البحث في...
إسم البحث
الباحث
اسم المجلة
السنة
نص البحث
 أسلوب البحث
البحث عن اي من هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على كل هذه الكلمات
النتيجة يجب أن تحتوي على هذه الجملة

حقوق الأقليات في الإسلام

الباحث :  المنتدون الشيخ خالد العطية , الشيخ جعفر المهاجر , الدكتور بسام عبد الحميد , الدكتور سمير سليمان
اسم المجلة :  مجلة المنهاج
العدد :  10
السنة :  السنة الثالثة صيف 1419 هجـ 1998 م
تاريخ إضافة البحث :  January / 5 / 2015
عدد زيارات البحث :  1605
حقوق الأقليات في الإسلام
المنتدون
الشيخ خالد العطية , الشيخ جعفر المهاجر , الدكتور بسام عبد الحميد , الدكتور سمير سليمان
عقدت مجلَّة المنهاج ندوتها الفكرية العاشرة، في الساعة الخامسة من يوم الجمعة الواقع فيه 22/5/1998، في مقرِّها، في مركز الغدير للدّراسات الإسلاميَّة. قدَّم للندوة وأدارها فضيلة الشيخ خالد العطية، رئيس تحرير مجلّة المنهاج ومركز الغدير... وشارك فيها كل من فضيلة الشيخ جعفر المهاجر، والدكتور بسام عبد الحميد، والدكتور سمير سليمان. وناقش المنتدون موضوع «حقوق الأقليات في الإسلام» متابعين بذلك موضوعاً كانت الندوة التاسعة قد بدأت نقاشه، وهو «حقوق الإنسان بين الشريعة الإسلاميّة والشرعة الدوليَّة».
بدأ فضيلة الشيخ خالد العطية الكلام، فقال:
عرفت المجتمعات الإنسانية، منذ قيامها في مختلف أنحاء العالم المسكون، وفي عصور التاريخ المتعاقبة، ألواناً متعدِّدة من العصبية والتعصب، تارةً بسبب العرق أو اللون، وطوراً بسبب الدين، وثالثةً باسم اللغة والثقافة.. الخ. وقد شهدت الأقليات والمجموعات الصغيرة، من السكّان الأصليين أو المهاجرين المستوطنين الذين يختلفون عن الغالبية العظمى من السكان الآخرين، في النواحي السالف ذكرها، أشكالاً لا تحصى من العنت والاضطهاد، وذاقت فنوناً من الظلم والحرمان، وقامت بسبب ذلك كلّه فتن ومنازعات فرّقت شمل المجتمعات وجرّت عليها الدمار والويلات.
أما في عصرنا الحديث، وعالمنا المعاصر، فتمثِّل قضية الأقليات مشكلة دولية هامّة لأسباب عديدة من أهمِّها:
1 -تنامي النعرات العرقية والقومية في القرنين: الماضي والحالي وقيام العديد من الكيانات السياسية على أساسٍ منها.
2 -تبلور مبادى حقوق الإنسان الأساسية واعتبار الكثير مما تطالب به الأقليات، وفي مقدمتها حق تقرير المصير، من جملة تلك الحقوق.
3 -الغايات والمطامع الاقتصادية والسياسية التي تتذرع القوى المبتكرة في عالم اليوم لتحقيقها عن طريق المزايدة على حقوق الأقليات.
4 -زيادة التواصل والاتصال بين أجزاء العالم، بسبب ما أُحرز من تقدم تقني، ما يجعل مشكلة الأقلية في بلد ما تؤثر ليس فقط على الاستقرار
________________________________________

[ الصفحة - 280]


الداخلي لذلك البلد، وإنما أيضاً على الاستقرار في البلدان الاُخرى التي توجد فيها أقليات أو أغلبيات مماثلة.
وبالنسبة للعالم الإسلامي، اليوم، يحرص خصوم الإسلام على إثارة النعرات العصبيَّة: عرقيَّة أو دينية باسم حقوق الأقليات، ليجعلوا من ذلك ورقة يلعبون بها في وجه تحكيم الشريعة الإسلامية في المجتمعات الإسلامية، والحؤول دون قيام دولة تحكم باسم الإسلام وتطبق تعاليمه وتنهج نهجاً مستقلاً في سياستها الدولية.
ومن أجل أن نعرف رأي الإسلام في قضية حقوق الأقليات وحقوقها المقررة في شريعته، وموقفه منها، يسعدنا ويشرِّفنا، في هذه الأمسية، أن نلتقي ثلَّة من العلماء والباحثين المتخصِّصين، ونحاورهم، وهم سماحة العلاّمة الشيخ جعفر المهاجر، والدكتور بسام عبد الحميد، الأستاذ في الجامعة اللبنانية ـ الفرع الرابع، وفي كلية الإمام الأوزاعي ـ بيروت، والدكتور سمير سليمان، أستاذ الحضارة الإسلامية في الجامعة اللبنانية فالفرع الأول.
نرحِّب بكم، أيُّها السَّادة الباحثون، أجمل ترحيب، ونشكر لكم استجابتكم الكريمة لدعوة هيئة تحرير مجلة المنهاج للمشاركة في ندوتها العاشرة المخصَّصة لبحث موضوع «حقوق الأقليات في الإسلام»، كما نرحب أيضاً بالسادة الحضور، آملين منهم المشاركة في إغناء هذه الندوة بأسئلتهم ومداخلاتهم.
ونتوجَّه بالسؤال الأوَّل إلى فضيلة الشيخ جعفر المهاجر، فنسأله عن موقف الإسلام من الأقليات الدينية الغير المسلمة من خلال ما رتَّبه لها من حقوق وفرضه عليها من واجبات.
الشيخ جعفر المهاجر: سأتحدَّث عن «الأقليّات في دار الإسلام». ويتفرَّع الحديث في هذا الموضوع إلى خمسة أمور هي:
1 - تتقاطع، عند هذا العنوان، ضرورتان ومشكلة منهجيّة.
بالنِّسبة للضَّرورة الأُولى، نحن نعيش، بنعمة اللَّه، عصر الجمهورية الإسلامية بوصفها تنفيذاً للمشروع الإسلامي؛ الأمر الذي يُلقي عبئاً جديداً على الفقه والفقي، ويضعهما أمام
________________________________________

[ الصفحة - 281]


امتحان عملي، لكل ما عملت الأجيال السابقة على تركيبه على مستوى النص والتأمُّل. وتنقل الأولوية من الشخص إلى المجتمع.
هوذا نحن، الآن، في مواجهة مسؤولياتنا من قضية تجديد المشروع التاريخي للأمة بكامل تفصيلاته، ولن يكون لنا أن نقف عند مطلب تغيير الطريق أمام المؤمنين نحو الجنّة.
وبالنسبة للضَّرورة الثانية، فإن علينا أن نُجيب، بوضوحٍ كافٍ، على مقولة مغرضة، تكرّر بعناد، وبمختلف الأشكال، وهي من طبع البشر وفطرتهم، ومن تركيبتهم الاجتماعية والثقافية، ومفادها أن الإسلام يرسم للمسلمين حصراً، وأن كل من عداهم موضوع على الهامش؛ نقاتله تحت شعار الجهاد، أو نسومه ذلاًّ وهواناً، ونسلخ عنه حقَّه بوصفه شريكاً في الإنسانيّة.
المشكلة المنهجيّة تدور على سوابق تاريخيّة من السياسة النبويّة، أو من السياسة الغير النبويّة. والسؤال الذي جرى تجاوزه دائماً هو: هل أن تلك السوابق مطلقة، أو هي ظرفيّة؟ مثلاً: هل أن سياسة الرسول، صلوات اللَّه عليه وآله، حيال المشركين في جزيرة العرب تسري الآن، وفي كل زمان، على علاقة المسلمين بغير الكتابيين جميعهم، فنقاتلهم إلاَّ أن يُسلموا؟ أو أن علينا أن نقرأها اليوم قراءة مختلفة، آخذين بعين الاعتبار مقتضيات التأسيس، وحماية القلب والمنطلق، وفي رأس كل اعتبار تصدّيهم العنيف للدعوة الجديدة؟
والسُّؤال الذي يواجهنا هو: منهجياً كيف نبحث هذا الموضوع؟ وبتعبير آخر: كيف نميّز بين المفاهيم الإسلامية المطلقة وبين السياسات الآنيَّة التي جرى تثبيتها في ما بعد؟ أقدّم، في سبيل الإجابة، مثلاً هو كتاب فقيه نحترمه، الشيخ الدكتور يوسف القرضاوي، أعتقد أننا جميعاً نعرفه، يكتب تحت عنوان: «غير المسلمين في المجتمع الإسلامي». إنه يبحث هذا الموضوع، استناداً إلى نصوص أكثرها من السنّة. كيف نستطيع أن نثبت أن ما في السنّة مفاهيم مطلقة وليس سياسة ظرفيَّة؟
أعطي مثالاً واضحاً، وهو موقف الإسلام من المشركين في جزيرة العرب. كلنا نعرف أنه كان من آخر ما
________________________________________

[ الصفحة - 282]


