تهدف هذه السلسلة إلى قراءة حقبة الاستعمار وما بعده، وتحديد أوجه الأهداف التي تحرّك في ضوئها، وبيان الأضرار التي أحدثها في بنية البلدان المستعمَرة، في شتّى الشؤون السياسيّة والاقتصاديّة والمدنيّة والتعليميّة والاجتماعيّة والدينيّة، وموقفه من المؤسّسات الدينيّة، وعلماء الدين، وحملة الفكر، والقادة الجماهيريّين.
ولا يُنكر بأنّ الاستعمار اتّخذ بعض الإجراءات التي أسهمت في تطوير بعض القطاعات المدنيّة، واحتوت على منافع غير أنّها كانت جزئيةً عابرةً، وتضمر أهدافًا تخدم مشروعه الاستعماري والمنظومة الاستعماريّة بشكلٍ عام، وهذا ما يسعى الاستكتاب لتسليط الضوء عليها، وبيان المعاناة التي كابدتها الشعوب جرّاء سلوك المنظومة الاستعماريّة، وآثار الغزو الثقافي على الهوية الثقافيّة والدينيّة والعرفيّة للدول المستعمَرة، وعلى بنيتها الاجتماعيّة، وبيان معالم الإضرار بها، والتشكيك بقيمها، وتغريب الوعي، وتمزيق الوحدة بإيجاد الاختلافات وتنمية الانقسامات وبثّ الفرقة، وتعميق الاختلاف الطائفي والعنصري والقومي والديني وافتعال الأزمات، وتكوين ثقافةٍ بديلةٍ تقوم على تعظيم ثقافة المحتلّ، وتهويل قوته العسكريّة والسياسيّة، لصناعة أجيالٍ تؤمن بعظمة المحتلّ وقوته، وتوهين القدرة الذاتيّة على النهوض، ومن ثم إشعار العالم الإسلامي والعربي بالضحالة والعجز.
ولا تغفل السلسلة عن دور المقاومة الدينيّة والفكريّة والعلميّة والأدبيّة والميدانيّة و السياسيّة في مناهضة مشروع الاستعمار، وبيان الروح الوطنيّة التي تحلّى بها أبناء البلدان المقاومة له.
(9)هذه السياسات الاستعماريّة، والمواقف المناهضة لها تسعى السلسلة إلى قراءتها قراءةً واعيةً موضوعيّة، بالتركيز إظهار غايات الاستعمار من تلك السياسات، وآثار ذلك حتى الوقت الراهن؛ للخروج بصورةٍ واضحةٍ عن السياسة الاستعمارية، وما تُخلِّف من خرابٍ مُستدامٍ في واقع الشعوب؛ ممّا يسهم في فهم الآخر والواقع، وتكوين وعيٍ وطنيّ مستقلٍّ للحاضر والمستقبل.
شكّلت مدينة العمارة، عاصمة لواء العمارة (ميسان حاليًا)، موقعًا محوريًا في الاستراتيجيّة البريطانيّة خلال مرحلتي الاحتلال والانتداب؛ نظرًا لموقعها الجغرافيّ الحيويّ المُطلّ على نهر دجلة، وقربها من الحدود الإيرانيّة. دخلتها القوات البريطانيّة في أوائل عام 1915 ضمن تقدّمها العسكري في جنوب العراق، وأخضعتها لإدارةٍ مدنيّةٍ وعسكريّةٍ، مبتغيةً تأمين طرق الملاحة، وتعزيز النفوذ البريطاني في المناطق العشائريّة.
وقد تميزت العمارة بتركيبتها الاجتماعيّة العشائريّة المعقّدة، وهو ما دفع السلطات البريطانيّة إلى اتّباع سياسةٍ مزدوجة: الحفاظ على التوازن بين العشائر الكبرى، وربط بعض الزعامات المحلّية بالمصالح البريطانيّة من خلال الامتيازات والإدارة غير المباشرة.
شهدت المنطقة أيضًا نشاطًا سياسيًّا ومقاومةً مبكرةً للوجود البريطاني، سواء بشكلٍ مباشرٍ من بعض العشائر، أم لاحقًا من خلال التفاعل مع الحركات الوطنية التي تصاعدت بعد ثورة العشرين. ومع قيام نظام الانتداب رسميًّا عام 1921م، أصبحت العمارة جزءًا من البناء الإداري للدولة العراقية الحديثة، مع استمرار تأثير البريطانيين في شؤونها المحلّية، لا سيّما عبر المشاورين السياسيين.
كتاب (لواء العمارة في عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني ١٩١٥ -
١٩٣٢) للمؤلّف محمد حسين زبون الساعدي، هو دراسةٌ تاريخيّةٌ تتناول مدينة لواء العمارة (ميسان حاليًا) ودورها الاستراتيجي في المدّة الزمنيّة المذكورة. وقد تناول الكتاب موضوعاته عبر أربعة فصولٍ تتضمن الموضوعات الآتية:
* أهميّة الموقع الجغرافي: إذ كانت العمارة (حقلاً تجريبيًّا) للسياسة البريطانيّة بسبب موقعها الاستراتيجيّ على نهر دجلة، والطريق المائي بين بغداد والخليج.
* الاحتلال والحرب (١٩١٥- ١٩١٨م): يغطي الفصل الثاني الاحتلال البريطاني للمنطقة، وتلبية العشائر لنداء الجهاد، وتأسيس الإدارة البريطانيّة الجديدة التي شملت الأمن، والمالية، والتعليم، وتأثير ذلك على الأنشطة الاقتصاديّة.
* الانتداب والأوضاع السياسيّة (١٩٢٠ - ١٩٣٢م): يستعرض الفصل الثالث التطوّرات السياسيّة في عهد الانتداب، بما في ذلك ثورة العشرين (وموقف العمارة منها) ، والانتخابات، وصيحات المعاهدات العراقية-البريطانية، وتأثير سياسة تقريب شيوخ العشائر على المجتمع.
* الأوضاع الاقتصاديّة والاجتماعيّة: يناقش الفصل الرابع الجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة، وخصوصًا الزراعة وتوزيع الأراضي، والتجارة، وتقلّص الصناعات الحرفيّة، مع تأكيد الطابع الريفي والاجتماعي العشائري للمنطقة.
وقد اعتمد الكتاب على مصادر مؤلّفة ووثائق وتقارير منشورةٍ عثمانيّةٍ وبريطانيّةٍ رسميّةٍ مترجمةٍ، وأخرى عربيّة حول تاريخ العراق تتعلّق بجوانب الزراعة والضرائب والاقتصاد والإدارة المدنيّة الأخرى.
ويعتقد المؤلّف بأنّه رغم هذا الدور الحيوي، فإنّ مدينة العمارة لم تنل حظّها
من الدراسة الأكاديميّة الكافية مقارنةً ببغداد أو البصرة؛ ممّا يبرز الحاجة إلى تسليط الضوء على تجربتها التاريخيّة لفهم ديناميكيات الاحتلال والانتداب في البيئات غير الحضريّة.
نأمل أنْ يحقّق الكتاب منفعةً علميّةً للقرّاء الكرام، في المجالات المبثوثة فيه، ونرجو للمؤلّف الكريم التوفيق المُستدام والعطاء المتجدّد. والحمدُ للهِ ربِّ العالمين.
المركز الإسلاميّ للدراسات الإستراتيجيّة
العراق / النجف الأشرف
(12)
قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز
﴿وَقُلِ اعْمَلُوا فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ ۖ﴾
[التوبة: ١٠٥]
صدق الله العلي العظيم
احتلت مدينة العمارة مكانةً واضحةً ومتميزةً إبّان عهد الاحتلال والانتداب البريطاني (1915-1932)، فهي إضافةً إلى كونها ذات أهميّةٍ استراتيجيّة، كانت من أولى المناطق التي طُبِّقت بها السياسة البريطانيّة الجديدة بعد (البصرة)، فكانت حقلًا تجريبيًا آخرًا ومهمًّا للسياسة البريطانيّة، التي وجدت طريقها إلى مناطق العراق الأخرى فيما بعد؛ ولذلك اكتسبت أهميّةً خاصّةً لا تقلُّ كثيرًا عن أهميّة (البصرة) في هذا الجانب، بوصفها تمثّل تركيبًا سكانيًّا مدنيًّا لتجربة السياسة البريطانيّة، في حين كانت العمارة في معظمها- من ناحيةٍ أخرى-حقلًا عشائريًّا شهد تجربة هذه السياسة.
كما تميّزت العمارة بخصائص جغرافيّةٍ واجتماعيّة، جعلها محطّ أنظار السلطة البريطانيّة المحتلّة وموضع اهتمامها؛ فموقعها الجغرافي مسيطر على مجرى دجلة الجنوبي، وهو المنفذ المائي الرئيس بين بغداد والخليج، فضلًا عن مجاورتها للدولة الفارسيّة.
وعلى الرغم من تلك الأهميّة، فإنّ نصيب المنطقة من الدراسات التاريخيّة الأكاديميّة لم يكن يتناسب مع مكانتها، لا سيّما تاريخها المعاصر، المتمثّل بعهدي الاحتلال والانتداب البريطاني، فمن المعروف أنّ التوجّه العلمي والأكاديمي قد صبَّ جلّ اهتمامه على الجوانب السياسيّة لكبريات مدن العراق، التي رافقت دخول القوات البريطانيّة له، دون التركيز على مجريات الأحداث في بعض المدن العراقيّة ومنها على سبيل المثال لا الحصر لواء العمارة (محافظة ميسان حاليًا)، ولهذا اجتهدتُ في اختيار هذا الموضوع، الذي هو في الأصل رسالة ماجستير قُدّمت الى مجلس كليّة الآداب جامعة البصرة عام ٢٠٠٠م.
تألفت الدراسة من أربعة فصول، تلتها خاتمة تضمنت أهم الاستنتاجات التي توصّلت إليها، كان الأول منها تمهيدًا اشتمل على معلوماتٍ إداريّةٍ وسياسيّةٍ واجتماعيّةٍ مهمّة عن المنطقة في المدة التي سبقت عهد الاحتلال البريطاني.
أمّا الثاني فقد تناول (العمارة في سنوات الحرب العالمية الأولى 1915- 1918)، وقد ضمّ بين دفتيه معلوماتٍ وافيةً عن أسباب الاحتلال البريطاني للعمارة، واستعدادات القوات البريطانيّة لاحتلالها، كما تطرّق الفصل إلى موقف سكان اللواء من الاحتلال، فضلًا عن تسليط الضوء على الإدارة البريطانيّة التي صاحبت الاحتلال ومؤثراته على فعّاليات اللواء الاقتصاديّة.
وجاء الفصل الثالث بمبحثين، بحث الأول منها التطوّرات السياسيّة في العمارة خلال عهد الانتداب البريطاني وما سبقه من أحداثٍ شملت الحقبة الممتدة بين عامي (1919-1920)، وقد بيَّن الفصل أيضًا موقف شيوخ المنطقة من استفتاء ويلسون عام (1919)، والأسباب الجوهريّة التي أدّت إلى ضعف مشاركة أهالي العمارة في ثورة العشرين، كما سلّط الضوء على إجراءات
الحكومة العراقيّة المؤقتة السياسيّة الخاصّة بالاستفتاء ومسألة ملء عرش العراق، وموقفهم من ترشيح الأمير فيصل لهذا المنصب، كما حوى معلوماتٍ مفصّلةً عن انتخابات (المجلس التأسيسي العراقي)، والأسباب التي دفعت إلى امتناع شيوخ العمارة وسكّانها عن المشاركة فيها في بادئ الأمر، ثم كيف سارت الانتخابات بمجراها الطبيعي، وبخاصّة سنة 1924، كما تطرّق إلى انتخابات المجلس النيابي في العمارة عام 1925، خلال الدورات الممتدة بين الأعوام (1925-1930)، وخصّ هذا الفصل بدراسةٍ موضوعيّةٍ صدى المعاهدات العراقيّة – البريطانيّة في العمارة، والموقف منها ولا سيّما في الجوانب التي كانت تمسّ استقلال العراق وكيانه السياسي، ولعلّ من أبرزها قضيّة الموصل.
أما الثاني، فقد ناقش الأوضاع الإدارية في اللواء والخدمات العامّة التي تمثّلت، بالتقسيمات الإدارية، والدوائر الحكوميّة، والخدمات الصحيّة، والتعليم، والمكتبات والحركة الصحفيّة.
وأخيرًا، عني الفصل الرابع بالجوانب الاقتصاديّة والاجتماعيّة في عهد الانتداب البريطاني، إذ تناول بشيءٍ من التفصيل كلًّا من الزراعة والشؤون المتعلّقة بها، والتجارة والعوامل التي أدّت إلى ازدهارها، وبخاصّة طرق المواصلات، إذ تم عرض الجانب الأخير بشكلٍ مفصّل، كما تناول الفصل الصناعات الحرفيّة في العمارة وما هي أهمّ الصناعات التي كانت منتشرةً فيها، والأسباب التي أدّت إلى تقلّصها، هذا بالنسبة إلى المبحث الأول من الفصل، أمّا المبحث الثاني، فقد سلّط الضوء على دراسة الوضع الاجتماعي في اللواء من حيث التركيب السكاني فيه، وفي ضوئه قُسّم إلى قسمين: عشائري، ومدني، وتمت ملاحظة عدم وجود اختلافٍ كبيرٍ بين الوضع الاجتماعي الذي كان سائدًا خلال حقبة الاحتلال
والوضع ذاته خلال عهد الانتداب، كما بحث الأنشطة والعادات الاجتماعيّة في العمارة خلال العهد المذكور، وفي الختام عرضت الخلاصة أهمّ النتائج التي توصّلت إليها الدراسة.
اعتمدتُ في إعداد هذه الرسالة، على مصادر عدّةٍ تأتي في مقدّمتها الوثائق المنشورة، المتمثلة بــ(السالنامات) العثمانيّة لولايتي بغداد والبصرة التي استفدتُ منها بنحوٍ خاصٍّ في فصل الرسالة الأول (التمهيد)، وهي مفيدة جدًا؛ لأنّها تضمّ معلوماتٍ مفصّلةً عن الوضع الإداري للواء، فضلًا عن احتوائها على معلوماتٍ تاريخيّةٍ وجغرافيّةٍ مفصّلةٍ عنه، التي جاءت باللغة التركية عدا بعضٍ منها، لا سيّما (سالنامات) البصرة؛ إذ استعملت فيها اللغتان التركيّة والعربيّة.
ومن الوثائق المنشورة الأخرى، النسخة المترجمة إلى العربيّة عن مجموعة القوانين والنظم العثمانيّة التي نشرت تحت اسم الدستور، والتي احتوت على عددٍ كبيرٍ من القوانين والأنظمة، التي أصدرتها الحكومة العثمانيّة آنذاك، فأمدَّتني بمعلوماتٍ قيّمةٍ تتعلّق بواجبات رؤساء الوحدات الإدارية وصلاحيّاتهم.
أما الوثائق البريطانيّة فقد استفدتُ من الصنفين، غير المنشور والمنشور منها، فبالنسبة إلى الأولى، كانت بمنزلة تقارير شهريّة وأسبوعيّة كان يبعث بها الحكّام السياسيّون ومساعدوهم إلى الهيئات العليا في حكومة الهند البريطانيّة، وقد كانت مهمّة؛ لأنّها احتوت على معلوماتٍ لها صلةٌ بالوضع السياسي والاقتصادي الداخلي للعمارة إبّان حقبت الاحتلال، غير أنّها كانت تعبّر عن وجهة النظر البريطانيّة الصرفة؛ ممّا أوجب التعامل معها بدقّةٍ وحذرٍ بالغين.
في حين كانت الوثائق المنشورة ذات أهميّةٍ كبيرة؛ إذ احتوت على معلوماتٍ وافيةٍ ومفيدةٍ تخصّ تاريخ العراق بنحوٍ عام، وعن الألوية ومنها لواء العمارة
(16)بنحوٍ خاصّ، وتأتي في مقدّمة هذه الوثائق:
“Special Report By His Majesty’s Government in the united Kingdom of Great Britain and Northern Ireland to the Council of Nation”
فقد احتوى هذا التقرير على معلوماتٍ مهمّة تخصّ موضوع البحث رغم عمومياتها، فعلى سبيل المثال لا الحصر، استفدتُ منه بمعلوماتٍ وافيةٍ عن الضرائب وأنواعها في كلا العهدين، الاحتلال والانتداب البريطاني.
ومن الوثائق المنشورة الأخرى التي استفدتُ منها، هي تقارير الحكومة البريطانيّة التي احتوت على معلوماتٍ عامّةٍ تخصّ العراق للسنوات الممتدّة بين عامي 1917-1927، وقد تضمّنت هذه التقارير معلوماتٍ مهمّة شملت الأوضاع الإدارية والزراعيّة والقانونيّة حول العراق بشكلٍ عام، ومنه لواء العمارة ومنها على سبيل المثال لا الحصر
“Administration Report of the Agriculture Directorate for the year 1919”
“Administration Report of the Public Workes Directorate Iraq for period 1923-1924”
بالإضافة إلى بعض التقارير الأخرى التي أشرت إليها في هوامش البحث.
أما المصادر المهمّة الأخرى التي اعتمد عليها الباحث فقد تمثّلت بالمؤلّفات العربيّة، والأجنبيّة المعرّبة، والأجنبية، وفي مقدّمتها كتاب (الثورة العراقيّة الكبرى 1920) لمؤلفه الدكتور عبد الله الفيّاض، وكتاب (البصرة في عهد الاحتلال البريطاني 1914-1921) لمؤلّفه الدكتور حميد أحمد حمدان التميمي، وكان الكتاب الأخير مصدرًا مهمًّا لهذه الدراسة، فقد احتوى على معلوماتٍ
همّة خصّت موضوع الدراسة، وكذلك تم الاعتماد على مجموعةٍ من مؤلّفات السيّد عبد الرزاق الحسني، لا سيّما كتاب تاريخ الوزارات العراقيّة، فقد أفاد الباحث بشكلٍ كبيرٍ من الجزء الأول منه، وهو كتاب ذو قيمةٍ لكلّ من يريد أنْ يدرس تاريخ العراق المعاصر. والله ولي التوفيق.
الأستاذ الدكتور محمّد حسين زبون الساعدي
(18)
أُسست العمارة في سنة 1861 وألحقت إداريًّا في ولاية البصرة منذ تطبيق قانون الولايات لسنة 1864 في العراق في سنة 1869، حتى نهاية الحكم العثماني في لواء العمارة 1915 ، وعلى وفق هذا الأمر كان اللواء مقسّمًا إلى خمسة أقضية، هي العمارة - مركز اللواء -، وعلي الغربي، وقلعة صالح، والكحلاء، وقضاء دويريق (دويريج)، كما ضمّ خمس نواحٍ، هي علي الشرقي، والمجر الصغير، وكميت، والمجر الكبير، والعزير.
وبلغ عدد نفوس العمارة (150000) نسمة على وفق آخر إحصاءٍ تخمينيّ عثمانيّ جرى عام 1913، وكان سكّان مركز اللواء يقرب من (15000) نسمة.
يشرف على إدارة اللواء موظّفٌ كبيرٌ عرف باسم (المتصرِّف)، يُعيّن بموجب إرادةٍ سلطانيّةٍ تصدر عن الباب العالي ، ويساعده في إدارة اللواء أعضاء مجلسٌ منتخبٌ من الأهالي يدعى (مجلس اللواء)، الذين كانوا يشغلون مناصب إداريّة فيه، مثل المحاسب ومدير (التحريرات)، ومفتي البلدة، وكان يقع ضمن
اختصاصاتهم الإداريّة النظر في أمور المدينة، وإدارة أموال الدولة، والشؤون الزراعيّة، ولا سيّما التي تمسّ سياسة الدولة الاقتصاديّة.
ويأتي في سلّم التشكيلات الإداريّة بعد مركز المدينة القضاء، الذي كان يدير شؤونه موظّفٌ بعنوان قائمقام يساعده في ذلك مجلس القضاء المؤلَّف من مدير المال، ومدير التحرير، ومفتي القضاء، وهؤلاء منتخبون من قبل الأهالي، ويرأس المجلس القائمقام شخصيًّا .
وتحتلّ الناحية الدرجة الثالثة من حيث السلم الإداري، التي كان يديرها مدير الناحية، ومجلسٌ يساعده على غرار مجلس اللواء والقضاء إلا أنّه يُسمّى مجلس الاختياريّة الذي يجتمع أربع مرات سنويًّا في مجلس القضاء، وتنحصر مهمّته في إدارة الشؤون المتبادلة بين الناس والحكومة والناحية .
وتأتي القرية في المرتبة الأخيرة إداريًّا، وهي أصغر وحدةٍ في اللواء، وتدار عادةً من قبل المختارين إلى جانب أئمّة الجوامع، وبعض رؤساء الطوائف الدينيّة من غير المسلمين، ويؤلّف هؤلاء مجلسًا منتخبًا، تتركز مهمّته بالاهتمام بشؤون القرى وأهاليها .
هذا ما يخصّ الإطار العام لوضع العمارة الإداري، غير أنّ هذا لا يعني أنّ اللواء كان تديره هذه المجالس فقط، وبالكفاءة المطلوبة، بل كان فيه أيضًا دوائر رسميّة أخرى سيرد ذكر دورها في ما بعد.
سبقت الإشارة إلى أن لواء العمارة كان يضم في العهد العثماني ستة أقضية وثلاث نواح، وكان أقدم الأقضية فيه قضاء العمارة - مركز اللواء -، ويقع القضاء على ضفتي نهر دجلة ضمن حدود اللواء الإداريّة.
وهو من الأقضية القديمة، كان يُسمّى بـ (شطرة العمارة)، وكان هذا القضاء ناحيةً تتبع مركز اللواء حتى عام 1881م، حينها رفعت إلى قضاء عُرف باسم قلعة صالح.
يقع قضاء قلعة صالح على ضفاف نهر دجلة، ويحدّها من الشمال قضاء العمارة – مركز اللواء - ومن الجنوب مدينة القرنة، ومن الشرق يحاذي الحدود الفارسيّة، أمّا من الغرب فيحادد شطرة المنتفك.
بلغ عدد سكّان المنطقة المستقرّين فيه نحو (45) ألف نسمةٍ، (43) ألف تقريبًا من المسلمين، أمّا الباقي فكانوا يمّثلون أبناء الطوائف الأخرى من الصابئة والنصارى واليهود .
أمّا أهمّ المحاصيل التي كانت تزرع في القضاء فتمثّلت بالرز والذرة والسمسم – وهي محاصيل كانت تزرع أيضًا في مركز القضاء، ولكن بنسبٍ أقلّ من قضاء قلعة صالح -، وتأتي تربية الحيوانات في المرتبة الثانية بعد الزراعة من حيث النشاط الاقتصادي؛ إذ كان يُربّى فيه الجاموس، ويوجد هذا النوع من الحيوانات بأعدادٍ وفيرةٍ، حيث يربّيه أفراد عشيرة (آل بو محمد)، ولكلا الغرضين؛ سدّ الحاجة الذاتيّة من منتجاتها، وتصدير الفائض منه. كما كان يوجد فيه عددٌ من المستنقعات التي كان يكثر فيها السمك، فضلًا عن وجود حقلي للملح الأول في منطقة تدعى (أبو روبة)، والثاني في منطقة (بني مليك)، لكن إنتاج الأخير كان قليلًا مقارنةً مع الأول .
ويشير لوريمر ، إلى أنّ هذا القضاء لا يحتوي على وحداتٍ فرعيّةٍ إداريةٍّ أخرى، إذ كان على رأس السلم الإداري فيه القائمقام، وهو السيّد حسين عوني أفندي .
يأتي هذه القضاء بعد قضاء قلعة صالح من حيث الأهميّة، ويقع في الشمال الغربي من مدينة العمارة في الطريق إلى مدينة الكوت على الضفّة اليمنى لنهر دجلة، وقد كان هذا القضاء حتى عام 1902 ناحيةً تابعةً الى اللواء، أمّا بعد التاريخ المذكور فقد حُوّل الى قضاءٍ يدير شؤونه الإداريّة قائمقام، وهو السيّد سلمان بيك .
كان هذا القضاء ذا أهميّةٍ اقتصاديّةٍ كبيرةٍ؛ فبالإضافة إلى أنّه يحتوي على أراضٍ خصبةٍ صالحةٍ لزراعة الحبوب، كان أيضًا مكانًا جيدًا لرعي المواشي كالأغنام والأبقار والماعز، وهي بطبيعة الحال مصادر للأنسجة الصوفيّة التي كانت تصدر إلى أوربا وعددٍ من بلدان آسيا، وهو بهذه الصفة يُعدّ مكانًا لممارسة التجارة وبخاصة من قبل اليهود الذي كانوا يسكنون فيه. فضلًا عن وجود مركز للتلغراف ومركز للكمارك، ويشير لوريمر إلى أنّ تسميته جاءت من اسم أحد أبناء موسى الكاظم عليهالسلام .
يأتي هذا القضاء بالمرتبة الثالثة بعد القضاءين المذكورين، ويقع في الجنوب الغربي من مدينة العمارة، وكان في بدايته قريةً صغيرةً انتشرت بيوتها حول قلعة بناها الشيخ فيصل بن خليفة أحد شيوخ عشيرة البو محمد.
وكان قضاء الزبير ناحيةً حين أُسّس لواء العمارة، مقرّها (مسيعيده)، غير
أنّها بعد عام 1881 حُوّلت إلى قضاء، وكان لهذا القضاء ثقلٌ اقتصاديٌّ واضحٌ بالنسبة إلى لواء العمارة؛ لأنّه يضمّ مساحاتٍ واسعةً من الأراضي الزراعيّة الخصبة فضلًا عن وجود الثروة الحيوانيّة، ولا سيّما الجاموس الذي يشكّل موردًا ماليًّا لها ، وكان في مركز القضاء مقرّ القائمقام السيّد يحيى أفندي، ومقر إقامة مدير دائرة السنية .
وتحميها حاميةٌ مكوّنةٌ من مائة جندي من المشاة ، وينتمي أغلب سكان المنطقة إلى عشيرة البو محمد، إذ كانت هذه العشيرة تمارس زراعة الرز والذرة، فضلًا عن قيام دائرة السنية في القضاء، بزراعة النخيل في بعض الاراضي التابعة لها .
يقع هذا القضاء في شمال شرق مدينة العمارة، ويمتدّ على طول التلال الإيرانيّة من الشمال والشرق، وقضاء الكحلاء من الجنوب وقضاء العمارة من الغرب، أمّا تسميته فجاءت نسبةً الى قريةٍ أو منطقةٍ هناك تحمل الاسم ذاته .
وتأتي أهميّة القضاء الذي يسكنه العديد من القبائل العراقيّة من كونه مصدرًا
للثروة الحيوانيّة بسبب وجود المراعي الكثيرة، فضلًا عن المناطق الزراعيّة الجيّدة في اللواء، وهناك ظاهرةٌ إداريّةٌ غير مسبوقةٍ فيه؛ وهي أنّ القائمقام لا يمارس صلاحياته داخل القضاء، بل كان يقيم في مركز اللواء، ويعود السبب في ذلك إلى عدم توفر عناصر الاستقرار فيه ، ويبدو أنّ قرب القضاء من الحدود الإيرانيّة وتداخل القبائل العراقيّة والإيرانية طلبًا للماء والكلاء قد أدّى إلى هذا الأمر.
سبقت الإشارة إلى أنّ لواء العمارة، كان يضمّ خمس نواحٍ، وهي وحداتٌ إداريّةٌ أصغر من الأقضية، وكان على رأس كلّ ناحيةٍ موظّفٌ يُطلق عليه اسم (مدير الناحية)، وتأتي في مقدمة تلك النواحي، ناحية علي الشرقي، وتضمّ هذه الناحية مزارًا جاء اسم الناحية منه، وتقع هذه الناحية على الضفة اليسرى لنهر دجلة ، وأشهر محاصيلها الرز الذي كان بعضٌ منه يُعدّ للتصدير، وتأتي بعدها من حيث الأهميّة الاقتصاديّة، ناحية المجر الكبير، وناحية المجر الصغير، وجاءت تسميتهما من النهر الذي يخترقهما، وناحية العزير، بالإضافة إلى ناحية كميت.
حدّدت السلطة العثمانيّة المهمّات الملقاة على الموظّفين العاملين في أجهزتها الإداريّة، وذلك من خلال إراداتٍ سلطانيّةٍ صادرة من الباب العالي، ومن جملة
ما جاءت به هذه الإرادات هو تحديد سلطة موظفي الدولة وواجباتهم في لواء العمارة، مثل متصرّف لواء العمارة السيّد (عاصم بيك) ، قمة الهرم الوظيفي في اللواء، وقد حدد بواجباتٍ أهمّها تنفيذ أوامر الوالي، كما كان له صلاحية الإشراف على توزيع أفراد الشرطة في العمارة والأقضية التابعة لها، إلى جانب العناية بالأمور المالية والقوانين الصادرة من الجهات العليا، فضلًا عن صيانة حقوق وواجبات الأهالي .
وكان له عددٌ من الموظفين يساعدونه على تصريف أمور اللواء، أوّلهم معاون المتصرّف وهو قائمقام القضاء، ومقرّه مركز اللواء، ثم يأتي بعده المحاسب (المحاسبجي)، ومدير التحريرات في اللواء، وهؤلاء جميعًا يعينون بإرادةٍ سلطانيّة، وكذلك مدير الدفتر الخاقاني (مدير الأراضي)، وقائد ضابطية اللواء.
ويأتي بالدرجة الثانية، من حيث السلّم الوظيفي في اللواء منصب القائمقام الذي يشغله عادةً شخصٌ يختاره الوالي، وتنحصر مهمّته بإدارة شؤون القضاء الماليّة والاقتصاديّة، والإشراف على واجبات مديري النواحي والتابعين لهم، فضلًا عن تنظيم جهاز الشرطة، ولم يكن هذا الأمر منحصرًا على قائمقام اللواء- مركز اللواء - بل شمل قائمقامي اللواء كافة، فمثلًا في قلعة صالح كان السيّد حسين عوني أفندي يقوم بتلك الواجبات في حين كان السيّد يحيى أفندي يقوم بالواجبات ذاتها في قضاء الزبير(الكحلاء)، وكان يساعده في أداء تلك المهام عددٌ من الموظّفين الحكوميين، وهم نائب القائمقام، ومدير المال، ومدير التحرير، وعددٌ آخر من المأمورين.
أمّا مدير الناحية، فهو المسؤول عن إدارة شؤون الناحية، حيث كان يقوم بإدارة أمورها القانونيّة، وهو حلقة الوصل بين مركز القضاء والمختارين الذين ينفذون أوامره، كما أنّه المسؤول الأوّل عن صيانة الأمن والاستقرار في الناحية إلّا أنّه ليس له الحقّ في التدخّل في الشؤون القضائيّة والمجالس الاختياريّة في القرى .
ويُعدّ المختارون من صغار الموظّفين في كلّ الوحدات الإداريّة، وقد حُدّدوا بواجباتٍ خاصة، تمثّلت بنشر قوانين الدولة وأنظمتها وأوامرها في الوحدات الإداريّة الصغيرة - القرى-، التي يُبلّغهم بها المسؤول الأعلى، كما أنّهم يقومون بمهمّة جمع الضرائب الحكوميّة - في أحيانٍ كثيرة -، وتبليغ الأفراد بالاستدعاء إلى الدوائر الرسميّة عند الحاجة، فضلًا عن تصديق الكفالات وإخبار المسؤولين بالأحوال الشخصيّة عن حالات المواليد والوفيات، وكذلك الإخبار عن الحوادث سواء الجرائم أم المساعدة في القبض عن المجرمين .
أمّا الدوائر التي كانت موجودةً في العمارة فهي عديدة، ومنها دائرة قلم الحسابات التي تشرف على أمور الصرفيّات في اللواء، ودائرة الدفتر الخاقاني، ومهمّتها تطبيق الأنظمة والقوانين المتعلّقة بالأملاك والأراضي، دائرة النفوس ومهمّتها تسجيل عدد نفوس اللواء، هذا فضلًا عن دائرة الرسومات التي كان يديرها الحاج علي أفندي، ودائرة البلديات التي كانت تقوم بواجبات التنظيف وترميم الطرق والمحافظة على الصحة العامة، وكان يمثّل الحكومة الإيرانيّة في العمارة وكيلٌ قنصليّ .
كانت السلطة القضائيّة في العراق عمومًا والعمارة من ضمنه، منفصلةً من سلطة الوالي، لما لها من مكانةٍ كبيرةٍ في المجتمع ؛ لذا اتّبعت السلطة العثمانيّة نظامًا دقيقًا في تعيين القضاة حفاظًا على مكانة هذا القطاع في الدولة.
إنّ المحاكم كانت تنقسم إلى قسمين الأولى هي المحاكم الشرعيّة، والثانية هي المحاكم النظاميّة، وهي محاكم موجودةٌ في كلّ قضاءٍ، وتتألّف من رئيس المحكمة ونائبه، فضلًا عن القائم بمهمّة القضاء الشرعي، وتجدر الإشارة إلى أنّ أحكام هذه المحاكم غير قابلةٍ للاستئناف، وتنقسم هذه المحاكم بدورها إلى أربعة أنواعٍ هي: المحاكم المدنيّة، والمحاكم التجاريّة، ومحاكم الشرطة الإصلاحيّة، والمحاكم الجنائيّة .
ولكون لواء العمارة من المناطق التي تسكنها العشائر فإنّ ذلك كان يغنيهم في أغلب الأحيان عن مراجعة المحاكم الحكوميّة، والاكتفاء بالأحكام الصادرة عن شيخ العشيرة، الذي يعتمد بدوره على شيوخ آخرين من عشيرته في الفصل بالقضايا المتعلقة بأفراد عشيرته، أمّا إذا كانت القضية تخص أكثر من عشيرة، فيكون ذلك سببًا لاجتماع مجلس يعرف باسم (المجلس العشائري)، وهو يضمّ رؤساء عشائر الأطراف المعنيّة بالقضيّة، الذين غالبًا لا يرغبون بتدخّل المحاكم
الرسميّة في شؤونهم، ويعتمدون في مناقشاتهم للقضايا وإصدار الأحكام بها على العرف العشائري، الذي من أشهر إجراءاته الفصل.
لم يكن سكّان لواء العمارة من العشائر على وئامٍ مع السلطات العثمانيّة؛ فقد كانت العشائر دائمًا تعارض الحكومة، وترفض تنفيذ أوامرها، ولا سيما في ما يخصّ دفع الضرائب، وغالبًا ما يحصل هذا الخلاف إلى درجة الصدام المسلّح بين الطرفين .
إلّا أنّه بعد حدوث الانقلاب العثماني في تموز سنة 1908م، ومجيء جمعيّة الاتّحاد والترقي إلى السلطة ، وإعادة دستور سنة 1876 إلى العمل وصدور عفوٌ عامٌّ عن المسجونين، هذه الأحداث كلّها أدّت إلى ظهور وضعٍ جديدٍ في الموقف السياسي للسكان؛ إذ صار يتفاعل مع التغيرات السياسيّة والإداريّة، وامتد ذلك حتى أواسط 1915 .
إنّ اتّضاح الموقف العنصري في سياسة الاتحّاديين أثار ضغينة الناس، وتبلور ردّ الفعل في وقتٍ مبكّرٍ من مرحلة (المشروطيّة)، ومع بدء الانتخابات النيابيّة
الأولى لمجلس المبعوثان في عام 1908م، جرت أولى الاتصالات السياسيّة بين السيّد طالب باشا النقيب في البصرة وعددٍ من الشخصيّات المعروفة في مدينة العمارة في سنة 1909م، حين بعث إليهم رسائل يحثّهم فيها على دعم موقفه السياسيّ المناهض للاتّحاديين، وكان ضمن من خاطبهم في هذا الصدد الشيخ غضبان البنية شيخ عشيرة بني لام[1].
كما عُقد مؤتمر المحمرة سنة 1909م، فُدعي لحضوره عددٌ من شيوخ العمارة، غير أنّ موقف هؤلاء الأخير انحصر في تأييد موقف السيّد طالب النقيب الذي أسّس فرعي حزب الحر المعتدل، ثم حزب الحريّة والائتلاف في البصرة في حدود1911 وسنة1912 على التوالي [2]، ولم ينسَ التهيئة السياسيّة المباشرة، إذ دعا كلٌّ من الحاج نجم البدراوي، وأحمد مصطفى، وفائق الخضيري إلى التأييد والانتظام في هذين الحزبين بوصفه العمارة جزءًا من ولاية البصرة[3] .
في السابع عشر من كانون الأول من عام 1908م، أجريت أوّل انتخاباتٍ في العراق لمجلس المبعوثان، وقد رشّحت عددٌ من الشخصيات العراقيّة نفسها لتمثّل لواء العمارة في الدورات الانتخابيّة الأربع التي أجريت خلال السنوات الستّ الممتدة من سنة 1908 إلى سنة 1914، ففي الدورة الانتخابيّة الأولى
عام 1908م، فاز عن العمارة كلٌّ من عبد المحسن السعدون ، وعبد المجيد الشاوي .
وفي الدورة الثانية التي أجريت في أيار سنة 1912م، فاز كلٌّ من عبد الرزاق المير، وهو من ملاكي البصرة ومعروف الرصافي ، وفي الدورة الثالثة التي أجريت في تشرين الثاني سنة 1912م، فاز كلٌّ من عبد المجيد الشاوي، وعبد الله صائب، وسليمان فيضي، أمّا في الدورة الأخيرة التي أجريت في كانون الثاني سنة 1914م، فقد فاز كلٌّ من شكري أفندي، وعبد المجيد الشاوي، وعبد الكريم السعدون .
عند إلقاء نظرةٍ فاحصةٍ على الشخصيّات التي مثّلت لواء العمارة في مجلس المبعوثان تظهر أنّها لم تكن من أهالي اللواء، ولا من ضمن العاملين فيها، الأمر الذي ليس له إلّا دلالة واحدة، وهي أنّ السلطات العثمانية لم تكن ترغب في ترشيح من لا تعرف التعامل معه بحجة التعليم أو غير ذلك من الحجج الأخرى؛ الأمر الذي أدّى إلى أنْ يترشّح أولئك المُشار إليهم، إلى المقاعد النيابية المخصّصة للعمارة، وقد صارت مناسبة الانتخابات فيها فرصةً للتنافس السياسي الحاد بين جمعية الاتّحاد والترقي وحزب الحرية والائتلاف، إذ سعى الحزب الأخير إلى تقديم المساعدات إلى مرشّحيه لضمان فوزهم، واستطاع أنْ يكسب موقف متصرّف لواء العمارة إلى جانبه؛ إذ أصرّ الأخير على التمسّك بقانون
الانتخابات، وصدّ أيّ محاولةٍ للعبث بنصوصه لحساب الاتحاديين؛ الأمر الذي أدّى إلى سجنه.
