البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الثَّورة الحسينيَّة دراسة في الأهداف والدَّوافع (1)

الباحث :  آية الله السَّيِّد محمود الهاشمي الشَّاهرودي
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  29
السنة :  السنة الثامنة ربيع 1424هجـ 2003 م
تاريخ إضافة البحث :  December / 15 / 2015
عدد زيارات البحث :  1624
الثَّورة الحسينيَّة
دراسة في الأهداف والدَّوافع (1)

آية الله السَّيِّد محمود الهاشمي الشَّاهرودي (*)

مداخـل أوّليّــة
قبل الخوض في تحليل الظَّاهرة الحسينية، على مستوى الدَّوافع والأهداف، من الضَّروري الإشارة إلى بعض المقدّمات الأوّلية، والتي هي بمثابة البنية التحتية للموضوع.
1 ـ الدَّور الرِّسالي لأئمة أهل البيت (عليهم السلام)
تمر عمليَّة اكتمال رسالة التغيير الربّاني للبشريَّة بمرحلتين:
المرحلة الأولى:
مرحلةُ تأسيس الرِّسالة وصنع الأمَّة الرِّسالية، وإيجاد المجتمع المؤمن، ولنصطلح على تسمية هذه المرحلة باسم «مرحلة التأسيس والتنزيل»، وهذه هي المرحلة التي تقع مسؤوليتها على عاتق الأنبياء، فإن مسؤوليَّة الأنبياء والرُّسل، وهدف خلقتهم، إنما هو تأسيس أصل الرسالة وتنزيلها من السماء، وإيصالها إلى النَّاس.
المرحلة الثانية:
وهي المرحلة الأخطر، والأكثر صعوبةً، ولنصطلح على تسميتها باسم «مرحلة صيانة الرِّسالة»، فتلك كانت مرحلة التأسيس، وهذه مرحلة الصيانة من التَّحريف والتأويل، فإنَّ الرسالة قد تُبْتَلى بعقبات وهزَّات من قبل الشياطين، شياطين الجن
________________________________________
(*)رئيس السلطنة القضائية و أحد الفقهاء البارزين في إيران

[الصفحة - 9]


والإنس، فتتعرض لأخطار فلا تبقى، فحتى لو أُسِّست، إلَّا أنها في مرحلة البقاء تحبط، وتتعرّض مشاريعها وأهدافها في الحياة البشرية للإعاقة، ومن ثم للانتهاء، وهنا تبرز الحاجة إلى مرحلة الصيانة، وهي المسؤولية الملقاة على عاتق الأوصياء، فمسؤولية الأنبياء تأسيس الرسالة أيديولوجياً، وتأسيس الأمَّة تربوياً، ومسؤولية الأوصياء حفظ الرسالة التي أسَّسها النبي وشرَّعها وصيانتها، ولهذا سُمُّوا بالأوصياء، وكذلك صيانة الأمة الرسالية التي أوجدها النبي وربّاها، فإن كلا الأمرين يحتاج إلى صيانة وحفظ.
من هنا نعرف أن الخطَّ العام لدور الأئمة (عليهم السلام)هو هذه المسؤولية التي تكمل مرحلة التأسيس، ومن هنا، أيضاً، كان التعبير القرآني عن مبدأ وصاية الأئمة: {اليوم أكملت لكم دينكم} ، فالمرحلة الأولى لو بقيت من دون الثانية لكان الدين معرضاً للخطر ولا يكتمل بناؤه، وإنما يكتمل هذا الصرح عندما تكتمل المرحلتان وتتمَّان، وتحدّد المسؤوليتان، وتشخص مهمَّات الذين لا بدَّ لهم من القيام بهما.
هذا هو الإطار العام لفهم دور الأئمة جميعاً، فالأئمة هم الذين أكملوا الدين، أي هم الذين قاموا بمسؤولية صيانة الرسالة والأمة الرسالية التي أوجدها وخلّفها النبي، وهذا هو المضمون والقاسم المشترك في مواقف الأئمة جميعاً وأعمالهم وجهودهم، وما يرى في المواقف الخاصة لهذا الإمام أو ذاك، من تفاوتٍ، فإمام يصالح وآخر يثور وينهض، وإمام يدرّس وآخر يدعو وهكذا... إنما هو اختلافات في السطح والمظهر والشكل، أما في الواقع فلا يرجع إلى فرق مبدئي، أي على صعيد مبدأ الصيانة، لأن أعمال هؤلاء ومواقفهم جميعها كانت من أجل تحقيق هذا الغرض، إلّا أن طبيعة الصيانة تختلف من ظرف إلى آخر، ومن مكان إلى مكان ثانٍ، ومن طاغوت إلى طاغوت، ومن نوعية خطر محدق بالرسالة والتجربة الإسلامية إلى نوعية أخرى، فهذا الخطر لم يكن ذا صيغةٍ ثابتةٍ واحدةٍ، بل كانت له أشكال مختلفة ومتعددة نتيجة تعدُّد الظروف والأوضاع السياسية والاجتماعية، واختلاف صيغ المجابهة العقديَّة والسياسية، وتعدُّد الطواغيت وأساليبهم في التحريف والمواجهة والتحدي، هذه الأساليب التي كانوا يهدفون من خلالها إلى تحريف الرسالة برمّتها، ليقفوا حجر عثرةٍ أمام حركتها واستمرارها.
________________________________________

[الصفحة - 10]


اختلاف هذه الخصوصيات كان يستوجب موقفاً خاصَّاً لكل إمام، وكان هو الأساس في اختلاف المواقف التي اتخذها كلٌّ منهم، لكن الجوهر واحد، والمحتوى في هذه المواقف جميعها ـ رغم اختلاف الشكل ـ واحد.
وللصِّيانة جانبان: صيانة للشَّريعة وصيانة للأمَّة، بوصفها واقعاً بشرياً مجسَّداً في الخارج.
أمَّا صيانة الرسالة والشريعة فتعني حفظ الشريعة من التحريف في المفاهيم والقيم، ومن طمس المعالم، وبالتالي حفظها كتعاليم وأحكام وعقائد ومفاهيم وأخلاق وقيم...
أمَّا صيانة الأمَّة فتعني أنَّ الرِّسالة لا تُطْلَب لذاتها فقط، بوصفها مفاهيم متكاملة ناضجة ومبرهنة وسليمة، بل الرسالة الكاملة السليمة المنسجمة مع الفطرة البشرية لا بد لها من أن تتجسد في الخارج، في واقع الحياة والاجتماع، وألَّا تبقى بين الدفتين فقط، أي أن تكون رسالة حيّة يؤمن بها مجتمعٌ ما وأمّةٌ ما، ويجسدان تعاليمها.
هذه الرِّسالة المجسَّدة معرَّضة للخطر أيضاً، بل أخطارها أكثر من أخطار الرسالة المجرَّدة، إذ إنها تتعرّض لأخطار تنشأ من الواقع الاجتماعي.
وهناك الكثير من الرِّسالات السَّماوية السَّابقة التي حُرِّفت؛ فالرِّسالة اليهودية، على سبيل المثال، لا نستطيع أن نجد لها أصولًا ومبادى وأحكاماً وتشريعات سالمة، وإنما نعثر على أشياء مدوّنة في الكتب المنسوبة إليها، بيد أنها مليئة بالتحريفات والخرافات والمبادى الفاسدة والمعتقدات السخيفة...، خصوصاً ما يرجع إلى أوصاف الله، سبحانه وتعالى، وعلاقته مع الأنبياء وبالعكس، إذ اشتملت التوراة على تصوُّرات تعد أحقر من أسخف الفلسفات الملحدة والمادية، ففي تيار الإلحاد يجري إنكار العالم الماورائي دونما اختلاق لخرافات وأساطير.
لكنَّ هذا النَّوع من الصِّيانة لا يكفي لتربية الإنسان؛ إذ ثمة تعاليم لبعض الفلاسفة أو الحكماء لا تزال محفوظة، وربما تكون صحيحة ومضبوطة في كتبهم من دون تحريف، إلّا أن المحفوظ مجرّد أفكار ونظريات بين دفتي كتاب، لا فكر وقيم مجسدة في مجتمع واقعيٍ، أو أمة حية تقوم بتطبيق التعاليم التي جاء بها أفلاطون أو سقراط على سبيل المثال...
________________________________________

[الصفحة - 11]