التزمه الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم) أن يطهّر الجزيرة من المشركين، وكان على الواحد منهم أن يسلم أو يخرج أو يقاتل. نقبل من أهل الكتاب أن يصبحوا أعضاء في المجتمع، أعضاء في الدَّولة، أما المشرك فلا.
هل يمكن أن ندَّعي أن هذه السياسة كان سيجري التزامها بهذا الشكل الحادّ من قبل الرسول لولا موقف المشركين العدائي، ولولا التحالف الذي أقاموه مع اليهود؟ يعني لو أن المشركين لم يحاربوا بالشكل العنيف الذي نعرفه جميعاً، هل كان يجري هذا الإجراء في حقهم؟
أنا أقول: لا، وسأقدِّم الدليل. عندما يأتي، الآن، مؤلِّف ليقول: إن المشرك ليس له مكان في المجتمع الإسلامي، استناداً إلى السياسة النبوية، ألا يمكن أن نقول: إن هذه السياسة إنما كانت رد فعل على ما ارتكبه المشركون بحق الإسلام، وليست موقفاً مطلقاً؟ ألا نستطيع أن نقول: إنها ليست موقفاً نابعاً من مفهوم الدولة الإسلامية، وليست موقفاً نابعاً من مفهوم المجتمع الإسلامي؟
أنا سأقدِّم الدَّليل على ذلك.
والسُّؤال الذي يثار هو: من أين نستنبط فقه هذه المسألة؟ طبيعي أن نستنبطه من النُّصوص التي تتوافر فيها الشروط المعروفة في الأصول الفقهية للاستنباط. هناك نصوص تشهد وتدل، كما قلنا، على أن للدولة الإسلامية موقفاً من المشرك هو غير الموقف من الكتابي. ولكن هناك نصوص اُخرى من نوع آخر، يعني ذات عموم، الخلق كلهم عيال اللَّه، وهناك الوصية العظيمة للإمام أمير المؤمنين علي (عليه السلام) لمالك الأشتر التي تنصُّ على أن الناس إنما هم أحد اثنين؟ إما أخ لك في الدين أو شريك لك في الخلق، وليس هناك إنسان خارج هذين المعيارين.
ونسأل: هل ما في هذين النَّصين موقف أخلاقي مجرد فحسب، أو هو جزء من مفهوم للمجتمع الإسلامي؟ سؤال كبير يحتاج إلى إجابة.
إنِّي أعتقد أن هذا السُّؤال جرى تجاوزه، في كثير من الكتابات، لمجرد أن هناك نصوصاً تدخل في عمل إجرائي كان يؤدِّيه الرسول (صلي الله عليه و آله و سلم)، بوصفه قائداً عليه أن يحمي مجتمعه، يعني أنه يتصرَّف، أحياناً، على مستوى الفعل
________________________________________

[ الصفحة - 283]


وأحياناً على مستوى رد الفعل، ومن أخطر الأشياء أن نثبّت ردَّ الفعل، ونعدُّه حقيقة ثابتة مهما اختلف الزمان، ومهما اختلف المكان، ومهما اختلفت الظروف.
2 - ينبغي التذكير، في المطلع، بأن الصيغة الاجتماعية فالسياسية الإسلامية مبنيّة على العقيدة؛ بوصفها الرابط الوحيد العام، العامل على مستوى الأمة، وأيضاً بوصفها الموجّه السلوكي، والميزان الأخلاقي، الذي يضع لها سلّم الأولويّات. ومبنية ضمناً وتالياً على الشريعة، بوصفها الناظم للعلاقات.
هذا يعني أن كلَّ الروابط الاُخرى، من عقيديّة: غير الإسلام، وغير عقيدية: من أرض، ولغة، ونسب، وتاريخ مشترك، تأتي في درجة أدنى بنسب مختلفة. لكنه لا يعني بالضرورة أنها مذكورة وغير مُعترف بها، أو حتى أنها غير مرعيّة. بل فقط أنها ليست معيار الانتماء، لأنها، وفق المعايير الإسلاميّة الثابتة، إما أمر واقع، لا يجوز تبديله بالإكراه، على قاعدة «لا إكراه في الدين»، بل «بالحكمة والموعظة الحسنة»، أو أنها من طبع البشر ومن فطرتهم ومن تربيتهم الاجتماعية أو الثقافية. يُترك لاستيعاب المشروع من قبل الناس، مهما طال، أن يُخفّف من وطأتها، أو يضعها في الحجم الذي تستحقّه. وهذا السِّياق هو موضوع عشرات النصوص التي يمكن أن نضعها تحت عنوانين؛ الأول: قوله تعالى: { يَا أَيُّها النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِّنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ... } {الحجرات/13} . والثاني: الحديث النبوي المشهور: «يا أيُّها الناس، ألا إن ربكم واحد، وإن أباكم واحد، ألا لا فضل لعربي على أعجمي، ولا لعجمي على عربي، ولا لأحمر على أسود، ولا لأسود على أحمر، إلا بالتقوى».
هذان النصَّان لا ينكران التمايزات، ولا ينكران الخصوصيات، ولكن لا يقبلان أن تكون هذه التمايزات والخصوصيات معيار الانتماء في العالم الإسلامي.
3 - بُغيتنا، من هذا التذكير، بصفات المشروع الإسلامي ومفاعيله، أن نصل إلى ملاحظة نعتقد أنها الأكثر أهميّة، ونحن نعالج الإشكالية التي يطرحها العنوان؛ وهي أنَّه ما من أقليّة
________________________________________

[ الصفحة - 284]


في المجتمع الإسلامي العتيد؛ أعني ما من أقليّة تفرضها طبيعة المشروع، كما في أي صيغة أو مشروع سواه. كل ما هنالك اختيار أقلّوي؛ أي أن هناك جماعة تُصرّ، لأسباب تخصّها، على أن تُبقي نفسها خارجه مُتشبّثة بوضعها الماضوي، وبخصوصيّتها النَسَبيّة أو الثقافيّة أو الأقواميّة... الخ. وبالتَّالي فإن علينا أن نميّز هنا، وبوضوح، بين مشروع أو رابطة أو صيغة من الطبعي أن تُنتج أقليّة، وما يتبع ذلك من تمييز حقوقي، وبين آخر، من الطبعي أيضاً أن يُنتج حالة من الاندماج الطوعي والكامل.
وليس يسَعُني إلا أن أقول ـ هنا ـ : إن من أوضح أوصاف ذلك الاختيار الأقلّوي، أنه رجعي، بالمعنى السوسيولوجي للكلمة؛ أي أنه ينظر إلى الماضي، وينتمي إلى ما قبل الصيغة المتجاوزة، برسم الجميع على حد سواء.
4 - أوفى نصّ على كل ما تقدّمنا به، نجده بشكل نقي ومباشر، في الوثيقة فالدستور التي وضعها خاتم الرسل، صلوات اللَّه عليه وآله، بُعيد هجرته إلى «المدينة»، ابتغاء تنظيم العلاقات داخل المجتمع الجديد البالغ التنوّع.
في هذه الوثيقة الفريدة النظرية الأساسية للدولة والمجتمع الإسلاميين، عمادها عقد اجتماعي، من موجبات متقابلة. وأجدر ما تجب علينا ملاحظته، ونحن نقرأها، أنها وُضعت قبل انفجار الوضع في «المدينة» وما حولها، وبعد انسياق الجماعات المجاورة، من عرب ويهود، في مشروع الارستقراطيّة القرشيّة، العامل على تدمير الحركة الجديدة في مهدها. ومن هنا فهي، إذاً، اختيار حر ومبدئي، وليست ردّ فعل على مبادرات الآخرين كما هي، وفقاً لفهمنا ووفقاً لمنطوق الوثيقة أيضاً، المواقف التالية من اليهود وممن ثبت على الشرك، جزاءً وفاقاً على تشبُّثهم بسياسة العداء. وهي المواقف التي جرى تثبيتها في السياسة وفي الفقه المتعلّق بغير المسلمين.
تتألَّف الوثيقة، كما يفيد تحليلها، من سبعة وأربعين بنداً. وتحمل عنوان «هذا كتاب من محمد النبي، بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومَن تبعهم فلحق بهم، وجاهد معهم». ومن الواضح أنه يعني بالمؤمنين من قريش: المهاجرين. ومن
________________________________________

[ الصفحة - 285]


