فهرس المحتويات

(1)
(2)
(3)
(4)

رسالة في الإرادة الإلهية­(*)

■ تأليف: الميرزا أبو القاسم بن الحسن الجيلاني المعروف بالميرزا القمي (ت 1231هـ).

■ ترجمة: هاشم مرتضى.

بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الذي جعل الكتاب والسنة منهاجاً لدينه، وفيهما محكمات ومتشابهات، وابتلى عباده بالأفكار المتساقطة والآراء المتضادّة، فيكون هلاكهم وحياتهم بالبراهين والبينات، والصلاة والسلام على الراسخين في العلم محمد وأهل بيته الذين خصّهم بمعرفة تأويل المتشابهات من كتابه لإزاحة الشكوك والشبهات، وعلى أصحابهم والعلماء التابعين لهم المقتبسين عنهم أنوار التأويل في أخبارهم المتشابهة ما دامت الأرض والسماوات.

أما بعد، فقد حرّرت هذه الكلمات نزولاً عند طلب بعض الأصحاب الذين زُيّنوا بالفطانة والشرف ودقة النظر وذكاء الفطرة؛ في معنى حديث رواه، وهو قوله: «أمر إبليس أن يسجد لآدم وما شاء أن يسجد، وإن شاء كيف لم يسجد».

[أقول]: إعلم بأنّي لا أتذكّر رؤيتي للحديث بهذه العبارة، نعم ما رواه ثقة                                                                         

(5)

الإسلام محمد بن يعقوب الكليني رحمه‌الله  في أصول الكافي هو هكذا: «علي بن إبراهيم، عن أبيه، عن علي بن معبد، عن واصل بن سليمان، عن عبد الله بن سنان، عن أبي عبد الله 7 قال: سمعته يقول: أمر الله ولم يشأ وشاء ولم يأمر، أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد ولو شاء لسجد، ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل»(1).

وتحقيق المقام موقوف على تمهيد مقدمات:

●  المقدمة الأولى:

معنى الإرادة والكراهة والمشيئة والاختيار.

إعلم أنّ بعض المعتزلة عرّفوا الإرادة بالميل إلى الفعل الناشئ من العلم بنفع ذلك الشيء لنفسه أو لغيره، وعرّفوا الكراهة بانقباض النفس عنه بسبب العلم بضرره.

وقد ذهب كثير من المعتزلة إلى أنّ الإرادة هي نفس اعتقاد النفع للمريد أو لغيره سواء على نحو اليقين أو الجزم، واعترضوا على أنّ هذا هل هو الداعي إلى الفعل أو الترك، وأنّ الداعي غير الإرادة. وأجابوا بأنّ الكلام إنّما هو في القادر التام للقدرة، ولا شك أنّ القادر التام القدرة؛ يكون نفس اعتقاد النفع؛ مخصِّصاً لاختيار الفعل أو الترك؛ لعدم وجود مانع له عن الفعل، وأمّا الميل ـ وهو أمر على حدة ـ فهو لمن ليست له القدرة التامة، كالشوق إلى المحبوب لمن لا يقدر أن يصل إليه.

والأظهر أنّ الميل مندرج في ماهية الإرادة، وقد يكون سبب إخراجه (عن التعريف) عند المعتزلة والمحقق الطوسي رحمه‌الله  وغيرهما، هو لحاظ الإرادة الإلهية التي لايتصوّر فيها الميل، وهذا لا يستدعي تفريغ الإرادة عن حقيقتها، إذ لا ضرورة في أن تكون الصفات الإلهية مثل صفات المخلوقين، فحال هذه الصفة كباقي الصفات مثل العلم حيث أنّ حقيقته ليست كعلمنا.

(6)

ولكنّ أهل اللغة يلاحظون في الوضع غالباً المعاني المتسالمة عند العرف، ولذا قال فخر المحققين في الإيضاح «النية حقيقة في الإرادة المقارنة ومجاز في القصد أعني الإرادة مطلقاً»(2)، حيث يفهم من كلامه عدم لزوم مقارنة الإرادة للفعل. وقال الشهيد رحمه‌الله في حاشية القواعد: «الأفضل مقارنة النية لطلوع الفجر بحيث يطابق آخرها أوله، وإذا عدمت فهي عزم لا نية».

أمّا الأشاعرة فإنهم لتجويزهم الترجيح بلا مرجح لا يشترطون في اختيار أحد الطرفين العلم بالنفع ولا الميل إليه، متمسكين بقدحي العطشان ورغيفي الجوعان وطريقي الهارب، وهذا مجانب للتحقيق، وما ادعوه من عدم وجود مرجح فيها مجرد افتراض، ويلزم وقوع الشيء عند افتراضه، وعليه فالإرادة عندهم مجهولة الحقيقة.

فنقول: يُعتبر في الإرادة عدّة أمور: الأوّل حصول العلم بالشيء، ثم اعتقاد نفعه، ثم التفكّر والتروّي في الاختيار أو عدم الاختيار، ثم الهمّة إلى اختياره، ثم الشوق إليه، ثم تأكّد الشوق إلى أن يصل إلى حدّ العزم، وتأتي بعده النيّة وهي القصد المقارن للفعل، وبعدها الفعل، وكذلك في الكراهة حيث تجري الضد لهذه الأمور.

أمّا المشيئة فقد وردت في اللغة بمعنى الإرادة، كما صُرّح به في الصحاح: «المشيئة هي الإرادة»، ولكن يظهر من الروايات وجود فرق بينهما، كما روي عن الإمام الرضا عليه‌السلام  رواية يُستفاد منها أنّ المشيئة هي قصد الفعل أو الترك مع تساوي النسبة، أما الإرادة فهي تعلّق القصد بخصوص الفعل أو الترك.

أمّا الاختيار فهو ترجيح الفعل أو الترك، فالاختيار يتوسط المشيئة والإرادة، لأنّ القصد يتوجّه في البداية إلى الفعل أو الترك، ثم يُرجّح أحدهما ثم يُعزم عليه.

وبما أنّ الإرادة بهذا المعنى المذكور تستحيل على الله تعالى فلابد أن يراد المعنى المجازي، ولذا قال متكلّمو الإمامية بأنّ إرادة الله تعالى هي نفس العلم بالأصلح ثم لا شيء بعدها سوى الإحداث والإيجاد(3). فذاته المقدّسة تكفي بصفاتها الكمالية الذاتية

(7)

في حصول الحوادث بدون طروّ أمر آخر في ذاته. فالإيجاد ـ عندما يكون وجوده مصلحةـ يقوم مقام تلك العوارض التي يقارن حصولها؛ تحقّقها في الإنسان. ولذا قال محدثو الإمامية أنّ الإرادة من صفات الفعل.

والحاصل أنّ الحق تعالى يريد بعين ذاته وجود أيّ خير ونفع، ولا يريد وجود أيّ شرّ، ولا يلزم التغيير في ذاته بسبب تفاوت الخير والشر بالنسبة إلى الأحوال والأوقات وإرادة شيء في وقت دون وقت آخر، وعلى سبيل المثال فإنّ خلق زيد يكون خيراً وصلاحاً في هذا اليوم ولم يكن كذلك قبل هذا، وكان الله قد أراد في الأزل أن يوجد في هذا اليوم.

ولأجل أن لا تتوهّم الأفهام القاصرة حصول تغيير في إرادة الله تعالى وعدمها بسبب تغيّر حال زيد في الوجود وعدمه، وكذلك لئلاّ يتوهّمون بسبب قصور فهمهم عن درك حقيقة معنى الإرادة والكراهة؛ [من أنّ التأخير] مع وجود الخيريّة في إيجاده كان بسبب العجز أو انتظار المساعدة أو عدم القدرة، كان هذا سبب ما ورد في روايات الأئمة الأطهار عليهم‌السلام  من أنّ الإرادة من صفات الفعل وهي عين الإحداث والإيجاد، ولعلّ هذا التأويل ورد بقدر فهم السائل، كما أشار إليه بعض المحقّقين.

وبالجملة بما أنّ حقيقة معنى الإرادة التي هي الموضوع له الواقعي للّفظ؛ ناظرة إلى ما هو المتفاهم عليه في العرف العام؛ لا تخلو من لحظ الميل والشوق، وهما يستحيلان على الله تعالى، وما هو ثابت جزماً بالنسبة له تعالى هو العلم بالنفع وإصدار الفعل في التكوينيات أو إصداره في تكاليف العبد ـ وهما موجودان في إرادة العباد مضافاً إلى الميل ـ إذاً فإطلاق الإرادة على ذاته تعالى تكون بالمعنى المجازي دون المعنى العرفي. والمراد منها إمّا العلم بالنفع كما قال المتكلّمون أو فعل يتبعه ذلك كما يظهر من الأخبار، وبما أنّ فهم معنى العلم بالنفع الذي لا ينفك عن ترتب الأثر عليه ـ مع لحظ قدم ذلك وحدوث هذا ـ عسير جداً، حمله الأئمة عليهم‌السلام على إرادة الفعل الذي يكون أثره العلم بالنفع حيث يسهل فهمه.

(8)

وعليه يمكن صحة كلا المعنيين في الإرادة، أي مجموع العلم بالنفع وترتّب الأثر، ولا كلام في هذا، وما يُفهم من الأخبار من أنّ الإرادة حادثة ولم تكن شيئاً آخر غير الفعل، لا يكون هذا من باب عدم مدخلية العلم بالنفع بل لأنّ العلم بالنفع فرد من أفراد العلم ولم يكن شيئاً مستقلاً تمّ إثباته لجنابه الأقدس. والظاهر أنّ مآل الكلام والنزاع في معنى الإرادةـ على ما ذُكرـ يرجع إلى النزاع في الاصطلاح ولا ثمرة فيه، ولا بأس هنا بذكر بعض الأخبار الواردة في أنّ الإرادة حادثة ومن صفات الفعل.

منها ما رواه الكليني بسند صحيح عن عاصم بن حميد عن أبي عبد الله عليه‌السلام  قال: قلت: لم يزل الله مريداً؟ قال: إنّ المريد لا يكون إلاّ المراد معه، لم يزل عالماً قادراً ثم أراد(4).

وحاصل الحديث أنّ العلم والقدرة معقودان بذاته المقدسة بل هما عين الذات، وانّه أراد بعد العلم والقدرة، لأنها بمعنى مجموع من التفكر والهمّة والشوق وازدياد الشوق إلى حدّ العزم وإيجاد الفعل بعد حصول العلم بنفعه.

●  المقدّمة الثانية:

إختلف الأصوليون بعد ما عرّفوا الأمر بكونه طلباً من العالي على سبيل الاستعلاء أو مطلقاً، بأنّ هذا الطلب هل هو عين الإرادة أو غيرها. ذهبت المعتزلة وأصحابنا إلى أنّه عين الإرادة لأنّنا لا نفهم منه معنى غير معنى الإرادة ولا يكون من الحكمة أن يُوضع لفظ ظاهر مشهور لمعنى لا يفهمه أحد ولا يعلم به أو إذا علمه يكون خفياً جداً، وذهبت الأشاعرة إلى أنّ الطلب غير الإرادة واستدلّوا بوجوه:

الأوّل: إنّ الله تعالى أمر الكافر بالطاعة ولم يطلبها منه لأنّه لو طلبها منه لزم التكليف بالمحال، لعلمه تعالى بأنّ الكافر لا يطيع، وعليه لو أطاع الكافر لزم أن يصير علمه تعالى جهلاً إذاً لا يمكن أن يطيع الكافر، ولذا لا يجوز تكليفه بها.

(9)

وهذا الكلام باطل لأنّ العلم تابع للمعلوم ولم يكن علّته لأنّه فاعل مختار، فلو اختار بسوء اختياره أحد الطرفين ـ وهو المخالفة ـ لا يكون هذا سبباً لخروج الفعل عن المقدورية وعدم إمكان ورود التكليف عليه.

ولكن هنا إشكال آخر وهو أنّ الفعل وإن كان مقدوراً ولا يستلزم طلبه التكليف بالمحال، ولكن طلب الحكيم مع العلم بعدم الحصول سيكون لغواً وقبيحاً، ومن هنا يكون ممتنعاً. وجوابه: وجود الفائدة في هذا التكليف، وهي إمّا الامتحان وإظهار حال المكلّف لسائر العباد ـ كتكليف إبراهيم بذبح ابنه ـ وإمّا إتمام الحجة كما هو الحال في تكليف الكافر لئلاّ يقولوا يوم القيامة: (لَوْلاَ أَرْسَلْتَ إِلَيْنَا رَسُولاً فَنَتَّبِعَ آيَاتِكَ) [طه: 134]، و (لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ)[الأنفال: 42]، فالتكليف على قسمين: الأوّل التكليف الحقيقي، والثاني التكليف الابتلائي، ولكن يُردُّ عليه أنّ الأمر فيه لا يكون حقيقياً.

