّحمن الشهبندر»، و«حسن الحكيم» (١٨٨٦-١٩٨٢م)، وغيرهم من الوطنيّين السّوريّين.
عند احتلال فرنسا لسوريّة عام ١٩٢٠م قامت بتقسيم سوريّة إلى دويلات طائفيّة، ومن بينها دويلة جبل العرب على أساس وجود الموحّدين الدّروز في تلك المنطقة أي: دولة درزيّة في جبل العرب، وكان الاتّفاق على أن يولّى على حكم الجبل شخص منهم، وقد تمّ تعيين «سليم الأطرش» لهذا المنصب، وكان سكّان الجبل متّفقين عليه حاكمًا، وعندما وافته المنيّة عام ١٩٢٣م، تمّ تعيين شخص فرنسيّ مكانه حاكمًا للجبل، وهو الكابتن كاربييه (Carbier) الّذي كان مستشارًا للأمير سليم الأطرش.
كانت المطالبات لسكّان جبل العرب تغيير حاكم الجبل الفرنسيّ كاربييه بحاكم من الجبل، أو حاكم فرنسيّ آخر؛ لأنّ سكان الجبل لم يستطيعوا التّعامل مع كاربييه الّذي ضيّق الخناق عليهم، وكان يعاملهم بطريقة سيّئة تقوم على عدم احترام قادة الجبل، وعادات سكّانه، وطلباتهم، بالإضافة للاعتقالات، والسّجن، والغرامات المالّيّة، وعندما لم يجد سكّان الجبل احترامًا لمطالبهم، ورغباتهم من القيادة الفرنسيّة، وتمّ سجن الوفد الّذي ذهب إلى مقابلة الجنرال موريس سراي (Shray) (١٨٥٦-١٩٢٩م)، وانطلقت شرارة الثّورة من جبل العرب ضدّ المستعمر الفرنسيّ.
وصل الأمير حسن الأطرش من دمشق، وأخبر سلطان باشا الأطرش (١٨٩١-
١٩٨٢م) بما حصل مع الزّعماء الثّلاثة، ونفيهم، وبينما كان سلطان باشا الأطرش في مضافته مع أهالي بلدته وصل الملازم فرتييه (Vertier) مندوبًا من حاكم الجبل مارتان (Martin) طالبًا منه الحضور إلى السّويداء للتشاور مع «مارتان» لإيجاد حلّ سلميّ لأزمة اعتقال وفد جبل العرب في دمشق، فأجابه سلطان باشا الأطرش بقوّة قائلًا: «أتظنّون أيّها الفرنسيّون أنّنا بسطاء إلى هذه الدّرجة، تعتقلون زعماء البلاد، وقادة الرّأي بالحيلة، والغدر، وتطلبون منّا التّشاور في الحلول السّلميّة. من السّهل علينا الآن أن نقابل رؤساءك بالمثل، فنلقي القبض عليك لتكون رهينة بيدنا، ولكنّنا نأبى أن نتبع مثل هذا الأسلوب الرّخيص»، فعاد «فرتييه» من حيث أتى، فكتب سلطان باشا الأطرش رسالة إلى الحاكم مارتان نقلها صياح الأطرش جاء فيها: «دعوتم رجالات البلاد من أجل التّفاوض معهم لحلّ الخلاف، والاحتفال بعيدكم القوميّ، كنّا نتوقّع منكم أن تستجيبوا لمطالبهم الحقّة، لا أن تستخدموا معهم الأسلوب العثمانيّ الغادر الّذي يأباه بكلّ تأكيد الفرنسيّون الأحرار! من الأنسب أن تفرجوا عنهم، وتفسحوا لهم المجال للتّعبير عن إرادة الشّعب، ورغبته الصّحيحة في الحرّيّة، والاستقلال»، فرفض الإجابة على هذه الرّسالة، وطلب من صياح المغادرة، وهو منزعج من رفض طلبه، فأدرك سلطان باشا الأطرش أنّ عهد الهدوء مع الفرنسيّين قد انقضى، وأنّ الثّورة قائمة لا شكّ من قيامها، وأن ساعة الثّورة قد حانت، فأطلق إلى الشّعب السّوريّ أوّل منشور للثّورة يحمل لقب القائد العام للثّورة السّوريّة
الكبرى في الثّالث والعشرين من آب ١٩٢٥م يتضمّن التّالي:
«إلى السّلاح إلى السّلاح يا أحفاد العرب الأمجاد هذا يوم ينفع المجاهدين جهادهم، العاملين في سبيل الحرّيّة، والاستقلال عملهم، هذا يوم انتباه الأمم، والشّعوب، فلننهض من رقادنا، ولنبدد ظلّام التّحكّم الأجنبيّ عن سماء بلادنا، لقد مضى علينا عشرات السّنين، ونحن نجاهد في سبيل الحرّيّة، والاستقلال؛ فلنستأنف جهادنا المشروع بالسّيف بعد أن سكت القلم، ولا يضيع حقّ وراءه مطالب»....
بدأت معارك الثّورة السّوريّة الكبرى تتالى مع القوّات الفرنسيّة بدءًا من معركة الكفر الّتي كان لها وقع، وتأثير كبير في أحداث الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، فقد بدأت أحداثها عندما علم الثّوّار بتجمّع الجنود الفرنسيّين في منطقة الكفر، «فتوجّهوا إليها في الحادي والعشرين من تموز ١٩٢٥م، وكانوا يتألّفون من بضع مئات بينهم بعض من سكّان القرى، وبعض البدو من عشائر السّارديّة، والسّلوط الّتي تعيش على أطراف الجبل»، «وكان معظم الثّوّار من المشاة، وبعضهم القليل من الخيّالة، وبعضهم يحمل السّلاح الأبيض، وقسم مسلح بالبنادق العثمانيّة، وبنادق الموزر الألمانيّة»، وقد أبلى الثّوّار في معركة الكفر البلاء الحسن، وانتصروا على الفرنسيّين، وحاصروا الجنود الفرنسيّين في قلعة السّويداء، وعندما علم المندوب السّامي الفرنسيّ، وقائد جيش الشّرق «سراي»
بما حصل مع جنوده في معركة الكفر، وأنّ الثّوّار يحاصرون جنوده في قلعة السّويداء، فصدرت أوامره إلى الجنرال «ميشو» بتجهيز حملة كبيرة تشمل معظم القوّات الفرنسيّة في سوريّة، ولبنان لإعادة هيبة فرنسا المفقودة بعد معركة الكفر، فتجمّعت الحشود في حوران استعدادًا للزّحف على الجبل، وحدّدت لهذه الحملة ثلاثة أهداف هي: الثّأر لهزيمة الكفر، وإنقاذ الفرنسيّين المحاصرين في السّويداء، وإعادة بسط السّيطرة الفرنسيّة على جبل العرب، «فكانت معركة المزرعة الّتي قُتل من القوّات الفرنسيّة أعداد كبيرة، وكسب الثّوّار من السّلاح، والعتاد الشّيء الكثير عوّضهم عمّا خسروه في هذه الثّورة، وكانت عونًا لهم في مواصلة الجهاد ضدّ المستعمر الفرنسي، أمَّا خسائر الثّوّار في هذه المعركة فكان ثلاثمائة وإحدى وأربعين شهيدًا، عدا الجرحى والّذين أصيبوا بعاهات دائمة، وكان عدد الثّوّار الّذين شاركوا في هذه المعركة لا يتجاوز عددهم الأربعة آلاف مقاتل من مختلف قرى الجبل».
بعد معركة المزرعة عاد الجنرال ميشو لمقابلة المفوّض السّامي سراي، وقدّم له تقريرًا عن المعركة، وأنّ فلول القوّات الفرنسيّة المتبقّية غير قادرة على القيام بأيّ حركة جديدة ضدّ الثّوّار في الجبل، عندها قام الجنرال سراي بإرسال رسالة إلى باريس يطلب فيها إرسال نجدات عسكريّة سريعة لإصلاح هذه الحال، وأرسل إلى سلطان باشا الأطرش يطلب الهدنة، وإرسال مطالبهم.
عندما علم أعضاء حزب الشّعب بالمفاوضات بين سلطان باشا الأطرش، والفرنسيّين، وصل وفد منهم إلى الجبل للقاء سلطان باشا الأطرش، والعدول عن الاتّفاق مع الفرنسيّين، وكان يتألّف من عبد الرحمن الشهبندر، وجميل مردم (١٨٨٨-١٩٦٠م)، وسعد الدّين المؤيد، وتمّ الاتّفاق بين الطّرفين على توحيد العمل بين دمشق، والجبل، وأن لا يعقد أحد الطّرفين صلحًا منفردًا من دون الآخر مع الفرنسيّين، «وعندما علم الفرنسيّون بما جرى في الجبل من اتّفاق عن طريق جواسيسهم قاموا بملاحقة أعضاء حزب الشّعب، فقاموا بحملة اعتقالات كبيرة في صفوف الحزب، ونفوا بعضهم إلى جزيرة أرواد، وقسم منهم إلى الحسكة، وقد نجح آخرون في الفرار إلى الجبل».
امتدّت الثّورة إلى حماه، وظهر من قوادها منير الريس، وفوزي القاوقجي، وقد أراد
الثّوّار توسيع نطاق الثّورة لتخفيف الضّغط على الجبل، فغادر حسن الخراط (١٨٦١-١٩٢٥م) مع رجاله الجبل إلى غوطة دمشق، وانضمّ إليه نسيب البكري مع رجاله مؤلّفين قوّة كبيرة تحصّنت في منطقة بالقرب من دمشق تسمّى الزّور الأعلى، واشتبك معها الثّوّار في الرّابع عشر من تشرين الأوّل ١٩٢٥م. انتهت المعركة الّتي سمِّيت بمعركة الزّور الأولى بانسحاب القوّة، مخلّفة وراءها القتلى، والأسرى، ومنهم قائدها رفيق العظمة، وغنم الثّوّار تسع وعشرين حصانًا، وفي السّابع عشر من تشرين الأول جرّد الفرنسيّون حملة كبيرة مؤلّفة من ثمانية آلاف جندي، ومجهّزة بالمصفّحات، والرّشّاشات الثّقيلة لملاحقة الثّوّار في الغوطة، والقضاء عليهم، وتركها الثّوّار حتّى تدخل بين البساتين، ولا يكون لها حرّيّة في الحركة بسبب طبيعة الغوطة الجغرافيّة، وكثرة مسطّحاتها المائيّة، ووفرة أشجارها، ونصب الثّوار لهذه الحملة كمينًا استطاعوا من خلاله قتل الكثير من أفراد الحملة، وغنموا أسلحتهم، وعتادهم كانت لهم عونًا في معاركهم التّالية، وسمّيت هذه المعركة بالزّور الثّانية.
لقد أيّد الشّعب في دمشق الثّورة، وكانوا ينقلون الأخبار عن المدينة للثّوّار، ويقدّموا
لهم المعونات المختلفة، ويخبرونهم عن ضعف القوّة العسكريّة الفرنسيّة، ومخافرها في المدينة، وبدأت القوّات الفرنسيّة تتحصّن بالقلعة، والمناطق الغربيّة البعيدة من الثّوّار، وعندما رأت سلطات الانتداب أنّ بعض الدّمشقيّين انضمّوا إلى الثّورة، والبعض الآخر يمدّونهم بما يحتاجونه؛ وطلبت من العائلات الفرنسيّة، وجميع الأسر الأوروبيّة بالتّجمّع في المؤسّسات العسكريّة، ممّا جعل سكان دمشق يشعرون بالخوف على مصيرهم من انتقام الفرنسيّين، «فأصدر الجنرال سراي أوامره لقوّاته بقصف دمشق، فوجّهت القوّات الفرنسيّة نيران طائراتها، ومدافعها، ونيران مصفّحاتها، ورشّاشاتها على أحياء دمشق، وخاصّة حيّ الميدان، فقد ظلّت الطّائرات الفرنسيّة تقصف أحياء دمشق بوحشيّة لا مثيل لها، وتقتل البشر، وتدمّر الحجر»، وكانت حصيلة القصف مقتل ألف وأربعمائة وستّ وخمسون شخصًا بينهم مئتان وستة عشر امرأة، ومئة وسبع وسبعون طفلًا كما تمّ حرق ألف دار، وكان لقصف دمشق أبلغ آثار الشّجب، والاستنكار العربيّ، والعالميّ لهذه الجريمة البشعة بحقّ الإنسانيّة، وأدّى هذا العمل الوحشيّ إلى تهديد مصالح فرنسا في المشرق العربيّ، ممّا دفع فرنسا لاستدعاء الجنرال «سراي» إلى فرنسا، وتعيين هنري دي جوفنيل (Henri de Jouvenel) مندوبًا ساميًّا جديدًا في سوريّة.
بعد أن خفّت المعارك في الغوطة، انتقل سعيد العاص، وفوزي القاوقجي إلى النبك متّخذين منها مركزًا للثّورة في القلمون، وعندما علمت السّلطات الفرنسيّة بوجود الثّوّار في النبك جرّدت حملة كبيرة بقيادة الجنرال مارتي (Marty)، «وكانت مؤلّفة من أربعة آلاف من المشاة، وألف من الخيّالة، وثماني مدافع، وثماني مصفّحات، وسبعين
رشاشًا، وكان عدد الثّوّار في تلك المنطقة لا يتجاوز ثمانمائة ثائر، اشتبك الطّرفان في معركة حامية، فصبّت المصفحات قذائفها على الثّوّار الّذين انسحبوا إلى النبك».
أمَّا معارك مجدل شمس، فكانت ملاحم سجّلها التّاريخ حيث عقدت الرّاية لزيد الأطرش يؤازره كوكبة من الثّوّار الأبطال من الجبل، وكانت الحملة مؤلّفة من ألف وخمسمئة مجاهد بين مشاة، وخيّال، وصلت الحملة إلى الإقليم في أواخر تشرين الأوّل ١٩٢٥م متّخذة من قرية مجدل شمس قاعدة لها، ثمّ توجّهت إلى وادي التّيم، ودخلت حاصبيا الّتي انسحب منها الفرنسيّون عندما سمعوا بوصول الثّوّار، ثمّ توجّه الثّوّار إلى قرية كوكبا، ودخلوها في الحادي عشر من تشرين الثّاني، ثمّ دخل الثّوّار مرجعيون في الخامس عشر تشرين الثّاني، «واتّجه الثّوّار إلى راشيّا الّتي وصلوها في العشرين من تشرين الثّاني، حيث لجأ الجند الفرنسيّين فيها إلى قلعتها لتحميهم من الثّوّار، ودخلت القوّات الفرنسيّة حاصبيا في الخامس من كانون الثّاني ١٩٢٦م إثر معركة مع الثّوّار استشهد فيها ثمانية وثلاثون شخصًا من الثّوار، وأراد الفرنسيّون استثمار هذا النّصر متّجهين صوب مجدل شمس الّتي لجأ إليها الثّوّار القادمين من وادي التّيم، وهاجم الفرنسيّون مجدل شمس بالطّائرات، والمدافع، والمصفّحات، واشتبكوا مع الثّوّار في معارك ضارية، وتمكّن الثّوّار من إلحاق الهزيمة بالفرنسيّين الّذين لحقت بهم خسائر جسيمة رغم استشهاد عدد من الثّوّار».
لقد حاول المفوّض السّامي الفرنسي «دوجوفنيل» الكثير من المساعي من أجل إيقاف الثّورة، ولكن لمصلحة فرنسا، وليس لمصلحة الشّعب السّوريّ، وحقوقه الشّرعيّة في الوحدة، والاستقلال، وحاول فصل جبل العرب عن أهلهم في سوريّة، وإظهارهم فئة، ودولة مستقلّة لوحدهم، ولكنّه فشل في المساعي كافّة، سواء في القاهرة، أم لبنان، أم سوريّة، ولذلك كان رأيه في النّهاية العودة إلى القمع، والشّدّة، فأرسل إلى فرنسا يطلب معونتها بقوّات كبيرة لتعزيز موقفه، وجاءته الإمدادات، وعزّزت بمئة ألف جنديّ، وأحدث المعدّات الحربيّة من طائرات، ومصفّحات، ورشّاشات، كما شكّل كتائب لإيقاف الثّورة، ولقد ظنّ الكثيرين بأنّ «دوجوفنيل» كونه مدنيًّا، سوف يكون أخفّ وطأة ممّن سبقه من العسكريّين، ولكنّه أثبت أنّه لا فرق بين مدنيّ، وعسكريّ طالما أنّ الفرنسي خارج حدود بلاده.
اقتنع الفرنسيّون بأنّه للقضاء على الثّورة يجب الاستيلاء على مجدل شمس، ولذلك حشد الفرنسيّون قوّات كبيرة للسّيطرة على مجدل شمس، فانسحب الثّوّار باتّجاه منطقة اللّجاة، وبينما كانت القوّات الفرنسيّة تهاجم الثّوّار في مجدل شمس، وتضطرّهم للانسحاب إلى اللّجاة، وتشغلهم هناك؛ كانت تجهّز حملة كبيرة للسّيطرة على السّويداء عاصمة جبل العرب، وكان هذا تكتيك مخادع من سلطة الانتداب، «وكان في قيادة الحملة الجنرال أندريا (Andrea) الّذي كان يقود قوّاته في الثّالث والعشرين من نيسان ١٩٢٦م باتّجاه السّويداء تتقدّمه الطّائرات الّتي أغارت على قرى أمّ الرّمان، وصلخد، وعرى، والمدافع تطلق قذائفها، وتتقدّم الحملة، وعندما اقتربت الحملة من السّويداء
انصبّت عليها نيران الثّوّار، وقذائف مدفعان كان الثّوّار قد غنموهما من الفرنسيّين على جنبات القلعة، وقد أحدثت خسائر كبيرة في القوّات الفرنسيّة».
«ونتيجة الظّروف الّتي ألمّت بالثّوّار من نقص في الأموال، والعتاد، اتّفق الثّوّار على المحافظة على نسق الثّورة، ومشاغلة الفرنسيّين في مختلف المناطق السّوريّة، حتّى لا يعتقد الفرنسيّين بأنّ الثّورة قد انتهت، ويضطرّ الفرنسيّون في النّهاية إلى الجلوس على طاولة المفاوضات لتحقيق السّلام في سوريّة».
لقد كان للثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م بُعدًا عربيًّا برز من خلال الدّعم العربيّ المادّي، والمعنوي، بغضّ النّظر عن العرب المقيمين بسوريّة، فشكّل ذلك تطوّرًا في إطار الوعي القومي العربيّ، وأحدثت الثّورة صدى كبيرًا في بعض الدّول العربيّة.
في لبنان لم ينتظر وطنيّو لبنان أن تصل الثّورة إليهم بل قاموا بالالتحاق بها، وقد تمكّن ثوّار لبنان بقيادة زيد الأطرش من تحرير مناطق كبيرة، واجتازوا الحدود بين الدّول الّتي رسمها المستعمر الفرنسيّ، ثمّ قطعوا طريق بيروت-دمشق، ونتيجة لذلك سعت سلطات الانتداب إلى مقاومة الثّورة في الجنوب اللّبنانيّ، «وتوجّه المجاهد «سعيد العاص» مع رجاله إلى «الضّنّيّة»، فاشتبكوا مع الفرنسيّين في قرية «كفر حبوا»، وهزموا الفرنسيّين هزيمة نكراء أذهلتهم، وعندما وصل الثّوّار إلى قاعدة «الضّنّيّة» ألَّفوا حكومة نظاميّة هناك، وأعطوا للمجاهدين مرتبات، فالمجاهد المنظّم كان يقبض ثلاثة دنانير فرنسيّة،
وللقائد أربعة دنانير، وللشّرطي ديناران، وكان من أبرز العائلات الّتي دعمت الثّورة عائلتيّ «شنديب»، و«شوك»».
إنَّ بعض اللّبنانيّين تجاوزت مقاومتهم في مطالبتهم بالوحدة مع سوريّة السّلطات الفرنسيّة، إلى المنظّمات الدّوليّة، فقد أرسل أحد نوّاب بيروت في المجلس التّمثيليّ، وهو «أحمد الدّاعوق» برقيّة إلى عصبة الأمم، والمفوّض السّامي الفرنسيّ باسم نواب بيروت، وطرابلس، والبقاع، وصيدا، جاء فيها:
«إنَّ فريقًا من نواب بيروت، وطرابلس، وصيدا، والبقاع كونهم أقلّيّة عدديّة إلّا أنّهم يمثّلون أكثرية السّكّان الّذين منهم الجمهوريّة اللّبنانيّة، قد قدَّما أثناء المناقشة في الدّستور اللّبنانيّ اقتراحًا احتجّوا فيه على ضمّ الأراضي الّتي يمثّلونها إلى لبنان من دون أن يُؤخذ رأي الأهالي في ذلك الضّمّ، فهم يطلبون أن تُؤلّف هذه الأراضي دولة مستقلّة إداريّة مرتبطة باتّحاد لا مركزيّ مع لبنان القديم، وسوريّة».
وفي العراق كان صدى الثّورة السّوريّة الكبرى فيها ليس بالكبير، حيث لم يتحرّك إلّا قليل من الشّعراء، وبعض الشّباب المتحمّسين، ومع ذلك فقد قدّم العراقيّون للثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م ما أمكن لهم من مساعدات سرّيّة دعمًا للثّوّار السّوريّين، كما أصبح ملجأ يلجأ إليه المجاهدون السّوريّون الهاربون من القصف، والتّعسّف الفرنسيّ.
أمَّا موقف إمارة شرق الأردن، فكان صدى الثّورة السّوريّة الكبرى مختلفًا نوعًا ما، إذ كان موقف الأمير «عبد الله (١٨٨٢-١٩٥١م)» مزدوجًا، فأظهر عدم تعاونه مع الثّوّار السّوريّين لكونه حاكمًا تحت سيطرة الانتداب البريطانيّ، ولكنّه احتفظ بالاتّصالات
السّرّيّة مع سلطان باشا الأطرش، وعبد الرحمن الشهبندر، وغيرهم من أجل دعم الثّورة، وقامت سلطة الانتداب البريطانيّ بإعلان موقفها المعادي للثّورة منذ قيامها، وعملت على الضّغط على الحكومة الأردنيّة لطرد كلّ من «حسن»، و«سعيد حيدر» اللّاجئين السّوريّين، وطلب قائد الجيش الأردني «بيك باشا» من زعماء العشائر في «إربد» عدم مساعدة الثّورة، وأصدرت الحكومة بلاغًا في العشرين من أيلول ١٩٢٥م بمنع عبور الحدود بين الأردن، وسوريّة من غروب الشّمس إلى الفجر، كما اجتمع الأمير عبد الله، وبيك باشا مع شيوخ العشائر في عمان، وألقى عليهم الأمير عبد الله، ورئيس الحكومة علي رضا الرّكابي نصائح، وأخذت عليهم تعهّدات بعدم التّدخّل، ومساندة الثّورة، حيث إنّ الأمير عرض على الحكومة الفرنسيّة إخماد الثّورة فيها مقابل جلوسه على عرش سوريّة، ولأجل منع انتشار الثّورة إلى شرق الأردن، أصدرت رئاسة النّظَّار بلاغًا جاء فيه :
«أنّه يجب على كلّ مسافر من سوريّة إلى شرق الأردن التّأشير على جوازه من قبل القنصل البريطانيّ في دمشق، حيث سيقوم رجال الشّرطة، والدّرك في الإمارة بمراقبة الجوازات في القطارات الآتية من سوريّة، وإنزال كلّ من لم يكن جوازه حاملا تأشيرة القنصل البريطانيّ في دمشق من القطار».
أقلق بريطانيا أن تصبح هذه الإمارة ملجأ للثّوّار السّوريّين الّذين يدخلون الأراضي السّوريّة، ويسبّبون المشاكل للانتداب الفرنسيّ، وينسحبون إلى أراضي إمارة شرق الأردن إذا ما ضغط عليهم من قبل القوّات الفرنسيّة، فخيّروه بالتّخلّي عن الثّوّار السّوريّين أو عرشه، فقبل الخيار الثّاني، وفرضت بريطانيا ضبّاطًا بريطانيّين يشرفون على جميع القوّات العسكريّة الموجودة في البلاد، ويقفون حائلًا لما قد يتعارض مع المصالح البريطانيّة، أو
يعارض سياستها، وتوجّهاتها، حتّى لو كان الأمر يتعلّق بالفرنسيّين في سوريّة لا بالإنكليز في فلسطين.
كان موقف فلسطين واضحًا وداعمًا، فقد أراد أهل فلسطين القيام بمظاهرة تأييد لسوريّة، فمنعتهم الحكومة من ذلك ممّا أدَّى إلى احتجاج اللّجنة التّنفيذيّة في القدس على ذلك، ودعوا المسلمين إلى الدّعاء بعد صلاة الجمعة في الثّامن عشر من أيلول عام ١٩٢٥م، والمسيحيّين إلى قدّاس يوم الأحد في العشرين من الشّهر نفسه للابتهال إلى الله لدعم الثّورة، والشّعب السّوريّ ضدّ الاحتلال الفرنسيّ، «كما قام أهالي فلسطين بالاحتجاج، والإضراب عند مرور الضّابط الفرنسيّ «دجوفنيل» من أراضيهم، وكتب البعض على جدران القدس «ليسقط المسيو دجوفنيل جلاَّد سوريّة».
أمَّا موقف الجزائر؛ فقد قام الجزائريّون بدور كبير أثناء قيام الثّورة السّوريّة الكبرى، وذلك من خلال إسهامهم في استقطاب عدد كبير من الجزائريّين في الجيش الفرنسيّ، ولقد تكلّف بهذه المهمّة الشّيخ «عبد القادر المبارك»، والّذي تمكّن من إقناع العديد من الجزائريّين في الجيش الفرنسي على تقديم يد المساعدة للثّورة السّوريّة الكبرى، ومن هؤلاء قائد الصّبايحيّة الّذي كان يرأسهم الكولونيل «عطاف باشا» الّذي أعطاه السّوريّين لقّب باشا تقديرًا لخدماته القوميّة.
كما قام الأمير عزّ الدّين الجزائريّ بالمساهمة في الحركة الوطنيّة السّوريّة، فهو عندما اندلعت هذه الثّورة ترك مقاعد الدّراسة في بيروت، وألتحق بالجبهة الجهاديّة إلى جانب إخوانه السّوريّين، حيث يقول عنه المجاهد السّوريّ سعيد بك العاص:
«لقد اشتركت معه في معارك كثيرة، وكانت له اليد الطّولى في مجرى الثّورة السّوريّة نظرًا لشدة تفانيه، وإقدامه على العمل، وكان أوّل الأبطال إقدامًا على الإعداد، وآخرهم إحجامًا، وانسحابًا عند الضّرورة».
لقد أظهرت مصر عطفها الشّديد على ما يحصل في سوريّة على يد الاحتلال الفرنسيّ، وكان المصريّون يمدّون يد العون لأشقّائهم السّوريّين متى احتاج الأمر، وبدا ذلك واضحًا عند لقاء الزّعيم الشهبندر مع الزّعيم زغلول أثناء زيارته لمصر في آذار ١٩٢٧م، فأخذ الزّعيم سعد زغلول يناضل عن الزّعيم السّوري، ويدافع، ويحامي، ويصمد أمام الدّولتين العظمتين، ويؤكّد حقّ الشّعب السّوريّ في الحرّيّة، والاستقلال.
أمَّا بالنّسبة للسّعودية الّتي لجأ إليها الثّوّار بعد نهاية الثّورة السّوريّة الكبرى فقد عاملت الثّوّار هي وعشائر المنطقة معاملة طيّبة، وقدّموا حفاوة، واستقبال، وكرم كبير للثّوّار، ولكن حاول السّعوديّون تجريد الثّوّار من سلاحهم لضرورات أمنيّة، ولكنّ الثّوّار رفضوا تسليم سلاحهم، وطلبوا من المندوب السّعودي نقل رفضهم لعبد العزيز آل سعود، ولقد عملت السّعوديّة لمحاولة ترحيل الثّوّار إلى داخل المملكة بحجّة المحافظة على الثّوّار، وتجنيبهم خطر هجمات البدو المتكرّرة، فرفض الثّوّار ذلك، وقد حاول الفرنسيّون التّقارب مع السّعوديّين ضدّ الثّوّار، ممّا دفع قيادة الثّوّار لإقناع السّعوديّين بحيادهم، واحترام القوانين في السّعوديّة، وقد نجحت مساعي قيادة الثّورة عن طريق الوساطات الّتي اجتمعت مع السّياسيّين السّعوديّين في زرع الأثر الإيجابيّ في نفس العاهل السّعودي، ممّا زرع الشّعور بالطّمأنينة لدى الثّوّار، وعائلاتهم خوفًا من المضايقات الّتي كانت قد تحصل لهم بعد محاولة فرنسا التّقارب مع السّعوديّة.
لقد اعتقد الفرنسيّون أنَّ بريطانيا هي الّتي كانت تمدّ الثّوّار السّوريّين حتَّى تمكّنت الثّورة من الاستمرار كلّ هذا الوقت، ومن أبرز رجال السّياسة الفرنسيّة الّذين تبنّوا هذا الرّأي، وأخذوا يقنعون به الرّأي العامّ الفرنسي هما: الجنرال «سراي»، والجنرال «غاملان»، وفي واقع الأمر كانت تلك الأمور نوع من الذّرائع الّتي أمل من خلالها الضّبّاط الفرنسيّون أن يغطّوا فشلهم الذّريع أمام الثّورة السّوريّة الكبرى، فقد حاولا إقناع الرّأي العام الفرنسيّ، ووزارة الحربيّة الفرنسيّة بهذا الادّعاء، وكانوا يدعمون أكاذيبهم، وادّعاءاتهم بتقارير لا صحّة لها، وأقوال باطلة بعيدة كلّ البعد من الحقيقة، وقد أرسل الجنرال سراي رسالة إلى صديق له في الخامس والعشرين من آب كتب فيها: «أنا لا أعتقد بأنّ للبلشفيّة بدًا في الحوادث الأخيرة، بل إنّ التّدخّل الفعليّ هو من الجانب البريطانيّ، وأستطيع البرهان على ذلك»، ومن يرى مذكّرات الجنرال سراي يرى بأنّه قد وضع وثائق وضعًا لكي يثبت افتراءاته تلك، وهذا يدلّ على أنّ الفرنسيّين كانوا يريدون تبرير هزيمتهم أمام الثّوّار السّوريّين على أنّها تمّت بتدخّل طرف أجنبيّ أمام الرّأي العام الفرنسيّ، وأنّ الشّعب السّوريّ هو راض عن وجود الفرنسيّين في بلادهم غير مستثقلين ظلّه، ولا متبرّمين من وجوده في بلادهم، وإنّ الثّورة السّوريةّ الكبرى ما كانت لتندلع لولا تدخّل هذا الطّرف الأجنبيّ.
أمَّا الموقف البريطاني، فقد أثبتت الوقائع أنَّ البريطانيّين قاموا في تلك الفترة يضغطون على الثّوّار السّوريّين، وكل ذلك من أجل إرضاء الفرنسيّين، فالتّدابير الّتي اتّخذتها بريطانيا في الشّرق العربيّ حالت دون تخطّي الثّوّار للحدود السّوريّة من خلال التّشديد الأمني على الحدود السّوريّة الجنوبيّة من ناحية الأردن، وعلى العكس تمامًا فقد ضيّقوا الخناق على الثّوّار، وأرسلوا الدّبّابات، والمصفّحات لتحقيق هذا الغرض، «وإنّ أبرز الدّلائل
الّتي تظهر خداع الضّبّاط الفرنسيّين للرّأي العام في بلادهم هو أنّ بريطانيا أصدرت إنذارًا لكلّ من الثّائرين حسن الحكيم، والمحامي سعيد حيدر بوجوب مغادرة عمَّان عندما وصولها في الرّابع عشر من أيلول ١٩٢٥م، فذهبا إلى معان الّتي كانت تابعة للحجاز حينها، كما أنَّ بريطانيا ألقت القبض على «جميل مردم» عندما كان في حيفا في أيلول في العام نفسه، وكذلك؛ قام الأمير عبدالله بجمع شيوخ شرقي الأردن، وأقنعهم بعدم التّدخّل بالثّورة السّورية الكبرى، وهدّدهم بالعقاب في حال المخالفة»، «وقد استطاع الفرنسيّون بمساعدة الكولونيل برسي كوكس (Percy Cox) المعتمد البريطاني في عمان، والكولونيل سترادفورت (Stradfort) قائد الطّيران البريطاني في الأزرق القبض على «عبد الغفّار الأطرش»، و«علي الأطرش»، و«أسد الأطرش»، و«متعب الأطرش» بعد أن استسلموا لها بمعونة بريطانيا».
أمَّا الولايات المتَّحدة الامريكية انحصرت عنايتها في المحافظة على أرواح الرّعايا الأمريكان في حال امتداد الثّورة إلى السّاحل، واكتفت بإرسال مدمّرتين مكثتا شهرًا كاملًا في المياه اللّبنانيّة.
أمَّا تركيا الّتي كانت تحلم بوراثة فرنسا عندما احتلّت فرنسا دمشق، ووقّعت مع تركيا معاهدة سيفر الّتي تقضي بتقسيم تركيا، وتخلّيها عن أملاكها في المنطقة العربيّة، فمنذ ذلك الوقت أصبحت العلاقة بين فرنسا، وتركيا كدولة انتداب على سوريّة اللّتين اتّفقتا على ترسيم الحدود، حيث إنّ العلاقة بين الحركة الكماليّة، والثّورة السّوريّة الكبرى تأثّرت باتّفاق الكماليّين مع فرنسا، فنقض الكماليّون اتّفاقهم مع قادة الثّورة السّوريّة الكبرى، وامتنعوا عن تمرير الأسلحة بل تعاونوا مع فرنسا ضدّ الأخيرة، وتفاوتت إثر ذلك علاقات
تركيا مع الدّول العربيّة بين تجاذب، وتنافر.
عندما وصل دوجوفنيل إلى سوريّة، ورأى خطورة الوضع سارع بالسّفر إلى تركيا لمقابلة وزير الخارجيّة التّركي في الثّامن عشر من شباط ١٩٢٦م، وإجراء مفاوضات معه لأنّه خشي من أن تقوم تركيا بمساعدة الثّوّار ضدّ فرنسا، فكانت محاولته هذه لقطع الطّريق على أيّ تعاون سوريّ تركيّ، وبالتّالي تطويق الثّورة السّوريّة الكبرى؛ فتوصّل الطّرفان إلى اتّفاق مبدئي، ثمّ جرت مجموعة من المفاوضات بين الطّرفين: الفرنسيّ، والتّركي، أفضت إلى توقيع اتّفاق في أنقرة بين الطّرفين سمّي اتّفاق حُسن الجوار السّوريّ التّركيّ في الثّلاثين من آيار ١٩٢٦م، وكانت هذه الاتّفاقيّة الّتي عقدتها فرنسا مع تركيا مؤلّفة من خمسة مواد من أهمّها ما يخصّ بأمور الحدود، وتوزيع مياه الفرات بين الطّرفين، والعوائد الجمركيّة، وسكّة الحديد، والقضاء على التّهريب على طرفيّ الحدود، ومنع تسلّل العصابات الّتي تهدّد سلامة البلدين، ومحاربتها، وعدم دعمها، «ولقد أعرب «دوجوفنيل» عن إعجابه بالطّريقة المرضية الّتي اتّبعتها الحكومة التّركيّة، ورغبتها بحلّ المسألة بطريقة مرضية لكلّ مادّة من المواد الّتي سارت عليها المفاوضات، وتوقيع اتّفاقيّة الصّداقة، وحسن الجوار بين السّيّد «دوجوفنيل» المندوب السّامي الفرنسي، والحكومة التّركيّة».
وأخيرًا؛ لقد قامت فرنسا بتقديم الكثير من التّنازلات لتركيا على حساب سوريّة وأراضيها، حتّى لا تعمل تركيا على دعم ثوار الثّورة السّوريّة الكبرى مادّيًّا، ولوجستيًا، ومحاولة تطويق هذه الثّورة، ومنع الثّوّار من اللّجوء للأراضي التّركيّة بهدف القضاء عليها.
بالنّسبة لعصبة الأمم الّتي كانت ترفع إليها التّقارير عن الوضع السّوريّ، وتجتمع مع الوفود السّوريّة، ففي الرّابع والعشرين من شباط في عام ١٩٢٦م كان يذاع في العاصمة الإيطاليّة، بأنّ رئيس لجنة الانتدابات المركيز يتودلي (Marquis Ettodley) اجتمع بالوفد السّوريّ لأربع مرّات، وقد تبلغ من الوفد ببرقيّتين من القاهرة تتناولان الأحداث الّتي
تجري في سوريّة، والآلام الّتي يعانيها الشّعب السّوريّ، وقد قال رئيس لجنة الانتدابات في الجلسة في ذلك اليوم:
«أنّ عصبة الأمم لم تتعرّض إلى توزيع الانتدابات، وبذلك لم يعد بيد لجنة الانتدابات حلّ المشكلة السّوريّة، ورغبتهم بإلغاء الانتداب، أو تعديله، ولا أن يأخذ ذلك بنظر الاعتبار على أنّ ثلاثة من المندوبين في اللّجنة شاؤوا أن يجري البحث فيما ذكر بشأن سوريّة، ولكنّ الأكثريّة لم توافق على ذلك، ولم تعتد بما ارتأوه، وفي السّادس من آذار رُفض عقد اللّجنة الانفضاض» واتّخذت تقريرًا فصّلت فيه خلاصة مناقشاتها.
يدلّ ممّا سبق؛ أنّ فرنسا، كانت واسعة النّفوذ في أروقة عصبة الأمم، حيث كانت وجهة نظرها هي الأقوى، حيث كانت اللّجنة الدّائمة للانتدابات تحيل العرائض الواردة عليها إلى مندوب فرنسا، «كما أنّ هذه اللّجنة قامت بإهمال العرائض الواردة إليها عن المهاجرين العرب باعتبار أنّ هؤلاء المهاجرين قد فقدوا الاتّصال المباشر ببلادهم الأصليّة».
جاءت الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، نتيجة لما سبقها من أحداث، ونتيجة حتميّة للضّغط الّذي خلّفته السّياسة الفرنسيّة في سوريّة، بمشاركة مختلف فئات المجتمع، وطبقاته، ورغم عدم تكافؤ القوّة السّوريّة والفرنسيّة؛ ولكنّ الثّوّار السّوريّين تمكّنوا في البداية في عدّة معارك من تحقيق الانتصار على الجانب الفرنسي ما زاد من ثقتهم، وشكّل عامل جذب للمزيد لصفوف الثّورة، وبيّنت الثّورة الوحدة بين أبناء الوطن، فقد انطلقت شرارتها بالجبل، وتبنّتها باقي المناطق السّوريّة، وتعاون فيها المسيحيّون الرّافضون لفرنسا مع إخوانهم المسلمين للدّفاع عن سوريّة.
كشفت أحداث الثّورة مدى قدرة، وتمكّن الزّعماء الوطنيّين الّذين تبنّوا الكفاح المسلّح إلى جانب الحراك السّياسي، فظهرت أسماء وطنيّة كان لها الصّدى، والدّور داخل، وخارج الوطن في كتابة هذا الفصل من تاريخ سوريّة الحديث، على غرار سلطان باشا الأطرش، وعبد الرحمن الشهبندر، وسعد الله الجابري، وشكيب أرسلان، وغيرهم كثير.
كلّفت الثّورة السّوريّة الكبرى فرنسا الكثير من مواردها البشريّة، والمادّيّة، «فقد بلغ عدد القتلى، والمفقودين حوالي ألفين من الجنود الفرنسيّين، والأجانب، وبالإمكان إضافة هذا الرّقم إلى ستّة آلاف وسبعمئة جنديّ فرنسيّ لقوا حتفهم أثناء محاولات تهدئة سوريّة من الاحتلال عام ١٩٢٠م، وحتّى نشوب الثّورة السّوريّة الكبرى ١٩٢٥م، وكانت الخزينة الفرنسيّة تعاني من أصعب أزمة ماليّة عرفتها فرنسا منذ ما يقارب قرن من الزّمن، فقد كان على الخزانة الفرنسيّة أن تساهم بنحو خمسمئة مليون فرنك فرنسي للإنفاق على الجيش الفرنسيّ في سوريّة بعد أن تمّ تعزيز القوّات الفرنسيّة فيها».
لا يمكن تقدير الخسائر العينيّة الّتي لحقت بسوريّة بالمال، وبخاصّة خسائر مدينة دمشق الّتي ضمّت بعض التّحف الأثريّة في جامع السّنانيّة، وقصر العظم، وعدّة قصور قديمة في حييّ: الميدان والشّاغور، وأصاب الحريق النّاجم عن قصف أحياء بكاملها من قبل المدفعيّة، والطّائرات الفرنسيّة، كما حصل في حي (زقاق سيدي عامود) الّذي أصبح يسمّى منذ ذلك اليوم بحي الحريقة.
أنَّ الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م لاقت صدىً دوليًّا، ومن ذلك إسماع صوت سوريّة عاليًا في كواليس عصبة الأمم عن طريق الصّحافة الدّوليّة النّظيفة، وبما قدّمه وفد
المؤتمر السّوريّ-الفلسطينيّ الّذي كان برئاسة ميشيل لطف الله من دعم، وخدمات، فقد عمل وفد هذا المؤتمر بتعاون وثيق مع الوفد السّوريّ غير الرّسميّ الّذي كان يضم إحسان الجابري، وشكيب أرسلان في مقرّ العصبة، كما أجبرت الحكومة الفرنسيّة للعمل على تعيين مفوّضين ساميّين مدنيّين (دي جوفنيل – هنري بونسو – دي مارتيل) بدلًا من القادة العسكريّين (غورو- ويغان – سراي)، وكان لهذا تأثير في تبديل الإدارة العسكريّة إلى الإدارة المدنيّة، وكذلك كانت الثّورة سببًا في تنشيط أعمال الأحزاب اليساريّة الفرنسيّة الّتي كانت تهاجم الاستعمار، والرّأسماليّة بكلّ عنف، والدّليل.
اضطرّت فرنسا إلى الموافقة على إجراء انتخابات فازت فيها المعارضة الوطنيّة بقيادة إبراهيم هنانو، وهاشم الأتاسي (١٨٧٥-١٩٦٠م)، كما أجبرت فرنسا على إرسال خيرة أبرز قياديها خبرة في الحرب العالميّة الأولى مثل الجنرال (غاملان) بعد تزايد قوّة الثّوّار، وانتصاراتهم، ومهّدت لخروج الفرنسيّين نهائيًّا من سوريّة عام ١٩٤٦م[4].
قام السّوريّون بالثّورات على الرّغم من معرفتهم بالفروق بينهم، وبين الفرنسيّين من حيث العدّة، والعتاد، فهم يناجزون دولة استعماريّة مجهّزة بالمدافع، والمصفّحات، والطّائرات، وتمتلك مستعمرات في مناطق كثيرة من العالم، ومع ذلك علَّم الثّوّار رغم قلّة عددهم الفرنسيّين دروسًا في التّضحية، والبطولة، والفداء، وهزموهم في أكثر من موقعة، وكبدوا القوّات الفرنسيّة خسائر كبيرة ممّا دفع جنرالات فرنسا للطّلب من دولتهم بإمدادهم بالجنود، والعتاد، ومع ذلك استمرّت الثّورات، وشغلت الفرنسيّين، وقوّاتهم، وقضَّت مضاجعهم في سوريّة، وأعطتهم درسًا بأنّ سوريّة ليست لقمة سائغة للفرنسيّين الّذين لم يستطيعوا تحقيق أطماعهم، ومآربهم فيها.
أوّلًا- لقد كانت السّنوات الأولى من وجود القوّات الفرنسيّة في سوريّة تدور في سياق مظلم، وكانت تتّصف بالحماقة، وحصدت ما زرعت ثورات متلاحقة من الشّعب السّوريّ على سياستها الاستعماريّة كان أهمّها الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م.
ثانيًا- إنَّ السّياسة الّتي اتّبعتها سلطات الانتداب الفرنسيّ كانت عسكريّة بحتة تنقصها الكياسة السّياسيّة، والحنكة، وبُعد النّظر، والدقّة، وينقصها الاهتمام برغبات الشّعب السّوريّ، فقد طبّقت فرنسا في سوريّة كلّ ما تمليه عليها عقليتها الاستعماريّة من سياسة في التّعامل مع القوى الوطنيّة.
ثالثًا- شملت الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م مختلف المناطق السّوريّة على الرّغم من تفتيت فرنسا لسوريّة، وتقسيمها إلى دويلات طائفيّة، ولكن ذلك لم يمنع الشّعب السّوريّ من الوقوف صفًّا واحدًا في مواجهة الاستعمار الفرنسيّ الّذي دخل إلى سوريّة بصيغة الانتداب.
رابعًا- كانت الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م ثورة قوميّة بامتياز، فقد شارك فيها مقاتلين من الدّول العربيّة، كما شارك مجاهدين عرب كانوا في البداية قادمين مع الجيش
الفرنسيّ من المستعمرات الفرنسيّة في الوطن العربيّ، ولكنّهم تركوا الفرنسيّين، وانضمّوا إلى الثّوّار السّوريّين في ثورتهم ضدّ القوّات الفرنسيّة، ولقد ساعدت الثّوار بعض القوى العربيّة في الأقطار العربيّة المجاورة، والإقليميّة من حيث إمدادها بالمال، والسّلاح، وحتّى بإيصال صوت الشّعب السّوريّ إلى المحافل الدّوليّة، والصّحف الأوروبيّة لمعرفة ما يجري على الأرض السّوريّة.
وفي الختام؛ أثبتت الثّورات السّوريّة للعالم بأنّ الأرض السّوريّة لا يُعّمر على أرضها غزاة عبر التّاريخ، وأنّ الشّعب العربيّ السّوريّ لا يسكت على ضيم، وأثبت للعالم أجمع أنّ قضيّته محقّة، وعادلة، ويحقّ لهذا الشّعب العظيم أن ينال الحرّيّة، والاستقلال بعد أن دفع ثمن هذا الجلاء الآلاف من الشّهداء بين عامي (١٩١٩-١٩٤٦م).
أخيرًا؛ لقد عبَّدت الثّورات السّوريّة (١٩١٩-١٩٤٦م) الطّريق لنيل الشّعب العربيّ السّوريّة حرّيّته، وجلائه، وطرد المحتل الفرنسيّ من أرضه، وسيعمل هذا الشّعب على طرد كلّ محتلّ اغتصب جزءًا من هذه الأرض المقدّسة؛ مهدِ الحضارات، ومهبطِ الدّيانات عاجلًا أم آجل.
1.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٩٥٣م.
2.إسماعيل، حكمت علي، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م) بحث في تاريخ سوريّة الحديث من خلال الوثائق، تقديم: محمد خير فارس، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط١، ١٩٩٨م.
3.آل الجندي، أدهم، تاريخ الثورات السوريّة في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد، دمشق، ١٩٦٠م.
4.برفنس، مايكل، الثورة السوريّة الوطنية وتنامي القومية العربيّة، ترجمة: وسام دودار، دار قدمس، بيروت، ٢٠١٣م.
5.البعيني، حسن أمين، دروز سوريّة ولبنان في عهد الانتداب الفرنسي (١٩٢٠-١٩٤٣م) دراسة في تاريخهم السياسي، المركز العربي للأبحاث والتوثيق، بيروت، ط١، ١٩٩٣م.
6.بيسترون، يان، رحلة يان بيسترون ذكرياتي السوريّة (بيروت – تدمر - دمشق سنة ١٩٢٦م)، ترجمة: نهاد نور الدين جرد، دار التكوين، دمشق، ٢٠٠٩م.
7.بيضة، حسن، أعلام من حلب، منشورات وزارة الاعلام، دمشق، ط١، ٢٠٠٠م.
8.تاريخ الجيش العربي السوري، المجلد الأول (١٩٠١-١٩٤٨م)، مركز الدراسات العسكريّة، دمشق، ط١، ٢٠٠٠م.
9.الجاسر، صالح، أعلام في دائرة الاغتيال، مطابع الخالدي للأوفست، ١٩٩١م.
10.الجنرال أندريا، ثورة الدروز وتمرد دمشق، ترجمة: حافظ أبو مصلح، المكتبة الحديثة للطباعة والنشر، بيروت، ١٩٧١م.
11.الحسين، محمد المحمد، تاريخ الوطن العربي المعاصر (بلاد الشام والعراق ومصر والسودان)، منشورات جامعة حلب، جامعة حلب، ٢٠٢٠م.
12.ــــــــــــــــــــــــــــــ، قراءة جديدة للدولة العربيّة في سوريّة بعد مرور مئة عام (١٩١٨-٢٠١٨م)، مجلة بحوث جامعة حلب، سلسلة الآداب والعلوم الإنسانية والتربوية، العدد ١٢٣، جامعة حلب، ٢٠١٩م.
13.حسين، يوسف، لطفي الحفار ودوره في تاريخ سوريّة (١٨٨٥-١٩٦٨م)، رسالة ماجستير، جامعة الأنبار، العراق، ٢٠٠٩م.
14.الحصري، ساطع، يوم ميسلون، منشورات دار الاتحاد، بيروت، ١٩٦٥م.
15.الحكيم، حسن، الوثائق التاريخية المتعلقة بالقضية السوريّة في العهدين العربي الفيصلي والانتداب الفرنسي (١٩١٥-١٩٤٦م)، دار صادر، بيروت، ١٩٧٤م.
16.الحكيم، دعد، رسائل عبد الرحمن الشهبندر (١٨٧٩-١٩٤٠م) تاريخ أمة في حياة رجل، وزارة الثقافة السوريّة، سلسلة الدراسات التاريخية، دمشق، ٢٠٠٢م.
17.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، دار النهار للنشر، بيروت، ط٢ ،١٩٩١م.
18.خدوري، مجيد، قضية الاسكندرونة، المكتبة الكبرى، دمشق، ١٩٥٣م.
19.خوري، فيليب، سوريّة والانتداب الفرنسي سياسة القومية العربيّة ١٩٢٠-١٩٤٥م، ترجمة مؤسسة الأبحاث العربيّة، بيروت، ط١، ١٩٩٧م.
20.الخوند، مسعود، الموسوعة التاريخية الجغرافية، جـ٢٠، مؤسسة هانياد، لبنان، (د.ت)، جـ١٠.
21.الدبيسي، يوسف سليم؛ مزهر، صلاح قاسم، المذكرات الكاملة للزعيم سلطان باشا الأطرش: القائد العام للثورة السوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧)، (د.ن)، ١٩٩٨م.
22.رباط، أدمون، الثورة السوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م)، تعريب: محمد المجذوب، مجلة تاريخ العرب والعالم، السنة الخامسة، العدد ٥٥، آيار ١٩٨٣م.
23.زرزور، فارس، معارك الحرّيّة في سوريّة، قصة الكفاح الشعبي من أجل جلاء القوات الأجنبيّة، دار الشرق للنشر والتوزيع، دمشق، ١٩٦٢م.
24.الزركلي، خير الدين، الأعلام، دار العلم، بيروت، ٢٠٠٢م.
25.سعيد، أمين، الوطن العربي، دار الهلال، القاهرة، (د.ت).
26.السفرجلاني، محي الدين، تاريخ الثورة السوريّة صفحات خالدة من روائع كفاح العرب في سبيل الحرّيّة والاستقلال والوحدة هي للاستعمار الفرنسي صحائف سوداء، دار اليقظة العربيّة للتأليف والترجمة والنشر، دمشق، ١٩٦١م.
27.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات ثورة سوريّة الكبرى أسرارها وعواملها ونتائجها، تنبّؤات خطيرة عن كارثة فلسطين الحاضرة، دار الجزيرة للصحافة والنشر، عمان، ١٩٤٠م.
28.ــــــــــــــــــــــــــ، مذكرات، دمشق، ط١، ١٩٦٧م.
29.طلاس، مصطفى، أحداث الثورة السوريّة الكبرى كما سردها قائدها العام سلطان باشا الأطرش ١٩٢٥-١٩٢٧م، دار طلاس للدراسات والترجمة والنشر، دمشق، ط١، ٢٠٠٧م.
30.العاص، سعيد، مذكرات القائد سعيد العاص (١٨٨٩-١٩٣٦م) صفحة من الأيام الحمراء، المؤسّسة العربيّة للدراسات والنشر، بيروت، ط١، ١٩٨٨م.
31.عبد الرحيم، جهان بنت إبراهيم شار علي، الآثار السياسيّة والحضاريّة للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام (١٩٢٤-١٩٣٩م)، أطروحة دكتوراه، جامعة أم القرى، السعودية، ٢٠١١م.
32.عبيد، سلامة، الثورة السوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م) على ضوء وثائق لم تنشر، الجامعة الأمريكية، بيروت، ١٩٥١م.
33.العبيدي، أميرة اسماعيل محمد، العلاقات السوريّة التركية ١٩٢٣-١٩٣٩م، رسالة ماجستير، جامعة الموصل، ٢٠٠٣م.
