البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

الكتابة والحية بين دريدا والخطيبي وآخرين

الباحث :  أ. إبراهيم محمود
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  51
السنة :  السنة الثالثة عشر خريف 1429هجـ 2008 م
تاريخ إضافة البحث :  June / 6 / 2015
عدد زيارات البحث :  1768

الكتابة والحية بين دريدا والخطيبي وآخرين

أ. إبراهيم محمود (*)

لم تظهر الكتابة أثراً دالاً على الإنسان إلاّ بوصفها حقيقة من حقائقه الوجودية الكبرى، ولم تفارقه وتنفصل عنه إلاّ لأنه وجد نفسه ملزماً بالكتابة كحقيقة مفارقة له، وشاهدة عليه، ولم يتم ذلك إلاّ بعد مقاومات نفسية وصراعات شملت وجوده الاجتماعي والتربوي والرمزي، وغدت بالتالي قضية متشعبة في دلالاتها ورهاناتها ومآلاتها.
فالكاتب يغدو بعداً من أبعادها لاحقاً، وتنوع تأويلات بحكم تحوّله نفسه إلى أثر كتابي، ولكنه البعد الخاضع للتحليلات والتأويلات التي ليس بوسعه الرد أو التعليق عليها، يصمت هو، حيث يتكلم أثره، ولكن كما يريد أو يرى قارئه، إنه هنا الغائب القابل للتشكل والتحول والتغير في كل قراءة لما خلفه وراءه، بعد أن كان الحاضر المتجسد بلحمه وعظمه وصوته وبصره. نعم، لقد توقف الكلام أو لم يعد المرسل خطابه مشفوعاً بإيقاعات معينة وتلوينات نفسية معينة، استحال الكلام خطاباً خطياً، واختفى فيه ما عدا ذلك من حضور للصوت وخاصية التهجئة وما يرافق هذه من سلطة رمزية، يبقى في الحالة هذه، الصوت المتخيل أو ما يعتقده القارئ أنه هو لا غيره.
أن تغدو الكتابة قضية شاغلة للإنسان(للمعني بها قبل غيره)، يعني ذلك حضور المتخيل بدوره الخطير وما يتبعه من آليات تحويل في الأثر المدون، ما من شأنه تعريضه للتحوير وللتشتيت أو للتقويل أو لسلطة نافذة هي سلطة القارئ.
في هذا المنحى نحن نعيش إشكالية الكتابة بمعنى مختلف، من خلال الأصوات الكامنة فيها، وكيفية تكوّنها وتجليات المعنى فيها. ثمة كتابة ضمن كتابة،
________________________________________
(*)باحث من سورية.


[الصفحة - 63]

حيث الصوت الأول المفترض يصارع غيره داخل النص(المكتوب)، إنها أصوات مستنطقة، تتنوع بتنوع القراءة، وربما القارئ الواحد ذاته عندما يجدد قراءته للنص بين فترة وأُخرى.
بالمقابل وفي العمق- أيضاً- تبرز الحية حقيقة مجازية، بل حقيقة وكفى، عندما نعتبر الحقيقة عبر تاريخها الطويل هي ما قيل عنها أو باسمها أو تمثيلها، فهي تتداخل مع المكتوب بصيغ مختلفة، وفي هذه الحالة تتبدى الحية في تاريخها الطويل كذلك، وعبر نصوص تضمنتها: ميثولوجية ومعتقدية ودلالية أو سيميائية أكثر، معرضة بدورها للاستنطاق، إذ كل من الكتابة والحية- كما سنرى- خلفت وما زالت إرثاً ثراً من التأويلات التي تعرّض نصوصاً مختلفة لقراءات شتى، أقلها هي أن النصوص هذه منزوعة الأطر واليقينية، وديمومتها هي في غناها المعرفي.
ما أحاول التعرض له في دراستي هذه «حيث لا أعرف كيف ستنتهي تماماً، طالما أنني أكتب، وكل جملة أو كلمة تضاف إلى أُخرى، أو تحل محل أُخرى، أو يتم شطبها، أو تثبيتها بنوع من الخوف والترقب والتردد المرتبط بأبعادها الدلالية لمن سيقرأها لاحقاً، حيث دونتها في وضع نفسي وعقلي محددين»، هو هذه العلاقة التاريخية المثيرة للتساؤلات بين الكتابة والحية ومن قبل كتّاب لهم باعهم الطويل(وبتفاوت) في مضمار المعرفة الإنسانية، ويرتقي تاريخ الدراسة هذه إلى مستوى إشكالي من حيث الرموز المستخدمة - ربما- كمفاتيح لاستبصار حركية المعنى وسواه في النصوص المحددة للدرس، وفي حيّز الكتابة الحيّاوية، فكل كتابة تقدم باعتبارها ذاتاً سمّية معينة، قد تقتل أو تعالج، ولا كتابة خالية من الصفتين، وعلى هذا تتبدى الى كتابة مثيرة للقراءة، ولكن السؤال هو:كيف تم تناول هذه العلاقة؟
هذا السؤال يجد جوابه الطويل المستند إلى قراءتي الخاصة طبعاً وفي وقت معين، في قراءات من سبقوني، هي ذاتها تأويلاتهم«كتاباتهم وما فيها من سُمّية موزعة»، حيث توقفت عند(جاك دريدا، وامبرتو ايكو، وعبدالكبير الخطيبي، وعبدالفتاح كيليطو، وجمال الدين بن الشيخ، وعبدالله الغذامي. . . )، وكيف كان تناولهم للإشكالية المذكورة، مع التأكيد بأن الذين ذكرناهم تفكيكيون بامتياز باستثناء
________________________________________


[الصفحة - 64]

(ايكو)، ولكن ليس على الخط نفسه، إنّ أن (دريدا) هو الحاضر بقوة في مجمل نصوص البقية.
دريدا في(صيدلية أفلاطون)
جاك دريداJacque Derrida يشتغل على النصوص، حيث إنني أعتبر الأحداث التي يكتب عنها عبارة عن نصوص، وهو يمارس تفكيكاً لها بطريقته الخاصة، كما هي الحال مع حدث 11 أيلول 2001، وحيث لكل حدث تاريخه، ولكل تاريخ بالمقابل محركاته وقواه الدافعة المعلنة والخفية في آن.
في (صيدلية أفلاطونla pharmacie de platon)، وهو فصل من فصول ثلاثة تكوّن كتابه(الانتثارla dissemination) الصادر عام 1972، يشتغل الفيلسوف الفرنسي اليهودي هذا، على نص رئيس للفيلسوف اليوناني أفلاطون427 ـ 347ق. م، هو(فايدروس أو عن الجمال) الذي يقال إنه كتبه حوالي عام 390ق. م تقريباً، تحف به نصوص أُخرى لإضاءة فكرته المحورية من الداخل، إذ لكل فكرة ذيولها.
كل ما في النص كمقروء أول يحيل على ما عداه، إلى متضمنه، حيث تتنوع أو تتعدد حالات الغياب والحضور المتداخلة في المقروء بنوع من الصراع الذي لا يهدأ، فثمة إزاحة لغطاء تلو غطاء، وتتبع للفكرة الشاغلة له من الجهات التي يعتبرها مثمرة له.
ما يهم دريدا هو هذا المسمى برهان أفلاطون على الخطابة، ولكن أي خطابة، وهو يتناول الحب بأنواعه، ويشدد على الحب الذي هو من نوع إلهي؟ إنها الخطابة التي تعزز من شأن الكلام وتذم الكتابة في مرجعيتها السفسطائية.
كيف تتم إدارة الموضوع؟ سقراط ممثل أفلاطون في نصه خير من يمثل وجهة نظره، إلى درجة أنه لا يخفي أفلاطونيته عبره، في تأكيده على حيوية الكلام، ضد أولئك الذين يدبجون مقالاتهم، وهم سفسطائيون، ويمارسون خداع المحيطين بهم، حيث يمثلهم أفضل تمثيل لوسياس. الخطابة أو لنحدد هنا، الكتابة لا تخلو من سمّية وهي تنتشر في النص المقروء، قد تكون قاتلة أو شافية بحسب بنية الفكرة أو
________________________________________


[الصفحة - 65]

تركيبها. و«هكذا يلتقي كل من السم والكتابة، الكتابة والسم على صعيد التركيب».
يعود دريدا إلى هذا النص، أو يستحضره، قاطعاً مسافة زمنية هي خمسة وعشرون قرناً، كما يقول في المقدمة، أو في البداية، لأن هذه الفترة الزمنية لا زالت تحمل في تضاعيفها أثر الماضي، حضور الكلام بوطأته«الموتى المعينون والمُنَمْذِجون هنا لا يموتون بقدر ما يشدون الأحياء، ومن نوعية منمذجة بالمقابل إليهم»، هي فترة شبه مفتوحة على آخرها. هكذا يأتي المطلع ذو القيمة المعرفية إشكالياً«لنعاود إذن، فلخفاء النسيج أن يستغرق في حل نسيجه قروناً» (1). النسيج عنده، كما يلاحظ، مفهوم ورقي، لكنه سابق عليه، لأنه يري أثراً ويخفيه كذلك، إنه ينبسط وينطوي مميَزاً بمرونة وقدرة على امتصاص الحبر، الأثر، على خزن أو اختزان المعنى، إنه نظير الصفحة المفتوحة.
ثمة سطور، هي مربعات أو تداخل خيوط النسيج، هي السطور وما بينها من فراغات تسمح بانفجار المعاني والتأويلات، وقراءة ما بين السطور عملية لا تتوقف، ولنقل ثمة سم مبثوث في النسيج، في الصفحة الموازية «على الورق، على الجلد، مع فارق في الإحساس بنوعية المادة المستعملة»، وخلل الكلمات المقروءة، لا بدّ من التمعين فيها وتبيانها من موقع معين: ذهنياً وشعورياً.
ثمة صيدلية هنا، وهي التي تسمى هكذا مقابل(فارماكون)، حيث فارماسيه في اليونانيةpharmakeia, (2)هي أيضاً اسم شائع يدل على تقديم الفارماكون، أو العقار و«السم حقاً» (3). لاحقاً يأتي التوضيح«أبعد بقليل يشبَه سقراط بالعقار(فارماكون) النصوص المكتوبة التي جاء بها فيدروس(الذي هو نفسه فايدروس في ترجمة أُخرى. توضيح من الكاتب هنا)، إن هذا الفارماكون، هذا العلاج، هذا الشراب الذي هو في الأوان ذاته سم ودواء، إنما يتسلل من قبل إلى جسم الخطابات بكل لبسه.» (4). هذا ما يُقرأ في حوار فيدروس مع سقراط، إذ إنّ فيدروس يحمل تحت معطفه مقالاً عن الحب للوسياس المعتبر وقتذاك عبقري الخطابة سفسطائياً، وحيث يعلم سقراط بأمره، وهذا بدوره يعلّق عليه سلفاً «يبدو أنك اكتشفت العقار الذي يدفعني إلى الخروج»(5). الكتابة تصدم سقراطاً «إن الكتابة والمعرفة الميتة والجامدة، المكتوبة في
________________________________________
(1)دريدا، جاك، صيدلية أفلاطون، ترجمة: كاظم جهاد، دار الجنوب ـ تونس.
(2)أفلاطون، فايدروس، أو عن الجمال، ترجمة وتقديم: أميرة حلمي مطر، ط. الأُولى، دار المعارف ـ مصر 1969.
(3)صيدلية أفلاطون: 21.
(4)المصدر السابق نفسه.
(5)المصدر السابق: 22.


