البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

في حوار حول الدين والحداثة والعلمنة الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه

الباحث :  حــاوره: ماتيـو جيـرو
اسم المجلة :  مجلة الاستغراب
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى - خريف 2015 م / 1436 هـ
تاريخ إضافة البحث :  January / 10 / 2016
عدد زيارات البحث :  1533
في حوار حول الدين والحداثة والعلمنة
الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه
سمة[ العالم الحديث..الجهل !

حــاوره: ماتيـو جيـرو

منذ بداياته الاولى ظل الفيلسوف الفرنسي مارسيل غوشيه (Marcel Gauchet) ينتظر لحظة ما للخروج من «المياه الراكدة» للفكر الفرنسي.. التقط فرصته المنتظرة، بانطلاق حركة الشبيبة عام 1968 ودخل من خلالها عالم الفكر الناقد الذي تمثل آنذاك بـ «المدرسة البنيوية»، وهي المدرسة التي سيطرت على مفاصل واتجاهات التأثير لدى الانتلجنسيا الفرنسية من خلال عدد من كبار المفكرين أمثال جان بول سارتر، جاك لاكان، ميشيل فوكو وسواهم... غير انه بعد زوال «حركة التمرد»، وتداعي آمال التغيير، وتفرق صفوف «الرفاق»، لم يطرح غوشيه جانباً كل ما في جعبته، إنما أبقى على «برنامج علم موحد للانسان يتكون من علوم اللغة واللاوعي والتاريخ». منذ ذلك الحين لم يعد برنامجه الفكري منحصراً في نقد الحداثة، وانما، تكرّس لفهم صيرورتها، ومستقبلها.
في ما يلي حوار معه أضاء فيه على أهم أطروحاته المتعلقة بالحداثة وصلتها بالدين والعلمنة. وقد أجراه معه الكاتب في مجلة (فيليت) الفرنسية ماتيو جيروMatthieu Giroux
«المحرر»

ماتيو جيرو: يعتبر البعض أن الحداثة تبدأ مع الذاتية والكوجيتو الديكارتي، بينما يرى البعض مثل بيغي، أنها أبصرت النور حوالى العام 1880، فيما يؤكد آخرون مثل آلان دي بنوا أنها تتزامن مع ظهور المسيحية. برأيك متى بدأت الحداثة؟
غوشيه: هي مشكلة قواعدية تعب كثيرون لأجل حلّها. الاقتراحات في هذا الصدد كثيرة. وقد ذكرتَ في سؤالك بعضاً منها، لكن يوجد غيرها الكثير. هناك أصل مسيحي للحداثة، ذلك أؤمن به حقّاً، لكن الأصل ليس بالضرورة ان يكون المدخل إلى بيان مقترحات الحداثة. ثمة بداية للحداثة تم رصدها بشكل حدسي منذ فترة طويلة. حين نتحدّث عن «الأزمنة الحديثة»، نسأل: ما هو التاريخ الفعلي الدقيق الذي يسمح بتمييزها؟ المقترح الأكثر عبثية بنظري هو سقوط القسطنطينية. لا شك أنها مرحلة انقطاع هامة غير أنها لا تدل على أي شيء جوهري مما سيحدث بعدها. في الكتب المدرسية التي استخدمتها في صغري، كان يُذكَر عصر الاستكشاف: كريستوف كولومبوس، غوتنبرغ، كوبرنيكوس...لا بد إذاً من فهم هذه الظاهرة من أجل دمج جميع المعايير المميزة فيها. هذا ما سعيت جاهداً إلى القيام به عبر اقتراح منظور يسمح بجمع هذه المعايير المختلفة الفلسفية والحَدَثية أو المادية في الوقت عينه ضمن كتلة إجمالية ذات معنى. وهذا بالضبط ما يتماشى مع الاقتراح الذي يعتبر أن الحداثة هي حركة الخروج من الدين. هذا تعريف شمولي، فانطلاقاً منه، يمكننا ربط ظواهر لا علاقة أولية في ما بينها.