إنّ موقع العمارة الجغرافي على نهر دجلة، وبعدها عن الخليج، جعل الاهتمام البريطاني بها يأتي متأخّرًا وغير مباشرٍ قياسًا بالذي كان عليه الحال بالنسبة للبصرة؛ فلقد أدرك البريطانيّون الأهميّة الاستراتيجيّة للبصرة منذ مدةٍ مبكرّة، ومارسوا التجارة معها في سنة 1635 ، وتعزّز موقعهم فيها عبر السنين التالية، وصار لشركة الهند الشرقيّة البريطانيّة في سنة 1723م، مركزٌ تجاريٌّ دائميً، وبعد خمس سنواتٍ من ذلك سُمح لها باستخدام قوارب لنقل البضائع عبر نهر دجلة إلى بغداد، وجرى تأكيد ذلك في سنة 1759 ، ثم في سنة 1837 و1840م، وبعدها أسّس الضابط البريطاني لنج H.B.Lynch شركة للملاحة في نهر دجلة في سنة 1861م، وسرعان ما سيطرت على حركة نقل التجارة الداخليّة، ولكن هذا النشاط التجاري في ظاهره واجه بعض المشاكل، خاصّة في منطقة العمارة، ومن ذلك أنّه في عام 1830 قامت العشائر المذكورة باحتجاز مواطنٍ بريطانيّ يُدعى (بايكلي) كان يعمل في الوكالة السياسيّة البريطانيّة رغم أنّه كان يرفع العلم
البريطاني على زورقه، وقد أُجبر على دفع الضريبة، ولم تجد شكواه لدى حكومة الهند البريطانيّة أي شيء.
ظلّت العشائر توقف السفن، وتجبي الضرائب حتى أنّه في سنة 1843م، بلغ مقدار ما جمع من الضرائب المستحصلة من السفن البريطانيّة قرابة (1500) قرش، وكانت العشائر تلجأ إلى القوة في حالة امتناع السفن عن دفع الاتاوة المالية ، وعلى الرغم من أنّ البريطانيين وقعوا اتفاقياتٍ عديدةً مع السلطات العثمانية فإنّ هذه الأخيرة لم تكن لديها القدرة الكافية على إيقاف جباية العشائر للإتاوة من السفن المارة بمواقع أقامتها على ضفاف نهر دجلة ؛ ولذلك لجأ البريطانيّون إلى التقوية من العشائر بتقديم الهدايا إلى شيوخها، للتخلّص من دفع الإتاوة إلّا أنّ هذه الطريقة لم يكتب لها النجاح دائمًا، وظلّت المشكلة قائمة .
وفي عام 1880م، قامت عشيرة البو محمد بقيادة شيخها محمد الصيهود بالتعرّض إلى أحد السفن العثمانيّة تدعى (خليفة)، وإثر هذا الأمر زوّد البريطانيون
سفنهم بالحرس المسلّح تحسبًا لأيّ هجماتٍ أخرى ، وتطوّر هذا الإجراء إلى ما هو أوسع منه حين تعرّضت إحدى سفنهم إلى هجومٍ من شيخ بني لام غضبان البنية، في سنة 1906م؛ إذ طلبت القنصليّة البريطانيّة من السلطات العثمانيّة أنْ يسمح لها بتسيير الباخرة المسلّحة (كوميت)، إلى جانب السفن البريطانيّة التجارية التابعة لشركة لنج لحمايتها من تعرّض العشائر لها. ورغم هذا الإجراء تكرّر موقف العشائر في السنة التالية (1907م) حين تعرّض شيخ عشيرة البو محمد حاتم الصيهود للسفن البريطانيّة .
كما تزامن مع نشاط البريطانيين التجاري نشاطٌ آخر لا يقلّ أهميّةٍ من النشاط الاقتصادي ضمن حدود لواء العمارة، وهو النشاط التبشيري، الذي ركزت عليه بريطانيا بشكلٍ ملحوظٍ، ويعود سبب ذلك إلى نوعين من التوجّهات؛ النوع الأول تمثّل بالصراع مع الدول العظمى في المنطقة، حيث إنّ الدول الأوربيّة كانت تنشط هي الأخرى في منطقة جنوب العراق، لا سيّما فرنسا وأمريكا (الولايات المتحدة) ، أمّا الثاني فقد تمثّل بحرص بريطانيا واهتمامها الزائد بهذه المنطقة ليكون هذا النشاط (التبشيري) بوابةً لنشاطاتٍ أخرى على النحو المستقبلي كالنشاط العسكري مثلًا، وتحديدًا للمدّة التي امتدت من منتصف القرن التاسع عشر صعودًا، وقد استغلّ البريطانيّون في هذا الجانب - التبشيريّ - الفعّاليّات
الصحيّة والتعليميّة المتردية بالأساس، خلال العهد العثماني في جنوب العراق ولواء العمارة من ضمنها، ومن خلال ما تقدّم يتضح أنّ البريطانيين - ومن غير المستبعد - أنّهم وظّفوا أدوات التبشير لخدمة مصالحهم العسكريّة فيما بعد وذلك من خلال تحديد أهميّة المنطقة استراتيجيًّا وجغرافيًّا بصورة عامّة.
استمرت هذه الحالة حتى أواخر عهد الحكم العثماني في العراق وخاصّة بين سنوات 1908- 1913م، إذ واصلت عشائر البو محمد وبني لام مع حلفائهما من العشائر القاطنة في العمارة، للتعرّض للسفن المارة بنهر دجلة بوسائل شتّى لجلب الإتاوة منها، واتّخذ الأمر أحيانًا أسلوب المواجهة المسلّحة، وقد دفع ذلك السلطات العثمانيّة إلى تعيين حرّاس على طول المنطقة العشائريّة المحاذية لنهر دجلة في العمارة، غير أنّ ذلك لم يحل دون أعمالهم المذكورة، وبقيت صورة هذا الوضع العشائري ماثلةً في أذهان البريطانيين إلى حين تقدّمهم لاحتلال العمارة في 3 حزيران 1915.
يتّضح من خلال ما تقدّم أنّ سكّان لواء العمارة من العشائر لم يكونوا على وئامٍ مع السلطات العثمانيّة ولا مع القوى الأجنبيّة المتمثّلة ببريطانيا، كما يكشف لنا ذلك ضعف سيطرة الحكومة العثمانيّة على لواء العمارة؛ وذلك لافتقار هذه المنطقة إلى قواتٍ عثمانيّةٍ عسكريّةٍ كافية لتأمين السيطرة هناك. فضلًا عن ذلك أنّ جدليّة الصراع بين القوى المتحاربة بين العثمانيين في حينها والقوات المشتركة معها، وهم مجاهدو رجال العشائر من جهة والقوات البريطانيّة من جهةٍ أخرى كشفت عن احترام وانضباط سكّان العراق بشكلٍ عامٍّ وأهالي لواء العمارة من بينها لإرادة القيادات الدينيّة (مراجع الدين)، والعشائريّة (شيوخ العشائر)،
وهي مسألة تستحقّ الوقوف عندها؛ إذ إنّ القيادات الدينيّة كانت تنظر للعثمانيين على أنّهم مسلمين، وأنّ مقارعة القوات البريطانيّة المحتلّة هي حربٌ مقّدسةٌ ضد الجيش الصليبي البريطاني، الأمر الذي يكشف عن حقائق إضافيّةٍ أخرى توضّح أنّ هذا الوقوف الى جانب العثمانيين لا يعني بالضرورة احترام تواجدهم والقبول بسياستهم تجاه السكّان في العراق؛ فـسلبيات الدولة العثمانيّة كانت كثيرةً، ومبررات الرفض العراقي لهم كانت متوفرة إلّا أنّ تقديم السيء على نحو القوات الأجنبيّة المحتلّة كانت قائمة.
(38)إنّ أهم ما كان يميز لواء العمارة عن باقي ألوية العراق الأخرى الأراضي الخصبة الواسعة، وبخاصة أراضي زراعة الحبوب، الرز (الشلب)، والحنطة والشعير . غير أنّ الرز كان أهمّ محصولٍ ينتج في اللواء وعليه اعتمدت تجارة مدينة العمارة التسويقيّة، حيث يتصدر قائمة الصادرات فيه ، أمّا الصادرات الأخرى فقد تمثّلت بالحيوانات ومنتجاتها؛ إذ إنّ اللواء كان يتمتع بإمكاناتٍ خاصّةٍ ساعدته على تربية أعدادٍ وفيرةٍ من الحيوانات، تمثّلت تلك الإمكانات بوفرة المراعي والمناخ الملائم لتربيتها، ومن أشهر أنواع المواشي المتوفّرة في العمارة هي الأغنام والأبقار والجاموس، فضلًا عن الحيوانات الأخرى التي كانت تستخدم في النقل مثل الخيول والبغال والحمير . كانت المنتجات الحيوانيّة تحتلّ المرتبة الثالثة في قائمة صادرات العمارة وأهمّها، الصوف وجلود الحيوانات، ومن الجاموس منتجاتها اللبنيّة.
كانت المناطق التابعة إلى ولاية البصرة وولاية بغداد في مقدمة المناطق المستوردة لمنتجات اللواء الزراعيّة والحيوانيّة، وأهمّها المنتجات الحيوانيّة المتمثّلة بالألبان واللحوم والصوف ، أمّا المنتجات الزراعيّة (الرز، الحنطة، الشعير)، فكانت تصدر الى مصر وموانئ الخليج والبحر الأحمر، ومنها تذهب- المواد المذكورة - إلى كلٍّ من الهند وبريطانيا وفرنسا، وهذه الدول كانت تستورد الشعير والرز غير المنقّى لدخولها في صناعة الجعة. وقد اشتهر اللواء في زراعة بعض المحاصيل الزراعيّة الأخرى، ولكن على نطاقٍ ضيق، مثل، النارنج، والرمان، والسفرجل، والتين، والعنب، كما اشتهر ببعض الصناعات الحرفيّة التي كانت تنتشر في المدينة، وأهمّها صناعة العباءات والأحزمة العربيّة، فضلًا عن المصوغات الفضية التي أحترفها الصابئة في العمارة دون غيرهم، ومنها أنواع رائعة مرصعة بالأنتيمون.
كانت واردات اللواء تتألّف من مواد عديدة يفتقر إليها، فعلى المستوى المحلّي كان يستورد الأقمشة من ولاية بغداد، أمّا ولاية البصرة فكان يستورد منها التمور، أمّا ما كان يرد إليه من الخارج، فبصورة عامة كانت المواد نفسها التي ترد
إلى العراق العثماني، وأهمّها القهوة، والسكر، والعقاقير، وأدوات المطبخ، والأواني النحاسيّة، التي كانت ترده من بلاد فارس، في حين كان يرد من الهند بعض أنواع الأقمشة الحريريّة والقطنيّة، وكان التعامل يتم بطريقة المقايضة، رغم وجود العملة المتداولة في العمارة وهي (القِران الفضي الإيراني) . فضلًا عن ذلك كانت العمارة تستورد من الأقاليم المجاورة بعض المنتجات التي تفتقر إليها مثل السمن والجلود المدبوغة، وقد شكّلت واردات العمارة نسبة 10% من واردات العراق.
شكلت الضرائب موردًا ماليًا مهمًا بالنسبة للحكومة العثمانية، ولهذا تنوّعت واختلفت حجج جبايتها، وبخاصّة تلك التي كانت تفرضها على العشائر في اللواء، وأهمّ هذه الضرائب هي:
1- ضريبة العشر: وهي ضريبةٌ فرضتها السلطات العثمانيّة المحليّة على ملتزمي الأراضي الزراعيّة في اللواء غير أنّ السلطات العثمانيّة كانت تجمعها بصورةٍ غير عادلةٍ تمامًا قياسًا مع الضرائب الأخرى، إذ استعملت طريقة (الذرعة)، وفيها كان يحسب عدد (الكبالات) أو (المشارة)، فيؤخذ على كلّ
واحدٍ منها (300 أوقية)، وقد سأم الفلاحون هذه الطريقة ممّا أدّى إلى انخفاض مستوى إنتاج الرز.
2- ضريبة الكودة (الماشية): وهي ضريبةٌ كانت تفرضها الحكومة العثمانيّة على أصحاب المواشي، وكانت تجبى بطريقة العدّ أو التخمين، وتتم عملية التقدير في أوّل شهرٍ شباط حيث يقوم أصحاب المواشي بتسجيل عدد رؤوس مواشيهم عند المختارين، ثم يقوم الموظّفون المختصّون، وعلى شكل لجانٍ بجبي الضرائب مستندين على الإحصائيات المتوفّرة لدى المختارين .
3- ضريبة الويركو: أي الضريبة البيتية، وهذه الضريبة تفرض على كلّ بيتٍ أو كوخٍ أو خيمة، وكانت تؤخذ من الفلاحين سواء كانوا مستقرّين أم غير مستقرّين، وهنالك ضرائب أخرى متنوعة كانت تفرضها الحكومة العثمانيّة على أهالي اللواء، ومنها ضريبة البدل العسكري وضريبة رسوم الطابو، وضرائب البلدية، وبخاصّة ضريبة الجسر، فضلًا عن الضرائب التي كان شيوخ العمارة يفرضونها على السفن المارة بمناطقهم في نهر دجلة، وهي ضريبة (الخاوة) حتى إنّها بمرور الزمن اكتسبت الصفة الشرعيّة .
أمّا في ما يخصّ طرق الحكومة العثمانيّة في جباية الضرائب، فأشهرها طريقة
الالتزام وهي أنّ تعهد إلى بعض المتنفذين من شيوخ العشائر بجبايتها من الفلاحين وإرسالها إلى مراكز الألوية، وعلى الملتزم أنْ يدفع مبلغ قدره يعادل ضريبة سنة من الضرائب المقرّرة على المنطقة، أمّا أساليب الجباية فكانت هي الأخرى غير عادلة، لاعتماد الموظّفين المعنيين أسلوب التخمين والعد، الأمر الذي جعل الفلاحين - في أحيانٍ كثيرة - يتذمرون عن دفعها، ممّا يضطر الحكومة إلى استخدام القوة في جبايتها.
إنّ الطابع القبلي هو أبرز الصفات التي كانت تميّز المجتمع السكاني في حوض دجلة وعلى نحوٍ كبير، الأمر الذي جعل تلك الصفة تكون الركيزة الأساسيّة التي استند عليها المجتمع الريفي هناك، فعلى أساسها قاد الشيخ عشيرته، كان المجتمع الريفي يضمّ المجتمع القبلي كافّة بما فيه البدو الرحّل والمستقرّون وشبه المستقرين.
فعشيرة بني لام مثلًا كانت تنقسم إلى جزأين؛ الأوّل مثَّل البدو الرحّل، في حين مثَّل الآخر العشائر شبه المستقرّة والمستقرّة، وانطبق الحال نفسه على عشيرة البو محمد وعشائر اللواء الأخرى التي شكّلت أحلافًا مع العشيرتين المذكورتين، في حين أكّدت بعض المصادر، إنّ المجتمع في هذا الجزء من العراق (العمارة)، كانوا من السكّان المستقرّين، وقد استندوا في ذلك إلى أدلة الاستقرار المتمثّلة بالزراعة وتدجين الحيوانات.
انحصر المجتمع الحضري (المدينة) في العمارة، بفئةٍ قليلةٍ من سكّانها تمثّلت بقلة من المسلمين وأخرى بالطوائف غير المسلمة من نصارى ويهود وصابئة.
كان منشأ المدينة في العمارة منشأً عسكريًّا، فقد باشرت الحكومة العثمانيّة ببناء الثكنات العسكريّة لقواتها بعد تمكّنها من تهدئة الأمر المضطرب هناك، وعندها قام سكّان الأهالي ببناء البيوت حول هذه الثكنات، وذلك طلبًا للأمان.
أمّا العامل الثاني الذي ساعد على تطور المدينة في العمارة، فتمثّل بالعامل التجاري، فبناء المحطّات التجاريّة على ضفاف نهر دجلة، جعل من هذه المنطقة سوقًا رائجًا للتجار الأجانب، الذين كانوا يقصدونه لغرض إجراء المبادلات التجاريّة مع عشائر العمارة.
أمّا العامل الثالث الذي كان له الدور الواضح في تطوّر المدينة في العمارة، فقد تمثّل بالتعليم، وعلى الرغم من مستواه المنخفض في مجتمع العمارة حينذاك، فإنّ وجوده كان له دورٌ واضحٌ في بروزها؛ فالمدارس الإسلاميّة المتمثّلة بالمساجد التي كان يديرها الملالي، والمدارس التبشيريّة، والمدرسة الرشديّة العثمانيّة جميعها
أسهمت في استقرار السكّان في المدينة، فضلًا عن وجود بعض المدارس الأهليّة التي كان أصحابها يمارسون مهنة التعليم في البيوت.
غير أنّ نسبة السكّان المئوية في المدينة وفي العراق بشكلٍ عامٍ لم تكن تشكل سوى 24%، في حين كانت الأخرى (نسبة الريف) تشكل 76%، وهو أمرٌ برز بشكلٍ واضحٍ في العمارة.
ممّا تقدّم نستنتج أنّ المجتمع في العمارة كان مجتمعًا ريفيًّا - كما ذكرنا سلفًا - وقد انعكس ذلك بشكلٍ واضحٍ على طبيعة مواجهة التطوّرات والمتغيرات السياسيّة والاقتصاديّة التي طرأت في اللواء، فقد كانت هذه المواجهة مبنيةً على هذا الأساس – الريفي -، فضلًا عن بقاء الأساس نفسه في مواجهة التغيّرات المذكورة في عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني (1915-1932)، ممّا كان له الأثر الواضح في ضعف مستوى المواجهة قياسًا مع المدن العراقيّة الأخرى مثل بغداد والبصرة وفي كلا العهدين العثماني والبريطاني.
لم تكن فكرة احتلال بريطانيا للعراق وليدة الحرب العالميّة الأولى، بل كان لها جذورٌ عميقةٌ تمتدّ إلى أوائل القرن التاسع عشر، في الوقت الذي أصبح فيه العراق ضمن المخططات الإستراتيجية البريطانيّة التي هيّأت لها من خلال الحركة التجاريّة في المدة المذكورة.
ويعزى سبب هذا الاهتمام إلى مبرراتٍ عدة، كان من أهمّها تأمين طرق المواصلات المؤدية إلى الهند –التي كانت إحدى محاور الصراع الدولي آنذاك- وما يهددها من مطامع الدول المتنافسة الأخرى، ولا سيّما فرنسا، ومن ثم ألمانيا في أواخر القرن التاسع عشر، وحصلت الأخيرة على امتياز سكّة حديد بغداد – برلين عام 1899، ضمن اتفاقيةٍ رسميةٍ عقدتها مع السلطان العثماني عبد الحميد الثاني ( 1876-1909)، فازداد اهتمام بريطانيا بشكلٍ أكبر في الحفاظ على مصالحها في المنطقة، وجاء اكتشاف النفط في منطقة الأحواز العربية عام 1908م، ليعزز هذا الاهتمام؛ إذ إنّ البريطانيين أصبحوا واثقين من وجود النفط في الأراضي العراقيّة، ولا سّيما المحاذية منها للأحواز، وقد تحوّل هذا الاهتمام
إلى قلقٍ عميقٍ ساور الحكومة البريطانيّة في الهند، وظلّ مستمرًا إلى حين بدء الحرب العالميّة الأولى، فعمدت إلى احتلال البصرة، ثم العمارة والناصريّة (ذي قار حاليًا)، وبعدها سيطرت على العراق كلّه.
إنّ لواء العمارة كان جزءًا من ولاية البصرة العثمانية وهو من الناحية الإستراتيجيّة يقع على خطّ المواصلات الذي يربط بين بغداد والبصرة، وهو بذلك هدفٌ مهمٌ فيما إذا تم احتلال البصرة؛ لأنّه يمثّل خطًّا دفاعيًّا يضمن سلامة المصالح المكتسبة في المنطقة، ومن الناحية الاقتصاديّة هو أقرب منطقة إلى الأحواز الغنيّة بالنفط –إذا استثنينا البصرة - وعلى أساس هذا القرب الجغرافي ولأهميّة موقعه قدرت بريطانيا الأهميّة الإستراتيجيّة للعمارة.
وعند اندلاع الحرب العالميّة الأولى في آب 1914، وجدت بريطانيا المبرر المطلوب لتحرّكها العسكري، وبخاصّة بعد دخول الدولة العثمانيّة إلى جانب ألمانيا في 5 تشرين الثاني 1914، فكان احتلال بريطانيا للبصرة في 22 تشرين الثاني من العام نفسه بقيادة الفريق سير آرثر باريت، وعلى إثر ذلك دار نقاشٌ بين المسؤولين البريطانيين حول حركة الاحتلال في ضوء المصالح البريطانيّة، واستقر رأي القيادة العسكريّة على أنّ هدف الحملة العسكريّة لا يتحدّد بمكانٍ معيّنٍ في البصرة، بل إنّ المطلوب هو تحقيق السيطرة على القسم الجنوبي من العراق، وهذا يعني ضمنًا احتلال كلٍّ من لوائي العمارة والمنتفك؛ لتأمين خطٍّ دفاعيّ متقدّمٍ لحماية القوات العسكريّة والمصالح البريطانيّة المكتسبة في البصرة.
وبعد النصر العسكري الذي أحرزته القوات البريطانيّة المحتلّة على القوات العثمانية وسرايا المتطوّعين المجاهدين من العشائر المنضوين معها في الشعيبة، تقرر الاستمرار في السير شمالًا لتأمين احتلال البصرة، بالسيطرة على الجزء الجنوبي من العراق بما في ذلك العمارة والمنتفك والأحواز العربيّة، وعد احتلال هذه المناطق أمرًا ضروريًّا لتثبيت الأمن والاستقرار لصالح المحتلين.
إنّ هذه الأسباب والدوافع التي أدّت إلى احتلال القوات البريطانيّة للواء العمارة هي ليست كلّ المبررات للاحتلال؛ بل إنّ هناك أسبابًا أخرى مضافة حدت ببريطانيا إلى تأكيد سيطرتها الفعليّة على المنطقة الجنوبيّة حماية لمصالحها، ومنها ما قامت به عشيرة الباوي، - وكان يتوزع سكانها إلى الشرق من نهر الكارون ونهر الجراحي في الأحواز العربية وينتشر قسمٌ منهم في العراق - عندما أقدمت على التعرّض لحقول وأنابيب النفط في الأحواز العربيّة في شباط 1915، بتحفيزٍ من أحد الجواسيس الألمان، الأمر الذي دفع بريطانيا إلى زيادة أعداد جنودها الذين هيئوا للتقدم شمالًا؛ لأنّ التوجه البريطاني كان منصبًّا على تثبيت وتقوية الوجود العسكري والسياسي لها في البصرة، وقد واجهت القوات البريطانيّة خلال تقدمها صعوبات جمة، كان من أبرزها المقاومة التي أبدتها عشائر اللواء.
ويبدو أنّ ذلك كان سببًا مباشرًا لاندفاع القوات البريطانيّة نحو العمارة بعد
أنْ عانت قلقًا عميقًا من جراء تجحفل القوات العثمانيّة ومعها قوات المجاهدين، الذين كان من ضمنهم أفراد عشائر اللواء.
تبعًا للتصور العسكري الذي تكون لدى القيادة البريطانيّة المحتلّة من أنّ ضمان الحفاظ على حقول النفط وأنابيبها في الأحواز العربيّة والقاعدة العسكريّة في البصرة، يقتضي احتلال ولاية البصرة بأكملها؛ أخذت السلطات العسكريّة العليا في البصرة تُهيِّئ لاحتلال العمارة بصورة تمكّنها من نجاح العملية، دون الحاجة لطلب قوةٍ إضافيةٍ مساندةٍ وعليه أراد الفريق سيرجون نيكسونأنْ يعتمد مبدأ الاقتصاد في القوة لأقصى حدٍّ ممكن، وانتدب لهذه المهمّة اللواء تشارس طاوزند، الذي تسلم قيادة الفرقة السادسة ، في الثاني والعشرين من نيسان عام 1915 ، غير أنّ اللواء طاوزند عارض ما طرحه عليه الفريق نيكسون بخصوص مبدأ الاقتصاد في القوة، وعلى حساب الفرقة السادسة، التي كان يقودها، فقد كان الأول ينظر إلى المهمّة التي ألقيت على عاتقه بأنّها صعبة
وتحتاج إلى قواتٍ عسكريّةٍ إضافيةٍ مساعدة، وبخاصّة في أرضٍ لم يعتدها الجيش البريطاني كميدان قتال من قبل؛ لذلك اقترح اللواء طاوزند أنْ تكون عملية التقدّم مصحوبةً بمساعدة الفرقة الثانية عشر بقيادة اللواء غورنج، وذلك بأنْ يقود رجال فرقته نحو الشرق في بلاد فارس والسير شمالًا، ثم الانحراف غربًا عبر أراضٍ سهلةٍ خاليةٍ من الفيضانات باتجاه نهر دجلة، وضرب قوات العشائر المجاهدة ــ التي لبّت دعوة الجهاد ــ من الخلف.
لكن الفريق نيكسون عارض هذا الاقتراح مؤكّدًا على الاكتفاء بالقوة الموجودة في القرنة، التي هي بأمرة اللواء طاوزند – مصمّمًا في ذلك على ما سبق ذكره من تطبيق مبدأ الاقتصاد في القوة - سعيًا منه في إبعاد منطقة فارس عن ميدان الصراع؛ لتكون حقول النفط وخط الأنابيب في منطقة الأحواز العربيّة في مأمنٍ منه، إذ كان في تلك المنطقة الكثير من أفراد العشائر، التي كان يخشى البريطانيون أنْ تتعاطف مع عشائر لواء العمارة، التي كانت في الوقت نفسه تخوض صراعًا مع المحتلّين ضمن قوات المجاهدين المشتركة مع الجيش العثماني.
ساندت الحكومة البريطانيّة في الهند ما طرحة نيكسون من آراءٍ ومقترحاتٍ بشأن خطّة التقدّم شمالًا بعد القرنة باتجاه العمارة، أي الاعتماد على القوات
الموجودة تحت إمرة طاوزند دون الاعتماد على قوات غورنج، وانحصرت مهمّة الأخير حسب الخطة التي وضعتها القيادة العليا في الهند في الحفاظ على حقول وأنابيب النفط في الأحواز العربية دون التقدم نحو الغرب.
ولم يكتفِ الفريق نيكسون بذلك، بل حاول اقتطاع جزءٍ من الفرقة السادسة لتبقى في حصن (الدريهمية)، بهدف تقوية دفاعات البصرة، الأمر الذي أثار غضب طاوزند، وقد تمثّل هذا عندما أخذ يقارن بينه وبين نابليون بونابرت، عندما أخذ يقول: «حتى بونابرت لا يمكن أنْ ينجح بأساليب كهذه».
استقرت المشاورات بين حكومة الهند والفريق سير جون نيكسون، على تقدم اللواء طاوزند بقواته في القرنة من موقع (أبو عران) نحو الشمال باتجاه مدينة العمارة.
ولتسهيل عملية التقدم قام طاوزند بتهيئة ما تحتاجه القوات من مستلزمات كان منها (370) زورقًا نهريًّا ووضع في كلّ زورقٍ عشرة من الجنود بقيادة ضابط صفٍّ، وكان بعض هذه الزوارق مدرّعًا بصفائح معدنيّةٍ ضدّ الرصاص.
وفي الإطار نفسه، اهتمت القوات المحتلّة بشكلٍ كبيرٍ بالعُدد والأدوات
التي من شأنها أنْ تدعم العملية العسكريّة في بيئة كبيئة الأهوار، وأهمّها الحبال والأعمدة والمجاديف والمعاول وأدوات سدّ الشقوق التي قد تتعرّض لها الزوارق النهريّة من جراء إصابتها بالرصاص، وقد كان طاوزند دقيقًا ومتابعًا حريصًا لكلّ جوانب المهمّة الموكّلة إليه بهدف إنجاحها بالشكل المطلوب.
فبوشر بتدريب الجند على كيفيّة قيادة الزوارق واستخدام (المردي) في ذلك، فضلًا عن توفير أطواق خشبيّةٍ تستخدم لنقل مدافع الهاون ومدفعية البطرية الجبليّة، كما سعى لتنظيم خط للمواصلات يؤمن الاتصال بينه وبين ضبّاط فرقته، فضلًا عن تأليف أسطولٍ نهري صغيرٍ شمل ثلاثة مراكب شراعيّة صغيرة، بما في ذلك الزوارق التي كانت تستخدم لنقل الخيل وسحب المدافع.
استغرقت عملية الإعداد والتدريب للحملة العسكريّة مدةً امتدت من أواسط شهر نيسان إلى أواسط شهر أيار من عام 1915، بعدها أصدرت حكومة الهند إيعازًا الى الفريق نيكسون ببدء العمليات العسكريّة، وبدوره أصدر أوامره إلى اللواء طاوزند لينفذ مهمته، وقد شرع الأخير بالتقدّم، ولم يقتصر طاوزند باستخدام الزوارق والسفن الشراعيّة لإتمام تقدمه، بل استخدم أيضًا المراكب الحربية «اسبيكل، وكلايو، وأودن، والساحبتان لويس بيللي وسمانة بالإضافة إلى المركب (شيطان)» .
تقدّم اللواء طاوزند شمالًا في 11أيار 1915 لاحتلال مدينة العمارة لتكون خطًّا دفاعيًّا للهيمنة البريطانيّة في البصرة والأحواز العربيّة، وقد اتّخذ طاوزند المركب سبيكل مقرًّا لقيادته، وجّه منه سير عمليّة التقدّم، وقد أطلق نيكسون على هذه العمليّة اسم (سباق طاوزند للزوارق) .
كانت أولى مهمّات القوات المتقدّمة هي ملاحقة القوات العثمانيّة وسرايا المجاهدين من العشائر بهدف عدم فسح المجال أمام تلك القوات لإعادة تنظيمها وتقوية دفاعاتها الأمر الذي يؤدّي إلى عرقلة تقدّم القوات البريطانيّة.
اعتمدت القوات البريطانيّة المتقدمة نحو العمارة أسلوب القصف المكثّف، وهو أمرٌ كان منسجمًا مع حالة التقدّم السريع للقوات المذكورة، وقد أصيبت بذلك القصف السفينة العثمانية (الموصل)، ومركب حربيّ آخر هو (مرمريس) - كان مهمّة الأخير الحفاظ على الأمن والاستقرار في منطقة حوض دجلة - وقد وقعت تلك الإصابات في منطقة (العزير حاليًا) - على وفق المسافة التي قدرها اللواء طاوزند في مذكراته - وقد أسرت القوات البريطانيّة المتقدّمة خلال هذه المرحلة من الحملة ما يقارب المائتين إلى الثلاثمائة أسيرٍ ما بين ضابط وجندي من القوات العثمانيّة المتراجعة، كما استولت على ثلاثة صناديق كبيرةٍ مملوءةٍ بالذخائر الحربيّة فضلًا عن ثلاثة مدافع وصندوق مملوءٍ بالألغام، وأصدر طاوزند في الأول من حزيران 1915 أوامره إلى العميد غامبل بجمع وحدات الفرقة
المتفرقة في القرنة لتعزيز قواته المتقدمة والاستفادة منها عند الحاجة في الوقت الذي واصل فيه المركب سبيكل تقدّمه نحو العمارة، الذي كان فيه إلى جانب طاوزند كلٌّ من النقيب (بيل)، والنقيب (باستو)، وهم من ضباط أركان الفرقة السادسة.
واجهت عمليّة التقدّم نحو مدينة العمارة بعد احتلال منطقة العزير صعوبات تمثلت، بضيق نهر دجلة وكثرة انعطافاته ممّا أعاق سير المركب سبيكل، فضلًا عن ضحالة مياه النهر في تلك المنطقة. استمر تقدّم المركب الحربي سبيكل دون مقاومةٍ تذكر سواء من القوات العثمانية أم المجاهدين - ومن ضمنهم أبناء اللواء - وفي الوقت نفسه كان نيران المركب الحربي (كلايو) تنهال على القوات المنسحبة، لاسيما المركب الحربي (مرمريس)، الذي تركه من كان فيها هربًا من القوات البريطانيّة المتقدمة، إذ كان مسيره قد تعثر بسبب ضحالة المياه، وكثرة التواءات نهر دجلة، فأستولى عليه البريطانيون، وكانت النيران تضطرم فيه، وقد وصله كلٌّ من اللواء طاوزند ومعه النقيب البحري (نن)، وهم على ظهر الزورق الحربي الخفيف (كوميت)، في حين تركوا المركب سبيكل والسفن الحربية الأخرى ورائهم بسبب صعوبة السير في نهر دجلة.
استأنف طاوزند والنقيب نن سيرهما شمالًا بالزوارق الحربية (كوميت وشيطان)، وفي النهر وجدا السفينة العثمانية (الموصل) راسيةً، وقد نُشر فوقها راية الاستسلام، وفيها بعض من ضباط القسم الطبي والجرحى العثمانيين، وبعد استراحةٍ قصيرةٍ واصلت القوات المحتلّة مسيرها، وبدأت تدنو من منطقة قلعة
صالح، وفي عصر يوم 2 حزيران 1915م، وصلها الزورق الحربي كوميت، ولم يرد في المصادر المتوفّرة ما يشير إلى وجود مقاومةٍ تذكر في المنطقة، على الرغم من وجود سرية مشاةٍ عثمانيّةٍ وعددٍ من الخيّالة فيها، استخدم اللواء طاوزند حين وصوله إلى منقطة قلعة صالح أسلوب المخادعة، وذلك عندما أوحى إلى أحد شيوخها، بأنّ وراءه قوات يصل تعدادها إلى خمسة عشر ألف جندي، وأنّ على الأهالي تهيئة أرزاقٍ لها، ويبدو أنّ طاوزند حاول إدخال الرعب في نفوس القوات العثمانيّة والمتعاونين معها، كي يضعف من عزيمة المدافعين، إذ كان يريد أنْ تصل هذه الأخبار إلى القوات العثمانيّة، وبالفعل أدّت هذه المحاولة النتيجة المرجوة منها، إذ إنّها تضافرت مع عوامل أخرى وأدّت إلى ضعف المقاومة على طول خط القتال الممتد من قلعة صالح حتى مدينة العمارة.
في صبيحة يوم 3 حزيران 1915 انطلقت الزوارق الحربية (كوميت وشيطان) وتساندهما الساحبتان (سمانة ولويس بيللي) متوجهتان لاحتلال مدينة العمارة، وقد أنجز احتلال المدينة في اليوم ذاته من دون مقاومةٍ تُذكر. ومما تجدر الإشارة إليه أنّ الموقف العسكري للقوات المحتلّة لم يكن يدعو للاطمئنان، ولا سيّما في الأيام التي تلت الاحتلال العسكري للعمارة؛ إذ عزت بعض المصادر البريطانيّة وبضمنها قائد الحملة نفسه، السبب إلى قلة القوات البريطانيّة، يقابلها انسحاب القوات العثمانيّة من الأحواز العربيّة ، والقوات المنسحبة من القرنة باتجاه مدينة العمارة.
غير أنّ وصول قواتٍ إضافيّةٍ في الوقت المناسب أدّى إلى تعزيز الوجود العسكري للبريطانيين في المنطقة، ووصل المدينة قادمًا من البصرة في 6 حزيران الفريق سير جون نيكسون ومعه بعض ضباط أركانه بهدف الاطلاع على الأوضاع العسكريّة لقواته في العمارة.
قدّرت المصادر البريطانيّة خسائرهم أثناء التقدم واحتلال اللواء بأربعة قتلى وواحدٍ وعشرين جريحًا، في حين قدّرت الخسائر العثمانيّة بمائة وعشرين ما بين قتيل وجريح و(1773) أسيرًا، كما استولت القوات المحتلّة على عددٍ من مدافع الميدان، وعددٍ آخر من البنادق بالإضافة إلى مجموعةٍ من القنابل والألغام، التي تركها الجيش العثماني المنسحب، فضلًا عن عددٍ من الزوارق المحلّية (الأيام) والسفينتين (مرمريس والموصل).
إنّ سهولة وسرعة الاحتلال البريطاني للعمارة تعود إلى أسباب عدة، لعلّ من أبرزها هو خطة التحشد العسكري العثماني، إذ إنّ القيادة العثمانية سحبت أغلب قوّاتها العسكريّة الموجودة في العمارة ونقلتها باتجاه جبهات القتال لتعزيز الخطوط الدفاعية في البصرة والأحواز، وقد شارك في قوات المجاهدين التي التحقت بالقوات العثمانيّة المحاربة عند جبهات البصرة مجاميع من أبناء العشائر العربيّة في العمارة برئاسة كلٍّ من الشيخ فالح الصيهود (أحد شيوخ عشيرة البو محمد)، والشيخ عبد الكريم زبون الفيصل (أحد شيوخ عشيرة بني لام)، وقد بلغ الحماس بأحد شيوخ العشيرة الأخيرة وهو غضبان البنية إلى حدّ الإعلان عن
تخصيص جائزةٍ لكلّ من يأتيه برأس محاربٍ بريطانيّ أو هنديّ - إذ إنّ البريطانيين كانوا يستخدمون الهنود في الجهد الحربي البريطاني كونها تحت حكمهم، وهكذا مع بقية الجنسيات الأخرى في شبه القارة الهندية - ، هذا بالنسبة إلى جبهة دجلة، أمّا جبهة الأحواز فقد كان الأمر مشابهًا لذلك، إذ قام الشيخ شياع الحسن (أحد شيوخ عشيرة السواعد) مع أفراد عشيرته بتلبية دعوة الجهاد المذكورة، منضمًا في ذلك للقوات العثمانيّة المحاربة[2].
لقد أسهمت هذه المشاركة بالمواقع القتاليّة المتقدّمة بمواجهة البريطانيين في خلخلة قوة الدفاع المتواجدة في مدينة العمارة نفسها، وزاد في ضعف الموقف الدفاعي للعثمانيين ممّا أدّى إلى الانسحاب العثماني غير المنظّم، للإفلات من القصف المكثّف للمراكب العسكريّة، والقوات البريطانيّة الأخرى المتقدمة باتجاه العمارة، إنّ هذه الأسباب جميعها أدّت إلى نجاح العملية العسكريّة البريطانيّة لاحتلال لواء العمارة بمدةٍ قياسيّةٍ استغرقت ثلاثة أيام فقط. إنّ مسألة احتلال مدينة العمارة من قبل البريطانيين عام ١٩١٥ لم يكن بمدةٍ وجيزةٍ وقياسيّةٍ كما ذكرت المصادر التي تحدثت عن الاحتلال، وتُعدّ هذه المسألة من المغالطات التاريخية، خاصّة إذا ما علمنا أنّ مرحلة الإعداد والتهيئة لاحتلال المدينة استغرق ما يقارب الشهر وبشهادة قائد الحملة نفسه عندما ذكر - في سطور سابقة من الدراسة - أنّها استمرت من أواسط نيسان حتى أواسط أيّار،
أي ما يقارب الشهر فضلًا عن مرحلة التقدّم التي تضمنت الأيام الباقية إلى يوم ٣ / حزيران / من عام ١٩١٥م، أي بمعنى أن إجمالي مدّة الإعداد والتقدّم هي ٤٥ يومًا، وهي مدةٌ ليست بالقليلة بحسب القياسات العسكريّة. فمن أين جاءت فكرة تحديد المدة الزمنية التي تم من خلالها احتلال مدينة العمارة بـ ثلاثة أيام؟ الأمر الذي يقود إلى أنّ المصادر الأجنبية وتحديدًا (البريطانيّة) منها حاولت تزييف الحقائق والاستفادة إعلاميًّا من هذه المغالطات التاريخيّة.
