ليس ثمّة شكّ في أنّ الإسلام كدين قد حمل معه نظامًا متكاملًا في القيم، فلا يخفى على الباحث الرزين أنّ التشريع الإسلامي قد قدّم للبشريّة نظامًا متكاملًا في التشريعات والقيم، التي كانت على الدوام، أو يفترض فيها أن تكون، دليل المسلم في الحياة، وذلك على أساس أنّ القيم من القضايا المرتبطة في جميع مجالات الحياة، وتبرز على شكل اتّجاهات ودوافع وتطلّعات، وتتمظهر في السلوك الفردي والاجتماعي، وفي المواقف التي تتطلّب ارتباط هؤلاء الأفراد والمجتمعات فكريًّا وعمليًّا على امتداد الحياة وبكل تحدّياتها بمرجعيّة لا يمكن الحياد عنها، وهي بمثابة الأصول المعيارية التي نحكم بها على الأفكار، والأعمال، والموضوعات، والمواقف الفرديّة والجماعيّة، من حيث حسنها وقيمتها والرغبة بها، أو من حيث سوؤها وعدم قيمتها وكراهيتها، أو في منزلة معيّنة بين هذَين الحدين.
ومن خصوصيات النظام القيمي في الإسلام أنّه مضمون ومحفوظ من خلال أصل الوجود الفكري والعقائدي، والمنظومة التشريعيّة والقانونيّة الواسعة في
الدين الإسلامي، وأنّها صادرة عن علم إلهي بواسطة الوحي والأنبياء، محيط إحاطة تامّة بكل شؤون الخلق وحاجاتها الدنيويّة والأخرويّة. وإنّ ارتباط القيم بمنظومة فكريّة وعقائديّة تتمثّل في الإسلام؛ يجعلها تستمدّ قوّتها ورسوخها في النفس منه، إذ لا مجال لفهم التشريعات التفصيليّة بمعزل عن قيمتها الأم المتمثّلة بالبعد العقدي السماوي، التي نستمدّ منه وعلى أساسه رؤيتنا للكون والإنسان.
ولا بدّ من الإشارة هنا إلى أنّنا عندما نتحدَّث عن القيم بهذا المفهوم الواسع والرحب، لا نحصرها بالقيم الأخلاقيّة، وإن شكّلت القيم الأخلاقيّة محور وغاية بعثة النبي الأعظم صلىاللهعليهوآلهوسلم بين أنبياء الله «إِنَّمَا بُعِثْتُ لِأُتَمِّمَ مَكَارِمَ الْأَخْلَاق»؛ وذلك لأن المحتوى التشريعي للنظام الإسلامي، وهو أحكام الشريعة الإسلاميّة؛ يهدف إلى التربية الشاملة للإنسانيّة في كلّ مجالات حياتها ونشاطها، وهذا أعمّ وأشمل من القيم الأخلاقيّة. هذا مع التسليم بأنّ التربية الأخلاقيّة الإسلاميّة هي منهج متداخل مع جوانب التشريع، وفي جميع مجالات الحياة؛ وذلك لأنّ التربيّة الأخلاقيّة في الإسلام إنما تقوم على تزكية النفس، والتحلّي بمكارم الأخلاق لتصبح طاهرة نقيّة، ويكون صلاحها في الفرد عنوان صلاح المجتمع.
وبناءً عليه يتّضح أنّ تحقّق الحياة الطيِّبة في المجتمع يجب أن يترافق مع تحقّق كافّة الأصول والأهداف والقيم والمبادئ التربويّة الإسلاميّة المطلوبة، والحاكمة على تشكيل نمط الحياة الطيّبة، والتي يجب أن تكون شاملةً للأبعاد الإيمانيّة، والاجتماعيّة، والسياسيّة، والاقتصاديّة، والجهاديّة، والجسميّة، والبيئيّة، والجماليّة،
والعلميّة، والإداريّة. ووفقًا لرؤيتنا الإسلاميّة لا مجال لفصل الحياة الطيِّبة بأبعادها ومراتبها كافّة عن الإيمان والعمل الصالح الوارد في القرآن الكريم على نحو التلازم، وإنّ الوصول إلى الحياة الطيِّبة هي المصداق الحقيقي لتسامي الإنسان وقربه من الله تعالى، بل ويشكّل الوصول إلى الحياة الطيِّبة المصداق الحقيقي للغاية من وجود الإنسان، فهي تمثّل أحد تجلّيات القيمة الغائية النهائيّة للحياة أي القرب من الله تعالى والتي لا تتمّ إلّا بالالتزام الكامل بالنظام القيمي الإسلامي، قال الله تعالى:﴿مَنْ عَمِلَ صَالِحًا مِّن ذَكَرٍ أوْ أُنثَىٰ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَنُحْيِيَنَّهُ حَيَاةً طَيِّبَةً وَلَنَجْزِيَنَّهُمْ أجْرَهُم بِأحْسَنِ مَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(النحل: 97). وإنّ النتيجة الطبيعيّة للعمل الصالح والحسن الفاعلي في الحياة الدنيا هي أن يحيا الإنسان حياةً طيبةً.
يعالج هذا الكتاب «نمط الحياة الإسلاميّة وأدواتها المعرفيّة» قضيّة في غاية الأهميّة ترتبط بالأدواة المعرفيّة لنمط الحياة الطيّبة وفق الرؤية الإسلاميّة الأصيلة، حيث درس المؤلّف هذه القضيّة وكلّ ما يرتبط بها، بمنهجيّة علميّة رزينة مكّنته من دراسة المباني والأسس النظريّة للحياة الطيِّبة. ونتقدّم من حُجّة الإسلام الدكتور محمّد كاوياني بخالص الشكر والتقدير والامتنان على هذا الجهد القيم، سائلين الله تعالى أن يديم خدماته للإسلام، وأن ينفعنا بهذا الكتاب.
المركز الإسلامي للدراسات الاستراتيجيّة
يجب النظر إلى المجتمع بوصفه منظومةً، والنظر إلى أجزائه التي يشتمل عليها بوصفها منظوماتٍ فرعية، والنظر إلى الآفات وطرق العلاج من هذه الزاوية أيضًا. كما يجب النظر إلى التعاليم الإسلاميّة بوصفها منظومةً مفهوميّةً أيضًا. إنّ المنظومة مجموعةٌ من العناصر مع مجموعةٍ من الروابط المنتظمة في تعادلٍ حيويّ، وعلى أساس غايةٍ محدّدة، والكل ليس شيئًا أكثر من حاصل الجمع بين الأجزاء.
الاتّجاه التنظيمي:
تشتمل كلّ منظومةٍ على أربعة مفاهيم أساسيّة مشتركة، وهي:
وجود تعاملٍ متبادلٍ بين طرفين أو عدّة أطراف من العناصر المكوّنة لها.
على الرغم من تركيبها من عناصر متعدّدة، بيد أنّها لا تُختزل في حاصل الجمع البسيط، وإنّما تحتوي على كليّةٍ أشمل من ذلك.
تحتوي على تنظيم، وفي التنظيم تتمّ ملاحظة البُعد البنيوي والعملي.
إنّ النظام يشتمل على درجاتٍ من التعقيد، وليس المراد من التعقيد هو تعقيد تلك (المنظومة)، بل المراد منه هو أنّ فهمه يحتاج إلى وقتٍ كافٍ، ودقةٍ عالية، وأسلوبٍ ومنهجٍ مناسبين.
كما أنّ الدراسة الجامعة للمفاهيم الدينيّة، يجب أنْ تجري من خلال الرؤية التنظيمية أيضًا. إنّ المفكّرين والمنظّرين في حقل التربية الإسلاميّة يهتمون بالأخلاق الإسلاميّة، وإنّ علماء الأخلاق يهتمّون بالعرفان الإسلامي، وإنّ العرفان الإسلامي يرتبط بالفلسفة الإسلاميّة ارتباطًا وثيقًا، وإنّ دراسة الفقه الإسلامي تمتزج بالمسائل السياسيّة والاجتماعيّة والاقتصاديّة وما إلى ذلك. وإنّ لكل حقلٍ من حقول العلوم الإسلاميّة مقتضيات واحتياجات في سائر حقول العلوم الإسلاميّة الأخرى، وإنّ أكثر هذه الأبحاث يقوم على أساس الأنثروبولوجيا والأنطولوجيا
الإسلاميّة، ونشاهد كثيرًا من العلاقات العرضية والطولية بين مختلف حقول العلوم الإسلاميّة، وإنّ المفكّرين والمنظّرين من المسلمين يقرّون ويصرّحون بذلك. إنّ هذه الأمور كلّها يمكن بيانها بحسب المصطلح في عبارةٍ واحدة، وهي: يجب النظر إلى المفاهيم والعلوم الإسلاميّة بنظرةٍ تنظيميّة.
إنّ العناصر المكوّنة للنظام المفهومي في الإسلام، تتعامل فيما بينها على نحوٍ شامل؛ فلا يمكن للنظام الاقتصادي في الإسلام أنْ يكون من دون الالتفات إلى النظام السياسيّ فيه، والعكس صحيح أيضًا. وإنّ النظام التربوي في الإسلام يجب أن يتمّ من خلال النظر في النظام الاقتصادي للإسلام كي لا تقع تعارضاتٌ نظريةٌ أو تزاحماتٌ عملية.
إنّ هذا التعامل المتعدّد الأبعاد والأطراف بين الأنظمة الفرعية في الإسلام، لا يمكن إنكاره. كما يوجد هذا التعامل داخل كلّ واحدٍ من الأنظمة الفرعية أيضًا. لا يمكن لنا أنْ نعمل على تنظيم الحقوق الدولية في المنظومة الحقوقية للإسلام، من دون الاهتمام بالحقوق الجزائية في الإسلام، ولا يمكن الحديث عن الحقوق الإسلاميّة بشكلٍ ناجزٍ دون النظر إلى فلسفة الحقوق أبدًا. هناك تعاملٌ متعدّدٌ الأبعاد والأطراف بين جميع العناصر المكوّنة للنظام المفهومي في الإسلام.
إنّ جوهر هذا النظام عبارةٌ عن معرفة، وعن تعبّدٍ متعالٍ جدًا، يؤدّي إلى القرب من الله، وإنّ هذا المستوى من المعرفة والتعبّد إنّما يتحققان في ظلّ مجموع الأنظمة الفرعية في الإسلام. وإن هذه المنظومة في مقام التصديق والعمل (أو الاستعداد للعمل) هي منظومة مترابطة الأطراف أيضًا.
إنّ المفاهيم الإسلاميّة ذات بنيةٍ وآليةٍ منظّمة، ومن الناحية البنيويّة تشتمل على حدود، وتعمل على تميير ذاتها من سواها. وإنّ كلّ قاعدةٍ كليةٍ تعمل على بيانها، تقوم من خلالها بتصوير جانبٍ من تلك الحدود. وإنّ كلّ واحدٍ من حقول الاقتصاد والأخلاق والسياسة والفقه والحقوق والكلام والفلسفة والتربية والتعليم والعلوم الاجتماعيّة وما إلى ذلك، تُعدّ منظومةً فرعية.
إنّ النظام المفهومي (بغضّ النظر عن النظام العيني في الإسلام) يحتوي على معلوماتٍ داخليّةٍ وخارجيّةٍ، ويحتوي على طاقةٍ أيضًا. إنّ المنتج الأولي للمعلومات هو القرآن الكريم والعترة المطهَّرة، والموزّع لها أركان التربية والتعليم، من أمثال المحدّثين والمبلغين للإسلام، والكتب التفسيريّة والروائيّة وما إلى ذلك.
وإنّ الذين يعملون على تحويلها هم المنظّرون في العلوم الإنسانيّة الإسلاميّة؛ إذ يقومون بتحويل تلك المواد الخام إلى موادّ قابلةٍ للجذب. أمّا المستهلكون لها فهم المجتمعات المسلمة والمسؤولون التنفيذيّون فيها. وإنّ ادخار المعلومات في هذا النظام لا يصار فيه إلى عدم التأكيد عليه فحسب، بل هو في الأساس غير قابلٍ
(18)للتأييد أيضًا. وفي الحقيقة فإنّ التوزيع الأكثر والأفضل للمعلومات يعني ادّخارها.
وأمّا المدافعون في هذا النظام المفهومي، فهم المتكلّمون والمحقّقون الإسلاميّون. وإنّ الماكنة المحرّكة هي الدوافع الإنسانية المتعالية، والثواب الأخروي، وعلماء الدين الذين لا يفتأون يذكّرون الناس بهذه الدوافع، ويحدث العلاج بدوره داخل هذه المنظومة أيضًا. إنّ كلّ واحدٍ ممّا تقدّم ذكره يعدّ واحدًا من عناصر هذه المنظومة.
إن الماكنة المحرّكة (الدوافع الإنسانية المتعالية) تعمل على إيجاد حالةٍ من التنافس والسباق في القيام بأعمال البرّ والخير. وإنّ هذا التنافس شيءٌ مطلوبٌ في الأمور الفرديّة والاجتماعيّة.
إنّ كلّ شيءٍ يحدث في حياة البشر إنّما هو اختبارٌ وابتلاء، وإنّ هذه الدنيا ليست للبقاء، وإنّما هي مجرّد مزرعة لا يحين أوان حصاد ثمارها الرئيسة إلّا في عالم آخر، ولا شكّ في أنّ الله سبحانه وتعالى يختبر الإنسان بأمورٍ من قبيل الخوف والنقص في الأرواح وفي الأموال والثمار، فإنّ الدخول إلى الجنة لا يكون إلّا بتحمّل البأساء والضرّاء، وإنّ كلّ شخصٍ يرى نتيجة أعماله حتى لو كانت بمقدار ذرّةٍ من أفعال الخير أو ذرّةٍ من أفعال الشرّ، ولا يمكن لشخص أنْ يحمل أوزار غيره[5]. وكلّ من
يفعل حسنةً يحصل على عشرة أضعافها من الثواب، إلا أنّ الذي يرتكب ذنبًا لن يجازى إلّا بمثله. ويجب أنْ يكون اهتمام الناس الرئيس منصبًّا على أداء التكاليف دون النظر إلى تحقيق النتائج العاجلة؛ فإنّ النصر إنّما يكون من عند الله، وإنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي يهدي الساعين والعاملين من أجله إلى سواء السبيل.
إنّ لهذه المنظومة قيَمها وأضدادها ومعاييرها وآفاتها الخاصة. وكلما ابتعدنا عن هذه المعايير سوف نكون عرضة للآفات، وفي المقابل فإنّ طريقة العلاج تتمثل في العودة إلى تلك المعايير والابتعاد عن الآفات.
كما يجب بحث القسم الأكبر من الآفات وطرق العلاج في إطار المعايير أيضًا، ولكن في الوقت نفسه هناك بعض الآفات الخاصة وطرق العلاج الخاصّة أيضًا التي يمكن بحثها بشكلٍ مستقل. وسوف نكتفي بتعداد بعض هذه المعايير والآفات فقط.
إنّ بعض معايير هذه المنظومة المفهوميّة هي الصلاة والصبر، والشهادة في سبيل الله، كما في قوله تعالى:﴿وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ يُقْتَلُ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أمْوَاتٌ بَلْ أحْيَاءٌ وَلَكِنْ لَا تَشْعُرُونَ﴾(البقرة: 154)، والصوم، والصبر، والصدق، والعبادة،
والإنفاق، والاستغفار في الأسحار، والهجرة في ظروف خاصّة، وحفظ الشعائر الدينيّة، والعدل والإحسان ورعاية الأهل وذوي القرابة، والنهي عن الفحشاء والمنكر والبغي[4]، والاستفادة المباحة من النعم والملذات الدنيويّة، وابتغاء الأمور الطاهرة، والإيمان والعزّة، والاعتقاد بالمبدأ والمعاد والشفاعة، والدخول في ولاية الله، والوفاء بالعهد، والكثير من المعايير الأخرى التي لها ارتباطٌ مباشرٌ بمعرفة الآفات وعلاجها.
وممّا يعدّ من الآفات في هذه المنظومة، هو التصرّف في أموال الآخرين بالباطل، وأخذ الرشا وأكل الربا، والاهتمام المفرط بالدنيا والمظاهر الدنيوية،
والاستهزاء بالمؤمنين ولا سيّما منهم الذين ليس لهم حظ من الدنيا، وترك الصلاة، والإسراف والتبذير، والتعلق المفرط بالأموال والأولاد، واليأس من رحمة الله، وحرمان النفس من النِعَم الإلهيّة، وبشكل عام جميع تلك الأمور التي ورد النهي عنها في الآيات والروايات.
إن الإنسان مختار، يتحمّل تبعات أعماله، وتعدّ نيّة الإنسان في أفعاله الاختيارية بالغة الأهميّة. لو أنّ شخصًا قام بفعلٍ عن سوء نيّةٍ، فإنّه سوف يُبتلى بذات المقدار من السوء، ولو أدّى هذا الفعل إلى تبعاتٍ خارجيّة، فسوف يكون في ذلك آفة أخرى، وعلاج بعض الآفات يكون بالتوبة والإنابة؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى يقبل التوبة من كلّ عبدٍ خاطئ. وأمّا إذا لم يتب إلى حين موته؛ فلن تقبل منه التوبة.
إنّ العامل العلاجي الآخر الذي يمكن أنْ تترتّب عليه كثيرٌ من الآثار النفسية، هو أنّه لا يتمّ تحميل أيّ شخصٍ أكثر من طاقته وقدرته.
ومن آفات هذه المنظومة، الشيطان، وهوى النفس، والكفّار الذين يرغبون في إضلال المؤمنين، والذنوب التي يقترفها الأشخاص أو الجماعات ويعاقبهم الله تعالى في هذه الدنيا أيضًا. وإنّ بعض الأشخاص يتسببون بفتنة الآخرين. إنّ بعض مفاهيم الآفات في هذه المنظومة، لا يمكن للإنسان أنْ يدركها بعقله، من قبيل: المسائل المرتبطة بالمعاد والجنة والنار والبرزخ وما إلى ذلك.
إنّ هذه المنظومة تحتوي على شيءٍ من التعقيد، شأنها في ذلك شأن كلّ منظومةٍ إنسانيّةٍ واجتماعيّةٍ أخرى. وإنْ الإدراك الدقيق والتام لهذه المنظومة يحتاج إلى كثيرٍ من الوقت، وقلّما يمكن لشخص أنْ يدّعي أنه يعرف المنظومة المفهوميّة للإسلام بجميع تفاصيلها على نحوٍ تامّ. إنّ الذي يحتاج إليه الجميع هو الإطار والقوالب
والأنظمة الكلية والمساحات السلوكيّة من الشخصيّة لهم. وبطبيعة الحال فإنّ الحصول على هذا المقدار أمرٌ ممكن. لكي نفهم هذه المنظومة بشكلٍ كاملٍ هناك بالإضافة إلى الوقت حاجة إلى الدقة الكافية والأساليب الأعم من النقلية والعقلية والتجربة العينية، كما هناك في بعض الأحيان حاجة حتى إلى التجارب الباطنية والشهودية أيضًا؛ وعليه فإنّ لهذه المنظومة تعقيداتها الخاصّة. وفي العادة فإنّ الأنظمة من أجل الحفاظ على تكاملها تواجه مسائل مشابهة أيضًا؛ وإنّ كيفية الارتباط مع البيئة، والانغلاق أو الانفتاح النسبيّ للمنظومة، وسلسلة المراتب العملية، وامتلاك المنظومات الفرعيّة، ونوعية المرونة، والاعتدال وإعادة التنظيم، والتنوّع الناشئ من ذات المنظومة، والمسار التكاملي، وما إلى ذلك، يُعدّ من جملة هذه المسائل.
إنّ النظام المفهومي للإسلام نظامٌ منفتح، ويحتوي على مداخل للمعلومات والطاقة، وإنّ دخول أيّ نوعٍ من المعلومات لا يؤدّي إلى توقفه، بل يعبر فوق المعلومات الجديدة، ويكون له مخرجٌ مناسب، وله تعادلٌ حيويّ ومستمر، وله سلسلة مراتب يمكن رسمها على شكل مخروط. وعلى رأس هذا المخروط يقع مفهوم المعرفة الإلهيّة، وفي المرتبة الثانية نصل إلى مفاهيم من قبيل: الأنثروبولوجيا، ومعرفة العالم، والطريق والهادي. إنّ هذه المفاهيم الثلاثة تشتمل على جميع التعاليم
والمواقف الإسلاميّة بشأن العلوم الإنسانية والاجتماعيّة والعلوم الطبيعية والعلوم الإلهيّة. لو أننا بحثنا كلّ واحدٍ من هذه الأمور الثلاثة بأساليب متعدّدةٍ تتناسب معها، فسوف نحصل على حقولٍ علميةٍ متعدّدةٍ، وفي الطبقة اللاحقة نذكّر بالعلوم الإسلاميّة الأصلية، وإنّ هذه العلوم الفقه والكلام والأخلاق والعرفان والفلسفة والطبيعيات. ونعتقد أنّ كلّ واحدٍ من هذه العلوم يتأثر بجميع عناصر الطبقة السابقة، وله دورٌ حاسمٌ في جميع أفعالنا الفرديّة والاجتماعيّة. ومن مجموع المعطيات السابقة والإرشادات الحاصلة في هذه الطبقة، نعمل على تنظيم وتبويب الأنظمة الإسلاميّة لكلّ واحدٍ من العلوم السلوكية، من قبيل: الإدارة والتربية والتعليم،
والسياسة، والاقتصاد، والعلوم الاجتماعيّة وما إلى ذلك. إنّ الرسم البياني رقم: (1/ 1) يبيّن هذا المطلب باختصار شديد.
في الرسم البياني رقم (1/ 1) تمّ التأكيد على هذه النقطة، وهي أنّ هناك في النظام المفهومي للإسلام سلسلة من المراتب، ومن طريق هذه السلسلة من المراتب ترتبط جميع سلوكيّاتنا الفرديّة والاجتماعيّة بهذا المفهوم الإسلامي الرئيس، ونعني به علم الإلهيّات.
هناك في هذا النظام المفهومي نوعٌ من المرونة والاعتدال أيضًا، لا سيّما في علوم من قبيل: الفقه والكلام، وبما يتناسب مع المتغيّرات الثقافيّة والاجتماعيّة في كلّ عصرٍ وفي كلّ عام، يتم طرح موضوعاتٍ جديدة، وتعمل هذه العلوم على استعراضها، وتقدّم معطياتٍ متناسبةً مع مجموع هذه المنظومة المفهوميّة. إنّ وجود الاجتهاد في الإسلام يؤكّد هذا المعنى، وإنّ المرونة والاعتدال المستمر يقوم على أساس الأطر الثابتة والمسلّمة في هذا النظام. في سياق ونتيجة هذه المرونة نشهد تنوّعًا فيها، كما نرى بوضوح مسارًا تكامليًّا في التعامل مع المحيط أيضًا. إنّ الفقه المعاصر يختلف عن الفقه الذي كان قبل قرنين من الزمن، وكذلك فإنّ الفقه في تلك الحقبة يختلف عن الفقه في صدر الإسلام إلى حدّ كبير، وهو في تكاملٍ مستمرٍ يومًا بعد يوم، كما أنّ الموضوعات الكلامية بدورها تطوي هذا المسار التكاملي أيضًا، كما كان لسائر العلوم الإسلاميّة ولا يزال مسار تكاملي في الجملة أيضًا.
وباختصار يمكن القول: إنّ هذه المنظومة المفهومية بدورها مثل كثيرٍ من المنظومات المفهوميّة أو العينيّة الأخرى تواجه مسائل مماثلة وتتعاطى معه، وتشقّ طريق التكامل نحو غايتها المنشودة.
إنّ علم النفس الاجتماعي ينظر إلى كلّ المجتمع بوصفه منظومةً عينيّةً، وظهر على نحو حالمٍ إلى حدٍّ كبير، وقد ضع جميع الإصلاحات الاجتماعيّة نصب عينيه، ولكنه سرعان ما التفت إلى طموحه المبالغ فيه، ونتيجة لذلك فقد اقتنع بالبقاء في مستوى المدارس. إنّ هذا الادّعاء لا يتناسب مع علمٍ، ومع مدرسةٍ علميّةٍ هي
(28)حصيلة أفكار وجهود عدد قليلٍ من العلماء، ولكنّه يتناسب مع مدرسةٍ سماويّةٍ منبثقةٍ عن الوحي الإلهي، وكان لها حضورٌ وظهورٌ جادٌّ في مراحل من التاريخ وكان لها ظهورٌ جادٌّ في بعض المجتمعات أيضًا. يمكن لهذه المدرسة أنْ تكون منظومةً مفهوميةً جامعة. إنّ الإسلام دين هدايةٍ وله بوصفه الوجدان اليقظ في المجتمع الإسلامي حضورٌ في المحيط الطبيعي للمنظومات الفرعية، ويجعل من إصلاح تلك المنظومات الفرعية هدفًا له، ويترك تأثيره في الأفراد من طريق تلك الأنظمة.
إنّ لآية الله الشهيد السيِّد محمّد باقر الصدر نظرةً تنظيميّةً إلى المفاهيم الإسلاميّة. ومن مؤلّفاته في ذلك فلسفتنا واقتصادنا ومجتمعنا (الذي لم يكتمل)، وبعض كلماته تعمل على الترويج لهذه الرؤية بوضوح. وفي المنهج التفسيري كان يرى ضرورة التفسير الموضوعي والتوحيدي، وقد عمّم ضرورة هذا النهج على الأبحاث الفقهيّة أيضًا، إذ يقول: «إنّ هذا الاتّجاه لا يتناول تفسير القرآن آيةً فآية... بل تقوم فيه الدراسة القرآنيّة على أساس الموضوعات في حقول العقيدة والاجتماع وغيرهما. فمثلًا نجد الباحث في هذا الاتجاه، يبحث عقيدة التوحيد، أو النبوّة، أو المذهب الاقتصادي، أو سنن التاريخ، أو عن السماوات والأرض، كلّ ذلك في القرآن الكريم، وهكذا. ويستهدف التفسير التوحيدي الموضوعي من القيام بهذه الدراسات، تحديد موقف نظري للقرآن الكريم، وبالتالي للرسالة الإسلاميّة من ذلك الموضوع من موضوعات البحث في الحياة، أو الكون، أو الإنسان... وأكثر ظني أنّ الاتجاه التوحيدي الموضوعي في الفقه بامتداده وانتشاره، ساعد بدرجةٍ
(29)كبيرةٍ على تطوير الفكر الفقهي وإثراء الدراسات العلمية في هذا المجال، بقدر ما ساعد انتشار الاتجاه التجزيئي في التفسير على إعاقة الفكر الإسلامي القرآني عن النمو المكتمل».
إنّ هذا الموقف في مواجهة القرآن الكريم والرجوع إليه ليس مقرونًا بالصمت والسكوت والاكتفاء بالاستماع فقط، وإنّما المفسِّر في هذا الموقف يحاور القرآن، ويتحدّث معه في خصوص الموضوع الذي يبحث عنه، ويهدف من وراء ذلك إلى اكتشاف موقف القرآن الكريم في خصوص ذلك الموضوع. وبعبارةٍ أخرى: نحن نسعى -من خلال مقارنة النصّ القرآني بالأفكار الخاصّة بالحياة اليوميّة- إلى الحصول على النتيجة. وعلى هذا الأساس فإنّ نتائج التفسير الموضوعي لها على الدوام علاقة وثيقة مع كثيرٍ من التجارب البشرية.
إنّ التفسير الموضوعي يعني التحاور مع القرآن الكريم وطرح الأسئلة عليه؛ واستنطاقه ومحاولة الحصول على إجابةٍ منه بغية اكتشاف حقيقة من الحقائق الكبرى في الحياة. لو تمّ تفسير القرآن بهذا الشكل، فسوف يكون هناك إمكانٌ للحصول منه على الإشعاع والعطاء المتجدّد والدائم والإبداع والتجديد أيضًا؛ لأنّ كلمات الله -بصريح القرآن الكريم نفسه- لا نهاية لها.
إنّ البحث الفقهي يجب أنْ يستفيد في البُعد الأفقي من جميع إمكاناته وقدراته في الاتّجاه الموضوعي، إنّ هذه الموضوعيّة في الفقه أو الاتّجاه الموضوعي، يعدّ أسلوبًا ونهجًا متداولًا بين العلماء والفقهاء، وبذلك كانت الحقائق العينيّة في الحياة يتمّ تقديمها إلى الفقهاء على شكل مسائل من قبيل: الجُعالة، والمُضاربة، والمزارعة، والمساقاة، والنكاح وما إلى ذلك، وكان الفقهاء يعملون بدورهم على بحث ودراسة أبعاده لغرض الحصول على المعارف حولها. كما يجب أنْ يشتمل البحث الفقهي في بُعده العمودي على اتجاهٍ موضوعيّ أيضًا. بمعنى أنْ يكون له نفوذٌ وجريانٌ وانتشارٌ وامتدادٌ عمودي. وبعبارةٍ أخرى: يجب على الفقه أنْ يصل إلى النظريات الأساسية وألّا يكتفي بمجرّد القوالب البنائيّة والتشريعات التفصيليّة فقط. إنّ على الفقه أنْ يصل من بين تضاعيف هذه القوالب المحدّدة ومن طريق هذه الأبنية الفوقية إلى سلسلةٍ من النظريات الأساسية التي تبيّن رأي الإسلام.
إنّ مجموع القوانين المرتبطة بكلّ شأنٍ من شؤونٍ الحياة، ترتبط بالنظريات الأساسية مباشرة. وعلى هذا الأساس فإنّ الأحكام والقوانين الاقتصاديّة للإسلام ترتبط بالنظريّة الاقتصاديّة للإسلام والنظريّة الأساسيّة التي يتمّ بيانها بشأن الاقتصاد؛ كما أنّ الأحكام والقوانين الإسلاميّة في حقل الزواج والطلاق والعلاقات بين الرجل والمرأة ترتبط بالنظرية الأساسيّة لهذا الدين بشأن المرأة والرجل ودور كلّ واحدٍ منهما.
ربما تمّ طرح هذا السؤال القائل: ما هي ضرورة الحصول على نظريّاتٍ أساسيّة؟ وما هي الضرورة التي تدعونا إلى بحث هذه النظريات؟ في حين أننا نرى
(31)حتى النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، لم يُبرز هذه النظريات على شكل سلسلةٍ من النظريات المحدّدة والكلية.
والحقيقة هي أنّ بيان وتعيين وإحراز النظريات الأساسية للإسلام، تعدّ ضرورةً أصليّةً وجادّة لا يمكن لنا أنْ نعتبر أنفسنا في غنىً عنها. كما أنّ النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كان يُبيّن هذه النظريّات الأساسيّة أيضًا. وقد أدّى التعاون الواسع والكم الهائل من التواصل بين شعوب العالم الإسلامي وسائر الناس في العالم الغربي، إلى أنْ يجد الإنسان المسلم نفسه في مختلف شؤون الحياة محاطًا بركامٍ كبيرٍ من النظريات؛ وعليه لن يكون ترفًا بيان وتحديد موقف الإسلام من هذه النظريات. ومن هنا سوف يضطرّ إلى البحث في العبارات والنصوص الإسلاميّة، وأنْ يعمل على استنطاقها وتوجيه الأسئلة لها، والحصول على إجاباتٍ منها.
إنّ الإسلام يستوعب جميع أبعاد الحياة. فهو دين يتناسب مع جميع مراحل الحياة وفي جميع الظروف. وإنّ هذا ما تقتضيه النصوص الدينيّة، كما أنّ منهج الاستفادة والاستنباط من النصوص (المنهج الاجتهادي) يوفّر مثل هذه الأرضيّة أيضًا. وإنّ جميع الأسئلة المستحدثة والجديدة قابلةٌ للبحث والجواب ضمن هذا الإطار.
لقد قدّم المفكّرون لذلك تقسيماتٍ متفاوتةً من مختلف الزوايا. ولكن يمكن القول: إنّه لا شيء من هذه التعريفات كامل، فإنْ أردنا الحصول على جامعيّة الإسلام، يجب أنْ ننظر إلى عددٍ من نماذج هذه التقسيمات منضمّةً إلى بعضها؛ وذلك
(32)لأنّ كلّ واحدٍ منها قد تبلور لهدفٍ وغرضٍ خاصّ. وعلى هذا الأساس سوف نشير إلى بعض هذه التقسيمات:
في ضوء القول المشهور والقديم، تقوم تعاليم الإسلام وأهم المفاهيم الإسلاميّة على ثلاثة محاور، وهي: العقائد، والأخلاق، والوظائف العمليّة (العبادات). وسوف نبيّن فيما يأتي كلّ واحدٍ من هذه الأركان باختصار:
إنّ أصول العقيدة الإسلاميّة: التوحيد والنبوّة والمعاد. وعليه فإنّ هذه الأصول الثلاثة هي التي يتكوّن منها نسيج الدين، بمعنى أنّ جميع القضايا الخبريّة والإنشائيّة في هذا الدين، قد اقتبست مفهومها من واحدٍ من هذه الأصول الثلاثة أو جميعها.
التوحيد: إنّ التوحيد يعني أنّ الله سبحانه وتعالى خالق الوجود، وأنّه واحدٌ في الذات والصفات والأفعال، ومن المحال أنْ يكون له نظيرٌ أو شريكٌ في ذلك أبدًا. وفي ضوء تعاليم القرآن الكريم يُعدّ وجود الله سبحانه وتعالى ظاهرًا، وليس في ذلك أيّ شكٍ أو ترديد. وقد ملأت آياته الوجود بحيث إنّ أدنى تفكّرٍ أو تدبّرٍ في أبسط المخلوقات يكفي ليهتدي الإنسان الغافل إلى خالقها.
النبوّة: إنّ مفردة (النبي) مشتقةٌ من مادة نبأ، وإنّما تطلق هذه المفردة على النبي؛ لأنّه يُنبئ ويُخبر عن الغيب. وقد أطلق القرآن الكريم على هذا الإدراك والفهم الغيبي مصطلح (الوحي). إنّ الوحي نوعٌ من توجيه الخطاب من الله إلى الإنسان، وإنّ تحقق النبوّة يتوقف عليه. إنّ الوحي أو الشعور الباطني للأنبياء، لن يعتريه تغيّرٌ أو فسادٌ أبدًا؛ ومن هنا فإنّ جميع الأنبياء عليهمالسلام يتّصفون بالعصمة.
المعاد: الإيمان والاعتقاد بأنّ يوم القيامة حقّ آتٍ لا محالة، وأنّ العباد سيقفون أمام محكمة العدل الإلهيّة حتمًا لكي ينالوا جزاء أعمالهم وما جنوه في هذه الحياة الدنيا من الحسنات والسيئات، وفي نهاية المطاف يدخل الصالحون إلى الجنة، ويدخل الطالحون إلى النار. إنّ إنكار المعاد يؤدّي إلى القول ببطلان الدين الإلهي جملةً واحدة. ومن هنا كان ما يزيد على ربع القرآن الكريم وجانبٌ مهمٌّ من الروايات يرتبط بالمعاد بأشكال مختلفة؛ وعليه لو أنّ شخصًا لم يؤمن بهذه الحقيقة، فسوف تذهب جميع أعماله الحسنة هدرًا، ولن ينتفع منها شيئًا. إنّ الأجل والموت هو المرحلة الأولى في الانتقال إلى عالم الآخر والمعاد. وعليه فإنّ الإنسان لا يفنى
بالموت، وإنّما ينتقل من عالم الدنيا إلى عالم آخر. وبذلك فإنّ الموت هو موعد العودة والرجوع إلى الله سبحانه وتعالى.
سائر الأصول الاعتقادية الأخرى: هناك بعض المسائل، من قبيل: إمامة الأئمّة المعصومين عليهمالسلام بعد النبي الأكرم صلىاللهعليهوسلم، بالإضافة إلى إمكان استفادتها من آيات القرآن الكريم، وتدلّ عليها كثيرٌ من الأحاديث المأثورة صراحة، ولكنّها في الحقيقة لا تمثّل أصلًا مستقلًا. وبالإضافة إلى هذه الأصول الاعتقادية ترد هناك معتقداتٌ أخرى تؤلّف مجموعةً من العقائد المنسجمة التي يمكن الدفاع عنها، ولكن لا يسعنا الخوض فيها هنا.
إنّ الرسالة المهمّة الثانية للإسلام والقرآن هي الأخلاق؛ بمعنى الأصول الأخلاقيّة التي يجب على الإنسان أنْ يجعل حياته متطابقةً ومتوافقةً معها. إنّ المراد من الأخلاق هو أنْ نجعل صفاتنا الداخليّة والخارجيّة منسجمةً مع مجمل هذه المنظومة المفهوميّة. وربما كان التعبير الأقوى الذي يستعمله القرآن الكريم لبيان هذا المعنى هو مفهوم (التقوى)، والذي يمكن تفسيره بالخوف المقرون بتقديس واحترام الله سبحانه
وتعالى؛ حيث تنعكس آثار ذلك على حياة الإنسان وأفعاله وتصرّفاته (وإنْ هذا الخوف ينشأ في الحقيقة من شعور الإنسان بأنّه واقف بين يدي الله عزّ وجل. وإنّ الخطوط العريضة للأخلاق في الإسلام تندرج ضمن الأبعاد الفرديّة والأسريّة، والعلاقات الاجتماعيّة والاقتصاديّة المتنوّعة.
إنّ الخطاب الأساسي للإسلام هو التوحيد، ومن بين مراحله التوحيد في العبادة، يجب بعد القبول القلبي والإقرار اللفظي بالشهادتين عدّ العمل بالأركان مكملًا للتوحيد. إنّ العبادة في مفهومها العام عبارةٌ عن العبودية وامتثال أوامر الله سبحانه وتعالى في جميع الأمور، ويجب -بطبيعة الحال- أنْ يؤتى بالعبادة بقصد التقرّب إلى الله (عزّ وجلّ)، هذا التعبّد هو أسمى وأعلى أسرار العبادة. إنّ العبادة أو الوظائف العملية تمثّل جانبًا مهمًّا من مجموع الأفعال والسلوك، والتي تعرف في الثقافة الإسلاميّة باسم فروع الدين في قبال أصول الدين. وفي التعليمات المتداولة بين الشيعة، يندرج ضمن هذه الفروع: الصلاة، والصوم، والزكاة، والخمس، والحج، والجهاد، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وصولًا إلى البراءة والولاية. وأما عند أهل السُنّة فإنّ بعض هذه الفروع لم تجد حظها من الشرح والتفصيل، ولم يتمّ التأكيد عليه مثل سائر الفروع الأخرى. وقد قبل الأستاذ الشهيد مرتضى المطهري بهذا التبويب أيضًا: إنّ أصول العقيدة هي تلك المسائل التي يجب على الإنسان أنْ يسعى من أجل تحصيل
الاعتقاد بها. وهذه وظيفة تحقيقيّة وعلميّة. إنّ الأخلاقيات عبارةٌ عن الصفات التي يجب على كلّ مسلم أنْ يتحلّى بها، وأنْ يجتنب الاتصاف بأضدادها. وإنّ وظيفتنا في هذا القسم من سنخ مراقبة النفس وبناء الذات. وإنّ الأحكام عبارةٌ عن مفاهيم تتعلّق بالنشاطات الخارجيّة والعينيّة للإنسان، الأعم من الأمور المعاشيّة والمعاديّة والدنيويّة والأخرويّة، والفرديّة والاجتماعيّة.
يذهب أبو حامد الغزالي في كتابه: إحياء علوم الدين، وكيمياء السعادة إلى الاعتقاد بأنّ علوم الدين وشرائط الإسلام تتحقّق ضمن الأمور الآتية: «... عنوان الإسلام معرفة أربعة أشياء: أنْ تعرف حقيقة نفسك، وأنْ تعرف الله سبحانه وتعالى، وأنْ تعرف حقيقة الدنيا، وحقيقة الآخرة. وأركان معاملة الإسلام أربعة، أولها: امتثال أمر الحق، وهو المسمّى بـالعبادة. والثانية: رعاية الأدب في الحركات والسكنات والمعيشة، وهو المسمّى بـالمعاملات (العادات). والثالثة: تنزيه القلب من الأخلاق المرذولة، مثل الغضب والبخل والرياء، وهي التي تسمّى بـالمهلكات، وتشكّل عقبات في طريق الدين. والرابعة: تحلية القلب بالأخلاق الفاضلة، مثل: الصبر والشكر والمحبة و... وهي التي تسمّى بـالمنجيات». وقد عمد أبو حامد الغزالي إلى شرح وتفصيل المعارف الأربعة، ثم قام بعد ذلك ببيان كلّ واحدٍ من هذه الأركان الأربعة ضمن عشرة أصول:
(37)إنّ هذا التبويب على الرغم من اشتماله على مساحةٍ واسعةٍ من تعاليم الإسلام، ولكنّه في الغالب يتحدّث عن المفاهيم الأخلاقيّة، وعن العبادات إلى حدٍّ ما، وأمّا قسم العقائد فهو لا يتناسب مع مفاهيم الإسلام والقرآن الكريم.
لقد عمد السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر إلى تبويب مجموع التعاليم الإسلاميّة ضمن أربعة محاور، وهي: علاقة الإنسان بربّه، وعلاقة الإنسان بنفسه، وعلاقة الإنسان بالآخرين، وعلاقة الإنسان بالطبيعة.
الرسم البياني رقم: 1/ 3: تبويب المفاهيم الإسلاميّة من وجهة نظر السيِّد الشهيد محمّد باقر الصدر
في عام 1369هـ.ش عمد سماحة آية الله الأستاذ محمّد تقي مصباح اليزدي -في إطار نقد التقسيمات والتبويبات الأخرى للمعارف الإسلاميّة- إلى عدّ التبويب المنشود على أساس ومحور (الله)، وقام ببيان هذا التقسيم على نحوٍ طولي (وليس في عرض بعضه) ضمن عشر طبقات؛ بمعنى أنّ تعاليم القرآن كالنهر الجاري والماء المنهمر من مصدر الفيض الإلهي، وبذلك فإنّه لا يمرّ بمرحلةٍ إلّا وقام بريّها (الرسم البياني رقم: 1/ 4).
بالإضافة إلى تقسيمات المنظرين الآنف ذكرها، قام بعض المحقّقين الآخرين بما يتناسب مع موضوع بحثهم بالاهتمام بهذه المسألة أيضًا، من ذلك -مثلًا- أنّ المحقّق والباحث يضع بنية الإسلام والعناصر المؤلّفة له ضمن سبعة موارد، وهي: العلم والمعرفة، والعقائد، والأخلاق، والآداب والسنن، والعبادات والشعائر الدينيّة، والاقتصاد، والتعاليم السياسيّة والحكوميّة. وقد عمد محقّقٌ آخر إلى تقسيم وظائف الإيمان إلى قسمين وهما: الوظائف الفرديّة، والوظائف الاجتماعيّة، ووضع كلّ واحدٍ منهما ضمن ثلاثة أقسام، وهي: الوظائف الروحيّة، والمعرفيّة، والعلميّة.
وهناك باحثٌ ثالث يتعرّض إلى عناصر التدين من زاوية الدين نفسه، ويراه شاملًا للأبعاد المعرفية والعاطفية والعملية. وعمد باحثٌ رابعٌ في تقييم الدين إلى بيان نموذجٍ آخر يحتوي على خمسة أبعاد، وهي: البُعد العقائدي، والنتائج، والبُعد المناسكي، والبُعد التجريبي، والبُعد الفكري. وعمد باحثٌ خامس بدوره إلى التدخّل والتصرّف في تقسيمٍ مشهورٍ بما يتناسب مع موضوع بحثه، وقام ببسطه في أبعادٍ فرعيةٍ أخرى، وشرحه ضمن الرسم البياني رقم: 1/5.
إنّ من بين الجهات الأخرى التي تحظى بالأهمية في نمط الحياة الإسلاميّة، هي أنّ الإسلام ونمط الحياة الإسلاميّة ليس على نحو: كلّ شيءٍ أو لا شيء. بل هو كلٌّ منسجمٌ كبيرٌ جدًا، حيث له كثيرٌ من المراتب الدنيا، وكثيرٌ من المراتب العليا، وإنّ كثيرًا من درجات الإيمان وخصائص المؤمنين من الوضوح بحيث إنّها حتى إذا لم ترد في كلام الله ولا في الروايات، تبقى محافظةً على وضوحها وبداهتها، وقد يعدّها الآخرون خصائص إنسانية، بيد أنّ بعض درجات الإيمان أبعد من ذلك الشيء الذي نعرفه باسم الخصائص الإنسانيّة.
إنّ تناغم الإسلام ونمط الحياة الإسلاميّة يتم فهمه واستنباطه من خلال كثيرٍ من الآيات والروايات، وسوف نشير في سياق البحث إلى بعضها على سبيل المثال.
إنّ الله يأمر المؤمنين بالإيمان مجددًا للإشارة إلى مراتب الإيمان. وقال في وصف المنافقين الذين أحجموا عن الذهاب إلى القتال بحجة عدم معرفتهم طرق الحرب وأساليبها: ﴿هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أقْرَبُ مِنْهُمْ لِلْإيمَانِ﴾(آل عمران: 167). إنّ هذا الآية بدورها تنطوي على رؤيةٍ منسجمةٍ أيضًا.
وهناك كثيرٌ من الآيات التي تشير إلى زيادة الإيمان، وتنطوي بدورها على هذه الدلالة أيضًا، كما في قوله تعالى:﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ وَإذَا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آيَاتُهُ زَادَتْهُمْ إيمَانًا وَعَلَى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ﴾(الأنفال: 2). وفي صدر الإسلام تعرّض بعض المؤمنين إلى التهديد والوعيد من قبل الأعداء، وقد تحدّث الله عنهم بقوله:﴿الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إيمَانًا وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ﴾(آل عمران: 173). وقال الله تعالى أيضًا:﴿وَلَمَّا رَأى الْمُؤْمِنُونَ الْأَحْزَابَ قَالُوا هَذَا مَا وَعَدَنَا اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَصَدَقَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَمَا زَادَهُمْ إلَّا إيمَانًا وَتَسْلِيمًا﴾(الأحزاب: 22). وقال أيضًا:﴿هُوَ الَّذِي أنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ لِيَزْدَادُوا إيمَانًا مَعَ إيمَانِهِمْ﴾(الفتح: 4). وقال الله تعالى أيضًا:﴿وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى﴾(محمد: 17). وقال الله أيضًا:﴿وَيَزِيدُ اللَّهُ الَّذِينَ اهْتَدَوْا هُدًى﴾(مريم: 76).
إنّ هذه الحالة من الانسجام من وجهة نظر القرآن الكريم موجودةٌ في البُعد المقابل
للإيمان أيضًا. بمعنى أنّ للشر وعدم الإيمان درجاتٍ أيضًا، وسوف نشير فيما يلي إلى مثالٍ واحدٍ في هذا الشأن على سبيل المثال دون الحصر، إذ يقول تعالى:﴿وَأمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ فَزَادَتْهُمْ رِجْسًا إلَى رِجْسِهِمْ وَمَاتُوا وَهُمْ كَافِرُونَ﴾(التوبة: 125).
وهناك آياتٌ تدلّ على هذا المعنى بالدلالة الالتزاميّة، من ذلك -على سبيل المثال- قوله تعالى:﴿وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ أُولَئِكَ الْمُقَرَّبُونَ﴾(الواقعة: 10-11). وقد أشار في موضعٍ آخر إلى الدرجات الدنيا، إذ يقول:﴿قَالَتِ الْأَعْرَابُ آمَنَّا قُلْ لَمْ تُؤْمِنُوا وَلَكِنْ قُولُوا أسْلَمْنَا وَلَمَّا يَدْخُلِ الْإيمَانُ فِي قُلُوبِكُمْ﴾(الحجرات: 14). وقد أشار في بعض الأحيان إلى أعلى درجات الإيمان ونعني بذلك الصدق؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى:﴿إنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ﴾(الحجرات: 15). كما أنّ الآيات الكثيرة التي تعمل على تقسيم المؤمنين بعبارة الدرجات، تفيد هذا المعنى أيضًا، كما في قوله تعالى:﴿وَلِكُلٍّ دَرَجَاتٌ مِمَّا عَمِلُوا وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا يَعْمَلُونَ﴾(الأنعام: 132). وكذلك الآيات -التي تضع المؤمنين في مختلف المراتب بملاك اتّصافهم ببعض المزايا- تعدّ من هذا القبيل أيضًا، كما في قوله على سبيل المثال دون الحصر:﴿لَا يَسْتَوِي الْقَاعِدُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ غَيْرُ أُولِي الضَّرَرِ وَالْمُجَاهِدُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ فَضَّلَ اللَّهُ الْمُجَاهِدِينَ بِأمْوَالِهِمْ وَأنْفُسِهِمْ عَلَى الْقَاعِدِينَ دَرَجَة﴾(النساء: 95). وهناك كثيرٌ من هذا النوع من الآيات، ولكننا نعرض عن ذكرها رعايةً للاختصار.
كما لوحظ هذا التناغم والانسجام والترابط في الاهتمام الدقيق من زاوية الروايات أيضًا. فإنّ الروايات لا ترى كفاية الدخول في الإيمان فقط، بل ترى أنّ
للإيمان درجات، وأنّ بلوغ كلّ واحدٍ منها يزيد الإنسان كمالًا إلى كماله. فقد روي في الأثر عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام، أنّه قال في هذا الشأن: «إِنَّ الْإِيمَانَ عَشْرُ دَرَجَاتٍ بِمَنْزِلَةِ السُّلَّمِ يُصْعَدُ مِنْهُ مِرْقَاةً بَعْدَ مِرْقَاة».
وعليه فإنّ الذي يمتلك من الإيمان درجتين لا ينبغي له وصف من يمتلك درجةً واحدةً من الإيمان بعدم الإيمان، وهكذا في المراتب اللاحقة وصولًا إلى المرتبة العاشرة، بل على كلّ مؤمنٍ في أيّ درجةٍ كان أنْ ينظر إلى من دونه في الدرجات نظرة إشفاقٍ وحنوٍّ وأنْ يعطف عليه ليرفعه إلى درجته، وألّا يحمل عليه فوق طاقته فيثقل كاهله: «وَ كَذَلِكَ صَاحِبُ الْعُشْرَيْنِ لَا يَكُونُ مِثْلَ صَاحِبِ الثَّلَاثَةِ الْأَعْشَارِ وَكَذَلِكَ مَنْ تَمَّ لَهُ جُزْءٌ لَا يَقْدِرُ عَلَى أَنْ يَكُونَ مِثْلَ صَاحِبِ الْجُزْءَيْنِ وَلَوْ عَلِمَ النَّاسُ أَنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ خَلَقَ هَذَا الْخَلْقَ عَلَى هَذَا لَمْ يَلُمْ أَحَدٌ أَحَداً». وقال عليهالسلام في موضع آخر: «الْمُؤْمِنُونَ عَلَى سَبْعِ دَرَجَاتِ صَاحِبِ دَرَجَةٍ مِنْهُمْ فِي مَزِيدٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ».
وروي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «الْإِيمَانُ بِضْعٌ وَسَبْعُونَ بَاباً أَكْبَرُهَا شَهَادَةُ أَنْ لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ وَأَدْنَاهَا إِمَاطَةُ الْأَذَى عَنِ الطَّرِيق». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنه قال: «إنّ الإيمان ليبدو لمعةً بيضاء، فإذا عمل العبد الصالحات نما وزاد حتى يبيض القلب كلّه».
وسُئل الإمام الرضا عليهالسلام عن الإيمان والإسلام، فروى عن الإمام الباقر عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّمَا هُوَ الْإِسْلَامُ، وَالْإِيمَانُ فَوْقَهُ بِدَرَجَةٍ، وَالتَّقْوَى فَوْقَ الْإِيمَانِ بِدَرَجَةٍ، وَالْيَقِينُ فَوْقَ التَّقْوَى بِدَرَجَةٍ، وَلَمْ يُقْسَمْ بَيْنَ النَّاسِ شَيْءٌ أَقَلُّ مِنَ الْيَقِينِ، قَالَ: قُلْتُ: فَأَيُّ شَيْءٍ الْيَقِينُ؟ قَالَ: التَّوَكُّلُ عَلَى اللَّهِ، وَالتَّسْلِيمُ لِلَّهِ، وَالرِّضَا بِقَضَاءِ اللَّهِ،وَ التَّفْوِيضُ إِلَى اللَّهِ».
ولا بدّ من الالتفات -بطبيعة الحال- إلى أنّ تعيين عددٍ محدّدٍ لدرجات الإيمان في الروايات لا حصر تلك الدرجات بذلك العدد، وإنّما الغرض منه هو بيان أنّ درجات الإيمان متعددة. ومن هنا نجد في بعض الروايات بيان عددٍ قليلٍ من درجات الإيمان وفي بعضها الآخر بيان عددٍ أكبر أيضًا.
كما أنّ الأبحاث التفسيريّة والكلاميّة تعمل على بيان شكلٍ آخر لهذه المراتب، وممّا قيل في ذلك: إنّ الإيمان على ثلاث مراحل، وهي: علم اليقين، وحق اليقين، وعين اليقين. إنّ (علم اليقين)، يعني أنّ الإنسان يصل إلى وجود مسألةٍ بالأدلة والشواهد، ويحصل له اطمئنانٌ وإيمانٌ بوجودها، كالذي يعلم بوجود النار من خلال رؤيته لآثار النار والدخان. وفي بعض الموارد يتجاوز الفرد مرحلة مشاهدة الآثار ويكون قريبًا من النار ويشعر بحرارتها، بمعنى أنّ حرارة النار تترك أثرًا ملموسًا فيه، وتسمّى هذه المرحلة بمرحلة (حقّ اليقين). وتارة أخرى يذهب إلى أبعد من ذلك ويدخل في بطن النار، وفي هذه الحالة يكون إحساسه بالنار أقوى
بكثير، ويشاهد آثارها بوضوح وعلى نحوٍ كاملٍ في نفسه. وفي هذه المرحلة يعمل الإنسان في الحقيقة على إدخال نفسه في صلب الحقيقة، ويشعر بآثارها على نحو تام، وتسمّى هذه المرحلة بـ(علم اليقين).
وعلى هذا الأساس فإننا نذهب إلى الاعتقاد بأنّ نمط الحياة الإسلاميّة يمكن، بل من الضروري أنْ يتمّ اختبارها، وبطبيعة الحال فإنّ اختبار نمط الحياة الإسلاميّة يهتم بالبُعد العيني والسلوكي للأفراد ويجعل منه أمرًا كمّيًا، ويتمّ الاهتمام في هذا الاختبار بالأسس الاعتقادية والمعتقدات التأسيسيّة أيضًا؛ إذ لا يمكن لنا وصف أيّ سلوك -بغضّ النظر عن الدوافع والنوايا والمباني المعرفيّة- بـ(الإسلاميّة) أو (غير الإسلاميّة). إنّ ماهية الإسلاميّة تقتضي منا الاهتمام بهذه الأبعاد.
نحن نرى إطار شجرة نمط الحياة بوصفه نقطةً للانطلاق في البحث أمرًا مناسبًا، وذلك للأسباب الآتية:
إنّه قريبٌ من إطار حياة عامّة الناس.
إنّه يُنسب إلى عالم اجتماعٍ عالميّ معروف، ويمكن لنقده ومناقشته أنْ تنطوي على رؤيةٍ عالميّةٍ.
إنّه ينطوي على قابلية تقديم بحثٍ قرآنيّ تفصيليّ أيضًا.
يتمّ في هذا البحث إعادة بناء محتوى شجرة الحياة من وجهة نظر الإسلام بشكل كامل، ونحصل على نظريّاتٍ جديدةٍ في عدد وتشكيل الجذور والجذع (الآراء)، والأغصان (وظائف الحياة).
إنّ تحوّلات مرحلة الطفولة تؤدّي -من وجهة نظر الإسلام- دورًا محوريًّا في بلورة الآراء والتصوّرات العامة الحاكمة على حياة الإنسان. لقد اهتم الإسلام بتكوّن شخصيّة الطفل ونموّها وتطورها من مختلف الجهات، وفيما يأتي نبيّن كلّ واحدة من هذه الجهات باختصار.
إذا أردنا الحصول على أشخاصٍ سالمين يتمتعون بالنموّ والكمال في البُعد الجسدي والروحي، يجب أنْ نهتم بتربيتهم منذ ما قبل مرحلة الولادة؛ فإنّ بعض الروايات تعدّ وجود الأخلاق الفاضلة والصالحة لدى الأفراد نتيجة للولادة من أبوين كريمين، وأنّ الأخلاق الحسنة التي يتحلّى بها الإنسان في الكبر وطوال الحياة، دليلٌ على كرامته وأصالته الأسريّة. إنّ الأصالة الأسريّة تُخضع نمط الحياة الفرديّة لتأثيرها. وإنّ من بين شرائط الزوج المناسب للزواج تلك الخصائص الوراثيّة والجينيّة الصالحة، أو في الحد الأدنى عدم الابتلاء بالخصائص القبيحة والسيئة، كي لا يترك أثرًا سيئًا على الأولاد، فقد روي عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «تَزَوَّجُوا فِي الْحُجْزِ الصَّالِحِ فَإِنَّ الْعِرْقَ دَسَّاسٌ». ويمكن أنْ يكون المراد من العِرق في هذا
الحديث الشريف الخصائص والصفات الشخصيّة التي تنتقل إلى الولد بوساطة الجينات. وكذلك فإنّ جميع الروايات الواردة بمضمون: (اختاروا لنطفكم موضعًا مناسبًا)، تشير إلى هذه الحقيقة.
ورد في بعض الروايات والزيارات أنّ من بين علامات عظمة الأئمّة الأطهار عليهمالسلام، ولادتهم من والدين ومن آباء وأجداد كرام وشرفاء. ومن ذلك ما ورد في زيارة وارث في مخاطبة الإمام الحسين عليهالسلام: «أَشْهَدُ أَنَّكَ كُنْتَ نُوراً فِي الْأَصْلَابِ الشَّامِخَةِ وَالْأَرْحَامِ الْمُطَهَّرَةِ».
وكذلك لكي نحصل من الناحية الجسدية على أولاد سالمين، يجب أنْ نهتم بالجنين حتى قبل إنعقاد النطفة واستقرارها في الرحم وموضع النمو والتكوّن. وإنّ ما ورد في الروايات في خصوص الزواج من الأقارب وإنْ لم يكن متعيّنًا على نحو القطع واليقين، ولكنّه يُشير إلى هذا المعنى. روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «لا تَنْكِحُوا القَرابَةَ القَرِيبَة فإِن وَلَدها يُخْلَقُ ضَاوِيّاً». وعنه أيضًا: «اغْتَرِبُوا لَا تُضْوُوا».
إنّ من بين مصاديق الاهتمام بتربية الطفل قبل الولادة، رعاية الآداب الإسلاميّة أثناء الجماع وانعقاد النطفة؛ وذلك لأنّ الحالات الروحيّة والنفسيّة للوالدين في أثناء الجماع تترك تأثيرًا كبيرًا في الخصائص الجسديّة والروحيّة للطفل. وفي ذلك روي
عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «أَمَا لَوْ أَنَّ أَحَدَهُمْ يَقُولُ حِينَ يَأْتِي أَهْلَهُ: بِاسْمِ اللَّهِ اللَّهُمَّ جَنِّبْنِي الشَّيْطَانَ وَجَنِّبْ الشَّيْطَانَ مَا رَزَقْتَنَا ثُمَّ قُدِّرَ بَيْنَهُمَا فِي ذَلِكَ، أَوْ قُضِيَ وَلَدٌ لَمْ يَضُرَّهُ شَيْطَانٌ أَبَدًا». وألّا يأتي أهله على جنابةٍ وقبل الاغتسال؛ لأنّه إذا كان ولد قد لا يأمن من الجنون. وهناك كثيرٌ من الروايات الواردة في بيان وقت الجماع، وتأثير ذلك على جسم الولد وروحه أيضًا.
إنّ من بين العوامل الأخرى المؤثّرة في تربية الطفل، التي يجب الاهتمام بها ورعايتها، التأثير الذي يتركه طعام الوالدين في النطفة أو الجنين. فقد روي في الأثر عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنه قال لأحد أصحابه: «لَا تَأْكُلِ الْحَرَامَ وَلَا تَلْبَسِ الْحَرَامَ وَلَا تَأْخُذْ مِنَ الْحَرَامِ وَلَا تَعْصِ اللَّهَ لِأَنَّ اللَّهَ تَعَالَى يَقُولُ لِإِبْلِيس﴿وَاسْتَفْزِزْ مَنِ اسْتَطَعْتَ مِنْهُمْ بِصَوْتِكَ وَأجْلِبْ عَلَيْهِمْ بِخَيْلِكَ وَرَجِلِكَ وَشَارِكْهُمْ فِي الْأَمْوَالِ
وَالْأَوْلَادِ وَعِدْهُمْ وَمَا يَعِدُهُمُ الشَّيْطَانُ إلَّا غُرُورًا﴾(الإسراء: 64)». إنّ هذه الآية وهذه الرواية تشيران إلى هذه الحقيقة، وهي أنّ الوالدين إذا لم يجتنبا المال الحرام، فإنّ توجّهات وأنماط حياة أولادهما في المستقبل لن تكون صحيحة.
كما أنّ طعام الأم بدوره يترك تأثيره في جسم الولد وروحه أيضًا. فقد روي في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: « أَطْعِمُوا حَبَالاكُمُ السَّفَرْجَلَ فَإِنَّهُ يُحَسِّنُ أَخْلَاقَ أَوْلَادِكُم». وجاء في الأثر أيضًا: «أَطْعِمُوا الْمَرْأَةَ فِي شَهْرِهَا الَّذِي تَلِدُ فِيهِ التَّمْرَ فَإِنَّ وَلَدَهَا يَكُونُ حَلِيماً نَقِيّاً». وقال في تقوية ذكاء الولد: «أَطْعِمُوا نِسَاءَكُمُ الْحَوَامِلَ اللُّبَانَ فَإِنَّهُ يَزِيدُ فِي عَقْلِ الصَّبِيِّ».
وبشكلٍ عامٍّ إذا أردنا لولدنا من وجهة نظر الإسلام أنْ يكتسب صفات، من قبيل: حسن الخلق، والحلم والصبر، والذكاء والفطنة، وصفاء الباطن ونقاء السريرة، وسلامة النفس، وسلامة الجسد والجمال، فيجب علينا أنْ نتخذ الخطوات اللازمة في هذا الشأن حتى قبل ولادة الطفل. إنّ كلّ واحدةٍ من الصفات المذكورة التي تعدّ منشأً للآراء الكلية الحاكمة على نمط حياة الفرد، تمتدّ بجذورها في الأسرة والخصائص الوراثيّة للإنسان.
إنّ سلامة جسم الطفل وروحه، رهنٌ بإشباع حاجاته العاطفيّة والصحيّة والتغذية السليمة. إنّ هذه السلامة تؤدّي بوصفها واحدةً من جذور شجرة الحياة دورًا محوريًّا في إيجاد الرؤية العامة للطفل تجاه الحياة.
إنّ الحاجة الأولى التي يظهرها الطفل ويُعبّر عنها بعد الولادة مباشرة، هي الحاجة إلى الطعام. ومن وجهة نظر الإسلام يعدّ لبن الأم من أكمل الأطعمة لنموّ الطفل وتقوية بنيانه الجسدي، وأنّه بالإضافة إلى تلبيته لحاجة الطفل الجسدية، يُشبع كذلك حاجاته العاطفية من حيث احتضان الأم له وضمّه إلى صدرها، وهذه هي الطريقة الأفضل للارتباط والتواصل العاطفي بين الأم والولد.
وعلى هذا الأساس فإنّ الطفل الذي يتغذّى على لبن أمّه، يتمتّع بجسمٍ سليم، كما يتمتع بنموٍّ أكمل على المستوى النفسي والروحي.
إنّ أهمية هذا الموضوع من وجهة نظر الإسلام تبلغ حدًّا بنحوٍ تمّ الحديث عنه في كثيرٍ من آيات القرآن الكريم.
لقد بيّن القرآن الكريم إرضاع الأم لولدها بشكلٍ صريحٍ وحدّد فترة الرضاع بسنتين كاملتين، وجعل المسؤولية في ذلك على عاتق الأم والأب. كما ورد بيان
هذا المطلب في آياتٍ أخرى أيضًا[1]. وبشأن طلاق المرأة الحبلى، يؤكّد القرآن على ضرورة ألّا يؤدّي الطلاق إلى الإضرار بإرضاع الولد[2]. قال العلّامة الطباطبائي في تفسير هذا المقطع من الآية: «أي: تشاوروا في أمر الولد وتوافقوا في معروف من العادة، بحيث لا يتضرر الرجل بزيادة الأجر الذي ينفقه، ولا المرأة بنقيصته، ولا الولد بنقص مدة الرضاع إلى غير ذلك». ثم قال: «وإنْ أراد كلٌّ منكم من الآخر ما فيه عسرٌ واختلفتم، فسترضع الولد امرأةٌ أخرى أجنبيةٌ غير والدته، أي فليسترضع الوالد غير والدة الصبي»[3].
إنّ الروايات ضمن تأكيدها على مدة الرضاع لسنتين، ترى أنّ فترة الرضاع يجب ألّا تقلّ عن واحدٍ وعشرين شهرًا[4]. ومن ناحيةٍ أخرى لا ترى لبن كلّ مرضعةٍ مناسبًا للطفل، وترى للبن بالإضافة إلى الآثار الجسديّة، آثارًا روحيّة ونفسيّة أيضًا.
لو أنّ مدّة الرضاع نقصت عن واحدٍ وعشرين شهرًا، فسوف يلحق ذلك ضررًا بالطفل، فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «الرَّضَاعُ وَاحِدٌ وَعِشْرُونَ
شَهْراً فَمَا نَقَصَ فَهُوَ جَوْرٌ عَلَى الصَّبِيِّ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «تَخَيَّرُوا لِلرَّضَاعِ كَمَا تَتَخَيَّرُونَ لِلنِّكَاحِ فَإِنَّ الرَّضَاعَ يُغَيِّرُ الطِّبَاعَ». إنّ لبن الأم بالإضافة إلى الجانب الغذائي، يترك تأثيره حتى في تحوّل طبيعة الطفل وشخصيّته، وبالتالي سوف يكون مؤثرًا حتى في تكوين نمط حياته أيضًا. فقد جاء في الحديث: «اسْتَرْضِعْ لِوَلَدِكَ بِلَبَنِ الْحِسَانِ وَإِيَّاكَ وَالْقِبَاحَ فَإِنَّ اللَّبَنَ قَدْ يُعْدِي». وفي حديث آخر: « لَا تَسْتَرْضِعُوا الْحَمْقَاءَ فَإِنَّ اللَّبَنَ يَغْلِبُ الطِّبَاع».
إنّ النصوص الدينيّة بشكلٍ عامٍّ ترشدنا إلى نقطتين، وهما أولًا: إنّ الاهتمام بسلامة الطفل سواء من الناحية الجسدية أو النفسية، تترك تأثيرها في تكوين وتحوّل شخصيته، وتعدّ واحدةً من الشروط المهمّة في التربية السليمة. وثانيًا: إنّ مرحلة الطفولة والرضاع تنطوي على نصيبٍ مهمٍّ في تربية الطفل وتبلور شخصيته. كما أنّ قصّة النبيّ موسى عليهالسلام تشير إلى أهميةٍ وموقعٍ مدّة رضاع الطفل.
إنّ الحديث عن إرضاع الأم لطفلها في ذلك الموقف الخطير والحساس الذي
كان يهدد حياة النبي موسى عليهالسلام في كل لحظة، يعبّر عن مدى أهمية مسألة الرضاع من وجهة نظر القرآن الكريم. وكذلك قال الله تعالى في الآيات اللاحقة: ﴿وَحَرَّمْنَا عَلَيْهِ الْمَرَاضِعَ مِنْ قَبْلُ﴾(القصص: 12)، كي لا تتمكّن أيّ مرضعةٍ من إرضاعه غير أمّه.
قال العلامة الطباطبائي: «التحريم في الآية تكويني لا تشريعي؛ ومعناه جعله بحيث لا يقبل ثدي مرضع (من النساء الكافرات والظالمات في البلاط الفرعوني) ويمتنع من ارتضاعها». لقد استغرقت عودة النبي موسى عليهالسلام إلى أمّه مدّة طويلة، ومع ذلك فقد فضّل الله الجوع لنبيّه موسى عليهالسلام على رضاعه من لبن النساء الطالحات. إذ لم يشأ الله لشخصيّة نبيّه أنْ تتضرّر من هذه الناحية.