والتحقيق في الجواب هو أنّ كلامنا في الأمر الحقيقي، وقد قامت القرينة هنا على أنّ المراد هو المعنى المجازي، وحينئذٍ لا يضر تخلّفه عن الإرادة.

وممّا قلنا يظهر الجواب عن كلامهم الآخر وهو أنّ الله تعالى لو طلب من الكافر للزم غلبة إرادة العبد الضعيف على إرادة الله تعالى القويّ وهو محال؛ لأنّنا نقول إنّ المفهوم من الإرادة الإلهية في هذا المقام إرادة صدور الفعل من العبد على سبيل الاختيار لا على سبيل الحتم والإلزام، وهذا لا يستوجب غلبة الضعيف، نعم الكلام في الأوامر التكوينية تام حيث لا يتخلّف هناك المراد من الإرادة الإلهية أبداً:( إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ) [يس:82].

واعلم أنّ الظاهر من استدلال الأشاعرة أن يكون هذا من باب الإلزام؛ لأنّهم لا يتضايقون من التكليف بما لا يطاق، نعم بما أنّ كثيراً منهم يمنعون استحالته عقلاً ولكن يقولون بأنّه لم يقع شرعاً، وعليه يمكن انطباق هذا الدليل على مدعاهم بأدنى

(10)

تغيير، بأن يقولوا إنّ الله لو أراد منهم لكلّفهم، ولكان هذا تكليفاً بالمحال وهو ـ أي التكليف بالمحال ـ لم يقع في الشرع، والمفروض هنا صدور الأمر من الشارع ووقوعه، فيعلم عدم تحقق الإرادة حتى يتحقق التكليف.

الثاني: يصح أن يقول شخص لشخص آخر: «اُريد منك الفعل الفلاني ولا آمرك به» فلو كان الأمر غير منفك عن الإرادة لزم التناقض.

وتحقيق الجواب هو أنّ مادة الأمر قد اُخذ فيها الوجوب والإلزام، لأنّ العرف والشرع قد نطقا به، من قبيل: «لولا أن أشقّ على أمتي لأمرتهم بالسواك» وكقوله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «لا بل أنا شافع» في جواب بريرة لما قال له: أتأمرني يارسول الله. مضافاً إلى أنّ الإرادة على قسمين: الإرادة الحتمية، والإرادة التخييرية.فلا تناقض في قوله إنّني أريد منك ولا ألزمك. وقد تكون الإرادة هنا بمعنى الشهوة أي موافقة الطبع، ولا تناقض فيها أيضاً.

الثالث: إنّ المولى قد يأمر العبد من دون إرادة الفعل، كي يُظهر عذره في ضرب العبد مثلاً من دون صدور تقصير ظاهر منه، وكي يقول إنّ هذا العبد لا يطيع، فإذاً قد انفك الأمر عن الإرادة.

والجواب: إنّه كما لا توجد إرادة هنا لا يوجد طلب حقيقي أيضاً، وهذا هو الأمر الابتلائي الذي ذكرناه سابقاً وليس الأمر هنا حقيقياً.

قال البيضاوي في تفسير قوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً) [هود:118]، «وهو دليل ظاهر على أنّ الأمر غير الإرادة، وأنّه تعالى لم يرد الإيمان من كلّ أحد وأنّ ما أراده يجب وقوعه»(5). وهذا غفلة منه وزلّة ظاهرة، وسنشرح فيما بعد أنّ المراد من هذه المشيئة والإرادة هي الإرادة على سبيل الإلجاء والاضطرار، ولا منافاة بين أمرهم بالإيمان الاختياري وعدم تعلّق إرادة تضطرهم على الإيمان. فإنّ عدم إرادة الإيمان على سبيل الجبر والاضطرار يختلف عن عدم

(11)

الإيمان على سبيل الاختيار، والأمر بالإيمان لم ينفك عن الإرادة بالمعنى الثاني.

أمّا قوله: «ما أراده يجب وقوعه وهو مدلول الآية من حيث أنّ المستفاد منها وقوع الشيء وتحققه لو أراده، فبما أنّه لم يتحقق يُعلم أنّه لم يرده» ممنوع لأنّ المتفق عليه أنّ ما أراده من أفعال نفسه وجب وقوعه، لا ما أراد وقوعه من الغير على سبيل الاختيار، والمستفاد من الآية أنّه لم يرد: «جعلهم مؤمنين» لا أنّه لم يرد إيمانهم، فإذاً نسلّم تخلّف الأمر عن الإرادة في هذا المورد الخاص وبهذا المعنى لوجود الأمر بإيمانهم جزماًولكن لا توجد إرادة في جعلهم مؤمنين، ومطلوبنا فيما نحن فيه من عدم انفكاك الإرادة عن الأمر هو أنّه لابد من لحظ إيمانهم بالنسبة إلى الأمر بالإيمان لا أن يجعلهم الله مؤمنين بسبب أمرهم بالإيمان. والمراد منها في الأصول وفي محل النزاع هو أمثال هذه الإرادة لا ما فهمه البيضاوي.

نعم يجري كلام البيضاوي في آيات أُخر كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) [يونس:99ـ100] ، حيث ظاهرها يدلّ على أنّه لم يرد إيمانهم، والجواب أنّ المراد من المشيئة هنا هي المشيئة الالجائية الاضطرارية، كما يدل عليها قوله تعالى: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ) أي أنّ الدين مبني على الإختيار لا الإكراه والإجبار، فكما أنّني لا اكرههم على الدين؛ فلا تكرههم أنت أيضاً.

ويؤيدها الآية السابقة وسائر الآيات الواردة بنفس المضمون كقوله تعالى: (وَلَوْ شَاءَ اللهُ لَـجَعَلَهُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ يُدْخِلُ مَنْ يَشَاءُ فِي رَحْمَتِهِ) [الشورى:8].

ومّما يدلّ على أنّ المراد هو الإرادة والمشيئة الإلجائية أخبار الأئمة الأطهار عليهم‌السلام روى الصدوق رحمه‌الله  في العيون عن الإمام الرضا عليه‌السلام  انّه سأله المأمون عن هذه الآية: (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ جَمِيعًا أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا

(12)

مُؤْمِنِينَ وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ اللَّهِ وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لاَ يَعْقِلُونَ) [يونس:99ـ100] فقال عليه‌السلام : حدّثني أبي عن آبائه عن أمير المؤمنين عليه‌السلام  قال: إنّ المسلمين قالوا لرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : لو أكرهت يا رسول الله من قدرت عليه من الناس على الإسلام لكثر عددنا وقوينا على عدوّنا، قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ما كنت لألقى الله ببدعة لم يحدث إليّ فيها شيئاً، وما أنا من المكلفين، فأنزل الله عليه: يا محمد (وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لآمَنَ مَنْ فِي الأَرْضِ كُلُّهُمْ) على سبيل الإلجاء والاضطرار في الدنيا، كما يؤمن عند المعاينة ورؤية النار في الآخرة، ولو فعلت ذلك بهم لم يستحقوا منّي ثواباً ولا مدحاً، ولكنّي أريد منهم أن يؤمنوا مختارين غير مضطرين ليستحقوا منّي الزلفى والكرامة ودوام الخلود في جنة الخلد: (أَفَأَنْتَ تُكْرِهُ النَّاسَ حَتَّى يَكُونُوا مُؤْمِنِينَ) وأما قوله: (وَمَا كَانَ لِنَفْسٍ أَنْ تُؤْمِنَ إِلاَّ بِإِذْنِ الله). فليس ذلك على سبيل تحريم الإيمان عليها، ولكن على معنى أنّها ما كانت لتؤمن إلاّ بإذن الله وإذنه أمره لها بالإيمان ما كانت مكلّفة متعبّدة وإلجائه إيّاها إلى الإيمان عند زوال التكليف والتعبّد عنها، فقال المأمون: فرّجت عنّي فرّج الله عنك(6).

●  المقدمة الثالثة:

تلخّص ممّا مضى أنّ الإرادة الإلهية على قسمين: الإرادة التكوينية والإرادة التكليفية، ومخصصية العلم بالنفع المتحد مع الإرادة في الأفعال التكوينية ظاهر، والموجب لاختيار أحد الطرفين مقدور، وأمّا بالنسبة إلى الأفعال التكليفية فمعنى إرادة الله تعالى للصلاة مثلاً ـ وهي فعل المكلّف يؤدّيها بأمر الله تعالى ـ أنّ الله تعالى عالم بنفعها للمكلّف إذا اختار أداءها لا بأن يضطره عليها، وهذا لا ينافي الوجوب الشرعي لأنّه لم يكن بمعنى الإلزام والإلجاء بل المراد منه العلم بالنفع الموصوف بتعذيب المكلّف عند عدم اختيار فعله.

فالعلم بالنفع في التكوينيات إرادة، وظهور أثر تعلّقه بالشيء المراد، وهو

(13)

تكوين وفعل، ويعبّر عنه في الشرع بلفظ «كن». وأمّا في التكليفيات يكون فعل الأمر مثل (صلّ) بمنزلة ظهور الأمر في التكوينيات المعبّر عنه بلفظ (كن)، وأنّ الطلب الذي يدلّ عليه فعل الأمر هو نفس العلم بنفع المكلَّف به المؤدّى باختيار المكلَّف؛ الظاهر أثره في فعل المكلَّف. وبعبارة أُخرى إنّ ظهور أثر تعلّق الإرادة بالشيء المراد؛سيكون في التكوينيات بلفظ(كن) وفي التكليفيات بلفظ (كوّن) بصيغة الأمر من باب التفعيل.

ويمكن القول بأنّ مراد الإرادة الإلهية من الأمور التكليفية في أفعال العباد هو الرضا أي الرضا بطاعة العباد في الواجبات والمستحبات، وفي المباحات بمعنى عدم المنافرة، وفي المعاصي بمعنى عدم المنع إجباراً حيث يرجع إليه معنى (أراد أن لا يسجد) الوارد في الحديث. ومنه قوله تعالى: «ولو شاء اللهُ ما أشركوا» [الأنعام:107].

وقد تطلق المشيئة في أفعال العباد بالنسبة إلى الحق؛ على العناية والتوفيق والخذلان وإيجاد المانع، كما هو الحال في صرف السكين عن حلق إسماعيل، وكما هو في قوله تعالى: (وَمَا تَشَاءُونَ إِلّا أَنْ يَشَاءَ اللهُ) [نسان: 30]، حيث المراد منه أنّ أفعال العباد لا تخلو من التوفيق أو الخذلان أو رفع المانع أو إيجاد المانع، وبالجملة فلا العبد مجبر على الفعل، ولا الرب تعالى منعزل عن القدرة.

ويمكن القول بأنّ المراد من إرادة أفعال العباد هو إيجاد أسباب الفعل من الآلات والقدرة على الفعل وعدم المنع منه مجازاً، وعلى أية حال فمعنى الإرادة يختلف بالنسبة إلى مواضع الاستعمال.

أمّا بالنسبة إلى ظاهر مذهب الأشاعرة فستكون جميع الإرادات الإلهية تكوينية، إذ ذهبوا إلى القول بمخلوقية جميع أفعال العباد لله تعالى حقيقةً، ولا جدوى للكسب الذي ذهبوا إليه، وسيكون مآل مذهبهم إلى مذهب الجهمية في القول بالجبر المحض، وبناءً على مذهبهم ستصير كل أفعال العباد ـ خيراً أو شراً ـ من الإرادة الحتمية

(14)

التكوينية، ولا فرق عندهم بين خلق زيد عندما تعلّقت الإرادة بخلقه في ذلك الحين، وبين خلق فعله من الخير والشر في الوقت الذي يرتكبهما.

ولا يسع المقام بسط الكلام في تحقيق المذهب الحق في أفعال العباد الذي هو أمر بين أمرين، وأنّ المشيئة الإلهية قد تتدخّل في أفعال العباد من دون استلزام الجبر، وأنّ التوفيق تارة يشمل العبد وتارة اُخرى يشمله الخذلان(7).

ويكفي هذا المقدار من المقدمات للشروع في تأويل الحديث المذكور، فنقول: إنّ أظهر معاني الحديث حمله على التقية، لموافقته المذهب الأشعري المتبع من قبل كثير من أهل السنة، وكانت التقية عنهم في الأغلب. وبناء على قول الأشاعرة من تخلّف الأمر عن الإرادة، وأنّ فعل العبد تابع لإرادة الله من دون أن يكون له حق الاختيار؛ يكون معنى الحديث هكذا:

«أمر الله ولم يشأ» أي إنّ الله تعالى يأمر تارة ولا يريد (وشاء ولم يأمر) أي مشيئته وإرادته قد تتعلّق بالفعل ولكنه لم يأمر به بل تارة ينهى عنه ولكن مشيئته تعلّقت بوجود الفعل، ثم يذكر الإمام عليه‌السلام  أمثلة لذلك.