[الصفحة - 66]

الأوراق المكتوبة، والحكايات المتراكمة والسجلات والوصفات والصيغ المحفوظة عن ظهر قلب، هذا كله غريب على المعرفة الحية والجدل غرابة الفارماكون على الطب» (6). العقار مادة أو مفهوم كيمائي، مثلما الكتابة مادة أو مفهوم تصوري ذهني متحول بمعنى ما. ثمة استشهاد بنص اسطوري في المحاورة هذه وعلى لسان سقراط، تتعلق بطائر مقدس هو أبو منجل، والذي يكونه أيضاً تووت، وهذا مكتشف الأعداد والحساب والهندسة والفلك والقمار والنرد معاً، أعلم حاكم مصر عصر ذاك بأهمية الكتابة، لاحقاً الملك لسوء العاقبة. دريدا يعتبر الإله الملك كمثل أب، ممثل اللوغوس«بل إنّ أصل اللوغوس هو أبوه» (7). الأب يعترض على طلب ابنه مؤكداً أهمية الكلام؛ لأنّ الكتابة تخلط بين الحابل والنابل، ويبدو أن دريدا يحيل الكلام إلى الكلم، إلى الجارحة(العضو الجسدي) والكتابة إلى المصمت، والجاري كبته، وهي لاحقة على الكلام، مثلما الابن يلحق بالأب، والذي يستمد جوهر مضمونه، حضوره الحقيقي من الأب، كما الكتابة التي تكون في حقيقة أمرها كلاماً هو جماع القوى الجسدية المتعاضدة. فالكتابة تهدد بالموت، فإلهها هو إله الموت «لا ننسى أنه في الفيدروس يعاب أيضاً على ابتكار الفارماكون كونه يحل الكتابة اللاهثة محل الكلام الحي، ويزعم أيضاً على الاستغناء عن الأب الحي وواهب الحياة، . أي عن اللوغوس» (8).
ثمة محسوسية جلية في توضيح العلاقة في مكاشفتها، إبقاء الآخر (الكتابة) في حالة غياب التمثيل لأنه الآخر، ويكون تحت المراقبة بالمقابل، فالأب يتكلم، حتى وهو في حالة صمت، من خلال تذكره، ولا تعدو الكتابة أن تكون الشبح الذي لا يستطيع الحضور في هيئة الأب بقوة الكلام.
دريدا يتابع أفلاطون المعني بدوره بسقراط كقضية فلسفية واعتبارية، يتمعن في فاعلية الكلمة عنده مقارناً إياها بالكتابة وموقفه منها. الصوت هو المطلوب خلاف الكتابة «يعمل الفارماكون السقراطي أيضاً كسم، كجروع، وكعضة أفعى سامة، والعضة السقراطية، أدهى من عضة الأفاعي، لأن مفعولها إنما يجتاح الروح، وما هو مشترك، بأية حال، بين الكلام السقراطي والجروع المسموم، هو كونهما يتغلغلان إلى الصميمية الأكثرخفاءاً للروح والجسم للاستيلاء عليها» (9).
________________________________________
(6)المصدر السابق: 24.
(7)المصدر السابق: 28.
(8)المصدر السابق: 45.
(9)المصدر السابق: 74.


[الصفحة - 67]

يلعب دريدا كعادته على الكلمات وبها، وذلك من موقع العارف بمفهوم اللعبة دلالياً، لأنه يجد الباعث في أفلاطون نفسه، هذا الذي يسعى إلى المطابقة بين الكتابة والعيد، بينها وبين اللعب «عيد معين ولعب معين» (10). في اللعب ثمة انطلاقة من كل جهة، ودريدا يقارن بين الفارماكون: السم السقراطي الموجّه والفارماكون الساحر المشعبذ ممثل الشر المستحق للطرد خارج المدينة لشرانيّته، ليفعّل دور الكلام «قورنت شخصية الفارماكون بكبش فداء، الشر والخارج، طرد الشر وإبعاده خارج (الـ) جسم (وخارج) المدينة، هاتان هما الدلالتان الكبريان لهذه الشخصية والشعيرة الطقوسية» (11).
وفقاً للهوى المعرفي الدريدي، يمكن القول، وعربياً هنا، أن إبراز العلاقة بين الكتابة والعيد، الكتابة واللعب، يؤكد فاعليته انطلاقاً من النظرة الدريدية إلى الكتابة كقضية، حيث الكتابة منظور إليها منزوعة الإطار، كما هو العيد: تجليات الرغبات المسموح بالإفصاح عنها، فلا شيء، لا حد يوقف الكتابة، إنها تتحرك في الجهات الست (الأفقي والعمودي يضافان هنا)، لا شيء يضبط العيد، بوصفه المجال الأرحب للتعبير عن الكثير مما هو مكبوت، كما ذكرت«فالعيد لا يستعاد بين الحين والآخر، وثمة فترة زمنية كافية بين الحين والآخر، إلاّ لجعل الاستعادة العيدية ذات قيمة»، الحركات الجسدية في عيديتها تكاد تكون دون رقيب في حيويتها «أهي ثورة، حرية موقتة محدودة إزاء بقية الأيام الأُخرى، وهي أكثر بالتأكيد، بوصف هذه كلاماً يمارس الرقابة الصارمة على الجسد في تراتبيته، والعيد بحركاته ونشاطاته ذات الطابع الكرنفالي أحياناً شبيه الكتابة التي تختلس الوقت من صرامته وتخلخل نظامه المعهود؟»، إنما دون أن نراهن على العيد بوصفه تجويز كل ما هو مفكَّر فيه، بوصفه إمكاناً وقابلاً لأن يكون فعلاً محتفىً به، واللعب بدوره قرين العيد أو إيجاد فسحة زمكانية لتجاوز ضوابط الجسد، إنما هو بدوره لعب ضوابطي، إذ ليس بالإمكان تصور ما ليس مفكَّراً فيه عبر اللعب، ثمة طلاقة للكثير مما هو ممنوع من التعبير عنه(كل الألعاب هكذا، رغم وجود قواعد لكل لعبة، وعليها مكافآت، ربما لتنشيط الجسد وتطليق قواه لبعض الوقت كي يرجع بعدها إلى سابق عهده(أي الجسد) إلى ما كان
________________________________________
(10)المصدرالسابق: 101.
(11)المصدرالسابق: 88.


[الصفحة - 68]

عليه من الضابطية والانضباط(الكلاميين هنا)، ولا يخلو اللعب من البعلية(من البعل)، من بعد إيروسي يعم الجسد، فهل الكتابة في حقيقة أمرها قضية جنسانية هذه المرة وثمة خوف منها (من انحلاليتها)، حيث الإيروسية بمعنى اللذة التي تتجاوز المفهوم الحرفي لها، فتكون لذة معرفة ولكنها تشمل عموم الجسد الذي يشارك في الكتابة، في اللعب، في العيد بمجمل قواه وأعضائه؟أهي عودة أُخرى إلى الطبيعة؟
ثمة دائماً مقارنة بين معنيين داخل الكلمة الواحدة ذاتها، متعارضين، كما حال الفارماكون، وحول المبرقش والملونpoikilon، حيث الخلاسية والشراب السحري والشراب العذب كما في venenum (12).
تتطور العلاقة بين المعاني، ويتم التصعيد بالفكرة «فكرة الكتابة وعلاقتها بالحية»، حيث يربط الكتابة بالرسم «الرسم كالنحت صامت. وموديله لا يتكلم، والكتابة صورة الكلام» (13). الكتابة تبقى متأخرة ومشبوهة، لهذا تبقى «الكتابة هي الابن البائس، هي البائس» (14). إنها الكتابة، التي هي بمثابة الخارج على القانون، أو المعتبرة الابن الضال، ويبقى سقراط هنا «الناطق باسم الأب وأفلاطون يكتب انطلاقاً من موته» (15). نحن هنا بالمقابل وضمناً بصدد كتابة للحقيقة، وعلاقتها بالبذور. . . «الكتابة هي أثر ضائع، بذار غير موعود بالبقاء، كل ما يبذر من المني بلا تحفظ، قوة تائهة خارج فعل الحياة، عاجزة عن الانجاب، عن ابتعاث ذاتها والنهوض، وبالنقيض من هذا يجعل الكلام المباشر رأس المال يثمر، إنه لا يضل القوة الباذرة صوب متعة بلا أبوّة» (16). أفلاطون الكلام وسقراط ناطق باسمه ولوسياس السفسطائي يمثل الكتابة العقيمة بالتأكيد أفلاطونياً. هنا تظهر الخلاسية أو النغلية أو النغوليةnothos «وعليه، فالتدوين أو النقش هو في الأوان ذاته انتاج الابن وإنشاء بنيانه» (17)، ويبقى هنا سقراط الفائز بتخريج أفلاطوني مع إلهه (بان)، ثمة مزاوجة هنا أيضاً، ولكنها ترفع من قيمته وتؤكدها، فهي لصيقة بالكلام.
دريدا يتحدث عن تاريخ الكتابة بوصفها تاريخ منع، هذا ما يراه هو، إذ الذي استمر في الفترة الزمنية التي حددها هو الكلام، الكلام الذي يستعاد عبر الكتابة، وهذه تتبعه أو تلحق به، حيث أفلاطون لم يمت، بل استمر وما زال يستمر في الآن في
________________________________________
(12)المصدر السابق: 89 ـ 90.
(13)المصدر السابق: 96.
(14)المصدر السابق 106.
(15)المصدر السابق: 108.
(16)المصدر السابق: 113.
(17)المصدر السابق: 123.


[الصفحة - 69]

نصوص مختلفة ينتقدها. الكتابة الصائتة بوصفها ميتافيزيقا الحضور حيث الصوت الحاضر دائماً، كما هو صوت سقراط المأخوذ سقراطياً عبر أفلاطون تمنع الاختلاف، وعبر النقد. الكتابة الفعلية هنا هي في حالة غياب، في حالة اللا تجسيد، كي لا يتم التفاوض مع ما يمثلها رمزياً، ويظل الكلام هو الرازح على العقل اللوغوس بوصفه حقيقته.
الثنائية بدورها قائمة هنا «من الملاحظ أنني أكرر أو أستخدم مفردة(هنا) كثيراً، ليس على سبيل العادة القسرية، وإنما لتأكيد وجهة نظر تخص ما نحن بصدده، حيث الـ(هنا) ليست مجرد إحالة مكانية وإنما وكالة حضور وراهنية، حيث يكون الكلام في حالة تأثير أو الكتابة تكون في وضعية معاينة نقدية»، لكن الثنائية هذه تبقى مشبوهة، بمعنى أنها تفتقد التماسك، إنها طيفية، منفََرة إن أردت. فالحاضر ظلي بارد(سيمولاكر، كما هو معروف)، بينما الغائب المتحدث هو المعتبر حقيقة، لأنه المرجع، من خلال الصوت الذي صار تدويناً، ومفهوم المبرقش كامن هنا، فيما هو جار البحث فيه، وبقوة.
دريدا يحلل سمية الكتابة، يحاول الكشف عن خلفيتها، ثمة خوف من الكتابة، لأنها تشي بالاختلاف، فثمة ما يمكن الجهر به، ما لا يتحدد، كونه الاختلاف العصي على التحديد، والذي يبرز في الكتابة، ولهذا كان تحويلdifférence (أي اختلاف) إلىdifférance (أي إرجاء أو تأجيل). إن (a) التي تحل محل(e) تعيد الاختلاف والمغاير إلى حالتها الأولية، وتعزز حقيقة التصويت نفسه، حيث (a) يكون الحرف الأول الأكثر قابلية للنهوية والتفضية( من الفضاء)، وهنا يكون التأويل نزيله كمعنى، وكل ذلك ينسف مفهوم الميتافيزيقا، ويبطل مفعولها، ويقصي المتكلم الذي لم يعد له حضور أو وجود عياني، لقد جاء جزءاً من أثره فقط أو صاره.
دريدا يعاين صيدلية أفلاطون، طبياً، ومن منظور ثقافي مدروس، يختبر فاعلية الأدوية فيها «وهنا تكون الأدوات النقدية، والكلمات مقابلاً لها»، يتأكد من مدى صلاحيتها للاستخدام، ونسب المعاني، وتواريخها، وكيف ركبت، وإلى من تتوجه، وكيف يتم توزيعها، وصفة تعيينها. . إنه يشمّع عليها إن جاز التعبير، كونه يواجه التزامات اللغة، وعليه سداد دين مستحق، أن يخضع للاستنطاق على طريقته. إلاّ يكون محتكر الكلام بوصفه فضاء الحقيقة، معينها ومهبطها، أن يعيده إلى حجمه
________________________________________


[الصفحة - 70]

الأصلي(هل يمكن ذلك؟)، ويعيد إليه صورته «ألسنا هنا مجدداً في مواجهة ميتافيزيقا طاغية؟»، يكون حضوره في نصه مقروءاً، لا مسموعاً، هذا هو الذي يجب على النص أن ينصاع له، لأنه بذلك يخلص لشرط تواجده وتناميه وإلاّ فإنه يحكم على نفسه، بما ينفيه، باللانصية، بتبدده.
يستثمر دريدا كل كلمة في محاورة أفلاطون، واختياره بذاته له ومن خلال نصه هذا لم يكن عبثاً، فعنده لا مكان للعبثية طالما يشدد على التفكيك، حيث كل كلمة فارماكونية. أفلاطون معتبر هنا مدشن الثقافة الأوروبية وأُسس الفلسفة. إذ يقال: الفلسفة ما قبل سقراط وما بعد سقراط، وسقراط هذا لا وجود لـه كفيلسوف إلاّ عبر تلميذه أفلاطون الذي نثر أقواله(فلسفته ) في نصوصه «أي فارماكون تخلل كتابة أفلاطون باسم سقراط؟». ولعل إجراء دريدا لم يخف دهشة وحيوية العناد المعرفي في إبراز ما كان يجول في ذهنه، أن يستنطق أفلاطون، ويفكك خطابه، مخضعاً إياه لمنهجه، كما اعتمد على سقراط، وأخضع السفسطائية عبر لوسياس لفلسفته ووجهة نظره.
في المحاورة فايدروس شبه ناقل ومتأثر. من يؤثر فيه ينال إعجابه، وهو يخفي مقال لوسياس تحت معطفه، بينما سقراط يصغي إليه ليدحضه، ليضع حداً لتاريخ، وليدشن لحقيقة ثقافية بذاتها، وأن يكون مقال لوسياس تحت معطفه، يعني هذا أنه المخفي والغائب، إذ طوال المحاورة لا حضور فعلياً للسفسطائي إلاّ عبر الآخر(وسقراط نقيضه تماماً). ثمة انتقام وخوف منه كذلك. فحضور سقراط عبر أفلاطون هو منح الكلام قوته ورهبة الحضور الدائم، أعني سلطته الرمزية النافذة، حيث النص المكتوب يكون تحت رحمته، أعني به خاضعاً لعسف معناه دون إمكانية للطعن ومعاودة المناقشة. ففايدروس لا يناقش، إنه سلبي أكثر مما هو إيجابي، أو هو صنيع أفلاطوني، هو حلقة وصل كالحد الأوسط أحياناً بين سقراط والنموذج السفسطائي، بل ربما جاز لنا القول في أن فايدروس يشكل وجهاً تآمرياً ليس على لوسياس وإنما على السفسطائي، عبر نصه المكتوب والمنشور على الملأ، بوصفه نص الميت، دون النص الحي: كلام سقراط.
والطبيعة ذاتها تخضع لتوجهات سقراط، حيث يخرج هذا فايدروس إلى
________________________________________


