تأليف:
أَكْرَم قَاسِم عَبْدَ المُحْسِن الشّباريّ
فهرس المحتويات
التَّمْهِيد: مُقَارَبَاتٌ مَفَاهِيمِيَّةٌ
المطلبُ الأوَّل: التَّعْرِيفُ بِـ (الخِطَابِ الشَّفَاهِيِّ وَالتَّدْوِينِ الكِتَابِيِّ والقُرْآنِ الكَرِيمِ)
مُقَارَبَاتٌ تَأْصِيلِيَّة
أوّلًا: مفهوم (الخطاب الشفاهي) بوصفه مركّبًا وصفيًّا
1. تعريف الخطاب
2. تعريف الشفاهيّ
3. مفهوم (الخطاب الشفاهي) بوصفه مركّبًا وصفيًّا
ثانيًا: مفهوم (التدوين الكتابي) بوصفه مركّبًا وصفيًّا
1. تعريف التدوين
2. تعريف الكتابي
ثالثًا: مفهوم (القرآن) في اللغة والاصطلاح
المطلبُ الثَّاني: المَسَارُ التَّارِيخِيُّ لِلتَّدْوِينِ الْكِتَابِيِّ فِي شِبْهِ الجَزِيرَةِ العَرَبِيَّةِ
أوّلًا: نظريات أصل الخط العربي
نقوش النوع الأوّل (الخط النبطيّ القديم) هي:
أوّلًا: نقش أم الجمال الأوّل
ثانيًا: نقش النمارة
ثالثًا: نقش زبد
نقوش النوع الثاني (الخط النبطي المتأخّر) هي :
أوّلًا: نقش أسيس
ثانيًا: نقش حران
ثالثًا: نقش أم الجمال الثاني
ثانيًا: أدوات الكتابة
ثالثًا: الكتابة والتوثيق في الثقافة العربية قبل الإسلام
الْفَصْلُ الأوّل: الشَّفَاهِيَّةُ وَالْكِتَابِيَّةُ فِي سِيَاقِ أَرْخَنَةِ النَّصِّ القرآنيِّ
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: الْأَرْخَنَةُ بَيْنَ الْمَفْهُومِ وَالتَّأْصِيلِ
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: مَفْهُومُ الْأَرْخَنَةِ فِي اللُّغَةِ وَالْاصْطِلَاحِ
أوّلًا: مفهوم الأرخنة في اللغة
ثانيًا: مفهوم الأرخنة في الاصطلاح
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: أُصُولُ الْأَرْخَنَةِ
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: آَلِيَّاتُ الْأَرْخَنَةِ وَتَوْظِيفُهَا فِي قِرَاءَةِ النَّصِّ القرآنيِّ
أولًا: مفهوم النص في اللغة والاصطلاح
ثانيًا: آليّات أرخنة النص القرآني
ثالثًا: أثر الأرخنة على النص القرآني
الْمَطْلَبُ الرَّابِعُ: بَوَاعِثُ الْقَوْلِ بِأَرْخَنَةِ النَّصِّ القرآنيِّ
الباعث الأوّل: لغة نزول النص القرآني
الباعث الثّاني: تضمين النص للأبعاد التاريخية
الباعث الثالث: تكيف الأمثال القرآنيّة مع البيئة العربيّة
الباعث الرابع: الادّعاء بوجود آيات تعكس ثقافة منقرضة
الْمَطْلَبُ الْخَامِسُ: أَثَرُ الْأَرْخَنَةِ فِي فَهْمِ النَّصِّ القرآنيِّ
أوّلًا: علوم القرآن
ثانيًا: المصالح
ثالثًا: مقاصد الشريعة
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: الشَّفَاهِيَّةُ وَالْكِتَابِيَّةُ بَيْنَ النَّظَرِيَّةِ وَالتَّطْبِيقِ
المطلب الأوّل: نظرية الصيّغ الشفاهية وتطبيقها على القرآن الكريم
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: رُؤْيَةُ الْمُسْتَشْرِقِينَ حَوْلَ شَفَاهِيَّةِ وَكِتَابِيَّةِ القرآن الْكَرِيمِ
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: رُؤْيَةُ الْحَدَاثِيِّينَ حَوْلَ شَفَاهِيَّةِ وَكِتَابِيَّةِ القرآن الْكَرِيمِ
الْفَصْلُ الثَّاني: تَلَقِّي القرآن الْكَرِيمِ شَفَاهِيًّا
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: النَّبِيُّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) وَالتَّلَقِّي الشَّفَاهِيُّ لِلْقُرْآنِ
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: دَلَالَةُ وَصْفِ النَّبِيِّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْأُمِّيِّ
أوّلًا: (الأميّ) في اللغة والاصطلاح
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: اللَّوْحُ الْمَحْفُوظُ، وَمَقَامَاتُ القرآن الْكَرِيمِ
أوّلًا: مفهوم (اللوح المحفوظ)
ثانيًا: علاقة اللوح المحفوظ بأمّ الكتاب والكتاب المكنون
