البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

تاريخ الفرق والمذاهب‏ تأملات في المنهج السائد

الباحث :  السيِّد محمد الحسيني
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  1
السنة :  السنة الاولى ربيع 1416هج - 1996 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 9 / 2015
عدد زيارات البحث :  3546
تاريخ الفرق والمذاهب‏
تأملات في المنهج السائد

السيِّد محمد الحسيني (*)

- 1 -
تتصدر قائمة مصادر البحث ومراجعه في الفرق الإسلامية عدة كتب متداولة ومشهورة، قد يكون من أهمها ما كتبه شيخ الأشاعرة ومنظر مذهبهم أبو الحسن علي بن إسماعيل الأشعري (المتوفى عام 330 هـ) بعنوان «مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين»،
وما كتبه أبو الحسين محمد بن أحمد بن عبد الرحمن الملطي الشافعي (المتوفى عام 377 هـ) بعنوان «التنبيه والرد على أهل الأهواء والبدع»، وما كتبه الشيخ عبد القاهر بن طاهر بن محمد الشافعي البغدادي الإسفراييني (المتوفى عام 429 هـ) في كتابه «الفرق بين الفرق».
وقد يكون الأشهر بين هذه الكتب والمصنفات في الفرق الإسلامية كتاب «الملل والنحل» لأبي الفتح محمد بن عبد الكريم الشهرستاني (المتوفى عام 548 هـ)، وقد اعتمد كثيراً على كتاب «الفرق بين الفرق» للبغدادي، فيما كتب تلميذ الأخير أبو المظفر الأسفراييني (المتوفى عام 471 هـ) كتابه «التبصير في الدين وتمييز الفرقة الناجية عن الفرق الهالكة» على مثل ما كتبه الشيخ الأستاذ بنحو لا يبدو أي فرق بينهما، من حيث الشكل أو المضمون.
ولا يقل عما ذكرناه ما كتبه أبو محمد علي بن أحمد بن حزم الظاهري (المتوفى عام 456 هـ) بعنوان «الفصل في الملل والأهواء والنحل».
ولئن تباينت المصنفات المشار إليها من حيث اللغة والأسلوب تبعاً
________________________________________
(*)کاتب عراقي إسلامي.

[الصفحة - 129]


لمؤلفيها، فقد اشتركت من حيث المنهج والمنطلق، لتأخذ طابعاً واحداً لا تفارقه، وسمتاً لا تحيد عنه.
وعلى المستوى العلمي، لا يعدّ ظهور هذه المصنفات مؤشراً خطيراً في الحياة الإسلامية، فإنه من الطبيعي جداً أن يعمد رجال الفكر الإسلامي ـ على اختلاف مناهجهم ومذاهبهم ومشاربهم ـ إلى تسجيل الخطوط العامة والرؤى الأساسية لهذه المذاهب، والدفاع عن بعضها وتسجيل الملاحظات على الرأي الآخر منها، وهو أمر وصفناه بالطبيعي إنطلاقاً من طبيعة الأشياء، ومدى تطابق وجهات النظر واختلافها بين الناس، في المذهب الواحد فضلاً عن المذاهب المتعددة، إذ لا تكاد تعثر على اثنين يتطابقان في الرؤية والفكر، وإن إنتميا إلى مذهب واحد ومنهج واحد.
إنما نشأت الخطورة من الاتجاه الذي اتخذه هذا العلم ـ أعني علم الفرق والمذاهب ـ إنطلاقاً من الحديث النبوي المشهور «.. لتفترقنّ أمتي على ثلاث وسبعين، فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار»، والذي تلقاه بعض المسلمين بالقبول‏ (1) بغض النظر عن سنده ومضمونه.
والحديث المشار إليه ورد بصيغ مختلفة (2) ، لا تخلو من تضارب في أحيان كثيرة، إلى درجة حاول معها بعض العلماء الجمع بينها ورفع وجوه التنافي.
ـ قال رسول اللَّه(ص): «تفرقت بنو إسرائيل عن اثنتين وسبعين فرقة، وكل ما افترقت عليه بنو إسرائيل في النار إلاّ واحدة ـ يقول ذلك ثلاث مرات ـ قالوا: يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: الفرقة الناجية المتمسكة بالكتاب والرسول».
ـ «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين أو اثنتين وسبعين فرقة، والنصارى مثل ذلك وتفترق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة».
«تفترق هذه الأمة على‏ بضع وسبعين فرقة إني أعلم إحداها: الجماعة».
________________________________________
(1)اليماني، المهدي لدين اللَّه أحمد بن يحيى الحسيني، المنية والأمل في شرح الملل والنحل، ص 18، تحقيق د. محمد جواد مشكور، ط إيران 1988، مؤسسة الكتاب الثقافية.
(2)انظر، السريحي، عبداللَّه، حديث افتراق الأمة ـ دراسة في السياق والأصول والنتائج، مقال في مجلة الاجتهاد العدد 19 ـ السنة الخامسة/1993 ص 90، ص‏93، وسبحاني، جعفر، بحوث في الملل والنحل، ج‏1 ص 26، ص‏30 ط الثانية ـ بيروت/ الدار الإسلامية ـ 1991.

[الصفحة - 130]


ـ «افترقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة فواحدة في الجنة وسبعون في النار، وافترقت النصارى على اثنتين وسبعين فرقة فإحدى وسبعون في النار وواحدة في الجنة، والذي نفس محمد بيده لتفترقن أمتي على ثلاث وسبعين فواحدة في الجنة واثنتان وسبعون في النار».
ـ «... قالوا يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: الجماعة».
ـ «... قالوا يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: الجماعات الجماعات».
ـ «... قالوا يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: ما أنا عليه وأصحابي».
ـ «... قالوا يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: الإسلام وجماعتهم».
ـ «... قالوا يا رسول اللَّه ومن الواحدة؟ قال: السواد الأعظم».
ـ «ستفترق أمتي على بضع وسبعين فرقة كلها في الجنة إلاّ واحدة».
وإن اشتركت الصيغ المتقدمة ـ ما قبل الأخيرة ـ في الإشارة إلى نجاة فرقة واحدة وهلاك الفرق الباقية، فقد عكست الصيغة الأخيرة الأمر لتشير إلى نجاة الفرق جميعها عدا فرقة واحدة.
تعارض الصيغ المشار إليها ـ فضلاً عن الأسانيد ـ مع خطورة المضمون حدّد موقف رجال الفكر الإسلامي، بين مؤيد متحمس، وآخر معارض متوجس، فقد صحّحه قوم وأنكره آخرون، وتأوله فريق ثالث‏ (3) .
ومهما يكن من أمر، فقد تلقى عدد كبير من علماء الإسلام الحديث المشار إليه ـ هكذا ـ مع الرغم من أنه يؤسس لتقسيم الأمة الإسلامية وتفتيت وحدتها و(تلغيم) وجودها، بل سعت كل فرقة إلى (التخندق) وراءه للنيل من الفرق الأخرى‏. واتهامها بالكفر والخروج على الإسلام، وإن اختلف (التخندق) من فرقة إلى أخرى.
ويلاحظ في هذا الصدد عدم عناية الشيعة بهذا الحديث الذي عُنِيَ به الأشاعرة والمعتزلة والزيدية، وقد يكون ذلك راجعاً إلى عدم وفرة طرق الحديث عندهم من جهة، ومعاناتهم الدائمة في الدفاع عن أنفسهم أمام جبروت خصومهم ومحاولاتهم لدرء إتهاماتهم القاضية بإخراجهم من الإسلام، وقد
________________________________________
(3)صححه الحاكم في مستدركه، ومن المعاصرين الشيخ محمد ناصر الدين الألباني في كتابه (سلسلة الأحاديث الصحيحة)، والشيخ محمد حسين الذهبي في التفسير والمفسرون، وجعفر سبحاني في كتابه المشار إليه. وأنكر ابن حزم والشوكاني وأحمد بن علي المطيري الحكمي الزيدي، فيما تأوله آخرون مثل الشاطبي. (يرى المصدران السابقان ـ السريحي ص 103 وما بعد وسجاني ج‏1 ص 26).

[الصفحة - 131]


جعلت هذه المعاناة المركز الاجتماعي للشيعة ضعيفاً للغاية لا تؤهله لاتهام الآخرين بالكفر، كما هو عليه الحال في ما تمارسه الفرق الأخرى القابضة على زمام الأمور، وفي حماية السلطان في كثير من الأحيان. نعم ذكره العلامة المجلسي في موسوعته «بحار الأنوار» (4) بطرق مختلفة أكثرها من طرق غير الشيعة، فيما اقتصر الشيخ الصدوق على ذكر حديثين فقط في كتابه «الخصال» (5) . لكنهم في خضم الجدل السائد في تفسير الحديث وتحديد الفرقة الناجية أفادوا من روايات خصومهم لتأكيد أحقيتهم وصواب طريقتهم‏ (6) .
وليس الربط بين علم الفرق والحديث المشهور مجرد تحليل أو مقولة مكتشفة، بقدر ما هو ـ أعني الربط ـ واضح وصريح، فقد كرَّسه أرباب العلم المذكور أنفسهم وبعناية فائقة، وفي ديباجة كل كتاب من هذه الكتب في أحيان كثيرة.
قال البغدادي: «سألتم أسعدكم اللَّه بمطلوبكم شرح معنى‏ الخبر المأثور عن النبي(ص) في افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة منها واحدة ناجية تصير إلى جنة عالية، وبواقيها عادية تصير إلى الهاوية والنار الحامية، وطلبتم الفرق بين الفرقة الناجية التي لا يزل بها القدم، ولا تزول عنها النعم، وبين فرق الضلال الذين يرون ظلام الظلم نوراً، واعتقاد الحق ثبوراً، وسيصلون سعيراً، ولا يجدون من اللَّه نصيراً، فرأيت أن أسعفكم بمطلوبكم من الواجب في إبانة الدين القويم والصراط المستقيم، وتمييزها من الأهواء المنكوسة والآراء المعكوسة..» (7) .
وكذلك فعل الاسفراييني في مقدمة كتابه «التبصير في الدين» الذي حمل عنوانه مهمة تعيين الفرقة الناجية في إشارة واضحة إلى حديث الافتراق. قال «.. فأردت أن أجمع كتاباً فارقاً بين الفريقين، جامعاً بين وصف الحق وخاصيته، والإشارة إلى حُججهِ، ووصف الباطل وشبهه، ليزداد المطلع عليه إستيقاناً في دينه وتحقيقاً في يقينه، فلا ينفذ عليه تلبيس المبطلين، ولا تدليس المخالفين للدين»(8) .
________________________________________
(4)المجلسي، محمد باقر، بحار الأنوار، ج‏28 ص‏2، ص‏34، ط3 دار إحياء التراث العربي ـ بيروت 1983.
(5)الصدوق، محمد بن علي بن بابويه، الخصال، أبواب السبعين وما فوقه، ص 584، ص 585، ط قم 1403.
(6)في صدد تحديد الفرقة الناجية يعمد إلى تفسير الحديث المشهور بأحاديث أخرى‏ من قبيل حديث الثقلين وحديث (أهل بيتي أمان لأمتي) وحديث (السفينة)، فضلاً عن الأحاديث الصريحة من كتب اعلام أهل السنة كما ورد في كتاب (الشمس المنيرة) للحافظ حسن بن محمد الصنعاني عن النبي(ص): (افترقت أمة أخي عيسى على اثنين وسبعين فرقة، وستفتفرق أمتي على ثلاث وسبعين فرقة، كلها هالكة إلاّ فرقة واحدة، فلما سمع ذلك منه ضاق المسلمون ذرعاً وضجوا بالبكاء وأقبلوا عليه وقالوا: يا رسول اللَّه كيف لنا بعدك بطريق النجاة وكيف لنا بمعرفة الفرقة الناجية حتى‏ نعتمد عليها فقال(ص): إني تارك فيكم ما أن تمسكتم به لن تضلوا من بعدي أبداً ـ كتاب اللَّه وعترتي أهل بيتي..) انظر سجاني ج‏1/34.
(7)البغدادي، عبد القاهر بن طاهر، الفرق بين الفرق، ص‏2، منشورات دار الآفاق الجديدة ط4/1980.
(8)الإسفرائيني، أبو المظفر، التبصير في الدين، ص‏16، ط1 بيروت/1983 عالم الكتب تحقيق كمال يوسف الحوت.

