البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

کعب الأحبار ظاهرة التدلیس وقبة التلبیس

الباحث :  الأستاذ فجر يوسف رسلان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  11
السنة :  السنة الثالثة خريف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 14 / 2015
عدد زيارات البحث :  1445
کعب الأحبار
ظاهرة التدلیس وقبة التلبیس

الأستاذ فجر يوسف رسلان (*)

أكاد أحكم بأنَّ هذا الرجل، أي كعب الأحبار، قد شغل وحده نصف التُّراث السَّلفي، ومن ثمَّ فهو لا يزال حاضراً على كل شفة ولسان في مساحات واسعة، إذ أن التخلِّي عنه يعني التخلِّي عن تراث كبير من التبجيلات والخوارق التي أهداها لشخصيات بارزة. ويقول العماد مصطفى طلاس، في كتابه: «ردّ على الشيطان»: «صرح كعب الأحبار، وهو على فراش الموت، أنه وضع مئة ألف حديث». ويعقب العماد على هذا التصريح، فيقول: «وهي تكفي لدك أساسات ألف دين».
كان كعب مكشوفاً لآل النبي وأشياعهم‏
فالمسملون الأُوَل، ومن ثم التابعون، كانوا حيال تلك الشخصية (الوافدة) قسمين:
أولهما العترة الطَّاهرة وأشياعهم، فهؤلاء لم تغرهم، ولم تضلِّلهم تبجيلات كعب وأمثاله من الوافدين بالرغم من عروضهم الكثيرة. كانوا يقولون للواحد منهم: «أتعلِّمنا ديننا يا ابن اليهودية؟»، وكيف تضللهم، أو تغريهم، وبينهم الأئمة المعصومون حاملو الإسلام قدوة من سيِّد المرسلين (صلي الله عليه و آله و سلم) كشفاً وتعليماً وتبليغاً؟ فالأشياع كانوا في غنى عن تبجيلات كعب وأمثاله، خصوصاً وقد وجدوهم يخلطون الحقَّ بالباطل.
وثانيهما جمهرة وحكام، ومحدِّثون متوضِّعون تحت آباطهم بجاهزية تامة لأخذ الرواية عن كعب وأضرابه، طالما كانت مكرَّسة لتبجيل القادة، ولا يهم بعد ذلك أن تكون مشبعة بالتخريف والتحريف والتوصيف المناقض للحقيقة.
وأحسب أن أولئك القادة كانوا يسعون إلى التعويض (كما في علم النفس)، أي إلى الموازاة والمساواة مع من اختارهم اللَّه العترة الطاهرة، وجعلهم العروة الوثقى مَوْضِعاً وطريقاً، وأَذْهبَ عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيراً، وهذا لا يصح.
________________________________________
(*)أستاذ في معهد اعداد المدرسين في حمص.

[الصفحة - 285]


فالتخصيص في الخطاب الإلهي صريح. ولقد تكشفت قواعد كعب المتهافتة الواهية وشباكه المهترئة التي كان يقتنص بها القادة. أقول: تكشَّفت للعقول المسلمة المستنيرة المثقفة المعاصرة، والتيار يتنامى يوماً بعد يوم. وهي حال من التحرر مباركة وإن جاءت متأخرة.
ها نحن سبقنا الحكم على الأدلة، وهي إحدى الطَّريقتين: تحكم فتبرهن، أو تبرهن فتحكم. ستكون الأدلة نصوصاً واضحة بالتصريح ومن كتاب سلفيين لا غير. ثم استدلالاتٍ لا تصعب، ولا تعسر، على متابع يبتغي الحقيقة.
نصٌّ سلفي عام‏
يقول أحمد أمين: «إن كثيراً ممَّن دخلوا الإسلام بعد الفتح كانوا من ديانات مختلفة: يهودية ونصرانية... وكانوا قد نشؤوا على تعاليم هذه الديانات وشبُّوا عليها، وكان ممَّن أسلم علماء في هذه الدِّيانات، فلما اطمأنوا، وهدأت نفوسهم، واستقروا على الدين الجديد وهو الإسلام، أخذوا يفكرون في تعاليم دينهم القديم، ويثيرون مسائل من مسائله، ويلبسونها لباس الإسلام» (2).
هذه المسألة معروفة جيداً عند المثقفين، والشواهد عليها بلا حصر، وما اعتمدنا هذا المرجع إلا ليكون الشاهد من أهله، لكن المتعصِّبين لذلك التراث، ممَّن يتنفسون برئات أسلافهم لا برئاتهم، يدفعون هذه المسألة بأن أصحاب المذاهب والسُّنن والأسانيد و «كتب» الحديث قد طهروا التراث من تلك المسائل التلبيسية، أو المسائل الملبسة بالإسلام (عبارة أحمد أمين)، وبأن التراث منذ أيامهم أصبح نقياً طاهراً، فما على المسلمين إلا أن يأخذوا تراثهم مما تركه بين أيديهم أولئك «الأئمة» من مجلَّدات.
نحن لسنا، هنا، في معرض التوسع بالمسائل المخالفة التي لا تزال ملبسة بالإسلام ومحسوبة عليه بالرغم من عمليات التطهير المشار إليها، فمثل هذا التوسُّع يحتاج إلى مجلَّدات موازية.
مطلبنا، في هذا البحث، شخصية يهودية اندسَّت في الإسلام، ولمَّا تزلْ برَوْنها وركودها ماثلة حاضرة لدى شرائح واسعة من مجتمعاتنا الإسلامية، هذه الشخصية هي كعب الأحبار، ولن يفوتك أننا ندرس ظاهرة
________________________________________
(2)أحمد أمين، ضحى الإسلام، ط7، ج‏3، ص 7.