المثال الأوّل إنّه أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد، وهنا انفك الأمر عن الإرادة المطابقة بل حصلت الإرادة بضد المأمور به وهو عدم السجود. «ولو شاء لسجد» أي لو تطابقت الإرادة للأمر لتحقق السجود، وهذا هو مذهب إبليس بعينه حيث قال: (رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي) [الحجر:39] وأسند الفعل إلى الله تعالى.

أما المثال الثاني فقوله: (ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها ولو لم يشأ لم يأكل) وبما أنّ الأمر والنهي في رتبة واحدة تكليفاً، وأن ما قالته الأشاعرة في الأمر من تخلّف الإرادة عن الأمر، لابد لهم من القول بمثله في النهي من تخلّف الكراهة عن النهي، كما قالوا بتحقق فعل العبد بالنحو الذي تعلّقت به المشيئة الإلهية سواء كان مخالفاً للمأمور به والمنهي عنه أو موافقاً.

(15)

فهنا إشارة لطيفة في الرواية بتساوي الأمر والنهي، وبيان واضح لما نقصده من تخلّف الكراهة عن النهي لتحقق نقيضها وما تعلّقت به المشيئة الإلهية وهو الأكل من الشجرة.

وقول آدم صفي الله عليه‌السلام : (رَبَّنَا ظَلَمْنَا)تكذيب لقول الأشاعرة، وقد وافق مذهبهم هذا مذهب إبليس عدو الله وخالف مذهب آدم نبي الله. فمورد هذا الحديث التقية وفقاً لمذهب الأشاعـرة، ولكـن يتنبه الذكي الفطـن إلى الحق من خلال ذكر الإمـام عليه‌السلام  هذين المثالين المستلزمين لتذكّر حكاية آدم وإظهاره التقصير، فليفهم ذلك.

ثم إنّ العارف الرومي وإن يظهر منه القول بالجبر في مواطن عديدة، لكنّه صرّح في هذا المورد أنّ الجبر مذهب إبليس، لكنه يذهب إلى تقسيم الجبر بأقسام عديدة من الجبر الجزئي والكلي وغيرهما. وعليه فلا يمكن الركون إليه والقول بأنّه يذهب إلى الإختيار، وقد ذهب في السفر الخامس في آخر كلامه حول مخاصمة الجبري والقدري ـ وهو جامع شتات كلامه ـ إلى الجبر الحقيقي، أمّا ما قاله في السفر الرابع بخصوص هذا المورد فهو قوله:

 

 

 

مراجعة الكتاب

 

 


 

(16)

ولكن لو لم نحمل الحديث على التقية لزم تأويلات اُخرى، كأن نقول: إنّ المراد من المشيئة الأولى المشيئة اللازمة ومن الثانية المشيئة التخييرية، ويكون المراد إنّ الله تعالى تارة يأمر بشيء ولا يريده بالإرادة اللازمة بل بالإرادة التخييرية، وتارة يريده بالإرادة التخييرية ولم يأمر به بل قد ينهى عنه. ويكون مرجع المعنى الثاني إلى أنّ الله يريد من العبد إتيان المأمور به باختياره وترك المنهي عنه باختياره أيضاً. فلو أتى بالمنهي عنه باختياره لصدق عليه أنّه ابتلي بالارتكاب بسبب تعلق الإرادة بإتيان الفعل مختاراً، ولو تعلّقت إرادته لهذا الفعل بترك تلك الإرادة الحتمية؛ لما ارتكب هذا الفعل. ويدل عليه قوله تعالى:

(وَلَوْ شَاءَ رَبُّكَ لَجَعَلَ النَّاسَ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلاَ يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ إِلاَّ مَنْ رَحِمَ رَبُّكَ وَلِذَلِكَ خَلَقَهُمْ وَتَمَّتْ كَلِمَةُ رَبِّكَ لأَمْلأَنَّ جَهَنَّمَ مِنْ الْجِنَّةِ وَالنَّاسِ أَجْمَعِينَ) [هود:118،119 ].

أي لو شاء الله بالمشيئة اللازمة جعل الناس أمة واحدة على الإيمان لفعل، لكنه لم يرد ذلك بالجبر والاضطرار بل أراده منهم بالاختيار والفكر والتعقّل، ولذا استمر فيهم الخلاف واتبع كثير منهم آباءهم وأمهاتهم في سلوك الباطل إلاّ من رحمه الله حيث سيهديه ويأخذ بيده لو تحيّر ولم يقصّر في الاستدلال وبذل الجهد «ولذلك خلقهم» أي خلقهم لاختيار الحق المفهوم من سياق الكلام، وبما أنّ الكثير منهم يقصرون في طلب الحق ويختارون الباطل »وتمّت كلمةُ ربّك لأملأن جهنّم من الجنّة والناس أجمعين». فلو لم يكن الاختيار موجوداً بل أجبرهم على الإيمان لما كان أحد يستحق النار ولم تتم كلمة الله. فيستفاد من الآية أنّ الله تعالى أراد الإيمان من الناس ولكن من غير جبر واضطرار.

وعليه يكون معنى قوله: »أمر الله ولم يشأ» انّ الله تعالى قد يأمر ويطلب على نحو اختيار المكلّف ولم تتعلّق مشيئته وإرادته على إيجاد المأمور به جبراً واضطراراً، كما هو المعنيّ في الآية الشريفة.

(17)

«وشاء ولم يأمر» أي قد تتعلّق مشيئته وإرادته الاختيارية على أنّ العبد يطيع في الفعل اختياراً؛ والحال أنّ ذلك الفعل لم يكن مطلوباً له ولم يأمره به بل نهاه عنه، ويطلق في العرف ويقال إنّ المولى لو نهى العبد عن أمر ولكن جعله فاعلاً مختاراً وهيّأ له أسباب الفعل والترك كلاهما، وصادف أنّ العبد أوجد المنهي عنه بسوء اختياره، فيقال حينئذٍ في العرف إنّ المولى قصد إيجاد ذلك الأمر، أي بما أنّه يعلم أنّ العبد سيفعل المنهي عنه لزم أن لا يهيّأ له أسبابه، فكأنّه أراد أن يفعله [لأنّه هيّأ له أسبابه].

ثم إنّ الإمام عليه‌السلام  ذكر مثالين: الأوّل أمر إبليس بالسجود، ولكن لا على نحو الإرادة الحتمية التي تجبره وتضطره إلى السجود، كما هو الحال بالنسبة إلى إيمان الناس في الآية الشريفة، حيث قال عليه‌السلام : «أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد» أي أمر إبليس بالسجود ولكن بما أنّ أمره وإرادته لم تكن جبراً واضطراراً بل اختياراً، ومع لحاظ تهيّؤ أسباب مخالفة إبليس من كبر ونخوة وحسد ذاتي، فكأنّما أراد الله أن لايسجد؛ بنفس المعنى العرفي السابق في العبد والمولى.

ولو ورد بدل قوله وشاء أن لا يسجد: «ولم يشأ أن يسجد» كما ورد في سؤال السائل لكان صريحاً في نفي المشيئة الاضطرارية، ولكن هذا الكلام الشريف يشير إلى ذلك أيضاً، وما قاله بعد ذلك: «ولو شاء لسجد» يراد منه المشيئة الاضطرارية المنفية بهذا الكلام كما هو الحال في الآية الشريفة.

ثم قال بعد ذلك: «ونهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل منها» أي نهى آدم عن أكل الشجرة لكن تعلّقت مشيئته وإرادته بالأكل منها أي بنفس المعنى العرفي في مسألة العبد والمولى؛ لحصول أسباب الأكل من قبيل وسوسة الشيطان والقوة الشهوية ونحوهما، ولكن مع هذا فإنّه تعالى تركه واختياره ولم يجبره على ترك الأكل، فأهل العرف يقولون إنّ الله تعالى أراد أن يأكل بنفس ذلك المعنى «ولم لم يشأ لم يأكل» أي لو لم تكن هذه المشيئة الاختيارية التي أعطت لآدم الاختيار وهيّأت له الأسباب، وكان مكانها المشيئة الجبرية والاضطرارية الإلهية على ترك الأكل؛ لما أكل البتة.

(18)

وبالنظر إلى ما مضى في المقدمات من أنّ المراد من مشيئة الله تعالى في أفعال العباد قد تكون بمعنى التوفيق والخذلان وإيجاد المانع، يكون معنى: «أمر إبليس أن يسجد لآدم وشاء أن لا يسجد» خذله ولم يوفّقه، وكذلك يكون معنى: «نهى آدم عن أكل الشجرة وشاء أن يأكل» نفس المعنى أي لم يوفقه لعدم الأكل وتركه لحاله، ومعنى: «أمر إبراهيم أن يذبح إسحاق ولم يشأ» الوارد في بعض الأخبار، أي منعه عن ذلك بعد أمره بالذبح وأدار السكين عن حلقه.

نكتفي في هذا المقام بهذا المقدار لضيق الوقت.

وكتبه مؤلّفه الفقير إلى الله الدائم ابن الحسن أبو القاسم نزيل دار الإيمان قم صانها الله عن التلاطم والتصادم في يوم الثلاثاء الرابع عشر من الصفر ختم بالخير والظفر من سنة ألف مائتين وست عشر. والحمد لله أوّلاً وآخراً وظاهراً وباطناً وصلى الله على محمد وآله.

 

* هوامش البحث *

(*) طبعت هذه الرسالة باللغة الفارسية ضمن كتاب (بيست رساله فارسي) بتحقيق الشيخ رضا استادى.

(1) الكافي1: 151.

(2) إيضاح الفوائد 1: 101.

(3) شرح التجريد للعلامة: 159.

(4) الكافي1: 109.

(5) تفسير البيضاوي 3: 269.

(6) عيون أخبار الرضا عليه‌السلام  1: 135، التوحيد للصدوق: 341.

(7) وممّا قلنا يظهر معنى القضاء والقدر بالنسبة إلى أفعال العباد، كما يظهر بطلان كلام الأشاعرة القائلين برجوع كل شيء إلى قضاء الله وقدره المستلزم للجبر وانتساب كفر العباد إليه تعالى. والمراد من القضاء في الاجماع المنعقد على وجوب الرضا بقضاء الله هو الأحكام الإلهية اللائقة به

(19)

من التكليفيات والتكوينيات، وعليه فلا يصح القول بانّ جميع الأمور بقضاء الله، حتى أنّ الأشعري لا يقدر أن يقول بوجوب الرضا بالكفر وإن اعتبر الحيثية وقال يجب الرضا به من حيث أنّه فعل إلهي، ولا يجوز الرضا به من حيث أنّه قوة كاسبة، لما عرفت من أنّ القوة الكاسبة لا معنى لها، وعلى فرض تحقق المعنى منها فلا معنى لوجوب الرضا به من حيث كونه فعلاً إلهياً، مع عدم رضاه تعالى بالكفر سيما مع عدم تأثير القوة الكاسبة ومغلوبيتها أمام القضاء الإلهي.

وعلى أية حال فالقضاء تارة يأتي بمعنى الخلق كقوله: «فقضاهنّ سبع سماوات» وتارة بمعنى الحكم كقوله: «وقضى ربك ألاّ تعبدوا إلاّ إياه» وتارة بمعنى الإخبار والإعلام كقوله: «وقضينا إلى بني إسرائيل في الكتاب». وكذلك القدر يأتي تارة بمعنى الخلق كقوله: «وَقَدَّرَ فِيهَا أَقْوَاتَهَا» وتارة بمعنى البيان والإعلام كقوله: «قدرنا من الغابرين». وبأيّ من هذه المعاني لا يصح ان يقال إن جميع الأشياء بقضاء الله وقدره إلاّ بمعنى العلم والبيان والكتابة في اللوح،ولكن هذا لا ينفع الأشعري كما عرفت.

وعليه فلا يصح في أفعال العباد الاختيارية تعميم القضاء والقدر بمعنى الحكم والإيجاب لاستلزامه الإيجاب القبيح سيما بلحاظ استحباب وكراهة وإباحة بعض التكاليف ولا معنى للإيجاب فيها. وأمّا ما ذهب إليه الحكماء في معنى القضاء والقدر، فما نقله شارح المواقف  عنهم هو أنّ القضاء عبارة عن علمه بما ينبغي أن يكون عليه الوجود حتى يكون على أحسن النظام وأكمل الانتظام، وهو المسمّى عندهم بالعناية التي هي مبدأ لفيضان الموجودات من حيث جملتها على أحسن الوجوه وأكملها، والقدر عبارة عن خروجها إلى الوجود العيني بأسبابها على الوجه الذي تقرّر في القضاء، وحكي عن الميرداماد رحمه‌الله  أنّ القضاء معلول أوّل أي عقل أوّل، والقدر سائر المعلولات الصادرة عنه، لأنّ القضاء حكم واحد يترتب عليه التفصيل، وكذلك المعلول الأوّل وتكون سائر المعلولات بمنزلة التفصيل لهذا الإجمال. وقد عرفت أنّ ظاهر هذا يخالف المستفاد من الأخبار. منه رحمه الله.