انضمّ العديد من أبناء العشائر في اللواء - كما سبق ذكر ذلك - إلى القوات العثمانيّة، خلال المعارك التي دارت بينهما وبين القوات البريطانيّة المحتلّة، وعلى كلا الجبهتين الغربية (جبهة دجلة) والتي كانت بإمرة القائد العثماني حليم بك، والشرقية (جبهة الأحواز) التي كانت تحت قيادة محمد فاضل باشا الداغستاني، حيث أبلى مجاهدو عشائر اللواء في تلك الجبهتين بلاءً حسنًا، وذلك تلبيةً لنداء الجهاد الذي أطلقه علماء الدين أواخر عام 1914م.
مثّلت المشاركة في حركة الجهاد النواة الحقيقيّة لمواقف أبناء عشائر اللواء المعادي لقوات الاحتلال البريطاني، بعد دخولها العمارة في 3 حزيران 1915م، وقد اتّخذت أشكالًا عدة، كان أبرزها الغارات الليليّة والهجمات المفاجئة على نقاط ضعف العدو بهدف شلّ قدراته العسكريّة .
واجهت القوات المحتلّة صعوبات جمّة في ردع مثل تلك الهجمات؛ إذ كان
المحتلون يبذلون جهدًا كبيرًا في صدّها، معتمدين في ذلك بشكلٍ كلّي على لواء الخيّالة السريع في القضاء على هذه التحرّكات، غير أنّ ذلك لم يحل دونها، فقد استمرت العشائر في شنّ الهجمات الواحدة تلو الأخرى على المناطق التي يتمركز فيها العدو، وفضلًا عمّا ذكر كلّه، عملت قوات العشائر وبهدف مواجهة القوات المحتلّة على اتّباع أساليب أخرى استهدفت عرقلة سير تقدّم القوات المحتلّة بشكلٍ أكثر تأثيرًا، فعمدت إلى مهاجمة خطوط مواصلاتها بما فيها قطع خطوط التلغراف بين مدينتي العزير وقلعة صالح؛ ممّا زاد في نفقات القوات المعادية، وإحداث إرباكٍ في عملها، ودفعها إلى اتّخاذ إجراءاتٍ وقائية اتّسمت بالعنف ضدّ العشائر الرافضة للاحتلال.
ولم يقف جهد أبناء عشائر العمارة عند هذا الحد، بل تعدّاه إلى العمل على عرقلة طرق المواصلات البريّة والنهريّة، التي كانت المؤن والأرزاق تصل عن طريقها إلى الجيش البريطاني؛ ممّا حدا بالضباط البريطانيين إلى متابعة الأمر بأنفسهم لمواجهة هذه التحديات التي استهدفت وجود الاحتلال البريطاني، لا سيما أنّ هذه شملت أيضًا هجمات سريعة على السفن المحملة بالإمدادات العسكريّة، وغالبًا ما كان المجاهدون يحصلون على ما في داخل هذه السفن، وقد أفزعت هذه الأوضاع قائد الحملة العسكريّة على العمارة اللواء طاوزند حتى أنّه كتب في مذكراته ما نصه: «كان عرب العمارة يضمرون العداء لنا» .
إنّ حركة المقاومة ضدّ الاحتلال البريطاني في لواء العمارة لم تتسم بالانغلاق على نفسها، بل يبدو أنّه كان لبعض الشيوخ صلاتٌ بحركات المقاومة على مستوى العراق ككل، وتمثّل هذا بمراسلاتٍ تمت بينهم وبين مولود مخلص، إذ كان الأخير يرسل بعض الرسائل إلى شيوخ العمارة، موضّحًا فيها ما آل إليه الحال في منطقة دير الزور، حيث كان العراقيون يشنّون هجماتٍ ضدّ المحتلّين البريطانيين، وفي الوقت نفسه كانت تلك الرسائل تتضمن تحريضاتٍ تحثّ هؤلاء الشيوخ وتشجّعهم على التصدّي للقوات المحتلّة. ومن خلال ما تقدّم يتّضح أنّ هناك نوعًا من العمل العسكري الموحّد بين جبهات القتال سواء أكان ذلك على المستوى المحلّي أم العربي كذلك، وأنّ ارتباط شخصيّةٍ كـشخصيّة مولود مخلص المعروف بانتمائه للفكر القومي العربي، يدلّ على الروح الرافضة للقوات
البريطانيّة التي كان يتحلّى بها سكّان مدينة العمارة، فضلًا عن إيمانهم بالعمل الإسلامي والعربي التحرري.
من خلال ما تقدّم يتّضح أنّ عشائر العمارة كان لها ثقلٌ واضحٌ في مقاومة القوات البريطانيّة، والتصدّي لها باتّخاذ أساليب عدة، قضَّت مضاجع البريطانيين، ودفعت بهم إلى عدم الاستهانة بقوتهم على الرغم من الفارق الكبير بين الطرفين من حيث التسلّح والتدريب، وأنّ جل ما اعتمدت عليه عشائر اللواء في مقاومتها للقوات المحتلّة هو توفر عنصرَي الشجاعة والجرأة عند أفرادها.
انصبّ اهتمام السلطات البريطانيّة إثر احتلال المناطق العشائريّة ومنها لواء العمارة، على إيجاد نمطٍ خاصٍّ لإدارة تلك المناطق، فقرّرت في بداية الأمر تطبيق نظامٍ يقوم على أساس التنظيم العشائري، وعلى احترام العادات والتقاليد والأعراف العشائريّة، وعلى دعم الشيوخ وإسنادهم بوصفهم أدواتٍ تنفيذيّة لسياستهم تلك .
غير أنّ الشيء الوحيد الذي وقف أمام هذه السياسة في بداية الأمر، أي بعد احتلال القوات البريطانيّة للواء في 3 حزيران 1915، هو أنّ بعض شيوخ العمارة كانوا قلقين وغير متيقنين من مستقبل علاقاتهم مع السلطة الجديدة والغريبة عليهم في كلّ شيء، ولم يألفوا بعد سياستهم الإداريّة والضريبية، ولكن إدراك السلطة المحتلّة لأهميّة العشائر السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة، جعلها تسرع في العمل على إيجاد صلاتٍ لها معهم، بوسائل شتى، ونجحت في ذلك،
من خلال بناء أسس تعاونٍ مبنيٍّ على أساس المصالح بين الطرفين. وقد وصل الأمر في ذلك الى منح كلّ من يقوم بالتعامل معهم تكريمًا خاصًّا وتفضيلًا يميّزه عن الآخرين .
لقد أقدم بعض شيوخ لواء العمارة على التعامل مع البريطانيين وذلك بعد أنْ أدركوا استقرار الأوضاع للقوات المحتلّة، وأنّ عودة العثمانيين مرةً أخرى أصبحت أمرًا بعيدًا، وبالمقابل نجحت السلطة المحتلّة في الاستفادة من قناعة الشيوخ بالتعامل معهم فأصبحوا فيما بعد مديري نواحٍ في مقاطعاتهم، وحققت بذلك فائدة كبيرة منهم، لا سيّما بعد أن أُسندت لهم مهمّة حراسة طرق المواصلات، والمشاركة في بعض الأعمال الإداريّة والقضائية، إذ نسب لهم في إطار الأعمال الأولى صلاحية جمع الضرائب، وانخراط بعض رجال العشائر في وحدات الشرطة المحلّية، التي أُطلق عليها تسمية (الشبانة)، وقد حقّقت السلطة المحتلّة من زج شيوخ هذه العشائر في هذه الأعمال الكثير من النتائج في المجال الإداري، كان من أهمّها تسهيل مهمّة السلطة المحتلّة في إدارة المنطقة، وفي الناحية الأخيرة - القضائيّة - أبيح لشيوخ العشائر النظر في بعض القضايا الصغيرة التي تدخل ضمن مشاكل عشائرهم ينحوٍ لا يؤثر على مصالح المحتلّين.
إنّ سياسة السلطة المحتلّة تجاه العشائر كانت سياسة جذبٍ لهؤلاء الشيوخ، مقابل دعمٍ سلطويّ قليل، بنحو لا يمكن لهؤلاء الشيوخ أنْ يقفوا بوجه السلطة المحتلّة فيما إذا أراد أيٌّ منهم أنْ يخرج عن فكرة التعامل معها وبهذه السياسة استطاع البريطانيون أنْ يحافظوا على الاستقرار داخل لواء العمارة طوال مدّة الاحتلال.
وتأكيدًا لما تقدّم، عدَّت السلطة البريطانيّة الأرض العنصر الوحيد الذي يعبّر عن قوة الشيخ وعشيرته، وقد استغل البريطانيّون هذا الجانب بنحوٍ كبيرٍ من أجل تحديد وتثبيت العلاقة بالشيوخ، وقد بذل الحكّام العسكريّون في هذا الصدد جهدًا كبيرًا خلال السنوات الأولى للاحتلال، إذ أنجزوا العديد من التسويات كان الهدف منها تقوية سياسة التعامل مع بعض الشيوخ الذين تعاملوا مع سلطات الاحتلال وإضعاف الآخرين الذين لم يتعاملوا معهم فعلى سبيل المثال لا الحصر، قامت السلطة المحتلّة بتوزيع الأراضي على الشيوخ الذين تعاملوا معها إداريًّا واعتمدت في ذلك نظام (اللزمة) القديم، ومن جانبٍ آخر قامت بطرد الشيوخ الآخرين من أراضيهم لمواقفهم المناوئة كليًّا للسلطة المحتلّة.
إنّ ما يمكن الخروج به ممّا ذكر آنفًا وعلى وجه التحديد ما يعرف بالسياسة العشائريّة التي طبقتها السلطات البريطانيّة في العمارة، هو أنّ السلطة البريطانيّة في العراق بشكلٍ عام والعمارة بشكلٍ خاص قد اتبعت السياسة المعهودة لبريطانيا والمعروفة بـ (فرّقْ تَسُدْ)، وكذلك عرفت ضمن نطاق هدف (بذر النزاع )، الذي
يقوم على مبدأ التفضيل بين الشيوخ وربما يصل ذلك الأمر إلى الإخوة إذا اقتضى الأمر؛ لذا عملت على دعم الشيوخ الذين تعاملوا معها من خلال كلّ ما يزيد من قوتهم وسطوتهم، وإضعاف الشيوخ المعارضين للوجود البريطاني والحط ّمن مكانتهم الاجتماعيّة بشتى الوسائل والطرق.
لم تقف السياسة البريطانيّة إزاء العشائر عند هذا الحد من الإجراءات التي هدفت إلى دعم سياستها في المنطقة، بل عمدت إلى تطبيق إجراءاتٍ مضافة لدعم موقفها وتوظيفها بالشكل الذي يؤمّن مصالحها، وذلك من خلال ما قامت به من أعمالٍ صاحبت الاحتلال العسكري للواء.
سعت السلطات البريطانيّة المحتلّة في لواء العمارة بنحوٍ جادٍّ إلى تثبيت السيطرة العسكريّة وتأمين الاستقرار لصالحها -خاصّة أنّ القوات المحتلّة عزّزت بكتيبة خيالةٍ وبطريةٍ جبليةٍ وتصحبها ثلاثة أفواجٍ من لواء المشاة الثاني عشر في الرابع عشر من شهر حزيران1915-، فكانت الخطوة الأولى التي أقدم عليها طاوزند هي العمل حثيثًا على نشر مفارز (حاميات) عدة في مختلف أقضية اللواء والنواحي التابعة له، والتي تقع ضمن الخطوط الاستراتيجية المهمّة لجيش الاحتلال مثل قضاء قلعة صالح وناحية المشرَّح، وانحصرت مهمّة هذه المفارز بالحفاظ على خطوط المواصلات وفرض الاستقرار داخل اللواء.
حري بالذكر أنّ أوّل إجراءٍ أمنيّ قامت به سلطات الاحتلال البريطاني بعد استقرار وضعها العسكري في اللواء، وفرض هيمنتها بشكلٍ كاملٍ عليه، هو نشر
شرطةٍ محلّيةٍ أُطلق عليها اسم (الشبانة)، وكان أغلب الذين عملوا ضمن هذه القوة من أبناء العشائر الذين انصاعوا لرغبات بعض الذين ارتبطوا بمصالح اقتصاديّة مع المحتلين في هذه الوظيفة الجديدة، فضلًا عن بعض الفلّاحين الذين انصاعوا لهذه القوة تحت ضغط الظروف الاقتصاديّة الصعبة بعد أنْ سئموا حياة الفلاحة التي لم تكن تدر سوى النزر اليسير؛ بسبب العلاقات الإقطاعيّة السائدة آنذاك، عمل هؤلاء الفلّاحون كشبانة بأمر الحكام العسكريين بشكلٍ مباشرٍ، وكانوا أدواتٍ تنفيذيّة لأوامرهم، ولا سيّما في القضايا العشائريّة التي كانت السمة للحياة الاجتماعيّة حينذاك والمتمثلة بالنزاعات والخصومات بين أفراد العشائر، كما كانت هذه القوة (الشبانة)، تمارس مسؤولية أداء الواجبات التي كانت المفارز العسكريّة التي نشرها طاوزند تقوم بها، وهي أعمال الحراسة الليليّة والحفاظ على مصالح القوات المحتلّة في اللواء، ولم يقتصر هذا الأمر على مركز اللواء فحسب بل شمل الأقضية والنواحي في اللواء بهدف ترسيخ الوجود الاستعماري فيه.
وجدير بالذكر أنّ قوة الشبانة قدّمت خدماتٍ كبيرةً للمحتلّين بما حقّقته من فوائد ظاهرةٍ للعيان؛ إذ إنّ نجاح هذه القوة في أداء مهمتها في البصرة بعد احتلالها في 22 تشرين الثاني 1914 التي تبنى تنظيمها والإشراف عليها العقيد (بيرسي كوكس) كان دافعًا لإعادة التجربة نفسها في لواء العمارة في ضوء أسسٍ رصينةٍ، وتنسيقٍ منظَّم، وصارت هذه القوة إحدى أدوات الضغط التي استخدمتها القوات المحتلّة بوجه شيوخ عشائر اللواء مقابل إعطائهم السلطة والدعم والأرض.
وعلى وفق ما أشارت إليه المصادر بهذا الشأن، نجد أنّ واجبات قوات الشبانة في العمارة قد تجاوزت الحدود التي رسمت لها من قبل الحاكم العسكري - النقيب مكفرسن (Macpherson) ، وأخذت هذه القوات تمارس عملية قمع السكّان الذين كانوا يبدون تذمرًا من الوجود البريطاني والسياسة التعسفية المتبعة آنذاك.
كما أخذت واجبات الشبانة تزداد اتساعًا لتأخذ مهمات لم تكن سابقًا في صلب عملها عند بداية تأسيسها مثل جباية الضرائب، الأمر الذي جعلها - أي الشبانة - موضع سخطٍ واشمئزازٍ لدى سكّان اللواء الذين اتخذوا من مقاطعتهم وسيلةً لإظهار مقتهم وكرههم الشديد لأفرادها الذين شبهوا لدى العامة (بالكفّار).
يلاحظ من خلال ما تقدّم أن قوات الشبانة، قد أسهمت إلى حدٍّ كبيرٍ في ترسيخ وتثبيت سياسة السلطة المحتلّة في العمارة، سواء أكان ذلك على الصعيد العسكري أم على الصعيد السياسي.
حظي القضاء باهتمامٍ كبيرٍ من قبل السلطات العثمانيّة؛ لما له من دورٍ واضحٍ في استقرار الأوضاع الاجتماعيّة؛ لذا أقامت في كلّ لواءٍ وقضاءٍ محاكم كانت مهمتها تسيير الأمور القانونيّة.
كانت المحاكم على نوعين؛ عرف الأوّل بالمحاكم الشرعيّة، وأُطلق اسم المحاكم النظاميّة على النوع الثاني منها، وقد مارس كلا النوعين من المحاكم المذكورة أعمالها في اللواء حسب اختصاصها، فبالنسبة إلى النوع الأوّل من المحاكم كانت تهتم بالقضايا الشرعيّة مثل (الزواج، والطلاق، وشؤون الإرث... الخ)، وكان يرأسها قاضٍ ويساعده في ذلك المفتي الشرعي. أمّا النوع الثاني فكان يتألّف من محكمة البداءة، وهي محاكم موجودة في كلّ قضاء، وتتألّف من الرئيس والنائب والقائم بمهمّة القضاء الشرعي، وكاتب عدلٍ وأربعة من الأعضاء المنتخبين، وكانت تنقسم هذه المحاكم إلى أربعة فروع: مدنية، وتجارية، ومحاكم البوليس، والجنائية، وكانت تهتم بالقضايا المرفوعة لها من محاكم الصلح، الموجودة في كلّ ناحية، التي يقوم بإصدار أحكامها المجالس الإداريّة فيها، غير أنّ الأخيرة كانت تحسم فض النزاع بين المتخاصمين، إذا كانت القضية المرفوعة إليها صغيرة، وذلك عن طريق فرض غراماتٍ صغيرةٍ أو الحكم بالسجن لمدّةٍ لا تزيد عن يومٍ واحد، عدا القضايا التي هي من اختصاص النوع الأوّل، فضلًا عن هذه المحاكم كان هناك نوع ثالث من (القضاء)، وهو القضاء العشائري، الذي كان أغلب سكّان اللواء يفضلون الركون إليه دون مراجعة المحاكم الرسميّة،
وهو أمرٌ تتطلبه طبيعة المجتمع العشائري في العمارة.
لقد شهدت الأعمال القضائيّة في اللواء توقفًا، تزامن مع احتلال القوات البريطانيّة له، وقد خضع هذا النشاط إلى تغييراتٍ انساقت ضمن إطار السياسة البريطانيّة الجديدة التي رسمتها لإدارة المناطق العراقيّة المحتلّة، حيث جاء تطبيقها بشكلٍ تدريجي، فقد كانت الحالات التي عالجتها السلطة المحتلّة في بداية الأمر مقصورةً على القضايا البسيطة التي شملت السرقة، والسطو على الدور والأسواق (اللصوصيّة)، وكانت السلطة المحتلّة شديدة في معاقبة كلّ من يقوم بمثل هذه الأعمال بغية نشر الأمن والاستقرار في المنطقة، حيث كان ذلك أمرًا ضروريًّا تحتاجه السلطة في تقوية موقفها العسكري، واستمر هذا النشاط القضائي طيلة الشهرين الأولين من الاحتلال لمدينة العمارة، وأنيطت هذه المهمّة بنحوٍ مؤقّتٍ بالحاكم العسكري في اللواء يساعده في مهمته ضابط عدلي، أمّا الأقضية فقد درجت على إحالة تلك القضايا إلى مساعد الحاكم العسكري.
وسعيًا وراء تحقيق نظامٍ قضائيّ أكثر فائدة للقوات البريطانيّة المحتلّة، أصدرت في الأول من آب 1915 قانونًا جديدًا للمناطق العراقيّة المحتلّة أطلقت عليها اسم -The Iraqi Occupied Territories Code 1915- (قانون المناطق العراقيّة المحتلّة لسنة 1915) استنادًا إلى القانون المذكور خضعت السلطة القضائيّة في العمارة إلى سلطت القائد العام في البصرة إداريًّا، غير أنّها بقيت مستقلةً في قضايا
الخصومات الصغيرة غير القابلة للاستئناف، التي تمثّلت بالخصومات والسرقة والسطو، تاركين حلّها للمحكمة التي شكلت في العمارة طبقًا للقانون الذكور، والتي أطلق عليها اسم (محكمة العمارة للدعاوى الصغيرة) –Amara Court of small Case في حين أنيطت القضايا الاستئنافيّة الكبيرة بالحاكم القضائي الأقدم -Senior judicial officer- في البصرة.
وقد جاء هذا القانون الذي شمل ولاية البصرة كلّها بما فيها لواء العمارة، بنصوصٍ قانونيّةٍ جديدةٍ وأنظمةٍ تختلف عمّا كانت عليه في العهد العثماني، حافظت على جوهرة السياسة البريطانيّة في المناطق العراقيّة المحتلّة- وذلك من خلال وضع نصوصٍ خاصّةٍ راعت فيها المذاهب الإسلاميّة والطوائف الأخرى غير المسلمة.
وسعيًا وراء سياسةٍ عشائريّةٍ أكثر انسجامًا مع متطلبات السياسة البريطانيّة في المنطقة، عملت الأخيرة على إصدار نظام دعاوى العشائر المدنيّة والجزائيّة لعام 1916، وقد خصّ هذا النظام بشكلٍ واضحٍ كلّ المناطق العراقيّة المحتلّة ذات الطابع العشائري، وأعطى الشيوخ صفةً شرعيّةً في إصدار بعض الأحكام القضائيّة بقدر ما يتعلّق الأمر بعشائرهم.
غير أنّ إلقاء نظرةٍ على ما جاء بجوهر هذا القانون نجد الأمور التالية:
1- قسّم هذا النظام جميع سكّان العراق ومن ضمنهم - سكّان لواء العمارة -
على قسمين مختلفين، الأول عشائري يعتمد في تركيب أعماله وتمشية أموره وفق النظام المذكور، والآخر مدني خاصّ بسكّان المدن الذين خُصّصت لهم محاكم نظاميّة يراجعونها عند الحاجة.
2- أعطى النظام صلاحياتٍ واسعةً للضباط السياسيين الذين كانوا يملكون مفاتيح الحلّ والعقد ولهم حق الموافقة وعدمها على الأحكام الصادرة من المجالس العشائريّة ممّا هيّأ لهم الفرصة للتدخّل بشكلٍ علني لصالح بعض الشيوخ الموالين لسلطة الاحتلال، وبهذا افتقد النظام تحقيق العدل والمساواة بين أفراد العشائر.
3- عزّز هذا النظام النظام القبلي، الأمر الذي أدّى إلى ترسيخ وإرساء العلاقات الإقطاعية وزيادة نفوذ العشائر، وحري بالذكر أنّ السلطة البريطانيّة المحتلّة في العمارة سارعت إلى تأسيس محكمة صلح، وذلك بعد أنْ فرضت هيمنتها بشكلٍ كامل على العراق عام 1918، سعيًا منها في ترسيخ حالة الأمن والاستقرار في المنطقة.
أدت الأوضاع السياسيّة المرتبكة التي نجمت عن الاحتلال العسكري للمنطقة إلى اضطراب الأوضاع الاقتصاديّة في اللواء لا سيّما فيما يتعلّق بمسألة
البيع والشراء للمواد الغذائيّة، فقد اعتمدت القوات البريطانيّة على سدّ حاجتها من السوق المحلّي بشكلٍ كبير، وقد أسندت هذه المهمّة إلى دائرةٍ خاصةٍ تُعنى بهذه المهمّة وهي (دائرة الموارد المحلية) التي يشرف عليها الضباط السياسي في اللواء بمساعدة شيوخ عشائر المنطقة -الذين انصاعوا بالترغيب والترهيب- إلى أوامر السلطة المذكورة، وأصبحت هذه الدائرة مسؤولةً أمام الدائرة السياسيّة العليا في البصرة، وقد عنيت هذه الدائرة بتوفير مختلف أنواع المواد الغذائيّة للجيش البريطاني الموجود في المنطقة التي شملت الحنطة والتمور ولحم البقر الضأن والخضر والحليب والبيض وعلف الحيوانات، وفي هذا الصدد أعرب هيجكوك Hedgcock مساعد الحاكم السياسي في قلعة صالح لسنة 1917، عن ارتياحه الشديد للجهد الذي بذله ضابط الموارد المحلّية في جمع كمياتٍ كبيرةٍ من الموارد الغذائيّة الأساسيّة خلال المدة الواقعة بين حزيران وكانون الأول من عام 1917م، التي شملت، 115 طنًا من الشعير، و15 طنًا من الحنطة، و15 طنًا من الرز، و9 أطنان من الذرة، و16 طنًا من التمر، و6 أطنان من الملح، 74 طنًا من الخضراوات، 5570 رأس غنم، 326 رأسًا من مختلف أنواع المواشي، و15192 بيضة، وفي ضوء أهميّة هذا الدور الذي يلعبه الجانب التمويني في
ترسيخ الحالة التعبويّة لجيش الاحتلال في المناطق المحتلّة حينذاك أصدرت وزارة الحرب البريطانيّة في شهر أيار 1916، أمرًا تضمن مدّ سكّة حديدٍ تمتد بين القرنة والعمارة اللتين تقدر المسافة بينهما ب(75) ميلًا، وبوشر العمل في المشروع في شهر تموز 1916، وأنجز في 28 تشرين الثاني من العام نفسه، وبلغ مقدار الحمولة المارة عبر هذا الطريق ما يتراوح بين 200- 300 طنٍ من المواد التموينيّة، واستمر هذا الخط بالعمل إلى سنة 1919م.
ساعد الخطّ المذكور على تخفيف المتاعب عن كاهل السلطة المحتلّة، في نقل المواد التموينيّة لجيش الاحتلال في اللواء، ومنها تعرّجات نهر دجلة الكثيرة التي تبطئ من حركة النقل النهري التي كثيرًا ما كانت سببًا في تأخر وصول المواد في الوقت المطلوب .
كانت أغلب الموارد التي تنقل بوساطة هذا الخطّ إلى العمارة هي نفسها التي كانت ترد إلى لواء البصرة، ضمن خطّة الاستيراد الخاصّة التي وضعتها السلطة المحتلّة، لتلبية حاجات الجيش الأساسيّة، وأهمّها المنسوجات، والسمن، والسكر، والتبغ، والخشب، والمشروبات الكحولية، والشاي، والقهوة والبضائع الحديديّة، ويبدو أنّ وصول تلك المواد قد أثّر على الحالة الاقتصاديّة في لواء العمارة؛ وذلك لازدياد المعروض فيها في السوق المحلّية ممّا أدّى إلى انخفاض الأسعار بالشكل الذي ينسجم مع رغبة السلطة المحتلّة، والتي بذلت جهدًا كبيرًا
بهدف الاستفادة من منتجات أراضي اللواء ولا سيّما الحبوب، حتى أنّ وارادت ضرائب أراضي مقاطعات العمارة، قد فاقت جميع واردات ألوية الولاية الأخرى بشكلٍ كبير، ويوضح الجدول الآتي تلك الحقيقة.
واردات الأراضي الزراعيّة لولاية البصرة لسنة 1918م
ولقد أشار التقرير الإداري للشؤون الزراعيّة في العراق لسنة 1919 إلى أنّ السلطة المحتلّة، قد شجّعت الملتزمين على التوسّع في زراعة الحبوب والخضروات في لواء العمارة - لا سيّما المقاطعات الجنوبيّة - بزراعة 50 أيكر بالخضراوات فضلًا عن الحبوب التي هي المحصول الرئيس في تلك المنطقة.
وجدير بالذكر أنّ الطريقة التي درج عليها المحتلّون للحصول على المواد التموينية بشكلٍ عام، هي طريقة التعاقد مع ممّولين محلّيين، يأخذون على عاتقهم هذه المهمّة على وفق أسعار يتّفق عليها الطرفان بالشكل الذي يخدم مصالح القوات البريطانيّة.
بعد أنْ فرضت القوات البريطانيّة هيمنتها التامّة على ولاية البصرة سعت جاهدةً لإيجاد نظامٍ مالي جديدٍ يضمن لها إدارة الأمور بنحوٍ طبيعي ومستقر، فأقدمت على استبدال العملة العثمانيّة – الليرة - بالعملة الهنديّة -الروبيّة-، وأخذت السلطة المحتلّة تطبيق هذا الإجراء في جميع المناطق العراقيّة التي احتلّتها عسكريًّا بعد البصرة، إذ أصبحت جميع المعاملات التجاريّة الخاصّة بالبيع والشراء، والضرائب وما أشبه ذلك من الأمور في العمارة تعامل بالروبيّة.
إنّ طرح العملة الجديدة في الأسواق كان إجراءً سياسيًّا قبل أنْ يكون اقتصاديًّا، الغرض منه التمهيد لضمّ جنوب العراق إلى الهند.
اهتمت السلطة المحتلّة بالضرائب الماليّة التي فرضتها على الأهالي، فقد باشر الحكّام العسكريون، بادئ ذي بدء، بدراسة أنواع الضرائب وتحديدها بشكلٍ دقيق، وبخاصّة تلك التي كانت تُجبى في العهد العثماني، بغية الاستفادة منها.
كان للسياسة الضريبيّة التي وضعتها السلطة المحتلّة في العراق، أثرها الكبير في دعم نظام المشيخة في العمارة، فقد كان الشيوخ الوسيلة الرئيسة لتحقيق وإنجاح
السياسة الضريبيّة، فقد اعتمد المحتلّون بشكلٍ كبيرٍ على شيوخ عشائر اللواء في جباية الضرائب من الأهالي، وكان ذلك أمرًا مساومًا عليه فبعد أن قدّم بعض من تعامل مع الحكومة المحتلة عروض المصالح المتبادلة من اجل تمشية الأمور الضرورية للحياة اليومية سمح لهؤلاء بمهام إضافية كجمع الضرائب وغيرها من الجوانب الإدارية التي تعد من ضرورات إدارة المدينة في اللواء، وبدورهم كان الشيوخ يسلمون مبالغ الضرائب إلى موظّفي الإيرادات لقوات الاحتلال، وقد مُنح هؤلاء الموظّفون سلطات واسعة في جباية الضرائب، غير أنّ الشيوخ الذين انتخبوا لهذه المهمّة واجهوا صعوبات عسيرة في تعاملهم معهم؛ وذلك لأنّ أغلب هؤلاء لم يكونوا يجيدون اللغة العربيّة؛ لأنّهم كانوا من البريطانيين والهنود، فضلًا عن أنّ السياسة الجديدة، التي اتّبعها المحتلّون في جباية الضرائب، لم تكن مألوفةً بالنسبة لهم، حيث كان العثمانيون من قبلهم يعتمدون على موظّفين خاصّين لهذه المهمّة دون الاعتماد على الشيوخ .
اتّخذت سلطة الاحتلال إجراءاتٍ عدّة، بغية تنظيم الضرائب وتنويعها من أجل توفير الموارد الماليّة، وفي الصدد نفسه عملت على زيادة أنواع الضرائب، ووضعت المبررات والحجج التي اتّخذتها ذريعة لاستمرار فرض الضرائب وتنوّعها على الأهالي، وشملت الضرائب الماليّة التي كانت السلطة المحتلّة تجبيها من السكان الأنواع التالية:
1- ضريبة الدور والبناء، وهي ضريبةٌ كانت تؤخذ عن المباني والدور السكنيّة.
2- ضريبة مياه السقي.
3- ضريبة المجازر، كانت تؤخذ من السكّان بحجة الحفاظ على الصحّة، وهي بدل الكودة العثمانيّة.
4- ضريبة الإجازات - Licences وهي ضريبةٌ كانت تفرض على منح إجازات رخصة حمل السلاح.
5- ضريبة الجسور والمعابر.
6- ضريبة العمولة - Brokerage
7- ضريبة تنظيف المجاري.
8- ضريبة الحراسة.
9- فضلًا عن ضريبة الغرامات Fines- التي كانت تفرضها على كلّ من يخالف القوانين المرعية الخاصّة بالضرائب.
ومن خلال ملاحظة قائمة الضرائب التي كانت الإدارة المحتلّة تجبيها من السكان، نجد أنّ ما كسبته السلطة من خلالها من موارد، قد فاقت ما كان يُجبى في العهد العثماني، وهو أمرٌ طبيعي إنساق مع زيادة أنواع الضرائب المفروضة .
اعتقد الفلّاحون أنّ مجيء البريطانيين قد يخفّف عن كاهلهم حمل الضرائب العثمانيّة، إلا أنّ ما اتّضح بعد مدةٍ قصيرةٍ من الاحتلال خالف ذلك؛ حيث مارس البريطانيّون سياسةً ضريبيّة أقسى بكثيرٍ من العهد السابق، وذلك من خلال إبقاء الضرائب العثمانيّة وزيادة أنواعها، وكان البريطانيون يصفون الناس - تبريرًا لسياستهم الضريبيّة - بأنّهم غير متعاونين معهم، الأمر الذي يجعلهم يوسعون من هذه السياسة .
ظلّت شؤون الضرائب تُدار من قبل الحاكم العسكري في اللواء حتى عام 1917، ففي هذا العام أسّست السلطة المحتلّة في البصرة دائرة تبنّت شؤون الولاية الماليّة بأكملها، أُطلق عليها اسم (دائرة قسم الإيرادات –Revenue Department)، وعُيّن لهذه الدائرة موظّفون خاصّون يعملون على جمع الضرائب في اللواء، بمساعدة الشيوخ، ومنهم تنقل الأموال إلى تلك الدائرة.
والواضح أنّ ما قامت به السلطة المحتلّة في اللواء، بخصوص فرض الضرائب وجبايتها، قد تركت أثارًا اجتماعيّةً بارزةً، إذ إنّ تخويل الشيوخ بجمع الضرائب جعل الأخيرين ينظرون إلى علاقاتهم بأفراد عشائرهم من منطلقٍ جديد، وكان هذا بداية لتحوّل بعضٍ منهم إلى إقطاعيين كبار.
تكمن أهميّة الإجراءات البلديّة بشكلٍ عامّ في شموليّة المهام التي كانت تقوم بها في اللواء، سواءً أكان ذلك في عهد الاحتلال العثماني أم عهد الاحتلال البريطاني؛ لذا أولت السلطات وخلال العهدين اهتمامًا كبيرًا لهذا القطاع المهم، وتجلّى ذلك من خلال إصدار الأنظمة والقرارات التي كانت تنظم عمل هذه المؤسّسة.
كانت الشؤون البلديّة خلال العهد العثماني تُدار من مجلسٍ منتخبٍ عرف باسم (مجلس البلدية)، وهو مؤلّفٌ من رئيس المجلس وأربعة أعضاء منتخبين وكاتب، وقد وضعت شروطًا يجب توفّرها في كلّ ناخبٍ ومنتخَبٍ لهذا المجلس،
وقد وجب على الثاني دفع ما لا يقلّ عن (100) قرش للدولة عن الضرائب والالتزامات، و(40) قرشًا بالنسبة للأول، وكان المجلس يعني بشؤون إدارة المدينة، مثل تنظيف الطرق، وأمور الصحة العامة في اللواء، فضلًا عن الأشراف على مراقبة الأسواق.
وبهدف تغطية نفقات المجلس ألزم القانون جباية تلك النفقات من الأهالي على شكل ضرائب مختلفةٍ تُؤخذ مقابل ما يؤدّى على شكل خدمات للأهالي مثل الحراسات الليليّة، وعن المقاهي والحمّامات العامّة، كما تؤخذ مبالغ حراسةٍ عن السفن الراسية في نهر دجلة في حدود بلدية المدينة، فضلًا عن الضرائب التي تفرض على بعض أصحاب المهن كالقصابين مثلًا، أو الغرامات التي تفرض عن مخالفة القوانين المرعبة آنذاك، وقد استخدم مبدأ الالتزام لجباية تلك الضرائب والرسوم من قبل أشخاص يختارهم المجلس المذكور، كانت المبالغ عادة تنفق بوساطة مجلس البلدية على صيغة رواتب للموظفين أو أعمال وخدمات تقدم للأهالي أو كمشاريع لإقامة المقابر في المدينة ، غير أنّ الوضع لم يبقَ على حاله بعد احتلال القوات البريطانيّة لمدينة العمارة؛ إذ أقدمت على إلغاء الجهاز الإداري القديم بأكمله بعد أنْ وضعت برنامجًا خاصًّا يهتم بشؤون البلديّة في كلّ منطقةٍ تفرض سيطرتها المباشرة عليها، وبموجب هذا البرنامج بات الجهاز البلدي في العمارة يخضع لسيطرة وإدارة الحاكم العسكري في اللواء .
أدركت سلطات الاحتلال البريطاني أهميّة الخدمات البلديّة منذ الأيام الأولى لاحتلالها المناطق العراقيّة؛ وذلك لأهميتها ولحاجة السكّان الماسة إليها - حيث تقوم بذلك لأغراضٍ سياسيّةٍ تخدم فيها وجودها الاستعماري - لذلك استمرت هذه الخدمات في اللواء، وعدّتها ضرورةً لا بدّ منها في ديمومة السيطرة العسكريّة على اللواء، وتمثّلت هذه الخدمات بالحراسة الليليّة، وإنارة الشوارع ومراقبة الأسواق، وأعمال التنظيف، وصيانة الطرق والجسور والمعابر، وكلّ ما يتعلق بشؤون الصحّة العامّة لمنع تفشي الأمراض بين صفوف القوات المحتلّة، يلاحظ أنّ سلطات الاحتلال قد حذت حذو ما قامت به في البصرة إبّان احتلالها في هذا الخصوص.
أخذت دائرة الحاكم العسكري – التي أسست في العمارة إبّان الاحتلال- على عاتقها مسؤوليّة إدارة الشؤون البلديّة الى جانب واجباتها الأخرى، ومارس الحاكم العسكري الميجر ماكفرسن معظم صلاحيّات المؤسّسة البلديّة، وأصبحت جميع القرارات الخاصّة بهذا الشأن تصدر عنه كما عنيت دائرة الحاكم العسكري في اللواء – وضمن الإجراءات البلديّة - بجباية الضرائب، كما مرّ أنفًا.
كما أسندت لهذه الدائرة مهمّة العناية بالصحّة العامّة، وإنشاء المستوصفات، وذلك بمساعدة معاون الجرّاح المدني في اللواء الطبيب مامندي (D. Mamendi).
وفي الصدد نفسه أنشأت إدارة القوات المحتلّة عام 1917 مستوصفًا في
(82)العمارة، وآخر في قلعة صالح، وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ المستوصف الأخير قد سبق بناء مستوصف العمارة، لأغراضٍ عسكريّةٍ أهمّها:
1- تمركز القوات البريطانيّة في قلعة صالح، لا سيّما في الأشهر الأولى من الاحتلال.
2- بعد المسافة بين مدينتي قلعة صالح والقرنة، التي تبلغ نحو 60 كم، وهي تخلو من أيّ مستوصفٍ، غير أنّ هذه المستوصفات كانت خاصّةً لمعالجة القوات المحتلّة، أمّا الأهالي فلا يجوز لهم ذلك، وتشير بعض الوثائق البريطانيّة إلى أنّ الشيخ فالح الصيهود شيخ عشيرة البو محمد في قلعة صالح، قام بدفع (450) روبيّة كمشاركة لإنشاء المستوصف، وتعهد بدفع مبلغ الأدوية للمستوصف نفسه .