[الصفحة - 132]


ومثلهما الشهرستاني في «الملل والنحل» (9) وقبلهم الأشعري في تعداده للفرق وختمه الحديث عن الفرقة الناجية عنده وهي أهل السنة والجماعة (10) . فيما ظلت الكتب الأخرى‏ أسيرة المنهج نفسه، وإن لم تصرح أحياناً بذلك الربط الصارم، وذلك يظهر ـ أيما ظهور ـ في الرغبة العارمة التي تدفع (المؤلِّف) إلى الوصول بالفرق الإسلامية إلى الرقم (73)، وإن كان بتكلف وتعسف شديدين‏ (11) .
وهاهنا تكمن المفارقة إلى حد تبدو ملاحظة بعض المستشرقين جديرة بالتأمل إذ كان «يتوقع من العلماء المسلمين أن يحاولوا التقليل من عدد الفرق وأن لا يستفيضوا في الحديث عنها، ولكننا نجد عكس ذلك تماماً، فالمؤلفون الذي أشرنا إليهم (كذا) ضخموا عدد تلك الفرق» (12) قال مونتغمري وات. وهو على حق، إذ كان يفترض في المسلمين ـ والعلماء خاصة ـ وفقاً لتعاليم الإسلام أن لا يطردوا عن حياضه من يعلن إسلامه ويردد الشهادتين ـ فضلاً عمن أسهم في الدفاع عنه بنحو من الأنحاء، وبأي شكل من الأشكال.
ليس الحديث ـ وحده ـ يدفع تجاه هذه المفارقة. الذهنية السائدة كانت هي المسؤول الأكبر في هذا الصدد، إذ كان يمكن للذهنية هذه، وإن صح الحديث أن تعمد للتأويل ـ وطالما تأول الجمهور ـ أو التفتيش عن دلالات أكثر إنسجاماً مع الروح الإسلامية، لكن المسألة كانت على نحو آخر تماماً، وكأنّ هدفاً ما وراء الكواليس يدفع إلى مهاجمة الآخر بقوة، لتمزيقه وإخراجه من الدائرة، منبوذاً مطروداً مشرداً.. لأنه خرج على الطاعة، لأنه يودّ أن يناقش، أن يصرخ بأعلى صوته، وكل ذلك لا بد من أن يكون بمرسوم أشبه ما يكون (بفتاوى جاهزة) في خدمة السلطان. وذلك يلقي بظلال الشك والريبة ليشير إلى أن ظهور هذا الحديث إنما تم في ظل ظروف كانت السلطة تسعى‏ جاهدة لتثبت به نجاتها ونجاة مؤيديها، ولتؤكد أيضاً ضلال معارضيها وهلاكهم جميعاً دونما استثناء (13).
________________________________________
(9)الشهرستاني، محمد عبد الكريم، الملل والنحل ج‏1 ص‏11، ط القاهرة ـ 1968 ـ مؤسسة الحلبي ـ تحقيق عبد العزيز محمد الوكيل.
(10)الأشعري، أبو الحسن، مقالات الإسلاميين واختلاف المصلين ج‏1، ص‏65 وص‏345، ط القاهرة ـ 1969 مطبعة النهضة المصرية تحقيق محمد محيي الدين عبد الحميد.
(11)بدوي، عبد الرحمن، مذاهب الإسلاميين ج‏1 ص 34 ط دار العلم للملايين ـ بيروت ط 3/1983.
(12)مونتغمري وات، الجماعة والفرق، مقال في مجلة الاجتهاد ص‏10 العدد (20) السنة الخامسة/1993.
(13)السريحي، المرجع السابق، ص‏99.

[الصفحة - 133]


- 2 -
تركت هذه الخلفية العقيدية والنفسية بصماتها واضحة في مناهج كتَّاب الفرق والمذاهب، ووسمت لغتهم وأسلوبهم بطابع ملي‏ء بالمفارقات، فضلاً عن مجافاة العلمية والأمانة والنزاهة، أقول ذلك ـ ليس بدافع التهجم على علماء تشهد لهم المكتبة الإسلامية بالإسهام الكبير والغنى المعرفي الضخم، ولا بداعي التندر أيضاً ـ وإنما هو نابع من نفس تستشعر الحزن والأسى‏ وهي تنظر إلى تراث ضخم كان يمكن أن يكون أكثر نزاهة ودقة لو قدر له أن يتخذ مساراً غير المسار الذي يبدو.
ويمكن تحديد السمات الرئيسية للخطاب السائد عن كتّاب الفرق والمذاهب بما يلي:
أولاً: يتسم خطابهم بالأحادية أو الفردية إذ ينزع (المؤرخ) إلى تكريس التمزق والتفرق، ورميه الآخر بالكفر والخروج على الدين (الإسلام)، ثم استثناء فرقته أو مذهبه من الزيغ والانحراف. وتأتي نتائج الأبحاث في الغالب مسبقة ومعروفة سلفاً، إذ ما دام الآخر يمثل الخارج عن الإسلام، في فكره الدخيل وعقيدته الضالة المستنسخة عن مصادر أجنبية يهودية (كما في دعوى تأثيرات عبداللَّه بن سبأ) أو غيرها، فهو بالتأكيد الصورة الحقيقية للهالك المبشر له بالنار. ولعلّ الأكثر غرابة ـ في الأمر ـ أن يكون المستثنى‏ أي الهالك والضال هو الأكثر عدداً فيما يكون الناجي واحداً على الدوام‏ (14) .
هذه الأحادية تدفع البحث دائماً إلى هجوم صارخ، ولغة عنيفة، وأسلوب حاد، ولذلك تكون مهمة الباحث ـ هنا ـ مهمة (الادّعاء)، وهي مهمة تختزن الاتهام والنفي والفضح.
يقول البغدادي ـ بعد حديثه عن سبب تأليف كتابه «الفرق بين الفرق»: «.. فأودعت مطلوبكم مضمون هذا الكتاب، وقسمت مضمونه ـ خمسة أبواب هذه ترجمتها:
________________________________________
(14)يقول الشهرستاني في الملل والنحل 1/11: (والمسلمون على ثلاث وسبعين فرقة. والناجية أبداً من الفرق واحدة، إذ الحق من القضيتين المتقابلتين في واحدة، ولا يجوز أن تكون قضيتان متناقضتان متقابلتان على شرائع التقابل، إلاّ وأن تقتسما الصدق والكذب. فيكون الحق في إحداهما دون الأخرى‏، ومن المحال الحكم على المتخاصمين المتضادين في أصول المعقولات بأنهما محقان صادقان، وإذا كان الحق في مسألة عقلية واحداً، فالحق في جميع المسائل يجب أن يكون مع فرقة واحدة..). ومن المعاصرين يقول الدكتور محمد سعيد رمضان البوطي بعد نقله نصوصاً طويلة عن الكوثري في نشأة المذاهب: (فهذا النص الذي نقلناه بطوله يكشف لك المنظور العام للمناخ والأجواء التي نشأت وتوالدت فيها المذاهب الإسلامية المختلفة التي تفرعت منحرفة عن المنهج الإسلامي الذي التقى‏ عليه أصحاب رسول اللَّه(ص) وجمهور التابعين) العقيدة الإسلامية والفكر المعاصر ص 44 ط الخامسة، منشورات جامعة دمشق 1993.

[الصفحة - 134]


باب: في بيان الحديث المأثور في افتراق الأمة ثلاثاً وسبعين فرقة.
باب: في بيان فرق الأمة على الجملة ومن ليس منها على الجملة.
باب: في فضائح كل فرقة من فرق الأهواء الضالة.
باب: في بيان الفرق التي انتسبت إلى الإسلام وليست منها.
باب: في بيان الفرقة الناجية وتحقيق نجاتها وبيان محاسن دينه..» (15) .
وتبعه على ذلك الإسفراييني، حيث عقد خمسة عشر باباً جامعاً أوصاف عقائد أهل الدين، وفضائح أهل الزيغ والملحدين.. وقد جعل كل باب من هذه الأبواب لبيان فضائح هذه الفرق والباب الخامس عشر في بيان اعتقاد أهل السنة والجماعة وبيان ما لهم من المفاخر والمحاسن والآثار في الدين)(16) .
ويشي كل من نَصَّيْ البغدادي والإسفراييني بطبيعة المهمة التي تتلخص من جانب في الفضح، أي فضح الآخر، والافتخار بالأنا من جانب آخر.
وتدعو هذه المهمة ذاتها ابن حزم إلى تأليف كتاب لطيف ـ على حد وصفه ـ للوفاء بهذا المطلب إذ يقول: «.. وقد أوضحنا شنع جميع هذه الفرق في كتاب لنا لطيف اسمه النصائح المنجية من الفضائح المخزية والقبائح المردية من أقوال أهل البدع من الفرق الأربع المعتزلة والمرجئة والخوارج والشيع..» (17) .
ومن جهة أخرى يقول: «وأهل السنة الذين نذكرهم أهل الحق ومن عداهم فأهل البدعة فإنهم الصحابة ـ رض ـ وكل من سلك نهجهم من خيار التابعين ـ رحمة اللَّه عليهم ـ ثم أصحاب الحديث ومن اتبعهم من الفقهاء جيلاً فجيلاً إلى يومنا هذا، ومن اقتدى بهم من العوام في شرق الأرض وغربها» (18) .
وقد أدرك بعض كتَّاب الفرق المفارقة في لغتهم العنيفة وما تنطوي عليه أبحاثهم من نفي للآخر وأبعاد عن ساحة الإسلام، بما يؤدي إلى ترتيب آثار جد مختلفة عما لو كان الآخر داخلاً في الإسلام، فسعى‏ إلى تجزئة الإسلام وأمة الإسلام، ليسلب الإسلام سلباً تاماً تارة، أو سلباً جزئياً تارة أخرى‏، وفقاً
________________________________________
(15)البغدادي، المرجع السابق، ص‏2، ص‏3.
(16)الاسفراييني، المرجع السابق، ص‏17.
(17)ابن حزم، علي بن أحمد بن حزم الظاهري، الفصل في الملل والأهواء والنحل ج‏2/116 ط 2 دار المعرفة ـ بيروت 1975.
(18)ابن حزم، المرجع السابق، ج‏2/113.