[الصفحة - 286]


لا شخصاً، أو أننا ندرس شخصاً هو ظاهرة، ظاهرة التلبيس على الإسلام والمسلمين.
ولسوف تراني مشفقاً بالرجل عندما توازن بين أقوالي وأقوال السلفيِّين فيه.
هل طُهِّر التراث حقاً؟
نتمنى لو أن المجتهدين الأسلاف فيرحمهم اللَّه ـ قد تمكنوا من تطهير التراث، فلو تم ذلك لوفَّروا على الغيورين المنشغلين بتوحيد الصف الإسلامي أشواطاً كثيرة وبعيدة. وذللوا أمامهم عثرات عسيرة. والواقع أنهم حين اجتهدوا انتهوا إلى اختلافات أوسع ومساجلات واتهامات لا حصر لها لا تزال ماثلة في التراث المكتوب والسلوك اليومي.
فعن الاختلاف في كتب الحديث يكفينا الثَّبت الطويل في تصانيف الحديث، وهذا بعضه: «المرسل ـ المقطوع ـ الضعيف جداً ـ حديث آحاد». و «الصحيح ـ الحسن ـ الضعيف ـ المعروف ـ الغريب ـ الشاذ ـ المنكر ـ الخطأ ـ الصواب ـ الثابت ـ المقلوب» (3) . «ولما وضع مسلم (صحيحه) عرضه على أبي زرعة، فأنكر عليه وتغيَّظ وقال: سمَّيته الصحيح فجعلته سلَّماً لأهل البدع» (4) . هذا في الحديث أرفع الحقائق الدينية بعد كتاب اللَّه، فما بالك بغيره؟
لا يقتنع عقل بأن أربعة أو سبعة من المجتهدين كانوا قادرين على تنقية التراث. إن تلك المهمة التي تنكَّبوها لتشبه مهمة فرز طن من السكر والملح خلط نصفاً بنصف، مع افتراض أن يكون الأربعة أو السبعة ومعاونوهم على سعة في الفهم والعلم والتمحيص. وألا يكون فيهم من تعمَّد أن يجعل الملح سكراً أو السكر ملحاً.
والصحيح أن أولئك المجتهدين لم يوفَّقوا في تطهير التراث السلفي من الإسرائيليات والنصرانيات وما رافقها من تحريف وتخريف وتوصيف. ولم يتمكَّنوا من تطهير الخلفية النفسية العامة عند الجمهور أو الجامعة وتحريرها من اعتلاق الإسرائيليات والنصرانيات ومفرزاتها السمية. وبخاصَّة أنها موظفة منذ ذلك الزمان في خدمة الحكام، وأن القادة والحكام في جميع العهود اللاحقة عضُّوا عليها بالنواجذ، وما تستمر إلى أيامنا إلا
________________________________________
(3)محمود أبو رية، أضواء على السنة المحمدية، ص 269.
(4)المصدر نفسه، ص 262.

[الصفحة - 287]


بسبب الحكام وأعوانهم النفعيين في بعض الديار الإسلامية، لأن اختلاطات الثقافة التراثية تخدم الحكام المغرضين المعنِّدين، ونحن إنَّما نخاطب العقول والعاطفة الدينية الصحيحة، وإنا لعلى يقين بأن من نخاطبهم لا يصدِّقون أن المجتهدين الأربعة أو السبعة كانوا قادرين على تنقية سيل احمرَّ واصفرَّ واكمدَّ واسودَّ، بعد أن انهالت عليه براكين الوضع والكذب والتدليس جبالاً. (هذي مصطلحات في علم الحديث).
ونعني بالبراكين هنا مئات الآلاف فأجل مئات الآلاف ـ من الأحاديث‏ (5) (النبوية) التي رجعوا إليها وإلى رواتها، فانتقوا وفرزوا، وظل الخلاف بلا حدود.
وضع الأحاديث‏
يقول الإمام محمد عبده: «ومن الكاذبين قوم ظنوا أن التزيُّد في الأخبار.. يرفع من شأن الدين، فهذروا بما شاؤوا.. ولن ينالهم إلا الوزر والعقاب. وهم الذين قال فيهم مسلم في صحيحه: «ما رأيت الصَّالحين في شي‏ء أكذب منهم في الحديث» (6) .
نقف، الآن، عند هذه العبارة: «ما رأيت الصالحين في شي‏ء أكذب منهم في الحديث». وقد أرسلها إلى المسلمين ثلاثة من «أئمتهم»، محمَّد عبده، ومسلم، وابن سعيد القطَّان. فضلاً عن محققها العلامة «أبو رية»، تجدها البرهان القاطع لا على وجود «التزيد، والهذر، والكذب» وحسب، بل وعلى طغيانه أيضاً. لجهة أن الصالحين الذين يتحدثون عنهم كانوا يوجهون اهتمامهم و «بركاتهم» إلى الحديث النبوي.
وبعد: فقد أطْلعنا «الأئمة»، أصحاب المعلومات السابقة، على أن التزيد والهذر والكذب كان منصباً على الحديث النبوي، لكنهم لم يطلعونا على ما بقي عند أولئك الصالحين من مجمل التراث الإسلامي نقياً من التزيد والهذر والكذب لعلهم تركوها للأجيال.
التّدليس‏
قال الحافظ الذَّهبي: «كان أبو هريرة يدلِّس، وتدليس الصحابة كثير. ولا عيب فيه» (7) . هذا النص يؤكِّد ما ذكره «الأئمّة» الثلاثة السَّابق ذكرهم. ولأنه صادر عن «إمام» وجب التفصيل في قراءته، وهو يتضمَّن ما يلي:
________________________________________
(5)أخذ أحمد مسنده من سبعمئة وخمسين ألف حديث، نفسه، ص 275، وأخذ أبو داود كتابه «السنن» من خمسمئة ألف حديث نفسه، ص 263، وكتاب البخاري من ستمئة ألف حديث، ومثله كتاب مسلم من ستمئة ألف حديث، وموطأ مالك من مائة ألف حديث، نفسه، ص 179.
(6)المصدر نفسه، ص 232، وعبارة مسلم موجودة في مقدمة صحيحه، وقد أخذت بحرفيتها عن ابن سعيد القطَّان.
(7)المصدر نفسه، ص 108، وقد أخذه بحرفيته من كتاب الذهبي سيرة أعلام النبلاء.