[الصفحة - 71]

مكان، يختاره ليتابع قراءة مقال لوسياس من خلاله، هناك الريف وهو يخاطبه«أما أنت فتبدو لي مع ذلك كأنك قد وجدت المخدر الذي أخرجني» (18).
الريف بالمعنى المتقدم يجسد حالة براءة معينة، عن الكلام المحض الذي لا تشوبه شائبة، ربما تمييزاً عن المدينة بخطابتها المشبوهة. يتوقف سقراط عند الطبيعة ليعبر عن إعجابه بها، وبصورة الطبيعة، مثلاً «آه، بحق هيرا، إنه لأجمل مكان تقودنا إليه! إن شجر الصبار هذا تمتد أغصانه في مساحة تساوي ارتفاعه، وشجرة الخشخشة هذه ما أضخمها وما أعظم ظلها. إن المكان لفي أوج ازدهاره ولا يمكن أن يكون أكثر عطراً مما هو عليه» (19).
هذا الوصف الأفلاطوني ليس اعتباطياً، إنما هو تتويج لحيوية الكلام، هذا الذي يتلون مباشرة بما هو معاش، والجسد بكليته حاضر فيه «بقواه وعموم إمكاناته»، وإلاّ فما قيمة قول كهذا، وسواه على منواله، وهو يصغي إلى مقال لوسياس عن الحب؟
ثمة زجر للكتابة وتأثيم لها، كما جاء على لسان الحاكم المصري لـ(تحوت) سيد الفنون والذي لم يخف امتعاضه من كلامه عن فوائد الكتابة «أما بخصوص الحكمة فإن ما قدمته لتلاميذك ليس هو الحقيقة بل مظهرها، فهم حين يتجرعون بفضلك المعلومات بغير استيعاب يبدون قادرين على الحكم في كل شيء بينما هم في معظم الأحيان جهلة لايمكن تحملهم ومن ثم يكونون أشباه الحكماء من الرجال لا الحكماء» (20). ثمة ربط بين الكتابة والعقوبة. الصور المرسومة صامتة، وكذلك الكلام المكتوب، فهو هو، لا يتغير. لا يتساوى في قراءته الذي يفهمه والذي لايعنيه منه شيء، ويصعب تحديد اتجاهه. . الخ (21). هنا تكون الكتابة كالبذور التي تستمر. بذور العلم في النفس مع قواعد الجدل لتبقى خالدة، وتسعد الإنسان (22).
كل ذلك يتم وفايدروس متابع شغوف بصوت سقراط الذي يطلقه دعاءً في النهاية «أيا(بان) العزيز، يا آلهة المكان جميعاً! لتنعموا عليَّ بجمال النفس الباطني، أما فيما يتعلق بالخيرات الأُخرى الخارجية فلتجعلوها تناسب ذاتي» (23).
كيف تعامل أفلاطون مع موضوعه؟ كيف تصور الكلام إزاء الكتابة؟هل أنقذ هو نفسه, ذاته من السم المشار إليه؟ لقد فتح أفلاطون وعبر سقراط جبهة دفاعية،
________________________________________
(18)في ترجمة كاظم جهاد، لـ(صيدلية أفلاطون) نقرأ العبارة المترجمة هكذا: «أنت، مع ذلك، يبدو لي أنك اكتشفت العقار الذي يدفعني إلى الخروج ـ ص 22».
(19)أفلاطون، فايدروس أو عن الجمال: 43، مصدر سابق.
(20)المصدر السابق: 125.
(21)المصدر السابق: 126.
(22)المصدر السابق: 128.
(23)المصدر السابق: 132.


[الصفحة - 72]

ومن الذين وقفوا خلفه ضد الذين اعتبرهم سيئي السلوك، أو المسيئين إلى الفكر باعتمادهم الكتابة، وأعني بهم السفسطائية، «والسفسطائي نفسه يعني الحكيم»، استحضر في محاورته هنا الكائنات الحية كلها. فالآلهة المركبة والمسوخيات والنباتات والبشر يتلاقون في العمق، ولكنه في خدمة الصوت. وهو يؤكد على الحب من نوع آخر، راق، أي الهوسmani، لأنه إلهام من الآلهة، حيث ينتشر في الجسد كله، هذا الحب هو ذاته عقاب إلهي. فارماكون رباني ينعش الجسد في عمومه كما هو الكلام الذي يتضمن الحب في عموم قواه وانفعالاته، حيث الكلام يتردد صداه، يؤثر في الحضور، يمكن لصاحبه أن يرد على سؤال، هو عصيّ على التشويه والإساءة إليه لأنه؛ حضر بشخصه.
وهو بمثابة النفي لكل قيمة للكتابة المعتمدة من قبل السفسطائي، وإبطال لمفعولها وكل حركة فيها، إن كتابته تغدو مقوءاً من قبل أي كان. هكذا تكون المدينة، وثمة بلبلة من وراء ذلك، لأن السفسطائي كما يظهر، مناهض لما كان يجري، إنه متمرد على طريقته، يكشف عما هو خبيء في المؤسسة المدينية، ولقد جاء أفلاطون دفاعاً عن المؤسسة هذه، وثمة توزيع للأدوار، حيث الحاضر الأكبر في المحاورة هو سقراط، وهو نزيل محاوراته عامة والمحور المفعّل فيها، ويبقى السفسطائي الغائب باستمرار أو الحاضر من خلال قول أو بعض أقواله التي ترد على لسان الخصم، لكنه الشبح المهدد للآخر الذي يقتنص كل الفرص الممكنة للحضور أو لإقلاق الآخر(الأفلاطوني)، الذي يحيل سقراط إلى صوات، هو صوته، هو حضوره الذي لايني يتجدد، والفاعل ولو كان غائباً، حيث لم يدوّن ما كان يقوله، وجاء أفلاطون ليصير بوتقته أو صار لـه البوتقة khora، حيث الوعاء مميّز بنوع من سيماء القداسة المضفية عليه، مع ما فيه من ماء علامة خصب وديمومة ووعي ضمني بالمقابل، كونه ينفتح خدمة للكلام المسترسل الحيوي ذي الجرس الفاتن.
كل ما في المحاورة نقيض الكتابة التي يذمها، حتى لا تغدو هذه شريكة لكتابة أُخرى كانت في الأصل كلاماً (كما هو كلام سقراط). يستحضر أفلاطون كل مهاراته اللغوية، وثقافته في حلبة الإقناع وقوة الحجة لترجيح كفته، الفارماكون هو فارماكونه.
________________________________________


[الصفحة - 73]

لنقل: حيته التي تشفي، حيث الحية تتضمن الرموز الدالة على الزمن والديمومة والموت. . . (24).
الفارماكون خلاصة تأمل وملتقى كائنات طبيعية، ومن هنا كان تركيزه على العقار(الفارماكون) الموجود في الطبيعة أصلاً، واعتنائه بالنبات تابعاً لما سبق ذكره، ولهذا توقف دريدا عند هذه المفردة ونقّب في مقوماتها التي لم تسمّ، حيثDissémination التي تعني الانتثار، تفيد الصيرورة والتشعب، وهناك من ترجمها بالبعثرة والانتشار، لكن الانتثار، من النثر(نثر البذور)، ولها علاقة بالإخصاب (25)، والحية ذاتها رهينة كثافة رموزها ككائن حي مميز، ومتداخلة مع النبات(الحديقة مثال حي هنا)، وفي الانتثار ثمة ما يحيا ويموت ويحيا من جديد، وهنا تحضر مفردته التي يشدد عليها وهي traceأي الأثر، وضمناً الاختلاف مع التأجيل (حيث a يتداخل بدوره مع e). أفلاطون يغيّب لوسياس، يبقيه الغائب تعبيراً عن ذمه للكتابة. ويبدو السم بدوره الغائب الحاضر من جهة أُخرى. فسقراط هو الذي تجرع السم المميت ليموت ولكن ليحيا في جسد الابن(الكلامي)، الابن هنا جارحته، خلفته، أي أفلاطون، بعكس الكتابة فهي منزوعة الأبوة، وهنا تكمن المفارقة المذهلة: سقراط ممثل الكلام مع سمه الدواء، وهو لا يعد خليفته وهو أفلاطون، الابن الذي سرعان ما يغدو الأب المقلق، كأن هذا تمنى قتل أو موت معلمه الروحي( أبيه الروحي) ليتحدث باسمه ولكن ليكتب كلامه من باب توثيقه. الابن البار لصيق الأب العطوف الرحيم بعكس السفسطائي الذي يفتقد المرجعية عنده، حيث يعدم الأب، يحرمه من الأب، رغبة في قطع نسله المعرفي، ولهذا برز السفسطائي نغلاً أو هجيناً، وهذا يذكّرنا بمفهوم الخنوثة أو التشوه الاثنيني الذي يعدم البقاء أو الذي يخيف ويتطلب إثر ذلك ضرورة التخلص منه أو إبعاده.
لوسياس موقوف هنا أو شبه معدم، لأن كتابته تتداول في غيبة عنه، وهو منزوع الحاضرية، فهي كتابة لا تخفي سميتها، رغم كونها كتابة قابلة أو جديرة بالتقدير، ولكن صاحبها لا يستحق اسم محب الحكمة، فيلسوفاً، رغم تردده في ذلك، حيث سقراط يعتبر لقب(حكيم) كثيراً عليه «لا يناسب إلاّ الآلهة» (26). ولهذا كان قوله الأخير،
________________________________________
(24) أُنظر حول ذلك يلبير دوران، الأنتروبولوجيا: رموزها، أساطيرها، أنساقها: 294 ـ 295، ترجمة د. مصباح الصمد، ط. الثانية، المؤسسة الجامعية ـ بيروت 1993. وقد أنجزت كتاباً كاملاً عن (الحية) من منظور أنتروبولوجي، سوف يصدر لاحقاً.
(25) يورد المترجم كاظم جهاد(semence)، ويربطها باليونانية (semens)، وهي تدل على البذور،وعلى النطفة بمعناها التناسلي الحسي، وأن قراءة المفردتين تفصحان عن هذه العلاقة.
(26)المصدر السابق:130.