(20)

 

 

حديث الرزية*!! الحلقة الأٌولى

السيد محمدمهدي السيد حسن الخرسان

حديث.. وأي حديث؟! حديث ترك الأمة تخبط في عشواء إلى يوم القيامة..

حديث وأي حديث؟! حديثٌ فتح باب الفرقة والاختلاف بين الأمة؛ والنبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  بعدُ بين ظهرانيهم، يدعوهم لما يحييهم فلم يستجيبوا له، بل كايدوه وعاندوه حتى أغمي عليه.

حديث وأيّ حديث بعده يؤمنون؟! حديث ما ذكره حبر الأمة عبد الله بن عباس رضي‌الله‌عنه  إلاّ وبكى، بكاءٌ وأيّ بكاء؟! بكاءٌ يبلّ دمعه الحصى، بكاءٌ كأنّ دموعه حين تسيل نظام اللؤلؤ..

هكذا يصفه الرواة فلنقرأ ولنبك مع حبر الأمة، ولنندب حظ الأمة العاثر حيث أضاعت تلك الفرصة الثمينة، فرفضت ذلك العرض السخيّ المؤمِّن من الضلالة أبداً.

فلنقرأ ما يرويه ابن عباس رضي‌الله‌عنه  :

 

(21)

قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس؟! يوم اشتد برسول الله وجعه فقال: (إيتوني بدواة وبياض اكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعدي أبداً). فتنازعوا ـ ولا ينبغي عند نبيّ تنازع ـ فقال عمر: إنّ النبيّ يهجر ـ وفي حديث آخر: «إنّه ليهجر»، وفي ثالث: «إنّه هجر» ـ ثمّ قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف مَن في البيت، واختصموا فمن قائل يقول: القول ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومن قائل يقول: القول ما قال عمر. فلمّا أكثروا اللغط واللغو، وتمادى القوم في نزاعهم، غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فقال: (قوموا عني، لا ينبغي عند نبيّ تنازع)، فقاموا.

قال ابن عباس: فجئناه بعد ذلك بصحيفة ودواة، فأبى أن يكتبه لنا، ثمّ سمعناه يقول: (بعد ما قال قائلكم: عدى العَدَوي وسينكث البكري)، ثمّ قال: (ما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)، ثمّ أوصى بثلاث فقال: احفظوني في أهل بيتي، وأخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم به)(1)».

فكان ابن عباس رضي‌الله‌عنه  بعد ذلك يقول: «الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب، لولا مقالته ـ يعني مقالة عمر ـ لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق».

هذه إحدى صور الحديث الآتية، وأعتقد أنّ القارئ يستفزه مثل هذا الحديث ويتسرّع إلى الحكم بوضعه، لشدة صدمته، وقد تذهب به المذاهب في الحكم على أولئك الصحابة الّذين شاقـّوا الله ورسوله، فنسبوا الهجر إلى نبيّ اصطفاه الله لأداء رسالته إلى الناس كافة، فكان سفيره في خلقه، وأمينه على وحيه، ورسوله المسدّد (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْـهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم:3-4].

لكني أعتقد أيضاً أنّ القارئ سيظهر له من متابعة صور الحديث الآتية، وما يتبعها من أقوال العلماء في توجيهه، اعتذاراً عن المعارضة، أنّ الحديث صحيح وأنهُحديث رزيّة وأيّ رزيّة، ولم يكن ابن عباس رضي‌الله‌عنه  مبالغاً حين قال ذلك فيه

(22)

الردّ على الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وهو عين الرد على الله تعالى، أوليس الردّ على الله وعلى الرسول من موجبات الكفر فالله سبحانه يقول: (مَا آتَاكُمْ الرَّسُولُ فَخُذُوهُ وَمَا نَهَاكُمْ عَنْهُ فَانْتَهُوا) [الحشر3:].

والمعارضة تردّ على الرسول ما طلب، وتصرّ على الامتناع من تلبية طلبه. والله سبحانه يقول: (وَمَا يَنْطِقُ عَنْ الْـهَوَى * إِنْ هُوَ إِلاّ وَحْيٌ يُوحَى) [النجم: 3-4].

والمعارضة تقول: إنّه يهجر. والله سبحانه يقول:(يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اسْتَجِيبُوا للهِ وَلِلرَّسُولِ إذا دَعَاكُمْ لِـمَا يُحْيِيكُمْ) [الأنفال:24]. والمعارضة: تأبى ذلك وترد عليه بعنف وقسوة. والله سبحانه يقول:)وَمَا كَانَ لِـمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَـهُمُ الْـخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ([الأحزاب: 36].

والمعارضة تأبى ذلك. والله سبحانه يقول لنبيّه: (يَاأَيُّهَا الرَّسُولُ بَلِّغْ مَا أُنزِلَ إِلَيْكَ)[المائدة: 67].

والمعارضة تشاكسه في التبليغ، وتردّ عليه بعنف وسوء أدب، وكأنّهم لم يسمعوا جميع تلكم الآيات الكريمة ولم يسمعوا الله سبحانه يقول في كتابه: (ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ شَاقُّوا اللهَ وَرَسُولَهُ وَمَنْ يُشَاقِقْ اللهَ وَرَسُولَهُ فَإِنَّ اللهَ شَدِيْدُ الْعِقَابِ) [الأنفال:13].

أليس هذا هو الضلال البعيد؟ أليس هذا هو الخسران المبين؟ أليس هذا هو الظلم والجفاء؟ أليس هذا هو الغباء والشقاء؟ أيّ غباء فوق هذا يتركون طريق التأمين على السلامة إلى الأبد، ويرتطمون أوحال الجهالة!؟

يا لله لقد سبق أن آذوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  في نفسه وآله، حتى وبّخهم القرآن الكريم في آية (وَمَا كَانَ لَكُمْ أَنْ تُؤْذُوا رَسُولَ الله) [الأحزاب:53]. وآذوه الآن في قدسه وعصمته، منتهكين بذلك حرمته في أداء رسالته.

وهل يعني ذلك غير ردّهم: إنّه يهجر؟

(23)

هذه نبذة عن حديث الرزية، بل نفثة حرّى جاش بها الصدر فباحا، وما قدّمتها إلاّ لتنبيه القارئ على استعداده لقراءة ما سيقرأه من حديث الرزية وملابساته، وما تبعه من أعذار واهية، لا تزيد علماً ولا تغني عملاً، سوى كشف صفحات ـ لولا حديث الرزية ـ لسنا بصددها والكشف عنها، ولكنها جناية السلف، وخيانة الخلف، أودت باُمّة محمّد صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  إلى حافة الهاوية والتلف. ولئلا يصدمه عنف الردّ كما صدم الرسول الكريم صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  حتى أغمي عليه، فليستعد ويتدرع بالصبر من الآن.

لنقرأ (أوّلاً) صور الحديث في الصحاح والسنن والمسانيد وكتب التاريخ واللغة والأدب، من ثمّ نتابع معه قراءتنا (ثانياً) في مصادر الحديث، و(ثالثاً) مع العلماء في آرائهم حول الحديث.

وليقرأ القارئ كلّ ذلك بروحٍ موضوعية مع التجرد عن العاطفة والابتعاد عن التعصب، ونترك له الحكم في تلك القضية وبالأصح الرزية، فعلى مَن تقع المسؤولية؟

ولا نريد أن نستبق الحكم في ذلك بل له ما سيؤديه نظره إليه من رأي حول رموز المعارضة أياً كانوا ومهما كانوا، فهم أولاً وأخيراً إنّما نكنّ لهم الإحترام، ما داموا في طاعة النبيّ وخدمة الإسلام. أما وقد نبذوا أمر الرسول صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ولم يكتفوا بذلك حتى نسبوا إليه الهجر (كَبُرَتْ كَلِمَةً تَخْرُجُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ إِنْ يَقُولُونَ إِلَّا كَذِباً ) [الكهف:5]. فنحن في حلٍّ من حسابهم، وهم كسائر الناس في خطأهم وصوابهم. فهم غير معصومين، ولا نحن في حسابهم بملومين.

صور الحديـث:

لقد ورد الحديث بصور متعددة تبلغ الثلاثين أو تزيد، وهذا رقم قد يبعث على الدهشة! حديث واحد عن واقعة واحدة، يرويها أربعة من شهودها وهم:

(24)

1- الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام .

2- الخليفة عمر بن الخطاب بطل المعارضة.

3- جابر بن عبد الله الأنصاري.

4- عبد الله بن عباس.

كيف يبلغ اختلاف الصور في رواياتهم إلى ذلك العدد!!

ولو كان العدد يتساوى فيه الشهود لهان الأمر ولا غرابة، ولكن الغرابة أنّا سنقرأ الحديث عن كلّ من الإمام عليّ عليه‌السلام  وعن الخليفة عمر ورد بصورتين، وعن جابر بصورتين.

وباقي الصور كلّها تروى عن ابن عباس لماذا ذلك؟

سؤال يفرض نفسه، ولابدّ من تلمّس الجواب عليه، وهذا ما سنجده عند الوقوف على قائمة الرواة عنه، ثمّ في باقي الطبقات من رجال الأسانيد بعدهم، حتى نصل إلى مدوّنيه من أصحاب الصحاح والمسانيد والسنن والتاريخ وغيرهم.

وهؤلاء بذلوا جهداً كبيراً في التعتيم على رموز المعارضة، فأحاطوه بهالة من التضبيب الكثيف، تكاد أن تخفي معالمه، حفاظاً على حق الصحبة، وإن تم ذلك على حساب قدس صاحب الرسالة، فانظر ـ أيها القارئ ـ تلكم الصور كما وردت في مصادرها الموثوقة عن أعيان شهودها.

ولنبدأ بما روي عن الإمام عليّ عليه‌السلام ، ثمّ بما روي عن الخليفة عمر، ثمّ بما روي عن جابر، وأخيراً بما روي عن ابن عباس.

 

◘  الصورة الأُولى:

ما روي عن الإمام أمير المؤمنين عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام :

(25)

أخرج ابن سعد في طبقاته قال: «أخبرنا حفص بن عمر الحوضي عن عمر بن الفضل العبدي عن نعيم بن يزيد عن عليّ بن أبي طالب انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم لمّا ثقل قال: (يا عليّ إئتني بطبق أكتب فيه ما لا تضلّ أمتي بعدي)، قال: فخشيت أن تسبقني نفسه، فقلت: إنّي أحفظ ذراعاً من الصحيفة.

قال: فكان رأسه بين ذراعي وعضدي، فجعل يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم.

قال: كذلك حتى فاضت نفسه، وأمر بشهادة أن لا اله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه، من شهد بهما حُرّم على النار»(2).

أقول: أخرج هذه الصورة أحمد في مسنده: «عن بكر بن عيسى الراسبي عن عمر بن الفضل وإلى قوله: وما ملكت أيمانكم»(3). ورواها البخاري في الأدب المفرد(4). وهذه الصورة كما تراها مهلهلة الجوانب، تخفق فيها رياح الأهواء، فرسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يأمر عليّاً باحضار طبق ليكتب فيه ما لا تضل أمته بعده، وعليّ عليه‌السلام  لا يمتثل خشية أن تسبقه نفس النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ؟! وجعل رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يوصي بالصلاة والزكاة وما ملكت أيمانكم، حتى فاضت نفسه؟! وأمر بشهادة أن لا إله إلاّ الله وأنّ محمّداً عبده ورسوله حتى فاضت نفسه(5)؟

أيّ نفس هذه بعد أن سبق وأن فاضت نفسه أوّل مرّة ـ كما مرّ ـ فهل عادت إليه ثانياً فجعل يأمر بالشهادتين حتى فاضت نفسه ثانياً؟! الجواب عن ذلك عند الرواة. غير إني أنبّه القارئ إلى أنّ مارواه الإمام عليه‌السلام  ليس هذا، بل هو عين ما رواه عبد الله بن عباس كما صرّح بذلك الحسن البصري وهو من سادة التابعين فاقرأ ما يأتي:

◘  الصورة الثانية:

أخرج أبو محمّد عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهّاد

(26)

والعلماء العبّاد فقال: «حدّثني محمّد بن عليّ قال: سمعت أبا اسحاق يزيد الفراء عن الصّباح المزني عن أبان بن أبي عياش قال: سمعت الحسن بن أبي الحسن قال: سمعت عليّ بن أبي طالب عليه‌السلام  ـ ثمّ سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة وهو عامل عليها، فكأنّما ينطقان بفم واحد، وكأنّما يقرآنه من نسخة واحدة، والّذي عقلته قول ابن عباس، والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظه ـ قال: سمعته يقول: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال في مرضه الّذي قبض فيه: (إيتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لاتضلون بعدي أبداً)، فقام بعضهم ليأتي به، فمنعه رجل من قريش(؟) وقال: إنّ رسول الله يهجر.