وعليه، فحفظ الرِّسالة مجرَّدةً لا يكفي وحده، بل لا بدَّ من أن يكون للصِّيانة جانبها الآخر، وهو حفظ الأمة نفسها، والتي استطاع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يصنعها ويجسد فيها رسالته السماوية، والهدف من وراء تشريع الرسالة بجميع أبعادها المفهومية والتشريعية إنما هو تحوّلها إلى واقع حي نابض، وقد نجح النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في خلق هذه الاءُمَّة من خلال العمليتين معاً، فهو يؤسِّس ويبني من ناحية ويربّي من ناحية أخرى، لينتج في نهاية المطاف أمّة رائدة رغم قصر المدة الزمنية. واستطاع النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، أيضاً، أن يحوّل ذاك المجتمع البدوي القاسي المليء بالتناقضات والمشاكل ونقاط الضعف إلى أمَّة رائدة للبشرية كلها، ذات قيم ومُثُل وحضارة، في قمة الوعي والدين والفكر والروح الجهادية والاستعداد للتضحية والشهادة، وبهذا وُفِّق النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في دوره الموكول إليه، والذي سمَّيناه دور التنزيل والتأسيس.
لكن هذه الأمَّة المجسِّدة للرِّسالة، لا بد لها من أن تحفظ باستمرار، بأن يبقى لها وجودها الموحّد المستمر، لتكون في وجودها الزمني اللاحق امتداداً للأمَّة نفسها التي كانت قبل مئة عام مثلًا، مهما تبدّل الأفراد، أي أننا هنا نلاحظ الوجود الاجتماعي لها والذي يقول علماء الاجتماع: إنه وجود متحقِّق بمعزل عن وجود الأفراد، أي حتى مع موت جميع المعاصرين لمرحلة حياة النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، هذه الأمة هي التي لا بد لها من أن تصان من الانحراف، ومن أن تحكمها الحضارات والقيم والأفكار الفاسدة والأنظمة والشرائع المنحرفة، وهذا هو البعد الثاني من الصِّيانة، وهو بالضَّبط دور الأئمة الذين هم أوصياء الرسول، أي هو صيانة الأمة الرسالية من أن تتناولها أيدي الطامعين والظالمين والطواغيت، فتغيّر من مجرى حركتها ومسارها التَّاريخي في الحياة، لتجعل منها أمَّةً ذليلةً يسودها الظلم والعدوان والفساد.
هاتان هما الصِّيانتان اللتان هما مسؤولية الأوصياء والأئمة (عليهم السلام).
2 ـ لماذا الاختلاف في المواقف السِّياسيَّة للأئمة (عليهم السلام)؟
ولكي نفهم الفوارق التي تميِّز بين أدوار الأئمة (عليهم السلام)، لا بدَّ لنا من التمييز بين الصِّيانتين؛ إذ إنه يشرح لنا قسماً من هذه الفوارق، وجانباً منها، فالإمام الباقر (عليه السلام)أو الصادق (عليهما السلام)يهتمّان بتعليم الناس فقه الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) والأحكام
________________________________________

[الصفحة - 12]


الشرعية والنظريات الإسلامية، ويكرّسان جهودهما ووضعهما وحياتهما لذلك، بينما نجد الإمام الآخر وكأنه ليس له شغل بالنظريات العلمية والشرعية، وإنما همه الأكبر مركّز على الجانب السياسي أو على الثورة...
هذا الفرق بين الموقفين، قد يكون راجعاً إلى هذه النقطة التي أشرنا إليها، أي أن الخطر الذي كان يتهدّد الإسلام، زمن الصادقين (عليهما السلام)، كان خطراً يهدّد تحريف الرسالة بوصفها رسالة، وذلك نتيجة الأفكار والنظريات التي طرحت، والتي أوصلها الحكام إلى العالم الإسلامي، وحاولوا من خلالها خدمة حكمهم، ومن هنا انبرى الصادقان (عليهما السلام)لصيانة الرسالة من هذا الخطر.
أمَّا الخطر الذي كان يعايشه الإمام الحسين (عليه السلام)فكان في الجانب الآخر، أي إنه خطر يهدِّد الرسالة المجسّدة في الأمة الحيّة، فقد بدأ الطغاة بتفتيت الأمة الرسالية وإذلالها، وأخذ الحيويّة الرسالية منها، ومسخها، لتتحول إلى أمة ذليلة طائعة، لا تفكر إلا في لقمة العيش، تخاف من كل سطوة، وتبايع الحاكم أيًّا يكن، فاسقاً أم فاجراً، أما الرسالة بوصفها مفاهيم فأمرها على حاله، إذ الصحابة لا يزالون أحياء والأحاديث لا تزال موجودة.
إذاً كان هذا هو دور الأئمة بوصفهم أوصياء؛ وهو دور مهمٌّ وحسّاس، فلا بدّ لمن يختارهم سبحانه لهذا الدور، من منزلة وموقع متميّزين، ليتمكَّنوا من القيام بهذا الدور بين الأمَّة، ومن أهم الأسس في تحقيق هذا الهدف، أن يكون هناك تعلُّق قلبي وحب ومودة خاصة من قبل الناس لهم لا يشوبها أي شك، لأنه مبدأ ثابت في أصل الشريعة، بوصفه أصلًا من أصول الرسالة، ولذلك وجدنا النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) اهتم اهتماماً بالغاً بتكريس فكرة محبة أهل البيت ومودتهم في نفوس الأمة وترسيخها، لعلمه (صلي الله عليه و آله و سلم) أنه بهذا سوف يتمكَّن هؤلاء من القيام بالدور الموكل إليهم، فتأكيد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على محبَّة أهل البيت، هو ـ في الواقع ـ بداية عملية من النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، للإعداد لدور الوصاية لهؤلاء، فمسألة محبة أهل البيت ومودتهم بالإضافة إلى أنها في نفسها حبّ لله، وحب الله في نفسه أمرٌ كمالي، إعداد للأئمة للقيام بأدوارهم، ولهذا كثرت الآيات والرِّوايات التي تشير إلى أهل البيت (عليهم السلام)وإلى محبَّتهم، ولا نجد في تاريخ الأئمة (عليهم السلام)جميعاً ـ باستثناء مشكلة الخوارج المصطنعة التي لم تكن مشكلة
________________________________________

[الصفحة - 13]


حقيقية واقعية راسخة ـ أي تشكيك في حقّانيّتهم من قبل أي شخص، حتى من الأعداء الذين كانوا يريدون قتلهم، فقتلة الحسين (عليه السلام)كانوا يعترفون بأنه ابن بنت رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم)، الذي أكد الرسول على محبته ومودّته، ولهذا قال الفرزدق للحسين (عليه السلام)في طريقه إلى العراق ما قاله، فقد كانت قلوبهم معه جراء مبدأ المودّة الذي أكد عليه القرآن والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ولم يدع فرصة ومناسبة إلّا استغلها في سبيل ترسيخه، فقد كان النبي ـ على عظمته ـ يتبرك بالحسين (عليه السلام) ، وهو طفل صغير، ويصدر في حقه الكلمات العظيمة، بحيث يثير هذا الأمر استغراب الإنسان الذي لا يعرف خلفية الأمور.
هذه المواقف كانت لها أبعادها ومدلولاتها ونتائجها في حياة المسلمين، إنَّ أحداً لا يمكن أن يشك في وجوب الموالاة، حتى لو لم يمارس هذا الأمر عملياً، فأن يكون الإمام مكلَّفاً بمهمة الوصاية والصيانة بنوعيها، لا يكفي فيه كماله وعصمته، بل لا بد من أن يكون موقعه ثابتاً بين الناس أيضاً، وإلّا لم يؤثر فيهم، والمودّة والمحبة أهم رصيد يثري موقعه ومكانته، وعليه فمبدأ الحب لأهل البيت (عليهم السلام)هو في نفسه هدف ووسيلة.
3 ـ أبعاد صيانة الرسالة في حياة كلِّ إمام
إننا نعتقد، في أئمتنا (عليهم السلام)، بأن أفعالهم وأعمالهم وسلوكهم، كأقوالهم، حجة على العباد، لا تختلف درجة اعتبار عمل الإمام عن قوله، وهذا معناه أننا عندما نبحث ونحلّل مواقف هذا الإمام أو ذاك لا نقصد تصحيح فعله وتسويغه وخلق المسوّغات له، لأن السلوك الصادر من الإمام سلوك صادر من معصوم، وسلوك المعصوم وعمله وتقريره، جميعها، حجة وسنَّة، يحتج بها في مقام الاعتبار والموقف الشرعي الصحيح حتى لو لم نعِ مغازيها.
وعليه، فنحن لا نريد بمثل هذه الأبحاث والتحليلات التاريخية لمواقف أئمتنا (عليهم السلام)أن نعطي توجيهاً وتصحيحاً، لمواقفهم وأعمالهم، التي هي الفارق بين الحق والباطل، بل إنَّنا نهدف إلى الاستفادة والتعمّق في أدوارهم وحِكمَ مواقفهم، نظير ما نفعله بالنسبة إلى بعض التشريعات، والنظم الإسلامية كنظام الاقتصاد، أو
________________________________________

[الصفحة - 14]


نظام الملكية في الإسلام، بغية استيضاح الخلفية الكامنة وراء هذا التشريع أو ذاك، واستتباعاً لذلك، وإذا لم نتمكن في موقف معين، من التعرُّف إلى جميع أبعاد الحكمة المخبوءة فيه، فهذا لا يعني أننا لا نجد ذاك الموقف موقفاً صحيحاً، بل الموقف هو الصحيح، ولكن عقولنا لم تصل إلى إدراك أبعاده.
هذا هو المنهج الصحيح الذي على أساسه لا بد من أن تقوم جميع الدراسات عن مواقفهم وأعمالهم وسلوكهم (عليهم السلام).
ولكننا، في الوقت نفسه، نعتقد بأنَّ هذه المواقف التي وقفها الأئمة لم تكن مواقف ارتجالية، تماماً كما نعتقد بأن أحكام الشريعة لها حِكَم ومصالح، وأن الله لم يصدرها أحكاماً من دون ملاكات، غاية الأمر أنها خافية عنّا إلّا في حالات محدودة، لكن وبالتدريج، وخصوصاً عندما تطبَّق الشريعة كاملةً، يمكننا التعرّف على الحِكَم من وراء هذه التشريعات.
إنَّ المواقف والأدوار الاجتماعية التي قام بها الأئمة كانت جميعها مواقف هادفة لتحقيق ما يمكن تحقيقه من فكرة الصِّيانة بالشكل المتناسب والمنسجم مع ظروف واقع الإمام المعاصر لها وطبيعته.
إذن، فالإيمان والاعتقاد بحجية أعمال الأئمة (عليهم السلام)ومواقفهم كأقوالهم، كما يمنعنا من التفسيرات التَّسويغيَّة لمواقفهم، كذلك لا ينبغي أن يجعلنا نفهم مواقفهم وأدوارهم بوصفها ارتجالات غير هادفة، أو ناتجة عن حالات خاصة وأمزجة شخصية، أو ذات منطلقات عاطفية.
وبدورنا نهدف من دراسة مواقفهم الاستزادة لتطبيق سلوكياتنا الفردية والاجتماعية مع سيرهم ومواقفهم.
4 ـ فقدان البحوث التَّحليلية لتاريخ الأئمة (عليهم السلام)
أ ـ إنَّ التحليلات والبحوث التاريخية المتعلِّقة بحياة أهل البيت (عليهم السلام)، تعاني من الكثير من نقاط الضعف والفراغ، إذ غالباً ما تقتصر المؤلَّفات التاريخية على سرد الأحداث والوقائع التي حدثت زمن هذا الإمام أو ذاك، وطبيعة نقل الحدث التاريخي
________________________________________