جيرو: ما الذي تعنيه على وجه التحديد من تلك الوضعية التي تعتبرها «خروجاً من الدين»؟
غوشيه: الخروج من الدين لا يعني أن الناس باتوا لا يؤمنون بالله. فهم لم يكونوا أقوياء الإيمان به من قبل في كل الأحوال!... إن إحدى أولى المؤشرات الصارخة على الدخول في الحداثة بصفتها خروجاً من الدين هي الإصلاح البروتستانتي الذي وُلِدَ كرد فعل على ما عرف بالإصلاح الكاثوليكي. لقد عبر الإصلاحان عن نفسيهما بزيادة في الإيمان؛ بمعنى الواقع الذاتي المَعِيش والتحاق الأشخاص بالدين. لكن زيادة التحاق الأشخاص ليست هي السبب في تعزيز الدين في المعنى الذي أبتغيه، أي كأسلوب تنظيم جماعي. الخروج من الدين إذاً، هو خروج عن التنظيم الديني للعالم. لهذا السبب لم نفهم المجتمعات القديمة، حيث إنها كانت منظّمة دينيّاً وكانت تحدّد في الوقت نفسه نوع السلطة السائدة فيها، ونوع العلاقة بين الأفراد وشكل المجموعات... هذا البنيان الكامل هو الذي راح يتفكّك شيئاً فشيئاً في مجهود استغرق خمسة قرون وصولاً إلى عصرنا. بموازاة الإصلاح الديني، ثمة حدث يبرز على أنه معاصر تماماً: هو ظهور السياسة الحديثة الذي ولّد على مدى قرن كامل مفهوم الدولة الحديث. يمكنك إذا ً أن ترى كيف أن مساراً سياسيّاً ومساراً دينيّاً يغيّران معطيات الإيمان بشكل كلي...
جيرو: قلتَ، «مسار ديني»، و«مسار سياسي».. ثم ماذا بعد؟
غوشيه: ثمة مسار علمي. انطلاقاً من هنا، برز نمط غيّر الفكر الحديث بأكمله: العلم: كوبرنيكوس، كبلر، غاليليو... هذا ما عمّق معرفتنا بمؤسسة العلم التي بدورها غيّرت كلّيّاً فكرة المعرفة. وهنا نجد الكوجيتو الديكارتي. من هو ديكارت؟ هو من يستخلص النتائج الفلسفية للعلم الحديث، بناء على أنه أمامنا طريق معرفة جديدة اسمها العلم. هذا هو الكوجيتو. لم ينشأ من عدم بل هو فكرة مستوحاة من الممارسة العلمية. ولا ينبغي أن ننسى نشأة نوع جديد كلّيّاً من الفكر عبر الثورة الإنكليزية: فكرة العقد الاجتماعي التي ستولّد الفردانية الحديثة. من الواضح إذاً كيف يمكننا أن نوصِّف، انطلاقاً من منظور فريد، سلسلة أحداث نظرية وعملية. يجب الابتعاد عن الخلافات العقيمة التي تسعى إلى تحديد نقطة انطلاق واحدة (ديكارت، لوثر،...).


-------------------------------
من سيرته الذاتية
ولد الفيلسوف والمؤرخ الفرنسي مارسيل غوشيه عام 1946 في منطقة المانش الفرنسيّة، من أبٍ عامل طرقات وأمّ تعمل في الخيّاطة. تلقّى تعليمه في مدرسة المعلّمين العليا التي انقطع عنها لفترة قبل أن يستأنف دراسة الفكر السّياسيّ في العام 1968 تحت إشراف “كلود لوفور” (Claude Lefort). وقد رسمت لقاءاته الفكريّة مع زوجته الطّبيبة النّفسانيّة “غلاديس سوين” (Gladys Swain)، و“بيار كلاستر” (Pierre Clastres)، و“فرانسوا فوري” (François Furet)، و“بيار مانانت” (Pierre Manent) وآخرين كثر، مسارًا غير معهود، لكنّه مسارٌ موسوعيّ.
يشغل مارسيل غوشيه حاليّا منصب مدير البحوث بمدرسة الدّراسات العليا في العلوم الاجتماعيّة وفي مركز البحوث السّياسيّة (ريمون آرون) وفي الوقت نفسه يتولى رئاسة تحرير مجلّة (Le Débat).