لقد تمّ التأكيد في الإسلام على اهتمام الوالدين العاطفي بالأولاد كثيرًا، وفي هذا الشأن يحظى الاهتمام العاطفي بالطفل بمكانةٍ خاصّة. وإنّ الروايات التي تعرّضت لهذه المسألة تنقسم إلى عدّة أقسام:
القسم الأول: الروايات التي تأمر الأشخاص بمحبّة الأولاد والأطفال بشكلٍ مطلق. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ لَيَرْحَمُ الْعَبْدَ لِشِدَّةِ حُبِّهِ لِوَلَدِهِ». وروي عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال: «أَحِبُّوا الصِّبْيَانَ وَارْحَمُوهُمْ
وَإِذَا وَعَدْتُمُوهُمْ شَيْئاً فَفُوا لَهُمْ فَإِنَّهُمْ لَا يَرَوْنَ إِلَّا أَنَّكُمْ تَرْزُقُونَهُمْ». وفي المأثور عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: « قَالَ مُوسَى بْنُ عِمْرَانَ يَا رَبِّ أَيُّ الْأَعْمَالِ أَفْضَلُ عِنْدَكَ فَقَالَ حُبُّ الْأَطْفَالِ فَإِنَّ فِطْرَتَهُمْ عَلَى تَوْحِيدِي فَإِنْ أُمِتْهُمْ أُدْخِلْهُمْ بِرَحْمَتِي جَنَّتِي». وروي عنه عليهالسلام أيضًا، أنّه قال: «من يرضي صبيًّا صغيرًا من نسله حتى يرضى، ترضّاه الله يوم القيامة حتى يرضى».
القسم الثاني: الروايات التي تحثّ الوالدين على تقبيل الطفل؛ فقد ورد في الروايات الخاصّة بحقوق الأولاد، التوصية بتقبيلهم ومداعبتهم؛ إذ لا ينبغي لمحبّة الولد أنْ تبقى محبوسةً في القلب، بل يجب على الوالدين إظهارها في سلوكهما العملي. فقد ورد في الحديث عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنه قال: «مَنْ قَبَّلَ وَلَدَهُ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ حَسَنَةً وَمَنْ فَرَّحَهُ فَرَّحَهُ اللَّهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنه قال: «جَاءَ رَجُلٌ إِلَى النَّبِيِّ صلىاللهعليهوآلهوسلم، فَقَالَ مَا قَبَّلْتُ صَبِيّاً قَطُّ فَلَمَّا وَلَّى قَالَ رَسُولُ اللَّهِ هَذَا رَجُلٌ عِنْدِي أَنَّهُ مِنْ أَهْلِ النَّارِ».
وكان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يقبّل الحسن والحسين عليهمالسلام؛ فقال من رآه يفعل ذلك: إنّ لي عشرة ما قبّلت واحدًا منهم قط. فغضب رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم حتى التمع لونه وقال
للرجل: «إِنْ كَانَ اللَّهُ قَدْ نَزَعَ الرَّحْمَةَ مِنْ قَلْبِكَ فَمَا أَصْنَعُ بِكَ؟!». وفي رواية أخرى أنّه صلىاللهعليهوآلهوسلم قال: « مَنْ لَا يَرْحَمْ لَا يُرْحَم، مَنْ لَمْ يَرْحَمْ صَغِيرَنَا وَلَمْ يُعَزِّزْ كَبِيرَنَا فَلَيْسَ مِنَّا».
القسم الثالث: الروايات التي تبيّن قاعدةً كليّةً لتربية الطفل. إنّ بعض هذه الروايات قسّمت حياة الولد إلى ثلاثة مراحل: المرحلة الأولى التي يكمل فيها الطفل سبع سنوات، وهي مرحلة الحرّيّة والسيادة واللعب والمرح. والمرحلة الثانية التي يصل فيها الولد إلى عامه الرابع عشر، وهي مرحلة القيود تحت ظلّ برنامجٍ خاصٍّ لتربيته وتهذيبه. والمرحلة الثالثة تبدأ من السنة الرابعة عشرة إلى السنة الحادية والعشرين، وهي مرحلة توظيف نتائج المرحلتين السابقتين، وهي في الواقع مرحلة ترسيخ ما تعلّمه الولد وصقلت عليه شخصيّته.
في هذا القسم من الروايات تمّ حثّ الوالدين على أنْ يكون تعاملهما مع الطفل قبل بلوغه السنة السابعة على نحوٍ يشعر الطفل بالاحترام والتقدير، واستجابة الوالدين المقرونة بالعطف والحنان لتنفيذ طلباته ورغباته، وأنْ يشبع تمامًا من نظرتهما إليه بمحبّة وعطف. وحتى إذا سعى الوالدان إلى منعه من فعل شيءٍ يشكّل خطرًا عليه، يجب عليهما القيام بذلك مع الحفاظ على سيادته وتوقيره. وعلى هذا الأساس يمكن الوصول من هذه الروايات إلى قاعدةٍ عامّة، وهي أنّه لا ينبغي أنْ نغفل
عن السنوات السبع الأولى من عمر الطفل، والتي تعدّ هي المرحلة الأهم لتحوّل ونموّ شخصيته، وفي هذه المرحلة يكون الطفل في أمسّ الحاجة إلى المحبّة والاهتمام العاطفي. وقد ورد في بعض الروايات تسمية هذه المرحلة بمرحلة اللعب والمرح للطفل. فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنه قال: «دَعِ ابْنَكَ يَلْعَبْ سَبْعَ سِنِينَ وَيُؤَدَّبْ سَبْعَ سِنِينَ وَأَلْزِمْهُ نَفْسَكَ سَبْعَ سِنِينَ». والمراد من ذلك هو عدم الضغط على الطفل قبل أنْ يكتمل سبع سنين، وألّا يتعامل معه بقسوة، وإنّما في إطار اللعب والمرح.
وقد ورد هذا المعنى في بعض الروايات تحت عنوان (التصابي) بمعنى أنْ تلعب معه وكأنّك صبيٌّ مثله. وعليه لو أردنا أنْ نعلّم الطفل دون سبع سنين سلوكًا ما، يجب علينا أنْ نعلمه ذلك السلوك على شكل لعبةٍ تنطوي على شيءٍ من المرح والضحك، ويجب ألّا تنطوي على أيّ شكلٍ من أشكال العنف أبدًا. ومن الواضح بداهة أنّ هذا الأسلوب يجب أنْ يقتصر على السنوات السبع الأولى فقط. وأمّا في السنوات السبع الثانية فيكون الأمر على العكس؛ بمعنى أنّه يجب التعامل مع الطفل بشكلٍ جادٍّ، ويتم توجيهه بحيث ينفذ ما يطلبه منه أبواه، حتى إذا توقّف ذلك على استعمال شيءٍ من العنف والقسوة.
القسم الرابع: الروايات التي تعرّضت إلى بيان الأساليب السلوكية لأولياء
الدين مع الأطفال. نفهم من هذه الأساليب ما هو حجم المحبّة والعاطفة تجاه الأطفال، وما هي مصاديق السلوك العاطفي مع الأطفال. عن جابر بن عبد الله الأنصاري، قال: دخلت على النبي صلىاللهعليهوآلهوسلم والحسن والحسين عليهمالسلام على ظهره وهو يجثو لهما، ويقول: «نِعْمَ الْجَمَلُ جَمَلُكُمَا وَنِعْمَ الْعِدْلَانِ أَنْتُمَا». وجاء في رواية أخرى: صلى رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بالناس الظهر فخفّف في الركعتين الأخيرتين، فلّما انصرف قال له الناس: هل حدث في الصلاه حدث؟ قال: وما ذاك؟ قالوا: خفّفت في الركعتين الأخيرتين، فقال لهم: «أَمَا سَمِعْتُمْ صُرَاخَ الصَّبِيِّ؟».
وجاء في بعض الروايات: كان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يؤتى بالصبي الصغير ليدعو له بالبركة أو يسمّيه، فيأخذه فيضعه في حجره تكرمة لأهله، فربّما بال الصبي عليه، فيصيح بعض من رآه حين بال، فيقول صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لَا تُزْرِمُوا بِالصَّبِيِّ» فيدعه حتى يقضي بوله، ثم يفرغ له من دعائه أو تسميته ويبلغ سرور أهله فيه، ولا يرون أنّه يتأذى ببول صبيهم، فإذا انصرفوا غسل ثوبه بعد.
من الواضح بداهة أنّ الأطفال لو حصلوا في سنوات عمرهم الأولى على الرعاية التامة من حيث المحبة والعاطفة على ما ورد في النصوص الدينيّة، فإنّ هذا الأمر سينعكس على سلامتهم النفسية والروحية، كما سوف يكون مؤثرًا في إيجاد النظرات الإيجابية والكليّة الحاكمة على نمط حياتهم أيضًا.
لا شكّ في أنّ من بين العوامل المهمّة والمؤثرة في الشخصيّة والتفكير العام الحاكم على حياة الطفل، رؤية الوالدين إلى الحياة؛ فإنّ كلّ واحدٍ من الأبوين يتصرّف على أساس الأهداف التربوية وكذلك في اختيار الأسلوب التربوي في ضوء الرؤية التي يتبنّاها. وقد سعى الإسلام حثيثًا إلى توجيه الرؤية لدى الوالدين ووضعها في المسار الصحيح.
ومن بين المفاهيم المهمّة التي يرى الإسلام ضرورة معرفتها من قبل الوالدين، هو الاعتقاد بأنّ الأولاد ولا سيّما الأطفال منهم لهم حقوقٌ تجب رعايتها. وقد ورد في بعض الروايات أنّ على الوالدين الخضوع والتسليم أمام حقوق الأولاد. فقد جاء في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «يلزم الوالد من الحقوق لولده ما يلزم الولد من الحقوق لوالده». وعليه لا يجوز للوالدين أنْ يبيحا لأنفسهما القيام بكلّ ما يحلو لهما تجاه أولادهما.
ومن ناحية أخرى فإنّ الإسلام قد وضع برنامجًا دقيقًا لتربية الولد، يتناسب مع عمره.
ويمكن لهذا البرنامج الدقيق أنْ يترك أثرًا إيجابيًا على رؤية الوالدين في التربية، بمعنى أن تخضع الرؤية التربوية للوالدين لتأثيره؛ إذ إنّ الإسلام ينظر إلى تربية الولد بوصفها عبادة، وأنّ كلّ من يقوم بأدنى فعلٍ من أجل تطوير وتحسين وضع الطفل،
سوف يحصل على أجرٍ كبيرٍ وثوابٍ عظيم. لو نظر الوالدان إلى الطفل بوصفه وسيلةً للتقرّب من الله سبحانه وتعالى والحصول على الثواب الأخروي، فسوف يكونان قطعًا أكثر جديةً في تربيته، وفي الوقت نفسه سوف يعاملانه بعطفٍ وحنانٍ أكبر.
إنّ نظرة الوالدين إلى جنس الولد، سوف تترك تأثيرًا كبيرًا في إيجاد وبلورة رؤية الأطفال أيضًا؛ لذا فإنّ الإسلام قدّم رؤيةً إيجابيةً عن الفتاة، على الرغم من النظرة السلبية للناس تجاه البنت في صدر الإسلام وحتى المعاصرين منهم. وقد ورد التعبير عن البنت في بعض الروايات بأنها (ريحانة)، وفي موضعٍ آخر ورد التعبير عنها بأنّها (حسنة) بمعنى الثواب الأخروي، وفي بعضها الآخر ورد التعبير عنها بأنّها (قلب زاخر بالمشاعر والحنان والألفة). ولا يخفى أنّ تبلور هذه الرؤية لدى الوالدين سوف يترك تأثيرًا قطعيًا في تربية الأولاد وتكوين شخصياتهم.
إنّ من بين الجاذبيات المهمّة والمؤثرة، والتي تترك تأثيرها في الأفراد من اللقاء الأول، الجمال الظاهري والسلامة البدنية للإنسان. ومن هنا فإنّ الإسلام يؤكّد في تعاليمه على أنْ يقوم الشخص بتحسين ظاهره وتعطير بدنه عند الخروج إلى الناس. ولم يُستثن من ذلك سوى الموارد التي تسوق الإنسان نحو المعاصي والذنوب؛ من قبيل العلاقات المحرّمة في الإسلام، حيث ورد التأكيد على الطرفين ولا سيّما النساء، بإخفاء زينتهن ومفاتنهن. وأمّا في غير هذه الموارد المستثناة، فقد اهتم الإسلام بمسألة الجمال الظاهري على نحوٍ أكيد. فقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ إِذَا خَرَجَ عَبْدُهُ الْمُؤْمِنُ إِلَى أَخِيهِ أَنْ يَتَهَيَّأَ لَهُ وَأَنْ يَتَجَمَّل». وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا: «أحسنوا لباسكم وأصلحوا رحالكم حتّى تكونوا كأنّكم شامة في النّاس». وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم، أيضًا: «إذا بعثتم إليّ رسولًا، فابعثوه حسن الوجه وحسن الاسم». فتبيّن من ذلك أنّ مسألة التجمّل والزينة عند رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم كانت من درجةٍ كبيرةٍ من الأهميّة، استوجبت أن يصدر هذه التعاليم والتوصيات بحقّها.
وعلى هذا الأساس لمّا كان الجمال والزينة الظاهرية من أدوات الجاذبية في الإنسان، فقد عمد الإسلام بدوره إلى توظيفه لإقامة العلاقات الاجتماعيّة على نحو أفضل. من الواضح بداهة إذا كان الطفل يتحلّى بظاهرٍ مزدانٍ وجميل، وكان منزّهًا من العيوب والشوائب الظاهرية، فإنّ المحيطين به سوف ينجذبون إليه أكثر من الأطفال الآخرين، ويبدون من أنفسهم استعدادًا أكبر للاحتفاء والاهتمام به من الناحية العاطفيّة.
وفي الواقع فإنّ الحاجة العاطفيّة يتمّ تلبيتها في ظلّ الجمال والاعتناء بالمظهر والسلامة الجسديّة بشكلٍ أفضل؛ بمعنى أنّ الطفل إذا كان جميلًا فإنّه سوف يجذب اهتمام الآخرين نحوه، وبذلك يحصل على الاهتمام العاطفي بالمقدار اللازم، ويكتسب شخصيّةً أكمل، ويكون أسلم من الناحية الصحية؛ وذلك لأنّه سوف يكون أكثر شعورًا بالعزّة والكرامة والثقة بالنفس، ونتيجةً لذلك سوف يكون أكثر نشاطًا وحيويّة بالقياس إلى الآخرين، وإنّ هذه الحيوية والحبور هما اللذان يزيدان من جاذبيّته. ومن هنا فإنّه عند اللقاء بالأشخاص الذين يتمتعون بالجمال والوسامة، يمكن الحدس بأنّ هؤلاء الأشخاص يتمتّعون بشخصيّةٍ سليمةٍ، ويتّصفون بالأخلاق الفاضلة والآراء الإيجابيّة ونمط الحياة الصحيحة أكثر من سواهم أيضًا. روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «اطْلُبُوا الْخَيْرَ عِنْدَ حِسَانِ الْوُجُوهِ فَإِنَّ فِعَالَهُمْ [بالقياس إلى الآخرين]أَحْرَى أَنْ تَكُونَ حَسَناً». إنّ أولى أمارات السعادة من وجهة نظر الإسلام
هو الوجه الحسن. وإنّ الثوب النظيف يزيل الكرب والحزن عن الإنسان.
وفي مورد السلامة الجسديّة، هناك روايات تدلل على أهميّتها الكبيرة، وترى في عدم وجودها سببًا في ظهور كثيرٍ من المشاكل العاطفيّة والنفسيّة. في هذه الروايات يتمّ حثّ الأشخاص السالمين على زيارة المرضى والتعامل معهم بعطف، وشكر الله على نعمة السلامة والصحّة. ورد في الحديث: «عَائِدُ الْمَرِيضِ يَخُوضُ فِي الرَّحْمَة». وعن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «إِنَّ مِنْ أَعْظَمِ الْعُوَّادِ أَجْراً عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ لَمَنْ إِذَا عَادَ أَخَاهُ خَفَّفَ الْجُلُوسَ إِلَّا أَنْ يَكُونَ الْمَرِيضُ يُحِبُّ ذَلِك».
وقد ورد في الأثر عن مولى لجعفر بن محمّد عليهالسلام، قال: مرض بعض مواليه فخرجنا إليه نعوده ونحن عدّة من موالي جعفر، فاستقبلنا جعفر عليهالسلام في بعض الطريق فقال لنا: «أَيْنَ تُرِيدُون؟» فقلنا: نريد فلانًا نعوده، فقال لنا: «قِفُوا»، فوقفنا، فقال: «مَعَ أَحَدِكُمْ تُفَّاحَةٌ أَوْ سَفَرْجَلَةٌ أَوْ أُتْرُجَّةٌ أَوْ لَعْقَةٌ مِنْ طِيبٍ أَوْ قِطْعَةٌ مِنْ عُودِ بَخُورٍ؟». فقلنا ما معنا شيء من هذا، فقال: «أَ مَا تَعْلَمُونَ أَنَّ الْمَرِيضَ يَسْتَرِيحُ إِلَى
كُلِّ مَا أُدْخِلَ بِهِ عَلَيْهِ». وعلى هذا الأساس فإنّ المرضى والمعاقين وجميع الذين فقدوا سلامتهم الجسديّة، يكونون أكثر عرضةً من سواهم للمشاكل والأزمات النفسيّة والعاطفيّة. ومن هنا فإنّ الإسلام يوصي المؤمنين بعيادتهم، وأنْ يهتموا بهم من الناحية العاطفيّة. وعليه من الواضح بداهة أنّ الطفل إذا لم يكن يتمتع بالسلامة الجسديّة، ولم يكن على شيءٍ من الجمال الظاهري، فإنّ إمكان تعرّضه للمشاكل والأزمات العاطفيّة والشخصيّة سوف يكون أكبر من سواه.
وفي الخلاصة يمكن القول: إنّ تأكيد الإسلام على عيادة المرضى، وكذلك الآداب التي ذكرها في هذا الشأن، وكذلك كلّ نوعٍ من أنواع الجمال والزينة والآثار المترتّبة على ذلك من الناحية الفرديّة والاجتماعيّة، يحكي عن هذه القاعدة العامّة وهي أنّ المرض والقبح يضرّ بأفكار وآراء الإنسان، ويكون نصيب الأطفال في هذا الشأن أكثر من سواهم. ومن هنا يجب على جميع الأشخاص أنْ يعملوا من أجل الوقاية من هذه الآفات والأضرار؛ وعلى هذا الأساس يبدو أنّ هذا الأصل القائل بأنّ السلامة وظاهر الفرد يترك تأثيره في الآراء العامّة والكلّيّة الحاكمة على حياته، مقبولًا من وجهة نظر هذه الروايات.
إنّ الدور الجنسي -الذي تقدّم تعريفه في الأسرة والمجتمع بالنسبة إلى الفتيات والفتيان- وإنْ كان لا ينطوي على تأثيرٍ قطعي، ولكنّه بالنسبة إلى الطفل المولود
حديثًا، يُعدّ واحدًا من الجذور المؤثرة. إنّ الرؤية الجنسيّة عند الوالدين تظهر نفسها في أمورٍ متعدّدة. وإن من بين الأمور التربويّة المؤثّرة في نمط حياة الطفل في المستقبل، عبارة عن الرؤية الجنسيّة التي يتم تقديمها لهم في مرحلة الطفولة. إنّ هذا الدور يظهر نفسه على شكل نوعية الملبس والألعاب والدمى والوظائف التي تلقى من قبل الوالدين على عاتق الأطفال، وكيفية الكلام الموجّه من قبل الآخرين إلى الفتيان أو الفتيات، ونوعية التعامل فيما بينهما، والمعنى الذي يُلقى في أذهانهما عن الأب والأم، وما إلى ذلك.
لو كان للوالدين والمجتمع نظرةٌ إسلاميّة بالنسبة إلى الفتيان والفتيات، فسوف يحصل الأولاد بدورهم بطبيعة الحال على هذا المفهوم بوصفه دورًا جنسيًّا؛ وعلى هذا الأساس يكون بحث الدور الجنسي هنا قريب الصلة ببحث النظرة إلى الجنس المخالف (في بحث النظرات)، إذ هناك تأثيرٌ متبادلٌ بينهما. من ذلك على سبيل المثال أنّ الأولاد الذين يدركون أنّ للوالدين حدودًا وخلوات من الناحية المكانية والزمانية، وأنّه يجب عليه رعاية تلك الحدود والحرمات، أو أنّ هناك ثلاثة أوقات في الليل والنهار يهجع فيها الوالدان، وأنّه لا ينبغي الدخول عليهم في تلك الأوقات من دون استئذان، أو أنّ الأولاد أنفسهم يجب أنْ يتمّ الفصل بينهم في المضاجع
عند بلوغهم السنة السادسة من أعمارهم، أو عند بلوغهم السنة العاشرة في الحدّ الأقصى، وأنْ يكون لهم مكانهم المنفصل عن الوالدين. فإنّ هذا الولد سوف يتأثّر بهما، وسوف تؤدّي هذه المفاهيم بوصفها نظراتٍ جنسيّة دورًا في المستقبل عندما يكبر ويصبح ناضجًا. وعلى هذا الأساس يجب على الوالدين أنْ يلتفتا إلى هذه النقطة.
إنّ من بين العوامل التي تترك تأثيرًا جادًّا في نمط حياة الأفراد وآرائهم وأنظارهم العامة والكلية، التفرقة والمحاباة الجنسيّة. وقد كانت هذه الظاهرة موجودةً في عصر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وقبله، وقد قضى عليها الإسلام، ولكن ما تزال آثار وجذور هذه الرؤية العنصرية موجودةً في مجتمعنا حتى الآن.
إنّ هذا العنصر إنّما يظهر تأثيره حيث تكون رؤية الأسرة والمجتمع ظالمةً وجاهلية؛ بمعنى أنّ الأسر إذا كانت ترى بأنّ الذكر أفضل من الأنثى، من دون أن يكون لها ملاكٌ معقولٌ في هذا التفضيل غير النظرة الجنسيّة، فإنّ تأثير هذا العنصر سوف يظهر في تبلور الآراء والنظرات الخاطئة لدى الأفراد. روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ فِي السِّرِّ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ
فِي الْبِرِّ وَاللُّطْفِ». ويجب أنْ تتجلّى هذه العدالة في السلوك والتعامل بين الذكر والأنثى في جميع أنواع التعامل بما في ذلك الأمور البسيطة منها مثل التقبيل أيضًا.
كان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ذات يوم منشغلًا بالحديث مع أصحابه، إذ دخل صبي وتوجه نحو أبيه الذي كان جالسًا في زاوية المجلس، فمسح أبوه على رأسه وأجلسه على فخذه الأيمن، وبعد ذلك بقليل جاءت ابنته الصغيرة وتوجّهت إليه أيضًا؛ فمسح على رأسها وأجلسها إلى جنبه على الأرض. فلما رأى النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ذلك، قال له: «لماذا لم تجلسها على فخذك اليسرى؟!»، فبادر ذلك الرجل بعد أنْ انتبه إلى خطئه وأجلس ابنته على فخذه الأيسر. فقال له النبي: «فَهَلَّا آسَيْتَ بَيْنَهُمَا».
يمكن من خلال المفاهيم الدينيّة ولا سيّما في مورد العدالة والمساواة بين الأولاد أنْ ندرك بوضوح أنّ الدور الجنسي بوصفه واحدًا من جذور شجرة أسلوب الحياة، يقع موردًا لتأييد الإسلام. فقد ورد التأكيد في الإسلام كثيرًا على رعاية الوالدين للعدالة بين أولادهم. وفي هذا الإطار هناك ثلاث نقاط تربويّة جديرة بالملاحظة:
يجب عدم تفضيل أحد الأولاد على الآخرين من دون سببٍ وجيه.
يجب عدم عدّ جنس الولد ملاكًا للتقييم والتفضيل، وألّا ينظر إلى البنت بنظرةٍ سلبيّة.
إذا أراد الوالدان تفضيل أحد الجنسين على الآخر، فيجب تفضيل البنات على البنين في بعض الموارد؛ وذلك لأنّهن أرقّ إحساسًا وأشدّ عاطفة.
وفيما يأتي سوف نشير في مورد كلّ واحدٍ من هذه النقاط الثلاثة إلى بعض الآيات والروايات. قال النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «اعْدِلُوا بَيْنَ أَوْلَادِكُمْ كَمَا تُحِبُّونَ أَنْ يَعْدِلُوا بَيْنَكُمْ فِي الْبِرِّ وَاللُّطْف». وروي عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم في حديثٍ آخر، أنّه قال: «إنّ لهم عليك من الحقّ أنْ تعدل بينهم، كما أنّ لك عليهم من الحقّ أنْ يبرّوك». روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: « أَبْصَرَ رَسُولُ اللَّهِ رَجُلًا لَهُ وَلَدَانِ فَقَبَّلَ أَحَدَهُمَا وَتَرَكَ الْآخَرَ فَقَال صلىاللهعليهوآلهوسلم: فَهَلَّا وَاسَيْتَ بَيْنَهُمَا!». يتضح من كلام الإمام الصادق عليهالسلام في حديثٍ طويلٍ أنّ عدم رعاية العدالة في التعامل بين الأولاد يثير نار الحسد على بعضهم.
أمّا الروايات التي نهت الوالدين عن النظرة السبية تجاه الفتيات، فهي صريحةٌ في هذا الشأن. فقد ورد في هذه الروايات أن كلّ من كانت له صبيةٌ فلم يؤذها، ولم يذلها، ولم يفضل أخاها عليها؛ فإنّ الله سبحانه وتعالى سيدخله الجنة على ذلك.
لا ضير على الوالد من البنت، بل هي ريحانة لوالديها يشمّانها، ورزقها على الله. ولم
يبق للنبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم في الحياة من الأولاد سوى ريحانته فاطمة الزهراء عليهاالسلام . كان رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم يرى البنات وسيلةً للبركة ومصدرًا للحنان، وحثّ الوالدين على الحنوّ والعطف عليهن.
وروي عنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «من كانت له ابنةٌ فأدّبها وأحسن أدبها، وعلّمها فأحسن تعليمها، وأوسع عليها من نعم الله التي أسبغ عليه، كانت له منعةً وسترًا من النار».
الطائفة الثالثة هي الروايات التي تفضل البنات على البنين في المحبّة، وتحثّ الوالدين على أنّهما إذا أرادا التفضيل بين الأبناء والبنات؛ فعليهما العمل على خلاف ما كان شائعًا في بعض المجتمعات من تفضيل الأبناء على البنات؛ بمعنى أنّ عليهما تفضيل البنات على الأولاد؛ وذلك لأنّ البنات أقوى عاطفة، ويحتجن إلى المزيد من الحنان بالمقارنة مع الفتيان.
روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى عَلَى الْإِنَاثِ أَرْأَفُ مِنْهُ عَلَى الذُّكُورِ وَمَا مِنْ رَجُلٍ يُدْخِلُ فَرْحَةً عَلَى امْرَأَةٍ بَيْنَهُ وَبَيْنَهَا حُرْمَةٌ إِلَّا فَرَّحَهُ اللَّهُ تَعَالَى يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وهناك روايات تعدّ الفتيات أكثر نفعًا للوالدين من الفتيان. فقد روي عن
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «البنات هن المشفقات المجهزات المباركات». وقال أيضًا: «ساووا بين أولادكم في العطية؛ فلو كنت مفضلًا أحدًا لفضّلت النساء».
وقال صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا: «من دخل السوق فاشترى تحفةً فحملها إلى عياله، كان كحامل صدقةٍ إلى قوم محاويج، وليبدأ بالإناث قبل الذكور، فإنّه من فرّح ابنةً فكأنّما أعتق رقبةً من وُلد إسماعيل».
إنّ تفضيل الذكران على الإناث يؤدّي بالبنات إلى حالةٍ قاسيةٍ من الضياع والأزمات النفسية والشخصيّة، وتصبح نظرتهن الحاكمة على الحياة سوداويةً وسلبيةً بشكل عام، ولن يجدن موقعهن الصحيح في المجتمع. وأمّا لو حظيت الفتاة بالاحترام والتقدير والمحبّة الكافية، وأحسّت بأنّ الثقافة والمجتمع الإسلامي قد كرّمتها ولم تضعها في مرتبةٍ أدنى من الذكران، وكذلك إذا نظرت إلى وظائفها وأدوارها الجنسيّة بنظرة حبٍّ وشغف، فإنّ ذلك سوف يترك تأثيرًا إيجابيًّا وحسنًا في نظراتها اللاحقة قطعًا. إنّ سلوك الوالدين مع الأولاد يجب أنْ يكون بحيث لا تشعر الفتيات بالضعة، ولا يشعر الفتيان بالعظمة والاستعلاء.وبنحوٍ عام فإنّ الإسلام لا ينظر إلى الجنس بوصفه عنصرًا مهمًا في إيجاد وتبلور الأنظار الكلية لدى الأفراد فحسب، بل قد بذل جهودًا كثيرة من أجل الحيلولة دون
حصول الآثار السلبيّة لهذا العنصر.
إنّ للحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة الحاكمة على الأسرة دورًا كبيرًا في إيجاد الآراء والأفكار الكلية المهيمنة على نمط حياة الأفراد. فإنْ كانت هذه الحالة جيّدةً وعلى ما يُرام فإنّها سوف تؤدي إلى شعور الأفراد -ولا سيّما الأطفال- بعزّة النفس وحرمتها، وأمّا إذا لم تكن هذه الحالة على ما يُرام، فإنّ الذي سيحصل هو العكس؛ بمعنى أنّ الفرد سوف يشعر بالهوان والضعة.
لم نعثر في النصوص الدينيّة على ما يُشير إلى هذا الموضوع بشكلٍ مباشر، ولكن يتضح -من خلال الوصف الوارد بشأن المستوى المطلوب من الاقتصاد والثراء الأسري والآثار الاجتماعيّة والتربوية المترتبة على ذلك- أنّ الحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للأسرة مهمّةٌ من وجهة نظر الإسلام.
إنّ التعبيرات الواردة في الروايات بشأن المال والثروة على نوعين؛ في أحد النوعين يعدّ المال والثروة طريقًا إلى الوصول للسؤدد في الدنيا، ويعدّ الفقر في المقابل سببًا لحدوث المشاكل التربوية. روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنه قال: «الْغِنَى يُسَوِّدُ غَيْرَ السَّيِّد. الْمَالُ يُقَوِّي غَيْرَ الْأَيِّدِ». وعن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «نِعْمَ الْعَوْنُ عَلَى تَقْوَى اللَّهِ الْغِنَى». وعن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: « نِعْمَ الْعَوْنُ الدُّنْيَا عَلَى
الْآخِرَةِ». وعنه عليهالسلام أنه قال: «يَا بُنَيَّ الْفَقِيرُ حَقِيرٌ لَا يُسْمَعُ كَلَامُهُ وَلَا يُعْرَفُ مَقَامُهُ وَلَوْ كَانَ الْفَقِيرُ صَادِقاً يُسَمُّونَهُ كَاذِباً وَلَوْ كَانَ زَاهِداً يُسَمُّونَهُ جَاهِلا». وروي عنه عليهالسلام أنه قال: «أَرْبَعَةٌ مِنْ قَوَاصِمِ الظَّهْرِ: ... فَقْرٌ لَا يَجِدُ صَاحِبُهُ لَهُ مُدَاوِياً».
وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «كَادَ الْفَقْرُ أَنْ يَكُونَ كُفْراً». يمكن أنْ نفهم من هذه الروايات أنّ المسائل الاقتصادي تترك تأثيرها في الوضع الاجتماعي للإنسان.
وفي قبال هذه الطائفة من الروايات التي تعدّ الثروة مسألةً إيجابيةً ومن أسباب البؤس والشقاء هناك طائفةٌ أخرى من الروايات تعدّ الثروة عنصرًا من عناصر الانحراف والطغيان. وقد تمّت الإشارة إلى هذا المطلب في القرآن الكريم أيضًا، كما في قوله:﴿كَلَّا إنَّ الْإنْسَانَ لَيَطْغَى أنْ رَآهُ اسْتَغْنَى﴾(العلق: 6-7). لقد كان قارون من قوم موسى، وعلى الرغم من إيمانه إلّا أنّه بفعل ثرائه الفاحش وحصوله على كثيرٍ من المنازل الاجتماعيّة، تعرّض للانحراف وارتدّ عن معتقداته، وتحوّل إلى صفوف أعداء النبي موسى عليهالسلام، الأمر الذي أدّى إلى سقوطه وهلاكه.
روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «اسْتَعِيذُوا بِاللَّهِ مِنْ سَكْرَةِ الْغِنَى فَإِنَّ لَهُ سَكْرَةً
بَعِيدَةَ الْإِفَاقَةِ». وعنه أيضًا، أنّه عليهالسلام قال: «ضَرَرُ الْفَقْرِ أَحْمَدُ مِنْ أَشَرِ الْغِنَى». وروي عنه أيضًا أنه قال: «الْمَالُ مَادَّةُ الشَّهَوَات».
وعلى هذا الأساس فإنّ المال والثروة التي يؤدّي عدمها إلى الكفر، يؤدّي وجودها في بعض الأحيان إلى طغيان وتمرّد الإنسان وسقوطه في وحل الغفلة وحمأة الشهوات. وعليه لو ترعرع الطفل في أسرةٍ فقيرةٍ من الناحية المادّيّة، وتحتلّ موقعًا اجتماعيًّا متدنيًّا، فإنّ مخاطر الفقر المذكور آنفًا سوف يكون عرضة لها بشكل أكبر. ولو كانت الأسرتان متكافئتين من جميع الجهات باستثناء الحالة الاقتصاديّة، فإنّ الولد الذي يعيش في الأسرة الضعيفة والفقيرة سوف يشعر بالضعة والهوان، وتغيب عن عينيه رؤية بعض الحقائق، ويفقد منزلته الاجتماعيّة. لا سيّما بالنظر إلى هذه النقطة، وهي أنّ الطفل لا يمتلك القدرة على تحليل المشاكل، وبذلك قد يكون عرضةً لكثيرٍ من الأزمات النفسيّة المعقّدة.
ربما كان سبب الاهتمام الكبير من قبل الإسلام بالطفل اليتيم، هو أنّه يكون عرضةً للمشاكل من الناحية المادّيّة، ويفقد دعامته العاطفية أيضًا؛ ومن هنا فقد أمر الإسلام بتدارك هذين الأمرين. فقد روي في الأثر عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم: «مَا مِنْ عَبْدٍ يَمْسَحُ يَدَهُ عَلَى رَأْسِ يَتِيمٍ تَرَحُّماً لَهُ إِلَّا أَعْطَاهُ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ بِكُلِّ شَعْرَةٍ نُوراً
يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام: «اللَّهَ اللَّهَ فِي الأَيْتَامِ، فَلا تُغِبُّوا أَفْوَاهَهُمْ، ولا يَضِيعُوا بِحَضْرَتِكُمْ».
وبشكل عامٍ يمكن أنْ نستنتج من النصوص الدينيّة أنّ الطفل الذي يفقد والده الذي يشكل له دعامةً مادّيّةً من الناحية الاقتصاديّة وملاذًا آمنًا من الناحية العاطفية، لو ترك لحاله، فسوف يتعرّض إلى كثيرٍ من الأزمات الروحية والنفسية، وإذا لم يبادر الآخرون إلى تدارك الأمر فإنّ شدّة الضرر الناجم من جرّاء ذلك قد تؤدّي إلى اهتزاز العرش الإلهي. وإنّ من بين هذه الأضرار يمكن الإشارة إلى ظهور الآراء السلبيّة والمدمّرة بالنسبة إلى الطفل تجاه الحياة ونفسه. ومن هذا البيان يمكن أنْ نستنتج أنّ الحالة الاقتصاديّة والاجتماعيّة للأسرة تؤثّر من وجهة نظر الإسلام في تبلور شخصيّة الطفل ونظرته العامّة إلى الحياة.
ورد في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «كُلُّ مَوْلُودٍ يُولَدُ عَلَى الْفِطْرَةِ، وإنّما أبواه يهوّدانه أو ينصّرانه». إنّ الوالدين هما اللذان يعملان على تشكيل الآراء والمعتقدات الدينيّة والمذهبيّة للطفل التي تبلور آراءه الكلّيّة ونظرته العامّة إلى نفسه وإلى الحياة والوجود.
لقد ذكر المتخصّصون في حقل التربية والتعليم نماذج متنوّعةً لتربية الطفل. وفي هذا البين يُعدّ النموذج المقبول للإسلام هو النموذح القائم على المحبّة والحزم والكرامة، وعدم التضحية بأحدهما فداء للآخر، ولو قام الوالدان في تربية الطفل منذ البداية على رعاية هذا النوع من النماذج، فسوف تكون الشخصيّة النفسيّة للطفل شخصيّةً معتدلةً وتكون نظرته إلى الحياة إيجابيّةً ومتوازنة؛ حيث لا يشعر بالتبعية المطلقة، ولا يشعر في الوقت نفسه بالتحرّر من المسؤوليّات والضوابط أيضًا. ويمكن استنتاج هذه الأصول الثلاثة من الرواية المعروفة عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم حول الأساليب التربويّة للطفل في مختلف مراحل الحياة، وهي الرواية التي يقول فيها صلىاللهعليهوآلهوسلم: «الْوَلَدُ سَيِّدٌ سَبْعَ سِنِينَ وَعَبْدٌ سَبْعَ سِنِينَ وَوَزِيرٌ سَبْعَ سِنِين». إنّ هذه الرواية تعمل على تقسيم مراحل ونمو شخصيّة الطفل إلى ثلاث مراحل، وهي:
المرحلة الأولى: مرحلة سيادة الطفل؛ حيث يجب على الوالدين أنْ يتعاملا معه بعطفٍ ومحبّةٍ، وأنْ يقوما على تلبية مطالبه ورغباته، وأنْ يتحمّلا أفعاله وتصرّفاته بصبرٍ وتحمّلٍ وأناة. وقد روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال في هذا الشأن: «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا أَدَبَهُمْ يُغْفَرْ لَكُمْ». وعن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنّه قال: «خَمْسٌ لَا أَدَعُهُنَّ حَتَّى الْمَمَات:... وَالتَّسْلِيمُ عَلَى الصِّبْيَانِ لِتَكُونَ سُنَّةً مِنْ بَعْدِي». قال
رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم لرجلٍ عاب على ابنه شيئًا صنعه: «إنّما ابنك سهمٌ من كنانتك». بمعنى أنّ ابنك قطعةٌ منك وذخيرةٌ لمستقبلك، وإنّك بانتقاص شخصيته، تضرّ بنفسك وتضعف من يرجى أنْ يكون دعامةً لك في المستقبل أيضًا. وقد ورد في الأثر: «بادروا أولادكم بالكنى، قبل أنْ تغلب عليهم الألقاب».
المرحلة الثانية: هي مرحلة التعامل مع الطفل بشدّة وحزم، وفي هذه المرحلة يجب على الطفل أنْ يمتثل لما يطلبه منه الوالدان، وأنْ ينفّذ ما يريدانه منه، وأنْ يصبر على صعوبات التربية التي يتلقّاها.
المرحلة الثالثة: هي مرحلة الوزارة وتعاون الولد مع الوالدين، وفي هذه الحالة يرى الولد نفسه مستقلًا ويتّخذ قراراته بحرّيّة، وفي الوقت نفسه يشعر بالمسؤوليّة أيضًا. وفي الواقع فإنّ هذه المرحلة تمثّل تثبيتًا وترسيخًا للمرحلتين السابقتين، ويُبدي الوالدان تجاهه تعاملًا كريمًا ومحترمًا؛ لأنهما ينظران إليه في هذه المرحلة بوصفه وزيرًا ومستشارًا لهما.
ومن بين هذه المراحل الثلاثة، تحظى المرحلة الأولى بأهميةٍ خاصّةٍ؛ فهي مرحلة سيادة وحرية الطفل، كما هي مرحلة اللعب والفرح بالنسبة له. وربما كانت الحاجة الأصلية المحسوسة للطفل في هذه المرحلة هي مرحلة اللعب والفرح. ويرى حتى
تناول الطعام نوعًا من اللعب والمرح، ويعدّ التعامل مع الأتراب ومن هم أكبر منه سنًّا نمطًا من اللعب، وبكلمةٍ واحدةٍ تتلخّص كلّ حياته في اللعب. لم يكن النبي يعقوب عليهالسلام يسمح لولده يوسف عليهالسلام بالابتعاد عنه، إلّا عندما سمع بأنّه يرغب في اللعب، وعندها أذن له بأنْ ينفصل عنه، ويمضي مع أخوته.
وقد تمّ التأكيد على رعاية هذا النموذج التربوي بشأن الأطفال في السيرة العملية للنبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم والأئمة الأطهار عليهمالسلام. بل هناك طائفةٌ من الروايات يتمّ إدراجها تحت عنوان «التصابي» (النزول إلى مستوى الطفل في التعامل معه).
وبشكلٍ عامٍّ فإنّ نوع التربية والنموذج التربوي للوالدين يؤدّي دورًا أساسيًا في تبلور وتكوين وتحوّل الأنظار العامة الحاكمة على حياة الأطفال؛ ولهذا السبب فإنّ الإسلام قد قدّم نموذجه التربوي الصحيح بشكلٍ دقيق.
إنّ الأنظار التربوية للوالدين يجب أنْ تكون بحيث تؤدّي إلى تطوير الأنظار الإيمانيّة لديه. ومن هنا يجب تعليمهم الحدّ الأكبر من المفاهيم الدينيّة بما يتناسب مع أعمارهم، وأنْ نعمل على توجيه دفّة عواطفهم، وأنْ نمرّنهم على السلوك الإسلامي. ومن بين النماذج على ذلك: حبّ الناس، والصدق، والإيمان، والتوكّل على الله، والثقة بالنفس. وفيما يأتي نشير إلى بعض هذه الأنظار على سبيل المثال:
أ. نظرة الأولاد إلى الله: لقد قام الإمام علي عليهالسلام في العديد من الموارد بتقوية ارتباط الإمام الحسن عليهالسلام، بالله سبحانه وتعالى، ومن بين ذلك قوله: «وأيُّ سَبَب
أوْثَقُ من سَبَبٍ بيْنَك وبَيْن اللَّه، إنْ أنْتَ أخَذْتَ به؟». وروي عنه أيضًا، أنّه قال: «وأُوصِيكَ بِخَشيَةِ اللَّهِ في سِرِّ أمرِكَ وعَلانِيَتِك». وعنه أيضًا أنه قال: «يَا بُنَيَّ خَفِ اللَّهَ خَوْفاً تَرَى أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَهُ بِحَسَنَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ لَمْ يَقْبَلْهَا مِنْكَ وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءَ أَنَّكَ لَوْ أَتَيْتَهُ بِسَيِّئَاتِ أَهْلِ الْأَرْضِ غَفَرَهَا لَك».
وعن لقمان الحكيم أنّه قال: «يَا بُنَيَّ ثِقْ بِاللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ هَلْ مِنْ أَحَدٍ وَثِقَ بِاللَّهِ فَلَمْ يُنْجِهِ يَا بُنَيَّ تَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي تَوَكَّلَ عَلَى اللَّهِ فَلَمْ يَكْفِهِ يَا بُنَيَّ أَحْسِنِ الظَّنَّ بِاللَّهِ ثُمَّ سَلْ فِي النَّاسِ مَنْ ذَا الَّذِي أَحْسَنَ الظَّنَّ بِاللَّهِ فَلَمْ يَكُنْ عِنْدَ حُسْنِ ظَنِّهِ بِهِ».
ب. نظرة الأولاد إلى العمل الصالح والعبادة: ورد في الأثر عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «يَا بُنَيَّ إِذَا قَوِيتَ فَاقْوَ عَلَى طَاعَةِ اللَّهِ وَإِذَا ضَعُفْتَ فَاضْعُفْ عَنْ مَعْصِيَةِ اللَّهِ عَزَّ وَجَل». وعنّه أيضًا أنّه قال: «يَا بُنَيَّ بَادِرْ بِعَمَلِكَ قَبْلَ أَنْ يَحْضُرَ أَجَلُكَ وَقَبْلَ أَنْ تَسِيرَ الْجِبَالُ سَيْراً وَتُجْمَعَ الشَّمْسُ وَالْقَمَرُ»[6]. وعن لقمان الحكيم، أنّه قال: «يَا بُنَيَّ
لَا يُعْجِبْكَ إِحْسَانُكَ وَلَا تَتَعَظَّمَنَّ بِعَمَلِكَ الصَّالِحِ فَتَهْلِكَ». وحتى في العبادة يجب رعاية الاعتدال بطبيعة الحال؛ فقد روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال في هذا الشأن: «واقْتَصِد في عبادَتِكَ، وعليك فيها بالأمرِ الدَّائِمِ الَّذي تُطِيقُهُ».
ج. النظرة إلى الصلاة والصوم: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي الصَّلَاةِ، فَإِنَّهَا خَيْرُ الْعَمَلِ وَإِنَّهَا عَمُودُ دِينِكُمْ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي صِيَامِ شَهْرِ رَمَضَانَ فَإِنَّ صِيَامَهُ جُنَّةٌ مِنَ النَّار».
وروي عن الإمام الباقر عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّا نَأْمُرُ صِبْيَانَنَا بِالصَّلَاةِ إِذَا كَانُوا بَنِي خَمْسِ سِنِينَ فَمُرُوا صِبْيَانَكُمْ بِالصَّلَاةِ إِذَا كَانُوا بَنِي سَبْعِ سِنِين».
د. تعلم القرآن: روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال: «اللَّهَ اللَّهَ فِي الْقُرْآنِ، لَا يَسْبِقُكُمْ إِلَى الْعَمَلِ بِهِ غَيْرُكُمْ».
وروي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «مَا مِنْ رَجُلٍ عَلَّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآنَ- إِلَّا تَوَّجَ اللَّهُ أَبَوَيْهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ تَاجَ الْمُلْكِ وَكُسِيَا حُلَّتَيْنِ لَمْ يَرَ النَّاسُ مِثْلَهُمَا». وعن النبي
الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنّه قال: «مَنْ عَلَّمَ وَلَدَهُ الْقُرْآن... َ وَيَثْقُلُ مِيزَانُهُ وَيُجَاوَزُ بِهِ عَلَى الصِّرَاطِ كَالْبَرْقِ الْخَاطِفِ وَلَمْ يُفَارِقْهُ الْقُرْآنُ حَتَّى يَنْزِلَ بِهِ مِنَ الْكَرَامَةِ أَفْضَلَ مَا يَتَمَنَّى».
هـ. الدروس الضرورية في الحياة: قال رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «حقّ الولد على والده أنْ يعلّمه الكتابة والسباحة والرماية، وألّا يرزقه إلّا طيّبًا».
وعن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «أَكْرِمُوا أَوْلَادَكُمْ وَأَحْسِنُوا آدَابَهُمْ يُغْفَرْ لَكُمْ». وعن الإمام علي عليهالسلام أنه قال: «لَا مِيرَاثَ كَالْأَدَبِ».
ومن ذلك على سبيل المثال يجب ترك الكذب حتى في المزاح، فقد روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «لَا يَجِدُ عَبْدٌ طَعْمَ الْإِيمَانِ حَتَّى يَتْرُكَ الْكَذِبَ هَزْلَهُ وَجِدَّهُ». وإن بناء المحبة والمودّة للنبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، وأهل بيته عليهمالسلام، والقرآن الكريم أمرٌ أساسيّ وضروريّ جدًا، فقد روي في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «أدّبوا أولادكم على ثلاث خصال: حبّ نبيّكم، وحبّ أهل بيته، وقراءة القرآن؛ فإنّ حملة القرآن في ظلّ الله يوم لا ظلّ إلّا ظله مع أنبيائه وأصفيائه».
و. تحصين الأولاد في مواجهة الانحرافات: روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «بَادِرُوا أَحْدَاثَكُمْ بِالْحَدِيثِ قَبْلَ أَنْ تَسْبِقَكُمْ إِلَيْهِمُ الْمُرْجِئَةُ».
كما يجب التدقيق والاهتمام وبذل الحرص في اختيار أولادنا لأصدقائهم، فقد ورد في أقوال لقمان الحكيم: «... يَا بُنَيَّ اسْتَكْثِرْ مِنَ الْأَصْدِقَاءِ وَلَا تَأْمَنْ مِنَ الْأَعْدَاءِ فَإِنَّ الْغِلَّ فِي صُدُورِهِمْ مِثْلُ الْمَاءِ تَحْتَ الرَّمَادِ». كما يجب تحرّي الدّقة في اختيار الصديق؛ فقد روي عن الإمام الحسن عليهالسلام أنّه قال لبعض ولده: «يَا بُنَيَّ لَا تُؤَاخِ أَحَداً حَتَّى تَعْرِفَ مَوَارِدَهُ وَمَصَادِرَهُ فَإِذَا اسْتَنْبَطْتَ الْخِبْرَةَ وَرَضِيتَ الْعِشْرَةَ فَآخِهِ عَلَى إِقَالَةِ الْعَثْرَةِ وَالْمُوَاسَاةِ فِي الْعُسْرَةِ».
وفي الأثر: «يَا بُنَيَّ الصَّاحِبُ الصَّالِحُ خَيْرٌ مِنَ الْوَحْدَة»[4]. وعن لقمان الحكيم أنّه قال: «ِ يَا بُنَيَّ اتَّخِذْ أَلْفَ صَدِيقٍ وَأَلْفٌ قَلِيلٌ وَلَا تَتَّخِذْ عَدُوّاً وَاحِداً وَالْوَاحِدُ كَثِير». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال [ما معناه]: «عَلَيْكُمْ بِإِخْوَانِ الصِّدْق... فَإِنَّهُمْ جُنَّةٌ عِنْدَ الْبَلَاءِ». وفي الأثر عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنه قال: «يَا بُنَيَّ مَنْ يَصْحَبْ صَاحِبَ السَّوْءِ لَا يَسْلَم». وفي الأثر: «يَا بُنَيَّ حَمَلْتُ الْجَنْدَلَ وَالْحَدِيدَ وَكُلَّ حِمْلٍ
ثَقِيلٍ فَلَمْ أَحْمِلْ شَيْئاً أَثْقَلَ مِنْ جَارِ السَّوْءِ وَذُقْتُ الْمَرَارَاتِ كُلَّهَا فَلَمْ أَذُقْ شَيْئاً أَمَرَّ مِنَ الْفَقْرِ».
ز. التربية الاجتماعيّة: يجب على المرء أنْ يكون هو السابق إلى السلام والمصافحة قبل الكلام، فقد ورد في الأثر: «يَا بُنَيَّ ابْدَأِ النَّاسَ بِالسَّلَامِ وَالْمُصَافَحَةِ قَبْلَ الْكَلَام». وإنّ سوء الخلق يؤدّي إلى تفرّق الناس عنّا، فقد ورد في الأثر عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «وَ اعْلَمْ أَيْ بُنَيَّ أَنَّهُ مَنْ لَانَتْ كَلِمَتُهُ وَجَبَتْ مَحَبَّتُهُ».
ويجب ألّا نبتلى بالعجب وسوء الخلق وقلة الصبر، فقد ورد في الأثر عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال لابنه محمّد بن الحنفيّة: «إِيَّاكَ وَالْعُجْبَ وَسُوءَ الْخُلُقِ وَقِلَّةَ الصَّبْرِ فَإِنَّهُ لَا يَسْتَقِيمُ لَكَ عَلَى هَذِهِ الْخِصَالِ الثَّلَاثِ صَاحِبٌ وَلَا يَزَالُ لَكَ عَلَيْهَا مِنَ النَّاسِ مُجَانِبٌ».
وفي كثيرٍ من الموارد يكون المنع خيرًا من العطاء مع سوء الخلق، قال الإمام علي عليهالسلام: «لَبَعْضُ إِمْسَاكِكَ عَنْ أَخِيكَ مَعَ لُطْفٍ خَيْرٌ مِنْ بَذْلٍ مَعَ جَنَفٍ». وفي الأثر: «يا بني لا تستخفّن برجلٍ تراه أبدًا؛ إنْ كان أكبر منك فعدّ أنّه أبوك، وإنْ كان منك
هو أخوك، وإنْ كان أصغر منك فاحسب أنّه ابنك». يجب أنْ نربّي أولادنا على قبول العذر من المعتذر، فقد روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال: «واقْبِل عُذْرَ مَن اعْتَذَر إليْك، وخُذْ العَفْو من النَّاس».
وعنه أيضًا أنّه قال: «... ولا تُذِعْ سِرَّهُ وإن أذاعَ سِرَّك». وروي عن الإمام الكاظم عليهالسلام، أنّه قال: «يَا بُنَيَّ أَدِّ الْأَمَانَةَ تَسْلَمْ لَكَ دُنْيَاكَ وَآخِرَتُكَ وَكُنْ أَمِيناً تَكُنْ غَنِيّاً».
قد نشاهد في أغصان شجرة نمط الحياة، مشتركاتٍ كثيرةً بين المسلمين وغير المسلمين، ولكن لا يمكن الحكم في الواقع على هذه الأمور بنحوٍ واحد؛ إذ إنّ الأنظار الأساسية للأفراد مصيرية جدًّا. فعندما ننظر إلى ظاهر أفعال الناس قد لا نرى اختلافًا واضحًا؛ إذ الجميع لهم احتياجاتٌ مشتركة؛ فجميع الناس يأكلون ويشربون ويرتادون الأسواق ويمارسون الأعمال والوظائف ويقيمون العلاقات فيما بينهم ويتزوّجون، وتارةً يكونون مغتبطين وسعداء، وتارةً أخرى يكونون ممتعضين وتعساء.
وفي ضوء هذا البيان هناك وجودٌ لسلكٍ ناظمٍ لحبّات السبحة أيضًا حيث يخضع هذه الأنظار العامّة تحت تأثيره. من ذلك على سبيل المثال أنّ كثيرًا من المعتقدات الكلامية والأخلاقيّة، من قبيل تعميم الحياة على الدنيا والآخرة، وتعميمها من المادي البحت إلى الحياة المادّيّة/المعنويّة، والتوكل على الله، والاتّصاف بالتقوى، والثواب والمعصية، والصحيح والخطأ، والعدل والبحث عن العدالة، وما إلى ذلك
(87)من الأمور الأخرى، تعدّ من الموارد التي تسجّل حضورها في جميع الأنظار الكلية مورد البحث.
إنّ النظرة إلى الوجود هي من الأنظار الأساسيّة والمؤثّرة جدًّا في نمط حياة الأفراد. إنّ كلّ شخصٍ ينظر (بوعي أو بغير وعي) إلى مجموع الوجود بنحوٍ من الأنحاء، ويقوم على أساس ذلك برسم الأهداف والخطوط العريضة والمسارات الطويلة في حياته، والرؤية الأنطولوجية الإسلاميّة بدورها لا تعدّ استثناء من هذه القاعدة. وكلّما كانت الأنطولوجيا لدى الأفراد والجماعات والمجتمعات أكثر تطابقًا مع المفاهيم الإسلاميّة، وكانت مشبعةً في القرارات والقوانين الحاكمة عليها، فإنّ نمط حياتهم يكون أقرب إلى الحالة المطلوبة إسلاميًّا. وسوف نعمل في هذه المقالة على بيان الخطوط العامّة لها في حدود القضايا الخبرية على شكلٍ توضيحاتٍ مختصرة.
إنّ الغيب يشمل أمورًا من قبيل: الله، والملائكة، والجن، والشيطان، والروح، والبرزخ، والقيامة، والجنة والنار، وإمام العصر عليهالسلام. إنّ جانبًا من الوجود، يتمثّل في هذه الطبيعة المحيطة بنا، والتي يكون الجانب الظاهر الأرض، والسماء، والنجوم وما إلى ذلك؛ وقد تحدّث القرآن الكريم عن خصوص هذه الطبيعة بمختلف العبارات، وفيما يأتي سوف نشير إلى بعضها.
بيد أنّ الجزء الأعظم من الحياة، هو الجانب الغيبي منه، بنحو لا يمكن قياسه إلى الجانب المشهود منه، وله من حيث التأثير سهمٌ كبيرٌ جدًا، وإنْ كنا بسبب الانهماك والانشغال الكبير بالجانب المادي والمشهود منه، لا نأنس بالجانب الآخر منه، ويبقى هذا الجانب مجهولًا بالنسبة لنا، ولكننا لا نشكّ في وجوده، وإنّ كثيرًا من إشكالات نمط حياة الإنسان يعود سببه إلى عدم التدقيق وعدم الاعتقاد بهذه الأمور الغيبية. وعليه لو لم يتمكّن الشخص من حلّ مسألة الغيب، لن يكون قادرًا على الاعتقاد بالإسلام والعمل به بشكل حقيقي. إنّ أمورًا من قبيل: الله، والقيامة، والجنة والنار، والملائكة، والجن، والشيطان، وإمام العصر عليهالسلام، والعلوم الخاصّة بجميع هذه الأمور، وما وراء الزمان والمكان وكلّ ما هو غير مادّي، ولا يحتوي على خصائص المادّة، يُعدّ بأجمعه من مصاديق الغيب. إنّ الإنسان في حياته الدنيويّة يستطيع أنْ يعلم ببعض مصاديق الغيب بإذن الله، وسوف تتضح له بعض مصاديقه بعد الموت وفي عالم البرزخ أو في عالم الآخرة، وبعضها الآخر لن ينكشف أبدًا؛ فهو من الأمور التي اختصّ بها الله سبحانه وتعالى لنفسه. إنّ الله سبحانه وتعالى هو عالم الغيب والشهود، وبيده كلّ شيء، ولا يطلع على غيبه أحد إلّا بإذنه، وحتّى الأنبياء عليهمالسلام لا يمكنهم ادّعاء ذلك. قال الله تعالى:﴿وَعِنْدَهُ مَفَاتِحُ الْغَيْبِ لَا يَعْلَمُهَا إلَّا هُوَ وَيَعْلَمُ مَا فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي
ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾(الأنعام: 59). وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «فَيَعْلَمُ اللَّهُ سُبْحَانَهُ مَا فِي الْأَرْحَامِ مِنْ ذَكَرٍ أَوْ أُنْثَى وَقَبِيحٍ أَوْ جَمِيلٍ وَسَخِيٍّ أَوْ بَخِيلٍ وَشَقِيٍّ أَوْ سَعِيدٍ وَمَنْ يَكُونُ [لِلنَّارِ] فِي النَّارِ حَطَباً أَوْ فِي الْجِنَانِ لِلنَّبِيِّينَ مُرَافِقاً». وعنه عليهالسلام أيضًا أنّه قال: «وَ اعْلَمْ أَنَّ الرَّاسِخِينَ فِي الْعِلْمِ هُمُ الَّذِينَ أَغْنَاهُمْ عَنِ اقْتِحَامِ السُّدَدِ الْمَضْرُوبَةِ دُونَ الْغُيُوبِ الْإِقْرَارُ بِجُمْلَةِ مَا جَهِلُوا تَفْسِيرَهُ مِنَ الْغَيْبِ الْمَحْجُوبِ...».
1. وإنّ الله سبحانه وتعالى من مصاديق الغيب؛ فلا يمكن لأحدٍ أنْ يراه؛ ولذلك يجب على الناس أنْ يؤمنوا بوجوده من خلال العلامات، وهي محيطةٌ بنا بكثرة، وقد تحدّث عنها القرآن الكريم أيضًا، وجميع الظواهر والأمور من كبيرها وصغيرها وجميع الارتباطات وأنحائها، تعدّ من الأدلة على وجود الله سبحانه وتعالى.
2. من بين المصاديق الأخرى للغيب الملائكة: إنّ الملائكة لهم حضورٌ في تدبير
أمور الوجود في طول التدبير الإلهي وبأمرٍ منه، ولكن لا يمكن رؤيتهم إلّا في يوم القيامة، وبعضهم يظهر عند اللزوم في هذه الدنيا بعد أنْ يتّخذون شكلًا من الأشكال المرئيّة والمحسوسة.
3. من المصاديق الأخرى للغيب، الجن: ليس هناك أيّ شكٍّ في وجود الجن؛ إذ بالإضافة إلى كثيرٍ من الحكايات والمأثورات المتوفّرة حول الجن، هناك سورة في القرآن الكريم باسم الجن، وهي تتحدّث عن حقيقة هذه الكائنات. وهناك كثيرٌ من الأبحاث والدراسات المتفرّقة حول الجن ووجه تسميتهم بهذا الاسم. ولماذا يرد ذكر الجن في الغالب مقرونًا بالإنسان؟ وكيف تكون حياة هذه الموجودات وموتها؟ وما هي ماهية الجن؟ وما هي مساحة نشاطهم وتأثيرهم؟ وما هي حدود ونوعية قدراتهم؟ وما هو مبلغ علمهم؟ وهل يمكن رؤيتهم؟ وما هي صلتهم بالوحي والقرآن الكريم والنبوّة؟ على الرغم من أنّ علم الجن لا يحتاج إلى مقدماتٍ مادّيّةٍ كما هو الشأن في الإنسان، ولكنّهم مع ذلك لا يعلمون بكلّ شيء؛ فإنّ هناك أمورًا يجهلونها. من ذلك على سبيل المثال أنّ الجن ظلتّ جاهلةً بموت النبي سليمان عليهالسلام،
ولم يحصل لها علم بذلك حتى أكلت حشرة الأرضة عكازته ومنسأته التي كان متكئًا عليها، فاختل توازنه وسقط إلى الأرض، عندها أدرك الجميع أنّ النبي سليمان قد مات منذ زمن ليس بالقريب.
يخبرنا الله تعالى أنّ خلق الجن كان سابقًا على خلق الإنسان، وأنّه قد خُلق من جنسٍ آخر؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى:﴿وَلَقَدْ خَلَقْنَا الْإنْسَانَ مِنْ صَلْصَالٍ مِنْ حَمَإٍ مَسْنُونٍ وَالْجَانَّ خَلَقْنَاهُ مِنْ قَبْلُ مِنْ نَارِ السَّمُومِ﴾(الحجر: 27-28). وعندما خلق الله الإنسان، كان قد خلق الجن (الذين كان الشيطان من بني جنسهم)، وكانوا يسكنون في الأرض. إنّ الغاية من خلق الجن وخلق الإنسان واحدة؛ إذ يقول الله سبحانه وتعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات: 56). كما أنّ عاقبتهما ومصيرهما واحدٌ ومشتركٌ أيضًا؛ إذ لديهم حرية الاختيار، ويمتلكون القدرة على الفعل والعمل، ويسلكون مع الإنس المسار إلى الجنّة أو النار. يمكن للجنّ والإنس أنْ يعملا على تسخير بعضهما. قال الله سبحانه وتعالى:﴿وَيَوْمَ يَحْشُرُهُمْ جَمِيعًا يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ قَدِ اسْتَكْثَرْتُمْ مِنَ الْإنْسِ وَقَالَ أوْلِيَاؤُهُمْ مِنَ الْإنْسِ رَبَّنَا اسْتَمْتَعَ بَعْضُنَا بِبَعْضٍ وَبَلَغْنَا أجَلَنَا الَّذِي أجَّلْتَ لَنَا قَالَ النَّارُ مَثْوَاكُمْ خَالِدِينَ فِيهَا إلَّا مَا شَاءَ اللَّهُ﴾(الأنعام: 128). وقال أيضًا:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا
وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا أُولَئِكَ كَالْأَنْعَامِ بَلْ هُمْ أضَلُّ أُولَئِكَ هُمُ الْغَافِلُونَ﴾(الأعراف: 179).
ويمكن للجن أنْ يتواصلوا مع الإنسان أيضًا، إذ يقول الله سبحانه وتعالى:﴿وَحُشِرَ لِسُلَيْمَانَ جُنُودُهُ مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ وَالطَّيْرِ فَهُمْ يُوزَعُونَ﴾(النمل: 17). ويمكن لهم الحصول على قدراتٍ خاصةٍ تفوق المادّة وخصائصها؛ وفي ذلك قال الله تعالى:﴿قَالَ عِفْريتٌ مِنَ الْجِنِّ أنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ﴾(النمل: 39). وفي كثيرٍ من النصوص الدينيّة يرد استعمال مفردتي الجن والإنسان معًا وفي سياقٍ واحد. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، [عن لقمان الحكيم] أنّه قال: «يَا بُنَيَّ خَفِ اللَّهَ خَوْفاً لَوْ أَتَيْتَ الْقِيَامَةَ بِبِرِّ الثَّقَلَيْنِ- خِفْتَ أَنْ يُعَذِّبَكَ- وَارْجُ اللَّهَ رَجَاءً لَوْ وَافَيْتَ الْقِيَامَةَ بِإِثْمِ الثَّقَلَيْنِ- رَجَوْتَ أَنْ يَغْفِرَ لَكَ». وروي عن الإمام زين العابدين عليهالسلام، أنّه قال: «... مِنْهُمْ خَمْسَةٌ أُولُو الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ، قُلْنَا مَنْ هُمْ؟ قَالَ نُوحٌ وَإِبْرَاهِيمُ وَمُوسَى وَعِيسَى وَمُحَمَّدٌ ص قُلْنَا لَهُ مَا مَعْنَى أُولُو الْعَزْمِ؟ قَالَ بُعِثُوا إِلَى شَرْقِ الْأَرْضِ وَغَرْبِهَا جِنِّهَا وَإِنْسِهَا».
4. الشيطان من المجرّدات ومن الأمور الغيبية أيضًا: سبق أنْ أشرنا بإنّالشيطان
من الجن وهو عدوّ للإنسان، وقد أقسم على أنْ يبذل كلّ ما بوسعه من أجل إضلال الإنسان. إنّ الإنسان لا يرى الشيطان، ولكن الشيطان يرى الإنسان، ويسلك كلّ الوسائل والسُبُل من أجل إضلال الإنسان، ويدخل من كلّ الأبواب، ولكنّه لا يمتلك قوّةً قاهرةً على الإنسان، وإنّما هو قوي في وسوسته وفي عهوده الواهية فقط. إنّ موضوع الشيطان في نمط الحياة الإسلاميّة قد حظي بالاهتمام؛ لكون مساره الإضلالي مقابل المسار الإلهي، وحزب الشيطان في قبال حزب الله، واتّباعه على الدوام تمرّدًا على الأوامر الإلهيّة. يقول الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّبِعُوا خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ وَمَنْ يَتَّبِعْ خُطُوَاتِ الشَّيْطَانِ فَإنَّهُ يَأْمُرُ بِالْفَحْشَاءِ وَالْمُنْكَرِ﴾(النور: 21). وقال الله سبحانه تعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾
(المائدة: 90). إنّ الشيطان ليس له عمرٌ محدودٌ وقصير الأجل، كما هو الحال بالنسبة إلى الإنسان، بل قد أمهله الله وأعطاه من العمر ما يمكنه من البقاء على قيد الحياة إلى يوم القيامة، وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:﴿قَالَ أنْظِرْنِي إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ قَالَ إنَّكَ مِنَ الْمُنْظَرِينَ﴾(الأنعام: 15). وكما هو الأمر كذلك بالنسبة لنا كان كذلك بالنسبة إلى الماضين، وسيبقى كذلك بالنسبة إلى الآتين.
يقول الله سبحانه وتعالى:﴿وَعَادًا وَثَمُودَ وَقَدْ تَبَيَّنَ لَكُمْ مِنْ مَسَاكِنِهِمْ وَزَيَّنَ لَهُمُ الشَّيْطَانُ أعْمَالَهُمْ فَصَدَّهُمْ عَنِ السَّبِيلِ﴾(العنكبوت: 38). ولكن هذا الضال سوف يخاطب الشيطان يوم القيامة، قائلًا:﴿يَا لَيْتَ بَيْنِي وَبَيْنَكَ بُعْدَ الْمَشْرِقَيْنِ فَبِئْسَ الْقَرِينُ﴾(الزخرف: 38).
5. روح الإنسان من بين الأمور الغيبية الأخرى: إنّ الإنسان في الأنطولوجيا الإسلاميّة يتألّف من عنصرين وبُعدين، وهما: الجسم والروح. وماهية الروح الإنسانية غير معلومةٍ لدى الإنسان بشكل كامل، وهي في إيجادها الأول ليست شيئًا منفصلًا عن المادة؛ فهي ذات الروح التي كانت موجودةً في الطفل عند ولادته، وسوف تبقى على اتصالٍ بالمادة إلى النهاية وتتكامل معها؛ من قبيل الماء المختلط بالتراب والطين الذي يترسّب فيه التراب بالتدريج ويتحوّل الماء على سطحه صافيًا ونقيًا. وفي المجموع فإنّ الإنسان لا يتمكّن من الحصول إلّا على القليل بشأن الروح، وفي الحقيقة فإنّ المعرفة التامّة والإحاطة الكاملة بشأن ماهية الروح إنّما هي
من مختصات الله سبحانه وتعالى، ومنسوبة إلى ذات الله عزّ وجل؛ فهو الذي خلق الإنسان ونفخ فيه من روحه. ولكن يمكن لنا الحصول على كثيرٍ من المعلومات الأخرى من طريق النصوص الدينيّة والتجارب الإنسانيّة.