يثرب: الأنصار. وبمن «تبعهم فلحق بهم»: كل من ينضمّ إلى الصيغة التي تطرحها الوثيقة، من عرب ويهود في «المدينة» وجوارها. ونحن سنقتبس منها ما نراه ذا علاقة بمشكلة البحث. ونصّها الكامل في (سيرة ابن هشام، المكتبة العلميَّة، بيروت لبنان، الجزء الثاني، ص 501 - 504).
جاء في بداية كتاب رسول اللَّه (صلي الله عليه و آله و سلم): «بسم اللَّه الرحمن الرحيم، هذا كتاب من محمد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) بين المؤمنين والمسلمين من قريش ويثرب، ومن تبعهم، فلحق بهم، وجاهد معهم إنهم أمَّة من دون الناس...».
يُعلن البند الأول: «إنهم أُمَّة واحدة من دون الناس». ولا جدال في أن هذا الأمر أهم ما في الوثيقة على الإطلاق. هوذا إعلان ثوري بكل ما للكلمة من معنى؛ يضع خلفه كل المفاهيم والصِّيغ والأطُر الاجتماعية القائمة حتى زمانه، ويطرح مفهوماً جديداً هو «الأمة الواحدة»، باعتبارها إطاراً يحتوي كل التنوُّعات الأقواميّة والدِّينيّة.
البنود 2 - 10 تمضي في تعداد القبائل، كلّ باسمها: «... المهاجرون من قريش على ربعتهم {الربعة: الحال التي جاء الإسلام وهم عليها يتعاقلون بينهم، وهم يفدون عانيهم {العاني: الأسير} بالمعروف والقسط بين المؤمنين...». وتمضي الوثيقة هذا في ذكر أسماء الذين يشملهم مفهوم الأمَّة، وهم بنو عوف وساعدة والحارث وجشم والنجار وعمرو بن عوف والنَّبيت والأوس.
ثم تقرر «... وإنه من تبعنا من يهود فإن له النَّصر والأسوة، غير مظلومين ولا متناصرين عليهم...».
والاتباع، هنا، لا يعني التخلِّي عن دينه، وإنَّما النفقة مع المؤمنين ما داموا محاربين، وعدم الوقوع في الظلم والإثم، فمن يفعل ذلك فإنَّما يوتغ (يهلك) نفسه، «... وإن اليهود ينفقون مع المؤمنين ما داموا محاربين، وإن يهود بني عوف أمَّة مع المؤمنين، لليهود دينهم، وللمسلمين دينهم، مواليهم وأنفسهم، إلاّ من ظلم وأثم فإنه لا يوتغ إلا نفسه وأهل بيته...»، وتعدّد الوثيقة أسماء فئات اليهود فتقول: «وإن ليهود بني النجار مثل ما ليهود بني عوف...» وهكذا كانت حقوق الفئة التي اختارت أن تكون أقلية وواجباتها واضحة منذ البداية.
________________________________________

[ الصفحة - 286]


أي أنهم على وضعهم السابق؛ بحيث تبقى كلُّ فئة محتفظة بشخصيتها المعنويّة، وتستمر في اتّباع عاداتها، من دون أن يكون في ذلك أيُّ تنافٍ مع مفهوم الأمة الواحدة.
البند الثالث والعشرون ينصّ على وحدة المرجعيّة القضائيّة في النزاعات بين الأفراد. جاء في الوثيقة: «وإنكم مهما اختلفتم فيه من شي‏ء، فإن مردّه إلى اللَّه وإلى محمد». وهذا معنى تكرّر في البند الثاني والأربعين، ولكنه، هنا، في ما يخصّ النزاعات بين الجماعات المكوِّنة للأُمة «وأنه ما كان بين أهل هذه الصحيفة من حَدَث أو اشتجار، يُخاف فساده، فإن مردّه إلى اللَّه عز وجل وإلى محمد رسول اللَّه». وغني عن البيان أن هاتين المادتين تؤولان إلى تحييد الأعراف والتقاليد المليّة وتعطيلها، وهي التي كانت تحلّ بمقتضاها النزاعات، وطبعاً القتال، بوصفه الوسيلة الأثيرة لحلّ النزاعات، على قاعدة فرض وجهة نظر الأقوى.
البندان السَّابع والثلاثون والثَّامن والثلاثون يُعنيان بإعلان التضامن الكامل بين «أهل هذه الصحيفة»، تجاه المسؤوليات الأخلاقية المتبادلة، التي يفرضها كونهم جميعاً أعضاء متساوين في «الأمّة الواحدة»؛ وخصوصاً في التناصر والدفاع عن هذا المكسب التاريخي، والمساهمات في نفقات حياطته وردّ المعادين.
5 - الوثيقة فالدستور، من بعدُ، غنيّة جداً. ومن أسف فإنها لم تُدرس دراسة علميّة وافية. ونحن لم نتناول منها إلا ما يتعلّق بمشكلة البحث. ونخلص منها إلى نتيجة أساسيّة، كنّا قد أشرنا إليها قبل قليل، وهي أن مفهوم الأمّة، كما تطرحه، لا يترك فريقاً يمكن وصفه عمليّاً بأنه أقليّة، من حيث أنه يضمن دخولاً سهلاً وطبيعيّاً لكل الفئات في بُنيتها، مع ضمان المحافظة والرعاية لخصوصيّاتها الإثنيّة والثقافية، كما يضمن العدالة على أساس من الموجبات المتقابلة.
وليس النَّصُّ على هذا المفهوم وأُنموذجه بالمحصور في هذه الوثيقة، بل الحقيقة أن أُنموذجها شائع. ومن ذلك الحديث المعروف: «الناس كلهم عيال اللَّه، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله». وما ورد في وصية الإمام أمير المؤمنين (عليه السلام) لمالك الأشتر: «وأشعر قلبك الرَّحمة للرعيّة، والمحبّة لهم،
________________________________________

[ الصفحة - 287]


واللطف بهم، ولا تكوننّ عليهم سبعاً ضارياً، تغتنم أكلهم، فإنهم صنفان، إما أخ لك في الدين، أو نظير لك في الخلق».
لكنَّ هذين النصين وأمثالهما عوملت دائماً بوصفها وصايا أخلاقيّة. وذلك، في ما نظن، بسبب غلبة نصوص اُخرى، أكثر بكثير، نرجح أنها أحكام ضرورة؛ من مثل الأحكام الخاصة بالمشركين، وبعض أحكام أهل الكتاب؛ وخصوصاً الجزية وأحكامها. يجب أن نميّز هنا وبوضوح، بين أُنموذج الوثيقة وأمثالها، وبين مجموعة من الأحكام والأدبيات صدرت في جو الصراع. والموضوع، على كل حال، يقتضي دراسة أوفى وأشمل.
الشيخ خالد العطية: شكراً لسماحة العلاّمة الشيخ جعفر المهاجر على مداخلته الطيبة هذه، وأودّ أن أنوه، في ختامها، بالملاحظة المنهجية القيمة التي وردت في كلامه حول المصادر التي نستقي منها فقه الأقليَّات، وضرورة إعادة قراءتها في ضوء الظروف التي صدرت فيها من جهة، وفي ضوء الظروف الراهنة من جهة اُخرى، سيما وأنّ كثيراً من مصادر فقه أهل الذمّة هي حوادث وردّات فعل ظرفية، وهناك مثال آخر مشابه له هو فقه البغاة، فمعظم أحكام هذا الفقه استنبطت من حوادث البغي المعروفة في التاريخ الإسلامي في عصوره الاُولى.. من الجمل وصفّين والنهروان وأمثال ذلك. على كل حال، إعادة القراءة هذه ضرورية، وأعتقد أنها تسهم، بشكل أو بآخر، في تصحيح كثير من المفاهيم الخاطئة عن وضعية أهل الذمة داخل المجتمع الإسلامي، وإن كان يبقى بعد ذلك الكثير من الأحكام التي تعدّ من المسلَّمات والثوابت التي لا يمكن تغييرها بحال من الأحوال، ومن الممكن استخلاص أهم حقوق الأقليات الدينية والإشارة إليها بشكل سريع، وقد وردت ضمناً في كلام سماحة الشيخ، وأهمها:
أولاً: حريتهم في الاعتقاد وفي ممارسة شعائرهم الدينية، والإلتزام بأحكام دينهم في ما يتعلّق بسلوكهم الخاصّ وأحوالهم الشخصية؛ من زواج وإرث ووصايا ونحو ذلك.
ثانياً: حمايتهم من أي اعتداء أو ظلم خارجي أو داخلي يهدد حياتهم أو أعراضهم أو أموالهم.
________________________________________

[ الصفحة - 288]


ثالثاً: حريتهم في العمل والكسب ومزاولة ما يختارون من المهن الحرّة وألوان النشاط الاقتصادي.
رابعاً: حقهم في تولّي وظائف الدولة ما عدا تلك التي لها، مساس بالعقيدة والنظام الإسلامي.
خامساً: شمولهم بالرعاية الاجتماعية العامّة وتمتّعهم بها كسائر رعايا الدولة الإسلامية الآخرين من المسلمين.
نجدِّد الشكر لسماحة الشيخ، وننتقل إلى الدكتور بسام عبد الحميد، لنسأله عن نظرة الإسلام إلى التمايز العرقي بين الشعوب، وموقفه من الأقليات العرقية وحقها في الاحتفاظ بلغتها وهويتها الثقافية.
د. بسام عبد الحميد: موضوع مداخلتي هو: «حقوق الأقليات العرقية في الإسلام» . المعروف أن الإسلام أعطى هذه الأقليات حقوقها، ومن ذلك حقها في الاحتفاظ بلغتها وهويتها، وهذا ما سوف نتبينه ممّا يأتي.
منذ الأيَّام الاُولى لظهور الإسلام، قال اللَّه تعالى واصفاً دور نبيه والغاية من إرساله: { وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلاَّ رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ } {الأنبياء/107} . هذا النص القرآني يفيد أن الإسلام دين اختاره اللَّه تعالى لعموم البشرية من دون استثناء، ولم يخصه بشعب، ولا هو وقف على أمة بعينها، وليس لجماعة حظوة فيه دون الجماعات الاُخرى. ولعل هذه العمومية الواردة في الآية هي من بين الأسباب الرئيسية التي ستضمن سرعة انتشار هذا الدين واستقطابه عناصر ذات أصول وأعراق ولغات مختلفة.
وبما أن الإسلام دين أتى ليقرّ، بالدرجة الاُولى، مبدأ الوحدانية ونفي ما دون ذلك وسط ثقافات مختلفة حيال هذا الموضوع اختلافاً كبيراً، كان من الطبيعي أن يكون تصنيفه لهذه الثقافات والموقف منها على أساس من هذا المبدأ فحسب. لذا، نرى النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) منذ أن جهر بدعوته يقيم قاعدة دقيقة في اعتبار هذه الثقافات وفي مواجهتها، وهو يعتبر أن ثمة فئتين لا يخلو الكون من وجودهما منذ ظهور الإسلام، المؤمنين والمشركين، وقد واجه النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)، ومعه المسلمون، نوعين من أنواع الشرك عرفتهما الجزيرة العربية: النوع الأول كان يتمثل بعبادة الأصنام، وكان هذا حال غالبية القبائل
________________________________________