أصدر غوشيه 21 كتابا أهمها كتابه الأخير «الدين في الديمقراطية» كذلك كتابه الأشهر«مجيء الديمقراطية» L’Avènement de la démocratie ، وقد نشر ضمن أربع مجلّدات. يستعرض المجلّد الأول، الثورة الحديثة (La Révolution moderne) وفيه يحدد معالم المشروع العام للحداثة قبل أن ينتقل إلى الحديث عن المرحلة الممتدة من مطلع القرن السادس عشر لغاية 1880، بينما يتحدث الثاني عن «أزمة الليبرالية، (La Crise du libéralisme)، عن فترة الأعوام 1880-1914. أمّا الثالث فسيكون موضوعه عن الأنظمة الديكتاتورية في القرن العشرين، في حين سيغطي المجلّد الأخير المرحلة الممتدة من العام 1970 وحتى يومنا هذا.
يذكر أن كتابه الأخير «الدين في الديمقراطية» La religion La Democratie يعتبر من أبرز وأهم ما قدمه في عالم التنظير النقدي لأزمة الديمقراطية في الغرب.
-------------------------------


جيرو: بيغي يقول إن الحداثة بدأت عام 1880، فما الذي أنت قائِلهُ؟
غوشيه: بيغي ليس على خطإ. فقد لحظ أمراً صحيحاً جدّاً، في ذلك الوقت بدأت مرحلةٌ جديدةٌ قويةٌ من هذا المسار العام. هذه المرحلة الجديدة هي التي سينتج عنها مسار القرن العشرين حتى العام 1980 تقريباً. واليوم عدنا من جديد. لعله يوجد بيغي صغير في هذه اللحظة يكتب لنا كيف أن العالم الحديث يبدأ عام 1980... يجب التفكير بالموضوع على أساس وجود مراحل ضمن مسار تراكمي ومتناقض وغير متجانس. أنا أحترس من الأشخاص الذين يحلّلون البيت إلى أجزائه، إذ ينبغي تجنب السذاجة التي بموجبها نعيد كل الموضوع إلى نقطة بداية مطلقة. إن المرحلة التي يشير إليها بيغي معبّرة كثيراً؛ فالعالم تغيّر سنة 1880، هذا أكيد! وقد استغرقنا قرناً كاملاً لفهم ما كان يحصل لنا، وها نحن عدنا أدراجنا اليوم، ما يعني أننا دوماً متأخرون. لا بد إذاً، من استخلاص الاستنتاجات والانكباب على العمل.
جيرو: لو أردنا الحديث عن مراحل أشكال الحداثة في المسيحية، كيف ترى إلى تلك المراحل التي تقع ما بين ولادة المسيح وعصر الاستكشاف؟
غوشيه: كثيرة هي هذه المراحل! المرحلة الأولى تحمل اسم عَلَم هو بولس الطرسوسي. فلولا هذا الأخير، ما كانت المسيحية لتوجد. أما المرحلة الثانية، فهي مرحلة القديس أغسطينوس، أي حقبة المسيحية الغربية التي جاءت مختلفة للغاية عن المسيحية قيد التطور المتمركزة في بيزنطة. فالقديس أغسطينوس هو من أنشأ نوعاً من الحساسية الحديثة في جوانب متعدّدة. عالمنا أغسطيني بامتياز. المسيحية الشرقية لن تكون أبداً أغسطينية. المَعْلَم الحاسم الآخر هو ما حصل في القرن الحادي عشر مع إصلاح غريغوريوس السابع، من إنشاء لكنيسةٍ جديدةٍ جِدُّ مختلفةٍ عما كنا عهدناه حتى حينه، ونشوء الثورة البابوية كما يصفها بعض المؤرخين. وقد ترافقت هذه المرحلة بحجة لاهوتية قوية، وهي القدرة الإلهية الكلية التي سيفكّر فيها الفلاسفة على مدى قرون طويلة.
جيرو: بالنسبة إلى المسيحية الأصلية، أليس الله كلي القدرة في إيمانها ومعتقدها؟
غوشيه: بلى لكنها مشكلة استبصار. ما انعكاساتها المنطقية؟ ما معنى هذا المقترح؟ في نهاية القرن، لديكم اللاهوتي الذي أنشأ اللاهوت الكاثوليكي كما نعرفه: أسقف كانتربري انسلم. فالقرن الحادي عشر الذي أقترح تسميته بـ «الانفراج الغربي الكبير» قاد المسيحية فكريّاً وعمليّاً في طريق مغاير تماماً. انطلاقاً من ذاك الوقت، أمامك خمسة قرون اختمار ملأى بالقلق وقد تولّد عنها الانقطاع في بداية القرن السادس عشر. أعتقد أنه بإمكاننا كتابة قصة متوقعة وبديهية عن هذا المسلك.