[الصفحة - 288]


1 - الاعتراف بوجود التدليس، والتدليس فمعجمياً ـ هو: «كتمان البائع عيب السلعة عن المشتري، ويقال: دلَّس فلان لفلان في البيع وفي كل شي‏ء، ودالسه مدالسة ودلاسا: خادعه وظلمه. ودلَّس المحدث في الإسناد: تعمد الخطأ أو الخلط فيه».
2 - الإقرار بكثرة التَّدليس عند الصحابة.
3 - لكن الطَّامَّة الكبرى هي تجويزه التدليس في الأخبار والروايات والأحاديث، وهو عند الجماعة «إمام» لا يشق له غبار.
إن هذه المعلومة «الذهبية» رخصة مفتوحة لكل مبتدع يخلط الملح بالسكر، ويقول للمسلمين: هذه مائدتكم كلوها كلها، وحذار من الشكوى أو النقد أو التأفُّف. من ههنا كانت العبارة التي يردِّدها المتزمتون في كل حوار نجريه معهم: «إما أن يؤخذ الإسلام ككل، وإما أن يترك ككل»، وهم لا يجهلون أن الترخيص بهذا المنهج يجعل التدليس نصف ذلك التراث بدلالة العبارة: «وتدليس الصحابة كثير».
فإذا كان التدليس موجوداً، وكثيراً، وجائزاً أو مشروعاً، بدلالة «لا عيب فيه»، فكم باباً كان مفتوحاً للتحريف والتزوير؟ بل وكم باباً فتح ذلك القطب نفسه وأمثاله أمام إخوانه ومريديه؟
إن منهج خلط الحق بالباطل لا يوحِّد المسلمين، ووحدتهم رسالة نسعى إليها.
بقي أن نعلم أن الذهبي «كان يتكلَّف الغمز في أهل البيت (عليهم السلام) ويَعمى عن مناقبهم، ويحابي بني أمية ولا سيما المروانية» (8) فلماذا؟ لأن البضاعة التي كان يعمل بها فوهي التدليس وزمرته ـ غير موجودة عند أهل البيت (عليهم السلام).
من كعب الأحبار إلى الذَّهبي‏
ثمانية قرون والتلبيس على الإسلام والمسلمين (عبارة أحمد أمين) متواصل، تغذِّيه أهواء الحكام والذمم المريضة، وصولاً إلى الاستهزاء بالعترة الطاهرة وسبها من على منابر المسلمين.
كانت وفاة الذهبي سنة 748هـ، ونقف من هذا التاريخ على الأمور التالية:
________________________________________
(8)المصدر نفسه، ص 291.

[الصفحة - 289]


1 - إن الغمز والاستهزاء بالعترة الطاهرة كان مستمراً إلى زمانه على الأقل. وإن ذلك الإمام القطب لم يستق من معين عمر بن عبد العزيز، بل كان يرشُم ويبرقش تراثه بما في جوار ابن عبد العزيز، كان يقتدي بقاتليه غيلة، وهم أبناء عمه.
2 - إن الأربعة أو السبعة الذين انشغلوا بتطهير التراث قد سبقوه بقرون.
3 - فإذا كان يعترف بوجود التدليس، بل وبكثرته عند الصحابة، أفلا يعني ذلك أن أسلافه قد عجزوا عن تطهير التراث من تلك الأخلاط والشوائب؟
ـ أجل، ومن ههنا راح يعترف بوجود التدليس. ويجيزه ويشرِّعه، ويسنده إلى أقطاب من المحدثين يوازون كعب الأحبار بالسعة والمكانة.
كيف السبيل إلى السنَّة المعصومة؟
توقَّف «الوضع والكذب والتدليس» في التراث منذ قرون، وأعني هنا الرفع إلى مقام النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، فمدرسة التدليس المعاصر فرجالها بينناف تكتفي بالأخذ عن الغابر، ولذلك فهي تعسِّر على الفكر المسلم تحرُّرَه وتوجُّهَه نحو وحدة المسلمين (إما أن يؤخذ الإسلام كله، وإما أن يترك كله).
ثمة سبب آخر لهذا التوقف عن التدليس، وهو أن ذلك التراث وصل إلى درجة الإشباع، فلم يعد أي من الملح والسكر قابلاً للذوبان بالآخر، لأن عقل المسلم المثقف المعاصر لم يعد جاهزاً لقبول زيادة (تذكَّر طوفان الأحاديث). وبالمقابل، فثمة نعمة مشكورة مفادها أن هذا العقل الآخذ بالتوجه إلى التحرر مستعد لمعرفة السنة المعصومة، فيكون من العبث الاستمرار في تخريبه وتوريبه.
كان من «المفيد» للإسلام والمسلمين فلجهة نقاوة التراث، والوحدة الإسلامية على الأقل ـ أن يحتج أشياخ الجماعة في الرواية والحديث بالأئمة المعصومين، لا أن يتجنبوهم ويزْوَرُّوا عنهم، ويهجروا تراثهم وسنتهم النبوية المعصومة. تأمل الإحصائية القصيرة التالية: قال الديار بكري: «مرويات الحسن (عليه السلام) في كتب الحديث ثلاثة عشر حديثاً» (9) ، «مرويات الحسين (عليه السلام)
________________________________________
(9)الدياربكري، تاريخ الخميس، 2/291.