ثالثًا: مقام القرآن الكريم ومستوياته
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: الْوَحْيُ، مَفْهُومُهُ وَمَرَاتِبُهُ وَوَسَائِلُهُ
أوّلًا: مفهوم الوحي في اللغة والاصطلاح
ثانيًا: مراتب الوحي ووسائله
الْمَطْلَبُ الرابع: لِقَاءُ النَّبِيِّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بِالْمَلك جِبْرَائِيلَ(عليه السلام)
أولًا: عبادة النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) قبل البعثة
ثانيًا: الروايات التي نقلت بداية اللقاء مع الْمَلك جِبْرَائِيلَ(عليه السلام)
ثالثًا: حفظ القرآن الكريم بمعونة الوحي
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: تَلَقِّي الصَّحَابَةِ القرآن الْكَرِيمَ شَفَاهِيًّا
مدخل: التَّلَقِّي فِي اللُّغَةِ وَالْاصْطِلَاحِ
أوّلًا: التلقّي في اللغة
ثانيًا: التلقّي في الاصطلاح
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: طُرُقُ تَلَقِّي القرآن الْكَرِيمِ شَفَاهِيًّا
أوّلًا: الاستماع والإنصات
ثانيًا: التلاوة أو العرض
ثالثًا: التلقين
الفرق بين التلقين والتعليم
الدلائل القرآنية على أن الوحي القرآني كان تلقينًا
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: اللَّفْظَةُ القرآنيَّةُ وَإِيقَاعُهَا الصَّوْتِيُّ
أوّلًا: اللفظة القرآنية
ثانيًا: الإيقاع الصوتي للفظة القرآنية
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: نَمَاذِجُ تَلَقِّي القرآن الْكَرِيمِ شَفَاهِيًّا فِي عَهْدِ النَّبِيِّ محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)
أوّلًا: تلقي الصحابة القرآن الكريم شفاهيًا مباشرةً عن النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)
ثانيًا: تلقي القرآن الكريم شفاهيًّا بواسطة صحابة بلَّغوا عن النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم) بأمره
الْفَصْلُ الثَّالِث: تَدْوِينُ القرآن وَتَرْتِيبُ آيَاتِهِ وَسُوَرِهِ وَأَثَرُ ذَلِكَ فِي رَسْمِ الْمُصْحَفِ
الْمَبْحَثُ الْأَوَّلُ: تَدْوِينُ النَّصِّ القرآنيِّ وَتَرْتِيبُ آيَاتِهِ وَسُوَرِهِ
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: تَدْوِينُ وجمع النَّصِّ القرآنيِّ
أوّلًا: جمع القرآن عند جمهور المسلمين، عرض وتحليل في ضوء الرواية والتاريخ
ثانيًا: رؤيةُ الإماميّة لجمعِ القرآن: بينَ القولِ بالتحريفِ والانتصارِ للمصحفِ الجامع
ثالثًا: الأدلّة على جمع القرآن في عهد النبي محمّد(صلى الله عليه وآله وسلم)
رابعًا: توحيد قراءة الأمة على حرفٍ واحد
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: تَرْتِيبُ آيَاتِ القرآن الْكَرِيمِ
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: تَرْتِيبُ سُوَرِ القرآن الْكَرِيمِ
الْمَبْحَثُ الثَّانِي: رَسْمُ الْمُصْحَفِ
مدخل: مَفْهُومُ رَسْمِ الْمُصْحَفِ
أوّلًا: الرسم في اللغة والاصطلاح
ثانيًا: المصحف في اللغة والاصطلاح
ثالثًا: رسم المصحف كمركّب إضافي:
الْمَطْلَبُ الْأَوَّلُ: قَوَاعِدُ رَسْمِ الْمُصْحَفِ وَمَزَايَاهُ وَفَوَائِدُهُ
أوّلًا: قواعد رسم المصحف
ثانيًا: مزايا رسم المصحف وفوائده
ثالثًا: فوائد رسم المصحف
الْمَطْلَبُ الثَّانِي: تَنْقِيطُ الْمُصْحَفِ
الْمَطْلَبُ الثَّالِثُ: حُكْمُ رَسْمِ الْمُصْحَفِ
الخاتمة
أوّلًا: أهم النتائج التي توصّلت إليها الدراسة
ثَانِيًا: التَّوْصِيَات
قائمة المصادر والمراجع
مقدمة المركز
عندما نتتبّع ما كتبه المستشرقون في قضيّة «جمع القرآن الكريم وتدوينه» نجد أنّ ثمّة مجموعة من الشبهات التي أُثيرت فيما يرتبط بموضوعَي التدوين والجمع، وهي تهدّد سلامة النصّ القرآنيّ، وتشكّك في صحّته، بل يمكن أن تؤدّي إلى الاعتقاد بتحريفه.