من ذلك على سبيل المثال أنّ الروح هي الأصل، والجسم مستقرٌّ وظرفٌ للعيش والحياة وتطوير الروح في هذا العالم المادي. في مواطن كثيرةٍ من القرآن الكريم يتمّ التعبير عن الإنسان في الآخرة بـ«الروح». إنّ الله سبحانه وتعالى يدعو الروح إليه عند موت الإنسان، وكذلك هي تحلّق إلى بارئها في أثناء نوم الإنسان، ولكنها تعود إلى البدن ثانية إذا لم يحن أجل الإنسان بعد.
إنّ للروح الإنسانية حالاتٍ وخصائص، من ذلك على سبيل المثال أنّ الحسد بمنزلة السجن بالنسبة إلى الروح، وأن تحمّل الأحمق عذاب لها، ومداومة الذكر قوت الأرواح، وقد ورد في الأثر عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: « صُحْبَةُ الْوَلِيِّ
اللَّبِيبِ حَيَاةُ الرُّوحِ». وفي الأثر: «الرُّوحُ عِمَادُ الدِّينِ وَالْعِلْمُ عِمَادُ الرُّوحِ وَالْبَيَانُ عِمَادُ الْعِلْمِ». إنّ لكلّ عضوٍ من أعضاء الإنسان ذكره الخاصّ على ما ورد في الحديث القائل: «ِ فَذِكْرُ اللِّسَانِ الْحَمْدُ وَالثَّنَاءُ وَذِكْرُ النَّفْسِ الْجَهْدُ وَالْعَنَاءُ وَذِكْرُ الرُّوحِ الْخَوْفُ وَالرَّجَاءُ وَذِكْرُ الْقَلْبِ الصِّدْقُ وَالصَّفَاءُ وَذِكْرُ الْعَقْلِ التَّعْظِيمُ وَالْحَيَاءُ وَذِكْرُ الْمَعْرِفَةِ التَّسْلِيمُ وَالرِّضَا وَذِكْرُ السِّرِّ عَلَى رُؤْيَةِ اللِّقَاء».
تعتري الجسم ستّ حالاتٍ على ما روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ لِلْجِسْمِ سِتَّةَ أَحْوَالٍ الصِّحَّةَ وَالْمَرَضَ وَالْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ وَالنَّوْمَ وَالْيَقَظَةَ وَكَذَلِكَ الرُّوحُ فَحَيَاتُهَا عِلْمُهَا وَمَوْتُهَا جَهْلُهَا وَمَرَضُهَا شَكُّهَا وَصِحَّتُهَا يَقِينُهَا وَنَوْمُهَا غَفْلَتُهَا وَيَقَظَتُهَا حِفْظُهَا». وقد روي عن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: « السُّرُورُ يَبْسُطُ النَّفْسَ وَيُثِيرُ النَّشَاطَ، الْغَمُّ يَقْبِضُ النَّفْسَ وَيَطْوِي الِانْبِسَاطَ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: « الْمَطْلُ [في الإحسان] عَذَابُ النَّفْسِ».
إنّ النعمة والعذاب يختلفان بالنظر إلى الشيء الذي يُنسبان إليه؛ من ذلك
أنّ الروح مثلًا لها نوع من السعادة والشقاء، وأنّ للجسم نوعًا آخر من السعادة والشقاء؛ فالإنسان المادي يرى أنّ السعادة مادّيّة، ولا يرى أهميّةً لسعادة الروح؛ ولهذا السبب فإنّه يسعى بجشعٍ من أجل الحصول على الأموال والأولاد والمقام والمناصب والسلطة. وأمّا القرآن الكريم فإنّه يرى أنّ الإنسان يتكوّن من روحٍ خالدةٍ وجسدٍ ماديٍّ متغيّرٍ ومتجوّل. ويبقى الإنسان على ما هو عليه من هذا المزيج، إلى أنْ يعود إلى ربّه وخالقه، وعندها يصل إلى مرحلة البقاء والخلود. وعلى هذا الأساس فإنّ الذي يكون مادةً لسعادة الروح (مثل العلم) يُعدّ من سعادته، وإنّ ما يكون مادةً لسعادة الجسم والروح كليهما (من قبيل: الأموال والأولاد، إذا لم تمنعه من ذكر الله) يُعدّ من سعادته أيضًا، وكذلك فإنّ الذي يؤدّي إلى عذابه وشقائه الجسدي في سبيل سعادة الروح (من قبيل: بذل الأرواح والأموال في سبيل الله)، يُعدّ من سعادة الروح، وأمّا الذي يؤدّي إلى شقاء الروح (أنْ يتمتّع بصحّةٍ وراحةٍ جسديّةٍ أم لا)، يؤدّي إلى شقاء الروح وعذابها.
6. البرزخ من أمور الغيب التي لا يمكن مشاهدتها: نحن لا نرى البرزخ، ولكنّنا نؤمن به، وهو المرحلة الأولى بعد الموت. روي في المأثور عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «الْبَرْزَخُ الْقَبْرُ وَفِيهِ الثَّوَابُ وَالْعِقَابُ بَيْنَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ». وعن الإمام زين العابدين عليهالسلام، في تفسير قوله تعالى:﴿وَمِنْ وَرَائِهِمْ بَرْزَخٌ إلَى يَوْمِ يُبْعَثُونَ﴾(المؤمنون: 100)، قال: «هُوَ الْقَبْرُ وَإِنَّ لَهُمْ فِيهِ لَمَعِيشَةً ضَنْكاً وَاللَّهِ إِنَّ الْقَبْرَ
لَرَوْضَةٌ مِنْ رِيَاضِ الْجَنَّةِ أَوْ حُفْرَةٌ مِنْ حُفَرِ النَّارِ». وقد مرّ الإمام علي عليهالسلام في طريقه بالجبّانة، فقال لمن كانوا معه: «... وَقَدْ غُودِرَ فِي مَحَلَّةِ الْأَمْوَاتِ رَهِيناً وَفِي ضِيقِ الْمَضْجَعِ وَحِيداً ... وَصَارَتِ الْأَجْسَادُ شَحِبَةً بَعْدَ بَضَّتِهَا وَالْعِظَامُ نَخِرَةً بَعْدَ قُوَّتِهَا وَالْأَرْوَاحُ مُرْتَهَنَةً بِثِقَلِ أَعْبَائِهَا مُوقِنَةً بِغَيْبِ أَنْبَائِهَا...».
إنّ عالم البرزخ مثل يوم القيامة، ينطوي على نوع ٍمن العذاب والثواب؛ فالذين يعيشون في الدنيا باستقامةٍ وصلاحٍ، سوف يحصلون في البرزخ على حياةٍ هانئة، من ذلك على سبيل المثال أنّ الشهداء في سبيل الله سوف يحظون برعايةٍ خاصّةٍ من عند الله في عالم البرزخ. يحصل المؤمنون على سعادةٍ تجعلهم يرغبون في إخبار أهلهم وذويهم بما هم عليه من السعادة. وهناك من يعاني من العذاب الشديد بحيث يجد نفسه وهو يُعرض على النار في الليل والنهار. وهناك من يقرّ بذنوبه ويتمنى العودة.
7. القيامة مرحلة بعد البرزخ: يوم القيامة يوم يخرج جميع الناس من قبورهم، ولا يعلم أحدٌ متى يحين وقت ذلك، فقد كان الناس يسألون النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم عن
وقت يوم القيام، فيقول الله لهم:﴿يَسْألُكَ النَّاسُ عَنِ السَّاعَةِ قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ اللَّهِ وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّ السَّاعَةَ تَكُونُ قَرِيبًا﴾(الأحزاب: 63). وقال أيضًا:﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي﴾(الأعراف: 187).
وقال الله تعالى:﴿حَتَّى إذَا جَاءَتْهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً قَالُوا يَا حَسْرَتَنَا عَلَى مَا فَرَّطْنَا فِيهَا﴾(الأنعام: 31). وقال أيضًا:﴿أوْ تَأْتِيَهُمُ السَّاعَةُ بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ﴾(يوسف: 107). لقد ورد بيان كثيرٍ من الأبحاث القرآنيّة في هذا الشأن، ولكن الذي نرومه هو مجرّد التأكيد على أنّ القيامة من وجهة نظر الإسلام أمرٌ قطعيّ لا ريب فيه، وأنّه من مصاديق الغيب، ويجب علينا الإيمان به، بوصفه يوم الحساب الدقيق الذي لا تفوته الأمور الصغيرة جدًّا، وهو يوم حصد نتائج وثمار الأعمال التي قام بها الإنسان في الحياة الدنيا؛ فأمّا من قام بالأعمال الحسنة فسوف يحصل على ثواب هذه الأعمال، وأمّا الذي اقترف الأعمال السيئة سوف ينال جزاءه عليها.
وفي الحقيقة فإنّه اليوم الذي سيظهر فيه الإنسان على الشكل الذي صاغه لنفسه في الحياة الدنيا. ولن يتعرّض أحدٌ للظلم أبدًا، وإنّ أعمالنا التي صدرت
عنا في الدنيا تتجلّى في يوم القيامة بشكل دقيق. وسيكون الإنسان في ذلك اليوم في الخلود. وسوف تكون تلك المرحلة هي المرحلة الوجوديّة الأخيرة للإنسان، التي يحصل فيها كلّ شخصٍ على مكانه المناسب، ولن تكون هناك في يوم القيامة فرصة لقيام الإنسان بالأعمال الحسنة. ولا يوجد هناك إمكانيّةٌ للعودة إلى الدنيا والقيام بالأعمال الصالحة. وإنّ الخاسر الحقيقي هو الذي سيجد نفسه هناك خاسرًا. ولا توجد هناك إمكانيةٌ لممارسة الخداع والاحتيال على الله عزّ وجل ولا على الآخرين. إنّ هذا النوع من المعتقدات والمعلومات والمئات من الأمثلة العامة والجزئية بشأن يوم القيامة إنّما نصل إليه من الآيات والروايات. وهذه الأمور بأجمعها من مصاديق الغيب، ونحن نؤمن بها تعبّدًا.
8. الجنة والنار بدورهما من مصاديق الأمور الغيبيّة أيضًا: نحن إنّما نؤمن بالجنة والنار؛ لأنّ الآيات والروايات قد دلّت على وجودهما. إنّ الجنة والنار في يوم القيامة إنّما هما نتيجة لأعمالنا في هذه الدنيا. وقد وُعد المؤمنون والمتقون بالجنة، التي هي بحجم جميع السماوات والأرض. وسوف يعيش المؤمنون هناك في حدائق وعيون وأنهار جارية، وسوف يكونون في أمنٍ كاملٍ، ولن يكون في صدورهم أيّ غلٍّ أو
ضغينةٍ تجاه بعضهم.
وسوف تتوفّر لديهم جميع وسائل الطمأنينة والراحة، ولن يسمعوا أيّ لغوٍ أو كلامٍ باطل، وتكون نعم الجنة معدّةً لهم وفي متناول أيديهم على الدوام، ولن يعانوا من أيّ نوعٍ من أنواع النقص والحاجة أبدًا. ولن يكون هناك موتٍ وفناء، وسوف يرثون هذه الجنة ويقيمون فيها خالدين.
وفي ذلك اليوم سوف يشكر المؤمنون الله على أنْ هداهم، ويقال لهم إنّ هذه الجنة هي ثمرة أعمالكم الصالحة التي قمتم بها في الحياة الدنيا. وإنّ هذا التراث إنّما يعطى للمؤمنين مكافأةً وثوابًا على خروجهم بنجاح من كثيرٍ من الاختبارات والابتلاءات.
وفي المقابل فإنّ الكفّار المعاندين والمكابرين الذي اختاروا اتّباع الشيطان عن
علمٍ وإصرار، وآثروا العبودية للشيطان على العبوديّة لله، فسوف يقعون في العذاب الشديد. وإنّ بعض الأشخاص من أمثال آل فرعون سوف يتعرضون للعذاب في الليل والنهار حتى في البرزخ وقبل يوم القيامة، وفي يوم القيامة سوف يدخلون إلى عذاب شديد. وسوف يكون للكفّار في جهنم طبقات من النار من فوقهم ومن تحت أرجلهم. إنّ نار جهنم بالنسبة إلى الكفار سوف تكون بنحوٍ لا تميتهم فتريحهم، أو تهدأ فتخفف العذاب قليلًا عنهم. بل لا يموتون ولا يبقون على قيد لحياة. وهنالك سوف يضحك المؤمنون من الكافرين.
في الأنطولوجيا الإسلاميّة يعدّ عالم ما قبل الولادة (عالم الأرحام)، وما بعد الولادة (من الولادة إلى الممات)، وما بعد الموت (عالم البرزخ والقبر) وما بعد القبر (القيامة ويوم الحساب ومنازله المختلفة وصولًا إلى جنان الخلد أو عذاب الجحيم)، تُعدّ تلك العوالم مترابطةً بأجمعها فهي كلٌّ منسجم. إنّ الدنيا في هذه السلسلة المترابطة
الحلقات ليس لها قيمةٌ أصيلة، وإنّما هي مزرعة للآخرةٌ ومقدّمةٌ لها، وعليه فإنّ الأصالة إنّما تكون للحياة في الآخرة. بيد أنّ الله سبحانه وتعالى بوساطة الحرية والاختيار الذي أعطاه للإنسان، جعله مسؤولًا عن أفعاله. وإنّ الإنسان بالنظر إلى قدراته وإمكاناته المكتسبة وموادّه الأولية هو الذي يصنع المراحل اللاحقة، كما هو الحال بالنسبة إلى المشروع التجاري الذي يخوض الأشخاص غماره ويضعون رؤوس أموالهم فيه ويبذلون سعيهم، وكلّ من يبذل المزيد من الجهود والمثابرة، يصل إلى ربح أكبر، وكلّ من يتقاعس ويتكاسل أو يسيء الصنع، قد يقضي على ثروته (المتمثّلة في عمره وقدراته الجسديّة والنفسيّة والمادّيّة والمعنويّة وما إلى ذلك)، ولن يحصل على أيّ ربح أبدًا، وقد حذّره الله من مستقبلٍ أليم، وعليه فإنّ هؤلاء لا يُحرمون من الربح فحسب، بل وينفقون ثرواتهم وقدراتهم على إلحاق الضرر بالآخرين، ويمنعون غيرهم من سلوك الطريق الصحيح أيضًا. وإنّ الذي نروم التأكيد عليه والتذكير به هو أنّ جميع مراحل الوجود مترابطة الحلقات، وليست منفصلةً عن بعضها. وبعبارةٍ أخرى: لا يمكن لأيّ شخصٍ في الآخرة إلا أنْ يحصد ما جنته يداه في الدنيا. قال الله تعالى لبني إسرائيل:﴿قُلْ يَا أيُّهَا الَّذِينَ هَادُوا
إنْ زَعَمْتُمْ أنَّكُمْ أوْلِيَاءُ لِلَّهِ مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ﴾(الجمعة: 6). وقال الله تعالى أيضًا:﴿قُلْ إنْ كَانَتْ لَكُمُ الدَّارُ الْآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوُا الْمَوْتَ إنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ وَلَتَجِدَنَّهُمْ أحْرَصَ النَّاسِ عَلَى حَيَاةٍ وَمِنَ الَّذِينَ أشْرَكُوا يَوَدُّ أحَدُهُمْ لَوْ يُعَمَّرُ ألْفَ سَنَةٍ وَمَا هُوَ بِمُزَحْزِحِهِ مِنَ الْعَذَابِ أنْ يُعَمَّرَ وَاللَّهُ بَصِيرٌ بِمَا يَعْمَلُونَ﴾(البقرة: 94-96).
إنّ القرآن الكريم يعدّ الطبيعة ثروةً وضعها الله سبحانه وتعالى تحت تصرّف الإنسان، ويتعيّن على الإنسان أنْ يتعرّف عليها بشكلٍ دقيقٍ ويعمل على استثمارها والاستفادة منها. من ذلك -على سبيل المثال- أنّ الله سبحانه وتعالى يقول:﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ﴾(ق: 6-7). وقال تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ الْفُلْكَ لِتَجْرِيَ فِي الْبَحْرِ بِأمْرِهِ﴾(إبراهيم: 32)، وقال أيضًا:﴿اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ الْبَحْرَ لِتَجْرِيَ الْفُلْكُ فِيهِ بِأمْرِهِ﴾(الجاثية: 12). وقد وضع الله الشمس والقمر
في حركةٍ دائمةٍ لكي نستفيد منهما، والماء الذي ينزل من السماء ويعيد الحياة إلى الأرض، والحيوانات والنباتات التي تعيش في الأرض، والرياح والسُحُب التي يتمّ العمل على إيجادها في مسار المتغيّرات الطبيعية، وتنطوي بأجمعها على فوائد للإنسان.
إنّ الله سبحانه وتعالى يصف الإنسان بأنّه من أفضل مخلوقاته، الذي جعل عبادة الله عزّ وجل غاية خلقه، وقد بيّن له كلّ ما هو ضروري له في مسار هذه العبادة، وأرسل له الأنبياء والرسل، وأنزل عليه الكتب في هذا الإطار، وكان النبيّ محمّدٌ صلىاللهعليهوآلهوسلم، سيِّد أولئك الرسل وخاتمهم، الذي أنزل عليه القرآن الكريم أيضًا.
إنّ الأرض مهدٌ للإنسان يسير عليها، ويستفيد من خيراتها ومصادرها الطبيعيّة
(من قبيل: الماء والهواء والحرارة والأرض والنباتات وما إلى ذلك). وإنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق جميع هذه الأمور من أجل الإنسان، وأعطاه القدرة، وأذن له في استثمارها وتسخيرها؛ فالإنسان يحصل على الطعام من البحر، ويستخرج منه الحلية والزينة، ويعمل على توظيف النجوم في تحديد الاتجاهات في الليل. وقد خلق السماء بأعمدةٍ غير مرئية، وأقام الجبال في الأرض لتحفظها من المَيدان الضار، وخلق فيها من جميع أنواع الكائنات والدواب وأصنافها.
قال الله تعالى:﴿الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ الْأَرْضَ فِرَاشًا وَالسَّمَاءَ بِنَاءً وَأنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجَ بِهِ مِنَ الثَّمَرَاتِ رِزْقًا لَكُمْ﴾(البقرة: 22). إنّ طبيعة الأرض غير مستعصية ولا حرون، بل هي سهلة وذلول. وإنّ الأرض والسماء ملك لله سبحانه وتعالى،
وهي طوع أمره. وإنّ الله عزّ وجل يأمرها ويفرض سلطانه عليها.
يتضح من كثيرٍ من الأبحاث المتقدّمة أنّ الله سبحانه وتعالى هو المؤثّر الأول وبالذات في جميع الوجود. وإنّ إيجاد جميع الكائنات الأخرى إنّما يكون بمشيئته وإرادته. وليس هناك وجودٌ مستقلٌ لأيّ مخلوقٍ من مخلوقات الله سبحانه وتعالى. وإنّ كلّ شيء إنّما يكتسب وجوده من حيث ارتباطه بالله فقط، وهذا الارتباط لا يقتصر على الإيجاد الأولي فقط، بل يكون الأمر على هذه الحالة في جميع لحظات وجود الكائن وبقائه.
يقول الله تعالى:﴿اللَّهُ لَا إلَهَ إلَّا هُوَ الْحَيُّ الْقَيُّومُ لَا تَأْخُذُهُ سِنَةٌ وَلَا نَوْمٌ لَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ مَنْ ذَا الَّذِي يَشْفَعُ عِنْدَهُ إلَّا بِإذْنِهِ يَعْلَمُ مَا بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَمَا خَلْفَهُمْ وَلَا يُحِيطُونَ بِشَيْءٍ مِنْ عِلْمِهِ إلَّا بِمَا شَاءَ وَسِعَ كُرْسِيُّهُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَلَا يَئُودُهُ حِفْظُهُمَا وَهُوَ الْعَلِيُّ الْعَظِيمُ﴾(البقرة: 255). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿اللَّهُ نُورُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ مَثَلُ نُورِهِ كَمِشْكَاةٍ فِيهَا مِصْبَاحٌ الْمِصْبَاحُ فِي زُجَاجَةٍ الزُّجَاجَةُ كَأنَّهَا كَوْكَبٌ دُرِّيٌّ يُوقَدُ مِنْ شَجَرَةٍ مُبَارَكَةٍ زَيْتُونَةٍ لَا شَرْقِيَّةٍ وَلَا غَرْبِيَّةٍ يَكَادُ زَيْتُهَا يُضِيءُ وَلَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نَارٌ نُورٌ عَلَى نُورٍ يَهْدِي اللَّهُ لِنُورِهِ مَنْ يَشَاءُ﴾(النور: 35).
إنّ كلّ نورٍ آخر إنّما هو مجرّد تجلٍّ وانعكاس عن نوره، وهو طوع أمره وإرادته؛
إذ يقول الله تعالى:﴿لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَهَا أنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَلَا اللَّيْلُ سَابِقُ النَّهَارِ وَكُلٌّ فِي فَلَكٍ يَسْبَحُونَ﴾(يس: 40).
وقال الله سبحانه وتعالى:﴿قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَنْ تَشَاءُ وَتَنْزِعُ الْمُلْكَ مِمَّنْ تَشَاءُ وَتُعِزُّ مَنْ تَشَاءُ وَتُذِلُّ مَنْ تَشَاءُ بِيَدِكَ الْخَيْرُ﴾(آل عمران: 26). ولكي يلفت انتباه الإنسان يوجّه السؤال إليه بالقول:﴿أأنْتُمْ أشَدُّ خَلْقًا أمِ السَّمَاءُ بَنَاهَا رَفَعَ سَمْكَهَا فَسَوَّاهَا وَأغْطَشَ لَيْلَهَا وَأخْرَجَ ضُحَاهَا وَالْأرْضَ بَعْدَ ذَلِكَ دَحَاهَا أخْرَجَ مِنْهَا مَاءَهَا وَمَرْعَاهَا وَالْجِبَالَ أرْسَاهَا﴾(النازعات: 27-32). إنّ جميع الوجود -في ضوء المفاهيم الدينيّة للإسلام- قد خُلق من أجل الإنسان، والإنسان مخلوقٌ للآخرة.
لا نتحدّث هنا حول الوظائف السلوكية للأفراد تجاه بعضهم، وإنّما نتحدّث بشأن الرؤية الإسلاميّة تجاه الآخرين، وهناك فرقٌ بين هذين الأمرين. إنّ الأنظار تعمل على توجيه دفّة الوظائف السلوكيّة. وإنّ الذي يحظى بالاهتمام هنا موجودٌ في البحث عن وظائف الحياة أيضًا، ولا سيّما حيث يرد الحديث عن الوظائف الأسريّة والاجتماعيّة.
وفيما يأتي سوف نواصل بحث النظرة إلى الآخرين من خلال بعض الخطوط العريضة:
لقد خلق الله الناس من نفسٍ واحدة، وقد ظهروا إلى الوجود منحدرين من شخصين، وهما آدم وحوّاء عليهماالسلام ، وهما والآخرون من تراب، وكلّ الناس مخلوقون من قبل الله عزّ وجل سواء في ذلك المؤمن والكافر، والكلّ مرزوقٌ من الله، وهو الذي يميتهم وهو الذي يعيدهم إلى الحياة ثانية، والكل له برزخ، والكلّ محشورٌ يوم القيامة، وهناك من يذهب إلى الجنّة، وهناك من يذهب إلى النار.
إنّ ماهية الجميع واحدة، فالكلّ يمتلك نوعًا واحدًا من الجسم والروح والقدرات والإمكانات الفطرية، وهناك اشتراك في الخصائص الأنثروبولوجية (في النظرة إلى الذات النوعية) مورد البحث، وهناك اتّحادٌ في الغرائز والاحتياجات والظرفيات
الإنسانية. وحيث هناك تساوٍ في الخلق، لا يحقّ لأيّ شخصٍ أنْ يعبد إنسانًا آخر، ولا ينبغي لأحدٍ أنْ يتّخذ لنفسه معبودًا غير الله أو يتّخذ مع الله شريكًا أبدًا. وإنّ الغاية من خلق جميع الناس واحدةٌ ومشتركة، ولا تختصّ بالمؤمن أو غير المؤمن.
إنّ الذي يرد في القرآن بعبارة (يا أيها الناس) يحمل خطابًا لجميع الناس، ولا يقتصر على خصوص المؤمنين فقط. كما أنّ بعض الموارد التي وردت بعبارة (لكم) تشير إلى جميع الناس أيضًا، من ذلك -على سبيل المثال- أنّ الله يقول:﴿هُوَ الَّذِي خَلَقَ لَكُمْ مَا فِي الْأَرْضِ جَمِيعًا﴾(البقرة: 29)؛ فليس المراد هنا أنّه قد خلق ذلك للمسلمين فقط، وأنّه ليس لغير المسلمين حق الاستفادة منه، بل هو لجميع الناس في الأرض. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع الناس مشتركون في مسار الخلق وفي الحركة من البداية حتى النهاية، دون أنْ يكون هناك أيّ تدخّلٍ للمعايير القومية والعرقية أو اللون والشكل الظاهري والقبح والجمال والغنى والفقر والمناصب الرفيعة والوضيعة، وما إلى ذلك في هذا الشأن أبدًا.
هناك في الإسلام شيءٌ يفوق الحقّ في الحياة؛ وهو وجوب المحافظة عليها، بمعنى أنّ الحياة إذا كانت مجرّد حقّ، فقد يمكن للأفراد أنْ يتنازلوا عن حقوقهم ويغضوا الطرف عنها، ولكن لا يحقّ لأيّ شخصٍ في الإسلام أنْ يعرّض حياته للخطر؛ ولذلك يحرم الانتحار في الإسلام. إنّ الحياة بشكلٍ عامٍّ تعدّ من مظاهر رحمة الله سبحانه وتعالى، وتعدّ بالنسبة إلى الإنسان نفخةً من الروح الإلهيّة. لا يحقّ لأيّ شخص أنْ يعرّض حياة الآخرين إلى الخطر، ولو قام شخصٌ بمثل هذا الأمر، فإنّ ما قام به سوف يكون في القبح كما لو أنّه قتل جميع الناس. بل ويحرم كلّ نوعٍ من أنواع المعاونة على القتل، بل حتى التزام الحياد تجاه قتل الآخرين أيضًا. هناك كثيرٌ من الأدلة على نفي العنصرية في الإسلام، ومن ذلك -على سبيل المثال- قوله سبحانه وتعالى:﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إنَّ أكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أتْقَاكُمْ إنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ﴾(الحجرات: 13). إنّ النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم رحمة، ولكن ليس للمسلمين فقط، بل هو رحمةٌ لجميع
العالمين. إّن هذا الحقّ في الحياة الذي يكون منشأه هو الله، إنّما ينتفي وينتقض بأمر من الله فقط، وإنّ قيوده وحدوده بيد الخالق أيضًا، ومن هذا القبيل: بعض العقوبات والحدود الإسلاميّة، مثل القصاص، والتعامل بالمثل وما إلى ذلك.
إنّ الأصل في الإسلام يقوم على أساس السعي من أجل القيام بالعمل الصالح، ولن يبقى للشخص من شيءٍ سوى الأعمال التي يقوم بها. فعلينا أنْ نسعى بأنفسنا سواء من أجل الوصول إلى أهدافنا وغاياتنا في هذه الدنيا، أم في الآخرة، وكأنّ هناك نوعًا من التنافس في هذا الشأن؛ قال الله سبحانه وتعالى:﴿وَلَوْ شَاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَلَكِنْ لِيَبْلُوَكُمْ فِي مَا آتَاكُمْ فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾(المائدة: 48). وقال تعالى:﴿إنَّهُمْ كَانُوا يُسَارِعُونَ فِي الْخَيْرَاتِ وَيَدْعُونَنَا رَغَبًا وَرَهَبًا﴾(الأنبياء: 90). وقال الله تعالى:﴿وَلِكُلٍّ وِجْهَةٌ هُوَ مُوَلِّيهَا فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ أيْنَ مَا تَكُونُوا يَأْتِ بِكُمُ اللَّهُ جَمِيعًا إنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(البقرة: 148). في هذه المنظومة تكون المغفرة الإلهيّة دائرة مدار الإيمان والعمل الصالح، وللحصول على المغفرة الإلهيّة ليس هناك من طريق سوى هذه الأمور؛ إنّ الله سبحانه وتعالى يأمر بالمسارعة والتنافس في الحصول على المغفرة الإلهيّة، بيد أنّ المغفرة الإلهيّة إنّما هي فعل الله، وفعل الله ليس تحت اختيارنا، وإنّما الذي يقع تحت اختيارنا هو توفير الأرضية
للمغفرة. وعليه يكون معنى وسارعوا إلى مغفرة من ربكم هو أنْ نسارع إلى القيام بأفعال الخير، ولا فرق في هذا المسار بين الفقير والغني، وبين الرئيس والمرؤوس، وبين الرجل والمرأة، وبين هذا العِرق وذلك العِرق.
إنّ عمل الفرد وحده هو الذي يحظى بالقبول وليس أيّ شيءٍ آخر؛ فلو لم يكن هناك سعي ومجهود منا في البين، فإنّ السؤال والطلب من الله سبحانه وتعالى لن يكون نافعًا بحالنا كثيرًا، فالدعاء يجب أن يقترن بالعمل الصالح. ونجد الإمام زين العابدين عليهالسلام يسأل الله في دعاء مكارم الأخلاق أمورًا كثيرة، ولكنّه يقرن جميع مسائله بسعيه وعمله، ومن ذلك قوله:
«... وَحَلِّنِي بِحِلْيَةِ الصَّالِحِينَ، وَأَلْبِسْنِي زِينَةَ الْمُتَّقِينَ، ... وَلِينِ الْعَرِيكَةِ، وَخَفْضِ الْجَنَاحِ، وَحُسْنِ السِّيرَةِ، ... وَطِيبِ الْمُخَالَقَةِ، وَالسَّبْقِ إِلَى الْفَضِيلَةِ، وَإِيثَارِ التَّفَضُّلِ، ...وَ أَكْمِلْ ذَلِكَ لِي بِدَوَامِ الطَّاعَةِ...». إنّه عليهالسلام لا يسأل الله سبحانه وتعالى أنْ يعطيه شيئًا دون أنْ يكون هناك منه سعي إلى ذلك، وإنّما يقول وفقني إلى السبق في أفعال الخير.
كما لن يجدي الإنسان نسبه أو قرابته ومنزلته الدنيوية أيضًا، وكان الإمام زين العابدين عليهالسلام في مناجاته ويقول: «سُبْحَانَكَ تُعْصَى كَأَنَّكَ لَا تُرَى وَتَحْلُمُ كَأَنَّكَ لَمْ تُعْصَ تَتَوَدَّدُ إِلَى خَلْقِكَ بِحُسْنِ الصَّنِيعِ كَأَنَّ بِكَ الْحَاجَةَ إِلَيْهِمْ وَأَنْتَ يَا سَيِّدِي
الْغَنِيُّ عَنْهُم». ثم خرَّ إلى الأرض ساجدًا؟ قال الراوي: فدنوت منه وشلت برأسه ووضعته على ركبتي وبكيت حتى جرت دموعي على خده، فاستوى جالسًا وقال: «مَنِ الَّذِي أَشْغَلَنِي عَنِ ذِكْرِ رَبِّي؟» فقلت: أنا طاوس يا ابن رسول الله ما هذا الجزع والفزع؟ ونحن يلزمنا أنْ نفعل مثل هذا ونحن عاصون جانون، أبوك الحسين بن علي عليهالسلام، وأمك فاطمة الزهراء عليهاالسلام، وجدك رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم؟! فالتفت إليّ وقال: «هَيْهَاتَ هَيْهَاتَ يَا طَاوُسُ دَعْ عَنِّي حَدِيثَ أَبِي وَأُمِّي وَجَدِّي خَلَقَ اللَّهُ الْجَنَّةَ لِمَنْ أَطَاعَهُ وَأَحْسَنَ وَلَوْ كَانَ عَبْداً حَبَشِيّاً وَخَلَقَ النَّارَ لِمَنْ عَصَاهُ وَلَوْ كَانَ قُرَشِيّاً أَ مَا سَمِعْتَ قَوْلَهُ تَعَالَى:﴿فَإذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلَا أنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلَا يَتَسَاءَلُونَ﴾(المؤمنون: 101)، وَاللَّهِ لَا يَنْفَعُكَ غَداً إِلَّا تَقْدِمَةٌ تُقَدِّمُهَا مِنْ عَمَلٍ صَالِحٍ». وقد شبّه الله سبحانه وتعالى الكلمة الطيبة (والإيمان بالله) بالشجرة المتجذّرة في الأرض، حيث قال:﴿ألَمْ تَرَ كَيْفَ ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا كَلِمَةً طَيِّبَةً كَشَجَرَةٍ طَيِّبَةٍ أصْلُهَا ثَابِتٌ وَفَرْعُهَا فِي السَّمَاءِ تُؤْتِي أُكُلَهَا كُلَّ حِينٍ بِإذْنِ رَبِّهَا﴾(إبراهيم: 24-25).
إنّ الأرضية اللازمة لفعل الخير متوفّرة؛ فلا يمكن لشخص أنْ يقول: أريد أنْ أفعل الخير ولكني لا أستطيع ذلك. فقد روي في الأثر: قال أسود بن أصرم قلت: يا رسول الله أوصني. فقال: «أَ تَمْلِكُ يَدَك؟». قلت: نعم. قال: «فَتَمْلِكُ لِسَانَك؟».
قلت نعم. قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «فَلَا تَبْسُطْ يَدَكَ إِلَّا إِلَى خَيْرٍ وَلَا تَقُلْ بِلِسَانِكَ إِلَّا مَعْرُوفاً». والمهم هو أنّ نحدّد الموانع ونعمل على رفعها. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه كان يقول في دعائه في يوم عرفة: «أَعُوذُ بِكَ مِنْ دُنْيَا تَمْنَعُ خَيْرَ الْآخِرَةِ وَمِنْ حَيَاةٍ تَمْنَعُ خَيْرَ الْمَمَاتِ وَأَعُوذُ بِكَ مِنْ أَمَلٍ يَمْنَعُ خَيْرَ الْعَمَل». إنّ الأمر المهم والحاسم هو أن نتعرّف على قيمة ومكانة فعل الخير والعمل الصالح، وأنْ نأخذ قرارًا يتعلّق بالقيام به وفعله والسبق إليه؛ وذلك لأنّ الله سبحانه وتعالى يثيب حتى على النيّة. فقد روي عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ الْعَبْدَ الْمُؤْمِنَ الْفَقِيرَ لَيَقُولُ يَا رَبِّ ارْزُقْنِي حَتَّى أَفْعَلَ كَذَا وَكَذَا مِنَ الْبِرِّ وَوُجُوهِ الْخَيْرِ فَإِذَا عَلِمَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ ذَلِكَ مِنْهُ بِصِدْقِ نِيَّةٍ كَتَبَ اللَّهُ لَهُ مِنَ الْأَجْرِ مِثْلَ مَا يَكْتُبُ لَهُ لَوْ عَمِلَهُ إِنَّ اللَّهَ وَاسِعٌ كَرِيمٌ».
إنّ هذه المسؤوليّة ترد في سياق الحثّ على فعل الخير والتوجّه إلى الله سبحانه وتعالى. ويجب أنْ نريد للآخرين الشيء عينه الذي نريده لأنفسنا في المسار الصحيح والعمل الصالح. إنّ المعيار والميزان في رسم الخطوط العريضة وتشكيل التكتلات وتأسيس التيارات والجماعات في هذه المنظومة، عبارة عن الإيمان بالله والعمل الصالح. وعلينا الابتعاد عن الشخص الذي يصدّ عن سبيل الله، وإذا كان منعه لفعل الخير
شديدًا ومؤثّرًا في الواقع العملي، يجب الوقوف بوجهه ومحاربته. ولا يحقّ لنا ترك طريق الحق والصواب بسبب المخالفة أو الشدّة والقسوة. إنّ الذي يكون معنا في مسار الإيمان والعمل الصالح، يجب علينا أنْ نتحالف معه، وأمّا الذي لا يعرف هذا الطريق، نرى أنّ من واجبنا أن نعمل على نصحه وإرشاده -في حدود الإمكان- إلى الإيمان والعمل الصالح.
وعلى هذا الأساس ينقسم الناس في هذه المنظومة إلى ثلاث طوائف عامّة: المؤمن، والكافر، والمنافق. وإنّ هذه الطوائف الثلاث كانت موجودةً في السابق، ولا تزال موجودة، وسوف تبقى في المستقبل أيضًا. وإنّ العلاقات بين هذه الطوائف الثلاثة تقوم على أساس مفهوم الإيمان والكفر أو النفاق. وإن الذين اختاروا الكفر عن عمدٍ وأصرّوا على عداوة المؤمنين، يجب علينا ألّا نتخذ منهم أولياء وحماة. والمنافقون بدورهم إذا سلكوا طريق النفاق عن علم وعمد، فإنّهم سيلحقون بالكفار، وأمّا الذين لا يعلمون وهم أغلب الناس، فإنّهم وإنْ كانوا من الكافرين بحسب الظاهر، ولكن يجب العمل على توجيههم وإرشادهم، ويجب على المؤمنين أنْ يتواصلوا معهم على المستوى الاجتماعي.
ونشير هنا إلى بعض الأصول والملاكات العامّة في كيفية الارتباط مع الآخرين.
ولمّا كانت الحياة الاجتماعيّة تُعدّ ضرورةً للحياة البشرية، يجب علينا أنْ نلتفت إلى لوازمها وتداعياتها أيضًا:
أ. إنّ أصل العدل يُعدّ واحدًا من لوازم الحياة الاجتماعيّة الناجحة. إنّ هذا الأصل حاضرٌ في العلاقات الاجتماعيّة بين جميع الطوائف من المؤمنين والكفار والمنافقين، ويجعل الحياة الاجتماعيّة ممكنة، ويكون موردًا للتأكيد الجادّ في هذه المنظومة، ولا يمكن العدول عنه أبدًا.
ب. إنّ أصل الإحسان جوهريٌّ وناجعٌ للغاية أيضًا. للقيام بسلوكٍ عادلٍ نحتاج في بعض الأحيان إلى معلوماتٍ ومعادلاتٍ محسوبةٍ ودقيقةٍ جدًّا، وقد يُعرّض الأفراد والجماعات إلى إشكال. ومن هنا فإنّ أصل الإحسان يعمل على دعمه ويجعل الأمور سهلةً بشكل أكبر. إنّ أصل العدل يقول لنا: يجب أنْ يحصل كلّ شخصٍ على حقّه بشكلٍ دقيق، بيد أنّ أصل الإحسان يقول: إنّ علينا العمل بحيث ندخل السعادة إلى قلوب الآخرين حتى إذا لم يكن لهم حقّ في أعناقنا، ولا سيّما إذا كانوا عاجزين ولا يمكنهم تلبية احتياجاتهم، إذ يجب عدم تركهم دون دعم وحماية في المجتمع الإسلامي.
ج. أصل تقدّم المصالح المعنوية على المصالح المادّيّة. قد تتعارض المصالح المادّيّة مع المصالح المعنوية في بعض الأحيان، فلو عمل كلّ فردٍ أو مجتمعٍ في جميع الأوقات
والأزمنة بالنشاطات الاقتصاديّة، فإنّ الازدهار الاقتصادي سوف يتحقّق بنحوٍ أكبر، ولكن من الواضح بداهة أنّه لو أنفق شيئًا من وقته على النشاطات المعنويّة، فإنّ ذلك سوف ينقص مقدارًا من مصالحه المادّيّة، فما الذي يجب فعله هنا؟ إنّ هذه المنظومة تشتمل على قوانين في هذا الاتّجاه، من ذلك مثلًا هناك لكلا الأمرين حدود أدنى بعنوان (الواجبات)، حيث يجب العمل بها حتمًا ولا يمكن العدول عنها أو تركها أبدًا، أو أنّها ترى العزّة الواقعية والأصيلة لله وللنبي والمؤمنين، ولا يتم السماح بأنْ يشعر المؤمن بالذل والهوان أمام الكافر أبدًا.
د. أصل رعاية الأولويات. إنّ ارتباط أفراد المجتمع ببعضهم وعلاقاتهم في الحياة ليست على مستوى واحد، فهناك من يقضون نهارهم بالنشاط الاجتماعي المتواصل، وهناك من لا يقيم تواصلًا مع الآخرين إلّا فيما ندر، وعليه فإنّ الارتباط فيما بينهم ليس على مستوى واحد. وعليه كيف يمكن تنظيم هذه العلاقات؟ على الرغم من أنّ علاقة القرابة لن تكون لها قيمةٌ في يوم القيامة، ولكنّها تقع في الحياة اليومية من وجهة نظر الإسلام على سلّم الأوليات في العلاقات الاجتماعيّة. ويشير إلى أنواعها ويضع لكلّ واحدٍ منها بعض الأحكام والتعاليم المستقلة.
إنّ صلة الأرحام من المفاهيم التي ورد التأكيد عليها في الإسلام. إنّ
بعض التشريعات، من قبيل: الإرث، وأولوية الأرحام في التكاليف المالية مثل الزكاة، وتحمل المسؤولية من قبل بعض الأقارب في الموقعيات الحقوقية الخاصة (العاقلة) من قبل الأرحام الآخرين، ووضع قيمة (صلة الأرحام) على مستوى (الجهاد في سبيل الله)، وما إلى ذلك، تشير إلى المكانة السامية لهذه الرؤية. لقد عدّ القرآن الكريم الذين يقطعون ما أمر الله به أن يوصل (ويقطعون الأرحام)، من الخاسرين، ويبعدهم عن رحمته، ويرصد لهم مصيرًا مشؤومًا. والذين يصلون الأرحام وعدهم الله بالأجر والثواب وحُسن العاقبة.
إنّ الآخرين يتساوون معنا في القيَم الإنسانية، إلّا الذين يُنظر إليه بالعظمة والإكبار من وجهة نظر الإسلام. إنّ القيَم الإنسانيّة التي يقبل بها الإسلام واحدة بالنسبة إلى الجميع. إنّ ما تقدّم ذكره في باب القيَم في النظر إلى الجنس المخالف، يصدق هنا أيضًا. من الواضح بداهة أنّ التقييمات في هذه المنظومة ليست متساويةً مع الأنظمة المفهومية الأخرى. من ذلك -على سبيل المثال- أن حقوق الإنسان، والحرية، والسعادة والهناء، والبؤس والشقاء، والنجاح، والفشل، وموازين
الحُسن والقبح، وما إلى ذلك، من المفاهيم التي يجب أن تكون بالإضافة إلى الأنظار العامة والمقبولة (النظرة إلى الوجود والحياة والأزمات وأنفسنا والآخرين والنوع المخالف) موردًا للحكم والقضاء.
لا يمكن أنْ نأخذ هذه المفاهيم من هذه المنظومة، ونحكم عليها ضمن دائرةٍ معرفيةٍ أخرى. في هذه المنظومة يتمّ تقييم جميع الأشخاص بميزانٍ ومعيارٍ واحدٍ ومحدّد، ويتم تعريف العلاقات فيما بينهم وتعيينها. وهذه المعايير والموازين متعدّدة، وقد سبق أنْ أشرنا إلى بعض كلياتها. من ذلك مثلًا أن التقوى والإيمان والإسلام والكفر والنفاق والعمل الصالح وما إلى ذلك تعدّ من هذه المعايير. هذه المعايير ليست معروفةً في نمط الحياة المعاصرة والجارية (حتى في المجتمعات الإسلاميّة) بالمقدار الكافي، ولا تُرسم الخطوط العريضة في الحياة. إنّ الإسلام ينظر إلى جميع الأشخاص على أنّهم سواسية، إلّا أولئك الذين ينظر إليهم بشكلٍ أكبر من خلال هذه الموازين نفسها؛ وإنّ الذي يُرى كبيرًا بوساطة هذه المعايير والموازين لا يمكن لأيّ معيارٍ آخر أنْ يقلل من قيمته أو يُصغّر من شأنه، والذي يبدو صغيرًا بهذه المعايير لا يمكن لأيّ معيارٍ آخر أنْ يعمل على تكبيره.
إنّ لدى بعض الأشخاص ظرفية أكبر، ولذا تكون مسؤولياتهم أكبر، وتكون الثمار التي يحصلون عليها أكثر. إنّ جميع ما تقدّم ذكره، لا يعني أنّ الواقعيات الموجودة والعينية للأفراد في حياتهم الراهنة متساويةٌ بشكلٍ كامل، بل إنّ الأشخاص قد يسلكون بإرادتهم واختيارهم مختلف الطرق الصحيحة أو الخاطئة، والحسنة أو القبيحة، والنافعة أو الضارّة، ويحصدون نتائج ذلك بمقدار سعيهم وكيفيته. إنّ
(121)أصل الاختيار أصل أساس، لا يمكن إنكاره، إذا يؤدّي في هذه المنظومة دورًا محوريًّا. وهناك نقطتان مؤثرتان في هذا الاختيار:
مقدار الثروة الأولية التي يتم إعطاؤها لكلّ فرد.
مقدار السعي الذي يبذله كلّ شخصٍ في استثمار تلك الثروة والاستفادة منها.
وفيما يتعلّق بمقدار الثروة الأولية، يقول الإسلام بأنّ الله سبحانه وتعالى قد فضّل بعض الأشخاص على بعضهم ليبتليهم ويختبرهم. وإنّ لكلّ شخصٍ مسؤوليّة بمقدار إمكاناته وطاقاته. ولا يتحمّل شخصٌ مسؤوليّةً تفوق طاقته. ولا ينبغي أنْ نتوقّع من شخصٍ أنْ يقوم بما يزيد على طاقته. وفي الحقيقة والواقع فإنّ كلّ شخصٍ رهن بعمله. وعليه فإنّ مقدار الطاقات والظرفيات الأولية، إنّما تؤدّي دورًا اختباريًا، ولكن الذي يبقى ويُعدّ جزءًا من معطيات ومكتسبات الفرد، إنّما هو عمله ونتيجته. لم يتمّ في الإسلام نفي التنافس. وكلّما قام الشخص بمجهودٍ أكبر، فسوف يحصل على منفعةٍ أكبر. وإذا ورد الحديث عن السبق إلى الخير، ومن الواضح بداهة أنّ هناك من سيخرج فائزًا في هذا السباق، وهناك من سوف يخرج خاسرًا، وهناك من سوف يفوز بالمراتب والدرجات العليا، وهناك من سيحصل
على درجاتٍ أدنى. لا يمكن الحديث عن سباقٍ ويكون الجميع في مرتبةٍ واحدةٍ بحسب النتائج. إنّ هذا التنافس إنّما يكون في الدرجة الأولى في المصالح المعنويّة، ولكن ورد الإقرار بها في المسائل المادّيّة والدنيويّة بشكلٍ كاملٍ أيضًا. وسوف نتعرّض إلى ذلك عند البحث عن وظائف الحياة بشكل أكبر.
إنّ الإنسان يمتلك ذاتًا نوعيّةً، وذاتًا شخصيّةً، والمراد من الذات النوعيّة الخصائص الموجودة والمشتركة في جميع النوع الإنساني، ولا تنسب إلى أيّ فردٍ خاص. وفي الواقع فإنّ الذات النوعيّة من وجهة نظر الإسلام، عبارة عن: الأنثروبولوجيا الإسلاميّة، والمراد من الذات الشخصيّة الخصائص الجسميّة والروحيّة لكلّ فرد. وفيما يأتي سوف نشير باختصارٍ إلى الرؤية الإسلاميّة فيما يتعلق بالذات النوعيّة، وبعدها ننتقل إلى الذات الشخصيّة:
لقد خلق الله الوجود من العدم. فالإنسان لم يكن له وجودٌ في بداية الوجود، وإنّما خلقه الله سبحانه وتعالى بعد ذلك. إنّ الإنسان في جميع مراحل وجوده مخلوقٌ من قبل الله سبحانه وتعالى، وقد اهتمّ القرآن الكريم بخلقه على مختلف الصور. فتارةً
يقول إنّه خُلق من العدم، وتارةً من تراب، وتارةً من ماء، وتارةً من نطفةٍ ومضغةٍ وعلقة، وأنّه جعل له مراحل من الكبر والكهولة والعجز، والاستعداد إلى الموت. إنّ الإنسان يكون في خلقٍ جديدٍ من قبل الله سبحانه وتعالى لحظةً بلحظة. وسلامته وسقمه وتغذيته وما إلى ذلك كلّها تحت تصرّف الله. إنّ هذا المخلوق لن يفنى أبدًا، بل إنّ الله يتوفاه عند موته، وسوف يحيي الله جميع الناس مرّةً أخرى في يوم القيامة، وفي الحياة الآخرة سوف يُري جميع مخلوقاته نتيجة أعمالهم. وبعد الخلق المادّي الأول، نفخ الله فيه من روحه، وجعل له حياة أبدية. إنّ الخلق الأول للإنسان لم يكن باختياره، بيد أنّ كيفية وتشكيل خلقه اللاحق (وجوده الروحاني) يرتبط
بإرادته واختياره. وإنّ ماهيته بنحوٍ يستطيع التوجّه نحو الخصائص والصفات الإنسانية الإيجابية، وأنّ يخلق لنفسه روحًا إنسانيّةً وقويّةً ويكون تقيًا وأنْ يُعدّ لنفسه حياةً أخرويّةً سعيدةً ورغيدة، كما يمكنه الاتجاه نحو الخصائص السلبية والحيوانية، وأنْ يخلق لنفسه روحًا ضعيفةً وخاوية. إنّ الإنسان جزءٌ من الوجود، ووجوده المادي والدنيوي بالنسبة إلى وجود المرحلة اللاحقة (البرزخ والآخرة) قصير جدًّا، وسوف يحصل على ماهيته الأصلية في مرحلةٍ الآخرة، وهناك لن يكون له إمكانٌ للتغيير والتكامل.
إنّ الله سبحانه وتعالى قد خلق جميع ما في الأرض من أجل الإنسان. وقد ورد في الحديث القدسي أنّ الله عزّ وجل قال: «يَا ابْنَ آدَم، خلقت الأشياء لأجلك، وخلقتك لأجلي». وقال في محكم الذكر الحكيم:﴿وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا﴾
(الإسراء: 70). ويجب على الإنسان أنْ يحترم هذا المقام ويحرص من أجل الحفاظ عليه. فقد سُئل الإمام زين العابدين عليهالسلام: مَن أعظم الناس خطرًا؟ فقال: «مَنْ لَمْ يَرَ الدُّنْيَا خَطَراً لِنَفْسِهِ». إنّ هذا النوع من حبّ النفس الناشئ من معرفة النفس ليس غير مذموم فحسب، بل هو منشأ فلاح ونجاة وسعادة الإنسان. إن الأنهار مخلوقةٌ من أجل الإنسان، والليل والنهار مخلوقان للإنسان، وكلّ ما في الأرض مخلوق من أجل الإنسان أيضًا. لو عرف الإنسان قدر نفسه، فإنّه لن يبيعها بالقليل. يستفاد من مجموع هذه الآيات والروايات وأمثالها أنّ الإنسان من أكثر كائنات هذا العالم تكاملًا.
لقد عرّف القرآن الكريم الإنسان مرارًا بأنّه خليفة الله في الأرض، وهذا التعبير بالإضافة إلى إيضاح مقام الإنسان، يعمل على بيان هذه الحقيقة أيضًا، وهي أنّ المالك الأصلي لجميع الثروات والنعم التي أعدّها الله للإنسان إنّما هو الله سبحانه وتعالى،
أمّا الإنسان فهو مجرّد خليفة له ومأذون في التصرّف فيها من قبله. ومن الواضح بداهة أنّ كلّ خليفةٍ لا يكون مستقلًّا في تصرفاته، بل يجب أنْ تكون تصرفاته في حدود إذن المالك الأصلي. إنّ هذه الآية والآيات اللاحقة لا تدلّ على انحصار خلافة الله في النبي آدم عليهالسلام. لقد كان دليل وملاك اختيار الله هو علمه بالأسماء الإلهيّة. وبطبيعة الحال فإنّ الملائكة كان لهم علم بالأسماء ولكن ليس كلّ الأسماء، بيد أنّ الإنسان الكامل والمختار من قبل الله قد علم بجميع الأسماء الإلهيّة بتعليم الله سبحانه وتعالى. وفي الحقيقة يجب القول: إنّ الغرض الأصلي من خلقنا هو تحقق الخلافة الإلهيّة على الأرض، وسوف يبقى الإنسان خليفة الله في الأرض إلى نهاية الخلق. إنّ مقرّ هذا الخليفة هي الأرض، بيد أنّ إمكانيّته تصل حتى إلى القرب من الله سبحانه وتعالى المعبّر عنه بقوله تعالى:﴿ثُمَّ دَنَا فَتَدَلَّى فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أوْ أدْنَى﴾(النجم: 8-9). نستفيد من هذه الآية عددًا من النقاط المهمّة، ومن بينها:
ـ أنّ تنصيب الخليفة والحاكم الإلهي، إنّما يكون بيد الله عزّ وجل.
ـ على الرغم من استعداد جميع الناس لخلافة الله، ولكن لا يمكن لكلّ إنسانٍ أن يصبح خليفة لله؛ وذلك لأنّ بعضهم ينحدر بسوء فعله وتجاهله لفطرته نحو السقوط بحيث يصبح أسوأ من الحيوان.
ـ أنّ الإنسان هو خليفة الله وأمير الأرض وليس أسيرًا للوجود. وفي آيةٍ أخرى
بناءً على واحدٍ من ثلاثة احتمالات، تمّت الإشارة إلى خلافة الإنسان لله، كما في قوله تعالى:﴿هُوَ الَّذِي جَعَلَكُمْ خَلَائِفَ فِي الْأَرْضِ فَمَنْ كَفَرَ فَعَلَيْهِ كُفْرُهُ وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ عِنْدَ رَبِّهِمْ إلَّا مَقْتًا وَلَا يَزِيدُ الْكَافِرِينَ كُفْرُهُمْ إلَّا خَسَارًا﴾(فاطر: 39).
وبالإضافة إلى التعبير بالخلافة، فقد عدّ الإنسان حافظًا للأمانة الإلهيّة في الأرض أيضًا، وهي أمانةٌ لم يستطع أيّ موجودٍ أنْ يتحمّلها.
إنّ خصوصية الإنسان وفرادته عند الله سبحانه وتعالى تظهران من هذه الآية بوضوح أيضًا، فهو هو الكائن الوحيد الذي نفخ الله فيه من روحه، وله بُعدان (جسماني وروحاني). لقد تقدّم أنْ ذكرنا في بحث (النظرة الإسلاميّة إلى الوجود) بعض المطالب بشأن موضوع الروح وامتلاك الإنسان لبُعدين، ولا نرى ضرورةً لتكرارها، كما ذكرنا في البحث عن البرزخ والقيامة والجنة والنار أنّ الإنسان لا يفنى، وإنّما ينتقل إلى مكانٍ آخر.
إنّ الله سبحانه وتعالى يدعو ويُسمي بعض عباده الصالحين في كتابه -من أمثال:
1. النبي عيسى بن مريم عليهالسلام،
2. والنبي سليمان عليهالسلام ،
3. والنبي أيوب عليهالسلام،
4. ونبيّنا الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم،
5. وغيرهم- بوصف «العبوديّة» لله سبحانه وتعالى.
بعض التعبيرات الإلهيّة الزاخرة بالمعاني، تقول في وصف عباد الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أيَّتُهَا النَّفْسُ الْمُطْمَئِنَّةُ ارْجِعِي إلَى رَبِّكِ رَاضِيَةً مَرْضِيَّةً فَادْخُلِي فِي عِبَادِي وَادْخُلِي جَنَّتِي﴾(الفجر: 27-30). ويقول تعالى في خطابه للشيطان:﴿إنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ﴾(الحجر: 42؛ الإسراء: 65). وقال تعالى لرسوله الكريم:﴿نَبِّئْ عِبَادِي أنِّي أنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ﴾(الحجر: 49). إن الله سبحانه وتعالى يشدد على هذه العبودية، ويريد منا أنْ نكون عبادًا له دون سواه، وألّا يكون لنا مولى وصاحب غيره، وألّا نشرك في مُلكه أحدًا. ومن هنا يأتي المعنى القائل بأنّ الله يغفر الذنوب جميعًا إلّا الشرك. وقد ذكر الله تعالى في هذا المورد مثالًا واضحًا وبليغًا؛ إذ يقول: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا رَجُلًا فِيهِ شُرَكَاءُ مُتَشَاكِسُونَ وَرَجُلًا سَلَمًا لِرَجُلٍ هَلْ يَسْتَوِيَانِ مَثَلًا﴾(الزمر: 29).
إنّ هذه الآية ذكرت مثلًا ضربه الله بشأن رجلين أحدهما مشرك والآخر موحّد؛ أمّا المشرك فيتخذ الكثير من الآلهة الذين يشتركون فيه، ويتنازعون بشأنه فيما بينهم، وأمّا الإنسان الموحّد فهو مختصٌ لخدمة وعبادة موجودٍ واحدٍ فقط، ولا يُشرك به أحدًا، ويقوم على خدمته كما يُريد دون أنْ يكون هناك نزاعٌ حوله يؤدّي إلى الذهول والحيرة والضياع. إنّ هذين الرجلين ليسا على حالةٍ سواء؛ لأنّ الذي يقتصر في خدمته وعبادته على شخصٍ واحد، يكون حاله وشأنه أفضل من ذلك الآخر. وهذا مثالٌ بسيطٌ ومفهومٌ من قبل الجميع، بيد أنّ التدقيق فيه يثبت أنّ مآله إلى هذه الآية:﴿لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا﴾(الأنبياء: 22). وهو خير برهانٍ على بطلان تعدّد الآلهات.
وعن الإمام الصادق عليهالسلام في جوابه لأحد تلاميذه، وهو (عنوان البصري)، عندما سأله عن حقيقة العبودية؟ قال: «ثَلَاثَةُ أَشْيَاءَ أَنْ لَا يَرَى الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ مِلْكاً لِأَنَّ الْعَبِيدَ لَا يَكُونُ لَهُمْ مِلْكٌ يَرَوْنَ الْمَالَ مَالَ اللَّهِ يَضَعُونَهُ حَيْثُ أَمَرَهُمُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ- وَلَا يُدَبِّرُ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ تَدْبِيراً وَجُمْلَةُ اشْتِغَالِهِ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى بِهِ وَنَهَاهُ عَنْهُ فَإِذَا لَمْ يَرَ الْعَبْدُ لِنَفْسِهِ فِيمَا خَوَّلَهُ اللَّهُ تَعَالَى مِلْكاً هَانَ عَلَيْهِ الْإِنْفَاقُ فِيمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى أَنْ يُنْفِقَ فِيهِ وَإِذَا فَوَّضَ الْعَبْدُ تَدْبِيرَ نَفْسِهِ عَلَى مُدَبِّرِهِ هَانَ عَلَيْهِ مَصَائِبُ الدُّنْيَا وَإِذَا اشْتَغَلَ الْعَبْدُ بِمَا أَمَرَهُ اللَّهُ تَعَالَى وَنَهَاهُ لَا يَتَفَرَّغُ مِنْهُمَا إِلَى الْمِرَاءِ وَالْمُبَاهَاةِ مَعَ النَّاسِ».
إنّ الإنسان في الحقيقة والواقع هو الكائن العجيب في عالم الخلق؛ فهو من جهة موضعٌ لتمجيد الله سبحانه وتعالى وقد أثنى عليه في كثيرٍ من الموارد، ومن جهةٍ أخرى قد وقع موردًا للذم، ونسبت إليه كثير من الصفات السلبية؛ فتارةً يُرفع بحسن اختياره إلى أعلى عليين، وأخرى يتمّ إنزاله بسوء اختياره إلى أسفل سافلين. فلو اعترته الغفلة فإنّ غرائزه وطبائعه المادّيّة سوف تغلب عليه، وتطغى عنده الصفات السلبية، ويعمل على تضخيم البُعد المادي والدنيوي من وجوده، وإذا كان منتبهًا ومستجمعًا لقواه العقلية، فسوف يكون بمقدوره الاستفادة من الإمكانات المتوفرة لديه، وأنْ يتقدّم إلى الأمام، ويرتقي إلى الأعلى في كلّ لحظة. ولكن النقطة الجديرة بالاهتمام والملاحظة في هذا المسار، هي أنّ الميل إلى السلب سهل جدًّا، بينما الاتجاه الإجابي والصعود نحو الأعلى ينطوي على شيءٍ من الصعوبة والمشقّة.
لقد وصف الله سبحانه وتعالى الإنسان الغافل، بقوله:﴿إنَّ الْإنْسَانَ خُلِقَ هَلُوعًا إذَا مَسَّهُ الشَّرُّ جَزُوعًا وَإذَا مَسَّهُ الْخَيْرُ مَنُوعًا إلَّا الْمُصَلِّينَ﴾(المعارج: 19-22). وهو في الرخاء والنعمة يُعرض عن ذكر الله، وإذا أصابه الضرّ يجأر بالدعاء إلى الله عزّ وجل كثيرًا. قال الله تعالى:﴿وَإِذَا مَسَّ الْإِنْسَانَ الضُّرُّ دَعَانَا لِجَنْبِهِ أَوْ قَاعِدًا أَوْ قَائِمًا فَلَمَّا كَشَفْنَا عَنْهُ ضُرَّهُ مَرَّ كَأَنْ لَمْ يَدْعُنَا إِلَى ضُرٍّ مَسَّهُ﴾(يونس:
12). والإنسان على عجلةٍ دائمةٍ من أمره، حتى أنّه يستدعي الشرّ كما يستدعي الخير.
وقد يصل في قسوة القلب على حدّ تعبير القرآن إلى ما هو أقسى من الحجر؛ وذلك لأنّ بعض الأحجار تتصدّع ويخرج منها الماء ومنها ما يتشقّق وتخرج منه الأنهار، ومنها ما يخشع من خشية الله.
إنّ السرّ في هذه النقطة يكمن في اختيار الإنسان. إنّه يسير في مسارٍ واحد، ويتّجه إما نحو الأسوأ أو نحو الأفضل. وبنظرةٍ عابرة إلى القرآن الكريم ندرك أنّ الإنسان كائنٌ مختار؛ لأنّ إرسال الأنبياء وإنزال الكتب السماوية دون أنْ يكون الإنسان مختارًا سوف يكون ضربًا من العبث. فضلًا عن الآيات النازلة بشأن ابتلاء الإنسان واختباره، وآيات الوعد بالثواب على صالح الأعمال، وآيات الوعيد على عواقب الأفعال القبيحة، وآيات العهد والميثاق بين الله والناس، فكلّها تؤكّد هذا
المعنى أيضًا. فلو كان الإنسان مكرهًا ولم يكن مختارًا، فإنّ عهد الله معه سوف يكون لغوًا. يُضاف إلى ذلك أنّ الإنسان يُدرك بالعلم الحضوري أنّه مختار. ويتّضح من القرآن الكريم أنّ (الجن) يمتلكون مثل هذا الاختيار أيضًا؛ ولذلك فإنّهم مكلّفون أيضًا، قال الله تعالى:﴿ألَمْ أعْهَدْ إلَيْكُمْ يَا بَنِي آدَمَ أنْ لَا تَعْبُدُوا الشَّيْطَانَ إنَّهُ لَكُمْ عَدُوٌّ مُبِينٌ وَأنِ اعْبُدُونِي هَذَا صِرَاطٌ مُسْتَقِيمٌ﴾(الأنعام: 130).
إنّ الله سبحانه وتعالى خلق الإنسان مختارًا، وبيّن له طريق الهداية والضلال، وقد أودع في وجوده كثيرًا من القوى المتضادّة؛ فهو من جهةٍ يمتلك الشهوات والرغبات، ومن جهةٍ أخرى يمتلك الفطرة الطاهرة والباحثة عن الله والعقل والشعور الإنساني. وعلى هذا الأساس لو عمل الإنسان على كبح شهواته ورغباته بإرادته واختياره، وعمل بما يمليه عليه عقله وعلمه، فإنّه سوف يحصل على مرتبةٍ أعلى من الملائكة؛ وذلك لأنّ الملائكة لا تعاني من عقبات التغلّب على هوى النفس؛ إذ خلقوا بحيث لا يكون شغلهم سوى عبادة الله سبحانه وتعالى، ولا يوجد لديهم شهوةٌ وميلٌ إلى ارتكاب الحرام. ومن ناحيةٍ أخرى لو أنّهم عطلوا عقولهم وأحاسيسهم الإنسانيّة، وسلكوا كما تسلك الحيوانات، واستسلموا للشهوات دون
قيدٍ أو شرط، فسوف يكونون أدنى من الحيوانات؛ وذلك لأنّ الحيوانات محرومةٌ من نعمة العقل، ولا يُتوقّع منها غير اتباع غرائزها؛ وعليه لو سلك الإنسان سلوك الحيوانات فسوف يكون أدنى منها؛ وذلك لأنّه كان يمتلك مشعلًا وقبسًا هاديًا، ومع ذلك لم يستخدمه وتجنّب الطريق. وقد أشرنا في بحث (الرؤية الإسلاميّة إلى الوجود) إلى أنّ الإنسان يتصرّف في جميع الوجود، الذي خُلق كلّه من أجله، وأن هذا المسار إنّما يتحقّق من طريق علم الإنسان ووعيه.
إنّ الله سبحانه وتعالى الذي وصف نفسه بأنّه خالق كلّ شيء، سواء في ذلك المجرّدات من قبيل: الملائكة، أم الكائنات المادّيّة، مثل جميع الماديات، لم يقل بشأن أيّ واحدٍ منها أنّه خلقها في أحسن تقويم، ولم يقل فيها: ﴿فَتَبَارَكَ اللَّهُ أحْسَنُ الْخَالِقِينَ﴾(المؤمنون: 14). وإنّما وصف نفسه بذلك في خصوص خلق الإنسان فقط، ولم يكن ذلك منه إلّا بعد أنْ أفاض عليه من روحه وأنشأه في خلقٍ جديد. فهل جاءت هذه المباركة كنتيجةٍ لتحويل النطفة إلى علقة؟ أو تحويل العلقة إلى مضغة؟ أو تحويل المضغة إلى جنين؟ لا يبدو أنّ الأمر كذلك، وإنّما يعود الأمر في ذلك إلى نفخ الله له من روحه، وتعليمه الأسماء الإلهيّة كلها.
إنّ جميع القيَم الإنسانية تقوم على أساس علمه. فلو لم يكن الإنسان عالمًا لما كان هناك معنى إرادته واختياره، ولو لم يكن هناك اختيار في البين، لما كان هناك معنى
للتكليف والثواب والعقاب. وحيث سوف نتعرّض في بحث وظائف الحياة إلى بيان وظيفة (العلم والمعرفة)، سوف نكتفي هنا بهذا المقدار.