[الصفحة - 15]


تمثِّل نقل شيءٍ مبهم، لا يعطي معنى إيجابياً حيَّاً، إذ إنَّه لا يفيد في توضيح خلفيَّة الحدث وإيجابياته ومعطياته.
إننا بحاجة إلى نمط آخر من البحث، وهو ما يسمَّى بالتحليل التاريخي، وهو تحليل يرتكز على جمع المفردات والشواهد العديدة، وإيجاد ترابطٍ بين الأحداث التاريخية، واستكشاف الأهداف والخلفيات من مجموعة الأحداث، عن طريق جمعها وتنظيمها في نسق واحد، لتكون ذات دلالة فاعلة تستوضح الغايات المرتقبة من خلال مواقف الأئمة (عليهم السلام)، وتكشف صورة متكاملة فيها مزيجُ الأسس والنتائج والأسباب والعلل.
ب ـ وعلاوة على هذا النَّقص الموجود في كتب التاريخ، تعاني المنقولات التاريخية من التحريف والتلاعب والاشتباه، كما لا تستوعب جميع مفردات الحدث أو الموقف أو السيرة الشاملة، فهناك مراحل من حياة الأئمة لا نملك، أساساً في كتب التاريخ، أي خبرٍ عنها.
ج ـ ومن ناحية ثالثة، كانت ظروف الأئمة (عليهم السلام)تحكمها حالة المواجهة والمراقبة من قبل الطَّواغيت والسلطات الظالمة، لقد كانت ظروف تقيَّة، وظروف التَّقيَّة كثيراً ما تبقي القضايا الأساسية والحلقات المفصلية الشارحة فيها مستورةً بستار التَّقيَّة، لأن الإمام غير مستعد لإبرازها لكل أحد، ما يجعل نقطة الفراغ أكبر ممَّا سجّله لنا التاريخ، الأمر الذي قد يمكن سدّه عن طريق الحدس أو العقيدة أو...
د ـ وهناك نقطة رابعة، لا تقل أهميةً عمَّا سبقها، لفهم الخريطة التي كان يخطِّط لها هذا الإمام أو ذاك بالشكل الكامل، وهي أن تكون لدى الإنسان خلفيَّة صحيحة وفهم سليم عن الإمامة، ومعنى الإمام، وموقعه في الأمة، إذ من دون ذلك قد تلتبس الأمور.
لقد طرق الباحثون الجدد هذا اللون من البحوث التحليلية (لا النقلية)؛ حيث بدأت منذ مدَّة عالمياً، وتسرّبت إلى عالم المسلمين، وإلى الثقافة الإسلامية، إذ توجد دراسات حديثة عن حياة الأئمة، أو تاريخ بعضهم، تعتمد النمط التحليلي، فيحاول الباحث استيضاح ثورة الحسين (عليه السلام)مثلًا، وأهدافها وأسبابها وعللها
________________________________________

[الصفحة - 16]


ونتائجها، وقد امتازت بذلك البحوث الاستشراقية، إذ شاعت هذه الدراسات في الغرب أولًا ـ باستثناء ما يحكى عن مقدّمة ابن خلدون التي قيل: إنها امتازت بهذا النمط، وإن ابن خلدون نفسه هو أوّل من استعمل المنهج التحليلي في قراءة التاريخ ـ ومنه انتقلت إلينا، واستخدمت من جانب بعض الباحثين في تحليل الظاهرة الحسينية.
إلّا أننا نلاحظ عدم إيمان هؤلاء المحلِّلين والباحثين بمبدأ الولاية، ومعنى الإمام، وعدم اطّلاعهم على تراث أهل البيت، ولهذا وقعوا في كثير من الأحيان بأخطاء، فحاولوا ـ على سبيل المثال ـ ربط قصة الحسين (عليه السلام)بعلل شخصية، أو... كما سيأتي، ولذلك عجزوا عن تقديم تفسير صحيح لموقف هذا الإمام أو ذاك.
إن القرب من مدرسة أهل البيت (عليهم السلام)يشكّل ضمانةً لتصويب استنتاجاتنا عن الأئمة (عليهم السلام)ومواقفهم.
وبناءً على ما تقدَّم لا يصح الاقتصار على ما تسجِّله الكتب التاريخية العامة من الوقائع، بل المطلوب جمع المفردات التأريخية وصياغتها صياغة حيّة، لاستخراج التحليل التاريخي الفعّال، أو التفسير التاريخي المعطاء، لموقف الإمام الحسين (عليه السلام)أو لصلح الإمام الحسن (عليه السلام).
5 ـ الثَّورة الحسينية والأبعاد المتعدِّدة
ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)مدرسة ذات أبعاد وجوانب عديدة، فيها جميع معاني البطولة والفداء والقيم الرسالية التي يستطيع الإنسان أن يستخلص منها، ومن مشاهدها ومراحلها وفصولها، جميع دروس القيم الإنسانية والرسالية، وجميع المعاني الخالدة والسامية التي بشَّرت بها الرِّسالات الربَّانية والسماوية.
ولذا لا نستطيع استيعاب جميع أبعاد هذه الثورة المباركة، كما أن عقولنا وإدراكاتنا أقصر من أن تلم بجميع معانيها ودروسها وعبرها، ولذلك كان لا بد من أن نقتصر على بُعدٍ، أو جانب واحد، من أبعاد هذه الثورة وجوانبها، وبذلك المقدار الذي نتمكن من خلاله دراسة الوجه الاجتماعي لها.
المراقبون لهذا الوجه الاجتماعي، من حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، والباحثون
________________________________________

[الصفحة - 17]


في هذا الجانب من ثورته، اختلفوا في تفسيره وشرحه إلى مذاهب واتجاهات وتفسيرات متعدِّدة ومتباينة، وهو أمرٌ ليس بالغريب، فالشخصية العظيمة عادةً ما يكون هناك اختلاف في تفسيرها وتحديد أبعادها.. وكثير من عظماء تاريخ الإسلام وقع في حقّهم هذا الاختلاف بين الباحثين، ودارت نقاشات، وخرجت رؤى متباينة إلى شخصيَّاتهم وتفسير أعمالهم ومواقفهم.
ونحن، بدورنا، ولأجل أن نحدِّد موضوع الحديث، في هذا البحث الاجتماعي عن حركة الإمام الحسين (عليه السلام)، سنعالج بالبحث والدراسة دوافع الثورة الحسينية وأسباب هذه الحركة التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام).
دوافع الثَّورة الحسينية
هذه من أهم الفصول التي لا بد للباحث الاجتماعي والتاريخي، في قضية الإمام الحسين (عليه السلام)، من أن يتعرض لها، ويقدّم النظرية الصحيحة لكل فصل منها، ويدعمها بالشواهد والأدلّة والأرقام التاريخية.
ما هي الدَّوافع للثَّورة الحسينية؟ وماذا كان يستهدف الإمام الحسين (عليه السلام)من خلال عمليته هذه من الناحية الاجتماعية؟ ما هي عملية التغيير الاجتماعي التي كان يريدها ويهدف إلى تحقيقها؟ ما هي الدَّوافع التي كانت موجودة لديه؟ وما هي العلل الغائية، باصطلاح الفلاسفة، التي جعلته يتحرَّك هذه الحركة العظيمة الخالدة، وينهض بهذه الثورة المتميِّزة بخصائص جعلتها ثورة فريدة لا نظير لها في تاريخ الثورات والحركات والعمليات التغييرية الاجتماعية؟ واللافت أن حركات الأنبياء وأوصياء الأنبياء لا توجد من بينها حركة اجتماعية تشابه العملية التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام)، إنها عملية فريدة في نفسها ومختصَّة بخصائصها التي توجد في غيرها.
إنها حركة أشبه ما تكون ـ بحسب مظهرها ـ عملية انتحارية، فإمام معصوم كامل، أعقل الناس، أرشدهم، وأرجحهم عقلًا ومقاماً، يقوم بعمليَّة من هذا القبيل، ماذا كانت الدَّوافع من وراء هذه العمليَّة؟
________________________________________

[الصفحة - 18]