[الصفحة - 74]

تحت بند(دعاء الحكيم)، التفافاً عليه وزعزعة له . وأعتقد أن لم يسمه ( لم يعطه اسماً وليس لقباً، والفرق كبير) إلاّ لأنه لو لم يفعل هذا، لما كان لمحاورته معنى، أعلى من شأنه قليلاً لتكون المواجهة مقبولة لاحقاً . لكن ثمة تعسفاً في الإخراج الأفلاطوني لمحاورته, وهو حاضر بوجود سقراط، مثل من يمارس حكم شخص وهو في حالة غياب قصداً، إذ إنّ لوسياس لا يحضر، وعبر نصه المكتوب سوى مرة واحدة، بينما بقية المحاورة تكون باسم سقراط. وهنا مكمن خوف أفلاطون من الكتابة ومضاعفاتها أو تأثيراتها الساحقة بالفعل. سقراط كان ضحيته بالمقابل، هذا واضح، يجري تمثيله بعد موته، من أعطاه حق التمثيل هذا؟ لكأنه تجرع السم عن طريق السفسطائي، والسم ذاك قضى عليه جسمياً ولكن بقي روحياً، لقد تكلم عبر أفلاطون، أم تم تكليمه؟ وهو يقاوم الكتابة المسمومة سفسطائياً، بكلام مكتوب مقاوم للسفسطائي، والذي تم تغييبه وهو حي، مقابل إحياء سقراط وهو في الأصل ميت. من يمارس تسميم الآخر هنا ياترى؟ ثمة لعبة بارعة في الحالة هذه، ولكنها مأساوية، ولا تخلو من ثغرات.
فأفلاطون يقدم السفسطائي ليتحدث ولكن مكتوباً، ثمة عريضة تحمل اسمه، صوته المكتوب على حد زعم أفلاطون. ثم يزحزحه جانباً ليبقيه موضوعه الرئيس في توضيح فكرته. إن النص السفسطائي (لوسياس كنموذج) قد تشرّب الحبر/السم (المادتان قابلتان للامتصاص وتغيير الجسم الذي تشرّبهما فيزيولوجياً وفورمولوجياً)، فلم يعد قابلاً للبس. الكتابة هنا لصيقة الحية التي تلدغ وتفرز سمها القاتل أو المهدد بالموت، ولكن الفارماكون هذا تتحدد كميته من خلال سقراط (رهان أفلاطون)، ولا مجال لأي مراجعة. يبقى كلام سقراط الفارماكون الدواء بحسب كمية محددة للإحياء، ويعني أن الفارماكولوجيا (pharmacologie :علم العقاقير أو الأدوية)، يتبدى وفق منظور لوغوسي أفلاطوني، وهي لعبة (أفعوانية) أفلاطونية بالمقابل لا تخلو من شبهة، إذ إنّ لوسياسياً معدوم الأب، ولهذا يكون منزوع الأصل«نغلاً يكون، خلاسياً أو مبرقشاً، والمبرقش تذكير بسم الحية المنتشر في الجسم، حيث يتبقع خارجاً بتأثير السم (أبيض وأسود)»، رغم أنه يستمد قيمة الكتابة من أصل هو الكلام الذي خص
________________________________________


[الصفحة - 75]

به أحدهم، ولكنه مفقود، حيث لم يبق لـه أثر. وعلى هذا الأساس كان استشهاده بالأُسطورة المصرية بطائر(أبي منجل) «هذا الكائن الحي المقدس مبدع الكتابة والفنون والفلك، فيمنح القيمة المثلى للملك عن الإله، للأب ممثل الكلام وليس لتحوت. فطالما أنه يتكلم يكون حاضراً، عصياً على الاختراق، يكون كلامه فارماكوناً(عقاراً أو دواء)، خلاف الآخر أو المستبعد، والمستحضر عبر مقال تتم قراءته على ذمة أفلاطون، حيث يمارس قتله مرتين، بسمه داخله وعن طريقه حين يبقيه بعيداً، فكل شيء يتم من خلاله. فهو في الحالة هذه ضحية مضاعفة، وعلى طريقة دريدا يكون الابن المضحّى به إعلاء من شأن الأب المستبد وبشكل مضاعف، بإبقائه دون أب لتسفيهه، وتسميمه إثر ذلك، والتمييز عنه، يجعل خطابه بلبلة.
يذكرنا الفارماكون هذا، بالعقار، لا بل ما إن نلفظ الفارماكون كمفردة، حتى يكون العقار جاهزاً، والعقار هذا يدل على الأرض والمال الثابت وعلى البيت المملوك والخمر كذلك، والخمرة نزيلة المفردة التي تعتّقها المعاني، أو تتقاسمها التأويلات كلما تقادمت، ويذكرنا بالعاقر وعدم الانجاب». . الخ، فثمة دلالات كثيرة للعقار أو المخدّر الذي يذكّرنا بدوره بعملية معينة، أو إجراء تغيير في الجسم. . . . فأنى اتجهنا نكون إزاء معان تتشعب، عبر أكثر من ثنائية، وكذلك يغري دريدا بالكتابة، حيث يفجرها من الداخل، إنه يستهدف قتل أفلاطون بالذات، إسكاته ليس بمعنى الحجر عليه، وإنما وضعه في حيّز التاريخ. لقد صار يتكلم منذ خمسة عشر قرناً، مسيطراً على الثقافة الغربية، ممثلاً الميتافيزيقا، في جعل المفكّر فيه المثال على طريقته، ولكن في جعل ما هو المثال المفكر الوحيد فيه، وبذلك يكون مانعاً للاختلاف، حيث ممثل الاختلاف يشكل أو يكون نغلاً أو هجيناً، خلاسياً، لا يعتد به، وها هو يقدم بطاقة ولادة باسمه، يكتشف أباه. فالكاتب متكلم بالضرورة، وإلاّ فإن أفلاطوناً نفسه يكون نغلاً حاملاً السم الزعاف في نصه، لا بل إن نصه يكون المرشّح للسم الزعاف ومجدّداً إياه وفيه، حتى لو كان يحتمي بسقراط الأب الحامي والممثل أفلاطونياً، كأنه لم يكن هناك من يحيله إلى كائن كتابي، من يستعيد سواه. يحضر الأثر هنا ليعزز الاختلافات كما هي البذور، وهذه نصوص متداخلة، فثمة من يتكلم ليكتب ويكتب ويبقى نصه
________________________________________


[الصفحة - 76]

معرضاً لقراءات لاحقة، وهكذا. .
دريدا ينسف المركزية أو التمركز على العقل، هناك باراديغمات إذاً، لكن ألاّ يفعلها تماماً؟ هل المركزية منعدمة؟ هل نسف المركزية بالضرورية يعني اللامركزية أم مركزية من نوع آخر؟ هل يبقي دريدا الصوت الذي يعرّف به نصه؟ وبصورة أُخرى: هل هو حقاً نابذ للفلسفة في نسقيتها، وعبر مبدأ الإقامة، فيقدم نفسه الرحالة دائماً، ودون مركز؟ هل يعرّف بنفسه دون أب، لكي لا يكون هو بدوره أباً؟ أليس الذي يكتبه ممهوراً بالتعسف، بالمراوغة؟ فهو نصير الكتابة دون وصاية، لكن دون أن يكون محامياً للوسياسي أو خصماً لأفلاطون، إنه مسكون بالعقل غير المتمركز على ذاته. أهكذا يكون؟
ثمة خوف من الاعتراف بأنه فيلسوف، بأنه يركز على فكرة معينة تتشعب في كتاباته، حتى لايتأطر، أو لا يتم إخضاعه للمبدأ الذي اعتمده في كيفية اشتغاله على نصوصه المختلفة، ثمة معايشة للفلسفة كتاريخ بوصفها التاريخ النسقي، المتمركز على الذات، أو لأن الفلسفة منظور إليها في سياق الإحالة المستمرة إلى مثال يتحدد داخلها، نموذجاً أوحد، لكنه يقدم نفسه الأب بامتياز عندما يلح بطريقته تلك، هو ينثر نصه ليكون حصاده وزاده. فأي نوع فارماكوني يكون؟إذ رغم تأكيده على مفهوم رئيس في كتاباته هو الأثرTrace، والذي يشدد عبره على خاصية الإمحاء، على غياب الكاتب، أو على حالة اللاحضور، إلاّ أن الحضور بيّن، أو تظهر الميتافيزيقا بصور مختلفة وهو يقرأ نصوصه، وخصوصاً مرجعيته اليهودية، ولو في معناها العام، حيث يمنحها علامات فارقة على صعيد الترميز كما في حالة قتل الأب وما تكونه أو تمثله. الكتابة هنا لا تلغي الأب، بقدر ما تبقيه الأب النموذجي، الأب الشبحي أيضاً، الطيفي كذلك، الباراديغمي في التحليل، فيكون في المحصلة: الميتافيزيقا، وعبرها، من خلال التشديد على خاصية الأب اليهودي، بوصفه الأب المغاير، كأنه يريد أن يكونه، وهذا يعيدنا إلى أُسطورة الكتابة الأصلية (إذا كانت أصلية بالفعل كتحديد تاريخياً)، اسطورة الحية المتهودة بالمقابل، ويكبر فعل الخطيئة هنا. إن الأب لم يمت هنا«عندما يتم التركيز على(هنا) الخاصة بفعل الخطيئة»، كما يرى ويثير دريدا، بقدر ما وجد نموذجه الممتد
________________________________________


[الصفحة - 77]

حاضراً ويبتغيه مستقبلاً، هو تفكيكيّاً نفسه، لكأن الكتابة المدونة هنا هي الكلام الذي كان، هو ذاته مسموم بصيغة ما، بالقدر الذي يوحي بالدقة، كون المرجع ميتافيزيقياً، وهذه تستحضر عنصر الصوت ولو عبر المتخيل، أو بالمكر اللغوي.
عبد الكبير الخطيبي
لا يبتعد عبد الكبير الخطيبي الكاتب والمفكر المغربي عن عالم دريدا من حيث القلق الذي يسم كتاباته النقدية والأدبية، وإن كان قلقه من نوع خاص، أو مختلف، بوصفه ينتمي في الأصل إلى عالم جغرافي وثقافي مكاني مغاير، رغم التشارك اللغوي، ودون إلغاء نقاط الاشتراك من جهة غربة الهوية واللغة والأمل الصعب التحقيق، كما أشار إلى ذلك بالذات (27).
الخطيبي يعتبر نفسه كسابقه رحالة، في حالة هيمان، مأخوذاً بفضائيات الشعر «إنني أعتبر نفسي لا مفكراً ولا فيلسوفاً، ولا حتى ناقداً، وإن كنت أستعمل أحياناً هذا المفهوم الفلسفي والعلمي أو ذاك، غير أنني أحاول أن أسير نحو القصيدة» (28)، يقول أو يقرر ذلك كأن التسمية تؤطره بدوره، وهذا ما نتلمسه في خاصية القصيدة، وما تتطلبه من جموح وجنوح وطموح وسفوح نحو المتخيل وفراهية الذات، وتحرر من الأوابد النفسية والأُصول والطلول وفلول الآبائيات والقواعد المعسكرة للكتابة الفعلية بجدتها. ثمة أفلاطون معكوس معكوس رغم الرهان على الكتابة، فالأمل المعقول هو في الهامش، إنه بذلك ينتقد الميتافيزيقا كسلطة اتباع أو تابعية، هكذا يعرّف بنفسه «بماذا ينطق التراث، كل تراث؟إنه ينطق بإقامة الإلهي في قلوب البشر وعقولهم. وقد احتضنت الميتافيزيقا هذه القامة منذ إقامة الفكر» (29).
هذا ليس تحديداً بقدر ما يكون نقداً، بقدر ما يتبدى خوفاً من الحضور الذي يلغي الاختلاف، إنه مبدأ الأثر الدريدي الداعي لإمحاء الآخر كصاحب سلطة رمزية موجهة للكتابة وأُصولها بطريقة طوطمية أو شعائرية لا فكاك منها، وربما دعوى تحرر أو خروج إلى الفضاء الرحب وإبقاء الآخر في مكانه مع إخضاعه لكتابة مغايرة، وهي الهامشية، حيث أذكر هنا مجدداً مفهوم الهامش الدريدي عبر كتابه (هوامش الفلسفة)
________________________________________
(27)voir;Jacque Derrida: Le monolinguisme de l,outré-Galilée-Paris-1996-p21
(28)الخطيبي، عبد الكبير: النقد المزدوج:86، ترجمة أدونيس وآخرين، دار العودة ـ بيروت بدون تاريخ.
(29)المصدر السابق: 13.