[ الصفحة - 289]


العربية، بينما تمثلت الفئة الثانية من المشركين باليهود والمسيحيِّين، وهم أصحاب كتاب سماوي ووحي؛ لذا سيطلق عليهم القرآن لقب أهل الكتاب، والاختلاف الناشى عن هذا التقسيم يستتبع اختلافاً في المواقف من الفريقين. في ما يتصل بالفئة الاُولى، لم يكن لدى القبائل منذ البداية خيار ثالث بين اعتناق الإسلام أو القتال، أما الفريق الثاني، فقد حظي أتباعه، منذ البداية، برعاية المسلمين، فنظَّموا معهم عهوداً ومواثيق سمّوا من أجلها في الأعمال الفقهية الإسلامية بأهل الذمَّة.
وبناءً على ذلك، نجد أن الإسلام جعل الإيمان وحده المعيار للتمييز بين المسلمين مما عداهم من الأمم، وتجسَّدت هذه الفكرة في قوله تعالى: { إِنَّمَا المُؤْمِنُونَ إِخْوَةٌ } {الحجرات/10} ، فضابط الأخوّة، بحسب المدلول القرآني، هو الإيمان، وليس من وزن أو اعتبار لما عدا ذلك من معايير العرق والأصل واللغة والانتماء الجغرافي، وإذا كان الإيمان هو معيار التمييز بين المسلم وغير المسلم فإن معيار التفاضل بين المسلمين أنفسهم واحد أيضاً، وهو التقوى. قال تعالى: { إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ } {الحجرات/13} ، فجعل التقوى الأساس في الاعتبار من دون سائر الاعتبارات.
لقد ساعدت نصوص كثيرة، من القرآن والسنَّة، في تحديد فكرتي الأخوّة والتفاضل القائمتين على أصلٍ إيماني، وفي رسم الإطار العام لهما، قال اللَّه تعالى: { إِنَّ هَذِهِ أُمَّتُكُمْ أُمَّةً وَاحِدَةً وَأَنَا رَبُّكُمْ فَاعْبُدُونِ } {الأنبياء/92} ، وقال رابطاً المؤمنين بجذر: { وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعاً وَلاَ تَفَرَّقُوا } {آل عمران/103} ، وحذَّرهم من الافتراق: { وَلاَ تَكُونُوا كَالَّذِينَ تَفَرَّقُوا وَاخْتَلَفُوا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ البَيِّنَاتُ وَأُولَئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ } {آل عمران/105} وقال: { إِنَّ الَّذِينَ فَرَّقُوا دِينَهُمْ وَكَانُوا شِيَعَاً لَّسْتَ مِنْهُمْ فِي شَيْ‏ءٍ } {الأنعام/159} .
أمَّا في السنَّة فيؤكد النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أن: «يد اللَّه مع الجماعة، ومن شذَّ شذَّ في النَّار»، وأنَّ: «من فارق الجماعة شبراً، فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه»، وكذلك: «من أراد أن يفرِّق جماعتكم فاقتلوه»، واعتبر النبي (صلي الله عليه و آله و سلم)
________________________________________

[ الصفحة - 290]


أن العصبية أولى المزالق المؤدِّية إلى الفرقة، فدعا أصحابه إلى اجتنابها واصفاً إياها بأنها منتنة، وقال في معرض آخر حول الموضوع نفسه: «ليس منَّا من دعا إلى عصبية، وليس منا من قاتل على عصبية، وليس منا من مات على عصبية».
ولم يكن من قبيل المصادفة، أن كان عمّ النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) أبو لهب ألدّ أعدائه وأكثر المشركين أذية له، وتحريضاً عليه، فيما كان كل من سلمان الفارسي، وصهيب الرومي، وبلال الحبشي، أقرب الناس إليه، ففي الأول يقول: «سلمان منا آل البيت»، وفي الثلاثة معاً، يسأل أبا بكر الصديق عمّا إذا كان قد أغضبهم، عند اعتراضهم أبا سفيان، بعد صلح الحديبيَّة، لأنَّه إذا أغضبهم، قال النبيّ (صلي الله عليه و آله و سلم)، فقد أغضب اللَّه.
وعندما كان المسلمون يفتحون خارج الجزيرة العربية، كانوا يفتحون باسم الإسلام وحده، فأقبلت نتيجة ذلك على الإسلام شعوب متعددة وثقافات مختلفة، وتمكن الإسلام من استيعابها وصهرها، وإزالة الفوارق بين أفرادها، وإلحاقهم بأمته، فكان بالنسبة إليهم: الدين والدولة والجنسية، وقد ذابت في جنسيته كل جنسياتهم وقومياتهم وعصبياتهم، وحقق بذلك وحدة اجتماعية لم يعرف التاريخ مثيلاً لها، وأمن لجميع أتباعه مساواة حقيقية في ما بينهم.
وفي عصر الفتوحات الكبيرة، حقق الفاتحون المسلمون، من غير العرب، انتصارات ساحقة، كان لها أن تغير مجرى الأمور في التاريخ، وظهر من بينهم أعلام لا يزالون محل فخر المسلمين واعتزازهم إلى يومنا الحاضر.
وعندما أراد متكلِّمو القرن الرابع الهجري وفقهاؤه تعليل شرط النسب في الإمامة، لم يجدوا إلاَّ القول بضرورة الاستفادة من قريش وعصبيتها في دعم المجتمع الإسلامي وحمايته، ولم تكن المسألة مسألة إقامة عصبية على اُخرى، على أن مبرر الاحتفاظ لقريش بالخلافة قد زال حال تفرق أهلها وتصدع عصبيتها واجتراء سائر القبائل الاُخرى عليها، كما يقول ابن خلدون.
وكانت قد بدأت تظهر، منذ نهايات القرن الأول الهجري، بعض الممارسات الداعية، في مستوى السلطة، إلى الاستناد إلى العنصر العربي من دون سائر الأجناس المكوّنة
________________________________________

[ الصفحة - 291]


للمجتمع الإسلامي وقتذاك، وجرى تبنِّي هذه السياسة بالفعل من قبل عدد من الخلفاء الأمويين، ما استدعى ردود فعل جرى التعبير عنها في مستويات كثيرة، لا سيما منها ما أدى إلى سقوط الدولة الأموية نفسها، في ثورة قامت بها عصبية اُخرى منافسة.
وجرى، في ظل العباسيين، الاستناد فعلياً إلى عصبيَّات وأعراق مختلفة: الفرس، الأتراك، الديلم، السلاجقة، إلى جانب عشرات الأسر ذات الأصول العرقية المختلفة التي عملت، تحت الاعتبار نفسه، على اجتزاء بعض المقاطعات التابعة للسلطة المركزية وإخضاعها لسلطتها، وكان يترتب على ذلك، لا سيما في العصور المتأخرة، وجود جماعات مسيطرة تتمتَّع بأوضاع اجتماعية أعلى، وامتيازات أكبر، ما كان يؤدي بالفعل إلى الشعور بالتفوّق العرقي لدى بعضهم، مقابل الشعور بالحرمان وعدم القدرة على المشاركة الكاملة في حياة المجتمع لدى الآخرين.
وعادة ما كان يترافق، مع ذلك، سعي كل فريق إلى تمثل شخصية تجعله مميزاً عن الآخر، وكان ذلك يجري لدى كل فئة من خلال استحضار ما ليس مشتركاً مع الآخر من عناصر ثقافية (اللغة، التاريخ)؛ وهي ركائز تشكل أساس موقعه الاجتماعي المستجدّ.
غير أن مفهوم الأقليات العرقية لم يظهر فعلياً، ويكون ذا تأثير، إلا مرتبطاً بمشاريع الدول الكبرى الهادفة إلى استعمار المنطقة والقضاء على الخلافة العثمانية.
فلقد كانت مسألة التمايز الثقافي والديني محل استخدام القوى الاستعمارية على أوسع نطاق، فبعثت المسألة القومية، بوصفها تعبيراً عن التمايز الثقافي بين الأجزاء المكوِّنة للمجتمع الإسلامي، وبعثت الشخصية الدينية تعبيراً عن التمايز الديني بين الجماعات التي يتألف منها هذا المجتمع، ولعبت الإرساليات التبشيرية دوراً كبيراً في الجانبين معاً. وواضحٌ، في الجانب الأول، دور الكلية الإنجيليَّة السورية في بيروت منذ النصف الثاني من القرن التاسع عشر، وفي الجانب الثاني يظهر دور الجمعيات التبشيرية اليسوعية إلى جانب دور المستعمر نفسه، مباشرة أو بشكل غير مباشر، في بعث الروح الانفصالية للجماعات التي
________________________________________