فسمعه رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فغضب وقال: (إنّكم تختلفون وأنا حيّ! قد أعلمت أهل بيتي بما أخبرني به جبرئيل عن ربّ العالمين، إنّكم ستعملون بهم من بعدي، وأوصيتهم كما أوصاني ربّي، فأصبُر صبراً جميلاً) ».

فبكى ابن عباس حتى بلّ لحيته. ثمّ قال: «لولا مقالته لكتب لنا كتاباً لم تختلف أمته بعده ولم تفترق... اهـ»(6).

◘  الصورة الثالثة:

ما روي عن عمر بن الخطاب:

أخرج ابن سعد في طبقاته قال: «أخبرنا محمّد بن عمر حدّثني هشام بن سعد عن زيد بن أسلم عن أبيه عن عمر بن الخطاب قال: كنا عند النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وبينـنا وبـين النساء حجاب، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : «اغسلوني بسبع قِرب، وائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً».

فقال النسوة: إئتوا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  بحاجته. قال عمر: فقلت: اسكتنّ فإنكنّ صواحبه،إذا مرض عصرتنّ أعينكم، وإذا صحّ أخذتنّ بعنقه، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم :

(27)

(هنّ خير منكم) »(7).

وأخرجه عنه المتقي الهندي في منتخب كنز العمال المطبوع بهامش مسند أحمد عن ابن أبي شيبة بتفاوت يسير(8).

◘  الصورة الرابعة:

ما روي عن عمر بن الخطاب، وهي تقرب من الثالثة إلاّ أنّها أتم ولفظها كما يلي:

أخرج النسائي في السنن الكبرى والهيثمي في مجمع الزوائد قال: «وعن عمر بن الخطاب قال: لمّا مرض النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: (ادعوا لي ـ ائتوني ـ بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي)، فكرهنا ذلك أشد الكراهية ثمّ قال: (ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فقال النسوة من وراء الستر: ألا تسمعون ما يقول رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فقلت: إنّكنّ صواحبات (صواحب) يوسف إذا مرض رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  عصرتنّ أعينكنّ، وإذا صحّ ركبتنّ عنقه، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (دعوهنّ فإنّهنّ خير منكم) »(9).

قال الهيثمي: رواه الطبراني في الأوسط وفيه محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري، قال العقيلي: في حديثه نظر، وبقية رجاله وثقوا وفي بعضهم خلاف...أهـ.

أقول: لا يهمني قول العقيلي في محمّد بن جعفر بن إبراهيم الجعفري ـ وهذا منتظر منه في الرجل وأمثاله ـ ما دام الحديث رواه أصحاب الصحاح ومنهم البخاري، ولا كلام للعقيلي في رجاله.

لكن الّذي يهمّني تنبيه القارئ على ما مرّ في الصورة الثالثة من حذف قول عمر: «فكرهنا ذلك أشدّ الكراهية» لماذا كرهوا ذلك أشدّ الكراهية؟ والجواب: سيأتيك بالأخبار من لم تزوّد. فانتظر ما سوف يأتي من تعقيب على الصور والأسانيد

(28)

من أقوال علماء التبرير، فستجد هناك من التحوير والتزوير، وعجائب بل وغرائب من التفكير والتصوير.

ثمّ إنّ قول النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ادعوا لي بصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً). فقال النسوة... قد حذف وهذا يكشف عن التواطؤ العملي بين الرواة على تعمية الصورة، بكلّ ما أمكنهم من حول وطول.

فقد حذفوا دعوة النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ثانياً بإحضار الصحيفة، ممّا يدل على تصميم النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  على تنفيذ أمره، كما يدل على إصرار المعارضة على رفضه. وسيأتي في حديث جابر ما يدل عليه.

وقد شوّشوا على تدخل العنصر النسوي في تلك المعركة الكلامية الحادّة بعد دعوة النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ثانية لهم باحضار الكتاب. ممّا يدل على مدى الصخب والجدال حتى كانت المرأة كالرجل في ذلك اليوم. وسيأتي مزيد إيضاح عن ذلك في حديث طاوس عن ابن عباس (الصورة 14، 15) وحديث عكرمة عن ابن عباس (الصورة 17).

◘  الصورة الخامسة:

ما روي عن جابر بن عبد الله الأنصاري:

أخـرج ابن سعـد في الطبقات بسنده عن محمّد بن عبد الأنصاري ، عن قـرّة ابن خالد عن أبي الزبير، عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: «لمّا كان في مرض رسـول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  الّذي توفي فيـه ، دعـا بصحيفـة ليكتب فيها لأمته كتاباً لا يَضِلـّون ولا يُضِلـّون، قال: فكان في البيت لغط وكلام وتكلم عمر بن الخطاب. قال: فرفضه النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم »(10).

وبهذا النص ورد في نهاية الإرب للنويري(11)، ورواه البيهقي في سننه باب كتابة العلم في الصحف وبتره عند قوله: وتكلم عمر فتركه(12).

(29)

وأخرج ابن سعد أيضاً بسنده عن محمّد بن عمر عن إبراهيم بن يزيد عن أبي الزبير عن جابر قال: «دعا النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  عند موته بصحيفة ليكتب فيها كتاباً لأمته لايَضِلوا ولا يُضلـوا فلغطوا عنده حتى رفضها النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  »(13).

أقول: وأخرج هاتين الروايتين الهيثمي في مجمع الزوائد إلاّ أنّه قال في آخر الأولى: «فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم . وقال: رواه أبو يعلى. وعنده في رواية: يكتب فيها كتاباً لأمته قال: لا يَظلمون ولا يُظلمون. ثمّ قال: ورجال الجميع رجال الصحيح»(14) ثمّ أخرجها ثانياً وقال: «رواه أحمد وفيه ابن لهيعة وفيه خلاف»(15).

أقول: وسند أحمد كما في مسنده عن موسى بن داود عن ابن لهيعة عن أبي الزبير عن جابر(16)، ونحن لا يهمنا الخلاف في ابن لهيعة بعد ما مرّ عن ابن سعد بإسنادين ليس فيهما ابن لهيعة ويأتي عن ابن حبّان كذلك، لكن الّذي يهمّـنا هو التحريف عنده في آخر الرواية الأولى!

فعن ابن سعد والنويري: «وتكلم عمر بن الخطاب فرفضه النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  »، بينما في روايته الثانية: «فتكلم عمر بن الخطاب، فرفضها رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  »، وفي تغيير الضمير في الرفض ما يستحق التأمل فيه.

أمّا عن ابن لهيعة فليس يهمنا فعلاً الدفاع عنه بعد ما روي الحديث بأسانيد ليس فيها ابن لهيعة كما مرّ عن ابن سعد، ورواه أيضاً ابن حبّان في كتابه الثقات بسند ليس فيه ابن لهيعة، فقد روى عن إبراهيم بن خريم عن عبد بن حميد عن عثمان بن عمر عن قرة بن خالد السدوسي عن أبي الزبير عن جابر: «انّ النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  دعا بصحيفة عند موته فكتب لهم فيها شيئاً لا يَضلـّون ولا يُضلون، وكان في البيت لغط، وتكلم عمر فرفضها... ا هـ»(17).

وبالمقارنة بين رواية ابن حبّان وما سبقها، يدرك القارئ مدى التحريف المتعمد كما هو عند الهيثمي، إلاّ أنّ الجديد في رواية ابن حبّان هي قوله: (فكتب لهم فيها

(30)

شيئاً...)، فما هو الشيء الّذي كتب لهم؟ ثمّ لماذا كان اللغط؟ وممّن كان؟ وأخيراً لماذا تكلم عمر؟ ثمّ من ذا رفضها؟ أهو عمر؟ أم النبيّ؟

كلّ هذا يجد القارئ الإجابة عليه في قول عمر لابن عباس: «أراده ـ يعني عليّاً ـ للأمر فمنعت من ذلك»، وقوله الآخر وقد مرّ: «فكرهنا ذلك أشد كراهية» (راجع الصورة 4).

ولم يكن ما تقدم من اختلاف في صورة حديث جابر مقتصراً على ما مرّ، بل له صورة أخرى أخرجها البلاذري في جمل أنساب الأشراف من حديث جابر، فقال: «حدّثني روح ثنا الحجاج بن نصير عن قرة بن خالد عن أبي الزبير عن جابر أنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  دعا بصحيفة أراد أن يكتب فيها كتاباً لأمته فكان في البيت لغط فرفضها»(18).

والآن وقد انتهينا من عرض خمس صور للحديث بروايتها عن الإمام أمير المؤمنين وعن الخليفة عمر وعن جابر بن عبد الله، فلنعد نقرأ باقي الصور بكلّ أشكالها واختلاف رجالها برواياتهم عن ابن عباس.

◘  الصورة السادسة:

ما رواه عليّ بن عبد الله بن عباس عن أبيه:

قال: «لمّا حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  الوفاة وفي البيت رجال منهم عمر بن الخطاب، قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده)، فقال عمر: كلمة معناها إنّ الوجع قد غلب على رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال: عندنا القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف مَن في البيت واختصموا، فمن قائل يقول القول ما قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ومن قائل يقول: القول ما قال عمر، فلمّا كثر اللغَط َواللغو والاختلاف، غضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم فقال: (قوموا إنّه لا ينبغي لنبيّ أن

(31)

أن يختلف عنده هكذا)، فقاموا. فمات رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  في ذلك اليوم. فكان ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بيننا وبين كتاب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  » يعني الاختلاف واللغط.

أخرج هذه الصورة أبو بكر أحمد بن عبد العزيز الجوهري في كتابه (السقيفة) عن الحسن بن الربيع عن عبد الرزاق عن معمر عن الزهري عن عليّ بن عبد الله بن العباس. ورواها عن كتاب الجوهري ابن أبي الحديد في شرح النهج. ثمّ قال ابن أبي الحديد: «قلت: هذا الحديث قد خرّجه الشيخان محمّد بن إسماعيل البخاري ومسلم بن الحجاج القشيري في صحيحهما، واتفق المحدثون كافة على روايته»(19).

أقول: كلام ابن أبي الحديد في هذا المقام تعوزه الدقة. فإن هذه الصورة من الحديث سنداً ومتناً لم ترد في الصحيحين، ولم يتفق المحدّثون كافةً على روايتها بألفاظها. نعم اتفق المحدثون كافة على رواية مضمونها بألفاظ متفاوتة وأسانيد مختلفة، كما سنقرؤها في الصور الآتية.

◘  الصورة السابعة:

ما رواه سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه أبو محمّد عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهاد بسنده عن عبد الرحمن بن أبي هاشم عن عمرو بن ثابت عن أبيه عن سعيد بن جبير قال: «كان ابن عباس إذا ذكر ليلة الخميس بكى، فقيل له: يابن عباس ما يبكيك؟ قال: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: (يابني عبدالمطلب أجلسوني وسنّدوني أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً)، فقال بعض أصحابه: إنّه يهجر ـ قال: وأبى أن يسمي الرجل ـ فجئنا بعد ذلك، فأبى رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  أن يكتبه لنا، ثمّ سمعناه يقول: (عدى العدوي وسينكث البكري) »(20).

(32)

◘  الصورة الثامنة:

ما رواه أيضاً سعيد بن جبير عن ابن عباس فيما أخرجه عنه ابن سعد في الطبقات بسنده عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش عن عبيد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «اشتكى النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يوم الخميس فجعل ـ ابن عباس ـ يبكي ويقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتدّ برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه فقال: (إيتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً؟) قال: فقال بعض من كان عنده: إنّ النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ليهجر، فقال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: (أو بعد ماذا؟!)، قال: فلم يدع به»(21).

أقول: أخرج هذه الصورة الطبراني في معجمه الكبير بسنده عن عمر بن حفص السدوسي عن عاصم بن عليّ عن قيس بن الربيع عن الأعمش إلى آخر السند كما مرّ عن ابن سعد، ومن دون تفاوت. لكن في المتن إثم واختلاف كبير إذ قال: «لـمّا كان يوم الخميس، وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى فـقال: قال رسـول الله  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (إيتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فقالوا: يا رسول الله ألا نأتيك بعد؟ قال: (بعد ما)... اهـ»(22) 

ـ أقول: فلاحظ حذف جملة: (فقال بعض من كان عنده ان نبيّ الله ليهجر)، فمن ابتلعها من رواة السوء حين غصّ بذكرها! ودع عنك من تفاوت دون ذلك.