لقد ورد في الآيات والروايات نوعان من الكلام بشأن نفس الإنسان؛ فهناك كلام يرفع النفس إلى مكانةٍ عاليةٍ ورفيعة، وهناك كلامٌ آخر في الآيات والروايات يتحدّث عن النفس بوصفها كائنًا شريرًا وعدوًّا للإنسان. وقد روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «أَقْبِلْ عَلَى نَفْسِكَ بِالْإِدْبَارِ عَنْهَا». وعن الإمام الهادي عليهالسلام أنّه قال: «مَنْ هَانَتْ عَلَيْهِ نَفْسُهُ فَلَا تَأْمَنْ شَرَّهُ». قال الله تعالى:﴿إنَّ الْخَاسِرِينَ الَّذِينَ خَسِرُوا أنْفُسَهُمْ وَأهْلِيهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ ألَا ذَلِكَ هُوَ الْخُسْرَانُ الْمُبِينُ﴾(الزمر: 15). وعن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال: «عَجِبْتُ لِمَنْ يَنْشُدُ ضَالَّتَهُ وَقَدْ أَضَلَّ نَفْسَهُ فَلَا يَطْلُبُهَا». وقال تعالى:﴿وَأمَّا مَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ وَنَهَى النَّفْسَ عَنِ الْهَوَى فَإنَّ الْجَنَّةَ هِيَ الْمَأْوَى﴾(النازعات: 40-41). وقال الله سبحانه وتعالى أيضًا:﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي إنَّ رَبِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(يوسف: 53). وجاء في الأثر: «أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك». وروي عن الإمام علي عليهالسلام،
أنّه قال: «إِنَّ النَّفْسَ لَأَمَّارَةٌ بِالسُّوءِ وَالْفَحْشَاءِ فَمَنِ ائْتَمَنَهَا خَانَتْهُ وَمَنِ اسْتَنَامَ إِلَيْهَا أَهْلَكَتْهُ وَمَنْ رَضِيَ عَنْهَا أَوْرَدَتْهُ شَرَّ الْمَوَارِدِ». وقد روي عن الإمام زين العابدين عليهالسلام أنّه قال: «إِلَهِي إِلَيْكَ أَشْكُو نَفْساً بِالسُّوءِ أَمَّارَةً وَإِلَى الْخَطِيئَةِ مُبَادِرَةً وَبِمَعَاصِيكَ مُولَعَةً وَبِسَخَطِكَ مُتَعَرِّضَةً تَسْلُكُ بِي مَسَالِكَ الْمَهَالِكِ». وعن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «الثِّقَةُ بِالنَّفْسِ مِنْ أَوْثَقِ فُرَصِ الشَّيْطَانِ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «الْمَغْبُونُ مَنْ شُغِلَ بِالدُّنْيَا وَفَاتَهُ حَظُّهُ مِنَ الْآخِرَة». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «لَبِئْسَ الْمَتْجَرُ أَنْ تَرَى الدُّنْيَا لِنَفْسِكَ ثَمَناً، وَمِمَّا لَكَ عِنْدَ اللَّهِ عِوَضاً». وجاء في الأثر: «أَعْدَى عَدُوِّكَ نَفْسُكَ الَّتِي بَيْنَ جَنْبَيْك». يُستفاد من هذه الآيات والروايات أنّ النفس كائنٌ شريرٌ، وأنّه مصدر للقبائح، ويجب العمل على كبحها والقضاء على شرورها.
لقد تقدّم أنْ أشرنا إلى الشيطان في بحث (الرؤية إلى الوجود) أنّ الشيطان عدوٌّ للإنسان، وأنّ الله سبحانه وتعالى قد أعطاه المهلة لاختبار البشر، وقد أقسم الشيطان على أنّه لن يترك الإنسان حتى يضلّه، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الإنسان يمتلك الإرادة والاختيار، وعليه هو أنْ يختار بين أتباع الشيطان أو التمرّد عليه.
إنّ الشيطان يعرف خصائص الإنسان ونقاط ضعفه جيدًا، ويسعى إلى التسلل من خلالها. وهو بالإضافة إلى ذلك يعرف جميع أنواع الحيَل والمكائد ويوسوس لكلّ فردٍ بما يتناسب معه من أنواع الوساوس. وبطبيعة الحال فإنّ الشيطان لا يستطيع التسلل إلى الإنسان إلّا من طريق هوى النفس والوسوسة إليه، وإلّا فإنّه لا يملك أيّ سلطةٍ مباشرةٍ على الإنسان، ولكن تكفيه تلك الوساوس الداخلي لكي يسقط كثيرًا من الأشخاص في أودية الانحراف والضياع.
بالإضافة إلى البُعد المشترك بين جميع الناس والذي عبّرنا عنه بعنوان (الذات النوعية)، هناك لكلّ واحدٍ منا خصائصه ومواصفاته الشخصيّة أيضًا، حيث لا نشترك فيها بالضرورة مع أيّ شخصٍ آخر، بل إنّ بعضها خاص جدًّا، من قبيل: بصمات الأصابع. وقد يكون بعضها مشتركًا بين أفراد الأسرة الواحدة، مثل الـ«DNA»، والكثير من الصفات الجسدية الأخرى التي تنتقل إلينا عبر العامل الوارثي. هناك من الأشخاص الذين قد يشتركون مع الآخرين في بعض الصفات على نحو الاتفاق، من قبيل: الطول والوزن والشكل الظاهري والشبه وما إلى ذلك، وعلاوة على ذلك فإنّ تصوّرنا عن أنفسنا تصوّرٌ خاصٌّ أيضًا؛ فقد نجد أنفسنا من بعض الجهات نشبه شخصًا آخر، ولكن من المستحيل أنْ نجد أيّ شخصٍ آخر
يشبهنا في جميع أبعادنا الشخصيّة من كلّ الجهات. وعلى كلّ حالٍ فإنّنا نشعر بفرادتنا واستقلانا وانفصالنا عن الآخرين. إنّ هذا الشعور قد يكون له مناشئ مختلفة. إنّ الإسلام يبلور تصوّرنا عن أنفسنا بنحو يكون هذا التصور متناغمًا ومنسجمًا مع ذواتنا النوعية.
إنّني بدوري أُعدّ واحدًا من أفراد النوع الإنساني ولدي تلك الخصائص والصفات التي تتوفر في النوع الإنساني كلّها، وإنّ ماهيتي هي ذات الماهية الأولية لجميع الناس، ولدي في قبال نفسي والآخرين والمجتمع تكاليف وحقوق، كما أنّ على الآخرين وظائف وتكاليف تجاهي أيضًا. وعليه لا ينبغي لأيّ واحدٍ منا أنْ يعدّ نفسه نسيج وحده، إلّا بالقياس إلى المعايير التي حددها الله سبحانه وتعالى. إنّ المعايير التي هي من قبيل: الثروة، والعِرق، ولون البشرة، والجنس، والصغر والكبر، والجمال والقبح، والصحة والمرض، وما إلى ذلك ليست مقبولةً من وجهة نظر الإسلام؛ لأنّ له معاييره الخاصّة المقبولة عنده، من قبيل: الصدق، والتقوى، والعلم والمعرفة، وعبادة الله، وحبّ الآخرين، وخدمة الناس، والنشاط، وكثرة العمل وما إلى ذلك. ويجب على كلّ واحدٍ منا أنْ يعمل على تقييم نفسه في ضوء هذه المعايير.
قد تكون بعض التكاليف مختلفةً من وجهة نظر الإسلام حتى بين الأخوين
التوأم؛ وذلك بالنظر إلى اختلاف قدراتهما وإمكاناتهما، إنّ الأمور الفعلية للحياة، من قبيل: القدرات الجسدية والعلمية والمالية والمهنية والمستوى الدراسي والحالة الأسريّة والاجتماعيّة، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى تكون مؤثّرةً في قطعية بعض التكاليف. والقانون الكلي في ذلك هو أنّ الله سبحانه وتعالى لا يكلِّف نفسًا إلّا وسعها، ولا يجوز لأيّ شخصٍ أنْ يتقاعس عن القيام بالتكاليف التي يتمكن منها.
إنّ النتائج الحسنة أو السيئة المترتبة على سلوكي إنّما يتمّ تسجيلها في سجل أعمالي دون غيري، وعند الحساب تخضع للتمحيص الدقيق. وعلى الرغم من أنّ للإنسان حياةً اجتماعيّة، وله حياة مناسبة في علاقته مع الآخرين، فأنّ سجله الذي يفتح لأعماله إنّما هو سجلٌ شخصيّ بالكامل. ولا يحمل إنسانٌ أوزار غيره أبدًا، ولا تتمّ مصادرة جهود أيّ أحدٍ لمصلحة آخر، إلّا في ضوء القوانين المعروفة والمعلن عنها مسبقًا.
وفي ضوء ما تقدّم ذكره يجب على كلّ فردٍ أنْ ينسجم ويتناغم مع خصائصه السلبية أو الإيجابية ويقرّ بها رسميًّا. يجب عليّ أنْ أعترف بأنّي أمتلك خصائص جسديّةً ونفسيّةً وشخصيّةً وثقافيّةً واجتماعيّةً وماليّةً وما إلى ذلك (من قبيل: الطول والوزن واللون والشكل والحجم وبصمة الأصابع، وحُسن الخلق، والحالة الاجتماعيّة، وحبّ الآخرين، والعاطفة، والصبر، والتوكل، وما إلى ذلك أو أضداد هذه الصفات ونظائرها). يجب عليّ أنْ أعترف بكينونتي، وأنْ أعلم بأنّ النتيجة النهائيّة والأخيرة لسجل أعمالي سوف تكون حصيلة ضمّ هذه الأمور جميعها إلى بعضها.
إنّ إمكان التكامل موجودٌ لكلّ من الرجل والمرأة. لقد تحدّث القرآن الكريم في كثيرٍ من المواطن عن الرجال والنساء بحيث لا يبقي أدنى شكّ في تساويهما في الوصول إلى أعلى مدارج القيَم الإنسانية. من ذلك -على سبيل المثال- حيث يرد الحديث عن الإيمان والعبادة والصدق والصبر والتواضع والتصدّق والصوم والعفاف وذكر الله والمغفرة والأجر الإلهي، يتم ذكر كلا الجنسين (من الرجل والمرأة) على مستوى واحد. وفي موضعٍ آخر وبشكلٍ واضحٍ وصريح، قال الله تعالى بأنّ معيار الأفضلية الوحيد هو التقوى، حيث النساء والرجال يتساوون في الوصول إلى هذه المكانة والمنزلة.
في هذه المنظومة المفهومية، لا تنشد المرأة المسلمة ولا ينشد الرجل المسلم كمالهما وتعاليهما في الانفصال عن خصائصهما وصفاتهما الطبيعية والتحرر من مسؤولياتهما وقيودهما الاجتماعيّة، بل في الحصول على مرضاة الله سبحانه وتعالى. إنّهما يريان أنّ التسابق فيما بينهما والتفوّق على بعضهما يكمن في الورع والتقوى. إنّ الرجل والمرأة من وجهة نظر الإسلام متساويان في الإنسانيّة، بمعنى أنّهما يمتلكان القدرة
بنحوٍ متكافئ في الحصول على ثلاثة خصائص إنسانية، وهي: الاختيار، وتقبل المسؤولية، والقدرة على الارتقاء والتكامل. لقد خلق الله كلًّا من الرجل والمرأة للتكامل، وليس الأمر كما تصوّر بعضهم حيث قال بأنّ كمال الرجل هو الأصل، وأنّ المرأة ما هي إلّا أداة لتكامل الرجل. وفي يوم القيامة سوف يكون هناك نورٌ يسطع من المؤمنين والمؤمنات ويسعى بين أيديهم. إنّ مفاد آيةٍ من القرآن الكريم هو أنّ جميع الناس من أيّ جنسٍ كانوا -سواء من النساء أم الرجال- قد خلقوا من نفسٍ واحدةٍ ومن جوهرٍ واحد، وأنّ المبدأ القابلي لخلق جميع الأفراد شيءٌ واحد. «إنّ حقيقة الإنسان ليست مذكّرةً ولا مؤنثة».
إنّ القرآن الكريم عندما يذكر الرجل والمرأة، فإنّه يقول: «لا تتعرّفوا على هذين الكائنين من زاوية الذكورة والأنوثة، بل تعرّفوا عليهما من الناحية الإنسانيّة، وإنّ حقيقة الإنسان تتألّف من روحه، وليس بجسمه ولا المجموع من الجسم والروح، والروح ليست مذكّرةً ولا هي مؤنّثة، وإنّ القيَم وأضداد القيَم لا هي مذكّرة، ولا هي مؤنّثة».
لقد خلق الله الرجل والمرأة على نحوٍ بحيث لا يمكن لأيّ واحدٍ منهما أنْ يشعر بالسعادة والسكون والطمأنينة إلّا بالركون إلى الآخر. إنّ هذا المطلب قابلٌ للملاحظة من مختلف الجهات والنواحي، من قبيل: الناحية الجسديّة والتركيبة البايولوجيّة، والناحية الجنسيّة واستمرار النسل، والخصائص النفسيّة والشخصيّة، والقدرة الجسديّة والنفسيّة، وتقسيم وظائف الحياة، والرغبة في الحضور والتواجد الاجتماعي وما إلى ذلك. إنّ كثيرًا من الاختلافات بينهما قائمٌ على أساس تكميل أحدهما الآخر، بحيث لولا هذه الاختلافات لتعرّضت حياة الأشخاص ولا سيّما حياتهم الاجتماعيّة لمشكلةٍ ومأزق.
وكأنّ القرآن الكريم في بعض الآيات التي تتحدّث عن سكينة المرأة والرجل، تعطي الأصالة في إيجاد هذه السكينة إلى المرأة، وتعدّها في هذا الأمر النفسي هي الأصل، وتعدّ الرجل منجذبًا إلى حنان المرأة وعاطفتها. بيد أنّ الله سبحانه وتعالى قد عدّ هذا واحدًا من آياته، حيث جعل لهم من أنفسهم أزواجًا ليسكنوا إلى بعضهم. إنّ هذه الآية تبدو أنّها مشتركةٌ بين المرأة والرجل. فهي تخاطب كلا الصنفين بالقول:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(الروم: 21). ولا اختصاص فيها لصنف الرجل.
لقد خلق الله كلًّا من الرجل والمرأة ليكونا لباسًا لبعضهما، ويصون أحدهما الآخر، ويستر عيوبه ولا يظهرها للآخرين، بل يظهر حسناته، ويدفع الأخطار عنه. إنّ هذه الحالة متبادلةٌ بين الطرفين ولا تختصّ بأحدهما دون الآخر.
إنّ الرجل والمرأة متشابهان في كثيرٍ من الخصائص الجسدية، من قبيل: جهاز الدورة الدموية، والمنظومة العصبية، والجهاز الهضمي، والجهاز التنفسي، وما يندرج تحت هذه المنظومات بشكلٍ كامل. كما يوجد هناك تشابهٌ تامٌّ بينهما في كثيرٍ من المعارف والدوافع الإنسانيّة. ولو صدقت سلسلة مراتب مازلو، فسوف تكون صادقةً بالنسبة إلى كلا الصنفين. إنّ الكلام الذي قيل بشأن الاختلاف في الذكاء والقابلية المعرفية بين الرجل والمرأة، هو أوّلًا: لا يستند في بعض الموارد إلى قطعيّة علميّة، وثانيًا: إنّ هذه الاختلافات لا تؤدّي إلى اختلافاتٍ قيَميّةٍ بينهما، بل هي اختلافاتٌ تقتضيها الحياة المشتركة وتحقيق التكامل لكلا الجنسين.
وإذا كان القرآن الكريم يتحدّث عن بعض الخصائص، مثل: المَنوُع، والعَجُول، والهَلُوع، والهمّاز، والساعي بالنميمة، والجَزُوع، والكَفُور، والضعيف، والباحث عن الفطرة الدالة على الله، والمخلص، والمتقي، والمهتدي، وما إلى ذلك، فهو يتحدّث عن ذلك كلّه ناسبًا إيّاها إلى الإنسان، فهو يعود إلى كلا الجنسين ولا يختصّ بأحدهما دون الآخر. وإذا كان الإنسان يريد الطريق مفتوحًا أمامه، وأنْ يقوم
بفعل كلّ شيءٍ يريده، فهذا الأمر يعدّ من الخصائص المشتركة بين الذكر والأنثى.
وإذا كان للإنسان نفسٌ أمّارة، ونفسٌ لوّامة، ونفسٌ مطمئنة، فهي موجودةٌ في كلا الصنفين. وإذا كان القرآن يدعو إلى فعل الخير والعمل الصالح وأنْ يسعى الإنسان في خدمة الآخرين وتقديم العون لأبناء جلدته، فإنّ هذه الدعوة تتجه إلى كلا الصنفين. وإذا كان القرآن الكريم قد وعد الإنسان بالجنة وتوعّده بالنار، فإنّه قد وعد وتوعد كلا الصنفين أيضًا. وإذا كان الإنسان روحاني البقاء، فإنّ هذا الحكم لا يختصّ بأحدهما دون الآخر.
لقد تقدم أنْ ذكرنا بعض الوظائف والتكاليف الدينيّة المشتركة بين هذين الصنفين. إنّ بعض الأمور من قبيل: تشبّه أحد الصنفين بالآخر، ومصافحة الصنف الآخر، والنظر إلى المحرم بشهوة، وتقبيل البالغ للأجنبية، والمزاح مع الصنف الآخر، والنهي عن الاختلاء به، والاستعانة بالله في هذا الشأن، كلّها متوجهة إلى كلا الصنفين من الذكر والأنثى. لقد أشاد القرآن الكريم بمريم ابنة عمران عليهاالسلام التي اعتزلت قومها ووضعت بينها وبينهم حجابًا. وكانت منشغلةً بالدعاء والتضرّع إلى ربّها إذ قطع عليها شخصٌ هذه اللحظات من الانقطاع إلى الله؛ حيث وقع
بصرها على شابٍ فارع القامة، وقد ورد في تفسير مجمع البيان أنّ هذا الشخص الذي تمثّل لها لم يكن سوى جبرائيل عليهالسلام، ولكنّها فزعت من رؤيته أمامها وقالت له من فرط الانزعاج، على ما ورد في الذكر الحكيم:﴿قَالَتْ إنِّي أعُوذُ بِالرَّحْمَنِ مِنْكَ إنْ كُنْتَ تَقِيًّا﴾(مريم: 18).
كما أثنى القرآن الكريم على النبي يوسف عليهالسلام أيضًا؛ إذ لم يبرّئ نفسه، لعلمه بأنّ النفس أمّارة بالسوء. وعن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: « ألا لا يخلونّ رجل بامرأة إلّا كان ثالثهما الشّيطان». وفي روايةٍ أخرى قال إبليس للنبيّ موسى عليهالسلام: «لَا تَخْلُ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا كُنْتُ صَاحِبَهُ دُونَ أَصْحَابِي».
وعن الإمام الباقر عليهالسلام، أنّه قال: «لَا يَجُوزُ لَهَا أَنْ تَتَشَبَّهَ بِالرِّجَالِ لِأَنَّ رَسُولَ اللَّهِ ص لَعَنَ الْمُتَشَبِّهِينَ مِنَ الرِّجَالِ بِالنِّسَاءِ وَلَعَنَ الْمُشَبِّهَاتِ مِنَ النِّسَاءِ بِالرِّجَالِ». وروي في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «مَنْ صَافَحَ امْرَأَةً تَحْرُمُ عَلَيْهِ فَقَدْ باءَ بِسَخَطٍ مِنَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ». وفي روايةٍ أخرى: «مَنْ صَافَحَ امْرَأَةً حَرَاماً جَاءَ يَوْمَ
الْقِيَامَةِ مَغْلُولًا ثُمَّ يُؤْمَرُ بِهِ إِلَى النَّارِ ». وروي عن أبي عبد الله عليهالسلام، أنّه قال: «إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ الْحُرَّةُ سِتَّ سِنِينَ فَلَا يَنْبَغِي لَكَ أَنْ تُقَبِّلَهَا». وعن أبي عبد الله عليهالسلام، أنّه قال: « إِذَا بَلَغَتِ الْجَارِيَةُ سِتَّ سِنِينَ فَلَا يُقَبِّلُهَا الْغُلَامُ وَالْغُلَامُ لَا يُقَبِّلُ الْمَرْأَةَ إِذَا جَازَ سَبْعَ سِنِينَ». وفي روايةٍ أخرى: « فَرِّقُوا أَوْلَادِكُمْ فِي الْمَضَاجِعِ إِذَا بَلَغُوا سَبْعَ سِنِينَ». يجب التفريق بينهما عند بلوغهما عشر سنين، فقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «الصَّبِيُّ وَالصَّبِيُّ وَالصَّبِيُّ وَالصَّبِيَّةُ وَالصَّبِيَّةُ وَالصَّبِيَّةُ يُفَرَّقُ بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِعِ لِعَشْرِ سِنِينَ». وفي روايةٍ أخرى: «مُرُوا أَوْلَادَكُمْ بِالصَّلَاةِ وَهُمْ أَبْنَاءُ سَبْعٍ وَاضْرِبُوهُمْ عَلَيْهَا وَهُمْ أَبْنَاءُ عَشْر، وفرّقوا بَيْنَهُمْ فِي الْمَضَاجِع». وقال الله تعالى:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنَّ﴾(النور: 31). وعن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «اشْتَدَّ غَضَبُ اللَّهِ عَلَى امْرَأَةٍ ذَاتِ بَعْلٍ مَلَأَتْ عَيْنَهَا مِنْ غَيْرِ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا وَإِذَا فَعَلَتْ ذَلِكَ أَحْبَطَ اللَّهُ كُلَّ عَمَلٍ عَمِلَتْه». وفي رواية أخرى: «النَّظَرُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ مَسْمُومٌ وَكَمْ مِنْ نَظْرَةٍ أَوْرَثَتْ حَسْرَةً طَوِيلَة».
تظهر بعض الاختلافات الواضحة بين الرجل والمرأة، ولا سيّما في الأعضاء التناسلية، وفي الصفات الجنسيّة الثانوية، وفي سرعة تكامل النموّ، وفي القوة والرقة في القدرات الجسدية، وفي الشدّة والضعف في البُعد العاطفي، وفي نوع العلاقات والتوجهات في الحياة الأسريّة والاجتماعيّة، من قبيل: العمل والدراسة والتزاور وما إلى ذلك. وقد عمد بيكون إلى بيان النموذج العملي له في التمايز بين الرجل والمرأة، قائلًا: «إنّ الرجل يستحضر الدليل والبرهنة والتقنية والحضارة، وأمّا المرأة فهي على العكس من ذلك زاخرة بالحبّ والعواطف». وتعمل الآراء الأخيرة لعلماء النفس على بيان تجارب المرأة بشكلٍ مغايرٍ تمامًا عن تجارب الرجل.
وبطبيعة الحال فإنّ بعض الاختلافات الموجودة في بعض المجتمعات البشرية بين الرجال والنساء، إنّما ينشأ من الأنظار الجنسيّة الخاطئة التي تسجل حضورًا صارخًا في تلك المجتمعات. إنّ اختلافاتٍ من هذا النوع لا تحظى بتأييد الإسلام، وأما الاختلافات الجسدية والنفسية الأصيلة فهي بحيث لا يمكن إنكارها أو التشكيك فيها.
وعلى أساس هذه الاختلافات، هناك سلسلةٌ من الفوارق السلوكية التي تبدو ضروريةً للمرأة بالنسبة إلى الرجل، وللرجل بالنسبة إلى المرأة. من ذلك على سبيل المثال يقول القرآن الكريم:﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ لَسْتُنَّ كَأحَدٍ مِنَ النِّسَاءِ إنِ اتَّقَيْتُنَّ فَلَا
َخْضَعْنَ بِالْقَوْلِ فَيَطْمَعَ الَّذِي فِي قَلْبِهِ مَرَضٌ وَقُلْنَ قَوْلًا مَعْرُوفًا﴾(الأحزاب: 32).
وروي في الأثر عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «...نَهَى أَنْ تَتَكَلَّمَ الْمَرْأَةُ عِنْدَ غَيْرِ زَوْجِهَا أَوْ غَيْرِ ذِي مَحْرَمٍ مِنْهَا أَكْثَرَ مِنْ خَمْسِ كَلِمَاتٍ مِمَّا لَا بُدَّ لَهَا مِنْهُ».
وعن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «صِيَانَةُ المَرْأَةِ أَنْعَمُ لِحَالِهَا وَأَدْوَمُ لِجَمَالِهَا». لقد عمد النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم إلى تقسيم الأعمال بين الإمام علي عليهالسلام وبين السيدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام على أن تقوم السيِّدة فاطمة عليهاالسلام بأعمال البيت، ويقوم الإمام علي بالعمل في خارج البيت، وقد سُرّت السيِّدة فاطمة الزهراء عليهاالسلام لذلك.
ويجب على الرجل ألّا يُسلم على الشابات من النساء إذا كان يحتمل أنْ يؤدّي ذلك إلى إذكاء جذوة الشهوة لديه، وكان أمير المؤمنين عليهالسلام يسلم على النساء، وكان يكره أنْ يسلم على الشابة منهن، وقال: «أَتَخَوَّفُ أَنْ يُعْجِبَنِي صَوْتُهَا فَيَدْخُلَ مِنَ الْإِثْمِ عَلَيَّ أَكْثَرُ مِمَّا أَطْلُبُ مِنَ الْأَجْرِ».
إذا كان هناك اختلاط بين الرجال والنساء فسوف يجتاح المجتمع داءٌ ليس له دواء، فقد ورد في الأثر: «باعدوا بين أنفاس الرجال والنساء؛ فإنّه إذا كانت المعاينة واللقاء كان الداء الذي لا دواء له». وروي عن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «يَا أَهْلَ
الْعِرَاقِ نُبِّئْتُ أَنَّ نِسَاءَكُمْ يُدَافِعْنَ الرِّجَالَ فِي الطَّرِيقِ أَ مَا تَسْتَحْيُونَ.؟!».
إنّ مسألة عدم الاختلاط بين الرجل والمرأة من الأهمية في التعاليم الإسلاميّة بحيث ورد في الأثر أنّ الرجل عليه ألّا يجلس في موضعٍ سبق لامرأةٍ أنْ جلست فيه، وأنْ يترك الجلوس عليه حتى تمضي مدةً كافيةً لكي يبرد ثم يجلس فيه. وجاء في الأثر: «لَا تَبْدَءُوا النِّسَاءَ بِالسَّلَامِ وَلَا تَدْعُوهُنَّ إِلَى الطَّعَام». (كنايةً عن الابتداء بإقامة العلاقة).
يمكن للمرأة إذا اقتضت الضرورة أنْ تدخل في مجتمعٍ غير المحارم، ولكن يجب عليها في هذه الحالة أنْ تقضي على موارد الانحراف من خلال العفاف ورعاية الحجاب. يتعيّن على الرجل أنْ يقوم بالأعباء الاقتصاديّة في إدارة شؤون الأسرة، وإنّ المرأة على الرغم من استقلالها المالي بنحوٍ يمكن لها أنْ تمتلك الأموال، لا تتحمل أيّ مسؤوليةٍ اقتصاديّةٍ ومادّيّةٍ في إدارة الأسرة، وإنّما نفقتها تقع على عاتق زوجها. وينبغي أنْ تكون آلية انتقال المال من الجيل الراهن إلى الجيل اللاحق بنحوٍ يتوفّر معه الإمكان الأفضل للتماسك والانسجام الأسري.
إنّ الوظائف الثقيلة والتكاليف الاجتماعيّة والجسدية القاسية، يجب ألّا تبعد المرأة عن احتياجات ومهام تربية الأولاد وإدارة شؤون الأسرة، وإنّ على الرجل
بوصفه العماد المتين لخيمة الأسرة أنْ يقوم باتخاذ الاحتياطات اللازمة، وأنْ يحول دون حصول أيّ آفةٍ محتملةٍ تضرّ بالأسرة. وعليه أنْ يحبّ زوجته وأنْ يكون صادقًا وثابتًا في هذا الحب؛ وذلك لأنّ حبّ النساء من أخلاق الأنبياء.
وقد روي عن أبي عبد الله عليهالسلام، أنّه قال: «مَا أَظُنُّ رَجُلًا يَزْدَادُ فِي الْإِيمَانِ خَيْراً إِلَّا ازْدَادَ حُبّاً لِلنِّسَاءِ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «المَرأةَ رَيحانَةٌ ولَيسَت بِقَهرَمَانَةٍ، فَدارِها على كُلِّ حَالٍ، وأحسِن الصُّحبَةَ لَها لِيصفُو عَيشُك». وعن الإمام الرضا عليهالسلام أنه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى عَلَى الْإِنَاثِ أَرَقُّ مِنْهُ عَلَى الذُّكُورِ».
وسوف نكتفي هنا بهذا المقدار من الحديث حول الاختلافات السلوكية بين الرجل والمرأة؛ وذلك لأننا سوف نعود إلى بيان السلوكيّات في معرض البحث عن وظائف شجرة الحياة أيضًا.
«إنّ سرّ الاختلاف بين الرجل والمرأة يكمن أوّلًا في أنّ الحياة يجب أنْ تُدار على أحسن وجه. وثانيًا: ما لم يتحقّق التسخير المتبادل، وما لم يتمّ إيجاد التناغم بين الآحاد والطبقات المتفاوتة، فإنّ النظام لن يُدار على النحو الأفضل والأحسن».
قال الله تعالى:﴿نَحْنُ قَسَمْنَا بَيْنَهُمْ مَعِيشَتَهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَرَفَعْنَا بَعْضَهُمْ فَوْقَ بَعْضٍ دَرَجَاتٍ لِيَتَّخِذَ بَعْضُهُمْ بَعْضًا سُخْرِيًّا﴾(الزخرف: 32). «يجب على المرأة أنْ تعمل على بيان طرائف الحكم في دقائق الفن، ويجب على الرجل أنْ يعمل على بلورة دقائق الفن في طرائف الحكَم؛ بمعنى أنّ جلال المرأة يكمن في جمالها، وجمال الرجل يتحقّق في جلاله، وإنّ هذا النوع من توزيع المهام وتقسيم الأدوار، لا يمثل انتقاصًا للمرأة، ولا إعلاءً لشأن الرجل، بل هو توجيهٌ وإرشادٌ عمليّ لقيام كلّ واحدٍ منهما بدوره».
إذا كانت المرأة عاطفيّةً وريحانة، فيجب حفظها من الانحرافات ومن الأخلاق السيئة التي تزخر بها الشوارع والأزقة، وإذا كانت تربية الولد في حضن الأم أكثر نجاحًا من رياض الأطفال ودور الأيتام، وإذا كان أولاد المجتمع هم الثروة القيّمة لذلك المجتمع، وإذا كانت الأمّهات يحببن القيام بتنشئة أولادهن بأنفسهن على نحو الفطرة والأصالة، إذن يجب إعداد الأرضيات والظروف في المجتمع الإسلامي بحيث تكون الوظيفة والمهمّة الأولى للإنسان هي تربية الأولاد، وألّا تخرج لممارسة المهام الاجتماعيّة إلّا في الحدود التي تقتضيها الضرورات الفرديّة والأسريّة والاجتماعيّة، ويجب أنْ تكون المهام التي تتولّاها المرأة في المجتمع متناسبةً مع مزاجها العاطفي وتربيتها للأولاد وإدارتها للأسرة وحبّها لتكوين البيت وبناء الأسرة.
وعلى هذا الأساس من الطبيعي أنْ تكون المؤسسات التعليمية والعيادات الصحية والطبية والورش الخدمية، وما إلى ذلك، هي المرافق المناسبة التي يمكن للمرأة أنْ تمارس فيها دورها المهني في المجتمع، لا أنْ تتولى العمل في مناجم التعدين، والمصانع وشقّ الطرق والمواصلات الخارجية والأعمال الشاقة والمضنية. إنّ مهامّ المرأة يجب أنْ تكون أولًا: بحيث لا تضرّ بوظيفتها ومسؤوليتها الطبيعية والأصيلة التي تحبّها، ونعني بذلك البيت والأسرة وإنجاب الأولاد وتربيتهم. وثانيًا: ألّا يتمّ إهدار طاقتهن بوصفهن الشريحة التي تشكل نصف المجتمع، وأنْ تتم الاستفادة من طاقتهن على أفضل وجه. وثالثًا: ألّا يُحرمن من الحضور في المواطن التي يمكن لها أنْ تؤدّي إلى تكاملهن على المستوى الروحي والمعنوي والإنساني. ورابعًا: أنْ يتمّ تنظيم حضورهن بما يحقق جميع تلك الموارد المذكورة مجتمعة، لا أنْ تتمّ التضحية ببعضها فداء للحصول على بعضها الآخر. فإنّ التضحية بالعفاف والحياء تؤدي إلى التهتك والتحرر المنفلت في العلاقة بين الرجال والنساء في جميع المواطن وما إلى ذلك من جهة، وإنّ الحشمة المفرطة والاعتباطية، والتشدّد والتصلب والمبالغة في إيجاد القيود بحيث تبدو المرأة معها وكأنها مسجونةٌ في بيتها وما إلى ذلك من جهة أخرى، لا يساعد أيّ واحدٍ من هذه الموارد المذكورة.
إنّ نمط الحياة في المجتمع الإسلامي يجب أنْ يوفّر الأجواء الأسريّة والاجتماعيّة،
وأنْ يكرمّ المرأة في المنزل، بنحو تفضل معه البقاء في المنزل على الخروج منه، وإذا خرجت منه فإنّ خروجها منه إنّما يكون بسبب اضطرارها إلى ذلك، ومن هنا نجد أنّ السيِّدة زينب الكبرى عليهاالسلام تقول في مجلس الطاغية يزيد: «أَ مِنَ الْعَدْلِ يَا ابْنَ الطُّلَقَاءِ تَخْدِيرُكَ حَرَائِرَكَ وَإِمَاءَكَ وَسَوْقُكَ بَنَاتِ رَسُولِ اللَّهِ سَبَايَا قَدْ هَتَكْتَ سُتُورَهُنَّ وَأَبْدَيْتَ وُجُوهَهُنَّ».
في البحث عن الأنظار الإسلاميّة الأخرى، قد أشرنا إلى كثيرٍ من أبحاث النظرة إلى الحياة أيضًا، وفيما يأتي نذكّر ببعض المطالب على نحو الاختصار.
إنّ الموت لا يمثّل نهاية الحياة، ربما توصّل كثيرٌ منا إلى معرفة أنّ الموت لا يعني انتهاء الحياة، بيد أنّ الإيمان بهذا الأمر بكلّ وجودنا وصقع ضميرنا، أمرٌ يفوق مجرّد المعرفة. لا بدّ أنْ نصل إلى هذه الرؤية (الانسجام والتناغم بين البُعد المعرفي والعاطفي والاستعداد السلوكي)، وهي أنّ الحياة مستمرة. لقد ذكر الله سبحانه وتعالى موارد متعددة من الأشخاص الذين لم يتمتعوا بالاطمئنان الكافي، وقام بتوفير الأرضيات التي تؤدّي إلى الإيمان القطعي، وقد وردت الإشارة إليها في القرآن الكريم، كما في قوله
تعالى بشأن العُزير عليهالسلام:﴿أوْ كَالَّذِي مَرَّ عَلَى قَرْيَةٍ وَهِيَ خَاوِيَةٌ عَلَى عُرُوشِهَا قَالَ أنَّى يُحْيِي هَذِهِ اللَّهُ بَعْدَ مَوْتِهَا فَأمَاتَهُ اللَّهُ مِئَةَ عَامٍ ثُمَّ بَعَثَهُ قَالَ كَمْ لَبِثْتَ قَالَ لَبِثْتُ يَوْمًا أوْ بَعْضَ يَوْمٍ قَالَ بَلْ لَبِثْتَ مِئَةَ عَامٍ فَانْظُرْ إلَى طَعَامِكَ وَشَرَابِكَ لَمْ يَتَسَنَّهْ وَانْظُرْ إلَى حِمَارِكَ وَلِنَجْعَلَكَ آيَةً لِلنَّاسِ وَانْظُرْ إلَى الْعِظَامِ كَيْفَ نُنْشِزُهَا ثُمَّ نَكْسُوهَا لَحْمًا فَلَمَّا تَبَيَّنَ لَهُ قَالَ أعْلَمُ أنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾(البقرة: 259).
وكذلك حكى القرآن الكريم عن النبيّ إبراهيم عليهالسلام، قال:﴿وَإذْ قَالَ إبْرَاهِيمُ رَبِّ أرِنِي كَيْفَ تُحْيِي الْمَوْتَى قَالَ أوَلَمْ تُؤْمِنْ قَالَ بَلَى وَلَكِنْ لِيَطْمَئِنَّ قَلْبِي قَالَ فَخُذْ أرْبَعَةً مِنَ الطَّيْرِ فَصُرْهُنَّ إلَيْكَ ثُمَّ اجْعَلْ عَلَى كُلِّ جَبَلٍ مِنْهُنَّ جُزْءًا ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا وَاعْلَمْ أنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾(البقرة: 260). وكان هذا ما فعله النبي إبراهيم عليهالسلام، واطمأنّ قلبه. وهناك كثيرٌ من هذه الأمثلة في القرآن الكريم.
إنّنا عند الموت لا نفنى، وخلافًا لما يعتقده البعض وكانوا يقولونه للنبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم:﴿وَقَالُوا أئِذَا ضَلَلْنَا فِي الْأَرْضِ أئِنَّا لَفِي خَلْقٍ جَدِيدٍ﴾(السجدة: 10). بل إنّ الله وملائكته يعملون على استيفائنا بشكلٍ كامل، وإنّنا نعود إلى الله سبحانه وتعالى. إنّ الناس أثناء الموت بحسب حسن أفعالهم وسوء أفعالهم سوف يرون طائفتين من الملائكة؛ ملائكة الرحمة التي يراها الصالحون؛ لذا سيكون موتهم سهلًا
[1]. ﴿قُلْ يَتَوَفَّاكُمْ مَلَكُ الْمَوْتِ الَّذِي وُكِّلَ بِكُمْ ثُمَّ إلَى رَبِّكُمْ تُرْجَعُونَ﴾ (السجدة: 11)؛ ﴿حَتَّى إذَا جَاءَ أحَدَكُمُ الْمَوْتُ تَوَفَّتْهُ رُسُلُنَا﴾ (الأنعام: 61)؛ ﴿أعْبُدُ اللَّهَ الَّذِي يَتَوَفَّاكُمْ﴾ (يونس: 104).
[2]. روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال: «ِفَمَنْ كَانَ مِنْ أَهْلِ الطَّاعَةِ تَوَلَّتْ قَبْضَ رُوحِهِ مَلَائِكَةُ الرَّحْمَةِ». المجلسي، بحار الأنوار، 6: 141. و﴿تَحِيَّتُهُمْ يَوْمَ يَلْقَوْنَهُ سَلَامٌ وَأعَدَّ لَهُمْ أجْرًا كَرِيمًا﴾ (الأحزاب: 44).
ويسيرًا، وملائكة العذاب التي يراها الطالحون؛ لذا سيكون موتهم شديدًا ومؤلمًا.
إنّنا بعد الموت سوف ندخل في مرحلةٍ جديدةٍ من الحياة، وهي المرحلة التي نسمّيها بـ(الحياة البرزخيّة). وعندما يشعر الكفّار بالحياة بعد الموت في أنفسهم، سوف يتحوّل شكّهم إلى يقين، وسوف يقولون عندها على ما حكاه القرآن عنهم:﴿قَالُوا رَبَّنَا أمَتَّنَا اثْنَتَيْنِ وَأحْيَيْتَنَا اثْنَتَيْنِ فَاعْتَرَفْنَا بِذُنُوبِنَا فَهَلْ إلَى خُرُوجٍ مِنْ سَبِيلٍ﴾(غافر: 11).
في حالة النوم يبقى القالب المادّي للإنسان على حاله، ويكون هاجعًا في الفراش، وإنّ القالب البرزخي هو الذي يخرج من الإنسان، وقد يذهب إلى مختلف الأمكنة.
إنّ عالم البرزخ ليس مادّيًّا بحتًا، بل هو مثالي، وإنّ لبعض آثار العالم المادي
حضورًا هناك، من ذلك على سبيل المثال يوجد هناك إمكانٌ للتكامل، وإنّ واقع الفرد في عالم البرزخ لن يبقى ثابتًا على نمطٍ واحدٍ بالضرورة؛ فقد يتغيّر وضعه نحو الأحسن، وقد يتغيّر نحو الأسوأ، وهذا الأمر رهن بما تركه وراءه في هذه الحياة الدنيا، (وهي أمور من قبيل: الولد الصالح، وقراءة القرآن الذي كان يتلوه، والسنة الحسنة التي سنها، والباقيات الصالحات والصدقات الجارية، من قبيل: حفر الترَع والآبار، وزرع الأشجار، وفتح المجاري، وشق الطرق وتعبيد الشوارع وبناء المساجد والمدارس والمبرّات وما إلى ذلك). هناك زمن في البرزخ حيث يوجد ليل ونهار وصباح ومساء...، فقد ورد في القرآن الكريم قوله:﴿لَا يَسْمَعُونَ فِيهَا لَغْوًا إلَّا سَلَامًا وَلَهُمْ رِزْقُهُمْ فِيهَا بُكْرَةً وَعَشِيًّا﴾(مريم: 62). إنّ الذين يعيشون في البرزخ يتصلون بعالم الدنيا ويلتقون بذويهم ومحبيهم بحسب منزلتهم. وفي بعض الحالات هناك إمكان للتزاور واللقاء والاجتماع والتحاور مع بعضهم. وهناك عذاب وثواب في عالم البرزخ[4]. يرغب الناس في عالم البرزخ بالعودة إلى الدنيا من
أجل القيام بالمزيد من أفعال الخير، ولكن لن يكون هذا الأمر ممكنًا. إنّ عالم البرزخ ليس منفصلًا عن عالم الطبيعة بنحو نصل في هذه الدنيا إلى حدٍّ يكون فيه هذا العالم منفصلًا بجدارٍ كبير عن الطبيعة، بل إنّ الدنيا والبرزخ [من قبيل الوجهين لعملة واحدة]، مترابطان ومتصلان ببعضهما.
إنّ البرزخ بجميع خصائصه سوف يستمر إلى أنْ يحين موعد قيام القيامة بأمر الله سبحانه وتعالى، وقبل يوم القيامة تعمّ العالم حادثة عظيمة؛ حيث تهتز الأرض والسماء، وتموت جميع الكائنات ويختلّ نظام الوجود. ثم عند قيام القيامة يحدث انقلابٌ كبيرٌ أدهى من الانقلاب الأول. إنّ هاتين الحادثتين تقعان بأمر الله سبحانه وتعالى بواسطة ملَك من الملائكة (اسمه إسرافيل)، وقد تمّ التعبير عنهما بـ(النفخ في الصور). في النفخة الأولى يصعق الجميع إلى حدّ الموت من الخوف والفزع، ولا يجدون الوقت الكافي حتى لتنفيذ وصاياهم، ولا يكتمل تحاورهم مع أفراد أسرهم.
وفي النفخة الثانية يعود الجميع إلى الحياة مرّةً أخرى ويخرجون من الأجداث
وتكون لهم حياةٌ جديدة. إنّ هاتين النفختين تأتيان تباعًا وتحدثان هزّةً في الأرض.
وقد وردت تسمية يوم القيامة في القرآن الكريم بأسماء كثيرة، (من قبيل: يوم الدين، ويوم الواجفة، ويوم الرادفة، ويوم الميعاد، ويوم القارعة، ويوم الحساب، ويوم التلاق، وما إلى ذلك)، ولكن هذا لا يدخل في موضوع بحثنا. وفي ذلك اليوم لن يكون هناك بقاء للنجوم والمجرّات والشمس والقمر ونظائرها، وسوف يعمّ الظلام كلّ شيء. ولن يكون هناك نورٌ غير نور الإيمان؛ قال الله تعالى:﴿يَوْمَ تَرَى الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ يَسْعَى نُورُهُمْ بَيْنَ أيْدِيهِمْ وَبِأيْمَانِهِمْ بُشْرَاكُمُ الْيَوْمَ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ هُوَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(الحديد: 12). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ إلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ﴾(القيامة: 22). وقال الله تعالى:﴿يَوْمَ نَحْشُرُ الْمُتَّقِينَ إلَى الرَّحْمَنِ وَفْدًا﴾(مريم: 85). وفي المقابل تكون وجوه المجرمين مسودّةً ومكفهرّة. قال الله سبحانه وتعالى:﴿وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ تَرَى الَّذِينَ كَذَبُوا عَلَى اللَّهِ وُجُوهُهُمْ مُسْوَدَّةٌ﴾(الزمرة: 60). وقال تعالى:﴿وَوُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ عَلَيْهَا غَبَرَةٌ تَرْهَقُهَا قَتَرَةٌ﴾(عبس: 40-41). وقال تعالى:﴿فَمَا لَهُ مِنْ قُوَّةٍ وَلَا نَاصِرٍ﴾(الطارق: 10).
الحياة في الجنة أو الجحيم: عندما يتمّ إحياؤنا من جديدٍ في يوم القيامة، وبعد الوقوف للحساب الدقيق الذي سوف يعتمد فيه على سجلّ أعمالنا، سوف نعيش
حياةً جديدة. إنّ أبعاد عالم القيامة ليست واضحةً كلّها لنا. لقد توصّل علماؤنا الكبار من خلال الشواهد والآيات والروايات إلى نتيجة مفادها أنّ يوم القيامة جامعٌ للعديد من النشآت التي يمكن للإنسان أنْ يتصوّرها. إذ له نشأةٌ مادّيّةٌ ونشأةٌ مثالية، وله نشأةٌ عقليةٌ ونشأةٌ روحانية أيضًا. وقد ذكر آية الله الشيخ الجوادي الآملي مثالًا لتقريب هذه لفكرة إلى الأذهان إذ يقول: «لو حللت ضيفًا على قوم، فإنّهم سيقومون بواجب الضيافة لك؛ فيعدون لك مخدعًا للنوم وراحة لجسدك، ويقدمون لك أصناف الطعام والشراب لتنشيط جسمك، ويهيئون لك ما يريح نفسك وروحك بتوفير الأجواء العلمية والمعنوية، بل ويقومون حتى بتوفير المكان لراحة دابتك وراحلتك ويطعمونها العشب والشعير ويسقونها الماء أيضًا». وهكذا سوف يكون الأمر في يوم القيامة؛ إذ إنّ للإنسان مختلف الأبعاد والساحات، وسوف يكون هناك استقبال وضيافة في الجنة لكلّ بُعدٍ بما يتناسب معه، وسوف يكون هناك في الجحيم عذاب متناسب مع كلّ واحدٍ من تلك الأبعاد الوجودية أيضًا. هناك كثيرٌ من النعم في الجنة ممّا نعرفها بأسمائها في هذه الدنيا، ولكن بكيفية مختلفة جدًا وأكثر قيمة إلى حدّ بعيد. قال الله في محكم كتابه الكريم:﴿فَلَا تَعْلَمُ نَفْسٌ مَا أُخْفِيَ لَهُمْ مِنْ قُرَّةِ أعْيُنٍ جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(السجدة: 17). وإنّ هذه النعم أعم من الزوجات المتقاربات معهم في السن، ولا ينظرون إلى غير أزواجهم. وقال الله تعالى:﴿لِلَّذِينَ اتَّقَوْا عِنْدَ رَبِّهِمْ جَنَّاتٌ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا﴾
(آل عمران: 15). وقال الله تعالى:﴿فِيهَا سُرُرٌ مَرْفُوعَةٌ﴾(الغاشية: 13). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ﴾(الطور: 20). وقال تعالى:﴿عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ﴾(المطففين: 23-35). وقال الله تعالى:﴿يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾(الحج: 23). وقال تعالى:﴿جَنَّاتُ عَدْنٍ يَدْخُلُونَهَا يُحَلَّوْنَ فِيهَا مِنْ أسَاوِرَ مِنْ ذَهَبٍ وَلُؤْلُؤًا وَلِبَاسُهُمْ فِيهَا حَرِيرٌ﴾(فاطر: 33). وقال الله تعالى:﴿وَأمْدَدْنَاهُمْ بِفَاكِهَةٍ وَلَحْمٍ مِمَّا يَشْتَهُونَ﴾(الطور: 22). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿مَثَلُ الْجَنَّةِ الَّتِي وُعِدَ الْمُتَّقُونَ فِيهَا أنْهَارٌ مِنْ مَاءٍ غَيْرِ آسِنٍ وَأنْهَارٌ مِنْ لَبَنٍ لَمْ يَتَغَيَّرْ طَعْمُهُ وَأنْهَارٌ مِنْ خَمْرٍ لَذَّةٍ لِلشَّارِبِينَ وَأنْهَارٌ مِنْ عَسَلٍ مُصَفًّى وَلَهُمْ فِيهَا مِنْ كُلِّ الثَّمَرَاتِ وَمَغْفِرَةٌ مِنْ رَبِّهِمْ﴾(محمد: 15). إنّ هذه النعم أكثر من أنْ نستطيع الوفاء بذكرها هنا. بيد أنّ هذه النعم إنّما تخصّ النشأة المادّيّة للإنسان، وأمّا بالنسبة إلى النشآت الأسمى للإنسان المتعالي فسوف تكون له ضيافةٌ خاصةٌ من ذلك النوع أيضًا.
وفي مقابل الجنّة وردت في القرآن الكريم أوصافٌ تفصيليّةٌ لجهنم. قال الله سبحانه وتعالى في وصف جهنم:﴿نَارُ اللَّهِ الْمُوقَدَةُ الَّتِي تَطَّلِعُ عَلَى الْأَفْئِدَةِ﴾(الهمزة: 6-7). هناك عذاب، وقد ورد وصف هذا العذاب بأوصاف متعدّدة، من قبيل: العذاب المهين، والعذاب الأليم، وعذاب النار، وعذاب الحريق، وعذاب الخلد، والعذاب الأكبر، وعذاب الهون وما إلى ذلك. وليس هناك من طريق للفرار منه؛ إذ يقول الله
سبحانه وتعالى:﴿أُولَئِكَ مَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَلَا يَجِدُونَ عَنْهَا مَحِيصًا﴾(النساء: 121). فليس الأمر كما لو أنّ المجرمين سوف يتخلصون بالموت من العذاب، بل كلما احترقت جلودهم سوف يتمّ إكساؤهم بجلود غيرها. وقال الله سبحانه وتعالى:﴿لَهُمْ شَرَابٌ مِنْ حَمِيمٍ وَعَذَابٌ ألِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْفُرُونَ﴾(الأنعام: 70). وقال الله تعالى:﴿إنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَارًا وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا﴾(النساء: 10).
إنّ هذه الدنيا من الناحية الزمنيّة قصيرة الأمد، ولا يمكن مقارنتها بالآخرة أبدًا؛ لأنّ الآخرة خالدة وباقية، والحياة الدنيا فانية. قال الله تعالى:﴿قُلْ مَتَاعُ الدُّنْيَا قَلِيلٌ وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ لِمَنِ اتَّقَى وَلَا تُظْلَمُونَ فَتِيلًا﴾(النساء: 77). وقال تعالى:﴿وَلَلدَّارُ الْآخِرَةُ خَيْرٌ لِلَّذِينَ يَتَّقُونَ أفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(الأنعام: 32). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿وَلَلْآخِرَةُ خَيْرٌ لَكَ مِنَ الْأُولَى﴾(الضحى: 4). إنّ الدنيا وجودٌ
[1]. ﴿إنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِآيَاتِنَا سَوْفَ نُصْلِيهِمْ نَارًا كُلَّمَا نَضِجَتْ جُلُودُهُمْ بَدَّلْنَاهُمْ جُلُودًا غَيْرَهَا لِيَذُوقُوا الْعَذَابَ﴾ (النساء: 56).
[2]. ﴿فَمَا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ﴾ (التوبة: 38)؛ وقال تعالى: ﴿وَفَرِحُوا بِالْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا فِي الْآخِرَةِ إلَّا مَتَاعٌ﴾ (الرعد: 26).
[3]. ﴿وَلَكُمْ فِي الْأَرْضِ مُسْتَقَرٌّ وَمَتَاعٌ إلَى حِينٍ﴾ (البقرة: 38).
[4]. ﴿أُولَئِكَ أصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ﴾ (الأعراف: 36-42)؛ وقال تعالى: ﴿أُولَئِكَ حَبِطَتْ أعْمَالُهُمْ وَفِي النَّارِ هُمْ خَالِدُونَ﴾ (التوبة: 17).
[5]. ﴿مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَمَا عِنْدَ اللَّهِ بَاقٍ﴾ (النحل: 96).
مادّيّ والمادّة أمرٌ محدود، ولمّا كانت أصالة الإنسان بروحه، فإنّ العالم المادي بالنسبة إليه يمثّل المرحلة الأولى وهي المرحلة السُفلى، وهي بتعبير القرآن الكريم: (لهو ولعب). قال الله تعالى:﴿وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾(آل عمران: 185)؛ (الحديد: 20). إنّ الدنيا ليست لها قيّمة ذاتية أبدًا، بل خلقت ليتضح فيها من الذي يعمل صالحًا فيستحق الجنة، ومن الذي يفعل طالحًا فيستحق النار؛ قال الله تعالى:﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أيُّكُمْ أحْسَنُ عَمَلًا﴾(الملك: 2). قال الله تعالى:﴿فَأمَّا مَنْ طَغَى وَآثَرَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا فَإنَّ الْجَحِيمَ هِيَ الْمَأْوَى﴾(النازعات: 37-39). وقال الله تعالى:﴿قَدْ أفْلَحَ مَنْ تَزَكَّى وَذَكَرَ اسْمَ رَبِّهِ فَصَلَّى بَلْ تُؤْثِرُونَ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى﴾(الأعلى: 14-17).
إنّ الحياة نعمةٌ وهبةٌ من الله سبحانه وتعالى لنا، وعلينا أنْ نعرف قيمتها ونستفيد منها. وبالنظر إلى الرؤية والنظرة الإسلاميّة إلى الوجود والأزمات وإلى أنفسنا وإلى الآخرين، لا يبقى هناك موضعٌ لسوء ظنّ الإنسان المسلم بالنسبة إلى الحياة؛ إذ يتمّ حساب كلّ شيء بشكلٍ دقيق، ويتمّ حساب جميع الصعوبات، وتتمّ محاسبة أعمال الفرد وأفعاله، ولن يكون هناك ظلمٌ على أحد. وسوف يثاب الإنسان على أفعاله الحسنة بعشرة أمثالها. إنّ الإسلام يهتم بالنشاطات الفرديّة والاجتماعيّة إلى حدٍّ
كبير. وهناك نوعٌ من النظرة الإيجابيّة الواقعيّة إلى الحياة. من ذلك على سبيل المثال:
أ. يجب أنْ نتفاءل بأنّ المستقبل سوف يكون مشرقًا: وقد ورد في نمط الحياة الإسلاميّة، ذمّ المؤمن الذي يشكو من مشاكل الحياة بشدّة. كان رجل من التجار يختلف إلى الإمام جعفر بن محمّد عليهالسلام يخاطبه ويعرّفه بحسن حال، فتغيّرت حاله فجعل يشكو إلى الإمام جعفر عليهالسلام، فقال له الإمام:
فَلَا تَجْزَعْ إِذَا أَعْسَرْتَ يَوْما
فَقَدْ أَيْسَرْتَ فِي زَمَنٍ طَوِيلٍ
وَ لَا تَيْأَسْ فَإِنَّ الْيَأْسَ كُفْر
لَعَلَّ اللَّهَ يُغْنِي عَنْ قَلِيلٍ
وَ لَا تَظْنُنْ بِرَبِّكَ ظَنَّ سَوْء
فَإِنَّ اللَّهَ أَوْلَى بِالْجَمِيلِ
ب. يجب علينا أنْ ندرك النِعَم الإلهيّة الراهنة: عن أبي هاشم الجعفري قال: أصابتني ضيقةٌ شديدةٌ فصرت إلى أبي الحسن علي بن محمّد الهادي عليهالسلام؛ فأذن لي فلما جلست قال: «يَا أَبَا هَاشِمٍ أَيُّ نِعَمِ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ عَلَيْكَ تُرِيدُ أَنْ تُؤَدِّيَ شُكْرَهَا؟». قال أبو هاشم: فوجمت فلم أدرِ ما أقول له. فابتدأ عليهالسلام فقال: «رَزَقَكَ الْإِيمَانَ فَحَرَّمَ بَدَنَكَ
عَلَى النَّارِ وَرَزَقَكَ الْعَافِيَةَ فَأَعَانَتْكَ عَلَى الطَّاعَةِ وَرَزَقَكَ الْقُنُوعَ فَصَانَكَ عَنِ التَّبَذُّل».
يجب علينا أنْ نذكّر أنفسنا بالثواب الذي سنحصل عليه أجرًا على تحمّل الصعاب والأزمات. فقد روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «لو تعلمون ما ذخر لكم ما حزنتم على ما زوي عنكم». وعن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال لأحد أصحابه وكان قد أصابه مرض: «لَوْ يَعْلَمُ الْمُؤْمِنُ مَا لَهُ مِنَ الْأَجْرِ فِي الْمَصَائِبِ لَتَمَنَّى أَنَّهُ قُرِضَ بِالْمَقَارِيضِ».
ج. يجب أن نعلق آمالنا على الله سبحانه وتعالى وأن نراقب أعمالنا أيضًا: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «يَنْبَغِي لِمَنْ عَرَفَ اللَّهَ سُبْحَانَهُ أَنْ لَا يَخْلُوَ قَلْبُهُ مِنْ رَجَائِهِ وَخَوْفِهِ». وبطبيعة الحال كلّما كانت معرفة الإنسان بالله أكبر، كانت درجة إيمانه أعلى، وكان قلبه زاخرًا بالرجاء والأمل برحمة الله والخوف من غضبه. قال الله سبحانه وتعالى:﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فاطر: 28). ولا يؤدّي أيّ واحد منهما إلى تضييق الخناق على الآخر. ومن هنا فقد روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «غَايَةُ الْمَعْرِفَةِ الْخَشْيَةُ». إنّ المؤمن في الجمع بين الخوف والرجاء، لا يُسقط نفسه بسبب الخوف في اليأس والقنوط الذي هو من كبائر
الذنوب، ولا يسقط بسبب التفاؤل الطاغي في شراك التحلل والتهتك. إنّ الخوف والرجاء أمرٌ مشككٌ وذو مراتب وله حدّ نصاب يجب على المؤمن أنْ يحقّق الحدّ الأدنى من هذه المراتب.
لو كان أمل الإنسان ورجاؤه برحمة الله بحيث يذهب به التصوّر إلى أنّ الله لا يتدخل فيها، وأنّ الله يغفر للجميع، فسوف يتجرّأ ولن يبالي بارتكاب الذنوب. إنّ هذا الأمل والتفاؤل لا يستند إلى الواقع، وكذلك يجب أنْ يكون هناك حدٌّ من الرجاء يستوجب القيام بالأعمال الصالحة، ويجب أنْ يكون هناك توازنٌ بين هذين الأمرين.
لو أنّ الرجاء تغلّب على الخوف بحيث لا يبقى لديه الحافز إلى ترك الذنب، فإنّ الإنسان في مثل هذه الحالة سوف يكون مصيره الهلاك، وإذا كان خوفه أكثر من رجائه حتى يذهب به التصوّر إلى أنّه حيث ارتكب ذنبًا فإنّه سوف يدخل جهنم لا محالة، فإنّ عليه أنْ يتوب ويتدارك ما اقترف بوساطة القيام بأفعال الخير والبر، وأنْ يتفاءل برحمة الله وغفرانه. إنّ الخوف يعني اعتصار القلب واحتراقه بسبب توقع الألم والوجع في المستقبل، والرجاء يعني التوقع والانتظار الواثق بعفو الله وغفرانه؛ بيد أنّ كلّ من يأنس بالله تعالى ويمتلك الحق قلبه، ويغرق في لذّة الحال وينظر إلى جمال الحقّ دائمًا وأبدًا، لن يلتفت إلى المستقبل فلا يكون لديه خوفٌ أو رجاء، بل يكون حاله أعلى وأسمى من الخوف والرجاء، بيد أنّ هذا من أوصاف الخواص، ولا يكون من نصيب كلّ من هبّ ودبّ.
د. الحياة الدنيا مزرعة الآخرة (الآخرة امتداد الدنيا): إنّ هذه الدنيا مضمارٌ لتطوير أرواحنا وتنميتها، إذ لو لم نحظَ بهذه الإمكانية فكيف يتسنّى لنا أنْ نعمل على تنمية وتطوير أنفسنا والوصول إلى اللذات والمقامات الإنسانية العالية؟ إنّ كلّ ما نفعله في هذه الدنيا سواء أكان حسنًا أم قبيحًاسوف نراه في يوم القيامة. وكلّ واحدٍ منا سوف يحمل تداعيات عمله لا أكثر ولا أقل. وإنّ الذي يضلّ فإنّما يضلّ بسوء اختياره. وكلّ شيءٍ معلوم بشكلٍ دقيق. بيد أنّ الله بطبيعة الحال قال بلطفه ورحمته إنّ الذي يقترف قبيحًا لا يُجزى إلّا بمثل فعله القبيح دون زيادة، وأمّا الذي يقترف حسنةً فسوف يُعطى من الثواب عشر أمثالها[4].
إنّ صاحب المزرعة في فصل الزراعة يكون أكثر استعدادًا واندفاعًا إلى بذل الجهد والتعب؛ ليزرع من البذور أكثرها وأفضلها، ليحصل في موسم الحصاد على ثمار أكثر وأفضل، وتكون عينه شابحة نحو فصل الحصاد. قال الله سبحانه وتعالى لنبيه موسى عليهالسلام: «الْمُؤْمِنُ مَنْ زُيِّنَتْ لَهُ الْآخِرَةُ فَهُوَ يَنْظُرُ إِلَيْهَا مَا يَفْتُرُ قَدْ حَالَتْ شَهْوَتُهَا بَيْنَهُ وَبَيْنَ لَذَّةِ الْعَيْشِ فَادَّلَجَتْهُ بِالْأَسْحَارِ كَفِعْلِ الرَّاكِبِ السَّائِقِ إِلَى غَايَتِهِ يَظَلُّ كَئِيباً وَيُمْسِي حَزِيناً». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ الدُّنْيَا قَدْ أَدْبَرَتْ
وَآذَنَتْ بِوَدَاعٍ وَإِنَّ الْآخِرَةَ قَدْ أَقْبَلَتْ وَأَشْرَفَتْ بِاطِّلَاع، أَلَا وَإِنَّ الْيَوْمَ الْمِضْمَارَ وَغَداً السِّبَاقَ».
هـ. الحياة هادفة (تبعًا لمُجمل الوجود):إنّ الإنسان ينشد مطلوبًا نهائيًّا على نحو اللزوم، والأفعال التي يقوم بها إنّما تكون من أجل الحصول على ذلك المطلوب، وإنْ كان من الممكن أنْ يكون الهدف النهائي لدى شخصٍ ليس هدفًا نهائيًا بالنسبة إلى شخصٍ آخر، ولكن من الواضح أنّ هذا الشخص الثاني في نهاية المطاف ينشد هدفًا نهائيًا آخر. عندما يدور الحديث عن الهدف النهائي، لا يكون المراد لزامًا هدفًا واضحًا ومدرَكًا لدى الفرد، بل هو هدفٌ يعمل على تسخير جميع وجود الفرد.
يتّضح من تفسير عبارة «نيّة المؤمن خير من عمله» أنّ صياغة النية من أصعب الأمور التابعة للحالات النفسانية، والتي هي ليست مجرّد نقطة معرفية؛ وذلك لأنّ القلب سلطان البدن، وكلّ ما يسيطر على القلب يتغلب بدوره على سائر الأعضاء والجوارح الأخرى، وتكون هذه الأعضاء والجوارح تابعةً له. لا يجتمع حبّان في قلبٍ واحد، كما لا تستقرّ في الذهن الواحد رؤيتان متخالفتان؛ إذ إنّ هذا يستوجب التهافت المعرفي. إنّ الدنيا والآخرة ضرّتان لا يجتمع حبّهما في قلب رجلٍ واحد، وإنّ الذي يعشق الثروة والمال، يكون الهدف النهائي له من وراء بذل الجهد والعمل هو الحصول على المال، وحتى من بين العبادات والطاعات يختار خصوص تلك
الأعمال التي تكون من نتائجها وفرة الأموال والثروات، ويقدمها على تلك الأعمال والطاعات التي تقرّب الإنسان من الله ذي الجلال على المستوى الروحي فقط.
هناك كثيرٌ من التعبيرات المختلفة الواردة في الروايات حول الغاية والهدف من الحياة؛ فتارةً يقال: إنّ الجنة هي الهدف الأسمى. وتارةً يقال: إنّ الإخلاص هو الغاية العليا. وتارةً يرد في النصوص الطلب من الله بأنْ يجعل الرضا بالقضاء والقدر الإلهي غاية مطامحنا وأهدافنا ومن أعلى هممنا ومقاصدنا. وروي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال: « غَايَةُ الدِّينِ الْإِيمَانُ، وَغَايَةُ الْإِيمَانِ الْإِيقَانُ». وفي ضوء الحديث المأثور عن الإمام علي عليهالسلام فإنّ الله سبحانه وتعالى يُعبد على أساس واحد من أمور ثلاثة، وهي: الخوف، والرجاء، والحب. وهذا الأمر يشير إلى اختلاف أهداف وغايات هؤلاء في الحياة. هناك من الأشخاص من يقع في قيود الخوف، وكلّما فكروا في وعيد الله بشكل أكثر ازداد خوفهم، ويقبلون على عبادة الله بشكل أكبر، ويكثرون من عبادة الله خوفًا. وبالنسبة إلى البعض الآخر يكون الشعور
بالطمع والرجاء هو الغالب، ومن خلال التفكير الأكثر يزداد الرجاء والطمع عندهم، ويكثرون من عبادة الله طمعًا. وأما الطائفة الثالثة فهي طائفة العارفين بمقام الله ومنزلته، ومن هنا فإنّهم لا يعبدون الله خوفًا من العقاب ولا طمعًا في الثواب، ولكنهم يعبدونه لأنّهم يرونه أهلًا للعبادة، ولا يبتغون سوى مرضاته. إنّ الذين يسلكون هذا الطريق في العبادة (ونعني به طريق الحب)، لا يرون الطريقين الآخرين يخلوان من الشرك؛ وذلك لأنّ هاتين الطائفتين إذا أمكن لهما تحقيق غايتيهما بمعزل من عبادة الله، فلن يكون عندهما مانعٌ من ترك عبادة الله.
في بيان الهدف النهائي من وجهة نظر القرآن الكريم، نصل إلى مفاهيم من قبيل: السعادة والفلاح والنجاة، التي تعدّ من الأمور التي لا تقبل التعليل. ومفهوم السعادة ومفهوم اللذة قريبان من بعضهما إلى حدّ كبير، بيد أنّ اللذة تستعمل في الموارد الآنية والقصيرة الأمد أيضًا، في حين أن السعادة إنّما تستعمل في موارد اللذات الثابتة أو الثابتة نسبيًّا؛ فلا يتم إطلاق مفهوم السعادة على الشخص الذي يتناول الطعام ويستمتع ويلتذ به، وإنّما يقال عنه: (إنّه قد التذّ بطعامه). فاللذة كامنة في السعادة، ولكن اللذة لا تكون مقرونةً بالسعادة دائمًا. إنّ السعيد في هذا العالم هو الذي تكون لذاته من الناحية الكيفية والكمية أكثر أو أفضل من آلامه وأحزانه، ويتمّ فيه لحاظ خصوصيتين، وهما: الأفضلية من الناحية الكيفية، والدوام من الناحية الكمية. يقول القرآن الكريم في بيان المقارنة بين اللذات الدنيوية واللذات الأخروية من أجل الدعوة إلى اللذة الأكمل:﴿وَالْآخِرَةُ خَيْرٌ وَأبْقَى﴾(الأعلى: 17). إنّ القرآن الكريم يقسّم الناس إلى قسمين وهما: الشقي والسعيد، ويعمل
على بيان المنزلة الواقعية لكلّ واحدٍ منهما....
وهناك من يقول: «إنّ الغاية من حياة الإنسان هي السعادة، والسعادة تعني أنْ يعيش المزيد من الحياة على المستوى الكمّي والكيفي، وأنْ يستمتع بمواهب هذه الدنيا». ويُقال تارة: «إنّ الغاية من الحياة هي اللذة...». ولكن لم يرد شيءٌ من هذه التعابير في القرآن الكريم. وإنّما قال الله تعالى:﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإنْسَ إلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾(الذاريات: 56). وعلى كلّ حالٍ لم يرد في القرآن لفظٌ أو مفهومٌ بوصفه معبّرًا عن هدف حياة الإنسان، ولكن يتمّ التأكيد في الوقت نفسه على أنّ الإنسان لم يُخلق عبثًا؛ كما في قوله تعالى:﴿أفَحَسِبْتُمْ أنَّمَا خَلَقْنَاكُمْ عَبَثًا وَأَنَّكُمْ إِلَيْنَا لَا تُرْجَعُونَ﴾(المؤمنون: 115). كما يتمّ بيان المعرفة بوصفها مقدمةً للعبادة.
يتّضح البُعد السلبي -ممّا ذكر في باب الهدف النهائي- بشكلٍ كامل، وأما في بُعده الإيجابي فقد كانت هناك عباراتٌ مختلفةٌ حيث يمكن الجمع بينها؛ وعلى كلّ حالٍ فإنّ لكلّ إنسانٍ هدفًا نهائيًّا، وهذا الهدف النهائي من وجهة نظر الإسلام يجب أنْ يكون متعاليًا ومرتبطًا بالبُعد الروحاني للإنسان، لكنّ الدنيا والماديات لا تحتوي على تلك القيمة وذلك الهدف النهائي.