أولت السلطة المحتلّة الجانب الإداري أهميّةً خاصّة؛ لما له من دورٍ بارزٍ في استقرار الوضع العام في المناطق العراقيّة المحتلّة، فبعد استقرار الوضع العسكري لصالح القوات البريطانيّة في العمارة، طرأ بعض التغيّر على الأوضاع الإداريّة المتعلّقة بإدارة اللواء وتشكيلاته الإداريّة .
وأهمّ ما يمكن ملاحظته على تلك التغييرات هو أنّ التشكيلات الإداريّة في اللواء، خلال الحقبة الممتدة بين عامي (1915- 1919) اقتصرت على قضائي قلعة صالح وعلي الغربي، إضافة إلى مدينة العمارة نفسها – مركز اللواء -، مع
إهمال الصفة الإداريّة لباقي التشكيلات الأخرى (النواحي، القرى) في اللواء، مكتفيةً بذكر كلمة (مقاطعة)، ومنها الكحلاء، المجر الكبير .
فبعد أنْ اكتفت السلطة المحتلّة بالتقسيم المذكور، جعلت على رأس كلّ قضاءٍ ضابطًا عسكريًّا برتبة نقيب (Captain)، يشغل صفة مساعد الضابط السياسي (A.P.O)، عدا - مركز اللواء - فقد كان يديره ضابط عسكري يدعى الضابط السياسي ( (P.O وهو في الوقت نفسه يشغل منصب نائب الحاكم العسكري في اللواء، وفي الجدول الآتي أسماء الضبّاط الذين حكموا لواء العمارة في بداية احتلاله.
كان مساعدو الضابط السياسي في الأقضية يتمتعون بسلطاتٍ واسعة، وهم مسؤولون أمام الحاكم العسكري في اللواء بكلّ ما يتعلّق بشؤون المدينة وغيرها، وممّا يلاحظ أيضًا أنّ بعضهم كانوا يشغلون مهامًا عسكريّة أخرى، إضافة إلى مهامهم المذكورة كمساعدين للضابط السياسي والحاكم العسكري في اللواء، وهذا ما يمكن ملاحظته عند النقيب تايلر (Taylor.J.M.)، فقد كان يشغل بالإضافة إلى عمله، منصب ضابط الحصار (Blocade.O.)، وهي دائرةٌ تهتم بغلق منافذ التموين عن القوات العثمانيّة، وكان يساعده في هذه المهمّة، كاتب وعشرة أشخاص من الشبانة.
وبذلك يمكن القول بأنّ التقسيم الإداري في لواء العمارة خلال سنوات الاحتلال البريطاني ظلَّ على وضعه السابق – العهد العثماني - سوى تسلّم الضبّاط العسكريين إدارة شؤون المدينة.
لم ينل التعليم حظًّا وافرًا من لدن السلطة العثمانيّة في العراق بشكلٍ عامّ، والمناطق العشائريّة بشكلٍ خاصّ، وهي سياسةٌ مقصودةٌ وقصيرة النظر في الوقت نفسه، وتدلّ على تخلف المؤسّسات العثمانيّة.
وفي سياق السياسة المذكورة أهمل التعليم في لواء العمارة بشكل يكاد أنْ يكون تامًا في كلّ ما يتعلّق بشؤونه من حيث عدد المدارس وعدد العاملين فيها سوى بعض المدارس المحدّدة التي شملت المدارس الإسلاميّة التي كان يديرها
الملالي ومدرسة (الأليانس) التبشيريّة ومدرسة رشيديّة، وبعض المدارس الأهليّة التي كان يمارس أصحابها مهنة التعليم في البيوت.
وعند احتلال القوات البريطانيّة لواء العمارة، لم تهتم هي الأخرى بشؤون التعليم، وهذا ما أكّده تصريح السير برسي كوكس عندما قال: «التعليم يجب أنْ يؤجل لحين تحقيق أهدافنا العسكريّة»، إذ أخذت السلطة المحتلّة بادئ ذي بدء، الاهتمام بالأمور التعبوية للقوات الغازيّة، فقد حوّلت مدرسة المدينة إلى مستوصفٍ عسكري، وحوّلت مباني مدنيةً أخرى كانت في اللواء، مثل دائرة الكمرك إلى مخزنٍ عسكري.
تجلّى اهتمام السلطة المحتلّة بشؤون التعليم في اللواء في بداية سنة 1917م؛ إذ دفع استقرار الأوضاع في اللواء بالسلطات المحتلّة إلى الشروع في إقامة عددٍ محددٍ جدًا من المدارس لخطب ودّ الأهالي الذين أسهموا في جمع الأموال اللازمة لتحقيق هذا الغرض، وتسديد كلف البناء، وما يتعلّق أيضًا بأمور الدراسة، فأنشأت أول مدرسةٍ ابتدائيةٍ نظاميّةٍ في قضاء قلعة صالح وكان ملاكها اثنين من المعلمين، وفي عام 1919 أنشأت السلطة مدرسةً في مركز اللواء أُطلق عليها
اسم (مدرسة تذكار مود)، وقد استعانت بتبرعات الأهالي في جمع كلف البناء.
فضلًا عن ذلك، عملت السلطة المحتلّة على مساندة الطوائف غير المسلمة في اللواء في ممارسة نشاطها التعليمي فيه، فأنشأت مدارس خاصة بالمسيح في كلٍّ من علي الغربي وقلعة صالح.
وممّا هو جدير بالذكر أنّ جميع المدارس التي أقيمت خلال حقبة الاحتلال البريطاني كما أشارت إلى ذلك التقارير والمصادر التاريخيّة نفسها كانت تشمل مرحلة الابتدائيّة فقط، كما يلاحظ من خلال المصادر ذاتها، أنّ وجود المدارس انحصر بالأقضية فقط دون باقي التشكيلات الإداريّة الأخرى (النواحي).
أمّا بالنسبة إلى المناهج الدراسيّة التي وضعتها السلطات المحتلّة للتدريس، فقد حرصت على أنْ تكون تلك المناهج منسجمةً مع كافة الانتماءات الدينيّة، وبخاصّة في المدارس الرسميّة التي تسمح لكلّ أبناء المدينة – على مختلف أديناهم - بالانضمام إليها.
كانت الكتب المنهجيّة المعتمدة في تلك المدارس، هي نفسها التي تم تدريسها في مصر، وقد استمر استخدامها مدة ست سنوات، كما ركزت السلطات المحتلّة على أنْ تكون اللغة الإنجليزيّة هي الأساس في المناهج الدراسيّة وتأتي بعدها اللغة العربيّة.
«كما فرضت السلطات المحتلّة على كلّ طالبٍ أجورًا مدرسيّةً قدرها روبية
واحدة تدفع عند رأس كلّ شهر، وأبيح للضابط السياسي في المنطقة أنْ يعفى ولي أمر الطالب من هذه الأجور في حالة كونه فقيرًا»، يتضح ممّا تقدّم أنّ العملية التعليمية التي اتّبعها المحتلون كانت موجّهةً بشكلٍ واضحٍ لخدمة مصالحهم في المنطقة، إذ ابتغت منها خلق جيلٍ جديدٍ قادرٍ على العمل في دوائرها الرسميّة.
لعبت التجارة دورًا كبيرًا في تنمية موارد الاقتصاد المحلّي للواء، التي تأتي بالدرجة الثانية من حيث الأهميّة بعد الزراعة، وقد كان ذلك يعود إلى أسبابٍ عدّة جعلت من النشاط التجاري يتبوأ تلك المكانة المهمّة على الصعيد الاقتصادي، وفي مقدمتها توفّر طرق المواصلات النهريّة في اللواء، وارتباط اقتصاد العراق بشكلٍ عامّ بالسوق الرأسماليّة منذ القرن التاسع عشر، فضلًا عن افتتاح قناة السويس عام 1869م.
ذلك كلّه جعل من تجارة العراق في مختلف مناطقه ذات سعةٍ كبيرةٍ نوعًا ما
في الفعّاليّات التجاريّة الاقتصاديّة، وبخاصّة المناطق التي تحتلّ مراكز الصدارة في إنتاج الحبوب؛ لذلك كان لواء العمارة من أهمّ المناطق العراقيّة التي تعتمد عليها الحكومة العثمانيّة لإعانة صادراتها من الحبوب لتحقيق موردٍ ماليّ مهمٍّ للدولة، ولم تقتصر صادرات اللواء على غلات الحبوب فحسب، بل شملت الحيوانات ومنتجاتها، فضلًا عن المنتجات الحرفيّة الأخرى التي كان يصدر بعضها إلى ولايات العراق الأخرى، وبعضها الآخر إلى دولٍ مجاورةٍ مثل دولة فارس (إيران) ، فضلًا عن الدول التي ارتبط سوق العراق بسوقها مثل بريطانيا ومستعمراتها، وبخاصّة الهند، وذلك من خلال محطاتٍ تجاريّةٍ انتشرت على طول نهر دجلة.
عند احتلال القوات البريطانيّة لواء العمارة اختلفت الأوضاع عمّا كانت عليه قبل ذلك، فقد شُلّت حركة السوق التجاريّة؛ إذ أخذت السلطات المحتلّة في إطار سعيها لتوفير ما أمكن لجيشها من مواد غذائيّة ومنتجاتٍ حيوانيّة ومواد تموينيّةٍ أخرى، وقد أدّى هذا إلى إضرار بالسوق وارتفاع أسعار بضائعه؛ بسبب توافد أعدادٍ كبيرةٍ من جيش الاحتلال إلى العمارة.
وقد انعكس هذا الأمر بشكلٍ واضحٍ على كميّة ونوع صادرات الحبوب؛ فقد شهدت الحبوب والرز منها بشكلٍ خاصّ انخفاضًا ملحوظًا في صادراتها، في حين اقتصرت الصادرات الأساسيّة على المنتجات الحيوانيّة مثل الصوف
والجلود، وقد عزت الوثائق البريطانيّة السبب في ذلك إلى تزايد أعداد القوات المحتلّة من جانب، ودفع أعدادٍ كبيرةٍ من الفلّاحين إلى السخرة التي كانت السلطة المحتلّة تجبرهم عليها من جانب آخر، فضلًا عن قلّة المياه التي كانت تستخدم لإرواء حقول زراعة الحبوب وبخاصّة الرز؛ وذلك بسبب تعرّض بعض السدود إلى التخريب أثناء العمليات العسكريّة؛ ممّا أدّى إلى هبوط الإنتاج الزراعي بشكلٍ كبير، وعلى سبيل المثال لا الحصر كانت عشائر السواعد وخاصّة بيت زامل الكورجة تدفع للحكومة العثمانيّة 3000 طغار بصري، من محاصيل الحبوب كبدلات، وهبطت في عهد الاحتلال البريطاني إلى النصف ممّا كانت عليه في السابق.
وحري بالذكر أنّ صادرات اللواء من الحيوانات هي الأخرى قد لحقتها أضرار من جرّاء الاحتلال، غير أنّها كانت بنسبةٍ أقلّ من تلك التي تعرّضت لها صادرات اللواء من الحبوب، وهنا يشير ويلسون إلى ذلك إذ يقول «وبيع ما لا يقلّ على (50000) رأس من الأغنام إلى جيش الاحتلال، خلال سنتي (1917- 1918)، وهو رقم يفوق فيضها السنوي المعتاد فكانت النتيجة أنّ النعاج الولود عُدّت غير كافيةٍ للحفاظ على الأعداد التي عرفها اللواء فيما قبل الحرب؛ لذلك ذهب الوكلاء الى (بشتكوة ولورستان) لجلبها.
ويذكر فلبي الضابط السياسي للواء العمارة سنة 1917، بأنّ حاجة الجيش
البريطاني في العمارة للموادّ الغذائيّة، لا سيّما اللحوم قد دفعته إلى اتّباع طريقتين في آنٍ واحد، تمثّلت الأولى بمحاولة التقرّب إلى بعض شيوخ العمارة، ومنهم غضبان البنية شيخ عشيرة بني لام، والأخيرة تمثّلت باتباع أسلوب الضغط في حالة فشل الطريقة الأولى، فقد لوّح باستخدام سلاح الأرض كأسلوبٍ للضغط من أجل تحقيق ذلك، واللجوء إلى استخدام القوة إذا تطلّب الأمر ذلك، ولم يكن أمام الشيخ من خيارٍ سوى الموافقة على منح السلطات المحتلّة (10000) رأس غنم.
ويلاحظ الباحث من خلال ما تقدّم أنّ الضرر الذي أصاب الصادرات المحليّة قد تفاوت من نوعٍ إلى آخر على وفق الحاجة الماسّة للمواد الغذائيّة، وتبعًا لأهميّة استخدامها من قبل قوات الاحتلال، فالحبوب مثلًا، مثل الرز والحنطة والشعير، قد شهد تصديرها انخفاضًا ملحوظًا؛ بسبب أعداد الجيش البريطاني المحتلّ، في حين كانت المنتجات الحيوانيّة لا يمكن مقارنة انخفاضها بذلك الذي أصاب صادرات الحبوب.
كانت أغلب واردات لواء العمارة التي ترد إليه من مناطق مختلفة، هي نفسها التي ترد إلى العراق بشكلٍ عام، فكانت الأقمشة والسكر والشاي ترد اللواء من أوربا، في حين كان بعضها يرد له من سوريا، مثل الخيوط التي تستخدم في صناعة العباءات العربيّة.
وفي إثر احتلال القوات البريطانيّة، حدث تغييرٌ ملحوظٌ في نسبة واردات
اللواء، إذ إنّ استقرار الوضع العسكري انعكس إيجابيًّا عليها، فقد شهدت تطوّرًا واضحًا في المواد المستوردة، وبخاصّة التي كان يحتاجها المحتلّون في الدرجة الأولى، ومن أهمّها المنسوجات والسمن والسكر والقمح والتبغ والخشب والمشروبات الكحولية والقهوة، فقد شكّلت هذه المواد نسبةً كبيرةً من واردات اللواء، التي كانت تأتي عن طريق البصرة.
وجاء في المصدر التاريخي، أنّ الاحتلال البريطاني قد أثّر سلبًا في ارتفاع الأسعار، فهي الأخرى قد شهدت ارتفاعًا ملحوظًا خلال سنوات الاحتلال البريطاني، لا سيّما الأشهر الأولى منه، وقد كان ذلك نتيجةً طبيعيّةً لما تعرض له اللواء من ندرة في المواد الغذائيّة المعروضة في السوق، وزيادة الطلب عليها بشكل كبير.
يتّضح ممّا سبق، أنّ لواء العمارة تأثّر وأثّر على الاقتصاد العراقي بشكلٍ أو بآخر خلال سنوات الاحتلال، وهو أمرٌ يعود إلى تميّز اللواء ببعض الخصائص البيئيّة التي جعلته ينفرد دون باقي الألوية العراقيّة بها، فعلى سبيل المثال، زراعة الحبوب وبخاصّة الرز، حيث كانت أراضي اللواء تتمتّع بكلّ الصفات البيئيّة لنجاح زراعته فيه.
شهد العراق عقب انتهاء الحرب العالميّة الأولى أحداثًا مهمّةً شغلت حيزًا واسعًا في تاريخه السياسي الحديث، كان فيها إقدام السلطات البريطانيّة المحتلّة في 11 كانون الثاني 1919 على إجراء استفتاءٍ خاصٍّ بشأن مستقبل الحكم في العراق ومستقبل الإدارة البريطانيّة فيه؛ فقد اقترح أرنولد تالبوت ويلسون (A. T. Wilson)، وكيل الحاكم المدني البريطاني في العراق على إجراء مثل هذا الاستفتاء، الذي هدف من ورائه فيما يبدو إلى إسباغ نوعٍ من الشرعيّة على الوجود البريطاني في العراق، للوصول إلى نتيجةٍ تضمن صيانة المصالح البريطانيّة عن طريق تفويض تجابه به الدعوات القوميّة للعراقيين العاملين في سوريا من جهة، ولمقاومة بعض الاتجاهات الليبراليّة البريطانيّة التي كانت تدفع باتجاه منح العرب شكلًا من أشكال الاستقلال.
وفي هذا الخصوص، بذل ويلسون جهدًا كبيرًا، لتحقيق الصورة التي طالما راودت مخيلته بشأن فرض حكمٍ بريطاني مباشرٍ على العراق، وقرار المصالح البريطانيّة فيه، ومن أجل ذلك وعند استفتاء حمل ثلاثة أسئلةٍ موجّهة إلى العراقيين تضمنّت ما يأتي:
1- هل تريدون حكومةً عربيّةً مستقلّةً تحت حكومة بريطانيا، تمتدّ من الحدود الماليّة لولاية الموصل إلى خليج البصرة؟
2- هل تريدون أنْ يترأس الحكومة أميرٌ عربي؟
3- من تختارونه لرئاسة هذه الحكومة؟.
لم يعمم ويلسون الاستفتاء على المناطق العشائرية، وربما نظر إلى الشيوخ بأنّهم أصغر بكثيرٍ من الإجابة عن الأسئلة المذكورة، ولكنّه قام بزيارة إلى تلك المناطق في أواخر سنة 1918، أي قبل مدةٍ من إجراء الاستفتاء رسميًّا، وشملت زيارته المناطق العشائريّة في جنوب العراق كافّة، ومنها لواء العمارة وأراد من زيارته معرفة رأي الشيوخ المتنفذين مباشرة بالاستفتاء وتأكيد رأيه عليهم، وقد لخّص ما توصّل إليه من أفكار برسالةٍ بعث بها إلى (مونتاكيو) وزير المستعمرات في الهند في 22 كانون الأول 1918 جاء فيها: «يجب أنْ تتحد ولايتا البصرة والموصل مع ولاية بغداد، وإنّ وضع (الحكّام السياسيين البريطانيين) على ما هو عليه الآن، وأنّ العلاقات بينهم وبين الشيوخ، والعلاقات بين الشيوخ وقبائلهم
تبقى من غير تغيير. إنّ القوم يضيفون إلى ذلك أنّهم لم يقبلوا بالفرنسيين ولا بالأمريكان، ويستتبع هذا محادثات طويلة عن احتمال وجود أمير عربي. إنّ الرأي العام بصدد هذه القضية: هو أنّه سائغ من الوجهة النظريّة، أمّا من الناحية العمليّة فلم يعثر على مرشحٍ لائقٍ بعد، لقد كانت هناك محادثاتٌ طليقةٌ بشأن المرشّح ابن شريف مكة، لكنّهم رفضوه على القطع، وفي اليوم نفسه، وتجاهلًا للقرار المتّخذ في العمارة... ومهما تكن الحال دخل الحاكم السياسي في نقاشٍ حرٍّ صريحٍ جدًا بشأن الموضوع مع الشخصيّات البارزة، وحرّر آراءها الشخصيّة على انفراد. إنّ الرأي يجمع على تحبيذ الإدارة البريطانيّة المباشرة، مشفوعة بغاية قصوى، وعلى غرار ما تعرفه الهند، هي تدريب العرب على فنّ الحكم».
من خلال الرسالة، يتّضح بأنّ شيوخ العمارة البارزين، الذين التقى بهم ويلسون أو وكلاؤه بالمنطقة تؤكّد على أنّهم كانوا يرغبون بأيّ حكم، بشرط أنْ يكون تحت إشراف الإدارة البريطانيّة المباشرة، وفي الوقت ذاته لم تكن آراء هؤلاء الشيوخ - الذين هم في الحقيقة ممّن ارتبطت مصالحهم الاقتصاديّة مع السلطة المحتلّة - تحمل في ثناياها ثقلًا سياسيًّا يجعل من الاستفتاء حقيقةً واقعةً وناجحة، إذ لم يكن يمثّل رأي عامة الشعب.
إنّ المدّة التي سبقت أحداث الثورة 1920 في العراق، وتحديدًا بين عامي 1918-1920، شهدت أحداثًا كان لها الدور الكبير في قيام الثورة العراقيّة، حتى شمل أوارها معظم أنحاء العراق سوى القليل من أرجائه، ولا شك
في إنّ أبرز تلك الأحداث المشار إليها، هو الانتداب البريطاني، الذي فرضه مؤتمر سان- ريمو على العراق في نيسان 1920، وما سبقه من تزييفٍ متعمّدٍ لإدارة الشعب العراقي عن طريق الاستفتاء الذي أجراه ويلسون، ونتائجه التي كانت قد ألّبت العراقيين ضدّ الوجود البريطاني، وقد عُدّت من أهم أسباب ثورة 1920، وما رافقها من سياسة التعسّف التي مارستها السلطة المحتلّة بحقّ سكاّن العراق.
شملت الثورة معظم مناطق العراق واشتركت فيها معظم العشائر تحت شتّى الأسباب والدوافع، وممّا يلاحظ هو عدم اشتراك أهالي العمارة في أحداث الثورة، وقد ذكر حسين جميل ما نصّه: «وحتى ثورة العشرين في العراق سمعت بها مجرد سماع، فقد كنت عند نشوبها في العمارة، ولم يشارك ذلك اللواء في الثورة، ولم يقع فيها شيءٌ من أحداثها... وكانت العمارة إلى جانب ذلك في شبه عزلةٍ في ذلك الحين، فلم نكن نرى جريدة، ولم يكن الراديو قد وصل بعد، كما لم أسمع من والدي شيئًا عن الثورة»، وربما يعود السبب في عدم مشاركة اللواء في الثورة، إلى أمورٍ يمكن حصرها على النحو الآتي:
1- إنّ نجاح تطبيق السياسة العشائريّة في لواء العمارة، كان له الدور البارز في
عدم مشاركة أو المشاركة المحدودة للأهالي في الثورة بحكم تأثير الذين ارتبطت مصالحه مع السلطة المحتلة، ممّا جعل الأخيرة تمنح الامتيازات والإغراءات للذين تعاملوا معها، وبالتالي أسهمت تلك الأمور في عدم فعالية المشاركة في الثورة. كما استثمر المحتلّون الأموال مقابل إرساء الأمن في المنطقة.
2- الجهد الكبير الذي بذله الحكّام السياسيّون البريطانيّون في التأثير على بعض شيوخ العمارة، وكسبهم بأساليب شتّى، ففي الشهور المضطربة التي سبقت الثورة عزّز الحكام السياسيّون تحرّكهم نحو بعض الشيوخ؛ لغرض استثمار إمكاناتهم الواسعة عند الحاجة لضرب العشائر الأخرى في المنطقة، ففي الثالث عشر من أيار 1920، مثلًا استعان الكابتن هيجكوك بقوةٍ من رجال العشائر المتعاونة قوامها مائتا مسلّحٍ عندما قصد قلعة صالح لإرساء حالة الأمن هناك.
إنّ هذه الصلات وحجم العلاقات بين بعض رؤساء بعض العشائر والبريطانيين قد حقّقت فعلها ونتائجها، فلم تكن الثورة ذات فعاليةٍ في المدينة كما هو الحال في باقي مدن العراق في ثورة 1920، و كما فعلت عشائر العراق في مناطق الفرات الأوسط وفي باقي مناطق العراق الأخرى.
3- أشارت بعض المصادر إلى أنّ النزاعات العشائرية التي كانت تسيطر سلوك العشائر في المدينة إبّان الثورة كان الأثر الواضح على نسبة مشاركة في الثورة خاصةً تلك التي كانت تتعلق بتوزيع المياه، وقد يكون للجانب البريطاني
دورٌ في هذا الأمر.
4- استخدمت السلطة البريطانيّة المحتلّة الضريبة سلاحًا من أجل إنجاح سياستها وغايتها في المنطقة، فقد انسحب ذلك الأمر على خنق الثورة ومنع انتشارها على طول المناطق العشائريّة القاطنة على ضفاف دجلة، وقد استخدمت من أجل إنجاح هذا الأمر المادة لاسيما أسلوب الإعفاء من الضرائب مقابل منع الثورة في تلك الجهات من العراق.
5- حرصت السلطات البريطانيّة المحتلّة على أنْ تكون المناطق الاستراتيجيّة
بعيدةٌ عن أيّ انتفاضةٍ أو ثورةٍ يقوم بها الشعب، لا سيّما المناطق التي لها خصوصيّةٌ في التأثير على الخطوط التموينيّة كالعمارة والبصرة؛ حيث بذل البريطانيون جهدًا كبيرًا من أجل الحفاظ على هذه الخطوط منذ اللحظة الأولى للاحتلال، فقد ألزمت القوات المحتلّة قبيلة البو محمد مسؤولية الحفاظ على خطوط المواصلات التي تمرّ من خلال اللواء؛ وذلك لأهميّتها العسكريّة والاستراتيجيّة.
6- خشية البريطانيين المحتلّين من أنْ تكون العمارة والمناطق القريبة من أراضي الأحواز العربيّة ضمن مجال الثورة، الأمر الذي قد يؤدّي إلى تعاطف القبائل العربيّة الموجودة في تلك المناطق مع سكّان اللواء، فيما إذا انتشرت الثورة هناك.
7- كشفت السلطات البريطانيّة المحاولات التي قام بها بعض شيوخ اللواء لا سيّما الشيخ علي شياع شيخ عشيرة السواعد، الذي حاول من خلالها الوقوف إلى جانب أبناء العشائر في مناطق الفرات الأوسط التي كانت تتخذ من الرسائل الخطّيّة المتبادلة بينه وبين الشيخ (عبد الواحد الحاج سكر) أحد كبار شيوخ آل فتلة وسيلةً لترويجها؛ إذ تضمنت هذه الرسائل عباراتٍ تستنهض همم رجال اللواء وشيوخها، غير أنّ مضمون هذه الرسائل كان يكشف لدى السلطات المحتلّة قبل وصولها إلى الطرفين، بوساطة مجسّاتها الاستخباراتيّة التي أظهرت اهتمام القوات البريطانيّة المحتلّة المفرط في المنطقة بشكلٍ عام، ومدينة العمارة على وجه الخصوص .
من خلال ما تقدّم يتضح أنّ ضعف مشاركة أهالي اللواء في أحداث ثورة العشرين جاء لأسبابٍ عدة، منها أسبابٌ عسكريّةٌ، وأسبابٌ استراتيجيّة، وأسبابٌ سياسيّة، تبلورت جميعها فكوّنت حاجزًا يعيق انتشارها في تلك المنطقة، رغم محاولة بعضٍ من أبناء عشائر اللواء المشاركة فيها، وبخاصة أنّ هؤلاء قد أعلنوا موقفهم المعارض للبريطانيين منذ اللحظة الأولى لاحتلالهم البصرة، الذي تمثّل بتلبيتهم نداء الجهاد، وقد قُتل العديد من أبناء اللواء في هذه العمليات وفي منطقة تدعى (المنجور).
فالمدة الزمنية التي كانت تفصل بين أحداث ثورة العشرين ومراحل الاحتلال البريطاني للواء عام ١٩١٥م هي ليست بالكبيرة إلى درجة اختلاف المواقف وتبدّلها، لا سيّما إذا ما علمنا أنّ لواء العمارة هو كباقي ألوية العراق الجنوبيّة من حيث تأثّره وانتمائه للنظام الديني والقبلي؛ إذ إنّ هذين المحفّزين هما من أكثر العوامل تحفيزًا ودفعًا للقاعدة الشعبيّة آنذاك لمواجهة السلطات البريطانيّة المحتلّة، وهي ذاتها كانت موجودةً إبّان ثورة العشرين في العراق، فما الذي اختلف حينها لتندرس معالم الثورة في اللواء بشكلٍ لا ينسجم مع طبيعة مواجهة سكّان اللواء للقوات المحتلّة عام ١٩١٥م، الأمر الذي يقودنا الى نتيجة مفادها أنّ البريطانيين كانوا يخشون من وصول أوار الثورة على نحوٍ متميّزٍ الى مناطق اللواء لدواعٍ استراتيجيّةٍ وعسكريّةٍ، وحتى اقتصاديّة، ودخولهم في مشاكل لا قبل لهم عليها .
ثم إنّ ما خلّفته المعارك التي جرت في اللواء وحدوده كانت تتحدّث عن مواجهاتٍ بين الإنجليز وسكّان هذه المدينة فـ (مقبرة حرب العمارة) - هكذا
سميت من قبل البريطانيين أنفسهم - ضمّت جثث القتلى من الجيش البريطاني الذي من بينه جنود من شبه القارة الهنديّة بمختلف الديانات الهندوسيّة، والسيخيّة، وديانات سماويّة أخرى، أعطت دليلًا واضحًا على مواجهة سكّان اللواء التواجد البريطاني في المدينة.
لقد أعطت ثورة العشرين لبريطانيا دواعي إعادة النظر في سياستها حيال حكم العراق، ففي الوقت الذي كانت الثورة فيه قائمةً في معظم أرجاء العراق أقدمت الحكومة البريطانيّة على خطواتٍ هدفت من ورائها القضاء على الثورة بطريقتين؛ الأولى عسكريّة، تمثّلت باستمرار الضغط العسكري واستخدام القوة، والثانية سياسيّة، عندما أعلنت في حزيران من عام 1920م، إعادة سير بيرسي كوكس من فارس إلى العراق ليحلّ محلّ أرنولد ويلسون المندوب المدني في الإدارة البريطانيّة في العراق، وقد وصل إلى بغداد في تشرين الأول 1920م، وكان وصوله موضع ترحيبٍ في بعض الأوساط العراقيّة، بحكم علاقاته الوطيدة مع بعض شيوخ العشائر العراقيّة، وقد اختط كوكس سياسةً جديدةً تختلف عن سياسة سلفه بهدف تهدئة الأوضاع ودراسة الأسباب التي أدّت إلى الثورة وتداركها، لا سيّما أنّ الثورة العراقيّة كانت مستمرةً في بعض المناطق
رغم تلاشي حدّتها، وبهدف السيطرة على الثورة والقضاء عليها - سياسيًّا - عمل كوكس على إجراء لقاءاتٍ مع كبار الملاكين والمتنفذين والشيوخ في العمارة والبصرة وقلعة صالح، وأتمّها بلقاءاتٍ أخرى أجراها مع شيوخ بغداد والموصل، وهي بطبيعة الحال كانت إجراءاتٌ وقائيّةً لمنع الثورة بتلك المناطق.
ارتأى سير بيرسي كوكس على إثر المداولات المذكورة، تأليف حكومةٍ مؤقّتةٍ لحين عودة الأمور إلى نصابها الطبيعي بشكلٍ يضمن للبريطانيين التصرّف بدقةٍ حيال مستقبل العراق السياسي، فعرض الأمر على نقيب بغداد عبد الرحمن النقيب ليؤلف حكومة تسير على وفق النهج الذي حدّده كوكس والمتضمن ترتيب أوضاع السياسة الداخليّة للعراق، وبخاصة ما يتعلّق باحتواء الثورة التي كانت متواصلةً في بعض مناطق الفرات الأوسط.
وبناءً على طلب سير بيرسي كوكس ألّف النقيب وزارة عرفت بــ(الحكومة المؤقّتة)، وتألّفت من ثمانية عشر وزيرًا، حمل ثمانية منهم حقائب وزاريّة، بينما العشرة الآخرون من دون وزارة، وقد صدر بيانٌ رسميٌّ في 11 تشرين الثاني 1920م، تضمّن أسماء أوّل حكومةٍ وطنيّةٍ مؤقّتة، بعد أنْ أعلن كوكس أنّ قيام حكومةٍ دائمةٍ ستكون من مهمّات المؤتمر العام، الذي لا يمكن عقده في مثل هذه الظروف بسبب عدم توفّر إمكانيّة إجراء انتخابات في البلاد؛ لأنّ عدم الاستقرارلا
كان السمة المميزة للأوضاع الداخليّة في العراق بشكل عام، ولا يمكن الاعتماد في عقد المؤتمر فقط على المدن والمناطق التي كانت هادئةً إبّان الثورة مثل بغداد والبصرة والموصل والعمارة، وإنّ هذا الأمر يحتاج إلى مدةٍ طويلةٍ تشتمل على لقاءاتٍ مع الشخصيّات البارزة والشيوخ لأخذ آرائهم بصدد إتمام عقد المؤتمر.
صدر بيان تأليف الوزارة الذي تضمّن تحديد عمل المستشارين البريطانيين، الذي كانت لهم اليد الطولى في تنظيم عمل الوزارة، الذي أوجب على كلّ وزيرٍ عراقي الأخذ بآراء ومقترحات هؤلاء المستشارين وعدّها أمرًا لا يمكن مناقشته، كما حدّد أيضًا توضيح العلاقة بين مجلس الوزراء والمندوب السامي، وقد صيغ ذلك كلّه بمنهاج عملٍ عُرف باسم (لائحة التعليمات للهيئة الإداريّة العراقيّة)، وممّا تجدر الإشارة إليه أنّ كوكس كان شديد الحرص على أنْ يتمّ اختيار الوزراء في الحكومة المؤقّتة من الشخصيّات ذات النفوذ الاقتصادي والاجتماعي، فتم اختيار أحد وجهاء مدينة العمارة وهو الحاج نجم البدراوي وزيرًا بلا وزارة، تأكيدًا لما تم ذكره، وتحسبًا لتأثير مثل هذه الشخصيات في الرأي العام العراقي، واستغلال هذا الأمر إعلاميًّا ليكون وسيلةً لتحقيق مأرب السياسة البريطانيّة.
وفي إثر تأليف الحكومة المؤقّتة في 11 تشرين الثاني 1920م، برئاسة عبد الرحمن النقيب، انصب اهتمام المسؤولين البريطانيين في العراق على إنجاز مسألةٍ
احتلت أهميّةً قصوى في حسابات البريطانيين السياسيّة، وهي اختيار الشخصيّة التي تشغل عرش العراق المقترح، التي تتطلّب أمرين في آنٍ واحد؛ الأول أنْ تحتلّ هذه الشخصية موضع رضا لدى العراقيين، والثاني وهو الأهم، أنْ يكون أمينًا على ترجمة المخططات البريطانيّة في العراق، وينفذ رغباتهم بشكلٍ لا يثير ضجّةً سياسيّةً في الداخل، والواضح أنّها مسألةٌ عمليّةٌ كان قد تمّ الإعداد لها منذ أيام الاستفتاء الذي أجراه ويلسون نهاية عام 1918م، ومطلع 1919 م، وظلّت تمثّل الشغل الشاغل للمسؤولين البريطانيين، وأصحاب النفوذ في ألوية العراق ومن ضمنهم شيوخ لواء العمارة، وقد عبر اللورد كيرزن وزير الخارجية البريطاني عن ذلك صراحةً عندما أشار في كلمةٍ له ألقاها على مجلس اللوردات في 27 حزيران 1920 .
غير أنّ الإجماع على تنصيب ملكٍ يشغل عرش العراق المقترح، كان يصطدم بمن هو المرشَّح الذي يشغل هذا العرش وصفاته ومدى تطبيقه للسياسة البريطانيّة لا سيما أنّ قائمة المرشّحين كانت تضمّ مجموعةً من الشخصيّات السياسيّة من الداخل والخارج.
غير أنّ السلطات البريطانيّة أرادت أنْ تحسم الموقف النهائي بين المرشّحين لعرش العراق، وبالطريقة التي تضمن الحفاظ على جوهر سياستها الإداريّة في المنطقة، وقد تم ذلك المؤتمر الذي عقد بين المدة 12- 14 آذار 1921م، في القاهرة، الذي حضره المستر تشرشل وزير المستعمَرات البريطانيّة آنذاك، وبعض الشخصيّات البارزة التي كانت تمثّل الجانب العراقي وهم كلٌّ من المندوب السامي سير برسي كوكس، والقائد العام لقوات الاحتلال سير هولدين والمس بيل، التي كانت تمثّل أبرز الشخصيّات الاستخباراتيّة البريطانيّة المصاحبة الحملة البريطانيّة على العراق، ومن الحكومة العراقيّة المؤقّتة كلٌّ من وزير الدفاع جعفر العسكري، ووزير الماليّة ساسون حسقيل، وقد ناقش المؤتمر بعض القضايا المهمّة التي تتعلّق بالسياسة الداخليّة لمستقبل العراق السياسي، وكان من أبرزها مسألة اختيار ملك العراق، وفيه تم اختيار الأمير فيصل وبسعي بريطاني حثيث، غير أنّ الموقف العام في العراق خلال المدّة التي عقد فيها المؤتمر لم تمر دون إعاقة للتوجيهات البريطانيّة الرامية إلى اختيار الأمير فيصل ملكًا لعرش العراق، ولا سيّما من بعض الأشخاص الطموحين، الذين كانوا يسعون إلى نيل تلك المرتبة، وأبرزهم السيّد طالب النقيب الذي كان ينظّم زياراتٍ خاصّةً للألوية الجنوبيّة، التي أرادها أنْ تختاره ملكًا للعراق، وشملت زيارته تلك العمارة التي زارها وهو في منصب وزير الداخليّة في حكومة النقيب.
لكن الجهد الذي قام به السيّد طالب النقيب اصطدم بشكلٍ كاملٍ مع واقع التوجّهات البريطانيّة التي حاولت التقليل من شأن طموحات النقيب المذكورة، لا سيّما أنّ الترشيحات كانت في صالح الأمير فيصل بن الحسين لاعتباراتٍ عدّة، كان من أهمّها انتماؤه للأسرة الهاشميّة – الذي ربما كان لهذا الاعتبار التأثير الكبير على إضعاف موقف شيوخ العشائر في العمارة تجاه طالب النقيب، وتأييدهم لترشيح الأمير فيصل ملكًا لعرش العراق- فضلًا عن كونه من أبرز الشخصيّات التي عملت في المجال القومي، حيث شارك بشكلٍ فاعلٍ في الثورة العربيّة عام 1916م، وله أنصارٌ ومريدون من الضبّاط العراقيين الذين عملوا تحت إمرته في أحداث الثورة.
ولأجل تسهيل وتنفيذ هذا الأمر، أقدمت السلطات البريطانيّة في العراق على نفي السيّد طالب النقيب إلى جزيرة سيلان، لتضع حدًّا لمعارضته المستمرة لترشيح الأمير فيصل، وبالتالي قطع الطريق أمام من يريد الوقوف بوجه الرغبة البريطانيّة التي أُقرّت في مؤتمر القاهرة.
بعد أنْ هيّأت السلطات البريطانيّة الأجواء المناسبة، وأصبح فيصلٌ المرشح الوحيد لعرش العراق، أقدمت الحكومة المؤقّتة وبدعم من السلطات البريطانيّة في العراق على اتّخاذ الإجراءات المناسبة لانتخاب الأمير فيصل ملكًا فشكّلت اللجان الخاصّة التي أوفد فيها لجنة إلى لواء العمارة فتم إملاء المضابط الخاصّة بالترشيح بعد أخذ الأصوات من أهالي اللواء، وهي بمنزلة تأييدٍ خطّي قام بتدوينه
وجهاء اللواء المتمثّلون بشيوخه، وقد أرسلت هذه المضابط عن طريق اللجان المذكورة التي شكّلتها وزارة الداخليّة إلى العاصمة بغداد، ويشير الحسني إلى أنّ لواء العمارة قدّم بهذا الصدّد سبع مضابط، وكانت جميعها منسجمةً مع تطلعات المساعي البريطانيّة التي كانت تهدف إلى ترشيح الأمير فيصل ، ويبدو أنّ تأثير الضبّاط السياسيين الذين ما زالوا يهيمنون على حكم الألوية ومساعديهم على الأقضية قد أخذ مأخذًا في تحقيق تلك النتيجة.
