تأليف :
د. محمّد فنائي اشكوري
ترجمة:
حسن علي مطر الهاشمي
فهرس المحتويات :
الفصل الأول: العلم وأقسامه
العلم
تعريف العلم
علمنا بالعالَم الخارجي
علمنا بالصوَر العلميّة
التقسيم الأول للعلم
المعلوم بالذات والمعلوم بالعرَض
اللحاظ الآلي واللحاظ الاستقلالي
أقسام العلم الحضوري
الفصل الثاني: أقسام العلم الحضوري، العلم بالنفس
1. علم المجرّد بذاته
أ. علم الإنسان بنفسه
ب. علم الواجب بذاته
ج. علم سائر الجواهر المجرّدة بذواتها
د. المادّة والشعور أو العلم الذاتي
هـ. الأعراض والعلم
الفصل الثالث: أقسام العلم الحضوري، العلم بالغير
2. علم النفس بشؤونها
أ. العلم بالصوَر الذهنيّة
ب. علم النفس بأفعالها
ج. علم النفس بانفعالاتها
د. علم النفس بقواها
هـ. العلمُ بالعلمِ
3. علم العلّة بالمعلول
رأي شيخ الإشراق السهروردي
رأي الخواجة نصير الدين الطوسي
في الحكمة المتعالية
نقطةٌ أخرى
تجرّد المعلوم
نقد وتقييم
4. العلم الحضوري للمعلول بالعلّة
القسم الأول: معرفة اللّٰه والإيمان الفطري للإنسان به
القسم الثاني: معرفة اللّٰه والفطرة الإلهيّة في جميع الكائنات
آيات الشهادة
آيات النطق
آيات التسبيح
إطاعة السماوات والأرض
إخبار الأرض
بحث وتقييم
الفلسفة وعلم المعلول بالعلّة
تقييم مقتضب
هل يَعلمُ كلُّ معلومٍ بعلّته بالعلم الحضوري؟
سريان العلم في جميع الموجودات
العلم الحضوري في الموجودات ذات الشعور
علم المعلولات المتكافئة في الرتبة ببعضها
الفصل الرابع: الاختلاف بين العلم الحضوري والعلم الحصولي
ملاك العلم وتعريفه
العلم ذو مراتب
بيانٌ آخر في تفسير الجزئيّة
العلم حضوريٌّ مطلقًا
رأي العلّامة الطباطبائي
الفصل الخامس: بداية المعرفة
الاتجاه الحسّيّ والتجريبيّ
العقلانيّون
رأي الفلاسفة المسلمين
ابن سينا
نصير الدين الطوسي
فخر الدين الرازي
استدراك وتعميق
الفصل السادس: كيفيّة ظهور وازدياد التصوّرات
أقسام المفاهيم الكليّة
المعقولات المنطقيّة الثانية
المعقولات الفلسفيّة الثانية
نظرية العلّامة الطباطبائي
طريقة مبنائيّة الخيال في نظريّة العلّامة الطباطبائي
تفسير وإيضاح كلام العلّامة الطباطبائي في نهاية الحكمة
طريق آخر
كيفيّة انتزاع مفهوم الوجود والعدم
الفصل السابع: التصديقات الأوليّة
القضايا الأوليّة
كيفيّة إدراك القضايا الأوليّة
ضرورة نقطة البداية في المعرفة
هل المعارف الأولى يقينية؟
أقوائيّة المعارف السابقة
نقد نظريّة رايشنباخ
البديهيّات
المحسوسات
المجرّبات
الفصل الثامن: الأحكام العامّة للوجود
مفهوم ما بعد الطبيعة
الواقعيّة والوجود
بداهة مفهوم الوجود
الوجود والماهيّة
أصالة الوجود
البنية التشكيكيّة والنوريّة للوجود
وحدة الوجود وكثرته
الفصل التاسع: أقسام الوجود
أقسام الوجود الثلاثة
الوجود المستقل والربطي