و. الحياة الاجتماعيّة هي الأصل في حياة الإنسان: من خلال نظرةٍ عابرةٍ وخاطفةٍ إلى القرآن الكريم، ندرك أنّ الإسلام هو دين الحياة الاجتماعيّة، وربما أمكن القول إنّ هذا الموضوع لا يحتاج إلى توضيحٍ واستدلال. إنّ قوانين الحياة (ترتبط بالبيع والشراء، والزواج، والأسرة، والحرب والسلم، وعلاقات الأفراد الأخلاقيّة فيما بينهم، والكثير من العبادات، والاهتمام بالأمور السياسيّة وإدارة الحكم والدولة، وأحكام الإرث، والوصية، والديات، والقصاص، وما إلى ذلك من الأمور) الواردة في القرآن الكريم، تعدّ في الغالب من الأمور الاجتماعيّة.
وبطبيعة الحال فإنّ بعض الموارد من قبيل بعض العبادات تعدّ من الأمور الفرديّة بالكامل. إنّ مفردات من قبيل: (القوم)، و(الناس)، و(الأمة)، و(القرية)، و(الأناس) وما إلى ذلك، تدلّ بوضوح على أنّ الأصل في حياة الإنسان هي الحياة الاجتماعيّة. وبعبارة أخرى: قد مُنع الإنسان من وجهة نظر الإسلام من العزلة والرهبانية والحياة الفرديّة، ولكن لا ينبغي أنْ يُفهم من ذلك أنّ الإنسان كائنٌ اجتماعيٌّ حتى في تكاليفه، بل الأمر على العكس من ذلك تمامًا؛ بمعنى أنّ كلّ فردٍ من أفراد الإنسان له تكليفه الخاص، وإنّ كلّ شخصٍ يرى نتيجة أعماله. إنّ ترك الآخرين لأعمالهم وتكاليفهم لا ينبغي أنْ يكون مبررًا وسببًا يحملنا على ترك تكاليفنا أبدًا. وكان كثيرٌ من قادة الدين والأنبياء والأئمة والأولياء والأوصياء في عصورهم وظروفهم الخاصة يعملون بتكاليفهم الدينيّة دون نصرةٍ أو تأييدٍ من
أحد، بل كان الجميع يخالفونهم ويحاربونهم أيضًا.
إنّ روح التعاليم الإسلاميّة تعدّ الاختبار والابتلاء مفهومًا جوهريًا، وفي ذلك قال العلّامة الطباطبائي في الميزان: «الفتنة والمحنة سُنّةٌ إلهيّة لا معدل عنها، تجري في الناس الحاضرين كما جرت في الأمم الماضين، كقوم نوح وعاد وثمود وقوم إبراهيم ولوط وشعيب وموسى، فاستقام منهم من استقام وهلك منهم من هلك». وسوف ستبقى هذه السُنّة قائمةً في الأمم المعاصرة وتلك التي ستأتي في المستقبل أيضًا. وقال أمير المؤمنين علي عليهالسلام في النهج البلاغه: «أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّ اللَّهَ قَدْ أَعَاذَكُمْ مِنْ أَنْ يَجُورَ عَلَيْكُمْ وَلَمْ يُعِذْكُمْ مِنْ أَنْ يَبْتَلِيَكُمْ وَقَدْ قَالَ جَلَّ مِنْ قَائِلٍ:﴿إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ وَإنْ كُنَّا لَمُبْتَلِينَ﴾(المؤمنون: 30)». وقال الله تعالى في محكم الذكر:﴿أحَسِبَ النَّاسُ أنْ يُتْرَكُوا أنْ يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ﴾(العنكبوت: 2). وقال تعالى:﴿وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ﴾(العنكبوت: 3).
إنّ مفردة الابتلاء تستعمل في الحسنات والنعم كما تستعمل في الشدائد والنقم.
ولا تكون هناك شدائد ولا حالات من الرخاء والراحة، إلا وهي تنطوي على مشيئةٍ واختبارٍ من الله سبحانه وتعالى، وهو الذي يبتلي المؤمنين ويختبرهم ليمتاز الصادقون من سواهم. قال الله تعالى:﴿أمْ حَسِبْتُمْ أنْ تَدْخُلُوا الْجَنَّةَ وَلَمَّا يَعْلَمِ اللَّهُ الَّذِينَ جَاهَدُوا مِنْكُمْ وَيَعْلَمَ الصَّابِرِينَ﴾(آل عمران: 142). وقال تعالى:﴿وَلِيَبْتَلِيَ اللَّهُ مَا فِي صُدُورِكُمْ وَلِيُمَحِّصَ مَا فِي قُلُوبِكُمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِذَاتِ الصُّدُورِ﴾(آل عمران: 154). إنّ لبحث الاختبار والابتلاء في هذه المنظومة المفهومية مكانةً رفيعة. وقد تعرّضت لها كثيرٌ من الآيات والروايات بعباراتٍ متنوّعة، فقد ورد استعمال مفردة البلاء والابتلاء في القرآن الكريم لما يقرب من سبعٍ وعشرين مرّة، وورد استعمال كلمة الفتنة أربع وعشرين مرّة. كما ورد استعمال مفردات أخرى، من قبيل: التمحيص والتمييز أيضًا، وبالإضافة إلى هذه المفردات هناك موارد متعددة تذكر مفهوم الاختبار والامتحان ونوع النظرة إلى المشاكل؛ إذ لا يمكن الحصول عليها من خلال النظر في المعاجم اللفظيّة أبدًا.
نحن في الواقع نعيش حالةً من الاختبار والابتلاء والامتحان في جميع لحظات الحياة، وإن أعزّ ما نملك إنّما هو وسيلة لاختبارنا، وكلّ واحدٍ منا هو وسيلةٌ لاختبار
[1]. ﴿مَا كَانَ اللَّهُ لِيَذَرَ الْمُؤْمِنِينَ عَلَى مَا أنْتُمْ عَلَيْهِ حَتَّى يَمِيزَ الْخَبِيثَ مِنَ الطَّيِّبِ﴾ (آل عمران: 179).
[2]. ﴿وَلَنَبْلُوَنَّكُمْ بِشَيْءٍ مِنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْصٍ مِنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنْفُسِ وَالثَّمَرَاتِ وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ﴾ (البقرة: 155).
[3]. ﴿وَاعْلَمُوا أنَّمَا أمْوَالُكُمْ وَأوْلَادُكُمْ فِتْنَةٌ﴾ (الأنفال: 28)؛ وقال تعالى: ﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ﴾ (آل عمران: 186).
بعضنا. كما أنّ غرائزنا بدورها وسائل لاختبارنا، ومن بينها الغريزة الجنسيّة. ولا يقتصر هذا الاختبار على الشدائد والأزمات فقط، بل الحسنات والنعم هي الأخرى من وسائل الاختبار أيضًا.
روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال: «قَالَ يَا عَلِيُّ إِنَّ الْقَوْمَ سَيُفْتَنُونَ بِأَمْوَالِهِمْ وَيَمُنُّونَ بِدِينِهِمْ عَلَى رَبِّهِمْ وَيَتَمَنَّوْنَ رَحْمَتَهُ وَيَأْمَنُونَ سَطْوَتَهُ وَيَسْتَحِلُّونَ حَرَامَهُ بِالشُّبُهَاتِ الْكَاذِبَةِ وَالْأَهْوَاءِ السَّاهِيَةِ فَيَسْتَحِلُّونَ الْخَمْرَ بِالنَّبِيذِ وَالسُّحْتَ بِالْهَدِيَّةِ وَالرِّبَا بِالْبَيْعِ قُلْتُ يَا رَسُولَ اللَّهِ فَبِأَيِّ الْمَنَازِلِ أُنْزِلُهُمْ عِنْدَ ذَلِكَ أَ بِمَنْزِلَةِ رِدَّةٍ أَمْ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ فَقَالَ بِمَنْزِلَةِ فِتْنَةٍ».
لن يكتمل إيماننا إلّا إذا رأينا المصائب والبلايا نعمًا، والرفاه المبالغ به مصيبة؛ إذ الصبر على البلاء وتحمّل المصائب أفضل بكثيرٍ من الغفلة التي تحصل بسبب الترف والرفاهية. وفي الأساس ليس هناك عبدٌ حظي بالكرامة والعزّة عند الله سبحانه وتعالى منذ خلق آدم إلى اليوم، إلّا زاد في بلائه واختباره. فقد روي عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام، أنّه قال: «لَا تَفْرَحْ بِالْغِنَاءِ وَالرَّخَاءِ وَلَا تَغْتَمَّ بِالْفَقْرِ وَالْبَلَاءِ فَإِنْ الذَّهَبَ يُجَرَّبُ
بِالنَّارِ وَالْمُؤْمِنَ يُجَرَّبُ بِالْبَلَاءِ». وعنه أيضًا، أنّه قال: « إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ يُوَالِي عَلَيْكَ الْبَلَاءَ فَاشْكُرْهُ... إِذَا رَأَيْتَ رَبَّكَ يُتَابِعُ عَلَيْكَ النِّعَمَ فَاحْذَرْهُ». ليس هناك من ضرر عليّ إنْ كنت فقيرًا أو سقيمًا أو غنيًا؛ فقد روي في الأثر أنّ الله سبحانه وتعالى يقول: «لَا أَفْعَلُ بِالْمُؤْمِنِ إِلَّا مَا هُوَ خَيْرٌ لَهُ».
قد يذهب بعض الأشخاص في تصوّرهم الأولي والبسيط إلى أنّ الله سبحانه وتعالى لا يرصد لعباده المؤمنين غير البلاء والعنت القليل في هذه الدنيا، ولكن الحقيقة هي أنّ الأمر على العكس من ذلك تمامًا، بل لا ينبغي للمؤمن أنْ يتوقع الراحة والهناء في هذه الدنيا. فقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ إِذَا أَحَبَّ عَبْداً غَتَّهُ بِالْبَلَاءِ غَتّاً». وعنه عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ الْبَلَاءَ أَسْرَعُ إِلَى الْمُؤْمِنِ التَّقِيِّ مِنَ الْمَطَرِ إِلَى قَرَارِ الْأَرْضِ». كما جاء في الحديث: «إِنَّمَا الْمُؤْمِنُ بِمَنْزِلَةِ كِفَّةِ الْمِيزَانِ كُلَّمَا زِيدَ فِي إِيمَانِهِ زِيدَ فِي بَلَائِهِ».
ويمكن مشاهدة هذا القانون حتى في سيرة الأنبياء والرُسُل عليهمالسلام أيضًا. وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ أَشَدَّ النَّاسِ بَلَاءً الْأَنْبِيَاءُ ثُمَّ الَّذِينَ يَلُونَهُمْ ثُمَّ الْأَمْثَلُ فَالْأَمْثَلُ». وقال الله تعالى في محكم الذكر:﴿وَلَوْلَا أنْ يَكُونَ النَّاسُ أُمَّةً وَاحِدَةً لَجَعَلْنَا لِمَنْ يَكْفُرُ بِالرَّحْمَنِ لِبُيُوتِهِمْ سُقُفًا مِنْ فِضَّةٍ وَمَعَارِجَ عَلَيْهَا يَظْهَرُونَ وَلِبُيُوتِهِمْ أبْوَابًا وَسُرُرًا عَلَيْهَا يَتَّكِئُونَ وَزُخْرُفًا وَإنْ كُلُّ ذَلِكَ لَمَّا مَتَاعُ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةُ عِنْدَ رَبِّكَ لِلْمُتَّقِينَ﴾(الزخرف: 33-35). وجاء في الأثر: «إِنَّ اللَّهَ لَيَتَعَهَّدُ عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِأَنْوَاعِ الْبَلَاءِ كَمَا يَتَعَهَّدُ أَهْلَ الْبَيْتِ سَيِّدُهُمْ بِطُرَفِ الطَّعَامِ». وبنحوٍ عامٍّ فإنّ البلاء يُعدّ بالنسبة إلى المؤمن زينةً وللعقلاء كرامة؛ وذلك لأنّ مواجهة الابتلاء والصبر على البلاء يعمل على ترسيخ الإيمان. وقد ورد في الأثر: « مَا أَثْنَى اللَّهُ تَعَالَى عَلَى عَبْدٍ مِنْ عِبَادِهِ مِنْ لَدُنْ آدَمَ إِلَى مُحَمَّدٍ صلىاللهعليهوآلهوسلم إِلَّا بَعْدَ ابْتِلَائِهِ وَوَفَاءِ حَقِّ الْعُبُودِيَّةِ فِيهِ فَكَرَامَاتُ اللَّهِ فِي الْحَقِيقَةِ نِهَايَاتٌ بِدَايَاتُهَا الْبَلَاءُ». وجاء في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «إِنَّ اللَّهَ لَيُغَذِّي عَبْدَهُ الْمُؤْمِنَ بِالْبَلَاءِ كَمَا تُغَذِّي الْوَالِدَةُ وَلَدَهَا بِاللَّبَنِ».
إنّ الله سبحانه وتعالى يبتلي عباده بأنواع الشدائد والمصائب والصعاب، ويدفعهم إلى العبادة والطاعة بألوان المحن والجهود، كي يخرج من نفوسهم الأنفة والتكبّر، ويلبسهم بدلًا من ذلك لباس الخضوع والتواضع. وعن أمير المؤمنين عليهالسلام أنّه قال: «إِنَّ الْبَلَاءَ لِلظَّالِمِ أَدَبٌ وَلِلْمُؤْمِنِ امْتِحَانٌ وَلِلْأَنْبِيَاءِ دَرَجَةٌ وَلِلْأَوْلِيَاءِ كَرَامَةٌ». إنّ السلوك القولي وغير القولي للمؤمنين عندما تصيبهم مصيبة، هو عبارة عن ما ذكره الله عنهم، بقوله:﴿الَّذِينَ إذَا أصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إنَّا لِلَّهِ وَإنَّا إلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾(البقرة: 156). إنّ الله سبحانه وتعالى يطهر المؤمنين ويجعلهم خالصين من كلّ الشوائب عبر ابتلائهم بالمصائب والمحن، ويقضي على الكفار بالتدريج. وقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنه قال: «إِنَّ فِي الْجَنَّةِ مَنْزِلَةً لَا يَبْلُغُهَا عَبْدٌ إِلَّا بِالابْتِلَاءِ فِي جَسَدِهِ.».
روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «الدُّنْيَا سِجْنُ الْمُؤْمِنِ فَأَيُّ سِجْنٍ جَاءَ مِنْهُ
خَيْرٌ». إنّ هذا العالم المادي في الأساس إنّما هو دار محدودةٌ، وهو موطنٌ للتزاحم، والإنسان بطبعه لا يحبّ الحدود والقيود، وهذا هو الذي يسبب له العناء والألم. إنّ المؤمن ما دام يعيش في هذه الدنيا، سوف يعاني في الحدّ الأدنى من خمسة أمور، ذكرها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم بقوله: «الْمُؤْمِنُ بَيْنَ خَمْسِ شَدَائِدَ: مُؤْمِنٍ يَحْسُدُهُ وَمُنَافِقٍ يُبْغِضُهُ وَكَافِرٍ يُقَاتِلُهُ وَنَفْسٍ تُنَازِعُهُ وَشَيْطَانٍ يُضِلُّهُ».
لم يكن أئمّة الدين يرضون لأنفسهم أنْ يعيشوا في هذه الدنيا من دون أنْ يواجهوا الألم والعناء والصعاب؛ ولذلك جاء في الحديث القدسي، أنّ الله سبحانه وتعالى يقول: «لَوْ لَا أَنْ يَجِدَ عَبْدِيَ الْمُؤْمِنُ فِي قَلْبِهِ لَعَصَّبْتُ رَأْسَ الْكَافِرِ بِعِصَابَةِ حَدِيدٍ لَا يُصَدَّعُ رَأْسُهُ أَبَداً». وعن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «... وَاللَّهِ لَابْنُ أَبِي طَالِبٍ آنَسُ بِالْمَوْتِ مِنَ الطِّفْلِ بِثَدْيِ أُمِّه». إنّ أعذب شيءٍ إلى الطفل هو شرب اللبن من ثدي الأم، ولكن هذه الرغبة ليست حكيمةً، بل هي طفولية وصبيانية. ومن هنا فإنّ هذه الرغبة سوف تضمحل عنده بمرور الزمن، إلا أنّ اشتياق الإمام علي عليهالسلام وأصحابه المخلصين وحبّهم للشهادة والموت يستند إلى الحكمة والعقل، وكانوا كلما تقدّموا في العمر، كان حبهم للموت يزداد توقدًا.
ومن هنا روى عن الإمام زين العابدين عليهالسلام أنّه قال: «إِنِّي لَأَكْرَهُ أَنْ يُعَافَى الرَّجُلُ فِي الدُّنْيَا، وَلَا يُصِيبَهُ شَيْءٌ مِنَ الْمَصَائِبِ».
قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:﴿وَمَا أصَابَكُمْ مِنْ مُصِيبَةٍ فَبِمَا كَسَبَتْ أيْدِيكُمْ وَيَعْفُو عَنْ كَثِيرٍ﴾(الشورى: 30). وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: « الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي جَعَلَ تَمْحِيصَ ذُنُوبِ شِيعَتِنَا فِي الدُّنْيَا بِمِحَنِهِم». وعنه أيضًا أنّه قال: «مَا عَاقَبَ اللَّهُ عَبْداً مُؤْمِناً فِي هَذِهِ الدُّنْيَا إِلَّا كَانَ أَجْوَدَ وَأَمْجَدَ مِنْ أَنْ يَعُودَ فِي عِقَابِهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ».
وبطبيعة الحال إذا كان لدينا مثل هذه الرؤية إلى المشاكل والأزمات، لا ينبغي أنْ نلاحظ ذلك بشكلٍ منفصلٍ عن بقية هذه المنظومة وناظرًا إلى الحياة الجارية للكثير من المجتمعات وحتى الجماعات والأفراد، كما أنّنا لو عمدنا إلى توظيف قطعةٍ من منظومةٍ عينيةٍ في منظومةٍ عينيةٍ أخرى، فإنّها لن تعمل بشكلٍ دقيقٍ أو على نحوٍ صحيح، ولربما أضرّت بالمنظومة الأخرى وأتلفتها أيضًا، وهكذا الأمر بالنسبة إلى المنظومة المفهومية أيضًا. من الواضح جدًا أنّ الأشخاص والمجتمعات إذا كانت لديهم مثل هذه الرؤية وهذا النوع من الفهم إلى المشاكل والأزمات، فإنّ
ذلك سوف يترك تأثيرًا كبيرًا على سلامتهم وصحتهم النفسية والروحية.
إن المؤمنين لا يصيبهم الحزن والأسى؛ لأنّهم يرون أنفسهم بالإيمان أفضل من سواهم، ومن هنا قال الله سبحانه وتعالى:﴿وَلَا تَهِنُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأنْتُمُ الْأَعْلَوْنَ إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 139). كما أنّهم يرون أنّ النصر والفشل من عند الله، وكلّ واحدٍ منهما اختبار لتمييز المؤمن من الكافر:﴿إنْ يَمْسَسْكُمْ قَرْحٌ فَقَدْ مَسَّ الْقَوْمَ قَرْحٌ مِثْلُهُ وَتِلْكَ الْأَيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا وَيَتَّخِذَ مِنْكُمْ شُهَدَاءَ﴾(آل عمران: 140-143). ولذلك فإنّهم ينتهجون خيار الصبر والصمود والاستقامة:﴿لَتُبْلَوُنَّ فِي أمْوَالِكُمْ وَأنْفُسِكُمْ... وَإنْ تَصْبِرُوا وَتَتَّقُوا فَإنَّ ذَلِكَ مِنْ عَزْمِ الْأُمُورِ﴾(آل عمران: 168). ويأتي هذا الصبر سواء في مواجهة الأحداث، أم في مواجهة الأعداء من أجل الحفاظ على ثغور الإسلام:﴿اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا﴾(آل عمران: 200). كما أنّه يصرّ على قول الحق حتى ولو أدى ذلك إلى تعريض نفسه للتعذيب أو الموت، وفي ذلك يقول الله عن سحرة فرعون بعد أنْ آمنوا بالنبي موسى عليهالسلام:﴿لَأُقَطِّعَنَّ أيْدِيَكُمْ وَأرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ ثُمَّ لَأُصَلِّبَنَّكُمْ أجْمَعِينَ قَالُوا إنَّا إلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ﴾(الأعراف: 124-125). ويقولون في الدعاء على ما حكام الله سبحانه وتعالى عنهم:﴿رَبَّنَا أفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ﴾(الأعراف: 126). وإنهم يرون أنفسهم في عين قوةٍ مطلقةٍ وعالمةٍ وقادرةٍ ورحيمةٍ وزاخرةٍ بالعطف، وتدافع عن المؤمنين وتبغض الكافرين:﴿إنَّ اللَّهَ لَا يُحِبُّ كُلَّ خَوَّانٍ كَفُورٍ﴾(الحج: 38).
ولكن علينا ألّا نذكر الله في الشدّة، وننساه عندما يغمرنا بالرحمة والنعمة،
ونغفل عنه في الرخاء ونجعل له شركاء، قال تعالى:﴿وَإذَا مَسَّ النَّاسَ ضُرٌّ دَعَوْا رَبَّهُمْ مُنِيبِينَ إلَيْهِ ثُمَّ إذَا أذَاقَهُمْ مِنْهُ رَحْمَةً إذَا فَرِيقٌ مِنْهُمْ بِرَبِّهِمْ يُشْرِكُونَ﴾(الروم: 33). إنّ هذه الأمور تؤدّي إلى ارتفاع مستوى نشاطنا الفردي والاجتماعي، وبالتوازي مع هذه الرؤية إذا كانت نظرتنا إلى أنفسنا وإلى الوجود والحياة والآخرين، متطابقةً مع المنظومة المفهومية للإسلام، لن يكون هناك أيّ موضعٍ للحزن على الدنيا والماديات، وكلّ ما هنالك هو التدقيق والتأمّل والعمل في هذه الدنيا، وأمّا الهم والحزن فيكون من أجل المعنويات والعالم الآخر.
في البحث حول وظائف الحياة وتكاليفها، سوف نتعرّض إلى الموضوعات العملية وما يجب علينا القيام به، ولا بد هنا -بطبيعة الحال- من التذكير ببعض الأمور:
هناك كثيرٌ من المطالب حول كلّ واحدةٍ من الوظائف المنظورة في النصوص الإسلاميّة والمنظومة المفهومية للإسلام، وهي من الكثرة بحيث يمكن قطعًا تأليف كتابٍ أو العديد من الكتب في موضوع كلّ واحدةٍ من وظائف الحياة، ولكننا سوف نكتفي هنا بإيضاح الأطر العامة لشجرة أسلوب الحياة الإسلاميّة، وذلك من خلال بحث الأغصان والفروع في هذا الشأن، ونعدّ التفصيل الكامل لها من شؤون التحقيق، ونقترح تناولها في أبحاثٍ ودراساتٍ أُخر.
إنّ ما سنذكره هنا عبارةٌ عن أربع خصائص لا توجد في المؤلّفات والتحقيقات الأخرى:
أ. لم نذكر هنا الأبحاث الرؤيويّة والاعتقاديّة والاستدلاليّة وما إلى ذلك، وتركنا بحث كلّ واحدٍ منها بشكلٍ منفصلٍ إلى موضعه الخاص.
(183)
ب. لقد سعينا في كلّ موضوعٍ في حدود الإمكان إلى العمل باختصار شديد، والإشارة مهما أمكن إلى جميع الوظائف والتكاليف المنشودة وذات الصلة بموضوعات بحثنا.
ج. لقد عملنا في كلّ موردٍ على بيان تقسيماتٍ متناسبةٍ مع بحث نمط الحياة، حيث يتمّ عرضها في قالب فروع شجرة الحياة.
د. إنّ هذه التبويبات والتقسيمات اعتباريةٌ بالكامل، ويتم بيانها لغرض التعليم والتعلّم، ولكنّها ليست منفصلةً عن بعضها في العينيات الخارجية، بل هي شبكٌة مترابطةٌ ببعضها. من ذلك على سبيل المثال أنّ من بين الوظائف العبادية عدم الصلاة بالثوب المغتصب أو الحرام، وهذه الوظيف تدخل في الوظيفة الاقتصاديّة أيضًا. وإنّ الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر يعدّ من جهةٍ وظيفةً سياسيّةً، ومن جهةٍ أخرى وظيفةً ثقافيّة، ومن جهةٍ ثالثةٍ وظيفةً دفاعيّةً وأمنيّة، ولكننا ندرج كلّ واحدةٍ منها في الجهة الغالبة منها. إنّ دراسة الباحث والمحقق من حيث نوع النشاط تعدّ من قبيل النشاط الثقافي، ومن حيث إنّها تدرّ عليه موردًا ماليًّا يدير به شؤون حياته ومعاشه تعد نشاطًا اقتصاديًّا، وإذا كانت نتيجة نشاطه هذا تنطوي على مقالةٍ في الموضوعات السياسيّة، فإنّ نشاطه سوف يكون سياسيًا أيضًا، وهكذا.
لقد عمدنا إلى تقسيم الوظائف والتكاليف إلى تكاليف فرديّةٍ وأسريّةٍ واجتماعيّةٍ، ولكن لا بدّ هنا من الإشارة إلى مطلبين، وهما:
أ. الوظائف الفرديّة هي وظائف فرديّةٌ حقًّا، وأمّا بالنسبة إلى الوظائف الأسريّة
(184)والاجتماعيّة، فهي بالإضافة إلى الأفراد تشتمل على بعض المؤسّسات أيضًا، حيث تنسب إليها بعض وظائف الحياة أحيانًا؛ من ذلك على سبيل المثال يقال إنّ مؤسّسة الأسرة تحتوي على وظيفة القيام بتربية الأولاد، والمؤسسات التعليميّة والتربويّة تقوم بأعباء نقل التراث العلمي والحضاري للمجتمع إلى أبنائها، وهكذا. وعلى كلّ حالٍ هناك من الوظائف ما يحتاج إلى همّةٍ وإرادةٍ جماعية، ولا قبل للفرد على القيام بها على نحو الاستقلال، بل يمكنه -بطبيعة الحال- أنْ يعمل على تسهيل وتسريع تشكيل المؤسسات ذات الصلة، أو إعداد الآخرين من أجل القيام بتلك الوظائف والتكاليف.
ب. من حيث الثواب والعقاب، تكون جميع التكاليف فرديّة؛ وذلك لأنّ مؤسسة الأسرة والمؤسّسات الاجتماعيّة المختلفة، ليس لها أيّ وجودٍ حقيقيّ ليكون التكليف موجّهًا إليها مباشرة، وتكون قابلةً لتوجيه الثواب والعقاب إليها.
إنّ وظائف الحياة -كما اتّضح من البداية إلى الآن- قسّمت على شكل مشجّرةٍ أيضًا، بمعنى أنّه قد تمّ السير من الكلّي إلى الجزئي، وإنّ كلّ غصنٍ كلّي يتفرّع إلى عددٍ من الفروع، وكلّ فرعٍ قد يؤدي إلى براعم أخرى، ويمكن لهذا التقسيم أنْ يصل إلى فروعٍ دقيقةٍ وينتهي إلى وظائف هي بحكم الأوراق الصغيرة والكبيرة في هذه الشجرة. ولكننا رعايةً للاختصار سوف نقتصر على بيان ثلاث طبقاتٍ من هذه الشجرة:
(185)
إنّ المراد من الوظائف الفرديّة هي تلك الوظائف التي يضطلع بها الفرد دون النظر إلى تواجده أو عدم تواجده ضمن نطاق الأسرة أو المجتمع، ويقوم بها نوع الأفراد. ويمكن لهذه الوظائف أنْ تكون أكثر تعدّدًا ممّا ذكرنا في ذات الأغصان الأولى من شجرة نمط الحياة أيضًا، بيد أننا قد عمدنا إلى التلفيق بين بعض الموارد التي يقوم بينها نوع من القرابة المفهوميّة والمصداقيّة رعايةً للاختصار (وهي أمور من قبيل: التفكير والعمل، والعبادة والمعنويّات، والتغذية والصحّة). إنّ هذه الوظائف تنقسم في الطبقة الأولى إلى ستّ وظائف عامّة، وهي: وظيفة التفكير والعلم، ووظيفة إيجاد الخصائص الداخليّة، ووظيفة العبادة والمعنوية، ووظيفة تدبير الوقت الزمان، والوظيفة المهنية، وفي نهاية المطاف وظيفة التغذية والصحّة.
لقد بدأ الإسلام رسالته بالعلم والتعلم؛ فكانت الآيات الأولى التي نزلت من القرآن الكريم تتحدّث عن تعليم الله سبحانه وتعالى للبشر، ولا سيّما منها تلك المعارف التي لا يمكن للبشر أنْ يبلغها بسبب قدراته الطبيعية المحدودة، ولكن الله بلطفه يعلّمه إيّاها من طريق الوحي وإرسال الرسل والأنبياء وإنزال الكتب. وقد
عدّ الله سبحانه وتعالى العلم والحكمة خيرًا كثيرًا؛ كما في قوله تعالى:﴿وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا﴾(البقرة: 269). وأكد على عدم التساوي بين الذين يعلمون والذين لا يعلمون. ويرى أنّ العلم والحكمة يستوجبان التوحيد في العبادة.
وجوب التدبّر: إنّ التعقل والتفكّر في الآيات والروايات قوةٌ تمنح الإنسان القدرة على النظرة الشمولية والجامعة بالنسبة إلى الدنيا والآخرة، وتجعله قادرًا على تقييم مصالحه في مقياس الحياة المستمرة في الدنيا والآخرة، ويعمل على طبق مصالحه الحقيقية والواقعية. وقد ورد في الأثر عن الإمام الصادق عليهالسلام: «الْعَقْلُ مَا عُبِدَ بِهِ الرَّحْمَنُ وَاكْتُسِبَ بِهِ الْجِنَانُ». وعن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إِنَّمَا يُدْرَكُ الْخَيْرُ كُلُّهُ بِالْعَقْلِ». وعلى هذا الأساس لا بد للعلم أنْ يقترن بالتعقل. وقد دعا الإمام علي عليهالسلام الناس إلى التفكير؛ إذ قال: «عَلَيْكُمْ بِالدِّرَايَاتِ لَا بِالرِّوَايَاتِ». وقال الله سبحانه وتعالى: ﴿وَيَجْعَلُ الرِّجْسَ عَلَى الَّذِينَ لَا يَعْقِلُونَ﴾ (يونس: 100). وحيث تكون هناك إمكانية لتحصيل العلم، ورد النهي عن اتباع الظنّ، إذ يقول تعالى:﴿إنَّ الظَّنَّ لَا يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا﴾(يونس: 36).
ويرى الإسلام أنّ تحمّل العمى أهون من تحمل الجهل، فقد ورد في الأثر: «فَقْدُ
الْبَصَرِ أَهْوَنُ مِنْ فَقْدِ الْبَصِيرَةِ». ولا يمكن التعرّف على آيات الله دون تفكيرٍ أو تدبّر، ولا يعرفه إلا الذين يعقلون ويتفكرون، قال تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ بِأَمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ﴾(النحل: 12). وجاء في الحديث: «تَفَكُّرُ سَاعَةٍ خَيْرٌ مِنْ عِبَادَةِ سَنَةٍ». والذي لا يعقل ينفصل عن مبدأ الوجود، ويبتلى بعبادة غير الله سبحانه وتعالى:﴿أُفٍّ لَكُمْ وَلِمَا تَعْبُدُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ أفَلَا تَعْقِلُونَ﴾(الأنبياء: 67). لو ألقينا نظرةً على فهرسة الألفاظ القرآنيّة ولاحظنا الآيات المرتبطة بالتفكير والتعقل والتدبّر، فسوف نقف على المكانة الرفيعة للتفكير والتعقّل والتدبّر.
وجوب معرفة قيمة العلم: إنّ الشخص الذي يعلم أكثر من سواه، يُعدّ من وجهة نظر القرآن أكثر معرفة بالله، ويحذر منه بشكل أكبر، قال الله سبحانه وتعالى:﴿ألَمْ تَرَ أنَّ اللَّهَ أنْزَلَ مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأخْرَجْنَا بِهِ ثَمَرَاتٍ مُخْتَلِفًا ألْوَانُهَا... كَذَلِكَ إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فاطر: 27-28).
إنّ عبادة الله سبحانه وتعالى وإطاعته وكلّ خيرٍ في الدنيا والآخرة إنّما تكون نتيجة للعلم، وإنّ شرّ الدنيا والآخرة إنّما يكون بسبب الدنيا، فقد ورد في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «أَنَّ اللَّهَ يُطَاعُ بِالْعِلْمِ وَيُعْبَدُ بِالْعِلْمِ وَخَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ وَشَرُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْجَهْلِ». وعن أمير المؤمنين علي عليهالسلام أنه قال: «التَّفَكُّرُ
فِي مَلَكُوتِ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ عِبَادَةُ الْمُخْلَصِينَ». وعنه أيضًا أنّه قال: «كَيْفَ يَعْرِفُ غَيْرَهُ مَنْ يَجْهَلُ نَفْسَهُ؟». وقال الله تعالى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(المجادلة: 11). وقال الله تعالى:﴿قُلْ هَلْ يَسْتَوِي الَّذِينَ يَعْلَمُونَ وَالَّذِينَ لَا يَعْلَمُونَ﴾(الزمر: 9). وروي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «فَضْلُ الْعَالِمِ عَلَى الْعَابِدِ سَبْعُونَ دَرَجَةً ...».
وقد أمرَ اللهُ سبحانه وتعالى الذين لا يعلمون أنْ يسألوا الذين يعلمون:﴿فَاسْألُوا أهْلَ الذِّكْرِ إنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾(النحل: 43؛ الأنبياء: 7). وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «مَنْ يُرِدِ اللَّهُ بِهِ خَيْراً يُفَقِّهْهُ فِي الدِّينِ». ولن نخوض في هذا الموضوع أكثر من ذلك، ويكفي في بيان أهميّة التفكير والعلم أن عدّهما الإسلام واجبين على جميع المسلمين والمسلمات؛ إذ يقول رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم: «طَلَبُ الْعِلْمِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ». وإنّ النجاح في جميع أمور الحياة وفي الحياة الدنيوية اليومية والسعادة في الآخرة رهنٌ بالحصول على العلم.
وإنّ كثيرًا من الآثار التي ذكرت للعلم في القرآن الكريم وفي الروايات، إنّما تعدّ في الحقيقة من النتائج المشتركة للعلم والتفكّر والتدبّر. قال الله تعالى:﴿يَرْفَعِ اللَّهُ
الَّذِينَ آمَنُوا مِنْكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرٌ﴾(المجادلة: 11). وقال الله تعالى في آيةٍ أخرى:﴿إنَّمَا يَخْشَى اللَّهَ مِنْ عِبَادِهِ الْعُلَمَاءُ﴾(فاطر: 28). وروي عن الإمام جعفر الصادق عليهالسلام، أنه قال: «أَكْثَرُ النَّاسِ قِيمَةً أَكْثَرُهُمْ عِلْماً». وروي في الحديث عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنه قال: «إذا أتى عليّ يوم لا أزداد فيه علمًا يقرّبني إلى الله، فلا بورك لي». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنّه قال: «...خَيْرُ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْعِلْمِ وَشَرُّ الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ مَعَ الْجَهْلِ....». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «... إِنْ الْعِلْمِ حَيَاةِ الْقُلُوبِ مِنْ الْجَهْلِ،... وَقُوَّةَ الْأَبْدَانِ مِنْ الضَّعْف... ِ وَالدَّرَجَاتِ الْعُلَا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ،...». وعن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «الْعِلْمُ يُقَوِّي الرَّجُلَ عَلَى الْمُرُورِ عَلَى الصِّرَاطِ وَالْمَالُ يَمْنَعُهُ».
لقد ورد في الروايات المأثورة عن المعصومين عليهمالسلام بيان كثيرٍ من الآثار السلبية المترتبة على الجهل منها: أنّ الجهل عدو الإنسان وسبب جميع القبائح، وهو من أشدّ أنواع العذاب، وأسوأ من الأكَلة، وأنّ الجاهلين ينسبون إلى الله أمورًا كاذبة، كما ورد في قوله سبحانه وتعالى:﴿وَلَكِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ وَأكْثَرُهُمْ لَا يَعْقِلُونَ﴾(المائدة: 103). كما أنّ الجهل يؤدّي إلى الزلل والكفر والضلال، ويؤدّي
إلى الندم في يوم القيامة:﴿وَقَالُوا لَوْ كُنَّا نَسْمَعُ أوْ نَعْقِلُ مَا كُنَّا فِي أصْحَابِ السَّعِيرِ﴾(المُلك: 10). والجاهل يقع فريسة الإفراط والتفريط، فقد روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «لَا تَرَى الْجَاهِلَ إِلَّا مُفْرِطاً أَوْ مُفَرِّطاً». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «لَا يَجْتَرِئُ عَلَى اللَّهِ إِلَّا جَاهِلٌ شَقِيٌّ». وقال الله سبحانه وتعالى:﴿وَتِلْكَ الْأَمْثَالُ نَضْرِبُهَا لِلنَّاسِ وَمَا يَعْقِلُهَا إلَّا الْعَالِمُونَ﴾(العنكبوت: 43). كما أنّهم يستهزئون بالصلاة:﴿وَإذَا نَادَيْتُمْ إلَى الصَّلَاةِ اتَّخَذُوهَا هُزُوًا وَلَعِبًا ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْقِلُونَ﴾(المائدة: 58).
إتمام الحجّة في بعض الموضوعات على الجميع: إنّ الأصل الثابت في الموضوعات القيَمية والدينيّة التي يترتب عليها الثواب والعقاب، هو عدم إنزال العقاب بحقّ أيّ أحدٍ إلّا بعد إتمام الحجّة عليه. قال الله تعالى:﴿وَمَا كَانَ رَبُّكَ مُهْلِكَ الْقُرَى حَتَّى يَبْعَثَ فِي أُمِّهَا رَسُولًا يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِنَا﴾(القصص: 59). كما لا يُثاب أحدٌ اعتباطًا من دون استحقاقٍ وعلمٍ ومعرفة. وفي ذلك يقول الله سبحانه وتعالى:﴿لِيَهْلِكَ مَنْ هَلَكَ عَنْ بَيِّنَةٍ وَيَحْيَى مَنْ حَيَّ عَنْ بَيِّنَةٍ﴾(الأنفال: 42). وعلى هذا الأساس يجب أنْ تكون الأرضية متوفرةٌ للجميع لسماع كلام الله، قال الله تعالى:﴿وَإذَا مَا أُنْزِلَتْ سُورَةٌ نَظَرَ بَعْضُهُمْ إلَى بَعْضٍ هَلْ يَرَاكُمْ مِنْ أحَدٍ ثُمَّ انْصَرَفُوا صَرَفَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَفْقَهُونَ﴾(التوبة: 127).
إن التفكير والتحقيق وإيضاح الحقّ من الأهمية بحيث يجب البحث عن الحقيقة حتى في ساحة القتال، ولو أعلن أحد من الأعداء في المعركة عن إسلامه لا يحقّ لنا
أنْ نبادر إلى قتله والإجهاز عليه بذريعة أنّ الوقت هو وقت قتال، بل علينا أنْ نمهله وأنْ نتحقق من صدقه، قال الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ ألْقَى إلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا﴾(النساء: 94).
والأهم من ذلك لو أنّ أحدًا من المشركين في وسط القتال وأثناء الحرب المستعرة، ألقى سلاحه وتخلّى عن القتال ولجأ إلى المسلمين وطلب منهم الأمان ليسمع كلام الله، لا يحرم علينا قتله فحسب، بل ويجب علينا أنْ نعطيه الأمن ونوفّر له الحماية ونقوم بالتحاور معه ونُسمعه كلام الحق، ونترك له كامل الحرية في القبول أو عدم القبول، وأنْ نستمرّ في توفير الحماية له إذا أراد الرجوع إلى أصحابه حتى يبلغ مأمنه، فإنْ أراد بعد ذلك أنْ يعود إلى القتال ورجع إلى ساحة المعركة وحمل السلاح، فسوف نعود إلى مقاتلته وقتله، وأمّا قبل حمله السلاح فلا يحقّ لنا ذلك، قال الله تعالى:﴿وَإنْ أحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ أبْلِغْهُ مَأْمَنَهُ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ قَوْمٌ لَا يَعْلَمُونَ﴾(التوبة: 6).
من الواضح بداهة أنّ هذا القانون حاضرٌ وموجودٌ في جميع أمور الحياة اليومية بما يتناسب مع الظروف والشرائط. في الأبحاث الفقهية يجري تقسيم الجاهلين بالأحكام والمعارف الإلهيّة إلى قسمين، وهما:
أولًا: الجاهل المقصّر؛ وهو الذي توفرت له الأرضية المناسبة للتعلّم ولكنه تقاعس وقصّر ولم يبادر إلى التعلّم.
وثانيًا: الجاهل القاصر؛ وهو الذي لم تتوفّر له الظروف المؤاتية للتعلّم، ولم يكن له أيّ طريقٍ يوصله إلى العلم أبدًا. والشخص الجاهل من القسم الثاني لن يتعرّض
للعقاب، وأمّا الأشخاص من القسم الأول فسوف يعاقبون وينالون جزاءهم.
إنّ التعلّم في مختلف الموضوعات ليس على قيمةٍ واحدةٍ من وجهة نظر الإسلام. فحيث يكون تعلّم بعض الموضوعات واجبًا وضروريًّا بشكل تام، هناك بعض الأمور الأخرى التي يحرم تعلمها ويجب اجتنابها بشكلٍ قاطع، وهناك بعض الأمور الأخرى التي وقعت موردًا للأمر أو النهي الترجيحي. وكذلك يوجد هنا ملحقٌ يبيّن لنا أولوياتنا التعليمية، وبطبيعة الحال فقد تمّ تعريفنا بتلك الأولويات من طريق المعايير، وليس من طريق مصاديقها التفصيلية.
حظر التفكير في بعض الموضوعات: إنّ التفكير في ذات الله ممنوع؛ وذلك لأنّ ماهية وذات الله سبحانه وتعالى ليست من الأمور التي يمكن التعرّف عليها بقوّة المعرفة وماهية العلوم والمعارف الإنسانية. وإنّ الإصرار والإلحاح على معرفة الله، قد يؤدّي بالفرد إلى الضلال. وبدلًا من التفكير في ذات الله، ورد الأمر بالتدبّر والتفكير في صفات الله وأفعاله كثيرًا، ممّا سيشبع فضول الإنسان وحبّه للاستطلاع المرتكزين في هويته الفطرية.
والمنع المذكور شاملٌ لجميع الأفراد والأشخاص الأعم من الدارسين والأميين، والمتخصصين وغير المتخصصين، والعباقرة والبسطاء والناس العاديين، بل وحتى النبي والإمام المعصوم والأوصياء عليهمالسلام أيضًا؛ وذلك لأنّ هذا المنع إنّما يستند إلى ماهية الله وماهية الإنسان. وهناك محظورات أخرى أيضًا، ولكنّها ليست شاملةً للجميع، مثل أنْ يضع الشخص نفسه في موضعٍ يعلم أنّه ليس من اختصاصه،
ولم يوفّر لنفسه مقدمات فهمه وإدراكه؛ فإنّ كثيرًا من الشبهات الدينيّة التي يتم طرحها على مستوى عامّة الناس، هي من هذا النوع؛ فهناك من الأشخاص بدلًا من التوجّه إلى الأندية العلميّة والجلوس مع المتخصّصين في ذلك الفن والدخول معهم في تباحث وحوار ومناظرة، يذهبون إلى عامّة الناس ويتكلّمون معهم، وقد يكون بعض هؤلاء الناس على درجةٍ عاليةٍ من العلم والمعرفة في مجال تخصصهم، ولكنّهم في الوقت نفسه يجهلون ذلك الموضوع. هذا النوع من النماذج موجودٌ في كلّ عصرٍ وزمان.
إنّ الموضوعات التي تلحق ضررًا بحياة الإنسان، يحرم تعلّمها وتعليمها والعمل بها أيضًا؛ وربما كانت أسلحة الدمار الشامل في عصرنا بجميع أنواعها المختلفة من قبيل: الأسلحة الكيميائية والجرثومية والذرية وما إلى ذلك، من أبرز مصاديق هذا القسم. كما لم يرد تأييد الموضوعات التي لا ينطوي تعلمها على فائدةٍ عقلائية، وكذلك لم يتم تسويغ إهدار الوقت والطاقة في تعلّمها أيضًا. وربما كان السحر والشعوذة والجفر وما إلى ذلك من الأمور الأخرى من هذا النوع.
هناك ضرورة أكبر للتفكير في بعض الموضوعات: إنّ العلم الذي تكون سعادة الإنسان رهنًا به هو علم الآخرة. ومن هنا يجب على كلّ شخصٍ في حدود قدرته على اتخاذ القرار أنٍ يتعلّم الموضوعات المرتبطة بالآخرة والارتباط بين الدنيا والآخرة. وهو ما يتمّ التعريف به في المصطلح بعنوان (أصول العقائد). إنّ حقائق هذا النوع من العلم دائمةٌ وثابتةٌ لا يطالها التغيّر. قد يتعلّم بعض الأشخاص الحقائق المرتبطة بالتوحيد والمبدأ والمعاد على نحوٍ استدلاليّ، بينما يصل الآخرون
(194)إلى بعض الموضوعات بالعلم الحضوري والشهود.
إنّ ماهية هذا النوع من الموضوعات بحيث لو أنّ شخصًا توصل إلى الاعتقاد بشيءٍ، فإنّ آثار ذلك سوف تظهر من تلقائها في الحياة اليومية له. إنّ هذا الاعتقاد لا يتمّ الحصول عليه بالمناظرات العلمية فقط. إنّ المذاكرات العلمية والتعلم إنّما يوفّران الأرض للحصول على تلك الحقيقة لا أكثر، ولكن هذا العلم نورٌ يلقيه الله في قلوب المؤمنين المخلصين؛ فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «لَيْسَ الْعِلْمُ بِالتَّعَلُّمِ إِنَّمَا هُوَ نُورٌ يَقَعُ فِي قَلْبِ مَنْ يُرِيدُ اللَّهُ تَبَارَكَ وَتَعَالَى أَنْ يُبْدِيَهُ». وهذا هو الطعام الذي قال عنه الله سبحانه وتعالى:﴿فَلْيَنْظُرِ الْإنْسَانُ إلَى طَعَامِهِ﴾(عبس: 24)، فقد ورد عن الإمام الباقر عليهالسلام تفسير هذا الطعام بالعلم، حيث قال: «يعني عِلْمُهُ الَّذِي يَأْخُذُهُ مِمَّنْ يَأْخُذُهُ». ورد في بعض الروايات أنّ الشخص الذي يدرس هذه العلوم على يد شخصٍ يكون كما لو صار عبدًا له. في أصول العقائد لا يحقّ لنا التقليد، بل يجب أنْ نصل إلى العلم بها بأنفسنا، مهما كانت أدلتنا على ذلك بسيطة جدًّا.
إنّ كثيرًا من آيات القرآن الكريم نزلت في موضوع المعرفة الإلهيّة من طريق التدبّر في الطبيعة. لقد ورد الحديث في هذه الآيات عن الظواهر الطبيعيّة بوصفها آيات الله، وتمّت دعوة العباد إلى التدبّر والتفكّر فيها؛ من قبيل الآيات التي تتحدّث
عن المواد المكوّنة للأشياء، من قبيل: الماء، والنطفة وما إلى ذلك، والآيات التي تتحدّث عن طريقة خلق الأشياء، مثل: خلق السماوات والأرض في ستة أيام. إنّ خلق الإنسان من خلاصة من طين، والمسار الذي تسلكه النطفة والعلقة والمضغة وصولًا إلى تشكيل العظام ونبوت اللحم عليها، ونفخ الروح الإلهيّة فيه، آيات تأمر بدراسة التحوّلات الطبيعية، من قبيل: التفكّر والتدبّر في السماوات وكيفية بنائها، والأرض وكيفيّة بسطها، وخلق جميع الكائنات من زوجين، والمطر والثمر والنبات وما إلى ذلك:
﴿أفَلَمْ يَنْظُرُوا إلَى السَّمَاءِ فَوْقَهُمْ كَيْفَ بَنَيْنَاهَا وَزَيَّنَّاهَا وَمَا لَهَا مِنْ فُرُوجٍ وَالْأَرْضَ مَدَدْنَاهَا وَألْقَيْنَا فِيهَا رَوَاسِيَ وَأنْبَتْنَا فِيهَا مِنْ كُلِّ زَوْجٍ بَهِيجٍ تَبْصِرَةً وَذِكْرَى لِكُلِّ عَبْدٍ مُنِيبٍ﴾(ق: 6-8). و﴿أفَلَا يَنْظُرُونَ إلَى الْإبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ وَإلَى السَّمَاءِ كَيْفَ رُفِعَتْ وَإلَى الْجِبَالِ كَيْفَ نُصِبَتْ وَإلَى الْأَرْضِ كَيْفَ سُطِحَتْ﴾(الغاشية: 17-20). وقوله تعالى:﴿قُلْ سِيرُوا فِي الْأَرْضِ فَانْظُرُوا كَيْفَ بَدَأ الْخَلْقَ﴾(العنكبوت: 20). و﴿وَفِي الْأَرْضِ آيَاتٌ لِلْمُوقِنِينَ وَفِي أنْفُسِكُمْ أفَلَا تُبْصِرُونَ﴾(الذاريات: 20-21). و﴿ألَمْ تَرَوْا كَيْفَ خَلَقَ اللَّهُ سَبْعَ سَمَوَاتٍ طِبَاقًا﴾(نوح: 15).
وقوله تعالى:﴿وَسَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَالنَّهَارَ وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ وَالنُّجُومُ مُسَخَّرَاتٌ
بِأمْرِهِ إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ... إنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَةً لِقَوْمٍ يَذَّكَّرُونَ وَهُوَ الَّذِي سَخَّرَ الْبَحْرَ لِتَأْكُلُوا مِنْهُ لَحْمًا طَرِيًّا﴾(النحل: 12-16). وما إلى ذلك من الآيات التي تمّ القسم فيها بالكائنات والموجودات الطبيعيّة، من قبيل: الشمس والقمر والليل والنهار والسماوات والأرض، والنجوم، والسماء والنجم الطارق والنجم الثاقب، والسماء ذات البروج. والآيات التي ورد فيها بيان إمكان تحقق المعاد من خلال الإشارة إلى بعض الظواهر الطبيعيّة، والآيات التي تتحدّث عن وجود النظم في الطبيعة وإتقان صنع الباري تعالى....
يجب علينا السعي إلى تحصيل الإيمان بالتوحيد من خلال أفهامنا ومدركاتنا الداخليّة:﴿فَرَجَعُوا إلَى أنْفُسِهِمْ فَقَالُوا إنَّكُمْ أنْتُمُ الظَّالِمُونَ﴾(الأنبياء: 64). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿يَا أيُّهَا النَّاسُ إنْ كُنْتُمْ فِي رَيْبٍ مِنَ الْبَعْثِ فَإنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ
تُرَابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ مِنْ عَلَقَةٍ ثُمَّ مِنْ مُضْغَةٍ مُخَلَّقَةٍ وَغَيْرِ مُخَلَّقَةٍ﴾(الحج: 5). وقال تعالى:﴿وَلَقَدْ ذَرَأْنَا لِجَهَنَّمَ كَثِيرًا مِنَ الْجِنِّ وَالْإنْسِ لَهُمْ قُلُوبٌ لَا يَفْقَهُونَ بِهَا وَلَهُمْ أعْيُنٌ لَا يُبْصِرُونَ بِهَا وَلَهُمْ آذَانٌ لَا يَسْمَعُونَ بِهَا﴾(الأعراف: 179). وقال تعالى:﴿وَلَقَدْ أضَلَّ مِنْكُمْ جِبِلًّا كَثِيرًا أفَلَمْ تَكُونُوا تَعْقِلُونَ﴾(يس: 62). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿وَمَنْ نُعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أفَلَا يَعْقِلُونَ﴾(يس: 68). وعلينا أنْ نتدبّر في حقيقة النوم والموت؛ إذ يقول تعالى:﴿اللَّهُ يَتَوَفَّى الْأَنْفُسَ حِينَ مَوْتِهَا وَالَّتِي لَمْ تَمُتْ فِي مَنَامِهَا﴾(الزمر: 42). وعلينا أنْ نعلم بأنّ حياة الآخرة أفضل من الحياة في الدنيا، قال تعالى:﴿يَأْخُذُونَ عَرَضَ هَذَا الْأَدْنَى وَيَقُولُونَ سَيُغْفَرُ لَنَا﴾(الأعراف: 169). وعلينا أنْ ندقق في اقتراب الأجل:﴿وَأنْ عَسَى أنْ يَكُونَ قَدِ اقْتَرَبَ أجَلُهُمْ فَبِأيِّ حَدِيثٍ بَعْدَهُ يُؤْمِنُونَ﴾(الأعراف: 185). وقال الله تعالى:﴿يَسْألُونَكَ عَنِ السَّاعَةِ أيَّانَ مُرْسَاهَا قُلْ إنَّمَا عِلْمُهَا عِنْدَ رَبِّي لَا يُجَلِّيهَا لِوَقْتِهَا إلَّا هُوَ﴾(الأعراف: 187). وقال الله سبحانه وتعالى:﴿وَيُعَلِّمُكُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَيُعَلِّمُكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾(البقرة: 151). لقد ورد كثيرٌ من هذه الموضوعات التي تمّ الحث عليها في القرآن الكريم، وقد أشرنا إلى جانبٍ منها فقط.
وجوب تعلّم الموضوعات الضرورية في الحياة من أجل العمل بها: إنّ الذي تمسّ الحاجة إليه في الحياة اليومية في جميع الأزمنة والظروف يقع موردًا لتأكيد الإسلام، ومن هنا يُعدّ تعلّمه وتعليمه والعمل به أمرًا ضروريًا، وقد ورد هذا المعنى في الآيات وفي الروايات وفي الرسائل العملية أيضًا حيث تعرّضت إلى الموضوعات الجزئية وطريقة العمل بها.
إنّ كلّ صناعةٍ أو مهنةٍ وحرفةٍ يحتاج إليها المجتمع وتحتاج إليها الدولة، من قبيل: التأليف، والمحاسبة، والتجارة، والصياغة، وصناعة السروج، والبناء، والنسيج، والخياطة، والرسم (باستثناء ذوات الأرواح)، وصناعة الأدوات والمعدات التي تمسّ الحاجة إليها (وكلّ ما يُعدّ من مظاهر المعقول والمتعارف في الوقت الحاضر) يكون تعلّمه وتعليمه للآخرين (والاشتغال به) جائزًا وحلالًا؛ وإذا كان يمكن استعماله في الأمور الفاسدة وفي المعاصي، وتستعمل في الحقّ والباطل على السواء، لن يكون هناك إشكالٌ في تعليمها وتعلّمها. من قبيل: الكتابة وصناعة السكاكين والسيوف والرماح والقسيّ وما إلى ذلك، بيد أنّ استعمالها في جهات الفساد حرام. وعليه فإنّ ما لا يترتب عليه غير الفساد، أو تكون فيه جهات الفساد، ولا يكون فيه أيّ صلاح، يكون تعليمه وتعلّمه والاشتغال به وأخذ الأجر عليه أو التصرّف فيه بجميع أنواع التصرفات حرامًا.
جاء في الرسائل العملية أنّه يجب على كلّ مسلمٍ مكلّف أنْ يتعلّم كلّ ما يحتاج إليه ويكون مورد ابتلائه في البيت ومحيط العمل والأزقة والأسواق، من ذلك على سبيل المثال العبادات العامّة، مثل: الصلاة والصوم وما إلى ذلك، حيث
يجب على الجميع تعلّمها، وأما أحكام التجارة فتجب على التجار، وأحكام الزراعة على المزارعين، وتعلّم أحكام الصناعة تجب على الصناعيين، وأحكام السياسة الخارجية تجب على المعنيين وصانعي القرار السياسي، وهكذا دواليك حيث يجب على كلّ شخصٍ أنْ يتعلم ما يحتاج إليه. وعلى هذا الأساس من الواضح أنّ كلّ سعي علمي وتحقيقي في إطار تحسين حياة الناس يحظى بمكانةٍ عاليةٍ من أجل تنمية وازدهار المجتمع الإسلامي، وفي الأصل فإنّ كلّ ما يُشار إليه في الرسائل العملية تحت عنوان (الواجب العيني، والواجب الكفائي)، يكون صادقًا في فضاء العلم والتفكير أيضًا؛ ومن هنا فإنّ ما يعدّ من الاحتياجات العلمية والتحقيقية في المجتمع وتمّت الغفلة عنه، ولم يتكفّل أحد بالقيام به، سوف يحظى بالاهتمام والأولوية قطعية، وأمّا الذي يقع موردًا لاهتمام الآخرين بنحوٍ وآخر ولا يُعدّ حاجة قطعية، فيندرج ضمن الأولويات اللاحقة.
هل هناك معيار لتشخيص وتفكيك العلم النافع عن العلم غير النافع؟ إنّنا في النصوص الدينيّة نستعيذ بالله من بعض الأمور، من قبيل: النفس التي لا تشبع، والصلاة التي لا تصل إلى الله سبحانه وتعالى، والدعاء الذي لا يُسمع من قبل الله، والعلم الذي لا ينطوي على فائدة، والقلب الذي لا يخشع. لقد ورد بيان الدوافع الإيجابيّة والسلبيّة للتعلّم في الآيات والروايات بشكلٍ متفرّق، ومما جاء في ذلك أنّ
العلم الذي لا ينطوي على نفع بمنزلة الدواء الذي لا يشفي. ويجب علينا ألّا نتعلم من أجل الجدال أو طلب الدنيا، وأنْ نعمل بمقتضى ما تعلمناه؛ فقد ورد في الحديث عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنه قال: «أَشَدُّ النَّاسِ نَدَماً عِنْدَ الْمَوْتِ الْعُلَمَاءُ غَيْرُ الْعَامِلِينَ».
إنّ كلّ علمٍ يجب أنْ ينطوي على هداية؛ فقد ورد في الأثر: «مَنِ ازْدَادَ عِلْماً وَلَمْ يَزْدَدْ هُدًى لَمْ يَزْدَدْ مِنَ اللَّهِ إِلَّا بُعْدا». وإنّ الرواية التفصيلية أدناه، والمأثورة عن الإمام الصادق عليهالسلام تبيّن لنا مثل هذا الملاك، إذ يقول: «مَنْ طَلَبَ الْعِلْمَ لِيُبَاهِيَ بِهِ الْعُلَمَاءَ أَوْ يُمَارِيَ بِهِ السُّفَهَاءَ أَوْ يَصْرِفَ بِهِ وُجُوهَ النَّاسِ إِلَى نَفْسِهِ أَوْ يَقُولَ أَنَا رَئِيسُكُمْ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّار». لو تعلّم شخص أحاديث المعصومين عليهمالسلام ليحصل على منفعة في الدنيا، لن يكون له نصيبٌ منها في الآخرة، ولو تعلّمها من أجل الآخرة، سوف يجمع الله له بين خير الدنيا والآخرة. وجاء في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال: «مَنْ تَعَلَّمَ عِلْماً لِغَيْرِ اللَّهِ وَأَرَادَ بِهِ غَيْرَ اللَّهِ فَلْيَتَبَوَّأْ مَقْعَدَهُ مِنَ النَّارِ».
هناك أسباب وعوامل تؤثّر سلبًا على معرفة الإنسان لله عزّ وجل، من قبيل:
اتباع هوى النفس، وحبّ الدنيا، والرؤية السطحية، والعادات الذهنية، وتقليد الأسلاف، والرذائل النفسانية. إنّ هذه الأسباب تؤدّي في الوقت نفسه إلى ركود الفكر والتعقّل لدى الإنسان.
إنّ العبادة في الثقافة الإسلاميّة تستعمل في معنيين، وهما:
أ. إنّ عبادة الله التي تشتمل بالمعنى العام جميع حياة الإنسان، يمكن لها أنْ تكون عبادة أيضًا؛ بمعنى أنْ يقوم الإنسان بجميع أفعاله بقصد مرضاة الله سبحانه وتعالى، وبهذا المعنى يمكن للإنسان أنْ ينوي العبادة حتى في أكل الطعام والاستمتاع الجنسي، كأنْ ينوي تناول الطعام لكي يقوى على القيام بالتكاليف الدينيّة، وأنْ يمارس إشباع غريزته الجنسيّة بالحلال كي يحصل على الطمأنينة والسكينة ولا يسقط في المعصية ويؤدّي تكاليفه الأخرى بشكل طبيعي. وبهذا المعنى فإنّ كلّ ما يمتلكه الإنسان إنّما هو من الله سبحانه وتعالى؛ لأنّه عبدٌ مملوكٌ ورقٌ وقنٌّ لله سبحانه وتعالى، وأنّه لا يمتلك شيئًا من نفسه، إلّا ما أعطاه الله وخوّله إيّاه. إنّ العبادة تعني أنّ يعلم الفرد ويشعر بعبوديته وعجزه وضعفه، وأنْ يكون لديه توجّهٌ بالفعل إلى ذلك، وأنْ يكون ملتزمًا بلوازم ذلك. فإنْ كان الأمر كذلك فإنّ هذا الشخص سوف يُثاب على جميع أفعاله.
ب. الأعمال الخاصّة التي أمر الله بالقيام بها، ولكن لا يكون المراد منها تلبية
حاجةٍ محدّدةٍ في الحياة اليومية. ورد في الفقه الإسلامي أنْ بعض الأعمال يجب القيام بها بقصد التقرّب من الله سبحانه وتعالى، فإنْ لم يتمّ الإتيان بتلك الأعمال بهذه النية، فإنّها لن تنطوي على قيمةٍ من وجهة نظر الإسلام. ونطلق على هذه الأعمال عنوان (العبادة)، مثل: الصلاة، والصوم، والاعتكاف، والخمس، والزكاة، والحج، والجهاد، وتلاوة القرآن الكريم، وما إلى ذلك. ويمكن للعبادة أنْ تكون إلزاميةً أو ترجيحية. وإنّ ما يتمّ بيانه في هذه الدراسة، ناظرٌ إلى العبادة بالمعنى الأعم الشامل لجميع أنواع العبادة.
إنّ المعنوية عبارةٌ عن إحساسٍ خاصٍّ يعيش الأشخاص تجربته في مواقف ومواقع خاصّة، وهذه التجربة فرديّة، ولا يمكن توصيفها وشرحها للآخرين بشكلٍ دقيق، إلّا من طريق بيان تداعياتها وآثارها. وعلى هذا الأساس يمكن أنْ يكون لها أنواع مختلفة، ويكون لكلّ نوعٍ منها درجاتٌ مختلفةٌ أيضًا. هذا الإحساس في بعض الثقافات يحصل عادةً من طريق ارتباط الأمر غير المادي بالأمر المادي (الواقعي أو الخيالي)، أو القيام ببعض السلوكيّات من نوع الارتياض. وفي رؤية تلك الثقافات يمكن لذلك المصدر أنْ يكون غير إلهي، ويكون من نوع الخرافات، ومن دون أنْ ينطوي على أيّ وعي أو معرفة. وأما الإسلام فلا يقبل سوى المعنوية الناشئة عن التوحيد والارتباط بالله عزّ وجل، وأنْ يكون هذا الارتباط مقرونًا بالعلم وامتثال التعاليم والأحكام الإلهيّة. وفي الحقيقة والواقع فإنّ المعنوية هي مخ وعصارة العبودية لله سبحانه وتعالى بذلك المعنى العام الذي تقدّمت الإشارة إليه. ولهذا السبب فإنّنا سوف نلاحظ عنواني العبادة والمعنويّة معًا. عندما يتمّ الحديث في
(203)الإسلام عن الوظيفة المعنوية، لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الوظيفة يجب أنْ يكون لها نوعٌ من الحضور في جميع وظائف الحياة الأخرى (الشديدة أو الضعيفة). وفي الحقيقة فإنّ المعنوية في الإسلام بمنزلة السلك الناظم لجميع وظائف الحياة ببعضها.
إنّ مصاديق العبادة (طرق اكتساب المعنويّة) -وما بمعناها الخاص الذي يجب أنْ يُمتثل منذ البداية بنية التقرّب إلى الله سبحانه وتعالى- تعدّ من وجهة نظر الإسلام متعدّدةً ومتنوّعة للغاية. كما يتضح من عنوان (العبادة)، أنّ ماهية جميع العبادات واحدة، وهي عبارة عن العبودية لله الخالق والمدبّر والمالك لجميع الوجود.
الصلاة: إنّ العبودية موجودةٌ في جميع العبادات، لكنّ الصلاة التي تقع على رأس جميع هذه الأنواع من العبادات، تتجلّى على نحو ٍأكمل وأشدّ وضوحًا، وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿وَاسْتَعِينُوا بِالصَّبْرِ وَالصَّلَاةِ وَإنَّهَا لَكَبِيرَةٌ إلَّا عَلَى الْخَاشِعِينَ﴾(البقرة: 45).
وفي خصوص هذه العبادة هناك كثيرٌ من الأحكام الواردة في الإسلام، من قبيل: الصلاة في أول أوقاتها، وصلاة الجماعة، وصلاة الجمعة، وصلاة الخوف،
وصلاة الآيات وما إلى ذلك، وشرائط الصلاة، وآثار الصلاة، وجهة الصلاة، والصلاة الواجبة والمندوبة، وإقامة الصلاة أو امتثال الصلاة وما إلى ذلك. ولكلّ
عَلَّمَكُمْ مَا لَمْ تَكُونُوا تَعْلَمُونَ﴾ (البقرة: 238-239).
واحدٍ من هذه المصاديق أبحاث تعبدية لا ندخل هنا في تفاصيلها.
ذكر الله: إنّ ذكر الله سبحانه وتعالى يعدّ من جملة العبادات، إذ تجب عبادة الله الواحد، والشروع في الأعمال بذكر اسمه عزّ وجل، واحترام وتقديس ما يُعدّ من المظاهر الإلهيّة، ويجب تقديس الكعبة بوصفها بيت الله وقبلة المسلمين، واحترام المسجد الأقصى بوصفة قبلة المسلمين الأولى والموضع الذي بُعث منه الكثير من الأنبياء وقاموا بمهمتهم في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى. ويجب النظر إلى الآخرين بوصفهم عباد الله مثلنا، والتعامل معهم بمحبّة وإنسانية، ويجب ذكر الله كثيرًا وعدم الغفلة عنه، ويجب ذكر الله في القلب بتضرّعٍ وخوفٍ وخفية، وتكرار هذا الذكر في الصباح والمساء وعلى كلّ حال.
الدعاء: إنّ الدعاء يُستعمل تارةً بمعنى المناجاة مع الله وذكر الباري تعالى بأسمائه وصفاته، وتارةً أخرى بمعنى طلب الحاجات الفرديّة والاجتماعيّة من الله سبحانه وتعالى في مختلف مجالات الحياة. وقد أكّد الإسلام على كلا هذين المعنيين من الدعاء، والله سبحانه وتعالى يحب أنْ يرى عباده وهم يتضرّعون ويحضعون إليه بالدعاء والمناجاة، وإنّ عدم الدعاء والإعراض عن الله يمثل دليلًا على التكبر
وتطاولًا من الإنسان على الله سبحانه وتعالى. ومن هنا كان الأنبياء والأئمة المعصومون عليهمالسلام جميعهم معرفون بالدعاء والتضرّع إلى الله عزّ وجل، وقد ترك لنا الأئمّة الأطهار عليهمالسلام ثروةً كبيرةً من الأدعية والمناجيات البليغة والبديعة وذات المضامين العالية، التي تُعدّ بالنسبة إلى المؤمنين والمحبّين كنزًا عظيمًا.