34.عثمان، هاشم، تاريخ سوريّة الحديث، دار رياض الريس، بيروت، ط١، ٢٠١٢م، ص٣٧.
35.عطية الله، أحمد، القاموس السياسي، دار النهضة العربيّة، القاهرة، ط٣، ١٩٦٨م.
36.علاوي، بيداء، السياسة البريطانية تجاه سوريّة (١٩١٨-١٩٣٩م)، رسالة دكتوراه في التاريخ الحديث، جامعة بغداد، العراق، ٢٠٠٨م.
37.العمر، رمضان أحمد، المقاومة الأهليّة في سوريّة ضدّ الانتداب الفرنسي (الثورة السوريّة الكبرى ١٩٢٥-١٩٢٧م أنموذجًا)، مجلة الحداثة، العدد ١٩١-١٩٢، ربيع ٢٠١٨م.
38.العمري، صبحي، ميسلون نهاية عهد، دار رياض الريس للنشر، لندن - قبرص، ١٩٩١م.
39.عياشي، غالب، الإيضاحات السياسية وأسرار الانتداب الفرنسي في سوريّة، مطابع أشقر اخوان، بيروت، ١٩٥٥م.
40.غيث، يوسف جبران، التطورات السياسية في سوريّة (١٩٤٥-١٩٤٩م)، رسالة ماجستير، كلية الآداب، جامعة بغداد، ١٩٨٣م.
41.فرطاس، حسيبة، العدوان الفرنسي على سوريّة آثاره ٢٩ ماي ١٩٤٥م، جامعة محمد خضير بسكرة، الجزائر، ٢٠١٩م.
42.قاسمية، خيرية، مذكرات فوزي القاوقجي (١٩١٤-١٩٣٢م)، دار القدس، بيروت، ١٩٧٥م.
43.قرقوط، ذوقان، الحركة الوطنية في سوريّة (١٩٢٠-١٩٣٩م)، دار الطليعة، بيروت، ١٩٧٥م.
44.ك. و: ملفات البلاط الملكي، التصنيف ٨٨٥/ ٣١١، رقم الملف ٥/ ٦/ ٢، المعاهدة البريطانية العراقية التركية ١٩٢٦م، وثيقة٣.
45.كوبلنز، بول، حقائق ووثائق لم تنشر بعد عن الثورة السوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، تعريب: فريدريك زريق، ١٩٣٦م.
46.الكيالي، عبد الوهاب، موسوعة السياسة، دار الهدى للنشر والتوزيع، بيروت، (د.ت).
47.لوتسكي، فلاديمير، الحرب الوطنية التحررية في سوريّة (١٩٢٥-١٩٢٧م) صفحة
مشرقة من النضال العربي ضدّ الإمبرياليّة الفرنسيّة، ترجمة: محمد دياب، دار الفارابي، بيروت، ١٩٨٧م.
48.ليامنة، سايح، الأثار السياسية للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام (١٩٢٤-١٩٣٩م)، جامعة محمد خضير بسكرة، الجزائر، ٢٠٢٢م.
49.المشرق العربي في مواجهة الاستعمار، مطابع الهيئة المصرية للكتاب، القاهرة، ١٩٧٧م.
50.الملوحي، عدنان، من أيّام الثورة السوريّة ومعارك الاستقلال والجلاء إلى الحروب والأحداث الكبرى العربيّة والعالميّة، المطبعة التعاونية، دمشق، ٢٠٠١م.
51.هواش، محمد، سوريّة والانتداب، مكتبة السائح، بيروت، ٢٠٠٥م.
52.وسيلة، زويجة، تطوّر الحركة الوطنيّة السوريّة في ظلّ الانتداب الفرنسي (١٩١٩-١٩٤٧م)، رسالة دكتوراه منشورة، جامعة أدرار، الجزائر، ٢٠٢٢م.
1.Abadi. Jacob: us-Syria relations 1920- 1967 the bitter Harvest of a flawed policy, Athens journal of history, vol.6, no.3.
2.FO 371L6841, vol. 10851. Crewe to Chamberlain,7 Nov. 1925.
3.FO 371/ 5188. Hole to chamberlain, 26 Aug 1926.
4.FO 371/ 5317, vol 11507. HoLe to chamberlain, 3 sept, 1926.
(514)
أحمد الخضر
المرأة نصف المجتمع؛ ولم تكن المرأة العربيّة في منعزل عن القضايا العامّة الّتي تحياها الأمّة، بل على العكس كانت تتفاعل معها، وتسهم فيها، وبناء على هذه المكانة للمرأة العربيّة أهّلها ذلك إلى القيام بدور فعّال في مقاومة الاستعمار الفرنسيّ، فلم يقتصر دورها على تربية النُّشّأ، وغرس روح الكفاح، والنّضال فيهم، وحثّهم للذّود في ساحات التّظاهر، أو في ساحات الوغى، بل شاركت هي في كلّ أصناف الكفاح بدأً من تشكيل الجمعيّات، والصّالونات الأدبيّة ذات الأهداف السّياسيّة والاجتماعيّة، مرورًا بالجانب الإغاثيّ، والطّبّي، إلى دعم التّعليم العام البنات، ورعاية، وتعليم بنات الشّهداء بوجه خاصّ، إلى المشاركة في المظاهرات، والمشاركة في التّحريض، وامداد الثّوّار، وتموينهم، وانتهاءً بحمل السّلاح، والقتال في المعارك، وسنأتي على ذكر سيِّدات فاضلات في تاريخ سوريّة أسهمن في كلّ ما تقدم.
لقد عرفت دمشق بعض الصّالونات الأدبيّة النّسائيّة، وبداياتها كانت على استحياء، فلم تبلغ دمشق ما بلغته لبنان، أو القاهرة، ومع مطلع القرن العشرين بدأت الحركة النّسائيّة النّاشطة تؤدّي دورًا مهمًّا في حياة دمشق السّياسة، وعموم البلاد السّوريّة، فقد
رحّبت النّسوة السّورية بطلائع قوّات الأمير فيصل بن الحسين سنة ١٩١٨م، وقد خرج جميع سكان دمشق من بيوتهم نساءً، ورجالًا للتّعبير عن ابتهاجهم بالحرّيّة، والاستقلال؛ حتّى النّساء المحجّبات، والقرويّات اللّواتي قدِمن من ضواحي المدينة تجمعن في الشّوارع الرّئيسة، وساحة الشّهداء (ساحة المرجة)، وهتفن للحرّيّة، والوحدة العربيّة، ورغم أن معظمهنّ لم يكنّ من المتعلّمات إلّا أنّ وعيهن الوطني كان الدّافع للإعراب عن ابتهاجين في ذلك اليوم الوطني.
بدأت المرأة تأخذ مكانتها في عهد الملك فيصل في دمشق؛ ففي سنة ١٩١٩م استدعت حكومة فيصل السّيّدة لبيبة هاشم صاحبة مجلّة «فتاة الشّرق» من القاهرة، وكلّفتها بوظيفة مفتّش عامّ وزارة المعارف، وهو منصب رفيع لم يسبق لامرأة عربيّة أن تقلّدت مثله. ولعلّ أكثر الصّور إشراقا خلال هذه المرحلة، ما قامت به السّيِّدة ماري عجمي؛ عندما قادت حركة حقوق المرأة في دمشق، إذ قدّمت التماسًا إلى المؤتمر الوطنيّ السّوريّ العام لمنح المرأة حقّ التّصويت، والتقت ماري بالملك فيصل لهذا الغرض، وكتبت باستفاضة عن دور المرأة في إعادة بناء مجتمعاتها بعد الحرب. وعندما وفدت لجنة كنغ -كراين الأمريكيّة في صيف ١٩١٩م إلى دمشق، بتكليف من الرّئيس الأمريكي ويلسون للوقوف على رغبة الشّعب السّوري، واستفتاء أبناء البلاد حول وضعه السّياسيّ العام، قابلتها مجموعة من سيِّدات المجتمع الدّمشقي؛ إذ قدّمت لهم كلّ من عادلة بهيم ونازك العابد مطالب الشّعب في الحرّيّة، واستقلال البلاد، ووحدتها، ورفض الوصاية والانتداب. ورغم أنّ النّشاط السّياسيّ النّسائيّ الحقيقي إبان هذه المرحلة اقتصر على نساء الطّبقة العليا، اللّواتي كنّ يجتمعن بالملك فيصل وزوجته، وذلك لما توفّر لهنّ من الثّقافة والحضور، ما لم يكن متوفرًّا لباقي نساء المجتمع السّوري، إلّا أنّ
المؤتمر السّوري الأوّل سنة ١٩١٩م لم يتح للمرأة أيّ مشاركة. ويطلق المؤرّخون على هذه المرحلة من تاريخ المرأة العربيّة مسمّى «المرحلة النّهضويّة الأولى».
لم يكن لبدايات النّضال النّسائي الوطنيّ في سوريّة هدف نسائيّ واضح، وإنّما كان يأخذ طابع مشاركة الرّجال في النّضال السّياسي، ومعارك التّحرّر الوطنيّة، فمنذ مطلع القرن العشرين بدأت المرأة تدلي بدلوها في الأحداث العامّة؛ وأخذت تفصح عن رأيها في السّياسة، وتشارك في المظاهرات، وتكتب في الصّحافة؛ بعدما دخلت المدارس، وتلقّت التّعليم، وقامت بعض نساء دمشق بتأسيس جمعيّات أدبيّة، أو خيريّة لتعليم الفتيات اليتيمات، ورعايتهنّ، والحفاظ على هوّيّة البلاد العربيّة، وكان على رأس تلك الجمعيّات جمعيّة «نور الفيحاء» سنة ١٩١٩م، الّتي أسّستها نازك العابد (١٨٨٧-١٩٥٩م) رائدة الوعي النّسائيّ في بلاد الشّام لإحياء العروبة، وقد تفاعلت تلك الجمعيّة بعمق مع ما كان يجري في البلاد السّوريّة من أحداث سياسيّة؛ وفي منشور تاريخيّ، وثائقيّ وزّعته جمعيّة «نور الفيحاء» قبيل معركة ميسلون ١٩٢٠م، على نطاق واسع في مدينة دمشق، يدلّ على مناهضة الجمعيّة، ومنتسباتها للانتداب، ومؤامرة الحلفاء، والأهمّ
أنّه ينمّ على درجة الوعي، والتّنظيم الّتي وصلت لها نساء نخبة المجتمع السّوري في دمشق، وهذا نصّ المنشور:
«يا رجال الوطن..
النّساء تدعوكم يا حماة الوطن، وأركان الشّرف إلى التّقدّم إلى الأمام لتذودوا عن بيوت تأمن فيها بناتكم، ويرتكز فيها عزّكم، وشرفكم.
إلى التّقدّم، إلى الأمام، حيث العدوّ يريد طعنكم في مقتلكم، والقضاء على آخر أمل لكم في الحياة. لسنا نساءكم إذا لم تفدوا هذا الوطن المقدّس بدمائكم كما فداه آباؤكم وأجدادكم، فالأمّة كلّها من ورائكم تمدّكم بالمستطاع، وهذا ملككم الّذي بقي السّنين في حومة الوغى لإنقاذكم من أيدي التّرك، يسير إلى الأمام لإنقاذكم من أيدي الفرنسيّين الّذين غدروا به، وبحكومته، وبكم، وبشرف الإنسانيّة جمعاء. وإنّ ما لاقاه ملك سوريّة المعظّم من عزم الأمّة السّوريّة الأكيد في دفاعها عن شرفها أيّد ما يعتقده فيكم، فلا تخيّبوا حسن ظنّه، بل أيّدوه وحافظوا على النّظام ليقال عنكم إنّكم أمّة تستحقّ الإعجاب، والاحترام.
وأنتنّ، يا نساء الوطن، تدعوكم جمعيّة الهلال الأحمر النّسائيّة للحضور إلى مدرسة بنات الشّهداء لأمور وطنيّة مهمّة.
التّواقيع: رئيسة جمعيّة الهلال الأحمر النّسائيّة: نازك العابد. الرّئيسة الثّانية: سعاد مردم بك. أمينة الصّندوق: فاطمة مردم بك، الكاتبة: إسعاف النابلسي، والأعضاء: رفيعة العابد، أديبة مردم بك، ليلى ترزي، شفيقة تحسين قدري، سلوى غزي، عقيلة علاء الدين الدروبي، عقيلة عبد اللطيف العسلي، عقيلة أمين الترزي، مزلان مردم بك، عقيلة الشريف جميل، عقيلة يوسف العظمة، منيرة البنا، عقيلة محمد علي التميمي، عقيلة جعفر باشا، وعقيلة فارس الخوري».
كما أصدرت السيِّدة نازك العابد في كانون الثّاني سنة ١٩٢٠م مجلّة «نور الفيحاء» في دمشق، (كُتب على غلافها مجلّة نسائيّة أخلاقيّة أدبيّة)؛ كانت رسالتها النّهوض بالمرأة العربيّة في سوريّة، وإيقاظها من سباتها، وفتح المجال لها للتّعبير عن رأيها، والمطالبة
بحقوقها السّياسيّة، ما ساعد على نشر الوعي، لكنّها توقّفت بعد صدور العدد التّاسع منها بأمر سلطات الاحتلال الفرنسي. كما كانت نازك العابد تكتب في مجلّة «العروس» الّتي كانت تصدر في حمص لصاحبتها ماري عجمي، إذ اتّفقت معها على التّعاون، والنّضال المشترك، وأن تكون العروس منبرًا حرًّا لمواجهة الانتداب، وفضح ممارساته، وكذلك كتبت في مجلّة «الحارس» لصاحبها أمين الغريب الّتي أسّسها سنة ١٩٢٣م، وقد اتّسمت مقاتلاتها بالدّعوة إلى تحرير المرأة، والنّهوض بواقعها التّعليميّ، والثّقافيّ، لتأخذ حقّها كاملًا. كما أنّها أسّست بالتّعاون مع فاطمة مردم، وسلوى الغزي مدرسة لبنات الشّهداء في طريق الصّالحيّة باسم «نور الفيحاء»، بهدف استيعاب بنات شهداء، كما قامت بتأسيس لجنة لمساعدة عوائل الثّوّار الّذين استشهدوا، أو فقدوا في القتال، حاول الفرنسيّون استمالتها بتقديم ١٠٠ جنيه إنكليزي شهريًّا لها بحجّة دعم مدرسة بنات الشّهداء، لكنّها رفضت، واستمرّت المدرسة بدعم وجهاء المجتمع المدني السّوري مثل القاضي راشد مردم بك، ومصطفى باشا العابد (والد نازك العابد)، حتّى أغلِقت سنة ١٩٢١م لأنّ مديرة المدرسة صبحيّة التنيّر رفضت أن تكون عميلة لصالح المخابرات الفرنسيّة على بنات بلدها.
وبعد نفي نازك العابد من دمشق قامت بعدّة جولات عالميّة نشرت خلالها أخبار الحَراك الثّوريّ في سوريّة، وشرحت النّهضة النّسائيّة العربيّة، وطالبت في المحافل الدّوليّة بحقّ بلادها في الحرّيّة والاستقلال، فذاع صيتها، ونشرت عنها الصّحف الغربية ملقبةً إيّاها بــ«جان دارك العرب»، بينما أطلق عليها العرب لقب «سيف دمشق»، ولقب «نجمة ميسلون»، ولقب «خولة» في إشارة إلى خولة بنت الأزور، طاردتها حكومة المستعمر الفرنسيّ وقتها، واستمر نفيها مدّة سنتين، بعدها عادت إلى أرض الوطن، وتعهّدت بأن لا تشارك بأيّ نشاط ضدّ سلطات الانتداب الفرنسيّ، فُرض عليها الإقامة الجبريّة في مزرعتها الخاصّة في الغوطة، وبعد زواجها من محمد جميل بَيهم سنة ١٩٢٩م، انتقلت للعيش في بيروت، ولا سيّما بعد أن واجهتها قيود جديدة تمثّلت في اعتلاء ابن عمها «محمد علي العابد» السّلطة بالتّعاون مع الاستعمار الفرنسي.
لم تكن السّيِّدة نازك العابد وحدها في مشهد النّضال السّياسيّ؛ ففي مجال الصّحافة:
كما عبّرت المرأة العربيّة في سوريّة عن رفضها للاحتلال الفرنسيّ؛ عندما رفضت الأديبات السّوريّات وقف أقلامهنّ لمصلحة الانتداب الّذي حاول منذ احتلال دمشق أن يشتري أقلام المفكّرين، والأدباء، والشّعراء، والصّحفيّين، والكتّاب لتزييف الحقائق من أجل تجميل صورته لدى الرّأي العام السّوري، وغيره، وتكريس وجده، واكتساب شرعيّته في البلاد، إذ تقول ماري: «وبعد أيّام قليلة انقضت على استيلاء فرنسا على دمشق، جاءني شرطيّ برقعة يدعوني فيها رئيس الوزراء إلى اجتماع أراد عقده، فخططت عليه كلمة (تبلغت)، وأبيت أن ألبّي الدّعوة، وبعد انعقاد الاجتماع، سألت عن القصد منه فقيل لي إنّ مدير المطبوعات الفرنسيّة خطب في الحضور، وهم الكتّاب، وعلّمهم (كيف يكتبون)، ووزع عليهم ورقًا بلا ثمن، ووعدهم بالمساعدة».
وكان ممّا كتبته ماري عجمي في مجلّتها «العروس»: «إنّ الحلفاء قد حرّروا العالم، فيحقّ لهم المجد والفخار، لكنّهم إذا حرّروا الشّعوب أفينكرون عليهم حقّ الاستقلال؟ إنّ بريطانيا محرّرتي، وفرنسا مرشدتي، أمّا سوريّة فأمّي، أومي حرة فلا تقيدوها»، لكن فرنسا داست على أوهام ماري عجمي فلم تعد فرنسا مرشدتها نتيجة ممارساتها القمعيّة، والاستبداديّة الّتي عاملت بها أهل البلاد. فردّت ماري بقلمها، وشهّرت في مجلّتها بالطّابع القمعي للاستعمار الفرنسي لسوريّة، وأشارت إلى التّأثير السّلبي له على مختلف نواحي الحياة؛ في الثّقافة، والتّعليم، والاقتصاد، وهكذا جعلت ماري عجمي من مجلّتها «العروس» منبرًا لمحاربة الانتداب الفرنسيّ، وكانت ماري تكتب ضدّ الاحتلال الفرنسي لسوريّة باسم مستعار هو «ليلى»، واختارت هذا الاسم لتوقّع به مقالاتها المناهضة للاستعمار الفرنسيّ خشية على نفسها من بطشهم. وكان ممّا كتبته في مجلّتها «العروس»: «من ذا الّذي يقول إنّنا أمّة لا يليق بها أن تمنح الاستقلال، ولا تعرف أن تحكم
ذاتها بذاتها؟». وكتبت: «لم تحمل فرنسا إلينا إلّا المحاكم المختلطة الّتي يئنّ منها القوم، والدّيون المتراكمة، والضّرائب الّتي تتكاثر من غير إصلاح، والشّركات الفرنسيّة الّتي تطرد هذا، وتستبدّ بذلك من دون أن يسمع أحد شكواه، ولو ملأ أنينه عنان السّماء».
وعندما حاولت سلطات الاحتلال الفرنسيّ شراء ضمير السيِّدة ماري عجمي -أشهر الصّحفيّات السّوريّات حينها- بالمال، وأن تقدّم رشوةً لها، مقابل أن تكون مقالاتها في مجلّة «العروس» لصالح الانتداب الفرنسي، وأن تروّج لهم، وتكتب عنهم: «إنّهم فتحوا المدارس للفتيان، والفتيات في المدن كما في القرى، وأنّهم شجّعوا الصّناعة الوطنيّة، والمهن المحلّيّة، وأنّهم شجّعوا حرّيّة الصّحافة»، لم يفلحوا معها، ورفضت أن تتعاون معهم، وكان جوابها أن يحقّقوا هذه الأشياء حقًّا، وأنّها ستكون سعيدة بالكتابة عنها في مجلّتها من دون مكافأة ماليّة.
لقد صدرت في دمشق مجلّة نسائيّة باسم «المرأة الجديدة»، غايتها بثّ روح التّربية، وتحسين الحياة العائليّة، وترقية المرأة العربيّة في سوريّة أدبيًّا، وعلميًّا، واجتماعيًّا. وكانت السّيِّدة عادلة بهيم الجزائري (١٩٠٠-١٩٧٥م) تكتب في جريدة «فتى العرب» لصاحبها أحمد الأرناؤوط الّتي أسّسها سنة ١٩٢٠، وكانت تذيّل كتاباتها باسم مستعار هو «الفتاة العربيّة»، كما صدرت في حزيران سنة ١٩٢٨م مجلّة «دوحة المياس» لماري عبده شقرا (١٩٠١-١٩٨٧م) في حمص، وهي مجلّة علميّة أدبيّة نسائيّة، كتب على غلافها إنّها؛ «نجمة الأمومة والهدى... نواة الفضيلة والثّروة... حديقة الشّعراء والنّابغين... عروس الجمال والفنون... إنّ مجلّة دوحة المياس تقتطف الأزهار الجميلة من حديقة النّفوس، والمعرفة، وتقدّمها إلى القرّاء الكرام محاولة أن تنعشهم بشذاها العطِر لتحيا كلّ روح في موكب العمل».
وفي ٣٠ تشرين الأوّل ١٩٣٠م صدرت في مدينة حماة مجلّة «المرأة» لصحابتها
الحلبيّة السّيِّدة نديمة منقاري الصابونجي؛ وهي مجلّة علميّة نسائيّة شهريّة؛ صدرت ٣٢ صفحة من القطع الصّغير، كان شعارها (المرأة مربّية الرّضيع، ومعلّمة اليافع، ودليل الشّاب، ورفيق الرّجل)، أمها هدفها فكان كباقي المجلّات النّسائيّة الّتي سبقتها؛ وهو العناية بشؤون المرأة العربيّة في سوريّة لا سيّما المرأة المسلمة، فقد أخرجت هذه المجلّة «لتكون وسطا صالحًا لمباحث السّيِّدات الفاضلات، والسّيِّدات إذا تكلّمن في هذا الصّدد، يتكلّمن عن مسائل درسنها، واختبرنها بأنفسهنّ، وصاحب البيت أدرى بالّذي فيه... ستعنى عناية خاصّة في شؤون المرأة في جميع نواحيها، وليس من شكّ أنّ عنايتنا ستنصرف إلى شؤون المرأة السّوريّة المسلمة غالبًا، لأنّنا نعتقد أنّ المرأة المسلمة في تأخرٍ مزرٍ يضرّ بحياتها العائليّة»، لم تسلم مجلّة «المرأة» من استبداد الحكم الفرنسي؛ الّذي قضى بإغلاقها بحجّة أنَّ مقالاتها المناهضة لسلطات الاحتلال الفرنسي تثير الفتنة. ثمّ عادت للصّدور بعد الاستقلال في دمشق بأربعين صحفة من القطع المتوسّط.
أمّا في مجال الجمعيّات؛ يعدّ «النّادي النّسائي الأدبيّ» الّذي تأسّس في دمشق – حي القصاع سنة ١٩٢٠م أسبق الجمعيّات الأدبيّة، وقد أسهم في تأسيسه نخبة من سيِّدات المجتمع السّوري من أمثال السّيِّدة ماري عجمي، وقد ترك أثرًا كبيرًا على الحركة الأدبيّة النّسائيّة في سوريّة؛ طبعًا بفضل جهود، ونشاط هيئته، ورئيستها سارة مشاقة، وكان من أهدافه توثيق الصّلة بين السّيِّدات، ورفع مستوى المرأة، ونشر الثّقافة، وأنشأ مكتبة تتيح للسّيِّدات فرصة المطالعة، لتكون عضوًا فاعلًا في المجتمع العربي في سوريّة. بالإضافة إلى عقد الاجتماعات، والمحاضرات من قبل أعضائه الإناث، أو من قبل الشّخصيّات الوطنيّة المؤثّرة في المشهد الثّقافي العام في البلاد، وبذلك يكون النّادي قد وفّر للسّيِّدات فرصة التّعبير عن آرائهنّ، وأفكارهنّ، ونتاجهنّ الأدبيّ، كما سمح لهنّ بالاطلاع على أفكار
مشاهير الأدباء، والفكّرين. ولم يقتصر دور النّادي على نشر الثّقافة، والاهتمام بالمرأة بل كان هدفه تنمية الحسّ الوطنيّ، والشّعور بالمسؤوليّة اتّجاه ما يحدق بالوطن من أخطار، كما عملت المنتسبات للنّادي على التّرويج للصّناعة الوطنيّة، واقتناء منتجاتها. أمّا في المجال الإغاثيّ، والصّحّيّ؛ فكانت جمعيّة «نقطة حليب» سنة ١٩٢٢م، الّتي شاركت زهراء اليوسف في تأسيسها في دمشق ١٩٢٢م، وانتخبت لتكون رئيسة الجمعيّة، وكان هدف الجمعيّة تأمين الحليب البقريّ الطّازج للأمّهات السّوريّات ذوات الدّخل المحدود، والفقيرات، استطاعت الجمعيّة توزيع ٨٨٥٠ علبة حليب خلال عامها الأوّل.
لقد انتُخِبت السيِّدة ماري عجمي عضوًا في جمعيّة «الرّابطة الأدبيّة» في لجنة النّقد الأدبيّ، الّتي تأسّست في دمشق في آذار ١٩٢١م، وعندما انحلّ عقد الرّابطة الأدبيّة، بأمر من سلطات الاحتلال الفرنسي، وتوقّفت المجلّة النّاطقة باسمها، لقمع كلّ نشاط وطنيّ ثقافيّ، استأنف أعضاء الرّابطة الاجتماع في منزل ماري عجمي الكائن في باب توما، وكانوا نخبة رجال الأدب، والفكر في دمشق وهم: شفيق جبري، نجيب الرّيّس، وخليل مردم بيك، وفخري البارودي وغيرهم. لتكون أوّل سيِّدة في عهد الانتداب الفرنسي تؤسّس صالونًا أدبيًّا يستقبل نخبة واسعة من كبار الأدباء، والسّياسيّين في تلك الفترة، وبذلك خرجت عن العرف الاجتماعيّ. وقد غلب على صالونها المناقشات السّياسيّة بشكل عامّ. وفي سنة ١٩٢٣م رافقت السّيِّدة ماري عجمي وفدًا من أمّهات المعتقلين السّياسيّين السّوريّين في سجون الاحتلال الفرنسيّ في جزيرة إرواد لزيارة زوجة مسؤول فرنسي رفيع المستوى، وطالبت بالحرّيّة للمعتقلين. وقد استمرّت ماري في مقارعة المستعمر الفرنسيّ حتّى سنة ١٩٢٦م من خلال صفحات مجلّة «العروس» الّتي توقّفت
نهائيًّا سنة ١٩٢٦م، بعدها انصرفت إلى التّدريس، وللكتابة في صحف، ومجلات سوريّة، ولبنان، ومصر.
كما أسّست النّساء السّوريات جمعيّات مستقلّة إبّان الثّورة السّوريّة الكبرى (١٩٢٥-١٩٢٧م)؛ فمثلًا انضمّت السّيِّدة «عادلة بهيم الجزائري» (١٩٠٠-١٩٧٥م) أميرة الرّائدات العربيّات، إلى الجماعات السّرّيّة الّتي كانت تناضل لطرد الاستعمار، والظّفر بالاستقلال، وقدّمت الدّعم للثّوّار من خلال تأمين العلاج، والغذاء لهم، ولذويهم. وبعد انتهاء القتال كانت النّساء في سوريّة يردن أن يكنّ مواطنات فاعلات، حتّى يتسنّى لهنّ المشاركة في عمليّة البناء، والتّحرير، فقد نظّمت السّيِّدة عادلة بَيهم برنامجًا لتشغيل النّساء اللّواتي فقدن أزواجهنّ أثناء الثّورة على الفرنسيّين. وفي سنة ١٩٢٧م وأسّست السيِّدة عادلة بهيم جمعيّة «يقظة المرأة الشّامية» لتشجيع المرأة العاملة في الرّيف السّوري، داعيةً من خلالها إلى إحياء الصّناعات اليدويّة التّقليديّة الشّعبيّة، وتطويرها، وقد قدّمت هذه الجمعيّة خدمات مختلفة البنات السّوريّات؛ منها دروس لبنات الفقراء في اللّغة الإنكليزيّة، والخياطة، وزيارة المستشفيات، بالإضافة إلى المحاضرات الشّهريّة.
ولمّا كان هدف الانتداب الفرنسيّ التّأثير على الحياة الاجتماعيّة في سوريّة تمهيدًا لفرنستها، لذلك فتحت سلطات الانتداب دور السّينما؛ وشجّعوا النّساء على حضورها، بالإضافة إلى المسارح الّتي يشارك فيها النّساء، والرّجال التّمثيل، وأطلقوا على ذلك «الفنون» مُهمين النّاس بأنّها المدنيّة، والتّحضّر ممّا تسبّب في حدوث شرخ في المجتمع المسلم المحافظ. والأخطر من ذلك أنّهم أكثروا من الملاهي، ودور الرّقص، وفتحوا الخمّارات، وأباحوا الخلاعة، وأدخلوا الرّاقصات، والمغنّيات الأجنبيّات باسم الحرّيّة، والمدنيّة، والحضارة، وسعوا إلى فساد أخلاق الشّباب، وسوقهم إلى حياة اللّهو، والتّرف، وإضعاف قوّة الشّعب الدّينيّة، والأدبيّة بدفعهم إلى الملاهي، وإبعادهم من قضيّتهم
الرّئيسة في محاربة المستعمر المستبد، وانتدابه الّذي أدّى إلى انتشار الفساد. كما كان للانتداب تأثير على الزّواج في سوريّة حيث شجّعوا الزّواج من الأجنبيّات، وهنا يكمن الخطر، فحيثما يكثر الزّوجات من غير المسلمات في بيئات عربيّة إسلاميّة تضعف القيم الأخلاقيّة الأصيلة الموروثة، الأمر الّذي يؤدّي إلى سلب المجتمع العربي المسلم عددًا كبيرًا من الرّجال المؤمنين بقضيّة الحرّيّة، والاستقلال، كما أنّ الأطفال الّذين ستنجبهم سيِّدات فرنسيّات سيرثون حبّ فرنسا، وثقافتها؛ عن طريق أمّهاتهم، أكثر ما سيرثون من رغبة الحرية والاستقلال عن طريق أهل آبائهم، لذلك أولى المبشّرون بالمرأة المسلمة في سوريّة اهتمامًا بالغًا، باعتبارها مدار الحياة الاجتماعيّة، وقد أدركوا أنّ الوصول بالتّبشير إليها يعني الوصول إلى الأسرة كلّها، فالتّأثير الّذي تحدثه الأمّ في أطفالها حتّى سنّ العاشرة مهم؛ ولهذا السّبب أخذ المبشّرون يأتون بالنّساء المبشّرات ليتّصلن بالنّساء المسلمات في سوريّة، فهم اعتبروا المرآة المسلمة وسيلة مهمّة لتعجيل النّصرانيّة في البلاد العربيّة.
وفي المقابل سعى السّوريّون إلى الحفاظ على ثقافة بلادهم، وتراثهم، وقيمهم الأخلاقيّة، ومن تلك النّشاطات النّسويّة في ذلك المجال؛ أنّ جمعيّة يقظة المرأة الشّاميّة مع جمعيّات نسائيّة سوريّة أخرى، ومع الاتّحاد النّسائيّ اللّبناني، عقدت مؤتمرًا نسويًّا هامًّا سنة ١٩٢٨م، إذ جمع المؤتمر في بيروت ممثّلات من ٤٠ جمعيّة نسائيّة من سوريّة ولبنان، وقد جذبت أعمال المؤتمر اهتمام رجال السياسة، والإعلام، ورغم أنّ المؤتمر بدأ للوهلة الأولى مؤتمرًا اجتماعيًّا فحسب، إلّا أنّ المطالب السياسيّة الّتي طالبت بها السّيِّدات المؤتمرات بيّنت حقيقة أهدافه، فقد تحدّت السيِّدات المجتمعات الهدف الأوّل لسلطات الاحتلال الفرنسيّ ألا وهو «فرنسة» البلاد، وانتقدت المؤتمرات سياسة الاحتلال في سوريّة، ولبنان في إهمال الصّحّة، والتّعليم، بتقليل الموازنة المتعلّقة بها.
كما تأسّست في سنة ١٩٢٨م جمعيّة «خرّيجات دور المعلمات» في دمشق، وكانت
رئيستها السّيِّدة منيرة علي الجابري، وكان الهدف من هذه الجمعيّة الصّدّ عن المدارس الأجنبيّة، ورفع مستوى المرأة السّوريّة، ومكانتها الاجتماعيّة، والثّقافيّة. وفي سنة ١٩٢٨م تأسّست جمعيّة «دوحة الأدب»، بعد أن بادرت بعض السّيِّدات للاجتماع في المجمّع العلميّ العربيّ، وكان هدف الجمعيّة النّهوض بواقع المرأة الثّقافيّ، والارتقاء بمكانتها في المجتمع، والسّعي إلى إدخال العنصر النّسائيّ في الحركة الوطنيّة، وإشراكه في النّضال ضدّ الانتداب الفرنسيّ، والسّعي إلى تعليم، وتنشئة الفتيات العربيّات في سوريّة تنشئة صحيحة، وتربيتهن تربية عربيّة؛ ليخدمن وطنهنّ، لم يستسغ المستعمر الفرنسي فكرة الجمعيّة فرفض ترخيصها، فما كان من السّيِّدة عادلة بهيم إلّا أن فتحت الجمعيّة من دون ترخيص سنة ١٩٣١م، وهكذا أخذت الجمعيّة الأدبيّة بقيادة السّيِّدة عادلة بَهيم تسهم في بثّ الشّعور القوميّ بين منتسباتها، وبين سيِّدات المجتمع السّوري، وكانت تحرص على صدّ الفتيات عن ارتياد المدارس الأجنبيّة، وقد اتّخذت هذه الجمعيّة من التّعليم، وفتح المدارس العربيّة، وسيلة لتحقيق أهدافها. كما كانت السّيِّدة عادلة بهيم ركيزةً أساسًا في تأسيس «الاتّحاد النّسائيّ السّوري»، الّذي تكوّن باتّحاد ثلاث جمعياتٍ نسائيّة سنة ١٩٣٣م، وكان هدف الاتّحاد ضمان مصالح المرأة في سوريّة.
أمّا أشهر نشاطات الاتّحاد النّسائيّ السّعي إلى الحفاظ على التّراث العربيّ في سوريّة؛ حتّى أنّ عادلة بَيهم رئيسة للاتّحاد النّسائيّ اجتمعت في العام التّالي من انتخابها بالموسيقي السّوري عمر يطش، وطلبت منو منه تدريب بعض الطّالبات على الرّقص، والسّماح لهنّ بالحفاظ على اللّون التّقليديّ للفنّ السّوريّ، وفي سنة ١٩٣٦م عندما أضربت البلاد (الإضراب السّتّينيّ) بسبب المعاهدة الموقّعة بين سوريّة، وفرنسا؛ أدّت المرأة السّوريّة دورًا مهمًّا عندما قامت بجمع التّبرّعات، وتوزيعها على العمّال الّذين خسروا أجورهم خلال فترة الإضراب، ممّا ساعد على صمود المضطربين. وساهم
الاتّحاد النّسائي في سنة ١٩٣٧م في مكافحة الأمّيّة، وإنعاش القرى في مركز جديدة عرطوز غربي دمشق، وفي سنة ١٩٣٨م لبّت السّيِّدة عادلة بهيم رئيس الاتّحاد النّسائيّ السّوريّ دعوة السّيِّدة هدى الشّعراوي بحضور ثلاثين عضوًا للمشاركة في المؤتمر النّسائيّ الفلسطينيّ الّذي عقد في القاهرة، لدعم نضال الشّعب العربي في فلسطين. وفي سنة ١٩٤٤م نجحت عادلة بهيم في ضمّ جمعيّات مهمّة الى الاتّحاد النّسائي السّوريّ مثل جمعيّة نقطة حليب، والنّادي النّسائي الأدبي، وجمعيّة يقظة المرأة الشّاميّة، وجمعيّة دوحة الأدب، وجمعيّة خرّيجات دور المعلمين، وجمعيّة الإسعاف العام النّسائيّ، والمبرّة النّسائيّة، والجمعيّة الثّقافيّة النّسائيّة، وكان أوسع اندماج واعٍ، وطوعيٍ للحركة النّسائيّة في تاريخ سوريّة، ونظرًا إلى جهود السّيِّدة عادلة انتخبت رئيسًا للاتّحاد النّسائيّ السّوري وقتها، وفي سنة ١٩٤٥م نجح الاتّحاد في تأمين الغذاء لأفراد الشّرطة، وتجهيز مستشفى إسعاف الجرحى.
كما تأسّست في سنة ١٩٤٢م جمعيّة «النّدوة الثّقافيّة» في دمشق، وضمّت نخبة ممتازة من فتيات، وسيِّدات المجتمع السّوري فيهن: ألفت عمر باشا إدلبي، وفلك دياب دسوقي، وبلقيس وريمة كرد علي، ونعمة دياب، ورئيسة النّدوة جيهان موصلي. كان نشاط الجمعيّة يقوم على إقامة المحاضرات القوميّة، والاجتماعيّة، والعلميّة، وجلسات أدبيّة، وأمسيات شعريّة، ولم يقتصر نشاطها على ذلك فحسب، فقد كانت تشارك في الفعاليّات الثّقافيّة في سوريّة، بالإضافة إلى دورها في إحياء الأشغال اليدويّة القديمة، ورعاية الموهوبات الفقيرات من الطّالبات.
كما تأسّست في سنة ١٩٤٢م جمعيّة «سيِّدات الحنان النّسائيّة» في مدينة حلب. وفي سنة ١٩٤٣م تأسّست أوّل جمعيّة سياسيّة معلنة؛ وهي جمعيّة «نساء العرب القوميّات»، وهدفت هذه الجمعيّة الى المطالبة بحقوق المرأة السّياسيّة، واهتمّت بقضية فلسطين؛
إذ عقدت مؤتمرات من أجل قضيّة فلسطين، وفي سنة ١٩٤٤م أعيد تسمية «الاتّحاد النّسائيّ» باسم «اتّحاد الجمعيّات النّسائيّة» في دمشق؛ إذ ضمّ عدّة جمعيّات مختلفة في سوريّة، واتّبع التّقسيم الإداريّ في سوريّة. وفي سنة ١٩٤٥م تأسّست جمعيّة الإسعاف العامّ النّسائي برئاسة أسماء الخوري، والغاية من تأسيسها كان إسعاف الجرحى، ومعالجة المرضى، تقبل تلك الجمعيّة أيّ تبرّعات ذات طابع أجنبي. وتجدر الإشارة أنّ المرأة في سوريّة -رغم النّشاط السّياسيّ الكبير الّذي كانت تقوم به من خلال الجمعيّات، والصّالونات الأدبيّة- إلّا أنّها ظلّت مبعدة عن البرلمان طوال فترة الانتداب الفرنسي، فرغم أنّ المحتل حرص على أن يُبقي ظاهريًّا شكلًا من الحياة البرلمانيّة، ومرّت سوريّة خلال فترة الانتداب بعدد من المجالس، لكن المرأة ظلّت محرومة ليس فقط من التّمثيل في البرلمان، بل لم يتح لها حتّى حقّ ممارسة الانتخاب.
لقد دخلت المرأة العربيّة في السّوريّة مجال النّضال السّياسيّ، ولجأت إلى المظاهرات للتّعبير عن رأيها السّياسيّ، ورفضها للاحتلال، ولتحقيق مطالبها، وعندما وفدت لجنة كنغ-كراين الأمريكيّة في صيف ١٩١٩م إلى دمشق، بتكليف من الرّئيس الأمريكي ويلسون للوقوف على رغبة الشّعب السّوري، قابل المستر كراين طائفة من نساء شهداء السّادس من أيار، الّذين أعدمهم حزب الاتّحاد والتّرقّي، ومن مذكّرات الدّكتور عبد الرحمن الشهبندر نقتبس تفاصيل ذلك القاء، يقول الشهبندر: «خرجنا من حيّ «الميدان» توًّا إلى حيّ «المهاجرين»، حيث خرجت نساء الشّهداء للاجتماع بالمستر كراين في بيت المرحوم السّيِّد شكري العسلي. فاجتمع بهنّ، وطيّب خاطرهنّ، وسمع منهنّ تلك الرّغائب الوطنيّة، والآمال القوميّة الّتي بذل الشّهداء أنفسهم على أعواد المشانق في سبيلها، فكان اجتماعًا مهمًّا تجلّت فيه تلك النّهضة المباركة في نسائنا. وقد تقدّمت
زوجة المرحوم رشدي بك الشّمعة شهيد القضيّة العربيّة، إلى الزّائر الكريم بوجهٍ وشفتين مرتجفتين من فرط التّأثر وهي تقول: «لم يمت رشدي بك إلّا لأجل سلامة الوطن، وإنّ هذه المحن الّتي تئنّ منها بلادنا توجعه في جثته، فإن لم تترفّقوا بالأحياء، يا سيِّدي، بالله ترفقوا بالأموات، ولا توجعوهم في مضاجعهم». تأثّر المستر كراين من هذه الجمل جدًّا، وزاد في تأثّره السّكوت العميق الّذي أعقب ذلك بحيث كان يقرأ على الوجوه الصّامتة ما تعانيه الأنفس من الآلام. ومن قرأ أخبار الاستفتاء عام ١٩١٩، يوم سمع كراين نفسه ما جاءت به عواطف الأمّة السّوريّة يذكر، ولا شكّ أنّ تلك الجلسة الرّنانة الّتي عقدتها حرم الشّهداء، وكان لعقيلتي الشّرف أن تكون بينهن، فأبدين من الوطنيّة الصّادقة ما يبقى مسجّلاً بتاريخ سوريّة بمداد الفخر. قالت له إحداهنّ يومئذ: «لا تحرمونا من صوت الحرّيّة، وتلقونا في مهاوي الاستعباد، إنّ حياتنا تكون عبئًا ثقيلًا إذا كان رجالنا أرقّاء، لأنّ زوجة الرّقّ لا يحقّ لها أن تكون سيِّدة في بيتها».
وعندما زار المستر كراين دمشق مرّة ثانية سنة ١٩٢٢م اجتمع بالآنسة نازك العابد في منزل والدها السّيِّد مصطفى باشا العابد، وسألها عن مدرسة بنات الشّهداء الّتي كانت رئيستها، ما فعل الله بها، فقصّت عليه كيف أنّ الشّرطة أغلقت المدرسة في شباط سنة ١٩٢١م؛ بعد أن داهموها السّاعة التّاسعة ليلًا، وطلبوا تسليم المدرسة بما فيها من أثاث، وأدوات، فتوسّلت المديرة صبحية التنير بجميع الوسائل لتأجيل هذا العمل إلى الصّباح فلم يمهلوها، وأخيرًا أرسلت إلى حقّي العظم -حاكم دمشق من قبل الفرنسيّين- مع أحدى المعلّمات تقول له: «إنّ عصابة الأشقياء الموجودة على طريق الصّالحيّة عند عرنوس تسترحم مكارمكم أن تمهلوها إلى الصّباح ريثما تتمكن من جمع سلاحها وتسليمه، فقال: وأي عصابة تعني؟ قالت: تلك العصابة الّتي قطعت السّابلة، وأخلّت بالأمن العامّ؛
عصابة بنات الشّهداء، ومعلّماتهنّ، ومديرتهنّ»، فخجل حقّي بك وأرسل معها أمرًا يقضي بالإمهال إلى الصّباح. ولما انتهى الحديث مع الآنسة نازك، أظهر المستر كراين من الاستياء ما لا يوصف، وقال إنّه أُرسل إلى المدرسة بمعرفة السيِّد فشر بعض الهدايا، فأخبرته بأنّها ضُبطت، وصودرت في قبل الفرنسيين أنفسهم.
ولما كان موعد مغادرة المستر كراين دمشق في ٦ نيسان ١٩٢٢م، وقد اعتزم الرّحيل عنها اجتمع جمهرة من المثقّفين، والأدباء الشّبّان لوداعه، أمّا فندق قصر دمشق «دامسكوس بالاس»، وسرعان ما تحوّلت تلك الجمهرة إلى مظاهرة شعبيّة عارمة تطالب بالحرّيّة، والاستقلال، وقد عبرت ماري عجمي، وكثير من النّسوة السّوريّات عن رفضهنّ لهذا الاحتلال عندما شاركن في هذه المظاهرة، وخطب عبد الرحمن الشهبندر بالجماهير المحتشدة، وطالب بالاستقلال، وخطبت بعده إحدى السيِّدات موجّهة قولها للمستر كراين، قالت في آخره: «إنَّ الحرّيّة حليب سنرضعه لأطفالنا ما دامت الأرض أرضنا والسّماء سماءنا»، وهكذا تحوّل وداع كراين إلى مظاهرة شعبيّة. إنّ خروج مظاهرة الرّجال الحاشدة في سوق الحميديّة قرب الظّهر، وخروج مظاهرة أخرى السّيِّدات عند السّاعة الرّابعة بعد الظّهر، وهنّ يهتفن للاستقلال، ويطالبن بإطلاق سراح المعتقلين، بقيادة السيِّدة سارة العظم (زوجة عبد الرّحمن الشهبندر)، والسيِّدة نازك العابد، أخاف السّلطات الفرنسيّة؛ فهي لم تألف هذا المشهد في دمشق منذ سقوطها قبل سنتين. وهناك شهادة للسّيِّد عبد الوهاب العفيفي، اقتبسها الشّهبندر، ودونها في مذكّراته عن ذلك اليوم المفصلي في تاريخ سوريّة (٦ نيسان ١٩٢٢م)؛ وبدورنا نقتبسها عنه: «وما زلنا بين الهاتفين، والمرنّمين بالأناشيد الوطنيّة، والسّيارة (سيارة كراين) تشقّ مسالك الطّرق، والنّاس سكارى بخمرة الوطنيّة الصّميمة، إلى أن دبّ دبيبها في موضع مدركاتهم الحسّيّة
والمعنويّة، فما شعروا إلّا بانبعاث السيِّدات، والأنّات الزّافرات من أفئدة فتقتها مدلهمّات الشّجون، وجوارح أنطقتها مختلفات الشّؤون غير مكترثين بما ينجم عن ذلك الانفجار الّذي يعجز المغتصبون عن سدّه في شعب ناهض ثائر. سرنا والسّيّارة سير الهوينا، وما هاجني وراقني غير منظر سيِّدتين مسلمتين تطايرتا من بين الجموع، واعتلتا السّيارة بالقرب من موضعي فيها، واشتركتا مع النّاس في إلقاء العبارات الحماسيّة، والتّرنيمات الشّجيّة، ولم يعقهما عن المطالبة بحرّيّة البلاد بما بعثاه في النّفوس من الشّجاعة، والإقدام، وما أوقداه في القلوب من الغيرة بجذوات الاضطرام سدل الخمار الّذي طوته كطيّ السّجلّ للكتب؛ السيِّدة الّتي لها السّبق في هذا المضمار الشّريف، حرم الأستاذ شهبندر، ولعمري إنّ مثل هذه السّيِّدة الأديبة في ميدان كذا سهم أخيب».
وبعد مغادرة كراين دمشق اعتقلت سلطات الانتداب عددًا من رموز البلد في صباح السّابع من نيسان وكان منهم: عبد الرّحمن الشهبندر، خالد الخطيب، حسن الحكيم، سعيد حيدر، منير شيخ الأرض، عبد الوهاب العفيفي، توفيق الحلبي وآخرون، عندها لم تتوان نسوة دمشق عن الاحتجاج على الظّلم بالتّظاهر؛ ففي العاشر من نيسان ١٩٢٢م كسر أهل دمشق نساء، ورجال بالمظاهرات حضر حظر التّجوّل الّذي فرضه الفرنسيّون على دمشق. ويقدّم لنا الدّكتور عبد الرّحمن الشهبندر شهادته عن الحادثة إذ قول: «تجمّع في عرنوس (وهو الحي الّذي تقطنه سبعون آنسة، وعقيلة من أشرف سيِّدات البلاد) بعضهنّ في البيوت المجاورة بل في منعطفات الطّرقات خشية مداخلة رجال الشّرطة، ومع ذلك فالقسم الأعظم تمكّن من الاجتماع عند عقيلتي، وفي نحو السّاعة الثّالثة زوالية خرجن في وقت واحد رغم أنف المفوّضين، والشّرطيّين، ورجال التّحرّي الّذين كانوا يراقبون باب داري، وصرن يهتفن للحرّيّة، والاستقلال، ويحيين رجال الوطن بمناديلهنّ البيضاء... سارت السيِّدات من هناك إلى القنصليّة الأمريكيّة حيث احتججن
على العمل الشّائن الّذي ارتكبه المستعمرون الطّائشون، ومن موجبات الأسف أنّهنّ لم يجتمعن بالقنصل نفسه، فذهبن توًّا إلى القنصليّة الإيطاليّة هتفن للاستقلال، واحتججن أيضًا، ومنها للقنصليّة البريطانيّة وكنّ أثناء الطّريق محاطات برجال الشّرطة من كلّ جانب خشية إضرام نار الثّورة من الرّجال. لم يكن القنصل البريطاني في داره، لذلك بعد أن وقفن على باب القنصل دقائق ملن إلى جهة حيّ المناخليّة، ومنها سرن في طريق باب القلعة، ولكن الحكومة هناك اتّخذت أشدّ الاحتياطات لأنّ هذا الطّريق يؤدّي إلى سوق الحميديّة أعظم شارع في دمشق، فأرسلت الجنود من كلّ حدب، وصوب، وسدّت جميع الطّرقات، والمنافذ، واصطفّت السّيّارات المصفّحة عند المصرف العثمانيّ القديم، والدّبّابات بسوق الحميديّة، ولكن السّيِّدات مع ذلك حاولن بكلّ جهد المرور، فوقفت الضّبّاط الفرنسيّون حائلًا دون ذلك، وهنا جرت ملحمة بين سيِّدة وأحد الضّبّاط، فصاحت في وجهه صيحة أدبّت الرّعب في قلبه، والحماس في أحد المشاهدين، فأرسل هذا مدية من جيبه، وحاول طعنه بها، ولكن الشّرطيّين تتدخلوا في الأمر واعتصم هو برعويته الايرانية، ولا أدري ماذا جرى له بعد ذلك. رجعت السيِّدات بالطريق الذي أتين منه وهن يهتفن للحرية والاستقلال وللسجناء، وما زلن بهذا الحماس، والنّاس يتبعهنّ خطواتهنّ، والشّرطيّون يحيطون بهنّ من كلّ جانب، حتّى ضاقوا بهن ذرعًا، وحاروا في الأمر، وأخيرًا لمّا عرفوا أنهنّ سائرات إلى الصّالحية بطريق سوق ساروجة أوعزوا إلى السّيارات الأميريّة، وغيرها من السّيّارات أن تعترض الطّريق أمام المستشفى العسكري، وتحول دون مرور أحد، فلمّا وصلن إلى هذه النّقطة اضطرهنّ الشّرطيون بالقوّة إلى التّفرق. وهكذا انتهت هذه المظاهرة الفذّة في البلاد العربيّة كما ابتدأت بنشر المناديل البيضاء في الهواء، والهتاف للبلاد، وشبابها النّاهضين. أمّا البلدة فإنّها لما بلغها أخبار السيِّدات، وما قمن به من الأعمال الّتي تزري بأعمال الرّجال؛ دبّ الحماس في جميع طبقاتها، فرأوا أحسن فرصة لإبداء العواطف الوطنيّة الّتي افتدتهم، وللاحترام الّذي يجدونه نحو رجالهم، فأغلقوا
(533)
حوانيتهم، ومخازنهم بحيث أصبحت المدينة في لمح البصر من أقصاها إلى أقصاها مضربة».