التقسيمات المعرفيّة والمنطقيّة
هل يقع الوجود محمولًا؟
إشارة إلى تقسيماتٍ أخرى للموجود
الفصل العاشر: العلّيّة والضرورة
أصل العلّيّة
مفهوم العلّة والمعلول
جذور احتياج الأشياء إلى العلّة
كيفيّة وصولنا إلى العلّيّة وانتزاع مفاهيم العلّة والمعلول
كيفية العلّيّة والارتباط بين العلّة والمعلول
التلازم بين العلّة والمعلول أو بين الضرورة العلّيّة والمعلوليّة
العلّيّة والاختيار
تقييم هذه النظريّة
أصل عدم القطعيّة في الفيزياء الكمّيّة
كلمة المركز
لم يَعُد مفهوم الاستراتيجيّة في عالمنا المعاصر محصورًا في إطار الخرائط العسكريّة، أو التخطيطات السياسيّة، أو الحسابات التجاريّة؛ بل إنّ كلّ ساحةٍ حَيَويّة تَتَطلّب تدبيرًا للمستقبل، وإدارةً للتحدّيات، ورسمًا لآفاقٍ جديدة، باتت مضطرّة، لا محالة، إلى تَبنّي نهجٍ استراتيجيّ رصين. وفي خضمّ ذلك، أضحت مجالات الدين والثقافة والاجتماع - التي تتعرّض لتلاطم أمواج التيّارات الفكريّة المتنافسة والتحوّلات العالميّة المتسارعة - بحاجة ماسّة، أكثر من أيّ وقتٍ مضى، للانتقال من موقع ردود الأفعال الانفعاليّة والجزئيّة، إلى صدارة المبادرات التأسيسيّة والمدروسة.
وانطلاقًا من إدراك هذه الضرورة الحَيَويّة، وسعيًا لصيانة الثغور العقائديّة، تأسّس «المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة» التابع للعتبة العباسيّة المقدّسة في النجف الأشرف؛ ليكون بمثابة مرصدٍ ذكيّ يترصّد التحوّلات الفكريّة والثقافيّة بدقّة، ويعمل على صياغة الخرائط الاستراتيجيّة في حقل المعرفة الدينيّة. وتتجسّد الرسالة الكبرى لهذه المؤسّسة في إعادة قراءة التراث الإسلاميّ العظيم برؤية معاصرة، والإجابة عن الشبهات الناجمة عن تحوّل النماذج المعرفيّة العالميّة من الإيمان بالغيب إلى الرؤية المادّيّة، فضلًا عن تزويد نُخَب العالم الإسلاميّ بسلاح المنطق والاستدلال؛ لمواجهة الغزو الناعم للمدارس والأفكار المنحرفة.
وقد أثمرت هذه الجهود، بفضل الله، عن تأليف ونشر ما يربو على (300) عنوان من الكتب والمجلّات التخصّصيّة، التي غطّت مساحةً واسعةً من الموضوعات الحيويّة، أمثال: الكلام والعقائد، ونقد الاستشراق، والاستغراب ونقد الفكر الغربيّ، وتاريخ العلوم الإسلاميّة، ودراسات في المنهج، وفلسفة العلم ونظريّة المعرفة، ودراسات المرأة والأسرة، ونمط الحياة، وتاريخ الاستعمار، والفكر الإسلاميّ المعاصر.
ويرمي المركز الإسلاميّ من خلال نشر هذه الآثار إلى وضع نصوص بين يَدَي النخبة الحوزويّة والأكاديميّة، تمتلك القدرة على مواجهة تحدّيات وتعقيدات الإنسان المعاصر، وتكون خطوة في طريق تبيين المعارف الإلهيّة وتعميق المعتقدات الدينيّة في عالم اليوم، وذلك بالاستعانة بآراء كبار المفكّرين وأصحاب النظر في حقل الدراسات الدينيّة.