القرآن الكريم: إنّ الأنس بكتاب الله على جميع الصوَر الممكنة، يعدّ عبادة، وهذا الأنس يجب أنْ يتجلّى أوّلًا على شكل الإيمان والاعتقاد به، ولا يجب أنْ يقتصر هذا الأمر على القرآن الكريم فحسب، بل يجب الإيمان بكلّ ما نزل من الله سبحانه وتعالى على النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، وعلى جميع من سبقه من الأنبياء والرُسُل عليهمالسلام، من أمثال النبيّ إبراهيم الخليل وإسماعيل وإسحاق ويعقوب والأسباط من بني إسرائيل وموسى بن عمران وعيسى بن مريم عليهمالسلام، ولا نفرّق بين أحدٍ منهم أبدًا؛ لأنّهم بأجمعهم قد حملوا كلمات الله ورسالاته. لقد ورد التأكيد في النصوص الإسلاميّة على تلاوة القرآن الكريم، والتأدّب في حضرته كثيرًا؛ فعلى المسلمين ألّا يمدّوا أرجلهم أمام القرآن الكريم ولا يجعلونه وراء ظهورهم، وأنْ يضعوه على الدوام في موضعٍ مرتفعٍ توقيرًا واحترامًا وتقديسًا، ويلتزمون الصمت عند سماعه وتلاوته ويصيخون السمع ويستمعون إليه. ويسعون إلى فهم القرآن، ويكنون له محبّة ومشاعر خاصّة، وبطبيعة الحال فإنّ الهداية الخاصة في القرآن لا تكون إلّا من نصيب العاملين به. وأمّا الذين يتعاملون مع القرآن الكريم بعنادٍ ولجاجٍ، فلن يكون
لهم نصيبٌ من هداية القرآن الكريم.
الحج والعمرة: إنّ من بين العبادات الأخرى في الإسلام، الحج والعمرة. إنّ إقامة الحج والعمرة عبارةٌ عن زيارة بيت الله الحرام (الكعبة المشرّفة)، وهي تشتمل على أعمال ومناسك خاصّة. إنّ على كلّ مسلمٍ في أيّ بلدٍ كان من الكرة الأرضية، إذا توفّرت فيه الشروط من مختلف الجهات (الاقتصاديّة والأمنيّة والصحّة البدنيّة وتخلية السرب وما إلى ذلك) وتوفرت الظروف والأرضيات له، يجب عليه أنْ يحج مرّةً واحدةً في حياته، وذلك في شهر ذي الحجة؛ حيث يتشرّف بزيارة بيت الله الحرام ويؤدّي مناسك الحج هناك. إنّ القيام بهذه الأعمال والمناسك يجب أنْ يكون خالصًا لوجه الله سبحانه وتعالى، وعليه لو كانت أعمال الحجّ أو العمرة مشوبةً بمقاصد وغاياتٍ أخرى، من قبيل: الرياء والتفاخر على الآخرين، فإنّ هذه الفريضة سوف تكون باطلة، ولا يكون التكليف الديني قد تمّ العمل به. إنّ هذه المناسك تشتمل على شرائط فقهيّةٍ خاصّةٍ تجب مراعاتها، وتوحي تفاصيل هذه الأعمال والمناسك بصبغة العبادة والعبودية. من ذلك على سبيل المثال أنّ السعي (ذهابًا وإيابًا بين جبلي الصفا والمروة، يعدّ من الشعائر الإلهيّة التي يجب الإتيان بها في الحج.
الصيام: إنّ الصيام يُعدّ من بين العبادات الأخرى في الإسلام. حيث يجب الصوم على جميع المسلمين في شهرٍ واحدٍ من الأشهر القمرية (وهو شهر رمضان).
إنّ الصيام يعني أنْ ننوي الكفّ قربةً إلى الله عن بعض الأمور والملّذات الدنيوية من حين أذان الفجر إلى أذان الغروب (وهي أمور من قبيل: الأكل والشرب وممارسة الجماع وإشباع الغريزة الجنسيّة بين الزوجين، والتدخين وما إلى ذلك). وبالإضافة إلى الصيام الواجب في شهر رمضان، يعدّ الصيام في سائر الأيام الأخرى [إذا ما استثنينا العيدين] (إلّا إذا كان هناك مانعٌ من الصوم من مرض [أو سفر] وما إلى ذلك) أمرًا مندوبًا وراجحًا.
الاعتكاف: هناك عبادةٌ أخرى في الإسلام باسم الاعتكاف، وهو وإنْ لم يكن من العبادات الواجبة، ولكن ورد التأكيد عليه كثيرًا. إنّ الاعتكاف مزيجٌ من عدّة عبادات تضمّ إلى بعضها، فهو عبارةٌ عن المكث في المسجد لعدد من الأيام، وقضائها بالصيام، والانشغال في أغلب الأوقات خلال هذه الفترة بالعبادة والصلاة وتلاوة القرآن والدعاء والتفكير والدراسة والمباحثة في تعاليم الدين، وعدم الخروج من المسجد إلا للضرورة، وعدم الاشتغال في أمور الدنيا والمعاش، وتفريغ القلب من غير الله. إنّ الاعتكاف عبارةٌ عن رياضةٍ روحيةٍ معقولةٍ ومشروعةٍ بالكامل؛ تؤدّي دورًا مهمًّا في إيجاد الحالة المعنويّة والروحيّة لدى الأفراد.
العبادات الماليّة: وهي من بين أهمّ العبادات الأخرى والأكثر تأثيرًا في الإسلام. إنّ العبادات المالية هي من قبيل: الخمس، والزكاة، والصدقات وما إلى ذلك. وبشكلٍ عامٍّ فإنّ العبادات المالية في الإسلام تشير إلى هذه النقطة وهي أنْ ينفق الشخص المسلم مقدارًا محددًا من أرباحه المالية في سبيل الله وامتثالًا لأمره، وتخصيصها لبعض الأمور الفرديّة والاجتماعيّة لصالح الآخرين. إنّ العبادة المالية
تنطوي على قوانينها الخاصّة إذ يمكن لها أنْ تختلف في نوعيها الواجب والمستحب؛ من ذلك على سبيل المثال أنّ من بين القوانين الحاكمة على هذه العبادة أنّ الذي يقدّم المال يجب ألّا يمنّ على آخذه، بل إذا منّ عليه بشيءٍ سوف يُبطل عمله، ويكون كأنّه لم يقم بتزكية ماله. وقد تمّ التأكيد في الإسلام على عدم الاقتصار على العبادات المالية الواجبة، بل علينا أنْ نلبّي حاجةً من يحيط بنا من المحتاجين والفقراء والمساكين بمقدار ما نستطيعه من الصدقات المستحبّة أيضًا.
الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر: كما توجد هناك أمورٌ متعدّدةٌ أخرى تعدّ في الإسلام من العبادات أيضًا، من قبيل: الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر (دعوة الآخرين إلى العمل الصالح، ونهيهم عن ارتكاب الأفعال القبيحة)، والولاء والبراء (إعلان الولاء والحبّ والمودة للذين يؤمنون بالله ويعملون بأحكام الله، وإعلان البراءة من الذين لا يؤمنون بالله ويعملون على خلاف تعاليمه).
إنّ ما ورد ذكره آنفًا إنّما يرتبط في الغالب بالعبادة، وتمّت الإشارة في الوقت نفسه إلى مصاديق من الحسّ المعنوي والروحي في الإسلام أيضًا. وأمّا بعض المصاديق البارزة الأخرى في المعنوية الإسلاميّة، فهي عبارة عن:
ـ الشعور المعنوي والروحي الذي يتحقّق في شهر رمضان، ولا سيّما أثناء السحر وعند الإفطار، وحلول عيد الفطر.
ـ الشعور الروحي الخاص الذي يتحقق عند القيام بأعمال ومناسك الحج والعمرة وإتمام هذه الأعمال والخروج من الإحرام وحلول عيد الأضحى المبارك
(210)بالنسبة إلى الحجيج.
ـ الشعور الجميل والروحاني الذي يحصل عليه الإنسان أثناء الاستيقاظ من النوم في الأسحار والتهجّد في جوف الليل، ولا سيّما الدعاء بالمأثور من المناجاة المروية عن الأئمّة المعصومين عليهمالسلام.
ـ الشعور الحسن الذي يحصل عليه الإنسان عند دفع الحقوق المالية في سبيل الله (لا سيّما إذا كان الشخص الذي يدفع المال بحاجةٍ ماسّةٍ إلى ذلك المال، ولكنّه يؤثر الآخرين على نفسه قربة إلى الله سبحانه وتعالى).
ـ الشعور الخاصّ والنادر الذي يحصل عند الإنسان أثناء الاستعداد للتضحية والجود بالنفس في سبيل الله، من قبيل ما يحصل للمجاهدين في ساعة الصولة والانقضاض على الأعداء في جبهات القتال والجهاد الإسلامي.
ـ الشعور الروحي الذي يحصل للإنسان المسلم عند تلاوته للقرآن الكريم (لا سيّما بالنسبة لدى الشخص الذي يتدبّر في معاني القرآن الكريم ومفاهيمه أثناء تلاوة الألفاظ القرآنيّة).
ـ الشعور الذي يعتري المفكرين والعلماء أثناء حلّ المسائل العلمية التي تمسّ الحاجة إليها في المجتمع الإسلامي.
ـ الشعور الذي يعتري الإنسان عند قيامه بالأعمال الخيرية لمصلحة البشر بنحوٍ مستترٍ وغير معلن، وذلك من أجل الحصول على مرضاة الله فقط.
(211)إنّ الإنسان في الثقافة الإسلاميّة كائنٌ ماديٌّ/ معنويّ؛ فكلّ يرتبط بالبُعد الحيواني والفسيولوجي يُعدّ أمرًا ماديًا، وكلّ ما يرتبط بغير البُعد الحيواني، يُنظر إليه بوصفه أمرًا معنويًا وروحانيًا. وعلى هذا الأساس فإنّ جميع الأعمال التي ورد ذكرها بالمعنى العام وتعدّ عبادة، هي من الأعمال المعنويّة والروحيّة، ولو تمّ العمل بها بشرائطها الخاصة، سوف يتذوق صاحبها شيئًا من الشعور الروحي والمعنوي، بيد أنّ هذا الشعور يواجه على الدوام تحديًا في الحياة اليومية، ولا يكون له تأثيرٌ قويٌّ ومستدامٌ بالنسبة إلى الأشخاص العاديين، بيد أنّ ذلك العمل في بعض الموارد يكون قويًّا ومؤثرًا، وتكون الروحانيّة الحاصلة بسببه قوية أيضًا، وتكون غالبةً على مشاعر الحياة اليوميّة؛ وعلى كلّ حالٍ هناك ملازمةٌ ماهويةٌ بين العبادة والمعنوية الإسلاميّة.
إنّ العبادة والمعنوية إذا تحققتا ضمن الشرائط الإسلاميّة الصحيحة، وكانت بمنأى من آفات الإفراط والتفريط، فسوف يترتب عليهما كثيرٌ من التداعيات الأساسية والمهمة في حياتنا؛ وإنّ هذه التداعيات يمكن أنْ تكون مادّيّةً ودنيويةً، كما يمكن لها أنْ تكون معنويةً وأخروية أيضًا. من ذلك -على سبيل المثال- الشعور بالهدوء
والسكينة واللذة المعنويّة، والتعايش مع الصعاب، والتعامل الصحيح معها، والصفح عن أخطاء الآخرين، وتجاهل كثيرٍ من أخطائهم الصغيرة، والاهتمام بالهواجس الكبرى والعامّة والمهمّة، والسيطرة على النفس، والامتناع عن اقتراف الذنوب والتغلّب على الأهواء النفسية، وما إلى ذلك.
إنّ كلّ واحدٍ من هذه الأمور المذكورة يمكن أنْ تقع موردًا للدراسة التفصيلية، وأنْ تترتب عليها تداعياتٌ من الدرجة الثانية والثالثة، بحيث يمكن ربط جميع الحسنات بالعبادة والمعنوية بوساطةٍ أو من دون وساطة. وفي هذه الدراسة لا يسعنا التعرّض إلى جميع هذه الدراسة، ولكن من باب المثال نشير إلى واحدٍ من هذه التداعيات المعنوية ونعني بذلك الامتناع عن ارتكاب الذنوب وآثارها على نحو الاختصار:
لقد ورد في القرآن الكريم استعمالُ كثيرٍ من الكلمات المتعددة بشكلٍ مترادفٍ فيما يتعلّق بمصطلح القبائح، من قبيل:
الذنب، والجناح، والعصيان، والإثم، والخطأ، والفحشاء، والفجور،
والفسق، والفساد، والخبث، والشر، والوزر، واللمم، والسيئة، والحنث، والحرام. وربما بعض المفردات الأخرى من هذا القبيل أيضًا.
إنّ جميع الأمور التي يحرم القيام بها تندرج ضمن هذه المفاهيم والمفردات التي تشير بشكلٍ عامٍ إلى المعاصي والذنوب. إنّ الذنب يقع على الطرف النقيض من المعنويّة الإسلاميّة، بنحو لا يمكن الجمع بينهما، وتترتّب عليه تداعياتٌ فرديّةٌ واجتماعيّةٌ وحقوقيّةٌ وبيئيّة، وهذه الآثار هي في الواقع آثار لعدم المعنوية:
أ. التداعيات الفرديّة: إنّ الذنوب تعرّض الشخص إلى كثيرٍ من المشاكل الروحيّة والنفسيّة، وتستوجب الألم والعذاب الداخلي والروحي، وسوء الظنّ، وإفشاء العيوب، واليأس وانعدام الأمل، والندم والسأم.
وتؤدّي إلى الإحباط وتفريغ الأفعال الحسنة من مضمونها. واسوداد القلب. والحط من مقام ومنزلة المذنب، وتهتك العِصَم. كما أنّ الذنب يحول دون استجابة الدعاء.
ويحرم الشخص من لذّة المناجاة، ويؤدّي إلى مختلف الأمراض وإلى الضعف والعجز وقصر العمر، والهلاك والفناء في نهاية المطاف.
ب. التداعيات الحقوقيّة: إنّ الذين يخلو وفاضهم من العبادات والمعنويات الإسلاميّة، ويبتلون ببعض الذنوب، سوف تنزل بهم بعض العقوبات المحدّدة تحت عنوان: الحدود والديات والتعزيرات والقصاص، وتطبيق هذا النوع من الأحكام الجزائية في الإسلام، يؤدّي إلى الحفاظ على النظم الاجتماعي، والحفاظ على الموازين الأخلاقيّة وتطبيق العدالة، وتأديب المجرمين وإصلاحهم.
ج. التداعيات الاجتماعيّة: إنّ غياب المعنوية الإسلاميّة واقتراف الذنوب يؤدّي إلى انحطاط المجتمع. إنّ الله سبحانه وتعالى لا يغيّر النعم التي أنعم بها على الإنسان إلّا إذا قام الأشخاص والجماعات بتغييرها. من ذلك -على سبيل المثال- أنّ فرعون مارس الظلم والإجحاف بحق الناس، واستسلم الناس لظلمه ولم يفعلوا شيئًا لتغيير الواقع، وبذلك فقد فرّطوا بالنعم التي أنعم الله بها عليهم؛ فكان التغيير من عندهم. وقد تنازع الناس فيما بينهم وتفرّقوا فذهب ريحهم وأصبحوا من العاجزين والفاشلين. وقد تركوا الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. وابتلوا بسوء
الظن، والعناد واللجاج، والحسد، وما إلى ذلك؛ فانفرط عقدهم الاجتماعي.
د. التداعيات البيئيّة: إنّ غياب المعنوية الإسلاميّة، والابتلاء بالذنوب التي هي من قبيل: الكفر بالنعمة، وعدم الصفح، وشرب الخمر، وسماع الموسيقى، والتطفيف والإسراف يؤدّي إلى تغيير النِعَم، ويترك تأثيره السلبي على البيئة والطبيعة. ويقضي على الثروات الوطنيّة والاجتماعيّة. إنّ الله سبحانه وتعالى يسلب النعمة من الذين يكفرون بها، ويُغيّر النِعَم.
ويغرق قوم نوح والفراعنة في الماء. كما أنّ إرسال الرياح العاتية والعاصفة، والجفاف والمجاعات، وخسف الأرض، والصواعق ونزول الأمطار الثقيلة،
تُعدّ بدورها من النماذج والتداعيات الطبيعيّة المترتّبة على غياب المعنويات.
إنّ الأخلاق والخصائص الداخليّة تتشابه وتشترك فيما بينها؛ إذ إنّها من حيث المقرّرات والقوانين التنفيذيّة غير قابلة للاتباع، ولا يحتوي أيٌّ منها على ضمانةٍ خارجيّةٍ تنفيذيّة، وإنّ كليهما يحتاج إلى ضمانةٍ تنفيذيّةٍ داخليّةٍ، بيد أنّ الخصائص الداخليّة بقيدٍ واحدٍ ومن بُعدٍ واحدٍ أعمّ من الأخلاق، وبقيدٍ آخر ومن بُعدٍ آخر تبدو أخصّ من الأخلاق؛ ومن هذه الناحية تكون أعم؛ حيث تشمل الصفات الأخلاقيّة مثل: التكبّر، والحسد، والعُجب، والخوف وما إلى ذلك، كما تشمل ما يقابلها أيضًا، وكذلك الموارد التي لا تعدّ أخلاقيّة عُرفًا، من قبيل أنْ يكون لدى الفرد إيمانٌ داخليّ بأنّ (الإنسان في عناء دائم)؛ ومن هنا فإنّه بنفسه لا يسعى إلى الرفاه في هذه الدنيا، أو أنّ هناك (بعد كلّ عسرٍ يُسرًا)، وهو يمتلك مثل هذا الشعور والإحساس؛ أو (أنّ كلّ إمامٍ نزوره فهو يرانا ويسمع كلامنا ويردّ على سلامنا، وما إلى ذلك). ومن ناحيةٍ أخرى فهو أخصّ من الأخلاق؛ لأنّه لا يشمل السلوكيّات العينيّة مثل: الكذب، والغيبة، والنميمة وما إلى ذلك، بل يهتم بالبُعد الداخلي منها فقط.
إنّ الخصائص الداخليّة تتماهى كذلك مع الأنظار من حيث المصادق وتنسجم معها إلى حدٍّ كبير، مع فارق أنّه في الأنظار يتم الاهتمام بالبُعد المعرفي والاستدلالي
بشكل أكبر، في حين يتمّ الاهتمام في الخصائص الداخليّة بالبُعد العاطفي والسلوكي معًا والعمل على جعلها من الأمور الداخليّة أيضًا. من ذلك على سبيل المثال قد يمكن لشخص أنْ يقبل بالمساواة بين الرجل والمرأة على مستوى طلب الكمال من طريق الاستدلال، دون أنْ يكون لديه اعتقادٌ داخليّ بذلك، ولا يلتزم باللوازم العملية المترتبة على ذلك؛ أو يؤمن بشكلٍ استدلاليّ أنّه بوصفه واحدًا من أفراد المجتمع الإنساني يمتلك حقًا متساويًا مع الآخرين، ولكنّه لم يؤسس لهذا الأمر في داخله ولا يعتقد به في صقع وجوده ولا يعمل به.
يمكن لمصاديق الخصائص الداخليّة أنْ تكون كثيرةً جدًّا. وبعبارةٍ أخرى: إنّ جميع قضايا اختبار نمط الحياة الإسلاميّة يمكن أنْ تكون مصاديق لهذا العنوان؛ إذ يتمّ على كلّ حالٍ تصوّر بعدٍ داخليّ لها، بيد أنّ الذي يحظى بالاهتمام هنا إنّما هو الخطوط الكلية والأصلية له. من ذلك -على سبيل المثال- أنّ الشخص المؤمن شخصٌ مطمئن، لا يبدي حرصًا وطمعًا بالدنيا، وهو يذكر الله على الدوام، ويحب أبناء جلدته وإخوانه في الإنسانية، ويتوكّل على الله، ويسابق الآخرين في فعل الخير، ولا يرى نفسه في مأمن من عذاب الله، ولا يقنط من رحمة الله، ويرى أنّ جميع الوجود من صنع الله، ويشعر بالرضا عن الله، ويشكر الله على ما أنعم عليه، ولا يكفر بنعمة الله، ولا يرى نفسه شيئًا، ولا يعدّ الدنيا محلًا للدعة والراحة، ولا يرسم لنفسه على المستوى الشخصي آمالًا مادّيّة طويلة وعريضة، ولا يبالغ في الفرح والحزن بشكل مفرط. ويخشى الله حتى في خلواته. ولا يرى نفسه متحرّرًا من
المسؤوليّة. ولا يبحث بين الأعمال عن أيسرها وأسهلها، بل يبحث عن الأصح من بين الأمور. ويشعر بأنّ الله أحبّ إليه من زوجته وأولاده وأمواله وتجارته وجميع شؤونه الدنيوية. ولا يركن إلى الراحة والدعة والكسل وليس كثير التوقّع والطلب. ويسيطر على نفسه عند الغضب أو شدّة الفرح. يعشق العبادة وينفر من الذنوب بشدة. ويقشعر جلده ويرقّ قلبه عند سماع آيات القرآن الكريم، ويعتريه الخوف والخشية من الله. ويستعيذ بالله من وساوس الشيطان. ولا يمنّ على الله بإيمانه، بل يرى لله المنّة عليه أنْ هداه إلى الإسلام. ويحب الآخرين لحبّهم لله ولأنهم ينتهجون سبيل الدين، أو يبغضهم لأنهم لا يحملون هموم الدين. ويحترم العهود ويلتزم بالعقود ويحافظ على الأمانة. وإنّ مطالبه ورغباته الشخصيّة تنسجم مع ما يريده الله منه. وعلى الرغم من حسن ظنّه وحبّه للخير، إلّا أنّه يتمتع بنوعٍ من الفطنة والتدبير الدقيق في الأعمال والمهمات. ويعتقد بأنّ القرآن الكريم يشتمل على برنامجٍ شاملٍ للحياة، ويرى أنّ الدين لازم التطبيق والتنفيذ في جميع الأبعاد الفرديّة والاجتماعيّة والسياسيّة والثقافيّة وما إلى ذلك.
إنّ إيجاد الدوافع الداخليّة أعقد من أنْ يمكن القيام بها في مرحلةٍ زمنيّةٍ خاصّةٍ وفرصةٍ قصيرةٍ ومن خلال برنامج تعليمي/ تربوي محدود، والركون إلى الراحة بعد ذلك بهدوء بال، على أمل أنْ الدوافع قد تمّ إصلاحها، وسوف تترك تأثيرها على جميع شؤون الحياة. إنّ الدوافع المقصودة في هذا البحث هي بأجمعها من نوع الدوافع المتعالية، وإنّ آلية إيجادها تختلف عن الدوافع الفسيولوجيّة إلى حدّ كبير.
تظهر الدوافع المادّيّة والدانية لدى الأفراد عادة بشكلٍ قويّ وتؤدّي دورها، وتضيّق المجال والخناق بالنسبة إلى الدوافع المتعالية. وفي الواقع يجب من أجل إيجاد الدوافع الداخليّة أنْ نتعرّف على الدوافع المتدنّية، ونسيطر عليها، ثمّ تصل النوبة إلى توظيف الآليات الإيجابيّة، والعمل باستمرار وعلى نحوٍ دائمٍ على إيجاد الدوافع المتعالية. وسوف نشير في هذا الخصوص إلى عددٍ من النقاط:
أ. لا بدّ من الالتفات إلى أنّ هذه الدوافع ترتبط بالمعارف والعواطف وسلوكيّات الفرد ارتباطًا وثيقًا. يمكن لنا أنْ نتوقع تبلور الدوافع المتعالية، من خلال إصلاح المعارف لوحدها ومن دون الالتفات إلى السلوك والعواطف، كما يمكن في المقابل توقّع عكس ذلك أيضًا. كما لا يمكن التفكيك بينهما من الناحية العمليّة أيضًا. إنّ كلّ معرفةٍ يتمّ إيجادها سوف تترك تأثيرها على العواطف والسلوكيّات بشكلٍ واعٍ أو غير واع، والعكس صحيح أيضًا.
ب. إنّ التغيير في المعرفة وفي العواطف والسلوك في زمنٍ خاص، ليس كافيًا؛ إذ هناك كثيرٌ من الأشخاص الذين يمتلكون هذه الموارد، ولكنّهم لا يمتلكون الدوافع الضروريّة والمطلوبة. بالإضافة إلى الإيجاد الأولي لهذه الأمور، فإنّ وجودها الفعلي مطلوب وضروري أيضًا. بمعنى أنّه يجب الاهتمام بالثروات النفسيّة للفرد في كلّ موضوعٍ وفي الزمان المنشود. وبعبارةٍ أخرى: يجب على الفرد ألّا يغفل عنها. إنّ القضاء على الغفلة يُعدّ واحدًا من العوامل المهمّة التي تتحقّق من خلال التذكير المتكرّر وبطرق مختلفة.
ج. من أجل إيجاد وحفظ المعارف والعواطف والسلوكيّات المنشودة، قد
(220)ُستفاد من التقنيّات النفسيّة المختلفة والمتعددة، ولكنّنا لا نتعرّض إلى بحثها هنا.
د. بالإضافة إلى التقنيّات النفسيّة المذكورة آنفًا، نحصل كذلك من الآيات والروايات في بعض الأحيان على أحكام وتعاليم سلوكية جديرة بالملاحظة. من ذلك على سبيل المثال تذكر نعم الله والتفكير والتدبّر فيها[1]، وذكر الله وعظمته والشعور بالمسؤولية تجاهه[2]، والتوجّه الدائم من قبل الإنسان وإدراكه لعجزه وضعفه وحاجته إلى الله سبحانه وتعالى[3]، والميل القلبي إلى الهداية؛ إذ إنّ الذين لا يريدون الهداية، لا يمكن هدايتهم[4].
الصحيح هو أنْ ندير أنفسنا لا أنْ ندير الزمن؛ وذلك لأنّ الزمان في الأساس لا يمكن إدراته، فهو يمضي ويتصرّم على كلّ حال؛ ونحن الذين يتعيّن علينا أنْ نحسن الاستفادة منه وتوظيفه. إنّ إدارة الزمان في الواقع عبارةٌ عن إدارتنا لأنفسنا، واللافت في البين هو أنّ المهارات التي نحتاجها في إدارة الآخرين، هي ذاتها التي
نحتاج إليها في إدارة أنفسنا، من قبيل: القدرة والمهارة في التخطيط، وتفويض الاختيار، والتنظيم، والقيادة والسيطرة.
إنّ قيمة الوقت أغلى من الذهب. لا يمكن لأيّ شخصٍ أنْ يستفيد من وقت الشخص بدلًا منه، كما لا يمكن لشخص أن يقرض وقته لشخص آخر أو يعمل على ادخاره. وإن العادات الخاطئة من أهم العوامل التي تعمل على تدمير الوقت. ومن خلال السيطرة على العادات الخاطئة، يمكن التعرّف على الآفات الأخرى والعمل على تحديدها أيضًا. يجب على الفرد أن يُشخص الأوقات الخاصة باليوم، وبالأسبوع والشهر بشكل واضح؛ إذ من شأن ذلك أن يبيّن له الوقت الفائض بالنسبة إليه أيضًا. يجب على الشخص أن يتعرّف على كمية الوقت الذي ينفقه خلال الأسبوع في القراءة والنوم والزيارات والنظافة الشخصيّة وتناول الطعام وأوقات الفراغ. لقد وهبنا الله وعاء العمر لكي نملأه بما نرغب، حيث يمكن لنا أنْ نملأه بالسم أو العسل.
سواء أكنّا نبحث عن المنافع الدنيويّة قصيرة الأجل وقليلة القيمة، أم كنّا نبحث عن عن المنافع الأخرويّة والقيّمة، يجب أنْ نستفيد من هذه الثروة من أجل الوصول إلى تلك المنافع. التعرّف على قيمة الزمان، يعدّ من أهمّ الهواجس التي تشغل اهتمام المؤمن؛ لإنّ الفرص تتلاشى سريعًا. وقد روي عن أمير المؤمنين عليهالسلام، أنّه قال:
«إنتهزوا فُرَصَ الْخَيْرِ فَإِنَّهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ». وقد روي عنه عليهالسلام في موضعٍ آخر، أنّه قال: «غَافِصِ [عافص] الْفُرْصَةَ عِنْدَ إِمْكَانِهَا فَإِنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكِهَا بَعْدَ فَوْتِهَا». وإنّ عودة الفرص بعيدة الاحتمال والمنال، وهي إنْ عادت فسوف تعود بشكلٍ بطيء. وتأتي بشكلٍ غير واضح؛ إذ ورد في الحديث أنّ «الْفُرْصَةُ خُلْسَةٌ». وجاء في الأثر أيضًا: أنّ «الْفُرْصَةُ غُنْمٌ». وقد روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِذَا أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فَانْتَهِزْهَا فَإِنَّ إِضَاعَةَ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ». وجاء في الأثر: «أَشَدُّ الْغُصَصِ فَوْتُ الْفُرَصِ». وإنّ فوتها يدعو إلى الندم. وإنّ أسوأ شيءٍ يمكن للشخص أنْ يملأ به وقته هو الأعمال الطائشة والعبثية. روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «الْأَبَاطِيلُ مُوقِعَةٌ فِي الْأَضَالِيلِ». وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ
يُبْغِضُ كَثْرَةَ النَّوْمِ وَكَثْرَةَ الْفَرَاغِ». إنّ المؤمن منشغلٌ في جميع أوقاته (ولا يقضي أوقاته بالبطالة). إذا كان العمل موجبًا للعناء والتعب والمشقة، فإنّ البطالة تستوجب الفساد والضياع.
في يوم القيامة يندم الذين أترعوا بسمّ الذنوب كؤوسهم، ويقولون:﴿وَهُمْ يَصْطَرِخُونَ فِيهَا رَبَّنَا أخْرِجْنَا نَعْمَلْ صَالِحًا غَيْرَ الَّذِي كُنَّا نَعْمَلُ أوَلَمْ نُعَمِّرْكُمْ مَا يَتَذَكَّرُ فِيهِ مَنْ تَذَكَّرَ وَجَاءَكُمُ النَّذِيرُ فَذُوقُوا فَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ نَصِيرٍ﴾(فاطر: 37).
ولمّا كانت الآخرة سوف تقع في المستقبل، فيجب علينا أنْ نعدّ لها العدّة من الآن، وفي ذلك يقول الله تعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أنْفِقُوا مِمَّا رَزَقْنَاكُمْ مِنْ قَبْلِ أنْ يَأْتِيَ يَوْمٌ لَا بَيْعٌ فِيهِ وَلَا خُلَّةٌ وَلَا شَفَاعَةٌ وَالْكَافِرُونَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾(البقرة: 254). وقال الله تعالى:﴿وَقَدِّمُوا لِأنْفُسِكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أنَّكُمْ مُلَاقُوهُ وَبَشِّرِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(البقرة: 223).
إنّ المراد من الأزمنة الخاصّة، هو القيام بكلّ أمرٍ في وقته المناسب، وعدم تأجيله إلى وقتٍ آخر من خلال التذرّع بمختلف الذرائع، فتفوتنا الفرصة بسبب التعلّل وتأخير الأعمال إلى الغد وما بعد الغد.
وهنا لا نريد التعرّض إلى بحث اعتبار الزمان شرًّا أو خيرًا. إنّ معرفة الفرص
الخاصّة، وحُسن الاستفادة منها في الموقع المناسب، أمرٌ دقيقٌ لا يتأتّى لجميع الأشخاص. وإذا ما توفّرت الفرص لأحد، فلم يغتنمها وفرّط فيها طمعًا في الحصول على فرصة أفضل منها، فإنّ الوقت سوف يتغلّب عليه ويحرمه من تلك الفرصة ولا يحصل على الفرصة التي تمناها أيضًا؛ وذلك لأنّ الأيام تعمل على سرقة الفرَص، وإنّ أسلوب الزمان يقوم على أساس الفقدان. وبشكل عام فإنّ فترة العمر بالنسبة إلى نوع هوية ووجود الإنسان، تعدّ فرصةً سانحةً وخاصة، والتعرّف عليها وتقديرها أمر صعب ومعقد، وإنّ أسوأ أنواع الاعتذار هو الاعتذار حين الاحتضار وحلول الموت والأجل.
إنّ ساعات الليل بالقياس إلى ساعات النهار تعدّ فرصة مغتنمة، حيث يجب التعرّف على قيمتها، فقد ورد في الحديث المأثور عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «سَهَرُ الْعُيُونِ بِذِكْرِ اللَّهِ فُرْصَةُ السُّعَدَاءِ وَنُزْهَةُ الْأَوْلِيَاءِ». إنّ فترة الإحرام والحضور في الأزمنة والأمكنة الخاصة بالنسبة إلى الحاج في بيت الله الحرام، فرصةٌ خاصّةٌ يجب على الإنسان أنْ يعرف قدرها، وأنْ يقضيها في طاعة الله وامتثال أوامره وأحكامه.
إنّ شهر رمضان شهرٌ مبارك، والصوم فيه واجب، وهو شهر ينزل الله سبحانه وتعالى فيه خيره وبركاته بشكل أكبر وأكثر من سائر الأيام والشهور الأخرى، وعليه فمن الغصّة ومن غير المعقول ألّا يغتنم الإنسان الفرصة المتاحة له في هذا الشهر الفضيل.
لو تمّ وضع أدعيةٍ أو زياراتٍ خاصّةٍ لبعض الأيام والأسابيع والشهور والأعياد والوفيات، فإنّما الغرض من تكرارها هو الاستفادة من آثارها التربوية، وبتركها سوف نحرم أنفسنا من هذه الآثار والثواب المرصود لنا عليها من قبل الله سبحانه وتعالى. وإنّ الأعمال المستحبّة، من قبيل: تعقيب الصلوات، وأعمال شهر رجب، وشعبان، وذي القعدة، ومحرّم، وصفر، وذي الحجة، وأعمال الأمكنة الخاصّة (من قبيل: المزارات، والمساجد، والعتبات المقدّسة، ونظائرها)، والأدعية المأثورة في الأزمنة الخاصة، في الصحيفة العلوية، وفي الصحيفة السجادية، وفي مفاتيح الجنان وغيرها من المصادر الأخرى، تعدّ بأجمعها من هذا القبيل. وعلى هذا الأساس فإنّ معرفة الأزمنة المناسبة لأيّ عمل، وما رصده الله من الأجر والثواب عليها، وما هو المكان الأنسب للقيام بتلك الأعمال، يساعد على الاستفادة الأنسب في الموقعيّات الزمنيّة والمكانيّة الخاصّة.
إنّ كلّ فعلٍ يقتضي إمكانات وشرائط خاصة، وهي لا تتوفّر دائمًا، وإذا لم يتمّ توفرها عند الاقتضاء، فإنّ الفرصة سوف تفوت، فقد روي في الأثر: «...الْأُمُورُ
مَرْهُونَةٌ بِأَوْقَاتِهَا». وقال الإمام علي عليهالسلام في كلام وجّهه إلى مالك الأشتر: «وأَمْضِ لِكُلِّ يَوْمٍ عَمَلَهُ، فَإِنَّ لِكُلِّ يَوْمٍ ما فِيه»، وشبيه بذلك مقولة: «لا تُؤجِّلْ عملَ اليومِ إلى الغَدِ، لأنّ في ذلك تراكم القضايا والحاجات». على الرغم من جميع ما ورد من التأكيد في التعاليم الإسلاميّة على الاستفادة الصحيحة من الزمان، لا نزال نرى أنّ من بين أكبر المشاكل والمعضلات التي نعاني منها في المجتمع الإسلامي على مستوى الأفراد والأسر، عدم استثمار أمر الوقت وتنظيمه، وأنّ العوامل الفرديّة والاجتماعيّة والمعايير الاجتماعيّة الضمنيّة، والساعات ومقاطع العمل والدوائر والمصانع، والبرامج الإذاعيّة والتلفزيونيّة، وأوقات بثّ البرامج التي تحظى بالشعبيّة والجماهيريّة وكثرة المشاهدين، وبالإضافة إلى ذلك عدم بيان التعاليم والمفاهيم الإسلاميّة في هذا الخصوص، تسهم بأجمعها في هذه المشكلة بنحو وآخر.
لقد أرشدت التعاليم والوصايا الدينيّة إلى تقسيم الوقت إلى ثلاثة أقسام، وهي: العمل، والعبادة، والاستمتاع بما هو محلل، ولكننا لا نشاهد جريان هذا التقسيم في حياتنا الراهنة. إنّنا من أجل تدبير الوقت في حياتنا الشخصيّة وشؤوننا الخاصة، نحتاج بالإضافة إلى العلوم والدوافع والهمم الفرديّة العُليا إلى المعايير والقوانين والحزم العمومي والاجتماعي. نحن بالإضافة إلى وجوب معرفة قيمة الوقت وحُسن الاستفادة منه، يجب علينا أنْ نتعرّف على الفرص المناسبة للقيام
بكلّ فعلٍ أو تركه. من ذلك -على سبيل المثال- يجب تعليم الأطفال في الحقل التربوي الخاص بالأسرة أنّ عليهم عدم الدخول على المكان الخاصّ بالوالدين أثناء استراحتهما في ثلاثة أوقات من اليوم والليلة. وينغي أنْ نجعل جزءًا من الليل لعبادة الله سبحانه وتعالى، والنهار للعمل والسعي من أجل توفير مستلزمات الحياة وتكوين العلاقات الاجتماعيّة، وأنْ نلتزم الصمت والسكوت أثناء تلاوة آيات القرآن الكريم والاستماع إليها. وإذا مسّت الحاجة وتحتّم علينا أنْ نهاجر، يجب علينا بأمر الله أنْ نختار الهجرة، وأنْ نخصّص أيام الجمعة والعيد إلى المهام الخاصّة بها.
ومن الضروري في حدود الإمكان إخراج السجناء -المحكوم عليهم لأسباب تتعلق بعدم سداد الديون- في الأعياد وأيام الجمع لغرض إقامة الصلاة وزيارة الأهل والأحبّة، وإعادتهم إلى السجن بعد ذلك. وينبغي أنْ نقرأ القرآن الكريم في كلّ صباح، وأنْ ننام في الليل باكرًا، لكي نستيقظ في الصباح الباكر، وأنْ نأتي بالصلوات في أوّل أوقاتها. هناك أيام تعرف بسبب بعض الأحداث والوقائع السعيدة والمحمودة (من قبيل الانتصار على العدو)، وقيمة استعادة إحيائها وتخليد ذكرها بأنّها من «أيام الله»، وورد الأمر بإحيائها وتخليدها. ويجب على الصابرين والشاكرين الاعتبار واستلهام الدروس والعبَر.
قال الله تعالى:﴿يا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَقْتُلُوا الصَّيْدَ وَأنْتُمْ حُرُمٌ﴾(المائدة: 95).
وتمّ التعريف ببعض الشهور بوصفها من الأشهر الحُرُم التي يحرم فيها القتال. وروي عن الإمام الباقر عليهالسلام في مورد بيان مصاديق ذلك أنّه قال: «أَيَّامُ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ ثَلَاثَةٌ: يَوْمَ يَقُومُ الْقَائِمُ وَيَوْمَ الْكَرَّةِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ».
لكي نكون قادرين على الاستفادة من أوقاتنا على أفضل وجه، يجب علينا:
أنْ نعمل في هذه الليلة على التدوين والتخطيط للنشاطات التي ننوي القيام بها في اليوم القادم.
أنْ نعمل على بيان أولويات الأعمال والمهام، وأنْ نحّدد موعدًا لكلّ واحدٍ منها.
القيام بالأعمال الأصعب في وقتٍ مبكّرٍ، وعندما نكون في أفضل حالاتنا الجسدية والروحية.
ألّا نؤجّل الأعمال المهمّة وغير المستساغة؛ لأنّ تأخيرها لن يجعلها مستساغة.
أنْ نخصّص من بين نشاطاتنا وقتًا للراحة والاستجمام أيضًا.
أنْ نكون على الدوام في أتمّ الجاهزية، وألّا تمنعنا العقبات من المثابرة.
أنْ نحجم عن مواصلة العمل بمجرّد إدراك عدم جدوائيته.
أنْ نعتمد على ترتيب أولوياتنا وأنْ نتمسّك بها.
أنْ نشرف على وقتنا وننظر في الأمور التي ننفقه فيها.
أنْ نكون منظمين ومنضبطين، كي لا نستهلك وقتنا في البحث في المتاهات.
علينا أنْ نعلم بأنّ الأسى والحزن على الإعمال غير المنجزة، يزيد من حالات القلق والاضطراب والتعب.
ألّا نسمح لأحدٍ بأنْ يستهلك وقتنا لمصلحته، وأنْ نتعلّم اتّخاذ موقف الرفض والامتناع.
أنْ نتحلّى بالتفاؤل وأنْ نتوقع على الدوام وقوع الأحداث السعيدة وسماع الأخبار السارّة.
أنْ نحدد أهدافنا، ونسعى من أجل تحقيقها وإنجازها.
أنْ نسترشد برأي الخبراء والمختصّين عند الحاجة.
أنْ نعمل على تقليل الأسباب والعوامل التي تؤدّي إلى إهدار الوقت والوصول بها إلى الحدّ الأدنى (مثل: الإدمان على الهاتف النقال، والزيارات غير الضروريّة، والدخول في نقاشات غير مثمرة، وغير واضحة الهدف والنتيجة، وتجنّب الفوضى وانعدام النظم، ومشاهدة التلفاز بشكل منفعل، وما إلى ذلك من الأمور الأخرى).
يجب على الإنسان أنْ يجدّ ويجتهد من أجل الوصول إلى الكمال المنشود؛ بيد أنّ الذي يتمّ القيام به بوصفه من الأشغال والمهن، لا يختص بالأمور الدنيويّة والمادّيّة فقط، بل يمكن له أنْ يمثّل طريقًا يوصل الفرد إلى السعادة في الآخرة بالإضافة إلى الرخاء في الدنيا، لا سيّما أنّ الدنيا هي في الأساس مزرعة الآخرة، وأن العمل والشغل
(231)والمهنة التي يمارسها الإنسان تشكل جانبًا من هذه المزرعة. ونحن على الدوام نسأل الله أنْ يجمع لنا خير الدنيا والآخرة. وعلى الرغم من استعمال مفردة (الشغل) لغةً في معانٍ أخرى، مثل: القتال والحرب والزراعة والفلاحة أيضًا، بيد أنّ المعنى المنشود لنا من هذه المفردة هو المعنى المتعارف منها، والذي هو العمل والحرفة والمهنة. كما ورد استعمالها في القرآن الكريم بمعنى الاشتغال واللهو أيضًا، كما في قوله تعالى:﴿شَغَلَتْنَا أمْوَالُنَا وَأهْلُونَا﴾(الفتح: 11)، وقوله تعالى:﴿إنَّ أصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ﴾(يس: 55). ولا فرق بين أنْ يكون هذا الشغل واللهو باعثًا إلى السعادة أو التعاسة. وقد وردت هذه المفردة في كثيرٍ من الآيات بمعنى الحرفة والمهنة والعمل، وإنْ لم يرد فيها استعمال كلمة الشغل مباشرة، ومن ذلك قوله تعالى:﴿وَلَقَدْ مَكَّنَّاكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلْنَا لَكُمْ فِيهَا مَعَايِشَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ﴾(الأعراف: 10). وقوله تعالى:﴿هُوَ أنْشَأكُمْ مِنَ الْأَرْضِ وَاسْتَعْمَرَكُمْ فِيهَا﴾(هود: 61). وقوله:﴿وَجَعَلْنَا النَّهَارَ مَعَاشًا﴾(النبأ: 11). وقوله تعالى:﴿فَإذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾(الجمعة: 10).
إنّ الأهداف والغايات المرصودة للعمل متعدّدة، وهي من قبيل: تلبية ضروريات
الحياة بالنسبة إلى الشخص والأسرة، وهذا من أفضل الأمور، ومساعدة الآخرين، وصلة الأرحام، والعطف على الجار ومساعدته، والابتعاد عن المفاسد الاجتماعيّة. ويجب القيام بهذه الأمور من المال الحلال، وإنّ الكسب الحلال من أهم الأعمال التي يقوم بها الإنسان المؤمن؛ إذ إنّ الكسب الحرام تظهر آثاره على النسل والذرية، يُضاف إلى ذلك أنّ الشخص الذي يكسب المال الحرام، لا يُقبل منه حج ولا عمرة ولا صلة رحم. إنّ الحصول على المال الحلال من أصعب الأمور أيضًا، وإنّ من أكثر الأشياء ندرةً في آخر الزمان اكتساب أخٌ يوثق به، أو إصابة درهم من حلال. روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «الْعِبَادَةُ مَعَ أَكْلِ الْحَرَامِ
كَالْبِنَاءِ عَلَى الرَّمْلِ وَقِيلَ عَلَى الْمَاءِ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنّه قال: «طَلَبُ الْحَلَالِ فَرِيضَةٌ عَلَى كُلِّ مُسْلِمٍ وَمُسْلِمَةٍ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا، أنّه قال: « طَلَبُ الْحَلَالِ، جهاد».
إنّ العمل والعامل يحظيان في الإسلام بقيمةٍ معنويّةٍ عالية. حتى كان النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يقبل يد العامل ويقول بأنّها يدٌ لا تمسها نار جهنّم. وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَبَارَكَ وَتَعَالَى يُحِبُّ الْمُحْتَرِفَ الْأَمِينَ». وعن عمر بن يزيد قال: قلت لأبي عبد الله عليهالسلام: رجل قال: لأقعدن في بيتي ولأصلين ولأصومن ولأعبدن ربي، فأما رزقي فسيأتيني، فقال عليهالسلام: «هَذَا أَحَدُ الثَّلَاثَةِ الَّذِينَ لَا يُسْتَجَابُ لَهُمْ».
إنّ العمل جهاد؛ فقد ورد في الأثر: «الْكَادُّ عَلَى عِيَالِهِ كَالْمُجَاهِدِ فِي سَبِيلِ اللَّهِ». كما ورد التعريف بالعبادة في بعض النصوص الروائية بأنّها عبادة. وعن
الإمام علي عليهالسلام أنّه كان يدعو ويسأل الله أنْ يغنيه بالمال الحلال لحفظ كرامته وألّا تنتهك شخصيته بسبب الفقر وضيق ذات اليد. وكان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم كلّما نظر إلى شاب يعجبه، يقول: «هَلْ لَهُ حِرْفَةٌ؟». فإذا قيل: لا. قال: «سَقَطَ مِنْ عَيْنِي». قيل: وكيف ذلك يا رسول الله؟ قال صلىاللهعليهوآلهوسلم: «لِأَنَّ الْمُؤْمِنَ إِذَا لَمْ يَكُنْ لَهُ حِرْفَةٌ يَعِيشُ بِدِينِهِ». إنّ من بين حقول الولد على الوالدين بالإضافة إلى تحسين اسمه وتربيته تعليمه حرفة وصنعة مناسبة تدرّ عليه ربحًا يصون به نفسه وأهله. روي عن الإمام جعفر بن محمّد الباقر عليهالسلام، أنّه سأل بعض أصحابه عما يتصرّف فيه؟ ِ فَقَالَ جُعِلْتُ فِدَاكَ إِنِّي كَفَفْتُ يَدِي عَنِ التِّجَارَةِ قَالَ عليهالسلام: لِمَ ذَلِكَ؟ قَالَ: انْتِظَارِي هَذَا الْأَمْرَ. قَال عليهالسلام: «ذَلِكَ أَعْجَبُ لَكُمْ تَذْهَبُ أَمْوَالُكُمْ لَا تَكْفُفْ عَنِ التِّجَارَةِ وَالْتَمِسْ مِنْ فَضْلِ اللَّهِ وَافْتَحْ بَابَكَ وَابْسُطْ بِسَاطَكَ وَاسْتَرْزِقْ رَبَّكَ».
لقد ورد ذمّ الكسل والتقاعس في النصوص الإسلاميّة كثيرًا، ومما ورد في ذلك أنه يؤدّي إلى الندم، والهلاك، ويضرّ بالدين والدنيا. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال [ما معناه]: «هل أنتم أعجز من أن تكونوا مثل النمل؟ إنّها تحمل طعامها إلى جحورها».
إنّ الآداب الفرديّة وتلك التي تقع في التعامل بين الأفراد والتى تحظى باهتمام الإسلام، هي الأخرى تبلور بُعدًا آخر من أبعاد الوظائف الخاصّة بعمل الإنسان ومهنته وشغله وحرفته. وفيما يأتي سوف نشير إلى جانبٍ من هذه الآداب:
أ. يجب تقسيم أوقات الليل والنهار؛ فيُخصَّص جزءٌ من الوقت للعمل، وسائر الأوقات للأمور الضروريّة الأخرى من قبيل العبادة وإصابة اللّذات المحلّلة في الحياة، وزيارة الأرحام والأصدقاء، واستثمار الوقت بشكل صحيح.
ب. تجب الاستفادة الكاملة من الأدوات والمعدّات. فقد روي عن الإمام علي a، أنّه قال في تعبير كنائي بديع: «أَفْلَحَ مَنْ نَهَضَ بِجَنَاحٍ». والجناح هنا كناية عن الوسيلة التي يستند إليها الإنسان للقيام بعمله.
ج. يجب علينا إنجاز العمل الذي نقوم به، ونمضي به حتى النهاية.
د. إنّ الذي يقوم بعمل، عليه أنْ يقوم به على أفضل وجه. وإنّ الشيء الذي يعمل على صنعه، يجب عليه أنْ يُحسن صنعه.
هـ. يجب القيام بكلّ عملٍ في وقته المحدد، وعدم تأجيله وإيكاله إلى وقت
آخر. وفي الواقع فإنّ لكلّ عملٍ وقته الخاص، فإذا لم يتمّ القيام به في ذلك الوقت المحدد له، فإنّه سيراكم فوقه الأعمال الخاصة بالأوقات الأخرى، وتحدث بذلك فوضى في القيام بالأمور وترتيب الأولويات أيضًا. والذي يريد أنْ يجتني الثمرة في غير وقتها، يكون مثل الزارع في غير أرضه.
هـ. في وقت البطالة، يجب على الإنسان أنْ يعرّض نفسه للعمل وكسب الرزق. فقد ورد في الأثر عن أبي عمارة الطيار قال: قلت لأبي عبد الله عليهالسلام: إنّه قد ذهب مالي وتفرق ما في يدي، وعيالي كثير، فقال أبو عبد الله عليهالسلام: «إِذَا قَدِمْتَ فَافْتَحْ بَابَ حَانُوتِكَ وَابْسُطْ بِسَاطَكَ وَضَعْ مِيزَانَكَ وتَعَرَّضْ لِرِزْقِ رَبِّك».
و. إنّ الذي يستأجر أجيرًا، يجب عليه تحديد أجره منذ البداية. «ِفَانْظُرْ كَيْفَ كُفِيَ الْخِلْقَةَ الَّتِي لَمْ يَكُنْ عِنْدَهُ فِيهَا حِيلَةٌ وَتُرِكَ عَلَيْهِ فِي كُلِّ شَيْءٍ مِنَ الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ عَمَلٍ وَحَرَكَةٍ لِمَا لَهُ فِي ذَلِكَ مِنَ الصَّلَاحِ لِأَنَّهُ لَوْ كُفِيَ هَذَا كُلَّهُ حَتَّى لَا يَكُونَ لَهُ فِي الْأَشْيَاءِ مَوْضِعُ شُغُلٍ وَعَمَلٍ ... لَبَلَغَ بِهِ ذَلِكَ إِلَى أَنْ يَتَعَاطَى أُمُوراً فِيهَا تَلَفُ نَفْسِهِ».
ز. يجب دفع أجر الأجير بعد الفراغ من عمله مباشرة. فقد ورد في بعض الروايات المأثورة عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه يجب دفع أجر العامل قبل أنْ يجفّ
عرقه، بل ويُستحب تبشيره وطمأنته بضمان أجره قبل أنْ ينهي عمله.
ز. عندما يستأجرنا شخص للقيام بعمل، لا يجوز لنا استخدام شخصٍ آخر ليقوم به بأجرٍ أقل من الذي تعاقدت عليه. فقد روي عن أبي محمّد الخياط، عن مجمع قال: قلت لأبي عبد الله عليهالسلام: أتقبّل الثياب أخيطها، ثم أعطيها الغلمان بالثلثين، فقال عليهالسلام: «أَ لَيْسَ تَعْمَلُ فِيهَا»؟ فقلت: أقطعها وأشتري لها الخيوط، قال عليهالسلام: «لَا بَأْسَ».
ح. لو وجّهنا شخصًا للقيام بمهمّة، يجب أنْ نشرف على أدائه ونراقبه بشكل تام. لقد كان الإمام علي عليهالسلام يرسل العمال والولاة ويعطيهم كامل الاختيار والصلاحية، ولكنّه لا يكتفي بمراقبة أدائه على مستوى إدارة الأمور السياسيّة المهمّة فقط، بل يراقب أدقّ تفاصيل حياته الشخصيّة من بعيد، حتى إذا رأى أحدهم يقبل دعوة على مأدبة مخصّصة للأشراف من الناس دون الفقراء، فإنّه يرسل له كتابًا تفصيليًّا وقويًا وشديدًا ويلقنه فيه درسًا بالغًا في العمل والسلوك. وكذلك في الكتاب الذي أعطاه إلى عامله مالك الأشتر حين ولّاه مصر، ذكر كثيرًا من الصفات والشروط التي يجب أن يتحلّى بها القاضي، ثم قال له في نهاية المطاف:
«ثُمَّ اخْتَرْ لِلْحُكْمِ بَيْنَ النَّاسِ أَفْضَلَ رَعِيَّتِكَ فِي نَفْسِكَ مِمَّنْ لَا تَضِيقُ بِهِ الْأُمُورُ وَلَا تُمَحِّكُهُ الْخُصُومُ وَلَا يَتَمَادَى فِي الزَّلَّةِ وَلَا يَحْصَرُ مِنَ الْفَيْءِ إِلَى الْحَقِّ إِذَا عَرَفَهُ وَلَا تُشْرِفُ نَفْسُهُ عَلَى طَمَعٍ وَلَا يَكْتَفِي بِأَدْنَى فَهْمٍ دُونَ أَقْصَاهُ وَأَوْقَفَهُمْ فِي الشُّبُهَاتِ
وَآخَذَهُمْ بِالْحُجَجِ وَأَقَلَّهُمْ تَبَرُّماً بِمُرَاجَعَةِ الْخَصْمِ وَأَصْبَرَهُم عَلَى تَكَشُّفِ الْأُمُورِ وَأَصْرَمَهُمْ عِنْدَ اتِّضَاحِ الْحُكْمِ مِمَّنْ لَا يَزْدَهِيهِ إِطْرَاءٌ وَلَا يَسْتَمِيلُهُ إِغْرَاءٌ وَأُولَئِكَ قَلِيلٌ ثُمَّ أَكْثِرْ تَعَاهُدَ قَضَائِهِ وَ[أَفْسِحْ] افْسَحْ لَهُ فِي الْبَذْلِ مَا [يُزِيحُ] يُزِيلُ عِلَّتَهُ وَتَقِلُّ مَعَهُ حَاجَتُهُ إِلَى النَّاسِ وَأَعْطِهِ مِنَ الْمَنْزِلَةِ لَدَيْكَ مَا لَا يَطْمَعُ فِيهِ غَيْرُهُ مِنْ خَاصَّتِكَ لِيَأْمَنَ بِذَلِكَ اغْتِيَالَ الرِّجَالِ لَهُ عِنْدَكَ فَانْظُرْ فِي ذَلِكَ نَظَراً بَلِيغاً».
ط. لا ينبغي الإساءة إلى التجار؛ لإنّ التجارة تعدّ مهنةً شريفةً وتستحق الثناء والتقدير من وجهة نظر الإسلام. ولكنّها حيث تنطوي على كثيرٍ من المزالق فقد ورد التأكيد فيها على ضرورة المراقبة الشديدة كثيرًا، بل وقد يصل الأمر فيها إلى حدّ الذم أيضًا.
ي. يجب ألّا يؤدّي انشغال المرء بالعمل إلى حرمان نفسه من الراحة، فقد روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «مَنْ بَاتَ سَاهِراً فِي كَسْبٍ وَلَمْ يُعْطِ الْعَيْنَ حَظَّهَا مِنَ النَّوْمِ فَكَسْبُهُ ذَلِكَ حَرَامٌ».
ك. يجب تشجيع الأمناء، ومعاقبة الخائنين. قال الله تعالى:﴿قَالَ أمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاءً الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أمْرِنَا يُسْرًا﴾(الكهف: 87-88).
ل. إنّ الذي يحتلّ منصبًا رفيعًا، تكون مسؤوليته أكبر وأثقل، وإنْ أخطأ تكون عقوبته أكبر. قال الله سبحانه وتعالى:﴿يَا نِسَاءَ النَّبِيِّ مَنْ يَأْتِ مِنْكُنَّ بِفَاحِشَةٍ مُبَيِّنَةٍ
يُضَاعَفْ لَهَا الْعَذَابُ ضِعْفَيْنِ﴾(الأحزاب: 30).
م. إنّ بعض الخصائص والسجايا الأخلاقيّة ضروريّة بالنسبة إلى الجميع، ولكنّها تكون بالنسبة إلى بعض العاملين أكثر ضرورة، وتتجلّى مصاديقها فيهم بشكلٍ أكبر.
من ذلك على سبيل المثال عدم الكذب، وعدم الخيانة، وعدم ذمّ بضاعة البائع، وعدم ثناء البائع على بضاعته كذبًا، وما إلى ذلك.
إنّ جميع الأعمال التي تعدّ مفيدةً للمجتمع والأشخاص، جائزة في الإسلام ويمكن العمل بها وتعليمها وتعلّمها وأخذ الأجر عليها.
وأمّا كسب المعاش من طريق الأعمال الزائفة والباطلة، من قبيل: الربا، والاحتكار،
والتطفيف، وأكل الرشا، وأكل مال اليتيم، وصنع آلات القمار، وآلات اللهو، والمسكرات، والسرقة، وإعانة الظلمة، والغش (الخداع) في المعاملة، والسحر، والقوادة، وما يكون فيه ضرر على المسلمين، ونفع للكافرين فهو ممنوع. ومن بين الأعمال المباحة، يحظى أصعبها وأكثرها مشقة أو التي تكون منفعتها أكبر، بقيمة أكبر.
وهناك من الأعمال ما لا يكون مطلوبًا أصلًا، وقد ذمّ الإمام علي عليهالسلام بعض الأعمال، وقال في مورد استجابة الدعاء، استثنى الذين يشتغلون في جباية الضرائب للظلمة، والتجسس، والسعي بالليل، والضرب في الطبل والطنبور، والقوات المسلحة في حكومات الجور.
وبعض الأعمال والمهن مقبولة بالكامل، من قبيل: التجارة. روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم ، أنّه قال:
«إنّ أطيب الكسب كسب التجار الذين إذا حدّثوا لم يكذبوا، وإذا ائتمنوا لم يخونوا، وإذا وعدوا لم يخلفوا، وإذا اشتروا لم يذموا، وإذا باعوا لم يطروا، وإذا كان عليهم لم يمطلوا، وإذا كان لهم لم يعسروا».
إنّ العمل وتوفير نفقات الحياة، يعدّ من وجهة نظر الإسلام جزءًا من تخطيط وتدبير الشخص المؤمن. وإنّ بعض مصاديق المال الحرام، عبارة عن: ثمن الميتة، وثمن الكلب، وثمن الخمر، وثمن الزنا، والرشا في القضاء، وأجر الكاهن.
إنّ رعاية شروط الصحة والسلامة والنظافة، مجلبةٌ لمحبّة الله سبحانه وتعالى،
ومقدّمةٌ للسعادة والفلاح، وملاك لتقييم الأمور. قال الله سبحانه وتعالى:﴿قُلْ لَا يَسْتَوِي الْخَبِيثُ وَالطَّيِّبُ وَلَوْ أعْجَبَكَ كَثْرَةُ الْخَبِيثِ فَاتَّقُوا اللَّهَ يَا أُولِي الْأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(المائدة: 100). إنّ النظافة ومراعاة شروط السلامة أوفق بطبع الإنسان، وتعدّ شرطًا أساسيًا في الاستفادة من النعم الدنيوية وما تخرجه الأرض من بركاتها. إنّ الله سبحانه وتعالى يرى أنّ النعم والطيبات إنّما خلقت للإنسان، وعدّ الحديث عن تحريمها افتراءً على الله، ونهى عن اتباع الشيطان في الاستفادة من الطيبات، وأمر المؤمنين بإنفاق هذه الطيبات ونهى عن إنفاق الطعام الخبيث. ويرى أنّ استفادة الإنسان من النعم والطيبات من تجليات تكريم الله سبحانه وتعالى للإنسان، وأنّ المتطهّرين من الذين يحبّهم الله عزّ وجل. لقد تمّ التأكيد من قبل الإسلام على الصحة والطهارة في مختلف المجالات والموضوعات. من ذلك أنّه يكلّفنا ويأمرنا فيما يتعلق بنظافة البدن بمختلف أنواع الطهارات من قبيل: الوضوء
والغسل، وقبلهما بالتطهّر من النجاسات العينية. ويتمّ التأكيد على ضرورة دفن الموتى من أجل الحفاظ على سلامة وطهارة البيئة والمجتمع.
وقد تمّ التأكيد على الصحّة الغذائية في جميع الأديان السماوية أيضًا، وعدّت عدم رعاية النظافة وشروط الصحّة والسلامة، من الظلم والإضرار بالنفس.
وتمّ الحثّ على أكل الأطعمة الطيّبة والحلال، وتمّ النهي عن أكل الخبائث والأمور غير الصحيّة، من قبيل: الدم والميتة ولحم الخنزير وما ذبح على غير الطريقة الإسلاميّة.
وإنّ الإسراف والتبذير في المأكل والمشرب، يستوجب غضب الله سبحانه وتعالى.
ويعدّ لبن الإبل والأبقار والخراف، من الأشربة السالمة والهنيئة السائغة. وتعدّ ثمار النخيل والأعناب من أكثر الطعمة غنى بالمواد الغذائية الصحية والمقوية، وكذلك يُعد العسل الطبيعي والخالص شرابًا صحيًا فيه شفاء للشاربين منه.
وإنّ لبن الأم من أفضل أنواع الطعام لتغذية الطفل الرضيع. ويعدّ تناول الأطعة غير الصحية والخبائث من اتباع الشيطان.
وتمّ الاهتمام بطهار التراب عند التيمّم به. وقد عُدّ الاهتمام بالصحّة أثناء ممارسة العملية الجنسيّة أمرًا مهمًّا للغاية. كما تعدّ نظافة المدن من النعم الإلهيّة.
ومن الضروري الحفاظ على طهارة الثياب ونظافتها وتطهيرها من الأدناس،
والحفاظ على طهارة بيوت الله (المساجد) من جميع الخبائث والأدران. كما يسكن المؤمنون المتطهرون بيوتًا طاهرة في الجنة أيضًا. وقد خلق الله تعالى الماء للنظافة وتطهير الجسم من الأدران والخبائث. وقال الله تعالى:﴿ارْكُضْ بِرِجْلِكَ هَذَا مُغْتَسَلٌ بَارِدٌ وَشَرَابٌ﴾(ص: 42).
وقد ورد الاهتمام بالصحة والنظافة في تعاليم جميع الأنبياء والمرسلين عليهمالسلام . وقد عمد النبي إبراهيم الخليل عليهالسلام، ونجله إسماعيل عليهالسلام إلى تطير بيت الله للزائرين، وهذا الأمر يُشير إلى مدى أهمية الطهارة والنظافة في العبادة الإلهيّة. كما قد اتّخذ النبيّ أيوب عليهالسلام من عين الماء التي انبجست له بمعجزة إلهيّة لغرض الشرب منها والاغتسال بها واستفاد منها لتطهير نفسه.
وإنّ ضرورة الحصول على الطهارة والنظافة والاغتسال للعبادة تعدّ من الأمور المهمّة للغاية، وقد ورد التذكير بذلك من بداية الاستعداد للعبادة وصولًا إلى الفراغ منها وإتمامها، ولزوم العبادة بالنسبة إلى جميع مراحلها. ومن الواجب تحصيل
الطهارة لمسّ القرآن الكريم. وفي الأساس فقد تمّ توجيه المؤمنين إلى الابتعاد عن جميع أنواع الخبائث والأدران.
لقد عدّ اهتمام الشخص المسلم بمظهره وشكله الظاهري أمرًا من وجهة نظر الإسلام؛ وذلك عبر بيان قاعدة كلية تقول: «إِنَّ اللَّهَ جَمِيلٌ يُحِبُّ الْجَمَالَ». ويعمل على هداية الإنسان نحو الجماليات الطبيعية والقائمة بذاتها. ويعمل على إرشاد المصلين إلى التزيّن عند ذهابهم إلى المساجد، وهذه الزينة مطلقة تشمل الأعم من الزينة المادّيّة والمعنويّة. وفي صفات إمام الجماعة إذا كان هناك عدد من المؤمنين يتساوون في معيار العلم والتقوى، يكون تفضيل أحدهم على الآخرين بملاك الخصائص والصفات الظاهرية، ومن بين هذه الملاكات (تقديم الشخص على أساس الجمال والصباحة)، أو (التقدّم على أساس السلامة الجسديّة وعدم الإعاقة أو الابتلاء بعاهة)، وما إلى ذلك من الصفات الظاهرية الأخرى.
وفيما يتعلّق بالاستفادة من الزينة الطبيعيّة التي أنعم الله بها على عباده، يقول
الله صراحة:﴿قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللَّهِ الَّتِي أخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ قُلْ هِيَ لِلَّذِينَ آمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا خَالِصَةً يَوْمَ الْقِيَامَة﴾(الأعراف: 32). كما تمّ التأكيد في الإسلام على النشاط الجسدي والسلامة البدنية أيضًا. وفي مسار اللقاء الذي حصل بين النبيّ موسى عليهالسلام، والنبيّ شعيب عليهالسلام، كان من بين الصفات التي اتصف بها النبيّ موسى عليهالسلام، وتمّ التركيز عليها عبارة عن القوّة الجسدية؛ إذ يقول الله تعالى حكاية عن إحدى ابنتي النبي شعيب:﴿يَا أبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾(القصص: 26). إنّ القوي من صفات الله التي ورد ذكرها في القرآن الكريم كثيرًا. كما تنسب القوّة إلى الأمم والجماعات والأشخاص بوصفها صفة مطلوبة ومحمودة. إنّ حفظ سلامة النفس من الأهمية في الإسلام بحيث يبلغ الإضرار بها حد الحرمة، ويراعى حال المريض في التشريع الإسلامي فترصد له في بعض التكاليف أحكام خاصّة تناسب وضعه الخاص؛ فإنْ كان الصوم يضرّ به يرتفع عنه وجوب الصوم، وإنْ كان السفر إلى الحج يشكل خطرًا على حياته يسقط عنه وجوب الحج ولا يُعدّ مستطيعًا.
إنّ الطعام الذي يتناوله الناس يجب أنْ تتوفر فيه بعض الشرائط من وجهة نظر
الإسلام، ومن بينها أنْ يكون طاهرًا، وألّا يكون ملكًا للآخرين ومن دون رضاهم، وألّا يكون مضرًّا بجسم الشخص ولا يعرّض حياته للخطر. وعلى الإنسان ألّا يحرّم على نفسه ما أحلّ له من الطيبات. إنّ طهارة وحلية الطعام تعدّ أمرًا مهمًّا حتى في الأوقات والظروف الصعبة وغير الطبيعية؛ فإنّ أصحاب الكهف على ما حكاه القرآن الكريم عنهم، حتى في ظروفهم الأمنية الصعبة التي ألجأتهم إلى الهروب من المدينة واللجوء إلى الكهف والإيواء إليه ونومهم فيه، بعد أنْ استيقظوا من نومهم وحسبوا أنّهم لم يناموا إلّا يومًا أو بعض يوم، طلبوا من أحدهم أنْ يعود إلى المدينة سرًّا وأنْ يشتري لهم طعامًا، وذكّروه بأنْ يأتي لهم من الطعام أطهره وأزكاه؛ وذلك إذ يقول الله تعالى:﴿فَابْعَثُوا أحَدَكُمْ بِوَرِقِكُمْ هَذِهِ إلَى الْمَدِينَةِ فَلْيَنْظُرْ أيُّهَا أزْكَى طَعَامًا فَلْيَأْتِكُمْ بِرِزْقٍ مِنْهُ وَلْيَتَلَطَّفْ وَلَا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أحَدًا﴾(الكهف: 19).
وقد نهى الله سبحانه وتعالى عن تناول بعض الأشياء، مثل: الدم، والميتة، ولحم الخنزير، والخمر، ولحم الحيوان غير المذكّى (غير المذبوح على الطريقة الشرعيّة)، والطعام غير الصحي، إلّا إذا كان لضرورةٍ حيث يجوز الأكل منه في حدود الاضطرار. كما يجب اجتناب تناول المسكرات ولعب القمار وعبادة الأوثان وقراءة
الحظ، ممّا يعدّ من عمل الشيطان. وعلينا ألّا نساوي بين الطعام الطيب والطعام الخبيث. ويجب على المزارع من وجهة نظر الإسلام إذا كانت لديه وسائل الزراعة وجنى ثمرًا، أنْ يعطي سهمًا من ثمره إلى الفقراء والسائلين، ويجب على الإنسان ألّا يُسرف ولا يُبذّر في استهلاك النِعَم الإلهيّة. كما يجب علينا أنْ نعرف قيمة الماء وأهميّته.