[الصفحة - 135]


لتصوره لمفهوم البدعة، التي قد تؤدي إلى الكفر كما في البيانية والمغيرية والخطابية ممن يدّعي الألوهية والتناسخ والحلول، أو تحليل نكاح البنت كما عن بعض مذاهب الخوارج ـ كذا ـ وقد لا تؤدي وذلك إذا «كانت بدعته من جنس بدع المعتزلة أو الخوارج أو الرافضة الإمامية أو الزيدية أو من بدع النجاريه أو الجهمية أو الضرارية أو المجسمة فهو من الأمة في بعض الأحكام، وهو جواز دفنه في مقابر المسلمين وفي ألاَّ يمنع حظه من الفي‏ء والغنيمة إن غزا مع المسلمين، وفي ألاّ يمنع من الصلاة في المساجد، وليس من الأمة في أحكام سواها، وذلك ألاَّ تجوز الصلاة عليه، ولا خلفه، ولا تحل ذبيحته، ولا نكاحه لامرأة سنية، ولا يحل للسني أن يتزوج المرأة منهم إذا كانت على اعتقادهم» (19) ولأجل ذلك لا يتوانى الباقلاني في رد رواية الشيعي وعدم قبولها، فيحكم على كل شيعي بعدم الوثاقة وسلب العدالة (20) .
وليس في الأمر غرابة إذا قرأنا ما يرويه الهندي في «كنز العمال» وعن علي ـ عليه السلام ـ بالذات أنه قال: «تفرقت اليهود على إحدى وسبعين فرقة والنصارى على ثنتين وسبعين فرقة وأنتم على ثلاث وسبعين فرقة، وإنَّ من أضلها وأخبثها من يتشيع أو الشيعة» (21) .
ويبدو الأمر أكثر خطورة مع الأسفراييني الذي يبرر قتل الآخر، وبالتحديد ـ هنا ـ الشيعي «فيروي عن ابن عباس عن علي عن رسول اللَّه أنه قال: سيكون في آخر الزمان قوم لهم نبذ يقال لهم الروافض، يرفضون الإسلام، فاقتلوهم فإنهم مشركون. وروى أيضاً عن ابن عمر عن علي أن رسول اللَّه(ص) قال: يا علي تكون أنت في الجنة وشيعتك يكونون في الجنة، وسيكون بعدي قوم يدعون ولايتك يدعون الرافضة، فإن وجدتهم فاقتلهم فإنهم مشركون، فقال علي: وما علامتهم يا رسول اللَّه؟ فقال: لا يكون لهم جمعة ولا جماعة ويشتمون أبا بكر وعمر» (22) .
وفي الوقت الذي يبدو فيه (الآخر) صورة قاتمة، تبدو صورة (الأنا) بأزهى‏ ما تكون عليه من النقاء والصفاء والوضوح والاستقامة والجد
________________________________________
(19)البغدادي، المرجع السابق، ص‏11.
(20)الباقلاني، التمهيد في الرد على الملحدة والمعطلة والرافضة والخوارج والمعتزلة ص‏168 ط دار الفكر العربي ـ القاهرة/1947.
(21)الهندي، كنز العمال حديث 6141.
(22)الاسفراييني، المرجع السابق ص 42.

[الصفحة - 136]


والاجتهاد والبراعة والنزاهة.. وقد يكون الأمر طبيعياً لأن نفي الآخر وفقاً لمنهج حاد وعنيف يستلزم تزيين (الأنا) وتلميعه قدر الإمكان، لتكون المقارنة واضحة والنتيجة معروفة سلفاً. فلم ينسَ الإسفراييني في خاتمة كتابه بيان ما أسهم به علماء السنة والجماعة في العلوم كلها وخلو العلم في الفرق الأخرى (من روافض وغيرهم)، وإن كان لهم في ذلك حظ فهو عبارة عن تكلف للإضلال‏(23) .
أما شيخه البغدادي فيقول: «ولم يكن بحمد اللَّه ومنّه في الروافض و.. إمام في الفقه ولا إمام في رواية الحديث ولا إمام في اللغة والنحو، ولا موثوق به في نقل المغازي والسير والتواريخ، ولا أمام في الوعظ والتذكير، ولا إمام في التأويل والتفسير، وإنما كان أئمة هذه العلوم على الخصوص والعموم من أهل السنة والجماعة» (24) .
ثانياً: السمة ـ المشار إليها آنفاً ـ دفعت كتّاب الفرق والمذاهب على تفاوت بينهم، إلى التعامل مع موضوع بحثهم بفوقية مفرطة، حيث يظهر الآخر أحمق جاهلاً صفيقاً ضالاً مشركاً كافراً.. إلى غير ذلك من ألفاظ النبذ والشتم ـ ولا يشعر (الباحث) بشي‏ء من الحرج والضيق، ما دام هذا الآخر خارجاً عن الإطار الذي يمكن أن يحفظ له كرامته وحرمته.
وقراءة سريعة لكتاب «الفصل» لابن حزم كافية لتأكيد هذه الملاحظة، خاصة، وهو يسرد فضائح (الشيعة) ـ كذا ـ ويرد عليهم (من فوق) ويسخف عقولهم، ويسمهم بالألقاب المناسبة! ولا أقلها (النوكى) التي كررها ابن حزم الفقيه في حقهم مرات عديدة.
ومن الطريف أن يصف أبو العباس بن العريف بن حزم بقوله: «كان لسان ابن حزم وسيف الحجاج شقيقين» (25) . وإنما قيل بحقه ذلك وغيره ـ مما لا يستحق التتبع ـ لا لأجل الوقيعة بالآخر، بقدر ما أوقع بأهل السنة أنفسهم ومشايخ الأشاعرة، بحيث لم يسلم من لسانه وقلمه أحد.
وقد يكون الأكثر طرافة في هذا المجال ما ينقله الإسفراييني من قصة
________________________________________
(23)المرجع نفسه ص‏187.
(24)البغدادي، المرجع السابق، ص‏232.
(25)شذرات الذهب ج‏3/200 ولسان الميزان ج‏4/200 عن الإمام الصادق والمذاهب الأربعة لأسد حيدر 3/37.

[الصفحة - 137]


الشيعة مع الجاحظ فيقول: «..إنهم رأوا الجاحظ يتوسع في التصانيف، ويصنف لكل فريق، فقالت له الروافض: صنّف لنا كتاباً. فقال لهم: لست أدري لكم شبهة حتى‏ أرتبها وأتصرف فيها، فقالوا له: إذا دللتنا على شي‏ء نتمسك به، فقال: لا أرى لكم وجهاً إلاّ أنكم إذا أردتم أن تقولوا شيئاً مما تزعمونه تقولون أنه قول جعفر بن محمد الصادق لا أعرف لكم سبباً تستندون إليه غير هذا الكلام، فتمسكوا بحمقهم وغباوتهم بهذه السوءة التي دلهم عليها، وكلّما أرادوا أن يختلقوا بدعة أو يخترعوا كذبة نسبوها إلى ذلك السيد الصادق..» (26) .
ولا غرابة فالتلميذ على سرّ أستاذه البغدادي‏ (27) الذي نفى‏ أن يكون في خصومه عالم أو فاضل، وقد عاش معاصراً لجهابذة الشيعة وغيرهم، ويتقدمهم الشيخ المفيد المتوفى (عام 413 هـ).
ثالثا: وفي جو حافل بهذه الروح، ومشحون بالعنف والصدام، يقبل كتّاب الفرق على موضوع بحثهم لا بروح المستفهم المستطلع، بل بروح المتهم، وقد فرغ من صياغة موقفه تجاه (الآخر) وفقاً لقائمة الادّعاء، دونما إعادة نظر، وإن على مستوى الاحتمال حتى‏، لأنه ـ أي الآخر ـ غير جدير بالمراجعة أو إعادة النظر في أسسه الفكرية ومرتكزاته العقيدية، وهل يملك شيئاً من المرتكزات أو الأسس؟! وما دام كذلك فهو ليس جديراً بالمراجعة قطعاً.
وفي ظل هذه الأجواء يسود نهج التشكيك والنفي والاتهام في قائمة قد تطول أحياناً، وقد تقصر، تبعاً للآخر، وحسب مركزه العقيدي والسياسي.
ومثالاً على ذلك يمكن قراءة الفكر الشيعي في كتب الفرق، وقد تضم القائمة فقرات طويلة، لكن نجتزى‏ء بأقل ما يمكن.
«والإمامية سميت بذلك لجعلها أمور الدين كلها للإمام وأنه كالنبي.. وسمّوا رافضة لرفضهم زيد بن علي وقيل لتركهم نصرة النفس الزكية... ويبطلون القياس والاجتهاد وأخبار الآحاد ولا يرون الخروج على الظلمة إلاّ عند ظهوره ـ يعني الإمام ـ ..ومن أكابرهم هشام بن الحكم وغيره، ومما
________________________________________
(26)الإسفراييني، المرجع السابق، ص‏43.
(27)ومثلهما ابن حزم حيث يقول: (واعلموا رحمكم اللَّه إن جميع فرق الضلالة لم يجر اللَّه على أيديهم خيراً، ولا فتح بهم من بلاد الكفر قرية ولا رفع للإسلام راية، وما زالوا يسعون في قلب نظام المسلمين ويفرقون كلمة المؤمنين ويسلون السيف على أهل الدين ويسعون في الأرض مفسدين. أما الخوارج والشيعة فأمرهم في هذا أشهر من أن يتكلف ذكره..) الفصل، المرجع السابق، 4/227.