ويلتقي ما يذهب إليه هؤلاء المستشرقون مع أقوال جماعة من علماء أهل السنّة، وخلاصتها أنّ القرآن لم يتمّ تدوينه وجمعه في كتابٍ رسميٍّ على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، ولم يكن القرآن لدى الصحابة آنذاك كتابًا مجموعًا بين دفتين، وإن كان مكتوبًا في صُحف متفرّقة .
ولكن توجد أدلّة كثيرة تفيد أنّ القرآن الكريم قد جُمع في عهد النبيّ(صلى الله عليه وآله وسلم). وعلى ذلك اتفقت كلمة جمهور فقهاء الشيعة، غير أنّه لم يوضع في كتاب واحد؛ كما عليه الكتاب طيلة القرون اللّاحقة.
وقد تعرّض لمسألة جمع القرآن جملة من المستشرقين، على رأسهم: المستشرق الفرنسي ريجي بلاشير، والمستشرق الألماني تيودور نولدكه، وإجنيتس جولدتسيهر، وكازانوفا، وغيرهم. وتوزّعت آراؤهم بين عدم جمعه في عهد النبيّ، وغموض تاريخ القرآن، وعدم صحّة الروايات الواردة في الجمع، وتأخّر تدوين القرآن، وضياع فقرات من القرآن (التحريف بالنقيصة)، ووجود أشياء في القرآن ليست منه (التحريف بالزيادة).
ومن الواضح بعد التدقيق والتمحيص أنّ منهج المستشرقين في مسألة جمع القرآن وتدوينه قائم على الانتقائية في التعامل مع المصادر غالبًا. فقد قام المستشرقون بدراسات واسعة وعميقة لأنواع مصادر الدراسات، فوجدوا ضالّتهم المنشودة في بعض الكتب وبعض الروايات وبعض الاجتهادات الخاطئة من علماء المسلمين، فاستفادوا منها وأشادوا بذكرها ونشروها في بلاد المسلمين.
وطبقًا لرأي بعض العلماء المسلمين؛ فإنّ القرآن قد جُمِعَ بشكل كامل على عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم). وأمّا الذين قالوا بجمع القرآن بعد رحيل النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)؛ فإنّهم يجمعون أيضًا على أنّ مادّة القرآن كانت موجودة على شكل سور مستقلّة في عهد رسول الله(صلى الله عليه وآله وسلم).
يأتي هذا الكتاب (الخطاب الشفاهي والتدوين الكتابي للقرآن الكريم) في هذا السياق ليعالج الكاتب الباحث أَكْرَم قَاسِم عَبْدَ المُحْسِن الشّباريّ هذه القضية الحسّاسة بأسلوب علمي، مراعيًا الدقّة المنهجيّة والبحثية، فقد عالج الباحث بعد التمهيد الذي تناول فيه المبادىء التصورية للبحث بشكل دقيق ثلاثةَ فصول؛ جاء الأوّل منها بعنوان: (الشفاهيّة والكتابيّة في سياق أرخنة النصّ القرآنيّ)، وانعقد الفصل الثّاني بعنوان: (تلقي القرآن الكريم شفاهيًا)، وجاء الفصل الثالث بعنوان: (تدوين القرآن وترتيب آياته وسوره وأثر ذلك في رسم المصحف).