[الصفحة - 78]

ومنطلقاته اللانصية، وهو الذي يوضح ذلك «إن فكر الـ (نحن) الذي نتجه إليه لم يعد يتموضع أو يبدل موضعه في الميتافيزيقا، بل على هامشها. وهو هامش يقظ»، وكذلك «وحده الخارج الذي أعيد النظر فيه، بقدر ما يمزق حنيناً إلى الأب، ويقتلعه من التربة الميتافيزيقية، وعلى الأقل يوجهه نحو مثل هذا الاقتلاع» (30). كلام كهذا لا يختلف عن كلام يقوله شاعر متفلسف، أو فيلسوف يتحصن بلغة الشعر، الخطيبي يستعين بالأمكنة لدعم وجهة نظره «الخارج والداخل، الحاضر الابن والماضي الأب، نمو الكائن غير المرغوب فيه واقتلاعه بكل ما في الإجراء هذا من عنف متشظّ، ظاهر التربة وباطنها. . ». لم تعد الفلسفة هي المرفوضة، ثمة تباه تمثيلي بالذات، الفلسفة عصية على الامتلاك، الصياغة الأدبية(الشعرية المجنحة) للفكرة لسان حالما يمكنه التفلسف كما يتصور، الفلسفة بعمقها الرمزي تشكل ارتحالاً في المكان بؤرياً، تكثيفاً للأفكار. الخطيبي يراوغ ذاته على حقيقتها مجازاً. تلك الرهافة في المتخيل تخفي ألم الرغبة وقسوة في الكتابة، حيث المنشود لا يتحقق إلاّ بتجاوز الأب، والأب هنا يتضمن الذات بوصائيته. الماضي الذي يلغي الحاضر، والميتافيزيقا التي تراهن على الصوت باستمرار، وتذم الاختلاف. وليس الهامش، أو الهامش اليقظ، والخارج، والاقتلاع سوى مترادفات لمعنى واحد، هو كيف يمكننا أن نكون لا كما يراد لنا إنما كما نريد نحن أن نكون. ثمة مضاهاة الكتابة بكتابة أُخرى تعمل عليها وتتجاوزها. الفارماكونية لا تتبدد إنما تتعدد. ولكن النظر بدقة، يري أن ثمة فارماكونية النص الذي يلغي ما عداه، هو النص الأبوي : الميتافيزيقي، المعيق للاختلاف، وفارماكونية النص الذي يبدع، ينادي بالاختلاف في وجه الأب، يقيم في الهامش الذي يعني استشراف المستقبل. إنها الكتابة التي لا تريد أن تسمى باسم من الأسماء المعهودة ذات العلامات الفارقة والسيئة الصيت. هي كتابة لا تنص(على) إنما تنص فقط، لكي تبقى معرضة للاختلاف، كتابة دعوية من ناحية، وهي تشي بتمتعها بالحرية خارجاً، عبر الهامش اليقظ. الأب يعتبر هنا الداخل، والحاضر الذي يتكلم، إنه الموت، ولكنه ذاك الذي يبتلع الحياة، أو يتهددها، هو حالة الإغلاق الذي يمنع الضوء من التسرب، فهو شبيه القبر، شبيه مستعمرة العقاب لـ (كافكا)، هو الثبات المعيق لكل من يفكر
________________________________________
(30)المصدر السابق 14ـ254.


[الصفحة - 79]

بتجاوزه. إنه الأب الأُسطوري الذي يبتلع أبناءه، هو كرونوس ذاته، المتجدد لكن دون تغير، الأب الذي يتكلم رغم أنه مخلف في النص، ولكنه النص الذي يشير إليه، ويعرّف به، ويؤيد سلطته الرمزية، صوت لا يتوقف داخل المكتوب. نحن هنا إزاء صيدلية: الخطيبي.
وهي كتابة تبشيرية، طالما يفصح من جانب آخر بالخارج الذي يعني معايشة الضوء والفضاء الطلق ومعانقة الذات الشخصية، والقدرة على الكلام المختلف دون خوف من شبح الأب المحفوظ في الذاكرة الجمعية، والهامش هنا يغدو عتبة العالم والتاريخ، وجلاء الكينونة، لا أبوية هنا(هل هي أبويات؟)، لا قتل للأب إنما إعلامه بالتزام موقعه فقط، أو حدوده التاريخية، يكونه أيّ كان. . التشكل الكينوني يظل متعدداً في مقوماته التاريخية، والفارماكونية هنا تبدو مغايرة بالقابل، فهي لا تقوم على التأسيس إنما تتحرك وتتفاعل مع نصوصها المتعددة. لكن أليس هذا هو إدخال الأب، اعتباره داخلاً، حيث نعيش هاجس الأب الذي يستمرئ سلطته، أبويته، داخليته المحصنة، اتباعيته، يستمر في إقلاقه للأحياء حتى وهو مقصي عنهم، هو ميت، إنه قائم مقيم في التراث الذي يتمحور حوله بمعان شتى. الخطيبي، يمكن التعرف إليه عبر نصوصه وهذه كثيرة، يقارب كيفية النيل منه أحياناً لإبقائه أباً وكائناً محكوماً بالموت، أعني بضرورة إخراجه من الموقع الذي يحتكره رمزياً، وهذا ما نتلمسه في نصوص اعتبرت عوامية (من الثقافة الشعبية)، كما في قراءته لـ (ألف ليلة وليلة)، فمفهوم الحكاية يعني استدراج الأب(شهريار) هنا إلى البؤرة التي تضعه في حدوده الإنسية والتاريخية، محكوميته بالمحدودية والفناء تالياً. حيث السرد هو شبح حكايات، هو بلبلة لوعي الآخر(الأب) الذي بات يصغي إلى ما يستثيره، يصغي إلى ذاته، وفي الوقت نفسه إلى المجهول فيها. تتجلى محدوديته في أنه وقع في أحبولة الحكي «وإذا كان الحكي هو هذا الخطر الذي لا يغتفر، وإذا كان دائماً مقترناً بتضحية، ومتطلباً لفدية تفدي جسمه الذي يلعب به كأنه لعبة زهر النرد، فإن الحكاية تجابه، داخل تيهانه، ما لا يستطيع قط أن يتملكه بدون افتتان وبدون فتنة، فتنة الموت ذاتها، وهي تمنحه ملجأ في جسد الحكاية لدرجة أن القص والموت يكونان إشارة ظل مجسد» (31).
________________________________________
(31)الخطيبي، عبد الكبير: في الكتابة والتجربة: 118، ترجمة: محمد برادة ، ط. الأُولى، دار العودة، بيروت 1980.


[الصفحة - 80]

ثمة تفكيك لصمت النص، الذي يعتبره الكاتب الصمت المحرض على الكلام، أو على الاستنطاق، الصمت المريب باستمرار والمثير في آن، ولا نص(أيّ نص قبل كل شيء) يمكن تحييده بوصفه لا يملك ما يجعله أهلاً للكلام الآخر، أو للاستنطاق، من جهة البحث عن ملكية معناه. إنها قراءة فارماكونية له، حيث الخطيبي يتحدث عن دلالة الحكاية القصية، ويستحضر النرد ورميته (وهو حضور قوي للفارماكون)، وحيث لا يمكن للحكاية أن تستمر إلاّ بالإعلان عن عصاها وقد انقلبت حية تسعى، بدون إحداث تفاوت قوىً. وهذا ما حصل بين شهرزاد وشهريار، فالليلة تمتد، والحكاية تتجاوزها، ولا يعود للنهار معنى. الليلة تستجر سواها أو ليلة أُخرى فأُخرى. . وهكذا دواليك؛ لأن الحكاية لا تتوقف، طالما الموت يتربص بها الدوائر، «عم، النهار هو زمن الكد والتعب والقانون والليل هو مجال حركتها المتأججة» (32).الملك محكوم بسلطته، يبدو الأمر كذلك لأنه يتقدم حاكماً، ولكنها الحكاية التي تقض مضجعه ـ ولهذا السبب بالذات- بنهايتها التي تمتد عبر حكاية إثر أُخرى «شهرزاد تحكي والنص يكتب، وأنا أخطط لليلة البيضاء» (33).الكتابة، كما يلاحظ، تؤصل للكلام، نتلمس هنا تقرير مصير. غنى تاريخ مختلف. ثمة هامش يتسع، مشعاً هنا، هو الذي يلاحق النص الشهرياري الموجود أصلاً، نص ملكيته للكلام، للسلطة التي أبقته وتبقيه طويلاً الفارماكون كما يريد: الداء والدواء. يتضح هذا عندما نتعرف على حكاية الطبيب (دوبان) مع الملك، حيث شفي الملك على يديه، فيأمر الآخر بقتله، لكنه يقدم له كتاباً للانتفاع به، ويبدأ بقلب صفحاته المتلاصقة المسمومة. وهي تتتالى. لقد كان الكتاب فارغاً، لقد مات الملك إلى جانب الطبيب. كان ذلك الكتاب العجيب روعة الكتاب «إن الحكاية لا تقول تدقيقاً بأن الكتابة تقتل وتسمم وإنما الكتاب الأبيض والصفحة البيضاء هي التي تقتل، كأنما الحكاية طرس للكتاب والكتابة سبقت سلطة كل صفحة بيضاء: قراءة ما لم يكتب قط، والاستماع إلى ما لم يتلفظوا به من قبل، ثم الموت بتأثير من هذا الفراغ المذهل، وفي مجموع السلسلة ينسج هذا المبدأ قانونه» (34).
إن ما يخيف هو ما لا ولم يتحدد، وهذا قانون وإن لم يتحدد. ويحدث هذا في
________________________________________
(32)المصدر السابق: 119.
(33)المصدر السابق: 125.
(34)المصدر نفسه: 122.


[الصفحة - 81]

كل مكان يتأبد نصياً. في مثال شهريار كانت ليلته البيضاء هي في أن يصل إلى حيث يريد، كان يفكر باللذة، لذة الجسد وقطع الرأس، في الحالة الأولى حضور الدواء كما يعتقد، وفي الحالة الثانية حضور الداء (السم)، ها هي الحكاية تدخلت، تلك هي لذة أُخرى، لكن هذه الأخيرة تقلب الموازين، فالحكاية التي كانت تفتنه «وكان لا بدّ أن يحصل هكذا، وإلاّ لما كان هذا الاسم: شهرزاد، أو الاسم المقابل: شهريار، وكانت ألف ليلة وليلة، حيث الليل له عراقة تاريخية من نواح شتى، ولا كانت الليلة البيضاء»، الحكاية انتهكت قانون الملك، بلبلته دون أن يعلم ذلك، فثمة ما يغري بالسماع، حيث لا يكون هناك موت من طرف واحد. لقد ربح نفسه وإن مات في النهاية موتاً طبيعياً. ألف ليلة وليلة هنا هي الكتاب الأبيض، حيث ما كان الهدف امتاع الملك، وإنما أن يموت هو بدوره، أن يعرف أن فوق سلطته سلطاناً، رغم أن شهرزاداً قدمت له نماذج نسائية نمطية، تتجاوب مع ما كان يعتقده شهريار ليبقى الكتاب المسموم نافذ المفعول. الفارماكونية تتبدى من نوع آخر. لقد ارتقى الكلام(الحكائي) إلى مستوى الفارماكون(الدواء) وأبطل مفعول الفارماكون(الداء)، بصيغته الشهريارية. يبقى فارماكون ثالث هو في قراءة ألف ليلة وليلة بالذات وكيف تطارد بوصفها كتاب ابتذال، بوصفها كتابة تجلت فارماكونية: سياسية، كما يتم ذلك من خلال فتاوى ودعاوى سقراطية المنزع. نحن إذاً إزاء صراع التأويلات الفارماكونية. كأن الذين شددوا على الفتاوى أرادوا العودة إلى الكلام في مرجعيته الذكورية، طي صفحة ألف ليلة وليلة، وكأنها غير موجودة، كونها تشي باللذة التي يجب أن تظل صامتة، كما هو الليل الذي يغيب كل شيء داخله، لكن اللذة ذاتها ليلة سوداء (كلام يهدر من الداخل) سرعان ما ينقشع سوادها، تفضح ممثلها، وهنا يكمن الخوف من ألف ليلة وليلة كدواء مقدم شهرزادياً لداء استفحل طويلاً شهريارياً.
أمبرتو إيكو
مختلف هو الإيطالي: الناقد الحصيف والروائي الذائع الصيت أمبرتو إيكو، عمّن ذكرنا. الكلمة هي علامة عنده، هي قادرة على إحداث فوضى معان، وخصوصاً
________________________________________


[الصفحة - 82]

لأنه يركّز في الكثير من كتاباته على العصر الأوروبي الوسيط، ويتلمس في النصوص إمكانات هائلة تدع الإنسان في مواجهة نفسه، في مفترق طرق، وأعتقد أن اختياره للعصر المذكور كان فارماكونياً بامتياز؛ لأنه العصر الذي مثل مرحلة مراهقة تاريخية أوروبية، إن جاز التعبير، إذ خلفه يشمخ عصر الانحطاط والخرافة والتخلف على أكثر من صعيد (الداء يغلب الدواء غالباً)، وأمامه عتبة عصر جديد: الدخول في العصر الحديث، إن سقراطاً شارف على الاحتضار، كلامه لم يعد قادراً على الإيصال، لقد بدأ كلام آخر، كتابة أُخرى (الدواء بدأ بمغالبة الداء)، ثمة حكائية تغري بملاحقة تاريخ ما زال يتحدى قارئ اليوم (الأوروبي) بالإصغاء إلى ما كان، حيث شارفت أوروبا على نهاية ليل تاريخها الطويل،
إيكو هو منتشر بالنصوص التي تعوم وسط تأويلات طي أُخرى، وهو نفسه يقول في أحد كتبه «لا أكثر انفتاحاً من نص مغلق إلاّ أن انفتاحه يكون من فعل مبادرة خارجية، بل يكون طريقة في استخدام النص وليس طريقة يستخدم بها، على أن يتم ذلك برقة بالغة» (35).هو حليف إذاً للكاتب أو للقارئ الذي يحرر النص من كل متراس يحجب عنه الرؤية، ليس إلى درجة الطلسمة وإنما لعمارة نفسه. ولعل هذا يتجلى بدقة في روايته (اسم الوردة) الصادرة قبل ربع قرن تقريباً (1980)، هي رواية تنبني على الرموز، وحتى الشخصيات هي علامات، والعلامات هذه ليست علامات ترقيم، بل مسامات تنفذ إلى كينونة الكلم بمغيّباته، فهي إذاً علامات تلغيم تعرض النص المقروء للاستنطاق، على طريقته، بحسب واعية القارئ. ثمة تهويمات معان، وإخصاب لها هنا، لكأن الناقد، أو الكاتب الناقد، يمرحل الكلمة يمسقطها دلالياً.
الكتابة المسمومة، الكتابة والحية، حية الكتابة، هي واحدة في طريقة تزكية الرواية / الكتابة، إلى عالم يتحدى معلومه مجهوله، ومن الداخل عالم لا يتم سبره حتى في المعلوم فيه، حيث (اسم الوردة) ليس سوى صياغة توكيدية لعلاقة حذرة وزلقة بين اسم هو اسم افتراضي. وليس قبض معنى على لفظ هو مبنى، والاسم ليس تاريخاً أو حدثاً يؤرخ للحظة ولادته، إنه منزوع الجهات، قابل للتشريح والإثارة ومعاودة التسمية، واسم آخر، هو كائن نباتي ملغز، مشبع: رموزاً ودلالات، فالوردة لا
________________________________________
(35)إيكو، أمبرتو، القارئ في الحكاية (التعاضد التأويلي في النصوص الحكائية): 71، ترجمة أنطوان أبو زيد، ط. الأُولى، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 1996.