وبعد عملية فرز الأصوات، ظهر أنّ نسبة التصويت كانت لصالح الأمير فيصل الذي حصل على 97% من الأصوات، يتّضح من هذه النسبة بأنّها كانت منسجمةً مع رغبات الحكومة البريطانيّة بخصوص مستقبل العراق السياسي وعلاقته مع بريطانيا، ولا سيّما أنّها سعت في تحقيق ذلك، وفي 23 آب 1921 تم تتويج الأمير فيصل رسميًّا ملكًا للعراق، وقد رحّب شيوخ لواء العمارة بهذا الأمر، من خلال ذهابهم مجتمعين إلى بغداد عن طريق نهر دجلة، ليعلنوا عن ولائهم وترحيبهم بالملك الجديد، وقد قام بهذه المهمّة السيّد عبد الرحيم السوداني، وهو أحد الشخصيّات الدينيّة ووكيل آية الله كاظم اليزدي في اللواء، حيث دعا جميع شيوخ عشائر لواء العمارة وحثهم على القيام بذلك.
يلاحظ من خلال ما تقدّم أنّ انتخاب الملك فيصل لعرش العراق، وحمل
الشعب العراقي بالموافقة على ذلك بالإجماع لم يأتِ دون تخطيطٍ مسبقٍ وإنّما كان بإرادةٍ بريطانيّةٍ وذلك للحفاظ على سياستها بالمنطقة، حيث كان للدور البريطاني الأثر الكبير في اندفاع شيوخ العمارة للموافقة على ذلك من دون أيّ اعتراض.
أُعلن الانتداب على العراق بموجب مقرّرات سان - ريمو في نيسان عام 1920م، وقد ألزم الحكومة البريطانيّة بوضع قانونٍ أساسي بمشورة حكومةٍ وطنيّةٍ في مدّةٍ لا تتجاوز الثلاث سنوات، وفي إثر ذلك جاءت توجيهات الحكومة البريطانيّة في 17 حزيران 1920م، بأنْ يلتئم مؤتمرٌ عراقيّ ممثّلٌ لجميع العراقيين يُنتخب أعضاؤه باختيارهم، وتُؤخذ استشارته في إقرار ذلك القانون، فأصبح عقد مؤتمرٍ عراقي قبلة أنظار العراقيين، وأطلق عليه فيما بعد اسم المجلس التأسيسي، واستنادًا إلى ذلك صادقت الحكومة المؤقّتة على نظام انتخاب المؤتمر العراقي في 16 كانون الأول 1920م، وقد حُدّدت مهمّة المجلس المذكور بثلاث نقاطٍ رتبت على وفق ما جاء في الإرادة الملكيّة الصادرة في 19 تشرين الأول 1922م:
1- وضع دستور (القانون الأساسي) للمملكة العراقيّة.
2- سنّ قانون انتخاب مجلس النواب.
3- البتّ في المعاهدة العراقيّة البريطانيّة لسنة 1922 .
استنادًا إلى ما تقدّم قسّمت عمليّة انتخابات المجلس التأسيسي في لواء
العمارة كبقية الألوية العراقيّة الأخرى إلى مرحلتين، بدأت الأولى عند صدور الأمر بإجراء الانتخابات في 24 تشرين الأول 1922م، وحتى إيقافها من قبل الحكومة في أواخر كانون الثاني 1923م، اضطرارًا بعد صدور الفتاوى الدينيّة بتحريم الاشتراك فيها، أمّا المرحلة الثانية فقد شرع العمل بها بصدور الأوامر الحكوميّة بإجراء الانتخابات في 12 تموز، وحتى إعلان نتائجها النهائيّة في شباط من العام التالي.
أصدرت وزارة الداخليّة أوامرها إلى متصرف اللواء السيّد صالح باش عيان بالشروع بإجراء انتخابات المجلس التأسيسي في تشرين الأول 1922م، لتنفيذ مضمون الإرادة الملكيّة المذكورة.
وأبلغ وزير الداخليّة عبد المحسن السعدون موظّفي الحكومة جميعهم باتّخاذ التدابير اللازمة التي تضمن نجاح الانتخابات بما يؤدّي إلى إنجازها على الوجه الأكمل، وعلى الفور بوشر بتسجيل أسماء الناخبين الأوليين للبدء بعملية إجراء الانتخابات، إلّا أنّ هذا اصطدم بمعارضةٍ واسعةٍ من قبل الحركة الوطنيّة التي هدّدت منذ تموز 1922م، بمقاطعة الانتخابات إنْ أُجريت ما لم ترفض المعارضة الانتدابيّة ويضمن استقلال العراق، وتطلق حريّة الصحافة وتشكّل حكومة وطنيّة، إلّا أنّ الإيعاز بإجراء الانتخابات قد جاء بعد التوقيع على معاهدة سنة 1922م، من قبل مجلس الوزراء في 21 تشرين الأول 1922م، بأيامٍ قليلة، ممّا أدّى إلى الانتقال من مرحلة التلويح بالمقاطعة إلى مرحلة التنفيذ الفعلي، ولا سيّما أنّ الساحة السياسيّة في البلاد كانت قد أُفرغت قسرًا من زعماء الحركة الوطنيّة من السياسيين، ولم يبقَ من المعارضة الوطنيّة سوى علماء الدين، الذين تصدّوا
للأمر، وأصدروا الفتاوى الدينيّة في 8 تشرين الثاني 1922م، التي نصّت على مقاطعة الانتخابات وتحريم الاشتراك فيها؛ ممّا أدى إلى عرقلة سير الإجراءات الانتخابيّة التي كادت أنْ تكتمل لولا تلك الفتاوى.
أوضحت بعض الوثائق البريطانيّة مدى تأثير تلك الفتاوى على السكّان ولا سيما لواء العمارة، حيث انضمّ بعض شيوخها إلى المقاطعة يتبعهم في ذلك أفراد عشائرهم، الأمر الذي حدا بالحكومة العراقيّة ومستشاريها البريطانيين لبذل جهدٍ كبيرٍ للحيلولة دون نجاح المقاطعة الشعبيّة للانتخابات واتّخاذ ما يلزم بهدف منع انتشار أثر تلك المعارضة، حيث قام صالح باش عيان متصرّف لواء العمارة يرافقه مستشاره البريطاني الميجر بولي (pulley) بجولاتٍ إلى مختلف مناطق اللواء؛ للتخفيف من أثر المعارضة الدينية، وحثّ الشيوخ في تلك المناطق على المشاركة الفعليّة في الانتخابات، واستخدم المذكورون في ذلك أساليب الترغيب والترهيب تجاه العشائر.
غير أنّ ذلك لم يجد نفعًا؛ نظرًا لاتساع المعارضة للانتخابات ممّا دفع بالحكومة إلى تأجيلها بشكلٍ رسمي، وفي إثر استقالة حكومة عبد الرحمن النقيب في 16 تشرين الثاني 1922م، كلَّف الملك فيصل الأول عبد المحسن السعدون بتشكيل وزارةٍ جديدةٍ بعد أنْ تولّدت لديه القناعة التامّة بضرورة وجود حكومةٍ قويةٍ تأخذ على عاتقها مهمّة انتخابات أعضاء المجلس التأسيسي بعد استمرار المقاطعة
الشعبيّة له، الذي تحوّل إلى موضوع الساعة الأكثر حساسيّةً وضرورةً بسبب متطلّبات المرحلة آنذاك، وقد عدّ السعدون اتّخاذ الإجراءات القانونيّة بحقّ من يُعرقل سير الانتخابات أمرًا منطقيًّا تتطلّبه مصلحة العراق ومستقبله.
ارتأت الحكومة العراقيّة ألّا مفرَّ لها من إجابة بعض مطالب الحركة الوطنيّة للتخفيف من زخم المعارضة للانتخابات، ومنها السماح لحزبي الوطني العراقي والنهضة بمزاولة نشاطها مجدّدًا في 8 كانون الأول 1922م، وعودة من تبقّى من زعماء الحركة الوطنيّة المنفيين إلى العراق بعد أنْ وقَّع هؤلاء تعهّدًا يتضمّن عدم اشتغالهم بالأمور السياسيّة، ووضع نظام التفتيش الإداري، الذي نصّت مادته الرابعة على أنْ يكون مقرّ المفتشين الإداريين البريطانيين في بغداد.
ثم جاء توقيع البروتوكول الملحق بالمعاهدة العراقيّة - البريطانيّة في 30 نيسان 1923، الذي قلّصت بموجبه مدّة المعاهدة من عشرين عامًا إلى أربعة أعوامٍ ليكون عاملًا مساعدًا لإنهاء حركة المعارضة الشعبيّة للانتخابات.
وضمن السياق المذكور آنفًا، أقدم الملك فيصل الأول على زيارة العديد من الألوية العراقيّة لحشد التأييد الشعبي لاستئناف الانتخابات والحدّ من تأثير المقاطعة لها، حيث زار لواء العمارة في 21 حزيران 1923م، والتقى العديد من وجهاء المدينة وشيوخها مناشدًا إيّاهم ضرورة الاشتراك في الانتخابات، والإسراع في جمع المجلس التأسيسي، وعدّ ذلك واجبًا وطنيًا لا بدّ منه، كما أوضح أنّ الهدف الذي طالما سعت إليه الحكومة هو الحصول على الاستقلال
التام، وإيجاد نظامٍ جديدٍ لدولة تضمن لشعبها الحرية والاستقلال والمساواة.
وفضلًا عمّا ذكر من أساليب حاولت فيها الحكومة ترغيب الشعب باتجاه نبذ المقاطعة وعدم الانصياع لها، أقدمت وزارة السعدون على إبعاد العديد من علماء الدين من ذوي النفوذ الواسع والتأثير الكبير في استمرار المقاطعة إلى خارج العراق، أسفرت تلك الإجراءات عن فرض سيطرة الحكومة على مجريات الأحداث في البلاد، وجعل زمام الأمور بيدها فنفذت السلطات الإداريّة في اللواء أوامر وزارة الداخليّة التي أصدرتها مجددًا في 11 تموز 1923م، التي ألزمت جميع متصرّفي الألوية العراقيّة على التهيئة للبدء بإكمال الانتخابات، والتنسيق والتحضير لها بشكلٍ يضمن إجراءها بعيدًا عن المعوقات، كما حددت يوم 12 منه موعدًا لذلك.
وامتثالًا لحكومة السعدون، عجّلت السلطات الإداريّة في اللواء ممثّلةً بمتصرّف العمارة صالح باش عيان ومستشاره البريطاني الميجر بولي بحثّ الخطى باتجاه تنفيذ تلك الأوامر بشكلٍ دقيق، وقد استغرقت التحضيرات للانتخابات عشرين يومًا، وتضمّنت تلك الأوامر إلغاء الهيئات التفتيشيّة السابقة التي لم يكتمل عملها بسبب الفتوى الدينيّة بتحريم الاشتراك في الانتخابات، فشكّلت
هيآتٍ تفتيشيّةً جديدةً بدلًا عنها، وبناءً على تلك التعليمات باشرت الجهات المختصّة بتعيين أسماء أعضاء الهيئة التفتيشيّة الرئيسة في العمارة، وقد ضمّت كلًّا من:
1- بهجت أفندي العبد القادر أفندي.
2- السيّد علي الشابندر.
3- إسماعيل جلبي المحمود.
4- سيّد لطيف السمرلي.
5- سيّد صالح السمرلي.
6- نافع جلبي الخضيري.
7- جمال أفندي.
8- خضير جلبي الملة فرحان.
9- نصوري حنا كاري كوز.
عبودي أفندي الطوكة.
11- عبد العزيز المفتي.
يلاحظ من خلال التقرير الإداري الذي رفعه الميجر بولي إلى مرجعة في بغداد، أنّ القسم الأكبر من أعضاء الهيئة التفتيشيّة في لواء العمارة كانوا من ذوي النفوذ الاقتصادي والاجتماعي الواسع والمؤثّر، كما ضمّت الهيئة أحد أفراد الطائفة اليهوديّة وهو عبودي أفندي الطوكة، وقد حرصت السلطات
البريطانيّة كلّ الحرص على اختيار عناصر الهيئة التفتيشيّة؛ لأنّها تتحمل العبء الأكبر في العمليّة الانتخابيّة، فضلًا عن تدخّلها المباشر في العمليّة الانتخابيّة وبطريقةٍ تضمن فوز الأشخاص الذين ترغب في انتخابهم، ليكونوا أداةً لها في تنفيذ أوامرها الإداريّة البريطانيّة.
كما يلاحظ أنّ المجلس البلدي في اللواء قد اضطلع بإنجاز هذه المهمّة، وحمل على عاتقه إنجاحها بالشكل الصحيح، حيث كان عدد المنتخبين إلى الهيئة التفتيشيّة أحد عشر عضوًا من بينهم خمسة أعضاء من المجلس البلدي، وهم كلٌّ من: إسماعيل جلبي رئيس المجلس البلدي، وسيّد لطيف السمرلي، نافع جلبي الخضيري، عبودي أفندي الطوكة، وعبد العزيز المفتي.
اشترك الناخبون الأولون في الانتخابات، وكان يربو عددهم على (72856) ناخبًا أغلبهم من أفراد العشائر الذين بلغ عددهم (67693) ناخبًا، في حين كان عدد الناخبين الذين مثّلوا سكّان المدينة (5163) شخصًا.
وقد أسفرت الانتخابات التي أجريت سنة 1923م، عن فوز المرشّحين الأولين، وهم كلٌّ من:
1- عبد الوهاب أفندي 172 صوتًا
2- علي البصراوي 416 صوتًا
3- محمود المحمد سعيد 211 صوتًا
4- محي السيد 322 صوتًا
5- زيارة المحي 879 صوتًا
6- صالح المحمود 191 صوتًا
7- سيّد حمود السيّد محمد 270 صوتًا
8- عبد عون الجاسم 221 صوتًا
9- كاظم السدخان 368 صوتًا
10- السيد شمخي السيد جبار 64 صوتًا
11- صالح المحمود 151 صوتًا
12- فالح البنيان 1000 صوتٍ
13- حبيب الشاطي 489 صوتًا
14- جاسم الملّا 507 صوتًا
15- محمود الصالح 36 صوتًا
16- محمد العريبي 4458 صوتًا
17- فالح الصيهود 5337 صوتًا
18- غضبان البنية 5308 صوتًا
19- محمد الحطّاب 582 صوتًا
20- شاه علي الفيصل 541 صوتًا
21- مطشّر الفيصل 2130 صوتًا
22- شياع الفيصل 511 صوتًا
23- مجيد الخليفة 6966 صوتًا
24- شبيب المزبان 2030 صوتًا
25- السيّد صالح باش عيان
26- سلمان الحميد
27- إسماعيل المحمود
ويلاحظ من خلال قائمة الأسماء التي وردت في أعلاه أنّ أغلب الفائزين في الانتخابات الأولية قد كانوا من مرشّحي المجتمع العشائري في اللواء، ولا سيّما الشيوخ المتنفذين منهم؛ لأنّ طبيعة مجتمع اللواء آنذاك وسيطرة شيوخ العشائر كانت قد حتمت مثل هذه النتيجة.
سارت انتخابات الناخبين الثانويين بشكلٍ مرضٍ، واستطاعت الحكومة أنْ تقطع شوطًا بعيدًا قبل أنْ يقدّم السعدون استقالة حكومته في 15 تشرين الأول 1923م، وتولّى جعفر العسكري مكانه، فباشرت الحكومة الجديدة إكمال ما أنجزته الحكومة السابقة، والتهيّؤ للمرحلة القادمة من الانتخابات لاختيار أعضاء المجلس التأسيسي فأبرقت وزارة الداخليّة إلى متصرّفي الألوية في 23 شباط 1924م، محدّدة يوم الخامس والعشرين منه موعدًا نهائيًّا لانتخاب أعضاء المجلس، وقد بذلت الحكومة جهدًا كبيرًا لضمان فوز مرشّحيها في الانتخابات.
نتيجة لفرز الأصوات في لواء العمارة، أسفرت عن فوز كلٍّ من:
1- صالح باش عيان مدينة 317 صوتًا
2- الشيخ شبيب المزبان (شيخ بني لام) مدينة 268 صوتًا
3- الشيخ محمد العريبي (شيخ البو محمد) مدينة 258 صوتًا
4- الشيخ فالح الصيهود (شيخ البو محمد) مدينة 246 صوتًا
5- إسماعيل المحمود مدينة 239 صوتًا
6- سلمان الحميد مدينة 237 صوتًا
كان هؤلاء يمثّلون سكّان اللواء من أبناء المدينة، في حين فاز عن العشائر كلٌّ من:
7- الشيخ غضبان البنية (شيخ بني لام) 236 صوتًا
8- الشيخ شواري الفهد (شيخ آل إزيرج) 235 صوتًا
وبعد أنْ أنهت حكومة العسكري الانتخابات في ألوية العراق كافة، وفاز من فاز بها، حدد يوم 27 آذار 1924م، موعدًا لافتتاح المجلس التأسيسي، وألقى الملك فيصل الأول خطابًا في ذلك اليوم تمنّى للحاضرين فيه النجاح في أعمالهم، محدّدًا مهام المجلس المذكور بالمهام الآتية
1- البت بالمعاهدة العراقيّة- البريطانيّة لسنة1922م.
2- سنّ دستورٍ عراقيّ لتأمين حقوق الأفراد والجماعات، وتثبيت سياسة الدولة الخارجيّة.
3- سنّ قانون انتخاب مجلس النواب.
وكانت هذه المهمّات مدار مناقشاتٍ ومداولاتٍ استغرقت أشهرًا طويلةً صاحبتها اختلافاتٌ في الرأي حملت في طيّاتها الكثير بالنسبة لمستقبل العراق وعلاقاته مع بريطانيّة.
وهكذا نرى أنّ انتخابات المجلس التأسيسي في العمارة قد تأثّرت كثيرًا بالمتغيّرات السياسيّة التي شهدها العراق خلال الحقبة الممتدة بين عامي 1922-1924م، التي تمثّلت بالحكومة العراقيّة، وما قامت به من إنجازاتٍ سياسيّةٍ على الساحة العراقيّة، وذلك لصدّ ما بدر عن مصدر التغيّرات الثاني المتمثّل بالحركة الوطنيّة، بمن فيهم علماء الدين في مناطق العراق.
بعد أنْ أنهى المجلس التأسيسي مناقشة كلّ ما يتعلّق بالمعاهدة العراقيّة - البريطانيّة لعام 1922 وتصديقها، وإقرار القانون الأساسي للمملكة العراقيّة، تصدّى المجلس المذكور لمناقشة لائحة قانون انتخاب مجلس النواب، والذي تمت المصادقة عليه في 2 آب 1924م بعد مناقشاتٍ مستفيضةٍ، فصدر قانون انتخابات مجلس النواب في 22 تشرين الأول من العام نفسه، وتقرر بموجب القانون أنّ مجلس النواب، هو بمنزلة هيئةٍ تمثيليةٍ تقوم على أساس أن يمثّل نائبٌ
واحدٌ عن كلّ عشرين ألفًا من السكّان الذكور البالغين عشرين عامًّا من العمر.
وتضمّن كذلك أنْ تجري انتخابات المجلس بطريقةٍ غير مباشرة عن طريق الاقتراع السري، إذ عدّ جميع العراقيين الذين تتوفّر فيهم شروط الانتخابات منتخبين أوليين يحقّ لهم خوض عمليّة الانتخاب في مرحلته الثانية، ويقابل كلَّ مُنتخبٍ ثانوي مائتان وخمسون منتخبًا أوليًا، ويقوم المنتخبون الثانويّون بانتخاب أعضاء مجلس النواب، ويحتفظ كلّ نائبٍ بحقّه هذا طيلة مدة الدورة المقرّرة إلى حين انتخاب نائبٍ جديد إذا دعت الحاجة إلى ذلك الأمر، ولتنفيذ ما ذكر، بدأت التحضيرات لإنجاز الانتخابات لاختيار أوّل مجلسٍ للنواب في العراق، وعليه أصدرت وزارة الداخليّة في 13 تشرين الثاني 1924 تعليماتها إلى متصرّف لواء العمارة، ومعها سائر ألوية العراق الأخرى ليتّخذ على عاتقه مهمّة تأليف اللجان الانتخابيّة، المختصّة بإعداد جداول الناخبين الأوليين، وعلى الفور باشرت تلك اللجان عملها تحت إشرافٍ مباشرٍ من قبل متصرّف اللواء لتحديد الإجراءات ووضع الترتيبات اللازمة لانتخابات المجلس النيابي العراقي، وبعد إجراء الانتخابات بمرحلتيها التي جرت في 25 أيار 1925، فاز بعضويّة المجلس كلٌّ من:
1- الشيخ سلمان المنشد
2- الشيخ علوان الجنديل
3- الشيخ مجيد الخليفة
4- ياسين العامر
يلاحظ من خلال الأسماء المذكورة، أنّ ثلاثةً منهم ممّن كانت له تأثيراتٌ قويّةٌ في الجانب العشائري والإداري في لواء العمارة، وهم كلٌّ من الشيخ سلمان المنشد شيخ عشيرة آل إزيرج، والشيخ علوان الجنديل، وهو أحد شيوخ عشيرة بني لام، والشيخ مجيد الخليفة، وهو أحد شيوخ آلبو محمد، أمّا الشخصيّة الرابعة والأخيرة فقط كان من التجّار المعروفين في لواء العمارة، وحين أجريت الدورة الانتخابية الثانية في 28 أيلول 1928، فاز كلٌّ من:
1- الشيخ علوان الجنديل
2- ياسين العامر
3- الشيخ شواي الفهد
4- عبد الرحمن المطير
أمّا الدورة الانتخابية الثالثة التي أُجريت في تشرين الثاني 1930، فقد فاز فيها عن العمارة كلٌّ من:
1- عبد الكريم الديوان
2- فالح الصيهود
3- محمد العريبي
4- معروف الرصافي
ويلاحظ في الدورة الأخيرة، أنّ هناك مَنْ مثّل العمارة وهو ليس من أهاليها ولا من العاملين فيها، وهو الشاعر العراقي (معروف الرصافي)، وكان للأخير مشاركاتٌ نقاشيّةٌ عديدة، ركّز فيها على الجوانب التعليميّة في العراق، وكيفيّة تطويرها.
نتخابيّة المختلفة، نجد أنّ الحكومة العراقيّة ظلّت متمسكةً بفلسفتها السياسيّة الرامية إلى تقريب شيوخ العشائر والإقطاعيين ومن تتوفّر لديهم الدعامة الاجتماعيّة والاقتصاديّة، إذ إنّ تلك الاعتبارات قد أسبغت على أصحابها نفوذًا مؤثّرًا على مجتمع لواء العمارة، والذي كان بالأساس مجتمعًا عشائريًّا ينصاع لتلك الاعتبارات.
كما يتّضح، وهو أمرٌ لا يترك مجالًا للشك في أنّ قلّة بيانهم للآراء السياسيّة مقارنةٌ مع نوّاب باقي ألوية العراق، ويعود هذا الأمر إلى انشغال أغلب شيوخ العشائر بالقضايا الاجتماعية العشائرية والأمور المتعلّقة بالزراعة الموجودة في اللواء؛ ولذلك فإنّ مشاركة نوّاب العمارة كانت مشاركةً ضمنيّةً في كثيرٍ من المناقشات التي كانت تخصّ أمن العراق واستقلاله التام.
واجه الأمير فيصل بعد تتويجه ملكًا على العراق مهامًّا عدّة منها:
1- محاولة التخلّص من الانتداب البريطاني بأقرب فرصةٍ ممكنة، وإقناع البريطانيين بالتخلّي عن الحكم وتسليمه إلى العراق تدريجيًّا.
2- الحفاظ على ولاية الموصل التي كانت تطالب بها تركيا آنذاك.
3- العمل على إنشاء حكومةٍ عصريّةٍ بكامل تشكيلاتها وإداراتها ووضع دستورٍ حديث لها.
4- إنقاذ البلاد من الجهل والمرض والخراب مع توطيد الوحدة الوطنيّة ومحاربة كلّ من يقف حائلًا دون التطوّر والإصلاح.
(124)ففي إثر التتويج، قدّم المندوب السامي البريطاني مسودة المعاهدة العراقيّة البريطانيّة إلى الحكومة العراقيّة، التي كانت تعبّر عن وجهة النظر البريطانيّة والتي اعتبرت بديلًا عن صك الانتداب في تنظيم علاقاتها مع العراق بالشكل الذي لا يلحق الضرر بالمصالح البريطانيّة وبالعلاقات بين الطرفين.
وقد تقاطعت وجهتا النظر العراقيّة والبريطانيّة بشأن المعاهدة المذكورة، إذ كانت المعاهدة بالنسبة لبريطانية وسيلةً للإشراف والسيطرة، دون تبديل في موقفها تجاه عصبة الأمم، وقد جاء الموقف البريطاني ضمن تصريح فشر المندوب البريطاني في العصبة في 17 تشرين الثاني 1912م، إذ أوضح أنّ المعاهدة البريطانيّة المقترحة ستقوم فقط بتنظيم العلاقات بين حكومة صاحب الجلالة كدولةٍ منتدبةٍ وحكومة العراق العربيّة، ولا يقصد بها أنْ تكون بديلًا عن الانتداب الذي يبقى وثيقة عمل تعيين الالتزامات التي اضطلعت بأعبائها حكومة صاحب الجلالة عن عصبة الأمم.
أمّا وجهة النظر العراقيّة، فقد كانت تريد أنْ تكون المعاهدة صيغةٌ جديدةٌ تحلّ محلّ الانتداب، وتحفظ للعراق استقلاله كدولةٍ مستقلةٍ وكملكٍ له هيبةٌ وكرامة، غير أنّ من يطلع على مواد المعاهدة المعقودة، يفهم أنّها جاءت ضمن ما رغبته الحكومة البريطانيّة تجاه علاقتها مع العراق.
كان أبرز ما قام به المجلس التأسيسي من أعمال بخصوص المعاهدة العراقيّة البريطانيّة، هو تشكيل لجنةٍ تضطلع بمهمّة دراسة ومناقشة بنود المعاهدة العراقيّة البريطانيّة 1922م، وقد أشار لذلك المشروع ناجي السويدي وتلقفه ياسين
الهاشمي نائب رئيس المجلس وأحد أقطاب المعارضة البارزين في المجلس، وقد شكلت هذه اللجنة برئاسة الأخير مع أربعة عشر عضوًا كان يمثّل كلٌّ منهم أحد الألوية العراقيّة، وقد مثّل لواء العمارة فيها الشيخ فالح الصيهود أحد شيوخ عشيرة البو محمد، وهو من أبرز شيوخ عشائر العمارة المعروفين.
عقدت اللجنة المذكورة تسعًا وثلاثين جلسة، وعشر جلسات خاصّة، فضلًا عن استشاراتها لبعض المتخصّصين في المجالات التي تضمّنتها المعاهدة المذكورة، كالحقوقيين والماليين، زد على ذلك المداولات التي دارت بينها وبين المندوب السامي البريطاني ومستشاريه، وذلك في ثلاث جلساتٍ متتالية، كما عقدت جلسات استثنائيّة بحضور الملك فيصل وتبادلت معه الآراء بشأن الأوضاع الداخليّة التي تتأثر وتؤثّر في المعاهدة، فضلًا عن اشتراك ياسين الهاشمي، رئيس اللجنة في جلستين من جلسات مجلس الوزراء، وبعد إجراء المشاورات والاتصالات، وضعت اللجنة بمشاركة كل أعضائها، ومن ضمنهم نائب لواء العمارة، تقريرها الذي تألّف من (65) صفحة، وقد أوضح رأي العراقيين ورأي بريطانيا في بنود المعاهدة والاتفاقيات الملحقة بها.
غير أنّ ما اتخذته اللجنة من قراراتٍ واجهت مواقف عده، وفي داخل المجلس التأسيسي نفسه، وقد تمثّلت بالآتي: اتجاه كان يريد تعديل المعاهدة قبل إبرامها، والاتجاه الآخر كان يريد إجراء التعديلات التي وردت في تقرير اللجنة على شكل اتفاقٍ ملحقٍ بها، وآخر كان يريد إعادة المعاهدة إلى الحكومة وإجراء مفاوضاتٍ جديدةٍ في ضوء ما جاء في لجنة تدقيق المعاهدة، في حين أراد الاتجاه
الأخير إبقاء الانتداب ورفض المعاهدة وملاحقها الثقيلة، وهناك اتجاهٌ طالب بضرورة حلّ قضيّة الموصل قبل إبرام المعاهدة وإزاء تلك الآراء والاتجاهات المتقاطعة، وبضغط من الحكومة البريطانيّة تم تصديق المعاهدة العراقيّة البريطانيّة في ليلة 10/11 حزيران 1924م، وقد أفصحت آراء نوّاب العمارة عن الموافقة على إبرام المعاهدة، وفي ضوء ما جاء به تقرير لجنة تدقيق المعاهدة، التي كان أبرزها الاعتراف بحقوق العراق في الموصل، وكان النواب هم كلٌّ من:
1- شواي الفهد
2- سلمان الحميد
3- شبيب المزبان
4- محمد العريبي
5- فالح الصيهود.
كان من ضمن الموقّعين على الاقتراح المذكور السيّد صالح باش عيان، الذي مثّل لواء العمارة رسميًّا بصفته وزير الأوقاف، وكان معه مندوب الموصل ووزير الداخليّة، علي جودت الأيوبي، والمندوب الآخر عن الموصل ووزير العدلية أحمد فخري، ومندوب ديالى ورئيس الوزراء جعفر العسكري، ومندوب أربيل ووزير الأشغال صبيح نشأت، ومندوب بغداد ووزير الدفاع نوري سعيد.
من خلال الاطلاع على محاضر مجالس النواب، وبقيّة المصادر التي تناولت
موضوع المعاهدات العراقيّة البريطانيّة، اتّضح بأنّه لم يكن هناك أيّ رأيٍ منفردٍ أبداه نوّاب العمارة بخصوص المعاهدات العراقيّة البريطانيّة للأعوام 1924، 1926، 1927، 1930م، التي كانت بالحقيقة امتدادًا لمعاهدة 1922م، بل كانت الأخيرة أساسًا رئيسًا لها سوى الموافقة الضمنيّة، غير أنّ ذلك لا يعني غياب إسهامهم بالقضايا الوطنيّة تمامًا، بل كانت لهم مشاركاتٌ وآراءٌ سياسيّةٌ انسجمت مع الأجواء السياسيّة التي كانت سائدةً في مجلس النواب بشكلٍ عامٍّ، ومع الأغلبيّة التي كانت دائمًا تنساق إلى رغبات الحكومة العراقيّة، إذ كانت الأخيرة تبرر أعمالها، خاصّة بما يتعلّق بإبرام المعاهدات المذكورة والموافقة على توقيعها، بأنّها من أجل استقلال العراق ووحدة أراضيه، إذ كان أبرز ما يثار بتلك المعاهدات، هي مشكلة الموصل، التي احتلّت مكانةً مهمّةً لدى الحكومة العراقيّة ومجلسها البرلماني، وقد كانت آراء نوّاب العمارة بتلك القضية مساندةً لآراء النواب العراقيين وجهاته الرسميّة، فقد أكدوا مرارًا أحقيّة العراق بولاية الموصل، رغم أنّ بعض التقارير البريطانيّة أشارت إلى غرابة وخمول موقف سكّان اللواء حيال ذلك، غير أنّ من أشارت إليه المصادر العراقيّة لنوّاب ومسؤولي لواء العمارة بخصوص تلك القضية، كانت مخالفةً لما جاءت به تلك المصادر البريطانيّة، حيث كانت تؤكد أنّ أغلب نوّاب العراق ومن ضمنهم
نواب العمارة، وهم علوان الجنديل، ومجيد الخليفة، وياسين العامر، قد شكروا ما بذله الملك فيصل الأول من جهد في سبيل تعديل المعاهدة الخاصّة بتحديد الحدود بين العراق وتركيا - التي تتعلّق بشكلٍ خاصٍّ بقضيّة الموصل - وانتمائها إلى العراق.
وعبَّر أهالي العمارة من خلال متصرّف اللواء السيّد عبد الله الصانع في سنة 1925م، عن فرحتهم لما قام به الملك فيصل من جهدٍ في سبيل الحفاظ على حقّ العراق في الموصل والعمل على تطبيق قرار عصبة الأمم في 16/ كانون الأول 1925م، الذي نصّ على أنْ تكون الحدود بين العراق وتركيا على وفق ما نصَّ عليه قرار خط بروكسل.
كان العراق على وفق قانون الولايات العثمانيّة لسنة 1864، قسّم إلى ثلاث ولايات هي بغداد، والموصل، والبصرة، وبموجبه كانت العمارة لواءً تابعًا إلى الولاية الأخيرة ومعها في ذلك لواء المنتفك (محافظة ذي قار حاليًّا).
بقي هذا التقسيم قائمًا في العراق إلى سنة 1919م، بعد أنْ أكملت قوّات الاحتلال البريطاني سيطرتها الكاملة على العراق، إذ باشرت بإجراءاتٍ إداريّةٍ جديدة، وإنْ لم تختلف كثيرًا عن السابق، حيث قامت بإلغاء قانون الولايات المذكورة، وأصبح العراق مكوّنًا من ثلاث عشرة وحدة إدارية (لواء)، هي بغداد، والموصل، والبصرة، والعمارة، وكركوك، وكربلاء، والمنتفك، والحلة، وديالى، والدليم، وأربيل، والديوانية، والسماوة. وقُلّص هذا العدد إلى عشرة ألوية، لا سيّما بين عامي 1920-1921م، ولم يشمل هذا الإجراء لواء العمارة، وربما يعود ذلك إلى الأزمة الماليّة التي كانت تمرّ بها الحكومة المؤقتة بعد سحب الحكمة البريطانيّة لموجودات الخزينة العراقيّة لتغطية نفقات الموظفين البريطانيين، والتعويض عن الخسائر التي ألحقت بالبريطانيين على إثر قيام ثورة العشرين في العراق، وإكمالًا لإنجاح النسق الإداري الجديد قسّمت الألوية إلى
عددٍ من الأقضية والأخيرة إلى نواحٍ، وكانت آخر وحدةٍ إداريّةٍ وأصغرها هي القرية، وقد استندت في ذلك إلى حدٍّ كبيرٍ على الأسس الإداريّة التي وضعتها الحكومة العثمانية.
وفقًا إلى الإجراءات الإداريّة الجديدة، كان لواء العمارة مقسّمًا إلى ثلاثة أقضية هي العمارة - مركز اللواء -، وقضاء قلعة صالح، وقضاء علي الغربي، أمّا النواحي فكان عددها سبعًا هي ناحية الكحلاء (مسيعيده)، وناحية كميت، وناحية المجر الكبير، وناحية المجر الصغير، وناحية علي الشرقي، وناحية المشرح، وناحية شيخ سعد، وقد أنيطت إدارة هذه الوحدات الإداريّة إلى مسؤولين عنيت الحكومة باختيارهم، فبالنسبة إلى اللواء أصبح يديره موظّفٌ إداري، يسمّى المتصرّف، وكان أوّل متصرّفٍ عُيّن في لواء العمارة هو السيّد صالح باش أعيان، وذلك عام 1921م، ومن واجباته الحفاظ على الأمن، وتنفيذ أعمال الري، ومتابعة مدى كفاءة موظّفيه والقيام بجولاتٍ تفتيشيّةٍ في مختلف أنحاء اللواء، كما أنّه ملزمٌ بتنفيذ جميع القوانين، حيث يعد المتصرّف نائبًا عن كلّ وزير، وظلّ ذلك الحال طيلة مدة الانتداب.
عيّنت الحكومة إلى جانب كلّ متصرّفٍ مستشارًا بريطانيًّا، وكان مستشار متصرّف لواء العمارة هو الرائد بولي (Pulley)، الذي كان يتولّى من الناحية الفعليّة
إدارة الشؤون الإداريّة في اللواء، وكان يستمدّ نفوذه من السلطة الملكيّة في بغداد بقسميها الوطني والبريطاني، فالحكومة المؤقّتة كانت تضمّ وزراء قالت عنهم المس بيل حينما اطلعت على أسمائهم قبل استيزارهم، بأنّهم من العناصر التي ستعمل إلى جانب السلطات البريطانيّة.
أمّا الأقضية فكانت تدار من القائمقامين، ويدير النواحي موظّفون يدعون بــ(مديري النواحي)، وهم مرتبطون بالمتصرّفين، لحكم نظام السلطة الهرمي فمدير الناحية يتبع القائمقام والأخير يتبع المتصرّف ويكون الأخير مسؤولًا أمام الوزير، فمثلًا كان قائمقام علي الغربي السيّد حسين عوني أفندي[4]، مسؤولًا أمام متصرّف اللواء السيّد عبد الله بك الصانع، وكذلك قائمقام قلعة صالح السيّد محمد نجيب، وللاعتبارات القبلية، اعتمدت الحكومة على بعض شيوخ العشائر المتنفذين .
أمّا ناحية المشرَّح، فقد أنيطت إدارتها بالسيّد منير أفندي؛ وذلك لأنّ شيوخ
عشيرة السواعد لم يكونوا مع وئامٍ مع السلطة البريطانيّة وبخاصة الشيخ علي الشياع، فقد مارست السلطات البريطانيّة شتّى أنواع الضغوط على هذا الشيخ؛ ممّا اضطره إلى مغادرة أرضه - ناحية المشرّح - والتوجه إلى الأراضي الفارسية وبقي هناك إلى مدةٍ متأخرةٍ من عهد الانتداب، رغم المحاولات التي قام بها الشيخ بنفسه من أجل الرجوع إلى أراضيه، ويعود سبب العلاقة المتوترة تلك إلى رفض الشيخ علي الشياع الانتداب وتأييده لثورة العشرين ومساندته لها، التي لم يكتب لها النجاح.
كان ملاك متصرّفي العمارة الإداري، يتألّف من قسمين، الأوّل ويشمل الموظّفين العراقيين ممّن كانوا يشغلون وظائف مختلفةً مثل مدير التحرير، وعددٍ من الكُتّاب، هذا فضلًا عن المستخدمين مثل (خادم، بستاني، كنّاس)، ويشمل القسم الثاني، الموظّفين البريطانيين والهنود ومن جنسيّاتٍ أخرى مختلفة، ممّن حرص البريطانيّون على توظيفهم في مركز اللواء لضمان هيمنتهم الإداريّة، وعلى أيّ حالٍ كان بين الموظّفين خمسة عشر موظّفًا عراقيًّا، واثنان من البريطانيين، وأربعةٌ من الهنود، وعددٌ آخر من جنسيّاتٍ مختلفة فضلًا عن المستخدمين الذين بلغ عددهم ما يقارب الأربعين، وكانوا جميعًا من العراقيين.