[الصفحة - 138]


انفردوا به القول بالبداء والرجعة، وإن علم اللَّه حادث، وأطبقوا إلاّ من عصم اللَّه على الجبر والتشبيه».
المنية للمرتضى‏، ص 21.
«والهشامية أصحاب هشام بن الحكم الزنديق المفرط في التشبيه والتجسيم زعم أن اللَّه بشبر نفسه خمسة أشبار.. والزرارية أصحاب زرارة بن أعين قال بحدوث صفات اللَّه: القدرة والعلم والحياة وسائر صفاته، واليونسية أصحاب يونس الذي يزعم أن الملائكة تحمل ربها، والشيطانية أصحاب شيطان الطاق زعم أن اللَّه لا يعلم الشي‏ء حتى‏ يكون».
المنية للمرتضى‏، ص‏30، ص‏31 (اللفظ للأول)
الملل والنحل، 1/104.
الفصل، 3/182
«ثم حدث في المشبهة من زعم أن اللَّه تعالى جسم كهشام بن الحكم وهشام الجواليقي وجلّ الروافض إلاّ من اختلط منهم بالمعتزلة.. وأول من تجاسر على إظهار هذا القول هشام بن الحكم، وكان متهماً في دينه، ومجموع قوله في التجسيم وحدوث العلم والجبر والبداء والرجعة والطعن في الصحابة، يدل على أن الرجل لم يكن يرجع إلى دين، وروي أنه اجتمع مع أبي الهذيل فقال في ساعة واحدة في ربه ثلاثة أقاويل».
المنية، ص‏87.
و«من خصائص مذاهب الرافضة وحماقاتهم من القول بالغيبة والرجعة والبداء والتناسخ والحلول والتشبيه..».
الملل والنحل، 1/166.
«وكان التشبيه بالأصل والوضع في الشيعة، وإنما عادت إلى بعض أهل السنة بعد ذلك، وتمكن الاعتزال فيهم لما رأوا أن ذلك أقرب إلى المعقول، وأبعد من التشبيه والحلول».
الملل والنحل، 1/173.
________________________________________

[الصفحة - 139]


«وكان هشام بن الحكم من متكلمي الشيعة، وجرت بينه وبين أبي الهذيل مناظرات في علم الكلام، منها التشبيه، ومنها في تعلق علم الباري تعالى. حكى ابن الراوندي عن هشام أنه قال: إنّ بين معبوده وبين الأجسام تشابهاً بوجه من الوجوه، ولولا ذلك لما دلت عليه، وحكى الكعبي عنه أنه قال: هو جسم ذو أبعاض، وله قدر من الأقدار، ولكن لا يشبه شيئاً من المخلوقات، ولا يشبهه شي‏ء.
ونقل عنه أنه قال: هو سبعة أشبار بشبر نفسه، وأنه في مكان مخصوص، وجهة مخصوصة، وأنه يتحرك، وحركته فعله، وليست من مكان إلى مكان.. وغَلا هشام بن الحكم في حق علي(رض) حتى‏ قال: إنه إله واجب الطاعة، وهذا هشام بن الحكم صاحب غور في الأصول، لا يجوز أن يغفل عن إلزاماته على المعتزلة، فإن الرجل وراء ما يلزم به على الخصم، ودون ما يظهره من التشبيه» (28) .
الملل والنحل، 1/184 ـ 185)،
«وجميع فرق أهل القبلة ليس منهم أحد يجيز إمامة امرأة ولا إمامة صبي لم يبلغ إلاّ الرافضة فإنها تجيز إمامة الصغير الذي لم يبلغ والحمل في بطن أمه، وهذا خطأ لأنّ من لم يبلغ فهو غير مخاطب، والإمام مخاطب بإقامة الدين وباللَّه تعالى التوفيق. قال الباقلاني: واجب أن يكون الإمام أفضل الأمة» (29) .
الفصل، 3/110
«ومن قول الإمامية كلها قديماً وحديثاً أن القرآن مبدل زيد فيه ما ليس منه ونقص منه كثير وبدل منه كثير، حاشا علي بن الحسن بن موسى بن محمد ابن ابراهيم بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب وكان إمامياً يظاهر بالاعتزال، مع ذلك فإنه كان ينكر هذا القول ويكفر من قاله».
الفصل، 3/182.
«ومن الإمامية من يجيز نكاح تسع نسوة..» (30) .
________________________________________
(28)يحفل النص بالتناقض من جهة، والمصادرات بلا توثيق من جهة أخرى‏، ولغة الحكاية كافية للدلالة.
(29)يسوق ابن حزم اتهاماته وكأنها مسلمات ثم يناقشها.
(30)كتب الشيخ الطوسي ـ أحد أكبر فقهاء الشيعة ـ في كتابه الخلاف (لا يجوز لأحد أن يتزوج بأكثر من أربع وبه قالت الأمة بأجمعها، وحكي عن القاسم بن ابراهيم أنه أجاز العقد على تسع، وإليه ذهبت القاسمية من الزيدية. هذه حكاية الفقهاء عنهم، ولم أجد أحداً من الزيدية يعترف بذلك بل أنكروها أصلاً، فإذن المسألة إجماع وعليها إجماع الفرقة، وقوله تعالى:مثنى‏ وثلاث ورباع.. لا يدل على ذلك لأن المراد بالواو أو ولو كان المراد الجمع لجاز الجمع بين ثمانية عشر لأن قوله تعالى:مثنى‏ معناه اثنين اثنين وكذلك قوله وثلاث و.. وقول الشيخ لم أجد أحداً من الزيدية الخ يدل على دين الرجل وورعه في نسبة الأقوال إلى المسلمين (انظر الخلاف كتاب النكاح مسألة 663 ط حجري إيران).

[الصفحة - 140]


الفصل، 3/182.
«مالك بن معاوية قال: قال لي الشعبي وذكرنا الرافضة... يا مالك، إني درستُ الأهواء كلها فلم أرَ قوماً أحمق من الرافضة، فلو كانوا من الدواب لكانوا حميراً، أو كانوا من الطير لكانوا رخما. ثم قال: أحذرك الأهواء المضلة شرُّها الرافضة، فإنها يهود هذه الأمة، يبغضون الإسلام، كما يبغض اليهود النصرانية، ولم يدخلوا في الإسلام رغبة ولا رهبة من اللَّه، ولكن مقتاً لأهل الإسلام وبغياً عليهم، وقد أحرقهم علي بن أبي طالب (رض) بالنار، ونفاهم إلى البلدان، منهم: عبداللَّه بن سبأ، نفاه إلى ساباط، وعبداللَّه بن سباب، نفاه إلى الجازر، وأبو الكروَّس، وذلك أن محنة الرافضة محنة اليهود، قالت اليهود، لا يكون الملك إلاّ في آل داود، وقالت: الرافضة: لا يكون الملك إلاّ في آل علي بن أبي طالب، وقالت اليهود: لا يكون جهاد في سبيل اللَّه حتى‏ يخرج المسيح المنتظر، وينادي مناد من السماء، وقالت الرافضة: لا جهاد في سبيل اللَّه حتى‏ يخرج المهدي، وينزل سبب من السماء، واليهود يؤخرون صلاة المغرب حتى تشتبك النجوم، وكذلك الرافضة، واليهود لا ترى الطلاق الثلاث شيئاً، وكذا الرافضة، واليهود لا ترى على النساء عدة وكذلك الرافضة، واليهود تستحل دم كل مسلم، وكذلك الرافضة، واليهود حرَّفوا التوراة وكذلك الرافضة حرَّفت القرآن، واليهود تبغض جبريل، وتقول: هو عدونا من الملائكة، وكذلك الرافضة تقول: غلط جبريل في الوحي إلى محمد بترك علي بن أبي طالب، واليهود لا تأكل لحم الجزور، وكذلك الرافضة، ولليهود والنصارى فضيلة على الرافضة في خصلتين، سُئل اليهود من خير أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب موسى، وسئلت النصارى، فقالوا: أصحاب عيسى وسئلت الرافضة من شر أهل ملتكم؟ فقالوا: أصحاب محمد، أمرهم اللَّه بالاستغفار لهم فشتموهم، فالسيف مسلول عليهم إلى يوم القيامة..».
العقد الفريد، (31) 2/149 ـ 150.
«وقال مثله ـ يعني مثل ما ذكره سابقاً من القول بالتناسخ والحلول
________________________________________
(31)ابن عبد ربه الأندلسي، أحمد بن محمد، العقد الفريق ط1/1988 بيروت دار الأندلس نشر أحمد أمين وابراهيم الأبياري وأحمد الزين.

[الصفحة - 141]


والغيبة و.. ـ غلاة الإمامية وخصوصاً الإثنا عشرية، فهم يزعمون أن الثاني عشر من أئمتهم وهو محمد بن الحسن العسكري ويلقبونه بالمهدي دخل في سرداب بدارهم في الحلة وتغيَّب حين اعتقل مع أمه وغاب هنالك وهو يخرج آخر الزمان فيملأ الأرض عدلاً يشيرون بذلك إلى الحديث الواقع في كتاب الترمذي في المهدي، وهم إلى الآن ينتظرونه ويسمونه المنتظر لذلك ويقفون في كل ليلة بعد صلاة المغرب بباب هذا السرداب وقد قدَّموا مركباً فيهتفون باسمه ويدعونه للخروج حتى‏ تشتبك النجوم ثم ينفضّون ويرجئون الأمر إلى الليلة الآتية، وهم على ذلك لهذا العهد..».
مقدمة ابن خلدون، (32) /199.
«.. وكانت هذه المذاهب الثلاثة هي مذاهب الجمهور المشتهرة بين الأمة وشذّ أهل البيت بمذاهب ابتدعوها وفقه انفردوا به وبنوه على مذهبهم في تناول بعض الصحابة بالقدح، وعلى قولهم بعصمة الأئمة، ورفع الخلاف عن أقوالهم، وهي كلها أصول واهية، وشذّ بمثل ذلك الخوارج..».
مقدمة ابن خلدون،446.
وقد تطول قائمة الاتهام وتأخذ أبعاداً خطيرة، كما عند ابن تيمية وغيره، وربما يفي ما قدمناه بالغرض، وهو يبدو أقرب ما يكون إلى (السيناريو) المفرط في الضعف والتهافت، خاصة عندما لا يقدر كاتب تلك السطور على ضبط نفسه، ويترك المجال لقلمه (بالهذر) والانفلات.
رابعاً: وفي خضم هذا الصراع تغيب الأمانة والورع والتزام الدقة العلمية، إذ لا يجد كتّاب الفرق أية غضاضة في توزيع الاتهامات ونسبة الأقوال ـ على خطورتها تارة وسخافتها تارة أخرى ـ إلى هذه الفرقة أو تلك، دونما تريث أو إنصاف أو إحتمال الخلاف حتى‏، لتكون النتائج في الغالب مصادرات ومسلّمات لا نزاع فيها، ولا يسمح أن تكون محلاً للجدل أو التشكيك، أو فرض الخلاف أو العكس، فضلاً عن إثباتهما.
ولأجل ذلك عقّب الشريف المرتضى‏ في كتابه الشافي على خصمه
________________________________________
(32)ابن خلدون، عبد الرحمن، المقدمة، ط دار إحياء التراث العربي بيروت 1988.