[الصفحة - 290]


في كتب الحديث ثمانية» (10) . إذن، مجموع ما أخذوه عن سيدي شباب أهل الجنة وريحانتيها واحد وعشرون حديثاً، فأي تراث، وأية طريقة يُغيَّب منها أحفادُ صاحب السنة وحبَّاتُ قلبه، ويهرع رجالها إلى المتعصبين؟
ومرويات بلال (رض) مؤذن رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم) والمقرب إلى قلبه الطاهر، من المبعث إلى الرحيل، أربعة وأربعون حديثاً فقط (11) ، فمن طمس أحاديثه؟ وما الأحاديث المطموسة؟ فكعب الأحبار الدخيل المندس الوافد لاحقاً يغرق التراث بالأحاديث والروايات الموضوعة ورصيد بلال أربعة وأربعون! وهو من سمع الأحاديث الشريفة جميعاً. هذه فواللَّه ـ وحدها قرينة قاطعة.
كان كعب الأحبار مندسَّاً
إذا عدنا إلى النَّص السَّلفي العام الذي بدأنا به البحث، وجدنا أحمد أمين يقف عند نمط واحد من المدلسين والملبسين على الإسلام، ذلك النمط هو العلماء الذين أثاروا مسائل من دياناتهم القديمة وألبسوها لباس الإسلام. إذن هم الذين حنُّوا إلى معتقداتهم السابقة، وهذا هو الوصف الذي نختاره لهم، ولنا فيه استدلالان:
أولهما، أن من حنُّوا لم يكونوا مسلمين على الحقيقة، أو لم يكن الإسلام «متصلِّباً فيهم»، وهذا مصطلح تراثي.
وثانيهما، أن هذا الزيغ لم يكن وقفاً على الداخلين من «ديانات أخرى» حسب تعبير أحمد أمين. وإنما كان ممتداً إلى المشركين من أهل الديار الذين تستروا بالإسلام، وبخاصَّة بعد الفتح، وهو الزمن الذي حدده أمين، بل إن هؤلاء كانوا أكثر بلا حدود من (الوافدين).
ومع ذلك، فقد أثبتت مسيرة الحياة الإسلامية أن الحنين والشرك معاً استمرا على هذا النحو أو ذاك إلى قرون عديدة.
ونبرز، الآن، نمطاً آخر من الداخلين في الإسلام كان الأكثر تدليساً وتلبيساً على الإسلام، وهو نمط المُنْدسِّين. وهؤلاء كانوا الأمَرَّ والأنكى والأدهى. هذا النمط لم يتحرش به أحمد أمين خشية المعاصرين الذي يأخذون، أو ما
________________________________________
(10)المصدر نفسه، 2/300.
(11)المصدر نفسه، 2/246.

[الصفحة - 291]


يزالون يأخذون التراث كله، الجوزَ بقشره (وإلا فسد الذوق، ونقص الإسلام).
وعليه، فإذا كان ثمة من «حنُّوا»، فقد كان ثمة من «اندسُّوا»، وعلى رأسهم اليهود. وفي مقدمة هؤلاء علماء، أو رجال يجيدون ختل عقول المسلمين.
في التاريخ المعاصر وحسب أفاق المسلمون على أن الصهيونية تسعى إلى إفساد الديانات السماوية، ولولا أن يقولها المستنيرون الغربيون قبلنا لما أفقنا. فنحن أمة تحب النوم الطويل، وما تصاب بهذا السبات إلا لأخذها بذلك التراث كله.
تجمع الدراسات المعاصرة على أن الصهيونية الأقدم، الفِرِّيسية الغرورية التلمودية، قد أفسدت الموسوية أولاً، ثم تمكنت من اختراق المسيحية وإفسادها بعد صراع دام بينهما عشرين قرناً (موضوع بحث آخر)، يقول غارودي: «لقد خانت الصهيونية اليهودية، وأفسدت المسيحية، أليس في تحوُّل المسيحيِّين عن عقيدة إبراهيم إفساد أساسي للمسيحية» (12) .
فما الذي فعلته تلك الصهيونية العتيقة بالتراث السلفي؟ عد إلى مخلفات كعب وأمثاله، ونحن هنا نتحدث عن اليهود وحسب، يمثلهم ذلك الكعب.
أرأيتم كيف كانت الصهيونية العتيقة مكشوفة لأهل البيت (عليهم السلام) ولأشياعهم الأبرار؟ أرأيتم لماذا كانوا يقولون للواحد منهم: «أتعلِّمنا ديننا يا ابن اليهودية؟»
أما المواقف من الصهيونية المعاصرة فماثلة أمام العالم، ومما يغيب عن الأذهان فونبتغي كشفه وإيصاله ـ أن هذه المواقف إن هي إلا ترجيع وإيقاع لنقاوة التراث أو عدم نقاوته، ومن ثم لصلابة الإسلام أو عدم صلابته، ومعلوم أن الإسلام لا يجيز بيع الوطن أو تأجيره أو التنازل عنه. هذه المسألة لا ينتبه إليها الناس، ينشغلون بالأحداث السياسية مقطوعةً عن خلفيتها المعتقدية، عن أُسسها التراثية الراسبة.
عيِّنة ساخنة في يومين‏
أخبار الرجال بين يديك، وهذه عيِّنة ساخنة، أكتفي بها:
________________________________________
(12)روجيه غارودي، إسرائيل والصهيونية، ص 100.

[الصفحة - 292]


