القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية القديمة (دراسة تقويمية نقدية)

القرآن الكريم في الدراسات الاستشراقية القديمة (دراسة تقويمية نقدية)

تأليف : 

الشيخ محمود علي سرائب 

 

مقدمة المركز 

بسم الله الرحمن الرحيم 

الحمد لله ربِّ العالمين والصلاة والسلام على أشرف الخلق وأعزّ المرسلين سيّدنا ونبيّنا أبي القاسم محمد بن عبد الله(صلى الله عليه وآله وسلم)، وعلى آله الطيّبين الطاهرين.

أَوْلى المستشرقون الغربيّون اهتمامًا كبيرًا بالقرآن الكريم نشأ في كثير من الأحيان من المخاوف التي استحوذت على عقليّة الإنسان الغربيّ ونظرته إلى الإسلام نظرة المنافس المهدِّد له باستلاب حضارته وثقافته، فظهر الجدل ضدّ القرآن الكريم مبكِّرًا، منذ القرون الوسطى في الغرب، في الخطاب الدينييّ اليهوديّ والمسيحيّ على لسان يوحنا الدمشقيّ (ت: 749م)، وموسى بن ميمون (ت: 1204م)، وتوما الأكويني (ت: 1274م)، ورئيس دير كلوني بطرس المبجَّل (ت: 1156م) الذي كان أوّل من شجّع على مشروع ترجمة القرآن الكريم إلى لغة غربيّة ودعمه، فظهرت أوّل ترجمة للقرآن إلى اللغة اللاتينيّة على يد البريطاني روبرت كيتون (Robert of Ketton) في الفترة الممتدة بين (1136-1157م)، ثمّ تتابعت من بعدها الترجمات إلى اللغات الأوروبيّة المختلفة؛ كالإنكليزيّة، والفرنسيّة، والألمانيّة، والإيطاليّة، والهولنديّة، والإسبانيّة، والروسيّة، ... ولم يقتصر عمل المستشرقين على هذا المجال بالنسبة للقرآن الكريم، بل اتّسعت جهودهم إلى مجالات أخرى تتعلّق بالقرآن الكريم؛ كعلوم القرآن والتفسير والدراسات القرآنيّة، فبرزت في هذا الصدد شخصيّات استشراقيّة عدّة تنتمي إلى مدارس استشراقيّة أوروبيّة؛ ألمانيّة، وبريطانيّة، وفرنسيّة، ومجريّة...؛ من قبيل: الألمانيّ تيودور نولدكه (Theodor Noldke) (ت: 1930م)، ومواطنه رودي باريت (Rudi Paret) (ت: 1983م)، والمجريّ إجنتس جولدتسيهر (Ignaz Goldziher) (ت: 1921م)، والبريطانيّ ريتشارد بيل (Richard Bell) (ت: 1952م)، والفرنسيّ ريجيس بلاشير (Regis Blachere) (ت: 1973م)، والأستراليّ آرثر جفري (Arthur Jeffery) (ت: 1959م)، ... ووصلت هذه الجهود الاستشراقيّة في مجال دراسة القرآن إلى مرحلة إصدار موسوعات خاصّة؛ كـ«موسوعة القرآن» التي صدرت ما بين
(2000-2006م) عن دار بريل الهولنديّة ضمن ستّ أجزاء، والعمل على مشاريع بحثيّة أخرى؛ كمشروع الموسوعة القرآنيَّة الألمانيَّة (Corpus Coranicum)، الذي بدأ تنفيذه عام 2007م، وتستمرُّ فعاليَّاته حتَّى العام 2025م، والمشروع الداعم له (Coranica)؛ وهو مشروع ألماني- فرنسيّ.

وقد أدّت هذه الجهود الاستشراقيّة في أغلب ما نتج عنها -عن تعمّد أو عن قلّة إطلاع وعلم ودراية- إلى الوقوع في أخطاء خطيرة وجسيمة لا تليق بالقرآن الكريم؛ وهو منزّه عنها؛ ما استدعى ذلك ردودًا من قِبَل العلماء والباحثين المسلمين على مدار العقود المنصرمة.

ويأتي هذا الكتاب بوصفه أحد الجهود العلميّة والتحقيقيّة المبذولة في التعرّف على جهود المستشرقين القدامى في ترجمة القرآن الكريم ودراسة دوافعهم لدراسة القرآن، ومناهجهم في فهم القرآن، إذافة إلى بيان الرأي الحق في الوحي وجمع القرآن وإعجازه، وغيرها من الموضوعات القرآنية الرئيسة، التي سعى المستشرقون لحرفها عن الحقيقة والواقع، ونقد مقولاتهم وتصحيح أخطائهم ودرء شبهاتهم في هذا الصدد.

نرجو أن يقدِّم هذا الكتاب إضافة علميّة وبحثيّة مرجعيّة للباحثين وللطلاب في تعرّفهم على جهود الحركة الاستشراقيّة في مجال الدراسات القرآنيّة ومدارسها وأقطابها ومدارسها ومقولاتها ونقد هذه المقولات.

والله الموِّفق

المركز الإسلاميّ للدراسات الاستراتيجيّة

مقدمة المؤلف

بسم الله الرحمن الرحيم 

هذه الدراسة جهد علميّ، وبحثيّ متواضع في عرض دراسات المستشرقين عن القرآن الكريم ونقدها، وأبرز أعمالهم الفكريّة والعلميّة في هذا المجال.