تنوّع التَّحليلات في شأن دوافع الثَّورة
التَّفسيرات التي تطرح عادة في هذا الجانب، وتبيِّن دوافع الحركة الحسينية والثورة الحسينية، بالإمكان ـ بدايةً ـ تصنيفها إلى صنفين:
الصّنف الأوَّل: التفسيرات التي قُدّمت من جانب بعض المستشرقين، ومن بعض المسلمين أيضاً، وبعض الحكَّام أنفسهم زمن الإمام (عليه السلام)وبعده، وهي تفسيرات اصطُلِحَ عليها بالتفسيرات الباطلة التي لا تنسجم مع طبيعة معتقدنا وتصوُّراتنا عن الإمام الحسين (عليه السلام)، وهي تفسيرات نشأت إما من أغراض أو أمراض، ومثّلت جزءاً من الأدوار التي يقوم بها الحكَّام المنحرفون، وتقوم بها السلطة من أجل مسخ هذه الثورة المباركة والحد من عطاءاتها وآثارها على الأمَّة.
إنَّنا نجد بذور هذه التحليلات منذ زمن الحكَّام الأمويين، وقد نرى أنَّ بعض الباحثين المتأخرين تأثّروا بتلك الكلمات التي وجدوها مبثوثة في بعض التواريخ، فحاولوا أن يستندوا إليها ويعتمدوا عليها. قسم آخر من هذه التفسيرات الباطلة قد يكون ناتجاً عن بعد أصحابها عن مدرسة الحسين (عليه السلام)وأهل البيت (عليهم السلام)، وهم لا يعرفون حقيقة الأئمة ومعنى الإمامة، ومن الطبيعي أن يخطر في ذهن هؤلاء تفسير من هذه التفاسير.
الصِّنف الأوَّل
التَّفسيرات الباطلة لدوافع الثَّورة
وهنا نستطيع أن نشير إلى تفسيرين مشهورين في هذه القائمة، ربما يجدهما الإنسان في بعض الكتب التاريخية، وبعض الدِّراسات الاستشراقية.
التفسير الأوَّل: الدَّافع القبلي والعشائري
وهو تفسير يقوم على أساس قبلي وعشائري، فقد فُسِّرت قضية الحسين (عليه السلام)، في بعض كتب التاريخ والاستشراق، على أساس أنها تمثل حلقة من حلقات تاريخ صراعٍ قبلي بين قبيلتين هما: بنو هاشم وبنو أمية، والذي شرع منذ زمن هاشم وأمية نفسيهما، وإلى زمن ما بعد الحسين (عليه السلام)
________________________________________

[الصفحة - 19]


ويحاول هؤلاء تفسير القضية على أساس أنَّها حلقة في سلسلة هذا الصِّراع الممتد بين القبيلتين، فقد كانتا تتصارعان على الوجاهة والزعامة في مجتمع مكة والحجاز، وعلى البيت الحرام وبقية الامتيازات التي كانت موجودة آنذاك، ثم وبعد انتصار الإسلام وانتقال السلطة والوجاهة والزعامة والنفوذ الاجتماعي إلى بني هاشم انطلاقاً من كون الرسول نفسه منهم، واندحار بني أمية وخسارتهم أمامهم، حاولت تلك القبيلة أن تعيد تلك الامتيازات التي حازها بنو هاشم، فدخلت الإسلام مُكْرَهةً وسعت من الداخل ـ وبأساليب نفاقية ـ إلى مصارعة ضرَّتها الأخرى، محاولةً الاستيلاء على الحكم من طريق معاوية بن أبي سفيان، لتأخذ من جديد الحكم والنفوذ والسيطرة على المجتمع العربي آنذاك.
وقد حاول أصحاب هذا التفسير الاستشهاد بمجموعة من الأشعار والقصائد المأثورة، والتي أنشدها بعض الشعراء، أمثال الأخطل وغيره، من شعراء السَّلاطين، في تصوير هذا الصراع، وكذلك بعض الأشعار التي ذكرها بعض السلاطين والحكَّام الجاهلين أنفسهم كأشعار يزيد مثلًا، ومثل هذه الشواهد، ممّا هو مبثوث في كتب التاريخ هنا وهناك، كانت تعبّر بالنسبة لهؤلاء عن مدعّمات تسوِّغ التفسير القبلي للصراع.
ويعزِّز هذا التفسير أن مجتمع المسلمين والعرب ـ رغم مجيء الإسلام ـ كان يسوده النظام القبلي، وكان مشايخ العرب وشيوخ القبائل يمثِّلون الطبقة الحاكمة على المجتمع العربي آنذاك، وهذا النظام القبلي والعشائري لم تتم إذابته مطلقاً حتى بعد مجيء الإسلام وتأكيده على القيم الأيديولوجية الخاصة، بل بقيت هذه العشائر وأعرافها وأمزجتها وطبائعها ذات دور بالغ في تسيير الحركة الاجتماعية والسياسية، وكان الحكام يحركون هذه العشائر عبر رؤسائها، فمعاوية، مثلًا، كان يستميل عشائر مضر واليمن وغيرها، وكان يحاول استغلال هذه الأنظمة العشائرية التي كانت لا تزال باقيةً في نفوس الناس، ليستفيد منها في تثبيت حكمه والوصول إلى أغراضه وأهدافه، فكان يميز بين العشائر في العطاءات والهبات، ويقرب هذه العشيرة ويبعد تلك.
إذن فالمجتمع، بحسب الحقيقة، لم يخرج عن كونه مجتمعاً عشائرياً وقبلياً،
________________________________________

[الصفحة - 20]


يحكمه نظام العشيرة ومنطقها، ووفقاً لذلك فمن المنطقي أن يبقى هناك أثر لهذه الروح القبلية الموجودة بين العشيرتين...
وقفة مع التفسير القبلي
هذا التفسير لا يمكن القبول به بأي وجه، فهو ينبني على قاعدةٍ ترفض الإيمان، وتعدّ منطلقات الحسين (عليه السلام)والأئمة (عليهم السلام)ومحمد (صلي الله عليه و آله و سلم) منطلقات عشائرية من هذا النوع، وهذا أمر يرجع إلى عدم الإيمان بنبوّة الرسول وصدقه والأئمة في ما كانوا يفصحون عنه ويبيِّنونه من رسالة ومن مفاهيم ومن قيم، ترفض بشدّة أمثال هذه المقولات والتحليلات وتشجبها بقوّة...
إذن فمن الزَّاوية العقدية، يتنافى هذا التفسير مع أصل العقيدة الإسلامية، فضلًا عن العقيدة الخاصة في حق أهل البيت (عليهم السلام)الذين طهَّرهم الله وأذهب عنهم الرجس، والذي من معانيه أن تكون الدوافع عشائرية قبليَّة (جاهلية).
هذا من الناحية العقديَّة. أمّا من الناحية التاريخية الواقعية، فعندما يراجع الإنسان التاريخ يرى أن فرص الموافقة على هذا التفسير ضيِّقة، حتى لو قطعنا النظر عن الجانب العقدي والديني للمسألة، فملاحظة التاريخ الإسلامي ودراسة وقائعه دراسةً علميةً موضوعيةً، تكشف للإنسان الموضوعي العلمي، ـ وبأقل التفاتة ـ أن هذا الصراع لا يمكن أن يكون صراعاً بين قبيلتين تكون دوافعه الحقيقة إحساسات عشائرية أو قبليَّة أو شيئاً من هذا القبيل، كيف والنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ـ بحسب تاريخه ـ كان أوَّل من عارض هذه الفكرة، وطبّقها في حق نفسه وفي وضعه الخارجي ومجتمعه، حيث شجب جميع هذه الأنظمة الجاهلية، وجميع تلك التصوُّرات القبلية وركز خلافها، وعمّقه في النفوس، فسلمان الفارسي جعله محمدياً، بينما صار أبو لهب عنده كافراً، هل هناك أمر أوضح من هذا دلالةً على أن عمل النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) وطراز سلوكه وتفكيره لم يكن عشائرياً؟ دعنا عن الوحي وعن السماء وعن الله وعن مسائل النبوّة، فالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم) ـ كإنسان ـ كان له وجود في التاريخ وكان له دور، وعندما نلاحظ سيرته ومنهاجه، كإنسان أيضاً، نفهم أنه كان من أشدّ المعارضين لهذه النزعة العشائرية والقبلية، وكانت أعماله جميعها على تضادٍّ مع أمثال هذه الأفكار والقيم الجاهلية.
________________________________________

[الصفحة - 21]


أمَّا قضيَّة الحسين (عليه السلام)، فهي نفسها تملك شواهد من هذا النوع، فلو كان (عليه السلام)في صدد القيام بمشروع عشائري قبلي لكان الأجدر به النهوض بعشيرته وبين أهل منطقته في الحجاز، لا استنهاض جماعةٍ من الغرباء البعيدين عنه، حيث لم تكن الكوفة ولا البصرة موطناً عشائرياً له، فلو كانت المشاعر العشائرية والقبلية هي الدوافع لهذه الثورة لكان ينبغي أن تنطلق هذه الثورة من مهد تلك العشيرة وسواعد أبنائها، والحال أن القضية لم تكن كذلك، فلا الحركة بدأت من موطن تلك العشيرة ولا المتحركين بهذه الحركة كانوا من أبناء هذه العشيرة، بل أكثر أصحابه فيها والذين قتلوا معه في كربلاء لم يكونوا من بني هاشم، لا مسلم بن عوسجة، ولا حبيب بن مظاهر، ولا زهير بن القين... كما أن الذين دعوا الحسين (عليه السلام)إلى الثورة، وأرسلوا له الكتب والرسل يطلبون منه المجيء إلى العراق، لم يكونوا من الهاشميين، بل كتبها موالون للإمام الحسين (عليه السلام)ومحبّون له، دفعتهم إلى الاستنجاد به والبيعة له، ودعوته إلى الكوفة، عقيدتهم به.
إذن منطلق المسألة ودافعها كان عقديّاً وايديولوجياً، لا قبلياً وعشائرياً.
فهذا التفسير مرفوض عقديّاً، ومرفوض علمياً من خلال مراجعة واقع التاريخ الذي وقع منذ انتشار الإسلام وإقامة الحكم الإسلامي على يد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) في المدينة، وإلى ثورة الحسين (عليه السلام)، فلا تساعد على قبوله طبيعة الأشخاص الذين كانوا مع الحسين (عليه السلام)ورافقوه وأيَّدوه ونصروه، ولا طبيعة الحركة نفسها ولا اتجاهها، كما لا تساعد عليه تصريحات الإمام الحسين (عليه السلام)نفسه، والتي شرح فيها أسباب خروجه؛ إذ أكَّد على طلب الإصلاح في الأمة لا النصرة للعشيرة والأقارب، وهذا هدف رسالي مبدئي وليس هدفاً قبلياً عشائرياً.
هذا التفسير من تضليلات السلطة الحاكمة نفسها، بعد أن هُزّت بعملية الإمام الحسين (عليه السلام)وتزعزعت أركانها، وكذلك السلاطين والحكَّام الذين أتوا بعد قضية كربلاء، كانوا يجدون أن قضية الحسين (عليه السلام)لا تزال تمتلك ضمير الأمة ووجدانها، ولا تزال حيَّةً في النفوس، فوجدوا أنفسهم مضطرين لتقديم تفسير لها يسوِّغون من خلاله بعض أعمالهم ويغطُّون الجانب الحقيقي، جانب الانحراف العقدي أو الرسالي الموجود لديهم، كي لا تقول الأمة: إن الحسين (عليه السلام)عندما خرج على هؤلاء كانوا
________________________________________