وأخيرًا، لا بدّ من أن نقدّم للباحث العزيز، ولكلّ من ساهم في إنجاز هذا العمل من الأساتذة والمصحّحين والفنّيين، خالص الشكر والتقدير والامتنان، راجين من الله أن ينفع به خير منفعة وفائدة.
مقدمة المؤلف
الحمد لله ربّ العالمين والصلاةُ والسلامُ على سيد الخلق أجمعين محمّد وعلى آله الغرّ الميامين، ورضوانُه على الصحابة المنتجبين الأجلاءِ.
الحمدُ لله الذي أنزل القرآن كلامًا مؤلّفًا منظّمًا، ونزَّله بحسب المصالح منجّمًا، وجعله بالتحميد مفتتَحًا وبالاستعاذة مختتَمًا، الحمدُ لله الباعث الحكيم الوارثِ العليمِ الذي خلقَ الإنسانَ في أحسنِ تقويم، وحباهُ البيان فكان آية للعالمين، وصلّى اللهُ على المبعوث رحمةً للعالمين الحبيب المصطفى عليه وآله أفضل الصلاة وأتمّ التّسليم.
أما بعدُ، فإنَّ القرآن الكريم، كلام الله المنزل، نُقل إلينا منذ عهد النبي الأكرم(صلى الله عليه وآله وسلم)، ويُعدّ هذا النقل وسيلةً لضمان حفظ النصّ وصيانته من التحريف، ومع ذلك فإن طبيعة النقل الشفاهي كجزء من التراث الشفوي تواجه تحدّيات بنظر الآخر عند مقارنتها بمناهج التاريخ الحديثة التي تعتمد على الوثائق المكتوبة، وقد بذل العلماء المسلمون جهودًا كبيرة لإثبات أن نقل القرآن وتدوينه خضع لمعايير صارمة، ما يجعله موثوقًا في الإطار الإسلاميّ، إلّا أنّ هذه الجهود، وإن كانت مقنعةً للمسلمين الذين يرون في التواتر أساسًا للعلم اليقينيّ، قد لا تكون كافيةً لإقناع مَن يتبنّون منهجيّات تاريخيّة مختلفة، أو لا يؤمنون بهذه المنظومة المعرفيّة.
ولقد شكَّل القرآن الكريم موضوعًا للدراسة والنقد في الغرب، إذ مرَّت عملية نقده على يد المستشرقين بمرحلتين رئيستين؛ الأوّلى: وهي المرحلة الكلاسيكية التي أرجعت القرآن إلى شخص النبي(صلى الله عليه وآله وسلم)، مع ادّعاءات بأنّه استقى بعض مضامينه من الكتب الدينيّة السابقة. أما المرحلة الثّانية، فقد بدأت في سبعينات القرن العشرين، إذ دعا بعض المستشرقين إلى تطبيق مناهج النقد التاريخي التي استُعملت في دراسة العهدين القديم والجديد على القرآن الكريم، واعتمد هؤلاء على فرضية أن القرآن مرَّ بمرحلة نقل شفاهي قبل تدوينه في صيغته النهائية، مما يجعل من الضروري، في رأيهم، استعمال هذه المناهج للكشف عن التطوّرات التاريخية التي مرَّ بها النصّ القرآنيّ قبل جمعه في المصحف الذي نعرفه اليوم.
في ضوء هذه الخلفية، تأتي هذه الدراسة التي حملت عنوان: (الخطاب الشفاهي والتدوين الكتابي للقرآن الكريم- دراسة تحليليّة) بوصفها محاولة جادّة لبحث إشكاليّة نقل القرآن الكريم وتدوينه في سياق المناهج التاريخية الحديثة، مع مراعاة الخصوصية المعرفيّة للنص القرآنيّ وطبيعة نقله، كما تسعى إلى تقديم رؤية متوازنة تجمع بين احترام المنظور الإسلامي والتزام الموضوعية العلمية، بما يفتح آفاقًا جديدة لفهم أعمق لتاريخ القرآن الكريم.