جيرو: ما الفرق بين مناهض للحداثة ورجعي؟ في أيامنا هذه يجري وصف الجميع بالرجعية، فماذا عنك؟
غوشيه: نعم! وأنا من ضمنهم (ضحك)... الكاتب الذي تتحدث عنه ليس سوى دمية متحركة في يد متلاعب يعرف وحده إلى أين هو ذاهب. الخطيئة المميتة الحقيقية التي ارتكبتُها هي أنني انتهكتُ المحرّمات المتمثلة بأسياد التخريب: ميشال فوكو وبيار بورديو. منذ اللحظة التي تتجرأ فيها على القول أن هذا النوع من الأفكار لربما لا يتضمّن التسلسل المنطقي الأفضل، تُصنَّف إلزاميّاً على أنك رجعي مغالٍ في رجعيتك.
جيرو: علينا إذاً أن نسأل هؤلاء الأشخاص عمن يقصدون بهذا النعت (الرجعية)...
غوشيه: لم يفكّروا أبداً في الموضوع. فهم غير قادرين على وضع تعريف لأي شيء (ضحك)... لكن بالعودة إلى الفرق بين الرجعي والمناهض للحداثة..أعتقد أن هناك فرقاً حقيقيّاً بين الاثنين، وأن هذا الفرق مثير جداً للاهتمام. فالرجعي بمعناه الدقيق هو شخص متعلّق بنمط مجتمعي قديم ويعتقد أنه من الممكن العودة إليه سواء كان ذلك النمط ملكية، أو تسلسلات هرمية اجتماعية، أو نظام عائلي متمحور حول صورة الأب... هناك إذاً شكل مثالي أبدي في أعين الرجعيين. هو نمط تفكير بالغ النبل نشأت عنه تعبيرات بارزة. من يجهل هذا الموضوع لا بد أن يكون ساذجاً وأميّاً. الحجة الأقوى هي أن جميع المجتمعات البشرية كانت، حتى تاريخ حديث، منظّمةً على هذا النحو. ينبغي إذاً أن نبرّر أنفسنا ببراعة إذا ما كنا نعتقد أن هذا النظام قابل للتغيير. بالنسبة إلى الرجعيين، فإن الحداثيين هم عبارة عن أفراد يعيشون ضلالاً تامّاً ويسعون إلى القيام بتجربة انتحارية.
أما مناهضو الحداثة، فهم أكثر تشكيكاً من الرجعيين، أولاً بالنسبة إلى فضائل هذا النموذج القديم للمجتمعات. في الواقع، مناهضو الحداثة هم حديثون للغاية، بمعنى أنهم يجدون أن الوضع الآن أفضل (ضحك)...فهم لا يؤمنون بإمكانية العودة إلى المجتمع الأبوي الذكوري، الأشرافي، الديني، الملكي...بيد أن ذلك لا يمنعهم من كره العالم الذي حلّ محلّ ذاك المجتمع. فهم معترضون عليه من الناحية الجمالية. فلان الفلاني ليس مناهضاً للحداثة، بل هو حداثي، مناصر للتقدّم، داعم لفكرة كسب مبلغ أكبر في خواتيم الشهر. بالنسبة الى الرجعيين، فإن القيمة الكبرى تكمن في الجمال، في الفن. إذاً هي جمالية الوجود في المعنى العام، الأمر الذي يشمل طريقة التصرّف.
جيرو: «الغندرة» هي إذاً، نزعة تأنّق..
مارسيل غوشيه: طبعاً. «الغنادرة» مناهضون للحداثة. قد يكون أمثال هؤلاء سبّاقين في بعض الأصعدة، وهو ما يولِّد الالتباس، لكنهم يعتبرون أن الإنسان الوسط يدير ظهره لقانون الجمالية الوجودية. هناك إذاً أرستقراطية خاصة يجب إعادة تشكيلها. يرى مناهضو الحداثة أن العالم الحديث هو عالم القبح والرداءة والابتذال، فينصّبون مقابل ذلك جميع قيم الاستثناء، من هنا الطابع الأدبي جداً للسلوك المناهض للحداثة. هُوَ ليس أدبيّاً فحسب إنما هُوَ كذلك فني وحرفي. لا مجال للمقارنة بين خزانة من صناعة أندريه ـ شارل بول وخزانة من تصنيع شركة «أيكيا»! إن قيمة العمل تكمن في التحفة الفنية. لقد اضمحلّت أهمية العمل المتقَن في عالم اليوم.