ومن مذكّرات المناضل حسن الحكيم نقتبس وصفًا للمظاهرة النّسائيّة ذاتها: «كانت دمشق في هيجان عظيم تغلي كالمرجل، وكانت أخبارها تأتينا إلى السّجن على الرّغم من ضرب الفرنسيّين نطاقًا حاجزًا حولنا، ولكن لم يظهر أثرًا ملموسًا لهذا الغليان إلّا يوم الاثنين في العاشر من شهر أغسطس إذ جرى أعظم حدث اجتماعي في تاريخ دمشق، عاصمة العرب، وهذا الحدث هو أنّ سبعين آنسة وعقيلة من أشرف سيِّدات البلاد اجتمعن عصر ذلك اليوم في منزل عقيلة الدّكتور عبد الرّحمن الشهبندر، وخرجن بمظاهرة على الرّغم من أنف الشّرطيّين، ومأموري التّحرّي، ورحن يهتفن للحرّيّة، والاستقلال، ويحيّين رجال الوطن، ويلوّحن بمناديلهن البيضاء. سارت تلك المظاهرة النّسائيّة إلى القنصليّة الأمريكيّة حيث احتججن على العمل الشّائن الّذي ارتكبه المستعمرون، ولكنهنّ لم يجتمعن بالقنصل، فذهبن توًّا إلى القنصليّة الإيطاليّة، وهتفن للاستقلال، واحتججن، ومنها إلى القنصليّة البريطانيّة في حي «المناخليّة» وكنّ أثناء الطّريق محاطات برجال الشّرطة من كلّ جانب خشية إضرام نار الثّورة في الرّجال، وبما أنّ القنصل البريطاني لم يكن في داره؛ سرن في طريق القلعة الّذي يؤدّي إلى سوق الحميديّة، وهنا حالت السّلطة دون مرورهن، وأجبرتهنّ على الرّجوع من الطّريق الّذي أتين منه. وعندما وصلن إلى المستشفى العسكري بأوّل طريق الصّالحيّة قام رجال الشّرطة بتفريقهنّ بالقوّة. وهكذا انتهت هذه المظاهرة الفذّة، كما ابتدأت تنشر المناديل البيضاء في الهواء، وتهتف للاستقلال، والشّباب النّاهض. وما إن وصلت أخبار السّيِّدات وما قمن به حتى دبّ الحماس في جميع الطّبقات الّتي راحت تُظهر عواطفها نحو الموقوفين، واحتجاجها على المستعمرين بإغلاق الحوانيت؛ بحيث أصبحت المدينة مضربة إضرابًا عامًّا بأقلّ
من لمح البصر». ويطلق المؤرّخون على هذه المرحلة من تاريخ المرأة العربيّة في سوريّة «المرحلة النّهضويّة الثّانية»، إذ إنّ نشاط المرأة لم يعد قاصرًا على كتابة المقالات، والمشاركة في الجانب الإغاثي، وإنّما اقتحمت ساحات النّضال الوطنيّ، وتحدّت الاحتلال بضراوة، متسلّحة بالمبادئ ذاتها الّتي نادت بها الثّورة الفرنسيّة.
وحين اندلعت المظاهرات المندّدة بالاستعمار الفرنسي سنة ١٩٢٨م خلال انتخابات «الجمعيّة التّأسيسيّة» لوضع دستور البلاد، خرجت المرأة العربيّة في سوريّة تلتفّ بالعلم السّوري، وتلهب الحماس، وتشحذ العزائم، والهمم، وقد رفضت المعلّمات العربيّات في المدارس السّوريّة الهتاف للعلم الفرنسيّ، فعاقبت سلطات الاحتلال العديد منهنّ، كما عاقبت الآنسة ثريا حافظ بالنّقل من مدرسة دار المعلّمات؛ لأنّها استقبلت المندوب الفرنسيّ بطالبات تلحّفن بعلم بلادهن، وأنشدن نشيد «حماة الدّيار.. عليكم سلام» للشّاعر السوري خليل مردم بيك، بدلًا من النّشيد الوطني الفرنسي. تزوّجت ثريا حافظ من الصّحفي والمناضل منير الرّيس، وقد مارس الفرنسيّون ضدّ هذه السيِّدة حربًا نفسيّةً
عندما اقتحموا بيتها في منتصف اللّيل بحجّة التّفتيش عن زوجها لاعتقاله، لكنّ شجاعتها كانت تفوق تلك الحرب النّفسيّة، إذ قالت للمداهمين: «إنّ منير رجل شجاع، ولا يختبئ تحت الأسرّة، لو كان هنا لأحسن استقبالكم»، ما أدّى إلى استفزاز الدّرك فاعتقلوها بدلًا منه لفترة قصيرة، ثمّ عادوا، وافرجوا عنها. وعندما تعرّض زوجها للاعتقال سنة ١٩٣٩م، قادت زوجته المظاهرات في محاولة منها للضّغط على الحكومة التّابعة للفرنسيّين بهدف الإفراج عن زوجها المعتقل، وعن جميع الوطنيّين السّوريّين في السّجون الفرنسيّة، وقد ساعدها في تنظيم تلك المظاهرات كلّ من السيِّدتين سنية الأيوبي، جيهان الموصلي.
أمّا أكبر مظاهرة وطنيّة شهدتها مدينة دمشق كانت في ١٧ تشرين الثاني/ نوفمبر ١٩٣٤م، بعد تعطيل الحياة البرلمانيّة في سوريّة، على إثر رفض المعاهدة الّتي عرضتها فرنسا على الجانب السّوري، وما ميّز هذه المظاهرة أنّ النسوة اللّواتي انضممن إلى المظاهرة في شارع بغداد كنّ حوالي ١٠٠ سيِّدة محجبة، كنّ يصرخن نادبات؛ كما لو أنهنّ يندبن عزيزًا قد مات، وقد رافقت هذه الثّلّة من السيِّدات المظاهرة من شارع بغداد حتّى سوق ساروجة، والعمارة، وجامع القصاب، اضطرّت سلطات الاحتلال الفرنسي إلى تفريق المظاهرة؛ إلى إلقاء القبض على طائفة كبيرة من هؤلاء النّسوة، نحو نصف خمسين سيِّدة، واحتجزتهنّ في دار الشّرطة، ما وتّر الأجواء أكثر على هذا التّصرّف الّذي يخالف أعراف، وعادات وتقاليد البلد المُنتدب، ورفعت الفعاليّات الشّعبيّة برقيّات الاستنكار، والتّنديد إلى مكتب المفوّض السّامي، الّذي شعر بحنق أكبر على الّذين أذنوا لهؤلاء النّسوة على المشاركة في المظاهرات. قدّمت سلطات الاحتلال الفرنسيّ في اليوم التّالي النّسوة إلى المحاكمة الاستثنائيّة. وقد هاجم مسيو موغان -المدعي العام الفرنسي- السيِّدات الموقوفات، وطلب من المحكمة الحكم عليهنّ بأقصى العقوبات؛ لردع أمثالهنّ عن مقاومة الفرنسيّين. وعلى الرّغم من محاولات المدّعي العام الفرنسي
استفزاز الشّعب العربي في سوريّة، بالهجوم عليهن وتوجيه الإهانة لهنّ بقوله: «إنّ السّوريّين جبناء وأنذال.. يختبئون في دورهم ويرسلون نساءهم للمشاركة في المظاهرات في الشّوارع والإخلال بالأمن»، إلّا أنّ دعواه تلك ردت عليه؛ لأنّ عموم السّوريّين لم يروا في خروج بناتهم لمواجهة المستعمرين؛ بالمشاركة في المظاهرات؛ العار الّذي ادّعاه المدّعي العام الفرنسي، بل أكّدوا أن مشاركة المرأة للرجل في القتال ليس أمرًا جديدًا على العرب، وأوضح نائب دمشق السيِّد فخري البارودي الّذي طلب من المدّعي العام الفرنسي الاعتذار للسّوريين بوسطة رسولين بعث بهما؛ (هما أديب الصفدي والدكتور منير العجلاني)، لكنّه رفض، فشكاه إلى المندوب السّامي الفرنسي، فما كان من المندوب السّامي إلّا أن استدعى المدعي العام الفرنسي، ونبّهه إلى حماقاته الّتي أثارت سخط الشّارع السّوري، في وقت تحتاج فيه فرنسا إلى الهدوء، ثمّ أمره أن يكذب تصريحاته، فنفذ المدّعي العام ما أمر به. والأمر ذاته أكّده منير الريس؛ الّذي كان أيّام تلك المظاهرات يعمل في صحيفة «القبس»، والّذي أشار أنّ تلك الثّلّة من النّساء لا يقللن وطنيّة عن نساء أيّ أمّة في العالم، ولا تختلف حركتهنّ في مغزاها عن حركة الفتاة «جان دارك» الّتي يمجّدها الفرنسيّون؛ فإن كنّ غير شريفات فإن «جان دارك» غير شريفة أيضًا، فكان الرّدّ على منير الرّيس بتعطيل صحيفة «القبس»، وحجبها عن الصّدور. وفي سنة ١٩٤٥م شاركت طالبات المدارس في المظاهرات الّتي خرجت في دمشق تطالب بخروج الفرنسيّين من سوريّة، وفي أثناء العدوان الفرنسيّ على سوريّة في ٢٩ آيار خرجت النّساء إلى الشّوارع لتساهمن في عمليّات إسعاف الجرحى، وعملت النّساء في المستشفيات؛ وقامت بتمريض الجرحى ومواساتهم.
وعندما اندلعت ثورة أخرى في جبل الزاوية هي ثورة إبراهيم هنانو في ١٨ نيسان ١٩٢٠م، وقد شاركت فيها الكثير من النساء البارزات في الحركة الوطنيّة السوريّة ومنهن زكية هنانو شقيقة إبراهيم هنانو التي كرست حياتيا في سبيل تحقيق أهداف شقيقها، والمبادئ التي ناضل من أجلها، كما تبرعت بثروتها وجميع ممتلكاتها لصالح الثورة الوطنيّة العامة، وأصرت على البقاء بدون زواج لخدمة شقيقها؛ لكي تؤمن سبل الراحة له، وكانت تجتمع مع الشخصيات الوطنيّة البارزة عندما توارى شقيقها عن أنظار الفرنسيّين، بهدف التخطيط لإشعال الثورة والمضي بها قُدما، وكانت السيِّدة زكية همزة الوصل بين شقيقها وبين تلك الشخصيات، كما أنها قادت المظاهرات النسائيّة وقامت بإزعاج الفرنسيّين لذلك كانت مثلًا رائعًا للمرأة المجاهدة، وعندما أسر شقيقها إبراهيم كانت تنقل إليه الأخبار بحجّة إحضار الطّعام له، إذ كانت تقوم بوضع المراسلات له داخل طعامه الخاصّ، ورافقت شقيقها إلى آخر حياته.
عندما احتلّت فرنسا سوريّة سنة ١٩٢٠م وقفت المرأة السّوريّة إلى جانب الرّجل للدّفاع عن وطنها، ومن أشهر الأحداث الّتي حفظها لنا التّاريخ هو خروج منتسبات جمعيّة «النّجمة الحمراء» وهي مثل الصّليب الأحمر شاركت فيها بنات دمشق المندفعات بحسهنّ الوطنيّ لإغاثة المنكوبين، كنّ بقيادة نازك العابد، الّتي ارتدت الزّي العسكري، للقتال إلى جانب الجيش الوطنيّ بقيادة يوسف العظمة في معركة ميسلون ٢٤ تموز ١٩٢٠م، بعد أن قالت كلمتها المشهورة: «أنا ذاهبة إلى جهاد مُقدّس، وليس إلى مرقص» في ردّ على منتقديها، وقد تمركزت النّقطة الطّبّيّة الّتي تقودها العابد في الدّيماس قرب ميسلون، وفي بطاح ميسلون قامت نازك العابد، ومنتسبات جمعيّة النّجمة الحمراء بالخدمة العامّة، وإسعاف الجرحى، بينما تخلّف جمع كبير من «الرّجال» الّذين عاهدوا يوسف العظمة على الزّحف معه، وأداء الواجب الوطنيّ. وكان أشهر هؤلاء السّيِّدات
نازك العابد؛ الّتي شاركت في المعركة، وشهدت استشهاد يوسف العظمة، وحصلت على لقب جنرال فخري (نقيب) من الملك فيصل، فكانت أوّل امرأة في العالم العربيّ تنال رتبة عسكريّة. وبعد سقوط دمشق توارت العابد عن أنظار الفرنسيّين إلى أن هدأ الجو، ثمّ أخذت تشارك في المظاهرات الشّعبيّة المندّدة بالاحتلال، فما كان من سلطات الاحتلال الفرنسيّ إلّا أن أغلقت جميع مراكز نشاطها؛ بما فيها مدرسة بنات الشّهداء، وبعد أن استمرّت العابد في نضالها قام المحتل بنفيها سنة ١٩٢٢م. اختارت نازك العابد إسطنبول مقرًّا لمنفاها، ثمّ انتقلت إلى عمان، ثم عادت إلى دمشق سنة ١٩٢٤م للنّشاط في الحقلين الإنسانيّ، والاجتماعيّ، بعد أن تعهّدت بعدم المشاركة في أيّ نشاط سياسيّ ضدّ المستعمر الفرنسيّ. ولم تكن معركة ميسلون هي المعركة الوحيدة الّتي شاركت بها المرأة السّوريّة، بل كانت تخوض كلّ معركة يخوضها الثّوّار، فهي تحمل لهم المؤنة، والرّسائل، والسّلاح، غير عابئة بالمخاطر الّتي تعترضها خلال القيام بهذه المهام، والعادات، والتّقاليد الموروثة الّتي تفرض عليها الانزواء في بيتها، وحرمها. وقد تجسّد ذلك الكفاح في معارك جبل الأربعين في شمال سوريّة سنة ١٩٢١م، فقد سقطت العديد منهنّ شهيدات في ساحات القتال، وهنّ يقمن بمهامهنّ.
وعندما اندلعت الثّورة السّورية الكبرى سنة ١٩٢٥م اشتركت المرأة السّوريّة في الثّورة؛ فقد جاهدت بنفسها، وحملت السّلاح، وحاربت مع الرّجل جنبًا إلى جنب، فبعظهن فبعضهنّ طبخن الطّعام للثّوار، وبعضهن أوصلن السّلاح، والذّخيرة، والمراسلات لأزواجهنّ، فكانت مشاركتها مشاركة فاعلة في مساعدة الثّوار في حربهم ضدّ المستعمر الفرنسيّ، وبذلك دخل الشّعب السّوريّ مرحلة جديدة من الكفاح المسلّح ضدّ الفرنسيّين. كان من أشهر أولئك السّيِّدات المناضلة عادلة بَيهم الّتي شاركت في المظاهرات، ودعمت الثّوّار سرًّا، وقامت بتوفير الغذاء، والكساء للجائعين من أبناء بلدها، وكانت تنفق من مالها الخاصّ مع مجموعة من السّيِّدات الوطنيّات، وكان الشّعب أثناء تلك الفترة يعاني من
ضائقة كبيرة، وعوزٍ شديد. وقد استطاعت هذه السّيِّدة الفاضلة أن تؤسّس معملًا للغزل، والنّسيج، استوعب ١٨٠٠ يد أنثويّة عاملة. أمّا السيِّدة زهيرة شكير فكانت من الغوطة، وقد قاتلت مع الثّوّار، واستشهدت في معارك الغوطة. بينما كانت السّيِّدة أم عبده (من باب الجابية)؛ تنقل القنابل في سلال الفواكه إلى المجاهدين في الغوطة، وقد اشتركت معهم في معركة «قصر العظم»، واستشهدت فيها في ١٩ تشرين الأول ١٩٢٥م.
لم تسلم المرأة السّوريّة من المحاكمة، والتّهم الّتي وجِّهت لها هي مشاركتها في الثّورة، إلّا أنّ المجلس العدليّ في دمشق أصدر قرار براءتها من خلال المحاكمة، فمثلًا اتّهمت عزيزة بنت محمد سنة ١٩٢٦م بالتّجسّس لصالح الثّوّار، فحكم المجلس العدلي ببراءتها لعدم كفاية الأدلّة، كما تمّت محاكمة رشيدة الزّيبق قبل المجلس العدليّ بعد مشاركتها إلى جانب زوجها حسن الزّيبق في المعارك، فأصدرت المحكمة حكمًا ببراءتها لجسامة التّضحيات الّتي قدّمتها، والمتمثّلة بتركها لبيتها، وأولادها، وتطوّعيًا للقتال ضدّ المستعمر، وما زالت صورها بلباسها الحربيّ تملأ صفحات كتب تلك الحقبة من تاريخ سوريّة الوطنيّ.
يلخّص هذا البحث دور المرأة السّوريّة في قارعة الاستعمار الفرنسيّ، الّذي كان أشدّ ثقلًا على نساء سوريّة من رجالها؛ لأنّه وجد في العادات، والتّقاليد المجتمعيّة البالية عونًا ضدّ المرأة السّوريّة، وبالتّالي كان على المرأة السّوريّة أن تناضل في وجه الاستعمار الفرنسيّ، وأن تسعى إلى التّحرّر من القيود الّتي أثقلت كاهلها، فنجحت في ولوج التّعليم بعد أن جهود مضنية من سيِّدات السّوريّات اللّواتي كافحن في سبيل ذلك، إنّ تعلّم المرأة، وتنوّرها بالمعرفة، وتسلّحها بالثّقافة العربيّة لم يكن خيرًا له، لأنّ هدفه الأوّل كان فرنسة البلاد، والعباد، والمرأة قبل الرّجل، لأنّ المرأة هي الّتي من سيربّي النُّشّأ، وهكذا نجحت المرأة السّوريّة في الحفاظ على ثقافة البلاد السّليمة، وتراثها الموروث، وصانتها في تربية أولادها، وأفشلت مخطّطات الفرنسة. كما أنّ المرأة العربيّة في سوريّة نجحت في ميادين الكفاح كلّها، فقد قادت المظاهرات النّسائيّة الّتي طالبت بحرّيّة البلاد، واستقلاها، وبعثت الحميّة في نفوس الرّجال المتردّدين، وطالبت بالحرّيّة للمعتقلين في سجون الاحتلال الفرنسي. ونشطت في كلّ باب من أبواب النّضال الوطني تحت عناوين أدبيّة، أو اجتماعيّة، فقد رعت أبناء الشّهداء، وبناتهم، وسعت إلى حياة كريمة لكلّ مواطن في سوريّة، وسعت إلى تأصيل القيم، والمثل العربيّة في تكريم المرأة، والحفاظ عليها، ومساواتها بالرّجل، وبالتّالي كشف زيف، وادّعاءات المدنيّة الغربيّة الحديثة فيما يتعلّق بحقوق المرأة. وكتبت في الصّحف، وصرخت بالكلمة، ونظّمت نشاطها من خلال الجمعيّات النّسائيّة. ولم تتوان عن حمل السّلاح، والقتال إلى جانب الرّجال سواء في ميسلون، أو غيرها من المعارك، والثّورات في سوريّة إبّان الاستعمار الفرنسي، كما أنّها عملت في خطوط الإمداد، والتّموين، ونقلت المراسلات ما بين قيادات الثّورة. وشاركت المرأة السّوريّة في النّشاطات الدّوليّة، وحاولت إيصال صوت الوطن، وشرح القضيّة السّوريّة في المؤتمرات، والمحافل الدّوليّة، وأمام البعثات الدّبلوماسيّة. وهكذا كانت النّساء شقائق الرّجال في سوريّة، واستطاعت ثلّة من نساء سوريّة تخليد أسمائهن في التّاريخ من أمثال: نازك العابد، وعادلة بيهم، وثريا الحافظ، وماري عجمي.
1.بحبوح، زينب، زينب فواز رائدة من أعلام النهضة العربيّة الحديثة، (١٨٤٦-١٩١٤م)، منشورات وزارة الثقافة، دمشق ٢٠٠٠م.
2.البطل، أحمد خالد، الصالونات الأدبيّة الثقافيّة في دمشق (النشأة، الرواد، صعوبات وتحديات) بين (١٩٢٠-٢٠٠٠م)، أبحاث طبعت ضمن جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب، مؤسسة تاريخ دمشق، دمشق ٢٠٢١م.
3.بهلون، سمر، تاريخ المرأة العربيّة منذ منتصف القرن التاسع عشر حتى ٢٠٠٨م، ضمن كتاب تاريخ المرأة في سوريّة في مختلف العصور، الصادر عن الاتحاد العام النسائي، دمشق ٢٠١١م.
4.التونتنجي، محمد، معجم أعلام النساء، دار العلم للملايين، بيروت ٢٠٠١م.
5.حامد علي، رانية، نضال المرأة السوريّة خلال الانتداب الفرنسي، مجلة جامعة الأنبار للعلوم الإنسانية، العراق، العدد الأول، المجلد ١٩، آذار ٢٠٢٢م.
6.حسن، الحكيم، مذكراتي، صفحات من تاريخ سوريّة الحديث (١٩٢٠-١٩٥٨م)، دار الكتاب الجديد، بيروت ١٩٦٥م.
7.الحسواني، يارا سمير، الحياة الاجتماعية للأشياء حكاية بيت من طالع الفضة، أبحاث طبعت ضمن جائزة فخري البارودي للمؤرخين الشباب، مؤسسة تاريخ دمشق، دمشق ٢٠٢١م.
8.الخربوطلي، محمد عيد، الصالونات النسائيّة الأدبيّة ودورها في نهضة المجتمع، مجلة المعرفة الصادرة عن وزارة الثقافة في الجمهورية العربيّة السوريّة، العدد ٦٤٦، السنة ٥٦، تموز ٢٠١٧م.
9.الشهبندر، عبد الرحمن، مذكرات، دار الإرشاد، بيروت ١٩٦٧م.
10.العابد، مفيد رائف، أوراق عن عائلة العابد بخط المؤرخ الدمشقي عميد الأسرة، مجلة تاريخ دمشق، الصادرة عن مؤسسة تاريخ دمشق، العدد الثاني، كانون الثاني ٢٠٢٢م.
11.عثمان، هاشم، الصحافة السوريّة ماضيها وحاضرها (١٨٧٧-١٩٧٠م)، وزارة الثقافة، دمشق ١٩٩٧م.
12.ليامنة، سايح، الآثار السياسية للانتداب الفرنسي والبريطاني على بلاد الشام ١٩٢٤/ ١٩٣٩م، رسالة معدة لنيل درجة الماجستير في التاريخ المعاصر، جامعة محمد خيضر بسكرة، الجزائر ٢٠١٩م.
13 منى غانم وآخرون، النساء ومجلس الشعب في الجمهورية العربيّة السوريّة، بحث معد بالتعاون مع صندوق الأمم المتحدة الإنمائي للمرأة، والهيئة السوريّة لشؤون الأسرة، دمشق د.ت.
كاميليا شكيب أبو جبل
ينكشف التّاريخ الاستعماريّ الفرنسيّ لسوريّة عند دراسة أدواته الّتي استخدمها للسّيطرة، والاحتلال، فكان جيش الشّرق الفرنسيّ هو الأداة العسكريّة الّتي تغلغلت بشؤون سوريّة كافّة، وربطت بهِ كلّ المصالح الفرنسيّة، إذ لم تتحقّق الأهداف الفرنسيّة في سوريّة إلّا بالقمع في ظلّ الرّفض السّوريّ الوطنيّ لوجود فرنسا منذ اللّحظة الأولى للاحتلال، وحتّى الاستقلال، ويدرس هذا البحث العلاقة بين الجيش، ومفوّضو فرنسا في سوريّة، إذ كان معظم قادته هم المفوّضون السّاميون، كذلك يجيب على السّؤال الجوهريّ للبحث: كيف أفضت ممارسات جيش الشّرق إلى ردود فعل وطنيّة كبرى؟ فالجيش الفرنسي لم يكن أداة عسكريّة فحسب، بل كانت من مهامه الفصل بين أبناء الوطن الواحد، وتجنيد الأقلّيّات، والدّفع باتّجاه دوام التّفرقة بين السّوريّين، حتّى أنّ عناصره أهانوا الأديان، وفرضوا على الشّعب نوعًا من العبوديّة، حتّى عندما حُلّ الجيش كانت ممارساته السّلبيّة راسخة في سلوك كلّ من خدم فيه.
احتلّت فرنسا سوريّة تحت مسمّى الانتداب، وكانت القوّة الضّاربة في هذا الاحتلال هو جيش الشّرق الفرنسيّ الّذي مارس كلّ الأساليب القتاليّة لاحتلال البلد، وفرض السّلطة الفرنسيّة عليه تحت مسمّى التّحضّر، والتّمدّن، ومساعدة الشّعوب، إنّ تلك الأداة
العسكريّة كانت تتكوّن من مجموعة من الرّوابط المتشابكة فيما بينها بدءًا بعناصر ذلك الجيش، ووحداته، والمهام الّتي حُدّدت له، وكذلك ترابطه، وعلاقته بالمحيط السّوري الّذي وُجد فيه، إضافة إلى مواجهته، وقمعه أيّ تحرّك وطني حتّى وإن كان مدنيّ وسلميّ.
إشكاليّة الدّراسة: تكمن إشكاليّة البحث في الإجابة على السّؤال الجوهريّ: ما دور جيش الشّرق في تشكيل ردّة الفعل الوطنيّة، وسعي الشّعب السّوري إلى التّحرّر؟ ولمعالجة السّؤال المحوريّ لا بدّ من معالجة مجموعة من الأسئلة الفرعيّة وهي:
1.من هم قادة جيش الشّرق الفرنسيّ في سوريّة؟
2.كيف أسهمت سياسة وتصرّفات جيش الشّرق في رغبة السّوريّين في التّحرّر؟
3.ما عناصر الجيش وما تأثيرها في الدّاخل السّوري؟
4.كيف تحول الجيش إلى أداة للتّدخّل في الشّؤون المدنيّة السّوريّة وقمع الشّعب السّوري؟
سيستخدم في البحث المنهج التّاريخيّ، والوصفيّ، والتّحليليّ لاستقراء الأحداث التّاريخيّة بناء على المعطيات المتوافرة من وثائق غير منشورة، ومصادر متنوّعة، منها ما أرّخ الأحداث، ومنها ما كانت مذكّرات شخصيّة تداخلت مع الأحداث، ممّا ثبت في قائمة المصادر والمراجع.
الدّراسات السّابقة: لا يوجد دراسة متكاملة عن جيش الشّرق الفرنسيّ، إذ ركّزت الدّراسات السّابقة على الثّورات الوطنيّة، وكذلك على القوى العسكريّة الوطنيّة الّتي شكّلت جيشيّ لبنان وسوريّة، ومن خلالها استطعنا الوصول لمعلومات قيّمة عن جيش الشّرق.
مارس المفوّض السّامي السّيادة الكاملة على الأراضي الّتي تحتلّها فرنسا، وبعد أن كان المندوب السّامي هو قائد الجيش بالمطلق، صار تعيين ثلاث شخصيّات فقط في منصب قادة لجيش الشّرق الفرنسي، أحدهم لم يستمرّ سوى مدّة بسيطة وهو هملان، والآخر بقي قرابة أربع سنوات وهو هونتزيجر، والثّالث بقي عامًا تقريبًا وهو كايو، وفي زمنه صدر قرار من الحكومة الفرنسيّة، وجاء فيه أنّه يحقّ للمفوّض السّامي استخدام الجيش لإرساء الأمن، والاستقرار في المناطق المنتدبة.
اختار الفرنسيّون حكم سوريّة بالقوّة، والعسكرة؛ ليلبّوا مصالحهم الاقتصاديّة في السّيطرة على ثرواتها سريعًا، وفي الواقع فإنّ الخطوة الّتي اتّبعتها فرنسا باستعجال احتلال سوريّة بالقوّة العسكريّة كانت تنفيذًا لخططهم بجعل الجيش ركيزة الحكم، وتطبيق الاحتلال العسكريّ بالقوّة لفرض إرادة فرنسا، وتجاهل إرادة السّوريّين، وإنّ سلطة الجيش كانت كاملة في يد المفوّضين السّاميّين منذ تأسيسه وحتى عام ١٩٢٥م، وتعيين دي جوفنيل وهو مدنيّ مفوّضًا فرنسيًّا، إلّا أنّ صلاحيّات المفوّض السّامي كانت شاملة، لذلك لم يظهر دور لقادة الجيش، في حال عيّن قادة له! والأرجح أنّ المندوب كان هو قائد الجيش ككلّ، بينما قائد الجيش الأعلى في سوريّة فقط كان منصبًا منفصلًا، ولكنّه يخضع لسلطة المندوب السّامي، إذ نجد مثلًا أنّ القائد العسكريّ لمنطقة دمشق وهو الجنرال أندريا هو من قاد جيش الشّرق في زحفه على جبل حوران عام ١٩٢٦م،
إذ لنتمكن من دراسة قادة الجيش حتّى بعد حلّه، وقيامه بمجزرة البرلمان عام ١٩٤٥م، علينا دراسة المفوّضين، والمندوبين الفرنسيّين الّذين أخذوا كامل الصّلاحيّات العسكريّة في سوريّة حتّى الاستقلال.
وهو أوّل قائد لجيش الشّرق، وفي زمانه بدأت فرنسا باحتلال سوريّة بدءًا من السّاحل وكيليكيا، وكذلك هو أوّل مفوّض سامي لفرنسا في سوريّة، ولبنان، وعيّن عام ١٩١٧م، ودخل برفقة الجيش الفرنسي إلى لبنان في ٧ تشرين الأوّل ٢٠١٨م، وتسلّمت القوّات المواقع من القوّات البريطانيّة، وبذلك انتهى دور بيكو بوصفه قائدًا للجيش المؤسَّس حديثًا.
تسلّم قيادة جيش الشّرق في ٢٨ تشرين الثّاني عام ١٩١٨م بعد إنزال القوّات الفرنسيّة على السّواحل اللّبنانيّة، واحتلّت لبنان، في حين كان الجنرال الإنكليزي اللّنبي هو قائد جيوش الحلفاء جميعها.
القائد العام لجيش الشّرق وهو المفوّض السّامي لفرنسا، وكانت تصدر القرارات الرّسميّة بتسميته بالمعتمد السّامي للجمهوريّة الفرنساويّة في سوريّة، وكيليكيا، وقائد جيش الشّرق العام، وبقي غورو في قيادة الجيش حتّى نيسان ١٩٢٣م.
في مطلع شهر نيسان عام ١٩٢٣م أنهت فرنسا مهمّة غورو في سوريّة، وعيّنت ويغان بدلًا منه، وهو أحد القادة العسكريّين، ووصل إلى بيروت في ٩ آيار ١٩٢٣م.
وصل إلى بيروت في بداية عام ١٩٢٥م معيّنًا قائدًا لجيش الشّرق، وكان مستبدًّا برأيه، إذ أعطى الجيش كلّ الصّلاحيات لقمع أيّ تمرّد في سوريّة، وتفتيش المنازل، ومصادرة السّلاح، ونفي السّوريّين الوطنيّين، واعتقال، وسجن القادة منهم، وكانت ممارساته العسكريّة سببًا في اندلاع الثّورة السّورية الكبرى.
عيّن بدلًا من سراي على إثر فشل الأخير في قمع الثّورة السّوريّة الكبرى، ووصل في ١٣ أيلول ١٩٢٥م وصل إلى سوريّة، وقاد بنفسه الحملة العسكريّة إلى جبل حوران لقمع الثّورة فيه.
عيّن خلفًا لغاملين عام ١٩٢٥م، وهو ذو خلفيّة مدنيّة، وليست عسكريّة، وكان
عضوًا في مجلس الشّيوخ الفرنسي، وأحد ممثّلي فرنسا في عصبة الأمم، وهو خطيب متمكّن، ومُتحدّث، كذلك كان له كتابات سياسيّة جعلته في مصافي كبار الكتاب السّياسيّين إذ كان رئيس تحرير جريدة لوماتان، ولكن على الرّغم من أنّه سياسيّ بارع، إلّا أنّه لم يتمكّن من إخماد الثّورة بل على العكس زاد من حدّتها.
وهو دبلوماسي فرنسي محترف كان عمره ٤٩ عند تعيينه مفوضًا، وكان يشغل آنذاك منصب مدير القسم الإفريقي، والشّرقي في الخارجيّة الفرنسيّة، وعرف عنه الصمت، والهدوء، وبقي مفوّضًا لمدّة زمنيّة أطول من أيّ فرنسي آخر في هذا المنصب، عيّن في ١٤ آب، ووصل سوريّة في ١١ تشرين الأوّل ١٩٢٦م، وكان يقضي ستّة أشهر في سوريّة ثمّ يعود إلى فرنسا ليعالج المشكلات مع وزارة الخارجيّة، وكان شديد الحذر، ولا يستعجل في اتّخاذ أيّ قرار، وعند زيارته إلى فرنسا للاستجمام بعد مرض ألمّ به أنهت فرنسا تكليفه، وعيّنته مقيمًا عامًّا في مراكش.
كان سفير فرنسا في الصّين، وعيّن مفوّضًا فرنسيًّا على سوريّة ولبنان في تموز ١٩٣٣م، وهو من ذوي الحزم، والجرأة على عكس سلفه، ووصل سوريّة في ذروة الخلاف على المعاهدة السّوريّة الفرنسيّة، وحاول حلّها، وخرج بمعاهدة صداقة، وتعاون،
ووقّعها، وأرسلها لفرنسا، وبعد خمسة أعوام غادر البلاد عائدًا إلى فرنسا عام ١٩٣٨ .
عيّن لأوّل مرّة حاكمًا عسكريًّا لسوريّة عام ١٩٣٦م بسبب حال الغليان الشّعبيّ، والاحتقان من مماطلة دي مارتيل في تنفيذ الاتفاقيّة بين فرنسا وسوريّة، وجاء دوره لتهدئة الأجواء الحربيّة ريثما تماطل فرنسا في توقيع الاتّفاقيّة الّتي لم ترد أن توقعها، واستمرّ في منصبه حتّى عام ١٩٣٩م وفقًا للمراسلات الّتي ظهرت بينه وبين البستاني.
عيّن قائدًا لجيش الشّرق عام ١٩٣٩م، ولكنّه لم يبقَ في المنصب بسبب بدء الحرب العالميّة الثّانية، والتّبدّلات الطّارئة في الحكومة الفرنسيّة.
عيّن مفوضًا عامًّا، ووصل إلى بيروت في ٧ كانون الثّاني عام ١٩٣٩م، وهو الممثّل السّابق لفرنسا في النّمسا، وانتهت مهمّته، وعاد لبلاده بعد إلحاق النّمسا بألمانيا، وكان طموحًا، انتظر لثمانية أشهر لتعينه فرنسا في منصب ما، فجاء تعيينه في أخطر المناصب الفرنسيّة خارجها، وجاء تعيينه في معضلة إقناع البرلمان الفرنسيّ الموافقة على المعاهدة بين سوريّة وفرنسا، ولكنّه قضى عليها برمّتها، وأنهى جزءًا هامًّا من الحركة الوطنيّة المتمثّلة
بسيطرة بالكتلة الوطنيّة على القرار السّوري الوطنيّ، وتوجيهه ضدّ الاحتلال، واستخدم بيو جيش الشّرق لقمع التّحرّكات الوطنيّة، ولكنّه أقيل في ٢٤ تشرين الثاني عام ١٩٤٠م على إثر سيطرة ألمانيا على فرنسا، وإعلان حكومة فيشي قراراتها الجديدة.
وصل سوريّة في كانون الأوّل عام ١٩٤٠ معيّنًا بوصفه مفوّضًا ساميًا، وقائدًا عامًّا على سوريّة من حكومة فيشي، وقد نفّذ دانتز أوامر حكومة فيشي الفرنسيّة بوضع المطارات، والقواعد العسكريّة السّوريّة، واللّبنانيّة تحت تصرّف الطّيران الألمانيّ الّتي كانت ستعبر من سوريّة إلى العراق، ولكن الحلفاء هاجموا الألمان في سوريّة في ٨ حزيران ١٩٤١م، وخلال شهر واحد انتهى دور دانتز في سوريّة، وكذلك دور حكومة فيشي.
وقد عيّنه الجنرال ديغول مندوبًا عامًّا على سوريّة بطلب بريطانيّ من أجل إعادتها للسّيطرة الفرنسيّة بدعم القوّات البريطانيّة عام ١٩٤١م، إذ رفضت بريطانيا تسمية، وتوصيف هذا المنصب أنّه مفوّضًا ساميًّا، وأعلن في ٢٧ أيلول ١٩٤١م أنّ سوريّة تتمتّع بما تتمتّع به الدّول المستقلّة، ولا تخضع إلى قيود سوى ما يتعلّق بحال الحرب المستمرّة، وأمنها، وأمن، وسلامة جيوش الحلفاء، وفي ١١ آب ١٩٤١ أعلن القائد الأعلى لجيش الشّرق الفرنسيّ كاترو حلّ جيش الشّرق الفرنسيّ، مع بقاء القوّات الفرنسيّة بأمرته، وعاملة في سوريّة ولبنان.
نقل كاترو إلى الجزائر، وعيّن بدلًا منه هيلو في ٣ حزيران ١٩٤٣م مندوبًا عامًّا، وكانت القوّات المتبقّية من جيش الشّرق لا تزال فاعلة في سوريّة، وفي تلك المرحلة أعلن رئيس سوريّة شكري القوتلي انتهاء الانتداب على سوريّة، وبفكّ الارتباط بفرنسا فأعادت فرنسا إيفاد كاترو لمعالجة الموقف، وبدأ كاترو بالاتّفاق مع الحكومة السّورية لنقل الصّلاحيات إليها، وفقًا لتعليمات الحكومة البريطانيّة.
عين بدلًا من هيلو بسبب النّقمة العارمة على تصرّفاته في لبنان وسوريّة، وتسلّم منصب المندوب العامّ بالوكالة عام ١٩٤٣م، وبقي فيه حتذى عام ١٩٤٤م، وخلال مدّة حكمه تزايد النّشاط البريطاني في بعض المناطق السّوريّة، ولا سيّما في الجزيرة السّوريّة.
تسلّم منصب المندوب العامّ بين عامي (١٩٤٤-١٩٤٦م)، وهو من ارتكب مجزرة البرلمان عام ١٩٤٥م، إذ لم تغيّر فرنسا سياستها العسكريّة في التّعامل مع سوريّة على الرّغم من الادّعاء بحلّ الجيش، وأكبر دليل على هذا أنّها عيّنت جنرال عسكري مندوبًا لها.
نجد من خلال دراسة قادة الجيش الفرنسي أنّ القرار الفرنسي بحكم سوريّة عسكريًّا كان منذ بداية التّخطيط لاحتلالها، وحتّى الجلاء عنها، ولا يختلف تعيين مفوّض مدنيّ
عن آخر عسكريّ في ظلّ دوام فاعليّة القوّات العسكريّة في السّيطرة على البلاد، وإدارتها في مختلف النّواحيّ، وأنّ جيش الشّرق الفرنسيّ الّذي حُلّ عام ١٩٤١م، لم يُحلّ إلّا على الورق، وبقي متأهّبًا لعقاب السّوريّين، وقمعهم، وأذيّتهم، وعلى العكس بدلًا من انسحابه، وتسليم القوّات السّوريّة الوطنيّة الأمن، والشّؤون العسكريّة ازداد الفرنسيّون إصرارًا على دوام احتلال هذا الجيش لسوريّة.
على إثر خروج فرنسا من الحرب العالميّة الأولى، وهي في وضع عسكريّ يسيطر فيه الحزب العسكريّ على الحكم، جاء تشكيل جيش الشّرق وفق نظريّة بعض الفرنسيّين بوجوب مكافأة الجنود الّذين أبلوا بلاءً حسنًا في الحرب، والاستمرار في خلق الأمجاد العسكريّة لفرنسا للتّغطية على خساراتها السّابقة، وبسبب النّقص الشّديد في أعداد القوّات الفرنسيّة، فقد تشكّل الجيش من عدّة عناصر كان لها دور فاعل في قمع الشّعب السّوري، وكانت قيادتها من الفرنسيّين، فعند دخول جيش الشّرق لسوريّة في ٢٤ تموز ١٩٢٠م، كان بين عناصره جنود أفارقة، وجزائريّون، ومراكشيّون، وسنغاليّون، وسوريّون، وفرنسيّون، وكانوا يشكّلون معظم الجيش الفرنسيّ.
اعتمدت فرنسا على الأفارقة، وشكّلت منهم فيالق عديدة ضمن جيش الشّرق الفرنسيّ[4]، وشاركوا في مختلف المعارك على امتداد سوريّة بأعداد كبيرة، وفيالق عدّة، فقد كان من ضمن جيش الشّرق الفرنسيّ فيلق من الرّماة الأفارقة، وخاضت سريّة من
الرّشاشات منها حروب في الشّمال السّوري عام ١٩٢٠م.
شكّل المراكشيون فرقَ خيّالة في جيش الشّرق، وهم من العرب المتمرّسين في الفروسيّة، والأشدّاء في الحروب، وقاتلوا ضمن الجيش الفرنسيّ في مختلف مناطق الثّورة السّوريّة عام ١٩٢٥م، وسمّوا بالصّبّاحيّين، وشكّلت فرنسا منهم عدّة فيالق.
جنّدتهم فرنسا منذ بدء عمليّات الجيش الفرنسيّ في سوريّة، إذ شاركوا في حروب عام ١٩١٩م في الشّمال السّوريّ، وكانوا كتيبتين من الرّماة، واعتمدت فرنسا عليهم في سلاح الرّشاشات، ووضعتهم في الصّفوف الأماميّة في المعارك.
وأكثرهم من المسلمين، ووصفهم السّوريّون بالمرتزقة الّذين يقاتلون لصالح فرنسا، لقمع الحركات الوطنيّة في سوريّة، وكان انتشار السّنغاليين على امتداد مساحة سوريّة ضمن جيش الشّرق كبير، واعتمدت عليهم فرنسا في قمع الرّوح الوطنيّة، وملاحقة الوطنيّين، وذلك منذ وصول جيشها إلى سوريّة، إذ كان هناك فيالق منهم.
كان ضمن الجيش الزّاحف إلى جبل العرب عام ١٩٢٥م فيلق من الرّماة التّونسيّين من ثلاثة ألوية، وكذلك فيلق خيّالة تونسيّين، وعمومًا كان هناك عدّة فيالق منهم.
وهم عماد جيش الشّرق، وكان عددهم مرتفع في مختلِف القطاعات العسكريّة الحسّاسة، وشكّل الضّبّاط، وصفّ الضّبّاط النّسبة الأعلى.
يفصل الباحثون بين العناصر السّوريّة الّتي خدمت لصالح الجيش الفرنسيّ، وبين جيش الشّرق الفرنسيّ، وخلال دراستنا هذه وجدنا ألّا فرق بينهما، فكلاهما يعملان تحت إمرة الضّبّاط الفرنسيّين في جيش الشّرق، ويتلقّون تعليماتهم العسكريّة من قيادة الجيش العليا، ويشاركون بالمعارك ضدّ الوطنيّين جنبًا إلى جنب مع بقيّة عناصر القوّات الفرنسيّة وفق اختصاصاتهم، لذلك هم عناصر بهذا الجيش، وهم متطوّعون فيه، وسمّيت هذه العناصر الّتي قاتلت ضدّ السّوريّين بقوّات العملاء، فقد عمل الفرنسيّون على حشد السّوريّين من الشّراكسة، والعلويّين، والأرمن، والموارنة، والإسماعيليّين للخدمة في جيش الشّرق على أنّهم يخدمون لصالح قضاياهم، إذ دعموا الزّعماء الشجعين الجشعين للمال في مناطق العلويّين لكسبهم وفئات الشّعب المسحوقة للعمل في الجيش بمقابل مادّي، فقد قاتل الشّراكسة مع الجيش الفرنسي في سوريّة منذ بدء احتلاله لها، وشاركوا
بمعارك عام ١٩١٩م، وشكّل الشّراكسة كتيبة عسكريّة ضمن الجيش الفرنسيّ القادم لجبل العرب عام ١٩٢٥م، كذلك أستُعين بهم في عمليّات الحراسة، والمراقبة على الطّرق، والسّكك الحديديّة، ولا سيّما على طريق دمشق-بيروت.
كذلك تطوّع عدد كبير من الإسماعيليّين في السّاحل السّوري في جيش الشّرق نتيجة لسياسات فرنسا خلال مجابهتها ثورة الشّيخ صالح العلي من جعل هذه الفئة درعًا بشريًّا للقوّات الفرنسيّة، فكانت مستهدفة من الثّورة لأنّها لم تستطع إخراج الفرنسيّين من مناطقها، وردًّا على مهاجمة العلويّين للفرنسيّين ولهم فتطوّعوا في الجيش الفرنسيّ، وشارك الأرمن بالتّطوّع في الجيش، وشكّلوا فرقًا فيه، وشاركوا في عام ١٩٢٠م في معارك كيليكيا ضدّ الأتراك كوحدات مختلطة ضمن جيش الشّرق، وكان في جيش الشّرق فرق من شرائح مختلفة من السّوريّين تقاتل إلى جانبهم برئاسة ضبّاط فرنسيّين، ومعهم أحد الأطبّاء السّوريّين الّذي عمل ترجمان لهم، وهو من المسيحيّين.
بلغ عدد السّوريّين في القوّات السّوريّة الرّديفة ١٨٥ ضابطًا منهم ١٥٧ فرنسيًّا، والعناصر ٦٥٠٠ منهم ٦٤٦ فرنسيًّا، أمّا القوّات المشكّلة عام ١٩٢٥م لقمع الثّورة السّوريّة الكبرى، فقد شكّلتها فرنسا من المهاجرين الجدد من أرمن، وجماعات الشّركس الّذين سبق لهم أن ارتكبوا كثيرًا من الجرائم في القرى السّوريّة.
لم تكن كلّ العناصر السّورية في جيش الشّرق موالية لفرنسا، فعلى سبيل المثال كان الضّابط في الجيش الفرنسي فوزي القاوقجي، ورفاقه صفّ الضّبّاط السّوريّين، وكلّهم من
حماة قد خطّطوا للانقضاض على الفرنسيّين، وهو الضّابط السّوري الوحيد، والعربي الوحيد المعيّن في جيش الشّرق ضمن القوّات السّوريّة المختلطة برتبة نقيب.
نجد ممّا سبق أنّ هناك مجموعة من الأسباب الّتي أدّت إلى وجود عناصر أساس في الجيش كالمغاربة، والأفارقة، والسّنغاليّين، فهم عماد القوّة العسكريّة الفرنسيّة، أمّا العناصر السّوريّة فكلّ شريحة لها أسبابها في الخدمة بالجيش، منهم له أسباب طائفيّة غذّتها فرنسا، وأدّت لاستخدامهم في الجيش، ومنها أسباب مادّيّة إذ دفعت فرنسا لبعض القادة المحلّيين الجشعين للمال ليقنع الشّبّان بالتّطوّع، ومنها أسباب دينيّة، وتعاطف بعض المسيحيّين مع فرنسا بالرّابطة الدّينيّة، ولكن فرنسا لم تثق بالسّوريّين، وجعلتهم في مراتب عسكريّة متأخّرة عن الفرنسيّين، وكأنّهم عمّال لديهم.
كانت أولى مهام جيش الشّرق احتلال لبنان، وكيليكيا، والسّاحل السّوري، إذ لم تكن قوّاته كافية لاحتلال كامل سوريّة، فبدأ بالتّخطيط لاحتلال المواقع، والطّرق الاستراتيجيّة في سوريّة، وظهر ذلك جليًّا في إنذار غورو إذ طالب بسيطرة الجيش الفرنسيّ على الخطّ الحديديّ من رياق إلى حلب بالإضافة لمحطات ريّاق، وبعلبك، وحمص، وحماه، وطالب غورو بموافقة الحكومة على احتلال الجيش الفرنسي لحلب، وتشكيل إدارة عسكريّة فرنسيّة فيها، أمّا المهمّة الثّانية الّتي نفّذتها الحكومة العربيّة في دمشق فقد كانت في القضاء على القوّات السّوريّة بحلّ الجيش، وإلغاء التّجنيد العسكري بكلّ أشكاله.
كان الجنرال غورو ومنذ وطأت قدمه سوريّة قد شكّل جيش من القوّات السّورية ممّا توافر من أفراد، وأرسله بمهمّة لدعم القوّات الفرنسيّة في كيليكيا ضدّ ثورة الأتراك، وكان
هذا الجيش يعمل تحت مظلّة جيش الشّرق الّذي أصيب بنكسة كبرى على يد الأتراك.
ونستطيع تلخيص المهام الّتي قام بها جيش الشّرق إلى مهام واضحة، وهي القضاء على الثّورات، والانتفاضات ضدّ فرنسا، مما سندرسه منفصلًا في هذه الدّراسة، أمّا المهام الصّغيرة لكنّها ذات أثر كبير، وهي الّتي حرّكت الشّعور الوطنيّ السّوريّ بضرورة الإسراع بالخلاص من الاحتلال، وجيش الشّرق؛ فنورد أمثلة على المهام الّتي أنيطت ببعض وحدات جيش الشّرق سواء خلال المعارك، أم في حالات أخرى:
كانت إحدى مهام جيش الشّرق بدبّاباته، ومعدّاته الثّقيلة تأمين الانتخابات الّتي أجرتها فرنسا عام ١٩٢٢م، وقد ثار الأهالي في دمشق، وهاجموا الجيش، ودبّاباته في شوارع دمشق آنذاك.
كانت أبرز مهام وحدات جيش الشّرق تتبّع الثّوّار، والتّعامل مع الجواسيس المحلّيّين للإبلاغ عنهم، ولا سيّما الزّعماء الوطنيّين المتخوّف منهم، وبثّ التّفرقة بين أبناء الشّعب السّوري، لا بل العمل على معاقبة من يبدي رفضه للسّياسة الفرنسيّة، ولا سيّما في المناطق الّتي يحمل أصحابها السّلاح كجبل العرب.
إحدى مهام القوّات الفرنسيّة خلال ثورة الشّمال كانت تدنيس المقدّسات، ولا سيّما القرآن، وممارسة الإرهاب، وكانت بعض مهام أفراد الجيش الفرنسي حرق الأماكن الدّينيّة، وفعلت ذلك في مختلف المناطق، ومنها السّويداء، كذلك عملت قوّات الجيش مُعزّزة بالدبابات على حصار المساجد عند توقّع أيّ حركات وطنيّة، أو مظاهرات.
نهب الآثار السّوريّة: كانت إحدى مهامّ عناصر جيش الشّرق خلال ثورة الشّمال
السّوريّ نهب الآثار السّوريّة بشكل منظّم.
الجيش وسيلة لفرض الضّرائب: تفنّن قادة الجيش الفرنسيّ في فرض الضّرائب على السّكّان، ووصل بهم الأمر أن فرضوا ضريبة ١٠ ليرات ذهب لفقدان أحد ضبّاطهم لهرّة في منطقة السّويداء.
عمل الجيش الفرنسيّ خلال سير حملته على قرى جبل حوران أن يدمّر منازل السّكّان، وينهبها، ويعتدي على الرّحمات، والنّساء حتّى للمسيحيّين الّذين استقبلوهم في بعض المناطق بالماء والطّعام، فكانت عمليّات تلويث المياه النّظيفة، وقطعها عن السّكان، وتجريف المزرعات، والاشجار المثمرة هي عمليّات ممنهجة قامت بها وحدات الجيش، وعناصره.
بثّ الفتن الطّائفيّة: كان من مهامّ الجيش في دمشق إشعال الفتنة الطّائفيّة، إذ أمر الجنرال ساراي بإزالة الحراسة عن الحيّين المسيحيّ واليهودي بعد دخول الثّوّار إلى دمشق من جهّة الغوطة، ولكن الثّوّار شكّلوا مجموعات حراسة، وطمأنوا أخوتهم بالوطن أن لا خوف عليهم، وفي أجزاء أخرى من سوريّة عملت استخبارات الجيش على بثّ بذور الفتنة بين المسيحيّين، والمسلمين حتّى في الأوساط التّجاريّة، وكذلك في تشجيع الأطفال بالاعتداء على المصلّين وسط حماية عناصر الجيش، على سياسة فرق تسد، ولم تقتصر التّفرقة الّتي قام بها الجيش الفرنسيّ على المسيحيّين، والمسلمين بل فرّقوا بين الطّوائف الإسلاميّة كما فعلوا عندما تمركزوا في مناطق الإسماعيليّين، وتحصنوا بين منازلهم في مواجهة ثورة صالح العلي ممّا دفع الإسماعيليّين للقتال ضدّ العلويّين للحفاظ على مناطقهم في طرطوس، وكان النّصر حليف الثّوّار في تلك المعركة.
نستنتج ممّا سبق ذكره عن مهام جيش الشّرق الفرنسيّ أنّه كان منظّمًا بطريقة غير اخلاقيّ؛ة ليؤدّي مهام تجعل فرض السّلطة الفرنسيّة بمنزلة العبوديّة للسّوريّين من دون أي احترام لدينهم، ولتراثهم، ومنازلهم، وحرماتهم، ونتج من ذلك أن تعاظم إصرار السّوريّين على جلاء هذه القوّات عن سوريّة، ومن المحتمل أن حلّ جيش الشّرق الفرنسيّ كان بسبب السّمعة السّيّئة الّتي أظهرها في مهامه العسكريّة كبيرة كانت، أم صغيرة، وإلى الإجرام، والوحشيّة صفةً بارزة رافقته منذ داس تراب سوريّة.
منذ أن وطأت أقدام المحتل الفرنسيّ في السّاحل السّوري مع نهاية الحرب العالمية الأولى بدأ الشّعب السّوريّ في مقاومته، وبسبب طول المدّة، وكثرة المعارك الّتي خاضها السّوريّون ضدّ جيش الشّرق الفرنسيّ، وعناصره يصعب في هذه الدّراسة إحصاؤها، لذلك آثرنا اختيار أبرز المواجهات، وأكثرها أثرًا على الصّعيد العسكريّ، والسّياسيّ.