وجاء سبب اختيار هذه الدراسة؛ انطلاقًا من الأهمية الكبيرة للدفاع عن القرآن الكريم وعلومه في مواجهة دراسات المستشرقين قديمًا وحديثًا، والتي أثارت بعض الشبهات المرتبطة بالقرآن الكريم ونزوله وكيفية تلقّيه وتدوينه، وقد تابعهم على ذلك بعض الحداثيّين العرب والمسلمين، عن قصد ومن غير قصد؛ إذ ألّف المستشرقون أبحاثًا وكتبًا في ذلك، وكان من أبرز ما أثار اهتمامي كتاب (الكتابة والشفوية في بدايات الإسلام) للمستشرق السويسري (غريغور شولر)، إذ أثارت الأفكار المطروحة فيه اهتمامي، خاصةً حول التفاعل بين الشفاهيّة والكتابة في تشكيل المعرفة الإسلامية المبكرة، بعدها عرضتُ الفكرة على بعض الأساتذة المتخصّصين الذين شجعوني على تطويرها في رسالة ماجستير؛ لذا جاء اختياري لهذا العنوان كمساهمة علمية علّها تسدّ فراغًا بحثيًّا، وتقدّم رؤية تحليليّة متوازنة حول دور الشفويّة والكتابة في حفظ القرآن الكريم ونقله عبر الأجيال.
وتُعدّ دراسة موضوع النقل الشفاهي والتدوين الكتابي للقرآن الكريم من القضايا البحثيّة ذات الأهمية الكبرى في حقل الدراسات القرآنيّة واللغويّة والتاريخيّة. إذ تتمثّل أهميّة هذه الدراسة في عدة جوانب، فهي تسعى إلى تحليل الأدلّة التاريخيّة المتعلّقة بالنقل الشفاهي للقرآن الكريم ومحاولة تقويم مصداقيّتها باستعمال مناهج النقد التاريخي، بعيدًا عن المسلمات الدينية، كما تحاول إثبات أن القرآن يتمتّع بوحدة نصّيّة واضحة، سواء في البنية اللغويّة أو المحتوى الدلاليّ، مما يصعب تفسيره بفرضية تعدّد المصادر. بالإضافة إلى ذلك، فإن ظهور القرآن كنص متكامل في مجتمع شفاهي يعتمد على الكتابة بشكل محدود يثير تساؤلات حول قدرة النقل الشفاهي وحده على حفظ هذه الوحدة، مما يدعم دور الكتابة في حفظ القرآن ونقله عبر الأجيال.
مشكلة الدراسة: تتمثّل إشكالية البحث في جملة من التساؤلات، منها:
- هل يمكن اعتبار الانتقال من النقل الشفوي إلى التدوين المكتوب مجرّد امتداد زمني للوحي؟ أم أنّه يمثّل انقطاعًا جذريًا ولحظة تأسيسية تعيد تشكيل الفهم الدينيّ والمعرفي للنص ذاته؟
- هل عكس الترتيب النصيّ للمصحف تسلسلَ النزول وفق إيقاعه الزمني؟ أم أنّه خضع لعمليّةٍ تحريريّةٍ أعادت تشكيله وفق منطق تدويني لاحقٍ، تحكّمت فيه اعتبارات لاهوتيّة وسياقيّة وسلطويّة؟
- هل قصدت السماء تحويل القرآن الكريم من مادة صوتيّة إلى مادة مكتوبة؟ أم أنّ ما قام به الصحابة هو اجتهاد مصلحة ما؟
وقد شهدت العقود الأخيرة ظهور العديد من الأبحاث والدراسات التي تناولت موضوع الخطاب الشفاهي والتدوين الكتابي للقرآن الكريم الذي يُعدّ من القضايا المحورية في الدراسات القرآنيّة المعاصرة من زوايا متعدّدة، سواء من حيث طبيعة النصّ القرآنيّ كخطاب شفاهي في مراحله الأوّلى، أم من حيث انتقاله إلى مرحلة التدوين الكتابي الذي حفظه من التحريف والضياع، منها:
• النصّ القرآنيّ بين المشافهة والكتابة، الدكتور زهير غازي زاهد، بحث منشور في مجلد العميد، العدد 2، العراق، 1434هـ/ 2013م.
• الشفاهيّة والكتابيّة والوحي القرآنيّ، د. محمّد عبد الرحمن سلامة، بحث منشور في مجلة جامعة المدينة العالمية، العدد: 18، ماليزيا، أكتوبر- 2016م.