جيرو: هل من فرق في الدرجة أو في الطبيعة بين الحداثة وما بعد الحداثة وما يسمى فرط الحداثة؟
غوشيه: جميعها برأيي كلمات لا معنى لها. فلنميّز الأسباب المشروعة التي تدفع الناس إلى تحليل أدق الأمور في التسلسلات الزمنية وقيمة هذه الفئات. فهذه الأخيرة لا تملك أي قيمة مفاهيمية غير أنها تدلّ على حسّاسيّات إزاء لحظات انقطاع حقيقية. نعم، حصل انقطاع عام 1980 حين بدأنا بالتحدث عن فلسفة ما بعد الحداثة في الفن وهندسة العمارة والسياسة والمعتقدات الجماعية...أما أن نسمي هذه المرحلة بما بعد الحداثة فهذا أمر سطحي للغاية، ليس خاطئاً لكنه سطحي. فالموقف الفكري السليم يكون بتلقّف هذا النوع من الأمور بهدوء والتساؤل حول الأسباب التي تثبّتها. هي ليست بالحماقات لكنها سذاجة. هي مفاهيم صحفية سطحية. ما أن نغوص فيها حتى نكتشف أنها الحداثة نفسها التي تتفاقم.
جيرو: بالنسبة إلى بيغي، العالم الحديث هو العالم الذي يلعب دور «الماكر»، عالم متعالٍ وسيّء. هل توافقه الرأي؟
غوشيه: أعتقد أن هذه الصيغة تمس بشيء بالغ الأهمية لا بد من بلورته. في الواقع، العالم الحديث مغرور ومتبجّح: «نحن الحديثون مختلفون عن الحمقى الذين لم يكونوا يعرفون أنهم حديثون» (ضحك). بعد بيغي، لم تصطلح الأمور بل أخذت منحًى دراماتيكيّاً. الحداثة هي التاريخ البشري الذي يُفهَم وبالتالي يستحصل على وسائل ليبني نفسه بشكل كامل. من هنا، نشأت فكرة الثورة كما مورست عمليّاً في القرن العشرين. بفضل العلم، يعتقد مناصرو الحداثة أنه بالإمكان إنهاء التاريخ. هذه هي الفكرة الرئيسية التي طغت على القرن العشرين، الفكرة التي تسبّبت بأكبر الأضرار. العالم الحديث لا يلعب إذاً دور «الماكر» فحسب إنما هو ضحية غلوّ فظيع في الادّعاء. مُذَّاك، قمنا باكتشاف صغير، متواضع للغاية لكنه مسؤول جزئيّاً عن التخاذل النفسي الذي غصنا فيه. إننا نعلم الآن أنه مع حلول كل عصر، نفهم بشكل أفضل العصر الذي سبق، ما يعني أن ذريتنا ستفهم على نحو أفضل ما كنّا عليه وكيف كنّا نفكّر وماذا كنّا نفعل. نحن مجرَّدون بفعل الماضي من أفعالنا ومن الفهم الدقيق لحالتنا. وهنا يكمن بنظري سر اكتئاب مجتمعاتنا. وهذا للأسف منظورٌ جدُّ محبطٍ. هناك إذًا دكٌّ للثقة الجماعية بالفعل يبدو لي أنه أحد أهم عناصر الاضطراب المعاصر.
جيرو: آلان فينكلكروت يكتب في «الهوية الشقية»: «التغيير لم يعد ما كنا نقوم به بل ما يحصل لنا.» وهذا يتماشى مع ما تقوله.
غوشيه: لقد حصل فعليّاً انعطاف في هامش مجتمعاتنا فاجأنا تماماً ولم يتوقّعه أحد علماً أننا كنا نحن من تسبّب به من دون أن ندرك ذلك. نحن المعاصرون نفهم الماضي بشكل أفضل لكن هل يعطينا ذلك عناصر لفهم حاضرنا؟ الإجابة بالطبع هي كلا. فالعالم الحديث يتّسم بالجهل. هو لا يفهم ويسوده إحباط فظيع يحول دون قيامنا بأي فعل. نحن متشائمون ولا نعترف بذلك. يتملّكنا نوع من الأنا الأعلى يقول لنا: «أنتم لا شيء على الإطلاق». وها نحن قلقون بسبب عين المستقبل المسلّطة علينا.