إنّ لكيفيّة تناول الطعام وأكله آداب مختلفة، نشير فيما يأتي إلى بعضها باختصار على سبيل المثال دون الحصر: غسل اليدين قبل تناول الطعام، وعدم تكبير اللقمة، ومضغ الطعام جيدًا، وعدم الأكل إلّا عند الإحساس بالجوع، والكف عن تناول الطعام قبل الشعور بالشبع التام، وتعويد النفس على عدم الاستعجال في الأكل وتناول الطعام على مهل. لو بلغنا مستوى عاليًا من الوعي والتكامل، يجب ألّا يستند تناولنا للطعام والشراب على أساس اللذة والمتعة، بل يجب أنْ يكون الغرض من تناولنا للطعام والشراب هو الحصول على القوّة والطاقة للقيام بما يجب علينا من الواجبات والمسؤوليات. ويجب أنْ نبدأ الطعام بذكر الله والبسملة، وأنْ نشكر الله بعد تناول الطعام والشراب. وأنْ نشكر الله على ما أنعم علينا به من الطعام الطيّب.
وعلينا أنْ نأكل وأنْ نشرب ولكن من دون تبذير وإسراف، وأنْ نبدأ تناول الأكل والطعام بتناول الملح، وأنْ نقلل من أكل الطعام ولا نكثر منه.
وبطبيعة الحال يجب أنْ يكون تقليل الطعام بنحو لا يؤدّي إلى الإضرار بالروح والجسد، فإنْ أدّى ذلك إلى الإضرار بالجسم والروح فقد ورد النهي عنه بشدّة. لو أراد الله بعبده خيرًا ألهمه الله قلّة الكلام وقلّة الطعام وقلّة المنام، وهذه هي الأمور الثلاثة التي يحبّها رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أيضًا. روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «قِلَّةُ الْأَكْلِ مِنَ الْعَفَافِ وَكَثْرَتُهُ مِنَ الْإِسْرَافِ». وروي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنه قال: «لَا تُمِيتُوا الْقُلُوبَ بِكَثْرَةِ الطَّعَامِ وَالشَّرَابِ فَإِنَّ الْقَلْبَ يَمُوتُ كَالزَّرْعِ إِذَا كَثُرَ عَلَيْهِ الْمَاء». إن الإكثار من الطعام يؤدّي إلى بُخر الفم، ويشكل علامة على شهوة البطن وهي من أقبح العيوب. إن الذي يُكثر من أكل الطعام، يُكثر من النوم، والذي يُكثر من النوم، تقلّ صلاته، والذي تقلّ صلاته يُعدّ في زمرة الغافلين. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنه قال: «... لَيْسَ شَيْءٌ أَضَرَّ لِقَلْبِ الْمُؤْمِنِ مِنْ كَثْرَةِ الْأَكْلِ وَهِيَ مُورِثَةٌ
لِشَيْئَيْنِ قَسْوَةِ الْقَلْبِ وَهَيَجَانِ الشَّهْوَةِ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «إِيَّاكَ وَالْبِطْنَةَ فَمَنْ لَزِمَهَا كَثُرَتْ أَسْقَامُهُ». وروي عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «لَا تَشْبَعُوا فَيُطْفَأَ نُورُ الْمَعْرِفَةِ مِنْ قُلُوبِكُمْ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «مَنْ كَظَّتْهُ الْبِطْنَةُ حَجَبَتْهُ عَنِ الْفِطْنَةِ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِيَّاكُمْ وَالْبِطْنَةَ فَإِنَّهَا مَقْسَاةٌ لِلْقَلْبِ مَكْسَلَةٌ عَنِ الصَّلَاةِ مَفْسَدَةٌ لِلْجَسَدِ».
إنّ المراد من الوظائف الأسريّة هي الوظائف التي يتجلّى مفهومها ويتبلور معناها ضمن الحضور في إطار الأسرة، ولكن قد تُنسب إلى أصل مؤسّسة الأسرة، كما قد تُنسب إلى الفرد بوصفه واحدًا من أعضاء الأسرة أيضًا، ويتم تقسيم هذه الوظائف في المرحلة الأولى إلى ثلاثة أقسام، وهي:
الوظيفة الأسريّة: كيف نرتبط بأسرنا؟ هل يجب علينا الزواج؟ وأنْ تكون لنا حياة زوجيّة؟ ما هي مسؤوليّتنا تجاه أخواتنا وإخوتنا وآبائنا وأمهاتنا وأجدادنا وجداتنا؟ وكذلك ما هي مسؤوليّتنا تجاه سائر الأقارب من أمثال الخالات والأخوال والعمات والأعمام وأبنائهم؟ إنّ هذه الوظائف وإنْ كانت شبيهةً بالوظيفة الاجتماعيّة ولكنّها
مغايرة لها؛ فإنّ ارتباطنا بالأقارب يمكن أنْ يكون أقوى من صلاتنا وعلاقتنا بسائر الناس، ويكون أقوى وأمتن من علاقتنا بأصدقائنا، وقد كانت مسألة حيوية الأسرة موضع اهتمام أتباع إدلر، ومحورًا لدراستهم منذ البداية.
هناك كثيرٌ من التدابير التي تمّ اتخاذها في الإسلام من أجل الحفاظ على تماسك بناء الأسرة. وقد عدّ القرآن الكريم هذا الأمر بالغ الأهميّة. وقد تمّ بيان حقوق أفراد الأسرة والحدود بينهم وتكليف كلّ واحدٍ منهم تّجاه الآخرين بشكلٍ واضح. وجعل إدارة نظام الأسرة بيد الرجل.
ولا يجوز الضغط على الزوجة كي تتنازل عن مهرها، ولا يجوز للمرأة أنْ تتخلّى عن واجباتها وتكاليفها الشرعيّة تّجاه زوجها.
وفيما لو وقع الخلاف بين الزوجين، يجب العمل على الصلح بينهما من خلال إقامة نوع من المحكمة الأسريّة.
وقد تمّ الاهتمام في القرآن الكريم بحقوق النساء والأيتام والمستضعفين أيضًا.
كما ورد الاهتمام بحقوق الأسرة والصلح في الأسرة بشكل كبير.
لا يجوز للمؤمنين أنْ يتخّذوا من إخوانهم وآبائهم أولياء وحلفاء لهم إنْ كانوا من الكافرين. وقد تمّ عدّت الزوجة والأولاد والأحفاد والرزق الطيّب ونظائر ذلك، من النعم الإلهيّة، ولكن لا ينبغي أنْ تكون حياتنا اليومية (وارتباطنا بآبائنا وأمهاتنا وأولادنا وإخواننا وأزواجنا وعشيرتنا وأموالنا وتجارتنا) أحبّ إلينا من الله ورسوله والجهاد في سبيل الله. يجب على الزوج أنْ يهتم بأسرته ويقوم بأعبائها في جميع الأحوال. وإذا حصل طلاقٌ فيجب أنْ يتمّ على أساس الأحكام الإسلاميّة، وهي أحكامٌ مشدّدةٌ تهدف إلى الحدّ والتقليل من حالات وقوع الطلاق. إنّ الأسرة
تتكفّل بشكلٍ عامٍّ بثلاث وظائف مهمّة، وهي:
أ. الوظيفة الجنسيّة.
ب. واجبات الوالدين.
ج. وظيفة السكن وأوقات الفراغ.
يهتم القرآن الكريم بالغريزة الجنسيّة والقوّة الشهوية بنحوٍ واضح، ويمكن تقسيم الآيات الخاصة بهذا الموضوع ضمن طائفتين، وهما: الآيات التي تقرّ بأصل وجود هذه الغريزة والقوّة، والآيات التي تصرّح أو تشير إلى الواجبات والمحرّمات الجنسيّة. وفيما يأتي سوف نشير إلى كلتا هاتين الطائفتين وبعض آياتهما، والإشارة في نهاية المطاف إلى بعض مصاديقهما أيضًا.
إنّ للإسلام أحكامًا معتدلةً تمامًا فيما يتعلق بالوظائف الجنسيّة. لقد كانت الحاجة الجنسيّة والأخلاق الجنسيّة في جميع العصور الماضية تمثّل واحدةً من أهم الأبحاث الأخلاقيّة، وما تزال حتى الآن تحظى بمثل هذه الأهميّة أيضًا. وقد اهتمت بعض العلوم الإنسانيّة، مثل علم النفس، وعلم الاجتماع، والفقه والحقوق، والعرفان والتصوّف، وما إلى ذلك بهذا الشأن بشكل أكبر.
وبشكل عامّ يمكن تقسيم الآراء الموجودة في هذا الشأن إلى ثلاثة أقسام، حيث تتراوح ما بين الإفراط والتفريط والاعتدال. فهناك من يرى أنّ الغريزة
(255)
الجنسيّة قبيحةٌ وشيطانيّةٌ، وأنّها من الرجس والخبث الذي يؤدّي بالفرد والمجتمع إلى الضياع والفناء. ومن ذلك -على سبيل المثال- أنّ الكهنة في الديانة البوذية يذهبون إلى الاعتقاد بأنّ الإنسان لا يمكنه بلوغ المقامات والمراتب المعنوية العالية إلّا إذا تحرّر من جميع تعلقات الغريزة الجنسيّة بما في ذلك الأولاد والذرية. وإنّ الذي يرغب في الانتماء إلى الديانة اليانية، يجب عليه الالتزام بخمسة بنود، ومن بينها أنْ يحرّم على نفسه الملذّات والشهوات الجنسيّة، وألّا يرتضيها للآخرين أيضًا. كما أنّ الكهنة من النصارى وإنْ كانوا لا يحرّمون ممارسة الجنس بالمطلق، ولكنّهم يرونه في حدّ ذاته أمرًا مدنّسًا؛ لذا وجب على القساوسة منهم عليهم الابتعاد عن الغريزة الجنسيّة بشكل كامل، وإنّ الأشخاص العاديّين إنّما يجوز لهم الزواج لسببين فقط، وهما أوّلًا: الحفاظ على النسل. والثاني: دفع الأفسد بالفاسد.
وهناك آراء تنطوي على إفراطٍ في هذا الشأن؛ حيث ذهب بعض المفكرين والعلماء من أمثال سيغموند فرويد إلى القول بأنّ جذور كثيرٍ من الاضطرابات النفسية لدى الإنسان تعود إلى عنصر الغريزة الجنسيّة. بل يذهب فرويد إلى الاعتقاد بأنّ الدين نفسه إنّما هو نتيجة للغرائز الجنسيّة المكبوتة للإنسان.
وأمّا من وجهة نظر الإسلام، فإنّ الغريزة الجنسيّة تعدّ من النعم الإلهيّة الكبيرة، وأنّها من أكثر الطرق حكمةً لاستمرار حياة الإنسان وبقاء النوع البشري. ولا يرى الإسلام أيّ تنافٍ بين المعنوية والاستمتاع بالغريزة الجنسيّة. بل يرى أنّ
الاستفادة المشروعة من هذه الغريزة تؤدّي إلى تكامل الإنسان على المستوى الروحي والمعنوي. روي عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «مَا بُنِيَ فِي الْإِسْلَامِ بِنَاءٌ أَحَبُّ إِلَى اللَّهِ مِنَ التَّزْوِيج». وفي الأثر أيضًا: «مَنْ أَحَبَّ أَنْ يَلْقَى اللَّهَ تَعَالَى طَاهِراً مُطَهَّراً فَلْيَلْقَهُ بِزَوْجَةٍ». وعن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «النِّكَاحُ سُنَّتِي فَمَنْ رَغِبَ عَنْ سُنَّتِي فَلَيْسَ مِنِّي». وجاء في الحديث: «مَنْ تَزَوَّجَ أَحْرَزَ نِصْفَ دِينِهِ فَلْيَتَّقِ اللَّهَ فِي النِّصْفِ الْآخَر». وقد ورد أنّ الشيطان يستغيث من زواج الرجل في بداية شبابه، ويقول: لقد أحرز دينه عني. وقد غضب النبي عندما شكون بعض النسوة إليه من رجالهن الذين يجتنبون الغريزة الجنسيّة ولا يتخذون الطيب؛ فذهب إلى المسجد وصعد المنبر وأخذ بتقريعهم.
وفي القرآن الكريم بالإضافة إلى كثيرٍ من الأبحاث والمسائل المتعلّقة بأحكام الغريزة الجنسيّة، تمّ تأييد هذه الغريزة في موارد متعدّدةٍ بشكلس مباشر. كما في قوله سبحانه وتعالى:﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أنْفُسِكُمْ أزْوَاجًا لِتَسْكُنُوا إلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُمْ مَوَدَّةً وَرَحْمَةً﴾(الروم: 21). وقوله تعالى:﴿وَأنْكِحُوا الْأَيَامَى مِنْكُمْ وَالصَّالِحِينَ مِنْ عِبَادِكُمْ وَإمَائِكُمْ إنْ يَكُونُوا فُقَرَاءَ يُغْنِهِمُ اللَّهُ مِنْ فَضْلِهِ وَاللَّهُ وَاسِعٌ عَلِيمٌ وَلْيَسْتَعْفِفِ الَّذِينَ لَا يَجِدُونَ نِكَاحًا﴾(النور: 32-33).
هناك كثيرٌ من الآيات التي بيّنت الضروري والمباح والمحظور فيما يتعلّق بالغريزة الجنسيّة. من ذلك: أنّه يجب على المؤمنين والمؤمنات أنْ يغضّوا أبصارهم وعدم النظر إلى ما يحرم النظر إليه، وأنّ على الرجال أنْ يستعففوا، وعلى النساء أنْ يستعففن. ويجب على النساء ألّا يُظهرن زينتهن لغير محارمهن، إلّا ما كان منه يظهر بشكلٍ طبيعي، ويجب عليهن أنْ يلقين بجلابيبهن على جيوبهن. لا ينبغي للمؤمنين أنْ يتزوّجوا من غير المؤمنات، ولا ينبغي للمؤمنات أنْ يتزوجن من غير المؤمنين، حتى ولو أعجبهم حسن الآخر. لا تجوز المواقعة وممارسة الجماع أثناء الطمث والعادة الشهرية. وأمّا بعد الطهر فلا مانع من ذلك، وليس هناك مانع من المقاربة بين الزوج والزوجة في ليالي شهر رمضان، وأن الأزواج بحكم اللباس الساتر لبعضهم.
ومن أحكام القرآن الكريم أيضًا أنّه يجب على الأولاد أنْ يستأذنوا في الدخول على آبائهم وأمّهاتهم في ثلاثة أوقات من الليل والنهار (وهي: قبل صلاة الصبح،
وفي وقت الاستراحة في منتصف الظهيرة، وفي الليل بعد صلاتي المغرب والعشاء)؛ وذلك لأنّ الأبوين في هذه الأوقات الثلاثة يكونون في ثياب الاستراحة. ويحرم إشباع الغريزة الجنسيّة من خلال ممارسة الزنا والسفاح. ويحرم قذف شخص بالزنا، وإذا لم يأتِ القاذف بأربعة شهود أو لم يحلف يمينًا على كلامه، فسوف ترتد العقوبة عليه ويلزمه حدّ القذف، ويجب معاقبة الزناة من الرجال والنساء، دون رأفة. يحرم الشذوذ الجنسي، وقد ابتلى قوم لوط بهذه الموبقة ولم يرتدعوا عنها، فكان عاقبة أمرهم أنْ انتقم الله منهم وقلب أرضهم وجعل عاليها سافلها وأمطرهم بحجارة من سجيل. والذين يتوفى أزواجهم أو يحصل بينهم الطلاق يجوز لهم الزواج مرّة أخرى، ولكن لو كانت المرأة حبلى يجب عليها الانتظار إلى حين الولادة، وإنْ لم تكن حبلى يجب عليها أنْ تأخذ عدّة تعتدّها، ويجوز أنْ يتقدم شخص لخطبتها قبل إتمام العدة وقبل وضع الحمل.
وشرّع الإسلام الزواج مرّة ثانية بشروطٍ موضوعية، وأباح الزواج المنقطع في ظلّ شروطٍ خاصّةٍ ومقبولة. ولا يجوز الزواج بين الرجال والنساء في بعض الموارد، وهو ما يتمّ التعبير عنه في المصطلح الفقهي بالزواج بين المحارم. يجب على النساء أنْ يحافظن على سلامة العلاقات الاجتماعيّة، وأنْ يراعين الحياء في مشيهن. وبشكلٍ عامٍ هناك خمسة أنواع من السلوك الجنسي المحرّم في الإسلام، وهي عبارة عن: الزنا، واللواط، والاستمناء، والمساحقة، والاستشهاء، والملامسة الجسديّة مع غير المحارم، ولكن لا مجال لبحث هذه العناوين هنا بالتفصيل.
أخذ النبيّ يوسف عليهالسلام يترعرع في قصر زليخا (زوجة عزيز مصر) شيئًا فشيئًا، حتى بلغ مرحلة البلوغ. وقد دعته إلى نفسها ليمارس معها علاقة جنسيّة، وهيّأت الأمور الظاهريّة لذلك[5]، ولكنّه رفض دعوتها إيّاه إلى المنكر؛ ولاذ بالفرار نحو الباب، وقد
دعاها الهيام إلى فقدان توازنها والجري خلفة والتمسّك بقميصه من دبر حتى انشق في يدها من خلفه. يُشير القرآن الكريم إلى أنّ هروب يوسف من مسرح الموبقة لم يكن سببه عدم الميل إلى زليخا، بل لأنّه أدرك لذّةً أكبر منها، وهي لذّة اتباع أمر الله، ولولا التفاته إلى حضور الله لكان انجذابه إلى زليخا بمقدار انجذابها له.
لقد تمّ التركيز هنا على الجمال الخارق للنبيّ يوسف عليهالسلام، حتى أنّ الأمر لم يقتصر على زليخا وحدها فقط، بل أثنى على جماله وحسنه جميع النساء اللاتي رأينه، واستمرّت الاستثارة الجنسيّة لدى زليخا حتى بعد افتضاح أمرها وشغفها حبًّا بالنبي يوسف عليهالسلام.
وعلى الرغم من الرغبة الشديدة، تمكّن النبي يوسف من الحفاظ على عفته، وطلب من الله العون في التغلّب على كيدهن، قائلًا:﴿إلَّا تَصْرِفْ عَنِّي كَيْدَهُنَّ أصْبُ إلَيْهِنَّ وَأكُنْ مِنَ الْجَاهِلِينَ﴾(يوسف: 33). إنّ الطهر والعفاف من الأهمية بحيث إنّ النبي يوسف عليهالسلام حتى بعد تحمله لسنوات من السجن، عندما صدر الأمر من حاكم مصر بإطلاق سراحه من الحبس، كان أول شيء طالب به هو إعادة حيثيته إليه وتبرئته من التهمة التي ألصقت به.
وبعد اعتراف الجميع ببراءته، فإنّه عندما دخل على حاكم مصر، قال:﴿وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي إنَّ النَّفْسَ لَأمَّارَةٌ بِالسُّوءِ إلَّا مَا رَحِمَ رَبِّي﴾(يوسف: 53).
ومن بين الحكايات والقصص القرآنيّة الأخرى، قصّة النبي موسى عليهالسلام وابنتَي شعيب. لقد اضطرّ النبيّ موسى عليهالسلام إلى الهروب والتواري عن الأنظار بسبب اشتباكه مع رجلٍ من الأقباط (الفراعنة)، حتى أدّى الأمر إلى قتله لذلك القبطي، وكان الأعداء يبحثون عنه في كل مكان. وبعد أيامٍ من المسير وصل إلى مشارف مدينة، ورأى هناك جماعةً من الرعاة ينزحون الماء من بئر ويسقون به ماشيتهم، وكان هناك على مسافةٍ منهم امرأتان تحاولان الحصول على الماء لماشيتهما ولا تتمكّنان؛ فسألهما النبيّ موسى عليهالسلام عن سبب عدم سقيهما لخرافهما؟ فقالتا: إنّ أبانا شيخٌ طاعنٌ في السن، ونحن ننتظر انتهاء الرعاة من سقيهم حتى يخلو المكان لنا بعد ذلك فنسقي ماشيتنا الماء. فبادر النبيّ موسى عليهالسلام وسقى ماشيتهما، وقفلتا بعد ذلك راجعتين إلى بيتهما، وبعد مدّةٍ قصيرةٍ جاءته إحداهما تسير بحياءٍ وخفر، وقالت له: إنّ أبي يريد أنْ يجازيك على مساعدتك لنا. فذهب النبيّ موسى عليهالسلام إلى النبيّ شعيب عليهالسلام، واقترحت إحداهما على أبيها أنْ يستأجره؛ لأنّه أفضل شخصٍ يستطيع القيام بمهمة رعي الماشية لهم؛ فهو قويٌ في جسده وأمينٌ في نفسه، وبذلك يكون جديرًا بالثقة.
فعرض النبيّ شعيب عليهالسلام على النبيّ موسى عليهالسلام أنْ يزوّجه من إحدى ابنتيه، فقبل
النبيّ موسى عليهالسلام بهذا العرض وتمّ الزواج. إنّ مسار هذه القصة يتحدّث بدوره عن الاعتراف بالحاجة الجنسيّة ولوازمها أيضًا.
إنّ جميع الآيات المتعلّقة بالجنة والحور العين تشير إلى الاهتمام بالغريزة الجنسيّة لدى الإنسان أيضًا؛ إذ عندما يتمّ وعد الشخص بالثواب والمكافأة، يجب أنْ يحظى هذا الثواب باهتمام الشخص ليكون مؤثرًا. وإنّ الآيات الخاصّة بالتناسل تشير إلى هذا المعنى أيضًا.
إنّ بعض الأمور والأفعال التي تشكّل مقدمةً للعلاقات غير المشروعة، عبارةٌ عن:
ـ عدم غضّ الطرف: قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:﴿وَقُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا﴾(النور: 31). وروي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «لِكُلِّ عُضْوٍ مِنِ ابْنِ آدَمَ حَظٌّ مِنَ الزِّنَا فَالْعَيْنُ زِنَاهُ النَّظَرُ وَاللِّسَانُ زِنَاهُ الْكَلَامُ وَالْأُذُنَانِ زِنَاهُمَا السَّمْعُ». وعنه أيضًا:
«إِيَّاكُمْ وَالنَّظَرَ فَإِنَّهُ سَهْمٌ مِنْ سِهَامِ إِبْلِيسَ»
ـ السفور وعدم التحجّب: قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:﴿قُلْ لِلْمُؤْمِنَاتِ يَغْضُضْنَ مِنْ أبْصَارِهِنَّ وَيَحْفَظْنَ فُرُوجَهُنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَلْيَضْرِبْنَ بِخُمُرِهِنَّ عَلَى جُيُوبِهِنَّ وَلَا يُبْدِينَ زِينَتَهُنَّ إلَّا لِبُعُولَتِهِنَّ أوْ آبَائِهِنَّ أوْ آبَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ أبْنَائِهِنَّ أوْ أبْنَاءِ بُعُولَتِهِنَّ أوْ إخْوَانِهِنَّ أوْ بَنِي إخْوَانِهِنَّ أوْ بَنِي أخَوَاتِهِنَّ أوْ نِسَائِهِنَّ أوْ مَا مَلَكَتْ أيْمَانُهُنَّ أوِ التَّابِعِينَ غَيْرِ أُولِي الْإرْبَةِ مِنَ الرِّجَالِ أوِ الطِّفْلِ الَّذِينَ لَمْ يَظْهَرُوا عَلَى عَوْرَاتِ النِّسَاءِ وَلَا يَضْرِبْنَ بِأرْجُلِهِنَّ لِيُعْلَمَ مَا يُخْفِينَ مِنْ زِينَتِهِنَّ وَتُوبُوا إلَى اللَّهِ جَمِيعًا أيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ﴾(النور: 31).
لقد اشتملت هذه الآية على ذكر الأحكام الأربعة الآتية:
أ. لا يجوز للمرأة أنْ تظهر ما خفي من زينتها، (مثل: الأقراط، والخلخال، وشعر الرأس، وثياب الزينة)، إلّا ما كان يظهر منها بنحوٍ طبيعي.
ب. يجب عليها أنْ تستر ما يستره الحجاب والجلباب من الرأس والعنق والصدر.
ج. لا يجوز لهن إظهار زينتهن للناس إلّا لاثنتي عشر صنفًا منهم، (وقد ورد ذكر العم والخال في آياتٍ آخرى بطبيعة الحال).
د. يجب على المرأة ألّا تضرب الأرض برجلها عند المشي فتظهر زينتها عند ذلك (وتؤدي إلى اجتذاب غير المحرم إليها من قبيل: الأحذية ذات الأكعاب الطويلة المعهودة حاليًا، أو ذات الكعاب المعدنية التي تحدث صوتًا عند المشي، كما كان هو حال الخلخال في عصر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم.
يقول الشيخ المطهري: «إنّ الجذور الأصلية لوجوب الحجاب على المرأة في الإسلام، هي أنّ الإسلام يريد لأنواع اللذات البصرية والحسية وسائر الملذات الجنسيّة أنْ تبقى محصورةً في دائرة الأسرة والعلاقة الزوجيّة، وأنْ يكون المجتمع منحصرًا بالنشاط والعمل. خلافًا لما عليه الحال في المنظومة الغربية التي تمزج النشاط والعمل الاجتماعي بالملذّات والمغريات الجنسيّة».
ـ الكتب والمجلات والأفلام الفاسدة: يعمل بعض الكُتّاب وصنّاع الأفلام -من خلال تأليف الكتب الإباحية وصناعة الأفلام الخليعة- على إفساد الشباب والمجتمع. لكنّ الإنسان العفيف والنقي هو الذي يبتعد عن هذا الصنف من الكتب والأفلام الفاسدة، ومن هنا يجب على الإنسان الطاهر أنْ يغلق عينيه اللتين تعملان مثل آلة التصوير على مسح جميع أحداث المسرح وطبعها في الذهن، ثمّ تقوم أفكاره بالتبلور والتشكّل على أساسها وعدم النظر إلى هذه الكتب والأفلام.
ـ أندية الفساد: إنّ الحفلات والدعوات المشوبة بالفساد، تعدّ من مقدمات العلاقات غير المشروعة. التي تقام عادةً مختلطةً، وفيها يقع الأشخاص الذين لا يتمتعون بالثقافة الدينيّة القويّة ولا يرتادون المساجد ولا صلة لهم بالصلاة، في شباك المنحرفين بنحوٍ أسرع.ـ الاختلاء بغير المحارم والتحاور معهم: بالنظر إلى ميل كلٍّ من المرأة والرجل إلى الجنس الآخر، فإنّه كلّما انفردا في مكانٍ لوحدهما؛ فإنّ ذلك سوف يشكّل أرضيةً لاستثارة الغريزة الجنسيّة وتوفير الظروف لارتكاب الأمور المخالفة للشريعة. بل
قد جاء في الأحكام الشرعية أنّ المسجد إذا كان يخلو إلّا من مصليينِ أحدهما امرأة والآخر رجل، فعليهما ألّا يصليا في ذلك المسجد؛ لأنّ الخلوة بالمحرم ممنوعة. وفي
المجتمع الراهن صارت مسألة الخلوة والتحاور مع غير المحرم تتجلّى بشكل الأمر الذي يدق ناقوس الخطر بالنسبة إلى المؤمنين الأطهار. وفي روايةٍ أخرى قال إبليس للنبيّ موسى عليهالسلام: «لَا تَخْلُ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَكَ فَإِنَّهُ لَا يَخْلُو رَجُلٌ بِامْرَأَةٍ لَا تَحِلُّ لَهُ إِلَّا كُنْتُ صَاحِبَهُ دُونَ أَصْحَابِي».
ـ ترك الزواج: هناك من الأشخاص من لا همّ له سوى الحصول على الحرية الجنسيّة، ويرون الارتباط بعقد الزواج تقييدًا لهم؛ ولذلك فإنّهم يتحررون من ربقة الزواج كي لا يشعروا بالتقييد، ومن هنا فقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «شِرَارُ أُمَّتِي عُزَّابُهَا».ـ زينة النساء وتبرّجهن: على الرغم من أنّ الميل إلى الزينة والتجمّل يعدّ غريزةً طبيعةً لدى الرجل والمرأة على السواء، بيد أنّ هذه الغريزة تتجلّى لدى المرأة بشكلٍ أكبر، إذ تحبّ أنْ يكون جمالها موضع اهتمام الآخرين. ويمكن مشاهدة آثار هذه الغريزة في تطريز الثياب، وفي تسريحة الشعر، وفي الأزياء الشفافة، والألوان المثيرة وما إلى ذلك. يرى الإسلام أنّ المرأة يجب عليها ألّا تظهر زينتها وتبرّجها إلّا لزوجها. ويمكن لها أنْ تظهر لزوجها بأجمل الثياب وأكثر الزينة، وأنْ تتبرج له في كلّ مرّة بأنواع التبرّج. بل ويجوز لها أنْ تتجرّد أمامه من ثيابها عن قصد، دون أنْ
تكون هناك أيّ قيودٍ تمنعها من ذلك، وأمّا اتّخاذ الزينة والتبرّج لغير زوجها وجميع الآخرين من غير المحارم، فهو محرّم ومحظور.
ـ النظر إلى ممارسة الآخرين للعلاقة الجنسيّة: إنّ النظر إلى العملية الجنسيّة يؤدّي بالناظر إلى الابتلاء بالانحراف الجنسي. روي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «لَوْ أَنَّ رَجُلًا غَشِيَ امْرَأَتَهُ وَفِي الْبَيْتِ صَبِيٌّ مُسْتَيْقِظٌ يَرَاهُمَا وَيَسْمَعُ كَلَامَهُمَا وَنَفَسَهُمَا مَا أَفْلَحَ أَبَداً إِذَا كَانَ غُلَاماً كَانَ زَانِياً أَوْ جَارِيَةً كَانَتْ زَانِيَةً».
ـ اللباس والطعام غير المناسب: تارة يكون لنوع الثوب ونوع الطعام تأثيرٌ في استثارة الإنسان ولا سيّما الشاب البالغ حديثًا.
وظيفة التناسل: إنّ من بين وظائف الوالدين إنجاب الأولاد. لا شكّ في أنّ هذه الوظيفة لو تمّت بأيّ طريقةٍ خارج نطاق الأسرة؛ فإنّها سوف تؤدّي إلى كثيرٍ من الآفات الفرديّة والاجتماعيّة، بيد أنّ بيان معيار وحدود الإنجاب للزوجين يحتاج إلى مزيدٍ من البحث. إنّ الأصل الأولي في الإسلام يقوم على أساس تكثير النسل والذرية. إنّ القرآن الكريم وإنْ لم يتحدّث عن تكثير النسل صراحة، بيد أنّ الآيات الكثيرة التي أشارت إلى الزواج، من لوازمها الأولى إيجاد النسل والذرّية. وإنّ دعاء بعض الأنبياء بأنْ يرزقهم الله الولد الصالح، من أمثال النبي زكرياعليهالسلام وبعض عباد
الله الصالحين، يمكن أنْ يكون مؤيدًا لهذا الأمر. وهناك كثيرٌ من الروايات المأثورة في هذا الشأن، ومنها ما روي عن النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «تَنَاكَحُوا تَنَاسَلُوا تَكْثُرُوا
فَإِنِّي أُبَاهِي بِكُمُ الْأُمَمَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَوْ بِالسِّقْطِ». وفي روايةٍ أخرى: «إِنَّ خَيْرَ نِسَائِكُمُ الْوَلُودُ الْوَدُودُ الْعَفِيفَةُ ...».
وإنّ من بين الباقيات الصالحات المهمّة للغاية والمؤثرة في مرحلة ما بعد الموت هي الولد الصالح، فقد ورد في الأثر: «إنّ عمل ابن آدم ينقطع إلّا من ثلاث... [وذكر من بينها الولد الصالح يدعو لوالده]». إنّ الذي ينتقل إلى عالم البرزخ ويخلّف وراءه في الدنيا خمسة أولادٍ صالحين، يكون هناك أغنى بكثيرٍ من الذي ترك وراءه ولدًا أو ولدين صالحين فقط، وإنّ الطفل الذي يموت في الصغر، يكون لوالديه ذخرًا في عالم الآخرة قد قدّماه بين يديهما، وأنّه سوف يشفع لهما يوم القيامة. وعلاوة على ذلك فإنّ الإنسان مثل سائر الحيوانات يحب ولده على نحوٍ فطريّ وغريزي، ويشعر بالمتعة في العيش معه، وعلى هذا الأساس فإنّ تكثير الأولاد يستوجب المزيد من المتعة بالنسبة إليه طوال عمره وحياته، ولكن من الواضح بداهة أنّ هذا الأمر يتأثر بمختلف الشروط والظروف؛ فلا يمكن الحثّ والتشجيع على تكثير الذرية بالمطلق ومن دون قيدٍ أو شرط؛ إذ يجب ضمّ جميع الآيات والروايات والأدلّة العقليّة إلى
بعضها، والعمل بعد ذلك على استخراج نتيجةٍ اجتهاديةٍ تتناسب مع الظروف والأوضاع المعاصرة.
إنّ القدرة على تربية الولد تمثّل مفصلًا بالغ الأهميّة. فلو أنّ تربية الولد لم تسلك مسارها الصحيح، فإنّه بدلًا من أنْ يكون من الباقيات الصالحات، سوف يكون وبالًا على الوالدين ويشكل عذابًا لهما في عالم البرزخ. وبدلًا من شعور الوالدين باللذة والمتعة عند النظر إلى الولد، سوف يشعران بالعذاب والعنت؛ لهذا ينبغي التعامل مع تربية الأبناء كأولوية مطلقة، وإعطائها العناية المثلى في كل المجالات التي يحتاجها الطفل.
وظيفة تربية الأولاد في مختلف الأبعاد: في البحث عن جذور شجرة نمط الحياة الإسلاميّة، بُحثت الاهتمامات اللازمة في تربية الأولاد، ولا سيّما في مرحلة ما قبل الابتدائيّة بالتفصيل؛ ولا بدّ هنا من التذكير بأنّه لا توجد هناك -من وجهة نظر الإسلام- مؤسسةٌ أو منظومةٌ اجتماعيّةٌ يمكن أنْ تكون موئلًا ناجحًا لتربية الأولاد مثل الأسرة. إنّ العلاقة العاطفية بين الوالدين وأولادهما -ولا سيّما بين الوالدة وأولادها- لا يمكن العثور عليها في أيّ موضعٍ آخر. إنّ الوالدين في المجتمع الإسلامي يعملان على نقل جميع معطياتهم ومدخراتهم الدينيّة إلى أولادهم على مدى الزمان وبالأساليب المناسبة. حيث يعملان في الأزمنة وفي الحالات المناسبة، على نقل المسائل العقائديّة والأخلاقيّة والثقافيّة والاجتماعيّة والسياسيّة والأمنيّة وما إلى ذلك على أساس نمط الحياة. وبطبيعة الحال فإنّ الأبوين ليس لديهما علمٌ تفصيليّ بجميع هذه الأمور، وإذا ما كان لديهما علمٌ بذلك فلا يمتلكان المقدرة
(269)على نقلها إلى الأولاد بشكلٍ دقيق، ولكن في حدود بلورتهم لنمط حياتهم يعملون كذلك على تشكيل نمط حياة أولادهم على نحوٍ شعوريّ أو لا شعوري. صحيح
أنّ الولد بعد التحرّر من دائرة الأسرة والانتقال إلى تحصيل العلم في المؤسّسات التعليميّة الرسميّة؛ سوف يحصل على معرفةٍ جديدةٍ وتفصيليةٍ أخرى مختلفة، إلّا أنّ نمط حياته الذي ينطوي على بُعدٍ عاطفيّ عميق، قد سبق له أنْ تبلور في نطاق الأسرة. من ذلك -على سبيل المثال- أنّه في نمط حياته الأسريّة كانت هناك حالة اجتماعيّة، وقد تعلم الأصول والقواعد الاجتماعيّة هناك، وأمّا في المجتمع فإنّه يتعرّف على مصاديق وأساليب الكينونة الاجتماعيّة. وفي نمط حياته الأسريّة قد شهد الاهتمام بمشاكل الجار وغيرهم من أبناء جلدته وأصبحت جزءًا من وجوده، وأمّا في المجتمع فإنّه يكتسب هذه الإمكانية في العمل على إظهار نمط حياته شيئًا فشيئًا. وفي نمط الحياة الأسريّة يصبح الاهتمام بالمسائل السياسيّة جزءًا من حياته، ويعمل في المجتمع على ممارسة هذه السياسة وتطبيقها على أرض الواقع.
على الرغم من إمكان الحصول على الرخاء والسكينة على كل حال، إلّا أنّ الإسلام يرى أنّ أفضل حالات السكينة هي تلك التي يحصل عليها الإنسان عندما يكون في البيت وبين أفراد أسرته وزوجته وأولاده، ومن هنا فإنّنا نعدّ ذلك من بين الوظائف الأسريّة. هناك كثيرٌ من الأبحاث التي يمكن طرحها وبيانها، وسوف نعمل فيما يأتي على بحثها باختصار.مفهوم الاسترخاء والسكينة: إنّ المراد من أوقات الفراغ، عبارة عن تلك
(270)الفرصة والفترة الزمنية التي يكون فيها الإنسان متكفلًا بمسؤولية أو منشغلًا بأيّ نوعٍ من أنواع التكليف أو العمل، ويكون الوقت رهن اختياره ويكون قادرًا على
الانصراف إلى أموره الخاصّة وممارسة اهتماماته الشخصيّة. إنّها الفسحة التي يتمكن فيها الشخص بعد القيام بتكاليفه المفروضة عليه من الحصول على فرصة التفرّغ إلى فعل الأمور التي يرغب بها ويهواها ويقوم بها ضمن نشاط وبرنامج خاص.
إنّ معنى كلمة الفراغ في الروايات يختلف عن معناها المستعمل في اللغة الفارسية؛ إذ يعدّ الفراغ مذمومًا في الروايات الإسلاميّة. هناك فرقٌ بين المعنى العربي للفراغ وبين معناه الفارسي؛ فإنّ الفراغ في اللغة الفارسية يعني فراغ البال والسكينة والراحة بعد إنجاز العمل، وأمّا في اللغة العربية فيعني البطالة وعدم العمل. إنّ الأفق الفكري لدى الإنسان المسلم فيما يتعلق بالوقت والعمر أكثر سعة وشمولية بالقياس إلى المذاهب المادّيّة؛ وذلك أنّ العمر وفسحة الحياة تعدّ من وجهة نظر الإسلام فرصة يمكن للإنسان المؤمن أنْ يستفيد منها على الدوام من أجل الوصول إلى الكمال. إنّ أوقات الفراغ بوصفها قطعةً من الزمن تعدّ ثروةً قيّمةً وكنزًا خفيًا فيما لو تمكّن المرء من توظيفها واستثمارها بشكلٍ جيد. كما أنّ هذه الأوقات تحظى بأهميةٍ وقيمةٍ عاليةٍ يجب العمل على تنظيمها ووضع الخطط لها. إنّ الساعات التي يتمّ إنفاقها من دون إكراهٍ وضغطٍ من الدوافع المادّيّة، ولمجرّد العلاقة والميل الشخصي، تؤدّي إلى التنوّع والتسلية والتنمية الفكريّة والجسديّة والحصول على القيَم المعنوية. وقد ورد في النظام المفهومي للإسلام النصيحة بقضاء ساعات الليل والنهار في واحدٍ من أمور ثلاثة، وذلك على النحو أدناه:
(271)ـ العمل، لتوفير نفقات الحياة.
ـ القيام بالتكاليف الإلهيّة والعبادية.
ـ إصابة الملذّات المحللة في الحياة. وإنّ هذه الملذّات (تشمل النوم والاستراحة والتحاور مع الزوجة والأولاد، ولقاء الأهل والأقارب والأصدقاء، والذهاب إلى المتنزهات أو إلى جولة في الصحراء، أو تسلق الجبال، أو اللعب، أو التسوّق، أو السفر للسياحة أو الزيارة وما إلى ذلك).
وهذا المورد الأخير هو الذي يتمّ التعبير عنه في عصرنا بأوقات الفراغ، بيد أنّ هذه الملذّات يجب أنْ تقع -من وجهة نظر الإسلام- في صلب مشاريع المؤمنين في هذه الحياة. لا أنْ نقوم بها كلّما سنحت لنا الفرصة ولم يكن لدينا أيّ عملٍ آخر نقوم به. إذا لم يكن لدى الشخص عملٌ يقوم به، أو كان قد فرغ من القيام بعمله وعباداته وملذاته، ولا يزال عنده فائضٌ من الوقت، يجب عليه أنْ يملأ هذا الوقت الفائض بأشكالٍ مختلفة، وهذا هو الفراغ المذموم من وجهة نظر الإسلام، والذي تجب الاستفادة منه بشكلٍ صحيح، وإلّا فإنّ المرء إذا لم يُحسن الاستفادة منه فسوف يُلحق ضررًا بالراحة والطمأنينة الحقيقية للفرد والأسرة. ولا بدّ -بطبيعة الحال- من التذكير بأنّ معنى أوقات الفراغ يختلف بين الصغار والكبار. فاللعب يؤدّي دورًا مهمًّا بالنسبة إلى الطفل ويعدّ من أهم المواضيع في حياته، وأمّا أوقات الفراغ بالنسبة إلى الكبار فإنّها تتساوى مع البطالة والغفلة، وتشكل مانعًا يحول دون وصولهم
إلى التكامل والتعالي. إنّ مرحلة لعب الطفل لا تمثّل مرحلة إلغاء التكامل، بل هي مرحلة تنمية طاقاته وقابلياته. فقد ورد الحثّ في الروايات والنصوص الدينيّة
والإسلاميّة على السماح للطفل بممارسة اللعب والقيام ببعض الشغب والعبث؛ فإنّ ذلك سوف يُحسّن من ذكائه وفهمه عندما يكبر سوف يتصف بالحلم والصبر. فالشخص الذي لم ينل قسطه من اللعب في الصغر، سوف تصدر عنه أفعال صبيانية في الكبر. إنّ من بين أسباب الاضطرابات النفسيّة إلى تدفع الشخص البالغ إلى التصابي، عدم إشباع غرائزه الطفوليّة عندما كان صغيرًا والتي تكمن عادة في اللعب. والذي سنبحثه هنا إنّما هو ناظرٌ إلى أوقات فراغ الكبار، دون الصغار.
ـ جانب من العمر القيّم للإنسان: روي عن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنه قال: «يَا عَلِيُّ بَادِرْ بِأَرْبَعٍ قَبْلَ أَرْبَعٍ: شَبَابِكَ قَبْلَ هَرَمِكَ وَصِحَّتِكَ قَبْلَ سُقْمِكَ وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ وَحَيَاتِكَ قَبْلَ مَوْتِك». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال في تفسير قوله تعالى:﴿وَلَا تَنْسَ نَصِيبَكَ مِنَ الدُّنْيَا﴾(القصص: 77): «لَا تَنْسَ صِحَّتَكَ وَقُوَّتَكَ وَفَرَاغَكَ وَشَبَابَكَ وَنَشَاطَكَ أَنْ تَطْلُبَ بِهَا الْآخِرَةَ».
ـ الفرص عابرة وسريعة الزوال: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «الْفُرْصَةُ
سَرِيعَةُ الْفَوْتِ». وعنه عليهالسلام، أنه قال: «انْتَهِزُوا فُرَصَ الْخَيْرِ فَإِنَّهَا تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ».
ـ صعوبة الحصول على الفرص: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «غَافِصِ [عافص] الْفُرْصَةَ عِنْدَ إِمْكَانِهَا فَإِنَّكَ غَيْرُ مُدْرِكِهَا بَعْدَ فَوْتِهَا». وعنه عليهالسلام أنذه قال: «عَوْدُ الْفُرْصَةِ بَعِيدٌ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «الْفُرْصَةُ سَرِيعَةُ الْفَوْتِ، بَطِيئَةُ الْعَوْدِ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «الْفُرْصَةُ خُلْسَةٌ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «الْفُرْصَةُ غُنْمٌ».
ـ إضاعة الفرص تؤدّي إلى الندم: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «إِذَا أَمْكَنَتْكَ الْفُرْصَةُ فَانْتَهِزْهَا فَإِنَّ إِضَاعَةَ الْفُرْصَةِ غُصَّةٌ». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «إِنَّ الْفُرَصَ تَمُرُّ مَرَّ السَّحَابِ فَانْتَهِزُوهَا إِذَا أَمْكَنَتْ فِي أَبْوَابِ الْخَيْرِ وَإِلَّا عَادَتْ نَدَماً». وعنه عليهالسلام أنّه قال: «مِنَ الْخُرْقِ الْمُعَاجَلَةُ قَبْلَ الْإِمْكَانِ وَالْأَنَاةُ بَعْدَ الْفُرْصَةِ». وروي عنه عليهالسلام أنّه قال: «أَفْضَلُ الرَّأْيِ مَا لَمْ يُفِتِ الْفُرَصَ وَلَمْ يُورِثِ الْغُصَصَ». وعن النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم،
أنّه قال: «مَنْ غَافَصَ الْفُرَصَ أَمِنَ الْغُصَصَ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «تَرْكُ الْفُرَصِ
غُصَصٌ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «بَادِرِ الْفُرْصَةَ قَبْلَ أَنْ تَكُونَ غُصَّةً».
ـ الخطوات المناسبة بشأن أوقات الفراغ
ـ انتظار أوقات الفراغ: من المطلوب جدًا من وجهة نظر الإسلام أنْ يكون الشخص قد أدّى تكاليفه وفرغ من القيام بواجباته المالية والاجتماعيّة والسياسيّة وما إلى ذلك، ويحصل بعد ذلك على فرصة القيام بالأمور التي يرغب بها. سئل أمير المؤمنين عليهالسلام: ما الحزم؟ قال: «أَنْ تَنْتَظِرَ فُرْصَتَكَ وَتُعَاجِلَ مَا أَمْكَنَكَ». وكذلك عندما سئل الإمام الحسن عليهالسلام عن العقل، قال: «التَّجَرُّعُ لِلْغُصَّةِ حَتَّى تُنَالَ الْفُرْصَةُ».
ـ المسارعة في القيام بأفعال الخير: روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «مَنْ فُتِحَ لَهُ بَابُ خَيْرٍ فَلْيَنْتَهِزْهُ؛ فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي مَتَى يُغْلَقُ عَنْهُ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «بَادِرُوا بِعَمَلِ الْخَيْرِ قَبْلَ أَنْ تُشْغَلُوا عَنْهُ بِغَيْرِهِ...». إنّ التأني في القيام بالأعمال أفضل من الاستعجال، إلّا فيما يتعلق بالفرص التي تتوفر للقيام بصالح الأعمال؛ حيث تجب المسارعة إلى اغتنامها وعدم إضاعتها.
ـ الحيلولة دون إضاعة الفرَص: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «حَصِّن
ـ الحيلولة دون إضاعة الفرَص: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «حَصِّن خَلَوَاتِك مِنَ الْإِضَاعَةِ». وعنه عليهالسلام، أنّه قال: «هَيْهَاتَ مِنْ نَيْلِ السَّعَادَةِ السُّكُونُ إِلَى الْهُوَيْنَا وَالْبَطَالَةِ». وروي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنه قال: «شَرُّ مَا شَغَلَ بِهِ الْمَرْءُ وَقْتَهُ الْفُضُولُ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنه قال: «الْأَبَاطِيلُ مُوقِعَةٌ فِي الْأَضَالِيلِ». وروي عن الإمام الباقر عليهالسلام، أنه قال: «بَادِرْ بِانْتِهَازِ الْبُغْيَةِ عِنْدَ إِمْكَانِ الْفُرْصَةِ وَلَا إِمْكَانَ كَالْأَيَّامِ الْخَالِيَةِ مَعَ صِحَّةِ الْأَبْدَانِ».
ـ تجنّب البطالة: روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «إنّ الله لا يحبّ الفارغ الصحيح: لا في عمل الدنيا، ولا في عمل الآخرة». وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ يُبْغِضُ كَثْرَةَ النَّوْمِ وَكَثْرَةَ الْفَرَاغِ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام أنه قال في بيان صفة المؤمن: «مَشْغُولٌ وَقْتُهُ». وروي عن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «إِنْ يَكُنِ الشُّغُلُ مَجْهَدَةً فَاتِّصَالُ الْفَرَاغِ مَفْسَدَةٌ». وعنه عليهالسلام، قال: «وَ اعْلَمْ
أَنَّ الدُّنْيَا دَارُ بَلِيَّةٍ لَمْ يَفْرُغْ صَاحِبُهَا فِيهَا قَطُّ سَاعَةً إِلَّا كَانَتْ فَرْغَتُهُ عَلَيْهِ حَسْرَةً يَوْمَ الْقِيَامَةِ». وروي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «خَلَّتَانِ كَثِيرٌ مِنَ النَّاسِ فِيهِمَا مَفْتُونٌ: الصِّحَّةُ، وَالْفَرَاغُ». وعنه صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «أن الله يبغض الصحيح الفارغ لا في شغل الدنيا ولا في شغل الآخرة». وفي الأثر: «أَشَدُّ النَّاسِ حِسَاباً يَوْمَ الْقِيَامَةِ الْمَكْفِيُّ الْفَارِغُ إِنْ كَانَ الشُّغُلُ مَجْهَدَةً فَالْفَرَاغُ مَفْسَدَة». وروي عن الإمام الكاظم عليهالسلام أنّه قال: «إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُبْغِضُ الْعَبْدَ النَّوَّامَ إِنَّ اللَّهَ تَعَالَى لَيُبْغِضُ الْعَبْدَ الْفَارِغَ».
من مصاديق الملذّات المحللة في الإسلام، الضرب في الأرض ودراسة آثار الماضين والاعتبار بها، والتعقل وسماع نداء الحق. واللعب والترفيه بالنسبة إلى الأطفال، وبالنسبة إلى الكبار في حدود دائرتهم، بيد أنّ الإدمان على اللعب
والاستغراق الشديد في حضور مجالس الله والقصف دليل على غياب التعقّل. وإنّ هذا النوع من المجالس يؤدّي إلى اضمحلال العقل ولن يفلح الذين يدمنون ارتيادها. روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم أنّه قال: «قَدِمْتُ الْمَدِينَةَ ولأهل المدينة يومان يلعبون فيهما في الجاهلية، وإنّ الله قد أبدلكم بهما خيرًا منهما؛ يوم الفطر ويوم النحر».
وهناك في الإسلام الكثير من التوصيات السلوكية من أجل الحصول على الراحة والسكينة، حيث تقدّم رؤية نفسية دقيقة، ومن بين هذه الأمور على سبيل المثال:
1. الحسد،
2. والحقد،
3. وطلب الشهرة،
4. وإيذاء الآخرين،
5. والحرص،
6. والبخل، وما إلى ذلك.
كيف نمضي أوقات الفراغ
إنّ كيفيّة قضاء أوقات الفراغ، يمكن أنْ تكون مقرونةً بالنجاح والاستمتاع، كما يمكن لها أنْ تؤدّي إلى عذاب الفرد وضلاله.
روي عن الإمام زين العابدين عليهالسلام أنّه كان يقول في دعائه: «فَإِنْ قَدَّرْتَ لَنَا فَرَاغاً مِنْ شُغْلٍ فَاجْعَلْهُ فَرَاغَ سَلَامَةٍ لَا تُدْرِكُنَا فِيهِ تَبِعَةٌ، وَلَا تَلْحَقُنَا فِيهِ سَأْمَةٌ، حَتَّى يَنْصَرِفَ عَنَّا كُتَّابُ السَّيِّئَاتِ بِصَحِيفَةٍ خَالِيَةٍ مِنْ ذِكْرِ سَيِّئَاتِنَا، وَيَتَوَلَّى كُتَّابُ الْحَسَنَاتِ عَنَّا مَسْرُورِينَ بِمَا كَتَبُوا مِنْ حَسَنَاتِنَا».
وروي في المأثور عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «سَهَرُ الْعُيُونِ بِذِكْرِ اللَّهِ فُرْصَةُ الصُّعَدَاءِ وَنُزْهَةُ الْأَوْلِيَاءِ».
لقد كان الفراغ المقرون بالطهر من الأمور التي يدعو بها أولياء الله على الدوام، فقد ورد في الدعاء المأثور عن الإمام زين العابدين عليهالسلام، قوله: «وَ ارْزُقْنِي صِحَّةً فِي عِبَادَةٍ، وَفَرَاغاً فِي زَهَادَةٍ». ومن ناحية أخرى فإنّ أوقات الفراغ التي لا يُستفاد منها بشكل صحيح، تكون وبالًا على الإنسان؛ إذ إنّها توفّر في العادة أرضيّةً خصبةً لاتّباع الوساوس الشيطانيّة. يذهب البعض إلى الظنّ بأنّ أوقات الفراغ والاستفادة منها والاستمتاع بها تجعله في حلّ من جميع أنواع القيود، وأنّه في ذلك يكون متحرّرًا حتى من القيود الأخلاقيّة والدينيّة أيضًا.
هناك توصياتٌ في الإسلام يجب العمل بها في أوقات الفراغ، وإنّ من بين أفضل الأعمال التي يمكن القيام بها في هذه الأوقات، عبارة عن:
ـ عباد الله سبحانه وتعالى: قال الله سبحانه وتعالى:﴿فَإذَا فَرَغْتَ فَانْصَبْ وَإلَى رَبِّكَ فَارْغَبْ﴾(الانشراح: 7-8). وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «اللَّهُمَّ فَرِّغْنِي لِمَا خَلَقْتَنِي لَهُ وَلَا تَشْغَلْنِي بِمَا تَكَفَّلْتَ لِي بِهِ وَلَا تَحْرِمْنِي وَأَنَا أَسْأَلُك وَلَا تُعَذِّبْنِي وَأَنَا أَسْتَغْفِرُكَ». وعن الإمام زين العابدين عليهالسلام أنّه كان يقول: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ
وَآلِهِ، وَاكْفِنِي مَا يَشْغَلُنِي الِاهْتِمَامُ بِهِ، وَاسْتَعْمِلْنِي بِمَا تَسْأَلُنِي غَداً عَنْهُ، وَاسْتَفْرِغْ أَيَّامِي فِيمَا خَلَقْتَنِي لَهُ». وعنه عليهالسلام، أنّه كان يقول في دعائه: «أَذِقْنِي طَعْمَ الْفَرَاغِ لِمَا تُحِبُّ بِسَعَةٍ مِنْ سَعَتِكَ، وَالِاجْتِهَادِ فِيمَا يُزْلِفُ لَدَيْكَ وَعِنْدَك».
ـ حبّ الله: روي عن الإمام زين العابدين عليهالسلام أنّه كان يقول في دعائه: «اللَّهُمَّ صَلِّ عَلَى مُحَمَّدٍ وَآلِهِ، وَفَرِّغْ قَلْبِي لِمَحَبَّتِكَ، وَاشْغَلْهُ بِذِكْرِكَ».
ـ الاشتغال بأمر الآخرة: روي عن الإمام علي عليهالسلام: «أَعْرِضُوا عَنْ كُلِّ عَمَلٍ بِكُمْ غِنًى عَنْهُ وَاشْغَلُوا أَنْفُسَكُمْ مِنْ أَمْرِ الْآخِرَةِ بِمَا لَا بُدَّ لَكُمْ مِنْهُ». وعنه عليهالسلام، أنّه قال: «كُنْ مَشْغُولًا بِمَا أَنْتَ عَنْهُ مَسْؤُولٌ».
ـ محاسبة النفس: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «مَا أَحَقَّ الْإِنْسَانَ أَنْ تَكُونَ لَهُ سَاعَةٌ لَا يَشْغَلُهُ عَنْهَا شَاغِلٌ يُحَاسِبُ فِيهَا نَفْسَهُ فَيَنْظُرُ فِيمَا اكْتَسَبَ لَهَا وَعَلَيْهَا فِي لَيْلِهَا وَنَهَارِهَا».
وروي عن الإمام الصادق عليهالسلام، أنّه قال: «أُفٍّ لِلرَّجُلِ الْمُسْلِمِ أَنْ لَا يُفَرِّغَ نَفْسَهُ فِي الْأُسْبُوعِ يَوْمَ الْجُمُعَةِ لِأَمْرِ دِينِهِ فَيَسْأَلَ عَنْهُ».
ـ حلّ مشاكل المستقبل: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «اجْعَلْ زَمَانَ رَخَائِكَ عُدَّةً لِأَيَّامِ بَلَائِكَ».
ـ الخوض في الأمور المهمّة: روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «مَنِ اشْتَغَلَ بِغَيْرِ الْمُهِمِّ ضَيَّعَ الْأَهَمَّ».
إنّ من بين الأمور المتعلقة بالوظائف الأسريّة وبأوقات الفراغ أيضًا، صلة الأرحام (وإنْ أمكن عدّ ذلك من الوظائف الاجتماعيّة أيضًا). والمعنى هو أنّ على الأشخاص من المنتمين إلى الأقارب بالسبب أو النسب ألّا يكونوا بعيدين ومنقطعين عن بعضهم، بل يجب عليهم التواصل والترابط، وأنْ يطلعوا على أوضاع بعضهم، وأنْ يساعدوا بعضهم. قال الله تعالى في محكم كتابه الكريم:﴿وَاتَّقُوا اللَّهَ الَّذِي تَسَاءَلُونَ بِهِ وَالْأرْحَامَ إنَّ اللَّهَ كَانَ عَلَيْكُمْ رَقِيبًا﴾(النساء: 1).
لقد أمر الله بصلة الأرحام صراحة، وجعل ثوابًا كبيرًا لمن يصل رحمه، ورصد عقابًا ولعنًا لمن يقطع رحمه وعدّ قطع الرحم من الذنوب الكبيرة. لقد عدّ الإمام
علي عليهالسلام ثلاثة أمور بوصفها مجمعًا للمحاسن والفضائل؛ بمعنى أنّها تعدّ من الأمور المحورية والجوهرية التي تترك تأثيرها على الأمور الأخرى أيضًا، ومن بين تلك الأمور الثلاثة صلة الرحم. كما أنّ صلة الأرحام تزيد في الأعمال، فقد روي عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال: «ثَلَاثٌ ثَوَابُهُنَّ فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ: الْحَجُّ يَنْفِي الْفَقْرَ وَالصَّدَقَةُ تَدْفَعُ الْبَلِيَّةَ وَصِلَةُ الرَّحِمِ تَزِيدُ فِي الْعُمُرِ». وإنّ ثواب صلة الرحم أسرع وصولًا إلى الإنسان من أيّ ثوابٍ على أعمال البرّ الأخرى.
وروي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «مِنْ أَفْضَلِ الْمُرُوءَةِ صِيَانَةُ الْحَرَمِ». وبالإضافة إلى المفاهيم والتعاليم الصريحة الآنف ذكرها، فقد وردت الإشارة في بعض الموارد إلى جانب من مصاديقها. من ذلك على سبيال المثال أنّه يجب احترام الوالدين، وأنْ نضع الأقارب في أعمال البر على سلّم أولوياتنا. وكما يجب أنْ ندعو لأنفسنا بالخير، كذلك يجب أنْ ندعو لأولادنا بالخير أيضًا. يستحب السفر
وقطع المسافات الطويلة من أجل الإحسان إلى الوالدين، كما ورد الحثّ على قطع المسافات الطويلة من أجل صلة الأرحام وعيادة المرضى والمشاركة في تشييع جنائز المؤمنين أيضًا.
إنّ الوظائف الاجتماعيّة هي الوظائف التي تكتسب مفهومها ومعناها في إطار الحضور في المجتمع، ولا يتجلّى مصداقها من دون المجتمع وفي العزلة الفرديّة أبدًا. ولا بدّ هنا من إعادة التذكير بأنّ هذه الوظائف تنسب تارةً إلى المجتمع، وتنسب تارةً أخرى وفي الوقت نفسه إلى الفرد من حيث أنّه عضو في ذلك المجتمع. ومن هنا يتمّ الاهتمام بكلا هذين الموردين معًا. فإنّنا -مثل سائر الكائنات الأخرى- أضعف بكثيرٍ من أنْ نعيش على هذه الأرض بشكلٍ منفصلٍ وبمعزلٍ عن الآخرين. لا يمكن لنا مواصلة الحياة من دون المجتمع ومن دون الحصول على دعم وحماية من الآخرين. وفيما يتعلق بكيفية التعامل مع الآخرين؛ يكون لكلّ فردٍ علاقاتٌ مع الآخرين، وفي هذا النوع من العلاقات يشعر تجاههم بنوعٍ من المسؤوليّة الملقاة على عاتقه. إنّ الإنسان قد ينظر إلى بعض الأشخاص بوصفهم أصدقاء له بالقوّة فيقترب منهم ويقيم معهم صلةً وثيقة، وينظر إلى بعضهم بوصفهم من الحمقى الذين يمكن استغلالهم ويروم استثمارهم والانتفاع على حسابهم، ويرى بعضهم خصماء له أو غير جديرين بالثقة فيعمد إلى الابتعاد عنهم قدر الإمكان.
إنّ قوانين الحياة الاجتماعيّة هي مثل قوانين الأنواء الجوية التي تدفع الأشخاص
(284)إلى اتّخاذ خطواتٍ خاصّةٍ للوقاية من برد الشتاء، وبناء البيوت وما إلى ذلك واضحةٌ وغنيةٌ عن الحاجة إلى المزيد من الشرح والبيان. لا يمكن للإنسان أنْ يصمد كثيرًا في مواجهة الطبيعة، ويجب عليه لكي يتمكن من مواصلة الحياة على هذا الكوكب أنْ يحصّن جسمه الضعيف بالآلات الصناعية. يمكن لكم أنْ تتصوروا شخصًا أعزل في صحراء جرداء لا يمتلك أيّ وسيلةٍ لحراثتها وزراعتها، وبذلك يمكن لكم أنْ تقفوا على عجزه الفيزيقي بشكل كامل. إنّ الإنسان -إذا ما غضضنا الطرف عن قوّة الإرادة والتعقّل- أضعف بكثيرٍ من سائر الكائنات الحية؛ فلا يمتلك سرعة الجري التي تمتلكها بعض الحيوانات، ولا يمتلك القدرة على البقاء على قيد الحياة ومكافحة موانع الحياة كما تصنع كثيرٌ من الحيوانات.
لو لم يتمّ الإحساس بضرورة المشاركة الاجتماعيّة منذ البداية، لما مسّت الحاجة حتى إلى إيجاد اللغات لغرض التفاهم والتخاطب أيضًا. وعلى هذا الأساس نحن مكلفون بإقامة العلاقات والروابط مع الآخرين على أساس حبّ الآخرين، بيد أنّ هذا الحبّ في الإسلام يجب أنْ يندرج تحت منظومة حبّ الخالق والمالك الأصلي، وأنْ يكون منسجمًا ومتناغمًا مع مجمل هذه المنظومة المفهوميّة؛ وعلى هذا الأساس سوف نبحث قوانين وضوابط الحياة الاجتماعيّة من وجهة نظر الإسلام في إطار أربع وظائف عامة، وهي: الوظيفة الاقتصاديّة، والوظيفة الثقافيّة، والوظيفة السياسيّة، والوظيفة الدفاعية والأمنية.
(285)بشكلٍ عامٍ وفي المستوى الأولي والأعلى في هذه المنظومة المفهومية، ندرك بوضوح أنّ الدافع المهم والأساس في أمر الاقتصاد -كما هو الحال في جميع النشاطات في الأبعاد الأخرى- هو حبّ الله واكتساب مرضاته، وأمّا في المستوى الأدنى فإنّ الدوافع الأخرى التي تعدّ مصاديق من هذا الدافع فهي عبارة عن:
ـ تلبية الاحتياجات الشخصيّة والأسريّة: لقد تمّ الاعتراف في الإسلام بالإنفاق على أمورٍ مثل: الطعام والثياب والاستراحة والجمال والترفية والزيارة والسياحة والوسائط النقلية والمنزل والزواج وما إلى ذلك، بالنسبة إلى الشخص نفسه، ولكن الإسلام فيما يتعلّق بهذه الأمور يخالف المبالغة والإفراط في هذه الأمور بشدة. كما تمّ الحث والتشجيع على تخصيص هذا النوع من الإنفاق على سائر أفراد الأسرة أيضًا، ولكن في حدود الضرورة وفي إطار تلبية الحاجة الفرديّة والوجهة الاجتماعيّة، ولكن تمّ النهي عن الإسراف في هذا الشأن أيضًا، وعلى كلّ حالٍ فإنّ التشدد والاحتياط الذي يقوم به الشخص فيما يتعلق بالإنفاق على نفسه، يكون على نحوٍ أقل بالنسبة إلى أفراد أسرته. إنّ الإنفاق على الأمور المعنوية من قبيل: التربية والتعليم لأفراد الأسرة، ولا سيّما الأولاد يُعدّ أمرًا لازمًا وضروريًّا، ولا ينبغي التقصير والتقاعس في هذا الشأن أبدًا.
ـ مساعدة الفقراء وذوي الحاجة: إنّ أمورًا مثل الاهتمام بتلبية حاجة الأشخاص الضعفاء والعاجزين الأعمّ من الأهل والأقارب والجيران والأصدقاء ومن على شاكلتهم، على مستوى الهدايا والضيافة وبذل الطعام وعيادة المرضى، تعدّ من الموارد التي تحظى بمنزلةٍ عاليةٍ في هذه المنظومة المفهومية. لقد وردت التوصية بإنفاق الشخص على تلبية احتياجاته الخاصّة مع رعاية الاحتياط والتشدّد، وتلبية احتياجات الأسرة باحتياط وتشدد أقل، وتلبية احتياجات الآخرين دون حدود، بل ورد الحثّ والتشجيع على ذلك.
ـ المشاركة في الأمور الاجتماعيّة: إنّ القيام بالأمور التي تكون من الموارد التي يحتاج إليها المجتمع، من قبيل: بناء المدارس، والمساجد، والأماكن الترفيهيّة، والأندية الرياضيّة العامّة، وشقّ الطرق، ومدّ الجسور، وجميع المظاهر المعاصرة، تعدّ كلّ واحدةٍ منها من الدوافع الممدوحة للإنسان المسلم من أجل كسب الربح، فإنْ قام الشخص بتلبية جميع حاجاته الفرديّة والأسريّة واهتم باحتياجاته الخاصة، على ألّا يخلو بعد ذلك من الدوافع التي تشجّعه على ممارسة النشاطات الاقتصاديّة، بل عدّت المشاركة في الأمور الاجتماعيّة في غاية الأهميّة، وتحتوي في الإسلام على قيمة كبيرة.
ـ تلبية الحاجة الداخليّة والحفاظ على العزّة الاجتماعيّة للفرد: إنّ الإنسان يميل بحسب طبيعته الداخليّة الأولية إلى حبّ المال، والإسلام لا يلغي هذه الحالة التي
أودعها الله في وجود الإنسان، بل إنّه يؤكّد على كسب المال الحلال، ويحثّ الشخص على الدفاع عن أمواله في مواجهة العدوان والتجاوز عليها، بل يعدّ مقتل المرء في الدفاع عن ماله بحكم الجهاد، وله بذلك أجرٌ خاص، وفيما يتعلّق بالأموال فقد وضع الإسلام أحكامًا خاصّةً لها، وفرض على الإنسان واجبات فيها، وشرع له حقوقًا.