[ الصفحة - 292]


كانت لا تزال تشكل أحد العناصر الأساسية المنصهرة في بنية المجتمع الإسلامي. لم يتجاوز حرص المستعمر، في ذلك، حد البحث عن موطى قدم أو جماعة في الداخل يجري الاستناد إليها. فقد تمكّن البريطانيون من أن يقنعوا الدروز في جبل لبنان بأنهم منقذوهم، وتمكَّن الفرنسيون من استمالة العلويين في الساحل السوري، فيما شكّلت الجماعات الدينية الاُخرى أرضية أرحب لاستقبال الوافدين الجدد على المنطقة.
وفي الجانب الآخر، قامت سياسة فرنسا، في شمال أفريقيا، منذ مطالع القرن التاسع عشر على أساس توسيع الهوَّة بين العرب والبربر وتعميقها. وفي هذا الإطار جرت محاولات لربط البربر بالحضارة الأوروبية المسيحية؛ سواء من الناحية الثقافية بإنشاء المدارس والتخصُّصات التي تفي بهذا الغرض، أم من الناحية التشريعية بجعل أعراف البربر قانوناً يجري الاحتكام إليه.
وغذّت بريطانيا مشاعر الانفصال عن العثمانيين عند الأكراد، ودفعتهم إلى التحالف معها ضدهم.
ولا تزال، في اعتقادي، مثل هذه الأمور تجد إلى يومنا الحاضر أدواتها ومسالكها ومنطقها، وربما تمثَّلت هذه النماذج في وقتنا الراهن بالنموذج الإسرائيلي، فقد عرف الفكر الصهيوني منذ إنشاء الدولة العبرية عدة مشاريع تفتيت على القاعدة نفسها. ولما كانت إمكانية التقسيم على أساس ديني وطائفي هي الأكثر وروداً، فإن هذا الكيان سيستفيد من تشريع وجوده على أساس ديني (مشروع دافيد بن غوريون سنة 1954 لتقسيم لبنان مثلاً). واليوم يبحث الدور الإسرائيلي عن مكان على الأساس نفسه: «دعم أكراد العراق، ومتمردي جنوب السودان، والدور الإسرائيلي أبان الحروب اللبنانية».
لقد عبَّرت صحيفة «هآرتس» الإسرائيلية عن هذه الحقيقة بدقة في مقالة في عددها الصادر يوم 20 حزيران سنة 1982 (قبل ثلاثة أيام من اجتياح لبنان): «إن تفتيت الدول العربية إلى دويلات صغيرة فكرة تشغل بال إسرائيل، بل إنها إحدى نقاط إسرائيل الاستراتيجية التي تفكر بها دائماً».
الشيخ خالد العطيَّة: نشكر الدكتور بسَّام عبد الحميد على كلمته
________________________________________

[ الصفحة - 293]


القيِّمة، وننتقل إلى الدكتور سمير سليمان لنستمع إلى مداخلته التي تتضمن رؤيته لقضية الأقليات في المجتمع الإسلامي على الصعيد التاريخي وعلى صعيد الواقع المعاصر.
د. سمير سليمان: سأتحدّث في موضوع «حقوق الأقلِّيات في المجتمع الإسلامي فقراءة في المصطلح والتاريخ والمعاصر».
ليست مداخلتي، أيُّها الأخوة والأخوات، سوى إشاراتٍ حضاريةٍ، وإثاراتٍ للنِّقاش في أسئلةٍ جاهرةٍ تارة، وضمنية تارةٍ اُخرى.
وهي لا تدَّعي أنها حاكتْ جميع الأسئلة، أو قاربت جميع الإجابات.. إنها ليست أكثر من محاولةٍ للتأمُّل في عناوين منهجيةٍ سريعةٍ تتناولُ مصطلحَ الأقليَّات، ومصطلحَ أهل الذمَّة، وظاهرة الأقليات في التاريخ الإسلامي، وإشاراتٍ إلى إشكاليات الحقوق والواجباتِ المترتبة لغير المسلمين وعليهم.. ثمّ أسئلةٍ مركَّبةٍ على رؤوس الألسنة.
ليس مصطلحُ «الأقلية» و «الأقلياتِ»، مصطلحاً حيادياً.. إنه مصطلحٌ استفزازي؛ بمعنى أنه مثيرٌ للتمايزِ المزدوج. فمن جهةِ الأكثرية يعزز المصطلح/ المفهوم شعوراً بالفوقيَّةِ والاسترخاء في نرجسية راضيةٍ عن الذات، مطمئنَّةٍ إلى سلطانها وهيمنتِها، لكنه في الوقت عينهِ يبعث على «الاسترابة» بالآخر والتشكيك فيه. أما من جهة الأقلية نفسها، فالمصطلح/ المفهوم يثيرُ الإحساس بالدونية والقلقِ على الذات والمصير، والرغبة في الاحتياط من خطر الذوبان، أو الاجتياح، أو الابتلاع.. وهو خطرٌ قد يكون حقيقياً، وقد يكون ممكناً أو متخيلاً أو موهوماً.. كما أنه محفّزٌ للبحث عن موئلٍ أو ملجأ.. أو حماية داخلية أو خارجية.
إنه من أكثر المصطلحات اكتنازاً بمغرياتِ الفتنةِ والوقيعة.. والتحريضِ عليها، فيه ثمة تذكيرٌ دائم «باللاأمان» الاجتماعِي والسياسي والوجودي والاعتقادي، وبالتالي فهو مفاعِلٌ تقسيمي، أو مُمَانعٌ لِلُّحمة، أو قابليَّةٌ اختراقية.
في ديننا ومشروعنا الحضاري، لا وجودَ لمصطلحر مفهوم الأقليات بالدلالات القانونية والسياسية والثقافية المتداولةِ منذ حقب، فلم يُعْرَفْ بين
________________________________________

[ الصفحة - 294]


ظهرانينا إلا في القرن التاسع عشر، وفي ظل الدولة العثمانية. وكان العالمُ الغربي هو الذي دسَّ هذا المصطلح /المفهوم ليهوّنَ من شأن «الأقليات» ـ أي غيرِ المسلمين ـ ويصوّرهم بوصفهم ضحايا ظلم الأكثريةِ واضطهادها، وأنهم بالتالي يحتاجون إلى الحماية من الخارج، وبخاصةٍ من الدول المسيحية (هويدي، فهمي ففي: «حقوق الإنسان في الإسلام ـ مقالات المؤتمر السادس للفكر الإسلامي» ـ منظمة الإعلام الإسلامي طهران، 1408هـ/1988م ـ ص 380).
لذلك، لم يكن مستغرباً أن تُجعَلَ قضيةُ الأقلياتِ مطيَّةً أو ذريعةً للتدخُّل في شؤون الأمة بحجة الحرص على حماية تلك الأقلياتِ، والدفاعِ عن حقوقِها المنتقصةِ أو المنتهكة.
ما الأقليَّة في التعريفات الشائعة؟
الأقليَّة، في هذه التعريفات، كيانٌ مستقلٌّ متميزٌ عن الأغلبية الساحقة لعموم الشعب. وأبرزُ معالم الأقلية عصبيَّتها ورفضُها الاندماجَ في الأكثرية التي تفقد فيها ـ إنْ فَعَلَت ـ كيانها المستقل (انظر: قدر، أنجم ففي: «حقوق الإنسان في الإسلام..» م.س ص 397)، وقد لا تكون الأقليات دينية فحسب، بل يمكن أن تكون ثقافية ولغوية وعرقية أيضاً، وربما ابْتَنَتْ على أساس اقتصادي (م.ن.).
والرَّائجُ أن الأقلياتِ موسومةٌ بالاستضعاف والمظلوميَّة والحرمان، وبأنها في مَوْقِع مضايقةٍ واضطهادٍ وهيمنة، وليست هذه بالطبع حال بعض الأقليات التي نجحت، لأسبابٍ كثيرة ومعقَّدةٍ ومختلفة، لا مجال لذكرها في هذه العجالة، في احتواء الأكثرية والاستيلاء على مقدَّراتِها وقرارها، بل في تذويبها أحياناً، وذلك خلافاً للقانون العام القائل بحتمية ذوبان القلة في الكثرة. فلطالما عَرَفَ التاريخُ دعواتٍ ورسالاتٍ احتضنتها قلَّةٌ في البدايات، حتى استطاعت في النهايات أن تتحول إلى كثرة؛ كما عرف التاريخ أقلياتٍ ثقافيةً واعتقاديةً وسياسية، صَهَرتْ في بوتقتِها أكثرياتٍ غفيرة، كما فعل العرب والمسلمون في شبه الجزيرة الأبيرية. وقد شهدت الأزمنةُ
________________________________________