جيرو: أنتَ تعرّف العالم الحديث على أنه عالم «الخروج من الدين»، لكن يبدو أننا نعيش اليوم عودة إلى التزمّت الديني. كيف تفسّر هذه المفارقة؟
غوشيه: هذه ليست مفارقة. فحركة الخروج من الدين، التي كانت حتى ذاك الحين تعني الغرب فقط، غدت كونية. فقد قدمت من الخارج بشكل هو أبعد ما يكون عن اللطف (استعماري، إمبريالي، رأسمالي) لتفرض نفسها على شعوب لم يعرفوا نسق تنظيم جماعي سوى تلك البنية التنظيمية الدينية التي سادت في البشرية منذ عرفناها.
جيرو: هي ردّة فعل...؟
غوشيه: هي بكل بساطة ردّة فعل. وهنا يكمن الفرق بين الأصوليات الجديدة والأديان التقليدية. ترى الأصوليين يستخدمون أسلحة العالم الحديث للمحاربة ضد هذا العالم الحديث نفسه. وعند الاستيلاء على الأسلحة، نستولي كذلك على أنماط التفكير. مذاك، هناك مزايدة. إنّ اعترافات الرهائن السابقين على خاطفيهم مثيرة جدًّا للاهتمام. فنحن بعيدون كل البعد عن الشفقة. الأصوليون يدمّرون التديّن التقليدي الذي يزعمون أنهم يريدون استرجاعه. وهم بالفعل يُنظَر إليهم على هذا النحو. فكل من لديهم إيمان تقليدي حقيقي يكرهون الأصوليين ويعتبرونهم عدميين مجانين.
جيرو: أنت ترى أن الجسم السياسي حل محله فكرة مجتمع لم تعد السياسة فيه سوى موضوعاً ثانويّاً. هل بالإمكان قلب هذه الحركة؟
غوشيه: هذا يُعَد أحد أكبر تغيّرات العالم المعاصر. لن أعيد رسم التاريخ الكامل للأشكال التي كان من الممكن للمجتمعات الدينية في الماضي اتخاذها لكن أحد أكثر معالمها وضوحاً هو أنها كانت محكومة بشكل عام من سلطة سياسية قادمة من الأعلى (الإله، الأجداد...)، سلطة عاموديّة تنظّم العالم لأنها تتواصل بنفسها مع النظام في العالم الآخر. ونجت هذه البنية من الدين واستمرّت لفترة طويلة جدّاً في العالم الغربي تحت اسم «الدولة» التي شكّلت جهاز سيطرة وإكراه. بالطبع هذا الجهاز ليس مناطاً بموافقة الآلهة إلا أنه يسيطر على المجتمع باسم عِلم أسمى خاص بالنظام الذي يرعاه. منذ الثورة الفرنسية، راحت السلطة تصبح شيئاً فشيئاً تمثيلاً للمجتمع وصورة عنه. فصرنا ننتخب الأفراد أصحاب السلطة. وينفصل هذا المجتمع عن السلطة ويصير مستقلاًّ. وحصل عندذاك ازدهار الاقتصاد. ومنذ ذلك الحين، لم يعد النظام المستوحى من السياسة هو المهم بل الديناميكية الاجتماعية الخاصة بالمبادرة الفردية. وانتقلنا من سيطرة السياسة إلى سيطرة الاقتصاد الذي صار رمزاً لاستقلال المجتمع. المجتمع، كما يعلّمنا علم الاجتماع الّسياسي، هو مفهوم لم يُفرَض فعليّاً إلا في نهاية القرن التاسع عشر. هذا المجتمع الذي يعيش تحت جناح الاقتصاد راح يغدو أكثر استقلالية وتنامى تطويعه للجهاز السياسي أكثر فأكثر. وها هم رجال السياسة اليوم خدّامون للمجتمع.