وفي هذا السياق، وبُغية تأصيل المباحث المعرفيّة والفلسفية من منظور إسلامي، بادر المركز إلى إعداد ونشر مجموعة بحثيّة موسومة بـ «سلسلة دراسات ابستمولوجية»، لتكون محاولةً جادّة للمواجهة العلميّة مع التحدّيات العميقة التي يواجهها الفكر الدينيّ أمام مناهج المعرفة الحديثة وموجات التشكيك المتزايدة.
***
لقد احتلّت الأبحاث المعرفية والإبستمولوجية مكانة جوهرية في الفلسفات الحديثة، لا سيما منذ عهد رينيه ديكارت وحتى إيمانويل كانط ومن تلاهم، بحيث انحصرت الفلسفة في بعض هذه المدارس بعلم المعرفة والإبستمولوجيا. وعلى الرغم من الجهود الكثيرة المبذولة طوال القرون الأخيرة، لم تتمكن الفلسفة الحديثة من تقديم جواب مقنع عن الأسئلة الجوهرية والأساسية حول المعرفة، ولا يزال اعتبار المعرفة الإنسانية مغمورًا في هالة كبيرة من الشك والغموض. فما زالت الشبهات القديمة والحديثة، والتشكيكات المتنوعة، تزعج أذهان الفلاسفة بشدة، ويقضّ الحضور الظاهر والمستور للنزعة التشكيكية والمثالية والنسبية مضجع هذه الفلسفات بنحو عميق.
في الفلسفات التقليدية الإسلامية والغربية، تم تناول مسألة العلم أيضًا، إلا أن المهمة الأصلية للفلسفة كانت البحث في أحكام الموجود بما هو موجود، مع بذل المزيد من الاهتمام بأنطولوجية العلم. وفي ظل الانهيار الاعتقادي والمعرفي الذي خلفته النزعات التشكيكية، برزت الحاجة الماسة إلى البحث عن نقطة ارتكاز وحجر زاوية متين في بناء المعرفة البشرية والتأسيس لها.
ومن هنا، يتألق مبحث «العلم الحضوري» بوصفه الموضوع الأكثر جوهريّةً وأصالة في بحث المعرفة، ونقطة البداية الحقيقية للمعرفة البشرية التي يجب بحث تداعياتها ونتائجها. إن نظرية العلم الحضوري، رغم سابقتها في الفلسفتين الإسلامية والغربية، قلما تم البحث التفصيلي عن ماهيتها والتأكيد على نتائجها المعرفية والأنطولوجية كما ينبغي. ويؤكد الفكر الفلسفي الإسلامي أنه لا يمكن حل المسائل المعرفية المعقدة، والخروج من نفق الشك المطلق، إلا بالاستناد إلى هذا الأصل الأصيل والجذع القويم. إن العلم الحضوري يمثل نقطة الارتكاز والأساس في الإبستمولوجيا وما بعد الطبيعة، والمزيد من التعرّف عليه وتحليل لوازمه ونتائجه يمكن له أن يساعد على حل كثير من الصعوبات الأساسية في المعرفة.
وأما هذا الكتاب فيمثل استجابة فلسفية رصينة لأزمة المعرفة الحديثة، ومحاولة جادة لتأسيس بنيان المعرفة البشرية على أساس متين يقيها من آفة الشك المطلق والسفسطة. ينطلق الكتاب من مبدأ جوهري مفاده أن إدراك حقيقة المعرفة وحل معضلاتها لا يمكن أن يتم إلا بجعل «العلم الحضوري» نقطة الارتكاز والأساس القويم في علمي الإبستمولوجيا وما بعد الطبيعة.