• الشفاهيّة والكتابيّة في النصّ القرآنيّ في ضوء القراءة الحداثية، الدكتور حاكم حبيب الكريطي - والدكتور حكيم سلمان السلطاني، بحث منشور في كلية الآداب، جامعة الكوفة، المجلد 10، العدد 31، العراق، 1438هـ/ 2017م.
• القرآن الكريم بين الشفاهي والمكتوب، الشيخ ليث عبد الحسين العتابي، مقال منشور في موقع: كتابات في الميزان، 19/ 3/ 2021م.
• القرآن الكريم وتفسيره - دراسة في ضوء الشفاهية والكتابية، مجموعة من البحوث منشورة في مجلّة قرآنيات، ط1، دار تجديد للطباعة والنشر، العدد 3، العراق، 2024م.
• القرآن البعدي، ميثاق العسر، (د. ط)، دار تجديد للطباعة والنشر، بيروت - لبنان، 2020م.
وبدا لي في ظلّ معاينة هذه البحوث المنشورة أنّه على الرغم من قيمتها العلمية، إلّا إنّها لم تتناول آراء المستشرقين والحداثيين الذين تناولوا هذه القضية بمناهج مختلفة بشكل كافٍ، بل إن بعضها قد أغفل مناقشة هذه الآراء بشكل تحليليّ ونقديٍّ.
وقد اعتمدت في هذه الدراسة على منهجيّة مركّبة تجمع بين عدّة مناهج بحثية، وذلك بهدف تحليل العلاقة التفاعلية بين الجوانب الشفاهيّة والكتابيّة للنص القرآنيّ في مختلف مراحل تطوّره، إذ بدأت الدراسة باستعمال المنهج الوصفي لوصف عملية نقل القرآن الكريم شفهيًّا وكتابيًّا، وذلك بواسطة استعراض تطور الخطاب القرآنيّ منذ نزوله حتى تدوينه النهائي، مع التركيز على كيفية تجسيد هذه العمليّات في السياقات التاريخيّة والثقافيّة المختلفة، كما تمّ الاستناد إلى المنهج التحليلي لفحص النصّوص القرآنيّة والدراسات التي تناولت هذا الموضوع، وذلك بهدف تحليل الأساليب القرائية والكتابيّة التي اعتمدها المسلمون الأوائل في نقل القرآن وحفظه، وبواسطة المنهج التاريخي، تم استعراض وتوثيق السياقات الزمانية والمكانية التي شهدت انتقال القرآن من الشفاهيّة إلى الكتابة، مع تسليط الضوء على العوامل المؤثّرة في هذا التحوّل، واستعملت المنهج النقدي لتقويم الآراء المختلفة حول نقل القرآن بين الشفاهيّة والتدوين، خاصّة تلك التي طرحها المستشرقون والحداثيّون، وتحليل مدى صحّة هذه الآراء في ضوء الأدلّة التاريخية والنقديّة المتوفّرة.
في الختام، أحمد الله عزَّ وجلَّ على توفيقه لي لإتمام هذه المرحلة، فإن كان عملي وجهدي قد أتيا صوابًا، فذلك بفضل الله تعالى وكرمه، وإن كان فيه تقصير، فذلك من ضعفي وقصوري. وأوجّه الشكر الجزيل إلى الأُسْتَاذِ المشرف الدُّكْتُور دُرِيد مُوسَى دَاخِل الْأعْرَجِي، الذي لم يدّخر جهدًا في إبداء ملاحظاته السديدة وتوجيهاته الرشيدة لإثراء هذه الدراسة بعلمه الغزير، فجزاه الله كلّ خير، وأثابه حسن الثواب في الدنيا والآخرة. كما أُعرِب عن امتناني لأساتذتي الأفاضل، ولعائلتي التي وفّرت لي الدعم والظروف الملائمة لإتمام هذه الدراسة. وأخيرًا أشكر كلّ مَن ساهم بأيّ جهد في إتمام هذه الدراسة، ولو كان بدعاء في ظهر الغيب.
وأهدي هذا العمل إلى النبي(صلى الله عليه وآله وسلم) وأهل بيته(عليهم السلام)، وإلى روح وَالِدَيَّ، وأولادي، وإخوتي وأخواتي.