جيرو: وهنا نلتقي مع نقد بيغي...؟
غوشيه: نعم، كان قد لمس بداية هذه الظاهرة. هل يمكننا قلب هذه الحركة؟ لا أعتقد أنه ينبغي التفكير في الموضوع وتناوله بهذا الشكل. فالنظام السياسي لم يعد منظِّماً من الأعلى بل بات منظِّماً من الأسفل. البنية التحتية لمجتمعاتنا هي النظام السياسي، لا سياسة السياسيين وباعة أربطة العنق، بل النظام السياسي بمعنى الجهاز الذي يحافظ على المجتمع لا من الأعلى، بالقوة، بل بفضل بنية تحتية هائلة. هناك إذاً ترتيب جوهري متستّر للمجتمع. المشكلة السياسية في مجتمعاتنا بنظري بسيطة للغاية: الحكّام الذين يتلاعبون بهذا الجهاز من الأعلى لا يدرون ما يفعلون والناس يلحظون ذلك. ليست المشكلة إذاً في عكس الحركة وإعادة إطلاق يد النظام السياسي كي يحكم من الأعلى، بل في وجدان أشخاص مناسبين للحكم، أشخاص يفهمون دور النظام السياسي في مجتمعاتنا.
جيرو: هل تعتقد أن السياسيين يزدرون البنية السياسية التي تصفها؟
غوشيه: هم لا يرونها حتى، هم عديمو المسؤولية. أعتقد أنه لو كان فرنسوا هولاند، وهو رجل متقد الذكاء، يسمعني الآن، لن يفهم حتى عمّا أتكلّم. بالنسبة إليه، السياسة تعني الاتفاق مع سيسيل ديفلو والمناورة مع مارتين أوبري (ضحك)... وفجأة يتولّد انطباع لدى الناس في أنهم انتخبوا أفراداً لا يفهمون ما هي وظيفتهم. فالمسألة ليست فقط إدخال برنامج سياسي حيّز التطبيق إنما العمل على سبك التعايش بين الأفراد في المجتمع.
جيرو: هذا ما نسمّيه بكل سذاجة العيش المشترك...؟
غوشيه: نعم، بسذاجة، بيد أنّ الأمر أعمق من ذلك بكثير. العيش المشترك ليس بديهيّاً بتاتاً، بل هو يتطلّب جهداً عظيماً ومصطنعاً إلى حد كبير، جهداً يكلّف مجتمعاتنا الحديثة ما يتراوح بين ثلث ونصف مواردها الوطنية. لا بد من التساؤل عن سبب هذه الكلفة الباهظة. في اليابان وفي الولايات المتحدة التكلفة هي الثلث أما في فرنسا، فهي النصف. ما من اختلاف إذاً في الجوهر بل الاختلافات في التقدير. ما يتغيّر هو مستوى الهدر. مِن الناس المقتصدون ومنهم المبذّرون، ونحن من المبذّرين المسرفين. يمكننا اعتبار ذلك مدعاةً للاعتزاز الوطني (ضحك)...
جيرو: ألن تكون ثمرة أي حرية أخلاقية ضعيفة في نهاية المطاف أزمة وجودية؟
غوشيه: لسنا في عالم أشر. نحن نصبح أكثر ثراء، وتقنيّاً أكثر قوة وسلطة. لكن مستقبل البشرية لن يتأمّن بفضل تعميم انتشار هاتف أي فون 8! ومع ذلك، ها أنا نفسي أملك هاتف أي فون إلا أنني قادر على الاستغناء عنه بكل بساطة. الغريب في عالمنا هو أنه مسكون من ضيق عميق لا نعرف ما نسمّيه. في نهاية القرن التاسع عشر، في خضم تلك المرحلة المضطربة، كانت الإجابات واضحة. بالنسبة إلى الرجعيين مثل موراس، يُعْزَى ذلك إلى أننا نعيش في بنية سياسية منحرفة وضالة. بالنسبة إلى الماركسيين، السبب هو الاستغلال الرأسمالي الذي يدعو إلى الثورة. أما الأشخاص من أمثال بيغي، فيرون أن السبب هو الفساد الأخلاقي الذي تتّسم به الجمهورية. ما الإجابة الملائمة لعصرنا؟ جميعنا مدرك أننا مُفسِدو الآداب بسبب ما نشجبه. لم تعد لدينا سذاجة وعنفوان رجال القرن الماضي. نحن جميعاً متواطئون، حيث إننا فشلنا في تسمية ما هو مختلّ في العالم.