[الصفحة - 83]

تفتننا برونقها، بعطرها، إنما بمرجعية العطر المقيم في الوردة(هل الكتابة الفعلية هي من جنس اسم الوردة؟)، الوردة ذات خاصية مهبلية(هل في ذلك مهاترة نقدية، أم وقاحة تشبيه فضائحية؟)، كون المهبل لا يثير المأخوذ به، إنما بطاقة المتخيل، إذ النعظ يرتبط بمؤثره فيما وراء المهبل، حيث اللامرئية هي الجديرة بالتأمل. عدا عن أن الوردة هي كون، أو عالم، أو فضاء محجوب، أو صورة سحرية، وحضور هرمسي. إنها مولدة الهرمينوطيقا (كما تستخدم هذه الكلمة مغربياً)، خصوصاً، حيث الكاتب يربط من خلالها بين الحلم والكتابة «الحلم كتابة، والكثير من الكتابة ما هي إلاّ أحلام» (36)،وهو هنا يحيل الوعي إلى الكائن فيه غير المكتشف بعد، للرغبة المضاعفة فيه. حيث الإنسان لم يسيطر على جسده بقواه بعد، وهي القوى التي تخترقه، وتقيده من الداخل، فالكتابة تكون سنده لكن شريطة أن يقاوم وعيه المقوعد فيه. يغدو العنوان قضية الكتاب برمته، قضية المعرفة الإنسانية، لا بل قضية الإنسان، فهو في حقيقته قضية فارماكون. ثمة إحالات مرجعية وانطلاقات، مواد ضمن مواد(تناصيات مشتركة)، لكن بغية توسيع الرمز، تعميق حدود المعنى ومن الداخل. أشير هنا إلى ذكره لـ (ابن حزم)، وكتابه عن الحب (حيث لا بدّ أن يكون :طوق الحمامة)، يقول على لسان السارد (ادسو) «وتأثرت وأنا أقرأ صفحات من ابن حزم، الذي يعرّف الحب كمرض عضال، دواؤه فيه، والمصاب به لا يريد الشفاء منه ولا يبتغي الخروج منه، والله يعلم كم كان هذا القول صائباً» (37).
هل يحدثنا عن الحب مجدداً؟يعيد إلينا سيرة الإنسان المزدوج في (المأدبة) لـ (أفلاطون)، أم قضية الحب كما تعرض لها الأخير في (فايدروس)، حيث الحب يكون داء ودواء؟ الحب الإلهي أم الحب الذي يفنى صاحبه؟أهي إحالة إلى الخطابة، إلى الكتابة بوصفها فارماكوناً، حية مزدوجة المهام؟ تطرح قضية الكتابة مجدداً، قضية الموقف من الكتابة، حيث الرواية هي رواية الكتاب المسموم، الكتاب المختلف؟ من يقرأه يموت، كتاب أرسطو، رواية كيفية التخلص من الكتاب المسموم هذه المرة تدشيناً لعصر جديد. الكتاب يتنوع معنىً هنا! كيف يكون الكتاب هنا؟ «الخير بالنسبة إلى كتاب هو أن يقرأ. الكتاب مصنوع من دلالات تتكلم عن دلالات أُخرى تتكلم
________________________________________
(36)إيكو، أمبرتو، اسم الوردة : 472، نقله عن الإيطالية أحمد الصمعي، دار أويا ـ طرابلس ـ ليبيا 1998.
(37)المصدر السابق: 354.


[الصفحة - 84]

بدورها عن الأشياء. وبدون العين التي تقرأه، يبقى الكتاب حاملاً لدلالات لا تنتج مفاهيم فيظل إذن أخرس، ربما أسست هذه المكتبة لإنقاذ الكتب التي تحويها، ولكنها أصبحت تعيش لكي ندفنها»(38). ليس الكتاب هنا كتاباً عادياً، وإلاّ لكانت الرواية رواية في مهب الريح، ما كانت تلفت البصيرة المعرفية بهذا التركيز الذي عرفت به، حيث الكاتب ناقد، ولعله لم يكتب رواية إلاّ لأنه يريد روينة العلامات، ويترك المجال للقارئ المناظر له للتعرف إلى حركية العلامات في روايته السيميائية الكبرى، إن جاز التعبير. ثمة تحدٍّ للذاكرة الجمعية، تركيز على التفرد في العمل السيميائي: القادر على مفاتحة الذات في العمق، تنشيط لملكات العقل أو قواه، للتحول نحو الأفضل، الكتاب تقويض لما يحمله، وتعريض للأمن المستتب الذي يفسد العقل طالما يعتّم عليه. الكتاب مسموم من جهتيه، لأنه يميت قارءه الاعتيادي ويحيي القارئ المنتظر، وهو بدوره، ولأنه دواء، يضخ الدم الجديد في الجسد.
يسأل (غوليالمو) (يورج): لماذا كان هذا الكتاب يخيفك إلى هذه الدرجة؟ كان الجواب: «لأنه للفيلسوف. كل كتاب لذلك الرجل حطم جزءاً من المعرفة التي جمعتها المسيحية طيلة قرون»(39)، ونحن هنا إزاء فارماكون من نوع آخر، أرسطو مطلوب، أي مدان معرفياً، فلسفياً، علاماتياً بالتحديد، كما يستنتج من كلام الراوي في حيثيات الرواية. ولكنه في الوقت نفسه مطلوب كقضية مغرفة، لكي تتم قراءته، ويتم بالتالي تجاوزه، وعلى هذا الأساس قام عصر النهضة، ومن ثم كان عصرنا الحديث عموماً نهاية الكتاب نهاية حارس كتاب أرسطو، مانعه من التداول، والاثنان يحترقان، «ولكن فات الأوان، كان أرسطو، أو ما تبقّى منه، لعد فطور الشيخ، يحترق» (40). لم يبق شيء من المكتبة والدير، بفعل النار المندلعة. لكن هذا الحدث لا يهم سوى رجال الإطفاء، أو الذي يهمنا هو ظهور النار المحرقة كحدث رمزي. وهذا ما تريد الرواية قولـه، حسب قراءتي لها طبعاً. هو كيفية ظهور مرحلة جديدة تاريخياً، هو كيف نعاين الكتاب المسموم. الناس العاديون تكون علاقاتهم بالأحداث من حولهم، هي كعلاقة رجال الإطفاء، كل نار مندلعة يسعون إلى إخمادها، حيث يطلب منهم ذلك، لا يسألون البتة عمّا تكونه النار، وما تحرقه، النار تعني النار، بينما المعني معرفياً تهمه النار
________________________________________
(38)المصدر السابق: 428.
(39)المصدر السابق: 509.
(40)المصدر السابق: 520


[الصفحة - 85]

فيما تأتي عليه ولماذا؛ «لأن الحقيقة الوحيدة هي أن نتحرر من شغفنا المنحرف بالحقيقة» (41). إنها أصداء موقف (نيتشه) من الحقيقة. ولعل القدرة على الارتقاء بالحقيقة وعلى مواجهتها، هي التي تحدد فاعلية الكتابة ومقاصدها، وهذا ما نتلمسه في عموم النصوص التي دخلت التاريخ أو تلك التي شغلت أذهان المعنيين في هذا المجال. الفارماكونية لا تكون وسطاً حيادياً أو خاصية نص دون آخر، طالما أن أي نص لا يسلم من اتهام معين، بوصفه الخطابة المسمومة التي تتطلب وقوفاً في وجهها.
لا أعني بذلك أن إيكو يحرر النص من لوثات معينة قارّة في ذهنه مثلاً، أو يحدد من يكونه القارئ النموذجي بدقة، القارئ التعاضدي، كما يسمّيه، ليكون سنداً مقداماً في بقاء النص الجدير بالقراءة، في كل مكان، إنما إشكالية الكتابة هي المطروحة هنا، هي في كيف يمكننا أن نجد في الاسم ليس من تبدّى به وفيه معنىً، إنما ما يبقيه في حدود ما هو بشري. ولا نعرف ما إذا كان مأخوذاً بفتنة ألف ليلة وليلة، وحكاية الطبيب السالف الذكر، لينسج في ضوئها حكايته المعاصرة(أعني روايته)، فهذه الحكاية مشهورة عالمياً، غير أن الكلي الإمكانية في القول وجود حقيقة جامعة مشتركة هي أن مثال هاته الحكاية يتكرر في كل زمان ومكان، ولا أحد بمنجى من النزعة الفارماكونية، وهذا ما يجب أخذ العلم به. لا مهرب من الثنائية في إطلاق القول، أو من لعبة الثنائيات في نسج القيم هنا وهناك، ولكن دون تجاهل حقيقة خاصة بقول كهذا، وهي أن الثنائية المثارة تخص الحقيقة في وجهيها المتداخلين، المتواجهين، المتصارعين، كل منهما يشد الآخر، أو يواجهه بما ليس فيه، بما يفقده ويفتقده، وكل منهما يتوارى خلف الآخر، ويتقدمه في آن، كما تقول أحداث التاريخ، ووقائعة في مختلف المجالات المعرفية وغيرها.
وثمة كلمة أخيرة، ونحن بصدد إيكو، وهي تتعلق بالذين انطلقوا من هذا الكتاب / الرواية، هناك (أحمد الصمعي) مترجم الرواية عربياً، من خلال مقدمته، حيث تحدث عن (متاهة المعاني) وذكر مضمون ما قاله إيكو، وفي جواب تفسيري لـه، وهو أن «كل الأشياء تندثر ولا تبقى إلاّ الأسماء»، طبعاً هذا ما نتحسسه في المخطط المرسوم للدير، المخطط هذا يشير إلى الدير، لكن أين الدير الذي كان؟ هذا
________________________________________
(41)المصدر السابق: 525.


[الصفحة - 86]

ما ينبغي على المتخيل البحث فيه معرفياً، أي دلالياً. ثم ركز الصمعي على مفهوم الكتاب المسموم «هذا الذي نألفه في حكاياتنا التراثية، في ألف ليلة وليلة، مثلاً، كيف وظّف هذه الحيلة:معاقبة من يريد أن يعرف بذكاء» (42). كل ذلك يغفل نوع الذكاء الثاقب للروائي، واستثماره لمفهوم الفارماكون روائياً، وفي عموم كتاباته، ويتجلى ذلك في الأرضية الثقافية التي يقيم عليها معرفياً وفضاء الحرية المتميز به، أعني أن المفهوم المشار إليه، وغيره من المفاهيم الأُخرى الكثيرة، يشير إلى ذلك التباعد بين أغلبية قراء العربية وكيفية استثمار جمالياته وفي نصوص مختلفة فيه. هذا ينطبق على الدكتور(عبدالله الغذامي) كذلك، والذي سعى إلى بناء مادة فكرية له على الجملة الأخيرة في رواية إيكو وهي «كانت الوردة اسماً ونحن لا نمسك إلاّ بالأسماء»، وتحت عنوان (المعنى في بطن القارئ)، في كتاب نقدي له .
إيكو هو ملهم الغذامي، وإن جاءه الإلهام تفكيكي الأبعاد، وليس ما هو منقول من تراثه، حيث يحاول جاهداً التمعين في العلاقة القائمة بين الاسم والتسمية، بين حرفية الدال وصرفية المدلول، ما هو الواقع القائم والمتخيل بالمقابل، وهما يتداخلان «إن التسمية لا تحقق الأدب، ولكن فك التسمية وإدخالها في حالة إنشائية هي التي تفتح مجال (الأدبية)» (43).ترى كيف يقيّم الغذامي حركية الفارماكون هنا؟ أين هي حقيقة الكتابة؟ يبدو أن لا حقيقة ثابتة لها، طالما أنها تتعرض باستمرار للعبة المعنى، لفتنة القول، أو لغواية المتخيل، لذهنية القارئ، وهذا ما يعرّض النص للكثير من الزحزحات المستمرة دون غطاء مشروعية معين، ما يبقي النص لأن يكون خارج استتباب أمن لـه. التسمية لا ولم تتم دفعة واحدة. نتذكر هنا دوسوسير، ونظرية (اعتباطية الأسماء)، والغذامي نفسه ينطلق من التسمية، وهو يقلبها على وجوهها، ويمارس تفكيكاً في ضوئها، ويحدد موقفه من علائق ثقافية كثيرة. وهو تفسير لا يسلم من تأثير هذا السلطان، سلطان التفكيك وحكمانيته، طالما أطلق كلمته دون تحديد، حيث إنّ فك التسمية يتطلب مني كباحث في هذا المضمار، أن أعرف ما تعنيه التسمية لي، وما هي الأسماء؟ وكيف وضعت؟ وهذه تفرض علي أحياناً تعاملاً من نوع خاص، وحدوداً لا يمكن تجاوزها، وإلاّ فإنني قد أتعرض لعواقب وخيمة:
________________________________________
(42)أُنظر مقدمة الرواية للمترجم.
(43)الغذّامي، عبد الله محمد، تأنيث القصيدة والقارئ المختلف: 109، ط. الأُولى، المركز الثقافي العربي ـ بيروت 1999.