وقد استوعب الكتاب في هيكله تفصيلًا دقيقًا وتدرجًا منهجيًا؛ حيث خُصص القسم الأول لدراسة «العلم الحضوري، أحكامه وخواصه». يبدأ المؤلف في الفصل الأول بتأسيس مفهوم العلم وتقسيماته الأولية، محللًا طبيعة علمنا بالعالم الخارجي والصور العلمية، ومميزًا بوضوح بين العلم الحصولي (الارتسامي) والعلم الحضوري (الإشراقي) من خلال التفريق بين اللحاظ الآلي والاستقلالي والمعلوم بالذات وبالعرض. وينتقل في الفصل الثاني ليفصل في أول أقسام العلم الحضوري، وهو «العلم بالنفس»، مقيمًا البراهين على علم الإنسان بنفسه، وعلم الواجب (الله جل وعلا) بذاته، وعلم سائر الجواهر المجردة بذواتها. كما يتوقف عند استحالة هذا العلم في المادة والأعراض لافتقادها لشرطي التجرد والبساطة الوجودية.
أما الفصل الثالث، فيغوص في بحر «العلم بالغير»، مستعرضًا علم النفس بشؤونها الداخليّة كأفعالها وانفعالاتها وقواها وصورها الذهنية، ثم ينتقل لبيان «علم العلة بالمعلول» مستعرضًا ومقوّمًا آراء كبار الحكماء كالسهروردي ونصير الدين الطوسي ومتبنيات الحكمة المتعالية. ويتوج هذا الفصل ببحث عميق حول «العلم الحضوري للمعلول بالعلة»، متسائلًا عن إمكانية شهود المخلوق لخالقه، ومستندًا إلى الآيات القرآنية والفطرة الإلهية السارية في جميع الكائنات التي تنطق بالتسبيح والشهادة. ويعقد المؤلف الفصل الرابع لبيان نقاط الاختلاف الجوهرية بين العلمين الحضوري والحصولي، مبددًا الشبهات حول إمكانية الخطأ في المعرفة، وموضحًا مراتب العلم وشمولية قاعدة أن كل علم ينتهي في التحليل الدقيق إلى علم حضوري. ولم يكتفِ الكتاب بالجانب الأنطولوجي للعلم، بل عرج في الفصول اللاحقة (من الخامس إلى العاشر) على التداعيات الإبستمولوجية والميتافيزيقية وتطبيقاتها المعرفية. حيث يبحث في «بداية المعرفة» مقيّمًا الاتجاهات الحسية والتجريبية والعقلانية وموقف الفلاسفة المسلمين منها. ثم يحلل كيفية «ظهور وازدياد التصورات» منتميًا إلى أبحاث المعقولات المنطقية والفلسفية الثانية وكيفية انتزاع مفهوم الوجود والعدم. كما يبحث في «التصديقات الأولية» وقيمتها اليقينية. ويختم الكتاب رحلته الفلسفية بالغوص في الميتافيزيقا المتعالية، عبر دراسة «الأحكام العامة للوجود» وأصالته ووحدته التشكيكية، ثم «أقسام الوجود» المستقل والربطي، ليتوج ذلك كله في الفصل العاشر ببحث مفصل حول «العلية والضرورة» وارتباطهما بالاختيار، وصولًا إلى مناقشة أصل عدم القطعية في الفيزياء الكمية ومدى تأثيره على قاعدة العلية الفلسفية.
وفي الختام، نود أن نتوجه بخالص الشكر والتقدير للأستاذ المؤلف الكريم على جهوده في تأليف هذا الكتاب، كما نشكر المترجم القدير على جهده الفعّال في الترجمة وإتمام النص. ونخصّ بالشكر والامتنان الدكتور حسين إبراهيم شمس الدين، المتخصّص في المباحث الفلسفيّة، والذي أخذ على عاتقه مهمّة المراجعة العلميّة والتدقيق للترجمة العربيّة لضمان دقتها التخصصية. كما نعرب عن امتنانا لزملائنا في المركز، خاصة حجة الإسلام والمسلمين الدكتور السيد هاشم الميلاني، رئيس المركز، والأستاذ السيّد محمد رضا الطباطبائي، مدير قسم النشر، على دعمهم وتفانيهم.