◘  الصورة التاسعة:

ما رواه سفيان بن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس.

ويكاد ينعدم وضوح الرؤية في هذه الصورة، إذ تنبعث منها عدة صور متشابهة مضموناً، متفاوتة سنداً ومتناً، وما ذلك إلاّ لارتعاش أيادي المصورين ودمدمة المتمتمين ـ وهم المحدّثون والرواة طبعاً ـ. فقد روى الحديث عن ابن عيينة خمسة عشر

(33)

علماً من أعلام المحدّثين ـ فيما أحصيت ـ وربما كانوا أكثر، ولكن لم نجد رواياتهم كلّها متفقة تماماً، وحبذا لو كان الخلاف يسيراً لهان الأمر، ولكن بين مروياتهم من التفاوت مايبعث على الشك والريبة. والآن لنمر عابرين على أسمائهم لنقارن بين مروياتهم، ولندرك كم جنى التالون على ما رواه الأولون، وهم:

1- يحيى بن آدم المتوفى في سنة 203 هـ.

2- عبد الرزاق بن همام المتوفى سنة 211 هـ.

3- قبيصة بن عقبة المتوفى سنة 215 هـ.

4- عبد الله بن الزبير الحَميدي المتوفى سنة 219 هـ.

5- الحسن بن بشر المتوفى سنة 221 هـ(23).

6 ـ محمّد بن سلام المتوفى سنة 225 هـ.

7- سعيد بن منصور المتوفى سنة 227 هـ.

8- محمّد بن سعد المتوفى سنة 230 هـ.

9- عمرو الناقد المتوفى سنة 232 هـ.

10- عليّ بن عبد الله المديني المتوفى سنة 234 هـ.

11- قتيبة بن سعيد المتوفى سنة 240 هـ.

12- أحمد بن حنبل المتوفى سنة 241 هـ.

13- أبو بكر بن أبي شيبة المتوفى سنة 235 هـ.

14- الحسن بن محمّد بن الصباح الزعفراني سنة 259 أو سنة 260 هـ.

15- أحمد بن حماد الدولابي المتوفى سنة 269 هـ.

وإلى القارئ استعراض رواياتهم:

أمّا رواية يحيى بن آدم ـ أوّل القائمة ـ فهي تتفق مع رواية أحمد بن حماد الدولابي ـ الخامس عشر من القائمة ـ كما أخرجها الطبري، وإليك لفظه: «حدّثنا

(34)

أبوكريب قال حدّثنا يحيى بن آدم... قال ـ ابن عباس -: يوم الخميس» قال الطبري ـ ثمّ ذكر نحو حديث أحمد بن حماد الدولابي، والحديث المشار إليه كان قد ذكره قبل هذا ولفظه «قال ـ ابن عباس ـ يوم الخميس وما يوم الخميس؟! قال: اشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وجعه فقال: (إيتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعدي أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ أن يتنازع، فقالوا: ما شأنه؟ أهجر استفهموه؟ فذهبوا يعيدون عليه، فقال: (دعوني فما أنا فيه خير ممّا تدعونني إليه)، وأوصى بثلاث قال: (أخرجوا المشـركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، وسكت عن الثالثة عمداً)، أو قال فنسيتها. قال الطبري: في رواية يحيى بن آدم غير أنّه قال: ولا ينبغي عند نبيّ أن يُنازع... اهـ»(24).

فهذه رواية الطبري كفتنا مؤنة البحث عن مقارنة حديثين لراويين عن سفيان وهما يحيى بن آدم وأحمد بن حماد، وهما أوّل القائمة وآخرها.

وأمّا رواية عبد الرزاق ـ الثاني من القائمة ـ فقد أخرجها في كتابه المصنف عن ابن عيينة بلا واسطة بينهما وهو لا يختلف في حديثه كثيراً عما أخرجه البخاري عن شيخه قبيصة، إلاّ فيما جاء في آخره قال: «فإمّا أن يكون سعيد سكت عن الثالثة عمداً، وإمّا أن يكون قالها فنسيها»(25). وهذا مرّ علينا نحوه في حديث البخاري عن شيخه محمّد بن سلام.

وأمّا رواية قبيصة ـ وهو الثالث من القائمة ـ فقد رواها عنه البخاري في كتاب الجهاد والسير، في باب هل يستشفع إلى أهل الذمة ومعاملتهم(26).

قال: حدّثنا قبيصة حدّثنا ابن عيينة عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس (رضي الله عنهما) أنّه قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتى خضب دمعهُ الحصباء فقال: اشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وجعه يوم الخميس فقال: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع،

(35)

فقالوا: هجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، قال: (دعوني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)، وأوصى عند موته بثلاث: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، ونسيت الثالثة»(27).

ثمّ حكى البخاري تحديد جزيرة العرب، وليس ذلك جزءاً من الحديث!

واعلم بأنّ البخاري لم تقتصر روايته لحديث سفيان على شيخه قبيصة عن سفيان، بل رواه أيضاً عن شيخه الآخر محمّد بن سلام ـ وهو السادس في القائمة ـ في كتاب الجزية في باب اخراج اليهود من جزيرة العرب، ولدى المقارنة بين الروايتين نجد تفاوتاً في اللفظ وزيادة في رواية محمّد بن سلام لم ترد في رواية قبيصة.

وإليك اللفظ برواية محمّد بن سلام قال ـ بعد ذكر السند إلى سعيد بن جبير-: «سمع ابن عباس 2 يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ ثمّ بكى حتى بلّ دمعه الحصى، قلت: يا ابن عباس ما يوم الخميس؟ قال: اشتد برسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وجعه فقال: (ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فتنازعوا، ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقالوا: ما له أهَجَر، استفهموه، فقال: (ذروني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)، فأمرهم بثلاث: قال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة خير، إمّا أن سكت عنها، وإمّا أن قالها فنسيتها»(28).

قال سفيان: هذا من قول سليمان.

وثمة رواية ثالثة للبخاري لحديث سفيان عن شيخه قتيبة ـ وهو الحادي عشر في القائمة ـ ذكرها في كتاب المغازي في باب مرض النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ووفاته، وهي تتفاوت مع ما مرّ من روايتي قبيصة ومحمّد بن سلام تفاوتاً جزئياً، وفيها: «فقالوا: ما شأنه اهجر استفهموه فذهبوا يردون عليه»(29).

أقول: ومع ذلك فيبقى العجب من البخاري، إذ هو يروي الحديث عن سفيان برواية ثلاثة من شيوخه وهم سمعوه من شيخهم سفيان، ومع ذلك لم تتفق رواياتهم

(36)

على نحو الدقة، بل أنّ في بعضها زيادة على الأخرى كما مرّ في رواية محمّد بن سلام، فراجع.

وفوق ذلك أنّ البخاري لم يعقـّب على الإختلاف بشيء ممّا يوهم أنّ ذلك من الرواة، مع انّ المتتبع لأحاديث صحيح البخاري يجد كثيراً من نحو هذا، فمثلاً يحسن بالباحث مراجعة فتح الباري في شرح أوّل حديث للبخاري ليقف على بلبلة العلماء في أوّل حديث في صحيح البخاري وهو (إنّما الأعمال بالنيات) وما فيه من خرم حتى قال ابن العربي: «لا عذر للبخاري في إسقاطه، لأنّ الحميدي شيخه فيه قد رواه في مسنده على التمام... وقال الداودي الشارح: الإسقاط فيه من البخاري، فوجوده في رواية شيخه وشيخ شيخه يدل على ذلك»(30).

وقال ابن حجر: «ولا يوجد فيه ـ في الصحيح ـ حديث واحد مذكور بتمامه سنداً ومتناً في موضعين أو أكثر إلاّ نادراً»، فقد عنى بعض من لقيته بتتبع ذلك فحصل منه نحو عشرين موضعاً. وقال: «فلا يوجد في كتابه حديث على صورة واحدة في موضعين فصاعداً»(31).

فبعد شهادة هؤلاء لا يسعنا إدانة وسائط النقل بين البخاري وبين ابن عيينة، بل التبعة يتحملها البخاري إذ لم يؤد ما حُمّل من الحديث كما هو.

ثمّ اعلم أنّ الحديث برواية قتيبة رواه عنه أيضاً مسلم في صحيحه في كتاب الوصية في باب ترك الوصية لمن ليس له شيء يوصي فيه فقال: «عن سعيد بن منصور وقتيبة وأبي بكر بن أبي شيبة وعمرو الناقد ثمّ قال: واللفظ لسعيد». وفي قوله هذا إيماء إلى أنّ في رواياتهم اختلاف فاختار رواية سعيد، وما ذكره يتفق مع ما مرّ عند البخاري عن محمّد بن سلام، ثمّ رواه عن أبي إسحاق إبراهيم عن الحسن بن بشر عن ابن عيينة(32).

وأمّا رواية عبد الله بن الزبير الحَميدي ـ الرابع من القائمة ـ فقد أخرجها في

(37)

مسنده(33) عن ابن عيينة بلا واسطة، ولفظه مقارب لما مرّ عن عبد الرزاق.

وأمّا رواية الحسن بن بشر ـ الخامس في القائمة ـ فقد أخرجها مسلم في صحيحه(34)، وهي نحو ما مرّ من رواية قتيبة. وكذلك رواية محمّد بن سلام وهو السادس في القائمة.

وأمّا رواية سعيد بن منصور ـ السابع من القائمة ـ فقد أخرجها في سننه، وقد مرّ عن مسلم روايته عنه في صحيحه، كما أخرجها عنه عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة عن أبي إسحاق عنه(35)، وأخرجها عنه أيضاً أبو داود في سننه مع شرحه عون المعبود في كتاب الخراج والفيء والإمارة في باب اخراج اليهود من جزيرة العرب. إلاّ أنّه طوى أوّل الحديث جملة وتفصيلاً فقال: «حدّثنا سعيد بن منصور نا سفيان بن عينية عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّ النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  أوصى بثلاثة فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، قال ابن عباس: وسكت عن الثالثة أو قال: فأنسيتها». (وقال الحميدي عن سفيان قال سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها)»(36).

أقول: ما علّمت عليه بين قوسين وضع عليه رمز نسخة، يعني لم يرد في جميع نسخ سنن أبي داود.

ونعود إلى ما رواه أبو داود عن سعيد بن منصور، لماذا قطع من الحديث رأسه فلم يذكر أوّله، بل لم يذكر منه إلاّ الوصية مع انّ حديث سعيد بن منصور أخرجه مسلم في صحيحه والخوارزمي في سير الصحابة ولفظهما متقارب، وقد مرّ برواية مسلم في هذه الصورة عند ذكر قتيبة شيخ البخاري، فراجع وقارن لتعرف مدى أمانة أبي داود ولعله هو الآخر يفتري على سعيد بن منصور بأنّه لم يذكر أوّل الحديث، أو ذكره فنسيه هو الآخر، كما في الوصية الثالثة ـ وسيأتي مزيد بيان عنها ـ فقال عنها سليمان: لا أدري أذكر سعيد الثالثة فنسيتها أو سكت عنها. لكن أبا داود افترى على

(38)

ابن عباس فنسب إليه أنّه قال: «وسكت عن الثالثة، أو قال: فأنسيتها».

وأمّا رواية محمّد بن سعد ـ الثامن في القائمة ـ فقد أخرجها في كتابه، ولفظه كما مرّ إلاّ في قوله: (إئتوني بدواة وصحيفة)، وفي آخر الحديث: «أو سكت عنها عمداً»(37).

وأمّا رواية عليّ المديني ـ العاشر في القائمة ـ فقد أخرجها البيهقي(38) عن عليّ بن أحمد بن عبدان عن أحمد بن عبيد الصفار عن إسماعيل بن إسحاق القاضي عنه عن سفيان، وفي روايته زيادة لم يشاركه فيها أحد ممّن روى عن سفيان سنأتي على ذكرها عند نقل ما قاله البيهقي ضمن علماء التبرير.

وأمّا رواية أحمد بن حنبل ـ الثاني عشر في القائمة ـ فقد أخرجها في مسنده(39) عن ابن عيينة بلا واسطة ويبدو أنّه سمع الحديث من سفيان بن عيينة أكثر من مرة لقوله: «قال مرة كذا». فحدث تفاوت لفظي لتكرر سماعه، وهذا يسوّغ لنا تحميل سفيان عبء الاختلاف إلاّ فيما لا يسع تحميله، نحو صنيع أبي داود الّذي أشرنا إليه.