ومن الوظائف الإداريّة الأخرى في اللواء، إدارة شؤون دائرة الواردات، التي كانت تحت إشراف الضابط السياسي إبّان حقبة الاحتلال، غير أنّ الأمر اختلف تمامًا خلال حقبة الانتداب البريطاني؛ إذ تحوّلت مسؤوليّة هذه الدائرة إلى متصرّف اللواء، وأصبحت تابعةً إلى وزارة الداخليّة، وفي سنة1922م، وما تبعها من سنين، ارتبطت هذه الدائرة بوزارة الماليّة، وكانت وزارة الداخليّة خلال سنوات الانتداب البريطاني (1921- 1932م) تتولّى مسؤوليّة الإشراف أيضًا على الدوائر البلديّة، ومنها بلدية العمارة، فقد كان المجلس البلدي في المدينة ينتخب من الأهالي بأمرٍ من الحكومة ويستمدّون تعليماتهم من قانون البلديّات العثماني الصادر سنة 1877م، الذي كانت واجباته متشابهةً إلى حدّ ما مع واجبات المجلس البلدي خلال عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني.
أما الجهاز القضائي، فقد أصبح من مسؤوليّة وزير العدليّة ومستشاره البريطاني، ويلاحظ من خلال الاطلاع على سجلات الحكومة العراقيّة الرسميّة أنّ المحاكم في اللواء قد انقسمت إلى ثلاثة أنواع، كان النوع الأوّل منها يُدعى بــ(محكمة البداءة)، واقتصر وجودها في العمارة - مركز اللواء - وعُيّن لرئاستها حاكم منفرد، هو السيّد يونس وهبي بيك للمدة من 1921- 1930م، أمّا الثاني فدُعي بــ(محكمة الصلح)، وقد اقتصر هذا النوع من المحاكم على قضائي قلعة صالح وعلي الغربي، وعُيّن لرئاسة محكمة القضاء الأول السيّد فخري الدين أفندي الطبقجلي للمدة من 1926-1928م، في حين عُيّن لرئاسة محكمة القضاء
الثاني السيّد مصلح أفندي صالح آغا للمدة من 1920- 1929م، وكان الاثنان يرأسان المحاكم المذكورة بصفة حاكم صلح، وكان إلى جانب كلّ محكمة صلح في القضاءين المذكورين، محكمة أخرى تدعى محكمة (القضاء الشرعي)، التي مثّلت النوع الثالث من محاكم اللواء، وقد اهتمّ هذا النوع من المحاكم بالقضايا الشرعيّة (الزواج، الطلاق، الإرث)، وكان على رأس المحكمة المذكورة في قضاء قلعة صالح السيّد جعفر أفندي علوش الذي شغل هذا المنصب عام 1929م، بصفته حاكمًا شرعيًّا للقضاء، أمّا قضاء علي الغربي، فقد كان على رأس محكمته الشرعية السيّد محمود جلال إبراهيم وبالصفة المذكورة ذاتها.
في حين أخذت القضايا العشائريّة تحسم بوساطة نظام دعاوى العشائر المدنيّة والجزائيّة الذي أصدره الإنجليز سنة 1916 ، لكن تحت إشراف الموظّفين الإداريين العراقيّين والبريطانيّين، المرتبطين بوزارة الداخليّة بالتعاون مع وزارة العدليّة، عند الحاجة إليها في تطبيق بعض الأحكام المتعلّقة بعقوبة السجن مثلًا، وكان السجناء يودعون في سجن العمارة - مركز اللواء -، الذي كان يشرف عليه أحد موظّفي الدولة الإداريين، ويدعى (أحمد عزت أفندي) بصفة مفتشٍ إداري لسجن اللواء.
ومن هنا يتضح أنّ الجهاز القضائي في العمارة كان يشبه إلى حدٍّ ما جوهر
العمل القضائي الذي كان سائدًا خلال حقبة الاحتلال البريطاني، سوى بعض التغيرات التي طرأت على الجهاز الإداري في العراق بشكلٍ عام نتيجة التحولات السياسيّة التي مرّت على العراق، وبخاصّة السنوات التي تلت سنة 1921م.
أمّا جهاز الشرطة، فقد بدا الاهتمام واضحًا بعد أنْ بدأت القوات البريطانيّة تنسحب من العراق، وأخذ دور الشبانة يضيق، وذلك في عهد الحكومة المؤقّتة العراقيّة، فقد اهتمت الحكومة بتحديث وتطوير جهاز الشرطة بشكلٍ ملحوظ، وذلك من خلال إصدار تعليماتٍ من وزارة الداخليّة منذ سنة 1921م، هدفت إلى تكوين شرطةٍ نظاميّةٍ في كافة أنحاء العراق، واستنادًا لتلك التعليمات أسّس جهاز الشرطة في العمارة، وأصبح خاضعًا لإشرافٍ مركزي - وهو نظامٌ شمل كلّ ألوية العراق - يتولّى إدارته (بيرسكوت) مفتش الشرطة العام، الذي كان مسؤولًا عن وزير الداخليّة العراقي نظريًّا، لكنّه في الواقع كان على صلةٍ وثيقةٍ بمستشار وزارة الداخليّة كورنواليس.
تألفت قوات الشرطة في العمارة خلال سنوات الانتداب البريطاني، من صنفين هما الخيّالة والمشاة، وكان عدد الصنف الأخير في الغالب أكثر من الصنف الأول، وكان أغلب المنتسبين إليه هم من العراقيين غير أنّ الإشراف العام والتوجيه كان بيد مفتش الشرطة في اللواء المستر (أر. أف. جاردن) الذي عيّن في منصبه المذكور في سنة 1921م، مع أنّ مدير الشرطة كان عراقيًّا يدعى
(يوسف بك حنظلى)، وقد مارست هذه القوات مهامًا مختلفة منها القبض على المجرمين وتسليمهم إلى القضاء ومحاسبة المخالفين، ولم يقتصر نشاط هذه القوة على مركز اللواء فقط، بل شمل كلّ الأقضية أيضًا، وغالبًا ما كانت تستعين في قضايا التحرّي عن المشبوهين والمتهمين ببعض رجال الشيوخ من المنطقة، وذلك لمعرفتهم الدقيقة بالسكّان، وكان يدعى هؤلاء بــ(الحوشيّة) -Hoshiyah– لمساعدتهم في الإجراءات الأمنيّة اللازمة.
رغم الاهتمام النسبي الملحوظ الذي أبدته السلطة المحتلّة بالجانب الصحي منذ بداية احتلالها اللواء، فإنّ الحالة الصحيّة بقيت على حالها دون تطورٍ واضح، إذ كان اهتمام السلطة المحتلّة يدور في إطار خدمة جيشها المحتلّ، وفي الجوانب كافة وأهمّها الجانب الصحي.
إلّا أنّه خلال سنوات الانتداب (1921- 1932)، بدأ تحسّنٌ تدريجي في الخدمات الطبيّة، تمثّل في إنشاء عددٍ من المؤسّسات الصحيّة تشرف عليها دائرة الصحة المركزيّة في اللواء، التي أسندت وزارة الصحة رئاستها إلى الدكتور إبراهيم الألوسي خلال المدة (1923-1928).
إنّ تحسّنًا تدريجيًّا بدأ يظهر في الخدمات الطبيّة المقدّمة للموظّفين، ولعلّ من الأمور التي أسهمت في ذلك هو انتقال المؤسّسات الصحيّة من الإدارة العسكريّة للمحتلّين، إذ كانت تخضع مباشرة إلى إشراف الحاكم العسكري في اللواء، إلى الإدارة المدنيّة العراقيّة، وتغيّر حال المستوصفات التي كانت خلال عهد الاحتلال بمنزلة دائرةٍ عسكريّةٍ صحيّةٍ إلى دائرةٍ صحيّةٍ مدنيّةٍ قائمةٍ بذاتها.
إنّ هذا التحسّن ساعد في السيطرة على بعض حالات الأمراض السارية كالهيضة (الكوليرا)، التي كانت تفتك بالكثير من المواطنين في السابق، ففي سنة 1923م، على سبيل المثال ظهرت (59) إصابة بالمرض، وقد كان مثل هذا العدد من المرضى في السابق ينتهي بالموت، إلا أنّه في السنة لم يتوفَ سوى (22) مريضًا، وهذا راجع - كما مرّ ذكره - إلى تحسّن مستوى الخدمات الصحيّة خلال عهد الانتداب.
وفي الجدول الآتي، إحصائيّة تعطي صورةً مقارنةً للحالة الصحيّة في لواء العمارة بين عهدي الاحتلال والانتداب البريطاني.
كان التعليم في العمارة في العهد العثماني - كما ذكر آنفًا - ضئيلًا من حيث عدد المدارس والقائمين فيه، وعند دخول قوات الاحتلال البريطاني اللواء في 2 حزيران 1915م، توقّفت العمليّة التعليميّة بشكلٍ كامل، بسبب العمليّات العسكريّة والإجراءات التي صاحبتها؛ إذ نال التعليم مكانةً متأخّرةً في مجال السياسة البريطانيّة، وكان للأمن والصحة المكانة الأولى، غير أنّ الوضع تغيّر خلال السنوات التي أعقبت عام 1917م، فقد باشرت سلطة الاحتلال بإنشاء عددٍ من المدارس في العمارة - مركز اللواء - والأقضية التابعة له، وأخرى كانت تابعةً للطوائف غير المسلمة، فكان عدد المدارس في لواء العمارة، خلال الأعوام (1917- 1921م)، (أربع مدارس) حكوميّة، واحدة منها في مركز اللواء، شُيّدت سنة 1919م، وهي مدرسة (تذكار مود)، واثنان في قضائي قلعة صالح وعلي الغربي، وكان بناء تلك المدرستين في عامي 1917-1918م، على
التوالي، وأخرى في المجر الكبير شُيّدت في أوائل عام 1919م، فضلًا عن وجود المدارس الأهليّة، التي كانت موجودةً منذ العهد العثماني، وتوقّفت عن العمل نتيجة العمليّات العسكريّة التي اجتاحت المدينة، إلّا أنّها استأنفت عملها بعد استقرار الوضع العسكري للمحتلين، واستمرت إلى مدةٍ متأخرةٍ من ثلاثينيّات القرن العشرين، وكان عددها (4)، وهي مدرسة الحاج سالم مهدي، ومدرسة الجامع الكبير، ومدرسة الأنصاري للشيخ أحمد الأنصاري، ومدرسة الشيخ علي أفندي، فضلًا عن المدارس الأهلية.
أمّا في سنوات الانتداب البريطاني (1921-1932)، أصبح عدد المدارس في لواء العمارة (9) بما في ذلك المدارس التي كانت تابعةً إلى الطوائف غير المسلمة، التي أُنشئت في مركز اللواء، وقد حدثت مشاكل عدة، كان من أبرزها تلك التي دارت حول كيفيّة إدارة هذه المدارس؛ إذ أرادت وزارة المعارف من الطوائف غير المسلمة أنْ تحدّد طبيعة عائديتها، هل هي رسميّة تامة أم طائفية بشكلٍ كامل؟ وبعد مذاكرات بين الجهتين (الحكومة والطائفيّة)، أصبحت هذه المدارس رسميةً وصريحةً مع بقاء حقّ انتخاب معلمي الدين وحقّ مراقبة التدريسات الدينيّة، من الرؤساء الروحانيين، أمّا المدارس الرسميّة، فقد كانت أبوابها مفتوحةً لجميع أبناء المنطقة وعلى اختلاف مذاهبهم، وقد انتشرت هذه المدارس الرسميّة في العمارة - مركز اللواء- وقلعة صالح، وعلي الغربي، وبلغ عدد التلاميذ في مدارس اللواء 165 تلميذًا.
في سنة 1921م، أسّست في اللواء مدرسة جديدة اسمها (المدرسة السنية
الابتدائية في العمارة)، وفي عام 1923م، افتتحت أول مدرسة للبنات اسمها (المدرسة المركزيّة للبنات)، في حين افتتحت خلال سنة 1924م، مدرسة في اللواء تدعى (مدرسة الأميين) وهي أشبه ما يسمّى اليوم بنظام محو الأميّة، وكان عدد الطلاب فيها سبعين طالبًا، وكان لها تأثيرٌ كبيرٌ على الحالة التعليميّة في اللواء، وفي عام 1930 تم بناء مدرسة جديدة في اللواء، هي مدرسة (الفيصليّة).
كان على التلاميذ الذين ينهون تعليمهم الابتدائي في اللواء، أنْ يغادروا إلى لواء البصرة، لخوض الامتحانات النهائية هناك؛ إذ كانت تجري بالطريقة الوزارية العامة، فضلًا عن إتمام دراستهم الثانويّة هناك، وقد وفّرت الحكومة للطلّاب الوافدين إليها أقسامًا داخليّةً لإيوائهم لحين إتمام دراستهم، وقد عزت الحكومة سبب عدم بناء مدرسةٍ ثانويّةٍ في العمارة إلى قلة عدد الطلّاب فيها.
يتّضح من خلال ما تقدّم أنّ مستوى التعليم في اللواء شهد تطورًا نسبيًّا ولكنّه لم يرتقِ إلى مستوى انتشال سكّان اللواء من ظلمات الجهل؛ حيث بقيت الأمية منتشرةً في صفوف كثيرٍ من السكان، ويتّضح هذا إذا ما عرفنا أنّ نسبة المتعلّمين في اللواء إلى نسبة عدد السكّان كانت تساوي خلال سنة (1932م) 29 بالألف، وهي نسبةٌ ضئيلةٌ تعكس لنا في الوقت نفسه مدى ضآلة التعليم
في حقبتي العهد العثماني والاحتلال البريطاني للواء، وممّا تجدر الإشارة إليه، أنّ أغلب المدارس التي تأسّست في اللواء سواء أكان ذلك في حقبة الاحتلال أم في زمن الانتداب البريطاني، كان للأهالي دورٌ كبيرٌ وملحوظٌ في إقامتها من خلال التبرعات، التي كانت الحكومة تطالبهم بها من أجل إنشائها، وجدير بالذكر أنّه خلال سنة 1930م، أُسّس في علي الغربي معهد علمي أدبي باسم (معهد الإصلاح)، وقد قام بتأسيسه عددٌ من رجال القضاء المهتمّين بشؤون الثقافة، ومن هؤلاء كان الأديب عبد الغني أفندي الحكيم، الذي أصبح مديره، وقد ألقى في يوم افتتاح المعهد خطابًا جاء في إطلالته هذه الأبيات:
ألا إنّ أرجاء الكمال فسيحــــــــــــــــــــة
فانعم بمن يرتاد بعض فسيحــــــــها
وهذه رياح العلم هبّ هبوبهـــــــــــــــــا
فخير سفين أنْ تسير بريحــــــــــــــها
وما (معهد الإصــــلاح) إلّا ســــفينــــــة
تقلّ من الآداب فائح شحيحـــــــــــــــــــــها
وما البـــــحر إلّا الجــهل صعــــب ركـوبه
على أنّ نفــــس الحر ضحت بروحــــــــــــها
فإنْ جنحت والبحر هائج فعــــــــــــاذر
بأنْ أقلعت بالركب قبل جنوحــــــــها
وإنْ جمـحت نفــس الجـــهول فإنّــــــــنا
سنسعى إلى تخفيف بعض جـــموحــــــــها
ألستَ ترى أنّ المعاهد أُسّســــــــــــت
لإصلاح سقم الناس لا لصحيحـــــــــــها
كان هدف تأسيس المعهد المذكور هو نشر العلوم والمعارف وبث روح الثقافة بين الأهالي، وتهذيب الأخلاق ومحاربة الأمراض الاجتماعية ومباشرة تدريس الأميّين، وهو أشبه (بمعهد خيري)، حتى أن القائمين بالتعليم فيه كانوا من موظّفي الدولة، إذ كانوا يمارسون عمليّة التعليم فيه مساءً، وكان مديره المذكور يشغل منصب رئيس بلدية علي الغربي حينذاك، واستمر هذا المعهد بمهمته تلك طيلة السنوات (1930- 1932).
كان لضآلة مستوى التعليم في اللواء انعكاساتٌ تسبّبت بشكلٍ ملحوظٍ في ضمور مقوّمات الثقافة في العمارة، ومن بين أبرز تلك المقوّمات انعدام وجود المكتبات؛ إذ لم تكن هناك في اللواء، حتى عام 1929م، أيّ مكتبة، سوى بعض المخازن البسيطة لبيع الكتب لا سيّما المدرسية.
أمّا المكتبة العصريّة التي أسّست في العمارة عام 1929م، فقد نشر عنها في جريدة الاتحاد المقال التالي: «يعود الفضل في تأسيس المكتبة العصريّة إلى عبد الرحيم عبد الرحمن الرحماني المولود في العمارة (محافظة ميسان) اليوم عام
أمّا المكتبة العصريّة التي أسّست في العمارة عام 1929م، فقد نشر عنها في جريدة الاتحاد المقال التالي: «يعود الفضل في تأسيس المكتبة العصريّة إلى عبد الرحيم عبد الرحمن الرحماني المولود في العمارة (محافظة ميسان) اليوم عام 1900م، وهو من أوائل المتخرّجين في المدرسة السنيّة (الأميرية فيما بعد) عام 1926م، الذي كانت غايته في بادئ الأمر الالتحاق بدار المعلمين، لكنّه خلال وجوده في بغداد غيّر رأيه، وعاد أدراجه للتشاور مع واحدٍ من أبرز الشخصيّات العماريّة آنذاك هو السيّد عبد المطلب الهاشمي الذي قرّر شراء مطبعةٍ ونصبها في مدينة العمارة في أواخر عام 1927م، ومن ثم أصدر مجلةً أدبيّةً باسم (مجلة الهدى) في أواسط آب عام 1928م، علمًا بأنّ الشاعر خليل العماري اشترى مطبعةً عام 1924م، وأصدر جريدة (التهذيب) عام 1926م، ومن الأمور الجديرة بالذكر أنّه في تلك المرحلة بالذات إنشاء السيّد عبد المطلب الهاشمي والشيخ حبيب المهاجر العاملي مكتبتين إحداهما عامة للمطالعة المجانيّة، والأخرى مكتبة لبيع الكتب الثقافيّة سمّيت بالمكتبة العربيّة التي تشارك الرحماني مع الهاشمي بها للتخصيص في بيع المجلات والجرائد التي كانت ترسل إلى العمارة؛ ممّا حدا بالرحماني الذهاب إلى العاصمة بغداد والاتصال بمحمود حلمي صاحب المكتبة العصريّة في بغداد والتعاقد معه في الخامس من تشرين الأول من عام 1929م، بعد أنْ استبدل الرحماني اسم المكتبة العربية إلى العصريّة وفك الشركة مع السيّد عبد المطلب الهاشمي الذي اختصّ بالعمل الصحفي والمواظبة على إصدار مجلة الهدى.... وعلى إثر ذلك كانت المكتبة العصريّة في العمارة امتدادًا للمكتبة العصريّة في بغداد وإضافة إلى بيعها الصحف والمجلات المحليّة التي كانت تصدر في العمارة مثل جريدة التهذيب (1926-1929) ومجلة الهدى (1928-1931)، وجريدة الكحلاء (1932-1935)».
لم تتجاوز الحركة الصحفيّة في العراق خلال حقبة الاحتلال البريطاني إطار الألوية العراقيّة التي كانت تتمتع بثقلٍ سياسي وثقافي بشكلٍ عام، إذ كان إصدار الصحف العراقيّة في الحقبة المذكورة منحصرًا في ألوية بغداد، البصرة، الموصل.
أمّا لواء العمارة، فقد خرجت أولى إصدارات صحفه في عام 1926، إذ أصدرت في هذا العام (جريدة التهذيب) لصاحبها أنور التحافي، وقد صدر أول عددٍ منها في 11 آذار من العام المذكور، وهي جريدة أسبوعيّةٌ انتقاديّةٌ فكاهيّة، استمر إصدارها ثلاثة أعوام، وتوقفت في 31 كانون الأول 1929.
وفي عام 1932م، صدرت جريدة الكحلاء وهي جريدةٌ أسبوعيّةٌ جامعة، وكان رئيس تحريرها في بادئ الأمر المحامي أحمد فائق، بعد ذلك أصبح السيّد عبد المطلب الهاشمي رئيسًا لتحريرها.
وفي 7 آب 1928م، صدرت في اللواء (مجلة الهدى)، وهي مجلة أدبيّةٌ علميّةٌ ثقافيّةٌ لصاحبها ومديرها المسؤول السيّد عبد المطلب الهاشمي، واستمر إصدارها مدة ثلاث سنوات.
وقد أسهمت هذه الإصدارات بشيءٍ من تحسين الوضع الثقافي في اللواء، غير أنّ أهمّ تلك الإصدارات، هي مجلة الهدى، إذ كان الغرض الرئيس من
إصداراها هو محاربة التبشير، فقد كان لها أثرٌ مباشرٌ في مكافحته، بحيث أعلن بعض الأشخاص رجوعهم إلى الدين الإسلامي بسببها، وكان من أبرز هؤلاء الأشخاص رجل يدعى (علوان)، حيث يذكر أنّ الأخير أصبح مبشرًا كبيرًا في بغداد، وبعد لقائه مع الشيخ إبراهيم العاملي الذي أوفد إلى مدينة العمارة، واطلاعه على المجلة، أعلن رجوعه.
ويلاحظ أنّ محرري هذه الإصدارات الصحفية كانوا من الأدباء، ومن أبرز الشخصيّات الأدبيّة والثقافيّة في اللواء، وممّا يلاحظ أيضًا في هذه الإصدارات الصحفية أنّها ذات صبغةٍ أدبيّةٍ علميّةٍ ثقافيّةٍ عامة، مبتعدة عمّا كان يدور في العراق من أحداثٍ ومتغيّراتٍ سياسيّةٍ مهمّة، كانت تمثّل بالنسبة للصحف العراقيّة الأخرى آنذاك، حديث الساعة، ويرى الباحث أنّ هذا الأمر يعود إلى ما كانت تقوم به الحكومة بتأثيرٍ بريطاني، من تضييقٍ إعلامي مارسته على الصحف العراقيّة بشكلٍ عام، والصحف التي بدأ إصدارها حديثًا بشكلٍ خاص، لتحجيم دورها الذي قد يصل إلى مستوى ما وصلت إليه بعض الصحف العراقيّة ذات الصوت الجريء والمعروف آنذاك.
(147)
كان للسياسة البريطانيّة التي رسمتها السلطة المحتلّة لإدارة مقاطعات لواء العمارة الزراعيّة خلال سنوات الاحتلال أثرها الواضح في الإجراءات التي قامت بها الحكومة العراقيّة خلال سنوات الانتداب البريطاني على العراق، معتمدة في ذلك على ما قامت به بعض اللجان البريطانيّة من مسحٍ جغرافي ودراساتٍ ميدانيّة للواء العمارة، سبقت حقبة الانتداب، وأهمّها تلك التي قام بها، النقيب داوسن(Dowson V.H.W)،، وذلك سنة 1919م، فقد حصل هذا الأخير بعد دراسةٍ شاملةٍ قام بها في أراضي اللواء الزراعيّة على بياناتٍ ساعدت الحكومة العراقيّة ومستشاريها البريطانيين على وضع سياسةٍ تتلاءم مع طبيعة أراضي المنطقة.
عقدت الحكومة العراقيّة بين عامي (1923-1927م)، التزامات جديدة مع شيوخ العشائر في العمارة مدتها خمس سنوات، فضلًا عن ذلك أضافت 10% على مبالغ إيجار البدلات السنويّة لبعض المقاطعات، وخفضت بعض المقاطعات الأقل جودة من الأولى.
وفي الوقت نفسه قسّمت بعض المقاطعات الكبيرة إلى مساحاتٍ أصغر، ووزعتها على عددٍ من الشيوخ الآخرين، وغيرهم من الأهالي، وكمثال على ذلك قامت الحكومة عام 1927 بتقسيم الأراضي التي كانت تابعةً إلى الشيخ عريبي شيخ عشيرة البو محمد إلى مساحاتٍ صغيرة، ووزعت على الصورة الآتية:
وقد استخدمت في ذلك أسلوب الإقناع بالشكل الذي لا يضر العلاقة بين الشيوخ والحكومة. وقد بلغ عدد المقاطعات الزراعيّة التي خصّصت إلى الأهالي في لواء العمارة (28) مقاطعةً من مجموع المقاطعات فيها، التي يبلغ عددها (105) مقاطعة، ويتضح أنّ الحكومة هدفت من خلال ذلك إلى وضع حلٍّ للمشاكل المتعلّقة بالنزاع حول حدود المقاطعات ومصادر الري، وقد استطاعت
أنْ تحتوي – وبشكل نسبي- هذه المشاكل بالطريقة المذكورة.
ولكنّها لم تلبث أنْ انتهجت بين عامي (1928-1930م)، سياسةً جديدةً بشأن مقاطعات العمارة وبشكل أكثر دقة، واعتمدت فيها على المعلومات التي وضعتها اللجنة الخاصّة بدراسة حالة الأراضي الزراعيّة فيها، التي ترأسها (استن)، إذ جددت الحكومة بدلات هذه الأراضي بالاستناد إلى الأسس التي وضعتها اللجنة المذكورة، التي تتلخّص بما يأتي:
1- تم تقدير البدلات في أراضي اللواء الزراعيّة استنادًا إلى قدرة الأرض الإنتاجية بالإضافة إلى مساحاتها المعينة في الخرائط، التي نظمت خلال سنتي (1925-1926م)، وأغلب أراضي اللواء كانت غنيةً، والتقديرات كانت تتناسب مع مساحاتها، غير أنّ بعض المقاطعات كانت ذات منتوجٍ زراعي قليلٍ، لذا خفضت نسبة بدلاتها، مثل الشيطانيّة العائدة إلى الشيخ حمدان السكر شيخ عشيرة آل عيسى.
2- استنادًا إلى المعلومات التي وضعتها وحدة حسابات لجنة (استن)، أصبح تقدير بدل إيجار المقاطعات الشماليّة أكثر من المقاطعات الجنوبيّة ومنها (خسف، المشرَّح، الطيب)، واستنادًا إلى الأسس المذكورة، أصبح سعر الطغار البصري من الرز (90) روبية، وكانت نسبة الحكومة المقتطعة، كبدل، روبيةً
واحدةً وخمس أنات لكلّ طغار من الرز، لكن الأمر سرعان ما اختلف، ولا سيّما بين عامي (1928-1930م)، إذ انحسرت مياه الأهوار وبعض البرك، إذ أدّى ذلك إلى زيادة مساحة الأرض الزراعيّة في العمارة، واستغلال الفلاحين لها، ممّا دفع الحكومة إلى إعادة النظر بشأن التقديرات المفروضة على المحاصيل الزراعيّة، وبخاصة الشتويّة منها، من خلال ما تقدّم يتّضح أنّ الحكومة العراقيّة في ظلّ الانتداب البريطاني، كانت تراقب أوضاع الأراضي بشكلٍ مستمرٍ واهتمامٍ ملحوظ، جعلها تستفيد من واردات الأراضي الماليّة بشكلٍ يتناسب مع متطلّباتها منها، وهذا ما نلاحظه في العلاقة القائمة بينها وبين أراضي اللواء.
لم تبدِ الحكومة اهتمامًا بالأراضي الزراعيّة في العمارة خلال السنوات الأولى من عهد الانتداب البريطاني وذلك بانشغالها خلال تلك الفترة – بصورةٍ خاصّةٍ - بتأمين الاستقرار السياسي أكثر من الأمور الأخرى، وفي المدة بين سنتي (1926-1928م)، وجهت الحكومة اهتمامًا بهذا الجانب، إذ لا شكّ في أنّ الاستقرار السياسي أدّى إلى بروز هذا الاهتمام من أجل استغلالها بشكلٍ يضمن ما كان يردها باستمرار لخزينة الدولة.
زاد هذا الاهتمام بشكلٍ أكثر من ذي قبل، وتحديدًا بين عامي (1929-1930م)، وهو أمرٌ يوضّح انعكاس الأزمة الاقتصاديّة على فعاليّات العراق
الاقتصاديّة، وبضمنها العمارة ؛ لذا راحت الحكومة تؤكّد على عدم تنازلها عن تقديرات البدلات السنوية ولأيّ سببٍ يطرأ في المستقبل، وفي ضوء ذلك أخذت تراقب أوضاع الأراضي الزراعيّة عن كثبٍ وباهتمامٍ مستمر، وبخاصّة في الأمور المتعلّقة بعلاقة الشيخ بأرضه من جهة، وعلاقة الشيخ معها من جهةٍ أخرى، ويلاحظ أنّ اهتمام الحكومة المتزايد كان منبثقًا من إدراكها بأنّ أراضي اللواء هي من أغنى أراضي العراق ثروةً في زراعة الحبوب.
ولإيضاح ما تقدّم، هذا ذكر لأهمّ وأبرز ما عقد من اجتماعاتٍ خلال المدة المذكورة، عقد اجتماع لتدارس وضع الأراضي في لواء العمارة، وحضره عددٌ من المسؤولين العراقيين، وكان أبرزهم رئيس الوزراء جعفر العسكري وعددٌ آخر من المسؤولين البريطانيين من ذوي الاختصاصات المعنية بهذا الجانب، ومنهم سي. سي. جي ادمنز ، واستن، وقد بحث هذا الاجتماع قضيّة تقسيم الأراضي (المقاطعات) بين الشيوخ وبين بعضٍ من السراكيل والأهالي، اتّخذت خلاله
قرارات بوشر بتطبيقها في سنة 1927م، متّخذين من ذلك أسلوب الإقناع وبشكلٍ تدريجي، إذ أشار التقرير إلى أنّ التقسيم المباشر قد يؤدّي إلى ثورة، وكان للاجتماع المذكور أثره البالغ في تعيين قيمة البدلات خلال عامي (1928-1930م)، وقد كان مقدارها منسجمًا مع ما كانت تمر به الحكومة من ضائقةٍ ماليّةٍ في سنوات الأزمة المشار إليها، ومن الاجتماعات الأخرى والمهمّة التي بحثت في المضمار نفسه، الاجتماع الذي عقد في 6 آذار 1931م، في الوقت الذي أخذت فيه بوادر انتهاء الأزمة الاقتصاديّة تظهر تدريجيًّا، وقد حضر هذا الاجتماع كبار المسؤولين في الدولة، وأهمّهم وكيل وزير الاقتصاد مزاحم الباججي، وتوصل المجتمعون خلاله إلى عدة قرارات:
1- «تأجيل جباية البقايا العائدة إلى سنة 1929م، وما قبلها من السنين وتقسيطها إلى خمسة أقساطٍ سنوية متساوية تدفع ابتداءً من السنة القادمة، وعلى وزارة الماليّة اتّخاذ الإجراءات اللازمة بمقتضى ذلك.
2- جباية التحقيقات السائدة لسنة 1930 بصورة لا تضطر المديونين إلى بيع أملاكهم أو مواشيهم أو بذورهم اللازمة لزرعهم بشرط التحقّق عن عجزهم عن التأدية، وعدم ترك المجال للمتقدّمين منهم للتخلّص من تأدية ما عليهم، وستؤجّل ديون المكلّفين الذين يتحقّق عجزهم في السنة من التأدية.
3- أكّدت الحكومة على إيصال البلاغات (الإنذارات) إلى الشيوخ المستأجرين بأنّ الذي لم يدفع عليه من ديون فإنّه يعرض نفسه إلى الطرد من المقاطعة ومنحها إلى شيخ (ملتزم) آخر» .
ونلاحظ من خلال ما تقدّم أنّ الحكومة العراقيّة أعطت تسهيلاتٍ واضحة إلى شيوخ لواء العمارة، وهو أمر يدخل ضمن إطار السياسة العامّة التي رسمها الملك فيصل الداعية إلى تقريب رؤساء العشائر إلى الحكومة والاستفادة منهم، في الوقت الذي حذرت فيه كلّ من يتهاون بتطبيق قوانين الحكومة المرعية وهي بذلك اعتمدت في تعاملها معهم أسلوب الترغيب والترهيب.
بعد أنْ أكملت القوات البريطانيّة المحتلّة هيمنتها على العراق بشكلٍ كاملٍ في سنة 1918م، عمدت إلى اتخاذ إجراءات عدة كانت جميعها صادرةً عن السلطة العسكريّة ممثلةً (برئيس الضباط السياسيين) ومن ضمنها الإجراءات التي كانت تخصّ الأراضي الزراعيّة، وقد جاءت على هيئة أنظمة وقوانين، غير أنّ جميع تلك القوانين لم تكن تلائم طبيعة المجتمع الريفي؛ لأنّها صيغت بمنظورٍ عسكري يهدف إلى خدمة القوات المحتلّة دون مراعات الحالة العامة في المناطق المعنية، وقد انسحب هذا الأمر على أراضي لواء العمارة وبشكل واضح يختلف عن ألوية العراق الأخرى؛ وذلك لما تمتاز به أراضيه من صفات خاصّة.
حينما كانت السلطة البريطانيّة المحتلّة تفرض البدلات وأجور الالتزام على الأراضي الزراعيّة في العمارة لم تكن تراعي قدرة الأرض الإنتاجية، التي تتركز بشكلٍ أساسٍ على مساحة الأرض الزراعيّة؛ لذلك أثرت هذه الإجراءات بشكلٍ أو بآخر في علاقة بعض الملتزمين بالسلطة المحتلّة - كما هو الحال مع الشيخ محمد الحطاب شيخ البو دراج - ممّا كان يؤدّي إلى الإرباك في تقدير قيمة
الواردات في الخزينة الرسميّة سواء كانت هذه الواردات عينية أم مالية، من جراء تدهور العلاقة بين بعض الشيوخ والسلطة المحتلّة، في حين ظلت السلطة تحافظ وتحرص كلّ الحرص على علاقاتها مع الشيوخ المتنفذين بالمنطقة، وذلك لكسب أعدادٍ كبيرةٍ إلى جانبها للاستفادة منهم في تجنيد أفراد عشائرهم في أعمال السخرة؛ ولهذا ظلّ الفلاح هو الطرف الوحيد الذي كان ضحية هذا الموقف.
إثر تعاقب الحكومات في المدة التي شملت سنوات الانتداب البريطاني، لا سيّما السنوات الواقعة بين عامي (1927-1930م)، عدلت بعض الأمور المتعلّقة بالأراضي الزراعيّة، وخلصت إلى اتّخاذ قرارٍ يرمي إلى تصنيف أراضي اللواء إلى مساحاتٍ عدّة مستندة في ذلك على قدرة الأرض الإنتاجية، وجاء ذلك على الوجه الآتي:
1- الصنف الأول: ويشمل جميع الأراضي الغنية بزراعة الشلب (الرز) بنسبة 30% من مساحة أراضي اللواء بشكل عام، وأغلبها كان يقع في مقاطعات اللواء الجنوبيّة.
2- الصنف الثاني: وهي الأراضي الممتدة من حدود نهر البتيرة حتى آخر حدود اللواء الشماليّة، وهي أراضٍ كانت تزرع بمحصول الحنطة والشعير.
3- الصنف الثالث: وهي ما تبقى من أراضي اللواء الزراعيّة الأخرى التي كانت تزرع بها محاصيل غير الحبوب مثل الفواكه والخضروات.
إنّ هذا التقسيم للأراضي ربما كان ناتجًا عن رغبة الحكومة في حصر الأراضي الزراعيّة ذات القدرة الإنتاجية الجيدة، من أجل وضع نسب جديدة للضرائب المفروضة على الأراضي الزراعيّة بشكلٍ يتناسب مع إمكانيّة الأرض الإنتاجيّة، وهي بذلك اختلفت بشكلٍ كبيرٍ عمّا كانت تقوم به السلطة المحتلّة في هذا الصدد في هذا الجانب، إذ لم تباشر لا السلطة المحتلّة ولا الحكومة العثمانيّة من قبلها في تصنيف الأراضي الزراعيّة إلى أصناف، بل اكتفت بوضع تقديراتٍ تخمينيّةٍ دون مراعاة الأسس التي اعتمدت عليها الحكومة العراقيّة في سنوات الانتداب في تقسيم الأراضي إلى أصناف.
وقد انعكس ذلك – كما هو واضح - بشكلٍ إيجابي على فعاليّات اللواء التجاريّة التي شهدت إرباكًا عامًا في السوق بسبب الحرب العالمي الأولى، وبعد أنْ أصبح لواء العمارة أحد ميادينها العسكري.
بعد أنْ وضعت الحرب العالمية الأولى أوزارها شهد العراق تطورات مهمّة في تاريخه المعاصر، وكان أهمّها ثورة عام 1920م، التي أجبرت البريطانيين على تغيير سياستهم إزاء العراق، وأدّت بالنتيجة إلى قيام حكومةٍ ملكيّةٍ مقيدةٍ نظريًّا عملت جاهدةً من أجل تحقيق الازدهار والنمو الاقتصادي.
تماشيًا مع هذا السياق، ركزت الحكومة على تطوير وتحسين طرق المواصلات وبخاصّة النهريّة منها، الأمر الذي ساعد على ازدهار حركة التصدير من جديد،
وبشكل أوسع ممّا كان عليه قبل الحرب وقد تمخض من ذلك انتعاش التجارة بشكلٍ عامٍ نسبيًّا، كما شجّعت المزارعين على التوسّع في زراعة الأراضي الزراعيّة من أجل تحقيق إنتاج أوسعلأغراض التصدير، بعد أنْ كان الإنتاج مرتبطًا بشكلٍ أساسٍ بحاجات السوق المحليّة، كما شهدت الحقبة المذكورة تحسين أوضاع مخازن الحبوب ممّا ساعد على انتعاش التجارة الخارجيّة، وقد انعكس هذا الأمر بشكلٍ إيجابي على الزراعة في لواء العمارة وبخاصّة في سنوات الانتداب الأخيرة وتحديدًا بين عامي (1928-1930م)، فقد شهد اللواء تطورًا ملحوظًا في إنشاء السدود واستخدام المضخّات، الأمر الذي جعل الزراعة في اللواء تنشط وتزدهر من جديد وخاصّة زراعة الحبوب منها الرز والحنطة والشعير، وأصبحت تؤلّف نسبةً عاليةً من صادرات العراق الزراعيّة آنذاك، وأخذ ارتباط العراق الاقتصادي بالدول الرأسماليّة وخاصّة بريطانيا يزداد بشكلٍ ملحوظ، الأمر الذي جعل أغلب صادرات اللواء تذهب إلى أسواقها وبخاصة الحبوب والمنتجات الحيوانيّة، ولم يختلف الأمر كثيرًا بالنسبة للواردات فقد كانت أغلب وارداته تأتي من الدول الرأسماليّة لا سيّما بريطانيا ومستعمراتها وأهمّها الأقمشة والمضخات.