[الصفحة - 22]


لا يستحقون الخلافة، وهؤلاء ليسوا على مستوى أن يحكموا المسلمين، من أجل أن يبعدوا أذهان الناس عن طبيعة دوافع الثورة الحسينية لحرفها ناحيةً أخرى، ولذلك أتوا بهذا التفسير للظاهرة الحسينية الذي يضعها في إطار قبلي، ومن ثم القول: إنَّه لا فرق أحكم هذا أم ذاك... فهم أولاد عم، وهذا معناه أن هذه الحركة العظيمة لم تكن لأجل مقاومة الفساد الواقع في الأرض.
ما نظنّه هو أن هذا التفسير منبعه السلطة الجائرة التي كان قد ثار عليها الحسين (عليه السلام).
التفسير الثاني: الدوافع الشَّخصية والمزاجية
وهو تفسير موجود في بعض الكتب يحلِّل الظَّاهرة على أنها مزاج شخصي، فالحسين (عليه السلام)كان أبي الضيم، كان له مزاج خاص، مثلًا، في صرامته يشبه أباه، لا يهدأ له حال لظليمة تقع في العالم، وهو ذو روح ثورية، وهذه المواصفات النفسية والروحية هي التي دعته للثورة في وجه يزيد.
يحاول هذا التفسير أن يقدِّم الإمام الحسين (عليه السلام)بوصفه صاحب مزاجٍ لا يقرُّ ـ بأي وجه من الوجوه ـ للظلم، ولا يستطيع أن يهادن ولو للحظة، فكما لم يهادن أبوه (عليه السلام)معاوية ولو للحظة، بأن يبقيه في الحكم، ثم بعد أخذ الاعتراف منه بخلافته يقصيه، كما اقترح ذلك عليه طلحة والزبير حينما قالا له: إنه ليس هناك داع ـ ومنذ اللحظة الأولى ـ لعزل جميع ولاة عثمان بمن فيهم معاوية، فماذا يضرّك لو تبقيه الآن على ما كان عليه، والإبقاء أهون من التأسيس والتنصيب، دع الوضع على ما كان، وخذ من هؤلاء البيعة والاعتراف لك، ثم بعد ذلك لا يمكنهم نقض البيعة، ولا يستطيع بعدها معاوية رفع قميص عثمان، لخداع الناس وتضليلهم، ومحاربة الإمام (عليه السلام)كما فعل في صفين.
لكن الإمام لم يقبل، منذ اللحظة الأولى، انطلاقاً من الصرامة والحديّة في منهاجه ومزاجه، وقد ورث ذلك الإمام الحسين (عليه السلام)منه، ولم يرثه الإمام الحسن (عليه السلام)، فهذا صالح معاوية، وذاك لم يحاول قط، لأنّ روحه كانت روحاً ثوريةً خاصّة.
________________________________________

[الصفحة - 23]


نقد التفسير الشخصي الذاتي
وهذا التَّفسير لا يمكن الموافقة عليه أيضاً؛ وذلك:
أوَّلًا: لأنه يتنافى أيضاً مع العقيدة التي نعتقد بها، فنحن نعتقد بأن الأئمة، في مجال العمل الاجتماعي والرسالي، لا فرق بينهم: «الحسن والحسين سبطاي من هذه الأمة، إمامان إن قاما أو قعدا» (1)، من ناحية ما يرجع إلى العمل الاجتماعي، نعم، قد يكون هناك فروق جسدية أو خاصّة، إلا أن الصفات التي ترجع إلى الجانب القيادي والجانب الاجتماعي والرسالي لا يختلفون فيها، فجميعهم نور واحد، وجميعهم على المستوى المطلوب من الانطلاق من الموقف والمسؤولية والوظيفة الشرعية، من دون أيّ تأثر بمزاج أو بيئة أو حالة أو قضية من القضايا الطارئة، وطبقاً لهذا المعتقد الذي نعتقد به، نحن الشِّيعة، لا يمكن تفسير قضية الإمام الحسين (عليه السلام)على أنها كانت نابعة من مزاجٍ، وروحٍ ثورية خاصة، أو من إباء خاص كان يمتلكه، ولم يمتلكه إمام آخر، فما يمتلكه الإمام الحسين (عليه السلام)كان يمتلكه الإمام الحسن (عليه السلام)في هذه المواصفات الرسالية والعمل الرسالي والاجتماعي لكل منهما.
ثانياً: عندما نراجع التاريخ نحكم أيضاً برفض هذا التفسير، فنحن نعلم أن الإمام الحسين (عليه السلام)عاش مع الإمام الحسن (عليه السلام)في أيَّام حكم معاوية عشر سنين ولم يَثُر، مع أنه دُعي إلى الثورة، وجاءته بعض الكتب أو الرسل من العراق، فقد جاءه سليمان بن صرد الخزاعي، وطلب منه الخروج ولم يخرج، والتزم بالمنهج نفسه الذي كان قد وضعه الإمام الحسن (عليه السلام)، وفي زمن الإمام الحسن (عليه السلام)أيضاً طرحت عليه فكرة الثورة (بعدما صالح الحسن) من قبل بعض المتحمّسين من شيعة أهل البيت، كانوا يئسوا من الإمام الحسن (عليه السلام)ولم يدركوا خلفية هذا الصلح الذي لم يكن أقل أهمية وخطورة من ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)نفسها، فتوجهوا إلى الإمام الحسين (عليه السلام)طالبين منه القيام بالدور مع وجود الإمام الحسن (عليه السلام)، ليأتي إلى العراق، لكنه (عليه السلام)دفعهم، وصحح الموقف الذي وقفه أخوه الحسن (عليه السلام)، ما يدل على أنه كان مشاركاً لأخيه في نظرته للأمور، وفي تقييمه للصلح.
________________________________________

[الصفحة - 24]


وعليه فلم تكن القضية قضية مزاجٍ أو طبع خاص...
هذان التَّفسيران هما أبرز التفسيرات التي نرفضها رفضاً عقدياً من جهة وتاريخياً من جهةٍ أخرى، وهما تفسيران مدسوسان، في أغلب الظن، لتحقيق أغراض سياسيَّة معينة.
الصنف الثَّاني
النَّظريات المطروحة إسلامياً في شأن قضية الحسين (عليه السلام)
في قبال هذه القائمة من التَّفسيرات، توجد قائمة ثانية يمكن لها في حد نفسها أن تكون صحيحة، إذ لا تصطدم مع معتقد، ولا توجد عليها علامات استفهام من هذا النَّوع الذي وجدناه في التَّفسيرات السالفة. وهذه التفسيرات يمكن أن تكون قابلة للقبول، طبعاً الحكم على مدى صحتها أو نسبة هذه الصحة، بالقياس إلى المفهوم الأمثل، تابع للدراسة والتقييم، فقد يكون فيها خطأ أو اشتباه، وهذه مسألة أخرى لا بدَّ من بحثها، فالنوع الثاني من النظريات التي اعتنت بتفسير ثورة الإمام الحسين (عليه السلام)يمكن أن يكون صحيحاً، وإن كانت في صحته ـ كواقع خارجي ـ حاجةٌ إلى دراسة التاريخ والشواهد، وملاحظة المسألة من جميع أبعادها.
هذه النَّظريات يمكننا تلخيصها في ثلاث، جميعها تفسيرات موجودة بشكل أو بآخر في أذهان الشيعة، وفي بطون الكتب الشيعية وعند المفكرين الشيعة، نعم، قد يكون بعضها أكثر، وبعضها الآخر على درجة أقل من الشهرة، إلّا أنها جميعاً تفسيرات منسجمة ومعتقدات الشيعة إلى حدٍّ كبير، وهي:
النَّظريَّة الأولى: ونصطلح عليها بالنَّظرية الغيبية في تفسير حركة الإمام الحسين (عليه السلام)
النَّظريَّة الثَّانية: ونصطلح عليها بالنظرية السياسية في تفسير حركة الإمام الحسين (عليه السلام).
النَّظريَّة الثَّالثة: ونصطلح عليها بالنظرية الرسالية التاريخية في تفسير قضية الإمام الحسين (عليه السلام).
________________________________________

[الصفحة - 25]