[الصفحة - 142]


القاضي عبد الجبار المعتزلي بعد حكايته وادعائه على الشيعة الإمامية قولهم من أنه لولا الإمام لما قامت السموات والأرض ولا صحّ من العبد الفعل، إذ بعد مناقشته ونفي صحته ونسبته إليهم يقول: «وفي الجملة فليس يحسن بمثله من أهل العلم أن يحكي في كتابه ما لا يرجع في العلم بصحته إلاّ إليه، ولا يسمع إلاّ من جهته، فإن فضلاء أهل العلم يرغبون عن أن يحكوا عن أهل المذاهب إلاّ ما يعترفون به، وهو موجود في كتبهم الظاهرة المشهورة» (33) .
ولا أعرف سبباً علمياً يدعو كتّاب الفرق إلى أن لا يحفلوا بكتب الخصم ومصادره الفكرية، وهي موجودة ومشهورة ومتداولة، إلى درجة يوصف معها أبرز تلامذة الإمام الصادق(ع) هشام بن الحكم بأنه من المجسمة، ونقل الأقوال الواهية عنه ـ وكأنّ بعضهم يريد أن يتهم الإمام الصادق(ع)، ليحفظ وصية رسول اللَّه(ص) في بيته الذي أمر بالتمسك به مع القرآن الكريم!!
خامساً: وقد نتج عن هذا المنهج خلل بالغ الخطورة، بدت معه كتب الفرق متناقضة ومتهافتة، فضلاً عن منهج التكفير وتوزيع الاتهامات الطائشة، فعلاوة على التخبط الذي يظهر بوضوح في تعداد الفرق ومحاولة الوصول إلى الرقم (72) فرقة هالكة بتعسف وتكلف شديدين، نجد التفكيك يجري بقسوة بالغة، بحيث يتم تهوين الخلافات تارة وتهويلها تارة أخرى، إلى درجة قد تتفق الفرقة الناجية مع الفرقة الضالة بأكثر مما تختلف، ومع ذلك تبقى‏ هذه الفرقة هي الناجية، وتبقى‏ الأخرى‏ هي الهالكة دون أن تفيض الأولى على الأخيرة بشي‏ء من الهداية والنجاة! فمثلاً نجد «أن الأشعرية قد تشبع فكرها بالجبر والإرجاء ومع ذلك تصنف كل فرق الجبرية والمرجئة ضمن الفرق الهالكة، ولا تستثني منهم أحداً، وكذلك الزيدية ترمي بكل فرق المعتزلة ضمن الفرق الهالكة. ولا تستثني منهم أحداً، بالرغم من أن دعوى الزيدية لنجاتها تتمثل في أمرين: أنها تقول بالعدل والتوحيد ـ أي على مذهب المعتزلة ـ والثانية أنهم من شيعة أهل البيت» (34) .
ومثلاً آخر على ـ ما نقول ـ ما ذكره كتّاب الفرق عن فرقة الخطابية
________________________________________
(33)الشريف المرتضى‏، علي بن الحسين، الشافي في الإمامة ج‏1/42 ط قم مؤسسة الصادق ط ثانية تحقيق السيد عبد الزهراء الحسيني.
(34)السريحي، المرجع السابق، ص 137.

[الصفحة - 143]


وعدّها في فرق الشيعة ـ في الوقت الذي يعدها السبكي في كتابه «طبقات الشافعية» (35) في بعض مذاهب أهل السنة إذ يقول: «وقد بلغ الحال بالخطابية وهم المجسمة في زماننا هذا، فصاروا يرون الكذب على مخالفيهم في العقيدة، لا سيما القائم عليهم بكل ما يسوؤه في نفسه وماله، وبلغني أن كبيرهم استفتي في شافعي أيشهد عليه بالكذب؟ فقال: ألست تعتقد أن دمه حلال، قال: نعم، قال: فما دون ذلك دون دمه، فاشهد وادفع فساده عن المسلمين. قال السبكي: فهذه عقيدتهم، يرون أنهم المسلمون، وأنهم أهل السنة، ولو عدوا عدداً لما بلغ علماؤهم، لا عالم فيهم على الحقيقة مبلغاً يعتبر، ويكفرون غالب علماء الأمة، ثم يعزون ذلك إلى الإمام أحمد بن حنبل وهو منهم بري‏ء».
وفضلاً عن ذلك فقد عُدَّ أحد أعمدة الاتجاه السني «وهو أبو حنيفة» في المرجئة (36) إلى درجة أستغرب معها بعض المستشرقين‏ (37) أن يُصنّف مثل أبي حنيفة في فرق المبتدعة.
-3-
قد تكون هذه الملامح هي الأبرز في المنهج السائد لكتب الفرق والمذاهب والأكثر حضوراً في خطابها، دون أن يعني ذلك غياب ملاحظات هنا وهناك تفصيلية تفتقر ملاحقتها إلى بحث مسهب وفصل خاص.
وربما لا نسي‏ء الظن بكتَّاب الفرق القدماء، ولا نبالغ في إدانتهم، فقد عاشوا عصراً قلما سادت فيه روح التسامح، وندر أن عملت فيه أجواء الحوار العقلاني الحر، إنما الذي يريب من جهة، ويقلق من جهة أخرى، هو سيادة هذا المنهج وبقاؤه حياً حاضراً وفاعلاً في الحياة العلمية ومراكز الأبحاث، في وقت يفترض أن تسود فيه لغة العقل والمنهج العلمي الحر. ولا أجدني مبالغاً إذا زعمت أن رجال فكرنا اليوم يمثلون الوريث الحقيقي لكتَّاب الفرق الأقدمين، وإن ادّعوا النزاهة والتقيد بالمنهج العلمي الصارم، فها هي كتبهم مشحونة بما لا يصدقه العقل، ومملوءة يما تتناقله كتب الفرق من ادعاءات، دونما تمحيص أو
________________________________________
(35)طبقات الشافعية ج‏1/ 193 بواسطة الإمام الصادق والمذاهب الأربعة ج‏3/ 39 المرجع السابق.
(36)مونتغمري، المرجع السابق، ص 18.
(37)الأشعري، المرجع السابق، ج‏1/ 219 وانظر تبرير المحقق في الهامش من الصفحة نفسها وما بعدها.

[الصفحة - 144]


تدقيق، وإذا كان كتّاب الفرق الأقدمون ـ يومذاك ـ في عذر، ربما لصعوبة الاطلاع ومتابعة المصنفات، لا يعذر رجال الفكر اليوم، وها هي كتب الفرق والمذاهب ومصنفاتهم على تعددها وتنوعها، في متناول الجميع، وتقذف بها المطابع إلى الأسواق بعشرات الطبعات خاصة المشهور منها والمعتمد.
ويكفي للتدليل على ما نقول استعراض عدد من النماذج الحية والمعاصرة لما كتبه أعلام في الفكر والأدب على اختلاف مشاربهم وانتماءاتهم الفكرية والسياسية.
1 ـ نموذج أحمد أمين
يدرك أحمد أمين الصعوبة التي تنتظره في أبحاثه الكلامية، خاصة في ظل اضطراب الأهواء التي عملت في العقائد الدينية، وضياع كتب بعض الفرق الإسلامية، ولذلك يعترف بادى‏ء ذي بدء بصعوبة تحرير المذهب كما يتصوره أصحابه، وأوضح مثال ـ عنده ـ على ذلك مذهب المعتزلة، حيث أبيدت كتبهم، وعدا خصومهم على آثارهم، ولم يبق من أفكارهم إلاّ ما حكاه عنهم الخصوم. ومع ذلك يصر السيد أحمد أمين على الحكم على المذاهب الإسلامية وعدم الاكتفاء بطريقة عرض الأفكار كما هي طريقة الشهرستاني، تبعاً لطريقة ابن حزم الظاهري ـ وإن أخذ عليه طريقته في النقدِ ـ لأنها حسب رأيه أنفع للقارى‏ء وأصدق في أداء المؤلف للواجب وأدل على شخصيته، متناسياً ملاحظته التي أشار إليها من عدم التوفر على كتب عدد من الفرق الإسلامية، حيث يستحيل الحكم على أفكارها ومرتكزاتها الفكرية والعقيدية (38) .
ويتجاوز السيد أحمد أمين هذه المشكلة في الحديث عن الشيعة إذ كتبهم موجودة ومتوفرة ولذلك سيكون من السهل عليه الحكم عليهم بالسلب والإيجاب؛ لذلك عمد إلى مناقشتهم بضمير مطمئن وعقل بارد. يقول: «.. وسنعمد في شرح وجهة نظرهم على كتبهم فذاك أنصف لهم، فننقل خلاصة ما ورد عن الإمام في كتاب «الكافي» للكليني فهو من أوثق كبتهم» (39) . ولم ينس
________________________________________
(38)أمين، أحمد، ضحى الإسلام، ط10 دار الكتاب العربي ـ بيروت ـ انظر المقدمة ج‏3.
(39)المرجع نفسه ج‏3/ 213.

[الصفحة - 145]


السيد أحمد أمين من التذكير في الهامش والإشارة إلى قيمة «الكافي» عند الشيعة وأنه عندهم بمنزلة البخاري عند أهل السنة.
وهي إشارة ـ لا تخلو من مكر أو قلة إطلاع ـ إلى التملص من مناقشته بأسانيد ما نقله عن الكافي حيث اكتفى‏ بنقل الأحاديث الضعيفة أحياناً أو المفسَّرة بغيرها أحياناً أخرى، وقد انتقاها بدقة بعيداً عن الإطار العام أيضاً. مع العلم أن «الكافي» للكليني وإن كان من الكتب الحديثية الموثوقة لدى الشيعة إلاّ أنهم لم يتعصبوا للعمل به كما تعصب أهل السنة للعمل بصحيح البخاري.
وعلاوة على ذلك فقد حاول أحمد أمين تضليل قارئه إذ وعده بمعالجة الإشكاليات العقيدية شيعياً من الكتب الشيعية نفسها ثم لم يعتمد سوى كتاب «الكافي» دون أن يعتمد كتاباً واحداً من كتبهم في علم الكلام التي تعتبر الأساس في صياغة النظرية الكلامية.
ومن أظرف ما يكون إتهامه هشام بن الحكم بالتجسيم والتشبيه والجبر اعتماداً على كتب الخصوم متجاوزاً الوعد الذي قطعه على نفسه‏ (40) بل أنه لم يحترز من إتهام أهل بيت الرسول(ص) بوضع الحديث على لسان رسول اللَّه(ص) (41) فضلاً عن الحكم على الشيعة باللاعقلانية وإماتة الفكر، وتأثرهم بالطابع الفارسي تارة، واليهودي تارة أخرى.
وينقل حجج الشيعة من غير مصادرهم كما يرد عليهم دون أدنى‏ إشارة إلى المراجع أو توثيقها.
2 ـ نموذج علي النشّار
الدكتور علي سامي النشار من أوائل من بحث في التشيع، وقد خص الجزء الثاني من كتابه نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام بدراسة التشيع وقراءة أفكار الشيعة وفرقهم ومذاهبهم. وهو بادي‏ء ذي بدء يقدم منهجه في الدراسة، ذلك النهج العلمي: المعروف بالمنهج التجريبي أو المنهج الاستردادي، القائم
________________________________________
(40)المرجع نفسه ج‏3/ 269.
(41)المرجع نفسه ج‏3/ 238.