إحدى الصفات المميّزة للعراق هو وجود نهرين عظيمين هما دجلة والفرات فضلًا عن كثرة تفرّع هذين النهرين، وقد نجم عن ذلك نتائج عدة كان أهمّها ملاصقة صفة النشاط الزراعي للبلاد، بالإضافة إلى أنّهما طرق مواصلات ناجحة، وقد مارس البريطانيون نشاطًا مسحيًّا في بداية الأمر واستخدموا في الأخير سفنًا نهريّةً لنقل بضائعهم بين البصرة وبغداد، ممّا أدّى إلى انتشار بعض المحطات التجاريّة في لواء العمارة كان الهدف منها التزوّد بالوقود واستراحة التجار، وأبرز تلك المحطّات كانت تقع في المنطقة المقام فيها ضريح (الدفاس) وكان ذلك في الحقبة العثمانيّة، حيث مارست السفن التابعة لشركة لنج نشاطها التجاري في لواء العمارة، إذ كانت حقوقها تصان من قبل وكلاء يتعهدون بذلك غير أنّ الحال لم يستقرّ على ما هو عليه لا سيّما أثناء دخول قوات الاحتلال البريطانيّة إلى اللواء، وإكمال عمليّة الاحتلال العسكري له في 3 حزيران عام 1915م، إذ شهدت طرق المواصلات وبخاصّة النهرية منها توقّفًا ملحوظًا في الفعاليّات التجاريّة والنقل العام، غير أنّه لم يؤثر على وسائط النقل النهري المستخدم لأغراض التموين والنقل العسكري ونقل الأفراد التابعين لقوات الاحتلال، ولم تكتفِ القوات المحتلّة البريطانيّة بالاستفادة من هذه الطرق حسب بل عملت على تطويرها بالشكل الذي ينسجم مع متطلبات الاحتلال، مثل كري الطمي الذي كان يعيق سير السفن في الأنهر.
وظلّ الحال كذلك لمدةٍ متأخّرةٍ من سنوات الاحتلال، وإنْ رافقه تطوّرٌ قليلٌ طرأ على هذه الطرق من جراء استقرار الوضع العسكري لصالح القوات البريطانيّة، إلّا أنّ هذا الوضع تغيّر في عهد الانتداب البريطاني، إذ عملت الحكومة العراقيّة إلى إحداث إصلاحاتٍ شملت تطوير كلّ طرق المواصلات في الألوية الجنوبيّة، وذلك خلال الأعوام (1923- 1924م)، حيث قامت ببناء عددٍ من الجسور والقناطر، وكانت حصة لواء العمارة منها لا يستهان بها؛ وذلك لاحتوائه على شبكةٍ من الأنهار الفرعيّة، ووقوعه على خط المواصلات الذي يربط بين بغداد والبصرة، وهو بذلك نال اهتمامًا خاصًّا من لدن الحكومة، حيث قامت ببناء جسر في منطقة الماجديّة وقد بلغت تكاليف هذا الجسر (4000) روبية، أضيفت لها مساعدة مالية قدمها (عبد اللطيف المنديل) للمشروع المذكور، وقد شكرت الحكومة هذا الرجل على ما أبداه من مساعدة.
وفي الحال نفسه أنشأت الحكومة (24) جسرًا خشبيًا، و(400) قنطرة، كانت بمنزلة جزءٍ أساسٍ ضمن تركيبة الطريق الرئيس المكون لطريق البصرة ــ بغداد، الذي يمرّ من خلال لواء العمارة.
أسهمت هذه الجسور والقناطر في تنشيط الفعاليّات التجاريّة نسبيًا، التي ضعفت كثيرًا في سنوات الاحتلال البريطاني، كما قامت الحكومة ببناء الجسور والقناطر في الأقضية والنواحي بشكلٍ عام، غير أنّ تلك الجسور كانت أكثر
بساطةً من تلك التي شيّدت في اللواء فكانت بمنزلة قوارب خشبيّة مجموعة بعضها إلى البعض الآخر، إذ لم تكن الدولة قادرةً على صرف مبالغ لإنشاء جسور بمستوى الجسور التي شيّدت في مركز اللواء، وبقيت الطرق البرية بشكلٍ عامٍّ بسيطةً وضيقةً، وتشكل القناطر فيها جزءًا رئيسًا في تكوينها.
وممّا تقدّم يمكن أنْ نوجز بأنّ لواء العمارة حظي باهتمام الحكومة لكونه يقع على شبكةٍ واسعةٍ من الطرق النهرية والبرية؛ وذلك لما لطرق المواصلات من دورٍ كبيرٍ ومهمٍّ في تنشيط فعاليّة التجارة آنذاك، وبالتالي انعكاس هذا الوضع على تطور اقتصاد العراق بشكلٍ عام، ولا سيّما أنّ النشاط التجاري كان يأتي بعد الزراعة من حيث الأهميّة في العراق.
كانت الضرائب موردًا ماليًا مهمًّا بالنسبة لميزانية المحتلين خلال سنوات الاحتلال البريطاني؛ لذا عملت السلطات على تنوعها، وعلى تأسيس سلطةٍ إداريّةٍ عملت على تنظيم جبايتها بالشكل الذي يضمن وصول تلك الواردات بشكلٍ منتظمٍ إليها؛ وذلك لتزيد نفقات الجيش المحتلّ، وتمشية الأمور الأخرى المتعلّقة بذلك.
ساد الأمر نفسه إلى حدٍّ كبيرٍ في سنوات الانتداب البريطاني، وتمسّكت الحكومة ببعض القوانين المتعلّقة بالضرائب التي كان يعمل بها خلال سنوات الاحتلال، بل حتى أنّ بعضًا منها كان سائدًا خلال العهد العثماني من إجراء بعض التغيّرات التي شملت بعض أنواع الضرائب، وهو أمرٌ طبيعي انساق مع
التغيير الذي طرأ على الوضع السياسي بشكل عام.
عملت الحكومة خلال سنوات الانتداب على تقسيم الضرائب في العمارة - كما فعلت في العراق بشكلٍ عام- إلى أربعة أقسام، وهي كما يأتي:
أولًا: الضرائب البلديّة: وأهمّها ضريبة الجسور والمعابر وضرائب أخرى.
ثانيًا: ضريبة الملك: وهي ضريبةٌ سنويّةٌ كانت تجبيها الحكومة من الأشخاص الذين يملكون عقاراتٍ في المدن لكنّها لا تنطبق على الأراضي الزراعيّة.
ثالثًا: (الكوده): وهي ضريبةٌ سنويّةٌ كانت تفرضها الحكومة على الماشية، إضافةً إلى العشر الذي كانت تفرضه على بيع الأسماك، ويبلغ مقدار الكوده روبيةً واحدةً لكلّ رأس من الأبقار، و(8) آنات لكلّ رأسٍ من الأغنام أو الماعز.
رابعًا: ضريبة العشر: وهي ضريبةٌ سنويّةٌ أيضًا، كانت الحكومة تفرضها على المنتجات الزراعيّة، وهي ضريبةٌ ممكن زيادتها حسب ما ترتئيه الحكومة أو تخفضها، بناءً على بعض الظروف والأحوال الاستثنائية، ويبدو أنّ الهدف الرئيس من هذا التقسيم هو ضبط نظام الضرائب القائم آنذاك.
إنّ ضريبة الجسور والمعابر لم تنظم بقانون إلّا في عام 1928م، وكانت طوال السنوات السابقة لهذا التاريخ غير منظمةٍ من حيث مقاديرها وطرائق جبايتها، ومع هذا كانت تشكّل مصدرًا جيدًا للخزانة الحكوميّة، لا سيّما في العمارة حيث شهد اللواء إنشاء جسور ومعابر عدّة على الأنهر المتفرّعة من نهر دجلة.
أمّا ضريبة الملك فإنّها أوجدت بدلًا من الضريبة التركية المسماة بضريبة العقار، وعند احتلال الجيش البريطاني إلى اللواء كانت هذه الضريبة تذهب إلى خزينة مجلس بلدية اللواء، غير أنّ عام 1923م، شهد صدور قانونٍ جديدٍ شمل تعديلاتٍ تخصّ هذه الضريبة، وخلص الى فرض ضريبةٍ على قيمة الإيجار السنوي لكلّ عقارٍ في اللواء.
أمّا ضريبة (الكوده) فقد جاءت عن النظام المالي العثماني وهي بمنزلة عُشر، يؤخذ على الزيادة السنويّة الحاصلة في عدد رؤوس المواشي، - وكانت حصة لواء العمارة من هذه الضريبة كبيرةً نسبيًا مقارنةً مع باقي ألوية العراق؛ لأنّه يتميّز بظروفٍ طبيعيّةٍ ملائمةٍ لرعي المواشي- وعلى بيع الأسماك أيضًا، ويستثنى منها الحيوانات التي تستخدم في حراثة الأرض وسقي المزارع غير أنّ هذه الضريبة تحوّلت بعد استيلاء القوات البريطانيّة المحتلّة على لواء العمارة إلى ضريبةٍ تؤخذ مقابل استخدام المجازر، وقد ابتغى البريطانيون من ذلك خفض قيمة أسعار اللحوم بوصفها مادةً غذائيّةً أساسية، وكانت هذه الضريبة تجبى من خلال شيوخ العشائر، فقد فوضوا هؤلاء بجباية هذه الضريبة من أفراد عشائرهم، وهناك ضريبةٌ أخرى كانت تفرض في اللواء هي ضريبة المياه القذرة، وهي ضريبةٌ أخذت عن النظام العثماني.
استخدم البريطانيون طرقًا عدةً لجباية الضرائب في لواء العمارة، وكان من أهمّها وأكثرها شيوعًا هي طريقة تقدير المحاصيل في مساحةٍ معينةٍ من الأرض بوساطة العين المجردة، وطريقة القياس بوساطة حبل عند فرض الضرائب على
الرز، ويلاحظ عدم دقة الحكومة في كثيرٍ من الأحيان بشأن استخدام طريقة التخمين في جباية الضرائب، أمّا ضريبة المواشي، فقد كانت تتم بطريقة عد الرؤوس.
كان شيخ العشيرة وهو المسؤول أمام الحكومة في جمع ودفع الضرائب؛ لذلك سعت الحكومة وبشكلٍ دائم من أجل إقامة علاقاتٍ طيبةٍ مع شيوخ عشائر اللواء، لا سيّما المتنفذين منهم فيه.
إنّ شيوخ العشائر في لواء العمارة كانوا يمثّلون أداةً رئيسةً لتنفيذ سياسة السلطة سواء أكان ذلك في حقبة الاحتلال البريطاني أم الانتداب في ظلّ الحكومة العراقيّة؛ لذا نرى أنّ الأخيرة قد استندت إلى كثيرٍ من الأسس التي وضعتها سياسة الاحتلال إزاء شيوخ العشائر في المنطقة حيث استفادت منها بشكلٍ كبير، هو أمرٌ كان سائدًا في العهد العثماني أيضًا، غير أنّ البريطانيين صاغوه في نمطٍ أكثر تطوّرًا وأكثر دهاءً من العثمانيين بما يحقّق مصالحهم الذاتيّة.
اتسمت الصناعات التي انتشرت في لواء العمارة بكونها حرفيّةً بالدرجة الأولى، وتمارس في الأعم الأغلب داخل البيوت، وكانت النساء تلعب دورًا كبيرًا، ومن أشهر المنتجات الحرفيّة هي حياكة العباءة العربيّة والسجّاد الخشن الرخيص الثمن، وكان لهذه المنتجات الحرفيّة سوقٌ رائجةٌ في بغداد والمناطق المجاورة.
كما اشتهر اللواء بصناعاتٍ حرفيّةٍ أخرى، كان لتوفّر المادة الأوليّة في اللواء الأساسي في إقامتها وانتشارها مثل صناعة الأواني المنزلية كالسلال وبعض الأواني الأخرى التي حيكت من البردي بصورةٍ دقيقة، بالإضافة الى صناعة الحصران التي يدخل القصب في صناعتها كمادةٍ أوليّةٍ أساسيّة.
ولكثرة الأهوار والمستنقعات والبرك في اللواء صار من المناطق الممونة لباقي مناطق العراق بمادة الملح الذي يعدّ من أهمّ الصناعات الاستراتيجيّة في اللواء آنذاك، ولأهميّة هذه الصناعة وانتشارها فرضت الحكومة ضريبةً عليها لتزيد من مواردها السنويّة.
وعرف اللواء أيضًا بصناعة أشتهر بها وهي صناعة المصوغات الذهبيّة والفضيّة، وقد اقتصرت تقريبًا ممارسة هذه الحرفة على طائفةٍ معينةٍ من السكان هم الصائبة المندائيون، وهي حرفةٌ ورثها الأبناء عن الآباء والأجداد، وكانت هذه الصناعة تمتاز بالدقّة والجمال، وشملت صناعة الأساور وعلب السكائر والملاعق الفضية، وتطعيم السيوف والخناجر بالفضة الملونة والسوداء، كما اشتهرت هذه الطائفة من السكّان بصناعة أباريق القهوة (الدلال)، فضلًا عن احترافهم حرفة تكاد تكون مقصورةً عليهم، وهي صناعة (المشاحيف) وهي قوارب صغيرة تستخدم للتنقل في الأهوار، وجدير بالذكر أنّ هذه الحرفة قديمةٌ مارستها هذه الطائفة منذ مدة تعود إلى العهد العثماني.
وعلى الرغم من ذلك فإنّ هذه الصناعات الحرفيّة، بقيت لمدةٍ طويلةٍ دون أنْ
يطرأ عليها إلّا تغيير قليل وهو أمرٌ شمل حتى الصناعات التي كانت قائمةً في مدن العراق الأخرى الكبيرة، وربما كان ذلك بسبب تأكيد الحكومة حينذاك على الزراعة، بوصف العراق بلدًا زراعيًّا والاهتمام بالزراعة هو الأولى، فكيف الحال بلواء العمارة الذي كانت فيه المنتجات الزراعيّة تمثل المادة الأساسية في نشاطه الاقتصادي بضمنها الصناعة التي كانت مادتها الأوليّة مصدرها الزراعة أيضًا.
ولعلّ من المفيد أنْ يذكر هنا أنّ الإدارة الحكوميّة كانت تستفيد من جهود السجناء في اللواء، وبخاصة ذوي المهارات العالية في الصناعات اليدويّة مثل صناعة النسيج والحصران وفتل الألياف حتى أنّ واردات السجون بلغت عام 1931م، مقابل ما باعته من مصنوعات 268،158 روبية.
إنّ تسليط نظرةٍ فاحصةٍ على ما تقدّم يظهر أنّ أغلب الصناعات الحرفيّة التي كانت تنتشر في لواء العمارة هي وليدة حقبةٍ سابقةٍ في التاريخ، ترجع بدايتها الأولى إلى العهد العثماني، ولم تشهد هذه الصناعات تطورًا نوعيًّا وكميًّا؛ وذلك لاعتمادها على التعاقب الوراثي من جيلٍ إلى آخر، غير أنّ المؤشّر الوحيد الذي مرت به هذه الصناعة الحرفيّة خلال حقبتي الاحتلال والانتداب هي ما تعرّضت له تلك الصناعات من هبوط في الإنتاج، وتوقّف سوقها الداخلي نتيجة دخول جيش الاحتلال إلى اللواء، الأمر الذي أدّى الى غزو الصناعات الأجنبيّة المناطق المحتلّة فكان رواج الصناعات في الأسواق سببًا في تدهور وكساد الصناعات الحرفيّة المحلّية.
اتّسم الطابع الاجتماعي في لواء العمارة بشكلٍ عامٍ بأنّه مجتمعٌ عشائري قائمٌ على احترام القيم العشائريّة القديمة، وقد عرف نوعين من أنماط المعيشة، تمثّل الأول بالرعي والتنقّل من مكانٍ إلى آخر طلبًا للماء والكلأ، والثاني تمثّل بحياة الفلاحين الذين يمتهنون فلاحة الأرض وتربية الحيوانات وصيد الأسماك وغيرها، وعلى هذا النحو حافظت القبائل في لواء العمارة على مقوّماتها كمجموعاتٍ اجتماعيّةٍ قائمةٍ بذاتها.
تتمثّل قبائل لواء العمارة بظاهرة التكتل ضمن اتحاداتٍ أو مشيخاتٍ كبيرةٍ كان أبرزها اتحّاد قبائل بني لام وقبائل البو محمد، وتعدّ هذه الاتّحادات أعلى المجموعات الاجتماعيّة في اللواء، وينضم كلّ اتّحادٍ قبلي إلى مشيخةٍ قويةٍ تتألّف من شيوخ القبائل الأساسيّة المكوّنة للاتّحاد، ويرأس الجميع شيخٌ واحدٌ يعرف بلقب (شيخ المشايخ)، وغالبًا ما يكون من أسرةٍ معينةٍ ذات صفاتٍ قياديّةٍ خاصّةٍ.
ويتمتّع الشيخ بسلطاتٍ واسعةٍ تمتدّ لتشمل كلّ القوانين والأعراف القبليّة المتعلّقة بشؤون القبيلة، بيد أنّ سلطته في الواقع كانت محدودة، إذ إنّ عليه أنْ
يأخذ بالأفكار والآراء التي تطرح من قبل الشيوخ الآخرين في الاتّحاد، والنزول عندها إذا ما لزم الأمر، حفاظًا على وحدة القبيلة.
إنّ العشائر في لواء العمارة تمثّل نواة التركيبة الاجتماعيّة، وعليها رسم مستقبل تطورات الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة فيما بعد، وهذا يفرض تفصيل أوضاع هذه النواة، خلال حقبتي الاحتلال والانتداب البريطاني.
إنّ أكبر تلك العشائر هي عشائر بني لام، ويرجع نسبها إلى قبيلة طيء العربيّة، وجاءت إلى العراق من مواطنها الأصلية في الحجاز، واستقرّت في لواء العمارة طلبًا للماء والكلاء وذلك في مطلع القرن الخامس عشر الميلادي، واستطاعت هذه القبيلة أنْ تكون لها نفوذٌ اقتصادي واجتماعي كبيرٌ مكّنها من ترأس تحالفٍ قبلي كبيرٍ في اللواء خلال الحقبة العثمانيّة. بفضل ذلك كتب لهذه العشيرة أنْ تؤدّي دورًا مهمًّا في مواجهة الاحتلال البريطاني للعراق.
رافق وجود عشيرة بني لام في لواء العمارة عشائر أخرى شاركتها في النشاطات المختلفة التي حدثت في اللواء، وأهمّها من حيث العدد والعدة عشيرة البو محمد، التي يرجع نسبها إلى العرب القحطانيين، شغلت هذه العشيرة المنطقة الواقعة على ضفاف نهر دجلة من جنوب مدينة العمارة إلى الشمال من مدينة العزير، وقدv
كوّنت اتّحادًا عشائريًّا كبيرًا بعد انضمام عددٍ من عشائر اللواء الأخرى إليها، وكتب لهذه العشيرة أيضًا أنْ تؤدّي دورًا مهمًّا على الصعد كافة، أمّا عشيرة آل ازيرج فتشير المصادر إلى أنّها قدمت إلى لواء العمارة من مساكنها الأصلية في أسفل نهر الغراف، وذلك في القرن السابع عشر الميلادي، واستقرّت على ضفاف نهر المجر الصغير في الجانب الأيمن لنهر دجلة جنوب مدينة العمارة.
في حين كانت عشيرة البو درّاج تستوطن المنطقة الواقعة في ناحية كميت شمال مدينة العمارة، وقد اتسمت علاقاتها مع عشيرة بني لام بعدم الاستقرار، فتارةً كانت تحت لوائها وتارةً أخرى تنشق عنها حتى أنّها باتت تلتزم الأراضي من الحكومة العثمانيّة مباشرة بعد تقلّص نفوذ عشيرة بني لام.
وهناك عشيرة السواعد التي تنحدر أصولها من عشيرة زبيد، سكنت هذه العشيرة في مواطنها المعروفة منذ العهد العثماني في منطقة المشرَّح والأهوار القريبة منها، ومارسوا زراعة الرز بشكلٍ كبيرٍ، وأصبح يشكّل موردًا مهمًا في اقتصادهم المعاشي، وقد واجهت هذه العشيرة هجمات عدة من عشيرة البو محمد وعشيرة بني أسد، إلّا إنّ ذلك لم يضعفها وظلّت متمسكةً بأـراضيها إلى يومنا هذا.
ومن عشائر اللواء الأخرى عشيرة السودان التي كانت تنتمي في أصولها إلى قبيلة كندة المعروفة، واستقرت هذه العشيرة في مطلع القرن التاسع عشر الميلادي في منطقة (جريت) المحاذية لنهر المشرَّح، بعد تنقلاتٍ عدّةٍ في المنطقة،
بسبب الظروف المعاشيّة الصعبة التي مرّت بها، إذ انتقلت في بادئ الأمر إلى مدينة القرنة، ثم انتقلت بعد ذلك إلى مدينة الحويزة، وبعدها استقرت في المنطقة الواقعة بين نهر المشرح والكحلاء.
أمّا عشيرة البهادل التي هي فرعٌ من قبيلة خفاجة، فكانت تقطن جنوب نهر الفرات، بعدها استقرت في منطقة العوفية والجوار غرب مدينة العمارة على اليمين من نهر دجلة، وتحالفت مع السادة الهواشم العلويين حيث تسكن كلا العشيرتين في تلك المنطقة.
ولم تقتصر على العشائر الموجودة في اللواء آنفًا، بل كانت هناك عشائر أخرى عدة تدخل ضمن التركيب السكاني العشائري لمدينة العمارة، ومن أهمّها السرّاج، وكعب، وكنانة، والصبيح، وكانت جميعها متحالفةً مع قبيلة بني لام.
إنّ ما ذكر سابقًا يمثّل مجمل العشائر التي كانت تشكّل العناصر الرئيسة في مجتمع لواء العمارة طيلة الحقبة العثمانية، إلّا أنّ الجديد الذي طرأ على طبيعة وتركيب هذه الوحدات الاجتماعيّة، تمثّل بتفكك الاتحادات القبليّة التي كانت موجودة، وقد برز هذا الأمر مباشرةً بعد الاحتلال البريطاني للواء؛ إذ أدرك البريطانيّون أنّ هذه الاتّحادات قد تحمل في ثناياها خطرًا على وجودهم في المنطقة؛ ممّا حدا بهم إلى ممارسة السياسة البريطانيّة المعروفة بــ(فرّقْ تَسدْ) في المنطقة، إذ باشرت السلطة المحتلّة ومن بعدها حكومة الانتداب البريطاني في تطبيق هذه السياسة مستغلةً في ذلك سلاح الأرض- وذلك بعد أنْ أدركت مدى تأثيرها على نفوس الشيوخ وسلوكهم تجاهها، وذلك من حيث منحها وسلبها
منهم- مستخدمةً في ذلك ما أطلقت عليه حل النزاع.
ومثال ذلك، ما قامت به السلطة المحتلّة بين عامي1920-1921م، بتقسيم أراضي الشيخ محمد العريبي شيخ عشيرة البو محمد في مقاطعة الكحلاء، بينه وبين الشيخ فالح الصيهود، وهو أحد شيوخ العشيرة ذاتها، مستندةً في ذلك على أسسٍ تقضي بإرضاء الشيخ الثاني، ومساعدة الشيخ الأول في إدارة هذه المقاطعة الكبيرة، وهي سياسة حاولت السلطة من خلالها كسب ودّ شيوخ آخرين لها، ولكن هذه السياسة وإنْ نجحت في بعض الأحيان مع بعض الشيوخ، ولا سيّما مع شيوخ البو محمد، وذلك للعلاقة النفعيّة التي كانت تربط الطرفين إلّا أنّها فشلت في أحيانٍ كثيرةٍ لا سيّما مع الشيوخ الذين اتّسمت علاقتهم منذ البداية مع السلطة بعدم الاستقرار، ومنهم الشيخ ثامر شيخ السواعد (آل كورجة)، حيث قامت السلطة بأخذ مساحاتٍ واسعةٍ من أراضيه ومنحها إلى شيوخ آخرين من العشيرة نفسها، ممّا أدّى إلى حدوث مشاكل ونزاع بين هؤلاء الشيوخ من خلال محاولاتٍ عدّة قام بها الشيخ ثامر لاسترجاع أرضه بالقوة لكن دون جدوى.
في سنة 1931م، قامت الحكومة بالإجراء نفسه مع شيوخ اللواء معتمدةً في ذلك على ما ورد من المعلومات التي جاء بها التقرير الذي وضعه الخبير البريطاني المعروف آرنسن داوسن، وقد ورد في التقرير اقتراح دفع الحكومة إلى مسح أراضي اللواء بشكلٍ دقيق، وتوزيعها إلى عددٍ من الشيوخ في اللواء بالالتزام، وكان على الوجه الآتي:
من خلال ما تقدّم يتّضح أنّ عشائر اللواء بعد أنْ كانت بمنزلة اتّحاداتٍ قبليّةٍ في العهد العثماني، وحتى في السنوات الأولى من الاحتلال البريطاني، أصبحت خلال الحقبة المتأخّرة من الاحتلال والانتداب البريطاني أداةً تدور في فلك السياسة البريطانيّة، ممّا كان له انعكاسٌ واضحٌ على حياة العشائر في اللواء، وبخاصة الشيوخ منهم، إذ ازدادت أراضي بعضهم مقابل ذلك ازدادت
طلبات الحكومة من بدلات الإيجار وضرائب على المحاصيل الزراعيّة، الأمر الذي جعل الشيخ يضغط على الفلاح من أجل إنتاج أكثر، وبهذه الحالة تعزّزت حالة الإقطاع بشكلٍ أكثر ترسيخًا ممّا كان عليه في السابق وأصبح الإقطاع سمةً من سمات المجتمع العشائري، ويلاحظ أيضًا أنّ الحكومة العراقيّة خلال سنوات الانتداب قد ركّزت على هذه السياسة مستفيدةً من الأسس والمنطلقات التي وضعتها سياسة الاحتلال تجاه العشائر، ولكن بأسلوبٍ أكثر تهذيبًا من السلطة المحتلّة، وذلك من خلال كسب ودّ الشيوخ وإعطائهم الامتيازات دون تهديد الآخرين باستخدام القوة.
لعبت عوامل عدّة في استقرار السكّان في المدن العراقيّة بشكلٍ عام، ومنها لواء العمارة، ويأتي في مقدمة هذه العوامل العامل العسكري، إذ كانت أغلب المباني التي شيدت في لواء العمارة هي إمّا أنْ تكون ثكنات عسكريّة وإمّا مباني يقطنها منتسبو الجيش من أجل حفظ الأمن والاستقرار، أمّا الثاني فكان يتمثّل بالعامل الإداري الذي شمل مباني الدولة الرسميّة التي أنشئت لتنفيذ مهمات
الدوائر الرسميّة المختلفة، الإداريّة والقانونيّة والتعليميّة والاقتصاديّة.
ويأتي العامل الديني ليؤلّف واحدًا من أهمّ العوامل التي اجتذبت السكّان، فقد اشتهر اللواء بالعديد من المزارات التي تحظى باهتمام سكّان اللواء وبشكلٍ كبير، وأبرزها مزار (علي الشرقي، وعلي الغربي).
وقد تميّز سكّان لواء العمارة بتعدد الطوائف الدينيّة الأخرى التي كانت تشارك سكّانه العيش فيه (الذين هم أغلبهم من المسلمين) .
إنّ هذه الطوائف وبخاصّة اليهود سكنوا المدينة لأسبابٍ تجاريّةٍ في الدرجة الأولى، إذ مارسوا فيها فعاليّاتٍ اقتصاديّةً مختلفة، منها بيع الأقمشة بالجملة وممارسة الربا، وحري بالذكر أنّ وجود اليهود في المدينة لم يقتصر على السبب التجاري حسب، بل كان استقرارهم في العمارة يعود إلى سببٍ آخر ومهم هو وجود مرقد النبي (العزير). كما اقترنت أسماء بعض المناطق بالصبغة الدينيّة كـ (محلة التوراة )، وهو من الأحياء العريقة في مدينة العمارة.
وسكن النصارى مدينة العمارة منذ زمنٍ طويلٍ ليس بالقصير، إذ لهم فيها كنيسة أسّست في سنة1880م، يترددون عليها للتعبد، وتدعى هذه الكنيسة (كنيسة أم الأحزان) للكلدانيين وبجوارها مقبرة لدفن الموتى.
أمّا الصائبة المندائيون، فقد سكنوا المدينة منذ عام 1865م، وكان السبب الرئيس الذي دعاهم إلى الاستيطان في العمارة لا سيّما في منطقتي قلعة صالح
والمشرَّح هو توفر مصادر المياه المتمثلة بالأنهر المتفرعة من نهر دجلة، إذ يتعذّر عليهم القيام بطقوسهم الدينيّة ما لم تتوفّر تلك المصادر، حتى أنّ كلمة الصابئة، جاءت من أصل هذا الغرض المشار إليه، وهي مشتقةٌ من الفعل الآرامي- المندائي (صبا)، ويعني اصطبغ، تعمد، ارتمس في الماء، ازداد تمسّك السكّان في مدينة العمارة باستقرارهم في المنطقة، وبخاصّة بعد الاحتلال البريطاني للواء، فقد استفاد الناس من معالم الاستقرار التي استحدثها المحتلّون في المدينة، كالمستوصفات، فضلًا عن إنشاء معهد للتحليلات المرضية في العمارة، وذلك منعًا لانتقال الأمراض المعدية بين صفوف الجيش المحتل.
استمرّ الشيء نفسه خلال حقبة الانتداب، بشكلٍ يفوق ما تحقّق في زمن الاحتلال، حيث باشرت الحكومة في السنوات الممتدة (1921-1930م)، ببناء بعض المستوصفات والمدارس، ممّا أدّى إلى تعزيز ظاهرة الاستقرار المدني في اللواء.
ومن الظواهر العمرانيّة في العمارة، البيوت التي شيّدتها الأسر الاقتصاديّة التي انتقلت في أواخر العهد العثماني لها، إذ كانت هذه البيوت مجهزةً بوسائل الراحة المتوفّرة حينذاك، وظلّت هذه البيوت طيلة عهد الاحتلال والانتداب البريطاني مَعْلمًا بارزًا، ومن هذه الأسر المعروفة - على سبيل المثال لا الحصر - عائلة التاجر عبد القادر باشا الخضيري، وقد كان لوجود هذه الأسر في المدينة
أثرٌ كبيرٌ في دفع بعض الناس إلى الاستقرار فيها، حيث زادت الحركة التجاريّة ونمت علاقاتٌ وثيقةٌ بين بعض الشيوخ وهؤلاء التجّار، ولا شكّ في أنّ هذا الاحتكاك بين الفئات العشائريّة والمدنيّة، قد خلقت نوعًا من الانتباه والاهتمام لدى شيوخ العشائر بحياة الترف التي يعيشها سكّان المدن، ممّا دفع بعض الشيوخ إلى أنْ ينتقلوا إلى المدن، ويبنوا لهم بيوتًا ضخمةً فيها، وهذا ما فعله الشيخ مجيد الخليفة شيخ عشيرة البو محمد وآخرون من شيوخ عشائر لواء العمارة.
ولكن على الرغم من توفّر عوامل الجذب السكاني ونمائها خلال حقبتي الاحتلال والانتداب البريطاني، لم يرتق تأثيرها إلى ما وصلت إليه مؤثرات الجذب السكّاني للمدن الأخرى مثل بغداد والبصرة والمدن المقدسة، ويعود ذلك إلى التأخر النسبي في وصول المشاريع العمرانيّة التي شهدها العراق خلال سنوات الانتداب، التي كان من أهمّها مشاريع مدّ شبكات المياه ومشاريع تبليط الشوارع ونصب الجسور، فضلًا عن تمسّك سكّان اللواء بالمفاهيم والأعراف القبليّة التي أخذ يرجع إليها حتى سكّان المدن وذلك لتفوق نسبة سكّان الأرياف على سكان المدن وبذلك ظلّت الأعراف والتقاليد العشائريّة هي الأساس في كلّ الأمور داخل اللواء.
من خلال ما تقدّم تبرز النقاط الآتية:
1- إنّ أغلب المباني الموجودة في اللواء التي كوّنت ما يسمّى (المدينة) هي ذات منشأ عثماني.
2- إنّ للعامل الاقتصادي الدور الكبير في رفد مقوّمات الجذب السكاني لمدينة العمارة والاستقرار فيها.
3- ظلّت نسبة عدد سكّان الريف تفوق نسبة سكّان المدينة، وهو أمرٌ كان سائدًا في مختلف مناطق العراق تقريبًا، فكيف بمدينة كالعمارة التي كانت العشائر تشكّل فيها أغلبيّة النسبة السكانيّة، وهذا ما يؤكّده الإحصاء العثماني الأخير الذي أجري سنة 1913م، الذي بلغ عدد سكّان اللواء عمومًا (150000) ألف نسمة، وسكّان مدينة العمارة (15000) ألف نسمة.
لقد سبقت الإشارة إلى أنّ مجتمع العمارة، هو مجتمعٌ عشائري تتحكّم فيه العادات والتقاليد المعروفة في المجتمع العشائري العراقي، وهذه العشائر متقاربةٌ في كثيرٍ من تقاليدها وقيمها العامة، ومختلفة – إلى حدٍّ ما - في عددٍ منها، وعلى مدى اختلاف البيئة وأثرها في ترسيخ تلك العادات والتقاليد، وفي ضوء ذلك يلاحظ أنّ بيئة العمارة تنقسم إلى بيئتين مختلفتين، وأدّت العوامل الجغرافيّة والطبيعيّة والاقتصاديّة دورًا كبيرًا في ذلك الاختلاف، وقد أدّى هذا الأمر إلى اختلافٍ نسبي في بعض التقاليد والعادات والسلوك المترسّخة في ذلك المجتمع، تمثّلت البيئة الأولى في المناطق الجنوبيّة من اللواء، التي تميّزت بمساحاتٍ واسعةٍ من الأهوار والمستنقعات وكثرة البرك فيها والبحيرات والتي أغلبها من الفروع النهريّة المنبثقة عن نهر دجلة، وأنهار دويريق والكرخة، وتكسوها غابات القصب والبردي ونباتات الأهوار الأخرى الكثيفة، إضافة إلى ملائمتها لزراعة الشلب
والذرة وتدجين الحيوانات مثل البقر والجاموس والطيور البريّة المائيّة والأسماك بكثرة، وألّفت هذه الحيوانات موردًا مهمًّا للعيش في هذه المنطقة.
أمّا البيئة الشماليّة، فقد شملت مساحاتٍ واسعةً تمتدّ من موقع مدينة الكوت حتى شمال مدينة العمارة، ومن نهر الفرات غربًا حتى التلال والمرتفعات شرقًا، وبلغ طولها مئتي كم تقريبًا، وعرضها مائة كم، ويخترقها نهر دجلة طولًا، وتقلّ فيها التفرعات النهريّة، وتضمّ أرض جزيرة محصورة بين التلال الشرقيّة وضفاف نهر دجلة، وتتوفّر فيها الأعشاب والنباتات الطبيعيّة، وبخاصّة موسمي الشتاء والخريف ممّا جعلها مراعيَ جيّدة، للأبل، والأغنام، والبقر، إضافةً إلى ملائمة أرضها لزراعة الحنطة الديميّة، والسقي بالوساطة على جانبي نهر دجلة، لإنتاج أنواع الحبوب والغلاف الأخرى كالدخن.
وفي وسط هذا الاختلاف في بيئة العمارة ترعرعت عاداتٌ وتقاليدُ وأنشطةٌ تلاءمت مع طبيعة ذلك الاختلاف، ومن جهةٍ أخرى كان هناك تشابهٌ في كثيرٍ من العادات والتقاليد التي توحّد بها سكّان اللواء، وفي كل مجال تقريبًا نراها واضحة، فروح الإخلاص والتعاون مثلًا، نراها موجودةً بين سكّان اللواء، وعلى مستوى الأفراد والعشائر، وفي كلا البيئتين الجنوبيّة والشماليّة.
الكرم من السجايا العربيّة الأصيلة، التي امتاز بها سكّان العمارة، وبخاصّة سكّان الأرياف، فكانوا يتنافسون في تقديم واجب الضيافة العربيّة للقادمين، وتسهيل مهمتهم، كما أنّهم يحرصون على الاحتفاظ ببعض الموادّ الضروريّة بغية
تقديمها في الحالات الطارئة للضيوف القادمين بشكلٍ مفاجئ.
ويقابل حسن الضيافة، بناء المضيف، أو تخصيص مكانٍ من البيت يؤدّي الوظيفة نفسها، فإنْ كان صاحب البيت رئيسًا لعشيرة، فلابد أنْ يقيم مضيفًا متميّزًا لضيوفه ولأفراد عشيرته وإنْ كان أحد أفراد العشيرة فهو الآخر ملزم بأنْ يخصّص جزءًا من بيته للضيوف، بشكلٍ عام، فإنّ المضيف يعدّ الشاشة التي تعكس حياة العشيرة الاجتماعيّة وأمورها المختلفة، وذلك لأنّه عنوان القرية أو العشيرة.
يتصدر المجلس في المضيف شيخ العشيرة وكبار وجوهها للتذاكر بشأن أهمّ القضايا التي تتعلّق بشؤونها، سواء أكان ذلك يتعلّق بماضيهم أم مستقبلهم، كما أنّه المكان المخصّص لفض النزاعات والخصومات التي كانت كثيرًا ما تحدث بين أبناء العشيرة نفسها والعشائر الأخرى، وقد درجت العادة المتبعة آنذاك على إقامة الولائم وتناول القهوة العربيّة في المضيف.
وممّا تجدر الإشارة إليه، أنّ المضيف مخصّصٌ حصرًا لرجال القبيلة، الذي كان يبنى عادةً من القصب والبردي أو على شكل خيامٍ مصنوعةٍ من جلود الغنم والماعز كما هو الحال لدى عشائر بني لام.
وقد جرت العادة أنْ يعيّن قرب المضيف موقدًا للنار توضع فيه دلال القهوة العربيّة، وكان يحرص أبناء العشائر على أنْ تكون أبواب المضايف متجهةً نحو الكعبة المشرّفة في مكة، ومعها في ذلك بيوت القرية من حولها.
استخدم السجّاد البسيط والمصنوع محليًّا لفرش أرض المضيف، وحري بالذكر أنّ عشيرة بني لام تنفرد عن سواها من العشائر الأخرى، بأنّها تعمل على بناء المضيف مرتين في السنة، وذلك تبعًا للتغيّرات المناخيّة في الجو، فتستخدم صوف الغنم لبناء المضيف في الصيف؛ لأنّه أكثر برودة، بينما تستخدم شعر الماعز في الشتاء؛ لأنّه أكثر دفئًا، وتتخلل عملية بناء المضيف احتفالاتٌ رائعةٌ تتناسب وأهميّة المضيف عند العرب، وللتعبير عن مدى أهميّة المضيف ودوره المهم، كانت العشيرة عندما تعتزم بناء مضيف جديد نزولًا عند رغبة شيخها تأخذ العشائر الأخرى على عاتقها مهمّة تقديم المساعدة، ولا سيّما أنّ بناء المضيف يتطلّب جهدًا كبيرًا.