قام الشّيخ صالح العليّ في السّاحل السّوري بالثّورة العارمة على الفرنسيّين أواخر عام ١٩١٨م، وحاول منع وصولهم إلى الدّاخل السّوري عام ١٩١٩م، ومن اللّافت في معارك ثورة الشّيخ العلي هو استخدام جيش الشّرق لكلّ المعدّات الحربيّة، وصنوف الأسلحة من طائرات، ودبّابات، ومصفّحات، ومدافع، وكذلك قوّات الأسطول البحريّ الفرنسيّ المرابض قبالة الشّواطئ السّوريّة، إذ استمرّت المعارك حتّى عام ١٩٢٢م أي قرابة ثلاث سنوات ونصف خسر خلالها الفرنسيّون أعدادًا كبيرة من القتلى بلغت
في بعض المعارك الكبرى المئات، وشبّه الفرنسيّون معاركهم مع الثّوّار في السّاحل السّوري بالمعارك، والحروب الكبرى لما تركته من خسائر فادحة في صفوفهم.
أمّا ثورة إبراهيم هنانو في الشّمال السّوري الّتي بدأت عام ١٩٢٠م فقد كتب عنها الفرنسيّون بأنّها من أخطر الثّورات الّتي أفقدت الفرنسيّين فخرهم، ومكتسباتهم المادّيّة، وأجبرتهم على ترك كيليكيا الّتي وصفوها بالثّدي الّذي يغذّي الموارد الفرنسيّة، وذلك لحشد القوّات للبقاء في سوريّة، فقد كانت القوّات الفرنسيّة تحاول التّوسّع في الشّمال السّوريّ، ورفعت أعداد جندها إلى ٧٥ ألف، وكلّ ذلك لقمع ثورة هنانو، والسّيطرة على سوريّة بالقوّة، وبالوقت ذاته كان هناك سبع فرق عسكريّة تقاتل صالح العلي في جبال السّاحل السّوري عام ١٩٢١م، ووفقًا للإحصاءات الفرنسيّة فقد قارب عدد قتلاهم عام ١٩٢٠ ثلاثة آلاف قتيل، وفي العام التّالي قرابة ألفين قتيل، وعام ١٩٢٢م كان العدد ٦٣٦ .
أمّا في حماة، وبالتّنسيق مع سلطان باشا الأطرش، أعلن القاوقجي ثورته وذلك في ٤ تشرين الأوّل ١٩٢٥م، وسيطر الثّوّار على المخافر الفرنسيّة جميعها في المدينة، وهاجم الثّوّار بقوّة السّراي، واقتحموا البهو الرّئيس، وحرّروا السّجناء، وسيطروا على كثير من السّلاح، ثمّ أشعلوه، وشكّلت ثورة فوزي القاوقجي أهمّيّة كبرى في وقف زحف جيش فرنسا المكوّن من ٣٠ ألف عنصر في جبل حوران، إذ خاف الفرنسيّون من تمكّن الثّوّار في حماة، وانتقال الثّورة إلى بقيّة المدن السّوريّة، ولكن الثّورة فيها لم تستمرّ
طويلًا بسبب الضّغط العسكريّ الفرنسيّ الكبير، ولأهمّيّتها الاستراتيجيّة، وبعد انتكاسة الثّورة في حماة فرض الفرنسيّون على أهلها ٥٠٠٠ ليرة ذهبيّة، وعددًا كبيرًا من البنادق الحربيّة، وعاملوهم بمنتهى القسوة، واتهموا كثيرًا من أهلها بدعم الثّورة، بعد أن قصفوا المدينة بالطّيران، وتهدّمت بعض البيوت فوق رؤوس ساكنيها.
ولا بدّ من ذكر الثّورة الشّعبيّة الّتي حدثت في حمص عام ١٩٤٥م رفضًا لاستمرار الاحتلال الفرنسيّ، ورغبة في الحرّيّة، وقد تكبّد المحتلّ الفرنسيّ كثيرًا من الخسائر.
نجد من خلال النّبذة عن الثّورة في الشّمال أنّها بدأت منذ بدأ الاحتلال الفرنسي في سوريّة، وسبقت دخول دمشق بعامين تقريبًا، وكانت دليل على الرّوح الوطنيّة السّوريّة، ولا يخفى على أحد الموالاة، والتّفاهم بين الحكومة العربيّة في دمشق، وبين البريطانيّين، والفرنسيّين، وعلى الرّغم من ذلك جابه السّوريون الاحتلال بكلّ الوسائل الممكنة، واتّسعت من السّاحل إلى الشّمال، على الرّغم أنّه لم يكن هناك تنسيق مسبق بين الطّرفين إلّا أنّهما يعطيان فكرة الرّفض، ومقاومة المحتل، وطلب الحرّيّة، والاستقلال.
دخل الفرنسيّون بجيشهم عنوة إلى سوريّة متذرّعين بتأخّر الرّدّ على شروط غورو، فجابههم السّوريّون في معركة ميسلون بقيادة وزير الحربيّة يوسف العظمة في ٢٤ تموز ١٩٢٠م، وعلى الرّغم أنّ المعركة كانت وسط نقص شديد في الإمكانيّات العسكريّة، ولم يكن هناك جيش سوريّ منظّم، ومدرّب ليواجه آلة القتل الفرنسيّة المتمرّسة في المعارك، إلّا أنّ المعركة كانت رمزًا للوطنيّة السّوريّة الّتي تحدّت المحتلّ من اللّحظة الأولى الّتي داس فيها تراب سوريّة، إذ لم يدخل دمشق إلّا على جثث الشّهداء السّوريّين، وعلى رأسهم يوسف العظمة.
عند احتلال فرنسا لسوريّة، وحلّها للجيش السّوري، قام أهل السّهل الحوراني (درعا) بمظاهرات مسلّحة ما لبثت أن هاجمت القطار القادم من دمشق بالرّصاص، وقتلوا مسؤولي الحكومة السّوريّين المؤيّدين لفرنسا، وهم وزراء، ورئيس مجلس الوزراء إذ أرسلتهم لتهدئة النّاس، ممّا جعل فرنسا تجرّد حملة عسكريّة أخضعت حوران بالقوّة، ومع رفض أهل حوران للاحتلال الفرنسيّ، وثورتهم ضدّ الجيش الفرنسيّ، قمع الجيش الفرنسيّ الثّورة بقصف القرى، وتدميرها، وركّز الفرنسيّون على قيمة ما سيدفعه السّوريّين تعويضًا عن القتلى، فكانت دية القتلى من الوزراء عشرة آلاف ليرة ذهبيّة لكلّ وزير، و٧ آلاف ليرة ذهبيّة للضّابط، و٥٠٠ ليرة ذهبيّة للجندي، وأضافوا لها ١٠٠ ألف ليرة غرامة حربيّة، عدا عن أحكام الإعدام بحث بحقّ المتهمين.
وفي القنيطرة عمل أحمد مريود على وضع كمين للجنرال غورو، وكاد يؤدّي إلى مقتله خلال جولته في قضاء القنيطرة في حزيران ١٩٢١م، إذ قطع عليه مع مجموعة من الثّوّار طريق القنيطرة-دمشق بالحجارة، ولم تستطع القوّات الفرنسيّة اللّحاق بالثّوّار الخمسة المشاركين بالكمين الّذي أدّى إلى مقتل ضابط فرنسيّ، وجرح آخرين، ونجاة غورو، فانتقمت من أهالي القرى المجاورة، ودمّروا البيوت، وفرضوا الغرامات الكبيرة على السّكّان، واعتقلوا كثيرًا من الأبرياء، وعملوا على تعذيب السّكّان، والأطفال، والنّساء ليعترفوا عن الثّوّار، وفي عام ١٩٢٢م لجأ أحد منفذّي محاولة قتل غورو، واسمه أدهم خنجر إلى سلطان الأطرش في جبل حوران، واعتقله الفرنسيّون من أمام منزل الأطرش في غيابه، وقد نقله الفرنسيّون إلى السّجن في السّويداء، وعند علم سلطان باشا بالأمر طالب به، ولكن الجنرال كاربيه (حاكم الجبل) رفض طلبه كون خنجر محكوم بالإعدام في المحاكم الفرنسيّة، ومع تعنّت فرنسا في الأمر فقد أدّى إلى مقتل طاقم سيارة من الفرنسيّين على يد الأطرش، وتلا ذلك عديد من الهجمات من سلطان، ورفاقه على
الفرنسيّين حتّى أعفت السّلطات عنه عام ١٩٢٣م، وبذلك تكون الثّورة امتدّت تباعًا من دمشق إلى حوران ثمّ القنيطرة، وبعدها جبل حوران، الأمر الّذي يشكّل انتفاضة للجنوب السّوريّ بأكمله، ولكنّها لم تكن متزامنة، ولكنّ الموقف الوطنيّ من فرنسا في الجنوب السّوريّ كان يتعاظم، وكانت الثّورة ذات جذور اجتماعيّة، واقتصاديّة عميقة، ولم تنطلق إلّا بعد حال احتقان شعبيّ من سياسات فرنسا الاستبداديّة، فكانت شرارة الثّورة السّورية الكبرى في ٨ تموز ١٩٢٥م عندما اعتقلت فرنسا أبرز زعماء جبل حوران، وأعلن الثّوّار إسقاطهم طائرة فرنسيّة في امتان جنوبه، واعتقالهم للطّيّارين، وعلى إثر سياسة فرنسا الإقصائيّة، وعدم سماعها رغبات سكّان جبل العرب، ورأيهم في الإدارة، وتعنّتها في تعيين شخصيّات لا تقدّر القيم، والعادات، والرّغبات الوطنيّة، فقد بدأ سكان الجبل التّجهيز للثّورة، فما كان من فرنسا إلّا أن أمرت أحد القادة المحلّيّين وهو سلطان باشا الأطرش بالذّهاب إلى دمشق، ولكنّه رفض، فأرسلت كتيبة عسكريّة من مئات العناصر لإحضاره بالقوة، ولكن الدّروز وبعد أن حذروا الفرنسيّين من مغبّة إرسال القوّة العسكريّة، ولم يستمعوا، هاجموا الكتيبة في بلدة الكفر جنوب السّويداء، ولم ينجو منها سوى بعض الجند الفرنسي، وبدأت فرنسا ترسل التّعزيزات العسكريّة إلى الجبل، وقد تحصّنت القوّات في قلعة السّويداء، الّتي عمل الثّوّار على محاصرتها، وجعلت أنباء، وأصداء معركة الكفر، والانتصار الكبير الّذي حقّقه الثّوار على الفرنسيّين من أهل الجبل قالبًا واحدًا ضدّ ممارسات المحتلّ، وشارك كُثر كانوا من المتردّدين سابقًا، والحياديّين في دعم سلطان باشا الأطرش ليعلنها ثورة على الوجود الفرنسيّ في سوريّة.
أصرّت فرنسا على الحشد العسكريّ لفكّ حصار قلعة السّويداء، ومعاقبة الثّوّار؛
فحشدت ٩ آلاف جندي من جيشها من كلّ أنحاء سوريّة، وزجّت بهم من حوران إلى السّويداء، وفي ٣٠ تموز ١٩٢٥م تمركزت الحملة على الطّريق إلى السّويداء، فبدأ الثوار بمهاجمتها، وعددهم ٢٠٠ فارس، واستمرّ القتال طوال اللّيل، وأدّت إلى مقتل بعض الفرنسيّين، وفي ٢ آب سارت الحملة، وساندتها المدافع المدرّعات، والدّبّابات، والطّيران الحربي باتّجاه السّويداء، واستمرّت المعارك سجالًا بين الطّرفين، خسر فيها الثّوّار مئات المقاتلين، وبعد وصول الحملة إلى المزرعة بدأ الدّروز في مواجهة الفرنسيّين، وأوقعوا الحملة بين قتيل، وجريح انسحب الجنرال ميشو على إثر قوّة ضربات الثّوّار.
لم ينجُ من الجيش الفرنسيّ في معركة المزرعة سوى المئات، ومدرعة واحدة فقط هرب بها الجنرال ميشو فقد كان الثّوّار يطلقون الرّصاص بفوّهات المدرّعات، ويقتلون من فيها، أو يضرمون النّار حولها؛ فتحترق بمن فيها، وكانت المدرّعات لا تستطيع الفرار بسبب كثرة الجثث من جيش ميشو، والخيول، والمدرّعات، والمدافع المتفحّمة، ولا بدّ من الإشارة إلى أنّ الدّروز أعملوا بالفرنسيّين ذبحًا بالسّلاح الأبيض خلال المعركة، ولم يجرؤ الفرنسيّون على قول الأرقام الحقيقيّة لخسائر جيشهم في حملة ميشو، وادَّعوا بأنّ برقيّة الجنرال ساراي لم تصل كاملة إلى فرنسا، ولم يعرفوا الخسائر حينها.
تكبّد الفرنسيّون خسائر كبيرة في معارك جبل العرب، والجنوب السّوريّ بالعموم خلال عامين من الثّورة، ويصعب إحصاء معركها على امتداد الجنوب السّوريّ ما عدا ما ذكرناه في الشّمال، وشارك في الثّورة مقاتلون من شرق الأردن، ومنهم من استشهد في حروب جبل حوران، وكانت معركة المزرعة ذات أهمّيّة بالغة في استمرار الثّورة، وتوسّعها إذ تسارع التّواصل بين الجبل، وبقيّة المكوّنات السّوريّة للانتفاض ضدّ
الفرنسيّين، وبدأت الثّورة في دمشق، وخاض الثّوار السّوريون في الغوطة معارك شرسة ضد الجيش الفرنسيّ، وانتقلت المعارك إلى بعض الأحياء الدّمشقيّة، وما كان من فرنسا إلّا أن سلّطت نيران قوّاتها على السّكّان الآمنين في الأحياء الدّمشقيّة، وقتلت النّساء، والأطفال، والشّيوخ ، واستخدمت أسلوب الإرهاب، والتّدمير الشّامل، وبعد ثورة حماة في الشّمال، وإرسال ثوّار جبل حوران سراياهم إلى الغوطة، وقيام الثّورة فيها، وامتدادها إلى مناطق لبنان، أصبح الوضع العسكريّ لجيش الشّرق خطير، واحتاج قوّات داعمة من فرنسا للسّيطرة على الثّورة، في حين نظّم السّوريون في دمشق، ونواحيها أنفسهم في مجموعات، ووضعوا قوانين ثورتهم، وكيفيّة التّعامل فيما بينهم، وكذلك خطوات ثورتهم، والحفاظ على المناطق المُحرّرة، ولم تتوقّف الثّورة في دمشق إلّا بعد أن بدأ الفرنسيّون بقصف المدينة، وتدمير أحيائها، وفرض غرامات كبيرة على سكانها ١٠٠ ألف ليرة ذهبيّة، و٣ آلاف بندقيّة، وبالمقابل بلغ عدد قتلى الفرنسيّين عام ١٩٢٥م قرابة الـ٦٠٠٠ قتيل خلال ثلاثة أشهر فقط من ١٥ تموز، وحتّى ١٥ تشرين الأوّل.
نجد ممّا سبق أنّ الحروب الّتي خاضها جيش الشّرق في الجنوب السّوري لم تكن متكافئة، وكان له الغلبة في العدد، والعُدّة، والوسائل الحربيّة، في حين كانت إرادة السّوريّين أقوى من جيش الشّرق، وعقيدتهم الوطنيّة هي ما حقّقت لهم النّصر الكبير على الفرنسيّين، وإنّ آلاف القتلى من جيش الشّرق الّتي سقطت خلال ثلاثة أشهر كان يصعب تعويضها، وقد أثّرت تلك الثّورة على الوجود الفرنسيّ في سوريّة، ومناطق أخرى، وغيّرت الرّأي السّائد عن القوّة العسكريّة الفرنسيّة الّتي كانت تصنف كأقوى القوى البرّيّة في العالم.
كانت السّلطة في سوريّة لجيش الشّرق بالمطلق، فالمفوّضون السّاميّون برتبة جنرالات وهم قادة لذلك الجيش، ورؤساء الدّوائر ضبّاط عسكريّون، وكلّ الحكّام المعيّنون عسكريّون، وكأنّ من يحكم سوريّة حزب عسكري واحد لا مفرّ من أساليبه العسكريّة في الحكم على الصّعد كافة، وكان جيش الشّرق يشرف، ويدير وزارة الحربيّة، وله السّلطة الكاملة على الشّرطة العامّة، والأمن العام في سوريّة، ولبنان، في حين كانت قوّات الدّرك ترافق جيش الشّرق في معاركه، ومنها معارك الشّمال السّوريّ، وتخوض المعارك إلى جانبه، وفق مهامها المُحدّدة لها، وقد اعتمد جيش الشّرق على قوّات الدّرك لملاحقة الثّوار بشكلٍ فرديّ، ووقف تحرّكاتهم، واعتقالهم.
عيّن الكولونيل كوس مديرًا لقوى الأمن العام من درك، وشرطة، وكذلك مديرًا لشؤون العشائر السّوريّة، والمتنقّلة فيها، ويتّبع للمفوّض السّامي، وتعاونت الشّرطة مع الجيش في منع المناطق السّوريّة غير المُسلحة من حيازة السّلاح فقد كان حمل مسدس غير مُرخّص يُعدُّ جريمة يحكم صاحبها بالسّجن لعامين، أمّا من يحوز بندقيّة غير فرنسيّة فقد كان الحكم خمس سنوات، أمّا من يحوز بندقيّة فرنسيّة، فيصل الحكم فيه إلى الإعدام، أمّا في مناطق الثّورات، والعصيان على فرنسا عمدت فرنسا إلى اختيار السّوريّين أصحاب السّوابق لقيادة الدّرك، ومنهم قائد درك حماة الّذي عُيّن في منصبه، وهو محكوم بالمؤبّد، فأخرجوه من السّجن، وعيّنوه في المنصب ليعمل على إيذاء المعتقلين الوطنيّين، والتّنكيل
بالأحرار، ولم يتوانَ الجيش عن اعتقال من عيّنهم قادة للدّرك كما حصل عندما اعتقل قائد درك السّويداء مع زعماء الجبل، وأرسلهم إلى دير الزّور، ووضعهم في السّجن عام ١٩٢٥ .
لم تعتمد فرنسا على قوّات الشّرطة الّتي كان غالبيّتها من السّوريّين، فقد كان الجيش الفرنسيّ موجودًا في كلّ الأماكن المطلوب حماية مصالح فرنسا فيها، حتّى من المظاهرات الغاضبة، وفي نهاية مدّة الاحتلال الفرنسيّ لسوريّة مارست بريطانيا ضغوطًا على فرنسا من أجل تأهيل قوّات الدّرك السّوريّة لتحلّ محلّ الجيش الفرنسي، وقبيل الاستقلال كانت قوّات الدّرك، والشّرطة، والأمن العامّ تتبع لوزارة الدّاخليّة .
نجد ممّا سبق أنّ فرنسا المُحتلّة سخّرت قوى الأمن، والشّرطة، والدّرك لصالح خدمة جيش الشّرق، إنّ تلك القوّات كانت محلّيّة فلم يكن هناك ثقة فرنسيّة فيها، بل كانت تحت المراقبة، وهي تراقب الوطنيّين، ومعرّضة للاعتقال، والسّجن في سبيل الولاء العسكري المطلق لفرنسا فقط.
كان الجيش العربي المتشكّل في إعقاب تحرير بلاد الشّام يتكوّن من أبناء القبائل الّذين عادوا إلى عشائرهم، وأعمالهم، وثلّة من المتطوّعين العرب ولا سيّما الضّبّاط السّابقون في الجيش العثماني، في حين لم تقم بريطانيا بتزويد ذلك الجيش سوى بالأسلحة الهزيلة الّتي لا تنفع مع القوّات الفرنسيّة، وذلك وفق اتّفاقها المسبق مع فرنسا بضرورة عدم تقوية
أي قوّة عسكريّة في سوريّة تستطيع مجابهة الاحتلال الفرنسيّ المزمع، وعلى إثر إبلاغ الملك فيصل بوضع سوريّة ولبنان تحت الانتداب الفرنسيّ، بدأت مجموعات سوريّة مسلّحة تهاجم القوّات السّوريّة ما بين لبنان وسوريّة، في حين أعلن الملك فيصل فتح باب التّطوّع في الجيش السّوري.
كان في جبل العرب قوى عسكريّة محلّيّة نتيجة الخلافات المتواصلة مع أهل السّهل الحوراني، وضمن الاتّفاق الفرنسيّ مع زعماء الجبل الحفاظ على السّلاح فيه، ولكن فرنسا بدأت تعامل أهل الجبل بذلّ، واحتقار، ولم تراعِ وجود تلك القوى العسكريّة المحلّيّة فيه، إذ أصبحت تطالب من السّكّان انتظار ضابط، أو صفّ ضابط فرنسيّ لساعات طويلة تحت الشّمس الحارقة ليستقبلوه، ويهتفوا له، وجعلت من سمعة جيش الشّرق مكانًا للحقد، والكراهيّة لدى السّوريّين، حتّى جعلت الفرنسيّون يتغنّون بأنّ أبناء الجبل راقصون، وليسوا ثوارًا، وأنّهم بعيدون من الثّورة، وتسهل قيادتهم.
ولم تشهد سوريّة قتال وحدات عسكريّة منفصلة لصالح الفرنسيّين سوى عندما قاتلت وحدات عسكريّة سوريّة تتبع للحكومة السّوريّة إلى جانب جيش الشّرق على الأراضي السوريّة ضدّ بريطانيا، وعملت القوّات على إخلاء القرى القريبة من ساحات القتال، وكانت تلك المرّة الأولى الّتي تقاتل فيها تشكيلات عسكريّة سوريّة لصالح فرنسا ضدّ محتلّ آخر، وكانت معارك الحرب العالميّة الثّانية ضدّ الإنكليز مستمرّة ما بين جبل حوران، وبين جبل حرمون ممّا جعل الجيش الفرنسيّ التّابع لحكومة فيشي يقتحم المنطقة، ويضرب مراكز البريطانيّين عام ١٩٤١م، وبعد سيطرة حكومة ديغول، وقبيل استقلال سوريّة أعلنت حكومتها الحرب على دول المحور، وفي عام ١٩٤٥ كان
موضوع تسليم المهام العسكريّة للجيش السّوري، والقوّات العسكريّة السّوريّة هو أبرز نقاط المفاوضات مع الجانب الفرنسيّ، في حين تتالت القرارات الصّادرة عن الحكومة السّوريّة، ومنها قرار من رئيس مجلس الوزراء السّوريّ في ١٥ أيلول ١٩٤٥م حدّد فيه قانونيّة استخدام قوى حرس البادية الهجّانة مثلما تستخدم قوى الدّرك، والشّرطة، وكلّها مرتبطة بالجيش من الوجهة العسكريّة من حيث التّسليح، والتّسليم، والتّفتيش فقط.
في ١٧ آب ١٩٤٥م جرى استعراض لقوّات الجيش السّوري، وشارك في الاستعراض القوّات الخاصّة الّتي أعادتها فرنسا إلى سوريّة، وكذلك فرق الدّرك، والشّرطة، وعدد كبير من فرقة الكشّافة السّوريّة، وكان عددهم ٤٠٠٠ كشاف من مختلف المناطق السّوريّة، وكان ترتيب القوّات: الكشافة ثمّ فرقة الموسيقى التّابعة للدّرك، ومعها فرقة موسيقا تتبع الجيش، ثمّ قوّات الدّرك فالجيش ثمّ الشّرطة، وبعدهم طلاب الكلّيّة الحربيّة، والمعنيّين بالطّيران، ولمدفعيّة، والفرسان ثمّ الهجّانة، وبعدها القوّات الميكانيكيّة، والآليّة، بعدها جرى استعراض بطاريّات المدفعيّة بنوعيها الخفيفة، والثّقيلة، وأخيرًا المصفّحّات، والدّبابات.
نجد ممّا سبق أنّ منطقة جبل حوران هي المنطقة الوحيدة في سوريّة الّتي حافظت على سلاحها، وشكّلت قوّة محلّيّة مسلّحة استطاعت القيام بثورة عارمة قبل أن يسحب سلاحها، ولم يتبقَّ بعد عام ١٩٢٧م أي مجموعات سوريّة مسلّحة ما خلال الشّرطة، والدّرك، والعناصر السّوريّة في جيش الشّرق، وكانوا يعملون خارجها، ثمّ شكّلوا نواة الجيش السّوري.
لقد أفرزت الثّورات المتتابعة ضدّ الفرنسيّين على الأرض السّوريّة لمدّة تقارب
عشر سنوات أن شعر السّوريّون بثقل الاحتلال، وإجرامه، وكره فرنسا للشّعب السّوري، وكان عديد من الوطنيّين يعملون في الشّأن السّياسيّ لدعم قيام الثّورة على كامل التّراب السّوري، في وقت كانت أعين عناصر الجيش الفرنسيّ تراقب كلّ الوطنيّين وتحرّكاتهم، ومن الأمور المباشرة الّتي آذى بها الفرنسيّون من لم يقصفوهم بنيران أسلحتهم أنّهم أجبروا السّوريّين على دفع مرتّبات الجيش من الضّرائب المفروضة عليهم إذ بلغت عام ١٩٢٧م مبلغ ٩٥٠ ألف ليرة ذهبيّة سوريّة للجيش فقط، كذلك عمد الفرنسيّون إلى حساب خساراتهم من العناصر القتلى، والجرحى لجعل السّوريّين يدفعون التّعويض عن تلك الخسائر، كانت المهامّ الخاصّة بالجيش تدفع تكاليفها سوريّة وفقًا للقرارات الصّادرة عن اتّحاد الدّول السّوريّة عام ١٩٢٢م، أي أنّ السوريّين الّذين كان ذووهم إمّا شهداء، أو جرحى، أو معتقلين، أو منفيّين، عليهم أن يدفعوا لفرنسا للاستمرار في وحشيّتها ضدّهم، وقد أدّى الضّغط العسكريّ لجيش الشّرق على ثوار بلاد الشّام عسكريًّا خلال الثّورة السّورية الكبرى أن نشط ثلّة من السّوريّين في مجال الدّفاع عن الحقوق السّورية، وتبيان القضيّة السّوريّة لدى الدّول الأخرى، وفي المحافل الدّوليّة، وكانت تلك إحدى النّتائج المباشرة لعسكرة فرنسا وجودها في سوريّة ولبنان، ونتج من تلك العلاقة السّيّئة أنّ الجيش تدخل في كثير من الأحداث المدنيّة، ولا سيّما وسوريّة على أبواب الاستقلال فقد تدخّل الجيش لفضّ مظاهرة طلّابيّة ضدّ الاحتلال الفرنسيّ كانت نتيجة لممارسات الاحتلال القمعيّة، وحكمه العسكريّ على مجموعة من الوطنيّين ممّن نادوا باستقلال سوريّة، ووحدتها، وفي ٢٩ آيار من عام ١٩٤٥م، وفي موعد انعقاد جلسة
المجلس النّيابيّ كانت القوّات الفرنسيّة الّتي تمترست في شوارع دمشق قبل ثلاثة أيّام، تفتح النّيران من مختلف أسلحتها الخفيفة، والمتوسّطة، والثّقيلة باتّجاه المنازل الآمنة، واستمر ذلك لمدّة ثلاثة أيّام متواصلة، وكانت شرارة تلك الهمجيّة الفرنسيّة رفض مفرزة حرس المجلس النّيابيّ أداء التّحيّة للعلم الفرنسيّ وفق التّعليمات الوطنيّة لقائدها، ممّا أدى إلى اعتداء فرنسيّ على أفراد الحامية، وما تبعه من ردّ الحامية على الاعتداء، وانصبّت نيران الأحقاد الفرنسيّة على بناء المجلس النّيابيّ، وعلى منازل المدنيّين، وراح ضحيّة تلك المعركة المئات من المدنيّين العُزّل، وهُدّم قسم من المجلس النّيابيّ، وقتل الفرنسيّون ٣٠ دركيًّا، وشرطيًّا، ومثّلوا بجثثهم بعد قتلهم، وطال القصف فندقًا يقيم فيه رئيس الوزراء السّوري سعد الله الجابري، ما جعل رئيس سوريّة يتقدّم بطلب خطّي من بريطانيا التدخّل لوقف الاعتداء الفرنسيّ، ودخل الجيش البريطاني دمشق، وحذّر فرنسا من الاستمرار بالاعتداء، ووضع الجيش الفرنسي في ثكنات تحت حماية الجيش البريطاني، ونال الجنود الفرنسيّون الّذين مثلوا بجثث شهداء المجلس النّيابيّ عقابهم الّذي يستحقّونه على أيدي شبّان سوريّون، وفي تلك الأثناء، وبعد ورود الأنباء للمحافظات السّوريّة بالاعتداء الفرنسيّ على دمشق، بدأ السّوريّون يهاجمون الفرنسيّين في كلّ مكان، وغادر السّوريّون المتطوّعون في جيش الشّرق الفرنسي ثكناتهم، والتحقوا بالوحدات العسكريّة تحت تصرّف الحكومة السّوريّة، في حين قاوم السّوريون دعم فرنسا لجيشها عام ١٩٤٥م إذ أرسلت طرادين عسكريّين إلى بيروت على متنهما ١٥٠٠ جندي فرنسيّ، إذ احتجّت الحكومة السّورية على ذلك، وطلبت فرنسا بإجلاء كلّ قوّاتها، وتسليم السّلطة العسكريّة، والمعدّات للجيش الوطنيّ السّوريّ، أي قابل السّوريون التّصعيد العسكريّ الفرنسيّ، وهم على أبواب الاستقلال بالدّبلوماسيّة، والحوار المدعوم بالتّحرّك الثّوريّ العفويّ المؤيّد للحكومة السّوريّة من الشّعب السّوريّ بمختلف أطيافه، وصولًا إلى
التّفاهم الكلّي المؤدّي إلى الاستقلال.
نستنتج ممّا سبق أنّ العلاقة بين الحركة التّحرّريّة السّوريّة المدنيّة، وبين جيش الشّرق كانت علاقة عكسيّة حقّق فيها الجيش بممارساته الوحشيّة دافع حبّ الاستقلال، والخلاص من السّياسة العسكريّة الفرنسيّة الّتي أرهقت السّوريّين، واستنزفت مواردهم، وقتلت أبناءهم، وهنا يتأكّد الدّور المهمّ الّذي أدّاه جيش الشّرق في أن تكون سوريّة دولة مستقلّة خارج السّلطة الفرنسيّة، أو حتّى الارتباط الفرنسيّ الّذي كان يحدث باللّغة، والثّقافة كالجزائر، والمغرب.
كان لجيش الشّرق الفرنسيّ دور كبير في تشكيل ردّة الفعل الوطنيّة، وسعي الشّعب السّوري إلى التّحرّر من غير قصد بالتّأكيد، فولاء ذلك الجيش لم يكن سوى للمال، وكان ينفّذ بكلّيّته السّياسة الفرنسيّة الفوقيّة بالتّعامل مع شعب حضاريّ يمتلك سمات التّطوّر، والانفتاح، والمقاومة، وعبّر عن رفضه لأداة فرنسا العسكريّة لتحقيق الاحتلال، ومهما اختلفت الشّخصيّات الّتي قادت جيش الشّرق لتستطيع تحقيق التّقارب مع السّوريّين، فإنّها فشلت في ذاتها؛ لأنّها كلّها وجوه لعملة واحدة، وكلّها ذات طابع عسكريّ يتناغم وعجرفة الفرنسيّين، وقلة دبلوماسيّتهم، وبالتّالي كانت المهامّ المختلفة الّتي أوكلت للجيش الفرنسي تمثل دورًا إيجابيًّا في تصاعد اليقظة الثّوريّة السّوريّة في ضرورة الخلاص من الاحتلال، ولا سيّما عندما رأى السّوريّون الوطنيّون كيف استطاعت فرنسا تجنيد الأفارقة من عرب، وغير عرب لقمع الشّعب السّوري، واستطاعت تجنيد بعض السّوريّين من الأقلّيّات في جيشها لتفكّك سوريّة ليس فقط إلى دويلات، بل لخلق التّناحر في مختلف المناطق السّوريّة، وحوّلت جيش الشّرق برمّته إلى أداة للتّدخّل في الشّؤون المدنيّة السّوريّة، وقمع الشّعب السّوري في أبسط تحرّكاته ضدّ الاحتلال حتّى المدنيّة منها، وذلك يبرهن مدى الخوف الفرنسيّ من الشّعب السّوريّ، وعدم الثّقة بالسّوريّين العاملين بأجهزة الشّرطة، والدّرك.
(575)1.برقية من قائمقام القلمون إلى مقام محافظة دمشق، رقم ١٧٣، سوريّة وزارة الداخلية، ٤ نيسان ١٩٤٠م، مركز الوثائق التاريخيّة بدمشق، وثائق الدولة - الأحزاب السياسية، ٦٠/ ١٤٠، وثيقة غير منشورة.
2.تعليمات خاصة في استخدام قوى حرس البلدية والهجانة، وثائق الدولة، مركز الوثائق التاريخيّة بدمشق، قوانين مجلس الوزراء، ق. و /٥/ ٧٧، ١٥ أيلول ١٩٤٥م، وثيقة غير منشورة.
3.سوريّة - قوانين - أنظمة إلخ، قرارات حكومة اتحاد الدول السوريّة، دمشق، مطابع قوزما، (١٩٢٢-١٩٢٣م)، قرار عدد ٦١، صادر عن رئيس اتحاد الدول السوريّة، حلب، آذار ١٩٢٢م، وثيقة منشورة.
4.الشهبندر، الدكتور عبد الرحمن، القسم الخاص، مركز الوثائق التاريخيّة بدمشق، الوثيقة ١، ١٩٦٣م، وثيقة غير منشورة.
5.كتاب من وزير الداخلية إلى محافظة دمشق، رقم ١٢١٩، سوريّة - وزارة الداخلية، ١٠ آذار ١٩٤٥م، مركز الوثائق التاريخيّة بدمشق، وثيقة ٨٠/ ٧٧، داخلية - مراسيم وقرارات مختلفة، وثيقة غير منشورة.
1.إبراهيم باشا، جميل، مذكرات جميل إبراهيم باشا - نظال الأحرار في سبيل الاستقلال، مطبعة الضاد، سوريّة، ١٩٥٩م.
2.أبو صالح، عبد القدوس، مذكرات الدكتور معروف الدواليبي، تحرير: محمد علي الهاشمي، مكتبة العبيكات، ط١، الرياض، ٢٠٠٥م.
3.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال وحتى الجلاء، معهد الدراسات العربية العالمية، جامعة الدول العربية، مطابع دار الكتاب العربي، مصر، ١٩٥٤م.
4.بيهم، محمد جميل، الانتدابان في العراق وسوريّة انكلترا - فرنسا، مطبعة العرفان، صيدا - لبنان، ١٩٣١م.
5.حسن، نجاة قصاب، جيل الشجاعة حتى عام ١٩٤٥، المذكرات٢، مطبعة ألف باء - الأديب، ط١، دمشق، ١٩٩٤م.
6.الحكيم، حسن، عبد الحمن الشهبندر حياته وجهاده، الدار المتحدة للنشر، ط١، بيروت، ١٩٨٥م.
7.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ذكريات١٧، دار النهار للنشر، بيروت، ط٢، ١٩٩١م.
8.الخانجي، نشأت، ثوار صنعوا الاستقلال - صفحات مضيئة من تاريخ الثورة السوريّة - مذكرات وأوراق المجاهد جميل شاكر الخانجي (١٨٩٨-١٩٧٦م)، دار الشرق، ط١، دمشق، ٢٠٠٨م.
9.خباز، حنا، فرنسا وسوريّة، مبادئ السياسة الفرنسيّة في الشرق، مطبعة علم الدين، مصر، ١٩٢٨م.
10.الريس، منير، الكتاب الذهبي للثورات الوطنيّة في المشرق العربي - الثورة السوريّة الكبرى، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٦٩م.
11.العجيلي، عبد السلام، ذكريات أيام السياسة، ط١، سوريّة، ٢٠٠٢م.
12.عريضة، إسماعيل، مذكرات مجاهد أردني في الثورة السوريّة الكبرى ١٩٢٥-١٩٢٦، تحقيق: محمد علي الكردي، مركز الأردن الجديد للدراسات، عمان، ٢٠٠٦م.
13.العطري، عبد الغني، اعترافات شامي عتيق - سيرة ذاتية وصور دمشقية، دار البشائر، دمشق، ط١، ١٩٩٨م.
14.فهد، أنور، أيام في الذاكرة، شركة إيبلا، المملكة المتحدة، ط١، ٢٠٠٠م.
15.قاسمية، خيرية، مذكرات فوزي القاوقجي، دار النمير، ط٢، دمشق، ١٩٩٥م.
16.القضية السوريّة - المفاوضات مع المسيو جوفنيل في باريس ومصر وبيروت، وثائق مهمة عن الحالة في سوريّة، اللجنة التنفيذية للمؤتمر السوري الفلسطيني، المطبعة العربية، مصر، د. ت.
17.الكتاب الذهبي لجيوش الشرق (١٩١٨-١٩٣٦م)، تعريب: ادوار البستاني، المطبعة الكاثولوكية، بيروت، ١٩٣٩م.
18.مجموعة مؤلفين، تاريخ أمة في حياة رجل - ١٧ آب (١٩٤٣-١٩٤٧م) أربع سنوات من العهد الوطني، دار الأحد ومطبعة اليقظة العربية، بيروت ودمشق، ١٩٤٧م.
19.المحايري، فهمي، مذكرات فهمي المحايري عن الثورة السوريّة والأوضاع العلمية والاجتماعية والسياسية السوريّة والعالم تحت الاحتلال الفرنسي، تحقيق: تهاني حمزة، دمشق، ١٩٩٥م.
20.مسعد، بولس، لبنان وسوريّة قبل الانداب وبعده، المطبعة السوريّة، مصر الجديدة، ١٩٢٩م.
1.اسماعيل، حكمت علي، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م) بحث في تاريخ سوريّة الحديث من خلال الوثائق، دار طلاس، ط١، دمشق، ١٩٩٨م.
2.آل جندي، أدهم، تاريخ الثورات السوريّة في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد، دمشق، ١٩٦٠م.
3.ربّاط، إدمون، تطور سوريّة السياسي في ظل الانتداب، ترجمة: سليمان رياشي، المركز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ط١، ٢٠٢٠م.
4.زرزور، فارس، معارك الحرية في سوريّة، دار الشرق، دمشق، ١٩٦٢م.
5.سويد، ياسين، الوثائق المؤسسة للجيش اللبناني في عهد الانتداب الفرنسي (١٩١٦-١٩٤٦م)، مؤسسة حكمت عبده قصير الثقافية، بيروت، ٢٠١٠م.
6.طقوش، محمد سهيل، تاريخ بلاد الشام الحديث والمعاصر، دار النفائس، بيروت، ط١، ٢٠١٤م.
7.علي، صلاح الدين منلا، سوريّة (١٩١٨-١٩٣٩م) دراسة منهجية لقضايا سياسية واقتصادية - اجتماعية، د.م، د.ت.
8.العياشي، غالب، الإيضاحات السياسية وأسرار الانتداب الافرنسي في سوريّة، مطابع أشقر أخوان، بيروت، ١٩٥٥م.
9.قاسمية، خيرية، الرعيل العربي الأول - حياة وأوراق نبيه وعادل العظمة، رياض الريس للكتب والنشر، لندن، ط١، ١٩٩١م.
10.قرقوط، ذوقان، تطور الحركة الوطنيّة في سوريّة ١٩٢٠ - ١٩٣٩، دار الطليعة، بيروت، ط١، ١٩٧٥م.
11.قوصوه، فايز، الثورة العربية في الشمال السوري - ثورة إبراهيم هنانو، إدلب - سوريّة، ٢٠٠٨م.
12.لونغريغ، ستيفن ها مسلي، تاريخ سوريّة ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، ترجمة: بيار عقل، دار الحقيقة، بيروت، د. ت.
13.المعلم، وليد، سوريّة (١٩١٦-١٩٤٦م) الطريق إلى الحرية، منشورات الهيئة العامة السوريّة للكتاب، وزارة الثقافة، دمشق، ٢٠١٦.
14.نور الدين زين، زين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريّة ولبنان، دار النهار، بيروت، ١٩٧١م.
15.الهاشمي، محمد عادل، مصطفى السباعي رائد أمة وقائد دعوة، دار البشائر الإسلامية، ط١، بيروت، ٢٠٠٩م.
16.هوّاش، تكوّن جمهورية - سوريّة والانتداب، مكتبة السائح، طرابلس - لبنان، ط١، ٢٠٠٥م.
17.يونس، عبد اللطيف، تاريخ الثورة العلوية وقائدها الشيخ صالح العلي، مطابع أبي الفداء، حماة - سوريّة، د. ت.
18.يونس، عبد اللطيف، شكري القوتلي - تاريخ أمة في حياة رجل (١٩٠٨-١٩٥٨م)، دار المعارف، القاهرة، ١٩٥٩م.
1.الجيوش الفرنسيّة تدافع بشجاعة، صحيفة الأخبار، العدد ١٠٨١، السنة الرابعة
عشر، دمشق، ١٩ حزيران ١٩٤١م.
2.رسالة سوريّة، استعراض الجيش السوري، صحيفة أخبار الحرب، العدد ٩٥، ١٩٤٥م.
3.رسالة سوريّة، إعلان الحرب على المحور، صحيفة أخبار الحرب، العدد ٨٦، ١٩٤٥م.
4.رسالة سوريّة، العلاقات السوريّة الفرنسيّة، صحيفة أخبار الحرب، العدد ٨٦، ١٩٤٥م.
5.العملة السوريّة، جريدة العاصمة، العدد ١٥٠، السنة الثانية، دمشق، ٣٠ آب ١٩٢٠م.
6.هجوم معاكس بين حرمون والجبل الدرزي، صحيفة الأخبار، العدد ١٠٨٠، السنة الرابعة عشر، دمشق، ١٨ حزيران ١٩٤١م.
1.Priestland and Seale, Jane and Patrick, Records of Syria (1918- 1973), volume 6: (1937- 1939), Archive Editions, 2005.
2.Priestland and Seale, Jane and Patrick, Records of Syria (1918 -1973), volume 6: (1940- 1942), Archive Editions, 2005.
3.Priestland and Seale, Jane and Patrick, Records of Syria (1918- 1973), volume 6: (1943- 1945), Archive Editions, 2005.
4.Provence, Michael, The Great Syrian Revolt and the Rise of Arab Nationalism, University of Texas Press, Austin, 2005.
(580)مرح رافع البرغش
عملت فرنسا منذ بدء دخولها الأراضي السُّورِيَّة إلى استخدام كلِّ الأساليب، والوسائل، والطُّرق الوحشيَّة، والهمجيَّة لفرض سياستها الاستعماريّة، واحتلال الأراضي السُّورِيَّة؛ لتحقيق أهدافها السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة بالدّرجة الأولى، لكنَّ ذلك لم يكن سهل المنال، بل لاقت مقابل سياستها المستبدّة في الأراضي السُّورِيَّة مُقاومة شرسة، ومُناهضة عظيمة من قبل أفراد المجتمع السّوري.
لكنَّ هذا البحث سيقتصر على توضيح دور العلماء إبَّان الانتداب الفرنسي لما في ذلك من أهمّيّة في إظهار جهودهم مع تقديم رؤية تحليليَّة عن دورهم في الحفاظ على الهويَّة العربيَّة، والدِّفاع عن الوطن، وعدم السَّماح للسُّلطات الفرنسيّة بتثبيت أقدامها مدّة أطول في الأراضي السُّورِيَّة من خلال نضالهم المسلَّح، وبالمقابل، التّركيز على نِضَالهم السّلمي الّذي أثَّر في مقاومة السُّلطات الفرنسيّة، وقيّد حركتها، وأرهق قوَّاتها، واستنزف طاقتها، ومعدَّاتها، وحمّلها أعباء هائلة حتَّى تراجعت، وانكفَّت عن مساعيها، وانجلت عن الأراضي السُّورِيَّة، ثمّ الخاتمة الّتي قُدِمَ فيها ما خلص إليه البحث من نتائج.
سعت السُّلطات الفرنسيّة منذ بدء تغلغلها نحو الأراضي السُّورِيَّة إلى مُحاربة كلِّ من يُقاوم الانتداب الفرنسي مُمارِسة في ذلك أشدّ أنواع التَّعذيب، والتَّنكيل، لكن ذلك لم
يصدّ السُّوريّين عن الدِّفاع عن موطنهم، فقد قاوموا مُقاومة عظيمة للحدّ من هذا التَّغلغل بقدر المُستطاع كلٌّ بحسب قُدرته في المُقاومة، وهذه المُقاومة لم تنحصر بأصحاب المناصب السِّياسيَّة، والعسكريَّة دون الأخرى، فقد أسهم فيها كلُّ السُّوريّين بمختلف مناصبهم، ولم يكن العلماء بمعزل عن هذه الأحداث السِّياسيَّة المُعاصرة لهم، لذلك وانطلاقًا من المساعي الغربيّة في طمس تاريخ الدُّول العربيَّة، وتهميش جهود أبناء هذه الدُّول في مُقارعة الاستعمار الأجنبيّ لها، ومقاومة سياسته التَّغريبيَّة السَّاعية إلى سلب حرّيّة هذه الأوطان، وتفكيك الهويَّة العربيَّة، وتجزئتها على أسس طائفيَّة، وعشائريَّة ...إلخ، ومن محاولاتها غضّ البصر عن بعض الحقائق لتبرير سياستها الاستعماريّة، فإنَّ الإشكالية تتمحور حول إعادة النّظر في هذه الحقائق، ودراستها عبر الكشف عن أحداث لم يتمّ التَّطرُّق إليها من قبل، توضّح دور العلماء الرِّيادي بمختلف أنواعه إن كان مباشرًا، أو غير مباشر في مواجهة الاستعمار الفرنسيّ.
أمَّا هدف البحث، فهو تسليط الضَّوء على جملة من الأحداث الّتي أعطت صورة واضحة عن مواجهات العلماء للسُّلطات الفرنسيّة في الأراضي السُّورِيَّة، ومعرفة مساعي هؤلاء العلماء في مقاومة الفرنسيّين، والتَّأثيرات الّتي ظهرت على حياتهم بعد هذه المقاومة. في حين تمحورت أهمِّية البحث من جوانب عدّة، منها: مُعالجة التَّطوّرات السِّياسيَّة الّتي أسهمت في نهوض أبناء المجتمع في مقاومة السُّلطات المُنتدبة؛ بهدف التَّعرُّف على سياسة السُّلطات الفرنسيّة لاحتلال الأراضي السُّورِيَّة، وبالمقابل أدوار العلماء في مقاومة السُّلطات الفرنسيّة، ولأخطارها المحدقة بالوطن، وأبنائه، فضلًا عن أهمِّية موضوع البحث، واستحقاقه إفراد دراسة بحثيّة متخصّصة فيه؛ لعلاقة الجوانب الّتي سلَّط الضَّوء عليها بالواقع المعاصر.
أمَّا منهج البحث، فقد ارتكز على المنهج التَّاريخي، والتَّحليلي من جمع الأحداث، وتحليلها عبر الاعتماد على جزء يسير من: الوثائق الفرنسيّة، والجرائد، والصُّحف، والمجلَّات المُواكبة للأحداث، وبعض المصادر الأصليَّة من مذكّرات سياسيّة معاصرة
(582)لهؤلاء العلماء، وبعض المراجع الأجنبيَّة، والعربيَّة لاستنتاج المعلومات، والوقائع منها، كما استند البحث إلى المنهج الإحصائي من تتبّع أسماء العلماء المشاركين في مواجهة الانتداب، وفرزهم بحسب أدوراهم المسلَّحة، أو السّلميّة.
اتَّضح نِضَال العلماء المسلَّح منذ ابْتِداء تَغَلْغَل الفرنسيّين في الأراضي السُّورِيَّة لاحتلالها، وانتشر لهيب الثَّورات في أرجاء سوريّة، واستمر النِّضال ضدّ السُّلطات الفرنسيّة حتّى الجلاء عن الأراضي السُّورِيَّة، وهنا سيتمّ التّطَرُّق إلى دور العلماء في هذا النِّضال، وتوضيح أهمّيّته إِبَّان سنوات الانتداب الفرنسيّ.
برز في هذه الثَّورة الشَّيخ صالح العلي (١٣٠١-١٣٧٠هــ/ ١٨٨٣-١٩٥٠م) بعد انتخابه قائدًا لها إثر اجتماعه في ١١ ربيع الأول ١٣٣٧هــ/ ١٥ كانون الأوّل ١٩١٨م مع زعماء، وشيوخ منطقة الشَّيخ بدر (طرطوس)، والمناطق المحيطة بها؛ لمجابهة الفرنسيّين بعد وصولهم إلى السّواحل السُّورِيَّة، وأَكَّد الشَّيخ صالح في أَثْنَاء الاجتماع أنَّ مَسَاعِي الفرنسيّين واضحة في تَمْزيق وحدة سوريّة، وتجزئتها على أُسس عَشائِريَّة، وطائفيّة، وبعد مُبَاحَثَات مكثّفة نتج منها إجماع الرّأي على المُقاومة.
وما إن علمت فرنسا بنبأ الاجتماع حتّى أرسلت حملة؛ للقضاء على بذور المُقاومة قبل أن تنمو، وتشكّل خطرًا عليهم، وعلى الرّغم من عدم مقدرة الثُّوّار على التَهَيُّؤ للقتال بعد، إلَّا أنَّهم قاتلوا القوّات الفرنسيّة من مواقعهم المحصنة، واسْتَبْسَلوا في الدِّفاع عن
أرضهم بفضل دور الشَّيخ صالح المَلْحُوظ، وقدرته على التّخطيط الجيّد لسير المعركة على أكمل وجه.
ومن الواضح أن مُقاومة القوّات الفرنسيّة لم تقتصر على مَجْهُود الشَّيخ صالح، بل توسعت مع انضمام ما يقارب ٢٧ من ثُوّار الحفة (اللّاذقيّة)، وكان في طليعتهم: الشَّيخ عمر البيطار (١٣٠٤-١٣٦٦هــ/ ١٨٨٦-١٩٤٦م)، والشَّيخ عزّ الدّين القسّام (١٢٩٨-١٣٥٤هــ/ ١٨٨٠-١٩٣٥م)، والشَّيخ أحمد إدريس (١٣٠٣-٠٠٠٠هــ/ ١٨٨٥-٠٠٠٠م)، والشَّيخ صالح الجندي (١٣١٦-٠٠٠٠هــ/ ١٨٩٨-٠٠٠٠م)، وبعد إعلان انضمامهم إلى ثورة الشَّيخ صالح تزايدت الْمُنَازَعات بينهم، وبين الفرنسيّين، وكان النّصر حليف الثُّوّار، فجاء الرّدّ الفرنسيّ على ذلك باحتلال بعض قرى الحفة ومنها بابنا، ممّا أثار غضب القسّام، فقاد حملة إلى اللّاذقيّة، وهاجم القوّات الفرنسيّة حتّى أثار في قلوبهم الرّعب، وغادروا الثّكنة العسكريَّة، فحكمت السُّلطات الفرنسيّة على الثُّوّار بالإعدام غيابيًّا.
حقّقت هذه النّجاحات نتائج عظيمة على الصّعيدين: المحلّيّ، والعالميّ، إذ أقبلت فرنسا إلى الاتّفاق مع بريطانيا، وأرسلا بعثة للمُهادَنَة مع الشَّيخ صالح للسّماح للقوّات الفرنسيّة بالحصول على الماء من الشَّيخ بدر، فكان هذه المؤتمر بمَطِيَّة الهدنة مع الشَّيخ صالح، ورجاله؛ لنيل مبتغاهم، وبالفعل فقد شرعت القوّات الفرنسيّة منذ دخولها الشَّيخ بدر بالتَهَيُّؤ لإشْعَال النار، فأمر الشَّيخ صالح رجاله بالإغارَة عليهم، ونَشَبَتْ معركة دامية انتهت باندِحار الفرنسيّين.
وعلى الرّغم من اتِّضاح مدى إِخْفاق القوّات الفرنسيّة في مُقاومة الشَّيخ صالح، ورجاله في المعارك السّابقة، إلَّا أنَّها لم تتقاعس عن اسْتِئْنَاف معاركها لاحتلال الأراضي السَّاحِليَّة، فجَهَّزت في ١٦ رمضان ١٣٣٧هـ/ ١٥ حزيران ١٩١٩م حملة؛ لاجْتِيَاح الشَّيخ بدر، وبالمقابل، فقد أعدَّ الشَّيخ صالح خطة مع رجاله عبر التّخفّي؛ لعدم اكتشاف الطّائرات مواقعهم، فدارت بينهم معركة ضارية كانت الغَلَبة للثُوّار.