ولا بد من استعراض هذه النظريات الثلاث، ما هي؟ وما هي الشواهد عليها؟
النظرية الأولى ـ التفسير الغيبي
تحاول هذه النظرية أن تفسِّر دوافع هذه الثورة المباركة على أساس أوامر عالم الغيب، وأن الحسين (عليه السلام)، باعتباره معصوماً ومرتبطاً بعالم الغيب، كُلِّف من قبل الله، سبحانه، بالقيام بهذه العملية؛ وذلك تكليفٌ خاصٌّ به باعتباره إنساناً خاصَّاً، معصوماً مرتبطاً بالعالم الماورائي، لا يشاركه في هذا الارتباط غيره من الناس، ولهذا كان هذا التكليف شاقًّا عظيماً.
طبعاً هذا التفسير يقبل ترتُّب آثار ونتائج على الثورة، إلّا أن تلك المسألة مرتبطة بالآثار والنتائج، في حين نبحث هنا عن الدوافع والأسباب، فالدافع هو الامتثال لأمر عالم الغيب، وهو ليس دافعاً سياسياً أو اجتماعياً، وإنما هو هذا التكليف الإلهي الخاص الذي كُلِّف به، وبالذات في تلك الحقبة الزمنية الخاصة من التاريخ.
يحاول أصحاب هذه النَّظرية أن يجعلوا هذا التكليف الغيبي الخاص الدافع الحقيقي، رغم اعترافهم، بأن هذا التكليف قد ترتَّبت عليه آثار ونتائج كثيرة في التاريخ الإسلامي، إلّا أن تلك الآثار لم تكن هي الدافع، بل لعلّها لم تكن ملحوظة للإمام الحسين (عليه السلام) ، وإنما كان المنظور له، امتثال الأمر الإلهي والغيبي الخاص به.
ويستشهدون على ذلك ببعض النصوص الواردة عنه (عليه السلام)، والتي قد يوحي ظاهرها بهذا المعنى، كالنصوص التي وردت في أن الإمام الحسين (عليه السلام)، عندما حاول الحاكم الأموي في المدينة أن يجبره على أخذ البيعة ليزيد، استمهله ليلة أو ليلتين، فذهب إلى مرقد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) فأخذته حالة النوم، وفي عالم الرؤية شاهد الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، فطلب منه أن يأخذه إليه، قال: لا، إنه شاء الله أن يراك قتيلًا (2)، فالله سبحانه وتعالى قدّر أن تقتل في أرض معيَّنة، وهي كربلاء. أو كالمحاورة التي جرت بين الإمام الحسين (عليه السلام)وبين أخيه محمد بن الحنفية، فإن فيها دلالةً على هذا المعنى، ونص المحاورة يذكره السيد ابن طاوس، يقول: «سار محمد بن الحنفية
________________________________________

[الصفحة - 26]


إلى الحسين (عليه السلام)، ليلة أراد الخروج إلى مكة، فقال: يا أخي، إن أهل الكوفة من قد عرفت غدرهم بأبيك وأخيك، وقد خفت أن تكون حالك كحال من مضى، فإن رأيت أن تقيم فإنك أعزُّ من في الحرم وأمنعه، فقال: يا أخي، قد خفت أن يغتالني يزيد بن معاوية، في الحرم، فأكون من يستباح به حرمة هذا البيت، فقال له ابن الحنفية: فإن خفت ذلك، فسر إلى اليمن أو بعض نواحي البر، فإنك أمنع الناس به...، فقال: أنظر في ما قلت، فلما كان السحر، ارتحل الحسين (عليه السلام)، فبلغ ذلك ابن الحنفية فلحقه، فأخذ زمام ناقته التي ركبها، فقال: يا أخي، ألم تعدني النظر في ما سألتك؟ قال: بلى، قال: فما حداك على الخروج عاجلًا؟ فقال: أتاني رسول الله بعد ما فارقتك، فقال: يا حسين اخرج، فإن الله قد شاء أن يراك قتيلًا، فقال ابن الحنفية: إنَّا لله وإنَّا إليه راجعون، فما معنى حملك هؤلاء، وأنت تخرج على مثل هذه الحال، فقال له: قد قال لي النبي (صلي الله عليه و آله و سلم): إن الله شاء أن يراهن سباياً» (3).
هذا النَّص يدلّ، أيضاً، على أن المسألة مسألة مشيئةٍ إلهية غيبية، لا بد من أن يحملها الإمام الحسين (عليه السلام)وتكون تكليفاً خاصاً به.
ومن جملة الرسائل التي ينقلها ابن بابويه، في كتابه: «كامل الزيارات»، رسالة الإمام الحسين (عليه السلام)إلى أخيه محمد بن الحنفية.
«بسم الله الرحمن الرحيم...، من الحسين بن علي إلى محمد بن علي، ومن قبله من بني هاشم، أما بعد، فإن من لحق بي استشهد، ومن لم يلحق بي لم يدرك الفتح» (4).
فهذا دليل على أن الحسين (عليه السلام)كان هدفه الاستشهاد، لأن الله سبحانه ورسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) قد بلّغاه ذلك، ومن هنا ومن هناك، يمكن استخراج بعض الشواهد التي تدل على أن العملية كانت عملية غيبية، وتكليفاً ثقيلًا ملقى على عاتق الإمام المعصوم وخاصَّاً به، بخصوصية إلهية فيه وفي هذا التكليف الإلهي، فقد كلِّف هذا الإمام المعصوم المظلوم بتحمل هذا العبء الثقيل والذهاب إلى كربلاء لكي يقتل ويستشهد، وكان قدر أهله أن يؤسروا كما حصل.
فهذا المنطق الذي يواجه به الإمام الحسين (عليه السلام)محمد بن الحنفية، وهو
________________________________________
[الصفحة - 27]


أخوه وأقرب الناس إليه، يُبْعد المسألة عن أن تكون مسألة تخطيط اجتماعي لعمل اجتماعي، وإلّا كيف قال له ما قال؟! ولماذا لم يقل له: أنا عندي تخطيط اجتماعي معيَّن، عندي هدف مستهدف في هذه العملية، وسوف أصل إليه بشروط، وما معنى أنه شاء الله أن يراني قتيلًا، وشاء الله أن يرى الأهل والعيال سبايا، لقد كان آخر جواب له.
إذن يستظهر من ذلك أن الدَّافع دافع امتثال التكليف الإلهي، لا دافع اجتماعي، ولا هدف مشخَّص مخطَّط له من الإمام الحسين (عليه السلام)مسبقاً.
تحفُّظات عن التفسير الغيبي
هذا التفسير، بهذا الشكل، يطرحه بعض الخطباء وبعض الكتّاب، لكن الظاهر أنه ليس تفسيراً تاماً وصحيحاً، وذلك باعتبار عدة ملاحظات هي:
الملاحظة الأولى
إنَّ تفسير قضية الحسين (عليه السلام)بهذا الشكل يتنافى والطبيعة البشرية لعمل الأنبياء والأوصياء، فنحن وإن كنا نعتقد بأن الأنبياء والأئمة هم ثقل الله في الأرض، وهم ثقل عالم الغيب، وهم الحبل الممدود إلى عالم الشهادة، وهم أحد الثقلين والواسطة بين العباد وبين الله، وهذه المعاني جميعها صحيحة، إلّا أنّنا في الوقت نفسه نعتقد بأن الأنبياء والأئمة كانوا بشراً، وفي أعمالهم في الحياة ـ وبالأخص الأعمال التي ترتبط بالجانب الاجتماعي من حياة الناس ـ كانت منطلقاتهم بشريَّةً، وكانت طبيعة أعمالهم طبيعةً بشريةً.
لا ينبغي أن نتغافل ونجعل من الأنبياء والأئمة موجودات أخرى كالملائكة، كموجودات عالم الغيب، لهم أحكامها وامتيازاتها، لا، إن الأمر ليس كذلك، ففي ما يرجع إلى دورهم في حياة الناس، وفي الدنيا، هم بشر كسائر البشر، وطبيعة عملهم وتحركهم ـ سيّما الاجتماعي ـ كانت بشريَّةً، وكان لتحركاتهم دوافع بشرية مفهومة وعقلانية أمام الناس، بحيث يفهمها الناس، ولولا بشرية أعمال الأئمة والأنبياء وأدوارهم لما استطاعوا أن يغيِّروا البشر.
________________________________________

[الصفحة - 28]


وفي الواقع، تغيُّر البشرية لا يمكن أن يكون بأسلوب غير بشري، نعم، أصل التغيُّر ومنبعه ـ كمصدر الرسالة ـ غيبيٌّ، أي أنه من عند الله، سبحانه وتعالى، إلا أن مجرى التغيير وطريقته ومساره بشري أرضي، ولهذا ركَّزت الآيات القرآنية على أنه لو أرسلنا ملكاً لجعلناه بشراً، لماذا جعلناه بشراً؟ لأنه لا يتسنّى للإنسان التكوّن والسموّ والتسامي من خلال التربية الربانية الإلهية، إلّا عبر هذه الأساليب البشرية، فحتى المَلَك، والموجود الغيبي لو أريد إنزاله إلى الأرض لا بد من أن يتأطّر بالإطار الأرضي، لكي يتمكن من التأثير في الناس وإصلاح البشرية، فتغيُّر البشرية ووضعها في مسار التكامل لا بد من أن يكون بأساليب منسجمة والطبيعة البشرية، أي بأساليب بشرية أرضية.
فافتراض أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان له تكليف خاص لأنه معصوم، ولم تكن دوافعه لما قام به مفهومة ولا معقولة عند أناس من قبيل محمد بن الحنفية وأمثاله، يتنافى بوضوح مع أصل النظرية التي نؤمن بها في مجال طبيعة عمل الأنبياء والأوصياء والأئمة في الحياة الدنيا. خصوصاً إذا لاحظنا أن الإمام الحسين (عليه السلام)في تحركه هذا لم يكن مقتصراً على نفسه، بل كان في صدد أخذ كل من كان مستعدّاً معه، ولهذا كتب: «ومن لم يلحق بنا لم يدرك الفتح»، فلم يقصد من هذا التعبير استنهاض الهمم وتحريك الناس للإقدام على عملية غيبية بحتة، فإن ذلك مما يمكن ـ مثلًا ـ أن يقدم عليه شخص معصوم لوحده، أما إذا استطاع أن يحرّك الجماهير معه، ولو خمسة أشخاص، ولو ثلة من الناس، لحُمل الأمر على غير محمل.
لقد استهدف الإمام خروج الناس معه، وبالفعل فقد خرج معه جماعة، وهم اثنان وسبعون شخصاً من أصحابه، ولم يكونوا أناساً غيبيين، كانوا بشريين، لم يكونوا معصومين، كانوا بشراً تأثروا بموقف الإمام الحسين (عليه السلام)ومنطقه وحركته، فكيف كان يمكن للحسين (عليه السلام)أن يحرك هؤلاء لو كانت المسألة ذات دوافع غيبية لا يفهمها الإنسان العادي وإنما يعقلها الإنسان المعصوم بعمله الغيبي؟ إن مثل هذه الأسباب لا تستطيع تحريك الناس، وليست مفهومة لهم، حتى لأولئك الذين قتلوا مع الإمام الحسين (عليه السلام)، ومن ثم فلن يندفع هذا الإنسان لبذل دمه؛ إذ قلّما يوجد إنسان مستعد لدفع دمه، بغية أمر غامض لا يتسنّى له تفسيره، بل وليس هناك من
________________________________________