وأمّا رواية أبي بكر بن أبي شيبة ـ وهو الثالث عشر في القائمة ـ فقد أخرجها عنها مسلم(40) نحو روايته عن سعيد بن منصور.

وأمّا رواية الحسن بن محمّد بن الصباح الزعفراني ـ الرابع عشر من القائمة- فقد أخرجها البيهقي في سننه وهذا لفظه: «حدّثنا أبو محمّد عبد الله بن يوسف الأصبهاني املاء، انبأ أبو سعيد أحمد بن محمّد بن زياد البصـري بمكة ثنا الحسن بن محمّد الزعفراني ثنا سفيان بن عيينة... سمعت ابن عباس رضي‌الله‌عنه  يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس، ثمّ بكى، ثمّ قال: اشتد وجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فقال: (ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، فتنازعوا ولا ينبغي عند نبيّ تنازع، فقال: (ذروني فالّذي أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)، وأمرهم بثلاث: فقال: أخرجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفد بنحو ما كنت أجيزهم، والثالثة نسيتها»(41) ثمّ قال

(39)

قال البيهقي عقب ذلك: رواه البخاري في الصحيح عن قتيبة وغيره عن سفيان، ورواه مسلم عن سعيد بن منصور وقتيبة وغيرهما عن سفيان.

وأمّا رواية أحمد بن حماد الدولابي ـ الخامس عشر في القائمة ـ فقد أخرجها الطبري في تاريخه(42) وقد مرّت الإشارة إليها في رواية يحيى بن آدم ـ أوّل القائمة -.

أقول: وعلى القارئ أن يقارن بين ما رواه وبين روايات من أشار إليهم البيهقي وقد مرّت ليرى مدى التفاوت من حذف وتغيير، وأربأ بنفسي معه عن سوء التعبير والتقدير.

والآن ونحن قد طالت مسيرتنا مع الصورة التاسعة الّتي رواها خمسة عشر من أعلام الحفاظ وأئمّة الحديث كلّهم عن سفيان بن عيينة، فقد رأينا الاختلاف بين رواياتهم، ممّا يجعلنا نشك في دقة سلامتها اللفظية وإذا تجوّزنا لهم الحمل على الصحة فنقول: إنّهم تجوزوا النقل بالمعنى، ولكن ليس هذا بجائز دائماً، خصوصاً ما دام يغيّر من بُنية الحديث المعنوية.

ومهما كان الاعتذار عنهم، فكيف الاعتذار عن حديث راو شارك سفيان بن عيينة في سماعه الحديث من سليمان الأحول، وهو شبل بن عباد، فقد روى هذا الشبل عن الأحول الحديث، وأخرجه الطبراني في معجمه بسنده عن عبدان عن هارون عن أبيه زيد بن أبي الزرقاء عن شبل عن سليمان الأحول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: «يوم الخميس وما يوم الخميس، يوم اشتد فيه وجع النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وذكر الحديث»، هكذا ذكره الطبراني(43).

أقول: وإذ لم يسبق من الطبراني أن ذكر قبله حديثاً مشابهاً، فكيف جاز له أن يقول: وذكر الحديث، أي حديث يشير إليه كما تقتضيه الدلالة العهدية. فمن ذا يا ترى هو الّذي بتر الحديث وأبلس من ذكره. هل هو شبل؟ أم هم بقية الرواة؟ أم هو الطبراني؟ وهو الأقرب لما سيأتي عنه من شاهد آخر يدل على ذلك. ثمّ أخيراً ما بال

(40)

محقق معجم الطبراني مرّ على الحديث عابراً، فلم يعلّق عليه بشيء، لا تحقيقاً ولا تخريجاً كما هي عادته في سائر أحاديث الكتاب؟

◘  الصورة العاشرة:

ما رواه مالك بن مغول عن طلحة بن مصرّف عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد أخرج حديثه ابن سعد في الطبقات بسنده عن حجاج بن نصير عن مالك ابن مغول إلى آخر السند عن ابن عباس قال: «كان يقول: يوم الخميس وما يوم الخميس؟ قال ـ سعيد ـ وكأنّي أنظر إلى دموع ابن عباس على خده كأنّها نظام اللؤلؤ، قال: قال رسول الله  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ائتوني بالكتف والدواة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً) قال: فقالوا: إنّما يهجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  »(44).

وأخرج هذه الصورة أيضاً أحمد في مسنده(45) عن وكيع عن مالك بن مغول بتفاوت يسير. وأخرجها الطبري في تاريخه(46) عن أبي كريب وصالح بن سمال عن وكيع عن مالك بن مغول بتفاوت يسير. وأخرجها مسلم في صحيحه(47) عن اسحاق بن إبراهيم عن وكيع عن مالك بن مغول بتفاوت يسير. وأخرجها أبو بكر الخلاّل في كتاب السنّة(48).

وأخرجها أبو نعيم في حلية الأولياء عن الطبراني عن أحمد بن عليّ البربهاري(49) عن محمّد بن سابق عن مالك بن مغول إلى آخر السند عن ابن عباس ولفظه: قال: «قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم في مرضه الّذي توفي فيه: (إيتوني بكتف ودواة لأكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً). صحيح ثابت من حديث ابن عباس... اهـ»(50).

فانظر إلى ما رواه أبو نعيم بسنده عن مالك بن مغول وقارن ما مرّ من حديثه في المصادر السابقة لنرى كم هو الحذف الّذي طرأ على الحديث، أليس هو جملة: «فقالوا:

(41)

إنّما يهجر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كما في طبقات ابن سعد، أو «رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر» كما في مسند أحمد، أو «إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم يهجر» كما في صحيح مسلم وتاريخ الطبري.

وكان هذا هو المقصود من قولنا بتفاوت في مرويات أولئك الثلاثة: أحمد ومسلم والطبري فهل لنا الآن أن نسأل أبا نعيم عن قوله في تعقيبه: صحيح ثابت من حديث ابن عباس. فإذا كان صحيحاً ثابتاً فلماذا لم يذكره بتمامه؟ وإذا لم يكن صحيحاً وثابتاً لديه فلماذا ذكره في كتابه؟

ولعل الرجل إنّما جاءته الآفة من شيخه سليمان بن أحمد ـ وهو الطبراني- الّذي سبق أن عرفنا فيه تلك الآفة كما مرّت الاشارة في نهاية الصورة التاسعة، فرواه أبو نعيم عن شيخه الطبراني كما سمعه مبتوراً. ولعل في تعقيبه إشارة تنبيه إلى ما في رواية شيخه من خلل.

ثمّ إنّ هذا الحديث أخرجه النويري في نهاية الأرب(51) بلفظ ابن سعد فراجع. كما رواه البلاذري في جمل أنساب الأشراف، قال: «حدّثني أحمد بن إبراهيم ثنا أبو عاصم النبيل ثنا مالك بن مغول عن سعيد بن جبير عن ابن عباس أنّه قال يوم الخميس وما يوم الخميس؟ اشتد فيه وجع رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبكى ابن عباس طويلاً ثمّ قال: فلمّا اشتد وجعه قال: (ائتوني بالدواة والكتف أكتب لكم كتاباً لا تضلون معه بعدي أبداً)، فقالوا: أتراه يهجر وتكلموا ولغطوا، فغمّ ذلك رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وأضجره وقال: (اليكم عني ولم يكتب شيئاً) »(52).

◘  الصورة الحادية عشرة:

ما رواه الأعمش عن عبيد الله بن عبد الله عن سعيد بن جبير عن ابن عباس وقد أخرجها ابن سعد في طبقاته بسنده عن يحيى بن حماد عن أبي عوانة عن الأعمش إلى آخر السند عن ابن عباس قال: «اشتكى النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يوم الخميس، فجعل ـ ابن

(42)

عباس ـ يبكي ويقول يوم الخميس وما يوم الخميس اشتد بالنبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وجعه فقال: (ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده أبداً)، قال فقال بعض من كان عنده: انّ نبيّ الله ليهجر، قال: فقيل له: ألا نأتيك بما طلبت؟ قال: (أو بعد ماذا)، قال: فلم يدع به»(53).

إلى هنا تنتهي صور الحديث الّتي تنتهي أسانيدها إلى سعيد بن جبير، وهي خمس صور، وقد رأينا بينها من التفاوت ما رأينا. فهل يعقل أن يكون سعيد بن جبير هو مصدر ذلك كلّه؟ بعد ما قد مرّ بنا من تعمّد التعتيم من أمثال الطبراني والبخاري وغيرهما.

◘  الصورة الثانية عشرة:

ما رواه الزهري عن عبيد الله بن عبد الله عن ابن عباس. وقد روى الحديث عن الزهري ثلاثة وهم: يونس، وأسامة ومعمر.

1 ـ أمّا رواية يونس فقد رواها عنه جرير وعنه ابنه وهب، وعنه أحمد بن حنبل وحديثه في المسند وهذا لفظه بعد ذكر سنده عن ابن عباس قال: «لمّا حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  الوفاة قال: (هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)، وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال عمر: انّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله قال: فاختلف أهل البيت فاختصموا فمنهم من يقول يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم أو قال: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من يقول ما قال عمر، فلمّا أكثروا اللغط والاختلاف وغـُمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: (قوموا عني)، فكان ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم...ا هـ»(54).

وأخرج البخاري في صحيحه بسنده عن يحيى بن سليمان عن ابن وهب عن يونس إلى آخر السند ولفظه قال: «لمّا اشتد بالنبي صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وجعه قال: (ائتوني بكتاب

(43)

بكتاب أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعده)، قال عمر: إنّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  غلبه الوجع وعندنا كتاب الله حسبنا، فاختلفوا وكثر اللغط قال: (قوموا عني ولا ينبغي عندي التنازع)، فخرج ابن عباس يقول: إنّ الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وبين كتابه...اهـ»(55).

فقارن بين ما أخرجه أحمد في مسنده من رواية يونس، وبين ما أخرجه البخاري في صحيحه من رواية يونس أيضاً لتدرك التفاوت بين الروايتين في الكتابين.

2 ـ وأمّا رواية أسامة ـ بن زيد الليثي ـ عن الزهري فقد رواها الواقدي عنه، وأخرجها عنه ابن سعد في الطبقات قال: «لمّا حضرت رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  الوفاة وفي البيت رجال فيهم عمر بن الخطاب، فقال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (هلمّ أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده)، فقال عمر: إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قد غلبه الوجع وعندكم القرآن حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قرّبوا يكتب لكم رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ومنهم من يقول ما قال عمر. فلمّا كثر اللغط والاختلاف، وغموا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فقال: (قوموا عني) »(56). فقال عبيد الله بن عبد الله: فكان ابن عباس يقول: الرزية كلّ الرزية ما حال بين رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب من اختلافهم ولغطهم.

3 ـ وأمّا رواية معمر عن الزهري فقد رواها عنه عبد الرزاق في كتابه المصنف(57)، بنحو ما مرّ من حديث يونس برواية أحمد، وحديث أسامة برواية ابن سعد، إلاّ أنّ المطبوع من كتاب المصنف وردت جملة: (هل أكتب لكم كتاباً)، بينما مرّت في روايتي يونس وأسامة: (هلمّ أكتب لكم كتاباً)، فهذا التفاوت سواء كان من غلط النسخة أو من الرواة، فهو غير مغتفر، لأنّه مغيّر للمعنى كثيراً، فبعد أن كانت جملة (هلمّ) من أدوات النداء والدعوة وتحمل على الأمر، تغيّرت إلى (هل) وهي أداة استفهام، وعليها لا ضير ولا وزر على من امتنع وأبى من الصحابة لأنّه  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  استفهم منهم، فأبى بعضهم حسب رأيه فلا مؤاخذة عليه إذن.

(44)

والّذي يلفت النظر أنّ رواية عبد الرزاق هذه رواها عنه أحمد في مسنده(58) من دون حرف الاستفهام (هل) فصارت تقرأ (أكتب لكم كتاباً) وهي تقرأ إمّا على نحو الجملة الخبرية وليس لها معنى في المقام، فلابدّ إذن تقرأ على نحو الاستفهام وهذا هو المطلوب لستر العيوب.

وثمة آخرون غير أحمد رووا ذلك عن عبد الرزاق كالبخاري ومسلم وابن حبّان في صحيحه(59) وابن أبي الحديد وابن كثير، وربّما غيرهم. وأخيراً فقد حذف في المصنّف قول ابن عباس: «وغـُمّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم » كما مرّ في حديث يونس فراجع.