ويبدو أنَّ انتصار الثُّوّار في غَالِبِيَّة المعارك جعل الفرنسيّين يفاوضون الشَّيخ صالح؛ للمُصالَحَة، وبالفعل صَادَقَ على الصّلح، وتهيَّأَ خِلاله الشَّيخ صالح، ورجاله على الهجوم الفرنسيّ المُرْتَقَب كما في الصّلح السّالف ذكره، وبعد مضيّ مدّة الصّلح حدث ما كان متوقّعًا، فشهدت المنطقة سلسلة من المعارك بينهما، تفوق فيها الشَّيخ صالح على الفرنسيّين في معظمها، حتّى وصفوه في مراسلاتهم بأنَّه من: «أبرز أعدائهم في
سوريّة». لكن وصول الإمدادات، والمعدّات الحربيّة الهائِلة للفرنسيّين مكّنهم من التّضييق على الثُّوّار، فنتج من ذلك احتلال الفرنسيّين الشَّيخ بدر في ٢٧ شوال ١٣٣٩هـ/ ٤ تموز ١٩٢١م بعد إجبارهم على خوض معارك عسكريَّة مُطوّلة. وبعد احتلال المناطق السَّاحِليَّة أعلن الفرنسيّين أنَّ الشَّيخ صالح استسلم، وغادر ساحة المعركة مع قوّاته، وفي نهاية المطاف يمكن القول: إنَّه وعلى الرّغم من النِّهاية المَأسَاويّة للثّورة، لكن لا يمكن إنكار دور العلماء الفعَّال طوال سنوات الثَّورة في إعاقة أعمال القوّات الفرنسيّة.
توضح منذ توجيه إنذار هنري غورو (Henri Gouraud) (Le Général) في ٢٧ شوال ١٣٣٨هــ/ ١٤ تموز ١٩٢٠م إلى الملك فيصل الأوّل (١٣٠٠- ١٣٥٢هـ/ ١٨٨٣-١٩٣٣م) أنَّ الحرب واقعة بين الفرنسيّين والسُّوريّين لا محالة، ذلك أنَّ رد
الملك فيصل تأخّر في الوصول إلى غورو؛ بسبب انقطاع الأسلاك البرقية في سرغايا (شمال دمشق) كما يدعي البعض، في حين يقال: أنَّ غورو نقض العهد، وتغاضى عن الرد، وأسرع بتوجيه الأوامر للقوّات الفرنسيّة للزحف نحو دمشق؛ واحتلالها، وعلى أي حال، فإنَّ النّتيجة واحدة من هذه الأقوال، وهو أنَّ القوّات الفرنسيّة كانت تتقدّم باتّجاه دمشق، لكن لم يكن عدد الجيش كافيًا للمواجهة؛ بسبب تسريحهم، لذلك تَهَيَّأَ عدد غفير من المتطوّعين من أرجاء سوريّة قارب عددهم ٥٠٠ متطوّع في بادئ الأمر؛ لمؤازرة الجيش.
ولمّا بدأت الحرب لوحظ أنَّه كان من أبرز المتطوّعين نخبة من العلماء كـ: الشَّيخ كمال الخطيب (١٢٩٢-١٣٣٨هـ/ ١٨٧٤-١٩٢٠م) الّذي سارع إلى شراء بندقيّة عثمانيّة مع ذخيرتها على نفقته الخاصّة، وشارك مع المتطوّعين في المعركة إلى أن كتبت له الشّهادة، وقد انضمّ جانبه أخوه الشَّيخ محمَّد صالح الخطيب (١٣١٣-١٤٠١هـ/ ١٨٩٢-١٩٨١م)[7]، وبذل جهودًا واضحة في مُقاومة الفرنسيّين، لكنّه وقع في أسرهم،
كما انخرط في صفوف المجاهدين كلّ من: الشَّيخ عبد القادر كيوان (١٢٩٣-١٣٣٩هـ/ ١٨٧٥-١٩٢٠م)والشَّيخ ياسين كيوان (١٣١١-١٣٣٩هـ/ ١٨٩٣-١٩٢٠م)، واستبسلا في مقاتلة الفرنسيّين حتّى استشهدا في ساحة المعركة.
وقد أسهم في المعركة أيضًا من العلماء البارزين المعروفين بجهودهم العظيمة في مُقاومة الفرنسيّين منذ دخولهم إلى الأراضي السُّورِيَّة، وهو الشَّيخ عزّ الدّين القسّام الّذي اتّجه نحو دمشق بعد مشاركته الجهاديَّة في ثورة الشَّيخ صالح العلي، وسارع للانضمام إلى معركة ميسلون إلى جانب إخوانه المجاهدين، وبقي يقاتل الفرنسيّين إلى أن انتهت المعركة، فغادر دمشق قاصدًا حيفا.
وظهر من بين العلماء المشاركين في ميسلون من فضَّل التّنازل عن مناصبه الدّينيّة، والالتحاق بصفوف الجيش السّوري، ومثال على ذلك يلاحظ أنَّ الخوري حبيب إسطفان (١٣٠٥-١٣٦٥هـ/ ١٨٨٨-١٩٤٦م) تخلّى عن «لباس الكهنوت»، وعن خطابة الحفلات الدّينيّة، والوطنيّة في دمشق، وأصبح ضابطًا في الجيش ليشارك في ميسلون.
وكان من بين المنضمّين إلى المعركة ثُلَّة من العلماء المتصوّفة الّذين لم ينعزلوا عن قضايا المجتمع، ولم يبعدهم التَّزَهُّد عن المشاركة في الأحداث السِّياسيَّة في موطنهم،
منهم: الشَّيخ محمَّد الشّريف اليعقوبي (١٢٨٢-١٣٦٢هـ/ ١٨٦٥-١٩٤٣م) فقد حشد بعدما تَأَجَّجت نيران الثَّورة عدد من المتطوّعين من طلبته، فحملوا السِّلاح، والتحقوا بمجاهدي ميسلون، ومنهم الشَّيخ محمَّد حجازي كيلاني (١٢٧٨-١٣٦٠هـ/ ١٨٧٠-١٩٤١م) الّذي لم يكتفِ بتحويل زاويته الصّوفيّة إلى مقرّ لاجتِمَاعات المجاهدين، بل شارك في المعركة، واستبسل في الدِّفاع عن أرضه، ومنهم الشَّيخ صلاح الّدين أبو الشّامات (١٣١٦-۱۳۳۹هـ/ ۱۸۹۸-۱۹۲۰م) ومع مَيْله للتَّزَهُّد، لكن ذلك لم يمنعه من اسْتِجابة النّداء الوطنيّ، والدّينيّ في ميسلون.
ورغم المُقاومة العظيمة، ورغم كلّ ما أمكن حشده من الجنود، والمتطوّعين، إلَّا أنَّهم لم يتمكّنوا من الصّمود أكثر من بضع ساعات نتيجة الهجوم الفرنسيّ العنيف المجهّز بالمعدّات الحربيّة الثّقيلة المدعومة بالطّائرات، لكن ومع ذلك، فإنّه لا يمكن التّغاضي عن الأعمال الجهاديَّة، والبطوليّة للمجاهدين من الثُّوّار، والعلماء، وعن الدّماء الّتي سُفِكْت في سبيل نصرة الأراضي السُّورِيَّة.
بعد سلسلة من المعارك الّتي ابتدأت مطلع العام (١٣٣٩هـ/ ١٩٢١م) بين الثُّوّار،
والقوّات الفرنسيّة؛ لاحتلال دير الزُّور، وعندما وصلت القوّات الفرنسيّة في شهر صَفَر ١٣٤٠هــ/ تشرين الأوّل ١٩٢١م على مقربة من خشام وجديد عگيدات (في ريف دير الزُّور) بدأ الشَّيخ حمود الحماديّ (١٣٠٧-١٣٤٠هـ/ ١٨٩٠-١٩٢١م) يحثّ أبناء عشيرته (العنابزة) للمشاركة معه في مُقارعة الفرنسيّين، فالتَحَق به عدد يسير، وباشَرَوا بحفر الخَنادِق، ووضع المتاريس في خشام تَأَهُّبًا للثّورة.
ابْتدَأَت القوّات الفرنسيّة بالهجوم مَدْعُومة بالمعدات الحربيّة الحديثة، ومع جاهزيّتها القوّيّة لكنَّها لم تتمكّن من المقاومة، والصّمود نتيجة التّخطيط، والتّنظيم الّذي انتهجه الشَّيخ حمود، ومن معه في القتال، وهنا لا بدّ من القول: إنَّ الأعمال الجهاديَّة في هذه الثَّورة لم تنحصر بأبناء عشيرة العنابزة، وإنَّما التحق بها عدد من أبناء المناطق المجاورة نصرة لأرضهم، ووقوفًا جانب إخوانهم في الثَّورة، وكان منهم الشَّيخ محمَّد عطا الله الفراتي (١٢٩٨-١٣٩٨هـ/ ١٨٨٠-١٩٧٨م) الّذي عمل جاهدًا مع من كان معه من الثُّوّار إلى مُنَازَلة الفرنسيّين، وبعد استبسال الثُّوّار في القتال، تبيّن النّجاح الملحوظ في التّنظيم، وبخاصّة بعد أن أبادوا عددًا هائِلًا من القوّات الفرنسيّة، وأسروا عددًا منهم.
كانت نتائج الثَّورة كفيلة بإثارة غضب فرنسا، فسارعت إلى الانتقام من الثُّوّار عبر قصف خشام، والأراضي المحيطة بها بالطّائرات، فأفسحت المجال للقوّات الفرنسيّة
بالدّخول إلى خشام، واشتبكوا مع الثُّوّار، وهنا يصف أحد الثُّوّار المرافقين للشّيخ حمود في الثَّورة بطولات الشَّيخ قائلًا: «...أثناء المعركة كنا نتراهن على اصطياد جنود السّنغال من وراء خنادقنا، فقد كان يقول لي: أين تريد أن أضرب لك ذلك الأسود الطّويل؟ فأقول له في جبينه، وإذا أصبته، فلك منّي كذا، وكنّا نصطاد السّنغالي كما نصطاد الغزال، ولكن فارقًا كبيرًا بين الغزال، والغزال الأسود المستعمر»....
وبعد سجال عنيف بينهما، واستبسال في الدِّفاع عن الوطن استشهد الشَّيخ بعد إصابته برصاصة طائشة، لكنّ الفرنسيّين لم يكتفوا باستشهاده، وإنَّما قطعوا رأسه، وأرسلوه إلى فرنسا دلالةً على انقضاء الثَّورة. ومن هذه الثَّورة يلحظ القارئ مقدار وحشيّة السُّلطات الفرنسيّة في احتلال الأراضي السُّورِيَّة، وبالمقابل يلحظ مقدار الجهود العظيمة، والجبّارة المُنطلقة من الدِّفاع عن الأراضي السُّورِيَّة.
اشتعلت الثَّورة السُّورِيَّة الكبرى مع انتصارات سلطان باشا الأطرش (١٣٠٦-١٤٠٣هـ/ ١٨٨٨-١٩٨٢)،وثُلَّة من الثُّوّار المرافقين له في معركتيّ الكفر، وصلخد (السّويداء) أواخر محرم ١٣٤٤هـ/ تموز ١٩٢٥م ضدّ القوّات الفرنسيّة، ولم يكن اندلاع هذه الثَّورة مفاجئًا، بل كان نتيجة تراكم الأسباب منذ الاحتلال الفرنسي لسوريّة، وما فرضه من سياسة مستبدّة في مختلف المجالات، مع تنامي فكرة التّحرّر، ونيل الاستقلال.
ومن الواضح أنَّ القوّات الفرنسيّة أدركت خطورة هذه الثَّورات، فسارعت إلى إخمادها،
واشتبكت مع الثُّوّار في المزرعة، وبعد سجال عنيف بينهما كانت الغَلَبة للثُوّار، فانتشر خبر الانتصار في أرجاء سوريّة، وأعطى باعِثًا قويًّا للثُوّار لدعوة مجموعة من المتطوّعين للمشاركة بالثَّورة، وبالفعل فقد اتّسعت الثَّورة، وانتشر لهيبها في بقعة واسعة من الأراضي السُّورِيَّة كحماة، وحمص، وكانت دمشق، وغوطتها ساحةً واسعة لمعاركها.
أمام هذه التّطوّرات فقد سلك العلماء في هذه الثَّورة نَهْجًا مُمَاثِلًا لما انتَهَجَوه في الثَّورات، والمعارك السّابقة، إذ أقدم ثُلَّة من العلماء على حمل السِّلاح، والالتحاق بالثَّورة لمجابهة القوّات الفرنسيّة كــ: الشَّيخ محمَّد حجازي كيلاني، والشَّيخ أحمد محيي الدين شعبان حيبا (٠٠٠٠هـ/ ٠٠٠٠م)، والشَّيخ محمَّد الأشمر (١٣١٠-١٣٨٠هـ/ ١٨٩٢-١٩٦٠م) الّذين انطلقوا من دمشق منذ اشْتِعال البذور الأولى للثّورة قاصدين ساحات المعركة. ولما انتقلت الثَّورة إلى دمشق، وغوطتها ظهر نوع جديد من التّحالفات بين العلماء، فلم يعد انضمامهم إلى الثَّورة عشوائيًا، وإنَّما اشتركوا في تجمّع أطلق عليه: “عُصْبَة المشايخ”، أو “عِصَابَة المشايخ”، وكان لها دور واضح في حركات المُقاومة، وقد أسّسها الشَّيخ محمَّد الفحل (١٣١٨-١٣٤٥هـ/ ١٩٠٠-١٩٢٦م)، والشَّيخ محمَّد
الأشمر، وقد بذلا مَجْهُودًا عظيمًا منذ بداية الثَّورة، وتنقلا في الأراضي السُّورِيَّة؛ ليشاركا في معظم الثَّورات.
ومن خلال الدّور الرّائد الّذي حقّقه كلّ من الشَّيخ محمَّد الفحل، والشَّيخ محمَّد الأشمر، فقد التفّ حولهما العلماء في معارك الغوطة، وبرز منهم: الشَّيخ عبد الحكيم المنير (١٣٢٢-١٤١٤هـ/ ١٩٠٤-١٩٩٣م)، والشَّيخ عبد الله حليس (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م)، والشَّيخ شريف الخطيب (١٣٠٦-١٣٧٠هـــ/ ١٨٨٨-١٩٥٠م)، والشَّيخ سعيد الأحمر(١٣٢٠ -١٤٠١هــ/ ١٩٠٢-١٩٨١م)، والشَّيخ محمَّد علي الطباع (۱۳۱۲- ۱۳۸۷هـ/ ١٨٩٤-١٩٦٧م)، والشَّيخ محمَّد خير غزال(٠٠٠٠-١٣٤٥هـــ/ ٠٠٠٠-١٩٢٦م)، والشَّيخ حوري الحلاق (١٣٢٠-٠٠٠٠هــ/ ١٩٠٢-٠٠٠٠م)، والشَّيخ مصطفى الحشاش (١٣١٦-١٣٦١هـ/ ١٨٩٨-١٩٤٣م)، والشَّيخ حمدي
السمان(٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م)، والشَّيخ عربي الخيمي (١٣١٧-٠٠٠٠هــ/ ١٩٠٠-٠٠٠٠م)، وقد أبلوا بلاءً حسنًا في عددٍ من معارك الغوطة.
كما كان لانضمام بعض العلماء إلى عُصْبَة المشايخ، ومقاتلتهم القوّات الفرنسيّة في أراضي الغوطة، واستبسالهم في الدِّفاع عن أرضهم، أن نالوا شرف الشّهادة في سبيل الله الشَّيخ محمَّد الفحل، والشَّيخ مصطفى سيف (٠٠٠٠-١٣٤٥هــ/ ٠٠٠٠-١٩٢٦م)، والشَّيخ حمدي السمان، والشَّيخ عبد الوهاب الرجلة (١٣٠٩-١٣٤٥هــ/ ١٨٩١-١٩٢٦م).
ومن الأمثلة أيضًا على انضمام العلماء إلى عُصْبَة المشايخ أن حكم عليهم بالإعدام نتيجةً جهودهم في أرض المعركة ضدّ القوّات الفرنسيّة، ومنهم: الشَّيخ ديب القديمي (۱۳۱۱-۱۳۷۸هـ/ ١٨٩٣- ١٩٥٨م)، وأخوه الشَّيخ طالب القديمي (١٣١٣-١٣٦٥هـــ/ ١٨٩٥-١٩٤٥م) الّذين أُلقي القبض عليهما إثر جهادهما، لكنّهما تمكنها
من الهروب من السّجون، فحُكِم عليهما بالإعدام، ومنهم أيضًا الشَّيخ نديم شهاب (١٣١٥-٠٠٠٠هــ/ ١٨٩٧-٠٠٠٠م) وقد حكم عليه بالإعدام لجهوده في مقاتلة الفرنسيّين.
وكان للشّيخ محمَّد إسماعيل الخطيب (١٤٠٣-٠٠٠٠هــ/ ١٨٩٣-٠٠٠٠م) وللشّيخ علي النجار (١٣٠٠-١٣٦١هــ/ ١٨٨٣-١٩٤٣م) دور في معارك الغوطة بعد اشتراكهما فيها جانب عدد من الأصدقاء، والمقرّبين حتّى أصدر الحكم عليهما بالإعدام، فتَخَفَّى الخطيب عن الأنظار في بيوت أقاربه، بينما مكث الشَّيخ علي النّجار في جامع تنكز (شارع النصر- دمشق) حتّى إعلان العفو العام، كما اشترك في الثَّورة كلّ من: الشَّيخ محمَّد صالح الفرفور (١٣١٨-١٤٠٧هـــ/ ١٩٠١م- ١٩٨٦م)، والشَّيخ الدّكتور مدحت شيخ الأرض (١٣١٨-١٤٢٢هـــ/ ١٩٠٠-٢٠٠١م)، والشَّيخ خالد البيطار (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م)، والتحقوا بثَّورات الغوطة، وبذلوا جهودًا عظيمةً في ساحات
المعارك، واستبسلوا في الدِّفاع عن أرضهم جانب إخوانهم الثُّوّار.
وقد دفع بعض العلماء المنضمّين إلى عُصْبَة المشايخ الثّمن غاليًا بعد مشاركتهم في المعركة، إذ اضطرّوا إلى ترك وظائفهم الدّينيّة، والعلميَّة، ومغادرة موطنهم الأمّ، والنّزوح إلى الدُّول العربيَّة المجاورة ريثما تهدأ الأوضاع، وعرف منهم كلّ من: الشَّيخ عبد الوهاب العرجا (١٢٩٩-٠٠٠٠هــ/ ١٨٨٢-٠٠٠٠م)، والشَّيخ محمَّد الأشمر، والشَّيخ سعيد الأحمر، والشَّيخ محمَّد علي الطّباع، والشَّيخ ديب القديمي، والشَّيخ طالب القديمي، والشَّيخ الدّكتور مدحت شيخ الأرض. لكن وعلى الرّغم ممّا بذله الثُّوّار من مُقاومة جبّارة، ودماء غالية، إلّا أنَّ المعدّات الحربيّة الحديثة، وما رافقها من القصف المُشدّد بالطّائرات أدّى إلى تراجع الثُّوّار، وانتهاء الثَّورة، لكن ومن هذه الثَّورة يلاحظ أنّ دور العلماء لم يقتصر على الخطابة، وإصدار الفتاوي، والتّدريس في حلقات علميّة، بل تخطّت جهودهم ذلك أمام محبّتهم للوطن، والدِّفاع عنه.
أسهم العلماء بدور فعَّال ليس في المناحيّ الدّينيّة فحسب، وإنَّما في كلّ مناحي الحياة السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيّة، والثّقافيّة بشكلٍ مباشر أحيانًا، وبشكلٍ غير مباشر في أحيان أخرى، ولكن هذه الفقرة لن تتعرض إلّا لدور العلماء السّلميّ في أثناء الانتداب الفرنسيّ على سوريّة.
ظهر دور العلماء في التّصدّي للاستعمار، ومُنَاهَضَة سياسته منذ تَغلغل السُّلطات الفرنسيّة نحو الأراضي السُّورِيَّة، وتَمَثَّل دور البعض منهم بالتَدَخُّل في الأعمال السِّياسيَّة، في حين تمثّل دور البعض الآخر في مواقفهم السِّياسيَّة الخالدة بالتّعامل مع السُّلطات الفرنسيّة، وممن عُرِفَ آنَذَاك البطريرك غريغوريوس الرّابع حدّاد (١٢٧٥-١٣٤٦هـــ/ ١٨٥٩-١٩٢٨م) بعدما أدّى دورًا سياسيًّا كبيرًأ في تَوْحِيد كلمة المسيحيين من: «... رؤساء الطّوائف المسيحيّة من: سريان، وأرمن، أرثوذكس، وكاثوليك، وموارنة، وإنجيليين (بروتستانت)»... لمبايعة الملك فيصل، ولِما قام به من دور سياسيّ من الوقوف جانب السُّلطات المحلّيّة، والمُجاهرة برفض السِّياسة الفرنسيّة، واستِنكار مشاريعها الاستعماريّة.
وحينما اندلعت ثورة إبراهيم هنانو (١٢٨٦-١٣٥٤هـــ/ ١٨٦٩-١٩٣٥م)، فقد أسهم الشَّيخ رضا الرّفاعي (١٣٠٣-١٣٦٧هـــ/ ١٨٨٥-١٩٤٨م) بدور سياسيّ فعَّال بعد توّليه مهام سياسيّة، واستخباراتيّة منها مُراقبة تحرّكات القوّات الفرنسيّة، ومُتابعة الأحداث السِّياسيَّة لإعلام هنانو بها.
ولم يكن الثُّوّار، والمجاهدين بمعزل عن الاستعانة بكبار العلماء في حلّ بعض
الإشكالات، والمعضلات في المعارك، والثَّورات، وهذا ما حدث عند الشُّرُوع بالتَّجهيزات السِّياسيَّة، والعسكريَّة استعدادًا لمعركة ميسلون، فكانت قِلّة عدد الجنود سببًا رئيسًا في الاستعانة بالشَّيخ محمَّد كامل القصّاب (١٢٩٠-١٣٧٣هــ/ ١٨٦٠–١٩٥٤م) لِما كان له آنئذ من نفوذ قويّ، للوقوف جانب السُّلطات السِّياسيَّة، وبالفعل فقد تمكّن من تقديم الدّعم اللّازم بعد جمع ٣٠٠ متطوّع من مختلف فئات المجتمع مع أسلحتهم.
كما قام الشَّيخ محمَّد بدر الدين الحسني (١٢٦٧-١٣٥٤هـ/ ١٨٥٠-١٩٣٥م) بدور عظيم في مشاركاته السِّياسيَّة، فرفض رفضًا قطعيًّا مقابلة غورو بعد وصوله إلى دمشق عقب انقِضاء ميسلون، كما منع النَّاس من تَسْديد أيّ رسوم ضريبيّة للسُّلطات الفرنسيّة، ونهاهم عن التّعامل معهم، وأعلن أنَّ مُقاومة الفرنسيّين، والأعمال الجهاديَّة ضدّهم، فرض على أفراد المجتمع القادرين على حمل السِّلاح.
ولم تقتصر جهوده السِّياسيَّة على ذلك فحسب؛ وإنَّما قصد في رحلته السِّياسيَّة، والدَّعويَّة المشهورة المناطق السُّورِيَّة جانب ثُلَّة من العلماء الكبار؛ لتهيئة النّفوس للجهاد، وإعلامهم بمخطّطات مسير الثَّورة، فقصد أحد مساجد كلّ منطقة في سوريّة، وشرع يحثُّ أبناءها على الثَّورة، ويعلّمهم بالمخطَّطات السِّياسيَّة لها طالبًا عدم البدء بأيّ أعمال ثوريَّة عشوائيّة، وإنَّما الانتظار حتّى إعلامهم باستكمال التَّجهيزات العسكريَّة للبدء
في وقت واحد، وإهلاك القوّات الفرنسيّة، وبالفعل، فقد نفَّذت مُخطَّطاته، وانتشر لهيب الثَّورة في وقت واحد في الأراضي السُّورِيَّة، ولم تقف أعماله عند بدء الثَّورة، وإنَّما استمرَّ في مراقبة أعمالها عن كثب مع تقديم التَّعليمات، والمَشورة، وقيل: إنَّ بعض الثُّوّار كالشَّيخ محمَّد الأشمر، والمجاهد حسن الخراط (١٢٧٨-١٣٤٤هــ/ ١٨٦١-١٩٢٥م) كانوا يزورون الشَّيخ لأخذ التَّعليمات السِّياسيَّة، ويلتمسون منه الدَّعوات.
ومن الواضح أنَّ السُّلطات الفرنسيّة أدركت خطورة دور الشَّيخ في العمليّات السِّياسيَّة، والعسكريَّة، وتأثيره العظيم على الثُّوّار، لكنَّها لم تكن قادرة على إلحاق أيّ ضرر به؛ لأنَّ ذلك سيفاقم من تعاظم النِّيران ضدَّها، وقد وصف الشَّيخ محمَّد صالح الفرفور أحد تلامذة الشَّيخ محمَّد بدر الدين الحسني: إنَّ غورو زار الشَّيخ في دار الحديث، وانتظر ساعة كاملة في غرفة فارغة، وحينما قَدِمَ الشَّيخ وقف غورو احترامًا له، ثمَّ طلب من الشَّيخ تَهْدِئَة الأوضاع، وإلزام المجاهدين بالتّراجع عن إضرام النّار، فأجابه الشَّيخ قائِلًا: «لا تهدأُ هذه الثَّورة إلّا بخروجكم، وأنتم جئتم لتعليمنا، وتثقيفنا فيما تزعُمون... فقد تَعَلَّمنا وتَثَقَّفنا، فلم نَعُدْ نحتاج إلى شيءٍ».... ومع هذه المواقف الجليلة لم يكن أمام السُّلطات الفرنسيّة إلَّا أنَّ تقدم اعْتِراضًا ضد الشَّيخ في تقريرها إلى عُصْبَة الأمم، لكنَّ ذلك لم يكن له شأن يذكر، ولم يوقف العلماء عن متابعة الأعمال السِّياسيَّة، والعسكريَّة، والوقوف جانب المجاهدين في ساحات المعارك.
وقد أدّى بعض العلماء السُّوريّين دورًا سياسيًّا في مُقاومة الفرنسيّين عبر الاشتراك في التَّجهيزات الخاصة بالثَّورة، واشتهر منهم الشَّيخ محمد حجازي كيلاني، والشَّيخ
زكي الشّربجي (١٣١٧-١٣٤٥هــ/ ١٨٩٩-١٩٢٦م)، والشَّيخ موسى الطّويل (١٢٧٧-١٣٧٢هــ/ ١٨٦٠-١٩٥٢م) وعملوا على مراقبة الأوضاع السِّياسيَّة، والعسكريَّة المُفيدة لسير الثّورات، ونقلها للمجاهدين. كما أسهم كلّ من: الشَّيخ عربي الخيمي، والشَّيخ عبد الوهاب العرجا، والشَّيخ نديم شهاب في تقديم المُساندات في بعض الأحداث السِّياسيَّة، منها: مُساندة أحد زعماء الثّورة من الخروج من منزله، والانضمام إلى الثّوّار رغم تشديد السُّلطات الفرنسيّة الحصار على منزله، فتعرض هؤلاء العلماء نتيجة هذه المساندة لأشدّ أنواع التَّعذيب، والتَّنكيل من السُّلطات الفرنسيّة.
وفي ثورات البوكمال الّتي اشتدَّت في العام (١٣٥١هــ/ ١٩٣٢م)، فقد جهز الشَّيخ مشرف محمَّد دندل (١٢٩٢-١٣٧١هـــ/ ١٨٧٥-١٩٥١م) خطط لسير العمليّات السِّياسيَّة، والعسكريَّة، وبعد انتهاء التَّجهيزات اللّازمة أعلن رسميًّا الثَّورة ضدّ الفرنسيّين، وأقدَّم على تسليح المجاهدين المنضمّين إلى الثَّورة، ممّا أدَّى إلى إصدار السُّلطات الفرنسيّة أمرًا بإعدامه.
انتهج العلماء كُلَّ الطُّرق، والوسائل في سبيل حثّ أفراد المجتمع على مُقاومة الفرنسيّين، وتَبَدَّى دورهم الدَّعوي في المعارك، والثَّورات، ففي ميسلون قام الشَّيخ محمَّد
كامل القصاب بالخطابة في الشّوارع مُشجِّعًا على الانضمام للثَّورات، كما تمكَّن الشَّيخ كمال الخطيب بخطبه من حشد عدد وافِر من المُتطوِّعين بعد تهيئة نفوسهم للجهاد.
وفي ثورات دير الزُّور تَصَدَّى الشَّيخ محمَّد سعيد العرفي (١٣١٤-١٣٧٥هــ/ ١٨٩٦-١٩٥٦م) للسُّلطات الفرنسيّة منذ تغلغُلها في دير الزُّور، وأخذ يدعو طلبته للمُشاركة في الجهاد، والانضمام للثَّورات، فدفع العرفي ثمن دوره الدَّعوي غاليًا إذ أقدَّمت السُّلطات الفرنسيّة في العام (١٣٤٠هـ/ ١٩٢٢م) بسجنه، ومن ثمَّ حكمت عليه بالنَّفي.
ولمَّا نشبت الثَّورة السُّورِيَّة الكبرى تَوَجَّه وفد إلى قرية شقرا (جنوب لبنان) قاصدين السيِّد محسن الأمين العاملي الحسيني (١٢٨٤-١٣٧١هـ/ ١٨٦٧-١٩٥٢م) يَستفتونَهُ بالمشاركة في الثَّورة، فأفتى لهم قائِلًا: «الآن وجب الجهاد، وعليكم حمل السِّلاح، ومشاركة الثَّائرين في الثَّورة على الفرنسيّين، ومن لا يستطيع أن يجاهد في نفسه، فعليه أن يجاهد في ماله»، وبعدما عاد الوفد إلى دمشق أبلغوا الفتوى لمجاهدي حيّ الأمين، فانخرط عدد هائِل منهم في الأعمال الجهاديَّة في الغوطة.
ومن العلماء الّذين بَدَا دورهم الدَّعوي، والجهاديّ بشكل جَلِيّ الشَّيخ محمَّد بدر الدّين الحسنيّ، وذلك بتهيئة طلابه للانضمام إلى الثَّورة، وبحثّ النَّاس في خطبه، ومجالسه العلميَّة، وفي رحلاته على وجوب الجهاد، والمشاركة في الثَّورة، وعلى نحو
مماثل، فقد أدّى الشَّيخ محمَّد علي الدّقر (١٢٩٤-١٣٦٢هــ/ ١٨٧٧-١٩٤٣م) دورًا دعويًّا عظيمًا في خطاباته في مسجد السّنانيّة مُحفّزًا النَّاس على مساندة المجاهدين بكلّ ما يحتاجونه موضّحًا مخاطر السُّلطات الفرنسيّة عبر قوله: «يا إخواننا، اللِّص دخل الدّار وهو يطلب منكم ثلاثة أشياء: دينكم، ومالكم، وعرضكم، ولمَّا سأله أحد المستمعين: ومن هو هذا اللِّصُّ يا شيخي؟ أجاب: إنَّه فرنسا»، ومنهم أيضًا الشَّيخ محمَّد الديراني (١٣٠٠-١٣٥٤هــ/ ١٨٨٣-١٩٣٥م) الّذي لم يدعُ النَّاس إلى الجهاد فحسب، وإنَّما كان يُمسِك الطَّلقات النَّاريَّة في أثناء خطبه قائِلًا: «إخوانكم بحاجة إلى مثل هذا».
ومن العلماء الّذين جاهروا في دعوتهم الجهاديَّة الشَّيخ محمَّد هاشم الخطيب (١٣٠٤-١٣٧٨هــ/ ١٨٩٠-١٩٥٨م)، والشَّيخ محمَّد نجيب كيوان (١٢٨٧-١٣٥٢هــ/ ١٨٧١-١٩٣٤م)[6]، والشَّيخ محمود صالح الخطيب (١٢٩٣-١٣٦٠هـــ/ ١٨٧٦-١٩٤١م)، والشَّيخ عبد الحميد كريم (١٣١٧-١٣٩٦هــ/ ١٨٩٩-١٩٧٦م)،
والشَّيخ صلاح الدين الزعيم (١٣٠٠-١٣٩٠هــ/ ١٨٨٢-١٩٧١م)، فكانوا يحضّون النَّاس على الإسهام في الثَّورة، ويؤكِّدون الأعمال الوحشيَّة الفرنسيّة، ويوجِّهون النَّاس نحو الطَّريق الحقِّ، أي: طريق التَّطوُّع للجهاد في سبيل الله.
وممَّا توضّح من حرص العلماء على الجهاد أنَّه لمَّا كانت الطَّائرات الفرنسيّة في إحدى الأيَّام تقصف دمشق بشدَّة قَدِمَ عدد من الرّجال إلى الشَّيخ عبد المحسن الأسطواني (١٢٧٥-١٣٨٣هــ/ ١٨٥٩-١٩٦٣م) والتمسوا منه الذَّهاب إلى الجامع الأموي للدُّعاء على السُّلطات الفرنسيّة، فأثار هذا الطَّلب غضب الشَّيخ، فقال: «الدُّعاء على الأعداء في المساجد صنيع المُقعدين، والعدو بحاجة إلى مُقاومة، فإلى السِّلاح».
وفي ثورات حمص اشتهر من علمائها الشَّيخ محمَّد حسني السّباعي (١٣٠٦-١٣٨١هــ/ ١٨٨٩-١٩٦١م)فقد كان يجول الشَّوارع مع ثُلَّة من العلماء يدعون النَّاس إلى: حمل السِّلاح، والانضمام إلى الثَّورة. وفي معارك التَّحرير في العام ١٣٦٥هــ/ ١٩٤٥م كان الشَّيخ محمَّد محمود الحامد (١٣٢٨-١٣٨٩هــ/ ١٩١٠-١٩٦٩م) يحث ُّأبناء حماة على الانضمام للجهاد لتحرير الأراضي السُّورِيَّة، كما كان الشَّيخ حسين
السراج (٠٠٠٠-١٣٨٦هـــ/ ١٩٠٧-١٩٦٧م) يحثُّ أبناء دير الزُّور على حمل السِّلاح، ويبثُّ في قلوبهم حماسًا للجهاد، وبالفعل فقد اندفعوا للقتال بكل ما أوتوا من قوة وعون من الله تعالى حتَّى صنعوا بالقوّات الفرنسيّة مجزرة خلدها التَّاريخ.
أدرك العلماء مدى اعتماد فرنسا على اقتصادها مثلها كمثل بقيّة الدُّول في أرجاء العالم، ومدى أهمّيّة الدُّول العربيَّة في تَعاظم اقتصادها، أو تَواضعه بحسب العلاقات السِّياسيَّة بينهم، فسعوا جاهدين إلى مقاطعة المنتجات الفرنسيّة، وكان منهم الشَّيخ الدّكتور توفيق الخطيب (١٢٩٤-١٣٥٥هــ/ ١٨٧٧-١٩٣٦م) الّذي فرض على النَّاس مقاطعة المنتجات الفرنسيّة مؤكدًا مخاطر الاعتماد عليها في تدعيم الاقتصاد الفرنسيّ، وتمكين السُّلطات الفرنسيّة من متابعة قصفها للأراضي السُّورِيَّة، ومقاتلة الثّوّار، والنّصر عليهم، ومن الواضح أنّ هذه المساعي أقدمت ولو بشكل بسيط بالرّدّ على السّياسة الفرنسيّة عبر مقاطعة بضائعها، والإحجام عن شرائها، ومع عدم تَأْدِيَة هذه المقاطعات انهيار كامل للاقتصاد الفرنسيّ؛ إلّا أنَّها أسهمت في إضعافه، ولو بحدوده الدّنيا.
الدّور الاجتماعيّ والإنسانيّ
قام العلماء السُّوريّون بدور متميِّز عبر مدِّ يد العون، ومُساندة المُجاهدين، والثُّوّار، والأدلَّة على ذلك متنوِّعة، ففي ثورة هنانو أبدى الشَّيخ طاهر الرّفاعي (١٢٨٩-١٣٤٥هــ/ ١٨٧٢-١٩٢٦م) فاعليّة عظيمة في مناهضة السُّلطات الفرنسيّة، وحينما اشتعلت الثَّورة
قدَّم لها الدّعمين المالي، والمعنويّ، وساندها بنفوذه حتّى عدَّ من أعظم المؤازرين لها، واستمرَّ في دوره الدَّاعم للمجاهدين حتّى وفاته.
كما قام الشَّيخ طراد الملحم (٠٠٠٠-١٣٧٢هــ/ ٠٠٠٠-١٩٥٢م) باستضافة عدد من الثُّوّار المشاركين في ثورة هنانو من المطلوبين للسُّلطات الفرنسيّة، وحمايتهم، فأذاعت الأخيرة أنها ستقدِّم مبلغًا ماليًا يقارب ٥٠٠ ليرة ذهبيّة لقاء إلقاء القبض على كلّ مجاهد في الثَّورة، لكنَّ الشَّيخ هيَّأ لهم الحماية التَّامَّة من أعين الأعداء الطَّامعين بهذا المبلغ المالي، واستمرَّ في استضافتهم إلى أن تهيَّأت الظُّروف المُلائمة لإيصالهم إلى مناطق آمنة.
ومن الأدوار الإنسانيَّة العظيمة يُلاحظ دور الشَّيخ عبد الكريم آل رستم (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م) في الشَّهادة لصالح هنانو عند محاكمته، فلضمان دخوله إلى المحكمة قبل شكليًّا طلب الفرنسيّين للشَّهادة ضدَّ هنانو، لكنَّه عندما وقف للإدلاء بشهادته كانت منصبّة في مصلحة هنانو، ومنهم أيضًا الشَّيخ محمَّد علي القصاب (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م) عندما جعل بيته بمنزلة مخزن لأسلحة الثُّوّار، وعتادهم، وبذل مجهودًا في تقديم الأغذية للمجاهدين، والعلف لخيولهم، فأثارت أدوار هؤلاء العلماء غضب الفرنسيّين، وتعرَّضوا لأشدّ أنواع التَّعذيب.
وفي معركة ميسلون ظهر من بين العلماء الشَّيخ عيد الحلبي (١٢٨٠-١٣٦٦هــ/
١٨٦٣-١٩٤٦م) الّذي أسرع لتقديم العون للمتطوِّعين في المعركة، وأسهم في جمع الأسلحة لهم، وشجع النَّاس على إمداد الثّوّار بالمعونات الماليَّة اللَّازمة لسير المعركة، فعرضته هذه المساهمات إلى إصدار السُّلطات الفرنسيّة حكمًا بإعدامه.
وبرز في الثَّورة السُّورِيَّة الكبرى من العلماء الشَّيخ نعمان زاكية (١٢٥٩-١٣٤٤هــ/ ١٨٤٣-١٩٢٥) عندما قام بمساندة مجاهدي الثَّورة السُّورِيَّة الكبرى في ثوراتهم الأولى عبر استقبالهم، ومؤازرتهم بكلّ ما يحتاجونه، ولم يكتفِ بذلك، وإنَّما قام بإسعاف المجاهدين الجرحى إلى منزله، ومعالجتهم، فما كان من القوّات الفرنسيّة إلَّا أن قتلت الشَّيخ مع أفراد أسرته.
وفي ريف دمشق قام الشَّيخ زكي الشّربجي بدور فعَّال في تسليم تبرُّعات العلماء، والأهالي إلى الثُّوّار من: سلاح، وعتاد، ومؤن، ومستلزمات علاجيَّة ...إلخ، ولم يقتصر دوره على ذلك، وإنَّما دفع من ماله الخاص ثمن بعض الإمدادات إلى درجة أنَّه صرف كلَّ ثروته في سبيل تقديم الدّعم للثَّورة، وأسهم أيضًا الشَّيخ رشدي الخجا (١٣١١-١٣٥٩هـــ/ ١٨٩٣-١٩٤٠م) في مؤازرة المُجاهدين بشكل سرّي عبر تأمين الأسلحة، والعتاد، والذَّخائر لهم، كما سلَّم الشَّيخ عبد الله الأفغاني (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م) الثُّوّار أنواعًا من الأسلحة، والذّخيرة المُرسلة عن طريق الشَّيخ محمَّد بدر الدّين الحسني، وقام أيضًا كلٌّ من الشَّيخ الدّكتور توفيق الخطيب، والشَّيخ الدّكتور مدحت شيخ الأرض
بمُعالجة الجرحى من الثُّوّار في الغوطة.
وقد اشترك الشَّيخ محمَّد صالح الفرفور في تقديم أنواع الدّعم كافَّة لإخوانه للمجاهدين في الغوطة عند اشتداد المعارك بينهم، وبين القوّات الفرنسيّة، وقد روى إحدى المواقف الّتي جرت معه عند إمداده للمجاهدين بالأغذية، بعد أن قلّت عندهم إثر اشتداد المعارك، والقصف المتزايد، وندرة الأغذية في أماكن المعارك، قائلًا:
«... وحملتُ معي أرغفةً من خبز لففت بها صدري، وظَهري، وما أمكن من جسمي، فلمّا وصلتُ إلى الباب الشّرقيّ لمدينة دمشق في آخر محلّة القصاع، اعترضني ضابط فرنسيّ واقف على نقطة المرور، وطلب إليَّ تفتيشي، فأجبته، فمدَّ يده على صدري، فقبض على الخبز داخل ثيابي فالتفت إليَّ، وبيده المسدَّس موجَّه إلى صدري، وقال: (ما هذا)؟ ولا تغيَّر لوني بل أجبته بكلّ جرأة عالمًا أنّ الأجل محتوم، وأنّ الخوف لا يُنجي من القدر، فقلت: (هذا خبزٌ، ومعي أيضًا قطعة من الجبن). وأخرجتُها من داخل منديل بيدي فرآها الرّجل، وبجانبه اثنان من المقتولين منهم رجل أعرفه من محلّة العقيبة اسمه «الشَّيخ صدّيق». لكنَّ الرجل أَلْجمه الله (عزّ وجلّ)، وصَرف قلبه عمّا يريد، ومرَّت به سحابة نخوة، فقال لي وهو يربّت على كتفي يعني: (اذهب وكُلْها مع رفقائك العِصَابَة)»....
ومن المشاركات القيِّمة الّتي توضّح شجاعة العلماء في نصرة إخوانهم المجاهدين يلاحظ دور الشَّيخ محمَّد ديراني عندما كان يجهّز جنازة غير حقيقيَّة، ويملأ الشَّيخ النَّعش بالأسلحة والذّخائر، وفور وصوله إلى المقبرة يفرِّغ ما بداخل النّعش في إحدى القبور الفارغة بالاتِّفاق مع المُجاهدين، فيأتي عدد من المجاهدين ليلًا لاستلامها، ومتابعة أعمالهم الجهاديَّة.
بذل العلماء دورًا ثقافيًا، وفكريًا رائعًا في مواجهة الانتداب الفرنسيّ، وشرعوا يحثُّون النَّاس على مُقاومة السُّلطات الفرنسيّة، ومساعيها الاستعماريّة في التَّغريب، والتَّجزئة، والانفصال، واشتهر من بين هؤلاء العلماء الشَّيخ محمَّد رشيد رضا (١٢٨٢-١٣٥٤هــ/ ١٨٦٥-١٩٣٥م) عندما انتقل إلى مصر بعد دخول الفرنسيّين الأراضي السُّورِيَّة، وشرع يحثّ النَّاس عبر مقالاته على مُقاومة سلطة الانتداب، وفي إحدى مقالاته ذكر أنَّ الحكومة السُّورِيَّة كانت: «أقرب إلى العدل، والحرّيّة، والمساواة، والإصلاح، وأبعد عن التَّعصُّب، والمُحاباة، والافساد الأدبيّ، والاقتصاديّ من حكومتيّ الدَّولتين اللّتين ابتدعتا لنا بدعة الانتداب لإصلاح بلادنا بحجَّة أنَّنا عاجزون عن النُّهوض بأمر أنفسنا».
وعلى نحو مماثل، يلاحظ أنَّ الشَّيخ محب الدّين الخطيب (١٣٠٣-١٣٨٩هــ/ ١٨٨٦-١٩٦٩م) نشر في بعض المجلَّات، والصُّحف مقالات حول مناهضة السِّياسة الفرنسيّة، وتأييد الأعمال الجهاديَّة، والوطنيّة ضدَّهم، وعرض في إحدى مقالاته الوصايا الواجبة على المسلمين، ومنها: أن يعملوا بالأسباب الّتي أنهضت الدُّول المُتقدِّمة، ومنها: اقتباس العلوم الجديدة الّتي تعزّز من النَّهضة وتقوِّيها، بشرط الحفاظ على كلّ ما هو قديم؛ لأنَّ «تركه يؤدِّي إلى الانسلاخ قوميًا ومليًا».
وإبَّان متابعته الأحداث السِّياسيَّة أظهر غضبه الشَّديد من التَّآمر الفرنسي-البريطاني-التركي لسلخ لواء إسكندرون عن الأراضي السُّورِيَّة، وذكر أسباب حزنه، وتأثُّره بهذا السَّلخ من خلال
عرض سلبيَّاته، واستمرّ في الدّفاع عن عُروبته مستشهدًا بما قاله سلطان باشا الأطرش: «إنَّ الوحدة العربيَّة أصبحت ضرورة قوميَّة، ولا حياة للنَّاطقين بالضَّاد إلّا بتحقيقها».
كما ذكر الشَّيخ علي الطّنطاوي (١٣٢٧-١٤٢٠هـ/ ١٩٠٩-١٩٩٩م) في معرض حديثه عن كيفيّة إدراك طلبة العلم لخطر الاستعمار قائلًا: «...نظر الطّلاب في دمشق، فإذا يدٌ غريبة تلعب بمعارف بلادهم، وإذا هي أشبه بالسّفينة العظيمة يراها الرّائي، فيحسب أنّ لها عقلًا يسوقها، وإرادة تسيّرها، ولكنّه يقترب منها، فيرى شيئًا صغيرًا ليس منها في شيء يسوقها، ويصرّفها كما يشاء»... ثمَّ عرض في حديثه مساعي هؤلاء الطَّلبة في مُقاومة الاستعمار، ومناهضته، وشرع يوجِههم بقوله: «...سيروا إلى غايتكم قُدُمًا بهمّة عظيمة، وإيمان قوي»...، وأكمل نصيحته للطّلاب بقوله: «...وثابروا على عملكم، وأفهموا العالم كلّه أنكم طلَّابٌ بَرَرة بماضيكم، وأمّتكم، وأنّكم لا تنقضون لها عهدًا، ولا تبخلون عليها بشيء، والله ناصركم، ومؤيّدكم».... وبذلك، فقد تمكَّن العلماء بفضل ما نشروه من مقاومة سياسة الاستعمار، والتَّغريب، وتأييد الحرّيّة، وكشف مخاطر الاستعمار للأراضي العربيَّة جانب معالجة مشاكل هذه الأراضي بمختلف مجالات الحياة.
عدَّ العلماء من أوائل من شجَّع أبناء المجتمع، وحثَّهم على مقاومة السُّلطات الفرنسيّة، فانتهجوا كلّ الطُّرق، والوسائل بدمائهم، وألسنتهم، وأقلامهم انطلاقًا من حبّهم للوَّطن، ومن الإيمان الّذي يحفّزهم على مقاومة المستعمر الفرنسيّ.
لم يقف دور العلماء على الدَّعوة في خطاباتهم للجهاد في المساجد، وإنَّما قادوا بأنفسهم بعض المعارك، والثَّورات، وفي بعضها كانوا في الصُّفوف الأولى أمام القوَّات الفرنسيّة للدِّفاع عن الوطن، وفي معارك أخرى كانت القيادة للسِّياسيِّين، والمُحاربين المعروفين بخبرتهم في إدارة الثَّورة، فشارك العلماء جانبهم مدفوعين في ذلك من عدم الاهتمام بمناصبهم في الثَّورة، أو بالسُّمعة، والشّهرة، بل سعيًا منهم في الدِّفاع عن الأراضي السُّورِيَّة.
فاق دور العلماء غير المباشر في مواجهة الانتداب الفرنسيّ في بعض المعارك، والثَّورات الدّور المباشر، وبخاصَّة لدورهم في يقظة أبناء المجتمع على ما يجري من أحداث سياسيَّة، ومن مخاطرها الّتي من شأنها التَّأثير سلبًا في مجالات الحياة كافّة.
لم يقتصر دور العلماء في تحفيز النَّاس على التَّبرُّع، وتقديم المُساعدات للثّوّار، بل كانوا من أوائل من أمدُّوا الثَّورات بها.
دفع العلماء ثمنًا باهظًا؛ بسبب وقوفهم أمام السِّياسة الاستعماريّة الفرنسيّة، فمنهم من فَضَّل الشَّهادة في سبيل الله، ومنهم من حكم عليه بالإعدام، فآثر الهجرة، ومنهم من نفي خارج وطنه، ومنهم من سجن، ومنهم من ضيّق عليه، وتعرَّض لأشدّ أنواع التَّعذيب، والتَّنكيل، ومنهم من ترك مناصبه العلميّة، والدّينيّة لصدّ القوّات الفرنسيّة، وعلى الرّغم ممّا تعرَّضوا له إلّا أنّ ذلك لم يقلِّل من إصرارهم على محاربة الفرنسيّين.
لم تبعد هجرة العلماء السُّوريّين إلى دول أخرى إبَّان الانتداب الفرنسي عمَّا يجري من أحداث سياسيَّة في موطنه، بل استمرُّوا في الدِّفاع عن حرّيّة موطنهم، ونصرته بكلّ ما أتيح لهم من وسائل، ولاقت جهودهم نتائج ملحوظة في مقاومة السِّياسة الاستعماريّة.
(610)1.أبو خليل، شوقي، الإسلام وحركات التحرر العربية، ط١، دار الرشيد، دمشق، ١٩٧٦م.
2.أبي راشد، حنا، جبل الدروز، مكتبة زيدان العمومية، ط١، مصر، ١٩٢٥م.
3.الأرمنازي، نجيب، محاضرات عن سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، د.ط، مطابع دار الكتاب العربي، القاهرة، ١٩٥٣م.
4.آل جندي، أدهم، أعلام الأدب والفن، د.ط، مطبعة مجلة صوت سوريّة، دمشق، ١٩٥٤م.
5.ــــــــــــــــ، تاريخ الثورات السوريّة في عهد الانتداب الفرنسي، د.ط، مطبعة الاتحاد، دمشق، ١٩٦٠م.
6.الحافظ، محمد مطيع، أباظة، نزار، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، ط١، قدم له شكري فيصل، دار الفكر، دمشق، ١٩٨٦م.
7.الحكيم، يوسف، سوريّة والانتداب الفرنسي، ذكريات، دار النهار للنشر، بيروت، د.ط، (د.ت).
8.ــــــــــــــــ، سوريّة والعهد الفيصلي، ذكريات، ط٣، دار النهار للنشر، بيروت، ١٩٨٦م.
9.الخانجي، نشأت جميل شاكر، ثوار صنعوا الاستقلال صفحات مضيئة من تاريخ الثورة السوريّة، مذكرات وأوراق المجاهد جميل شاكر الخانجي (١٨٩٨-١٩٧٦م)، ط١، دار الشرق للطباعة والنشر، دمشق، ٢٠٠٨م.
10.ذكريات علي الطنطاوي، ط٥، دار المنارة، جدة، ٢٠٠٦م.
11.رستم، أسد، كنيسة مدينة الله أنطاكية العظمى، د.ط، مؤسسة هنداوي، المملكة المتحدة، ٢٠٢١م.
12.رضا، علي، قصة الكفاح الوطني في سوريّة عسكريًا وسياسيًا حتى الجلاء، د.ن، د.م،
د.ط، ١٩٧٧م.
13.الرويلي، محمَّد رشيد، الحركة الثقافية في محافظة دير الزُّور خلال القرن العشرين دراسة وبيلوغرافيا، ط١، دار صائب للنشر والتوزيع، دير الزُّور، ٢٠٠٣م.
14.زرزور، فارس، معارك الحرية في سوريّة، ط١، دار الشرق للنشر والتوزيع، دمشق، ١٩٦٢م.
15.الزركلي، خير الدين، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمسعربين والمستشرقين، ط١٥، دار العلم للملايين، بيروت، ٢٠٠٢م.
16.سراي، سكوت، حقائق ووثائق لم تنشر بعد عن الثورة السوريّة الكبرى عام ١٩٢٥، د.ن، باريس، د.ط، ١٩٢٩م
17.السفرجلاني، محي الدين، فاجعة ميسلون والبطل العظيم يوسف العظمة، ط١، مطبعة الترقي، دمشق، ١٩٣٧م.
18.شراب، محمَّد محمَّد حسن، عز الدين القسام شيخ المجاهدين في فلسطين، ط١، دار البشير، جدة، ٢٠٠٠م.
19.شهبندر، عبد الرحمن، ثورة سوريّة الكبرى أسرارها وعواملها ونتائجها، د.ط، دار الجزيرة، عمان، ١٩٤٠م.
20.شوحان، أحمد، تاريخ دير الزُّور، ط١، مكتبة التراث، دير الزُّور، ١٩٨٩م.
21.الصواف، محمد شريف عدنان، موسوعة الأسر الدمشقية تاريخها، أنسابها، أعلامها، ط٢، بيت الحكمة، دمشق، ٢٠١٠م.