نأمل أن يسهم هذا الكتاب في ترسيخ اليقين المعرفي وتعميق الرؤية الإبستمولوجية في مواجهة أمواج التشكيك، وأن يفتح آفاقًا جديدة لروّاد الحكمة والمعرفة، بفضل الله وكرمه، إنه سميع مجيب.
المقدّمة
بِسْمِ الله الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ. الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ والصلاةُ على محمّدٍ خاتم النبيين وآله الطاهرين. قال اللّٰه تعالى: ﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ * وَفِي أَنْفُسِكُمْ أَفَلَا تُبْصِرُونَ﴾ (الذاريات: 20 ـ 21)
يرد في تاريخ الفلسفة أنّ السفسطائيين هم أوّل من دفع بأذهان الفلاسفة من قراءة الطبيعة والعالم الخارج أو المتعلّق المعرفي إلى الخوض في عالم الداخل أو الفاعل المعرفي. لقد كان تأكيد هؤلاء ينصبّ على أنّنا إذا وجب علينا معرفة العالم، فإنّه يجب علينا قبل ذلك وبالضرورة أن نتعرّف على ذات المعرفة، لكي نرى ما إذا كان بمقدورنا حقًا أن نمارس المعرفة أم لا؛ إذ إنّ اعتبار معرفتنا للعالم رهنٌ بمعرفتنا الكاملة والتامّة.
وإثر عودة الحياة للنزعة التشكيكيّة في أوروبا والاهتزاز الذي حدث في المعارف العلميّة والفلسفيّة والدينيّة بفعل التطوّرات والاكتشافات الجديدة في عالم العلم، والانهيار الاعتقادي الذي هيمن على الذهنيّة الأوروبيّة طوال القرون المتمادية حتى اكتسب صبغةً لاهوتيّة؛ أخذ الفلاسفة مرّةً أخرى وعلى نحو أكثر جديّةً يعملون على تقييم المعرفة؛ إذ إنّ الأبحاث المعرفيّة والإبستمولوجيّة في فلسفات تلك الأصقاع قد احتلت المكانة الجوهريّة فيها، وقد بدأ هذا الاتجاه بنحوٍ خاصٍّ من عهد رينيه ديكارت، واشتدّ وقوي عوده في فلسفات ورثته، ولا سيّما إيمانوئيل كانط، والفلسفات التي ظهرت بعد ذلك، بحيث انحصرت الفلسفة في بعض هذه المدارس بعلم المعرفة والإبستمولوجيا.
أيًّا كانت أسباب ودوافع هذا التوجّه، فإنّ هذا الاتجاه في نفسه كان ظاهرةً محمودةً في عالم التفكير، ومنطلقًا صالحًا للتفكير. إنّ التقسيم الدقيق للعلوم وبيان حدودها من خلال الاستناد إلى الأساليب والمناهج الخاصّة بكلّ واحدٍ منها، والخوض والاهتمام بعلم المنهج، قد أدّى إلى تأسيس فلسفة العلم، والاهتمام الجادّ بالذهن، واللغة، والمنطق، والرياضيات، والأمور الأخرى التي يمكن أن تعدّ من النتائج القيّمة لهذا المدخل الجديد.
ولكن على الرغم من ذلك كلّه وعلى الرغم من الجهودة الكثيرة المبذولة من قبل الفلاسفة طوال القرون الأخيرة، لم تتمكن الفلسفة الحديثة من تقديم جوابٍ مقنعٍ عن الأسئلة الجوهريّة والأساسيّة حول المعرفة، ولا يزال اعتبار المعرفة الإنسانيّة تَلُفُّها هالةٌ من الشكّ والغموض. وما زالت شبهات زينون وغورغياس وبيرهون بالإضافة إلى تشكيكات باركلي وديفد هيوم وغيرهم من الإبستمولوجيين اللاحقين تزعج أذهان الفلاسفة بشدّة، ولا يزال الحضور الظاهر والمستور للنزعة التشكيكيّة والمثاليّة والنسبيّة، يقض مضجع هذه الفلسفات بنحوٍ عميق.