وهذه الرواية عن طريق عبد الرزاق عن معمر رواها كلّ من البخاري وابن حبّان ومسلم في صحاحهم وأحمد في مسنده وابن أبي الحديد في شرح النهج وابن كثير وربّما غيرهم، ولدى المقارنة بين المصادر المشار إليها نجد التفاوت كبيراً في اللفظ والمعنى، وأكثرها تعتيماً على الحقائق ما كان من البخاري الّذي روى ذلك(60) بسنده عن عليّ بن عبد الله عن عبد الرزاق فحذف اسم عمر من المواضع الثلاثة الّتي ورد ذكره فيها، ففي الموضع الأوّل قال: «وفي البيت رجال» من دون (فيهم عمر بن الخطاب)، وفي الموضع الثاني: «فقال بعضهم قد غلبه الوجع» بدل «فقال عمر إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قد غلبه الوجع»، وفي الموضع الثالث: «ومنهم من يقول غير ذلك» بدل «ومنهم يقول ما قال عمر».

ثمّ إنّه روى الحديث ثانياً بطريقين: أحدهما عن إبراهيم بن موسى عن هشام عن معمر(61)، وثانيهما عن عبدالله بن محمّد عن عبدالرزاق عن معمر، وفي هذا المقام لم يحذف اسم عمر، لكنه لم يسلم من الاختلاف في النقل بل فيه تفاوت في اللفظ كثير.

وقد روى ابن كثير في تاريخه(62) هذا الحديث فاختار رواية البخاري الّتي حذف منها اسم عمر في المواضع الثلاثة فذكرها، وأشار عابراً إلى بقية روايات البخاري، ولعله إنّما اختار ذلك تعتيماً على اسم عمر، بينما ورد في الباقيات، ولنا في الباقيات الصالحات خير عملاً وأبقى.

(45)

أمّا رواية مسلم في صحيحه(63): فقد رواها عن عبد بن حميد ومحمّد بن رافع عن عبد الرزاق، فهي أقرب إلى ما مرّ عن عبد الرزاق. وأمّا رواية ابن كثير وابن أبي الحديد فقد اعتمدا رواية الشيخين البخاري ومسلم، وقد مرّت الإشارة إلى اختيار ابن كثير قريباً، ورواية ابن أبي الحديد(64) فراجع.

هذه بعض نقاط التفاوت بين الروايات في المصادر الأصلية والفرعية، فمن أين جاء الاختلاف؟ نعم إنّه الستر على رموز الخلاف. ومن راجع شروح الصحيحين يجد الغرائب والعجائب في التحوير والتطوير وفي بعضها التزوير، ممّا لا يترك مجالاً للتشكيك في أنّ كلّ شرح من شروح الصحيح ـ أيّ صحيح كان ـ فيه ثعلبة يصيح: لكلّ منّا وجهة هو مولّيها، وعلى أساس الشيوخ يعلّيها. فلنتركهم الآن وتركاضهم، ولا تسلني إجهاضهم.

◘  الصورة الثالثة عشرة:

وهي ما رواه الحسن بن أبي الحسن البصري عن ابن عباس وقد مرّ ذكرها ـ راجع الصورة الثانية ـ حيث رواها الحسن البصري عن أمير المؤمنين عليه‌السلام  فقال: «سمعت عليّ بن أبي طالب ثمّ سمعته بعينه من عبد الله بن عباس بالبصرة، وهو عامل عليها، فكأنّما ينطقان بفم واحد، وكأنما يقرآنه من نسخة واحدة. والّذي عقلته قول ابن عباس، والمعنى واحد غير أنّ حديث ابن عباس أحفظه»، قال: ثمّ ذكر الحديث كما مرّ.

◘  الصورة الرابعة عشرة:

وهي ما رواه طاوس عن ابن عباس، ورواها عنه ليث، وعن ليث ثلاثة وهم: شيبان وأبو حمزة وهلال بن مقلاص، ولكلّ منـه رواية هي صورة بحد ذاتها. وإليك ما رواه شيبان:

(46)

أخرج حديثه أحمد في مسنده عن حسن عن شيبان عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: «لمّا حُضِـر رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: (ائتوني بكتف أكتب لكم فيه كتاباً لا يختلف منكم رجلان بعدي)، قال: فأقبل القوم في لغطهم، فقالت المرأة: ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ... ا هـ»(65).

والفجوات في هذه الصورة بيّـنة، ولا تحتاج في إثباتها إلى بيّنة، فبعد طيّ كثير من الكلام في الكتمان، نقرأ لأوّل مرّة قول المرأة ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم .

فيا ترى مَن هي هذه الّتي أنكرت على القوم لغطهم؟

ويكفينا من هذه الصورة معرفة عظم الرزية ـ كما يقول ابن عباس ـ حتى تدخـّل العنصر النسوي في المعركة الكلامية. وسيأتي ما يوضح المستبهم فيها.

◘  الصورة الخامسة عشرة:

ما رواه أبو حمزة عن ليث عن طاوس، أخرج حديثه الطبراني في معجمه الكبير بسنده فقال: «حدّثنا محمّد بن يحيى بن مالك الضبي الأصبهاني، ثنا محمّد بن عبد العزيز بن أبي رزمة، ثنا عليّ بن الحسن بن شقيق عن أبي حمزة عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: دعا رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  بكتف فقال: (ائتوني بكتف أكتب لكم كتاباً لاتختلفون بعدي أبداً)، فأخذ من عنده من الناس في لغط، فقالت امرأة ممّن حضر: ويحكم عهد رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  إليكم، فقال بعض القوم: اسكتي فإنّه لا عقل لكِ، فقال النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنتم لا أحلام لكم)... ا هـ»(66).

أقول: وأخرج هذا الحديث الهيثمي في مجمع الزوائد وعقب عليه بقوله: «قلت: في الصحيح طرف من أوّله، رواه الطبراني، وفيه ليث بن أبي سليم وهو مدلّس وبقية رجاله ثقات»(67).

(47)

◘  الصورة السادسة عشرة:

ما رواه هلال بن مقلاص عن ليث عن طاوس أخرج حديثه الطبراني في معجمه الكبير بسنده فقال: «حدّثنا الحسين بن اسحاق التستري، ثنا عثمان بن أبي شيبة، ثنا يحيى بن زكريا بن إبراهيم بن سويد النخعي، ثنا هلال بن مقلاص عن ليث عن طاوس عن ابن عباس قال: قال رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (ائتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لا يختلف فيه رجلان)، قال: فأبطأوا بالكتف والدواة، فقبضه الله»(68).

◘  الصورة السابعة عشرة:

ما رواه داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج حديثه ابن سعد في الطبقات بسنده فقال: «أخبرنا محمّد بن عمر، حدّثني إبراهيم بن إسماعيل بن أبي حبيبة عن داود بن الحصين عن عكرمة عن ابن عباس: إنّ النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال في مرضه الّذي مات فيه: (ائتوني بدواة وصحيفة أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده أبداً). فقال عمر بن الخطاب: من لفلانة وفلانة ـ مدائن الروم ـ إنّ رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ليس بميت حتى نفتتحها، ولو مات لانتظرناه كما انتظرت بنو إسرائيل موسى، فقالت زينب زوج النبي  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : ألا تسمعون النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يعهد إليكم فلغطوا، فقال: (قوموا)، فلمّا قاموا قبض النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  مكانه... ا هـ»(69).

في هذه الصورة جديد من الكشف لم يسبق إليه تشويه الرواة، وذلك هو مقالة عمر وهي نحو الّتي قالها بعد وفاة النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فأرعد وتوعّد منتظراً مجيء أبي بكر من السنح. كما فيها جديد من الكشف هو تعيين اسم المرأة الّتي أنكرت على القوم اختلافهم ولغطهم، فلم تعيّنها الصور السابقة الّتي وردت الإشارة إليها، بينما عرفنا الآن اسمها من هذه الصورة وأنّها زينب زوج الرسول  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم وهي إحدى أمهات المؤمنين.

(48)

◘  الصورة الثامنة عشرة:

ما رواه عمرو بن دينار عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج حديثه أبو محمّد عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في كتابه سير الصحابة والزهاد، عند استعراضه لموارد خلاف الصحابة فقال: «والخلف الثاني في بيت النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  فيما أخبر به محمّد بن أبي عمر قال: حدّثني سفيان بن عيينة عن عمرو بن دينار عن عكرمة قال سمعت عبد الله بن عباس يقول: يوم الاثنين وما يوم الاثنين وهملت عيناه، فقيل له: يا بن عباس وما يوم الاثنين؟ قال: كان رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  في غمرات الموت فقال: (ائتوني بصحيفة ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي أبداً)، فتنازعوا عند رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  ولم يجز عنده التنازع، وقال رجل من القوم: إن الرجل ليهجر، فغضب رسول الله صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  وأمر بإخراجه وإخراج صاحبه، ثمّ أتوه بالصحيفة والدواة، فقال: (بعد ما قال قائلكم ما قال، ثمّ قال: ما أنا فيه خير ممّا تدعوني إليه)... ا هـ»(70).

أقول: وفي هذه الصورة أيضاً كشف جديد أتانا من عكرمة ـ هو تألم ابن عباس من يوم الاثنين وانّه اليوم الّذي دعا فيه  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم بالدواة والصحيفة، بينما في كثير ما مرّ من الصور وما سيأتي ذكر فيه يوم الخميس، أوليس ترى أنّ دعوة النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  بالدواة والصحيفة كانت مرتين؟ في يوم الخميس ويوم الاثنين؟ وفي كلا اليومين خالف عليه عمر فيكون خلافه أيضاً مرتين؟ وهذا ليس بممتنع عقلاً وقد صح نقلاً كما دلت عليه بعض الأحاديث السابقة واللاحقة، وسيأتي مزيد بيان لذلك.

◘  الصورة التاسعة عشرة:

ما رواه الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج حديثه أبو محمّد عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد بسنده فقال: «حدّثنا عاصم بن عامر عن الحسين بن عيسى عن الحكم بن أبان عن عكرمة عن ابن عباس قال: قال النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  في مرضه الّذي قـُبض فيه: (ائتوني بكتاب أكتب لكم كتاباً لن تضلوا بعده

(49)

أبداً)، فقال المعذول: انّ النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  يهجر كما يهجر المريض، فغضب النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، ثمّ قال النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم : (أنتم لا أحلام لكم)، قال: إنّما قلت من الورَم، قال: (إنّكم قوم تجهلون بهذا أخبرني أخي جبرئيل عن ربي، فأخرِجوه) فأخرجناه والله لقد مضى في الحال إلى أبي بكر فأخرجه إلى السقيفة وجمع فيها من جمع، وبايع على ما بايع»(71).

وفي هذه الصورة أيضاً كشف جديد هو اعتذار المعذول ـ كما سمته الرواية وهو من العَذَل بمعنى اللوم والتأنيب ـ بأنّه إنّما قال الّذي قاله من الوَرَم؟ ولا ندري أي وَرَم ذلك، هل كان النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  متورّماً في بدنه؟ وهذا لم ينقله أحد من الرواة، وإذا كان فهل ثمة ملازمة بين الورم وبين ما قاله المعذول؟ ولعل الوَرَم الّذي يعنيه فدفعه إلى القول هو ما كان في نفسه هو من غضب، من قولهم: فلان ورم أنفه إذا غضب وحنق.

كما أنّ هذه الصورة تؤيد ما قبلها من أنّ الحديث والحادثة كان في يوم وفاة النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم ، وسيأتي ما يؤيد ذلك أيضاً.

◘  الصورة العشرون:

ما رواه عبد الله بن محمّد عن عكرمة عن ابن عباس، وأخرج حديثه أبو محمّد عبدالسلام بن محمّد الخوارزمي في سير الصحابة والزهاد بسنده فقال: «حدّثنا محمّد بن عليّ، قال حدّثني أبو اسحاق بن يزيد عن فضل بن يسار عن عبد الله بن محمّد قال: سمعت عكرمة يقول عن ابن عباس قال: انّ النبيّ صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  قال: (إئتوني بكتف ودواة أكتب لكم كتاباً لا تضلون بعدي)، فمنعه رجل، فقلت لعكرمة من الرجل؟ فقال: إنّكم لتعرفونه مثلي، هو والله المعذول»(72).

وفي هذه الرواية لم يشأ عكرمة أن يحرم القراء لحديثه من فائدة، كما هو ديدنه في أحاديثه في الصور الثلاث السابقة، أمّا في هذه الصورة فقد أفادنا أنّه كان ممّن يرى التقية وقد استعملها فعلاً في جواب سائله عن الرجل الّذي منع النبيّ  صلى‌الله‌عليه‌وآله‌وسلم  عن

(50)
 
فروع المركز

فروع المركز

للمركز الإسلامي للدراسات الإستراتيجية ثلاثة فروع في ثلاثة بلدان
  • العنوان

  • البريد الإلكتروني

  • الهاتف