[الصفحة - 146]


أساساً على عمليتي التحليل والتركيب ـ بدءاً من النظر في الوثائق وتحقيقها ونقدها داخلياً وخارجياً، وانتهاء بالتحليل ووضعها في نسق مذهبي تركيبي‏ (42) .
لسنا ـ الآن ـ بصدد التحقق من جدوى‏ تطبيق هذا المنهج في الدراسات الإسلامية، وفيما إذا كان يحق للمسلم إستعارته من الغرب، ولا يحق ـ من جهة أخرى‏ ـ للمستشرق تطبيقه في دراسة الإسلام والفكر الإسلامي. تلك مهمة أخرى. إنما نحن بصدد تأكيد ما ذكرناه من ملاحظات سابقة حول المنهج السائد في دراسة الفرق الإسلامية قديماً عند الشهرستاني والبغدادي وغيره، وحديثاً عند السيد أحمد أمين والسيد علي النشار.
فالسيد النشار وإن كان يدعي أنه يكتب ـ وخاصة في الفلسفة وهي اختصاصه ـ التاريخ النزيه محققاً أكبر حدّ من الموضوعية العلمية، إلاّ أنه لم يسلم من المفارقة التي أشرنا إليها سالفاً، وهي قراءة الآخر من خلال وبواسطته خصمه! ذلك أنه وضع عقائد الشيعة ونظرياتهم المتعددة في نسق فلسفي متكامل ـ كما يزعم ـ ابتداء من نشأة النظرية، ومروراً بتكاملها في الإطار الفلسفي، وانتهاء بتطورها (43) . كل ذلك ببركة الوثائق الدقيقة والنزيهة التي قدمها كتّاب الفرق بما عرفنا عنهم من انضباط بالمنهج العلمي ونزاهة وحرصٍ في نسبة الأقوال شديدين.
فالسيد النشار يبدو منصفاً عندما يقول: «وكانت الفكرة السائدة أن أهل السنة والمعتزلة وحدهم قاموا بالدفاع عن فلسفة الإسلام المعبرة عن أصالته تجاه أهل الفلسفات الأخرى من مسيحيين ويهود وثنوية وفلاسفة، بينما كان عمل الشيعة أن تهاجم فقط المجموعة الإسلامية وأن تناقض آراءها. وهذا خطأ كبير، كان علماء الشيعة المعتدلة ـ هكذا ـ في عصرهم الأول، كما كانوا في عصرهم الأخير ـ مشاعل مفسرة لروح الإسلام تجاه أعدائه، فوقفوا بالمرصاد للثنوية والمسيحية واليهودية والفلاسفة وغلاة الشيعة أنفسهم وشاركوا علماء أهل السنة والمعتزلة في إقامة البناء العقائدي الإسلامي..» (44) .
________________________________________
(42)النشار، علي، نشأة الفكر الفلسفي في الإسلام ج‏2 ص 11 ط7/1977 دار المعارف ـ مصر.
(43)المرجع نفسه ص 15.
(44)المرجع نفسه ص 17.

[الصفحة - 147]


لكن سرعان ما يفاجى‏ء النشار قراءه وهو يتعجب من ابتداء التشيع بحب أهل البيت وادعاء الخلافة إلى علي ثم ينتهي إلى «مذاهب فلسفية وسياسية معقدة تمام التعقيد، مركبة من مختلف المذاهب. أو بمعنى‏ آخر: إن عقيدة في حب آل البيت ـ تتطور خلال التاريخ وتبعاً لحوادث السياسة إلى مذهب فلسفي يبطن الاعتزال أحياناً والغنوص أحياناً، ويتستر خلفها مجموعات من أشد أعداء محمد(ص) ضراوة، ويحاولون بكل الوسائل القضاء على رسالته، وعلى العقيدة التي حارب ابن عمه لأجلها بكل قواه» (45) .
وربما يبدو النشار بمظهر الباحث المدقق والمحقق والنزيه جداً عندما يقول: «ومن الخطأ الكبير القول: أن هناك تشيعاً واحداً خلال التاريخ» (46) وكأنه يوحي للقارى‏ء والباحث أنه بصدد تجزئة الأحكام عليهم وعدم التعميم، وهو أمر قد يكون صحيحاً إذ التسنن ليس واحداً هو الآخر، وكذا كل مذهب من المذاهب الفكرية التي يكثر فيها نبوغ العلماء وتتواصل في اتباعها حركة العلم والمعرفة. ولكنه ـ أعني النشار ـ إنما أكد ذلك ليكرس كتابه لتأكيد مسألة في غاية الأهمية عنده، وهي محاولة التفكيك بين الشيعة المنتسبة إلى جعفر الصادق(ع) وبين نهج الإمام الصادق نفسه، ونهج تلامذته المقربين منه، ممن شاد بنيان التشيع وأسهم في بناء صرحه الفكري العقيدي.
يقول في هذا الصدد: «لقد كان ظهور جعفر الصادق الحدث الأكبر في تاريخ الشيعة. لقد نسبت الشيعة الإثنا عشرية ـ وهم جمهرة الشيعة ـ إليه فلقبوا «بالجعفرية» ونسب الفقه الشيعي الإثنا عشري إليه، فأطلق عليه الفقه الجعفري، وما أبعد آراء جعفر الصادق الكلامية وما أبعد فقهه عن آراء وكلام وفقه الاثنى عشرية بعد وفاة الإمام الثاني عشر أو اختفائه وتكون عقائد الشيعة الاثنى عشرية» (47) . ويقوم تفكيك السيد النشار بين تشيع الأمس واليوم على ما يدعيه من أن «التشيع الأول كان مجسماً والتشيع الأخير كان معتزلياً» (48) .
ولذلك يعمد النشار إلى دراسة هشام بن الحكم ـ الذي وصفه كتاب
________________________________________
(45)المرجع نفسه ص 21.
(46)المرجع نفسه ص 21.
(47)المرجع نفسه ص 161 وص‏209.
(48)المرجع نفسه ص 21.

[الصفحة - 148]


الفرق بأول مجسم ومشبه و.. ـ وتأثيره في مدرسة التشيع الأولى، ومدى إسهام الصادق(ع) في دفع تلميذه إلى مواجهة الاعتزال مع الطاقم المعروف والمؤلف من هشام بن سالم وزرارة بن أعين ومحمد بن النعمان ـ مؤمن الطاق ـ وغيرهم‏ (49) . ويحشد النشار كل النصوص التي تناقلها كتاب الفرق بحق هشام بن الحكم من اعترافه بصعوبة العثور على أي كتاب لهشام وصعوبة الالتزام بما تناقله الخصوم بحقه‏ (50) .
لا أريد أن أثقل على القارى‏ء بمتابعة النشار في إستنتاجاته التعسفية والبالغة الخطورة، ويكفي أن أشير إلى ما يختزنه بحثه من تحيز واضح للمذهب الأشعري ـ مذهبه ـ وتأكيد دوره في تخليص التراث الإسلامي كله من الحشو والتشبيه والتجسيم وكل العناصر الأجنبية من ثنوية ومسيحية ويهودية (51) ، وإن كان على حساب آخرين واتهامهم بما لا يليق، ومن هؤلاء أعمدة آل البيت(ع)، في محاولته ـ غير العلمية ـ تصنيفهم في حشوية أهل السنة وميلهم إلى التشبيه والتجسيم‏(52) .
ويكفي لتأكيد ملاحظتنا الأساسية في موضوع بحثنا، أن نشير إلى قائمة مصادره‏ (53) الأساسية التي اعتمدها في دراسة التشيع في نسق فلسفي متكامل كما يزعم، وهي قائمة تشتمل على المصادر الأساسية القديمة في كتب الفرق وتاريخ المذاهب: كتاب التنبيه للملطي، والمقالات للأشعري، و «الفرق بين الفرق» للبغدادي، و «الفصل» لابن حزم، (الذي قدم له نظرات نقدية هامة ـ على حد تعبير النشار) و «الملل» للشهرستاني، واعتقادات الرازي، فضلاً عن الكتب الأخرى، والتي يختمها بكتاب «منهاج السنة» لابن تيمية الذي اعتبره مصدراً عاماً لعقائد الشيعة، كما وصفه بأنه وثيقة فريدة تنقل إلينا صوراً متعددة من عقائدهم، كما أن ميزة ابن تيمية ـ عنده ـ أنه ينقل لنا نقلاً صادقاً ما يناقشه بعد ذلك في حدة وقسوة.
ما تقدم صنفه في قائمة المصادر السنية أما المصادر الشيعية فهي كتاب «فرق الشيعة» للنوبختي والمقالات و «الفرق» للأشعري (القمي) و
________________________________________
(49)المرجع نفسه ص 168.
(50)المرجع نفسه ص 172 وص 174.
(51)المرجع نفسه ص 197.
(52)المرجع نفسه ص 132.
(53)المرجع نفسه ص 389 وما بعد.

[الصفحة - 149]


«رجال» الكشي و «أوائل المقالات» للمفيد و «منهاج الكرامة في معرفة الإمامة» الذي اعتمده بواسطة ابن تيمية ولم ينقل عنه مباشرة، ومع ذلك فلم يعتمدها إلاّ في موارد محدودة جداً.
3 ـ نموذج محمد أبو زهرة
والشيخ أبو زهرة واحد من أبرز مشايخ الأزهر تخرج عليه عدد كبير من أساتذة الفقه في كليات الشريعة القائمة الآن في الوطن العربي والإسلامي، صدر له العديد من الكتب من تراجم وفقه وعقائد.. وأخص بالذكر فيها كتابه «تاريخ المذاهب الإسلامية» جعله في قسمين: أحدهما في العقائد، وثانيهما في الفقه. عقد للحديث عن الشيعة في كلا القسمين.
ولسوء طالعنا وطالع المسلمين أن يعتقد عالم مثل أبي زهرة أن المذهب الشيعي نبت في ظل الفتن التي دهمت المسلمين وخاصة فتنة الطاغوت الأكبر ـ على حد تعبيره ـ عبداللَّه بن سبأ الذي قال بالرجعة والوصية (54) . إذ كان يفترض في الشيخ محمد أبو زهرة أن يكون أكثر الناس احتياطاً في نسبة الأقوال إلى المذاهب أو إلصاق التهم بهم.
وفي معرض الحديث عن عقيدة الشيعة في الخلافة يقول: «ويستدلون على تعيين علي(رض) بالذات ببعض آثار عن النبي(ص) يعتقدون صدقها وصحة سندها مثل ـ من كنت مولاه فعلي مولاه، اللهم وال من والاه، وعاد من عاداه.. ومخالفوهم يشكون في نسبة هذه الأخبار إلى الرسول(ص)» (55) .
وهذا النص يوحي بمذهب الشيخ ومدى احتياطه للعلم والدين، ولا أعرف لماذا توانى الشيخ ـ رحمه اللَّه ـ عن الكشف عن مغالطة الشيعة في حديث الموالاة ولماذا لم يكشف عن ضعفه، وقد سبقه إلى تصحيحه والدفاع عن سنده كل من الطبري والذهبي وابن كثير... كان يمكن للشيخ أن يحتاط لنفسه ودينه فيقول (ومخالفوهم يتأولونها) فيخرج عن العهدة.
أما في القسم الثاني الذي جعله الشيخ في المذاهب الفقهية، فإنه عمد إلى
________________________________________
(54)أبو زهرة، محمد، المذاهب الإسلامية ج‏1/47 ـ 48، المطبعة النموذجية ـ مصر.
(55)المرجع نفسه ج‏1/80.