إنّ الفلسفات القديمة كانت ترى بداهة بعض القضايا الأصليّة. كما كانت تعتقد بأنّ كثيرًا من المعارف الأخرى بوصفها فرضياتٍ مسلّمةً ولا تحتاج إلى إثبات، وكانت تقيّم المعارف النظريّة على أساس تلك البديهيّات والفرضيّات الثابتة والمتسالم عليها. وفي المرحلة الجديدة تمّ التشكيك بكلّ ما تمّ عدّه في السابق بديهيًّا ومفروغًا عنه، وصار يتمّ مناقشته، ثم تهاوى كلّ ما تمّ بناؤه على أساس تلك البديهيّات، وتمّت المطالبة في بناء التفكير البشري المادّي بصورةٍ وهندسةٍ جديدة.
تتناول الفلسفات التقليديّة الإسلاميّة والغربيّة مسألة العلم أيضًا، بيد أنّ المهمّة الأصليّة للفلسفة البحث في أحكام الموجود بما هو موجود، وفي الأبحاث المرتبطة بالعلم كان يتمّ بذل المزيد من الاهتمام بأنطولوجيّة العلم أيضًا.
إنّ الأبحاث المرتبطة بالمعرفة واسعة جدًا، حيث يتمّ بحث جوانبها وأبعادها المتنوّعة في مختلف الحقول الفكريّة وفي مختلف العلوم، ولكن حتى الإشارة إليها خارجة عن حدود هذه الرسالة. إنّ الغرض في هذه الرسالة هو الخوض في العلم الحضوري بوصفه الموضوع الأكثر جوهريّةً وأصالةً في بحث المعرفة، ونقطة بداية المعرفة البشريّة وبحث تداعياتها ونتائجها. وبعبارةٍ أخرى: سوف نعمل ــ من أجل الخروج من الشكّ والبحث عن نقطة ارتكازٍ وحجر زاويةٍ في بناء المعرفة البشريّة والتأسيس لبناء المعرفة على أساس ذلك ــ على بحث واختبار العلم الحضوري.
إنّ لنظريّة العلم الحضوري سابقةً سواء في الفلسفة الإسلامية أو في فلسفة الغرب، ولكن قلّما تم البحث التفصيلي عن ماهيّة العلم الحضوري والتأكيد على نتائجه المعرفيّة والأنطولوجيّة. لا ندّعي أنّنا سوف نتمكن بهذا البحث من حلّ جميع المعضلات المعرفيّة، ولكن يمكن القول بكلّ ثقةٍ بأنّه لا يمكن حلّ المسائل المعرفيّة المعقّدة إلّا على أساس هذا الأصل الأصيل وهذا الجذع القويم، ومع عدم الالتفات إلى ذلك لا يكون هناك مناص من الشكّ المطلق، ولن يكون هناك أملٌ بحلّ أُحجية المعرفة. إنّ الكلمة الأخيرة في هذه الرسالة هي أنّ العلم الحضوري يمثّل نقطة الارتكاز والأساس القويم في الإبستمولوجيا وما بعد الطبيعة، وأنّ المزيد من التعرّف عليه وتحليل لوازمه ونتائجه يمكن له أن يساعد على حلّ كثيرٍ من الصعوبات الأساسيّة في المعرفة وفي ما بعد الطبيعة. وإنّ كلام سيّد الكائنات القائل: «مَنْ عَرَفَ نَفْسَهُ فَقَدْ عَرَفَ رَبَّهُ» ــ الذي يُشير إلى أهميّة دور معرفة النفس في معرفة سائر الحقائق وحقيقة الحقائق ــ يمكن أن يكون ناظرًا إلى هذا الأمر، وملهمًا لهذه الرؤية أيضًا.
في هذا الكتاب سوف نتعرض على نحو الإجمال لبحث العلم الحضوري وبيان تقسيماته وذكر خصائصه وأحكامه، وسوف نبحث بعض نتائجه الإبستمولوجيّة وما بعد الطبيعية.