[ الصفحة - 295]


المتأخرةُ هيمنة أقلياتٍ على أكثريات، كما كانت الحال في أفريقيا الجنوبية (روديسيا)، أو كما هي الأقلية المسيحية في السنغال.. الخ.
بمعنى آخر، ليست الأقلياتُ، دائماً، هي الجماعاتُ المظلومةُ والمستضعفة، وليست دائماً في حالة الحرمان ولا في موقع الاضطهاد والامتهان.
ثمّ أليس غيرُ المسلمين أفضل حالاً من المسلمين في مجتمعاتنا؟ أليست حقوق المسلمين هي التي تُنتهك على مدى العالم الإسلامي، إلاّ في شواذٍ قليلٍ.. بل نادرِ الوجود؟
الظاهرة في التاريخ الإسلامي‏
منهجياً، وابتداءً، ما ينبغي الإلفات إليه، لزومُ التمييز بين التاريخ السياسي للمسلمين؛ أي بين الواقع التاريخي لسياساتِ المسلمين، وبين المنهجِ السياسي في الإسلام.. بمعنى آخر، يجب التَّفريقُ بين المشروع الحضاري الإسلامي، وبين النَّماذج التي اصطنعها المسلمون وساسوا الناس، أكثرياتٍ وأقلياتٍ، تبعاً لها. ولطالما اختلط الأمر في أذهان بعض المستشرقين فحمَّلوا الإسلام مسؤولية ما صنعتْهُ أيدي المسلمين، بل بعضهم.
في قراءةٍ عامَّةٍ للتاريخ الإسلامي، لا يشعر الباحثُ بوجود مشكلة أساسية عنوانها الأقليات الثقافية أو اللغوية أو العرقية في زمن المد الإسلامي، أو هو لا يشعر ـ بالأقل ـ بأنَّ هذه الأقلياتِ قد شكَّلت وحدها خطراً على وجود المجتمع أو على بناه، كما لا يشعر بأنها تمنَّعت عن الانسياب في مساره أو التماهي فيه. لكن الباحث يوقِن بوجود مشكلة أقلِّيَّاتٍ دينية؛ لأن هذه المجموعاتِ الدينية دأبتْ على إقامة حصونٍ اعتقاديةٍ وايديولوجية وثقافيةٍ واجتماعية، وأرستْ موانعَ ذاتيةً متنوعةً وسياجاتٍ مختلفة، لتحمي كياناتها من الغرق في الأكثرية التي تطوّقها، كما أنها عبَّأتْ في ثقافتها عصبياتٍ ومخاوف، اتّقاءً لاحتمالاتِ الاختراق أو التذويب الاستراتيجي، إلا أنها، في الوقت نفسه، أَبْقَتْ جسورَ التواصل وسيعةً ووثيقةً مع محيطها بحيث عاشت فيه، ومعه، غير أنها عاشت أيضاً في ذاتها ولِذاتها، حتى صحَّ فيها القول: إنها جماعاتٌ داخل مجتمع، فهي ليست هو، لكنها منه...
________________________________________

[ الصفحة - 296]


هل هي «الاسكيزوفرانيا» الانتمائيةُ، أو الدلائية؟ لعلها كذلك..
أهل الذمَّة.. إشكاليات المصطلح‏
لعلَّ أكثر المصطلحات المعتمدة والمتداولة في التاريخ الإسلامي هو مصطلحُ: «أهل الذمَّة» الذي لم يأتِ القرآنُ الكريم على ذكره، وهذه مفارقة تستحق التساؤل والنقاش، لكنه ورد في الأحاديث النبوية، وفي مختلف الاجتهادات الفقهية اللاحقة. وقد فهمه المسلمون الأوائلُ محمَّلاً بدلالات ذمَّة اللَّه ورسوله.. وهل ثمة ذمَّةٌ أعظمُ من هذه الذمَّة؟!.. وربما لا نبالغ إذا قلنا: إن أهل ذمَّةٍ من هذا العيار، همُ الأقربُ إلى المسلمين، بل هم معقد حرصهم واهتمامهم والتواطن معهم. ولا نحسب أن أحداً في ذلك الوقت المبكر من عمر الإنسانية ومن مستوى الوعي بالآخر، قد بلغ هذه المرتبة في تقديره لمنْ هُمْ على غير ملَّتِه (هويدي، فهمي، م.س، ص 382).
وبالرغم من هذا التكريمِ الاستثنائي المتجسِّدِ في مصطلح «أهل الذمَّة» فإن هذا المصطلح/ المفهوم قد تعرَّض، عن جهلٍ، أو عن سوء نية، أو عن سوء تصرُّف، إلى حملاتِ تبكيتٍ وتشويهٍ وتندُّر، توحي بأنه يعني تحويل غير المسلمين إلى مواطنين ثانويين، والحطَّ من قدرهم.. حتى بات غيرُ المسلمين يضيقون ذرعاً بالعبارة، ويرفضون وصفهم بها إلى حد اعتبارها إهانة... وهذا حقهم.
المهم، اليوم، أن مصطلح أهل الذمة قد بات مشكلة بدلاً من أن يكون تطبيعاً اجتماعياً، وما عاد صالحاً للتداول.. وقد أصاب فهمي هويدي عندما اقترح عنواناً لكتابه الذي عالج الظاهرة، هو: «مواطنون لا ذمِّيون». فلا يصح أن تسمي إنساناً بما لا يطيقه، أو بما يستفزُّه.
حقوق الأقليات.. نعم، فما الواجبات؟
لا حقوق في الإسلام منفصلةً عن الواجبات. ولن تستقيم علاقةٌ بين الناس، ولن تفوز حركةٌ اجتماعية إلا بهذا الترابط الوثيق، والاعتراف به، وتبنّيه، حتى تصبح حقوقُ الإنسان هي: واجباتُ الإنسان وحقوقه، وحتى تغدو حقوقُ الأقلياتِ: واجباتِ الأقليات وحقوقها. فقد آن الأوانُ لتصحيح المعادلة باتجاه الإشعارِ بمسؤولية الحقوق ولوازمها.
________________________________________

[ الصفحة - 297]


إن علاقة الحقوق بالواجبات هي مسألةُ تكاملٍ، ولن يصل الإنسانُ إلى ما يصبو إليه إذا كان يريد الحرية والحقوق لنفسه، من غير أن يهتمَّ بما يصيبُ حريات الآخرين وحقوقهم، فيجب التمييز بين من «له الحق» ومن «عليه الحق».
إن الحقوق للحقوق.. هي كما نظرية الفن للفن.
هاهنا، تَطْرَحُ قضيَّةُ الحقوقِ والواجباتِ، قضية المساواة المطلقةِ في الحقوق والواجبات بين المسلمين وغير المسلمين.. والأخيرةُ تتضمن إشكالياتٍ عدّةً، وتطرحُ تساؤلات:
هل ثمة تماثلٌ أو تطابقٌ متَّفقٌ عليهما بين المسلمين والمسيحيين لتجوز المساواةُ المطلقة؟
إذا كان التَّماثلُ قائماً في حدودِ التكوين البشري، وكون الجميع أبناء آدم (عليه السلام): «فإنهم صنفان فيقول الإمام علي (عليه السلام)ف: إما أخٌ لك في الدين، وإما نظير لك في الخلق..».. فهل تفرض المساواةُ التكوينيةُ، المساواة التكليفية؟
هل الحقوق التكوينية والمساواة فيها مقتضيةٌ للمساواة الإنسانية أو المدنيةِ (أعني حقوق الإنسان في المأكل والمشرب، وفي المأوى والتَّعليم، وفي العمل والتعبُّد والمعاملات، وفي التعبير وإبداء الرأي).. وكلُّها حقوقٌ المساواةُ فيها ممكنةٌ؟
على مستوى الحقوق السياسية، هل تخضع حقوقُ الأقليات الغير الإسلامية لمعيارِ العدلِ أو لمعيارِ المساواة؟ فالمعروف أن المساواة لا تؤدي دائماً إلى تحقيق العدل بين الناس. بل إن من المساواة ما يُعَدُّ ظلماً وإجحافاً؛ في حين أن العدل يشكل معياراً أكثر انضباطاً لأنه يعني: أنْ ينالَ كلُّ ذي حق حقَّه.
ولذا نلاحظ أن كلمة «مساواة» لم تردْ في القرآن الكريم؛ إنما وردت كلمةُ «العدل» باعتبارها محوراً للرسالة الإلهية.
ما دور الكم العددي في تحديد سلطة القرار في الدولة والمجتمع المشترَكين؟
ما الضوابط التي ينبغي أن تحكم ما ينبغي، أو ما لا ينبغي، أن يمارسهُ غيرُ المسلمين في المجتمع الإسلامي؟ هل هي المصلحةُ الإسلامية؟ أم مصلحةُ الطرفين: المسلم وغير المسلم؟
________________________________________

[ الصفحة - 298]