ـ في 29/6/1997م ألصق اليهود على أبواب الفلسطينيين صوراً تسي‏ء إلى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم).
وفي اليوم عينه اجتمع أعرق المفاوضين اللاهثين خلف سلام الجبناء مع شارون صاحب مذبحتي صبرا وشاتيلا وغيرهما. أجل في اليوم عينه، ولم تهزهم الإساءة.
ـ وفي اليوم التالي 30/6/1997 باشر الجيشان: الأردني والإسرائيلي تدريبات مشتركة في موقع قَتل فيه جندي أردني مسلم بعض السفيهات اليهوديات كن يستهزئن بصلاته...
كعب يخدع الخليفة ويلدغه ثلاثاً
جميع الروايات التي تتناول مقتل عمر تبدأ بتمهيد مفاده أن المغيرة ابن شعبة أرسل إليه عبداً اسمه فيروز، ويلقب بأبي لؤلؤة. وكان يزعم أنه قادر على صنع رحى تطحن بالريح (طاحون هواء)، فسأله عمر عن مزعمة، فقال: نعم.
«قال عمر فاعمل لي رحى. قال: لئن سلِمتَ لأعملن لك رحى يتحدث بها من بالمشرق والمغرب، ثم انصرف عنه. فقال عمر: لقد توعدني العبد آنفاً». هذا مشهور مكرور، والتالي كذلك. وإنما نعرضه لكشف الخداع ثلاثاً متتاليات: «فلما كان من الغد جاءه كعب الأحبار فقال: يا أمير المؤمنين أعهد (أي بالخلافة) فإنك ميت في ثلاثة أيام. قال: وما يدريك؟ قال: أجده في كتاب اللَّه التوراة (لاحظ الدسيسة: توراة الكهنة كتاب اللَّه!!) فقال عمر: آللَّه (هكذا في جميع الروايات كناية عن التعجب) إنك لتجد عمر بن الخطاب في التوراة؟ قال: اللهم لا. ولكن أجد صفتك وحيلتك (وحِلْيتك)، وإنه قد فني أجلك، وعمر لا يحس وجعاً ولا ألماً. فلما كان من الغد غدا عليه كعب، فقال: ذهب يوم. وبقي يومان، ثم جاءه من غد الغد وقال: ذهب يومان وبقي يوم وليلة، وهي لك إلى صبيحتها» (13) .
نص سلفي ـ حقيقة كعب الأحبار
يقول عبد الوهَّاب النجار: «كان كعب الأحبار يهودياً، رأى الإسلام يعلو.. فأسلم لشيئين: أولهما أنه رأى اليهودية تضمحل أمام الإسلام، وأن التظاهر بالإسلام يكسبه عزاً.. وثانيهما أن الرجل من اليهود أهل الكتاب.. وفي أسفار التوراة من
________________________________________
(13)عبد الوهاب النجار، الخلفاء الراشدون، ص 248.

[الصفحة - 293]


المعميَّات والألغاز ما لا يمكن أن يفقهه العرب.. فهي إذن مجال فسيح للكذب يلقيه إلى المسلمين ليفسد عليهم أمرهم. ويُعمي عليهم سبيل الهدى... والرجل قد أفاض على المسلمين ثروة واسعة من الإسرائيليات.. وكان يسند كلامه إلى التوراة، والتوراة خالية مما كان يموِّه به على الناس. وهذه التوراة بين أيدينا نقرؤها وليس فيها شي‏ء مما كان يقوله هذا الرجل لمعاصريه. وهو بالأساطير أشبه» (14) .
تلكم هي حقيقة كعب الأحبار، مندسٌّ مموِّه، يفسد على المسلمين أمرهم، يخدع الناس بالأساطير. بل ويخدع الخلفاء، ويستصفيه الخلفاء والملوك المسلمون مستشاراً.
ويتابع النجار فيقول: «إن حكاية إخبار كعب بمصرع عمر.. لا تبقي عند الواقف عليها شكًّا في أن هذا الرجل كان واقفاً على ما دبَّره أبو لؤلؤة وأن خطة السير للوصول إلى قتله كان كعب الأحبار عارفاً بها واقفاً عليها وقوفاً تاماً، وإنما أراد بإخبار عمر على هذا النحو (النبوءة) أن تزيد منزلته عند المسلمين، وتكون رواياته أكثر قبولاً. ولو وجد محقق ذكي لما نجا كعب من النكال. ولعد شريكاً للجاني» (15) . النص واضح، وأنت تستدل.
ومن مرجع سلفي آخر: «فلما كان الصبح خرج عمر إلى الصلاة، وكان أبو لؤلؤة قد دخل في الناس.. وعمر قد دخل في الصلاة، فضربه أبو لؤلؤ ست ضربات إحداهن تحت سرته، وهي التي قتلته. فقال عمر: دونكم الكلب فإنه قتلني» (16) .
فعمر يسميها قتلاً، ويسمي القاتل كلباً. أفلا يكون من العبث أن نسند إلى نبوءة كعب حالة غيبية؟
أجل، هي جريمة قتل، وقد يكون كعب الآثم الأوَّل فيها، وإلا فكيف عرف موت عمر على ذلك الوجه من الدقة؟ لقد حدَّده باليوم والليلة والساعة، حتى أنه حدَّد صلاة من خمس صلوات هي الصبح. نحن نرجِّح أن كعباً كان في «معسكر» معاوية منذ قدومه. لقد كان من المفيد لعمر وأهله والمسلمين لو أنه ربط بين نبوءة كعب، وبخاصَّة بعد إلحاحه عليه وعليها وبين تهديد العبد، وقد صرح به عمر نفسه بقوله: «لقد توعدني العبد آنفاً».
فهل كانت نبوءة أم كانت خداعاً وتآمراً؟ مراجعة هذا اللغز متروكة
________________________________________
(14)المصدر نفسه.
(15)المصدر نفسه، ص 249.
(16)الدياربكري، م.س.، 2/294.

[الصفحة - 294]