[الصفحة - 87]

كتابة وسلوكاً كذلك. . أسماء دينية ومذهبية، قد تلغم ذاكرة جمعية بكاملها، وهو نفسه يدرك ذلك، بل التزم به، كما في نقده لمفهوم الفحولة، في سياقات أدبية حصراً، وهي أبعد مما تحددت به بالتأكيد. فالفارماكونية قد تنقلب على صاحبها حيث لم يتناولها إلاّ من جهة واحدة، لا ينتبه إلى وطأة ثقلها وحساسيتها المفهومية، وتعطيل آلية قرائية معينة، وإفسادها بسبب ما تقدم «الكتاب المسموم اسم لكتاب غير موجود، حيث لا وجود لكتاب هكذا»، طبعاً لأن بوسع أي كتاب أن يستحيل الكتاب المسموم/ فيكتسب شرف النسب ككتاب، «إنه يعيش في كنف القارئ، ثمة قارئ محدد هو الذي يسمم صفحات كتاب ما، أو يسممه في مجموع صفحاته، أو يقدمه منزوع السمية، وهذا يبقي السمية بنسب مختلفة من قارئ لآخر»، هكذا يتحدد الموقف النقدي من الكتاب الفعلي، وذلك في «في صفحات الكتاب المسموم» (44)،كما تطرق إليه ناقد آخر،، أي يعني أن نعاين ما فيه، أن نعاينه وفق ما لدينا من ثقافة . فالقراءة التي نتقدم بها، هي التي تضفي على مقروئنا فارماكونية معينة : سلباً أو إيجاباً.
عبد الفتاح كيليطو
هذا الباحث المغربي الذي لا أخفي تقديري له،في معظم كتاباته، حيث يمكن القول أن مؤلفاته في مجملها عبارة عن نصوص على نصوص، ربما لأنه بذلك يريد الانفتاح على الزمن، على زمن القراءة المتعددة الأبعاد، أي يؤكد حقيقة كونية هي أن لا أحد يموت معرفياً، وأن المعرفة ليست إحداثية زمانية ماضية أو حاضرة مثلاً، إنما فعل عقل وصيرورة وجدان، فالنصوص تقرر تواريخها على طريقتها، أو تدوّن أزمنتها المختلفة، وهي ليست ثابتة، طالما أن الذين يقرؤونها يختلفون من نواح كثيرة، أي بحسب وعيهم للزمن: مفهوماً وبنية ودلالة. أحدد هنا ما أريد بصورة أكثر: كيليطو يتعامل مع النصوص بحسب منظوره الفارماكوني. فالكتابة عنده هي دائماً مثل انتشار السم في الجسد، ولكن قد يكون مميتاً أو شافياً، أي ترياقاً، ولكن العلامة الفارقة لها هي أنها تجمع الضدين معاً، إنها حالة صراع بين الاثنين في الواحد. الكتاب المسموم
________________________________________
(44)أشير بهذه العبارة إلى مقال (معجب العدواني) بالعنوان نفسه، والمنشور في صحيفة (الرياض) السعودية ـ قسم (ثقافة اليوم) ـ 8 فبراير/ شباط 2001.


[الصفحة - 88]

موجود دائماً، هو كتاب افتراضي، مموّه، مهدد، مشكوك في أمره، مرغوب فيه، رغم كل الحذر منه. الكتب في حقيقة أمرها مقامات. وكيليطو مسكون بعدوى النصوص العربية(هي نصوصه أولاً طبعاً)، رغم أنه يكتب بالفرنسية غالباً، أو هو بذاته يقدم صورة عن ذاته الأُخرى للقارئ الفرنسي (الأجنبي)، بأن نصوصه تلك ما زالت حية، ويمكنها مضاهاة نصوصه الأجنبية بمضاء دلالاتها، أم هي حقيقة معرفية، كيدية، تخص تساوي الشعوب بثقافتها؟ أم أن الافصاح عن قدرة نصوصه على البقاء طالما توافر الناقد الواعي لها، كما هي حاله؟ في نصوص كيليطو، تتقدم النصوص عبر وعي مختار، يلعب التأويل عبر التفكيك دوراً رئيساً في عنونتها، والتعريف بخصالها الأثيرة، هي نصوص تنفتح على ذاتها، وعلى تاريخها، وعلى القارئ لاحقاً، بوصفها تملك المقومات الفعلية للسيرورة .
أزعم هنا أن كيليطو يخطو الخطوة الثانية في قراءته لها، هي في إبراز مصائر الكتابة على العموم وعلاقتها بالحية، أو بالفارماكون. الكتابة قضية تشغله إلى درجة أنه لا يلتزم كثيراً بمفهوم (الأُصول)، بالمعنى الأكاديمي المؤطّر، ينزع عن نصوصه صفتها الحرفية، ويطلقها (نهباً) لهواجسه المعرفية، أو لشكه المعرفي، بخصوص توضعات جملها، لأسئلته، لجماليات المعنى الرابضة خلف الصور والتعابير والإيحاءات. الكتابة هي التي تقرر مصيرها، وهي التي تتحدى القارئ ومدى قدرته على مجاراة قواها الرمزية، وتداخل القيم المختلفة فيها.
لنذهب بعيداً، حتى يمكننا الاقتراب مع كيليطو مما يثيره، أو يعنيه معرفياً، وهو يدرس من موقعه منهجياً: مقامة للحريري، أعني يمارس تأويله الخاص، أعني أيضاً : اختبار فاعلية فارماكونه، إنها (المقامة الخامسة)، وقد اختلط فيها الليل بالنهار«البداية تحت علامة قمر شاحب، والنهاية تحت علامة شمس ساطعة» (45).هذا التوقيت مقيت. لماذا؟ لأنه يترك المجال واسعاً للمكبوت بالظهور، لتداخل الحقائق إلى درجة الخلط والتوتر وضرورة إطالة النظر بحكمة. تتقطع المقامة، كل مقطع يخضع لعنوان فرعي، العناوين تتسلسل وتتداخل بدورها، ثمة لعبة تقابل لعبة: لعبة النقد إزاء لعبة النص المقروء، يتم تدوين الحكاية المسرودة (فأحضرنا الدواة وأساودها ورقشنا
________________________________________
(45)كيليطو، عبد الفتاح، الغائب (دراسة في مقامة الحريري): 7، ط. الثانية دار توبقال ـ الدار البيضاء ـ 1997.


[الصفحة - 89]

الحكاية)، الباحث الناقد يوضح بأن الأسود مفرد الأساود، وهو : القلم، ويعني كذلك : الحية، أما الرقش، فتذكير بالكتابة، والتنقيط، والزخرفة، وهذه مرتبطة بالبهرجة والتمويه، وهي أوصاف قمرية، وقبلها كان يعرض للرقط، والرقطاء حروف منقوطة وأُخرى غير منقوطة، والرقشاء تعني الحية بدورها، حيث فيها نقط سود وبياض. كل ذلك يعني علاقة بين الكتابة والحية كما يعلق لاحقاً «تشبه صفحة السماء، عندما تلمع نجوم الليل، جلد الحية» (46).
السماء شرقية تكون. يجب تأكيد ذلك. كيليطو يعرّف بليله الشرقي، بقمره، بحكاياته الليلية، بأُسطورياته، بالعلاقات المستمرة بين الخفي والعلني. ثمة معاينة لقضية الكتابة، إنها أكثر مضاءة ونفاذ معنى مما هو ظاهري . الكتابة هي قضية غطس وإبحار في المعنى تلو المعنى وفي داخله كذلك، وهو إذ يلجأ إلى هذه الطوافات في العمق، فلكي يمنح الكتابة بعض خصوصياتها غير المعروفة من قبل الكثيرين، وكما يعرف هو طبعاً. لا كتابة واضحة بإطلاق، ولا كتابة لغزية بإطلاق، عندما نتحدث عن الكتابة التي تنطوي على حقيقة يمكن مقاربتها بقراءة نافذة . هذه نقطة أُولى.
كل كتابة لا تخلو من ترقيش، من جمع بين علامة ليلية وأُخرى نهارية، ولكن لا فصل بينهما، وهذا يتطلب المزيد من التروي لمعاينة المعاني فيها، من إقصاء للفكر القريب الذي يبدو المؤثر في كل ممارسة تأويلية أو نقدية، بوصفه الحقيقة المتفردة. لا كتابة دون حضور دعوي، دون تمويه، دون بهرجة. حتى لو عرف صاحبها بأنه باحث معرفي، يريد أن يكون مثال شهيد الحقيقة في المعرفة، هذا إيغال في الدعوية، وإخفاء مكري للسر الذي يطيح بجمالية القول، لا برزخ معرفي في هذا المنحى، وكأن ثمة وقوفاً في القلب، أي أحد مستثنى من هذه (اللوثة المؤصلة)، سواء كان معتبراً نفسه ناقداً كلاسياً أم انتروبولوجياً أم حداثياً أو بعد حداثي. كل الأسماء التي تعرف المناهج بها، التي لا داعي لذكرها هنا، لا تخرج عن هذه الخانة. هذا ليس تخويناً لها، إنما مقاربة لحقيقة ما تقوم به وعليه. هذه نقطة ثانية.
لا كتابة إلاّ وتعرّف بنفسها بأنها تريد تقديم الأفضل، حتى وهي بمثابة مرثية كتابية، أو هجاء لكل صنوف الكتابة . لكل كتابة رسالة ما، نبرة رسولية، وحتى مسعى
________________________________________
(46)المصدر السابق:70.