ـ ما الكيفيَّاتُ والآليَّاتُ الضَّروريَّةُ لتطبيق مبدأ العدل أو مبدأ المساواة {كلٌّ في نطاقه‏{ .. وهل هي ـ هذه الكيفيَّاتُ والآليَّاتُ ـ من اختصاص الفقهاء وحدهم، أو من مسؤولياتِ المجتمع بشموليته؟
بمعنى آخر: كيف نطبِّق قوله تعالى: { لاَ يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ لَمْ يُقاتِلوكُمْ فِي الدِّينِ، وَلَمْ يُخْرِجُوكُمْ مِّنْ دِيَارِكُمْ، أَنْ تَبَرُّوهُمْ وَتُقْسِطُوا إِلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المُقْسِطِينَ } ؟ {الممتحنة/8} .
وما النَّموذج الواقعي والممكنُ لاستقامة منظومةٍ عصريةٍ ومقنعةٍ للحقوق والواجبات بين المسلمين وبين من يطلب القرآنُ أن نَبَرَّهُم ونُقسط إليهم؟
وأخيراً،
ما خياراتُ الحقوق والواجباتِ المشتركة في المجتمعاتِ التعددية كلبنان والسودان ومصر..، مثلاً؟
الشيخ خالد العطيَّة: نقدِّم الشكر الجزيل للأستاذ الدكتور على مداخلته القيمة والمفيدة التي أضاءت بعض جوانب الإشكالية المطروحة في هذه الندوة. وأودُّ، قبل الانتقال إلى السادة الحضور، أن أُعلِّق تعليقاً بسيطاً على ما أشار إليه الأستاذ الدكتور سليمان حول مصطلح أهل الذمَّة، ونظرة المسيحيين إلى هذا المصطلح وتفضيله مصطلحاً آخر اقترحه الكاتب المصري المعروف فهمي هويدي، وهو: «مواطنون».
الحقيقة أنَّ هذا المصطلح لعلّه قد أثقل بتجربة تاريخيَّة معيَّنة، وأصبح يثير ما يثيره من نفرة عند إخواننا المسيحيين، إنما هذا المصطلح، في تصوُّري، يعكس التكييف الفقهي لالتزام المسلمين نحو هذه الطائفة أو التي تواطنهم وتساكنهم في مجتمعهم، ويعني أنهم داخلون في ذمَّتهم وتحت رعايتهم وحمايتهم مقابل ما يلتزمون به من شروط وتكاليف معيَّنة فرضها عليهم. ولعلّ ممّا يساهم في إزالة هذه النَّفرة هو إيضاح المدلول الفقهي لهذا المصطلح، وشرح الأبعاد الفقهية والقانونية لوضعية أهل الذمة داخل المجتمع الإسلامي.
د. سمير سليمان: اسمحوا لنا بتوضيح بسيطٍ ومهمٍّ في آن.
إيَّانا أن نظن، أيها الأخوة الأعزاء، ونحن نعيش في لبنان، أنَّ إخواننا المسيحيين لا يقرأون رسائل فقهائنا. المثقفون منهم يقرأون رسائل
________________________________________

[ الصفحة - 299]


هؤلاء الفقهاء. وقد ناقشت كثيراً منهم في بعض هذه الرسائل، وأنتم تعرفون أنها تتضمن أحكاماً في منتهى القسوة في التعامل مع المسيحيين. بدأ الكلام بأنه لا يجوز للنَّصراني أن يبني بيتاً مرتفعاً أكثر من بيت المسلم، ووصل إلى تفاصيل تفيد أن النصراني نجسٌ ذاتاً وعرضاً، وهذا لا ينفع فيه توضيح مصطلح الذمّي، ربما كان هذا الأمر مفيداً في بلدٍ غير لبنان، وأنا أشرت في بعض الأسئلة إلى إشكالية المجتمع التعدّدي؛ يعني أعتقد أن المشكلة غير مطروحة بذات القوّة وبذات الحدّة، في المجتمع الإيراني. في لبنان وفي مصر والسودان هي مطروحة بقوة. وبالتالي، أنا لا أدَّعي أنَّ مصطلح أهل الذمة ينبغي صرف النظر عنه نهائياً، لكن أقول: في هذه المرحلة لم يعد هذا المصطلح، على طهارة دلالته التي ذكرتها، لم يعد قابلاً لإقامة حدٍّ أدنى من الطمأنينة، ولو في أولويات الحوار مع الآخر. هذا ما أحببت أن أقوله..
الشيخ خالد العطيَّة: الحقيقة كما تفضَّلت. أنا أقول: إن المسألة ليست مسألة مصطلح وألفاظ وإلاَّ كانت هيِّنة، وإنَّما هي في ما يعكسه هذا المصطلح من دلالات وأحكام. هذه الأحكام التي أشرت إلى بعضها والتي تثير النفرة والاستفزاز عند المسيحيين، لا تمثِّل في الواقع إلاَّ قراءات واجتهادات معينة، أو ممارسات معينة. وتوجد، كما تفضلت، في بعض الرسائل العملية، أنه لا يجوز للذمي أن يعلو بيته على بيوت المسلمين الآخرين، تعالَ إلى الواقع وإلى التجربة الإسلامية وإلى التاريخ، هل تجد تطبيقاً لهذا الحكم؟ لا يوجد مثل هذا، حتى في مصر التي ربما توجد فيها هذه المشكلة أكثر من غيرها من البلدان العربية والإسلامية. أقول: في الواقع، إن هذه الأحكام لا تتمثَّل إلا في اجتهادات وقراءات، ومن الممكن أنَّه لو تمَّ، كما تفضل سماحة الشيخ ونبّه في ملاحظته المنهجية، استنطاق جديد للنصوص الواردة في شأن أهل الذمَّة مع مراعاة ظروف الزمان والمكان والحوادث في سياقها التاريخي المعيَّن، وفي سياقها الخاص، ربما لتغير كثير من هذه الأحكام، ولخرجنا بنتائج ربما جديدة..
على كل حال، ننتقل الآن إلى الأخوة الحاضرين، لنسمع منهم بعض
________________________________________

[ الصفحة - 300]


التعليقات والاستفسارات حول ما طرح في هذه الندوة..
أبو مجاهد (أحد الحضور): الحديث الذي تفضل به الأخوة كان حديثاً جيِّداً وقيِّماً، ولكن كنت أتوقَّع، من خلال استقرائكم للتاريخ، أن تستشهدوا بالتجربة الحضارية القائمة ـ الآن ـ في إيران الإسلام. فهناك لا يوجد شي‏ء اسمه جزية تؤخذ من المسيحي أو اليهودي؛ لا أحد يأخذ جزية، والجندي الذي يقتل في الجبهة يعامل معاملة الشهيد، ويفتح له ملف في مؤسسة الشهيد.. الخ، ولكن هم عادة يدفنون في مقابرهم. وكثير من القضايا التي تحدثتم عنها قد تكون عرفت عبر التاريخ، أما على الأرض الآن، وفي التَّطبيق العملي فهي غير موجودة. حبَّذا لو تطرق الإخوان، في هذا الجانب، إلى تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران وتعاملها مع الأقلّيات.
الشيخ جعفر المهاجر: نحن نثني على كلام الأخ الكريم، ولكن المشكلة أن الموضوع كثير التشعب، ولا تكفي فيه ندوة أو عدة ندوات. ومن الطبيعي أن نغفل بعض الجوانب الهامة، لكن أنا ألمحت في بداية كلامي، أيضاً، إلى أن قيام الجمهورية الإسلامية نفسه يطرح توجهاً جديداً لمعالجة كل هذه القضايا وأمثالها. كنا نكتب فقهاً في الغرف المغلقة، فأصبحنا في فقه الواقع والحياة، وستطرح علينا مشاكل جديدة تماماً في هذا الموضوع وفي غيره.
الشيخ خالد العطيَّة: حقيقة، ما أثاره الأخ «أبو مجاهد» من ملاحظات جدير بالاعتبار والتنويه؛ وذلك لأن وضع الأقليات الآن في الجمهورية الإسلامية في إيران، وضع مشرّف، ويمثل في الحقيقة رؤية فقهية جديدة وملائمة لمقتضيات العصر في قضية أحكام أهل الذمَّة.
فمثلاً، في قضية الجزية، أفتى بعض الفقهاء أن الذمي إذا قام بواجب الدفاع والخدمة العسكرية في البلاد الإسلامية تسقط عنه الجزية، والآن كما يطبَّق في الجمهورية الإسلامية في إيران، تفرض عليهم الخدمة العسكرية، ويساهمون في الدفاع عن بلدهم، بالإضافة إلى ما يحظون به من تمثيل سياسي في البرلمان وفي الإدارة وفي غير ذلك...
د. سمير سليمان: أريد أن أقول شهادة رأيتها (فقط من باب أن ترتاحوا
________________________________________

[ الصفحة - 301]