[الصفحة - 29]


إيمان حقيقي وطوعي قبال هذا التحرك، بينما نجد أن هؤلاء اتجهوا طوعاً مع الحسين (عليه السلام)متربين ومتأثرين بقضيته تأثّراً غيّر من تصوراتهم، ومن روحيّاتهم ونفسيّاتهم، كيف كان يمكن لهؤلاء أن يبلغوا هذا المبلغ لو افترضنا أن دوافع المسألة وأسبابها كانت غيبيةً خاصةً بالإمام فقط لا يفهمها إلّا المعصوم؟
إذن فمن هذه الناحية لا يمكن المساعدة على هذا المقدار من التفسير الغيبي للقضيَّة.
الملاحظة الثانية
إن هذا التفسير يناقض تصريحات الإمام نفسه، فهناك محاورات وكذلك خطب وكلمات صريحة صدرت منه (عليه السلام)يوم عاشورا، وقبله، في مكة، وفي أماكن أخرى... تصرّح بدوافع عقلانية ومفهومة للحركة الحسينية، ويمكن للواقع الاجتماعي أن يتعقلها ويهضمها، كما يمكن طرحها أمام الجماهير والقواعد الشعبية، بل لقد طرحها الإمام بالفعل على الجماهير، فما أكثر تلك التصريحات التي يشرح فيها الإمام (عليه السلام)دوافع ثورته وأسباب خروجه محاولًا تقديم دوافع رسالية قابلة للفهم، وسوف نستعرض أيضاً مجموعةً من تلك النصوص لدى معالجة النظرية الثانية القادمة.
إذن، فتصريحات الإمام (عليه السلام)والرسائل التي كان يبعثها إلى أهل الكوفة كانت واضحة في إرادته العدل، يقول: فما الإمام العادل إلا من أقام السنّة، إن هذا كان حقنا وقد أخذه غيرنا وسكتنا عنه، من أجل أن لا تصبح فرقة، ونحن أحق به من غيرنا، فمن الواضح أنه يبيِّن أن الدافع الحقيقي هو أن النظرية الإسلامية تقول: إن الولاية والإمامة والخلافة لا بد من أن تكون في أهلها الشرعيين، وهم المعصومون، لا في يزيد بن معاوية ولا في هؤلاء ولا في من كان قبله، فكلام الإمام (عليه السلام)واضح في تحديد هدفٍ كان قابلًا للطرح على الجماهير، وكان ثمة إمكانية لإفهام الناس ماهية الهدف، وهو ما يتنافى مع غيبية القضية وخصوصيتها.
الملاحظة الثالثة
إن مثل هذا التفسير يجعل من قضية الحسين (عليه السلام)قضيةً غير مؤثرة حقَّاً ولا
________________________________________

[الصفحة - 30]


مربِّية للبشرية والإنسان، أي لو افترضنا أن القضية حكم غيبي خاص بالإمام الحسين (عليه السلام)، فمن المستحيل لها تربية الناس والأجيال وأن تكون فاعلة في ضمائر أولئك الذين عاصروه (عليه السلام)، فضلًا عن أن تبقى هذه الفاعلية وهذا التأثير وهذا المدّ إلى الآن، لأن الناس عندما لا يفهمون القضية فهماً عقلائياً وبشرياً، بل كحكم خاص، فسوف يرون أنفسهم خارجين عن إطار هذا الحكم، نتيجة كونهم غير معصومين، وعليه فلماذا يتفاعلون مع هذه القضية؟ وكيف تؤثر عليهم وتثيرهم؟
إن هذا الأمر متوقف على حفظ بشرية القضية.
فالإنسان قد يتأثر ويتألم ويبكي على الحسين (عليه السلام)، لكنه لا يتخذ من قضيته درساً وعبرةً لنفسه، ولا يعدّ هذا السلوك قدوةً له، وأنه ذا مسؤولية تجاه تطبيق سلوكه وعمله الاجتماعي مع ما فعله الإمام الحسين (عليه السلام)، إذ ما فعله قضية خاصة في موضوع خاص كسائر الأحكام الخاصة بالنبي (صلي الله عليه و آله و سلم).
لنفرض، مثالًا على ذلك، تعدُّد الزوجات أكثر من أربعة، والذي هو حكم خاص بالنبي، هل يمكن لأحد أن يطبق سلوكه عليه، كلا، لأنه حكم خاص، لا يمكن أن يكون قدوةً للناس ومربِّياً للآخرين، بينما نحن نعلم أن قضية الحسين (عليه السلام)هي من أقوى العوامل التي ربّت المجتمعات الإسلامية والأجيال طوال التاريخ ولا تزال هي الفاعلة وهي المؤثرة والمهيّجة والمبقية لمدرسة أهل البيت، سيما الجانب السياسي من هذه المدرسة، ذاك الجانب الذي يرفض جميع أنواع الحكَّام الظلمة الذين كانوا يريدون بالفعل إذلال المجتمعات والأمة الإسلامية.
جاء، في كتاب تاريخي، أن أحد الخلفاء الأمويين، أحضر أربعين من الصحابة شهدوا جميعاً على سقوط التكاليف عن الخليفة وعدم محاسبته يوم القيامة مهما فعل، هذا هو مستوى الإذلال والتمييع الذي يجعلون الناس به في هذا المستوى، بحيث لا يحق لأحد ـ من ناحية قانونية وتشريعية ـ مؤاخذة الخليفة ومحاسبته، ووضعه موضع المساءلة. هذه الأفكار المضلِّلة للأمة الإسلامية وهذا التحريف للقيم والمفاهيم لم يفعل فعله، وذلك بسبب ثورة الحسين (عليه السلام)، فلو كانت هذه الثورة مخصوصة بالإمام الحسين (عليه السلام)كتكليف غيبي لم يعد هناك من
________________________________________

[الصفحة - 31]


داعٍ لتأثر الآخرين بها، وإنما تأثروا بها انطلاقاً من اعتبارها وظيفة مكلّفٍ مثلهم، يهدف تطبيق أحكام الله والشريعة الإسلامية، في تكاليف موجهة إليه كما هي موجهة لكل فرد من المسلمين، بل الآخرون أولى بالتضحية فيه، لأن إنساناً بهذه المنزلة العظيمة ضحّى بما يملك في سبيل تطبيق أحكام الله وفي سبيل رفض هذا الخطر المحدق بالأمة الإسلامية، وضحّى بالأنفس وبالأغلى والأعز، كيف لا يضحّي الآخرون بالأقل؟!
من هنا كانت العملية قدوةً للآخرين، وتغذّت الحركات والثورات جميعها من هذه الثورة لتجعل منها وقودها الدائم، وهو وقود لم يكن له معنى لو كان الحكم غيبياً خاصّاً.
إذن هذا التفسير يجعل القضية خاصة باهتة لا فائدة فيها ولا تأثير لها على الآخرين، ولا ينبغي للإنسان أن يستفيد منها، دروسه وعبره وتكاليفه الشرعية، أو أن ينهض كما نهض الإمام الحسين (عليه السلام).
قراءة ناقدة لأدلّة التفسير الأوّل
أمَّا الأدلَّة التي يستشهد بها ممثَّلةً بالرّوايات التي أشرنا إلى بعضها، فهي تواجه مناقشة سندية علمية، فالرواية التي ينقلها السيد ابن طاوس في كتابه: «اللهوف على قتلى الطفوف»، مثلًا، لا توجد في المصادر الأولى، قبل صاحب اللهوف، وكتاب اللهوف هذا كان في أواخر القرن السابع الهجري، وفي سند هذه الرواية شخصٌ متَّهم حتى عند أهل السنّة، وهناك مناقشات رجالية وعلمية فنية لا داعي للدخول فيها هنا.
بل إن هذه الروايات حتى لو تمت سنداً، أو لو تمَّ سند بعضها على الأقل، لا تؤيّد النظرية الغيبية بهذا التفسير الجامد لقضية الحسين (عليه السلام). ذلك أن هذه الرِّوايات تدل على أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان يعرف أن نهاية هذه المسيرة هي الشهادة وأنَّ نهاية حركته الاستشهاد، وحسب رواية كتاب: «كامل الزيارات»، كان يريد أن يُفهم الناس بأنه سيستشهد، وكان يطلب منهم التصميم على الشهادة، وعليه فهذه الروايات مدلولها ومفادها ليس أكثر من هذا، إلّا أن هذه المسألة غير التفسير الغيبي، إذ ربّما يشخِّص قائد أن حركته سوف تنتهي إلى الشهادة، لكن مع ذلك
________________________________________

[الصفحة - 32]