[الصفحة - 90]

وعظي وإرشادي، وإن تم إنكار ذلك، هذه نقطة ثالثة.
كيليطو لا يقف على التخوم، لا يعاين نصوصه، دون اتخاذ نقاط استناد موقعية. إنه يتحرك وفق موقع معين . الكتابة عنده فعل كينونة، وخلق واستحداث معان، فالمقامة المقطّعة عنده منازل قمرية، حلقات متجاورة ومتناظرة كما هي في جسم الحية، فقرات النص المكتوب عنده، توارد الخواطر والأفكار وضعيات منازلية أو فقراتية (أي حية يخبّؤها في متخيله، في عبّه الذهني يا ترى؟). صفحة السماء هي صفحته التي يسطّر عليها. السطور تمتلىء: كواكب ونجوماً، وحركاتها هي التي تشكل نقاط فكرته. ضمناً تكون الحية ذات الرمز العريق، حية كونية، حية الزمن والموت والحياة والخصب. وهو بدوره يحيي النص المقروء، يتوقف عند الكتابة، عند حافتها معايناً شرفتها، أفقها، رصيدها الدلالي، حاملاً في داخله (آلة) الآخر، فهو مشبع بثقافة فرنسية، دون ادعاء التغريب، لأنه يسكن نصه المقروء، لا بل يقيم معه علاقة حميمة، يجدد فيها زمنها، أو يؤكد قابليتها للعيش فيما بيننا كمعنى. الحكاية المدونة هي ذاتها حكايته، حكايتنا بمعنىً ما، لأنه لولاها، لما كان (لولاه)، إن جاز التعبير، كتابة تردف أُخرى، لتتدعما، ويختفي الزمن الفالقي. حسبه هنا، أنه رحّالة بين نصوصه، وجمّاع فيما بينها، بحيث يتلاحم القارئ والمقروء فيه. تغدو الكتابة والكتابة عن الكتابة بمثابة المقامة الحريرية، وقد تجلت نهارية كعلاقة. كل كتابة تسند الأُخرى، تقرأها وتشحنها بالمعنى، وبأدواتها الخاصة، والمبتكرة في آن. السؤال إثر ما تقدم : أين موقع الفارماكون هنا؟ هل من كتاب مسموم؟ في كل ما يتم تدوينه حتى الآن كان الفارماكون حاضراً ! العناوين الصغيرة، الجمل المقتضبة والإيحائية، والتحويلية لتفريع النص، عبارة عن جرعات تتجمع في بؤرة واحدة، ليعم الأثر لاحقاً ويتكون النص كحقيقة متعددة الأنساب غنية بأطيافها الدلالية والقيمية. لا نستطيع الابتعاد عما ذهب إليه، ليس لأننا محكومون برؤيته بالضرورة، أو مأخوذون بفتنة القراءة الممهورة باسمه، فهذا استبداد، وهو مرفوض، لأنه يلغي خاصية الاختلاف بالأساس، وحركية التأويل في كل اتجاه، وإنما لأن ما هو مقروء ننشغل به في دواخلنا، وإن اختلف الموقف من حيث المنظور وطريقة المعالجة والرهان القيمي النصي، ومدى نجاعة قراءة كهذه
________________________________________


[الصفحة - 91]

والتي يعتمدها . . . الخ، فالإنسان حيوان قارئ على طريقته، وكاتب على طريقته، ولكنه أولاً وأخيراً يبقى ذلك الحيّز الحي الذي تسكنه الحقيقة بأطيافها وأوهامها وجاذبيتها، ومدى تمكنه منها بحسب وعيه لها. فالفارماكونية مبثوثة فينا.
لم تعد الكتابة مقترنة بالسم، بوصفها تهمة أو سبة، وإنما لأنها في حقيقتها تحمل السم الذي تتحدد قيمته من خلال القارئ حصراً . وعملية الكتابة لا تتوقف، وهذا ما يمكننا استنتاجه في مقال ضمنه كتابه (لسان آدم)، وهو يتحدث عن ألف ليلة وليلة، حيث يحاول تحديد فكرتها بقوله: «إن الموت لن يصيب إلاّ من يقرأ الكتاب بأكمله» (47)،يرجع هنا إلى حكاية (الكتاب المسموم)، بتداعياتها ودلالاتها، وهذا ما يشير إليه بتعمق أكثر في كتاب كامل وفي عنوان فرعي هو (الكتاب القاتل)، حيث يقول: «سوف يظل الكتاب المسموم فارغاً وستلتصق أوراقه من جديد، وستطبق من جديد على سرها. وفي حال عدم إتلافه يجب منع لمسه والاقتراب منه، وهذا يعني أنه يجب التأكيد على كونه يحمل الموت معه، وأنه سبق أن قتل» (48).
الكتاب المسموم، الكتاب القاتل، الكتاب المحظور، الكتاب الخطير. . الخ، عناوين تتمحور حول الحقيقة ذاتها. ترى من منا ليس لديه كتاب ما، كتاب واحد على الأقل، يعتقد أنه يتهدده، وإن لم يصرّح بذلك؟ من منا لا يهاب كتاباً ما، لا يعبّر عنه بامتعاض وليس لرداءته، وإنما لأن مخزونه المعرفي أو سره الآسر وراء موقفنا منه؟ من منا لا يتخيل كتابه المسموم والمفضل؟من منا لا يتخيل بالمقابل أن له كتاباً مسموماً يخشر جانبه، كتاب لا تتم قراءته لمعرفته المتهتكة، لمعرفة هتكية، بصيغة أُخرى، لوقاحة أُسلوبه في إبراز التسميات وكشف سوءاتها؟(ألف ليلة وليلة) لا تميت من ينتهي من قراءتها، إنما تميت بفكرتها، كونها كتاب موت، مثلما أنها كتاب حياة شهريار كان يقتل كل ليلة، وهو يستمتع أو يتلذذ بأجساد ضحاياه من النساء العذارى. تلك كانت عقدته، لكأن المرأة تهدد الذكر هنا بوصفها مفعّلة حياة أكثر، ومعرّفة بالموت أكثر، وهي الكائن الأكثر أُسطورية في تداخلها مع الحية، إنها كائن فارماكوني بامتياز، وفق التقديم الحكائي الليلاتي. لكنه (أي شهريار) أبصر ذاته عبر القتل، الموت، من خلال الحكايات التي تواجهنا بالموت المحتوم، وبالحياة، وضرورة
________________________________________
(47)كيليطو، عبد الفتاح، لسان آدم: 83 ، ترجمة: عبد الكبير الشرقاوي،ط الثانية، دار توبقال ـ الدار البيضاء 2001.
(48) كيليطو، عبد الفتاح، العين والإبرة (دراسة في: ألف ليلة وليلة): 69، ترجمة مصطفى النحال، مراجعة محمد برادة، ط. الأُولى، دار الفنك ـ الدار البيضاء 1996.


[الصفحة - 92]

استمرارها ليكون الموت حقيقتها (المنطقية). أتراه كان الكائن الأقل فارماكونية أم أنه أسقط مفهومه على شهرزاده؟حيث لا تعبر هذه النقيض له، إنما المفتقد فيه، كشاهدة على خيانات بنات جنسها، لكأنها وهبت منه عقاره، أو دواءه، وهي تتحدث إليه كما يشتهي هو بالذات. . وفق ما تقدم، فإن قارئ الحكايات هاته، هو المتبصر لحقيقتها، هو لا يموت بانجاز قراءتها، إنما يكتشف أنها مستمرة إلى ما لا نهاية، وهذا جوهر ما قاله (بورخس)، كما أعتقد، في مقال له تحت عنوان(ألف ليلة وليلة)، «ثمة شيء هام جداً، الشعور بأنه كتاب لا متناه» (49).لكن موضوعنا لا يتعلق بـ (ألف ليلة وليلة) تحديداً، وإنما بحقيقة معينة تخص الكتابة بالذات، هذه التي لا تنتهي، وبفارماكونيتها! الحكايات لا تتوقف في إطار ما هي فيه، إنها تبث دعواها ومغزاها، إنها حكاياتنا، والكتابة في جوهرها هي قضية الحكايات تلك، هذه، هنا، هناك أو هنالك، راهناً أو مستقبلاً، كون الكتابة لا تتوقف في حيّز من تنشغل به، مهما كان جسمها أو نوعها، فهي مصائرية، هي أكثر من قضية مؤسسة دفن الموتى وتعذيب الأحياء، بوصفها تتوجه حتى إلى الرموز القائمين على إدارة المؤسسة تلك، والمعنيين والمكلفين بالتعذيب . كل كتابة مشغولة بحيتها، وما إذا كانت رقطاء أم أصلة أم شجاعاً أم أفعواناً، أم من نوع تنيني. . وهذا ما نتلمسه في ميثولوجيا اللوياثان، وهي المركزة على الحية في الواقع، الحية وتداخلها مع ما هو سياسي واجتماعي، وفي جمعها بين المدني والبري، أو الوحشي والأهلي، لكن يبقى الكتاب المشغول بما هو كوني مختلفاً في منحاه ومسعاه، إنه الكتاب الذي لا ينتهي، لأنه مطلوب باستمرار من قبل القارئ الذي تتنوع غاياته، وفي الآن عينه تتشابه مصائر الجميع في مادتهم ومآلاتهم الأرضية.
كيليطو يوقّع على جلده، يتحرى بياضه، يسعى إلى تجاوز مقروئه بغية القبض على سر غير مكتشف بعد، وبطريقة غير معتادة، هو سر حياتي، هو ذاته والآخر، حيث يجرد الكتابة من قضيتها الخاصة، وكل كتابة تنشغل بهمّ لا تنحصر فيه، تكون ميتا تخومية، لا تعدو أن تكون الكتابة بامتياز، شريطة الاعتقاد بوجود كتابات من هذا النوع في كل اللغات، كتابات لا تنتهي بوصفها إحياء للموات في البشر، وتسمية للمختلف لقراءة المشتركات، يلتقي في ذلك المعري وسرفانتس وغوته وبوشكين
________________________________________
(49)بورخس: سبع ليال: 70، ترجمة د. عابد إسماعيل، ط. الأُلى، دار الينابيع ـ دمشق 1999.


[الصفحة - 93]

وإليوت وسليم بركات . . بوصفهم كتابات تنبض خارج حدودها المسوّرة، كتابات معان ومغان . . !
جمال الدين بن الشيخ
يتوقف الباحث المغربي (جمال الدين بن الشيخ) مطولاً عند حكاية ليلاتية تغطي ليال كثيرة، وللحية حضور كبير فيها، تشغله الحية فيها من جهة الدلالة بطريقة أكثر أكاديمية، ولكنها تنفتح على المتخيل. فالحكاية في حد ذاتها وهي (حكاية حاسب كريم الدين) حقيقة تأويلية تخترق المعاش اليومي. يتسلسل دور ملكة الحيات في ليال متلاحقة، مع شخصيات كثيرة وعبر حقب مديدة تتجاوز العياني، والأكثر التفاتة للنظر، هو في جمع الحية بين حقيقتين متعارضتين: فهي تشفي وتزيد في المعرفة الكونية لدى المتناول رغوتها بعد طبخ لحمها، وتقتله من جهة أُخرى. يقول: «الحكاية هي المكان المميز الذي يتحقق فيه الانتقال إلى المستحيل، فبسبب نصها المتجدد الحيوية يطعن الغرائبي الواقع في الصميم ويجعله يتشظى» (50).ولاحقاً، وتحديداً في النهاية يقول: «والحكاية تحتفظ بهذه الذكرى المحرقة إما باعتبارها المغامرة المدهشة لكلام انطلق لاستكشاف العالم الآخر وملئه بالتمثلات، وتربطها بمأساة الحب المستحيل الخالدة، تفكير في الحياة والموت، في الموت والحب» (51).
جاء اسم كتابه مطابقاً لحقيقة نفسية وثقافية ينشدها، وهي لا تخصه وحده. وعنوان الكتاب هو(ألف ليلة وليلة : أو القول الأسير). هذه (الأدوَيَة) لسان حال رغبة مركبة، ونشدانها لاحقاً، القول الأسير كتابة على الطريقة الأفلاطونية في مزجها الكلام بما هو إلهي، بحالة (الـ : مانيا) الإلهية، حيث الحب في أسمى مراتبه، كل قول نبتغيه يخص مفارقاً لنا، يكون أسيراً، أعني: يظل حبيس الواقع. و(ألف ليلة وليلة) في عمومها، كما رأينا سابقاً، هي مأساة القول، صراخه لكي يكون مسموعاً إلى أبعد مدىً، ولكن القول الأسير لا يتخصص في المتن الحكائي، وليست الحكاية وحدها بساطاً ريحياً، أو دخولاً في الرمز المجسد، وترجمان الروح للتخلص من قبرية الجسد المتحركة. كل كتابة هي تفكير في الحياة والموت، هي بشكل ما، ممارسة لكل منهما؛
________________________________________
(50)ابن الشيخ، جمال الدين، ألف ليلة وليلة، أو القول الأسير: 172، ترجمة محمد برادة وآخرين، ط. الأُولى، المجلس الأعلى للثقافة ـ القاهرة 1998.
(51)المصدر السابق:190.


[الصفحة - 94]

لأن الذي يكتب لا يعني ذاته الواقعية المحكومة بعمر معين، الكاتب هو تجلي المأسوية القصوى ولو في المجردات، هو نزوع إلى الفارماكون: الترياق، وتحرر من الفارماكون: السم الزعاف. لا كتابة تصنف إلاّ في حقل الفارماكون (الترياق)، ولهذا، ونظراً لقلق وضغط الرغبة، يكون الكاتب أكثر البشر تعرضاً للخضات والاصطراع من الداخل، ليس لأن عالمه الذي يتحرك فيه ضيّق، وإنما لأنه يقاوم جسده، وينفضه من الداخل، ويبتغي الفارماكوني، حيث كل كتابة ترمي به إلى عالم آخر متداخل بقواه أو حركاته، فيحيل المرئي وما يليه إلى كلمات، والكلمات هي رموز.
وربما كانت الحكاية هنا في طابعها المدوّن تراجيديا عربية ـ اسلامية، رغم ما فيها من هجرة لغات أرادها الكاتب تجسيداً لشخصية مفهومية تعنيه، وفي لغة أُخرى يعتمدها كتابة . ولكن الأبعد من ذلك هو بنية الكتابة ذاتها، حيث يلتقي فيها أبناء اللغة من البشر عموماً، بحيث يكون الكتاب المسموم أثراً لماض كان، ولكن هل يكون للحياة، حياة الكاتب أو غيره معنىً، دون وجود كتاب من النوع المذكور؟
* * *
________________________________________


[الصفحة - 95]