إنّ أبرز ما يكمن ملاحظته على بناء المضيف في لواء العمارة، هو أنّه لم يطرأ عليه أيّ تغييرٍ خلال المدة التي تحدّدت بها هذه الدراسة، فقد استمرت الطرق والأساليب نفسها التي كانت موجودةً في العهد العثماني مرورًا في عهد الاحتلال وانتهاءً بمدة الانتداب البريطاني، إذ لا شك في أنّ مثل هذه التقاليد والعادات تبقى لمدةٍ طويلةٍ دون تغيير، وإنْ طرأ عليها بعض التغيير، فهو نسبي وشكلي، دون أنْ يغيّر جوهرها، ولا سيّما أنّ هذه السجايا هي ذات منبعٍ عربي أصيلٍ تعود جذورها إلى حقبٍ سبقت العهد العثماني بعقودٍ طويلة، وتمتد جذورها إلى عصور الدولة العربيّة الإسلاميّة.
رغم خضوع المرأة لمقتضيات الثقافة السائدة حينذاك، التي كانت تجرّها على التحفّظ والتقيّد في عمل كثيرٍ من الأشياء، بما في ذلك الخروج من البيت إلّا أنّها استطاعت أنْ تشارك الرجل في كثيرٍ من الأمور، وكان أهمها تشجيع الرجال على القتال، فكانت نساء العشائر في أوقات الحروب، هنّ اللواتي يشجّعن الرجال على القتال، وذلك من خلال الأهازيج الشعبيّة المثيرة للحماس.
وصف بعض الكتّاب الأجانب ممّن سبق لهم العمل في العمارة المرأة فيها بأنّها تمثّل القوة فيما وراء الستار، ويرى الباحث أنّ هذا الأمر مبالغٌ فيه نوعًا ما، وأنّ بعض الرجال يطلبون نصائح المرأة الكبيرة السن ذات الخبرة والتجربة، وكانوا يصغون إليهن بتقدير، نظرًا لما يحتلّ السن من مكانةٍ اجتماعيّة إلّا أنّ هذا لا يعني شيئًا مسلمًا به؛ لأنّ هناك من ينظر إلى للمرأة على وفق النظرة المتخلفة التي تغمط حقّها في المشاركة في اتّخاذ القرارات، ويعدّ ذلك منافيًا للأعراف الاجتماعيّة السائدة آنذاك، والتي تجعل منها تابعًا ومنفذًا لأوامر الرجل.
كان للسلاح دورٌ كبيرٌ في حياة العشيرة، وغالبًا ما كان يستخدم في حالات الدفاع عن النفس لصدّ هجوم العشائر الأخرى، ولدرء الأخطار عنها، وكذلك
في حالات أخذ الثأر والتصدي للصوص، الأمر الذي جعل من امتلاك السلاح لدى أبناء العشائر أمرًا لا بدّ منه، وقد اختلفت أنواع الأسلحة التي يمتلكها أبناء العشيرة بدءًا بالخنجر ومرورًا بالسكّين والمكَوار والفالة، وكان للأخير استخدام مزدوج؛ لأنّها تستعمل في صيد الأسماك أيضًا .
فضلًا عن الأسلحة الناريّة التي انتشرت في مناطق اللواء منذ مطلع القرن التاسع عشر، وازدادت بشكلٍ ملحوظٍ بعد الحرب العالميّة الأولى، وقد أخذت الحكومة خلال سنوات الاحتلال والانتداب البريطاني تسمح باقتناء السلاح بشرط وجود رخصةٍ رسميّةٍ صادرةٍ عنها تتقاضى في مقابلها أجرًا سنويًّا يدفعه لها مالك السلاح، ومن أشهر أنواع الأسلحة المستخدمة هي بندقية الماوزر والبرنو[4].
عرف عن رجال العشائر في مناطق اللواء المختلفة خلال مدة الاحتلال والانتداب البريطاني، وحتى في المدة التي سبقتها، بارتدائهم ملابس ليس فيها ما يدلّ على الأبهة والترفّع، وهي ثوبٌ طويلٌ نسبيًّا (الدشداشة) مصنوعةٌ من الصوف أو القطن، غير أنّ الشيوخ والميسورين من رجال العشائر كانوا يرتدون بالإضافة إلى الثوب الطويل المذكور ما يسمّى (بالصاية)، أو (السترة) وعباءة سوداء أو صفراء تكون سميكةً في فصل الشتاء، وخفيفةً في فصل الصيف.
ويغطّون رؤوسهم بمناديل (كوفية، يشماغ)، يمسكها عقالٌ من صوف الإبل، أو يضعون على رؤوسهم منديلًا يتدلّى منه حواشٍ وخيوط مضفورة طويلة.
ويعدّ السروال والرداء من لوازم القيافة في المدن، وغالبًا ما يتمنطق الرجال بحزامٍ من الجلد أو الصوف ويلبسون النعل أو الحذاء (الجيوة).
أمّا النساء فكن يلبسن ملابس طويلة، تدلّ على العفة والنجابة، وتتكون من أثوابٍ عريضةٍ وطويلةٍ تصل حتى أخمص القدم، وكانت على رؤوسهن عماماتٌ طويلةٌ من أقمشةٍ شتى من القطن، وغالبًا ما تكون سوداء وتعرف باسم (العصابة) ، وترتدي المرأة فوق ذلك عباءةً تشبه إلى حدٍّ ما عباءة الرجل لتغطية كلّ ما تلبسه، أمّا أدوات الزينة فكانت تقتصر على بعض الأساور الفضية والخواتم الرخيصة الأخرى، فضلًا عن وجود أنواع من القلادات التي تتكون من النقود الفضيّة - الليرة العثمانية - وبعضهن يضفرن شعرهن على هيئة ضفائر (قصائب) طويلةٍ مزّينةٍ – بالليرات- وكثيرًا ما تستخدم المرأة الريفيّة الوشوم على الوجوه والأيدي؛ وذلك نظرًا لحالتها الاقتصاديّة المتردية، فهي تتخذها بدلًا عن المجوهرات.
وهناك حالاتٌ قليلةٌ اقتصرت على بعض الشخصيّات في المدن خلال المدة التي تلت الاحتلال البريطاني وهي ارتداء الزي الأوربي المتمثّل - بالسترة والبنطلون - وهي أزياء ربما جاءت نتيجة دخول حياة المدينة التي صاحبت دخول الاحتلال البريطاني وازدادت خلال مدة الانتداب.
↵
5- نشاطاتٌ اجتماعيّةٌ أخرى
من النشاطات الاجتماعيّة الأخرى هي (النخوة، والثأر، والدية، والفصل، والدخالة، وشداد الراية، والملا)، وهي جميعها نشاطاتٌ ذات سماتٍ اجتماعيّة، كانت موضع اهتمام مجتمع العمارة، وذات تأثيرٍ كبيرٍ في حسم المنازعات والحوادث بين الأفراد وإدارة شؤون العشائر، وقد فصّلت هذه المواضيع في كثيرٍ من المصادر التاريخيّة والاجتماعيّة.
يتّضح مما تقدّم أنّ مجتمع العمارة عشائري في كلّ معانيه، حيث تأصّلت به الأعراف والتقاليد العشائريّة العربية الأصيلة بشكلٍ عميق، وقد انعكس ذلك على علاقاتهم الاجتماعيّة وممارستهم للكثير من الأنشطة الاجتماعيّة ذات السمات العشائريّة المتعارف عليها في اللواء.
وقد انعكس ذلك أيضًا على طبيعة علاقتهم مع الحكومات المتعاقبة سواءً أكان ذلك في العهد العثماني أم خلال حقبتي الاحتلال والانتداب البريطاني، إذ كانت تصرفات هذه الحكومة مبنيةً على أساس فهمهم للمجتمع على أنّه عشائري.
تبيّن من خلال استقراء المعطيات العلميّة لهذه الدراسة، الدور التاريخي المهمّ لهذه المنطقة (العمارة) خلال السنوات التي تناولها البحث بالاستقصاء والدراسة، ولعلّ الملاحظات الآتية تلقي شيئًا من الضوء في هذا السبيل.
كان للعمارة مكانةٌ واضحةٌ في الأحداث التي شهدها العراق خلال سنوات الحرب العالميّة الأولى وسنوات الانتداب البريطاني (1915-1932م)، حيث كانت تمثّل منطقةً استراتيجيّةً لدى القوات المحتلّة خلال سنوات الحرب الأولى، وذلك لوقوعها على خط المواصلات الرئيس الذي يربط بغداد والخليج عبر نهر دجلة المار من خلالها، وكان ذلك أيضًا أحد دواعي احتلال القوات البريطانيّة لهذه المنطقة، الذي ظهرت بوادره واضحةً بعد احتلال مدينة البصرة بقليل، إذ عدّ البريطانيون احتلالها ضرورةً عسكريّةً ملحّةً لا بدّ منها في تأمين مكتسبات الاحتلال البريطاني في البصرة، وحماية مصالحهم في منطقة فارس المتمثلة بحقول وأنابيب النفط فيها.
في الوقت ذاته، لبّى أبناء عشار اللواء نداء الجهاد الذي أصدره علماء الدين في العراق عام 1915م، إذ انضمت أعدادٌ كبيرةٌ منهم إلى صفوف الجيش العثماني، وعلى جبهتين الأولى (جبهة دجلة)، والتي من خلالها تم احتلال اللواء في 3 حزيران 1915م، وكانت بقيادة القائد العثماني حليم بك، والثانية جبهة الأحواز بقيادة محمد فاضل باشا الداغستاني، غير أنّ تخاذل الجيش العثماني وانهيار معنوياتهم أمام القوات البريطانيّة المتقدّمة التي استخدمت أحدث أنواع
لأسلحة والخطط التعبويّة الحديثة حينذاك، كان له الدور الكبير في إضعاف عزيمة أبناء العشائر المجاهدة، وانعكس بشكلٍ كبيرٍ وواضحٍ على دورهم في مواجهة القوات البريطانيّة خلال احتلالها المدينة في التاريخ المذكور.
رغم الإمكانات الكبيرة التي كان يملكها المحتلّون من أسلحةٍ وجيشٍ مدرّبٍ لم يمنع أبناء العشائر شيوخًا وأفرادًا من مقاومة الجيش المحتلّ، وكان ذلك واضحًا من خلال تصريحات القادة والمسؤولين البريطانيين آنذاك، وقد جاء تصريح طاوزند ليؤكّد ذلك حين قال: «إنّ عرب العمارة يضمرون العداء لنا»، وفي حين قالت المس بيل: «إنّ عرب اللواء كانوا يعارضون الاحتلال، فكانوا يتعرضون للسفن البريطانيّة المارة خلال دجلة»، وقد تأكد هذا الرفض بموقف عددٍ من شيوخ العمارة من الاحتلال أمثال غضبان البنية شيخ عشيرة بني لام، وعلي شياع شيخ عشيرة السواعد، ومحمد الحطّاب شيخ عشيرة البو دراج.
طبقت السلطات المحتلّة سياستها بالمنطقة بكلّ نجاحٍ مستخدمةً في ذلك كلّ ما عرف عنها من دهاءٍ وحنكةٍ سياسيّةٍ في سبيل تحقيق أهدافها المرجوة، وقد مثّلت العمارة بذلك حقلًا تجريبيًّا آخر للسياسة البريطانيّة بعد البصرة، إذ مثّلت الأخيرة حقلًا مدنيًّا (حضريًّا)، في حين مّثلت الأولى حقلًا عشائريًّا (ريفيًّا)، وهي بهذه الصفة اكتسبت أهميّةً خاصّةً للسياسة البريطانيّة التي وجدت طريقها إلى باقي مناطق العراق العشائريّة الأخرى فيما بعد.
تجسدت السياسة البريطانيّة في المنطقة من خلال الإجراءات التي صاحبت الاحتلال البريطاني للعمارة، التي ظلّت ملازمةً لها طيلة سنوات الاحتلال، وأبرزها الإجراءات الأمنيّة، والقضائيّة، والتموينيّة، التي كانت جميعها تنسجم مع متطلّبات سياسة السلطة المحتلّة.
إنّ بعض شيوخ العشائر في لواء العمارة أجبروا على مسايرة سياسة السلطة سواءً أكان ذلك في حقبة الاحتلال البريطاني أم الانتداب في ظلّ الحكومة العراقيّة، كما يلاحظ أنّ الأخيرة قد استندت إلى كثيرٍ من الأسس التي وضعتها سلطة الاحتلال للتعامل مع شيوخ العشائر في المنطقة، إذ استفادت منها بشكلٍ كبير، وهو أمرٌ كان سائدًا في العهد العثماني أيضًا، غير أنّ البريطانيين صاغوه بنمطٍ أكثر تطورًّا ودهاءً من العثمانيين، بما يحقّق مصالحهم الذاتية، وانتقل الأمر ذاته خلال حقبة الانتداب، إذ أصبح العراق يحكم من قبل (ملك وألف شيخ).
حرص البريطانيّون كلّ الحرص على التمسّك بهذه المنطقة، وإبعادها - مستخدمين في ذلك تطبيق السياسة العشائريّة - عن كافة الأحداث التي من شأنها أنْ تؤثّر على وجودهم في المنطقة، وفي كلا العهدين الاحتلال والانتداب البريطاني، ولا سيّما الأحداث التي شهدها العراق إبّان ثورة العشرين، مندفعين في ذلك، بأسبابٍ عدة، أهمّها ما كان تتمتع به المنطقة من خصائص جغرافيّةٍ وتاريخيّةٍ واقتصاديّةٍ واجتماعيّة، جعلت منها موضوع اهتمامهم، كموقعها المسيطر على مجرى نهر دجلة الجنوبي، وهو المنفذ المائي الرئيس بين بغداد والخليج.
تمتّع لواء العمارة بخصائص اقتصاديّةٍ جعلته موضع اهتمام السلطة، سواء أكان ذلك في حقبة الاحتلال أم الانتداب البريطاني، فقد كانت واردات اللواء الزراعيّة، ولا سيّما محاصيل الحبوب موردًا ماليًّا لرفد ميزانيّة الدولة آنذاك.
وحاولت الحكومة ومن قبلها سلطات الاحتلال أنْ تجد حلولًا ملائمةً لسياستها فيما يخصّ واردات الأرض، وفي هذا الخصوص اتّخذت من الأرض والشيخ أداةً في تحقيق تلك الحلول، وتمثّل ذلك وبشكلٍ جلّي فيما قامت به من
تقسيم للأراضي الكبيرة بين عددٍ من الشيوخ وعددٍ آخر من الأهالي سعيًا منها في السيطرة عليهم وعلى الأراضي في آنٍ واحد.
أعطت حقبة الاحتلال حافزًا كبيرًا لحكومة العراق في سنوات الانتداب البريطاني، أنْ تتوجه إلى ترسيخ علاقتها مع شيوخ المنطقة، وبخاصة بعد الدراسة الميدانيّة التي وضعها (داوسن) لمستقبل الأراضي الزراعيّة في العمارة، حيث ورد في تلك الدراسة معلوماتٌ تشير إلى أنّ أراضي اللواء أغنى أراضي العراق من حيث الإنتاج الزراعي خاصّة غلات الحبوب.
كان مجتمع العمارة واحدًا من أكبر الكتل العشائريّة في العراق، التي امتدّ نفوذها السياسي والاقتصادي والاجتماعي من جنوب الكوت حتى شمال القرنة، وكان موقف شيوخ هذه العشائر مختلفًا تجاه الاحتلال البريطاني للواء فمنهم من كان معارضًا له متمسكين في ذلك بعروبتهم الأصيلة ودينهم الإسلامي الحنيف، ومنهم من كان مسالمًا له، دفعهم في ذلك - مسايرة الأمر الواقع - الخوف على مصالحهم الاقتصاديّة وأراضيهم التي طالما كان المحتلّون يهددون بأخذها منهم فيما إذا وقف الشيوخ بطريق سياستهم وطموحهم في المنطقة.
انتقلت هذه الاتجاهات المختلفة بشكلٍ جلي إلى المدة التي تلت عهد الاحتلال وظهرت أثارها واضحةً على الأحداث والمتغيّرات السياسيّة التي وقعت خلال مدة الانتداب البريطاني، ولا سيّما البارزة منها على سبيل المثال لا الحصر، ثورة العشرين، وانتخابات المجلس التأسيسي العراقي.
امتاز المجتمع في العمارة بخصائص معينة، أبرزها العادات والتقاليد العشائرية، بوصفها السمة البارزة لمجتمع العمارة خلال حقبة الانتداب، والتي لوحظ أنّ أغلبها كانت سائدة خلال حقبة الاحتلال البريطاني، بل وفي عهد العثمانيين أيضًا.
(188)أخيرًا من خلال ما تقدّم تتضح الأهميّة التاريخية لمرحلتي الاحتلال والانتداب البريطاني في منطقة العمارة، وتأثيرها اللاحق على الأوضاع السياسيّة والاقتصاديّة والاجتماعيّة فيها.
(189)
الموضوع رقم الملف
1.حقول العمارة لسنة 1916- 1917 95/2
بلديات لسنة 1916-1917 283/2
تقارير عامة عن الضرائب لسنة 1916-1917 567/2
تقارير حول زيادة الطلب على الخضروات لسنة 1915-1917 909/2
ب- ملفات وزارة الداخلية
الموضوع رقم الملف
تقارير شهريّة لسنة 1926 1/32050
دعاوى العشائر المدنيّة والجزائيّة لسنة 1924 584/32050
تقارير إدارية (خلاصة الوضع لسنة 1916-1917) 2099/32050
الأبنية الحكوميّة التركيّة المشغولة لسنة 1919 2283/32050
فتاوى النجف بتحريم الانتخابات لسنة 1922-1923 2619/32050
انتخابات العمارة لسنة 1923 2622/32050
إحصاءات العشائر لسنة 1926 9045/32050
سجون لسنة 1931 9654/32050
مقاطعات وتشكيلات إداريّة لسنة 1930 6679/32050
ج- ملفات البلاط الملكي
الموضوع رقم الملف
ضريبة مقاطعات العمارة لسنة 1927 1349/311
(200)
مقررات مجلس الوزراء لسنة 1922 2431/311
مقررات مجلس الوزراء لسنة 1922 2445/311
ملاك وزارة الداخلية لسنة 1921-1922 2542/311
A-India office Library and Records.
1. L/P & S/10، The general office commanded –in- chief under section 7-14 of the Iraqi occupied Territories, 1915.
2. L/P & S/10، administration Report of the Amara District for Year 1916-1917
3. L/P & S/10، administration Report of the Qal, at salih for Year 1916-1917
4. L/P & S/10، Report of Amara Northern District for Year 1919.
1. F.O. 371/2489/7/M/1915
1. Great Britain (confidential) Personalities Iraq (Exclusive of Baghdad, and Kadhimian) England, 1930.
1. Admirlty Intelligence Division, Handbook of Mesopotamia, Oxford, Vol.1،1916.
2. Administration Report of the Agriculture directorate for the Year 1919، Baghdad 1920
3. Administration Report of the Public work directorate Iraq for Period 1923-1924 Baghdad,1924
4. Administration Report of the Public work Departmant for the four Year, 1924-1925-1926- and1927، Baghdad,1927.
5. Collection of fortnightly Reports Secretary of state for India by civil commissioner M. E. F. for 1918.
(201)6.Iraqi Government; report of the Economic committee,1922, Baghdad,1922.
7. Iraq and the (Persian) Gulf. Naval Intelligence Division 1944.
8. Report of administration for 1918 of Division and Districts of the Occupied territories in Mesopotamia.
9. sanction, Budget, Estimates for Year 1921 Occupied Territories of Iraq, Baghdad 1921.
10. Special Report by his Majestys Government in the united Kingdom of great Britain and Northern Ireland to the council of the league of Nation on the Progress of Iraq during the Preiod 1920-1931، London, 1931.
1. التقرير الرسمي المرفوع إلى عصبة الأمم عن أحوال الإدارة العراقيّة في سنة 1926م، تعريب عطا عوم، بغداد، 1928.
2. تقرير سري لدائرة الاستخبارات البريطانيّة عن العشائر والسياسة، ترجمة عبد الجليل الطاهر، بغداد، 1958.
3. العراق في الوثائق البريطانيّة، 1905-1930، ترجمة فؤاد قزانجي، بغداد، 1989.
1. سالنامة دولة علية عثمانية دفعة (1)، 1299هـ.
2. بصرة ولايتي سالنامة سي دفعة (3)، 1308هـ.
3. بصرة ولايتي سالنامة سي دفعة (2)، 1309هـ.
4. بصرة ولايتي سالنامة سي دفعة (3)، 1311هـ.
5. بصرة ولايتي سالنامة سي دفعة (4)، 1318هـ.
6. الدستور، ترجمة نوفل نعمة الله نوفل، مجلد (1)، بيروت، 1301.
1. سجل الحكومة العراقيّة، مطبوع في بغداد، مطبعة الحكومة، 1925م.
2. سجل الحكومة العراقيّة، مطبوع في بغداد، مطبعة الحكومة، 1931م.
3.مجموعة مذاكرات المجلس التأسيسي، مجلد (1)، بغداد، 1924م.
4. محاضر مجلس الأعيان، الاجتماع الاعتيادي، بغداد، 1925م.
5. محاضر مجلس النواب، اجتماع الدورة الأولى، بغداد، 1927م.
6. محاضر مجلس النواب للسنوات، 1926، 1930، بغداد.
1. التميمي، حميد أحمد حمدان، التطوّر التاريخي لهيكل القضاء العثماني وأثره على العراق (1839-1914)، رسالة دكتوراه غير منشورةٍ أجيزت من كليّة الآداب، جامعة البصرة، 1995م.
2. حاتم، صالح محمد، صحيفة الاستقلال في سنوات الانتداب البريطاني (1920-1931)، رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كليّة الآداب، جامعة بغداد، 1989م.
3. حسن، جاسم محمد، العراق في العهد الحميدي (1876-1909) رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كليّة الآداب، جامعة بغداد، 1975م.
4. الرديني، يوسف عبد الكريم، المجلس البلدي في البصرة (1921-1932) رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كليّة الآداب، جامعة البصرة 1994م.
5. الريحاني، عبد مخور، تحليل جغرافي لسكّان محافظة ميسان، رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كلية الآداب، جامعة بغداد، 1973م.
6. العبودي، ستار نوري، الحياة الاجتماعية في العراق في مرحلة الانتداب البريطاني (1920-1932م)، رسالة دكتوراه غير منشورة أجيزت من كليّة الآداب، جامعة البصرة، 1996م.
7. علي، غانم محمد، النظام المالي العثماني في العراق من (1839-1914)، رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كليّة الآداب، جامعة الموصل، 1989م.
8. كريم، فردوس عبد الرحيم، لواء العمارة في العهد العثماني (1861-1914)، رسالة ماجستير غير منشورةٍ أجيزت من كليّة التربية (أبن رشد)، جامعة بغداد، 1998م.
1. إبراهيم، زاهدة، كشاف الجرائد والمجلات العراقيّة، بغداد، 1976.
2. الأدهمي، محمد مظفر، المجلس التأسيسي العراقي، بغداد، 1976.
3. آدموف، الكسندر، ولاية البصرة ماضيها وحاضرها، ترجمة هاشم صالح التكريتي، البصرة، 1982.
4.آدموف، الكسندر، ولاية البصرة ماضيها وحاضرها، ترجمة هاشم صالح التكريتي، البصرة، 1989.
5. الارحيم، فيصل محمد، تطور العراق تحت حكم الاتحاديين، الموصل، 1975.
6. أحمد، إبراهيم خليل، تطور التعليم الوطني في العراق، ط1، البصرة، 1982.
7. أحمد، كمال مظهر، صفحات من تاريخ العراق المعاصر، بغداد، 1987.
8. أحمد، كمال مظهر، الطبقة العاملة العراقيّة - التكوين وبدايات التحرك- ، بغداد، 1981م.
9. أحمد، كمال مظهر، دور الشعب الكردي في ثورة العشرين العراقيّة، بغداد، 1978م.
10. إسماعيل، خليل، أحوال العراق الإداريّة، بغداد، بلا.
11. بابان، جمال، أصول أسماء المدن والمواقع العراقيّة، بغداد، 1986م.
12. برادون، رسل، حصار الكوت في الحرب بين الإنكليز والأتراك في العراق سنة (1914-1918م)، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1985م.
13. بركات، رجب، بلدية البصرة (1869-1981م)، البصرة، 1984م.
14. برو، توفيق علي، العرب والترك في العهد الدستوري (1908-1914م)، القاهرة، 1960م.
15. البزّاز، عبد الرحمن، العراق من الاحتلال حتى الاستقلال، ط3، بغداد، 1967م.
16. البصير، محمد مهدي، القضيّة العراقيّة، بغداد، 1924م.
17. بطاطو، حنّا، العراق –الكتاب الأول- الطبقات الاجتماعيّة والحركات الثوريّة من العهد العثماني حتى قيام الجمهوريّة، ترجمة عفيف الرزاز، بيروت، 1990م.
18. بيج، سرواليس، رحلات إلى العراق، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، 1966م.
19. بيل، المس، العراق في رسائل المس بيل، ترجمة جعفر خياط، بيروت، 1971م.
20. بيل، المس، فصول من تاريخ العراق القريب، بيروت، 1971م.
21. التميمي، حميد أحمد حمدان، البصرة في عهد الاحتلال البريطاني، بغداد، 1979م.
22. جاكسون، مشاهدات بريطاني عن العراق 1797م، بغداد، بلا.
23. الجمالي، محمد فاضل، العراق بين أمس واليوم، بغداد، 1954م.
24. الجواهري، عماد أحمد، تاريخ مشكلة الأراضي في العراق (1914-1932م)، بغداد، 1987م.
25. الجويبراوي، جبار عبد الله، تاريخ ميسان وعشائر العمارة، بغداد، 1990م.
26. جميل، حسين، العراق شهادة سياسية (1908 – 1930م)، لندن، 1987م.
27. الحسني، عبد الرزاق، تاريخ العراق السياسي الحديث، بيروت، 1957م.
28.الحسني، عبد الرزاق، ثورة العراق الكبرى، ط6، بغداد، 1992م.
29. الحسني، عبد الرزاق، العراق قديمًا وحديثًا، صيدا، 1958م.
30. الحسني، عبد الرزاق، موجز تاريخ البلدان العراقيّة، ط1، بغداد، 1930م.
31. حسن، محمد سلمان، التطور الاقتصادي في العراق، التجارة الخارجية والتطور الاقتصادي (1864-1958م)، بيروت، 1966.
32. حسن، أحمد سلمان، طلائع الثورة العراقيّة، العوامل الاقتصاديّة في الثورة العراقيّة الأولى، بغداد، 1958م.
33. حسين، فاضل، مشكلة الموصل، بغداد، 1967م.
34. حمادة، خيري، أعمدة الاستعمار البريطاني في الوطن العربي - عبد الله قبلي- ، بيروت، 1966م.
35. حمادة، سعيد، النظام الاقتصادي في العراق، بيروت، 1938م.
36. الحيدري، إبراهيم، عنوان المجد في بيان أحوال بغداد والبصرة ونجد، بغداد، بلا.
37. خدوري، مجيد، نظام الحكم في العراق، ترجمة المؤلف وفيصل نجم الدين، بغداد، 1946م.
38. الخطّاب، رجاء حسين، عبد الرحمن النقيب، حياته الخاصة وآراؤه الشخصيّة وعلاقته بمعاصريه، بغداد، 1984م.
39. خيّاط، جعفر، صورة من تاريخ العراق في العصور المظلمة، بيروت، 1971م.
40. دراور، الليدي، في بلاد الرافدين صورة وخواطر، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، ط1، 1961م.
41. ديولافوا، رحلة ديولافوا إلى العراق، سنة 1881، ترجمة علي البصري، بغداد، 1958م.
42. رامزو، أرنست، آ، تركيا القناة وثورة 1928، ترجمة صالح احمد العلي، بيروت، 1960م.
43. رؤوف، عماد عبد السلام، الأسرة الحاكمة ورجال الإدارة والقضاء في العراق في القرون المتأخرة، بغداد، 1992م.
44. ستيوارت، دمزوند، تاريخ الشرق الأوسط الحديث، ترجمة زهدي جار الله، بيروت، 1974م.
45.سركيس، يعقوب، مباحث عراقيّة في الجغرافيّة والتاريخ والآثار وخطط بغداد، القسم الثاني، بغداد، 1948م.
46.سعيد، أمين، الثورة العربية الكبرى، القاهرة، 1935م.
47.سلوكيت، بيتر، التفسير الطائفي للسكان في العراق، البصرة، 1980م.
48.الشيخلي، السيد محمد رؤوف السيد طه، مراحل الحياة في الفترة المظلمة وما بعدها، البصرة، 1972م.
49. صالح، زكي، بريطانية والعراق حتى عام 1914م، بغداد، 1968م.
50. صالح، زكي، مقدمة في دراسة العراق المعاصر، بغداد، 1953م.
51. الطاهر، عبد الجليل، العشائر العراقيّة، بيروت، 1972م.
52.طاوزند، تشارلس، مذكرات الفريق طاوزند، ترجمة الدار العربيّة للموسوعات، 1986م.
53. العابد، صالح جاسم، موقف بريطانيا من النشاط الفرنسي في الخليج العربي (1798-1810)، بغداد، 1979م.
54. العزّاوي، عباس، تاريخ الضرائب العراقيّة، بغداد، 1958م.
55. العزاوي، عباس، تاريخ العراق بين احتلالين، بغداد، 1956م.
56. عقراوي، متي، العراق الحديث، بغداد، 1936م.
57. العُمَر، فاروق صالح، المعاهدات العراقيّة - البريطانيّة وأثرها في السياسة الداخلية (1922-1948م)، بغداد، 1977م.
58. العمري، المصيب محمد طاهر، تاريخ مقدرات العراق السياسيّة، المجلد (1)، الموصل، 1924م.
59. عوني، فاضل، شرح نظام دعاوى العشائر المدنية والجزائية، لسنة 1918م، وتعديلاتها، بغداد، 1955م.
60. فرج، لطفي جعفر، عبد المحسن السعدون ودوره في تاريخ العراق السياسي المعاصر، ط2 بغداد، 1980م.
61. فريزر، جيمس بيلي، رحلة فريزر إلى بغداد، ترجمة جعفر خياط، بغداد، 1964م.
62. فلانين، الحاج ريكان، عرب الأهوار، بغداد، 1966م.
63. قلبي، هاري سنت جون، أيام قلبي في العراق، ترجمة جعفر خياط، بيروت، بيروت، 1950م.
64. فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1983م.
65. فوستر، هنري، نشأة العراق الحديث، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1989م.
66.الفيّاض، عبد الله، الثورة العراقيّة الكبرى 1920م، بغداد، 1963م.
67. فيضي، سليمان، في غمرة النضال، مذكرات سليمان فيضي، بغداد، 1952م.
68.كوتلوف، ل. ن، ثورة العشرين الوطنية التحررية في العراق، ترجمة عبد الواحد كرم، بغداد، 1985م.
69. الكعبي، كريم علكم، التراث الشعبي في ميسان، بغداد، 1987م.
70. كوك، ريجارد، بغداد مدينة السلام، ترجمة مصطفى جواد وفؤاد جميل، بغداد، 1967م.
71. لوريمر، ج. ج، دليل الخليج، القسم التاريخي، ترجمة مكتب أمير دولة قطر، بلا.
72. لوريمر، ج. ج، دليل الخليج، القسم التاريخي، ترجمة مكتب أمير دولة قطر، بلا.
73. لنشوفكي، جورج، الشرق الأوسط في الشؤون العالمية، ترجمة جعفر خياط، بغداد، 1965م.
74. لونكريك، ستيفن همسلي، العراق الحديث (1900-1950م)، ترجمة سليم طه التكريتي، بغداد، 1988م.
75. ماكسويل، كافن، قصبة في مهب الريح، ترجمة صادق التميمي، بيروت، بلا.
76. محمد، علاء جاسم، جعفر العسكري ودوره السياسي والعسكري في تاريخ العراق حتى عام 1936م، بغداد، 1987م.
77. الملّاح، عبد الغني، تاريخ الحركة الديمقراطية في العراق، بغداد، 1975م.
78. منتشاشفيلي، ألبرت. م، العراق في سنوات الانتداب البريطاني، ترجمة هاشم صالح التكريتي، بغداد، 1978م.
79. النبهاني، محمد بن خليفة، التحفة النبهانية في تاريخ الجزيرة العربيّة، القاهرة، 1322هـ.
80. النجّار، سليم موسى، الإدارة العثمانيّة في ولاية بغداد من عهد الوالي مدحت باشا إلى نهاية الحكم العثماني (1869-1917م)، ط1، القاهرة، 1991م.
81. النجّار، مصطفى عبد القادر، التاريخ السياسي لإمارة عربستان العربية (1897-1925م)، القاهرة، 1971م.
82. الندواني، عبد الكريم، تاريخ العمارة وعشائرها، بغداد، 1961م.
83. نديم، شكري محمود، حرب العراق (1914-1918م)، بغداد، 1974م.
84. نظمي، وميض عمر، ثورة العشرين، الجذور السياسيّة والفكريّة والاجتماعيّة للحركة القوميّة العربيّة الاستقلالية في العراق، مركز دراسات الوحدة العربيّة، ط1، بغداد، 1985م.
85. نعمة، كاظم، الملك فيصل الأول والانكليز والاستقلال، ط2 بيروت، 1988م.
86. النفيسي، عبد الله فهد، دور الشيعة في تطور العراق السياسي، ترجمة المؤلف، بيروت، بلا.
87.نوار، عبد العزيز سليمان، المصالح البريطانيّة في انهار العراق (1600-1914م)، القاهرة، 1968م.
88. الهاشمي، طه، حرب العراق، بغداد، 1928م.
89. الهاشمي، طه، جغرافية العراق، ط2 بغداد، 1936م.
90. الهلالي، عبد الرزاق، الإقطاع والديوان في العراق، القاهرة، 1946م.
91. الوردي، علي، دراسة في طبيعة المجتمع العراقي، بغداد، 1965م.
92. الوردي، علي، لمحات اجتماعية من تاريخ العراق الحديث، بغداد، 1971م.
93. ويلسون، آرنولد. تي، بلاد ما بين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، 1991م.
94. ويلسون، آرنولد. تي، بلاد ما بين النهرين بين ولائين، ترجمة فؤاد جميل، بغداد، 1992م.
95. ويلسون، آرنولد. تي، الثورة العراقيّة، بيروت، 1971م.
96. يونغ، غافن، العودة إلى الأهوار، ترجمة ضياء شكارة، بغداد، 1990م.
1. Barker, A, j, Neglected war, Mesopotamia, (1914-1918) ، London, 1967.
2. Blunt, lady Aunn, Beduin tribes of the Euphrates, London, 1968.New publication.
3. Cruttwell, A history of the Great War, Oxford, 1969.
4. Field, Henry, The Lower Euphrates, Tigris, Region, London, Without.
5. Graves, p The Life of Sir Percy Cox, London, 1941.
6. Haldane, A, L, The Insurrection In Mesopotamia, Endinburgh, 1922.
7. Ireland, W, P Iraq, A study In Political Development, London, 1937.
8. Jamali, M, F, The New Iraq, London, 1934.
9. Main, M, A, Erenst, Iraq from Mandate to Independence, London, 1935.
10. Moberly, F, J, Official, History, The Compaign in Mesopotamia, (1914-1918)، History of the Great War Based on Official Documents, His, Majesty Stationary Office, London. (1923-1927) ، Vol.1.
(208)11.Monroe. Elizabith, Britains Moment in the Middie East (1914-1956) ، London, 1963.
12. Sandes. E, W, C In Kut and Captivity with the Sixth Division, London, 1919.
13. Sluglet. peter, Britain in Iraq (1914-1932) ، London, 1976.
14. Willson. A, T, Loyalties Mesopotamia (1919-1920) ، Vol.11، Oxford, 1936.
15. Willsom. M, V, ston, Britain and Arabs State A survey of Angle - Arab Relation,1920- 1924، London, 1948.
1. Cuinet, Turoie Dasie Geographi Administrative, Vol.3، Paris, 1894.
1. Oppenheim, Max Freinher. Die Beduine Bond, III, Wiesbaden, 1952
1. الأدهمي، محمد مظفر، الحركة البرلمانيّة العثمانيّة وعلاقاتها بانتعاش بذور الحركة القوميّة العربيّة، بحث في مجلة آفاق عربيّة، العدد السادس، شباط، 1977م.
2. الحلو، صادق ياسين، التحدي الأوربي السياسي والفكري، بحث ضمن كتاب العراق في مواجهة التحديات، بغداد، 1988م.
3. رؤوف، عماد عبد السلام، المدينة العراقيّة، بحث في كتاب حضارة العراق، بغداد، 1985.
4. سعيد، أبو طالب محمد، تطور البحث التربوي من أجل التخطيط للتعليم الابتدائي في العراق، خلال الفترة (1922-1972م)، بغداد، 1973م.
5. العابد، صالح محمد جاسم، النظام الإداري من عهد الاحتلال المغولي حتى عهد السيطرة العثمانية (1258-1534)، بحث في كتاب حضارة العراق، بغداد، 1985م.
6. Moosa, Matti, The Iraq - Iran War, Historical Analysis, Basrah, 1988.
(209)1.جريدة الزوراء، الأعداد (105، 1010، 1087، 1219)، 1289هـ، 1292هـ، 1292هـ، 1295هـ، 1302هـ.
2. جريدة صدى بغداد، العدد (159)، 1912م.
3. جريدة الأوقات البصريّة، العدد 274، 1919م.
4. جريدة العراق، الأعداد (12,266،953،1157)، 1930، 1921، 1923، 1924م.
5. جريدة الاستقلال، الأعداد، (7،372)، 1920، 1924م.
6. جريدة الوقائع العراقيّة، العدد104، 1923م.
1. مجلة لغة العرب، بغداد، السنة الثالثة، 1914م.
2. مجلة الهدى، العمارة، السنة الثالثة، 1913م.
3. مجلة وادي الرافدين، بغداد، الجزء الخاص بمحافظة ميسان، 1949م.
4.مجلة التراث الشعبي (لمحافظة ميسان)، 1971م.
5. مجلة آفاق عربية، بغداد، 1977م.
1. مقابلة مع المحامي خالد عبد الرحيم السوداني، 13/7/1999م.
2. مقابلة مع الشيخ مهاجر علي شياع شيخ عشيرة السواعد (الكورجة) 13/3/2000م.
3. مقابلة مع السيد نعيم زغير حرز، أمين شؤون طائفة الصابئة المندائيين في العمارة 13/11/1999م.
4. مقابلة مع الأستاذ جبار الجويبراوي (مؤرخ)، 16/7/2000م.
1. ar.m.wikipedia.org/w/index.php?title=المشروطية_الثانية&wprov=rarw1
(210)