[الصفحة - 150]


التفكيك بين الإمام الصادق(ع) وبين المذهب الجعفري، فلم يشر إلى المذهب وأصوله ومدى تطور الفقه عنده أو إسهامه في هذا المجال، إذ اقتصر في حديثه على حياة الإمام الصادق(ع) وبعض جوانب حياته العلمية.
والمقارنة بين الخطة التي أتبعها في عرض المذاهب الإسلامية الأخرى وبين ما عقد للإمام الصادق يكفي للدلالة على ما نقول.
ولعل الأكثر مفارقة في كتاب الشيخ أنه عمد إلى الحديث عن الإمام الصادق في آخر الكتاب إلى درجة قدم معها ابن تيمية عليه، دون أن يحفل بالمنهج العلمي الذي يفترض العرض إما وفقاً للتسلسل الزمني، أو وفقاً للمركز العلمي والمشيخة.
هذا فضلاً عن محاولات التفخيم التي قام بها في حديثه عن الروايات التي نقلها عن الكافي في ادعاء الزيادة في القرآن الكريم، إلى درجة أنه عنونها في فهرس كتابه بـ «افتراءات الكليني كبير رواتهم» مع أنه يفترض فيه أن يضعها في الموضع المناسب،
إذ لم يعتبر الشيعة روايات الكليني في «الكافي» صحيحة بأجمعها كما هو صحيح البخاري وصحيح مسلم، كما لم يعتبر الكليني نفسه ذلك كما ذكر في مقدمة كتابه المشار إليه في مقام ذكره للجمع بين الأخبار وحل التعارض بينها. وكأنه ـ أعني الشيخ ـ يغفل عن روايات البخاري التي ادعت الزيادة في القرآن الكريم وهي صحيحة عندهم.
وقد ترك نهج الشيخ أبو زهرة بصماته واضحة في كتابات تلامذته، وبعضهم له بالشيعة صلات حسنة، إلى درجة يكتب معها الدكتور الشيخ وهبة الزحيلي موسوعة فقهية ضخمة لا يذكر فيها الإمام الصادق(ع) ولا يشير إلى دوره في إرساء قواعد المذهب الجعفري ومذهب أهل البيت(ع)، فضلاً عن تغافله لفضله على أئمة بعض المذاهب مثل أبي حنيفة ومالك، بل ينسب تأسيس مذهب الشيعة الإمامية إلى محمد بن الحسن بن فرّوخ الصفار (56) .
________________________________________
(56)الزحيلي، وهبة، الفقه الإسلامي وأدلته ج‏1/ ص‏43 ط3/1989 دار الفكر دمشق.

[الصفحة - 151]


4 ـ نموذج زكي نجيب محمود
لم يكتب الدكتور زكي نجيب محمود في الفرق الإسلامية، فهو أحد أبرز أساتذة الفلسفة في العالم العربي ولا يعتبر ذلك من اختصاصه أو اهتماماته حتى‏، إنما كتب من زاوية أخرى، وهو يبحث عن واقع جديد وثقافة جديدة يمكن لها أن تنهض بالعالم العربي من ركوده وجموده.
ففي كتابه «تجديد الفكر العربي» وتحت عنوان ـ غربة الروح بين أهلها ـ يحاول أن يقرأ الفرق الإسلامية بغية الوصل بين الماضي والحاضر، ولا يهمه أكثر من ذلك، فيتوه في مدينة متشعبة الطرق يتكلم أهلها لغة لا يفهمها، ويتكلم هو لغة لا يفهمونها، وفي ذلك إشارة واضحة إلى أنه غير معني تماماً بما عليه الماضي. ولذلك يعي الدكتور محمود طريقة كتّاب الفرق أو مؤرخيها، ويأتي على ذكر البغدادي خاصة (مثالاً) فيقول «وواضح من ذلك أن البغدادي يفتح أبواب الجنة لأهل السنة والجماعة، ويوصدها دون سائر الفرق من خوارج وروافض وقدريه وغيرها..» (57) .
ومن باب تذكير القاري بما احتوته كتب الفرق والمذاهب يأتي على ذكر نشأة بعضها، ثم يقف وقفة أطول عند فرقة لها أهمية بالغة ـ كما وصف ـ وهي فرقة الشيعة (58) . ويأتي على بيان بعض أفكارها خاصة الاتجاه الباطني. وإن كان يعتمد على البغدادي فها هو يعتمد ـ كما هو الظاهر ـ في عرض الفكر الشيعي على كتاب «تاريخ الفلسفة الإسلامية» للمستشرق هنري كوربان، ثم ما يلبث أن يعتمد على الغزالي في فضائحه! فيقول: «فالسبب الباعث لهم على نصب هذه الدعوة ـ هكذا يقول الغزالي في الفصل الثاني من الباب الثاني ـ هو الانسلال من الدين كانسلال الشعرة من العجين، ثم يقول: تشاور جماعة من المجوس والمزدكية وشرذمة من الثنوية الملحدين وطائفة من ملحدة الفلاسفة المتقدمين، وضربوا سهام الرأي في استنباط تدبير يخفف عنهم ما نابهم من إستيلاء أهل الدين وينفس عنهم كربة ما دهاهم من أمر المسلمين حتى‏ أخرسوا ألسنتهم عن النطق بما هو معتقدهم من إنكار الصانع، وتكذيب الرسل وجحد
________________________________________
(57)محمود، زكي نجيب، تجديد الفكر العربي ص 105 ط8/1987 دار الشروق ـ مصر.
(58)المرجع السابق، ص 109.

[الصفحة - 152]


الحشر والنشر والمعاد إلى اللَّه في آخر الأمر، فبعد أن استولى المسلمون على ملك أسلافنا ـ هكذا يتصور الغزالي مخاطبة تلك الطوائف لنفسها ـ وانهمكوا في التنعم في الولايات مستحقرين عقولنا، ولا مطمع في مقاومتهم بقتال،
ولا سبيل إلى استنزالهم عما أصروا عليه إلاّ بمكر واحتيال... فسبيلنا أن ننتحل عقيدة طائفة من فرقهم وهم الروافض، ونتحصن بالانتساب إليهم، ونتباكى لأهل البيت عما حل بآل محمد، ونتوصل بذلك إلى تطويل اللسان في أئمة المسلمين..» (59) .
ولم يكتف زكي نجيب محمود ـ بنقل جمل الغزالي ونصوصه على طولها، فهو بصدد الحكم وتحديد الموقف فيقول: «.. ويمضي الغزالي في بقية أبواب الكتاب وفصوله يبين مذهب الباطنية جملة وتفصيلاً، ليظهر فيه مواضع المؤاخذة والتناقض، ويكفي أنه مذهب يستند إلى قول الإمام المعصوم منكراً على العقول أن تكون مدركة للحق.
فإذا كان هنالك من يرى هذا المذهب طريقاً مسدودة بالنسبة إلى علاقة الإنسان باللَّه واليوم الآخر، فماذا عساه أن يكون بالنسبة إلى أمور الحياة الدنيا، وفي هذا القرن العشرين» (60) .
وإذا كان الغزالي في عذر وهو يعيش ذلك الصراع الطائفي المر يومذاك فأي عذر للدكتور وهو ابن الجامعات الأوروبية التي يدعي أنه تعلم بها الحيدة والتجريبية ورحم اللَّه الغزالي فقد أخرج القوم عن الإسلام، فأما الدكتور الفيلسوف فلم يقنع بمجرد الحكم بفساد طريقتهم دينياً، بل ارتأى أن لا مقام لهم في القرن العشرين فضلاً عن الواحد والعشرين.
وإنما تعمدت ذكر الدكتور زكي نجيب محمود في نماذجي المنتخبة لأدلّل أكثر فأكثر على مدى تأثير منهج الأقدمين في الحياة العلمية، مع الرغم من الادعاءات العريضة التي يتشدق بها رجال الفكر والثقافة في مراكزنا العلمية، من التزام المناهج العلمية الصارمة، واحترام الرأي الآخر.
________________________________________
(59)المرجع السابق، ص 116.
(60)المرجع نفسه ص 117.

[الصفحة - 153]


5 ـ نموذج محمد عمارة
وفي الاتجاه نفسه يكتب محمد عمارة، وإن اختلف مع الدكتور زكي نجيب محمود في الأساس الفكري الذي يرتكز عليه، إذ هو بصدد دراسة التراث الإسلامي واستنهاض الطاقات الكامنة والحية فيه، ولهذا الغرض يحاول التفتيش عن العناصر العقلانية في تاريخ الفرق الإسلامية، ومحاولة نفخها من جديد، وتعميق البحث فيها لعلّها تنجح في تشكيل إطار مرجعي نهضوي شامل.
وفي هذا الصدد يعمق الدكتور عمارة ما يقال عن النزعات العقلانية السائدة في المنهج الاعتزالي، كما يعترف بوجود تلك النزعات في المنهج الشيعي أيضاً، إلاّ أنه يظل أسير الموروث التاريخي والعقيدي الضخم والهائل الذي يفرض عليه معالجة الإمامة بشي‏ء من التعصب فيقول: «والعقلانية واحدة من القسمات التي تتجلى‏ للناظر في تراث الشيعة الفكري، وذلك إذا استثنينا تراثهم في الإمامة وما يتعلق بها، فهم في الإمامة.. قد غدوا أسرى النصوص وتفسيرات لنصوص تعبدوا بها، ونحَّوا العقل جانباً أمام هذه النصوص» (61) .
ولسنا بصدد مناقشة الدكتور عمارة، لأن مهمة البحث لا تتجاوز رصد التأثيرات العقيدية والفكرية والمنهجية التي تركتها كتب الفرق وكرّسها مؤرخوها، وهو ما يبدو أكثر وضوحاً في نصوص الدكتور عمارة عندما يزعم خلو المصادر التاريخية والفكرية من عقيدة الوصية والقول بها قبل هشام بن الحكم، إذ يقول ما نصه: (وأما قول الشيعة: إن عقيدة النص والوصية قد وجدت قبل زمن هشام بن الحكم وجعفر الصادق، وأن عصر هشام قد أضاف إليها ظهور التصنيف فيها والنصرة لها، ولم ينشئها إنشاء، فإنه قول مردود.. فنحن ـ والكلام لعمارة ـ لا نجد في نهج البلاغة للإمام علي ـ وهو أقدم نص مجموع من التراث الشيعي ـ عن آل بيت الرسول أكثر من أنهم أهل بيت علم وبر وتقوى وأنهم أحق بولاية أمر المسلمين، وأن قريشاً استأثرت بهذا الأمر دونهم، ولا ذكر فيه للنص الإلهي والوصية النبوية لعلي بالخلافة، كما أننا لا نجد في مواطن الجدل من حول الخلافة ـ منذ اجتماع السقيفة وحتى‏ عصر هشام بن
________________________________________
(61)د. عمارة، محمد، تيارات الفكر الإسلامي، ص 217 ط 1983 دار المستقبل العربي ـ القاهرة.