جيرو: هل الجمهوراتية ممكنة في عالم خالٍ من السمو والتفوق؟
غوشيه: لم تعد هذه جمهوراتية. كُثْرٌ هم الأشخاص الذين يقترحون إعادة تعريف هذه الجمهورية. إذا كانت الجمهورية تعني نظاماً من دون سلطة استبدادية فنحن جميعاً جمهوريون. لكن ليست تلك الجمهوراتية التي تفكّر فيها، أي نظام يوجّهه ضمير اللاعبين. الجمهوراتية بهذا المعنى لم تعد ممكنة في عالمنا، غير أن ذلك يتجاوز مسألة اختفاء السمو. فالمشكلة تتأتى عن انهيار البعد الأخلاقي للعلاقات بين المواطنين لصالح البعد القانوني. إننا في عالم أكثر صرامة على المستوى القانوني. الجمهورية هي نظام الأخلاقيات العامة. إذا كان للتمييز بين الجمهورية والديمقراطية من معنى، فذلك يعود إلى الانتقال من الأدب والأخلاقيات إلى القانون. وهذا برأيي تغيير هائل في طريقة تصوّر العلاقات بين الكائنات.
جيرو: ما موقفك من المسألة الأنثروبولوجية؟ هل أنت متشائم أم متفائل؟
غوشيه: البشر هم جنس متناقض بامتياز، حيث يصح لديهم الشيء ونقيضه. وكان إيمانويل كانط أول من أشار إلى هذا الأمر في صيغة أعتبرها عبقرية: «الاستعداد الاجتماعي لِلاّاجتماع». ذلك صحيح بالفعل. فالإنسان هو الجنس الأكثر لااجتماعية والأكثر اجتماعية، حيث إنه قادر على الأسوإ وعلى الأفضل. ولا بد من فهم هذا التناقض الذي يسكننا جميعاً في كل لحظة. أما عن السبب الكامن وراء هذه الطبيعة، فالمسألة تتجاوز التصوير الكلاسيكي للخير والشر. الغرائز والنزوات المتناقضة تأتينا من كل حدب وصوب، فترى الإنسان نفسه محبّاً للمرح وزاهداً.
جيرو: كيف يلتقي فكرك مع فكر رينيه جيرار؟ لدينا من جهة، المسيحية المصوّرة على أنها ديانة تخرج من القدسية البائدة المرتكزة على العنف (تعيين كبش فداء يؤسس لنظام مقدّس) ومن جهة أخرى، المسيحية المفهومة على أنها ديانة الخروج من الدين التي تعبّد الطريق أمام زوال السحر.
غوشيه: لا أرى أننا نلتقي. طبعاً بعض الأمور تتداخل ولدى جيرار كمّ هائل من التحليلات المثيرة للاهتمام، غير أنّ رؤيتيه حول الآلية الكونية وحول الرغبة المحاكية تحيّراني. فهما لا توضحان أيّاً من الأشياء التي أسعى إلى فهمها وهما تبدوان لي مبتذلتين. فكرة كبش الفداء هذه التي لا ينفكّون يقدّمونها لنا لا تقنعني. مع ذلك، أوافق على تشخيصه بأن المسيحية تمثل انقطاعاً بالنسبة إلى القدسية البائدة إلا أن قراءتي مختلفة تماماً في تفصيل الموضوع.
جيرو: نصل اليوم إلى نهاية منطق زوال السحر. هل يمكننا توقع عودة ما للسحر؟
مارسيل غوشيه: إذا كان لا بد من التفاؤل، لا أرى أنه ينبغي البحث عن هذا التفاؤل في عودة محتملة للسحر. فلنتابع، حتى النهاية، في العمل على إزالة السحر وفي التنعّم بالحرية التي يمنحنا إياها. هذه الممارسة الفريدة لحريتنا هي أقصى ما يمكن تمنِّيه.

--------------------------------------
*ـ تعريب: د. ريم اليوسف. عضو فريق الترجمة في مركز دلتا للأبحاث المعمقة.
نقلاً عن: دورية «فيليت» Philitt عدد تشرين الأول ـ أوكتوبر ـ باريس 2014.
العنوان الأصلي للحوار: Marcel Gauchet: «Le Monde Moderne est sous le signe de l’ignorance.