وقد حاولنا قدر الإمكان أن تتسم دراستنا بالعلميّة، والموضوعيّة، خصوصًا إزاء تلك الدراسات التي طغى عليها الهوى والتعصّب حينًا،  وملامح التبشير تارة أخرى.

وقد دفعنا لكتابة هذا الكتاب دوافع كثيرة على رأسها الحبّ والعشق للقرآن الكريم، وهذا أمر طبيعي تفرضه طبيعة اعتقادنا بقداسة هذا الكتاب وألوهيّته وكونه المنجي للبشريّة من مستنقع الظلم والضلال، بالإضافة لما يتمتّع به من جاذبيّة خاصّة، جذبت قلوب الملايين من غير المسلمين فكيف بنا وقد تربيّنا على تلاوته، وحفظه، وفهمه، منذ نعومة أظفارنا.

بالإضافة إلى ما تعرّض ويتعرّض له هذا الكتاب المقدّس من تشويه متعمّد، وتضليل الناس عن سماعه والاهتداء بهديه، وهو منهج قديم قد حدّثنا عنه القرآن نفسه: ﴿وَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَا تَسْمَعُوا لِهَٰذَا الْقُرْآنِ وَالْغَوْا فِيهِ لَعَلَّكُمْ تَغْلِبُونَ﴾[1]، وما مارسه الاستشراق القديم، ويمارسه الاستشراق المعاصر، ما هو إلا لغو في الكتاب، ولكن بشكل مختلف، ظاهره علمي، وحقيقته وجوهره لا تختلف عمّا كان في السابق، فأصبح اللغو له طرق علميّة من خلال إصدار عشرات المجلاّت، وآلاف الكتب، وعقد مئات الندوات والمؤتمرات، وإنشاء عشرات المعاهد التعليميّة، والفروع التخصّصيّة الجامعيّة، وغير ذلك من طرق ووسائل، كلّ ذلك من أجل صرف الناس عن  القرآن، وتصغيره في أعينهم، وإبعاده عن نمط حياتهم، وصناعة مستقبلهم، وجعله كتاب تاريخ لا كتاب حياة تصنع من خلاله الحضارة الإنسانيّة.

وقد كان القرآن الكريم وما زال محطّ أنظار المستشرقين؛ لأنّه مصدر القوّة في حياة المسلمين، ومنبع الرؤية في حضارتهم، والموجّه لحركتهم، ولمناحي التفكير لديهم. وكما كذّب مشركو قريش بالقرآن في السابق، واعتبروه شعرًا مرّة، وسحرًا أخرى، وكهانة مرّة، وأساطير الأوّلين مرّات، وكما رموا صاحب الرسالة بالافتراء والكذب تارة، وبالجنون تارة أخرى، وبحثوا له عن مصدر في الأرض؛ كانت أغلب جهود الاستشراق لا تخرج عن هذه التوجّهات والتوجيهات.

وباختصار ما زالت ملاحقة المتّهم في زعمهم وهو نبيّ الإسلام قائمة، والمحكمة منعقدة، والقضاة أبرموا حكمهم، وأنزلوا أشدّ العقوبة على المتّهم ورسالته، من دون سماع لصاحب الرسالة وأدلّته، ومعرفة بكتاب الله وعظمته، بل افترضوا رسالة ما، ومرسلًا ما، ووجّهوا لهما سهام النّقد، وعند التدقيق في كلامهم نراهم قد أخطؤوا الإصابة، فلا من أصابوه بمقتل -حسب زعمهم- هو القرآن الكريم، ولا من تحدّثوا عنه، وعن نهجه، وسيرته وفكره، هو الرسول الأمين محمد (صلى الله عليه وآله وسلم).

وإن كانت هذه الدراسة لا تنفي وجود بعض الدراسات المنصفة والجادّة في مجال الدراسات القرآنيّة والإسلاميّة بشكل عامّ، والتي يمكن البناء على بعضها، ولكن ساحتنا لا تزال عطشى لمثل هذه الدراسات.

ولتحقيق غاية هذا الكتاب المتمثّلة في بيان عناصر الضعف العلمي والبحثيّ في دراسات المستشرقين للقرىن الكريم، إضافة إلى النقد المنهجيّ، وتصويب العديد من الشبهات التي سعى المستشرقون إلى تكريسها حول القرآن، والوحي، ونبي الإسلام...، بحسب ما يحملون من أهداف وخلفيات تجاه الدين الإسلامي.

وقد تضمّن هذا الكتاب الفصول الآتية.

الفصل الأوّل: الحركة الاستشراقيّة: مفهومها، مراحلها، أهدافها، وآليّاتها.

الفصل الثاني: الحركة الاستشراقيّة: مدارسها، مجالاتها، وخصائصها، ودوافعها لدراسة القرآن.

الفصل الثالث: مناهج المستشرقين في الدراسات الإسلاميّة والقرآنيّة.

الفصل الرابع: القرآن: مصدره، وتاريخه، وترجمته عند المستشرقين.

الفصل الخامس: آراء المستشرقين في المباحث الأساسيّة لعلوم القرآن.

 الخاتمة: وتضمّنت استخلاصات الدراسة، ونتائجها، وتوصياتها.

-----------------------