لعلماء الجماعة المعاصرين ولعقل الشباب المثقف المسلم، ولا بد من أن يسترجعوا كلام عمر بمقتله المؤسف وبقاتله الآثم. أما العلماء القدامى فوبالرغم من مقولة عمرف فقد أخذوها على أنها نبوءة وكشف، ما رفع من مكانة ذلك اليهودي أكثر فأكثر. فانطلق بتخريفه وتدليسه وليس له من يردُّه أو يحدُّه، «فأفسد على المسلمين أمرهم، وأعمى عليهم سبيل الهدى، وأفاض عليهم ثروة من الإسرائيليات».
أمثِّل على القدامى، من علماء ذلك التراث، بالسيوطي، فقد أورد مقتل عمر مختصراً، ذكر المغيرة وإرساله العبد، وصناعة العبد وتآمره وصولاً إلى نهاية الجريمة. ولم يمر بذكر كعب ونبوءته، وجميع كتب التراث ترويها كما تقدم، لكن للسيوطي تخريجات أخرى منها: «قال كعب الأحبار لعمر: أجدك في التوراة تقتل شهيداً. فقال: وأنّى لي بالشهادة وأنا بجزيرة العرب؟» (17) .
فهل كانت هذه النبوءة تمهيداً للنبوءة الأخرى، النبوءة المؤامرة؟ وقد دبج كعب في التراث السلفي سيلاً من الغيبيات على هذا النمط، أو ثروة من الإسرائيليات يسندها إلى التوراة، والتوراة خالية منها، وهذا معنى كلام المؤرخ السلفي النجار: «إن كعب الأحبار أفسد على المسلمين أمرهم، وأعمى عليهم سبيل الهدى، وإنه كان يموِّه على المسلمين بالأساطير». وقد أراد بالأساطير تلك الغيبيات التي كان يرويها عن كبار الصحابة. وليس في التوراة حرف واحد منها.
ومن تلك الغيبيات، الأساطيرِ، شاهت الفطن عن كعب، فظل قطب التابعين يزود الملوك ورواتهم بالملح، بالإسرائيليات، كما يهوون ويحتاجون، ومَنْ لعمر بعد عمر يطالب بدمه؟ بل إنهم تجرؤوا على أهله بعد موته، فقتلوا ابنه الأكبر عبداللَّه المحدث الكبير (الحجاج، ولم يَقُدْه بها خليفته).
بل إنهم عابوا على عمر طريقته في اختيار الخلافة، فمنذ أن صارت إلى معاوية صمموا على جعلها ملكية وراثية، وقد فعلوا، وإليكم التوثيق على تعييبهم طريقة عمر: يوم خلع معاوية بن يزيد نفسه من الخلافة، قالوا له: اعهد، فقال:
________________________________________
(17)السيوطي، تاريخ الخلفاء، ط1، ص 133، ونسأل: هل يجوز للعلماء أن يتلمسوا تلك الأخبار من تابوت كعب، وألا يبحثوا عنها في كتاب اللَّه العزيز؟

[الصفحة - 295]


«فشأنكم دونكم فخذوه، ومن رضيتم به فولوه، فقد خلعت بيعتي من أعناقكم، فقال له مروان ابن الحكم، وكان تحت المنبر، (ينتظر البيعة له حتماً): أَسُنَّة عمرية يا أبا ليلى؟ فقال له معاوية: اغد عني» (18) .
خدعة أخرى تمهِّد للجريمة
«أخرج الخطيب عن مالك أن عمر دخل على أم كلثوم زوجته، فوجدها تبكي، فقال: ما يبكيك؟ قالت: هذا اليهودي كعب (لم تنخدع بإسلامه) يقول إنك على باب من أبواب جهنم. فقال عمر: ما شاء اللَّه (مستنكراً)، ثم خرج وطلبه، فجاءه كعب وقال: والذي نفسي بيده، لا ينسلخ ذو الحجة حتى تدخل الجنة. فقال عمر: ما هذا؟ مرة في الجنة ومرة في النار؟! فقال كعب: والذي نفسي بيده، إنا لنجدك في كتاب اللَّه (التوراة) على باب من أبواب جهنم تمنع الناس أن يقتحموا فيها» (19) .
عجيبة معرفة كعب شؤون السماء يقابلها عدم معرفة عمر بها كما أراد كعب من كلامه. والأعجب منها أن يعرف كعب موضع عمر في الآخرة فيما لا يعرفه عمر (أيضاً كما في النص). ومن المذهل والمؤسف أن يسمح عمر لذلك «العرَّاف الكشَّاف» بالحديث نيابة عنه، بل عن مصيره تحديداً. بل وأن يوقعه فإن صحت الرواية ـ في الحيرة والارتياب بشأن ذلك المصير، ثم يبشره بالجنة. اليهودي كعب يبشِّر عمر، ألم يكن مبشَّراً من قبل؟! والأعجب من ذلك كله أن يقبل علماء الجماعة مثل هذا التمويه والتدليس فيكرسوه ويوثقوه في تراثهم. لقد صور لهم باب جهنم كباب فرن أو مؤسسة استهلاكية، يتزاحم الناس أمامه ويتدافعون و(يتدافشون) ويقفزون بعضهم على أكتاف بعض. ومثل هذه الحال فكما في أيامناف تحتاج رجل أمن لا خليفة. وإني لأربأ بعمر أن يصوِّروه على تلك الحال. والصورة كاذبة تحمل نقيضها بنفسها: إذ الأَولى بالناس فلو صح التصوير الحسي ـ أن يفروا من باب ذلك الفرن (جهنم) لا أن يتسابقوا إليه، ويتزاحموا عليه، و«يقتحموا فيه» كي يتجاوزوه.
والواقع أن تمرير الأباطيل لا يرتبط بالمرحلة التاريخية إلى ذلك
________________________________________
(18)الدياربكري، م.س.، 2/301.
(19)أبو رية، م.س.، ص 147.

[الصفحة - 296]