القوّة الاقتصاديّة للدولة الإسلاميّة (على المستوى الاجتماعي العام): يمكن لهذه القوّة أنْ تكون واحدةً من الأهداف والدوافع الاقتصاديّة المهمّة. في هذه المنظومة المفهومية تعدّ ضرورة إقامة الدولة الإسلاميّة أمرًا ثابتًا وقطعيًا؛ ولذلك يتم رصد مصادر مالية محدّدة لهذا الأمر، ومن هنا كانت كثير من الأموال العامة، من قبيل: البحار والجبال والوديان والمناجم وما إلى ذلك، تقع تحت ملكية وتصرّف الدولة الإسلاميّة، كما يُعدّ الخمس والزكاة وأموال الجزية ونظائر ذلك من المصادر المالية للحكومة الإسلاميّة أيضًا. وقد تم لحاظ كثيرٍ من التكاليف الاقتصاديّة الملقاة على عاتق الدولة الإسلاميّة كما هو الحال بالنسبة إلى كلّ حكومةٍ أخرى من قبيل: عمارة المدن والقرى، والاهتمام بشؤون ذوي الحاجة الذين يتكفّل الشخص بهم، والدفاع عن الحدود، وحفظ الأمن الداخلي، والتطوير الثقافي والاقتصادي وما إلى ذلك في المجتمع بشكلٍ عام. وفي المجمل يمكن القول بأنّ القوّة الاقتصاديّة للدولة الإسلاميّة في قبال الحكومات الأخرى، تكون لها موضوعيّة من عدّة جهات:
أ. إخافة الكفّار والأعداء الخارجيين كي لا يفكروا في التخطيط للهجوم العسكري على الدولة الإسلاميّة، وإنّ من بين أهم الأدوات التي يخاف منها العدو هي القوة الاقتصاديّة التي تتمتع بها الدولة الإسلاميّة.
ب. إشاعة ونشر الإسلام إلى ما وراء حدود الدولة الإسلاميّة من خلال الاستعانة بالمقدرات الاقتصاديّة ومساعدة الشعوب الفقيرة والمستضعفة. إنّ هذه النقطة تفهم من قاعدةٍ فقهيةٍ تعرف بقاعدة (نفي السبيل). وفي ضوء القوانين الفقهية تعدّ جميع أنواع الاستيراد أو التجارة التي تؤدّي إلى تسلّط الكفّار على المجتمع الإسلامي، محظورة.
بالإضافة إلى ما تقدّم ذكره حول الدوافع الإيجابيّة، هناك دوافع سلبيّة أيضًا، حيث يجب اجتنابها، وسوف نشير إليها فيما يأتي باختصار. لا ينبغي إعطاء الأصالة للمال، فعلى الرغم من حُسن المال وذكر القرآن الكريم له في بعض الموارد والتعبير عنه بـ(الخير)، ولكن لا ينبغي للإنسان أنْ يجعله هو الهدف الأصلي والأولي، ويجب علينا أبدًا أنْ ننظر إلى المال بوصفه وسيلةً للوصول إلى النجاحات المعنوية والحصول على آخرة أفضل.
إنّ على الإنسان ألّا يطغى على الله وتبطره النعمة إذا صار من الأغنياء وزادت ثرواته. وفي قبال عباد الله يجب الحفاظ على التواضع والمودّة. إنّ طبيعة الإنسان عند الاستغناء الظاهري والمادي تجعله عادةً يفقد البوصلة، وينسى وظائفه وتكاليفه الأخرى، ويرى أنّه قد حصل على كلّ شيءٍ بعلمٍ وقدرةٍ من عنده. لا ينبغي التفاخر بالمال والممتلكات، فقد كان قارون من قوم موسى عليهالسلام ولكنّه كان يفاخر بثروته على قومه فنال جزاء عمله؛ وصاحب الجنة التي كانت تحتوي على كثيرٍ من النعم والثمار، وكان يفخر على صاحبه ويقول له أنا أكثر منك مالًا وولدًا. وفي غمرة ذلك نسي الله سبحانه وتعالى وغفل عن القيامة والآخرة وتشرّب قلبه حبّ الأسباب المادّيّة، فعاقبه الله وأخذ منه تلك الجنة وجميع النعم التي سبق أنْ أنعم بها عليه. كما تمّ شجب النظر إلى ما عند الآخرين. إنّ الذي يحظى بالأهمية
بعد التفكير والمشورة واتخاذ القرار الصحيح في النشاط الاقتصادي والرقابة أثناء العمل، هو الاهتمام بأصل التكليف دون الوقوف عند تحقق النتائج، وأنْ نعلم أنّنا لسنا من يقدر رزقنا في نهاية المطاف، بل إنّ الله سبحانه وتعالى هو الذي بيده الرزق، وإنّه يوسّع في الرزق على من يشاء ويُضيّقه على من يشاء.
في ضوء المصطلح الشائع للاقتصاد، يجب القول بأنّ النجاح الاقتصادي الأكبر من وجهة نظر الإسلام إنّما يكون حيث يقدّم الفرد أو المجموعة أو المجتمع الناتج الأكبر مع الإنفاق الأقل بالإضافة إلى العدل في التوزيع. فقد روي في الأثر عن رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، أنّه قال في بيان صفات المؤمن: «قَلِيلَ الْمَئُونَةِ كَثِيرَ الْمَعُونَةِ». وعن الإمام علي عليهالسلام أنّه قال: «نَفْسُهُ مِنْهُ فِي عَنَاءٍ وَالنَّاسُ مِنْهُ فِي رَاحَةٍ». وقد حقّق الإمام من هذه الناحية مثل النواحي الأخرى نجاحات كاملة، وأثبت أنّ الدنيا يمكن عمارتها بأدواتٍ غير الانغماس في حبّ الدنيا. وهذا هو الشيء الذي يستنبط من هذه المنظومة المفهومية، وتعجز الأنظمة الاقتصاديّة الأخرى عن إدراكه وفهمه. روي عن الإمام علي عليهالسلام، أنّه قال: «فَمَا خُلِقْتُ لِيَشْغَلَنِي أَكْلُ الطَّيِّبَاتِ كَالْبَهِيمَةِ
الْمَرْبُوطَةِ هَمُّهَا عَلَفُهَا أَوِ الْمُرْسَلَةِ شُغُلُهَا تَقَمُّمُهَا تَكْتَرِشُ مِنْ أَعْلَافِهَا وَتَلْهُو عَمَّا يُرَادُ بِهَا ...». وكان ينضح الماء من البئر ليسقي نخيلات في حائط لبعض اليهود، حتى تمجل يداه ويأخذ أجره ثم يتصدّق به، ويشدّ حجر المجاعة على بطنه. وكان يُنفق في سبيل الله على الأرحام والأيتام وأبناء السبيل والسائلين، ويعمل على إصلاح شؤون الأيتام.
الحصول على الرزق: لقد وضع الله سبحانه وتعالى جميع ما في الطبيعة في خدمة الإنسان، وأراد منه أنْ يلبّي حاجته من خلال الاستخدام الصحيح لهذه الطبيعة. هناك كثير من التعاليم والتوصيات في الإسلام حول طرق الحصول على الرزق، نشير فيما يأتي إلى بعضها: إنّ القرآن الكريم في المرتبة الأولى يقيم العلاقات المالية والاقتصاديّة بين الناس على أساس التبادل التجاري، قال الله تعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَأْكُلُوا أمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إلَّا أنْ تَكُونَ تِجَارَةً عَنْ تَرَاضٍ مِنْكُمْ﴾(النساء: 29). يستفاد من هذه الآية عدد من الأصول، نُشير فيما يلي إلى بعضها:
أ. أصل عدم التصرّف في أموال الآخرين.
ب. أصل جواز التصرّف في أموال الآخرين بإذنهم وموافقتهم ورضاهم.
ج. أصل الملكية الذي يُشكل رافعة للأصلين الأولين.
من أراد أنْ يكون دعاءه مستجابًا فعليه أنْ يطهّر كسبه، وأنْ يؤدّي حقوق الآخرين؛ إذ لا يُرفع دعاء أيّ عبدٍ إذا ملأ بطنه بالحرام وكان في عنقه حقٌّ أو مظلمةٌ لأحد. وقال الله تعالى في بيان حرمة الربا:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَذَرُوا مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ فَإنْ لَمْ تَفْعَلُوا فَأْذَنُوا بِحَرْبٍ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ﴾(البقرة: 278-279)؛ وانظر أيضًا: (آل عمران: 130)؛ (الروم: 39)؛ (النساء: 161). ويحرم أكل مال اليتيم بالباطل كما يحرم مزج المال الطيب بالمال الحرام. ولا يجوز الزواج من الفتيات اليتيمات طمعًا في الحصول على أموالهن؛ لأنّ هذا مخالفٌ للعدل. يجب استثمار أموال السفهاء واليتامى في المشاريع المعقولة والنافعة إلى حين بلوغهم الرشد؛ لأنّ في دفعها إليهم في حالة اليتم والسفه ضياعًا وإتلافًا لها.
كما يعدّ الإرث واحدًا من موارد الرزق وكسب المال في الإسلام أيضًا، ولا يجوز التصرف في أموال الآخرين وامتلاكها بالطرق غير المشروعة. لا ينبغي عدّ الأمانة جزءًا من أموالنا. يجب علينا أن لا نزيد من ثرواتنا وأموالنا من خلال التطفيف في المكيال والتخفيف في الميزان وانتهاك حقوق الآخرين.
إنّ الأنفال والخمس من جملة المصادر والموارد المالية والأرباح الخاصة بالدولة الإسلاميّة، كما يمكن للخمس أنْ يكون مصدرًا ماليًا لبعض الفقراء وذوي الحاجة من المؤمنين. علينا في الحروب ألّا نفكر في الحصول على المغانم الدنيويّة، بل المهم هو التفكير في الحصول على النتائج والوصول إلى الفوز في القيامة والحصول على النعم في عالم الآخرة. ولكن لو تمّ تخصيص جزءٍ من المغانم الحربية للمقاتلين في ضوء قوانين الدولة الإسلاميّة، فإنّ هذا سوف يكون من الأرباح والمكاسب المحلّلة
والطيبة لهم. ويمكن لأموال الزكاة أنْ تكون مصدرًا ماليًا لبعض المحتاجين، ولكنها تعدّ مصدرًا ماليًا مهمًا بالنسبة إلى الدولة الإسلاميّة. يحرم الاكتساب من طريق الاحتكار؛ حيث ورد النص بتحريم ذلك بشدّة.
لقد ورد الاهتمام في القرآن الكريم بالحصول على الرزق والمال ولا سيّما من طريق الإنتاج كثيرًا. لقد أودع الله سبحانه وتعالى في الأرض جميع ما يحتاجه الإنسان من أجل الاستمرار على قيد الحياة ومواصلة العيش، ولكن الأمر ليس بنحو تأتي الأمور إلى الإنسان طائعةً وهو جالس في بيته، بل لا بدّ له من السعي والعمل وبذل الجهود من أجل الحصول عليها، ولا بدّ له من الإبداع لكسب رزقه وقوت يومه من صلب مصادر الطبيعة والاستفادة منها.
وعلى هذا الأساس لو عُدّ الإيمان والتقوى سببًا لنزول البركات الإلهيّة والازدهار الاقتصادي، فإنّ هذا لا يعني الدعوة إلى الاكتفاء بمجرّد الإيمان والتقوى فقط، وعدّ ذلك كافيًا لنزول البركات، بل إنّ الجانب الإيجابي من ذلك الذي هو عبارة عن بذل الجهد من أجل الاستفادة من مصادر الطبيعة، يكون موضعًا للاهتمام أيضًا. إنّ النشاط الاقتصادي لا يقتصر على أحد الجنسين بعينه
فقط؛ بل يمكن لكلا الجنسين من الرجال والنساء أنْ يقوم بالإنتاج الاقتصادي وأنْ يكون له مصادره الخاصة لتحصيل الربح وامتلاك ما يحصل عليه بهذه الطريقة، ولا فرق أنْ يكون هذا المال قد تمّ الحصول عليه من طريق المهر أو من طريق العمل وامتلاك الحرفة، أو من طريق الوصية والإرث الذي يحصل الرجل أو تحصل المرأة عليه. أو من أيّ طريقٍ آخر. وعلى كلّ حالٍ يمكن للمرأة بدورها أنْ تعمل من أجل الحصول على الكسب المشروع، وأنْ يكون لها نشاطها الاقتصادي الخاص وإنْ كانت متزوجةً ولها من يعيلها أيضًا.
التوزيع: يمكن القول بأنّ جميع تعاليم الإسلام فيما يتعلق بالتوزيع، تعود بشكلٍ وآخر إلى العدالة. إذا كانت العدالة في التوزيع تعني نوعًا خاصًّا من تخصيص الأرباح، فإنّ هذه العدالة كما تكون ضروريةً بالنسبة إلى الجماعات والمجتمعات الكبرى والدوَل والحكومات، كذلك تكون ضروريّةً بالنسبة إلى آحاد الأفراد أيضًا؛ وذلك لأنّ للفرد بدوره نفقات ضروريّة متنوّعة، وليس من الضروري أنْ يكون كسبه على الدوام وافيًا بجميع تلك الموارد؛ وعلى هذا الأساس فإنّه يضطر إلى الاختيار من بينها، وإنّما في ظلّ هذا الاختيار تكتسب العدالة مفهومها أيضًا.
إنّ اهتمامنا هنا إنّما ينصبّ في الغالب على موقع التوزيع في نمط الحياة الفرديّة. لو تمّت مراعاة حلال الله وحرامه في بُعد التوزيع، تكون العدالة هي التي تمّت
رعايتها في الواقع (وبطبيعة الحال فإنّ العدالة لا تقتصر على بُعد التوزيع فقط، بل يكون لها مصداق ومفهوم في كلا بُعدي كسب الربح والرزق، وفي الاستهلاك أيضًا). وبعبارةٍ أخرى إنّ العدالة تعني عدم الإفراط والتفريط في بعض موارد التوزيع والاستهلاك، فإنّ المؤمن لا يُسرف ولا يبخل، وإنّما يسلك طريق الاعتدال، فلا يجنح نحو التفريط ولا نحو الإفراط حتى في الإنفاق. قال الله سبحانه وتعالى في تعبير كنائي:﴿وَلَا تَجْعَلْ يَدَكَ مَغْلُولَةً إلَى عُنُقِكَ وَلَا تَبْسُطْهَا كُلَّ الْبَسْطِ فَتَقْعُدَ مَلُومًا مَحْسُورًا﴾(الإسراء: 29).
بعد الفراغ من النفقات الشخصيّة والأسريّة في حدّ الضرورة والطريقة المتعارفة، يعدّ أحد أكبر طرق التوزيع عبارة عن سداد الديون التي تقع في ذمّتنا، من قبيل: الخمس، والزكاة، والصدقات المستحبّة، وإنفاق ما زاد على حاجتنا، ومساعدة ودعم المحتاجين من الأقربين واليتامى والفقراء وأبناء السبيل، وتوزيع الهدايا للمؤمنين. إنّ من بين مسارات التوزيع الأخرى (وفي المقابل بالنسبة إلى بعض الأشخاص، مسار لكسب الربح) الوصية، وترك الأموال للورثة الباقين على قيد الحياة؛ وإنّ للوصية أحكامًا تفصيلية نعرض عن ذكرها هنا. ويجب على
ورثة الميت ألّا يغيّروا في الوصية.
ومن بين طرق ومسارات التوزيع الأخرى ما يُعرف بالقرض الحسن الذي يُعطى إلى المؤمنين. وقد وردت أحكامٌ دقيقةٌ للقرض الحسن في الإسلام. من ذلك أنّه يجب أنْ يحدد وقت سداده بشكل دقيق، وأنْ يكتب ذلك في صحيفة، وأنْ يكتبه كاتب بالعدل، ويدقق في المكتوب كلّ من المقرِض والمقترِض والشاهدين، ولو استدعى الأمر حضور الشاهدين في المحكمة وأمام القاضي لأداء الشهادة، يجب عليهم الامتثال والحضور للشهادة بحكم التكليف الديني؛ وإذا لم تكن الكتابة مقدورة، أمكن للمقرض أنْ يأخذ من المقترض شيئًا بوصفه رهنًا، بيد أنّ ذلك كلّه إنّما يكون حيث يطالب المقرِض بهذا الإجراء، وأمّا إذا اطمأنّ إلى المقترِض وأنّه سيعيد إليه ماله من دون أنْ تكون هناك كتابة أو رهن في البين، فلا بأس في عدم قيامه بهذه التدابير، وبطبيعة الحال يجب على المقترِض أنْ يهتم بسداد الدين والقرض في الوقت المحدّد على كلّ حالٍ سواء أكانت هناك كتابة ورهن في البين أم لم يكن. فإذا كان المدين في عسرٍ وضيقٍ ولا يستطيع سداد الدين، فيجب إمهاله إلى حين القدرة، وإذا لم يكن يمتلك الاستطاعة حقًا، فمن الأفضل إبراء ذمته من
ذلك القرض. ومن الأفضل أنْ يكون التصدق سرًّا، وبطبيعة الحال ليس هناك مانعٌ من الجهر بالتصدّق، ولكن يجب الحذر في هذه الحالة من الوقوع في محذور الرياء، أو إيذاء المحتاج بالمنّ عليه.
إنّ المؤمن يتصدّق على الآخرين بأفضل ما لديه من الرزق، لا أنّه يبذل ممّا لو أعطيه لا يأخذه. وفي الواقع فإنّ الذي ننفقه على الآخرين هو الذي يبقى لنا، وما نبقيه لأنفسنا ونستهلكه في نفقاتنا الشخصيّة هو الذي يذهب ولن يعود في ملكنا. من الأفضل أنْ تكون موارد الإنفاق من المؤمنين الذين أصبحوا عاجزين في سبيل الله، ولا يمتلكون القدرة على السفر والضرب في الأرض وكسب الأموال، ولشدّة حيائهم وتعففهم يحسبهم الآخرون أغنياء، ولا يقبلون لأنفسهم أنْ يلحفوا على
الآخرين بالسؤال.
إنّ بعض طرق توزيع (وكسب الربح)، وبعض الأعمال في هذا الشأن ممنوعة، ويجب اجتناب هذه الطرق؛ ومن بينها: دفع الرشا (وأخذ الرشوة)، وإعطاء الربا (وأخذه)، والبخل، ودعوة الآخرين إلى البخل، وكتمان النعم الإلهيّة والكفر بها، والرياء في الإنفاق، وادخار المال وعدم إنفاقه، والخوف من الفقر المالي في المستقبل، وعدم إنفاقه بسبب وساوس الشيطان، ونسيان وعد الله سبحانه وتعالى بالمغفرة للمتصدقين، والغفلة عن أنّ الذي نتصدّق به سوف يعود إلينا في الواقع، والتطفيف، والامتناع عن القيام بالعدل والقسط رعاية لمصالحنا ومصالح ذوينا
والمقربين منا، والبُعد عن العدل بسبب العناد والعداوة والبغض للآخرين انطلاقًا من الأحقاد الشخصيّة، وما إلى ذلك من الموارد الأخرى.
الاستهلاك: إنّ المصارف والنفقات الاقتصاديّة للإنسان المسلم تنقسم إلى ثلاثة أقسامٍ كليةٍ، وهي على النحو الآتي:
أ. النفقات الشخصيّة، من قبيل: المأكل والملبس والسكن والزواج ووسائط النقل والترفيه وما إلى ذلك.
ب. مصارف التوفير (بمعنى: عزل مبلغ من الأرباح في الوقت الراهن بغية إنفاقه في المستقبل)، والاستثمار (بمعنى إدخال الأرباح الفعلية في دورة الإنتاج والحصول على الربح).
ج. نفقات المشاركة الاجتماعيّة، التي يُسهم فيها الفرد تطوّعًا في الأمور العامة المنفعة، من قبيل: مساعدة المحتاجين، وبناء المساجد، والمدارس وما إلى ذلك، أو على أساس القانون العام، من قبيل: الضرائب والزكاة وما إلى ذلك. إنّ هذه النفقات تعدّ بالغة الأهمية في المنظومة المفهومية للإسلام. وقد سبق أنْ بحثنا القسمين الأخيرين في بحث التوزيع، وأمّا القسم الأول فسوف نتناوله في بحث الاستهلاك.
إنّ السياسة عبارةٌ عن مجموعةٍ من الأساليب والطرق التي تسلكها كلّ حكومةٍ أو سلطةٍ من أجل إدارة المجتمع والبلاد. إنّ البرامج واتخاذ القرارات والأساليب والمناهج الإداريّة والعلاقات الداخليّة والخارجيّة وتعيين المناصب والمدراء، إنّما تكتسب معناها ومفهومها في حقل السياسات. يمكن لهذه البرامج والأساليب أنْ تقوم على أساس ثقافةٍ ودينٍ خاصّين. إنّ الإسلام بهذا المعنى هو دينٌ سياسيّ بالكامل. من ذلك في خصوص العلاقات الخارجية -على سبيل المثال- يمكن الحصول من مجموع الآيات القرآنيّة على عددٍ من الأصول التي يمكن أنْ يتمّ النظر إليها في الحكومة غير الإسلاميّة بشكل آخر:
-أصل الدعوة أو الجهاد.
-أصل مقارعة الظلم ونفي السبيل.
-أصل العزّة الإسلاميّة والسيادة الدينيّة.
-أصل الاستقامة والوفاء بالعهود السياسيّة.
وبطبيعة الحال فإنّ بعض الباحثين والمحقّقين بالإضافة إلى هذه الأصول قد ذكروا عنوانات أخرى، من قبيل: (الولاء والبراء)، و(تأليف القلوب)، و(الأمر بالمعروف) أيضًا، وربما أمكن إدراجها ضمن تلك الأصول الآنف ذكرها.
لو ألقينا نظرةً على أحكام الإسلام، فسوف ندرك أنّ هذا الدين لا يمكن أنْ ينفصل عن السياسة، وأنّ الفصل بينه وبين السياسة يعني تعطيل أحكامه وفصله عن
تشريعاته. إنّ أحكام الإسلام تنقسم بشكلٍ عامٍّ إلى قسمين، وهما: الأحكام الخاصّة والفرديّة، والأحكام العامّة والاجتماعيّة. وبشكل عام فإنّ الأحكام التي يكون للفرد الآخر دورٌ فيها، فإنّها تكون من الأحكام السياسيّة/ الاجتماعيّة، ويجب على الحكومة أنْ تتولّى أمرها، وإلّا فإنّ ذلك الحكم إمّا أنْ يُعطّل وإمّا أن يؤدّي تطبيقه إلى الهرج والمرج. ومن ذلك آيات الولاية، والقضاء، والجهاد والشهادة، ومحاربة الكفر ومقارعة الطاغوت، ونفي السلطة والسيطرة والسبيل، والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والحدود الإلهيّة، ورسم السياسات، والأحكام الاقتصاديّة، من قبيل: البيع والإجارة، والخمس والزكاة، والأنفال والخراج، والعقوبات الردعية والجزائية، من قبيل: الحدود، مثل حدّ الزنا، وحد الحرابة، وحد السارق، والقصاص والديات والتعزيرات، والخطط العسكرية الهجومية والدفاعية والجهاد والشهادة في سبيل الله، والمسائل الحقوقية، من قبيل: النكاح والطلاق والوصية والإرث والوقف وما إلى ذلك، من الموارد التي لا يمكن تطبيقها في الغالب من دون أنْ يكون هناك قانونٌ ومن دون تعيين المنفّذ والقائم على تنظيمها.
إنّ كثيرًا من الأحكام العباديّة للإسلام لا يمكن أنْ تتحقّق إلّا في ظل قيام الدولة وبسط السياسة الإسلاميّة. وإنّ ضرورة تشكيل الدولة والحكم، والعلاقات الدوليّة، والشورى ومجالس الاستشارة في النظام السياسي ومختلف المفاهيم السياسيّة، تعدّ بدورها من بين هذه الأحكام. إنّ من بين أهم أهداف بعث الأنبياء إقامة القسط والعدل.
إنّ الغرض من الدين تحرير الإنسان من قيود العبودية وضمان الحرية لجميع البشر. وإنقاذ المستضعفين من براثن (الظالمين والمستكبرين)، ولا يمكن لهذه الأهداف الكبرى أنْ تتحقق من دون إقامة الدولة. وقد روي عن النبي سليمان عليهالسلام أنّه طلب من الله سبحانه وتعالى أنْ يهبه ملكًا لا يكون لأحد سواه. وقد أشار الله سبحانه وتعالى إلى كلمة (المُلك) بمعنى السلطة على الأشخاص في العديد من الموارد. وتبيّن لنا قصة (طالوت) أنّ الله لو لم يدفع الناس ببعضهم لفسدت الأرض.
إنّ النوع الإنساني لا يمكنه بلوغ سعادته الكاملة من دون الحضور في المجتمع والتعاون الاجتماعي. إنّ فطرية الغلبة والدفع أصلٌ عامٌّ في جميع الأفراد، سواء في الحقوق المشروعة المقرونة بالعدل أم في غيرها. إنّ القرآن الكريم يعدّ إقامة الدولة أمرًا ضروريًّا، وقد بيّن رؤيته السياسيّة في أسمى الأشكال الممكنة. وفي
خصوص العلاقات الدوليّة حتى لو أبرمت الدولة الإسلاميّة معاهدة مع دولة الكفر، يجب عليها الوفاء بها. «إنّ البراءة من المشركين لا تشمل المعاهدين منهم». يُستفاد من بعض الآياتبوضوح أنّه يجب على المسلمين مقاطعة الدول التي تعمل ضدّ الإسلام والمسلمين. إنّ الأصل الأولي في العلاقات المذكورة المحافظة على استقلال الأمة الإسلاميّة وعدم تسلّط الكفّار على المسلمين. قال الله تعالى:﴿وَلَنْ يَجْعَلَ اللَّهُ لِلْكَافِرِينَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ سَبِيلًا﴾(النساء: 141). وقال تعالى:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَتَّخِذُوا الْكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(النساء: 144). وقال الله تعالى:﴿لَا يَتَّخِذِ الْمُؤْمِنُونَ الْكَافِرِينَ أوْلِيَاءَ مِنْ دُونِ الْمُؤْمِنِينَ﴾(آل عمران: 28). إنّ ما ذكرناه هنا إنما يخصّ العلاقة مع الكفّار، وأمّا فيما يتعلّق بالعلاقة مع الدول الإسلاميّة الأخرى، فيجب التعامل معها على أساس أنّنا أمّةٌ واحدة.
التعرّف النظري على الخطوط السياسيّة في حدود الضرورة
أوّلًا: حيث إنّ دين الإسلام إنّما يريد تأسيس الحكم والدولة من أجل تطبيق
وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أمْنًا﴾ (النور: 55).
[1]. ﴿إلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ثُمَّ لَمْ يَنْقُصُوكُمْ شَيْئًا وَلَمْ يُظَاهِرُوا عَلَيْكُمْ أحَدًا فَأتِمُّوا إلَيْهِمْ عَهْدَهُمْ إلَى مُدَّتِهِمْ﴾ (التوبة: 4).
[2]. ﴿لَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقَاتِلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ إنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأخْرَجُوكُمْ مِنْ دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إخْرَاجِكُمْ أنْ تَوَلَّوْهُمْ وَمَنْ يَتَوَلَّهُمْ فَأُولَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ﴾ (الممتحنة: 8-9).
[3]. ﴿وَإنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاتَّقُونِ﴾ (المؤمنون: 53)؛ وقال تعالى: ﴿إنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ﴾ (الأنبياء: 92).
التعاليم الإسلاميّة في الحياة اليومية للأفراد والمجتمعات، وتطويرهم في اتجاه الكمال الإنساني، وثانيًا: حيث إن التطوّر والكمال الإنساني لا يكون إلّا من خلال النشاط والعمل الإرادي والاختياري للإنسان، وعليه فإنّ إملاء الأحكام الإسلاميّة وإكراه الناس على تطبيق الأحكام، لن يؤدّي إلى تطويرهم، ولن ينطوي ذلك على فائدة كبيرة. إذن يتعيّن على الناس أنْ يفهموا بشكلٍ أكبر، وأنْ يعلموا فلسفة الأحكام والحكومة الإسلاميّة، وأنْ يعدّوا أنفسهم في موقع المسؤول عن تطبيقها، بحيث كلّما قامت الدولة بواجباتها في هذا الشأن على أفضل وجه، سوف يكونون شاكرين لها، وكلّما قصّرت الدولة في أداء واجباتها في هذا الشأن، وجهوا العتاب إليها.
لو لم يكن الناس على درايةٍ بالمسائل السياسيّة، سوف لا يكون بمقدورهم الدفاع عن الدولة وقراراتها أو مؤاخذتها في الوقت المناسب على أخطائها وفشلها، أو أنْ يكون لهم دورٌ في إيجاد وحذف وتعزيز أو إضعاف المواقف، أو القيام بالأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الشأن. ومن الناحية العقلية ليس هناك شكّ في وجوب أنْ يمتلك الإنسان معرفةً وعلمًا بالتكاليف وموضوعاتها من أجل امتثالها بشكل صحيح.
إنّ تحليل محتوى كثيرٍ من آيات القرآن الكريم وارتباطها بالأحداث السياسيّة في صدر الإسلام، يعمل على إيضاح هذا الموضوع بشكل أفضل. من ذلك على
سبيل المثال أنّ المنافقين يقومون بالفساد في الواقع ولكنهم يعدّون أنفسهم مصلحين، وينسبون المؤمنين إلى السفه، ولكن القرآن الكريم يقول إذا كان هناك من سفيهٍ في البين فإنّما هم المنافقون. من الواضح أنّ القرآن الكريم هنا بصدد توعية المؤمنين والتعريف بالمنافقين وتعريتهم كي لا ينخدعوا بهم، فيتركون النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم وحيدًا. إذا كان الله سبحانه وتعالى يأمرنا بأنْ نطيع ونمتثل أوامر النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم ونواهيه، فمن الواضح أنّه يتعيّن علينا قبل كلّ شيءٍ أنْ نعلم ما الذي يقوله لنا النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم، وما الذي يريده منا لكي نتمكن بعد ذلك من إطاعته. إذا كانت تعاليم القرآن الكريم تقوم على وجوب إطاعة القيادة الدينيّة حتى في شرب الماء أو عدم شرب الماء، يجب علينا قبل ذلك أنْ نصل إلى هذا المستوى من المعرفة والإيمان بـ(القيادة الدينيّة) لكي نمتلك هذا المستوى من القدرة على هذا النوع من الطاعة. ولا سيّما في المسائل المهمّة؛ حيث كان النبي الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يؤكد ويستفيد من الظروف والمناسبات الخاصة لإيصال المعلومات، من ذلك على سبيل المثال ما كان منه في أمر تبليغ ولاية أمير المؤمنين عليهالسلام في غدير خم؛ حيث قام أولًا بتوظيف مدة مناسك الحج (بوصفها أكبر تجمّع عبادي/ سياسي في الإسلام)، وعلاوة على ذلك أمر بإرجاع
جميع الذين تقدموا على قافلة رسول الله صلىاللهعليهوآلهوسلم، وصبر حتى التحق به جميع المتخلفين عن القافلة، ثم بدأ بإلقاء خطبته بعد خلق الأجواء المناسبة والمؤثرة؛ فإذا وجب على المؤمنين أنْ يطيعوا الله ورسوله وأنْ يجتنبوا التنازع والتفرّق كي لا يفشلوا ولكيلا تذهب ريحهم، يجب عليهم قبل ذلك أنْ يعلموا كيف يتصرّفوا، وأنْ يتعرّفوا على التيارات المخالفة، وكيف يمكن لهم أنْ يفشلوا وتذهب ريحهم، وإذا أطاعوا الله ورسوله كيف سيتمّ الحفاظ على سمعتهم وكرامتهم ولا تذهب ريحهم.
إذا لم يكن الإنسان المسلم مهتمًا بمسائل وموضوعات حياته الاجتماعيّة، ولا يعرف التيارات الثقافيّة والسياسيّة المحيطة به، كيف يمكنه الشعور بصعوبة امتثال تعاليمه وأحكامه الدينيّة، ويرى الهجرة من أرضه إلى البلاد الأخرى هي الطريقة الوحيدة للنجاة بدينه؟ إنّ حصول الهجرة بين الأحكام الدينيّة للإسلام على مكانةٍ عاليةٍ تضعها في مرتبة الجهاد، يعني أنّ المسلم على بصيرة ومعرفة بما يدور من حوله ويعمل على تقييم الأوضاع، وعند الشعور بالحاجة إلى امتثال أمر الله، قد يتوقف الأمر عنده على الهجرة وتغيير مكان سكنة وعيشه. إنّ استعانة القادة بمشورة الناس والاستئناس بآرائهم وأفكارهم في إدارة المجتمع، واستشارتهم للنُخَب والمفكرين والمتخصصين في مختلف الحقول، ينطوي على معنى التزامي، وهو أنّ الناس والنُخَب على درايةٍ بما يدور من حولهم، ولا يتركون الحكام لحالهم ولا
يتركون الحكومات وشأنه.
لمّا كانت الأبعاد المختلفة للمنظومة المفهومية في الإسلام تتظافر في مقام التنظير وتظهر بوصفها منظومة، فإنّها تتشابك في البُعد العملي وفي الحياة اليوميّة أيضًا. يمكن من الناحية العملية لشخص أنْ ينشغل بحياته الفرديّة والخاصّة، ويقلل من علاقاته وارتباطاته بالآخرين إلى أدنى الحدود الممكنة، ولكنّه يكون بذلك وفي الوقت نفسه قد ابتعد عن روح الإسلام بذات النسبة. إنّ الدين الذي يشتمل على الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، والجهاد الدفاعي (والجهاد القائم على الدعوة)، والمطالبة بالعدل ورفض الظلم، والاهتمام بالمستضعفين والمحتاجين، وأنواع الصدقات، والعبادات الجماعية مثل صلاة الجمعة، وصلاة الجماعة والحج، والدعوة والتشجيع على طلب العلم، والهجرة من أجل الحفاظ على القيَم والتديّن، وما إلى ذلك من المفاهيم والتعاليم السامية، لا يسمح لأتباعه بدفن رؤوسهم في التراب ولا يكون لهم شأن بما يدور حولهم.
ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ الدين في القيام بأيّ واحدٍ من هذه الموارد يرتبط بالدولة، وعلى هذا الأساس فإنّ الدين والدولة الدينيّة في الحياة الداخليّة لا تسجّل حضورها داخل البيوت فحسب، بل تسجّل حضورها حتى في قلوب المسلمين وعقولهم. إنّ الله سبحانه وتعالى حاضرٌ وناظرٌ في جميع لحظات وشؤون الحياة، وقد أشار القرآن الكريم إلى العديد من الموضوعات والمسائل الكبيرة والدقيقة، وذكر الناس
والأمم بواجباتهم وأحكامهم الاجتماعيّة والسياسيّة، من ذلك على سبيل المثال أنّه قد أشار في موضع إلى العديد من المعاذير التي كان يختلقها بنو إسرائيل، ويقول في ذمهم:﴿وَبَاءُوا بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأنَّهُمْ كَانُوا يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾(البقرة: 61).
وفي موضعٍ آخر يوجه القرآن أنظارنا حتّى إلى طريقة ونوعيّة الكلام التي نستخدمها كي لا نعطي ذريعة بيد أعداء الإسلام. وفي ساحة القتال يجب اتباع قرارات القيادة الدينيّة وإطاعة أوامرها وألّا نجادلها، فقد نبحث عن اختيار الطريق الأيسر والأقصر والذي يؤدّي بنا إلى مغانم أكثر، ولكن الله سبحانه وتعالى يريد لنا التوجه في هذه الحرب إلى مركز الكفر واجتثاثه من جذوره. لا يجوز لنا عندما يدعونا القائد الإسلامي إلى الجهاد، أنْ نتخاذل ونتقاعس ونخلد إلى الحياة الدنيا وننسى الآخرة. بل يجب حتى في ساحة الحرب أنْ نتعامل مع العدو بصدق، وإنْ مدّ لنا يد السلم وجنح إلى إلقاء السلاح، علينا أنْ نقبل ذلك منه ونمهّد له طريق التوبة. وفي موضعٍ آخر يتحدّث القرآن الكريم عن استعراض النبي سليمان عليهالسلام لقواته العسكرية وحثّه، بل حتى مداعبة الخيول الحربية من قبل شخص النبي سليمان عليهالسلام، وعلى رغم من سعادته بذلك وحبّه لهذه الأمور، يقول في الوقت نفسه
نّه إنّما قد أحبّها من أجل حبّه لله سبحانه وتعالى. لو أخذنا ننظر إلى مجموع التعاليم الدينيّة بنظرةٍ جامعةٍ وتنظيمية، لن يبقى لدينا شكٌّ في أنّه يجب على كلّ مسلمٍ أنْ يطلع في حدود الضرورة على المسائل السياسيّة/ الاجتماعيّة لمجتمعه، وأنْ يكون له حضورٌ في الساحة الاجتماعيّة بمقدار الضرورة أيضًا.
إنّ دوافع الأفراد من أجل الحضور في المساحة السياسيّة، هي الغاية العامة التي ينشدها الإسلام؛ بمعنى إيجاد نمط الحياة الإسلاميّة للأفراد والمجتمعات. ليس للسلطة والحكم من وجهة نظر الإسلام أيّ قيمةٍ في حدّ نفسها وفي ذاتها، وإنّما السلطة والدولة تكونان ذات قيمةٍ فيما لو كانتا في خدمة الدين والمجتمع الديني. وفي الأساس لا يرد الحديث في الثقافة الإسلاميّة عن الرئاسة والسلطة، وإنّما يتمّ الحديث عن المسؤولية والقيام بالتكليف. حيثما حلّ الشخص في مكانه وموضعه الخاص، يجب عليه أنْ يقوم بتكليفه، وتولي المناصب في الدولة بجميع مراتبها ودرجاتها إنّما يكون من الواجب الكفائي؛ فإنْ قام بذلك بعض الأشخاص وتمكنوا من إدارة المنصب بجدارةٍ وكفاءة، فإنّ التكليف سوف يسقط عن الآخرين، وأمّا إذا بقي المنصب شاغرًا ولم يملأ الفراغ فيه أحد، فسوف يكون السعي لملء الفراغ في هذا المنصب واجبًا على الجميع. من ذلك -على سبيل المثال- أنّ سماحة الإمام الخميني6، قال في بداية انتصار الثورة الإسلاميّة في إيران: «يجب على من يجد في نفسه الأهلية
والقدرة أنْ يدخل في أمور القضاء»؛ وذلك لأنّ تلك الفترة شهدت قلّة في القضاة الذين تحتاج إليهم المحاكم، ويجب عليهم سدّ النقص الحاصل في هذه المؤسسة.
يعدّ التطوّع في الثقافة الإسلاميّة وبذل المال والعرض من قبل الشخص والآخرين وبذل الغالي والنفيس من أجل الترشح لانتخابات رئاسة الجمهورية أو التمثيل في مجلس الشورى الإسلامي وما إلى ذلك، يعدّ أمرًا عبثيًّا وخاطئًا ومخالفًا للقيَم الدينيّة بشكل كامل. في هذه الثقافة يجب على المسؤول كلّما وصل إلى المناصب العليا، أنْ يقلل من مزاياه، وأنْ يقترب من الحالة المعيشية للطبقة الوسطى والأدنى من الناحية الاقتصاديّة والاجتماعيّة، لكي يتمكّن بذلك من التعرّف على ما تعانيه هذه الطبقات الاجتماعيّة من العنت وشظف العيش، ويتمكّن عامّة الشعب من جهةٍ أخرى من الشعور بالمزيد من السكينة والطمأنينة؛ إذ يرون قائدهم يواسيهم في أمور الحياة.
ومن بين أهداف الدولة الدينيّة وغاياتها يمكن الإشارة إلى حاكمية الدين والتعاليم والأحكام السماوية في المجتمع، وبسط الأمن الاجتماعي، وإقامة الصلاة، والسياحة وتوزيع الثروات من طريق الزكاة وأمثال ذلك، وإشاعة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وما إلى ذلك، وتوفير الرخاء والعيش الرغيد والرفاهية وإصلاح المجتمع وتنمية الزراعة والحفاظ على الأجيال البشرية من
لضياع والتحلل.
وبالإضافة إلى هذه الأهداف، هناك تكاليف يجب على الحكومة أنْ تتكفل بها وتقوم بأعبائها، من قبيل: مسؤولية الدولة تجاه الفقراء والمساكين، ورقابة العمال والإشراف على أداء الموظفين والتفتيش الدائم للقوات الواقعة تحت إمرتها، والاطلاع الصحيح والمبكر على المسائل الاجتماعيّة الراهنة ومواجهة الشائعات ومكافحة الشغب وإثارة الفتن، وبسط الأمن، والدفاع عن الأرواح والأموال والأعراض، وإيجاد وحفظ الأمن في الطرق العامّة وضمان سلامة القوافل التجاريّة من أجل رفع وانتعاش البيع والشراء والتجارة والازدهار الاقتصادي، وتدبير وإدارة الشؤون الاقتصاديّة، والاهتمام بالتخطيط والمحاسبة وتقدير الأوضاع الاقتصاديّة، وشرائط ذلك من أجل مواجهة الأزمات المحتملة، وبسط السيطرة على أعمال إنتاج وتوزيع الأرزاق في الأزمات والظروف الاستثنائيّة، والاهتمام بالأوضاع الاقتصاديّة للناس والإشراف الدائم على ذلك من أجل الحيلولة دون
الفقر والفاقة، والحفاظ على الطاقات الإنسانيّة، وإصلاح المجتمع بالإضافة إلى الاهتمام بمسائل الأجيال القادمة، والعمل على جمع وتقسيم الثروات ومصادرها، ورعاية حقوق الموظفين والعاملين في سلك الدولة.
هناك كثيرٌ من التعريفات التي يرد ذكرها في معرض تعريف الثقافة، ولكنّها ليست موضع بحثنا؛ إنّ مرادنا من الثقافة الإسلاميّة هي تلك المفاهيم والتعاليم الإسلاميّة المرتبطة بحياة عموم الناس على المستوى الفردي، والاجتماعي، والسياسي، والاقتصادي، والأخلاقي وما إلى ذلك، ممّا اكتسب تعميمًا أو كان تعميمه أمرًا مطلوبًا وصار يحظى بمقبولية عامّة، ومن ناحيةٍ أخرى تواجه مخالفته إنكارًا ونهيًا من قبل عامة الناس. إنّ السلوك الذي يُعرف بوصفه ثقافةً عامّة، لن يحتاج الشخص في القيام به إلى دليلٍ عادة، بل الأمر على العكس من ذلك تمامًا؛ بمعنى أنّ تركه هو الذي يحتاج إلى دليل.
إنّ جانبًا لا بأس به ممّا ورد ذكره في اختبار نمط الحياة يمكن أنْ يتحوّل إلى
ثقافة، وبطبيعة الحال هناك بعض الموارد التي تعدّ فرديّة وداخليّة بالكامل؛ من قبيل حجم اعتماد الفرد على الله، وهناك من الموارد التي تختصّ بزمن خاصّ، من قبيل ما يرتبط بالحرب والجهاد، وهناك موارد لا يمكن للجميع أنْ يكونوا في موقع القيام بها وتطبيقها، من ذلك -على سبيل المثال- لا يمكن لكلّ أحدٍ أنْ يتولّى تطبيق الأحكام والعقوبات الرادعة بحق المجرمين، وإنّما الذي يتولّى هذه الأمور هي الدولة المبسوطة اليد. وغير هذه الموارد يمكن أنْ تكون جزءًا من الثقافة ونمط الحياة العامة، وأنْ يتم العمل على البناء الثقافي في خصوصها.
إنّ البناء الثقافي يعني أنّه بالإضافة إلى الضوابط والقوانين التي يتمّ لحاظها بوصفها ضمانة تنفيذيّة خارجيّة للتعاليم والأحكام الإسلاميّة، يكون هناك إشرافٌ عامٌّ غير مكتوبٍ ويعمل على نحوٍ تلقائي ويكون نافذًا بحق الجميع، كما يوجد لدى الأشخاص المؤمنين ضمانةٌ تنفيذيّةٌ قويّةٌ بالنسبة لها، ويؤدّي التخلّف عنها إلى تأنيب الضمير والشعور بالذنب. من الواضح بداهة أنّنا إذا أردنا أنْ تكون لدينا ثقافةٌ إسلاميّة بهذا المعنى في المجتمع، فيجب بالإضافة إلى الأفراد أنْ تكون المؤسّسات الأسريّة والتعليميّة والتربويّة والاقتصاديّة والفنيّة والعمرانيّة والتاريخيّة وما إلى ذلك إسلاميّة أيضًا. إنّ المراد من الوظيفة الثقافيّة هو أنْ يكون كلّ شخصٍ في أيّ موقعٍ ومنصبٍ يشغله وأيًا كانت إمكاناته وقابلياته، أنْ يتخذ مثل هذه المواقف والتوجّهات. من الواضح بداهة أنّ حضور الثقافة الإسلاميّة في المجتمع أمرٌ مشكك وله مراتب ودرجات تتراح بين كلّ شيء أو لا شيء. فكلّما كانت مجموعة الأفراد والمؤسّسات المتنوّعة تعمل بشكلٍ أكثر وعلى نحوٍ صحيح، فسوف تسجل
(315)الثقافة الإسلاميّة حضورًا أكبر.
إنّ الذي يتضح من التعريف هو أنّ مصاديق الأفعال والمظاهر الثقافيّة كثيرةٌ ومتعددةٌ ومتنوّعةٌ جدًّا، من ذلك على سبيل المثال أنّ العمارة الموجودة في المدن والقرى، التي يمكن مشاهدتها بشكلٍ ملحوظٍ جدًّا، يمكن أنْ تكون من المصاديق البارزة للثقافة الإسلاميّة، ومن ناحيةٍ أخرى فإنّ اتصاف الأشخاص بالأمانة يعدّ بدوره مصداقًا مهمًّا للثقافة الإسلاميّة، وإنْ لم يكون مشهودًا. إنّ الحضور في صلاة الجمعة، وصلة الأرحام، وكثرة العمل، يعدّ من المصاديق البارزة والظاهرة للثقافة الإسلاميّة، بيد أنّ عدم الاعتماد على المنافقين، والصفح عن أخطاء الآخرين والعفو عن المسيئين عند المقدرة، يعد من المصاديق الداخليّة وغير الظاهرة للثقافة الإسلاميّة. إنّ كلّ ما ذكر باسم (شجرة نمط الحياة الإسلاميّة)، يمكن طرحه وبيانه بوصفه من مصاديق الثقافة الإسلاميّة. من ذلك على سبيل المثال أنّ الأشخاص للحصول على تديّنٍ أفضل يستعدون إلى الهجرة عند الضرورة، ويغيرون مكان حياتهم وعيشهم من مدينةٍ إلى مدينةٍ أخرى، ويتصدّقون سرًا وجهرًا، وإذا كان لهم دَين على شخصٍ ولم يكن ذلك الشخص قادرًا على سداد الدين فإنّهم يمهلونه، وتكون عملية الإقراض والاقتراض الحسن شائعة. إنّ المؤمنين لا يقيمون علاقات الصداقة مع الكافرين، ولا يأتمنونهم على أسرارهم، ويقومون بواجب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وإنّ المؤمنين يتسابقون فيما بينهم إلى فعل الخير. إنّ هذه الأمور ليس لها ضمانةٌ تنفيذيةٌ خارجيةٌ، ولا يمكن أنْ تكون لها مثل هذه الضمانة. لو كانت الثقافة الإسلاميّة حاضرةً في المجتمع بشكلٍ ملحوظٍ ومقبول،
(316)فإنّ كلّ شخصٍ من غير المسلمين، والذي يأتي إلى هذا المجتمع من مجتمع آخر، سوف يكون هذا الأمر واضحًا وملموسًا بالنسبة إليه.
إنّ الوظيفة الثقافيّة تشير إلى هذه النقطة وهي أنّ كلّ شخصٍ يجب أنْ يعمل بما تتيح له قدرته على إيجاد وترسيخ الثقافة الإسلاميّة وتوطينها لدى الأفراد والتأسيس لها في المجتمع بأسره ونقلها إلى الأجيال القادمة بشكلٍ أكبر وعلى نحوٍ أفضل. إنّ الدولة والحكومة والمؤسّسات المختلفة فيها يجب أنْ يتمّ تنظيمها بحيث يعمل أفراد المجتمع الإسلامي بشكلٍ تلقائي وخلال المراحل المختلفة من حياتهم في كنف الأسرة ورياض الأطفال والمرحلة الابتدائيّة والإعداديّة وفي مرافق العمل والسوق والإذاعة والتلفاز وما إلى ذلك، وانتقالهم إلى الثقافة الإسلاميّة. إنّ كلّ ما ورد تحت عنوان التربية والأخلاق والتعليم وما إلى ذلك ممّا جاء في الإسلام، يشير بشكلٍ وآخر إلى هذا البناء الثقافي وانتقال الثقافة الإسلاميّة من جيل إلى جيل آخر.
لقد كان الأمر دائمًا على هذه الوتيرة؛ حيث لم تكن ثقافة الجيل السابق إسلاميّة على نحو تامّ، ولا ذلك المقادير الذي كان إسلاميًا قد انتقل إلى الجيل اللاحق بشكلٍ كامل؛ بمعنى أنّه كان هناك على الدوام موضع شاغر للنشاط الثقافي الجديد وإيجاد وانتقال الثقافة الإسلاميّة إلى المجتمع. وإنّ تبليغ الدين يعمل على تلبية هذه الحاجة، ومن هذه الناحية فإنّه يحظى بأهميّةٍ بالغةٍ جدًّا. هناك كثيرٌ من الآيات في القرآن الكريم تشير إلى هذا الموضوع بشكلٍ مباشر، ومن ذلك أنّ من بين وظائف الأنبياء
بعد نزول الوحي عليهم، عبارة عن تبليغ هذا الوحي إلى الناس.
لقد كان النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يتلو آيات الله على الناس، ويطهرهم من الآثام والذنوب. ويعمل على الدوام على تخويفهم من شرور الدنيا والآخرة ويبشّرهم بالحسنات، وإنّه يدعوهم إلى التخلّي عن الأديان المحرّفة والدخول في الدين الكامل وغير المحرّف. وكان النبيّ الأكرم صلىاللهعليهوآلهوسلم يعدّ هذا الأمر واجبًا وتكليفًا إلهيًا، ولم يكن يتقاضى أجرًا من الناس على أمر النبوّة وتبليغ رسالة الله سبحانه وتعالى. قال الله سبحانه وتعالى في محكم كتابه الكريم:﴿مَا كَانَ الْمُؤْمِنُونَ لِيَنْفِرُوا كَافَّةً فَلَوْلَا نَفَرَ مِنْ كُلِّ فِرْقَةٍ مِنْهُمْ طَائِفَةٌ لِيَتَفَقَّهُوا فِي الدِّينِ وَلِيُنْذِرُوا قَوْمَهُمْ إذَا رَجَعُوا إلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ﴾(التوبة: 122). إنّ التبليغ من أجل التعليم ليس مطلبًا جديدًا على الدوام، بل لا بدّ في بعض الأحيان من تكرار وتذكير الأشخاص بأمورٍ يعرفونها؛ وذلك لما تنطوي عليه من الأهمية الكبيرة، وذلك لكي تحوز على اهتمامهم بشكلٍ أكبر ويقوموا بالعمل بها. يجب على الذي ينشر الإسلام ويقوم بواجب
التبليغ ألّا يخشى أحدٌ غير الله سبحانه وتعالى.
إنّ تبليغ الدين والدعوة إليه من الأهميّة بحيث وردت الآيات والروايات الكثيرة والمستفيضة في بيان جميع جزئيّاته، من قبيل: دوافع المبلّغ، ومحتوى التبليغ، وخصائص المبلغ، وأدوات التبليغ، وأساليب التبليغ وما إلى ذلك بالإضافة إلى التوجيهات والنصائح والتوصيات الكثيرة الواردة في هذا الشأن. لقد تمّ رصد كثيرٍ من المهام والوظائف بالنسبة إلى المبلغ، من قبيل: استثارة الفطرة وشحذ العقول، وإخراج الناس من الظلمات وهدايتهم إلى النور، والدعوة إلى ما فيه صلاح الناس في الدين والدنيا، والتوحيد، والمعاد، والنبوة، والإيمان بالغيب، وإقامة العدل، والحرية الهادفة، والتقوى، والخلق الحسن، ومحاربة البدع والانحراف وما إلى ذلك.
في المجتمع الذي تحكمه الثقافة الإسلاميّة يتّصف الأفراد بالصفح والعفو، ولا يتناجون فيما بينهم إلّا بالأمر بالصدقة وأعمال البرّ وإصلاح ذات البين وما إلى ذلك، وإنّهم يهاجرون في سبيل الله من أجل أهدافٍ وغاياتٍ دينيّة مهمّة.
وإنّهم يراعون حرمة الشخصيّات الدينيّة الكبيرة حتّى في نوع التكلّم معهم. وإذا دعاهم أحدٌ إلى طعام في بيته، فإنّهم لا يجلسون بعد تناول الطعام لتجاذب أطراف الحديث والكلام، ويثقلون بذلك على صاحب الوليمة. وإذا قام بعمل من أعمال البرّ والإنفاق أوتقديم يد العون لشخص، فإنّه لا يمنّ عليه، ولا يعدّ الثراء أو الفقر هو الملاك للاحترام والتوقير أو الامتهان والاحتقار. ولا يسيء إلى الآخرين ولا يُفشي أسرارهم. ولا تقيّده الامتيازات الطبقية بأغلالها، ويراعي العفة التي ينشدها الإسلام على الدوام. ولا يبدو على سلوكهم الظاهري (من قبيل: طريقة المشي، والكلام، ولبس الثياب) تكبرًا أو غرورًا. ويرون الحقوق الاجتماعيّة للإسلام (مثل الحقوق المتبادلة بين أفراد الأسرة والجيران والأستاذ والتلميذ والأقارب والزملاء والطبيب والمريض وأمثال ذلك)، ويعملون على رعايتها في حدود الحاجة، ويسعون من أجل بناء العلاقة القائمة على أساس الألفة والرحمة والمودّة بين المؤمنين، ولا يصطفون مع أعداء الدين عند اتّخاذ المواقف الحاسمة والمصيرية. ولا يظلمون أو يجورون على أحد، ولا يقبلون أنْ يجور عليهم أحد، ولا يتبعون الظالم. ويصرّون على قول الحقّ حتى ولو كان بضررهم. ويهتمون بالاحتياجات المادّيّة والمعنوية لبعضهم على نحوٍ تام، إنّ الإقراض الحسن التقليدي في غاية الأهمية، ولا يرون الرئاسة الدنيويّة أمرًا ذا قيمة إلّا إذا ساعدت على إقامة العدالة وما إلى ذلك.
إنّ هذه الموارد وأمثالها تشكل جزءًا من الثقافة الإسلاميّة حيث تشيع في
المجتمع الإسلام على نحوٍ واضحٍ بحيث يلمسها كلّ شخصٍ يفد على هذا المجتمع بوضوح، وإنّ تأسيس وتقوية وتعزيز هذه الأمور على نطاقٍ واسعٍ إنّما يكون بالدعوة والتبليغ.
إنّ من بين أهمّ الوظائف والمهام التي يكون للأشخاص والجماعات والدولة فيها سهمٌ في غاية الأهميّة في المنظومة المفهوميّة للإسلام والدولة الإسلاميّة، عبارة عن الوظيفة والمهمّة الدفاعيّة والأمنيّة. إنّ هذه المهمّة في ضوء المعطيات القرآنيّة تقبل الفصل والتفكيك في الموضوعات الآتية:
إنّ الأمن الداخلي من وجهة نظر الإسلام يحتوي على كثيرٍ من الأهمية البالغة؛ لذا ورد عن أئمّة الدين قولهم: «نِعْمَتَانِ مَجْهُولَتَان: الصحّة والأمان». جاء قومٌ إلى ذي القرنين وشكوا إليه الظلم والجور الذي يلحق بهم من قبل يأجوج ومأجوج، وطلبوا منه المساعدة وأنْ يضع بينهم وبين يأجوج ومأجوج سدًّا منيعًا يحول بينهم وبين شرورهما، وقد بنى لهم ذو القرنين ذلك السدّ. ومن أحداث قوم سبأ والخطأ الذي ارتكبوه والعقاب الذي لحق بهم، يتّضح أنّ القرآن الكريم يرى أنّ أهمية الأمن
ترقى إلى مستوى أهمية العمران، ويُعرّف بانعدام الأمن بوصفه عقابًا. للحفاظ على الأمن الداخلي تم بيان قرارات واضحة، وهذه القرارات تشمل الارتباط بين المؤمنين فيما بينهم، والارتباط بينهم وبين المنافقين والكافرين. من ذلك -على سبيل المثال- عليهم ألّا يسفكوا دماء بعضهم وألّا يخرجوا أنفسهم من ديارهم]. بل عليهم العيش مع بعضهم في صلح وسلام، وألّا يتبعوا وساوس الشيطان وخطواته، وأنْ يدعو بعضهم إلى الخير والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.
وعليهم ألّا يقاتلوا الأقليات الدينيّة التي تقبل السلام والعيش تحت راية الإسلام مع دفع الجزية. ولو تاب المشركون وأقاموا الصلاة ودفعوا الزكاة فإنّهم سوف يكونون بذلك إخوانًا للمؤمنين في الدين. وعليهم فيما يتعلّق بترويج وإطلاق الشائعات حول المؤمنين ولم يكونوا على علمٍ بها ولا يستطيعون التأكّد من صحّتها، ألّا يتسرّعوا في إصدار الأحكام، بل عليهم أنْ يرجعوا في ذلك إلى قادتهم وأئمتهم الذين يمتلكون معرفةً أكبر وقدرةً تحليليّةً أدقّ في هذا الشأن.
ويجب عليهم ألّا يتّخذوا غير المؤمنين بطانةً وموضعًا للسر من دون المؤمنين. وعليهم أنْ يعلموا أنّ العمل لصالح المجتمع الإسلامي والحضور في الساحات الأمنيّة/ السياسيّة وما إلى ذلك ينطوي على قيمة خاصة، ولا يتساوى هذا الحضور والنشاط من قبل هؤلاء الأشخاص مع أولئك الذين حصروا الأمور في حياتهم الشخصيّة. إنّ المنافقين والكافرين الذين يؤذون المسلمين أو يثيرون الفتن من أجل إلحاق الضرر بالمجتمع والدولة الإسلاميّة، سوف ينالهم عذاب شديد. يجب إعدام المحاربين وصلبهم وتقطيع أيديهم وأرجلهم من خلاف، وهذا يعني أنّه سينالهم ذلٌّ في الحياة الدنيا وعذاب في الآخرة. يجب قتل الذين يثيرون الفتن من أجل القضاء على الفتنة واجتثاث جذورها ويكون دين الله سبحانه وتعالى هو الحاكم بين الناس؛ وذلك لأنّ الفتنة في الواقع تعدّ ذنبًا ومعصيةً أكبر من القتل؛
يَسْتَنْبِطُونَهُ مِنْهُمْ﴾ (النساء: 83).
لأنّ ضررها أشدّ من القتل. إنّ للإسلام فيما يتعلّق بتنظيم العلاقات بين الأفراد والأسَر، أفكارًا وتعاليم خاصّة. وعلى المؤمنين ألّا يتخذوا من غير المؤمنين أصدقاء لهم يوادّوهم من دون المؤمنين. إنّ المنافقين ينفصلون عادةً من صفوف المجاهدين؛ حتى إذا كانت نتيجة الجهاد خسارةً للمؤمنين واستشهادهم قالوا إنّ الله يحبّنا إذ لم نكن معهم، وإنْ كان النصر حليف المؤمنين، قالوا يا ليتنا كنا معهم فيكون لنا نصيبٌ من النصر المؤزّر.
إنّ الإسلام يريد للمجتمع والدولة الإسلاميّة أنْ يكونا سدًّا منيعًا لا يمكن لأعداء الإسلام أنْ يخترقوه، وأنْ يُبنى هذا السدّ بسواعد المسلمين. للوصول إلى هذه الغاية يجب العمل على اتخاذ جميع الخطوات الضرورية في هذا الشأن، ويؤكد القرآن الكريم على أنّ المؤمنين يجب ألّا يكتفوا بمجرّد الكلام وإطلاق الألفاظ والشعارات، ثم ينكصون على أعقابهم عندما يجدّ الجدّ ويرتعبون من تهديدات الأعداء ويطلبون من الله المهلة.
إنّ المؤمنين بالإضافة إلى الحضور في ساحات القتال والمواجهة عليهم أنْ يتكفّلوا بدفع تكاليف الجهاد ونفقاته عند الحاجة أيضًا؛ فإنّ الجهاد يكون بالأموال
والأنفس. وعلى هذا الأساس هناك وظائف ومهام جادّة في هذا الاتجاه تلقى على عاتق الأشخاص وعلى عاتق الحكومة والدولة أيضًا، فالنبيّ الأكرم يقوم بتعيين القادة، ويأخذ المقاتلين معه إلى ساحات الحرب، ويجب على هؤلاء المقاتلين أنْ يتبعوه.
إنّ الجهاد والقتال في سبيل الله لا يُترك بحال، وإنْ كان يبدو بحسب الظاهر بغيضًا ومكروهًا ولا يروق للنفس؛ إذ إنّ بعض الأمور قد تبدو بغيضةً، ولكن الله سبحانه وتعالى يجعل الخير فيها، وقد تبدو بعض الأمور حسنة، ولكنها تنطوي على شرٍّ ماحق.
لا بدّ من الذهاب إلى مناطق القتال ولا فرق في ذلك بين أنْ يكون المكلّف مخفًّا أو مثقلًا بالأعباء. لو لم تكن هناك حربٌ، ولم يكن هناك قتالٌ، ولم يدفع الله الناس بعضهم ببعض فإنّ الأرض سوف يعمّها الفساد ويملؤها الخراب.
وكان هناك كثيرٌ من الأنبياء الذين جاهدوا في سبيل الله سبحانه وتعالى ولم يضعفوا ولم يستكينوا أبدًا. وعلى الرغم من القيمة العالية التي ينطوي عليها الجهاد
في سبيل الله، ولكن علينا الحذر من التعدّي على الأبرياء تحت مسمّى الجهاد.
في ساحة الحرب يجب الالتفات إلى أمورٍ مهمّةٍ يُشير إليها القرآن أحيانًا. وبسبب الأهميّة التي يحتوي عليها الجهاد من وجهة نظر القرآن الكريم، فقد تعرّض في كثيرٍ من الموارد إلى توصيف بعض الحروب التي خاضها المسلمون مثل معركة بدر وأحد. إنّ التهاون في قتال الكفّار ممنوع، إذا كانت النوايا خالصة لوجه الله، فإنّ الله سبحانه وتعالى سوف يكافئ أصحابها عليها، وفي بعض الأحيان، بالإضافة إلى الثواب في الآخرة، يُعجل الله سبحانه وتعالى المكافأة حتى في هذه الدنيا وفي ساحة الحرب أيضًا؛ حيث يجد المؤمنون ألطاف الله الخفية عليهم. ومن الواضح بطبيعة الحال أنّ هذه المساعدات ترد بوصفها تشجيعًا وبشارة تنزل على المؤمنين من الله سبحانه وتعالى في بعض الأوقات، بيد أنّ السُنّة الإلهيّة تقوم على أنّ المسلمين يجب عليهم أنْ يبذلوا جهدهم ويعتمدوا على إمكاناتهم المتوفرة لديهم، وأنْ يحقّقوا النصر بهذه الإمكانات المتاحة، وإذا لم يقوموا ببذل الجهود بالمقدار الكافي، فإنّهم سوف يفشلون ويندحرون.
حتى في حالات الانكسار يكون المؤمنون تحت رعاية الله، وهو لا ينفكّ يبشرهم ويقول لهم إنّكم أنتم الأعلون لما تتمتعون به من قوّة الإيمان التي تجعلكم في مكانة فوق أعدائكم، بيد أنّ الله سبحانه وتعالى إنّما يعمل من خلال هذا الجهاد على تصفية المؤمنين وجعلهم خالصين، ويقضي كذلك على الكافرين بالتدريج. يجب على المؤمنين أنْ يكونوا على يقظةٍ تامّةٍ، وألّا يؤخذوا على حين غرة، وعليهم اللجوء إلى مختلف الأساليب والتكتيكات. وحيث يمكن للعدو أنْ يستفيد من وقت إقامة المؤمنين للصلاة جماعة، وإساءة استغلال هذه الفترة، يجب على المؤمنين إقامة صلاة الجماعة على مرحلتين، حيث يمكن لبعض المؤمنين فيها من إقامة الصلاة جماعة، ويبقى البعض الآخر يحميهم من هجوم الأعداء، وهذه هي الصلاة التي تعرف في الفقه الإسلامي بصلاة الخوف.
وعلى كلّ حال يجب الصمود في ساحة القتال ومحاربة العدو، ومهاجمة جيشه لتضطرب خطوطه الخلفية، وعدّ ذلك واجبًا علينا، وأن نرى النصر من عند الله
سبحانه وتعالى. كما أنّه هو الذي يُنزل السكينة في العمليات القتالية على قلوب المسلمين وينزل عليهم المطر من السماء ليثبّت به أقدامهم. وبوساطة الإمداد الغيبي سوف يقذف الرعب في قلوب الكافرين. وعلى الرغم من هذا اللطف الإلهي، فإنّ الفرار من الزحف والهروب من مواجهة العدو وترك ساحة القتال، يستوجب غضب الله سبحانه وتعالى، وإنّ الذي يفرّ من ساحة المعركة سوف تكون عاقبته السقوط في نار جهنم وبئس المصير. في الثقافة القرآنيّة لا يصاب المؤمنون بالغرور عند الانتصار في ساحة الحرب، وإنّما يعدّون ذلك تفضلًا من الله عليهم وينسبون النصر إلى الله سبحانه وتعالى. ويعتقدون بأنّ الجهاد ينطوي على واحدةٍ من حسنيين، إمّا النصر وإمّا الشهادة في سبيل الله، وكلاهما خير.
لقد أبدى القرآن الكريم رؤيته حتى بشأن زمان الحرب ومكانه، والشروط والظروف المناسبة أو غير المناسبة للقتال أيضًا. من ذلك على سبيل المثال لا يجوز القتال في الأشهر الحُرم، إلّا من أجل ردع الذين يصدّون عن سبيل الله، ويستبيحون الكفر،
ويهتكون المسجد الحرام، ويُخرجون أهله منه، وأمّا بعد انتهاء الفرصة الممنوحة فيجب الوقوف بوجه المشركين بشدة. وبطبيعة الحال يجب احترام العهود والمواثيق على كلّ حال، بما في ذلك المواثيق والعقود التي نبرمها مع المشركين، إلّا إذا كانوا هم البادئين بنقضها، ولكن علينا بطبيعة الحال أنْ نعلم بأنّ الأعداء يخططون ضدّنا في جميع الظروف والحالات، وأنّهم يمكرون بنا ولكن الله خير الماكرين. وهناك من بين أسرى المشركين من يخطط لخيانة المسلمين. ولذلك عندما يكون المؤمنون في حالة ضعف، عليهم عدم أسر أحدٍ من الأعداء، وإنّما يجب القضاء عليهم بضربات قاضية. وعلى المؤمنين أنْ يشجع بعضهم بعضًا على مواصلة الجهاد، وعليهم أنْ يعلموا بأنّه لو صبر منهم عشرون فسوف يغلبوا مئتين من الكفار، وإنْ يكن هناك مئة من المؤمنين صابرين فإنّهم سوف يغلبوا ألفًا من الكفّار بإذن الله.
لقد اشتمل الإسلام على بعض القوانين والعقوبات الرادعة الخاصّة، وذلك من أجل الحفاظ على الأمن بشكلٍ عام، ويتمّ البحث عن هذه العقوبات تحت عناوين، من قبيل: الحدود، والقصاص، والديات، والتعزيرات، والمقابلة بالمثل، وما إلى ذلك. وفيما يأتي نشير إلى بعض الآيات في هذا الشأن على سبيل المثال. إنّ القصاص من الموارد التي ورد التأكيد عليها في القرآن كثيرًا، بحيث جعل الحياة الاجتماعيّة السليمة رهنًا بتطبيق قانون القصاص، ويقول في بيان ذلك:﴿يَا أيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالْأُنْثَى بِالْأُنْثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ﴾(البقرة: 178). وقال الله تعالى:﴿الشَّهْرُ الْحَرَامُ بِالشَّهْرِ الْحَرَامِ وَالْحُرُمَاتُ قِصَاصٌ فَمَنِ اعْتَدَى عَلَيْكُمْ فَاعْتَدُوا عَلَيْهِ بِمِثْلِ مَا اعْتَدَى عَلَيْكُمْ وَاتَّقُوا اللَّهَ وَاعْلَمُوا أنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ﴾(البقرة: 194). وقال الله تعالى:﴿ذَلِكَ وَمَنْ عَاقَبَ بِمِثْلِ مَا عُوقِبَ بِهِ ثُمَّ بُغِيَ عَلَيْهِ لَيَنْصُرَنَّهُ اللَّهُ﴾(الحج: 60). وقال الله تعالى:﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالْأَنْفَ بِالْأَنْفِ وَالْأُذُنَ بِالْأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ﴾(المائدة: 5). وقال الله تعالى في موضع آخر:﴿الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُمْ بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾(النور: 2).