[الصفحة - 154]


الحكم ـ من احتج «بالنص والوصية» إنتصاراً لعلي بن أبي طالب وتزكية لحقه في إمارة المؤمنين) (62) .
6 ـ نموذج محمد عابد الجابري
قد يكون الدكتور محمد عابد الجابري أحد أشهر أساتذة الفلسفة والمفكرين العرب في العقدين الأخيرين من القرن العشرين، وقد اكتسب شهرته عقيب ظهور مشروعه الثلاثي (تكوين العقل العربي ـ العقل السياسي العربي ـ بنية العقل العربي).
وقد تحدث في كل كتاب من هذا الثلاثي عن الشيعة ـ وحاول دراسة أفكارهم وعقائدهم، وكان يفترض فيه أن يكون أكثر دقة من سابقيه في تناوله لأكثر الموضوعات حساسية وتعقيداً، إلاّ أنه وللأسف سقط صريع المنهج السائد في دراسة الفرق والمذاهب، فقد درس الشيعة وعقائدهم وهو يختزن في داخله ذلك الموروث الضخم، الذي قد تكون كتب الفرق والمذاهب جزءاً منه، فضلاً عن العوامل الأخرى‏ النفسية وغير النفسية.
مصادره في دراسة الشيعة هي نفسها التي كتبها الأقدمون من: الملطي والبغدادي والإسفراييني والشهرستاني وابن حزم الظاهري، وكما نجد هشاماً في كتب الفرق مجسماً مشبهاً نجده ـ طبق الأصل ـ عند الجابري‏ (63) ـ وكما نجد الطابع اليهودي واضحاً في العقيدة الشيعية كما تصورها كتب الفرق القديمة ـ نجده طبق الأصل أيضاً ـ عند الجابري‏ (64) .
ومن الطريف جداً أنه لا يعتمد في دراسة التشيع الاثني عشري ـ وهو يعترف بتميزه عن الإسماعيلي ـ إلاّ من خلال المصادر الإسماعيلية وخاصة كتب القاضي النعمان، ولم يعتمد على مصادر الشيعة الاثنى عشرية إلاّ في مواضع لا تتعدى خمسة هوامش أشار إليها، وهي تعود بمجملها لكتاب «الكافي» في الحديث للكليني، الذي حاول أن يبرزه ليدعم موقفه الانتقائي، «مع العلم أن الكافي لا يعتبر عند الشيعة صحيحاً إلاّ في الجملة»، وكتاب آخر
________________________________________
(62)المرجع نفسه، ص 201، ص 202. لا يكتفي الدكتور عمارة بما استوحاه من كتب الفرق بل يحاول البرهنة عليه، وها هنا تبدو المفارقة في أشد صورها، فقد ادعى خلو النهج من أي نص يشير إلى الوصية، وفي النهج نفسه يقول علي(ع): (لا يقاس بآل محمد(ص) من هذه الأمة أحد.. ولهم خصائص حق الولاية وفيهم الوصية والوراثة، أما خلو الجدل حول الخلافة من ذلك فيكفي قول أبي الأسود الدؤلي المتوفي سنة 49هـ. أحب محمداً حباً شديداً وعباساً وحمزة والوصيا وقول الفضل بن العباس بن عبد المطلب: ألا أنّ خير الناس بعد محمد وصيّ النبي المصطفى عند ذي الذكر وللمراجعة انظر المصادر: الكامل للمبرد ج‏2/ 130، الكامل في التاريخ 3/77 والطبري، والأخبار الموفقيات ص 593، والمستدرك للحاكم ج‏3/ 272، وتاريخ الطبري /6/242.
(63)الجابري، عابد، بنية العقل العربي، ص 327 ط3/1990 بيروت، مركز دراسات الوحدة العربية.
(64)الجابري، عابد، العقل السياسي العربي، ص 217 وص‏287 ط.

[الصفحة - 155]


لملا صدرا شرح فيه بعض أحاديث الكافي، وثالث بعنوان «عقائد الإمامية» لفقيه معاصر وهو الشيخ محمد رضا المظفر، وهو كتاب مختصر، لم يعتمده الدكتور الجابري إلاّ بشكل انتقائي ماكر.
هذه البصمات القاسية بما تنطوي عليه من خطورة لم تطبع مشروع الجابري وحسب، بل تعدت إلى الكتب الدراسية المعتمدة الآن في بعض الجامعات العربية (65) ، التي يعيش على موائدها الثقافية آلاف الطلبة.
ربما تكون متابعة النماذج المتقدمة وعرضها ـ مجرداً ـ كافية لتأكيد الفكرة ـ محور بحثنا ـ ومدى إسهام مؤرخي الفرق الإسلامية بتقديم صورة غير نقية، هي أبعد ما تكون عن الواقع، وأقرب ما تكون إلى الخيال أو التناقض على أقل تقدير. ولا يمكن تجاوز هذه الصورة إلاّ إذا تم تجاوز هذا الموروث، والتعامل معه بحذر وتحقيق شديدين، وفقاً لمنهج علمي من جهة، وأخلاقي ـ إسلامي من جهة أخرى‏.
ويمكن تحديد سمات هذا المنهج في النقاط التالية:
أولاً: استشعار الروح الإسلامية والتعامل مع موضوع البحث بروح الإخوة، وتبادل المحبة والإشعار بالشفقة، لا كما تم تناول موضوع الفرق لدى الأقدمين، ذلك المنهج القائم والمرتكز على القطيعة والعدوانية، وهو منهج لا يمكن أن ننتظر من ورائه التوفر على الحقيقة في عرض أفكار الآخر، ذلك الآخر المحكوم عليه سلفاً بالانحراف وإباحة دمه وعرضه وفكره.
وإنما ندعو إلى التعامل بالروح الإسلامية في كتابة تاريخ الفرق والمذاهب لأننا على يقين كبير، ليس فقط بجدوى‏ سيادة هذه الروح على المستوى العلمي، وإنما على أساس أنه المَعْلَمْ الرئيس الذي قامت عليه الدعوة إلى الإسلام والتعامل مع الآخر، ولا يمكن أن نتصور سيادة هذه الروح مع الآخر ـ خارج الإسلام ـ في الوقت الذي لا يمكن أن تسود فيه (هذه الروح) مع الآخر بوصفه مسلماً وداخل الإطار الإسلامي.
ثانياً: إن الشهرستاني وإن زعم أنه شرط على نفسه أن يورد مذهب كل
________________________________________
(65)للمراجعة، العوا عادل، المذاهب الفلسفية نشر جامعة دمشق ـ وسلقيني، ابراهيم، أصول الفقه، نشر جامعة دمشق، ولم ينس الدكتور سلقيني أن يصف الشيعة بالحماقة في مقدمة الكتاب.

[الصفحة - 156]


فرقة على ما وجده في كتبهم من غير تعصب لهم ولا كسر عليهم، إلاّ أنه لم يف بما شرط على نفسه، كما هو منهج مؤرخي الفرق، وقد سار كل واحد منهم حذو الآخر دونما تحقيق في نسبة الأقوال ومدى صحتها.
وفي هذا الصدد نذكِّر أن أهم مصادر الشهرستاني هو كتاب الفرق بين الفرق للبغدادي وقد اعتمد البغدادي كثيراً على البلخي أحد متكلمي المعتزلة (المتوفى 319 هـ)، كما أنه أتى‏ بتفصيله لعقائد الشيعة اعتماداً ـ في الأكثر ـ على الحاكم البيهقي الحسن بن محمد بن كرامة والمعتزلي أيضاً.
وقد صادرت هذه المفارقة مصداقية معظم كتب الفرق وشككت في مدى توفرها على الحقيقة. ومن الغريب أن يسهم في صناعة هذه المفارقة أعمدة الاتجاه المعتزلي الذي وصف بالعقلانية. وقد لاحظنا عدداً من إدعاءاتهم على رجال الشيعة، كما يبدو ذلك بوضوح في الحوار ـ الذي كتب على الورق ـ بين الشريف المرتضى وخصمه القاضي عبد الجبار المعتزلي، والذي شكا منه الشريف المرتضى‏ في أكثر من موضع وبمنتهى‏ المرارة لاحتكامه إلى أقوال لم تصح نسبتها إلى المذهب، وقد حدّد الشريف المرتضى‏ موقفه تجاه خصمه في هذه المفارقة في مواضع عديدة، لخصّها في مورد قائلاً: «.. وجملة الأمر إنّ المذاهب يجب أن تؤخذ من أفواه قائليها، وأصحابها المختصين بهم ومن هو مأمون الحكاية عنهم، ولا يرجع فيها إلى دعاوى الخصوم، فإنه أن يرجع إلى ذلك في المذهب اتسع الخرق، وجلّ الخطب ولم نثق بحكاية في مذهب ولا استناد مقالة» (66) .
ثالثاً: وقد يكون من الضرورة بمكان معالجة الباحث لموضوعه بحياد نفسي، وأعني بالحياد النفسي، أن لا يكون معبأ بجملة من الاتهامات والأفكار والمواقف المسبقة تجاه موضوع بحثه، لأن ذلك سيكون خروجاً على البحث، لأن البحث يعني التوفر على الحقيقة بعد فحص وتدقيق وتحقيق، وهو يفترض أن المسألة يجب أن تبدأ كما لو أنها مجردة من كل تصور خاص.
وفي هذا الاتجاه يجب أن ينظر إلى كتب الأقدمين في تاريخ الفرق بريبة
________________________________________
(66)المرتضى‏ ـ الشافي ج‏1/ 85 .

[الصفحة - 157]


شديدة، لا على أساس الطعن بأصحابها، فقد يكونوا معذورين، وإنما على أساس احتمال الخلاف فيما ذكروه وما دونوه، إن لم يكن على أساس ثبوت خلافه.
رابعاً: وإذا قدر للباحث أن اكتشف حقيقة ما، فليكن أبعد الناس عن التعميم، لأن الباحث مهما أوتي من قدرة فإنه لا يمكن في الغالب التوفر على جميع جوانب بحثه، خاصة إذا كان موضوع بحثه معقداً وشائكاً ومتطوراً.
ونحن نعلم أن الفرق الإسلامية لم تنشأ دفعة واحدة ـ إن صحّ هذا العدد الكبير ـ كما لا يتفق أصحابها على مقولة واحدة، فلم يكن أهل السنة على أمر واحد ومقالة واحدة ومذهب واحد، وكذلك الشيعة لا يكونون على ذلك، وإن اتفقوا على الأسس والمرتكزات العامة التي صنفتهم في هذا الاتجاه دون ذاك.
________________________________________

[الصفحة - 158]