22.طلاس، مصطفى، أحداث الثَّورة السُّورِيَّة الكبرى كما سردها قائدها سلطان باشا الأطرش (١٩٢٥-١٩٢٧م)، ط١، دار طلاس، دمشق، ٢٠٠٧م.
23.الطنطاوي، علي، رجال من التاريخ، ط٨، دار المنارة، جدة، ١٩٩٠م.
24.العلواني، جميل، نضال شعب وسجل خلود، د.ن، د.م، ط١، ١٩٧٣م.
25.العياشي، غالب، تاريخ سوريّة السياسي من الانتداب إلى الانقلاب (١٩١٨-١٩٥٤م)
وهو الإيضاحات السياسيّة وأسرار الانتداب الإفرنسي، د.ن، إدلب، د.ط، ١٩٥٤م.
26.الفرفور، محمد صالح، المحدث الأكبر وإمام العصر العلّامة الزاهد السيِّد الشريف الشيخ محمد بدر الدين الحسني المتوفى (١٣٥٤هــ/ ١٩٣٥م) كما عرفته، ط١، دار الفرفور، دمشق، ٢٠٠١م.
27.ـــــــــــــــ، الزاهر في الحديث العاطر عن الوالد الفاخر، العلامة العارف بالله الشيخ محمد صالح الفرفور الحسني، ط١، مطبعة خالد بن الوليد، دمشق، ١٩٨٧م.
28.الفقير، حسن تحسين باشا (د.ت)؛ الإنتداب الفرنسي الغاشم على سوريّة كما وردت في مذكرات المجاهد المرحوم الفريق حسن تحسين باشا الفقير، د.ن، د.م، د.ط.
29.قاسمية، خيرية، مذكرات فوزي القاوقجي (١٩١٢-١٩٣٢م)، ط١، دار القدس، بيروت، ١٩٧٥م.
30.القزويني، معز الدين محمد المهدي الحسيني، أسماء القبائل وأنسابها، شرح وتحقيق: كامل سلمان الجبوري، دار الكتب العلمية، القاهرة، د.ط، ٢٠١٠م
31.الكيالي، عبد الوهاب (د.ت)؛ موسوعة السياسة، المؤسسة العربية للدراسات والنشر، بيروت، د.ط.
32.لونغريغ، ستيفن هامسلي (د.ت)؛ تاريخ سوريّة ولبنان تحت الإنتداب الفرنسي، دار الحقيقة، بيروت، د.ط.
33.مذكرات عبد الرحمن الشهبندر، ط١، دار الإرشاد، بيروت، ١٩٦٧م.
34.المرعشلي، يوسف، نثر الجواهر والدرر في علماء القرن الرابع عشر، ط١، دار المعرفة، بيروت، ٢٠٠٦م.
35.هندي، إحسان، كفاح الشعب العربي السوري (١٩٠٨-١٩٤٨م) دراسة عسكرية تاريخية، الدراسة الفائزة بالجائزة الأولى لمسابقة الأبحاث القومية العسكرية لسنة ١٩٦٢، ط٢، دمشق، ١٩٦٢م.
36.ـــــــــــــــــ، معركة ميسلون، د.ن، دمشق، د.ط، ١٩٦٧م.
37.يونس، عبد اللطيف، تاريخ الثورة العلوية وقائدها الشيخ صالح العلي، مطابع أبي الفداء، حماة، د.ط، (د.ت).
38.ـــــــــــــــــــــ، ثورة الشيخ صالح العلي، دار اليقظة العربية للتأليف والنشر والترجمة، دمشق، د.ط، ١٩٤٧م.
39.الصحف والمجلات والجرائد العربية
40.الجندي، أدهم، صفحات منسية عن بطولات أبناء دير الزُّور، العمران تصدرها وزارة البلديات، رئيس التحرير عادل سلوم، عدد خاص عن دير الزُّور، العدد ٣٩-٤٠، ١٩٧١م.
41.الحامد، عبد الغني، أخي كما عرفته، حضارة الإسلام مجلة فكرية جامعة، دمشق، العدد الثالث، ١٩٦٩م.
42.الخطيب، محب الدين، النتائج الأولى لتتريك الاسكندرونة، الفتح، صحيفة إسلامية أسبوعية، القاهرة، العدد ٦٦١، العام الرابع عشر، ١٨ جمادى الأولى ١٣٥٨.
43.ـــــــــــــــــــــــ، العبرة في مسألة الاسكندرونة، الفتح، صحيفة إسلامية أسبوعية، القاهرة، العدد ٥٢٢، العام الثاني عشر، الخميس ٢٤ ربيع الأول ١٣٥٦.
44.ـــــــــــــــــــــــ، إلى إخواني شباب دمشق بمناسبة تأسيس جمعية الشباب المسلمين فيها، الفتح، صحيفة إسلامية أسبوعية، القاهرة، العدد ١٣٨، السنة الثالثة، الخميس ٢٥ رمضان ١٣٤٧.
45.رضا، محمد رشيد، الرحلة السوريّة الثانية، المنار، المجلد الثالث والعشرون، ٢٩ شعبان ١٣٤٠.
46.السباعي، مصطفى، حسني السباعي، حضارة الإسلام، مجلة فكريّة جامعة، دمشق، العدد السادس والسابع، السنة الثانية، ١٩٦٢م.
47.ـــــــــــــــــــــــ، سماحة العلامة الشيخ عبد المحسن الأسطواني شيخ المعمرين في بلاد الشام، حضارة الإسلام مجلة فكرية جامعة، دمشق، العدد الخامس، السنة الرابعة، ١٩٦٤م.
48.الطنطاوي، محمَّد علي، طلاب دمشق بشرى عظيمة ونهضة كبرى، الفتح، صحيفة إسلامية أسبوعية، القاهرة، العدد ١٥٨، السنة الرابعة، الخميس ٢٥ صفر 1348هـ.
49.علوان، إبراهيم، النِضَال القومي لدير الزُّور، العمران تصدرها وزارة البلديات، رئيس التحرير عادل سلوم، عدد خاص عن دير الزُّور، العدد ٣٩-٤٠، ١٩٧١م.
50.عياش، عبد القادر، وادي الفرات في القطر العربي السّوري، العمران تصدرها وزارة البلديات، رئيس التحرير عادل سلوم، عدد خاص عن دير الزُّور، العدد ٣٩-٤٠، ١٩٧١م.
51.محمَّد شاكر، أحمد، أستاذنا حجة الاسلام السيد محمَّد رشيد رضا، المقتطف مجلة علميَّة صناعية زراعية، القاهرة، المجلد السابع والثمانين، ١ أكتوبر ١٩٣٥م.
52.مطر، محمَّد، صانعوا الاستقلال يستحقون تخصيصهم برواتب شهرية أسوة بزملائهم في المحَافظات الأخرى، الفرات جريدة محلية أسبوعية يصدرها المكتب التنفيذي لمجلس محافظة دير الزُّور، السنة الأولى، العدد الحادي والثلاثون، ١٦/ ٤/ ١٩٨٤م.
53.مكي، مجد، علي الطنطاوي من حماة الإسلام، جريدة المدينة المنورة، جدة، ٦ ربيع الأول ١٤٢٠هـ.
1.Haut Commissarıat De La République Française En Syrie Et Au Liban (20 Août 1922); Bulletin Oficiel Des Actes Administratifs Du Haut Commissariat, Beyrouth, Deuxième Année No 34, Le Numéro 5 P. S.
2. Ministère Des Affaires ةtrangères Commission Des Archives Diplomatiques Documents Diplomatiques Français (21 juillet 1921); M. Briand, Ministre des Affaires étrangères, ہ M. de Saint-Aulaire, Ambassadeur de France à Londres, Paris, T. n° 2762- 2765, 16 h.
(615)40, Tome II.
3.Ministère Français Des Affaires ةtrangères (9 Aout 1919); Affaires ةtrangères, Télégramme A L’arrivée Duplicata, Beyrouth, No 1118- 1119, sér: E, Carton: 313, Dossier: 1.
4.Ministeres Des Affaıres Etrangeres Et De La Guerre (16 Août 1920); Bulletın Pérıodıque De La Presse Suısse, Paris, N° 135.
5.République Francaise Ministère Des Affaires بtrangères (1925); Rapport ہ La Société Des Nations Sur La Situation De La Syrie Et Du Liban (Année 1925), Imprimerie Nationale, Paris.
6.Republique Française Ministere Des Affaires ةtrangères (1926); Rapport A La Societe Des Nations Sur La Situation De La Syrie Et Du Liban (Année 1926), Imprimerie Nationale, Paris.
1.La Lanterne (13 Août 1921); journal politique quotidian, par Eugène Mayer, Paris.
2.La Vigie marocaine (17 Septembre 1940); Vigie marocaine, Casablanca.
3.Le Matin (12 Novembre 1921); derniers télégrammes de la nuit, Par Edwards Alfred, Paris.
المصادر الفرنسيّة
1.Huntziger, Général (Août 1936); Le Livre D’or Des Troupes Du Levant (1918-1936), Imprimerie Du Bureau Typographique Des Troupes Du Levant, Beyrouth.
(616)
مرح رافع البرغش
شهدت الأراضي السّوريَّة تطوُّرات وأحداثًا محورية في الميادين: السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، وكذلك في المُقوِّمات الفكريَّة، والثَّقافيَّة، ولا سيّما مع ابتِداء توغُّل القوَّات المسلَّحة الفرنسيَّة نحو هذه الأراضي، وانتهاج السُّلطات الفرنسيَّة سياسةً استعماريَّةً متفاوتةً في تأدية مخطَّطاتها محقَّقةً في ذلك قسمًا من أهدافها السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، فقابلت مُعارضة، ومُقاومة ضخمة، وامتد النِّضال إلى ما هو أبعد من القوَّات العسكريَّة السّوريَّة، والمُجاهدين الثُّوَّار ليشمل شرائِح المُجتمع برمّته بما فِيهم السَّادة العُلماء، ممّا أدّى إلى: مُناهضات، وثورات، ومعارك، وحركات كفاحيَّةٍ مسلَّحةٍ، وسلميَّةٍ.
لذلك فإنَّ هذا البحث سيكشف، ويُوضِّح الأدوار الرَّائدة، والإسهامات العظيمة لأحد أبرز أساطين العلم في عصره، العالم الموسوعي المُصلح السَّيِّد محسن الأمين في مُقارعة الاستِعمار طوال حياته ساعِيًا إلى نُهوض الأمَّة العربيَّة، والإسلاميَّة، ورفعتها، وهُنا سيتمُّ التَّحدُّث بإيجاز عن: مولده، ونشأته، ومؤلفاته، وآثاره، ومن ثمَّ الحديث عن أدواره: (السِّياسيَّة، والدَّعويَّة، والثَّقافيَّة، والاقتصاديَّة) في أثناء الانتداب الفرنسيّ على سوريَّة، وعمَّا آلت إليه من نتائج إيجابيّة انعكست على نطاق واسع، وحقَّقت تلك الأهداف السَّامية، وانتهى البحث إلى خاتمة تضمَّنت أبرز النَّتائج.
لقد أدَّى تدهور الأوضاع السِّياسيَّة في الأراضي السُّوريَّة خِلال مرحلة الانتداب الفرنسيّ إلى اندلاع ثورات، ومعارك واسعة النِّطاق، ممَّا دفع مُختلف شرائح المُجتمع إلى الانخراط في حركات نضاليَّة، وكفاحيَّة مُسلَّحة، وسلميَّة إِبَّان سنوات الانتداب الفرنسيّ، وأدَّى السَّادة العُلماء دورًا عظيمًا في دعم الوحدة الوطنيَّة وتعزيز سبل الاستقلال، والحرّيّة، وانتهجوا نهجًا مُتوازنًا في السَّعي إلى حماية البلاد، وتطويرها، ودعمها في مُختلف المَجالات: السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والثقافيَّة بشكلٍ مباشر أحيانًا، وبشكلٍ غير مباشر في أحيان أخرى.
لذلك وبناءً على جُهود السَّادة العُلماء الحثيثة، والمضنية ضدّ المساعي الاستعماريَّة الغربيَّة، فإنَّ إشكاليَّة البحث تتمحور حول تَوْضِيح إسهامات أحد أبرز العلماء، وهو العالم الموسوعيّ، والمُصلح الدّينيّ السَّيِّد محسن الأمين الّذي لم تبعده المشقَّات، والصِّعاب عن النِّضال الوطنيّ، بل جعلته أكثر عَزمًا، وتصميمًا على السَّير نحو مُقاومة السِّياسة الفرنسيَّة الرَّامية إلى تجزئة الهويَّة العربيَّة، والإسلاميَّة، وإثارة التَّفرقة، والنِّزاعات الطَّائفيَّة.
وهكذا فإنَّ أدوار السَّيِّد محسن الأمين ضدّ السُّلطات الفرنسيَّة في الأراضي السُّوريَّة هي محور هذا البحث، والهدف من ذلك فهم جُهوده في مُقاومة الاحتلال الفرنسيّ، وأثر ذلك في حياة أبناء المُجتمع، في حين يكتسب البحث أهمّيّته من تركيزه على إسهامات السَّيِّد الأمين، وبالمُقابل تركيزه على أحداث، وجوانب مُختلفة، بما في ذلك التَّطوُّرات السِّياسيَّة المُؤدِّية آنذاك إلى المُقاومة المُجتمعيَّة ضدّ الانتداب الفرنسيّ، وعمَّا نتج من أدوار السَّيِّد الأمين الرِّياديَّة، كما يكتسب البحث أهمّيّة مُضافة من ضرورة رفد تخصُّص التَّاريخ الحديث، والمُعاصر، والمكتبات في الوطن العربيّ بأبحاث تسلُّط الضَّوء على سِير العُلماء، وإسهاماتهم في حماية الوطن، والدِّفاع عنه؛ لاستخلاص الدُّروس، والعبر، وتنشئة أبناء المُجتمع على نهجهم، والسَّير على خُطاهم، وغرس الأخلاق الفاضلة في
المُجتمع، مع الأخذ بالحسبان ارتباطها بالظُّروف الزَّمنيَّة، والمكانيَّة، أي: في السِّياق التَّاريخي، والجُغرافي، وبطبيعة التَّحدِّيات الّتي تواجه الأمَّة العربيَّة، والإسلاميَّة.
أمَّا منهج البحث، فقد اتُّبِع المنهج التَّاريخي والتَّحليلي بعد جمع المعلومات ذات الصِّلة بالبحث، وفرزها، وتصنيفها بحسب خطّة البحث، ومن ثمَّ تحليلها، مع الاعتماد على مجموعة من: المصادر الأصليَّة العربيَّة، ومنها مُصنَّفات السَّيِّد محسن الأمين، ونجله، وكذلك مجموعة من المصادر المُعاصرة لمرحلة البحث، وعدد من المراجع العربيَّة، ومجموعة من المجلَّات العربيَّة المُواكبة للأحداث، كما استند البحث على عدد طَفِيف من الوثائق، والصُّحف، والمجلَّات الفرنسيَّة، وعدد من المراجع الأجنبيَّة لإضفاء البحث بجوانب علميَّة مهمَّة.
هو أبو محمَّد الباقر محسن بن عبد الكريم بن علي بن محمَّد الأمين بن مُوسى بن حيدر بن أحمد بن إبراهيم، ويَرجِع نسبُه إلى الحسين ذِي الدَّمعة بن زيد بن علي زين العَابدين بن الحسين بن علي بن أبي طَالب عليهالسلام .
وُلِد السَّيِّد محسن الأمين في قرية شقرا بجبل عامل في العام (١٢٨٤هـــــ/ ١٨٦٧م)، وكان والده السَّيِّد عبد الكريم بن علي الأمين رجلًا: «... تقيًّا، نقيًّا، صالحًا، صوَّافًا، قوَّامًا، طيِّب السَّريرة، حجَّ بيت الله الحرام، وزار بيت المقدس وزار المشاهد المُقدَّسة في العراق»...، أمَّا والدته، فهي ابنة العالم الجليل الشيخ محمَّد حسين فلحة
الميسي، كانت مِن «... من فضيلات النِّساء، عاقِلة، صالِحة، ذكيَّة، مُدبَّرة، عابِدة، مُواظبة على الأوراد والأدعية»...، وهكذا فقد كان لِلمكانة العلميَّة الرَّفيعة الَّتي حظيت بها أُسرتُه، وشهرتها الواسعة الَّتي ملأت الأرجاء الفضل في تربيته، وتَثْقِيفه وتشجيعه على طلب العلم.
وبعدما شرع بمسيرته العلميَّة حفظ القُرآن الكريم بالتَّجويد، مع تعلُّمه الخطّ، والكِتابة، ثمَّ واظب على مجالس العِلم، وحلقات العُلماء في عددٍ من الدُّول العربيَّة، والإسلاميَّة، وركَّز اهتمامه على العلوم الشَّرعيَّة، ومنها أصول الدّين، والفقه الإسلاميّ، كما تعمّق بعلوم اللُّغة العربيَّة، ومنها: النَّحو، والصَّرف، والبيان، والعَروض، إلى جانب اهتمامه بعلم المَنطق، وأكمل مسيرته العلميَّة بالتَّوجُّه إلى النَّجف، وتتلمذه على أيدي أساطين العلم فيها حتَّى نال إجازة في الاجتهاد، وعند عودته إلى موطنه الأمّ واصل تحصيله العلميّ، وانكبَّ على: المُراجعة، والمُطالعة، والتَّأليف، والتَّصنيف، وأضحى مرجعًا للطَّائفة الجعفريَّة، ومن أهم المُقلّدين في عصره، كما عمل في التَّدريس، واستفاد من علمه، وخبرته طلاب العلم، وحظي بشهرةٍ واسعة لتواضعه وسعة علمه وفقهه، وقد وصفه الكاتب، والأديب ابن زيدون (٠٠٠٠هــ/ ٠٠٠٠م) في مجلَّة العرفان، قائِلًا: «كانت شهرته قد انتشرت في كلّ صقع، ومحبَّته قد تغلغلت على كلّ قلب، فإنَّ الجيل القادم، وما يليه سيعرف له من القدر ما لم نعرف، ويرفعه إلى منزلة لا يحتلُّ قمَّتها إلَّا العُظماء».
ألَّف السَّيِّد محسن الأمين كتبًا، ورسائل في موضُوعات مُختلفة من ميادين العلم زادت عن المائة مصنَّف، منها اثنان وعشرون مؤلَّفًا في الفقه، وأصوله، وما ينيف عن: ثلاثة كتب في أصول الدِّين، وخمسة مؤلَّفات في الأدعية، والأوراد، ومؤلَّف واحد ضمن ثلاثة أجزاء في السِّيرة النَّبويَّة، وثلاثة مُصنَّفات في الأخلاق، وثلاثة كتب في اللُّغة، وكتاب واحد في البلاغة، وتسعة مؤلَّفات في الأدب، وستّة مؤلَّفات في: النَّحو، والصَّرف، والبيان، وخمسة مُصنَّفات في الشِّعر، وثلاث روايات قصصيّة، وأربعة مؤلَّفات في التَّاريخ، وأربعة في المُفاخرات، ومؤلَّف واحد في المَنطق، وأكثر من عشرين ردًّا في فنّ الرُّدود على: المجلَّات، والصُّحف، والكُتَّاب، وله من الرِّحلات حوالي خمس رحلات جُمعت بعد وفاته في مؤلَّف أطلق عليه «رحلات السَّيِّد محسن الأمين»، وصنَّف حوالي ثمانية وعشرين مُؤلَّفًا ضخمًا في مُختلف المجالات الأخرى، كما أولى عناية، واهتمامًا كبيرًا بالكتب المدرسيَّة، فألَّف عدَّة أجزاء مُلائِمة للمراحل التَّعليميَّة في المدارس.
وبقي طِوال حياته مع ما جمعه في أفق معرفته من أنواع مختلفة، ومتنوّعة من العلوم، والأدب، والفنون يؤلِّف، ويصنَّف، ويُخرج إلى النُّور كُنوزًا علميَّة قيِّمة، ونَفيسة، وقد قال في ذلك: إنَّه وعلى الرّغم من بُلوغه السَّادسة والثّمانين من عمره، ومُواجهته لوهن حالته الجسديَّة، والصحيَّة، فإنَّه استمرّ في التَّأليف، والتَّصنيف ليلًا نهارًا، وفي أثناء السَّفر، والتّرحال بين المناطق، وفي داره، وتابع المُساهمة في إنتاج، وإخراج أعمال علميَّة ثمينة تفيد كلّ زمان، ومكان، وتهتمّ بقضايا، وأحداث مختلفة، ومتنوّعة.
شهدت المرحلة المعنيَّة بالدِّراسة تطوُّرات، وأحداثًا مصيريَّة مهمَّة في الدُّول العربيَّة عامَّةً، وسوريَّة خاصّةً على الأصعدة: السِّياسيَّة، والاقتصاديَّة، والاجتماعيَّة، والفكريَّة كافَّة، وكان للسَّيِّد محسن الأمين دورٌ رائدٌ في رفد هذه المجالات طِوال حياته، وهنا سيتمُّ الحديث بإيجاز عن إسهاماته العظيمة في أثناء الانتداب الفرنسيّ على سوريَّة، وعمَّا حقَّقته من نتائج.
لقد أظهرت شخصيَّة السَّيِّد محسن الأمين أنَّه ليس سياسيًّا، أو مُتخصِّصًا بالشَّأن السِّياسي، ولم يهتمّ بالمناصب السِّياسيَّة، ويتودَّد للسَّاسة، لكن بصفته مَرجعًا دينيًّا له مُقلِّدوه، فإنَّ اهتمامه الدَّائم، والمُتواصل بشؤونهم الدِّينيّة، والدُّنيويَّة فرض عليه أن يهتمّ اهتمامًا جليًّا بالقضايا السِّياسيَّة المُعاصرة، وأن يعمل على إيجاد حلول دينيَّة تخدم الوطن، وأبناءه، ولم يقتصر تدخُّله في موطنه الأم فحسب، وإنَّما امتدَّ ليشمل الأراضي العربيَّة، والإسلاميَّة الَّتي شهدت مجموعة من الأحداث السِّياسيَّة عقب الحروب، والنِّزاعات.
واتَّضح دور السَّيِّد محسن الأمين بشكلٍ جلّيٍّ في دوره السِّياسي العظيم المُناهض للاستعمار وسياسته، فقد أيَّد الملك فيصل الأوَّل (١٣٠٠-١٣٥٢هـ/ ١٨٨٣-١٩٣٣م) عقب تنصيبه ملكًا على سوريَّة، وقاد وفدًا ضخمًا من جبل عامل إلى دمشق لتهنئته، ولم يقتصر دوره على هذا التَّأييد الأوَّلي، فعندما توغّلت السُّلطات الفرنسيَّة السَّواحل السُّوريَّة أرسل وفدًا من كبار، ووجهاء جبل عامل إلى دمشق؛ لتأكيد الولاء للسُّلطات المحلِّيَّة، ومعارضة مشاريع السِّياسة الاستِعماريَّة الفرنسيَّة.
ومن الواضح أنَّ السُّلطات الفرنسيَّة أدركت إدراكًا تامًّا مكانة السَّيِّد الأمين في المُجتمع، ودوره المُؤثِّر، والرِّيادي في نفوس السُّوريِّين بشكلٍ خاصٍّ، فسعت إلى استمالته جانبها بتنصيبه رئيسًا للطَّائفة الجعفريَّة في لبنان، وسوريَّة، وعرضت عليه مزايا هذا المنصب الماليَّة الكبيرة، وعلى الرَّغم من جهودها، لكن وبالطَّبع، فقد باءت بالفشل بعدما رفض السَّيِّد الأمين رفضًا قطعيًّا هذا المنصب، ولم يهتمّ بما سيُنتِج عن مُعارضة أوامر السُّلطات الفرنسيَّة، قائِلًا في ذلك إنَّ: «... هذا الأمر لا أسير عليه بقدم، ولا أخطُّ فيه بقلم، ولا أنطق فيه بفم»....
ويبدو أنَّ المسؤول الفرنسيّ فُوجِئ برفض السَّيِّد الأمين للعرض الفرنسيّ، وقال مُتسائلًا: «... النَّاس تتوسَّط للحصول على هذا المنصب، فكيف بمن يأتيه؟!» فردَّ عليه السَّيِّد عبر قوله:
أيُّها السَّائلُ عنهمُ وعنِّي لسْت منْ قيسٍ ولا قيس منِّي
ورغم مساعي المسؤول الفرنسيّ في إقناع السَّيِّد الأمين، وترغيبه بالقبول، والتَّمتُّع بالامتيازات الفرنسيَّة المُقدمة مع هذا المنصب الرَّفيع، إلَّا أنَّه عاد بمساعيه خائبًا بعدما أكَّد له السَّيِّد رفضه الصَّارم، وروى أنَّ الله سُبحانه وتعالى قد أغناه عن هذه المنافع الماليَّة بالرِّضا، والقناعة، وحتَّى عندما حاول بعض الزُّعماء إقناعه بالعُدول عن قراره، وقبول هذا المنصب مبيّنين أنَّ البلاد بحاجة إلى التَّضحية في ظل هذه الأوضاع المُتفاقمة، أجابهم قائِلًا: «لا يصعب على المرء أن يُضحيّ بِدمه في سبيل المصلحة العامَّة، ولكنَّه لا يُضحي بِكرامته».
ولم يقتصر دوره السِّياسي على ذلك فحسب، وإنَّما ظهر دوره السِّياسي أيضًا خِلال
مُتابعته الحثيثة لسير الثَّورات ضدَّ المُستعمر الفرنسيّ في أثناء إقامته في قرية شقرا، وفي دعم الثُّوَّار، وتقديم المَشورة، والنُّصح للثُّوَّار عبر الوفود القادمة إليه من الأراضي السوريَّة، ويلحظ هذا من خِلال أحداث، ووقائع عدة فندَّتها المصادر التَّاريخيَّة المُؤرِّخة للسَّيِّد الأمين، فعلى سبيل المِثال: يروي المُؤلِّف حسن الأمين (١٣٢٦-١٤٢٣هــ/ ١٩٠٨-٢٠٠٢م) نجل السَّيِّد محسن الأمين في «مُستدركات أعيان الشِّيعة» من هذه المواقف: لِقاء السَّيِّد محسن الأمين مع وفد دمشقي في داره الكائنة في شقرا وانفرادهما معه باجتماع مُسهب لمُناقشة الاستعدادات للثَّورة، وطلب المشورة السِّياسيَّة لإيصالها إلى ثوَّار الثَّورة السُّوريَّة الكبرى، كما يروي المؤلِّف «أدهم آل جندي» في كِتابه (تاريخ الثَّورات السُّوريَّة في عهد الانتداب الفرنسي) أنَّ وفدًا من حيّ الأمين مؤلَّفًا من سبعة أشخاص قصدوا السَّيِّد الأمين إبَّان إقامته في شقرا للتَّباحث معه في الانضمام إلى الجهاد في الثَّورة السُّوريَّة الكبرى، وبعدما أمرهم بوجوب الجهاد لُوحظت زيادة تدريجيَّة في عدد الثُّوَّار من حيّ الأمين، وأقبل بقيَّة سكَّان الحيّ إلى تقديم الدّعم المعنويّ، والمادّيّ للثّوّار ضدّ القوَّات الفرنسيَّة.
ولمَّا أصدرت السُّلطات الفرنسيَّة القانون المُخصَّص لتنظيم الطَّوائف في (١٩ ذي الحجَّة ١٣٥٤هــ/ ١٣ آذار ١٩٣٦م)، وأُدخلت عليه تعديلات في (١٤ جمادى الآخرة ١٣٥٧هـــ/ ١١ آب ١٩٣٨م) والسَّاعي إلى تصعيد أطر التَّفرقة بين الطَّوائف، وإثارة النِّزاعات بينهم على أسس مذهبيَّة، وبما يناقض الشَّرع الإسلامي، فقد اشتدَّت الاحتجاجات من السَّادة العُلماء، فأرسل السَّيِّد الأمين على الفور احتجاجًا باللُّغتين العربيَّة، والفرنسيَّة إلى المُفوَّضيَّة الفرنسيَّة في بيروت مُبيّنًا أنَّ هذا القانون يمسّ حُرمة
الأديان السَّماويَّة، ويُفرِّق بين المذاهب الإسلاميَّة، وفي نهاية الاحتجاج طالب بصفته الرَّئيس الرُّوحيّ للطَّائِفة الإسلاميَّة الجعفريَّة في سوريَّة، ولبنان بإلغاء القانون، فأدَّت جهوده إلى إلغاء السُّلطات الفرنسيَّة هذا القانون، ويدلّ ذلك على جهوده السِّياسيَّة الواضحة في مُقارعة السِّياسة الفرنسيَّة منذ تغلغل القوَّات الفرنسيَّة نحو الأراضي السُّوريَّة، وحتَّى الجلاء.
سعى السَّيِّد محسن الأمين في المساجد، والمدارس، والمجالس العلميَّة بحماس إلى توضيح أُسس الدِّين الحقيقيَّة البعيدة عن الخُرافات، والأضاليل مع التَّصدِّي لكل ما يُحجم مدارك العقل للارتقاء بالمُجتمع الإسلامي نحو مُستقبل أفضل، وأكثر إشراقًا، ولمَّا ابتدأ الانتداب الفرنسيّ أخذ يدعو، ويحثُّ أفراد المُجتمع على التَّطوُّع، ومُقاومة الفرنسيّين، والانضمام إلى الجهاد في الثَّورات، والمعارك ضدَّ القوَّات المُستعمرة، وفي مراحل النِّضال كافَّة ضدَّهم، وظهر هذا الدّور بشكل جلّيّ في خُطبه، ومجالسه المُؤثِّرة إبَّان وقائع الانتداب الفرنسيّ.
وتكرَّرت خُطبه الدَّعويَّة في حثِّ الشّبّان على الجهاد خلال الثَّورات بما في ذلك الثَّورة السُّوريَّة الكبرى، وأكد أهمِّيَّة الجهاد بالنَّفس، وتقديم الدّعم المَعنويّ، والمادِّي للثُّوَّار في سبيل الله، ونصرة للوطن، وأعلن في إحدى خطبه قائِلًا: «وإنِّي أرى أهم ما نتكلَّم به، في هذا الجمع، والحشد، ما فيه تشييد أمر الجِهاد، والمُحافظة على الوطن المحبوب، ونصرة الدُّولة بــ: اليد، واللِّسان، والنَّفس، والمال»، واستشهد أيضًا بــ:
آيات من القُرآن الكريم، والأحاديث النَّبويَّة الشَّريفة، ومجموعة من أقوال الإمام علي بن أبي طالب عليهالسلام، وبعض أبيَّات الشِّعر المُؤثِّر؛ للتّشجيع على الجهاد، والمُحافظة على الوطن من أيّ مُستعمر.
وبقي السَّيِّد الأمين طِوال مرحلة الانتداب الفرنسيّ على سوريَّة يدعو فِئات المُجتمع في خُطبه إلى الدِّفاع عن الوحدة الإسلاميَّة، والتَّمسُّك بها مع الابتعاد عن كلِّ الأعمال المُؤدِّية إلى تعميق التَّفرُّقة، وتنمية التَّجزئة بمطيَّة تكوين: جماعات، وطوائف، وأحزاب، وفرق، وقال في ذلك مقُولته الشَّهيرة: «لم نزل نتخاصم على شرعيَّة الخليفة حتَّى صار المندوب السَّامي الفرنسي هو خليفتنا»، وهذا ما يُوضح مدى التزام السَّيِّد الأمين بتعزيز الوحدة الإسلاميَّة، وتقويتها لمُقاومة الاستِعمار.
ويؤيِّد لطفي الحفَّار (١٣٠٢-١٣٨٧هــ/ ١٨٨٥-١٩٦٨م) ما دُوِّنَ في السُّطور السَّابقة، فيقول: «... كنَّا نستمد قوَّة روحيَّة، ورعاية واسعة، ودعوة صالحة من الإمام المُجتهد السَّيِّد محسن الأمين على عكس ما نراه من بعض الادعياء الجُهلاء»...، ويؤكِّد أنَّ السَّيِّد الأمين كان خلال كلّ ثورة، ومعركة ضدَّ القوَّات الفرنسيَّة: «... يدعو للثّبات، والتَّضحية، والإخلاص في العمل، ويبارك جُهود العاملين، ويدعو لهم بالقوَّة والتَّأييد»...، ثمَّ يتحدَّث الحفَّار عن السَّيِّد محسن الأمين في أثناء اجتماعه معه جانب كبار رجال الكتلة الوطنيَّة، وثلّة من العلماء في المجالس المُقامة في داره، ويقول: «وكم
كنَّا نانس بزيارته من حين لآخر لما نلاقي في أحاديثه المُمتعة، ودعاياته الوطنيَّة المُخلصة من التَّشجيع، والتَّنشيط، والحثّ على مُتابعة الجهاد في سبيل الله، والوطن، وتحقيق غايات البلاد في الحرّيّة، والاستقلال، والدِّفاع عن كرامة الإسلام، والمُسلمين، والتَّضامن مع مختلف الطَّوائف، والمذاهب، والتَّسامح، والاتّحاد، ونبذ الضَّغائن، والأحقاد»، وهذا يؤكِّد الدّعم الّذي قدمه السَّيِّد الأمين للسُّلطات الوطنيَّة إبَّان الإعداد، والتَّخطيط لقيام الثَّورة السّوريَّة الكبرى.
تمثّل دور السَّيِّد الأمين الثقافي في خطَّته التَّطويريَّة، والإصلاحيَّة السَّاعية إلى النَّهضة، وإحياء الدِّين، وتطوير جدّيّ في المجالات: الدِّينية، والاجتماعيَّة، والثَّقافيَّة، والتَّعليميَّة، والتَّربوية، مُؤكِّدًا في ذلك حقّ الأمّة العربيَّة، والإسلاميَّة بالتَّمتع في الحرّيّة، والسِّيادة، وكاشِفًا لحقيقة السُّلطات الغربيَّة، وسياستها التَّغريبيَّة الاستِعماريَّة، مع خوضه معارك عظيمة ضدَّ التَّخلُّف، والبدع، وضدَّ أيِّ مُؤثرات غربيَّة استعماريَّة، وحرص إبَّان حياته، وبخاصَّة في مرحلة الانتداب الفرنسيّ على تدريس علوم اللُّغة العربيَّة، وآدابها في المجالس، والتَّجمُّعات، والحثّ على دراستها بوصفها وسيلة لمُواجهة تأثير الأفكار الغربيَّة، وانتشار اللُّغة الفرنسيَّة، وقد ألقى عدَّة مُحاضرات تسلَّط الضَّوء على أهمِّيَّة اللُّغة العربيَّة على مدار العصور، واشتهرت من هذه المُحاضرات تلك الَّتي ألقاها في قاعة المُحاضرات في المَجمع العِلميّ العربيّ بدمشق في شهر جمادى الأولى (١٣٦٤هـــ/ نيسان ١٩٤٥م)، إلى جانب التَّفقُّه بالدِّين.
وأقام مدرستي المُحسنيَّة، واليوسفيَّة على أُسس حديثة، فجمع في مناهجها، وطرائِق تدريسها بين ما هو مُتعارف عليه من المَناهج المدرسيَّة إلى جانب العلوم الدِّينيَّة، وأحدث عدَّة جمعيَّات خيريَّة؛ لتمويل الجوانب العلميَّة سعيًا منه في محاربة الأمِّيَّة، وتعزيز التَّقدُّم الثَّقافي في المُجتمع، كما أسَّس حلقات علميَّة يوميَّة، وأسبوعيَّة، وأكَّد في مؤلَّفاته فضل العلم، وأهمِّيَّته، وحثَّ على السَّعي في طلبه، وكان هدفه منها أيضًا نشر العلم في سبيل الإصلاح، والوحدة الإسلاميَّة، وتعميق روابط الأُلْفَة، والمودَّة، والبينة على هذا تظهر في وصف الشَّيخ محمَّد هاشم الخطيب (١٣٠٤-١٣٧٨هــ/ ١٨٩٠-١٩٥٨م) للسَّيِّد الأمين بأنَّه كان: «...واقفًا لدسائس المُغرضين، وحركات الأعداء، والمُستعمرين بالمِرصاد، فكان يُحذِّر في: مؤلَّفاته المُتعدِّدة، ومقالاته السَّامية، ونصائِحه القويمة، وإرشاداته الحكيمة من تفريق الصُّفوف، ويدعو إلى التَّعاون، وتمتين أواصر المحبَّة، والآخاء بين جميع المُسلمين والعرب»....
كما عبَّر السَّيِّد الأمين في مؤلَّفاته، وقصائده عن مشاعره الوطنيَّة إبَّان المعارك، والثَّورات، ووجَّه رسالة إلى أبناء المُجتمع لمُقاومة السِّياسة الاستِعماريَّة الفرنسيَّة، وهذا واضِح في شعره، حيث
عبَّر عن تأييده للثَّورة العربيَّة، وقائِدها، فضلًا عن أنَّه أشاد بالملك فيصل الأوَّل في قصيدة أخرى عكست رأيه السِّياسي فيه، وعندما تغلغل الفرنسيّون في الأراضي السُّوريَّة نظَّم قصيدة نضاليَّة عُدَّت من أوائل القصائد الوطنيَّة النِّضاليَّة الَّتي تهدف إلى نقل حقيقة النِّضال الاستقلاليِّ، وجاء في القصيدة:
إنَّ الحـيـاْةَ تــنـاْزعٌ وخِصام * هيهاتِ ماْ بسوى السُّيوفِ سلام
والعــــدَلُ كالعنقـاْءِ فينــا والـــــذي لم ينفِ عنهُ الضَّيم فهو يُضاْم
قالـوا الســـّـلامُ نُريــــــدهُ بفعالِنــــا والأمــنُ تدركــهُ بنـا الأقــَوام
إن كــانْ هــــــذا أمنــُكمُ وسلامُكـم فعلـى السـّلامِ تحـيَــةٌ وســلام
قالـــــوا الشّعــوبُ نفــكّها من رِقِّهـا كـلّا بــل استعْبــادها قد رامُوا
هبُّوا بني قحطانَ طـــالَ رقـــــــَادُكم فإلامَ أنتــــم غافلــون نــيــام
باسمِ الحِماية والوِصـــــاية يُجتَـــوى حـقٌّ لكـــم وتدوسُكـم أقدام
وبناءً على ما تقدم يلحظ القارئ مدى اهتمام السَّيِّد الأمين بالثَّقافة وحرصه على تشجيع شرائح المُجتمع على التَّخلُّص من براثِن الاستِعمار الغاشم وأفكاره الفكرية والثَّقافيَّة الاستِعماريَّة، وتنشئة جيل مبني على الإصلاح متمسِّكًا في العلوم الدِّينيَّة وعلوم اللُّغة العربيَّة ومُتعمِّقًا بها بالدَّرجة الأولى وعلى أكمل وجه.
الدّور الاقتصادي
للحديث عن دور السَّيِّد محسن الأمين الاقتصادي في مُواجهة الاستِعمار الفرنسي، فمن الضَّروري عرض لمحة مُوجزة عن استراتيجية تغلغل الشَّركات الأجنبيَّة، ومنها الفرنسيَّة في الأراضي العربيَّة، والقول: إنَّ فرنسا بدأت مع دخولها مرحلة الرَّأسماليَّة في نقل بعض رساميلها نحو الأراضي التَّابعة للسَّلطنة العثمانيَّة، والشُّرُوع تدريجيًّا باستثمارات مُباشرة في قطاعات مُتَنَوِّعة من أجل ترسيخ نُفوذها، وتعزيزه بما يتماشى
[1]. سراب الاستقلال في بلاد الشام (١٩١٨-١٩٢٠م)، م.س، ص٢١٤.
[2]. أعيان الشيعة، م.س، ج١، ص٤١٥.
مع غاياتها، وسياستها الاستِعماريَّة من جهّة، وتطوير التِّجارة في أراضٍ مُحدَّدة لحاجتها الماسَّة إلى المواد الخام، وجني الأرباح الهائِلة من بيع المُنتجات الصِّناعية الفرنسيَّة الفائِضة من جهّة أخرى.
ومن خِلال هذه الاستثمارات ظهرت شركات فرنسيَّة مُتخصِّصة بنوع محدَّد من الاستثمارات في إحدى مجالات الخدمات الحضريَّة، والبنية التَّحتيَّة في العصر العثمانيّ، واستمر معظمها في العمل منذ منحها الامتياز الاستثماريّ وحتَّى أواخر القرن العشرين، ومن هذه الشَّركات برزت شركة ترام وكهرباء دمشق (Société Tramways Et ةlectricité De Damas)، وشرعت بتقديم خدمات النَّقل بواسطة عربات الترام، وتأمين الكهرباء في أحياء دمشق، وشوارعها، لكنَّها سعت إلى مُضاعفة أرباحها السَّنويَّة عبر استغلال شرائح المُجتمع بأكمله، والجور عليهم في رفع أسعار اشتراكات الكهرباء، ومُضاعفة رسوم التَّنقل بالترام، ممَّا أثار حفيظة الدِّمشقيّين، وأجَّج نار المُقاومة الاقتصاديَّة.
وفي (٢١ شوَّال ١٣٥٤هـــ/ ١٦ كانون الثَّاني ١٩٣٦م) توجَّه وفدٌ من الكُتلة الوطنيَّة إلى دار السَّيِّد محسن الأمين، وكان الغرض من الزِّيارة التَّباحث معه بخصوص هذه
الشَّركة، وتبليغه بما جرى بينها، وبين الدِّمشقيّين من أحداث تعسُّفيَّة، فأبدى السَّيِّد الأمين غضبه من تصرُّفات الشَّركة اتّجاه الدِّمشقيّين، ثمَّ أقبل على تقديم النُّصح للحاضرين، وإحداث منهجيَّة مُنظَّمة لتطبيق المُقاطعة، ونصح الوفد بتنظيم مُقاطعة لهذه الشَّركة في أنحاء دمشق، وقال: «إنَّ من العار علينا جميعًا أن تسودنا هذه الشَّركة الأجنبيَّة وتذلّنا».
وتابع كلامه في أثناء الاجتماع عمَّا سيُنتج عن هذه المُقاطعة الاقتصاديَّة، قائِلًا: «إنَّني أدعو إلى أكثر من ذلك، أدعو إلى أن نتَّخذ من المُقاطعة بابًا إلى العِصيان المَدنيّ على الفرنسيّين، فلا ينتهي إلَّا بتحقيق مطالبنا الاستقلاليَّة، وأن يكون هذا العِصيان بأن تُضرب البلاد السُّوريَّة كلُّها إضرابًا شامِلًا، وأن لا ننهي الإضراب إلَّا بنزول فرنسا على حُكمنا بتحقيق الاستقلال».
حقَّقت دعوته إلى مُقاطعة الفرنسيّين اهتمامًا ملحوظًا من جانب الوفد، فشرعوا في (٢٢ شوَّال ١٣٥٤هـــ/ ١٧ كانون الثَّاني ١٩٣٦م) بالتَّخطيط، والتَّنظيم للبدء بالإضراب، ومُقاطعة المُنتجات، والشَّركات التَّابعة للفرنسيّين، والشُّروع رسميًا بالمُقاطعة فور صباح اليوم التَّالي، وفي نهاية الاجتماع وافق جميع الحاضرين على مُخطَّطات سير المُقاطعة، وبالفعل، فقد أسرع الوفد حال وصوله دمشق بإذاعة المُقاطعة، ونشرها على أوسع نطاق، وهكذا فقد انطلقت رسميًّا من دار السَّيِّد محسن الأمين، وظهر دوره الاقتصاديّ البارز في انطلاق الحركة الوطنيَّة، والإضراب العام ضدّ السُّلطات الفرنسيَّة.
وأفادت المجلَّات والصُّحف الفرنسيَّة المُعاصرة لهذه الأحداث، ومنها: مُراسلات الشَّرق (La Correspondance Dorient) بأنَّ العديد من عربات الترام أضرمت فيها النّيران في أحياء دمشق، ونوَّهت إلى أنَّ مُقاطعة هذه الشّركة جرت باسم: الإسلام، والعدالة، والحرّيّة، والاستقلال، وحذَّرت من خُطورة المُقاطعة الَّتي أعطت انطباعًا
للسُّلطات الفرنسيَّة بأنَّ هناك أحداثًا خطيرة يجري الإعداد لها.
واستمرَّ الإضراب من (٢٣ شوَّال ١٣٥٤هـــ/ ١٨ كانون الثَّاني ١٩٣٦م) حتَّى (١٤ ذي الحجَّة ١٣٥٤هـــ/ ٨ آذار ١٩٣٦م) أرغمت السُّلطات الفرنسيَّة خِلال هذه المُدَّة؛ بسبب تصاعد الأحداث، واشتداد المُظاهرات إلى الدُّخول في مُفاوضة مع هاشم الأتاسي (١٢٩٠-١٣٨٠هـــ/ ١٨٧٣-١٩٦٠م)، فتوجّه الأتاسي إلى دار السَّيِّد محسن الأمين لطلب النُّصح، والتَّوجيه إبَّان المُفاوضة، وبعد مُناقشات مُطوَّلة بينهما، قال له السَّيِّد الأمين: «لست من المُفاوضة في شيء، ومطالب البلاد معروفة، ففاوضوا على أساسها”، ومن المُسلَّم به أنَّه كان يقصد استقلال الأراضيّ السُّوريَّة، ونيل الحرّيّة التَّامَّة، وإجلاء القوَّات الفرنسيَّة.
وهكذا، فقد انطلقت مرحلة المُفاوضات في ٦ ذي الحجَّة ١٣٥٤هـــ/ ٢٩ شباط ١٩٣٦م بعدما توجّه وفد سوري للاجتماع مع المُفوض السَّامي الكونت دامين دي مارتيل (Damien de Martel) (١٢٩٤-١٣٥٩هــ/ ١٨٧٨-١٩٤٠م)، وبعد مُباحثات مُكثَّفة تمَّ التَّوصُّل إلى إجماع الرَّأي، حيث وافقت السُّلطات الفرنسيَّة على الاعتراف
باستقلاليَّة الأراضيّ السُّوريَّة، والبدء بتجهيزات لإبرام مُعاهدة في باريس بهذا الشَّأن، ولم ينته الإضراب إلَّا بعد أن قبلت السُّلطات الفرنسيَّة ببعض شروط السُّلطات الحكوميَّة، وأصدرت أيضًا في ٦ رمضان ١٣٥٥هــ/ ٢٠ تشرين الثاني ١٩٣٦م قرارًا تحت رقم ٢٥٦ يتعلق بالموافقة على إجراء تعديلات في أسعار جميع خدمات شركة ترام وكهرباء دمشق، ووجّهت القرار إلى المُفوَّضيَّة الفرنسيَّة في بيروت للاتِّفاق مع السُّلطات الحكوميَّة، وكان هذا الاضراب إحدى أعظم الانتصارات الَّتي أضرَّت بالسُّلطات الفرنسيَّة، ومنحت الشَّعب السُّوري جزءًا من مطالبه، واستمرّوا على هذه الخطا في الدِّفاع عن حرّيّتهم، واستقلالهم حتَّى الجلاء الفرنسيّ عن الأراضي السُّوريَّة.
برز السَّيِّد محسن الأمين بإسهاماته: السِّياسيَّة، والدَّعويَّة، والاقتصاديَّة، والثَّقافيَّة الرَّائدة في مُقارعة السُّلطات الفرنسيَّة منذ بدء توّغلهم نحو الأراضي السوريَّة، ولم يعرف الكلل، ولا الملل، فسعى بكلِّ طاقة، وهمَّة إلى: ترسيخ الوحدة الوطنيَّة، وتعزيزها، وصونها، والدِّفاع عن قضاياها حتَّى جلاء القوَّات الفرنسيَّة، ونيل الاستقلال، والحرّيّة التَّامّة، وعكس بأدواره هذه هيئة السَّيِّد، والقائد العظيم حتَّى أضحى أنمُوذجًا مثاليًّا يأتمُّ به العُلماء في العالمين العربيّ، والإسلاميّ.
لقد كرّس حياته في الاهتمام بمُعالجة قضايا فئات المُجتمع على اختلاف أنواعها، وأصنافها مُستخدمًا نهجًا وافيًا، ومُتكاملًا، ومُرتكزًا فيه على مبادئ الدِّين الإسلامي، ودلالاته في توطيد أُسس الإصلاح، ولم ينحصر تركيزه هذا بموقع جغرافي مُحدَّد، وإنَّما امتدَّ ليشمل الأراضي العربيَّة، والإسلاميَّة كافَّة.
بذل السَّيِّد الأمين جهودًا كبيرةً في: إرشاد شرائح المُجتمع، وحثَّهم، وتشجيعهم، وتوجيههم نحو الطَّريق القويم، أي: طريق الجهاد في سبيل الله تعالى أوَّلًا، ثمَّ في سبيل
نصرة الوطن، وتوثيق أُسس التَّضامن، والوحدة الوطنيَّة، وحماية الأراضي العربيَّة من أيِّ شكل من أشكال الاستعمار، ومن أيِّ مؤثِّرات غربيَّة استعماريَّة.
تكلَّلت حياته بمعاركه الضَّخمة في سبيل مُحاربة: الأمِّيَّة، والتَّخلُّف، والخرافات، والأضاليل، وإصلاح المُجتمع، والحفاظ على الهويَّة العربيَّة، والإسلاميَّة، وإبعاده عن الزَّيف الغربي، وقد ألَّف في سبيل ذلك مؤلَّفات ثمينة أغنت المكتبات العربيَّة، والإسلاميَّة، ولا تزال مَرجعًا رئيسًا في مُختلف العلوم منذ وفاته، وحتَّى الوقت الحاضر.
أحبط السِّياسة الاستِعماريَّة، والمساعي الغربيَّة، ومنها الفرنسيَّة في الأراضي السُّوريَّة الهادفة إلى التَّجزئة، والتَّفرقة على أُسس عَشائِريَّة، وطائفيّة بأدواره العظيمة في يقظة أبناء المُجتمع.
(634)1.آل جندي، أدهم، تاريخ الثَّورات السوريَّة في عهد الانتداب الفرنسي، مطبعة الاتحاد، دمشق، د.ط، ١٩٦٠م.
2.الأمين، حسن، حلّ وترحال ذكريات، ط١، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ١٩٩٩م.
3.ـــــــــــــــــــ، دائرة المعارف الإسلاميَّة الشيعية، ط٦، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، ٢٠٠٢م.
4.ـــــــــ، سراب الاستقلال في بلاد الشام (١٩١٨-١٩٢٠م)، ط١، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ١٩٩٨م.
5.ـــــــــــــــــــ، مستدركات أعيان الشيعة، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، د.ط، ١٩٩٢م.
6.ـــــــــــــــــــ، مظاهرات وثورات وحروب عربية، دار المحجة البيضاء، بيروت، د.ط، ٢٠٠١م.
7.الأمين، علي مرتضى، السَّيِّد محسن الأمين سيرته ونتاجه، ط١، دار الهادي، بيروت، ١٩٩٢م.
8.الأمين، محسن، أعيان الشيعة، حققه وأخرجه: حسن الأمين، دار التعارف للمطبوعات، بيروت، د.ط، ١٩٨٣م أ.
9.ـــــــــــــــــــ، خطط جبل عامل، السَّيِّد محسن الأمين: حياته بقلمه وأقلام الآخرين، ط١، الدار العالمية للطباعة والنشر والتوزيع، القاهرة، ١٩٨٣م ب.
10.ـــــــــــــــــــ، سيرة السَّيِّد محسن الأمين وهي جزء من كتاب أعيان الشيعة، تحقيق: وشرح هيثم الأمين وصابرينا ميرڤان، ط١، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ٢٠٠٠م.
11.الحافظ، محمَّد مطيع، أباظة، نزار، تاريخ علماء دمشق في القرن الرابع عشر الهجري، قدم له: شكري فيصل، ط١، دار الفكر، دمشق، ١٩٨٦م.
12.حرز الدِّين، محمَّد، معارف الرجال في تراجم العلماء والادباء، علّق عليه: محمَّد حسين حرز الدِّين، منشورات مكتبة آية الله العظمى المرعشي النجفي، قم، د.ط، ١٣٠٥.
13.حسن، عبد الله الحاج، تاريخ لبنان المقاوم في مئة عام (١٩٠٠-٢٠٠٠م)، ط١، دار الولاء، بيروت، ٢٠٠٨م.
14.حنا، عبد الله، صفحات من تاريخ الأحزاب السِّياسيَّة في سوريَّة القرن العشرين وأجواؤها الاجتماعية، ط١، المركَّز العربي للأبحاث ودراسة السياسات، بيروت، ٢٠١٨م.
15.زراقط، عبد المجيد، الجانب الإصلاحي للعلامة السَّيِّد محسن الأمين العاملي، المصلح الإسلامي السَّيِّد محسن الأمين في ذكراه السنوية الأربعين، المستشارية الثَّقافيَّة للجمهورية الإسلاميَّة الإيرانية، دمشق، د.ط، ١٩٩٢م.