المستوى، والعقل المسلم كان بعامة نيِّرا، فكيف استحوذ كعب الأحبار على فطنة أولئك الصحابة؟ وإنها لمفارقة أن يكون كعب عند عمر مسلماً، بل ومستشاراً دينياً، فيما لم يكن عند أم كلثوم إلا يهودياً.
أرجِّح أن الرواية موضوعة على عمر، كأن يكون كعب رواها في بلاط الأمراء، ثم راح الرواة السلفيون يتناقلونها بالرغم مما فيها من مساس بمقام الخليفة، بل وأرجِّح أن الملوك والأمراء هم الذين أمروا بوضعها للمس بمقام «الخليفة» بعد أن آل إليهم الأمر.
هرطقة أفسدت فطنة المسلمين‏
«قال كعب الأحبار: كان في بني إسرائيل ملك إذا ذكرناه ذكرنا عمر، وإذا ذكرنا عمر ذكرناه، وكان إلى جنبه نبي يوحى إليه، فأوحى اللَّه إلى النبي أن يقول للملك: اعهد عهدك، واكتب وصيَّتك، فإنك ميت إلى ثلاثة أيام. فأخبره النبي بذلك. فلما كان اليوم الثَّالث وقع الملك بين الجدار والسرير، ثم جاء إلى ربه، فقال: «تعلم أني أعدل في الحكم»، فزد في عمري. فأوحى اللَّه إلى النبي «أن الملك صادق». وقد زدته في عمره خمس عشرة سنة، ففي ذلك ما يكبر طفله (لعله أراد الملكية الوراثية للمتنمرين لها)، فلما طعن عمر قال كعب: لئن سأل عمر ربه ليُبقينَّه اللَّه، فأخبر بذلك عمر، فقال: اللهم اقبضني إليك» (20) .
أترك هذه الإسرائيلية تحدث عن نفسها بعد أن أوجز النقاط التالية:
ـ لقد ساوى كعب الأحبار بين عمر والملك اليهودي حزقيا (21) ، وهذه المساواة لا تليق بشخص عمر، فكيف فات علماء الجماعة ذلك؟
ـ كان كعب متيقِّناً من موت عمر بعد طعنه، وما قاله لعمر وللمسلمين آنذاك لم يكن إلا تستراً على اشتراكه بالجريمة.
ـ لقد كان إلى جانب الملك اليهودي نبي تَشَفَّع له (إشعيا) وطبقاً للمساواة التي ذكرها كان لا بدَّ من وجود نبي إلى جانب عمر. فمن هو ذلك النبي؟ أليس هو كعب الأحبار نفسه، وقد ذكر لعمر طلب الزيادة في عمره؟ هذا إيحاء للحاضرين بأنه نبي
________________________________________
(20)السيوطي، م.س.، ص 145.
(21)الملوك الثاني 20: 1 - 6، وأشعيا 38: 4، تابعته فخرجت أصله التوراني.

[الصفحة - 297]


بل ونبي إسرائيلي؟ كيف غاب ذلك عن فطنة الجماعة؟ أمن أجل خبر موهوم لا يفيد منه عمر؟
ـ لا يخامرني أي شك في أن عمر، في تلك اللحظة، كان واقفاً على تمويه كعب وتدليسه. لكن.. واأسفاه.
كيف ومتى أسلم كعب؟
«في الأصل الأصيل للسخاوي، قال كعب الأحبار: لما قدم علي بن أبي طالب اليمن لقيته، فقلت له: أخبرني عن صفة رسول اللَّه، فجعل يخبرني عنها، وجعلت أتبسم، فقال: مم تتبسم؟ قلت: مما يوافق عندنا في صفته، وصدقت برسول اللَّه وآمنت به، ودعوت مَنْ قِبَلَنا من الأحبار، وأخرجت إليهم سِفْرا، قلت هذا كان أبي يختمه علي. ويقول: لا تفتحه حتى تسمع بنبي يخرج بيثرب. فأقمت على إسلامي باليمن حتى توفي رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم)، وتوفي أبو بكر، فقدمت في خلافة عمر» (22) . «عن سعيد بن المسيب قال: قال العباس لكعب: ما منعك أن تسلم على عهد النبي وأبي بكر؟ قال كعب: إن أبي كتب لي كتاباً وقال: اعمل بهذا، وختم على سائر كتبه.. فلما كان الآن ورأيت الإسلام يظهر، ولم أر بأساً. قالت لي نفسي: لعل أباك غيب عنك علما وكتمه عنك ففضضته فوجدت فيه صفة النبي، فجئت الآن مسلماً» (23) .
ـ كان كعب من كبار الأحبار، فإذا كان قد أسلم على يد أمير المؤمنين (عليه السلام) فلماذا لم يقدم إلى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولا إلى أبي بكر؟ لماذا انتظر حتى خلافة عمر؟ لكن السؤال الأهم هو: لماذا استصفاه معاوية وأخذه من عثمان، وجعله مستشاره مباشرة بعد مقتل عمر؟
ـ تذكَّر أن عمر كان يتشدَّد على ولاته فكما يقول السلفيُّون ـ فلا يسمح لهم بالتلاعب ببيت المال وملكيات المسلمين، وأن واليه على الشام معاوية بن أبي سفيان كان بها شغوفاً.
ـ وتذكَّر أن حقد معاوية يمكن أن تحركه أية شكيمة وأي قيد يكبله به عمر. وتذكَّر أن معاوية كان الداهية الأشهر القادر على ستر نواياه، وتذكَّر أن عمر كان من منبت اجتماعي متواضع وفقير، فجده كان راعياً عند عبد المطلب، وأبوه كان حطاباً. وهذا لا يعيبه. أما معاوية فمن منبت الثراء الفاحش
________________________________________
(22)الدياربكري، م.س.، 2/144.
(23)نفسه، 2/145.

[الصفحة - 298]