تكون دوافعه في هذا التحرك مفهومة وعامة وليست تكليفاً غيبياً خاصاً به، بل من أجل أن الدور الذي يقوم به كمسلم، يتوقف إنجازه وتحقيقه على شهادته في سبيل الله، فتكون الشهادة مفهومة حينئذ وعقلائية، وما أكثر أصحاب الحركات الذين يقدمون على التحرك مع علمهم ـ في الحركات المادية فضلًا عن الدينية والإسلامية ـ بأن هذا التحرك سوف ينتهي بهم إلى الشهادة.
وعليه، فهذه الروايات لا تدل على غيبية الدوافع كما يريد أصحاب النظرية الأولى، بل هي دوافع مفهومة لجميع الناس، ألا وهي حفظ الإسلام وحفظ بيضته من الخطر الكبير الذي كان محدقاً به، وهذا الدافع موقوف على عملية صعبة، لا يتحمّلها إلا الإنسان الذي قد أخذ الإيمان بقلبه، لأنه موقوف على أن يدفع دمه، وجميع ما يملك في هذا السبيل، ولا يكفي أن يدفع ماله أو بعض جهوده، فهذه الروايات لو تمت سنداً لا تدل إلّا على أن الإمام الحسين (عليه السلام)كان واضحاً لديه، وراجحاً، أن هذه الحركة سوف تنتهي به إلى الشهادة في سبيل الله وشهادة كل من يخرج معه، وهو أمر كان يفصح عنه ويبيّنه حتى لمن كان يلتحق به، ويقول له عندما يلتحق: إن مصيرنا هذا المصير، فهل عندك استعداد لأن تكون شهيداً في سبيل الله وفي سبيل الرسالة، وإلّا فهم يريدونني، فاتخذ من الليل جملًا، كما قال لأصحابه ليلة العاشر (5)، وكما قال لمن التحق به في الطريق بعدما بلغه مقتل مسلم بن عقيل.
فهذه الأدلّة والشواهد تدل على معنى دقيق جليل سوف نذكره في ما بعد.
إذن، فالتفسير الغيبي بهذا الشكل نحن نرفضه، نعم يمكن أن نقبل التفسير الغيبي بمعنى آخر، وهو أن هذه العملية التي قام بها الإمام الحسين (عليه السلام)، عملية عظيمة جدَّاً، عملية بشرية قابلة للفهم البشري، من حيث مسوّغاتها ودوافعها وأسبابها، وهي عملية تريد الرسالات السماوية أن تربي البشرية عليها لتبلغ المستوى الذي تكون فيه مستعدة لتحمّل هذا العبء، ولبذل هذه التضحية التي بذلها الإمام وأصحابه، فالمسألة في أصلها بشرية قابلة للفهم البشري وتابعة للتكاليف نفسها المرتبطة بحفظ الإسلام والكيان الإسلامي ودفع الأخطار التي تحدق به، وحينئذ لا معنى لتطبيق مبادى مثل: «لا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة» وأمثال هذه الكلمات، كما بيَّن الإمام الخميني (قده) في إحدى محاضراته، فجميع هذه المقولات تسقط في
________________________________________

[الصفحة - 33]


مقام المزاحمة، وتضمحل أمام الواجب الأهم الذي هو حفظ أصل الإسلام والكيان الإسلامي، وهذا تكليف للبشرية جمعاء وليس مخصوصاً بالإمام، وكل من تكون له قدرة أكثر وإمكانيات للمنع أكبر كان التكليف موجهاً إليه أكثر، ويجب عليه أن يدفع هذا الخطر عن الإسلام، حتى لو كلَّفه ذلك دمه وأصحابه ومقامه الاجتماعي وأهله، فالقضية بشرية، والتكليف واضح ومفهوم ومعقول، وهو التكليف الذي كان أصحاب النبي والأئمة من أجله يندفعون في الغزوات والحروب، ويبذلون دماءهم رخيصة في هذا السبيل، إلّا أن ما صدر في زمن الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) كان في مقام تثبيت أصل الرسالة وتأسيسه وإيجاد أصل الأمة الرسالية، وهذه كانت في مقام دفع الأخطار وصيانة الأمة الرسالية عن الأخطار المحدقة بها، والفرق فقط بهذا المقدار، وإلّا فروح القضية وجوهرها واحد، وهذا التكليف حيث كان ثقيلًا جداً، والخطر المحدق كبيراً ومعقَّداً كان بحاجة إلى تضحية كبيرة، ليست من قبيل التضحيات العادية بل هي تضحية من أكبر التضحيات، فبعض الأمراض الجسدية قد يقتضي من الإنسان أعز عضو عنده، أو فقد شيء مهم جداً، في سبيل دفع الخطر الأهم، هذا الخطر الذي كان محدقاً بالأمة الإسلاميّة لم يكن يمكن دفعه إلّا بعملية ضخمة جداً، وهذه التضحية الكبيرة لكبرها وعظمتها كانت مرصودة منذ البداية في عالم الغيب، مرصودة ومنظوراً إليها في عالم الغيب على أنها لا يتحملها إلّا إنسان على مستوى الإمام الحسين (عليه السلام)المعصوم، أو من استطاع الإمام أن يربيه من الأصحاب، فجسامة التضحية وضخامتها تجعلانها تمتاز على التضحيات كافة التي ضحّى بها الأنبياء والأوصياء والصالحون من عباد الله... إن هذه التضحية عندما تقارن بتلك، نجد أن المأساوية في هذه التضحية، ومقدارها، وحجم الذوبان والفناء في الله فيها، أكبر من جميع التضحيات السابقة.
وعليه، فتضحية بهذه الأهمية والجسامة والثقل من المعقول أن تحظى باهتمام خاص في عالم الغيب من قبل الله، سبحانه وتعالى، ومثل هذه التضحية أيضاً لا يمكن أن يقوم بها إلّا المعصوم، ولولاه لما كان الآخرون مستعدين للقيام بها.
إن الغيبية بهذا المعنى لا بأس بها، لكن من دون أن نُخرج القضية عن بشريتها من حيث الدوافع والأسباب المفهومة والعقلائية.
________________________________________

[الصفحة - 34]


ويمكننا، في هذا السياق، التمثيل بالقضية العراقية، حيث يُعلم أن الظُّلم والاضطهاد اللذين أحاطا بها لم يمكِّنا من القيام بعملية واسعة وقيصرية تزيلهما من قبل أي شخص، حتى في الوسط العلمائي، ولهذا لم يستعد أحد لتحمّل هذا العبء الثقيل، إلّا الشخص الذي كان واقعاً من تربية مدرسة الإمام الحسين (عليه السلام)، ذلك الموقع المتميِّز، ألا وهو الشهيد السعيد السيد محمد باقر الصدر الذي كانت نظريته في القضية الحسينية هي النظرية التي امتزجت بروحه وقلبه وفكره، وله تصريحات تشبِّه (في بعض رسائله في أثناء الاحتجاز) قضيَّته بقضيَّة الإمام الحسين (عليه السلام)، فقد كان يقول: إن قضيتي سوف تكون مشابهة للقضية الحسينية، تماماً بالتفسير الذي كنّا نفسّر به القضية الحسينية، بحيث تحتاج إلى تضحية شخص بهذا المستوى، لكي تهزّ الأمة والمجتمع والضمائر، وتبقي هذه الهزّة من أهم عوامل إسقاط هذا النظام والقضاء على الخطر الذي قد يُمحي الإسلام نهائياً من العراق.
إذن فالمقصود هو الحالة الاستثنائية والإنسان الاستثنائي المؤهَّل كالإمام الحسين (عليه السلام)الذي يفاتح من عالم الغيب في المنام، مثلًا، فيجد رسول الله (صلي الله عليه و آله و سلم) يقول له: شاء الله أن يراك قتيلًا، أو تتنزل الملائكة عليه، وتقول كلمة من هذا القبيل كما جاء في موارد أخرى.
وهكذا، هو في طريقه إلى العراق، تأخذه حالة، فيسمع منادياً يقول: «القوم يسيرون والمنايا تسير إليهم» (6)، هذا كله يشير إلى ارتباطات بين عالم الغيب والإمام الحسين (عليه السلام)وعالم الشهادة، تثبّت من هناك هذا الإنسان الكامل والمعصوم.
وعليه، فهناك رعاية خاصة من قبل عالم الغيب، وهذه الرعاية كانت قبل قيام الحسين (عليه السلام)، فهناك نصوص دينية تؤكد أن آدم بكى على الحسين (عليه السلام)والأنبياء السابقون بكوا عليه أيضاً كما الملائكة في السماء، وهذه النّصوص جميعها مقبولة وصحيحة، لأن القضية لها هذا المقدار وأكثر من القيمة والأهمية والعمق والدور في حياة البشر، عمق التضحية والفداء الذي قام به الإمام الحسين (عليه السلام)في سبيل عالم الغيب وفي سبيل الله، وهي أعظم تضحية قُدِّمت في هذا المجال من قبل البشرية، بحيث لا توجد أية قضية تناظر قضية الإمام الحسين (عليه السلام)وتساويها، على هذا
________________________________________

[الصفحة - 35]


الصعيد، وهذا أمر تحدّثت عنه الروايات أيضاً، إن قضية الإمام الحسين (عليه السلام)فوق جميع القضايا الأخرى. فأن يكون لعالم الغيب توجُّه خاص لمثل هذه القضية وارتباط خاص بها وإعداد خاص كذلك، أمر لا بأس به، وهو مما نعتقده ونؤمن به، إلّا أن هذا غير ذلك التفسير المحدود الناقص الذي يجعل من القضية حكماً خاصاً ومخصوصاً بشخص معيَّن لا يتجاوزه إلى غيره، فتلك النظرية نظرية غير صحيحة.
(يتبع)
________________________________________

[الصفحة - 36]