16.ـــــــــــــــــــ، محسن الأمين العالم المجتهد وحركته الإصلاحيّة، سلسلة أعلام الفكر والإصلاح في العالم الإسلامي، ط١، مركَّز الحضارة لتنمية الفكر الإسلامي، بيروت، ٢٠١٢م.
17.الزركلي، خير الدين، الأعلام قاموس تراجم لأشهر الرجال والنساء من العرب والمسعربين والمستشرقين، ط١٥، دار العلم للملايين، بيروت، ٢٠٠٢م.
18.الطهراني، آقا بزرك، مصفى المقال في مُصنَّفى علم الرجال، ط٢، د.ن، إيران، ١٩٥٩م.
19.عبد الحميد، صائب، معجم مؤرخي الشيعة الإماميّة – الزيديّة - الإسماعيليّة، ط١، مؤسسة دار معارف الفقه الإسلامي، قم، ٢٠٠٤م.
20.عواد، عاطف، الجانب الفكري والأدبي عند العلامة الأمين، المصلح الإسلامي
السَّيِّد محسن الأمين في ذكراه السنوية الأربعين، المستشارية الثَّقافيَّة للجمهورية الإسلاميَّة الإيرانية، دمشق، د.ط، ١٩٩٢م.
21.كحالة، عمر رضا (د.ت)؛ معجم المؤلفين تراجم مصنَّفي الكتب العربيَّة، مكتبة المثنى ودار إحياء التراث العربي، بيروت، د.ط.
22.الكزبري، سلمى الحفار، لطفي الحفّار (١٨٨٥-١٩٦٨م) مذكراته، حياته وعصره، ط١، رياض الريس للكتب والنشر، بيروت، ١٩٩٧م.
23.مجموعة من العلماء، رسائل الشعائر الحسينيّة رسالة التنزيه للسَّيِّد محسن الأمين والرسائل المؤيدة والمعارضة لها، جمعها وحققها وعلق عليها: محمَّد الحسون، ط١، مؤسسة الرافد للمطبوعات، بغداد، ٢٠١١م.
24.مجموعة مؤلفين، السَّيِّد محسن الأمين: حياته بقلمه وأقلام الآخرين، حقّقه وأخرجه: حسن الأمين، مطبعة العرفان، بيروت، د.ط، ١٩٥٧م.
25.ميرڤان، صابرينا، حركة الإصلاح الشيعي علماء جبل عامل وأدباؤه من نهاية الدُّولة العثمانية إلى بداية استقلال لبنان، ترجمة: هيثم الأمين، ط١، دار النهار للنشر، بيروت، ٢٠٠٣م.
26.الميلاد، زكي، خطاب الوحدة الإسلاميَّة مساهمات الفكر الإصلاحي الشيعي، دار الصفوة، بيروت، د.ط، ١٩٩٦م.
27.نزيل سامراء، محمَّد محسن، الذريعة إلى تصانيف الشيعة، مطبعة الغري، النجف، د.ط، ١٣٥٥.
28.نصر الله، إبراهيم، حلب والتشيّع، ط١، مؤسسة الوفاء، بيروت، ١٩٨٣م.
1.الجبل، فتى، السَّيِّد محسن الأمين، العرفان، مجلَّة علميَّة أدبية شهرية مصورة، لمنشئها أحمد عارف الزين، صيدا، المجلد السادس عشر، آب ١٩٢٨م.
2.زيدون، ابن، السَّيِّد محسن الأمين، العرفان، مجلَّة علميَّة أدبية شهرية مصورة،
لمنشئها أحمد عارف الزين، صيدا، المجلد الثامن والعشرين، تموز ١٩٣٨م.
3.العرفان، أحد أنصار، السَّيِّد محسن الأمين يخرج أثرًا جديدًا، العرفان، مجلَّة علميَّة أدبية شهرية مصورة، لمنشئها أحمد عارف الزين، صيدا، المجلد الثالث والعشرين، ٣ نيسان ١٩٣٣م.
4.الأمين، محسن، كتاب نادر، العرفان، مجلَّة علميَّة أدبية شهرية مصورة، لمنشئها أحمد عارف الزين، صيدا، المجلد الرابع عشر، تشرين الثَّاني ١٩٢٧م.
5.الأمين، محسن، اللُّغة العربيَّة، العرفان، مجلَّة علميَّة أدبية شهرية مصورة، لمنشئها أحمد عارف الزين، صيدا، المجلد الحادي والثلاثين، آب وأيلول ١٩٤٥م.
6.الأمين، محسن، آراء وأنباء السَّيِّد محسن الأمين، مجلَّة المجمع العلمي العربي، المجلد السابع والعشرون، ١ تشرين الأول ١٩٥٢م.
7.الفحام، شاكر، السَّيِّد محسن الأمين، مجلَّة المجمع العلمي العربي، المجلد السابع والستون، تموز ١٩٩٢م.
1.Haut Commissarıat De La République Française En Syrie Et Au Liban (30 Novembre 1936); Bulletin Oficiel Des Actes Administratifs Du Haut Commissariat, Beyrouth, 15 éme Année No 22.
1.Correspondance D’orient Questions Mediterraneennes (1936, Mars); Paris: France, 29 Annee, N° 459.
2.Journal Des Finances (12 Mars 1937); Paris: France, 70 Annee, N° 11.
3.Le Temps (23 janvier 1940); Supplément ةconomique
(638)France.
4.L’œuvre Fondateur (15 Juillet 1933); Gustave Téry, Paris: France, N6. 400.
1.Pech, E (1906); Manuel des Societes Anonymes Fonctionnant En Turquie. Paris: France.
1.Birdali, Muriat (2010); The Plolitical Econiomy Of Ottioman Piublic Debt Insolviency And Eiuropean Flinancial Cointrol In The Late Nineteenth Century, I.B. Taiuris Piublishers, New York: USA.
2.Geyikdağı, V. Necla (2011); Foreign Invesment In The Ottoman Empire International Trade And Relations (1854-1914), I.B.Tauris Publishers, London: UK. & New York: USA.
3.Pamuk, Şevket (1987); The Ottoman Empire And European Capitalism (1820- 1913) Trade investment and production, Cambridge University Press, New York: USA.
1.Kurmuş, Orhan (2007); Emperyalizmin Türkiye’ye Girişi, Yordam Kitap, İstanbul: Türkiye.
2.zdemir, Biltekin (2010); Osmanlı Devleti Dış Borçları (1854- 1954) Dِneminde Yüzyıl Süren Boyunduruk, Maliye Bakanlığı, Ankara: Türkiye.
سمر بهلوان
شكّل القرن التّاسع عشر في تاريخنا الحديث، والمعاصر مرحلة مهمّة بما شهده من تغييرات، وتطوّرات سياسيّة، واقتصاديّة، واجتماعيّة، وعسكريّة، وغيرها...، لا سيّما النّصف الثّاني منه، حيث تبلورت السّياسات الاستعماريّة، بأبعادها الرّأسماليّة، وشدّة الصّراع، والتّنافس المحموم فيما بينها حول الهيمنة على المناطق العربيّة المحكومة من الدّولة العثمانيّة، والّتي عرفت «بالمسألة الشّرقيّة»، ممّا فسح المجال واسعًا للتّدخّل الأجنبيّ في شؤونها عبر الامتيازات مفتوحة الصّلاحيّات، ليتبعها فرض سياسات الإصلاح، والتّنظيم، الّتي عمّقت أكثر سياسة التّدخّل، والتّغيير في مؤسّسات الدّولة، وإداراتها، على المستويين المركز في استنبول، والولايات. وكانت المؤسّسة القضائيّة، والتّشريعيّة في مقدّمة تلك الإصلاحات، والتّنظيمات، وبموجب صدور خطّ كلخانة ١٨٤٩، ومن بعده خطّ همايون ١٨٥٦، اللّذين ساويا بين جميع رعايا السّلطنة «من مسلمين، وغير المسلمين». ومع تزايد الصّراعات الأوروبيّة، وتفاقم تردّي أوضاع الدّولة العثمانيّة كان اندلاع الحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨م)، الّتي نتج عنها دحر الدّولة العثمانيّة بانتصار الثّورة العربيّة الكبرى عام ١٩١٦م وحلّ «المسألة الشّرقيّة» باقتسام المناطق الّتي حكمها العثمانيّون لقرون أربعة، بحسب اتّفاق سايكس-بيكو عام ١٩١٦م، ووعد بلفور عام ١٩١٧م، لتنتهي الحرب عام ١٩١٨م، بتمركز القوى الأوروبيّة المنتصرة على السّاحل
الشّرقيّ للبحر المتوسّط، ريثما توضع اتّفاقات تقسيم أراضي المشرق العربي، وبخاصّة بلاد الشّام «سوريّة الطّبيعيّة» موضع التّنفيذ، ضاربة عرض الحائط بالقرارات الوطنيّة الّتي سعت إلى أداء دورها الوطنيّ، والقوميّ بتشكيل الحكومة العربيّة الأولى (١٩١٨-١٩٢٠م). وسرعان ما بدأ تنفيذ اتّفاق الانتداب الفرنسيّ على سوريّة بإصدار إنذار غورو، واحتلال دمشق عام ١٩٢٠م، لتأخذ فرنسا بناصية السّيطرة، وإصدار القرارات الّتي تخدم مصالحها، وأهدافها في المجالات كافّة، وعلى رأسها القضاء، والتّشريعات.
وبذلك تتركّز إشكاليّة البحث في «القضاء، والتّشريعات، والقوانين الفرنسيّة الّتي طُبّقت في سوريّة خلال الانتداب الفرنسي (١٩١٨-١٩٤٥م)» حول السّعي إلى التّأكّد من أنّ الإصلاحات، والتّنظيمات الأوروبيّة الحديثة الّتي فرضها الأوروبيّون على الدّولة العثمانيّة المنهارة، قد أسّست خلقَ دويلات تدار من خلال مصالح الدّول المستعمِرة في المجالات الاقتصاديّة، والسياسيّة، والعسكريّة، وغيرها كافّة، وبمقدّمها مؤسّسة العدل «قضائيًّا وتشريعيًّا وقانونيًّا»، بحجّة النهوض بتلك الدّويلات، وشعوبها، فهل استطاعت تلك النّظم القضائيّة، والتّشريعات، والقوانين الّتي استحدثتها الدّول المستعمِرة، تغيير، أو تعديل ما وضعه العثمانيّون لأربعة قرون مضت من نظم قضائيّة، وتشريعات، وقوانين مستمدّة من الدّين الإسلاميّ الّذي تُحكَم البلاد باسمه؟ أم بقي الكثير منها؟ وهل تقبّل الشّعب سياسة الغرب بكلّ ما فرض عليه من تشريعات قضائيّة، وقوانين، ومراسيم للبلاد؟ وهذا ما سيجيب عليه البحث.
سيعتمد البحث المنهج التّاريخيّ السّرديّ والتّحليليّ للإدارة الاستعماريّة الفرنسيّة في سوريّة، للإضاءة على سياسة فرنسا في سوريّة خلال فترة الاحتلال، وإصدارها قرارات إداريّة متعدّدة تساعد في الهيمنة على المؤسّسات، والإدارات المختلفة. وفقًا للظّروف الزّمانيّة، والمكانيّة، والذّرائع، والخلفيّات، والأهداف، والأسباب الّتي دفعت بالمندوبين السّاميّين الّذين سعوا إلى هيكلة جديدة كليًّا، أو جزئيًّا للنّظام القضائيّ، والتّشريعيّ، والقانونيّ.
وسيتابع البحث الجانب القضائيّ، والتّشريعيّ، والقانوني في ظلّ الاحتلال الفرنسي بين عامي (١٩١٨-١٩٤٥م)، معتمدًا على وثائق أُعلنت على صفحات الجريدة الرّسميّة
في سوريّة، كالنّشرة الرّسميّة للأعمال الإداريّة في المفوضيّة العليا، وجريدة العاصمة، وعلى مصادر أصيلة «وثائقيّة»، كُتبت بأقلام نخبويّة متخصّصة مدركة حقيقة المجريات آنذاك؛ كما ورد في الكتاب الوثائقيّ لإدمون رباط المعنون بـ»تطوّر سوريّة السّياسيّ في ظلّ الانتداب» بنسخته المعرّبة، وما فيها من وثائق فرنسيّة، وكتاب المراحل لعبد الرّحمن الكيالي، وبخاصّة الجزء الرّابع، وكتاب غالب عياشي حول الإيضاحات السّياسيّة لأسرار الانتداب الفرنسيّ في سوريّة، وكتاب عزّة دروزه عن الحركة القوميّة العربيّة. فضلًا عن الاستفادة من مراجع عديدة منها: كتاب سوريّة (١٩١٨-١٩٥٨م) «التّحدّي والمواجهة» لوليد المعلم، وكتاب الصّراع الدّوليّ في الشّرق الأوسط وولادة دولتيّ سوريّة ولبنان لزين نور الدّين زين، وما كتبه وجيه كوثرانيّ، وبازيلي حول الاستعمار الفرنسيّ في سوريّة، ولبنان، وغيرها... إلى جانب مصادر، ومراجع أجنبيّة إنجليزيّة، وفرنسيّة.
تمّت دراسة القضاء، والتّشريعات، والقوانين الفرنسيّة الّتي طُبّقت في سوريّة خلال الاحتلال الفرنسيّ بين عامي (١٩١٨-١٩٤٥م)؛ بدءًا بمقدّمة عن البحث، ثمّ تمهيد عن واقع القضاء العثمانيّ الّذي اخترقته دول الغرب تحت عناوين التّحديث، والتّطوير بين عامي (١٨٣٩-١٩١٨م). ثمّ ثلاثة محاور أساسٍ تخلّلها عناوين فرعيّة موضّحة مجريات البحث، روعي فيها التّسلسل التّاريخيّ الزّمنيّ: الأوّل: حول سوريّة المستقلّة، وأهمّ الإجراءات القضائيّة، والتّشريعيّة بين عامي (١٩١٨-١٩٢٠م). والثّاني: حول القضاء، والتّشريعات، والقوانين في سوريّة خلال الانتداب الفرنسيّ بين عامي (١٩٢٠-١٩٤٥م). أمّا الثّالث: تضمّن دراسة الموقف الوطنيّ من التّحكّم الفرنسيّ بالمؤسّسة القضائيّة، والتّشريعيّة، والإداريّة. ثمّ نتائج عمّا توصّلت إليه الدّراسة، وأخيرًا ثبّت المصادر والمراجع الّتي اعتمدها البحث.
يُعد البحث في موضوع القضاء، والتّشريعات، ومجمل القوانين، والأنظمة في أيّ
مجتمع من المجتمعات من الدّراسات المهمّة، لأنّ الجهاز القضائيّ يُعدّ من أهمّ أجهزة الدّولة، وأعظمها ثراءً فهو المقياس الّذي يعكس رقيّ الأمم، ودرجة نهضتها، ومدى تقدّمها، فهو يتناول مختلف الجوانب الحياتيّة لدى المجتمعات البشريّة، فضلًا عن أنّ إقامة العدل دلالة على صحّة أفراد المجتمع، وتلبية مصالحهم الذّاتيّة نفسيًّا، وماليًّا، وفكريًّا، وبذلك إن كان قضاء الدّول سليمًا معافًى فهو دليل تقدّم الدّول، ومؤشر نهضتها.
كان النّظام القضائيّ العثمانيّ في بداياته معقّدًا، فقد تشكّل من المحاكم الدّينيّة الإسلاميّة. وهو الشّكل الأقدم في القانون الإسلاميّ الصّرف، وفق العقيدة الّتي يجب أن تنتظم بحسب القرآن الّذي تحوز تعاليمه على السّلطة الحصريّة في الإدارة، والدّين، والعدالة. وقد حافظت المحاكم الشّرعيّة العثمانيّة حينها على السّلطة العامّة على الصّعيدين: المدنيّ والجزائيّ، طالما تجنّبت الدّولة الإسلاميّة الاتّصال بالأفكار الخارجيّة.
وإذا ما تابعنا دراسة موضوع القضاء، وتبعاته، وما يتفرّع منه من تشريعات، وتنظيمات، وقوانين في سوريّة خلال الانتداب الفرنسيّ (١٩٢٠-١٩٤٥م)، وما أصدرته قوى الاحتلال من تعديلات، وتغييرات، وإضافات قانونيّة، ورسميّة على ما تركته الدّولة العثمانيّة بعد حكم استمرّ أربعة قرون ساد في أواخرها أوضاعًا متردّية، وفسادًا في مختلف أنحاء الامبراطوريّة المنهارة، طال مختلف مؤسّساتها، بدءًا من المؤسّسة العسكريّة إلى الإداريّة، ثمّ الأوضاع الاقتصاديّة، والسّياسيّة، والفكريّة وصولًا إلى المؤسّسة القضائيّة بمختلف تفرّعاتها، ومعظم القائمين عليها، وهذا ما انعكس سلبًا بشكلٍ، أو بآخر على الدّولة، والمجتمع. في وقت تمكّنت فيه الدّول الأوروبيّة، وبخاصّة الغربيّة منها، من أن تحقّق نهوضًا واضحًا في الميادين العسكريّة، والسّياسيّة، والاقتصاديّة، والفكريّة، بعد نجاح ثوراتها البرجوازيّة، والصّناعيّة؛ ليصبح النّظام الرّأسماليّ الاستعماريّ بكلّ ما تضمّنه من صراعات، وتنافس حول المستعمرات ضرورة ملحّة لتلبية المصالح الاستعماريّة.
ولذا اتّجهت المشاريع الأوروبيّة الاستعماريّة، وبخاصة إنجلترا، وفرنسا -الدّولتين الاستعماريّتين الأقوى آنذاك- نحو المناطق الّتي تحكمها الامبراطوريّة العثمانيّة، وتحديدًا المشرق العربيّ، وهو ما عرف حينها بـ«المسألة الشّرقيّة»، حيث سوريّة الطّبيعيّة؛ لما
تتميّز به تلك المنطقة من موقع حيويّ جيواستراتيجيّ، وجيوسياسيّ. فهي «تقع في قلب المشرق العربيّ، وتشكّل شريانًا رئيسًا للمواصلات بين أوروبا وآسيا».... كما كتب سفير بريطانيا في استنبول عام ١٨٦٠م السير هنري بولور إلى اللورد رسل بقوله: «تعلمون سيادتكم أنّ سوريّة كانت دومًا في نظر أولئك الّذين أسّسوا أمبراطوريّاتهم في الشّرق بلدًا ذا خصائص معيّنة ينبغي لكلّ من يخطّط لاحتلال هذا الجزء من العالم أن يبني خططه على أساس ما لهذا البلد من أهمّيّة».
اعتمد القضاء العثمانيّ في بداياته الأولى، أن يكون «قاضي العسكر» على رأس الهيئة القضائيّة، ثمّ عُيّن إلى جانبه قاضيان آخران أحدهما لإفريقيا، والثّاني لأوروبا، ولم تقتصر سلطة هؤلاء القضاة على الشّؤون العسكريّة، بل تعدّتها إلى الجوانب القانونيّة المدنيّة. ولهؤلاء القضاة صلاحيّة تعيين القضاة، ونوّابهم، والموظّفين القضائيّين، وكان
يتلو قضاة الجيش في التّرتيب «العلماء الكبار»، وهم قضاة العاصمة، ثمّ «العلماء الصّغار» الّذين يتولّون القضاء في عشر مدن ثانوية من مدن الولايات لبغداد وصوفيا. أمّا قضاة الدّرجة الثّانية، وما دونها فقد انقسموا إلى ثلاث طبقات هي: المفتّشون، والقضاة، ونوّاب القضاة. وخضعت الهيئات القضائيّة لمفتي الأستانة، الّذي عرف بشيخ الإسلام، وإليه ترفع المسائل القضائيّة، وعنه تصدر الفتاوى لا سيّما في القرارات المصيريّة: كالحرب، والسلم.
وبذلك استطاعت الدّولة العثمانيّة منذ بدايات التّأسيس أن تحدِث نظامًا عسكريًّا متطوّرًا بقوانين تضمن استمراريّة الدّولة بقوّة المؤسّسة العسكريّة، وفي مقدّمها قانون الإنكشاريّة الّذي حفظ الدّولة حتّى القرن الثّامن عشر، إلى جانب قانون البحريّة، وقانون الحرب، وغيرها... ممّا ساعد العثمانيّين على التّوسّع، وحكم مناطق واسعة من آسيا، وإفريقيا، وأوروبا. ومع فساد نظام العسكر ضعف كيان الدّولة، وأصاب مؤسّساتها الانهيار، في وقت تصاعد فيه تدخّل الدّول الأجنبيّة في مختلف المجالات لا سيّما القضاء، والتّشريعات، والقوانين عبر سياسة الامتيازات، والإصلاحات، والتّنظيمات، واستعمار الكثير من مناطق العالم في القرن التّاسع عشر، وبدايات القرن العشرين.
القضاء والتّشريعات وسياسة الامتيازات والإصلاحات والتّنظيمات (١٨٣٩-١٩٠٨م)
منحت السّلطنة العثمانيّة في ذروة قوّتها «الامتيازات للرّعايا الأجانب الوافدين إلى أراضيها مع التّسهيلات التّجاريّة، والحماية الشّخصيّة». وكان “قضاء الامتيازات” يقتضي حين يكون أحد طرفيّ قضيّة النّزاع أجنبيًّا أن تعرض القضيّة أمام محكمة عثمانيّة، بحضور الطّرف الأجنبيّ نفسه، ويساعده ترجمان القنصليّة الّذي يجب أن يصدر الحكم بوجوده. وعندما يكون الطّرفان المتخاصمان أجنبيّان -باستثناء القضايا العقاريّة- لا يتدخّل القضاء المحلّيّ، وترفع الدّعوى أمام قنصليّة المدّعى عليه. وقد سبّب هذا الامتياز الكثير من المفاسد، وكان الأمر مختلفًا في القضايا الجنائيّة. وتبع تطوّر سياسة الامتيازات تزايد التّدخّل الأوروبّي عبر سياسة الإصلاحات، والتّنظيمات.
أتت التّنظيمات، والإصلاحات نتيجة طبيعيّة لسياسة الامتيازات الأجنبيّة، الّتي كانت بحدّ ذاتها نقطة ضعف في كيان الدّولة العثمانيّة؛ لأنّها لم تضع حدودًا أمام حرّيّة الرّعايا الأجانب على أراضيها، فعدَّت الدّول الأوروبيّة تلك الامتيازات بمنزلة حقوق مكتسبة لها، ولرعاياها، ولمن هم في حمايتها، وشكّلت جميعها أحد أسباب انحطاط الدّولة العثمانيّة. وقد استمدّت معظم بنود التّنظيمات، وتوجّهاتها من الإعلان الفرنسيّ لحقوق الإنسان عام ١٧٨٩م. فهي اصطلاح مستوحى من التّجربة الغربيّة القائمة على الحرّيّة، والعدالة، والمساواة مجسّدة في مجالس نيابيّة منتخبة، وهدفها تغيير نظام الامبراطوريّة العسكريّ، والإداريّ، على أسس فكريّة، وقانونيّة جديدة، عبر التّدخّل في شؤون الدّولة العثمانيّة ممّا «دفع رجال الدّولة إلى تدارك هذا التّدهور بالسّعي إلى النّهوض بالبلاد، ومواكبة التّطوّر الّذي يحدث في الغرب». ومن «أهمّ روّاد التّحديث مصطفى رشيد، وتلاميذه فؤاد باشا، وعالي باشا، ومدحت باشا». ومعهم جماعة من كبار الموظّفين، ومن ذوي الخبرة، وممّن لهم صلات مباشرة مع أوروبا، ومراعاة رغبة السّلطان في الإصلاح، والتّنظيم بهدف النّهوض بأحوال الدّولة. كما سعت التّنظيمات إلى تحديث الإدارة، ونهج سياسة مركزيّة لربط جميع الولايات بالمركز، والقضاء على أشكال الاستقلال الأسريّ، ونفوذ العصبيّات المحلّيّة الموروثة في السّلطنة. بقصد توطيد الثّقة بحكومة البلاد، واسترضاء الدّول الأوروبيّة الّتي تزايد تدخّلها في شؤون البلاد تحت ذرائع حماية المسيحيّين من رعايا الدّولة. وإرساء الدّولة على أسس فكريّة، وقانونيّة جديدة. وإيجاد نوع من حرّيّة الرّأي بإنشاء «مجلس شورى النّوّاب»، وفتح المجال لطبقة التّجّار الغربيّين، والمبشّرين لإلحاق المجتمع العثمانيّ بقوانين السّوق الغربيّة، ومعايير الفكر التّبشيريّ، والخلاص من نظام الملل.
كانت الخطوة التّنفيذيّة الأولى لتلك السّياسة بإصدار «خط كلخانة» عام ١٨٣٩م في عهد السّلطان محمود الثّاني، الّذي استمرّ إلى نهاية حكم السّلطان عبد الحميد الثّاني ١٩٠٨م، وشمل الأمنيّة الكاملة بمقتضى الحكم الشّرعيّ لجميع أهالي الإمبراطوريّة على أنفسهم، وأعراضهم، وناموسهم، والسّعي إلى زيادة أعضاء مجلس الأحكام العدليّة بقدر اللّزوم، ومنحهم حرّيّة التّعبير. ويُعد خطّ كلخانة أولى الوثائق الّتي لم تُستمد من الشّريعة الإسلاميّة، بل اعتمدت مصدرًا وضعيًا للتّشريع مستوحى من التّجربة الدّستوريّة الأوروبّيّة الّتي احتوت على مفاهيم غربيّة مثل وطن الّتي تضمّنها خطّ كلخانة بدلًا من مصطلح الأمّة، وبهذا كانت أولى خطوات فصل الدّين عن الدّولة، وإرساء النّظام العلمانيّ. وهذا ما سينعكس بشكل، أو بآخر على المؤسّسة العدليّة: كالقضاء، وتشريعاته.
تلي ذلك صدور الخطّ الهمايوني ١٨٥٦، الّذي ركّز على المساواة بين الجماعات، والطّبقات، وكان أكثر دقّة في تحديد التّغييرات الواجب إجراؤها، وكانت صيغته أكثر عصريّة، واقتباسًا عن الغرب بصورة لم تُعهد من قبل في الوثائق العثمانيّة، فهو لم يستشهد بآية قرآنيّة، أو بقوانين عثمانيّة. وتكلّل خطيّ كلخانة، وهمايون بدستور مدحت باشا ١٨٧٦، ولأوّل مرّة يجري العمل بدستور مأخوذ عن الدّستور الفرنسي، والبلجيكي، والسّويسري: وهي دساتير وضعية علمانيّة. إضافة إلى صدور مجموعة قوانين إداريّة تنظيميّة جديدة بين عامي (١٨٤٠-١٨٧٤م) في أعقاب خطّ كلخانة، ولتنفيذ توصيات هذا الفرمان تمّ إجراء تغييرات واسعة، كإصدار مجموعة قوانين جنائيّة «قانون العقوبات» في آذار ١٨٤٣م، الّذي عدَّ المواطنين العثمانيّين سواء أمام القانون، وبموجبه أنشئت محاكم نظاميّة انتزعت الدّعاوى الجزائيّة من القضاء الشّرعيّ العثماني. وكان أن أصدرت الدّولة العثمانيّة، في كانون الأوّل ١٨٤٣م قانونًا خاصًّا بالمجنّدين في الجيش، وتنظيم الخدمة العسكريّة؛ فقُسّم الجيش العثمانيّ إلى خمس فيالق، وحُدّدت الخدمة بخمس سنوات
للجنديّ العامل في الجيش، وسبع سنوات أخرى للجندي الاحتياط (رديف). وصدر أيضًا مجموعة قوانين عسكريّة لتغطية جرائم الفرار، والعصيان، والتّدابير التّأديبيّة، وإنشاء المحكمة العسكريّة. مع ملاحظة أنّ القانون العسكريّ يختلف عن القانون المدنيّ لأنّه مصمّم للحفاظ على النّظام، والانضباط، والكفاءة العسكريّة تلبية لنداء الحرب.
كانت المحاكم الشّرعيّة المتخصّصة، من أهمّ أنواع المحاكم القضائيّة بحسب دستور ١٨٧٦ للنّظر في قضايا الأحوال الشّخصيّة بالنّسبة لرعايا الدّولة المسلمين، وينظر في قضايا غير المسلمين في محاكم ملّية خاصّة بالمتنازعين. واستمرّ النّظر إلى كثير من دعاوي الأحوال الشّخصيّة: كالزّواج، والطّلاق على سبيل المثال أمام محاكم للطّوائف الدّينيّة، فيما خضعت بقيّة القضايا إلى محاكم مدنيّة، تسترشد بأنظمة من قوانين قائمة إلى حدّ ما على الشّريعة الإسلاميّة، وعلى قوانين أوروبيّة حديثة. وإلى جانب المحاكم الشّرعيّة وجدت المحاكم المدنيّة، الّتي تختصّ بالقوانين الوضعيّة، وكفل الدّستور صيانة القضاء من أيّ نوع من أنواع التّدخّل في شؤونه، واحتفظ الدّستور باختصاصات مجلس الدّولة الّتي كان يمارسها من قبل باعتباره محكمة استئناف عليها النّظر بالطّعون المقدّمة ضدّ القرارات الإداريّة. وعرفت تلك المحاكم بالمحاكم النّظاميّة.
ويرأس المحكمة الشّرعيّة قاضي يساعده كاتب المحكمة، إلى جانب محكمة عليا في العاصمة تدرس القرارات الصّادرة عن المحاكم الأولى، ويوجد من حيث المبدأ قاضي تعينه الحكومة في كلّ قضاء، وحدّد القانون الإسلاميّ اختصاصه. ويلجأ إليه المسلمون، وغير المسلمين من دون تمييز، والقانون المطبّق هو الشّرع الإسلامي. أمّا الطّوائف غير الإسلاميّة فقد تمتّعت بامتيازات قضائيّة منحتها لهم الخلافة العربيّة، وثبّتها محمّد الفاتح بعد دخوله القسطنطينيّة. ولكن دور المحاكم الطّائفيّة تقلّص تدريجيًا لصالح المحاكم الإسلاميّة، وفيما بعد لصالح التّشريع المدنيّ، واستند المسيحيّون إلى
قانون جستنيان، واليهود إلى التّلمود.
وبدءًا من عام ١٨٧٩م كان لدى السّلطنة العثمانيّة محاكم مدنيّة، ومحاكم صلح، ومحاكم بدائيّة، ومحاكم استئناف في كلّ الولايات، ومحكمة تمييز (نقض) في العاصمة، وتوسّع هذا القضاء على حساب القضاء الدّينيّ. أمّا المحاكم القنصليّة فقد ارتبط وجودها بنظام الامتيازات الّذي ظلّ ساريًا حتّى الإنتدابات الأجنبيّة، وهي متخصّصة بفضّ النّزاعات الحاصلة بين الأجانب على أراضي الدّولة.
عكس واقع الدّولة العثمانيّة في الرّبع الأخير من القرن التّاسع عشر، وبدايات القرن العشرين مدى تردّي الأوضاع العسكريّة، والاقتصاديّة، والسّياسية على المستويين الدّاخليّ، والخارجيّ، لا سيّما في المشرق العربيّ، ممّا أدّى لأنّ تشهد الولايات المشرقيّة، حراكًا نهضويًّا واسعًا، ومتسارعًا عرف بـ«اليقظة القوميّة العربيّة»، ممّا يشير إلى تزايد الوعي القوميّ العربيّ، وبخاصّة في سوريّة الطّبيعيّة، الّتي شهدت حينها الكثير من الاضطرابات، والتّحركات السّياسيّة الدّاخليّة من قوى المعارضة التّركيّة بمساعدة أجنبيّة، إلى أن تمّ الانقلاب على السّلطان عبد الحميد الثّاني عام ١٩٠٨م. وبخاصّة أنّ قوى التّحرير، والدّعوة للاستقلال لم تنجح في تحقيق أهدافها الوطنيّة، بسبب نقص الإمكانيّات، والمؤهّلات الكافية، والضّامنة لحماية الوطن من غارات الغرب، إلى جانب سياسة القمع، والإرهاب الّتي نهجها حزب الاتّحاد، والتّرقّي، وإعدام جمال باشا الكثير من النّخب الوطنيّة. وفي الوقت ذاته أُدخلت سوريّة إلى الحرب العالميّة الأولى (١٩١٤-١٩١٨م)، الّتي ستشهد استقلال الولايات المشرقيّة بانتصار الثّورة العربيّة عام ١٩١٦م، وإنهاء الحكم العثمانيّ؛ ليحلّ مكانه الاستعمار الغربيّ بعد اتّفاق كلّ من بريطانيا، وفرنسا على اقتسام المنطقة بموجب معاهدة سايكس-بيكو ١٩١٦م.
ومع انتهاء الحرب العالميّة الأولى، وتمركز جيش الشّرق على السّاحل السّوريّ، قسم
الجنرال اللّنبي سوريّة إلى ثلاث وحدات إداريّة: سوريّة الدّاخليّة، ولها حكومة عربيّة برئاسة الأمير فيصل، ويمتدّ نفوذها من شمال الحجاز حتّى كيليكيا، وسوريّة السّاحليّة تحت احتلال فرنسا، وحكومتها العسكريّة، أمّا كيليكيا تحت الاحتلال الفرنسيّ، وحكومتها تركيّة. وهنا انتهى دور العثمانيّين في سوريّة بعد حكم دام ٤٠٠ عام. وعمّت الثّورات أرجاء سوريّة فكانت ثورتيّ السّاحل السّوريّ بزعامة الشّيخ صالح العلي، وثورات الشّمال بزعامة إبراهيم هنانو. وبخاصة بعد أن تأكّد تطبيق الانتداب الفرنسيّ على سوريّة إثر مفاوضات فيصل-كليمنصو في ٢ تشرين الثّاني ١٩١٩م الّتي أسفرت عن «أنّ الجيوش الفرنسيّة ستعمل على حفظ النّظام في المناطق الّتي ستحتلّها... مستعدّة لأن تتقدّم لمساعدتكم في حفظ النّظام عند أوّل طلب منكم».... أمام تلك المجريات الّتي شهدتها سوريّة حتّى نهاية الحرب عام ١٩١٨م، وفي جلسة المؤتمر السّوري الأولى في ٧ آذار ١٩١٩م، أعلن استقلال سوريّة بحدودها الطّبيعيّة استقلالًا تامًّا لا شائبة فيه على الأساس المدنيّ، وحفظ حقوق الأقلّيّات، ورفض وعد بلفور، ونُصّب الأمير فيصل الأول ملكًا دستوريًّا على البلاد.
ولم تُجد محاولات حكومة دمشق العربيّة الأولى الّتي أقرّها المؤتمر السّوري الأوّل عام ١٩١٩، ولا محاولات فيصل لتسوية الأوضاع، والحفاظ على وحدة البلاد، واستقلالها. ورغم ذلك انتدب المؤتمر السّوريّ لجنة من أعضائه في ٢٧ تشرين أوّل، لإبلاغ معتمدي الحلفاء في دمشق أنّ المؤتمر «الّذي يمثّل الأمّة السّوريّة يحتجّ على كلّ قرار، أو اتّفاق يخالف تصويت الأمّة بضرورة المحافظة على وحدة البلاد واستقلالها». وسارت في
\دمشق أكبر مظاهرة سلميّة متقدّمة باحتجاج إلى دار الإمارة، ومعتمدي الدّولة، ووزارات الخارجيّة «ضدّ كلّ تسوية تقضي بتجزئة البلاد، وحرمانها من استقلالها التّامّ، وجعل جنوبها موطنًا لليهود». ضمن تلك الظّروف من الحماس الشّعبيّ انبعثت فكرة «اللّجنة الوطنيّة العليا» استعدادًا للمقاومة ضدّ الفرنسيّين، وتكوين رأي عام في البلاد، وتنظيم المتطوّعين، وجمع التّبرّعات للمجهود الحربيّ، ومساعدة الحكومة بمهمّة الدّفاع. وأذاعت الحكومة في ١ كانون الأوّل ١٩١٩م بيانًا رسميًّا أعلنت فيه أنّ الجنود الفرنسيّين سيحلّون مكان البريطانيّين في شتورة، ورياق، وبعلبك بحسب الاتّفاق العسكريّ الفرنسي احتلالًا عسكريًّا، وتنسحب منها القوّات العربيّة على أن ترتبط إداريًّا بالحكومة العربيّة. وفشلت محاولات الحكومة العربيّة الأولى الرّسميّة للاستعداد العسكريّ، والشّعبيّ للمقاومة بسبب «نقص الموارد الماليّة من أجل دفع الرّواتب للجنود المتطوّعة». هذا إلى جانب عدم استطاعتها تنفيذ «قانون التّجنيد الإجباريّ بسبب الحصار الّذي فرض على سوريّة الدّاخليّة، حيث منع بموجبه وصول الأسلحة، والذّخائر ... وامتناع بريطانيا عن إمداد الجيش بالخبرة، والأموال».
صحيح أنّ سوريّة حقّقت استقلالها، وانتهى الحكم العثمانيّ، وأعلنت ذلك جريدة العاصمة الصّحيفة النّاطقة باسم حكومة دمشق، أنّ «استقلال البلاد أمر واقع لا محال فيه». لكنّ البلاد تحمّلت معظم ما بقي من مساوئ الحكم السّابق، وتقاليده، وأساليب إدارته، وتنظيماته القضائيّة، والقانونيّة، لذا فالإدارة السّوريّة في تلك الفترة التّأسيسيّة كانت
استمرارًا للإدارة العثمانيّة، ولكنّها تدار باللّغة العربيّة، وبروح الشّعور القوميّ العربيّ، وظلّت القوانين، والتّنظيمات العثمانيّة معمولًا بها في بدء عهد الاستقلال مع تعديل جزئيّ بحسب مقتضيات الحاجة، وتابعت الدّوائر الحكوميّة المختلفة أعمالها الّتي كانت تنجز بسرعة ممّا يدلّ على المقدرة، والأهليّة المحلّيّة على حكم البلاد. وكان من أهمّ الإجراءات القضائيّة، والقانونيّة الصّادرة حينها:
مادّة ١: قانون تشكيلات العدليّة المؤقّت الّذي وضّح أنّ قانون حقّ القضاء في البلاد العربيّة محصورًا في المحاكم الّتي تؤلّفها الحكومة وفقًا لقوانينها المتخصّصة وهي ثلاثة أنواع: عدليّة، وشرعيّة، وعسكريّة، وفيما عدا ذلك لا يوجد هيئة على الإطلاق لها حقّ الحكم. وهذا دلالة صريحة على إصرار الأحرار على استقلال البلاد الحقيقيّ بعيدًا من تدخّل أي قوّة خارجيّة.
مادّة ٢: المحاكم الشّرعيّة ترى، وتفصّل الدّعاوي العائدة إلى المحاكمات، والمفاوضات، والنّفقات، والحضانة، والوصاية، والدّعوى على التّركات بين الورثة، والدّعاوي الصّادرة عن الأوقاف من المستحقّين، والنّظّار، والمتوّلين، وواضعي اليد من إيجار، واستئجار، ومساحات، وسائر الدّعاوي، والقضايا الّتي كانت. ففي المحاكم الشّرعيّة قبل نشر قانون أصول المحاكمات الشّرعيّة وجدت المحاكم العسكريّة التي تؤلّف في الجيش بحسب القانون العسكريّ.
مادّة ٣: محاكم العدليّة على ثلاث درجات، ابتدائيّة، واستئنافيّة، وتمييز.
مادّة ٤: في مركز كلّ قضاء يوجد محكمة بدائيّة مؤلّفة من الحاكم، ومعاونوه، والمدّعي العام، وكتّاب، ومحضرين.
مادّة ٥: الحاكم الفرد.
في ١٣ تشرين الثّاني ١٩١٨م صدر قانون الدمغا العائد للديون العموميّة، وإحداث طوابع خاصّة بها. وفي ٣ تشرين الثّاني ١٩١٨م تمّ التّصديق على ضريبة الحرب، أو رفعها، حيث وجد أنّ القانون المسمّى ويركو الحرب محدّد بثلاث سنوات وقد انتهى وقته. وفي ١٤ تشرين الثّاني ١٩١٨م صدر قرار تنظيم البريد بشأن الحوالات. وفي جريدة العاصمة عدد ١١ تاريخ ٢٥ آذار ١٩١٩م صدرت قرارات استرداد الأموال، والأشياء من السّلطة السّابقة. وفي الجريدة ذاتها العاصمة عدد ١٣ في ٣١ آذار ١٩١٩م صدر قرار تنظيم قروض السّكك الحديديّة. وفي العدد ٤٩ في ١١ آب ١٩١٩م صدر عن مجلس الشّورى قرار بشأن وفاء الدّيون، والسّندات المحرّرة، كما صدر قرار أيضًا في جريدة العاصمة بتاريخ ٨ تموز ١٩١٩م رقم ٩٢ بعد مصادقة سمو الأمير المعظم المتضمن «أنّ الدّيون، والسّندات المحرّرة بالقرش الرّائج تدفع بالقرش الرّائج».
أصدر المجلس الأعلى للحلفاء المنعقد في سان ريمو بتاريخ ٢٥ نيسان ١٩٢٠م قرارًا يقضي بتنفيذ صك الانتداب، فكان انتداب بريطانيا على فلسطين -لتعمل على تنفيذ وعد بلفور-، وشرق الأردن. ثمّ انتداب فرنسا على سوريّة ولبنان، وعلى منطقة كيليكيا. ورفض العرب قرار سان ريمو وقرروا التصدي للاحتلال، وبدأت التحركات الوطنية في جميع أنحاء سوريّة رافضة وجود الانتداب ومطالبة بالحرية والاستقلال. حينها أصدرت
سلطة الانتداب الكثير من القوانين لتنظيم إدارة البلاد، بما فيها قضايا العدل والحكم وفقًا لقرارات المندوب السامي ممثّل الحكومة الفرنسيّة في سوريّة.
بحكم صدور قرار سان ريمو، أصبح المفوض السامي تابعًا مباشرة للحكومة الفرنسيّة ومسؤولًا أمامها. وتحت تصرّفه القوّات البرّيّة والبحريّة ضمن حدود سلطته. ويتراسل مع وزارات وفروع الحكومة الفرنسيّة المتنوّعة، ويفاوض بالمسائل التي تخصها بواسطة وزارة الخارجيّة الفرنسيّة. ويمارس المفوّض السّامي كلّ سلطات الجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة ولبنان، لأنّه “مكلّف بتنفيذ الانتداب المخوّل للحكومة الفرنسيّة”. وفي ٢٧ تموز أعلن الجنرال غورو الأحكام العرفيّة في البلاد، وفرض على الحكومة السّوريّة شروطًا قبلت بتنفيذها. وبعد توجيه إنذار غورو في ١٤ تموز ١٩٢٠م، طُلب إلى الملك فيصل مغادرة سوريّة، وتمّ ذلك في ٢٩ تموز ١٩٢٠م متوجّهًا إلى درعا ثمّ إلى حيفا، حيث غادرها إلى لندن للمطالبة بعرش له.
لم يلبث أن يستتب الحال للفرنسيّين في سوريّة لتبدأ اللّجان الحكوميّة بجمع الغرامات الحربيّة الباهظة من جميع المدن السّوريّة، في وقت تفكّك فيه الجيش الفيصليّ، وساءت أوضاع البلاد. فعقد غورو المجلس الحربيّ التّابع للجيش الفرنسيّ في المشرق اجتماعًا في ٩ آب ١٩٢٠م وأصدر أحكامًا غيابيّة بإعدام مجموعة من الوطنيّين، وبالنّفي بحقّ
مجموعة أخرى منها كبار ضبّاط الجيش السّوريّ.
كان الإجراء الإداريّ الأوّل الّذي اتّخذته فرنسا بعد احتلال سوريّة، توسيع لبنان على حساب سوريّة. ففي ٣١ آب ١٩٢١م أصدر الجنرال غورو قرارًا نصّ على إيجاد «دولة لبنان الكبير» حيث أضاف إلى سنجق لبنان القديم المناطق الواقعة في شماله، وشرقه، وجنوبه، وألحق به المدن السّاحليّة، طرابلس، وصيدا، وصور، وبعلبك الدّاخليّة، وسهل البقاع الخصيب، فأصبحت مساحة الدّولة الجديدة مساوية ضعفيّ السّنجق في العهد العثمانيّ، وأصبح لها ثغران هما: طرابلس، وبيروت، اللّتان تمرّ بينهما تجارة سوريّة القادمة من البحر؛ لتُحرم سوريّة من منافذها الطّبيعيّة، ممّا قد يولّد التّنافر بين البلدين.
واصل الفرنسيّون تنفيذ برنامجهم في تجزئة سوريّة إلى دول، وحكومات على أسس طائفيّة، فأصدر الجنرال غورو قرارًا يقضي بإحداث؛ دولة العلويّين، ودولة دمشق، ودولة حلب، ودولة جبل الدّروز، وسنجق إسكندرون الّذي يتمتّع بإدارة خاصّة مرتبطة بدولة حلب. ممّا أدّى إلى ردود فعل وطنيّة عنيفة شملت مختلف فئات المجتمع من القيادات، وعامّة الشّعب، وعلى مساحة الأراضي السّوريّة كلّها. فأنشأوا في بيروت حكومة مركزيّة عليا لسوريّة أطلقوا عليها اسم «المفوضيّة العليا» لتتحكّم مباشرة بالحكومات الجديدة، وتعيّن الحكام، والوزراء لها، إلى جانب وضع القوانين، والأنظمة، وتشريعات قضائيّة، وغيرها. وأوفد إلى جانب كلّ حكومة محلّيّة بعثة فرنسيّة مؤلّفة من المستشارين لكلّ فرع من فروع الإدارة بوجود مستشار للدّاخليّة وآخر للماليّة، وثالث للزّراعة إلخ...، ويرأس كلّ بعثة منها رئيس أطلق عليه اسم مندوب المفوّض السّامي، وله مساعد، وهيئة سكرتاريّة، ويحيط به عدد كبير من الموظّفين الفرنسيّين.
كانت ردود الفعل الوطنيّة عنيفة، وشاملة، وشارك فيها مختلف الفئات الشّعبيّة، والقياديّة، وعمّت الثّورات جميع أنحاء سوريّة ، وكان للمرأة دورها المهمّ في تلك التّحرّكات حيث أدّى البعض منهنّ مهمّات وطنيّة، وبخاصّة في الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م، الّتي أكّدت على رفض الشّعب لسياسة التّجزئة، والتّفتيت، وسرقة موارد البلاد لصالح المحتل، والإصرار على التّضحية بالرّوح، والمال في سبيل الحرية، والاستقلال.
أعيت الثّورات السّوريّة سلطات الاحتلال الّتي سارعت إلى تعيين الجنرال «ديجوفينيل» مفوّضًا ساميًا فأطلق، وعودًا بالتّوقيع على معاهدة سوريّة-فرنسيّة تحصل البلاد بموجبها على الاستقلال أمام تمسّك القوى الوطنيّة بمطلب الاستقلال، فأصدر الجنرال في ٢٦ نيسان ١٩٢٦م قرارًا بتعيين «الداماد أحمد نامي» رئيسًا للدّولة والحكومة. وكان من أهمّ المطالب الّتي سعى إليها انتخاب «جمعيّة تأسيسيّة» يُعترف من خلالها بحقوق السّوريّين بالحرّيّة، والاستقلال؛ لكن حكومة الدّاماد أحمد لم تنجح بالتّصديق على المعاهدة الموعودة، ولا بإجراء انتخابات تأسيسيّة لوضع دستور للبلاد. واستمرّت الثّورات، ولم
يكن أمام الفرنسيّين إلّا شقّ قيادة الحركة الوطنيّة ممثّلة حينها بـ”الكتلة الوطنيّة” من خلال التّعاون مع بعض أعضائها، ولم تجد المحاولات الفرنسيّة، وشدة قمعهم لأيّ تحرّك نضاليّ. وهكذا فإنّ التّدابير الّتي قام بها الجنرال غورو، وبقيّة المندوبين السّاميّين الّذين توالوا على سوريّة بعد الاحتلال «لم تستند إلى الشّرعيّة الدّوليّة الّتي يجب أن يستند إليها الانتداب الفرنسيّ، وإنّما على حقّ الاحتلال».
في ١٥ شباط ١٩٢٨م أصدر المفوّض السّامي بونسو بيانًا أشار فيه إلى إجراء انتخابات حرّة. وفي ٢٤ نيسان من العام ذاته، بدأ انتخاب «الجمعيّة التّأسيسيّة»، واشترك فيه الوطنيّون بعد إصدارهم منشورًا في ٢٨ آذار تضمّن طلب سن دستور لسوريّة، وتنظيم أسس الحكومة الّتي ستتقلّد إدارة، وتطوير البلاد، وتأسيس مستقبل الأمّة. وفي ٩ حزيران ١٩٢٨م انتخبت لجنة إعداد مشروع الدّستور برئاسة ابراهيم هنانو ثمّ أقرّت الجمعيّة التّأسيسيّة الدّستور، فولد الدّستور بـ١١٥ مادّة، وكان يضاهي الدّساتير العالميّة في الحياة النّيابيّة للشّعوب. وعلى ضوء النّقاش الشّعبيّ الجريء أُقرّ أوّل دستور لدولة سوريّة بالإجماع بعد الدّستور الّذي أقرّه المؤتمر السّوريّ.
لم يوافق «قصر الكي دو رسي على الدّستور إلّا بإضافة المادّة ١١٦ التّحفّظيّة على الدّستور، وإضافة المادّة ٩٠»، وهذا المطلب يخالف العهود الّتي قطعها المفوّض السّامي لحكومة الشّيخ تاج، وللشّعب السّوريّ، وللأهداف الوطنيّة، والحقوق الدّستوريّة؛ ممّا أدّى إلى تزايد نشاط الحركة الوطنيّة النّضاليّة. وإصرار الوطنيّين على الدّستور كما وضعه الوطنيّون
كان من أهمّ الأجهزة المعنيّة بموضوعنا مكتب «الدّراسات التّشريعيّة والقضائيّة» المكلّف بدراسة المشروعات ذات الطّابع التّشريعيّ، والتّنظيميّ للمفوضيّة العليا، وتأمين نشرها، والسّهر على تنفيذها من النّاحية القانونيّة؛ ممّا يعني السّعي إلى تعديل -أو تجاوز- النّظام القضائيّ العثمانيّ الدّينيّ السّابق المتمثّل مدنيًّا بـ«المحاكم الشّرعيّة» الّتي تُعدّ من أهمّها، وأقدمها، وأوسعها صلاحيّات، واختصاصات، وإقطاعيًّا بـ«محاكم ممثّلي السّلطة» حتّى النّصف الثّاني من القرن التّاسع عشر، لكن المساعي الفرنسيّة حينها لم تنجح، إلّا بتعديلات بسيطة.
ومع تصاعد التّدخّل الأجنبيّ في كيان الدّولة، تمّ استحداث المحاكم المدنيّة عام ١٨٧٩م «المسمّاة نظاميّة». وتضمّنت ثلاث فئات من التّشريعات ومن طبيعة مختلفة، الدّينيّة، والعلمانيّة، والقنصليّة، واستمرّ النّظر في كثير من دعاوي الأحوال الشّخصيّة، كالزّواج، والطّلاق على سبيل المثال، أمام محاكم الطّوائف الدّينيّة، في وقت خضعت فيه بقيّة القضايا إلى محاكم مدنيّة استرشدت بأنظمة مستمدّة من قوانين قائمة على الشّريعة الإسلاميّة، ومن قوانين أوروبيّة حديثة وصولًا إلى منتصف القرن التّاسع عشر. واستمر هذا النّظام القضائيّ طيلة فترة الانتداب الفرنسيّ في سوريّة.
كان القضاء في مرحلة الانتداب أداةً قوّيّة من أدوات التّسلّط الاستعماريّ، فالعدل الّذي هو أساس الملك، وملجأ المظلوم، لكنّه عند المستعمر آلة حربيّة للضّغط السّياسيّ، والتّخريب الاجتماعيّ. ولهذا كان موظّفو المستعمر قابضين على القضاء، ومهيمنين على القضاة، يسيّرونهم بحسب ما تقتضيه مصالح الدّولة المستعمرة. وفي القضايا السّياسيّة كانت الأحكام الّتي تصدرها المحاكم تأتي وفق ما تأمر به السّلطة الاستعماريّة. وقد تركت سلطة الانتداب الفرنسيّة في مطلع سيطرتها على سوريّة للمحاكم الوطنيّة إمكانيّة النّظر إلى بعض
القضايا المحلّيّة، لذا لم تصدر حينها الكثير من القرارات، فاستمرّ العمل بالنّظام القضائيّ التّركيّ في سائر أنحاء سوريّة؛ بعد أن أدخل عليها التّعديلات المترتّبة على الانفصال عن استنبول، وبقي القضاء المدنيّ «النّظاميّ»، والقضاء الشّرعيّ في سوريّة على ما كان عليه أيّام الدّولة العثمانيّة، وكذلك بقيت القوانين القضائيّة، وأصول المحاكمات.