والقوافل التجارية، وهذا يستدعي في نفسه الرغبة بالمنافسة. وتذكَّر أن كعب الأحبار كان في منزلة تمكِّنه من التبشير بالجنة ومن التبشير بالخلافة، وهي بيت القصيد. وبالتالي فإن معاوية كان بحاجة ماسة إلى كعب وتابوته.
ـ ثم لماذا أرسل (والي الكوفة) المغيرةُ عبدَه إلى عمر تحديداً؟ إن بين الكوفة والمدينة مدناً كثيرة أوسع وأنسب لاستيعاب مهارات ذلك العبد واستثمارها. لماذا إلى عمر تحديداً؟
ـ فهل كان معاوية وأقرباؤه وأعوانه ينسجون الشِّباك لإزاحة عمر ونقل الحكم من الأسرة المتواضعة إلى الأسرة الثَّريَّة؟ وقد تم ذلك فعلاً يوم مقتله.
وعليه، فنحن نرجح أن معاوية كان المركز الأساس في التخطيط لتلك الجريمة، بعد أن قوي مركزه في الشام، وأنه أخذ كعباً لستره واستثماره، أخذه ولمَّا يجف دم عمر بعد.
ـ إذا رأيت أن هذه الاستدلالات بعيدة فاحتفظ بها خيوطاً على الأقل، فلعلك تسترشد بها ذات يوم على ضوء دراسات جريئة يقوم بها سلفيُّون متنوِّرون.
أمَّا بعد، فقد اتهم عمر أبا هريرة وضربه ونفاه، وكاد الأمر يتكرر مع داهية اليهود كعب الأحبار، «فقد سمع عمر كعباً، فنهاه وتوعَّده إن لم يترك الحديث عن الأُوَل ليلحقنه بأرض القردة». هذا معروف ومشهور، ولكنْ، لنا فيه استدلال:
فمن غرائب التحولات غير المفسَّرة أن يصير كعب، بعد قليل من ذلك التحذير، فقيهاً عند المسلمين، ومستشاراً لعمر، فهل كان عند الخليفة «قرناء» يزينون له ذلك؟ ونحن لا نستغرب هذا التحول إلا حسرة على عمر، إذ به تمكَّن ذلك اليهودي من التآمر على عمر وقتله بطريقة الموت المعلق، بل المعلن المحدد بدقة وفي ثلاثة أيام وحسب. ومعظم الدراسات المتحررة باتت تؤكد ذلك. ولا تنكره إلا قلوب عليها أقفالها (جعل الأمراء الأمويون من عثمان مرحلة انتقالية) وإليكم هذه الفاضحة الفاقعة في تدليس كعب: فيوم افتُتح بيت المقدس دعا عمر كعباً يستشيره: «أين ترى أن نجعل المصلَّى؟ فقال: إلى الصخرة. فقال: ضاهيت، واللَّه، اليهودية يا كعب، فكبَّر الناس. فسأله عن سبب
________________________________________

[الصفحة - 299]


تكبيره فقال: إنه قد تنبأ على ما صنعت نبي منذ خمسمئة سنة. وسرد له خبراًمن الإسرائيليات التي ابتدعها ولا أصل لها» (24) . والخبر «الذي لا أصل له» هو ادعاء وجود عمر في التوراة، نأخذ التوثيق من مصدر آخر، وسياقه يوضح الرابطة بنص النجار. فهذا أشار ولم يصرح:
«فأتى كعب وقال لعمر إنه قد تنبأ على ما صنعته اليوم نبي من خمسمئة سنة. قال عمر: وكيف؟ قال كعب: إن الروم أغاروا على بني إسرائيل فأُديلوا عليهم، فدفنوا المعبد بالكناسة إلى أن وليت بالخلافة. فبعث اللَّه نبياً على الكناسة (هو كعب حتماً)، فقال النبي: أبشري أورشليم عليك الفاروق، ينقيك مما فيك» (25) .
ـ عجيب أمر ذلك المموِّه والمدلِّس الملبِّس، من أي مدفن توراتي نبش هذه الأخبار؟ نحن نراهن علماء الجماعة إن كانوا يجدون لفظة الفاروق، أجل حتى اللفظة، في أي موضع من أسفار التوراة والعهد القديم، أو إن كانوا يجدون أية إشارة إلى هذه الحادثة.
عفا اللَّه عما مضى، فلعل التوراة لم تكن بالعربية، ولم يطلبوا مترجمين، وكان ذلك ميسوراً، أما اليوم فثمة توراة بالعربية، وما على المسلمين إلا أن يفتشوا فيها عن يهوديات كعب، وقد جاءت نصف طن من الملح في التراث السلفي، فهم لن يعثروا على حرف واحد مما ودلَّس ولبَّس.
ـ وبعد، فإذا كان معظم ما أوردناه من أخبار كعب قد جاء مقترناً بذكر عمر، فإن هذا لم يكن اختياراً، بل فرضاً من واقع الحال، فالرجل لم يلتحق بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ولا بأبي بكر، أجلها إلى زمان عمر، وعليه، فهو قد زُرع وفتش ونبت في خلافة عمر، وكان وزيره ومستشاره، وإذن كان لا بد من أن يسفر عن النصف الأول من وجهه في زمان عمر، وعن النصف الثاني على سِماط معاوية. ومع ذلك فنحن نرجِّح أن يكون كثير من أخبار الوجه الأول موضوعاً في زمان معاوية تلبيساً وتدليساً على عمر بعد رحيله لتصويره على تلك الحال من البساطة والقابلية للختل والانخداع، ومثل هذا كثير في التراث السلفي.
أما يزال كعب وليَّاً؟!
حيثيات واستعادة: «هو كعب بن مانع الحميري من آل ذي رعين،
________________________________________
(24)النجار، م.س.، ص 217.
(25)أبو رية، م.س.، ص 157.

[الصفحة - 300]


وقيل من ذي الكلاع، كان من كبار أحبار اليهود، أسلم في عهد عمر بشكل محقق (لو لم يكن مكشوفاً لعلي (عليه السلام) لقدم قبل ذلك العهد)، وسكن المدينة في خلافته، ثم تحول إلى الشام في زمن عثمان، فاستصفاه معاوية. وجعله من كبار مستشاريه، مات بحمص سنة (32 - 33 - 38؟) بعد أن ملأ الشام والديار الإسلامية بالإسرائيليات وخرافات اليهودية، له بمصر قبة عالية يزورها الناس ويتبرَّكون بها، وهي قائمة بمسجد كبير في شارع الناصرية بالقاهرة تنفق عليه وزارة الأوقاف (مع أنه مات بشكل محقق في حمص)، وذكر ابن جبير في رحلته أن له قبراً في الجيزة أيضاً» (26) .
أرأيتم كيف جعل السلفيون من ذلك اليهودي المدلِّس الملبِّس وليًّا شفيعاً رفيعاً؟ معلومة أخيرة: يقع قبره في تخوم الجهة الشرقية من مدينة حمص القديمة بحي يسمى «باب الدريب». يحتويه بناء ضخم قديم من الحجارة السوداء البازلتية بجامع ومئذنة. وربما كانت له مقامات ومزارات في مدن إسلامية أخرى، فالرجل كان داهية يستغل بساطة المسلمين.
________________________________________
(26)المصدر نفسه، ص 139.

[الصفحة - 301]