قليلاً من الجو الجدي): في إحدى زياراتي للجمهورية الإسلامية، بسبب انعقاد أحد المؤتمرات في مدينة «أصفهان»، زرت إحدى كنائس الجالية الأرمنية في المدينة، وكانت الحرب لا تزال محتدمة بين إيران والنظام العراقي، وقد فوجئت حينما دخلت إلى باحة الكنيسة الخارجية، قبل أن ندخل إلى داخل حرمها، بلوحة توضع فيها أوراق النعي للموتى، لاحظت أن إحدى أوراق النعي تخص شاباً، كما هو واضح من صورته، يرتدي لباساً عسكرياً وهو برتبة ضابط طيار. وكانت ورقة النعي تبدأ بعبارة النداء: «يا أبا عبداللَّه الحسين (عليه السلام)»، وتحت العبارة الصليب ثم كلام بالفارسية.. فسألت راعي الكنيسة، أو خادمها الذي كان معنا عن ذلك، فأجابني أن هذا الضابط هو أرمني، وقد سقطت طائرته في الحرب مع العراق، واستشهد، سألته عن الشعار؛ نداء «يا أبا عبداللَّه الحسين»، ولماذا لم تكتبوا مثلاً: «من آمن بي وإن مات مسيحياً»، وهي عبارة تعوَّدنا على رؤيتها فهناف في نعي المتوفين من إخواننا المسيحيين؟. فقال: إن الإمام الحسين (عليه السلام) هو إمامنا، ولنا الشَّرف في أن يستشهد أبناؤنا بالدّلالات التي يمثِّلها استشهاد الإمام الحسين (عليه السلام). وكان معنا أيضاً العديد من الأجانب، كان معنا أمريكيون وألمان وفرنسيون وآخرون من جنسيات مختلفة. وقد دهش الجميع لهذه الظاهرة، إنها شهادة، نحن من واجبنا أن نقولها من باب الحقيقة الموضوعية، لا من باب المجاملة، وأعتقد أن الذين قرأوا عن تجربة الجمهورية الإسلامية في إيران، من وجهة نظرةٍ علمية، يشيرون إلى ظاهرة المواطنية بين المسيحيِّين في إيران وإخواننا المسلمين، وحتى المواطنين الإيرانيين من اليهود..
الشيخ خالد العطيَّة: هناك سؤال من أحد الأخوة الحاضرين، وهو: كيف ينظر السادة المنتدون إلى تجربة الدولة العثمانية بالتعامل الخاص مع الأديان في آخر عهد الدولة، خاصة في لبنان بما عرف بقانون المتصرفية؟ وهل هناك ترابط بين الامتيازات الموجودة في ذلك القانون ونظام لبنان الطائفي؟ كيف كانت التجربة؟
الشيخ جعفر المهاجر: ما المقصود بقانون المتصرفية؟ لم أفهم.
________________________________________

[ الصفحة - 302]


د. بسَّام عبد الحميد: أظن أن موضوع نظام الملل الذي يعطي امتيازات للأقليات الدينية مرتبط بضعف الدولة العثمانية، وضغط الدول الأجنبية عليها، فاستطاعت الأقليات، تحت هذا الاعتبار، أن تستحصل على هذا النظام، وهو ليس اعترافاً بوضع هذه الأقليات.
الشيخ جعفر المهاجر: كان اختراقاً صريحاً يتجه مباشرة إلى قلب الدولة العثمانية ويعرِّيها حتى من قدرتها على التعامل مع المواطنين؛ بحيث أنها تجعل من مواطن مسيحي كاثوليكي خاضعاً للقضاء ونظام الحماية الفرنسية.
د. سمير سليمان: أريد أن أقول للّبنانيين أن المفارقة هي في هذه الغرائزية والهيجان الطائفيين والمذهبيين القائمين في بلادنا اليوم، الناس يستذكرون نظام الملل العثماني. ويقولون: «رزق اللَّه على أيامهم».
د. محمَّد فرحان (أحد الحضور): أنا من الذين يدقِّقون في العناوين، عندي اهتمامات متواضعة في هذا الموضوع، عندما قرأت العنوان: «حقوق الأقليات في الإسلام»، وجدت أن الفقرة الأخيرة من العنوان تدفعني، بوصفي باحثاً، إلى التساؤل عن منظومة الإسلام، الحقيقة أن معنى الإسلام في هذه الإطلاقية يتمثل في عمارة من ثلاثة طوابق، وكنت أتمنى أن يجري الحديث عن حقوق الأقليات في ضوء هذه الطوابق الثلاثة.
الطابق الأول هو: طابق العقيدة، والحوار في الأحاديث النبوية التي فصَّلت وشرحت المناطق التي يحتاج إليها الخطاب القرآني إلى الشرح والتفصيل، ثم هناك السيرة النبوية، التي أظهرت موقف النبي (صلي الله عليه و آله و سلم) على الأرض. لذلك كنت أتمنى أن تكون هنالك ورقة تبحث في حقوق الأقليات في ضوء الخطاب القرآني والسنة النبوية.. هذا من الناحية المنهجية.
الطابق الأوسط أوسع، وكنت أتمنَّى أن يُخصَّص له مجال كبير، فالموضوع يحتاج إلى موسوعة من الدِّراسات، متعددة الأجزاء، تبحث في هذا الموضوع وتقدم جهداً أصيلاً للمجتمع الإسلامي ولفكر الإسلام. والحقيقة، كما تعرفون، وقد يكون كلامي هذا معاداً، هنالك فقه متعدد بتعدد المذاهب الإسلامية، وفي مسألة
________________________________________

[ الصفحة - 303]


حق أهل الذمة هنالك تنوع بعض الشي‏ء في الفقه الإسلامي وفقاً للانتماءات، ووفقاً للظروف التي مرّت بها الملّة المحاصرة من السلطة والسلطان. ولذلك، كنت أتمنى أيضاً تقديم بحث ينقِّب في الفقه الإسلامي، ليس في المذاهب الأربعة والمذهب الشيعي الخامس، وإنما في باقي الفرق الإسلامية؛ لأن الحقيقة، إخواني، كما تعرفون، أن المسيحيين واليهود عاشوا في بحبوحة في بعض الأحيان، في حين أن الفرق الإسلامية الاُخرى كانت تقتل وتحاصر من قبل السلطة والسلطان، بعض الفرق كان السيف مرفوعاً عليها، في حين كان «سرجون» و«آل بختيشيوع»، بلاط السلطان، إضافة إلى حنين بن إسحاق، وقسطا بن لوقا، على سبيل المثال، مدللين مترفين. لذلك كنت أتمنى أن يقدّم بحث في الفرق الإسلامية؛ لأنني قبل أن أحضر إلى الندوة كنت أقرأ، على سبيل المثال، في كتاب عبد القادر البغدادي: «الفرق بين الفرق»، وهذا الرجل كفَّر ثلاثاً وسبعين فرقة إسلامية، وأخرجها من الإسلام. فالفرق الإسلامية كانت تعاني في الجو الإسلامي معاناة كبيرة، بينما كان اليهود والنصارى يعيشون في أوضاع أفضل من هؤلاء..
أمّا الطابق الثالث، فهو الطابق الأرضي الواسع الذي يمثل التجربة على الأرض، مسألة الأنظمة السياسية؛ حيث أننا نتعامل مع واقع الآن. عندما نكتب أبحاثنا ينبغي أن ننظر من الطابق الثالث فنكشف عن حالات عاشت فيها الأقليات، حالات من الترف وحالات اُخرى من الضيق، على سبيل المثال في زمن المتوكل، النصارى عانوا معاناة كبيرة؛ بحيث أن النصراني كان لا يخرج يوم الجمعة، وإنما يبقى في البيت، ويجب أن يضع الصليب على بيته، ويجب أن يرتدي نوعاً من اللباس.
كنت أتمنى أن تقدّم قراءات متعدّدة في ضوء هذه الطوابق الثلاثة حتى نستطيع أن نقف فعلاً على مسألة حقوق الأقليات.
بقيت مسألة أخيرة تتعلق بواقعنا الإسلامي. اليوم تعيش بلداننا أنظمة لا علاقة لها بالإسلام، إذاً، كيف نتعامل ـ نحن كمسلمين ـ مع الأقليات في ظل نظام غير إسلامي في مختلف بلادنا، ما عدا الجمهورية الإسلامية؟ وعندما قرأت كتابات الشهيد الصدر في معالجة
________________________________________

[ الصفحة - 304]


البنك اللاربوي في الإسلام ومسألة الفائدة، وجدت إشارة يمكن أن تستثمر، تتمثل هذه الإشارة في إجابته على السؤال التالي: هل يمكن إقامة بنوك لا ربوية؟ قال: غير ممكن؛ لأن المجتمع غير إسلامي، وبالتالي فإن البنك اللاربوي لا يمكن أن ينجح. إذاً، في بلادنا، الأنظمة السياسية غير إسلامية، فكيف نتعامل نحن مع الأقليات الغير الإسلامية؟
أنا أعتقد أنه ينبغي علينا، كما أكّد الأخوة، أن نكون شجعاناً، ونشجِّع فقهاءنا على استنباط فقه سياسي جديد يسمح لنا بالأخوَّة مع الأقليات، وبالتعاون في بناء مجتمعاتنا والمحافظة على حقوقنا وحقوقهم، وشكراً.
الشيخ خالد العطيَّة: في ختام هذه الندوة، نتوجه بالشكر الجزيل للسادة المنتدين وللسادة الحضور لحسن متابعتهم وإصغائهم، ونسأل اللَّه تعالى أن يوفِّقنا وإياهم لكل خير، وأن يجمعنا في مناسبات اُخرى لاحقة، والسلام عليكم ورحمة اللَّه وبركاته.
________________________________________

[ الصفحة - 305]