ومن التّعديلات الّتي أدخلتها فرنسا قانون الجنسيّة، بناء على رأي المستشار القضائي، والمستشار التّشريعيّ اللّذين قرّرا أن «تشكّل في المفوّضيّة العليا للجمهوريّة الفرنسيّة في سوريّة، ولبنان، وبلاد العلويّين، وجبل الدّروز لجنة خصوصيّة مهمّتها أن تثبت بموجب تحقيق مستند إلى المعاهدات، والاتّفاقات، والقوانين، والأنظمة المعمول بها، الجنسيّة الحقيقيّة للأشخاص الّذين قد يدّعون أنّهم من رعيّة، وتحت حماية دولة أجنبيّة. وتتشكّل هذه اللّجنة من رئيس، وأربعة أعضاء يعينهم المفوّض السّامي، ويكون مركزها بيروت في المفوضيّة العليا، وتجتمع بحسب الحاجة بناء على دعوة من رئيسها، وتتّخذ قراراتها بالأكثريّة، وتكون نافذة لدى الدّول المشمولة بالانتداب الفرنسيّ». كما أصدرت في آذار ١٩٢٧م بموافقة وزارتيّ الدّاخليّة، والماليّة قرارًا بفتح «دور الفحش»، وتحديد الرّسوم الواجب استيفاؤها في أراضي الدّولة السّوريّة «١٠٠ قرش ديناري ذهب رسم إجازة بافتتاح دار الفحش». ونظّمت أمور الحجّ بموجب الأمر الإداري رقم ١٢٣ في ٢٠ تشرين أوّل ١٩٣٣م. واهتمت بشؤون الأثار السّوريّة القديمة بموجب القرار رقم ١٦٦ في ٧ تشرين الثّاني ١٩٣٣م، حيث «تعدّ آثارًا قديمةً جميع الأشياء الّتي صنعتها يد الإنسان قبل سنة ١٧٠٠ ميلادي مهما كانت المدنيّة الّتي تنتمي إليها هذه المصنوعات، وغير ذلك في تقييم القيمة الآثاريّة، وحماية الآثار». وبناء على القرار الصّادر عن المفوّض دي مارتيل رقم ٥٨ في ١٨/ ١/ ١٩٢٧م بوضع نظام خاصّ لصنع المخدّرات، وحيازتها، والمتاجرة
بها، واستيرادها، وتصديرها، ومنعها إلاّ برخصة وفقًا لشروط محدّدة. بذلك أحاطت القرارات الفرنسيّة بالكثير من جوانب الحياة الاجتماعيّة السّوريّة، واللّافت فيها تنظيم شؤون الفحش من جهّة، وشؤون العبادة من جهّة أخرى بكلّ ما فيها من تناقضات.
وفيما يخصّ المحاكم السّوريّة، فقد تأسّست في ١٩ كانون الثّاني ١٩١٩م، الدّائرة القضائيّة التّابعة إلى المفوّضيّة السّاميّة العليا برئاسة مستشار قضائيّ كُلّف بإدارة الدّوائر القضائيّة في المنطقة العربيّة. وبموجب قرار صدر بتاريخ ١٧ حزيران ١٩١٩م، أحدثت محكمة عليا تقوم بوظيفة محكمة التّمييز (النّقض)، وتألّفت من قاعتين: قاعة مدنيّة، وتجاريّة، وجنائيّة، وقاعة دينيّة إسلاميّة. وشمل اختصاصها مجموع المنطقة الغربيّة، وتسلّمت القاعة المدنيّة جميع السّلطات على الصّعيدين المدنيّ، والتّجاريّ، والجزائيّ، طبقًا لقوانين شبه متطابقة مع قوانين الشّريعة الإسلاميّة، والقاعة الإسلاميّة تفصل في طعون قانون الأحوال الشّخصيّة.
كما استمرّ ما كان أيّام الحكومة الفيصليّة من أحكام تشريعيّة، وقضائيّة، فأنشأت «مجلس شورى» للنّظر في القوانين، والمسائل الإداريّة، ومحكمة التّمييز الّتي تنتهي إليها درجات المحاكم. وفي المادّة السّادسة بما يتّصل بتعديلات المجالس العدليّة، تؤلّف محكمة التّمييز في سوريّة في حال التئام جميع غرفها في الدّعاوي المنصوص عليها في المادّة الثّانية من خمسة أعضاء، يؤخذون من بين قضاة هذه المحكمة تستكمل عند الحاجة من قضاة يعينون بقرار من رئيس الدّولة. وبحسب التّعديلات الّتي تمّت على «المجالس العدليّة» بموجب القرار ١٨٢٠ الصّادر في تموز ١٩٢٦م عن المفوّض السّامي في المادّة الثّانية منه المتضمّنة «أن يرأس قاضي فرنسي محكمتيّ البداية في دمشق، وحلب، ومحكمة الاستئناف في حلب، ومحكمة التّمييز في سوريّة، وعندما
تنظر هذه المحاكم في دعوى حقوقيّة، أو تجاريّة، أو إداريّة، أو جزائيّة يكون فيها أحد الخصوم مهمًّا، وحالته القضائيّة في الدّعوى من التّبعة الأجنبيّة يمكن أن يُكلف في هذه الدّعوى قاضٍ فرنسيٍّ من مركز النّيابة العامّة لدى هذه المحاكم». وفي القرار ١٨٣٣ المتضمّن تحوير تشكيل «محكمة الاختلافات» أن يرأسها أمين السّرّ العامّ في المفوّضيّة العليا، أو مندوبه، والأعضاء قاضٍ فرنسيٍّ من محكمة التّمييز في سوريّة، أو لبنان يعينه المفوّض السّامي، ومستشار سوري، أو لبناني من محكمة التّمييز في سوريّة، ثمّ المستشار التّشريعيّ في المفوّضيّة العليا موظّف من الموظّفين الإداريّين في سوريّة، أو لبنان تعينه الحكومة. وأبقت دولة الانتداب التّنظيم القضائيّ المتّبع في المحاكم الدّينيّة على ما هو عليه من قبل. كما أنشئت محاكم للتّجارة يمكن أمامها للدّائنين الأجانب المطالبة بحقوقهم، والحصول على إدانة مدينيّهم، وإعلان إفلاسهم، والحجز على أموالهم في دولة سوريّة، ولها قضاة فرنسيّون مختصّون يحتلّون مقعدًا على الأقلّ في كلّ محكمة حتّى أنّه يحقّ للدّائن الأجنبيّ أن يطلب بأن تتألّف المحكمة من أكثريّة من القضاة الفرنسيّين، وكان قانون التّجارة العثمانيّ القريب من قانون التّجارة الفرنسيّ هو القانون المطبّق في الدّولة الخاضعة للانتداب.
ولإمعان المستعمر بسياسة تجزئة سوريّة، ففي تموز ١٩٢٠م غداة احتلال المنطقة الشّرقيّة تأسّست الدّوائر القضائيّة لدولة دمشق، ودولة حلب، ودولة العلويّين، على نحو مماثل، وقد اتّحدت هذه الدّوائر بموجب قرار صادر عن المفوّض السّامي في ١٥ حزيران ١٩٢٣م. وأصبح نظام القضاء مماثلًا في الدّول الاتّحاديّة الثّلاث بالنّسبة لقضاء القانون العام. وبعد أن تأكّد تنفيذ الانتداب في ١٥ أيلول ١٩٢٢م، صدر قرار عن حاكم دولة العلويّين برقم ٦٢٣، تضمن اعتراف الدّولة بالتّشريعات الدّينيّة العلويّة، وأوضح
صلاحيّاتها، وحدود ولايتها الجغرافيّة، ودرجات المحاكمة، والإجراءات، وطرائق التّنفيذ، ومنعت المادّة ٨ من هذا القرار المحاكم الشّرعيّة السّنيّة رسميًّا من التّعاطي من الآن فصاعدًا بشؤون هي من اختصاص القضاة العلويّين. ويمكن أن يشغل قاضٍ فرنسي مركز النّيابة العامّة لدى هذه المحاكم. واعترف المفوّض السّامي في ٢٧ كانون أوّل ١٩٢٦م بقرار يخصّ الطّائفة الإسلاميّة الشّيعيّة «المتاولة»، وحقّها في أن تفصل في قضايا القانون الشّخصيّ من قبل قضاتهم بحسب مبادئ طائفتهم. فكان هما التّوسّعان الوحيدان اللّذان قامت بهما سلطة الانتداب على صعيد الامتيازات القضائيّة. وكانت استنبول قد اعترفت من قبل بالقضاة، والمفتين الدّروز في حوران في أواسط القرن التّاسع عشر. أمّا القضاة، والمفتون في الطّوائف الدّينيّة الأخرى كالأيزيديّة، والاسماعيليّة كانوا يقومون بمهامّهم بحرّيّة، غير أنّه لم يصدر أيّ نصّ يسمح لهم رسميًّا بوظيفة القضاء. ولم يحظ القرار الصّادر عن المفوضيّة العليا، رقم ٢٦١ تاريخ ٢٨ نيسان ١٩٢٦م بالاهتمام اللّازم، الّذي حاول أن يقلّص من صلاحيّة المحاكم الطّائفيّة، فلم يترك لها إلّا الحكم في بعض المسائل المحدّدة، والشّخصيّة تحديدًا. ولكن الظّروف، واحتجاجات الوطنيّين على الإصلاح العلمانيّ، وبعض الاعتراضات ذات الطّابع الفنّيّ أيضًا كانت سببًا في صدور قرار لاحق أوقف تطبيقه. إلّا في الدّولة العلويّة الّتي لم تعترض عليه. وهنا تتّضح تمامًا الصّيغة الطّائفيّة الّتي اتّخذت أداة لتجزئة، وتفتيت بنية المجتمع السّوري.
أمّا المحاكم المدنيّة المسمّاة «نظاميّة» فقد شكّلت الفئة الثّانية من المؤسّسات
القضائيّة العثمانيّة القديمة الّتي بقيت في سوريّة، والّتي أنشئت بموجب قانون ٥-١٧ حزيران ١٨٧٩م إنّها نسخة عن التّنظيم القضائيذ الفرنسيّ، وهي على نوعين: جنائيّة ومدنيّة، وتضمّ ثلاث درجات هي محكمة الصّلح، ومحاكم ابتدائيّة، ومحاكم استئناف. وهناك محكمة تمييز مشكلة من ثلاث قاعات مقرّها استنبول، لتكمل النّظام القضائيّ في ١٤ تموز ١٨٨٦م. وتطبق هذه المحاكم قانونًا بقي ساري المفعول في سوريّة حتّى الآن مستوحى من القرآن الكريم. وكذلك قوانين الجزاء، والتّجارة الفرنسيّة، والأصول المدنيّة، والجزائيّة، وقوانين المطبوعات، والجمعيّات، والاجتماعات العامّة إلخ.
ومنذ نشأة هذه المحاكم لم تفتأ الخلافات بينها، وبين المحاكم الشّرعيّة الّتي رفعت يدها عنها. وكان بعض قضاة الأحوال الشّخصيّة ينظرون في كلّ قضيّة تعرض عليهم من دون مراعاة الصّلاحيّة. وكان المدّعي الّذي ترفض دعواه يتوجّه إلى المحاكم الّتي تصدر حكمًا معارضًا، ولم يكن يعرف أيًّا من هذين الحكمين يجب تنفيذه، ممّا يدلّ على بعض التّخبّط في ذلك الجانب. وكان قد صدر في ١٧-١٩ آذار ١٨٨٧م قانون النّزاعات القضائيّة بين المحاكم الشّرعيّة والمدنيّة. وتُرك لمجلس الدّولة التّصدّي لهذه الصّعوبات، واتّبعت هذه الازدواجيّة القضائيّة العثمانيّة بكاملها في سوريّة خلال الانتداب الفرنسيّ. وأوجدت محكمتا تمييز فقط، إحداهما في دمشق، والأخرى في بيروت لتحلّا محلّ محكمة التّمييز السّابقة في استنبول. وتبع محكمة تمييز بيروت محكمة استئناف اللّاذقيّة، أمّا محكمة تمييز دمشق فقد تبعها محاكم استئناف دمشق، وحلب، ودير الزّور، والسّويداء. وبذلك وجد في البلدان الخاضعة للانتداب ستّ محاكم استئناف لكلّ منها غرفتان جنائيّة، ومدنيّة، واستثناء، كما أقيمت محكمة جنايات في سنجق إسكندرون، ومقرّها أنطاكية.
وجد حينها في سوريّة ١٠ محاكم بداية، و٢٩ محكمة صلح، وكان في صنجق إسكندرون محكمتا بداية، و٨ محاكم صلح، وفي دولة العلويّين محكمتا بداية، و٣
محاكم صلح. كانت المحاكم البدائيّة في طرابلس، واللّاذقيّة تقوم بوظيفة محكمة الاستئناف بالنّسبة للقضايا المدنيّة، والجنح، وبعض القضايا الجنائيّة الآتية من محاكم أخرى. وقد شغل هذه الملاكات موظّفون غير متخصّصين، أو من ضعيفي الثّقافة. وروعي في توزيع المحاكم موضوع الدّيانات، والشّعائر الدّينيّة. ويبدو أنّ عدد المحاكم كان مرتفعًا بالنّسبة لأهمّيّة هذه البلدان، وعدد سكانها، ولم يكن هذا الخلل الوحيد في النّظام القضائيّ السّوريّ خلال الانتداب الفرنسيّ. حيث وجد صعوبة أخرى مليئة بالأخطار ناجمة عن وجود محكمتيّ تمييز لمجموع الأراضي الخاضعة للانتداب، أدّت إلى قيام ثنائيّة في التّشريع ممّا شكّل خطرًا مزمنًا، ودائمًا بالنّسبة لبلد مضطرّ لوجود وحدة تشريعيّة أكثر فائدة، وإذا قامت فإنّ ذلك قد ينعكس سلبًا على الحياة الاقتصاديّة، والاجتماعيّة، إلى جانب الحواجز السّياسيّة القاتلة. وكقاعدة عامّة فإنّ القضاء المدنيّ عالج جميع القضايا الّتي لا ترجع إلى القضاء الدّينيّ، أو القضاء القنصليّ، الّذي حلّ محلّه في ظلّ الانتداب الفرنسيّ نظام جديد على ما يشبه المحاكم المختلطة في مصر.
في إعلان لندن الصّادر في ٢٤ تموز ١٩٢٤م، نصّت المادّة الخامسة فيه أنّ صلاحيّة الانتداب على بلاد انتزعت من السّلطنة العثمانيّة سيؤدّي إلى تعطيل الامتيازات. وأكّدت تلك المادّة من صكّ الانتداب، بأنّ «إعفاء الأجانب من الأمور الواجبة، وتمتّعهم بالامتيازات الأجنبيّة، وبالقضاء القنصليّ، وحمايته الّتي كانوا يتمتّعون بها أيّام الدّولة العثمانيّة لا تطبق في سوريّة ولبنان، غير أنّ محاكم القنصليّات الأجنبيّة تستمرّ بالقيام بوظيفتها إلى أن يتمّ تنفيذ النّظام الجديد المنصوص عليه بالمادّة السّادسة الّتي تنصّ «على أن تضع الحكومة المنتدبة في سوريّة، ولبنان نظامًا قضائيًّا يصون حقوق الأجانب، والمواطنين. وقد صدر قرار من المفوّض السامي برقم ٢٢٢٦ تاريخ ١٣ تشرين أوّل ١٩٢٣م المتضمن إلغاء الامتيازات في سوريّة ولبنان قانونيًّا بدءًا من أوّل كانون الثاني
١٩٢٤م. وبهذا التاريخ يبدأ عمل النظام الجديد».
لقد أتاح احتلال سوريّة من قبل دولة أجنبية غربية على غرار ما حدث في المغرب وتونس إلغاء الامتيازات واستبدالها بنظام عملي يحقق احترام كرامة الدول المحتلة. وكان المهم تنظيم جهاز قضائي جديد يقدم للأجانب ضمانات تساوي الضمانات التي كانت تمنحهم إياها السلطات القضائيّة القنصليّة. ومنذ عام ١٩٢١م كان قد أعد لبلوغ هذا الهدف بعض المشاريع التي لم تسمح الظروف بتطبيقها، واستؤنفت الأعمال في نهاية عام ١٩٢٢م إلى عام ١٩٢٣م، وأسفرت عن القرارات ٢٩٢٨، و٢٠٢٩، و٢٠٣٠ المؤرّخة في ٧ تموز ١٩٢٣م، والّتي حدّدت تشكيل سلطات قضائيّة للفصل في قضايا الأجانب.
وسبق النّظام الّذي تمّ إنشاؤه محاولة أكثر جرأةً، أثمرت عن القرار رقم ١١٠٩ تاريخ ١٦ تشرين الثّاني ١٩٢١م. وهو نتيجة لعمل لجنة وزارة الخارجيّة الفرنسيّة الّتي اقترحت إعداد قوانين جديدة يمكن تطبيقها على الأجانب، وأوصت بإخراج كلّ قضيّة مختلطة «سوريّة وأجنبيّة». من اختصاص القضاء السّوريّ، ووضعها بكاملها بين أيدي محاكم خاصّة لتنظر فيها تحت إشراف سلطة المفوّض السّامي حصرًا «باسم القانون، وبأمر المفوّض السّامي». هكذا كانت الصّيغة التّنفيذيّة الّتي يجب أن يـأخذها الحكم الصّادر. وكان عمل هذه المحاكم، وتعيين القضاة يعودان إلى المفوّض السّامي كما نصّت المادّة ١٣ من القرار ١١٠٩ . ويتسلّم القضاة، والمستشارين تعويضاتهم حصرًا
من ميزانيّة المفوضيّة السّاميّة. وباختصار كان هذا النّظام القضائيّ بكامله خارج نطاق السّيادة السّوريّة. وكان المفوّض السّامي كما حدّدت المادّة ١٣ من هذا القرار هو المرجع الوحيد لهذه المحاكم، ولقضاتها، ولمعاونيها.
أوضحت المادّة (١) للفقرة ٦ من القرار ٢٥٢٣ أنّ الشّروط الّتي يقوم ضمنها القضاة الفرنسيّون برؤية الدّعاوي الّتي هي من صلاحيّاتهم، مثل تعيين الجلسات، واللّوائح، والتّنظيم الدّاخليّ للنّيابة، ودائرة الاستنطاق، وأقلام الدّعاوي، ودائرة الإجراء ينظمونها هم بأنفسهم وفقًا لاحتياجات المصلحة، وجاء بالفقرة ذاتها في ما يتعلّق بصلة النّائب العامّ مع ضبّاط البوليس، بأنّ النّائب العام الفرنسيّ هو وحده حائز على كامل الصّلاحيّة النّاجمة عن منصبه وفقًا للقانون. لكن هذا النّظام المستوحى من المحاكم المختلطة لم يطبق، وكان لا بدّ من انتظار عامين على صدور النّظام الجديد الّذي صدر في تموز ١٩٢٣م، وهذا النّظام شأنه شأن ذلك المطبق في فلسطين، يضع السّلطات القضائيّة الّتي تفصل في قضايا الأجانب تحت السّيادة المحلّيّة، ثمّ صدور القرار رقم ٢٣٤٤ في ١٩ كانون أوّل ١٩٢٣م الّذي عدَّ القرارات السّابقة داخلة في طور التّنفيذ ابتداء من أول شباط ١٩٢٤.
«إنَّ محاكم البداية في حلب، ودمشق، واللّاذقية، ومحاكم الاستئناف في حلب، ودمشق، ومحكمة التّمييز في دولة سوريّة، عندما تعرض عليها قضيّة مدنيّة إداريّة، أو تجاريّة، أو جزائيّة، يكون أحد أطرافها مهمًّا، ووضعه القانوني في الدّعوى من جنسيّة أجنبيّة، يرأس هذه المحكمة قاضٍ فرنسي، ويمكن أن يشغل مركز النّائب العامّ في القضايا نفسها فرنسي أيضًا. ويمكن أن يفوّض النّائب العام الفرنسي أحد معاونيه من السّوريّين»، ويقوم بالتّحقيق في هذه المحاكم مستنطق فرنسيّ. وهذه القاعدة لا استثناء
لها إلّا في الأحوال الشّخصيّة الإسلاميّة حتّى ولو كان أحد الأطراف أجنبيًّا -إذ اعتبروا كلّ من هو غير سوريّ، أو لبنانيّ أجنبيًا بما فيهم العرب- وأن تتألّف المحكمة من أكثريّة القضاة الفرنسيّين، وأن تُستأنف المحكمة وفقًا لهذا الطّلب بالنّسبة لهذه القضيّة من رئيس فرنسي، وقاضٍ فرنسي، وآخر سوري. وحتّى القضايا التّابعة لاختصاص قضاة الصّلح في دائرة اختصاصات دمشق، وحلب، وبيروت، واللّاذقيّة فقط تكون المحكمة برئاسة قاضٍ فرنسي. وتوسعت صلاحيّات هذه المحاكم الأجنبيّة، أو المختلطة بموجب القرارات المذكورة أعلاه، وغيرها الصّادرة عن المفوّض السّامي لتشمل الشّركات المغفلّة، والدّعاوي المتعلّقة بسكّة حديد الحجاز، والدّعاوي المقامة على موظّفي الشّرطة، والأمن العام، والجرائم الّتي تُخلّ بالنّظام العامّ، والدّعاوي الّتي تقام على الحرّاس القضائيّين كذلك الدّعاوي المتعلّقة بالأسلحة، والذّخائر الحربيّة، ومخالفات نظام مراقبة القطع، وقضايا الجنسيّة. وتقرّر أن تشكّل هذه المحاكم جزءًا عضويًّا من النّظام القضائيّ العام في البلاد، وأن يكون القضاة الفرنسيّون بمنزلة موظّفين في الدّولة المحلّيّة، وأن يطبّق ترتيب هذه البنود بحسب وجودهم في فرنسا، وانعقدت المحاكم الجديدة للمرّة الأولى في آذار ١٩٢٤م. لأنّ هذه المحاكم النّاظرة في قضايا الأجانب كانت تُعدّ جزءًا من المحاكم السّوريّة، وكذلك قضاتها سوريّون، ويكلّفون بأعمالهم من قبل الحكومة السّوريّة، ويتقاضون رواتبهم من الخزينة السّوريّة. وهم يطبّقون القوانين الّتي تطبقها المحاكم السّوريّة، ويقسمون اليمين الّتي يقسمها القضاة السّوريّين، غير أنّهم لا يتناولون الشّؤون الّتي هي من اختصاص المحاكم الشّرعيّة. وكانت الفرنسيّة لغة هذه المحاكم لجهل القائمين عليها باللّغة العربيّة. وكثيرًا ما بالغ القضاة الفرنسيّون في تجاوز حدودهم في الاختصاصات، والصّلاحيّات الممنوحة لهم خارج إطار مهمّتهم القضائيّة. وتوضح المادّة الرّابعة من الفقرة الثّانية بشكل محدّد لا يدع مجالًا للشّكّ أنّ
«القضاة الفرنسيّون مكلّفون أيضًا بمهام التّفتيش على السّلطات القضائيّة السّوريّة». وبما أنّ القاضي السّوري مضطرّ للحفاظ على وظيفته، فكان لا بدّ له من الخضوع لنفوذ القضاة الفرنسيّين؛ وبذلك فإنّ دور القضاة السّوريّين لم يتعدّ دور الشّكل فقط.
يتّضح ممّا سبق أنّ المحاكم المختلطة النّاظرة في القضايا الأجنبيّة قد قامت مقام المحاكم القنصليّة، ومحاكم التّجارة الأجنبيّة أيّام الدّولة العثمانيّة، وألغيت الامتيازات الأجنبيّة عقب تأسيس المحاكم المختلطة المذكورة. وهذه الامتيازات الأجنبيّة لم تتمتّع بها إلاّ دول قليلة، وتتناول جميع الشّركات المغفّلة، وأصبح كلّ من له مصلحة في نقل قضيّته من المحاكم السّوريّة إلى المحاكم المختلطة يتواطأ هو وأحد النّكرات من الأجانب، فيدّعي بهتانًا بأنّ له مصلحة في تلك القضيّة، فتنتقل إلى المحكمة المختلطة اضطراريًّا. وكان المفوّض السّامي هو الّذي يضع قرارات تشريعيّة تحدّد أقصى العقوبات على الجرائم السّياسيّة لتطبقها المحاكم المختلطة بالرّوح الّتي تساير غاية المفوّض السّامي. وبخاصة أنّ المحاكم المختلطة في سوريّة مؤلّفة من أكثريّة فرنسيّة، والمفوضيّة الفرنسيّة العليا هي الّتي تنتخب هؤلاء القضاة، وتقدّمهم إلى الدّولة السّوريّة.
عمل القضاة الفرنسيّون بالتّفتيش، والتّدقيق على المحامين، والقضاة السّوريّين، ومراقبة أعضاء محاكم الصّلح، ومحاكم البداية، ومحاكم الاستئناف، وغيرها، حتّى وإن لم يكن فيها ما يخصّ الأجانب. ونصّت المادّة الرّابعة عشر من تعديلات «المجالس العدليّة» على أن «يقوم بتفتيش العدليّة مفتّش فرنسيّ عامّ يساعده ثلاثة مفتّشين أحدهم سوري، والاثنان فرنسيّان، ويجري مفتّش العدليّة العام، ومعاونوه جميع التّحقيقات
وفقًا للقوانين، والأنظمة المتعلّقة بالتّفتيش، ويحقّ للمفتّش العامّ عند اللّزوم أن ينيب عنه قاضيًا بدرجةٍ أعلى من درجة القاضي الجاري التّفتيش عليه، ويجب أن تتألّف المجالس التّأديبيّة، ولجان التّرقية من قضاة فرنسا».
وفي قرار خاصّ بدولة سوريّة بشأن سلطات «المستشارين الإداريّين» الّذي نشره رئيس الاتّحاد السّوري برقم ٤١١ تاريخ ١٣ تموز ١٩٢٢م، والمادّة ٣ من النّصّ العربي تعلن: أن «يراقب مستشار القضاء، والمحاكم بهدف تسريع تنفيذ القرارات، والأحكام الصّادرة، وضمان هذا التّنفيذ مع احترام استقلالها، وعلى السّلطات أن تضع تحت تصرّفها المستندات الّتي تطلبها ما عدا المستندات الأصليّة، ويمكن للمستشارين الإداريّين كما جاء في المادّة الرّابعة من القرار ٢٠٢٨ أن تجعل من اختصاصهم تفتيش المحاكم السّوريّة. فهذا النّقل السّريّ للسّلطة كان محدّدًا بالضّرورة في المراكز حيث يوجد القضاة الفرنسيّون، وفي دوائر المحاكم الابتدائيّة، أو محاكم الدّرجة الأولى، ومحاكم الصّلح غير المزودة بالقضاة الفرنسيّين، فإنّ ضبّاط الاستخبارات، والمستشار الإداري يمارسون القضاء في الواقع، كما كان في الماضي، وهو نوع من القضاء الإقطاعيّ، ويتمّ بوساطة قضاة من دوائرهم. فاختصاص القضاة الفرنسيّين بهذا الشّكل لم يعد تفتيشًا بل ديكتاتوريّة قضائيّة لا ترحم، ولم يظهر في الواقع أيّ تفسير لما أقدم عليه قضاة الانتداب وطبقوه بل اكتفوا في أغلب الأحيان -وهذا دأبهم دائمًا- بالتلويح بسلطتهم السرية على الموظفين السوريين وعلى من يحيط بهم. فقانون المحاكم الذي أوجده الفرنسيون كما يصفه البطريرك بولس مسعد «هو اختصاص قضائي جديد يوسع نطاق الامتيازات إلى حدّ لا يتّفق مع استقلال البلاد».
سعت سلطات الانتداب للسيطرة على شؤون الأوقاف الإسلاميّة، وتحكمت بجانبيها الإداري والقضائي بالاستناد إلى المادة ٦ من صك الانتداب. وفي آذار ١٩٢١م صدر القرار ٧٥٣، ونصت المادة ١ منه على إنشاء لجنة مراقبة عامة على الأوقاف الإسلاميّة في جميع المناطق السّوريّة الخاضعة للانتداب. وتمّ ربط إدارة الأوقاف المحلّيّة مباشرة بمراقب الأوقاف العام. وحصر اتّخاذ القرارات المعنيّة بإدارة الأوقاف بالسّلطات الفرنسيّة. وبموجب المادّة ٢ من القرار ذاته، ارتبطت المراقبة العامّة مباشرة بالمفوّض السّامي، أو مندوبه الخاصّ، ومقرّ اللّجنة بيروت، والمؤلّفة من مجلس أعلى يرأسه قاضٍ في المحاكم الشّرعيّة في بيروت، ودمشق، وحلب، واللّاذقيّة، ومندوب عن كلّ من هذه المدن، ومندوب عن المسيحيّين، بوجود المراقب العامّ. وهذا المجلس هو الهيئة العليا للحكم الشّرعيّ، الّذي يدرس التّعديلات المهمّة، واللّازم إدخالها، والأنظمة الخاصّة بالأوقاف الإسلاميّة، ويتّخذ القرارات المعنيّة بالتّفسيرات الشّرعيّة، أو بخصوص القضايا الإداريّة المتعلّقة بالأوقاف، ويوجّه المديرين المحليّين، ومسؤولي الأوقاف العامّة، أو الخاصّة.
وشمل القرار ٣٥٧ مراكز السّناجق، وبقيت إدارة الأوقاف في القضاء كما كانت من قبل. وفي عام ١٩٢٢م أصبحت كلّ قرارات اللّجنة الإداريّة في القضاء خاضعةً لمصادقة المراقب العامّ، وقسّمت إدارة الأوقاف إلى أربع فئات:
1. الأوقاف المضبوطة، وتديرها مجالس مسؤولة تساعدها في ذلك دائرة الأوقاف.
2. الأوقاف الملحقة، وتدار مباشرة من قبل متولٍّ، ويوضع تحت رقابة إدارة الأوقاف.
3. الأوقاف المدورة، وتدخل في إدارة الدّول، ولا تشملها المراقبة.
4. الأوقاف المستثناة، وينتفع منها متوّلّون خاصون، وتراقب من إدارة الأوقاف فقط.
وبهذا سيطرت سلطة الانتداب على إدارة الأوقاف عن طريق الإشراف عليها، وعلى ماليّتها، وحوّلتها إلى أداة لخدمة أغراضها. لأنّه لم يكن يعيّن في مناصب إدارة الأوقاف العليا، ويستفيد من خيراتها إلّا من سار في ركاب الانتداب.
لم يرض الشّعب السّوري عن سياسة الفرنسيّين في تأسيس المحاكم النّاظرة في القضايا الأجنبيّة وغيرها...، وعدّ ذلك طعنة موجّهة إلى القضاء السّوري، ولهذا احتجّت نقابة المحامين، وأضربت عن الدّفاع أمام تلك المحاكم مدّة طويلة، ثمّ قرّرت أن تضرب بضعة أيّام في كلّ سنة، ولتثبت تنفيذ قرارها حافظت على موقفها هذا إلى آخر أيّام الانتداب.
ونظّمت السّلطات الفرنسيّة محاكمات مخصّصة ضدّ القوى الوطنيّة الثّائرة لتصدر أحكامها اللّاشرعيّة، واللّاقانونيّة بحقّ الأحرار، فقد نصّبت المفوضيّة العليا عدّة مرّات، وفي مناسبات شتّى محاكم استثنائيّة للنّظر في شؤون جزائيّة كشؤون الثّورة السّوريّة، وغيرها، وكانت الأكثريّة في هذه المحاكم فرنسيّة دائمًا. وباندلاع الثّورة السّوريّة الكبرى عام ١٩٢٥م رأت سلطات الانتداب ضرورة إنشاء محاكم خاصّة مكرّسة للقمع السّريع للجرائم المتعلّقة بالثّورات، والعصيان. ففي أيلول ١٩٢٥م أحدثت سلطة الانتداب محكمة وطنيّة أسمتها المحكمة الاستثنائيّة، وكلّفت الحكومة السّوريّة بوضع النّصوص، وإصدار قرار تشكّلها، فأصدر رئيس الدّولة السّوريّة حينها صبحي بركات قرار تشكيلها. ونصّت المادّة ١ على «إحداث محكمة استثنائيّة باسم «محكمة فوق العادة» تنظر في جنايات القتل، وفي جميع الجرائم المنصوص عليها في الفصلين الأوّل، والثّاني من الباب الأوّل من قانون الجزاء، وفي غيرها من الجرائم الّتي تعتبر برأي الوزراء متعلّقة بسلامة الدّولة، وتتألّف هذه المحكمة من رئيس، وأربعة أعضاء يعيَّنون بقرار خاصّ، ويقوم بوظيفة الادّعاء العام لدى هذه المحكمة ضابط من كبار ضبّاط الدّرك».
ونصّت المادة ٣ على أن يعيّن أحد ضبّاط الدّرك خصّيصًا للقيام بوظيفة الاستنطاق، ونصّت المادّة ٧ أنّ قرارات هذه المحكمة تصدر من قبل الحكّام الخمسة، أو بأكثر من ثلاثة أصوات على الأقلّ، وهذه القرارات قطعيّة. وكان أعضاء المحكمة جميعهم من السّوريّين، وقد وقف هؤلاء في هذه الظّروف الاستثنائيّة موقفًا مشرّفًا، وانصاعوا لضميرهم الوطنيّ؛ فأصدروا أحكامًا مخفّفة للغاية لم ترض سلطات الانتداب. ولهذا لجأت السّلطات الفرنسيّة إلى تعديل تشكيل المحكمة الاستثنائيّة، وألغيت تسميتها ليصبح التّشكيل الجديد لها باسم «المجلس العدلي»، ولم يلجأ المفوّض السّامي الّذي يملك صلاحيّات التّشريع إلى الحكومة السّوريّة لتعديل القرار السّابق، وإنّما عدّله بنفسه بالقرار رقم ٢٨ تاريخ ٢٤ كانون أوّل ١٩٢٥م، فجعل اثنين من قضاته فرنسيّين، أحدهما رئيس المجلس، وثلاثة قضاة سوريّين، ويقوم المدّعي العامّ الفرنسيّ لدى محكمة الاستئناف في دمشق بوظيفة الادّعاء، كما يكلّف قاضيًا فرنسيًّا بالتّحقيق.
ومع تصاعد الثّورات، أخذ الفرنسيّون يتخبّطون في أحكامهم نظرًا إلى التّطوّرات العسكريّة، والسّياسيّة الّتي كانت تتلاحق ضدّ السّلطات الفرنسيّة، وضد الانتداب، وخير مثال على ذلك قرار المجلس العدلي الصّادر بتاريخ ١٩ آب ١٩٢٦م بالحكم غيابيًّا على جودة اللّحام، وخيرو الحمصي، وسعدو الخراط، وعلى بقيّة المتظاهرين. فضلًا عن سياسة القمع، وخنق الحرّيّات، ففي ١٣ شباط ١٩٣٦م أبلغت السّلطة الفرنسيّة جرائد القبس، والشّعب في دمشق، والجهاد، والاتّحاد في حلب. إلى جانب أحكام قمعيّة عديدة. وكانت سلطات الانتداب الفرنسيّة تقتل الأسرى من الثّوّار بدون محاكمة، كالحكم الصّادر في ٢٥ آيار ١٩٢٧م على نظير النّشواتي، وخيرو الشّهلا، وهذا باعتراف صريح من قضاة المجلس العدليّ الفرنسيّ أنفسهم ممّا حدا بقضاة المجلس العدليّ الفرنسيّين أن يطلقوا لقب “باستيل دمشق” على السّجن الّذي يُعتقل به المواطنون الثّوار، وكانت السّلطات العسكريّة الفرنسيّة قد استأجرت قبوًا في حارة الشّرابي إلى جوار بناء
البلديّة القديم في ساحة المرجة، وجعلوا منها باستيلًا حقيقيًّا، كذلك كانت قلعة دمشق سجناً عامًّا لموقوفي، ومحكومي المحاكم، والسّلطات المدنيّة، والعسكريّة العاديّة، والاستثنائيّة قبل إنشاء سجن المزّة العسكري من قبل الفرنسيّين، وكم من مذابح ارتكبت في القلعة على أيدي رجال الانتداب. بدليل اكتشاف غرفة مهجورة موصدة الأبواب بعد جلاء الفرنسيّين في ١٦ نيسان ١٩٤٦م، وهذه الغرفة مليئة بعظام بشريّة. كلّ ذلك باسم الانتداب الّذي كانت تعتز به فرنسا، وتقتل المواطنين الثّوّار من دون أن يحالوا إلى المحكمة خلافًا لقوانين الحرب. وبذلك يتّضح؛ أنّ الدّول الاستعماريّة لن تحتاج إلى الذّرائع للقيام بأعمالها الاستعماريّة العدوانيّة، وبخاصّة فرنسا، بل إنّها كثيرًا ما خلقت هذه الذّرائع لتحقّق أهدافها، ومطامعها.
وبالمقابل تكلّف الفرنسيّون خسائر جسيمة، بحسب تصريحات الجنرال فيجان عام ١٩٢٤م أنّه بلغ عدد القتلى من الفرنسيّين بين مرعش، وأورفا، وجبل الزّاوية، وجبل الدّروز، وميسلون، والغوطة، والقلمون، وغيرها في سوريّة ما يقرب من ٩٠٠٠ جندي، و٢٥٠ ضابطًا منهم برتبة كولونيل، وقومندان عدا عن الجرحى، والمشوّهين ذوي العاهات الدّائمة. وصرّح الجنرال ساراي أنّه نشب في سوريّة وحدها خمس وثلاثون ثورة، وهو ما صرّحت به البلاغات الرّسميّة الّتي نشرت في صحف بيروت حينها. قد أدّت تلك الظّروف مجتمعة إلى التّحوّل في سياسة المفوّض السّامي، واتّجاه وزارة الخارجيّة الفرنسيّة نحو التّفاهم على أساس إنهاء الانتداب، وعقد معاهدة في عام ١٩٣٣م، والاعتراف بالوحدة السّوريّة، وإعادة الأحرار الوطنيّين المبعدين، والعفو الشّامل عن جميع السّياسيّين، وإجراء انتخابات حرّة، وإعادة الحكم النّيابي الدّستوريّ، وتنفيذ أحكام المعاهدة، واعتبارها سارية المفعول منذ تصديقها من المجلس النّيابيّ السّوريّ.
ولم يتوقّف النّضال الوطنيّ الحثيث، رغم الصّعوبات الحياتيّة، والظّروف الدّوليّة الضّاغطة في ظلّ أزمة اقتصاديّة-سياسيّة عالميّة استمرّت منذ نهاية العشرينيّات إلى النّصف الأوّل من ثلاثينيّات القرن العشرين، كان لها تأثيرها السّلبي على الأوضاع السّوريّة عامّة،
ممّا انعكس على الكثير من جوانب القضاء، وهذا ما يؤكّد قول وزير العدل آنذاك في الحكومة السّوريّة عبد الرّحمن كيالي أنّه «إن لم يصلح القضاء لا يصلح شأن الحكومة، وإذا لم يصلح شأن الحكومة تفقد الأمّة العدل الّذي ترجوه من الحاكم، وبفقدان العدل يهلك الرّاعي والرّعيّة».
وكان من أهمّ الإجراءات الإصلاحيّة القضائيّة قبيل الاستقلال؛ السّعي إلى الخلاص من القيود الّتي وضعتها سلطة الانتداب أمام المؤسّسة القضائيّة لتسخير الكثير من إجراءاتها في خدمة مصالح الدولة المستعمرة، تحت عناوين التحديث والتطوير، وهو ما دفع وزارة العدل الوطنيّة، للإصلاح وإعادة الروح الوطنية لسلطة القضاء بعد عقد معاهدة ١٩٣٦، وما تضمنته من إقرار بمنح سوريّة استقلالها، وبخاصة مع ظروف اقتراب الحرب العالمية الثانية.
وكان من أهم الخطوات الإصلاحية التي اتخذها وزير العدل السوري عام ١٩٣٨م، دراسة أحوال القضاء عامة؛ وفق قانون التصنيف ومن خلال لجنة من خمسة قضاة ممن هم على دراية بأحوال إخوانهم القضاة ولهم اتصال وثيق عن طريق الإدارة أو التفتيش أو الأحكام. فأصبح تعيين القضاة مقيّدًا بالقانون تمامًا، وفسح المجال أمام القضاة الكفء ليرتقوا بعملهم، ومناصبهم على قدر عطائهم، واستيفائهم الشّروط اللّازمة، كما لم تتقيّد الوزارة في تعيناتها بحزب، أو سياسة مهما كان شأنها حرصًا على أن يكون العهد الوطني محقّقًا استقلال القضاء، ووطنيّته. ورفعت الحصانة عن القضاة للمصلحة العامّة، وتمّ مراقبة سير المحاكم، والحكّام، بوجود مفتّشين، ومحقّقين أكْفاء كلّما اقتضت الحاجة. كما تمّ توحيد المعاملات من قانونيّة، وجزائيّة في سائر أنحاء سوريّة. ولا شكّ بأنّ خطوات الإصلاح القضائيّ ستستمر بعد جلاء المستعمر، وبخاصة أنّ الكثير من المؤشّرات النّضاليّة المحلّيّة، والسّياسيّة الدّوليّة تنيئ باقتراب الاستقلال.
يعدّ القضاء الحارس الطّبيعيّ للحرّيّات، ولا يمكن لجهاز القضاء أن يؤدّي رسالته في صيانة الحرّيّات إلّا في ظلّ نظام قانونيّ يحترم استقلاليّته، وبالمقابل لا يمكن ضمان نظام قانونيّ يحترم استقلاليّة القضاء إلّا في ظلّ دولة تحترم القانون. وبالاستناد إلى أهمّيّة القضاء، ودوره في احترام حرّيّات الشّعوب، وسيادة العدالة المنبثقة من نظام سياسيّ يحترم القانون، فقد توصّل البحث إلى النّتائج التّالية:
يشكّل القضاء بتشريعاته، وقراراته كافّة، وتطبيقها الموضوعيّ، مرآة حقيقيّة عن واقع الدّول، وقوّة سلطتها، أو ضعفها من خلال ميزان العدالة الّذي يطبق على الجميع بعيدًا من أيّ تحيّز، أو مواربة في إصدار الأحكام.
إنّ اختراق الدّول الأوروبيّة في القرن التّاسع عشر نظام الدّولة العثمانيّة، وبخاصّة المؤسّسة القضائيّة، تحت شعار الامتيازات، والإصلاحات، والتّنظيمات، وصدور خطّ كلخانة ١٨٣٩م ثمّ خطّ همايون ١٨٥٦م، أدّيا إلى الجرأة بالخروج من الالتزام بالنّصّ القانونيّ الدّينيّ الإسلاميّ بما حدث من تغيير في القوانين القضائيّة، وإدخال بعض التّشريعات، والأحكام الوضعيّة، بما فيها قانون الأوقاف، والسّعي إلى المساواة بالأحكام بين جميع الرّعايا المسلمين، والملل الأخرى الّذين تحكمهم الدّولة العثمانيّة، وإنشاء محاكم، وتشريعات قضائيّة لخدمة الأجانب، وتسيير أحكامهم بما يتّفق، والمصالح الذّاتيّة.
إنّ احتياج الشّعوب الأضعف لمساندة الدّول الأقوى عسكريًّا، وحضاريًّا لا يعني فرض القوانين اللّاإنسانيّة، لأنّ منجزات الحضارة هي ملك الجميع بنتاج حواراتها، وتمازجها، وليس باستغلال جهد أبنائها، وموارد عيشهم، وهذا ما لا يتّفق ونصّ ميثاق الأمم المتّحدة في مادّته الأولى بأنّ «هيئة الأمم المتّحدة تعمل على احترام حقوق الإنسان، والحرّيّات الأساس للنّاس بلا تمييز في الجنس، أو اللّغة، أو الدّين، وبلا تفريق بين الرّجال والنّساء. وعلى الأقاليم غير المتمتّعة بالحكم الذّاتيّ، وعلى نظام الوصاية».
فرضت فرنسا ديكتاتوريتها على القضاء السّوريّ، بما أصدرته من أحكام قمعيّة لا تمتّ إلى العدالة بشيء، فأصدرت أحكامها القمعيّة على الثّوّار، والمناضلين كافّة، بعيدة كلّ البعد عن العدالة في الحكم، وحرّيّة الرّأي سواء باختيار ممثّليهم في المجالس النّيابيّة، أو الأخذ برأيهم في إقرار الدّستور الّذي يناسبهم، بل خالفت بسياستها تلك القوانين الدّوليّة، وبخاصة نظام الانتداب الّذي أقرّته عصبة الأمم، ونصّبت نفسها حاكمًا فردًا بكلّ جبروته، وديكتاتوريّته على البلاد، والشّعب.
عملت فرنسا خلال الانتداب على تطويع القضاء، والتّشريعات، والقوانين بما يخدم سياسة تجزئة البلاد، وتفتيت البنية الاجتماعيّة السّوريّة، وتنصيب حكّام، وإداريّين محلّيّين، أو أجانب ملتزمين بتنفيذ سياستها. وسيطرت على مؤسّسة القضاء بمحاكمها كافّة، وكثرة موظّفيها، وعملائها الّذين أولتهم وظائف، ومهمّات تنفيذيّة بما فيها التّشريعات الإسلاميّة، والسّيطرة على الأوقاف، ومواردها.
عدم قبول الشّعب السّوري وجود أيّ قوّة خارجيّة تتحكّم بمصيره، وتسرق موارده، وقوت أبنائه، منذ أن وطأت جيوش الاحتلال السّاحل السّوري ١٩١٨م، واستمرّت المعارك، والتّضحيات رغم سياسة القمع، والقتل، والتّدمير، فكانت الثّورة السّوريّة الكبرى منذ إقرار تنفيذ نظام الانتداب. واستمرّت إلى أن وصلت إلى معارك الاستقلال -معركة البرلمان- بجولاتها ١٩٤١م و١٩٤٣م وصولًا إلى قرار الأمم المتّحدة بإجلاء الجيش الفرنسيّ عن الأراضيّ السّوريّة عام ١٩٤٥م.
أمّا الأهمّ في مجريات الأحداث التّاريخيّة بما تحمله من سلبيّات، وإيجابيّات، أن تمتلك الشّعوب، المستهدفة من قبل القوى العظمى، ما يكفي من الوعي التّاريخيّ لحقوقها بمختلف جوانب حياتها، وبخاصة تطبيق أحكام العدالة لكي ينال كلّ ذي حقّ حقّه فيما يملكه، وعدم فسح المجال للسّيطرة عليها. ولا بدّ من الوعي، والفهم بأنّه مهما بلغت إيجابيّة القرارات، والقوانين المستحدثة الصّادرة عن السّلطات الاستعماريّة فهي مسخرة في خدمة مصالح المستعمِر ذاته، وليست في مصالح الشّعوب المستعمَرة، وبلدانها.
1.الأرمنازي، نجيب، سوريّة من الاحتلال حتى الجلاء، بيروت - دار الكتاب الجديد، ١٩٧٣م.
2.اسماعيل، حكمت، نظام الانتداب الفرنسي على سوريّة (١٩٢٠-١٩٢٨م)، بحث في تاريخ سوريّة الحديث من خلال الوثائق، دمشق: دار طلاس، ١٩٩٨م.
3.البشري، طارق، المسألة القانونية بين الشريعة والقانون الوضعي في التراث وتحديات العصر، بيروت: مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٥م.
4.حسون، علي، تاريخ الدولة العثمانية، بيروت: المكتب الإسلامي للطباعة والنشر، ٢٠١٢م.
5.الحصري، ساطع، أراء وأحاديث في التاريخ والاجتماع، القاهرة: مؤسّسة هنداوي، ١٩٥١م.
6.الحكيم، يوسف، سوريّة والعهد العثماني، ط٢، بيروت - دار النهار، ١٩٨٠م.
7.دائرة المعارف الإسلامية، «تنظيمات»، دائرة المعارف الإسلامية، مجلد ٧، بيروت: دار المعارف، ١٩٣٣م.
8.رباط، إدمون، التطوّر السياسي لسوريّة في ظلّ الانتداب والكتاب الذي أصدرته المفوضية السامية الفرنسيّة من (١٩١٩-١٩٢٧م).
9.زيادة، نقولا، أبعاد التاريخ اللبناني، القاهرة: معهد البحوث والدراسات العربية، المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم، جامعة الدول العربية، ١٩٧٢م.
10.زين، نور الدين، الصراع الدولي في الشرق الأوسط وولادة دولتي سوريّة ولبنان، ط٢، بيروت: دار النهار، ١٩٧٧م.
11.السباعي، بدر الدين، أضواء على الرأسمال الأجنبي في سوريّة (١٨٥٠-١٩٥٨م)، دمشق: دار الجماهير، ١٩٦٧م.
12.سعيد، أمين، الثورة العربية الكبرى - المجلد الثالث: إمارة شرق الأردن وقضية فلسطين وسقوط الدولة الهاشمية وثورة الشام، مصر، ١٩٣٤م.
13.ـــــــــــــــــــ، تاريخ الاستعمارين الفرنسي والإيطالي في بلاد العرب، القاهرة، ١٩٣٦م.
14.سويد، ياسين، موسوعة تاريخ لبنان: التاريخ السياسي والعسكري من المتصرفية إلى الانتداب (١٩١٨-١٩٢٠م)، بيروت - دار نوبليس، ٢٠٠٤م.
15.سيد، محمد سيد، تاريخ الدولة العثمانية: النشأة والازدهار وفق المصادر العثمانية المعاصرة والدراسات التركية، مصر - مكتبة الآداب، ٢٠١٠م.
16.الشريف، منير، قضية الأرض في سوريّة، دمشق: منشورات وزارة الثقافة، ١٩٦١م.
17.الشهابي، مصطفى، محاضرات في الاستعمار، القاهرة: معهد الدراسات العربية، ١٩٥٦م.
18.ضاهر، مسعود، الجذور التاريخية للمسألة الطائفيّة اللبنانيّة (١٦٩٧-١٨٦١م)، بيروت: معهد الإنماء العربي، ١٩٨١م.
19.العزاوي، قيس جواد، الدولة العثمانية من الخلافة إلى الانقلابات (١٩٠٨-١٩١٣م) العراق، ١٩٩٨م.
20.علوان، عبد الكريم خضير، الوسيط في القانون الدولي العام، ط١، عمّان: دار الثقافة للنشر، ١٩٩٧م.
21.عياشي، غالب، الإيضاحات السياسية وأسرار الانتداب الفرنسي على سوريّة، بيروت: دار الأشقر، ١٩٥٤م.
22.القاسمي، ظافر، وثائق جديدة عن الثورة السوريّة الكبرى، بيروت: دار الكتاب الجديد، ١٩٦٥م.
23.قاسمية، خيرية، الحكومة العربية في دمشق (١٩١٨-١٩٢٠م) القاهرة: دار المعارف، ١٩٧١م.
24.كوثراني، وجيه، السلطة والمجتمع والعمل السياسي: من تاريخ الولاية العثمانية في بلاد الشام، ط١، بيروت - مركز دراسات الوحدة العربية، ١٩٨٨م.
25.الكيالي، عبد الرحمن، المراحل في الانتداب الفرنسي وفي نضالنا الوطني (١٩٣٦-١٩٣٩م)، حلب - مطبعة الضاد، ١٩٦٠م.
26.مخزوم، محمد، أزمة الفكر ومشكلات السلطة في المشرق العربي في عصر النهضة، بيروت: معهد الإنماء العربي، ١٩٨٦م.
27.مسعد، بولس، لبنان وسوريّة قبل الانتداب وبعده، المطبعة السوريّة، القاهرة، ١٩٢٩م.
28.المعلم، وليد، سوريّة (١٩١٨-١٩٥٨م) التحدّي والمواجهة، ط١، دمشق - مطبعة عكرمة، ١٩٨٥م.
29.ياسين، صبحي، الثورة العربية الكبرى في فلسطين، القاهرة: النادي الفلسطيني العربي، ٢٠١٣م.
1.الجريدة الرسميّة: بعض الأعداد الصادرة خلال العشرينيات.
2.جريدة العاصمة: بعض الأعداد الصادرة خلال العشرينيات.
3.الكثير من القرارات الفرنسيّة.
4.مراسيم الانتداب.
5.النشرة الرسميّة للأعمال الإدارية في المفوضية العليا: أعداد متفرقة في العشرينيات والثلاثينيات.
5.النشرة الرسميّة: بعض الأعداد الصادرة خلال الثلاثينيات والأربعينيات.
المراجع الأجنبيّة
1.FEBVRE, Lucien. «La Syrie et le Liban sous l’occupation et le mandat français», 1919-1927. “In Annales d’histoire économique et sociale”, 3ᵉ année, N. 9, 1931.
2.Great Britain Foreign Office. Correspondence Relating to the Affairs of Syria, Part 1, Harrison and Sons, 1861.
3.HOURANI, A. H. Syria and Lebanon: A Political Essay, Oxford University, London, 1954.
4.O’ZOUX, Raymon. Les États du Levant sous Mandat Français, Paris, 1931.
(680)